Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
قال: فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه فيه رسول الله ﷺ حجة الوداع مشرك: فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا﴾
الحواشي
(١) تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] خاص بمن لا عهد له مؤقت، أو لا عهد له أصلا، وعند الطبري عن ابن عباس أن الأربعة أشهر أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها أو يزيد عليها، ومن لا عهد له فانقضاؤه سلخ المحرم لقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥] . ومن طريق معمر عن الزهري كان أول الأربعة أشهر شوال عند نزول براءة، وآخرها آخر المحرم، وبه يجمع بين ذكر الأربعة وبين قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ﴾ [التوبة: ٥] .
لكن استبعده الطبري من حيث إن بلوغهم الخبر إنما هو عند وقوع النداء به يوم النحر، فكيف: يقال سيحوا أربعة أشهر ولم يبق منها إلا دون شهرين، ثم أسند عن السدي وغير واحد التصريح بأن تمام الأربعة أشهر في ربيع الآخر.
قال العلماء: والحكمة في إرسال علي بعد أبي بكر أن عادة العرب جرت بأن لا ينقض العهد إلا من عقده، أو من هو من أهل بيته، فأجراهم في ذلك على عادتهم، وقيل لأن براءة تضمنت مدح أبي بكر، فأراد أن يسمعوه من غيره، وهذا غفلة من قائله حمله عليها ظنه أن المراد تبليغها كلها، وليس كذلك إنما أمر بتبليغ أوائلها فقط كما مر. انتهى من الفتح، ثم انتهت رواية البخاري هنا في التفسير والصلاة، وزاد في الجزية قوله، "فنبذ" قال الحافظ وغيره: أي طرح "أبو بكر إلى الناس" عقدهم "في ذلك العام، فلم يحج في العام القابل الذي حج فيه رسول الله ﷺ حجة الوداع مشرك....." قال الحافظ: وقوله: فنبذ إلخ.
هو أيضا مرسل من قول حميد بن عبد الرحمن والمراد أن أبا بكر أفصح لهم بذلك قال المهلب: خشي ﷺ غدر المشركين، فلذا بعث من ينادي بذلك، وقد قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ [الأنفال: ٥٨] أي اطرح إليهم عهدهم، وذلك بأن يرسل إليهم من يعلمهم بأن العهد انقضى.
قال ابن عباس: أي على مثل، وقيل على عدل، وقيل أعلمهم أنك قد جازيتهم حتى يصيروا مثلك في العلم بذلك، وقال الأزهري: المعنى إذا عاهدت قوما فخشيت منهم النقض، فلا توقع بهم بمجرد ذلك حتى تعلمهم، انتهى.
"فأنزل الله تعالى في العام الذي نبذ فيه أبو بكر إلى المشركين" عقدهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] ﴿فَلَا يَقْرَبُواстр. 1752
الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] الآية.
وقد دلت هذه الآية الكريمة على نجاسة المشرك كما في الصحيح "المؤمن لا ينجس" وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم، وهذا ضعيف؛ لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير لما طهرهم الإسلام، ولاستوى في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام وغيره من المساجد
الحواشي
(١) الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨] أي لا يدخلوا الحرم كله؛ لأن المسجد الحرام حيث أطلق في القرآن فالمراد به الحرم كله، كما قاله ابن عباس، وابن جبير ومجاهد وعطاء وغيرهم.
رواه ابن أبي حاتم ﴿بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ وهو صريح في منعهم دخوله ولو لم يقصدوا الحج لكن لما كان الحج هو المقصود الأعظم، صرح لهم في الحديث بالمنع منه فقال: أن لا يحج بعد العام مشرك، فيكون ما وراءه أولى بالمنع، كما في الفتح "الآية".
روى ابن جرير وغيره عن سعيد بن جبير وعكرمة وغيرهما، لما نزلت ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا شق ذلك على المسلمين، وقالوا: من يأتينا بالطعام وبالمتاع فنزل: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [التوبة: ٢٨] ، "وقد دلت هذه الآية الكريمة" بالمنطوق "على نجاسة المشرك، كما" دل مفهوم قوله صلى الله عليه وسل في الحديث "الصحيح" الذي خرج الشيخان وأصحاب السنن "المؤمن لا ينجس" في حد ذاته حيا ولا ميتا عند الأكثر، ولذا يغسل إذا مات نعم يتنجس من ترك التحفظ من النجاسات والأقذار، وقد علمت أن التشبيه في مطلق الدلالة وإن اختلفت، والمراد نجاسة اعتقادهم عند الجمهور، "وأما نجاسة بدنه فالجمهور على أنه ليس بنجس البدن والذات" عطف تفسير، بل طاهر وحجتهم أن الله تعالى أباح الكتابيات، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل الكتابية الأمثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على الطهارة إذ لا فرق بين النساء والرجال، "وذهب بعض الظاهرية إلى نجاسة أبدانهم" تمسكا بظاهر الآية والحديث، حتى أفرط بعضهم فقال: ينجس الماء بملاقاتهم ويجب الوضوء على كل من صافحهم، "وهذا ضعيف لأن أعيانهم لو كانت نجسة كالكلب والخنزير" عند من قال بنجاستهما "لما طهرهم الإسلام" وهو خلاف الإجماع "ولاستوى في النهي عن دخول المشركين المسجد الحرام" بالرفع فاعل "استوى وغيره من المساجد" مع أن في ذلك خلافا بين الأئمة، فاستدل الشافعي بظاهر الآية على أنهم لا يمنعون من دخول سائر المساجد إن أذنстр. 1753
فالمراد: الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر استوى وخبث الباطن بالعداوة قاله مقاتل.
وروى النسائي عن جابر أن النبي ﷺ لما رجع من عمرة الجعرانة بعث أبا بكر على الحج، فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج ثوب بالصبح، فلما استوى للتكبير سمع الرغوة خلف ظهره فوقف على التكبير فقال: هذه رغوة ناقة النبي ﷺ الجدعاء، لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج، فلعله أن يكون رسول الله ﷺ فنصلي معه، فإذا.
الحواشي
(١) مسلم لحاجة أو اقتضته مصلحة كقاض ونحوه بالمسجد، وأما غيره فقاس عليه سائر المساجد، وقال أبو حنيفة: لا يمنع الكتابي لتخصيصه بالمشرك فيها وعنه إجازة دخوله للمشرك أيضا، وأن المراد به النهي عن الحج والعمرة ولا الدخول، وحيث كان كذلك، "فالمراد" بقوله نجس "الأخباث لما فيهم من خبث الظاهر بالكفر، وخبث الباطن بالعداوة" للمسلمين، "قاله مقاتل" المفسر المشهور، وقيل: لوجوب اجتناب كما يجتنب عن الأنجاس، وقيل لأنهم لا يتطهرون ولا يجتنبون النجاسة فهم ملابسون لها غالبا.
"وروى النسائي،" والدارمي، والطبري، وابن راهويه وصححه ابنا خزيمة، وحبان كلهم "عن جابر أن النبي ﷺ لما رجع" إلى المدينة "من عمرة الجعرانة" التي اعتمرها سنة الفتح "بعث أبا بكر" أميرا على الحج" من قابل، وطوى ذكر من ولي الحج سنة ثمان، فيزول الإشكال الآتي، كما أفاده الفتح "فأقبلنا معه حتى إذا كنا بالعرج" بفتح المهملة، وإسكان الراء، فجيم قرية على نحو ثمانية وسبعين ميلا من المدينة، وبهذا جزم ابن سعد وعند الطبري عن ابن أبي وقاص أنه بضجنان" ولا منافاة "ثوب" أبو بكر "بالصبح" أي دعا إليها كما في المقدمة، "فلما استوى" قائما "للتكبير" ليحرم بالصبح "سمع الرغوة" بفتح الراء وضمها، وحكى كسرها أيضا صوت بعير "خلف ظهره" وإن لم يصرح القاموس والمصباح بإطلاق الرغوة على صوته لكن القياس يقتضيه؛ لأن اسم المرة من الثلاثي المجرد على فعله، "فوقف على التكبير، فقال: هذه رغوة ناقة النبي ﷺ الجدعاء" بالدال المهملة، وعند ابن إسحاق من مرسل الباقر القصواء، وروى أيضا العضباء قال المصنف في الجهاد فهذا يصرح أن الثلاثة صفة ناقة واحدة لاتحاد القصة، وبه جزم الحربي، انتهى.
ورواه ابن سعد عن الواقدي: وقال غيره: إنهما اثنتان القصواء، وهي العضباء، والثانية الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحمله ﷺ عند نزول الوحي غيرها، كما في الفتح، "لقد بدا لرسول الله ﷺ في الحج، فلعله" أي القادم "أن يكون رسول الله ﷺ فنصلى معه، فإذاстр. 1754
علي بن أبي طالب ﵁، فقال له أبو بكر ﵁ أمير أم رسول، قال: لا بل رسول، أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج، فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية بيوم قام أبو بكر فخطب الناس فحدثهم عن مناسكهم، حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، ثم خرجنا معه، حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام على فقرأ على الناس براءة حتى ختمها،.
الحواشي
(١) علي بن أبي طالب ﵁ عليها" على الناقة "فقال له أبو بكر ﵁:" أنت "أمير أم رسول قال: لا" ردا لما توهم، وهو المعطوف عليه فقط، أي لست أميرا، "بل" أنا رسول أرسلني رسول الله ﷺ ببراءة أقرؤها على الناس في مواقف الحج" ولم يكتف بأبي بكر لأمر الله له بذلك، كما سلف معاملة للعرب بسنتهم المألوفة أنه لا يحل العقد، إلا من عقده أو واحد من أهل بيته، فاختار منهم عليًّا؛ لأنه أفضلهم، "فقدمنا مكة، فلما كان قبل التروية" بفتح الفوقية، وسكون الراء، وكسر الواو وخفة التحتية؛ لأنهم كانوا يروون فيهم إبلهم، ويتروون من الماء؛ لأن تلك الأماكن لم يكن فيها آبار ولا عيون، وأما الآن فكثر جدا واستغنوا عن حمل الماء، أو لأن آدم رأى فيه حواء واجتمع بها، أو لأن إبراهيم رأى ليلة ذبح ابنه فأصبح يتروى، أو لأن جبريل أرى إبراهيم فيه المناسك، أو لأن الإمام يعلم الناس فيه المناسك وهي شاذة؛ إذ لو كان من الثاني لكان يوم الرؤية، أو الثالث لكان يوم التروي بشد الواو، أو الرابع لكان من الرؤيا، أو الخامس لكان من الرواية، كما في الفتح.
"بيوم قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم عن مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي" بعد الخطبة ليتم اجتماع الناس، وتعظيما لأبي بكر لكونه الأمير، "فقرأ على الناس براءة حتى ختمها" ثم خرجنا معه حتى إذا كان يوم عرفة قام أبو بكر فخطب الناس، فعلمهم مناسكهم حتى إذا فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها، "ثم كان يوم النحر فأفضنا، فلما رجع أبو بكر خطب الناس، فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها".
وعند الطبري عن أبي الصهباء قال: سألت عليًّا عن يوم الحج الأكبر، فقال: إن رسول الله ﷺ بعث أبا بكر يقيم للناس الحج، وبعثني بعده بأربعين آية من براءة حتى أتى عرفه، فخطب، ثم التفت إليَّ فقال: يا عليَّ قم فأد رسالة رسول الله ﷺ ، فقمت فقرأت أربعين آية من أول براءة، ثم صدرنا حتى رمينا الجمرة، فطفقت أتتبع الفساطيط أقرؤها عليهم؛ لأن الجميع لم يكونوا حضروا خطبة أبي بكر يوم عرفة، فهذا معارض لقول جابر حتى ختمها.стр. 1755
ثم كان يوم النحر، فأفضنا فلما رجع أبو بكر خطب الناس فحدثهم عن إفاضتهم وعن نحرهم وعن مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها.
فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام عي فقرأ على الناس براءة حتى ختمها.
وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد، أما أبو بكر ﵁ فإنما كان سنة تسع.
الحواشي
(١) قال الحافظ: فيجمع بأن عليًّا قرأها كلها في المواطن المذكورة وأما في سائر الأوقات، فكان يؤذن لا يحج بعد العام، إلخ ويستعين بأبي هريرة وغيره. ا. هـ. فليتأمل فإن جملة المواطن عرفة، وقد صرح علي كما ترى بأنه قرأ فيها أربعين آية، فاللائق تأويل قول جابر حتى ختمها، أي المقصود منها تجوزا، وهو أربعون، فيوافق قول علي؛ لأنه أدرى بما قرأ "فلما كان يوم النفر الأول قام أبو بكر فخطب الناس، فحدثهم كيف ينفرون، وكيف يرمون يعلمهم مناسكهم، فلما فرغ قام علي فقرأ على الناس" أوائل "براءة حتى ختمها".
وحكمة تكريره أربع مرات ما صرح به علي كما سمعت، أن الجميع لم يحضروا خطبة عرفة، ولم يكتف بانتشار الخبر وتنبيهًا على الاعتناء بشأن هذا الأمر حتى كرره بعد الخطب، "وهذا السياق" كما قال الحافظ عماد الدين بن كثير "فيه غرابة من جهة أن أمير الحج سنة عمرة الجعرانة، إنما هو عتاب بن أسيد، فأما أبو بكر ﵁ فإنما كان" أمير الحج "سنة تسع" وقال المحب الطبري نحوه، وقال الحافظ في كتاب التفسير: يمكن رفع الإشكال في قوله: بعث أبا بكر، وقول أبي هريرة: لما قفل النبي ﷺ من حنين اعتمر من الجعرانة، ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة.
أخرجه عبد الرزاق، وصححه ابن حبان، بأن المراد بعد أن رجع إلى المدينة وطوى ذكر من ولى الحج سنة ثمان، فإنه ﷺ لما رجع من العمرة إلى الجعرانة فأصبح بها توجه هو ومن معه إلى المدينة إلى أن جاء أوان الحج، فأمر أبا بكر سنة تسع، وليس المراد أنه بعثه، أو أمره أن يحج سنة عمرة الجعرانة، وقوله: على تلك الحجة يريد الآتية بعد رجوعهم إلى المدينة انتهى، وهو حسن أولى من قوله هنا كان الطبري تبع الماوردي في قوله: أمر ﷺ عتابا أن يحج بالناس عام الفتح، والذي جزم به الأزرقي خلافه قال: لم يبلغنا أنه استعمل في تلك السنة على الحج أحدا، وإنما ولى عتابا أمرة مكة وحج المسلمون والمشركون جميعا، وكان المسلمون مع عتابстр. 1756
واستدل بهذه القصة على أن فرض الحج كان قبل حجة الوداع والأحاديث في ذلك شهيرة كثيرة.
وذهب جماعة إلى أن حج أبي بكر هذا لم يسقط عنه الفرض بل كان تطوعا قبل فرض الحج ولا يخفى ضعفه.
الحواشي
(١) لكونه الأمير انتهى لأن الأزرقي إنما نفى أنه بلغه، ولم يطلق النفي، وقد جزم الماوردي وابن كثير والمحب الطبري وغيرهم: بأنه ﷺ ولى عتابا مكة والحجة سنة ثمان، وتبعهم المصنف في المقصد الثاني: "واستدل بهذه القصة" التي هي حديث أبي هريرة في أرفع الصحيح وحديث جابر وهو صحيح "على أن فرض الحج كان قبل حجة الوداع" إذ لو لم يكن فرضا لما اعتنى ببعث أمير يقيمه للناس وإنما تخلف هو لما ذكر ابن عائذ أن المشركين كانوا يحجون مع المسلمين، ويعلون أصواتهم ليغلطوهم، يقولون: لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، ويطوف رجال منهم عراة، فكره ﷺ الحج ذلك العام، فلما دنا علي بذلك قالوا: نبرأ منك ومن ابن عمك إلا من الضرب والطعن، فلما رجعوا أرعبهم الله، فأسلموا طوعا وكرها، "والأحاديث في ذلك شهيرة كثيرة، وذهب جماعة إلى أن حج أبي بكر هذا لم يسقط عنه الفرض" حيث خوطب به بعد، فلم يعتد به فيما وجب عليه، فلا يرد أن السقوط فرع الوجوب وهو لم يجب، فكيف عبر بالسقوط، "بل كان تطوعا قبل فرض الحج ولا يخفى ضعفه" لكثرة الأحاديث الدالة على خلافه والله أعلم.стр. 1757
[هلاك رأس المنافقين] :
وفي هذه السنة مات عبد الله بن أبي بن سلول،
الحواشي
(١) هلاك رأس المنافقين:
"وفي هذه السنة" سنة تسع في ذي القعدة بعد الانصراف من تبوك "مات عبد الله بن أبي بن سلول" بفتح المهملة، وضم اللام وسكون الواو، ثم لام ورفع ابن صفة لعبد الله؛ لأنها أمه، وهي خزاعية، وهو خزرجي بعد مرضه عشرين ليلة ابتداؤها من ليال بقيت من شوال.
ذكره الواقدى، ثم الحاكم في الإكليل، ومال بعض أهل الحديث إلى تصحيح إسلامه لصلاة النبي ﷺ عليه، ولم يقف على جواب شاف فيه، فأقدم على دعوى ذلك، وذهل عن الآيات والأحاديث المصرحة بما ينافي ذلك وهو محجوج بإجماع من قبله على نقيض قوله، وإطباقهم على ترك ذكره في الصحابة مع شهرته وذكرهم من هو دونه في الشرف والشهرة بأضعاف مضاعفة.стр. 1758
فجاء ابنه إلى رسول الله ﷺ فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه، فقام ليصلي عليه، فقام عمر ﵁ فأخذ بثوب رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله تصلي عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه،
الحواشي
(١) "فجاء ابنه" عبد الله بن عبد الله الخزرجي من فضلاء الصحابة، وشهد بدرا وما بعدها، واستشهد يوم اليمامة في خلافة أبي بكر، ومن مناقبه أنه بلغه بعض مقالات أبيه في النبي ﷺ ، فجاء ليستأذنه في قتله، فقال: بل أحسن صحبته.
أخرجه ابن منده من حديث أبي هريرة بإسناد حسن قال ابن عمر: لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه عبد الله "إلى رسول الله ﷺ " وعند الطبري من طريق الشعبي لما احتضر جاء ابنه، فقال: يا رسول الله إن أبي احتضر، فأحب أن تشهده وتصلي عليه قال: "ما اسمك"؟ قال: الحباب، فقال: "بل أنت عبد الله الحباب" اسم شيطان وهو بضم المهملة، وموحدتين مخففا، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام، ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، "فسأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه أباه" وأخرج عبد الرزاق والطبري عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي ﷺ ، فلما دخل عليه قال: "أهلكك حب يهود" فقال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي، ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أنه يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله، ويعضده ما أخرجه الطبراني عن ابن عباس لما مرض ابن أبي جاءه ﷺ فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فأمنن عليَّ فكفني في قميصك وصل عليَّ، ففعل "فأعطاه، ثم سأله أن يصلي، فقام ليصلي عليه".
وفي حديث ابن عباس عن عمر في الصحيح: فلما قام وثبت إليه، فقلت يا رسول الله أتصلي عليه، وقد قال يوم كذا، كذا، وكذا أعدد عليه قوله يشير إلى مثل قوله لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا، وقوله ليخرجن الأعز منها الأذل، "فقام عمر ﵁، فأخذ بثوب رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله تصلي" وفي رواية أتصلي بإثبات همزة الاستفهام الإنكاري "عليه وقد نهاك ربك أن تصلي عليه" استشكل جدا إطلاق النهي عن الصلاة؛ إذ لم يتقدم نهي عنها، كما دل عليه قوله آخر الحديث، فأنزل الله حتى قال بعضهم هو وهم من بعض رواته وعاكسه غيره، فزعم أن عمر اطلع على نهي خاص في ذلك، وقال القرطبي: لعل ذلك وقع في خاطر عمر من قبل الإلهام، ويحتمل أنه فهمه من قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١١٣] انتهى.
والثاني أقرب؛ لأنه لم يتقدم نهي، والذي يظهر أن في هذا الحديث تجوزا بينته رواية البخاري من وجه آخر بلفظ، فقال: تصلي عليه وهو منافق وقد نهاك الله أن تستغفر لهم، وعندстр. 1759
فقال ﷺ : "إنما خيرني الله قال": ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] .
الحواشي
(١) الطبري وعبد بن حميد عن عمر، فقلت: والله ما أمرك الله بهذا لقد قال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] ، وكأنه فهم من الآية ما هو الأكثر الأغلب في لسان العرب أن أو ليست للتخيير، بل للتسوية في عدم الوصف، أي أن الاستغفار وعدمه، سواء كقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ ، لكن الثانية أصرح، وأن سبعين مبالغة، والمراد نفي المغفرة، ولو كثر لاستغفار فلا مفهوم للعدد، وأن المقصود الأعظم من الصلاة طلب المغفرة للميت والشفاعة.
هذا تقرير ما صدر من عمر مع شدة صلابته في الدين، وكثرة بغضه للمنافقين، فلذا أقدم على ما قال ولم يلتفت إلى احتمال إجرائه على ظاهر لما غلب عليه من الصلابة المذكورة، قال ابن المنير: إنما قاله عمر عرضا ومشورة، لا إلزاما وله بذلك عوائد، ولا يبعد أنه ﷺ كان أذن له في مثل ذلك، فليس باجتهاد مع وجود النص، كما زعم، بل أشار بما ظهر له فقط، ولذا احتمل منه أخذه بثوبه ومخاطبته له في مثل المقام حتى التفت إليه مبتسما، "فقال ﷺ : إنما خيرني الله " بين الاستغفار وتركه، "فقال: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ " [التوبة: ٨٠] واستشكل فهم التخيير من الآية حتى أقدم جماعة من الأكابر على الطعن في صحة هذا الحديث مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين وسائر الذين خرجوا الصحيح عن صحته، وذلك ينادي على منكري صحته، كالباقلاني، وإمام الحرمين والغزالي والداودي بعدم معرفة الحديث، وقلة الاطلاع على طرقه. وأجيب بأن العمل بالبقاء على حكم الأصل مع فهم المبالغة لا يتنافيان فجوز حصول المغفرة بالزيادة على السبعين لا أنه جازم بذلك ولا يخفى ما فيه، وبأن المنهي عنه استغفار ترجي إجابته بخلافه لمثل ابن أبي، فإنه تطييب لقلوب من بقي وليس بمضي كقول، الزمخشري: إن قلت كيف خفي على أفصح الخلق، وأخبرهم بأساليب الكلام، وتمثيلاته أن المراد بهذا العدد أن الاستغفار ولو كثر لا يجدي، ولا سيما وقد تلاه قوله ذلك: ﴿بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٨٠] فبين الصارف عن المغفرة لهم، قلت: لم يخف عليه ذلك لكنه فعل ما فعل، وقال ما قال إظهارا لغاية رحمته ورأفته على من بعث إليه كقول إبراهيم: ﴿وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦] . وفي إظهاراه الرأفة المذكورة لطف بأمته وباعث على رحمة بعضهم بعضا، وتعقبه ابن المنير، فقال: لا يجوز نسبة ما قاله إلى الرسول لأخبار الله أنه لا يغفر له، فطلبها لهم مستحيل، ولا يقعстр. 1760
وسأزيد على السبعين قال: إنه منافق:
فصلى عليه رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُم
الحواشي
(١) منه ﵊، والجواب الجيد أن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركا لا يستلزم النهي عنه لمن مات مظهرا للإسلام لاحتمال أن يكون صحيحا، ولا ينافيه بقية الآية لجواز أن الذي نزل أولا إلى قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُم﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، بدليل تمسكه ﷺ به وقوله إنما خيرني تمسكا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام، إلى أن يقوم الدليل الصارف عن ذلك، فلما وقعت هذه القصة، كشف الله الغطاء، ونادى عليهم بعد ذلك بأنهم كفروا بالله، وبهذا يرتفع الإشكال، "وسأزيد على السبعين".
ولعبد بن حميدة، عن قتادة والطبري، عن مجاهد وهو ابن أبي حاتم عن عروة: فوالله لأزيدن على السبعين.
وعند الطبراني من مرسل الشعبي فأنا استغفر سبعين وسبعين وسبعين، وهي وإن كانت مراسيل يعضد بعضها بعضا، فلا يصح جواب من أجاب عن الإشكال بأنه قاله استمالة لقلوب عشيرته لا أنه إن زاد يغفر له، ولا أنه زاد لثبوت الرواية بأنه سيزيد ووعده صادق ولا سيما وقد قال: لأزيدن بصيغة المبالغة في التأكيد "قال" عمر: "إنه منافق" لما كان يطلع عليه من أحواله، "فصلى عليه رسول الله ﷺ " ولم يأخذ بقول عمر إجراء له على ظاهر حكم الإسلام واستصحبا لظاهر الحكم والإكرام ولده الذي تحقق صلاحه، واستئلافا لقومه، ودفعا للمفسدة، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين.
وفي رواية للبخاري فصلينا معه، ففيه كما قال الحافظ أبو نعيم: أن عمر ترك رأي نفسه، وتابعه ﷺ ، وقد ورد ما يدل على أنه أطال في حال الصلاة عليه من الاستغفار له، فذكر الواقدي: أن مجمع بن جارية قال: ما رأيت رسول الله ﷺ أطال على جنازة قط ما أطال على جنازة عبد الله بن أبي من الوقوف، وفي حديث ابن عباس عن عمر عند ابن إسحاق، ومشى معه حتى قام على قبره حتى فرغ منه.
قال الخطابي، وتبعه ابن بطال: إنما فعل ذلك لكمال شفقته على من تعلق بطرف من الدين ولتطييب قلب ولده الرجل الصالح، ولتألف الخزرج لرياسته فيهم، فلو لم يجب سؤال ابنه، وترك الصلاة عليه قبل ورود النهي الصريح لكان سبة على ابنه وعارا على قومه فاستعمل ﷺ أحسن الأمرين في السياسة إلى أن كشف الله الغطاء، "فأنزل الله تعالى" وفي حديث ابن عباس في الصحيح، فصلى عليه ثم انصرف، فلم يمكث إلا يسيرا حتى نزلت: " ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ " [التوبة: ٨٤] . قال البيضاوي: المراد من الصلاة الدعاء للميت والاستغفار له، وهوстр. 1761
مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٨٤] رواه الشيخان والنسائي.
الحواشي
(١) ممنوع في حق الكافر، ولذا رتب النهي على قوله: " ﴿مَاتَ أَبَدًا﴾ " [التوبة: ٨٤] ، يعني على الكفر، فإن إحياء الكافر للتعذيب دون التمتع، فكأنه لم يحي " ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ﴾ " [التوبة: ٨٤] .
قال قتادة: فذكر لنا أنه ﷺ قال: "وما يغني عنه قميصي من الله وأنه لأرجو أن يسلم بذلك ألف من قومه".
أخرجه الطبراني زاد مسدد، فترك الصلاة عليهم وفي رواية ابن إسحاق عن عمر فما صلى على منافق بعده حتى قبضه الله، زاد ابن جرير ولا قام على قبره، وظاهر الآية أنها نزلت في جميع المنافقين، لكن ورد ما يدل على أنها نزلت في عدد معين منهم.
قال الواقدي: أخبرنا معمر عن الزهري قال: قال حذيفة قال لي رسول الله ﷺ : "إني مسر إليك سرا فلا تذكره لأحد إني نهيت أن أصلي على فلان وفلان" رهط ذوي عدد من المنافقين، قال: فلذلك كان عمر إذا أراد أن يصلي على أحد استتبع حذيفة، فإن مشى معه وإلا لم يصل عليه. ومن طريق آخر عن جبير بن مطعم أنهم اثنا عشر رجلا ولعل حكمة اختصاصهم علم الله أنهم يموتون على الكفر بخلاف من سواهم فأنهم تابوا.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن قتادة لما نزلت: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦] ورجاله ثقات مع إرساله، ويحتمل أن كون الآيتان معا نزلتا في ذلك، انتهى جميعه ملخصا من فتح الباري خلا ما نقلته عن البيضاوي.
وفي شرح المصنف قد روى: أن ألفا من الخزرج أسلموا لما رأوه يستشفع بثوبه، ويتوقع اندفاع العذاب عن هذا، وعجيب من الشارح مع زيادة فطنته، وشدة حذقه كيف كتب على قول المصنف، فصلى عليه.
هذا حكاه البيضاوي بقيل وصدر بأنه ذهب ليصلي عليه، فنزلت فإذا كان لهم يقف على غيره أفما كان يتنبه لقول المصنف.
"رواه الشيخان والنسائي" بطرق عن ابن عمرو وبنحوه من حديث ابن عباس عن عمر، فأين يقع ما صدر به من مرويهما.
قال البيضاوي: وإنما لم ينه عن التكفين في قميصه؛ لأن الضنة به تخل بالكرم ولأنه كانстр. 1762
وفي هذه السنة آلى ﷺ من نسائه شهرا. وجحش شقه -أي خدش- وجلس في مشربة له درجها من جذوع،
الحواشي
(١) مكافأة لإلباسه العباس قميصه حين أسر ببدر، زاد المصنف لئلا يكون لمنافق عليه منة، وقد أطلت وما تركته أطول.
"وفي هذه السنة" سنة تسع فيما قال بعضهم، وجزم به اليعمري في الحوادث، فتبعه المصنف هنا والذي اقتصر عليه في الفتح لفظه أفاد ابن حبان أن هذه القصة كانت في ذي الحجة سنة خمس من الهجرة انتهى، وبه جزم شيخه ابن الملقن والمصنف في شرح البخاري "آلي" بمدة الهمزة " ﷺ من نسائه" أي حلف أن لا يدخل عليهن، ففي مسلم أقسم أن لا يدخل على أزواجه "شهرا" وليس المراد به الإيلاء المتعارف بين الفقهاء.
قاله الحافظ وغيره لحرمته، فلا يغفله وإنما المراد اللغوي كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ﴾ [النور: ٢٢] أي يحلف "وجحش".
قال الحافظ بضم الجيم وكسر المهملة فشين معجمة "شقه" الأيمن، كما في رواية الزهري عن أنس في الصحيحين وفي رواية حميد عن أنس: فجحشت ساقه أو كتفه، وللإسماعيلي انفكت قدمه، وكذا رواه أبو داود، وابن خزيمة عن جابر، ولا منافاة لجواز وقوع الأمرين، وحاصله أن عائشة أبهمت الشكوى، فقالت وهو شاك وبين جابر وأنس السبب، وهو السقوط عن الفرس وعين جابر العلة في الصلاة قاعدا، وهو انفكاك القدم فليس كما قال عياض يحتمل أنه أصابه من السقطة رض منعه من القيام، "أي خدش" وفي الفتح الجحش الخدش أو أشد منه قليلا، والخدش قشر الجلد.
روى الشيخان وغيرهما عن أنس: أنه ﷺ سقط عن فرس فجحشت ساقه أو كتفه، وآلى من نسائه شهرا، فليس سببه أنه نام على حصير على السرير، فأثر في جسده الخدش، كما توهم من مجرد رواية قوله: فأثر في جسده وإلا فلم يقله أحد، وجلس في مشربة.
قال الحافظ: بفتح الميم، وسكون المعجمة، وضم الراء، ويجوز فتحها أي غرفة عالية "له" في حجرة عائشة كما في حديث جابر، وهو دال على أن الصلاة لم تكن في المسجد، وكأنه عجز عن الصلاة بالناس فيه، فكان يصلي فيها بمن حضر، لكن لم ينقل أنه استخلف، ولذا قال عياض: الظاهر أنه صلى في حجرة عائشة وائتم به من حضر عنده ومن بالمسجد وما قاله محتمل وإن لزم عليه صلاة الإمام أعلى من المأمومين، ومذهب عياض خلافه؛ لأن محله ما لم يكن معه الإمام العالي أحد، وهنا كان معه بعض الصحابة، ويحتمل أيضا أن يكون استخلف، وإن لم ينقل "درجها من جذوع" كذا للأكثر بالتنوين بغير إضافة وللكشميهني من جذوع.стр. 1763
فأتاه أصحابه يعودونه فصلى بهم جالسا وهم قيام، فلما سلم قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا صلى قائما فصلوا قياما، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا، ولا تركعوا حتى يركع، ولا ترفعوا حتى يرفع".
الحواشي
(١) النخل، "فأتاه أصحابه يعودونه" سمي منهم أنس وجابر وأبو بكر وعمر، "فصلى بهم" زاد في رواية الزهري صلاة من الصلوات.
قال القرطبي اللام للعهد ظاهرا، والمراد الفرض؛ لأنها التي عرف من عاداتهم الاجتماع لها بخلاف النافلة.
وحكى عياض عن ابن القسم: أنها كانت نفلا، وتعقب بأن في رواية جابر عن ابن خزيمة وأبي داود الجزم بأنها فرض ولم أقف على تعيينها إلا في حديث أنس: فصلى بنا يومئذ، فكأنها نهارية الظهر أو العصر، ولأبي داود عن جابر: أنهم عادوه مرتين، فصلى بهم فيهما لكن بين أن الأولى كانت نافلة، وأقرهم على القيام وهو جالس، والثانية فريضة وابتدءوا قياما فأشار إليهم بالجلوس ونحوه للإسماعيلي عن أنس انتهى حال كونه "جالسا وهم قيام" جملة اسمية حالية، كذا في رواية حميد عن أنس.
وفي حديث عائشة في الصحيح: فصلى جالسا، وصلى وراءه قوم قياما فأشار إليهم أن اجلسوا وظاهرهما التعارض.
قال الحافظ: فيجمع بينهما بأن أنسا انتصر على ما آل إليه الحال بعد أمره لهم بالجلوس، وفي رواية الزهري عن أنس، فصلينا وراءه قعودا، والجمع بينهما أنهم ابتدءوا الصلاة قياما فأومأ إليهم بالقعود، فقعدوا فنقل كل من الزهري وحميد أحد الأمرين، وجمعتهما عائشة، وكذا جابر عند مسلم "فلما سلم قال: "إنما جعل الإمام" إماما "ليؤتم" ليفتدى "به" ويتبع، ومن شأن التابع أن يأتي بمثل متبوعه على أثره، فلا يسبقه ولا يساويه "فإذا صلى قائما، فصلوا قياما وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا" في جميع الصلاة لا أن المراد جلوس التشهد وبين السجدتين إذ لو كان مراد لقال: وإن جلس فاجلسوا كما قال ابن دقيق العيد وغره.
وهو محمول على العجز، أي إذا كنتم عاجزين عن القيام كالإمام، أو منسوخ "ولا تركعوا حتى يركع".
قال ابن المنير: مقتضاه أن ركوع المأموم بعد ركوع الإمام إما بعد انحنائه، وإما بأن يسبقه الإمام بأوله، فيشرع فيه بعد أن يشرع، "ولا ترفعوا" رءوسكم من الركوع والسجود "حتى يرفع" رأسه في حديث عائشة والزهري عن أنس "وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا ربنا ولكстр. 1764
ونزل لتسع وعشرين فقالوا: يا رسول الله إنك آليت شهرا، فقال: "إن الشهر يكون تسعا وعشرين".
الحواشي
(١) الحمد". "ونزل" ﷺ "لتسع عشرين" يوما مضت من الشهر، ولمسلم عن عائشة، فلما مضت تسع وعشرون ليلة دخل عليَّ أي بأيامها؛ لأن العرب تؤرخ بالليالي، فالأيام تابعة لها، فلا يعارض حديث أم سلمة في الصحيحين فلما مضى تسعة وعشرون يوما غدا أو راح، "فقالوا:" وفي حديث أم سلمة فقل وفي مسلم عن عائشة بدأ بي.
فقلت: "يا رسول الله إنك آليت" حلفت لا تدخل على نسائك "شهرا، فقال: "إن الشهر يكون تسعا وعشرين". وهذا كان كذلك لرواية أن الشهر تسع وعشرون.
قال الخطابي: أل للعهد، أي الشهر المحلوف عليه، وسبب الحلف ما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة: أنه ﷺ كان يشرب عسلا عند زينب، ويمكث عندها، فتوطأت أنا وحفصة على أيتنا دخل عليها، فلتقل له: أكلت مغافير وهو بفتح الميم والمعجمة فألف ففاء صمغ له رائحة كريهة فدخل على إحداهما فقالت: إني أجد منك ريح مغافير قال: "لا ولكني كنت أشرب عسلا عند زينب بنت جحش فلن أعود له وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدا".
وفي الصحيح أيضا من وجه آخر عن عائشة: أن التي شرب عندها حفصة بنت عمر من عكة أهدتها لها امرأة من قومها بمكة، قالت عائشة: ففرت فقلت لسودة إذا دنا منك، فقولي له: ما هذه الريح التي أجد منك وقولي أنت يا صفية ذاك.
وعند ابن مردويه عن ابن عباس أن شربه العسل كان عند سودة، وأن عائشة وحفصة هما اللتان تظاهرتا، فوافق الرواية الأولى، وإن اختلف في صاحبة العسل، فيحمل على التعدد، أو أن كون صاحبة العسل زينب أثبت كما صوبه عياض وغيره لموافقة ابن عباس لها على المتظاهرين، فلو كان حفصة صاحبة العسل لم تقترن بعائشة في المظاهرة، ورجح أيضا بقول عائشة: كنت أنا وسودة، وصفية وحفصة في خرب، وزينب وأم سلمة والباقيات في خرب، فلذا غارت من زينب لكونها من غير خربها.
قال ابن كثير وغيره: وفي ذلك نزل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك﴾ [التحريم: ١] على الصحيح وقال الخطابي الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية على نفسه، ورجحه الحافظ بما رواه سعيد بن منصور، والضياء في المختارة، والطبراني في عشرة النساء، وابن مردويه والنسائي، ولفظه عن أنس أنه ﷺ كان له أمة يطأها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] ، على الصحيح وقال الخطابي الأكثر على أن الآية نزلت في تحريم مارية على نفسه، ورجحه الحافظ بما رواه سعيد بن منصور، والضياء في المختارة والطبراني في عشرة النساء، وابن مردويه والنسائي، ولفظه عن أنس أنه ﷺ كان له أمة يطأها، فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] .
وأخرج الطبراني بسند ضعيف عن أبي هريرة دخل ﷺ بمارية بيت حفصة، فجاءت فوجدتها.
معه فقالت: يا رسول الله في بيتي دون بيوت نسائك، قال: "فإنها عليَّ حرام أن أمسها يا حفصة واكتمي هذا عليَّ" فأتت عائشة، فأخبرتها فنزلت الآية قال: ويحتمل أنها نزلت في السببين معا.
قال في اللباب: وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس أنها نزلت في التي وهبت نفسها، وهو غريب وسنده ضعيف والله أعلم.стр. 1765
العبث إلى اليمن
...
[البعث إلى اليمن] :
ثم بعث أبا موسى ومعاذا إلى اليمن قبل حجة الوداع. كل واحد منهما على مخلاف. قالوا: واليمن مخلافان،
الحواشي
(١) البعث إلى اليمن:
"ثم بعث" ﷺ "أبا موسى" عبد الله بن قيس الأشعري، "ومعاذا" هو ابن جبل "إلى اليمن قبل حجة الوداع" هذه ترجمة البخاري، إلا أن المصنف زاد أولها نظرا إلى أنه مقتضى القبلية، ولذا قال الحافظ في كتاب الزكاة، كان البعث إلى اليمن سنة عشر قبل حجه ﵇، كما ذكر البخاري في آخر المغازي، وقيل في آخر سنة تسع عند منصرفه ﷺ من تبوك.
رواه الواقدي وابن سعد عن كعب بن مالك وحكى ابن سعد أيضا: أنه كان في ربيع الآخر سنة عشر، وقيل عام الفتح سنة ثمان، انتهى. وقال هناك كأنه أشار بالتقييد بالقبلية إلى ما وقع في بعض أحاديث الباب، أنه رجع من اليمن فلقي النبي ﷺ بمكة في حجة الوداع، لكن القبلية نسبية، وعند أهل المغازي أنها كانت في ربيع الآخر سنة تسع، انتهى. فعلى ما نسبه لأهل المغازي، فثم في المصنف للترتيب الذكري، وأما على غيره، فالترتيب حقيقي.
قال الحافظ وبين البخاري في استتابة المرتدين عن أبي موسى سبب بعثه إلى اليمن ولفظه قال: أقبلت ومعي رجلان من الأشعريين وكلاهما سأل يعني أن يستعمله.
فقال: "لن نستعمل على عملنا من أراد ولكن اذهب أنت يا أبا موسى إلى اليمن" ثم أتبعه معاذ بن جبل، انتهى. وكأنه تراحى قليلا فعبر بثم، وإلا فروايات الباب كلها بالواو في البخاري، وهو ظاهر قوله يسرا إلخ.... بخطاب المثنى.
روى البخاري تلو الترجمة عن أبي بردة قال: بعث رسول الله ﷺ أبا موسى ومعاذ بن جبل إلى اليمن، وبعث "كل واحد منهما على مخلاف، فكل بالنصب مفعول بعث الثابتة في الرواية التي استعنى المصنف عنها يبعث التي ذكرها أولا لا مرفوع مبتدأ وخبر لأنه وإن جاز لكنه خلاف الرواية "قالوا" كذا في النسخ وهو تصحيف صوابه كما في البخاري قال بالأفراد أي أبوстр. 1766
ثم قال: "يسرا ولا تعسرا وبشرا ولا تنفرا". وقال لمعاذ: "إنك ستأتي قوما أهل كتاب، فإذا جئتهم، فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله
الحواشي
(١) بردة "واليمن مخلافان" وهو بموحدة وراء واسمه عامر بن أبي موسى، وهو تابعي، فالحديث مرسل، ولذا عقبه البخاري بطريق أخرى موصولة، ثم قواها بأحاديث "ثم قال" ﷺ لهما: "يسرا" بتحتية ومهملة من اليسر، أي سهلا "ولا تعسرا" لا تشددا أي عاملا بالرفق في الأمور، فأقيما الأحكام مطابقة للأمر، فأقيما الحدود وأوصلا إلى كل ذي حق حقه، لكن برفق كأنظار معسر، ولا تعملا بالشدة، كالقتل قبل تكرير الدعاء إلى الإسلام، "وبشرا" بموحدة ومعجمة "ولا تنفرا" بالفاء زاد بالبخاري في رواية وتطاوعا، وهذا ظاهر جدا في بعثهما معا.
قال الطبيبي: هو من باب المقابلة المعنوية؛ لأن الحقيقة أن يقال: بشرا، ولا تنذرا وآنسا، ولا تنفرا فجمع بينهما ليعم البشارة، والنذارة والتأنيس والتنفير.
قال الحافظ: ويظهر لي أن النكتة في الإتيان بلفظ البشارة، وهو الأصل، وبلفظ التنفير وهو اللازم وأتى بالذي عده على العكس للإشارة إلى أن الإنذار لا ينفي مطلقا بخلاف التنفير، فاكتفى بما يلزم عن الإنذار وهو التنفير فكأنه قيل إن أنذرتم فليكن بغير تنفير: كقوله تعالى:
﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] قال شيخنا: ولعل قول الطيبي فجمع بينهما أنه لما قابل البشارة بالنهي عن التنفير. علم منه طلب التأنيس ولزم منه عدم التنفير، فلما ذكر النهي عنه كأنه أريد به النهي عن الإنذار، فشملت عبارته الأمر بالتأنيس، والنهي عن الإنذار، انتهى.
وبقية هذا الحديث في البخاري فانطلق كل واحد منهما إلى عمله، الحديث.
وفي البخاري عن ابن عباس قال: "قال" ﷺ "لمعاذ:" وعند أحمد وأبي يعلى برجال ثقات عن معاذ أنه ﷺ لما بعثه إلى اليمن خرج يوصيه، ومعاذ راكب ورسول الله ﷺ يمشي تحت ظل راحلته. فلما فرغ قال: "يا معاذ إنك عسى أن لا تلقاني بعد عامي هذا، ولعلك أن تمر بمسجدي وقبري" فبكى معاذ لفراقه.
وروى ابن عساكر عنه: أنه ﷺ مشى معه ميلا، ومعاذ راكب لأمره ﷺ له بذلك ولأحمد عنه: لما بعثني ﷺ إلى اليمن قال: "قد بعثتك إلى قوم رقيقة قلوبهم، فقاتل بمن أطاعك من عصاك" "إنك ستأتي قوما أهل كتاب".
قال الحافظ: هو كالتوطئة للوصية ليستجمع عليها؛ لأن أهل الكتاب أهل علم في الجملة، فلا تكون مخاطبتهم كمخاطبة الجهال من عبدة الأوثان، ليس فيه أن جميع من يقدم عليهم أهل كتاب، بل يجوز أن فيهم غيرهم، وخصهم بالذكر تفضيلا لهم على غيرهم، "فإذا جئتهم" قيل عبر بإذا تفاؤلا بحصول الوصول إليهم، $"فادعهم إلى يشهدوا أن لا إله إلا الله،стр. 1767
فإذا هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة. فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم
الحواشي
(١) وأن محمدا رسول الله" وفي رواية وأني رسول الله، وفي أخرى فأول ما تدعوهم إليه عبادة الله، ويجمع بينهما بأن المراد بها توحيده وبه الشهادة له بذلك ولنبيه بالرسالة، وبدأ بهما لأنهما أصل الدين لا يصح شيء إلا بهما، فمن كان غيره موحد طولب بكل من الشهادتين على التعيين، ومن كان موحدا طولب بالجمع بين الإقرار بالوحدانية والإقرار بالرسالة، وإن اعتقدوا ما يقتضي الاشتراك أو يستلزمه كالقائل: بأن عزيرا ابن الله أو اعتقدوا التشبيه وطلبوا بالتوحيد لنفي ما يلزم من عقائهم.
وذكر ابن إسحاق في أوئل السيرة: أن أصل دخول اليهودية في اليمن زمن أسعد وهو تبع الأصغر، "فإن هم أطاعوا لك" أي شهدوا وانقادوا وعدي أطاع باللام، وإن تعدى بنفسه لتضمينه معنى انقاد "بذلك".
وفي رواية ابن خزيمة: فإن هم أجابوا لذلك، وفي رواية فإذا عرفوا ذلك، وفيه أن أهل الكتاب ليسوا بعارفين، وإن عبدوا الله وأظهروا معرفته، لكن قال حذاق المتكلمين ما عرف الله من شبهه بخلقه أو أضاف إليه اليد او الولد، "فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة" وفيه أن الوتر ليس بفرض، "فإن هم أطاعوا لك" بأن التزموا فرضها، ويؤيده الأخبار بالفرضية، فتعود الإشارة "بذلك" إليها، أو المراد أطاعوا بفعل الصلاة ورجع بأنهم لو بادروا إلى الامتثال بالفعل كفى ولم يشترط التلفظ بخلاف الشهادتين، فالشرط عدم الإنكار والإذعان للوجوب قاله ابن دقيق العيد، والذي يظهر أن المراد القدر المشترك بينهما، فمن امتثل بالإقرار وبالفعل كفاه أو بهما فأولى.
وفي رواية فإذا صلوا، وفي رواية طاعوا بغير ألف، حكاها ابن التين قائلا إذا امتثل أمره فقد أطاعه، وإذا وافقه فقد طاعه.
قال الأزهري: طاع له انقاد، فإذا مضى لأمره فقد أطاعه، ومنهم من قال: طاع وأطاع بمعنى وحاصله أنه استعمل كل منهما لازما ومتعديا إما بمعنى واحد مثل بدأ الخلق وأبدأه أو دخلت الهمزة للتعدية وفي اللازم للصيرورة، أو ضمن المتعدي معنى فعل لازم؛ لأن كثيرا من اللغويين فسروا أطاع بمعنى لأن. وانقاد وهو اللائق هنا وإن غلب التعدي في الرباعي واللزوم في الثلاثي، وهذا أولى من دعوى أنهما بمعنى لقلته، ومن دعوى أن اللام في الحديث زائدة "فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة" وفي رواية افترض عليهم زكاة في أموالهم "تؤخذ من أغنيائهم" احتج به على أن الإمام يتولى قبض الزكاة وصرفها بنفسه، أو نائبه، فمن امتنع أخذتстр. 1768
فترد على فقرائهم؛ فإن هم أطاعوا لك بذلك، فإنك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب".
الحواشي
(١) منه قهرا، "فترد على فقرائهم" استدل به لقول مالك وغيره: بإخراج الزكاة في نصف واحد، وبحث فيه ابن دقيق العيد لاحتمال أن ذكر الفقراء لكونهم الغالب، وللمطابقة بينهم وبين الأغنياء.
قال الخطابي: آخر الصدقة عن الصلاة لأنها إنما تجب على قوم دون قوم، ولأنها لا تكرر تكرر الصلاة، وهو حسن وتمامه أن يقال بدأ بالأهم فالأهم، وذلك من التلطف في الخطاب؛ لأنه لو طالبهم بالجميع في أول مرة لم يأمن النفرة.
وقال بعضهم: هو استدلال ضعيف لأن الترتيب في الدعوة لا يستلزم الترتيب في الوجوب، وقد قدمت إحداهما على الأخرى ورتبت الأخرى عليها بالفاء لئلا يلزم من عدم الإتيان بالصلاة إسقاط الزكاة "فإنهم أطاعوا لك بذلك".
وفي رواية فإذا أقروا بذلك "فإياك وكرائم" جمع كريمة، أي نفائس "أموالهم" لأن الزكاة لمواساة الفقراء فلا يناسب ذلك الإجحاف بمال الأغنياء، وكرائم منصوب بفعل مضمر، لا يجوز اظهاره.
قال ابن قتيبة: ولا يجوز حذف الواو، " واتق دعوة المظلوم" أي تجنب الظلم لئلا يدعو عليك المظلوم، وفيه تنبيه على المنع من جميع أنواع الظلم، فالنكتة في ذكره عقب منع أخذ الكرائم الإشارة إلى أن أخذها ظلم.
وقال بعضهم: عطف واتق على عامل إياك المحذوف وجوبا، فالتقدير اتق نفسك أن تتعرض للكرائم، إشارة إلى أنه ظلم لكنه عمم إشارة إلى التحرز عن الظلم مطلقا، "فإنه ليس بينها" وفي رواية بينه، أي الدعاء "وبين الله حجاب" أي صارف يصرفها، ولا مانع، أي أنها مقبولة وإن كان عاصيا، كما في حديث أبي هريرة عند أحمد مرفوعا، دعوة المظلوم مستجابة، وإن كان فاجرا، ففجوره على نفسه، وإسناده حسن، وليس المراد أن لله حجابا يحجبه عن الناس، وقال الطيبي: "اتق دعوة المظلوم" تذييل لاشتماله على الظلم الخاص من أخذ الكرائم وعلى غيره، وقوله: "فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" تعليل للاتقاء وتمثيل للدعاء كمن يقصد دارстр. 1769
رواه البخاري.
والمخلاف: -بكسر الميم وسكون المعجمة وآخره فاء- بلغة أهل اليمن الكورة والإقليم والرستاق.
وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب عدن، وكان.
الحواشي
(١) السلطان متظلما، فلا يحجب.
قال ابن العربي: إلا أنه وإن كان مطلقا فهو مقيد بالحديث الآخر أن الداعي إما أن يعجل له ما طلب، وإما أن يدخل له أفضل منه، وإما أن يدفع عنه من السوء مثله، كما قيد مطلق قوله: أمن يجيب المضطر إذا دعاه، بقوله فيكشف ما تدعون إليه إن شاء هذا، ولم يذكر الصوم والحج مع أن البعث كان في أواخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأنه تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يقضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث لاحتمال الزيادة والنقصان، وقال شيخنا شيخ الإسلام: يعني البلقيني إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع منها بشيء كحديث بني الإسلام على خمس، وإذا كان في الدعاء الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة ولو بعد فرض الصوم والحج قطعا؛ لأن الأركان الخمسة اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة فاقتصر عليها التفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدني محض، والحج بدني ومالي، وأيضا فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها، انتهى من فتح الباري جميعه ملخصا.
"رواه" أي المذكور من حديثي أبي بردة وابن عباس "البخاري" وكذا رواهما مسلم وغيره، ويقع في بعض نسخ المصنف إسقاط الصلاة، وهو خطأ نشأ عن سقط لغزوه للبخاري، وهي ثابتة فيه، فيسقط زعم أنها لم تذكر لأنها بدنية قد لا يشح بها، ومألوفة لأهل الكتاب لأنهم يصلون غايته أنهم يغيرونها على صفة أخرى، وهو سهل لأنه يوهم أن الشارع لم يذكرها وهو خطأ؛ لأنه ذكرها ﵇، "والمخلاف" كما في الفتح "بكسر الميم، وسكون" الخاء، "المعجمة وآخره فاء" هو "بلغة أهل اليمن الكورة"، بضم الكاف الناحية ويطلق على المدينة، كما في المصباح "والإقليم والرستاق".
قال الحافظ: بضم الراء، وسكون المهملة بعدها فوقية وآخره قاف، انتهى.
قال في المصباح معرب يستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم والرزداق، بالزاي والدال مثله، والجمع رساتيق ورزاديق، "وكانت جهة معاذ العليا إلى صوب" جهة "عدن، وكانстр. 1770
من عمله الجند -بفتح الجيم والنون- وله بها مسجد مشهور. وكانت جهة أبي موسى السفلى.
الحواشي
(١) من عمله" أي معاذ "الجند، بفتح الجيم، و" فتح "النون" آخره دال مهملة، بلد باليمن ويقع في نسخة من عمل بإسقاط الضمير، وهي خطأ مخالفة للفتح لاقتضائها أن عدن من أعمال الجند، وهو خلاف الواقع، وأيضا المصنف نفسه حيث جعل محل معاذ صوب عدن، فهي مشهورة قصد بها التعريف، قرره شيخنا "وله بها" لمعاذ بالجندي "مسجد مشهور" إلى اليوم، كما قال الحافظ قال: واتفقوا على أن معاذا لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام، فمات بها، واختلف هل كان معاذ واليا أو قاضيا، فجزم ابن عبد البر بالثاني، والغساني بالأول، وقد دل حديث ابن عباس على أنه: كان أميرا على المال، وحديث عمرو بن ميمون أنه كان أميرا على الصلاة، انتهى. وكأنه عنى ترجيح أنه كان واليا، "وكانت جهة أبي موسى موسى السفلي"، واستدل به على أن أبا موسى كان عالما فطنا حاذقا، ولولا ذلك لم يوله النبي ﷺ الإمارة، ولو كان فوض الحكم لغيره لم يحتج إلى توصيته بما وصاه به، ولذلك اعتمد عليه عمر، ثم عثمان ثم علي، وأما الخوارج، والروافض فنسبوه إلى الغفلة وعدم الفطنة لما صدر منه في التحكيم بصفين.
قال ابن العربي وغيره: والحق أنه لم يصدر منه ما يقتضي وصفة بذلك، وغاية ما وقع منه أنه أداه اجتهاده إلى أن يجعل الأمر شورى بين من بقي من الصحابة من أهل بدر ونحوهم لما شاهد من الاختلاف الشديد بين الطائفتين بصفين، فآل الأمر إلى ما آل إليه ذكره في الفتح والله أعلم.стр. 1771
[بعث خالد إلى نجران] :
ثم أرسل خالد بن الوليد ﵁ قبل حجة الوداع أيضا، في ربيع الأول سنة عشر -وفي الإكيل: في ربيع الآخر، وقيل: في جمادي الأولى-
الحواشي
(١) بعث خالد إلى نجران:
"ثم أرسل خالد بن الوليد ﵁ قبل حجة الوداع أيضا في ربيع الأول سنة عشر، وفي الإكليل" للحاكم "في ربيع الآخر، وقيل في جمادى الأولى" سنة عشر، وهو الذي في ابن إسحاق في الوفود، ولفظه في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر، وتبعه اليعمري والمصنف في الوفود وغيرهما، وأو يحتمل أنها للشك، أو إشارة إلى قولين متساويينстр. 1772
إلى بني عبد الدان قبيلة بنجران فأسلموا.
الحواشي
(١) إلى بني عبد المدان" بوزن سحاب اسم صنم.
قال في الروض: واسم عبد المدان عمرو بن الديان، واسم الديان يزيد بن قطن بن زياد بن الحارث بن مالك بن ربيعة بن كعب بن الحارث بن كعب "قبيلة" يقال لها: بنو الحارث "بنجران" موضع باليمن سمي بنجران بن زيد بن سبأ، "فأسلموا" قال ابن إسحاق: أمر ﷺ خالدا أن يدعوهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا، فقاتلهم، فخرج حتى قدم عليهم فبعث الركبان يضربون في كل وجه ويدعون إلى الإسلام، ويقولون أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلموا ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام خالد يعلمهم الإسلام والكتاب والسنة، وبذلك كان أمره إن هم أسلموا ولم يقاتلوا، ثم كتب إليه السلام بذلك، فكتب إليه ﷺ أن يقدم ومعه وفدهم، فقدموا فأمر عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية شوال أو صدر ذي القعدة ويأتي إن شاء الله تعالى بسط ذلك في الوفود بعون الله.
زاد الشامي هنا سرية المقداد بن الأسود إلى أناس من العرب، وقال: روى البزار، والطبراني والدارقطني والضياء عن ابن عباس: بعث ﷺ سرية فيها المقداد، فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا، وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له فقتله المقداد فلامه رجل من الصحابة، ثم أخبره ﷺ لما قدموا فقال: "أقتلت رجلا يقول لا إله إلا الله، فكيف لك بها غدا"، فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، إلى قوله ﴿كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ﴾ انتهى. وليس في قوله بعث سرية فيها المقداد أنه أميرها، بل ظاهره أنه ليس الأمير، فلا تعد سرية مستقلة، فيحمل على أن المقداد كان في أحد السرايا السابقة مع غيره، ثم نزول الآية في مخالف لما سبق من نزولها في غيره والله تعالى أعلم.стр. 1773
[بعث علي إلى اليمن] :
ثم أرسل علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن في شهر رمضان، سنة عشر.
الحواشي
(١) بعث علي إلى اليمن:
"ثم أرسل علي بن أبي طالب ﵁ إلى اليمن" قال ابن سعد: يقال مرتين إحداهما "في شهر رمضان سنة عشر" من الهجرة، وهي الثانية كما جزم به الشامي. وأفاد أن الأولى بعثه إلى همدان، وبه صرح في فتح الباري، كما يأتي، فوهم من ترجى أنها سريته إلى الفلس المتقدمة؛ لأن تلك إلى بلاد طيء لهدم صنمهم والغارة عليهم، كما مر لا إلى جهةстр. 1774
من الهجرة، وعقد له لواء وعممه بيده.
وأخرج أبو داود وأحمد والترمذي من حديث علي قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حديث السن لا أبصر القضاء. قال: فوضع يده في صدري وقال: "اللهم ثبت لسانه واهد قلبه"، وقال: "يا علي إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما حتى تسمع من الآخر" الحديث.
فخرج في ثلاثمائة، ففرق أصحاب فأتوا بنهب
الحواشي
(١) اليمن، "وعقد له لواء".
قال الواقدي: أخذ عمامته، فلفها مثنية مربعة، فجعلها في رأس الرمح، ثم دفعها إليه، "وعممه بيده" عمامة ثلاثة أكوار، وجعل له ذراعا بين يديه، وشبرا من ورائه، وقال له: "امض ولا تلتفت"، فقال علي: يا رسول الله ما أصنع، قال: "إذا نزلت بساحتهم، فلا تقاتلهم حتى يقاتلوك وادعهم إلى قول لا إله إلا الله، فإن قالوا نعم، فمرهم بالصلاة، فإن أجابوا فلا تبغ منهم غير ذلك، والله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير لك مما طلعت عليه الشمس أو غربت".
ذكره الواقدي: "وأخرج أبو داود وأحمد والترمذي من حديث علي قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فقلت: يا رسول الله تبعثني إلى قوم أسن مني وأنا حديث السن لا أبصر" يجوز فتح الهمزة وضم الصاد، أي لا أعلم "القضاء" وضم الهمزة وكسر الصاد، أي لا أراه بتنزيل المعقول منزلة المحسوس "قال" علي: "فوضع يده" المباركة "في صدري" أي عليه، "وقال: "اللهم ثبت لسانه" بشد الباء، أي اجعله مستقرا دائما على النطق بالحق "واهد قلبه" بهمزة وصل، أضاف الثبات للسان لتحركه عند النطق، فناسب الثبات بمعنى القرار والهداية للقلب؛ لأن المراد بها خلق الاهتداء فيه، "وقال" ﷺ : "يا علي" النسخ الصحيحة بإثبات ياء النداء، ومثلها في الفتح، وفي نسخة بحذف أداة النداء، لكن الرواية بإثباتها "إذا جلس إليك الخصمان، فلا تقض بينهما" وفي رواية "فلا تقض لأحدهما" " حتى تسمع من الآخر" كما سمعت من الأول، فإنك إذا فعلت ذلك تبين لك القضاء، هذا تمام "الحديث" عند المذكورين.
وفي رواية لأبي داود وغيره قال علي: والله ما شككت في قضاء بين اثنين، "فخرج" كما قال ابن سعد وشيخه علي وعسكر بقناة بفتح القاف والنون الخفيفة، كما أمره حتى تمام أصحابه "في ثلاثمائة فارس"، قالا: وكانت أول خيل دخلت تلك البلاد، وهي بلاد مذحج، "ففرق" لما انتهى إلى تلك الناحية "أصحابه فأتوا بنهب" قال البرهان: بفتح النون بلا خلاف نص عليه غير واحد، وسمعت بعض الطلبة، بكسرها ولا أعرفه، ولا سمعته انتهى. وهو الغلبة والقهر، كما فيстр. 1775
وغنائم ونساء وأطفال ونعم وشاء وغير ذلك، ثم لقي جمعهم فدعاهم إلى الإسلام فأبوا. ورموا بالنبل، ثم حمل عليهم علي بأصحابه فقتل منهم عشرين رجلا فتفرقوا وانهزموا فكف عن طلبهم، ثم دعاهم إلى الإسلام فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام وقالوا نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله.
الحواشي
(١) المصباح فهو هنا بمعنى المنهوب؛ لأنه الذي يؤتى به لا نفس الغلبة، كما هو ظاهر "وغنائم" تفسير للمنهوب لقول ابن سعد بنهب غنائم.
قال في النور: بدل مما قبله وساقه الشامي بالواو كالمصنف، ثم قال: إنه يدل مما قبله، ولا يصح لوجود الواو فكأنه كتب كلام النور أو زادت عليه الواو سهوا، "ونساء، وأطفال، ونعم وشاء وغير ذلك" بيان الغنائم قال ابن سعد: وجعل علي على الغنائم بريدة بن الحصيب الأسلمي، فجمع إليه ما أصابوا "ثم لقي جمعهم، فدعاهم إلى الإسلام فأبوا ورموا" المسلمين "بالنبل" والحجارة، "ثم" بعد أن خرج رجل من مذحج يدعو إلى البراز فبرز إليه الأسود بن خزاعي، فقتله الأسود وأخذ سلبه "حمل عليهم علي بأصحابه" بعد أن صفهم ودفع لواءه إلى مسعود بن سنان الأسلمي، "فقتل منهم عشرين رجلا فتفرقوا، وانهزموا فكف عن طلبهم" قليلا، "ثم" لحقهم حتى "دعاهم إلى الإسلام" فلا يرد أنه كيف يدعوهم بعد تفرقهم وكفه عن طلبهم أو لعلهم اجتمعوا بعد التفرق، وأتوا إليه فدعاهم، "فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا فخذ منها حق الله"، وجمع على الغنائم فجزأها على خمسة أجزاء فكتب في سهم منها لله، وأقرع عليها فخرج أول السام سهم الخمس، وقسم على أصحابه بقية الغنم.
ذكره ابن سعد وشيخه قال اليعمري: ويشبه أن هذه السرية هي الثانية والأولى هي ما ذكر شاط، قال وفي حديث أنه: ﷺ بعث علينا إلى اليمن وذلك في رمضان سنة عشر فأسلمت همدان كلها في يوم واحد، فكتب بذلك إليه ﷺ ، فخر لله ساجدا، ثم جلس فقال: السلام على همدان، وتتابع أهل اليمن على الإسلام، انتهى. وهو واضح لكن التاريخ وهم لاتحاده مع ما قال إنه الثانية كما ترى، فالأولى قول الحافظ لما شرح ما أخرجه البخاري عن البراء: بعثنا ﷺ مع خالد إلى اليمن، ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه، فقال: "مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معلك، فليعقب ومن شاء فليقبل"، فكنت فيمن عقب معه فغنمت أواقي ذوات عدد.
زاد الإسماعيلي: فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا فصلى بنا علي، وصفنا صفا واحدا، ثم تقدم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان جميعا، فكتب علي إلىстр. 1776
ثم قفل فوافى النبي ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ بإسلامهم، فلما قرأ الكتاب خر ساجدا، ثم رفع رأسه وقال: "السلام على همدان"، وكان البعث بعد رجوعهم من الطائف، وقسمه الغنائم بالجعرانة انتهى. فهو صريح في أن البعث الأول كان في أواخر سنة ثمان، وأنه إلى همدان، والثاني كان في رمضان سنة عشر إلى مذحج، كما ذكر ابن سعد وغيره، وأنها أول خيل أغارت عليهم لاختلاف الجهة، وأن جمع الكل اسم اليمن، ويؤيده أن في رواية البيهقي عن البراء: فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا، ثم بعث عليًّا مكان خالد، فذكر الحديث قالوا: ثم أقام علي فيهم يقرئهم القرآن، ويعلمهم الشرائع، وكتب إلى رسول الله ﷺ كتابا بخبره مع عبد الله بن عمرو بن عوف المزني، فأتاه فأمره ﷺ أن يوافيه الموسم، فانصرف عبد الله، فأخبر عليًّا بذلك، "ثم قفل" علي، "قوافي النبي ﷺ بمكة قد قدمها للحج سنة عشر" وتعجل وخلف على أصحابه، والخمس أبا رافع، وكان في الخمس من ثياب اليمن أحمال معكومة، ونعم وشاء مما غنموا، ومن صدقات أموالهم، فسأل أصحاب علي أبا رافع أن يكسوهم ثيابا يحرمون فيها، فكساهم ثوبين ثوبين، فلما كانوا بالسدرة داخلين خرج علي ليتلقاهم ليقدم بهم فرأى الثياب على أصحابه، فنزعها فشكوه للنبي ﷺ ، فقال: "ما لأصحابك يشكونك"؟ قال قسمت عليهم ما غنموا، وحبست الخمس، حتى يقدم عليك فترى فيه رأيك، فسكت ﷺ والله أعلم.стр. 1777
[حجة الوداع] :
ثم حج ﷺ حجة الوداع،
الحواشي
(١) حجة الوداع:
"ثم حج ﷺ حجة" قال الحافظ: بكسر المهملة، وفتحها.
"الوداع" بكسر الواو وفتحها قال المصنف: سميت بذلك لأنه ﷺ ودع الناس فيها وبعدها انتهى. وفي الصحيحين وغيرهما عن ابن عمر كنا نتحدث بحجة الوداع والنبي ﷺ بين أظهرنا، ولا ندري ما حجة الوداع الحديث.
قال الحافظ: كأنه شيء ذكره ﷺ ، فتحدثوا به وما فهموا أن المراد به وداعه، حتى توفي بعدها بقليل، فعرفوا المراد وأنه ودع الناس بالوصية التي أوصاهم بها أن لا يرجعوا بعده كفارا، وأكد التوديع بإشهاد الله عليهم بأنهم شهدوا أنه قد بلغ ما أرسل إليهم به، فعرفوا حينئذ المراد بقولهم حجة الوداع: وفي رواية للبخاري عن ابن عمر: فودع الناس وروى البيهقي: أن سورة "إذا جاء نصر الله والفتح" نزلت في وسط أيام التشريق، فعرف ﷺ أنه الوداع فركب واجتمع الناس،стр. 1778
وتسمى حجة الإسلام، وحجة البلاغ، وكره ابن عباس أن يقال: حجة الوداع. وكان ﷺ قد أقام بالمدينة يضحي كل عام ويغزو المغازي، فلما كان في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة أجمع على الخروج إلى الحج فتجهز وأمر الناس بالجهاز له.
قال ابن سعد: ولم يحج غيرها منذ تنبأ إلى أن توفاه الله تعالى.
الحواشي
(١) فذكر الخطبة، "وتسمى حجة الإسلام" لأنه لم يحج من المدينة بعد فرض الحج غيرها، كما في حديث جابر أنه ﷺ مكث تسع سنين لم يحج، ثم أذن في الناس في العاشرة أنه حاج، فقدم المدينة بشر كثير كل يلتمس أن يأتم به.
أخرجه مسلم وغيره "وحجة البلاغ" لأنه بلغ الناس الشرع في الحج قولا وفعلا.
قال المصنف: وتسمى أيضا حجة التمام والكمال انتهى. أي بمجموعهما، لا بكل واحد لنزول قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ الآية، ورسول الله ﷺ واقف بعرفة، كما في الصحيح عن عمر جوابا لمن قال له من اليهود: لو نزلت فينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، وفي الترمذي عن ابن عباس أن يهوديا سأله عن ذلك، فقال: فإنها نزلت في يوم عيدين يوم الجمعة ويوم عرفة، "وكره ابن عباس أن يقال حجة الوداع" لإشعاره بكراهة المودع وأسفه على من ودعه، وذلك لا يليق به ﷺ ، ولم يكرهه غيره، بل أطلقوا ذلك عليها فقالت عائشة: خرجنا في حجة الوداع، وقال ابن عمر: أمر ﷺ أزواجه عام حجة الوداع، وقال سعد بن أبي وقاص: عادني ﷺ ف حجة الوداع وقال أبو أيوب: أنه ﷺ في حجة الوداع صلى المغرب والعشاء جميعا، وقال جرير: أنه ﷺ قال له: في حجة الوداع: "استنصت الناس" وكلها في الصحيح، بل فيه أيضا عن ابن عباس نفسه: أن امرأة استفتت رسول الله ﷺ في حجة الوداع، فكأنه رجع عن الكراهة؛ لأنه لا يلزم من الوصية بتلك الوصايا، والحث عليها المشعر بأنهم لا يجدون من يذكرهم بها بعده أسفه على مفارقتهم، "وكان ﷺ قد أقام بالمدينة يضحى كل عام" من السنة الثانية من الهجرة قال اليعمري: وفيها ضحى بكبشين أحدهما عن أمته، والآخر عن محمد وآله، "ويغزو المغازي" من حين أذن في القتال: وأراد بها ما يشمل البعوث والسرايا أيضا، "فلما كان في ذي القعدة سنة عشر من الهجرة أجمع على الخروج إلى الحج، فتجهز وأمر الناس بالجهاز له".
قال ابن إسحاق: "قال ابن سعد: ولم يحج غيرها منذ تنبأ إلى أن توفاه الله" كذا أطلق النفي وليس كما قال: ففي فتح الباري حج قبل أن يهاجر مرارا، بل الذي لا ارتياب فيه أنهстр. 1779
وفي البخاري عن زيد بن أرقم أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة، وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها، حجة الوداع.
قال: قال أبو إسحاق: وبمكة أخرى، وقيل: حج بمكة حجتين.
الحواشي
(١) لم يترك الحج، وهو بمكة قط، "وفي البخاري" حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق، "عن زيد بن أرقم" بن زيد بن قيس الأنصاري، الخزرجي، الصحابي المشهور: "أن النبي ﷺ غزا تسع عشرة غزوة" مراده التي خرج فيها بنفسه، وتقدم أن جابرا قال: إنها إحدى وعشرون، فخفي على زيد لصغره اثنتان، وعند أصحابه المغازي أنها سبع وعشرون، وجمع بأن من عدها دون ذلك نظر إلى شدة قرب بعض الغزوات لبعض، فيضم واحدة لأخرى، كما تقدم بسط ذلك في أول المغازي. والمقصود من الحديث هنا قوله: "وأنه حج بعدما هاجر حجة واحدة لم يحج بعدها".
قال الحافظ: يعني ولا حج قبلها، يعني بقيد الظرف إلا أن يريد نفي الحج الأصغر، وهو العمرة، فلا لأنه اعتمر قبلها قطعا "حجة الوداع".
قال المصنف: بنصب حجة بدل من الأولى، ويجوز الرفع بتقدير هي.
"قال" زهير بن معاوية، "قال أبو إسحاق" عمرو بن عبد الله السبيعي: بفتح المهملة وكثر الموحدة مكثر ثقة عابد، مات سنة تسع وعشرين ومائة.
روى له الستة قال الحافظ: هو موصول بالإسناد المذكور انتهى. فما وقع في نسخ المواهب ابن إسحاق خطأ؛ لأن البخاري لم يرو لصاحب السيرة محمد "وبمكة أخرى" قال الحافظ: غرض أبي إسحاق أن لقومه بعدما هاجر مفهوما، وأنه قبله حج، لكن قوله أخرى يوهم أنه لم يحج قبل الهجرة إلا واحدة، وليس كذلك، بل حج قبلها مرارا، بل الذي لا ارتياب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط؛ لأن قريشا في الجاهلية لم يكونوا يتركون الحج، وإنما يتأخر منهم من لم يكن بمكة أو عاقه ضعف. وإذا كانوا وهم على غير دين يحرصون على إقامة الحج، ويرونه من مفاخرهم التي امتازوا بها على غيرهم من العرب، فكيف يظن به ﷺ أنه يتركه، وقد ثبت حديث جبير بن مطعم أنه: رآه ﵇ في الجاهلية واقفا بعرفة، وأنه من توفيق الله له. وثبت دعاؤه قبائل العرب إلى الإسلام بمنى ثلاث سنين متوالية، كما بينته في الهجرة انتهى. فلا يقبل نفي ابن سعد أنه لم يحج بعد النوبة إلا حجة الوداع؛ لأن المثبت مقدم على النافي، خصوصا وقد صحبه دليل إثبات، ولم يصحب النافي دليل نفيه. "وقيل: حج بمكة حجتين" قبل الهجرة، وحجة بعدها.
أخرجه الترمذي عن جابر وقال ابن عباس: من حج ﷺ قبل أن يهاجر ثلاث حجج،стр. 1780
فهذا بعد النبوة وقبلها لا يعلمه إلا الله.
فخرج ﷺ من المدينة يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة، وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس. وفيه نظر؛ لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس، قطعا، لما ثبت وتواتر وقوفه بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر كان يوم الخميس، فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل هو ظاهر الخبر أن يكون يوم الجمعة.
لكن ثبت في الصحيحين عن أنس: صلينا مع رسول الله ﷺ الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، فدل على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة.
الحواشي
(١) أخرجه ابن ماجه والحاكم.
قال الحافظ: وهو مبني على عدد وفود الأنصار إلى العقبة بمنى بعد الحج، فإنهم قدموا أولا فتواعدوا، ثم ثانيا فبايعوا البيعة الأولى، ثم ثالثا فبايعوا الثانية، وهذا لا يقتضي نفي الحج قبل ذلك، "فهذا بعد النبوة وقبلها لا يعلمه"، أي عدد حجه "إلا الله" وقد أخرج الحاكم بسند صحيح إلى الثورى أن النبي ﷺ حج قبل أن يهاجر حججا. وقال ابن الجوزي: حج حججا، لا يعرف عددها، وقال ابن الأثير في النهاية: كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر انتهى. كلام الفتح، ولخص ذلك كله المصنف في قوله المروي أنه لم يترك وهو بمكة الحج قط انتهى. فقول الشارح أنه مخالف لكلام الفتح فيه نظر ظاهر فأين المخالفة، وأما قوله وقد نقل قول الفتح حج قبل أن يهاجر مرارا ليس فيس تصريح برواية عن حاله بعد الهجرة فعجيب من مثله إذ ليس بعده إلا حجة الإسلام باتفاق، "فخرج ﷺ من المدينة يوم السبت".
قال ابن هشام: واستعمل عليها أبا دجانة الساعدي: ويقال: سباع بن عرفطة الغفاري "لخمس ليال بقين من ذي القعدة" كما أخرجه البخاري عن ابن عباس، والشيخان عن عائشة، "وجزم ابن حزم بأن خروجه كان يوم الخميس، وفيه نظر لأن أول ذي الحجة كان يوم الخميس قطعا لما ثبت، وتواتر أن وقوفه" ﷺ "بعرفة كان يوم الجمعة، فتعين أن أول الشهر كان يوم الخميس، فلا يصح أن يكون خروجه يوم الخميس، بل ظاهر الخبر" الصحيح عن ابن عباس وعائشة: "أن يكون يوم الجمعة" لقولهما لخمس ليال بقين من ذي القعدة، فيبقى من ليلة السبت حتى ليلة الأربعاء خمس ليال، "لكن" يدفع هذا الظاهر، أنه "ثبت في الصحيحين عن أنس صلينا مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعا، والعصر بذي الحليفة ركعتين فدل" قوله الظهر بالمدينة أربعا "على أن خروجهم لم يكن يوم الجمعة" فما بقي إلا أن يكون خروجهم يومстр. 1781
ويحمل قول من قال: لخمس بقين، أي إن كان الشهر ثلاثين فاتفق أن جاء تسعا وعشرين فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال لا خمس، وبها تتفق الأخبار.
هكذا جمع الحافظ عماد الدين بن كثير بين الروايات، وقوى هذا الجمع بقول جابر: إنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع.
وصرح الواقدي بأن خروجه ﷺ كان يوم السبت لخمس ليال بقين من ذي القعدة.
وكان خروجه من المدينة بين الظهر والعصر. وكان دخوله مكة صبح رابعة، كما ثبت في حديث عائشة ﵂ وذلك يوم الأحد. وذلك يؤيد أن خروجه ﵊ من المدينة كان يوم السبت، كما تقدم، فيكون مكث في الطريق ثمان ليال،
الحواشي
(١) السبت، "و" لا يشكل قولهما أن الباقي خمس ليال بأن الباقي أربع؛ لأنه "يحمل قول من قال: لخمس بقين، أي إن كان الشهر ثلاثين فاتفق أن جاء تسعا وعشرين، فيكون يوم الخميس أول ذي الحجة بعد مضي أربع ليال لا خمس، وبها" أي بهذه المقالة، وفي الفتح وبهذا، أي المذكور من الحمل "تتفق الأخبار".
"هكذا جمع الحافظ عماد الدين بن كثير بين الروايات وقوى" ابن كثير "هذا الجمع بقول جابر:" وهو أحسن الصحابة سياقا لحديث حجة الوداع، فإنه ذكرها من حيث خروجه ﷺ من المدينة إلى آخرها، فهو أحفظ لها من غيره "أنه خرج لخمس بقين من ذي القعدة أو أربع" فتردده فيما بقي يؤيد ذلك الجمع.
"وصرح الواقدي بأن خروج ﵊ كان يوم السبت لخمس بقين من ذي القعدة" وهو مما يقوي الجمع أيضا، "وكان خروجه من المدينة بين الظهر والعصر" فنزل بذي الحليفة، فصلى بها العصر ركعتين، ثم بات وصلى بها المغرب والعشاء والصبح والظهر. وكان نساؤه كلهن معه، فطاف عليهن كلهن تلك الليلة، ثم اغتسل غسلا ثانيا لا حرامة غير غسل الجماع الأول.
ذكره المصنف في الحجة، "وكان دخوله مكة صبح رابعة" من ذي الحجة، "كما ثبت في حديث عائشة ﵂، وذلك يوم الأحد، وذلك يؤيد أن خروجه ﵊ من المدينة كان يوم السبت، كما تقدم، فيكون مكث في الطريق ثمان ليال،стр. 1782
وهي المسافة الوسطى.
وخرج معه ﵊ تسعون ألفا، ويقال مائة ألف وأربعة عشر ألفا، ويقال أكثر من ذلك، كما حكاه البيهقي.
ويأتي الكلام على حجة الوداع وما فيها من المباحث في مقصد العبادات إن شاء الله تعالى تكميل.
الحواشي
(١) وهي المسافة الوسطى" المتوسطة بين السير الحثيث والسير البطيء، إلى هنا جلبه المصنف من الفتح من أول قوله: فخرج ﷺ من المدينة يوم السبت، "وخرج معه ﵊ تسعون ألفا، ويقال: مائة ألف وأربعة عشر ألفا، ويقال: أكثر من ذلك، كما حكاه البيهقي، وهذا كما ترى في عدة من خرج معه، وأما الذين حجوا فأكثر كالمقيمين بمكة، والذين أتوا من اليمن مع علي وأبي موسى. وفي حديث أن الله وعد هذا البيت أن يحجه في كل سنة ستمائة ألف إنسان، فإن نقصوا كملهم الله بالملائكة.
قال الحافظ في تسديد القوس: هذا الحديث ذكره الغزالي ولم يخرجه شيخنا العراقي، "ويأتي الكلام على حجة الوداع وما فيها من المباحث" بحسب ما أراد "في مقصد العبادات إن شاء الله تعالى" وهو السابع إنما ذكر هنا تاريخها ضرورة التزامه الترتيب على السنين واستطرد لعدم حجه قبلها وعده من حج معه والله أعلم.
تكميل:
ذكر ابن سعد في الوفود أن بني سعد وفدوا وهم تسعة، فبعثهم سرية لعير قريش، وذكر ابن الأثير أن فيهم ميسرة بن مسروق، وأنه لقيه ﷺ في حجة الوداع، ولعل المراد لحفظ عير قريش؛ لأنها إن كانت في ذا التاريخ فقد أسلموا، فلا يبعث لأخذ عيرهم، وعند أحمد عن رعية السحيمي، بكسر الراء، وسكون المهملة وتحتية: أنه ﷺ بعث إليه كتابا، فرقع به دلوه، فبعث سرية، فلم يدعوا له سارحة، ولا رائحة ولا أهلا، ولا مالا إلا أخذوه وانفلت عريانا على فرس له، ثم قدم عليه ﷺ مسلما وقال: يا رسول الله أهلي ومالي، قال: "أما مالك فقد قسم وأما أهلك فمن قدرت عليه منهم فخذه". وأهمل المصنف أيضا كاليعمري سرية جرير بن عبد الله البجلي قبل فاته ﷺ بنحو شهرين إلى ذي الخلصة بفتح المعجمة واللام بعدها مهملة. وحكى ابن دريد فتح أوله، وإسكان ثانيه، وحكى ابن هشام: ضمهما، وقيل بفتح أوله وضم ثانيه، والأول أشهر والخلصة نبات له حب أحمر كخرز العقيق، وذو الخلصة اسم البيت الذي كان فيه الصنم، وقيل: اسم البيت الخلصة واسم الصنم ذو الخلصة، عن جرير ﵁،стр. 1783
...........................
الحواشي
(١) قال لي النبي ﷺ : "ألا تريحني من ذي الخلصة" فقلت: بلى فانطلقت في خمسين ومائة فارس من أحمس وكانوا أصحاب خيل، وكنت لا أثبت على الخيل، فذكرت ذلك للنبي ﷺ فضرب في صدري، وقال: "اللهم ثبته واجعله هاديا مهذبا"، فما وقعت عن فرس بعد، وكان ذو الخلصة بيتا باليمن لخثعم وبجيلة فيه نصب تعبد يقال له الكعبة، فانطلق إليها فكسرها وحرقها، ثم بعث إلى رسول الله ﷺ ، فقال رسول جرير، والذي بعثك بالحق ما جئت حتى تركتها كأنها جمل أجرب، فبارك في خيل أحمس ورجالها خمس مرات، رواه الشيخان، وسمي في رواية مسلم رسول جرير حصين بن ربيعة الأحمسي، ولبعض رواته بين بدل الصاد، وهو تصحيف، وعند الطبراني عن جرير بعثني النبي ﷺ إلى اليمن أقاتلهم وأدعوهم أن يقولوا لا إله إلا الله، والذي يظهر كما قال الحافظ: أنه غير بعثه إلى هدم الصنم ويحتمل أنه بعثه إلى الجهتين على الترتيب ويؤيده ما وقع عند ابن حبان في حديث جرير أنه ﷺ قال له: "يا جرير أنه لم يبق من طواغيت الجاهلية إلا بيت ذي الخلصة" فإنه يشعر بتأخير هذه القصة جدا، وقد شهد جرير حجة الوداع، فكأن إرساله كان بعدها فهدمها ثم توجه إلى اليمن ولما رجع بلغته وفاة النبي ﷺ وحكى المبرد: أن موضع ذي الخلصة صار مسجدا جامعا لبلدة يقال لها العبلات من أرض خثعم ووهم من قال في بلاد فارس وأن تعجب فعجب إيراد الشامي هنا سرية عمرو بن مرة الجهني إلى أبي سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في مزينة وجهينة، فساروا إلى أبي سفيان، فهزم وكثر القتل في أصحابه.
رواه ابن عساكر، فإن هذا إن صح، فكانت قبل فتح مكة قطعا؛ لأنه أسلم في الفتح، كما مر، فكيف يورد في سنة إحدى عشرة، ولا أعلم كيف خفي عليه ذلك والله أعلم.стр. 1784
[آخر البعوث النبوية] :
ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة إلى أهل أبني بالشراة ناحية
الحواشي
(١) آخر البعوث النبوية:
"ثم سرية أسامة بن زيد بن حارثة" الكلبي "﵁" وعن أبيه وجده، وثبت في الصحيحين أنه ﷺ كان يأخذ أسامة والحسن، فيقول: "اللهم أحبهما فإني أحبهما"، وفي حديث المخزومية فلم يجسر أحد أن يكلمه ﷺ فكلمة أسامة.
سكن المزة من أعمال دمشق ومات بالمدينة أو بوادي القرى سنة خمس أو أربع وخمسين وهو ابن خمس وسبعين سنة "إلى أهل أبني" بضم الهمزة وسكون الموحدة، وفتح النون فألف مقصورة ويقال بميم بدل الموحدة "بالشراة" بفتح المعجمة والراء "ناحية" أيстр. 1785
بالبلقاء، وكانت يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر، سنة إحدى عشرة.
وهي آخر سرية جهزها النبي ﷺ وأول شيء جهزه أبو بكر الصديق ﵁، لغزو الروم مكان مقتل أبيه زيد.
فلما كان يوم الأربعاء بدئ برسول الله ﷺ وجعه، فحم وصدع، فلما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواء بيده، فخرج بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة الأسلمي، وعسكر بالجرف. فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب.
الحواشي
(١) جبل "بالبلقاء" بفتح الموحدة وسكون اللام بالقاف والمد ويقصر، "وكانت يوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة" من الهجرة، أي ابتداء الأمر بها. ففي العيون قالوا: لما كان يوم الاثنين لأربع بقين من صفر سنة إحدى عشرة، أمر ﷺ الناس بالتهيؤ لغزو الروم، فلما كان من الغد دعا أسامة، فقال: "سر إلى موضع مقتل أبيك، فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا على أهل أبني، وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الأخبار، فإن ظفرك الله، فأقل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء، وقدم العيون والطلائع معك" ونحوه في الفتح، وزاد "وهي آخر سرية جهزها النبي ﷺ ، وأول شيء جهزه أبو بكر الصديق ﵁، بمعنى أنفذ تجهيزه لأنه لما بويع بعد الوفاة النبوية كلم في جيش أسامة، فأبى إلا إنفاذه "لغزو الروم مكان مقتل أبيه زيد" أول الأمراء بسرية مؤتة، وهي بالهمز، وتركه من عمل البلقاء بالشام، كما مر فلا تخالف، "فلما كان يوم الأربعاء" كما عند أهل السير، وبه جزم الحاكم أبو أحمد. وقال الخطابي: يوم الاثنين وقيل: يوم السبت "بدئ بالبناء للمفعول مهموز الآخر، أي ابتدأ "برسول الله ﷺ وجعه" نائب الفعل.
قال الحافظ: ابتداؤه في بيت ميمونة على المعتمد، وعند أبي معشر في بيت زينب بنت جحش، وعند اليمي في بيت ريحانة، "فحم" بشد الميم، والبناء للمفعول، "وصدع" بضم الصاد، وكسر الدال المشددة وبالعين المهملات، أي حصل له صداع أي وجع في رأسه وأما المخفف من صدع فليس مرادا هنا كأصدع بما تؤمر "فلما أصبح يوم الخميس" يجوز نصبه ظرفا رفعه فاعل أصبح كما في الشامي "عقد لأسامة لواء بيده" الشريفة ثم قال: أغز بسم الله وفي سبيل الله فقاتل من كفر بالله" "فخرج" أسامة "بلوائه معقودا فدفعه إلى بريدة" بن الحصيب، بمهملتين مصغر "الأسلمي" الصحابي المسلم قبل بدر المتوفى سنة ثلاث وستين، "وعسكر بالجرف" بضمتين وبضم فسكون، "فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلاстр. 1786
فيهم أبو بكر وعمر.
فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟ فخرج ﷺ وقد عصب رأسه وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: $"أما بعد، أيها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إماراتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله،
الحواشي
(١) انتدب" أي قام بسرعة والمراد سرعة الخروج "فيهم أبو بكر، وعمر" وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وسلمة بن أسلم وقتادة بن النعمان، كما ذكره الواقدي وأخرجه ابن عساكر من طريقه وابن سعد، وأنكر ابن تيمية كون الصديق في السرية واستبعده بأنه استخلف أبا بكر على الصلاة، فكيف يأمره الخروج مع السرية ولا بعد فيه، فإنه أمره قبل مرضه، فلما اشتد مرضه استثناه واستخلفه على الصلاة، ثم الإنكار مكابرة فقد أتته أئمة المغازي وهم المرجوع إليهم في هذا. ومن ثم جزم به الحفاظ كاليعمري ومغلطاي والحافظ في المناقب، وقال هنا وقد ذكر إنكار ابن تيمية مستند من ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي وذكره ابن سعد في أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في آخر السيرة المشهورة ولفظه: فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة، فمنهم أبو بكر وعمر ذكر ذلك كله ابن الجوزي في المنتظم جازما به انتهى. "فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين" الأولين، وعند ابن إسحاق، من مرسل عروة وغيره أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار.
قال الحافظ: والذي باشر القول ممن نسب إليهم الطعن في إمارته عياش بن أبي ربيعة المخزومي فكثرت فغضب غضبا شديدا، "فخرج ﷺ وقد عصب" بالتشديد، كما اقتصر عليه البرهان وتبعه الشامي، فإن كان رواية وإلا فيخفف أيضا "رأسه وعليه قطيفة" كساء له خمل. "فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه" بما هو أهله، "ثم قال: "أما بعد أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة".
وفي رواية في الصحيح "قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وأنه أحب الناس إليَّ"، أي الذين طعنوا فيه أو "من أحب" للرواية الأخرى "ولئن طعنتم في إمارتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله".
قال الطيبي: هذا الجزاء إنما يترتب على الشرط بتأويل السببية والتوبيخ، أي طعنكم الآن فيه سبب،؛ لأن أخبركم أن ذلك من عادة الجاهلية وهجراهم، ومن ذلك طعنكم في أبيه من قبل نحو قوله: أن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. وقال التوربشتي: إنما طعن من طعن في إمارتهماстр. 1787
وايم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم"، ثم نزل عن المنبر فدخل بيته. وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة.
وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون
الحواشي
(١) لأنهما من الموالي والعرب لا ترى تأميرهم وتستنكف عن اتباعهم كل الاستنكاف. فلما جاء الله بالإسلام ورفع قدر من لم يكن عندهم له قدر بالسابقة، والهجرة والعلم والتقى عرف حقهم أهل الدين، فأما المرتهنون بالعادة، والممتحنون بحب الرياسة من الأعراب ورؤساء القبائل، فلم يختلج في صدورهم شيء من ذلك لا سيما أهل النفاق، فكانوا يسارعون إلى الطعن وشدة النكير، وكان ﷺ قد بعث زيدا على عدة سرايا ومؤتة أعظمها وتحت رايته نجباء الصحابة، "وايم الله" بهمزة وصل "إن كان" زيد "للإمارة لخليقا" بخاء معجمة مفتوحة وقاف، أي أهلا وحقيقا، فاللام في للإمارة على بابها، لكن الرواية عن أهل المغازي لخليقا للإمارة بتأخيرها كما في العيون، وهو الذي في الصحيح لسوابقه وقربه منه ﷺ وقد روى النسائي عن عائشة: ما بعث صلى الله عليه وسم زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم، "وإن ابنه ن بعده لخليق" جدير وحقيق، وضمنه معنى أهل، فعداه باللام في "للإمارة" فلا يرد أن خليق يتعدى بالباء، ولذا أمره في مرضه على مشيخة الصحابة وفضلائهم، وكأنه رأى في ذلك سوى ما توسم أنه من النجابة، أي يمهد الأرض، ويوطئه لمن يلي الأمر بعده لئلا ينزع أحد يدا من طاعته، وليعلم كل أن العادات الجاهلية قد عميت مسالكها وخفيت معالمها. قال التوربشتي "وإن" مخففة من الثقيلة "كان" زيد "لمن أحب الناس إليَّ".
زاد في رواية الصحيح "وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده" فكان حذفها هنا من تصرف الرواة وفي العيون وأنهما لمخيلان لكل خير، بفتح الميم، وكسر المعجمة وسكون التحتية أي لمظنة وهذه القطعة مما أورده أهل المغازي صحيحة.
روى الإمام مالك ومن طريقه البخاري عن ابن عمر: أنه ﷺ بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته فقام ﷺ فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وايم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده" "فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم" فيه منقبة ظاهرة لأسامة وأبيه حيث أذاع فضائلهما على المنبر مع تلبسه بالمرض وكونه عاصبا رأسا وأمره بالوصية لأسامة ونصه لي أنه من الخيار "ثم نزل عن المنبر، فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعونстр. 1788
رسول الله ﷺ ويخرجون إلى العسكر بالجرف.
فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبي ﷺ مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فطأطأ أسامة فقبله، والنبي ﷺ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة. قال أسامة. فعرفت أنه يدعو لي. ورجع أسامة إلى معسكره.
ثم دخل يوم.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ ، ويخرجون إلى العسكر، وهو ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة من قريش، كما عند الواقدي، وعنده أيضا عن أبي هريرة كانت عدة الجيش سبعمائة ولا تنافي، فلعله اقتصر على القرشيين "بالجرف" موضع على فرسخ من المدينة، كما عند ابن إسحاق، "فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله ﷺ وجعه".
قال أهل المغازي فجعل يقول: "أنفذوا بعث أسامة"، "فدخل أسامة من معسكره والنبي ﷺ مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه" بدال مهملة قال الحافظ: أي جعلوا في جانب فمه دواء بغير اختياره، وعند الطبراني عن العباس: أنهم أذابوا القسط، أي العود الهندي بزيت فلدوه به؛ لأنهم ظنوا أنه به ذات الجنب، فلما أفاق قال: كنتم ترون أن الله يسلط على ذات الجنب ما كان الله ليجعل لها عليَّ سلطانًا والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد، فما بقي أحد إلا لد حتى ميمونة وهي صائمة.
أخرجه ابن سعد عن عائشة وعبد الرزاق بسند صحيح عن أسماء بنت عميس نحوه وفيه ضعف ما رواه أبو يعلي بسند فيه ابن لهيعة عن عائشة ﵂: أنه ﷺ مات من ذات الجنب لكن يمكن الجمع بأنها تطلق على ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن وهو المنفي هنا وفي المستدرك ذات الجنب من الشيطان وعلى ريح بين الأضلاع وهو المثبت ولا محذور فيه وإنما لدهم تأديبا لئلا يعودوا لا قصاصا ولا انتقاما، وأنكر التداوي مع أنه كان يتداوى لأنه غير ملائم له إذ هو ملائم لذات الجنب وليست به انتهى ملخصا، وفي الصحيح عن عائشة لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني" قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا" انظر إلا العباس لم يشهدكم "فطأطأ" بهمزة ساكنة بعد الطاء الأولى، وهمزة مفتوحة بعد الثانية "أسامة فقبله والنبي ﷺ لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي ورجع أسامة إلى معسكره، ثم دخل" أسامة "يومстр. 1789
الاثنين وأصبح ﷺ مفيقا، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله ﷺ يموت. فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة فتوفي ﵊ حين زاغت الشمس. لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
واستشكله السهيلي ومن تبعه، وذلك: أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس فمهما فرضت الشهور الثلاثة: توام أو نواقص، أو بعضها، لم يصح.
قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر لمن تأمله.
الحواشي
(١) الاثنين وأصبح ﷺ مفيقا، فقال لأسامة: "اغد على بركة الله" فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر، "فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن".
قال البرهان: لا أعرف اسمه "قد جاءه يقول إن رسول الله ﷺ يموت، فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة" فانتهوا إليه وهو يموت "فتوفي ﵊ حين زاغت" مالت "الشمس" وذلك عند الزوال. وفي الصحيح: وتوفي في آخر ذلك اليوم.
قال الحافظ: وهو يخدش في جزام ابن إسحاق، بأنه مات حين اشتد الضحى، ويجمع بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار، وذلك عند الزوال، واشتداد الضحى يقع قبل الزوال ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس. وقد جزم ابن عقبة، عن الزهري وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحاق والجمهور وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحاق والجمهور أنه مات "لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول" وعند ابن عقبة والليث والخوارزمي وابن زير مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، ورجحه في الروض "واستشكله" أي قوله: لاثنتي عشرة ليلة "السهيلي ومن تبعه. و" قال في بيان "ذلك" ما حاصله: "أنهم انفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس" للإجما أن وقفة عرفة كانت الجمعة، "فمهما فرضت الشهور الثلاثة" الحجة ومحرم وصفر "توام أو نواقص" كلها "أو" فرضت بعضها تاما وبعضها ناقصا "لم يصح" أن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين.
"قال الحافظ ابن حجر: وهو" إشكال "ظاهر لمن تأمله" ولفظ السهيلي فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت فإن كان الجمعة فكان صفر إما السبت، وإما الأحد، فإن كان السبتстр. 1790
وأجاب البازري ثم ابن كثير، باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها، وكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد وآخره الاثنين وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين.
قال: وهذا الجواب بعيد، من حيث إنه يلزم منه توالي أربعة أشهر كوامل، وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات، بأن ابتداء مرضه ﷺ كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. فعلى هذا يكون صفر ناقصا ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والمحرم ناقصين. فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية.
الحواشي
(١) فأول ربيع الأحد أو الاثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن ثاني عشر ربيع يوم الاثنين بوجه ولم أر أحدا تفطن له. "وأجاب البارزي ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل فكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة فحصلت" وفي نسخة فجعلت "الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها" المدينة، "فكان أول ذي الحجة، الجمعة" على رؤية المدينة، وآخره السبت وأول المحرم الأحد، وآخره الاثنين وأول صفر الثلاثاء، وآخره الأربعاء وأول ربيع الأول الخميس فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين.
"قال" الحافظ: "وهذا الجواب بعيد من حيث" وفي نسخة من جهة "أنه يلزم منه توالي أربعة أشهر"، بعد ذي القعدة أولها كوامل وهو ممتنع عند جماعة من علماء الميقات، وصوب آخرون أن الممتنع توالي خمسة "وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات بأن ابتداء مرضه ﷺ كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، فعلى هذا يكون صفر ناقصا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا أن يكون ذو الحجة والمحرم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية" وهي غاية ما يتوالى.
قال الحافظ عقب هذا: وأما من قال مات أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصان، وواحد كاملا، ولذا رجحه السهيلي، وفي مغازي أبي معشر عن محمد بن قيس: اشتكى ﷺ يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهو موافق لقول سليمان التيمي المتقدم بأن أولследующие страницы →