Полный текст (5 943 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
فيهم أبو بكر وعمر.
فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين؟ فخرج ﷺ وقد عصب رأسه وعليه قطيفة، فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: $"أما بعد، أيها الناس، ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة، ولئن طعنتم في إماراتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله،
الحواشي
(١) انتدب" أي قام بسرعة والمراد سرعة الخروج "فيهم أبو بكر، وعمر" وأبو عبيدة، وسعد، وسعيد، وسلمة بن أسلم وقتادة بن النعمان، كما ذكره الواقدي وأخرجه ابن عساكر من طريقه وابن سعد، وأنكر ابن تيمية كون الصديق في السرية واستبعده بأنه استخلف أبا بكر على الصلاة، فكيف يأمره الخروج مع السرية ولا بعد فيه، فإنه أمره قبل مرضه، فلما اشتد مرضه استثناه واستخلفه على الصلاة، ثم الإنكار مكابرة فقد أتته أئمة المغازي وهم المرجوع إليهم في هذا. ومن ثم جزم به الحفاظ كاليعمري ومغلطاي والحافظ في المناقب، وقال هنا وقد ذكر إنكار ابن تيمية مستند من ذكره ما أخرجه الواقدي بأسانيده في المغازي وذكره ابن سعد في أواخر الترجمة النبوية بغير إسناد، وذكره ابن إسحاق في آخر السيرة المشهورة ولفظه: فلم يبق أحد من المهاجرين الأولين إلا انتدب في تلك الغزوة، فمنهم أبو بكر وعمر ذكر ذلك كله ابن الجوزي في المنتظم جازما به انتهى. "فتكلم قوم وقالوا: يستعمل هذا الغلام على المهاجرين" الأولين، وعند ابن إسحاق، من مرسل عروة وغيره أمر غلاما حدثا على جلة المهاجرين والأنصار.
قال الحافظ: والذي باشر القول ممن نسب إليهم الطعن في إمارته عياش بن أبي ربيعة المخزومي فكثرت فغضب غضبا شديدا، "فخرج ﷺ وقد عصب" بالتشديد، كما اقتصر عليه البرهان وتبعه الشامي، فإن كان رواية وإلا فيخفف أيضا "رأسه وعليه قطيفة" كساء له خمل. "فصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه" بما هو أهله، "ثم قال: "أما بعد أيها الناس ما مقالة بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة".
وفي رواية في الصحيح "قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وأنه أحب الناس إليَّ"، أي الذين طعنوا فيه أو "من أحب" للرواية الأخرى "ولئن طعنتم في إمارتي أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله".
قال الطيبي: هذا الجزاء إنما يترتب على الشرط بتأويل السببية والتوبيخ، أي طعنكم الآن فيه سبب،؛ لأن أخبركم أن ذلك من عادة الجاهلية وهجراهم، ومن ذلك طعنكم في أبيه من قبل نحو قوله: أن يسرق فقد سرق أخ له من قبل. وقال التوربشتي: إنما طعن من طعن في إمارتهماстр. 1787
وايم الله إن كان للإمارة لخليقا، وإن ابنه من بعده لخليق للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم"، ثم نزل عن المنبر فدخل بيته. وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة.
وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون
الحواشي
(١) لأنهما من الموالي والعرب لا ترى تأميرهم وتستنكف عن اتباعهم كل الاستنكاف. فلما جاء الله بالإسلام ورفع قدر من لم يكن عندهم له قدر بالسابقة، والهجرة والعلم والتقى عرف حقهم أهل الدين، فأما المرتهنون بالعادة، والممتحنون بحب الرياسة من الأعراب ورؤساء القبائل، فلم يختلج في صدورهم شيء من ذلك لا سيما أهل النفاق، فكانوا يسارعون إلى الطعن وشدة النكير، وكان ﷺ قد بعث زيدا على عدة سرايا ومؤتة أعظمها وتحت رايته نجباء الصحابة، "وايم الله" بهمزة وصل "إن كان" زيد "للإمارة لخليقا" بخاء معجمة مفتوحة وقاف، أي أهلا وحقيقا، فاللام في للإمارة على بابها، لكن الرواية عن أهل المغازي لخليقا للإمارة بتأخيرها كما في العيون، وهو الذي في الصحيح لسوابقه وقربه منه ﷺ وقد روى النسائي عن عائشة: ما بعث صلى الله عليه وسم زيد بن حارثة في جيش قط إلا أمره عليهم، "وإن ابنه ن بعده لخليق" جدير وحقيق، وضمنه معنى أهل، فعداه باللام في "للإمارة" فلا يرد أن خليق يتعدى بالباء، ولذا أمره في مرضه على مشيخة الصحابة وفضلائهم، وكأنه رأى في ذلك سوى ما توسم أنه من النجابة، أي يمهد الأرض، ويوطئه لمن يلي الأمر بعده لئلا ينزع أحد يدا من طاعته، وليعلم كل أن العادات الجاهلية قد عميت مسالكها وخفيت معالمها. قال التوربشتي "وإن" مخففة من الثقيلة "كان" زيد "لمن أحب الناس إليَّ".
زاد في رواية الصحيح "وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده" فكان حذفها هنا من تصرف الرواة وفي العيون وأنهما لمخيلان لكل خير، بفتح الميم، وكسر المعجمة وسكون التحتية أي لمظنة وهذه القطعة مما أورده أهل المغازي صحيحة.
روى الإمام مالك ومن طريقه البخاري عن ابن عمر: أنه ﷺ بعث بعثا وأمر عليهم أسامة بن زيد فطعن الناس في إمارته فقام ﷺ فقال: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبل وايم الله إن كان لخليقا للإمارة وإن كان لمن أحب الناس إليَّ، وإن هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده" "فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم" فيه منقبة ظاهرة لأسامة وأبيه حيث أذاع فضائلهما على المنبر مع تلبسه بالمرض وكونه عاصبا رأسا وأمره بالوصية لأسامة ونصه لي أنه من الخيار "ثم نزل عن المنبر، فدخل بيته، وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة. وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعونстр. 1788
رسول الله ﷺ ويخرجون إلى العسكر بالجرف.
فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله ﷺ وجعه، فدخل أسامة من معسكره والنبي ﷺ مغمور، وهو اليوم الذي لدوه فيه، فطأطأ أسامة فقبله، والنبي ﷺ لا يتكلم، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة. قال أسامة. فعرفت أنه يدعو لي. ورجع أسامة إلى معسكره.
ثم دخل يوم.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ ، ويخرجون إلى العسكر، وهو ثلاثة آلاف فيهم سبعمائة من قريش، كما عند الواقدي، وعنده أيضا عن أبي هريرة كانت عدة الجيش سبعمائة ولا تنافي، فلعله اقتصر على القرشيين "بالجرف" موضع على فرسخ من المدينة، كما عند ابن إسحاق، "فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله ﷺ وجعه".
قال أهل المغازي فجعل يقول: "أنفذوا بعث أسامة"، "فدخل أسامة من معسكره والنبي ﷺ مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه" بدال مهملة قال الحافظ: أي جعلوا في جانب فمه دواء بغير اختياره، وعند الطبراني عن العباس: أنهم أذابوا القسط، أي العود الهندي بزيت فلدوه به؛ لأنهم ظنوا أنه به ذات الجنب، فلما أفاق قال: كنتم ترون أن الله يسلط على ذات الجنب ما كان الله ليجعل لها عليَّ سلطانًا والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد، فما بقي أحد إلا لد حتى ميمونة وهي صائمة.
أخرجه ابن سعد عن عائشة وعبد الرزاق بسند صحيح عن أسماء بنت عميس نحوه وفيه ضعف ما رواه أبو يعلي بسند فيه ابن لهيعة عن عائشة ﵂: أنه ﷺ مات من ذات الجنب لكن يمكن الجمع بأنها تطلق على ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن وهو المنفي هنا وفي المستدرك ذات الجنب من الشيطان وعلى ريح بين الأضلاع وهو المثبت ولا محذور فيه وإنما لدهم تأديبا لئلا يعودوا لا قصاصا ولا انتقاما، وأنكر التداوي مع أنه كان يتداوى لأنه غير ملائم له إذ هو ملائم لذات الجنب وليست به انتهى ملخصا، وفي الصحيح عن عائشة لددناه في مرضه فجعل يشير إلينا أن لا تلدوني فقلنا كراهية المريض للدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكم أن تلدوني" قلنا: كراهية المريض للدواء، فقال: "لا يبقى أحد في البيت إلا لد وأنا" انظر إلا العباس لم يشهدكم "فطأطأ" بهمزة ساكنة بعد الطاء الأولى، وهمزة مفتوحة بعد الثانية "أسامة فقبله والنبي ﷺ لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة قال أسامة: فعرفت أنه يدعو لي ورجع أسامة إلى معسكره، ثم دخل" أسامة "يومстр. 1789
الاثنين وأصبح ﷺ مفيقا، فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاءه يقول: إن رسول الله ﷺ يموت. فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة فتوفي ﵊ حين زاغت الشمس. لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول.
واستشكله السهيلي ومن تبعه، وذلك: أنهم اتفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس فمهما فرضت الشهور الثلاثة: توام أو نواقص، أو بعضها، لم يصح.
قال الحافظ ابن حجر: وهو ظاهر لمن تأمله.
الحواشي
(١) الاثنين وأصبح ﷺ مفيقا، فقال لأسامة: "اغد على بركة الله" فودعه أسامة وخرج إلى معسكره، وصاح في أصحابه باللحوق إلى العسكر، "فأمر الناس بالرحيل، فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن".
قال البرهان: لا أعرف اسمه "قد جاءه يقول إن رسول الله ﷺ يموت، فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة" فانتهوا إليه وهو يموت "فتوفي ﵊ حين زاغت" مالت "الشمس" وذلك عند الزوال. وفي الصحيح: وتوفي في آخر ذلك اليوم.
قال الحافظ: وهو يخدش في جزام ابن إسحاق، بأنه مات حين اشتد الضحى، ويجمع بأن إطلاق الآخر بمعنى ابتداء الدخول في أول النصف الثاني من النهار، وذلك عند الزوال، واشتداد الضحى يقع قبل الزوال ويستمر حتى يتحقق زوال الشمس. وقد جزم ابن عقبة، عن الزهري وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحاق والجمهور وأبو الأسود، عن عروة بأنه مات حين زاغت الشمس، فهذا يؤيد الجمع، ثم الذي عند ابن إسحاق والجمهور أنه مات "لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول" وعند ابن عقبة والليث والخوارزمي وابن زير مات لهلال ربيع الأول، وعند أبي مخنف والكلبي في ثانيه، ورجحه في الروض "واستشكله" أي قوله: لاثنتي عشرة ليلة "السهيلي ومن تبعه. و" قال في بيان "ذلك" ما حاصله: "أنهم انفقوا على أن ذا الحجة كان أوله يوم الخميس" للإجما أن وقفة عرفة كانت الجمعة، "فمهما فرضت الشهور الثلاثة" الحجة ومحرم وصفر "توام أو نواقص" كلها "أو" فرضت بعضها تاما وبعضها ناقصا "لم يصح" أن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الاثنين.
"قال الحافظ ابن حجر: وهو" إشكال "ظاهر لمن تأمله" ولفظ السهيلي فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت فإن كان الجمعة فكان صفر إما السبت، وإما الأحد، فإن كان السبتстр. 1790
وأجاب البازري ثم ابن كثير، باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل، وكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة، فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة، فحصلت الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها، وكان أول ذي الحجة الجمعة وآخره السبت، وأول المحرم الأحد وآخره الاثنين وأول صفر الثلاثاء وآخره الأربعاء، وأول ربيع الأول الخميس، فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين.
قال: وهذا الجواب بعيد، من حيث إنه يلزم منه توالي أربعة أشهر كوامل، وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات، بأن ابتداء مرضه ﷺ كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر، ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول. فعلى هذا يكون صفر ناقصا ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا إن كان ذو الحجة والمحرم ناقصين. فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية.
الحواشي
(١) فأول ربيع الأحد أو الاثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن ثاني عشر ربيع يوم الاثنين بوجه ولم أر أحدا تفطن له. "وأجاب البارزي ثم ابن كثير باحتمال وقوع الأشهر الثلاثة كوامل فكان أهل مكة والمدينة اختلفوا في رؤية هلال ذي الحجة فرآه أهل مكة ليلة الخميس، ولم يره أهل المدينة إلا ليلة الجمعة فحصلت" وفي نسخة فجعلت "الوقفة برؤية أهل مكة، ثم رجعوا إلى المدينة فأرخوا برؤية أهلها" المدينة، "فكان أول ذي الحجة، الجمعة" على رؤية المدينة، وآخره السبت وأول المحرم الأحد، وآخره الاثنين وأول صفر الثلاثاء، وآخره الأربعاء وأول ربيع الأول الخميس فيكون ثاني عشرة يوم الاثنين.
"قال" الحافظ: "وهذا الجواب بعيد من حيث" وفي نسخة من جهة "أنه يلزم منه توالي أربعة أشهر"، بعد ذي القعدة أولها كوامل وهو ممتنع عند جماعة من علماء الميقات، وصوب آخرون أن الممتنع توالي خمسة "وقد جزم سليمان التيمي أحد الثقات بأن ابتداء مرضه ﷺ كان يوم السبت الثاني والعشرين من صفر ومات يوم الاثنين لليلتين خلتا من ربيع الأول، فعلى هذا يكون صفر ناقصا، ولا يمكن أن يكون أول صفر السبت إلا أن يكون ذو الحجة والمحرم ناقصين، فيلزم منه نقص ثلاثة أشهر متوالية" وهي غاية ما يتوالى.
قال الحافظ عقب هذا: وأما من قال مات أول يوم من ربيع الأول، فيكون اثنان ناقصان، وواحد كاملا، ولذا رجحه السهيلي، وفي مغازي أبي معشر عن محمد بن قيس: اشتكى ﷺ يوم الأربعاء لإحدى عشرة مضت من صفر، وهو موافق لقول سليمان التيمي المتقدم بأن أولстр. 1791
قال: والمعتمد ما قاله أبو مخنف: أنه توفي في ثاني ربيع الأول. وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا: مات في ثاني شهر ربيع الأول، فغيرت فصار: ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك يتبع بعضهم بعضا من غير تأمل. انتهى.
ثم إن وفاته ﵊ يوم الاثنين من ربيع الأول بلا خلاف، بل كاد يكون إجماعا لكن في حديث ابن مسعود: في حادي عشر رمضان رواه البزار. والمعتمد ما تقدم، والله أعلم. انتهى.
وسيأتي حديث الوفاة الشريفة إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير.
الحواشي
(١) صفر كان السبت. وما عند ابن سعد من طريق عمر بن علي بن أبي طالب، عن أبيه قال: اشتكى ﷺ يوم الأربعاء لليلة بقيت من صفر، فاشتكى ثلاث عشرة ليلة، ومات يوم الاثنين لاثنتي عشرة مضت من ربيع الأول، فيرد عليه الإشكال المتقدم، وكيف يصح أن أول صفر الأربعاء، ليكون تاسع عشريه الأربعاء والفرض أن ذا الحجة أوله الخميس، فلو فرض هو والمحرم كاملين لكان أول صفر الاثنين، فكيف يتأخر إلى يوم الأربعاء.
"قال" الحافظ تلو هذا "والمعتمد ما قاله أبو مخنف" بكسر الميم، وسكون الخاء المعجمة وفتح النون، ثم فاء لوط بن يحيى الإخباري الشيعي، قال في الميزان وغيره. كذاب تالف متروك وفي القاموس وكمنبر أبو مخنف، وسقطت أداة الكنية من الشيخ، فتوقف في أنه المراد، وظنهما رجلين ولا كذلك، وقد وافقه ابن الكلبي على "أنه توفي في ثاني ربيع الأول، وكان سبب غلط غيره أنهم قالوا مات في ثاني شهر ربيع الأول، فغيرت فصار ثاني عشر، واستمر الوهم بذلك" للناقل عمن غيرها "يتبع بعضهم بعضا من غير تأمل" وأجاب البدر بن جماعة بحمل قول الجمهور لاثنتي عشرة ليلة خلت، أي بأيامها، فيكون موته في الثالث عشر، وتفرض الشهور كوامل، فيصح ويعكر عليه ما عكر على الذي قبله مع زيادة مخالفة، أهل اللسان في الاثنتي شرة فإنهم لا يفهمون منها إلا مضي الليالي، ويكون ما أرخ بذلك واقعا في اليوم الثاني عشر "انتهى" كلام الفتح. وقال قبله "ثم إن وفاته ﵊ في يوم الاثنين" كما ثبت في الصحيح عن أنس ورواه ابن سعد بأسانيده عن عائشة، وعلي وسعد وعروة وابن المسيب وابن شهاب وغيرهم، "من ربيع الأول بلا خلاف" كما قال ابن عبد البر: "بل كاد يكون إجماعا، لكن في حديث ابن مسعود في حادي عشر رمضان رواه البزار والمعتمد ما تقدم" أنه في ربيع الأول "والله أعلم انتهى" ودفن ليلة الأربعاء على المشهور عند الجمهور، وقيل يوم الثلاثاء، وهو غريب، قاله ابن كثير، "وسيأتي حديث الوفاة الشريفة إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير"стр. 1792
ولما توفي ﷺ دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة، ودخل بريدة بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله ﷺ فغرزه عند بابه. فلما بويع أبو بكر الصديق ﵁ أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى به إلى معسكرهم الأول، وخرج أسامة هلال بن ربيع الآخر سنة إحدى عشرة إلى أهل أبنى، فشن عليهم الغارة، فقتل من أشرف له، وسبي من قدر عليه، وحرق منازلهم ونخلهم، وقتل قاتل أبيه في الغارة، ثم رجع إلى المدينة، ولم يصب أحد من المسلمين.
الحواشي
(١) وإنما ذكر هنا تاريخه، "ولما توفي ﷺ دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف إلى المدينة. ودخل بريدة بلواء أسامة معقودا حتى أتى به باب رسول الله ﷺ فغرزه عند بابه فلما بويع أبو بكر الصديق ﵁ أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه، فمضى به إلى معسكرهم الأول" وأمر أبو بكر مناديا لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله ﷺ ، فإني لن أوتي بأحد أبطأ عن الخروج معه إلا ألحقته به ماشيا، فلم يتخلف عنه أحد. ومشى أبو بكر إلى بيت أسامة، فكلمه. أن يأذن لعمر في التخلف ففعل. "وخرج أسامة هلال ربيع الأخر سنة إحدى عشرة" في جيشه ثلاثة آلاف، كما مر وفيهم ألف فارس. وخرج أبو بكر يشيعه، فركب من الجرف، وسار أبو بكر إلى جنبه ساعة، وقال: أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك، إني سمعت رسول الله ﷺ يوصيك فانفذ لأمره، فأسرع "إلى أهل ابنى" فقدم عينا له من عذرة يدعى حريثا فانتهى إلى أبنى ثم عاد، فلقي أسامة على ليلتين منها، فأخبره أنهم غارون، ولا جموع لهم، وحثه لى سرعة السير قبل اجتماعهم، فسار إلى أبنى وعبى اصحابه، "فشن عليهم الغارة فقتل من أشرف له، وسبي من قدر عليه وحرق منازهم ونخلهم".
زاد اليعمري وحرثهم وأجال الخيل في عرصاتهم، وأقاموا يومهم ذلك في تعبية ما أصابوا من الغنائم. وكان أسامة على فرس أبيه سبحة، أي بفتح المهملة وسكون الموحدة، "وقتل قاتل أبيه" ظاهر السياق بناؤه للفاعل، لكن قرأه البرهان بالمفعول، فقال: لا أعرف اسم قاتله، وكأنه لقوله "في الغارة" وأيضا لو قرئ بالفاعل لا يعين أن قاتله أسامة لما علم أن الإسناد إلى الأمير مجاز.
زاد اليعمري وأسهم للفرس سهمين وللفارس سهما وأخذ لنفسه مثل ذلك، فلما أمسى أمر الناس بالرحيل، "ثم" أسرع السير فورد وادي القرى في تسع ليال فبعث بشيرا إلى المدينة بسلامتهم، ثم قصد في السير ستا حتى "رجع إلى المدينة. ولم يصب أحد من المسلمين".стр. 1793
وخرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سرورا. والله أعلم.
فجمع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه نحو سبع وعشرين.
المقصد الثاني:
في ذكر أسمائه الشريفه المنبئة عن كمال صفاته المنيفة.
وذكر أولاده الكرام الطاهرين، وأزواجه الطاهرات أمهات المؤمنين، وأعمامه وعماته وإخوته من الرضاعة وجداته، وخدمه ومواليه وحرسه،
وكتابه وكتب إلى أهل الإسلام بالشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام، ومؤذنيه.
وخطبائه وحداته وشعرائه وآلات حروبه ودوابه. والوافدين إليه ﷺ . وفيه عشرة فصول.
الحواشي
(١) "خرج أبو بكر في المهاجرين وأهل المدينة يتلقونه سرورا" بسلامتهم.
زاد اليعمري: ودخل على فرس أبيه سبحة واللواء أمامه يحمله بريدة حتى انتهى إلى باب المسجد فدخل فصلى ركعتين ثم انصرف إلى بيته وبلغ هرقل وهو بحمص ما صنع أسامة فبعث رابطة يكونون بالبلقاء، فلم يزل هناك حتى قدمت البعوث إلى الشام في خلافة أبي بكر وعمر، "والله أعلم، فجمع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون" وفي الفتح أن السرايا، أي وأراد بها ما يشمل البعوث تقرب من سبعين، وقرأت بخط مغلطاي أن مجموع الغزوات والسرايا مائة، وهو كما قال، انتهى. والله أعلم.
"المقصد الثاني في ذكر أسمائه الشريفة" وشرح بعضها "المنبئة" المخبرة "عن كمال صفاته المنيفة" الزائدة في الكمال على غيرها من أنافت الدراهم على مائة زادت، "وذكر أولاده الكرام الطاهرين" صفتان كاشفتان وأولاد شامل للإناث، فالطاهرين تغليب وهذان فصلان، "و" الثالث في "أزواجه الطاهرات" صفة لازمة "أمهات المؤمنين" ويأتي فيه: هل يقال لهن أمهات المؤمنات في نفس المتن وفيه ذكر سراريه "و" الرابع في أعمامه وعماته وإخوته" فيه تغليب كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾ ؛ إذ المراد ما يشمل الإناث "من الرضاعة" قيد به؛ لأنه لا إخوة له من النسب، وقد صرح العلماء بأن أبوابه لم يلدا غيره "وجداته" من قبل أبويه. "و" الخامس في "خدمه" جمع خادم غلاما كان أو جارية، وبالهاء فيها لغة قليلة "وموالية وحرسه. و" السادس في "كتابه" جمع كاتب، "وكتبه" جمع كتاب "إلى أهل الإسلام" في الشرائع والأحكام "ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام" وفيه ذكر أمرائه ورسله. "و" السابع في "مؤذنيه"
وخطبائه وحداته" جمع حاد "وشعرائه. و" الثامن في "آلات حروبه. و" التاسع في "دوابه. و" العاشر في ذكر "الوافدين عليه ﷺ وفيه عشرة فصول".стр. 1794
الفصل الأول: في ذكر أسمائه الشريفة المنبئة على كمال صفاته المنيفة
اعلم أن الأسماء جمع اسم، وهو كلمة وضعتها العرب بإزاء مسمى، متى أطلقت فهم منها لك المسمى، فعلى هذا لا بد من مراعاة أربعة أشياء: الاسم والمسمى -بفتح الميم والمسمي بكسرها-.....
الحواشي
(١) "الفصل الأول في ذكر أسمائه الشريفة" أي التي وقف عليها، وهي أكثر من أربعمائة، فلا يرد عليه أن الجمع المضاف يفيد العموم، وقد نقل ابن العربي: أنها ألف؛ لأن مراده عموما مقيد بما رآه بقرينة كلامه بعد "المنبئة" صفة لازمة إذ هي كلها دالة "على كمال صفاته المنيفة" الزائدة شرفا على غيرها، فليس المراد أنه يذكر ما دل على الكمال دون غيره، وإنما دلت على ذلك لأن مفاهيمها كلها تدل على معان شريفة، ولذا قال ابن القيم: إن محمد علم وصفة في حقه ﷺ وإن كان علما محضا في حق غيره. وهذا شأن أسمائه كأسماء الله أعلام دالة على معان هي أوصاف مدح، فلا تضاد فيها العلمية الوصفية، ولما كانت الأسماء قوالب المعاني ودالة عليها اقتضت المحكمة أن يكون بينها وبينها ارتباط وتناسب وأن لا تكون معها بمنزلة الأجنبي المحض الذي لا تعلق له بها، فإن حكمة الحكيم تأبي ذلك والواقع يشهد بخلافه بل للأسماء تأثير في المسميات، وللمسميات تأثير في أسمائها في الحسن والقبح، والثقل، واللطافة والكثافة كما قيل:
وقل إن أبصرت عيناك ذا لقب ... إلا ومعناه إن فكرت في لقبه
"اعلم أن الأسماء جمع اسم، وهو" لغة "كلمة وضعتها العرب بإزاء" مقابل "مسمى متى أطلقت فهم منها ذلك المسمى" فشمل الأفعال لفهم معانيها إذا أطلقت وإن كانت الأسماء الشريفة كلها اصطلاحية وفيه مسامحة؛ لأن أسماء الله تعالى هو الواضع لها اتفاقا كأسماء الأجناس على الراجح، وقيل العرب. وأسماء الأشخاص من وضعها عربيا كان أو غيره فهو قاصر على أسماء الأجناس مع المشي على الضعيف، "فعلى هذا لا بد في تحقق الاسم ووجوده "من مراعاة أربعة أشياء الاسم والمسمى، بفتح الميم، والمسمي بكسرها" مخففة ومثقلة فيهما منстр. 1795
والتسمية فالاسم: هو اللفظ الموضوع على الذات لتعريفها أو تخصيصها عن غيرها كلفظ: زيد.
والمسمى: هو الذات المقصود تمييزها بالاسم، كشخص زيد.
والمسمي: هو الواضع لذلك اللفظ.
والتسمية: هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات.
والواضع: تخصيص لفظ بمعنى إذا أطلق أو أحس فهم منه ذلك المعنى.
واختلفوا هل الاسم عين المسمى أو غيره؟ وهي مسألة طويلة تكلم الناس فيها قديما وحديثا.
فذهب قوم إلى أن الاسم عين المسمى.
الحواشي
(١) اسميته وسميته وهما بمعنى كما في القاموس: "والتسمية فالاسم هو اللفظ الموضوع على الذات" أراد بها ما دل عليه اللفظ فلا ينافي ما فوقه في تعريف الاسم لتعريفها كأسمائه سبحانه فإن مدلولها وهو الذات لا يلتبس بغيره حتى يراد تمييزه فالمراد منها تعريف عباده به تعالى "أو تخصيصها" أي تمييزها "عن غيرها كلفظ زيد" وغيره من أسماء المخلوقات، فإن المقصود تمييزها عن مشاركها في الوجود قال شيخنا: ويحتمل أنه أراد بالتعريف الإشارة إلى الإعلام الشخصية فإنها تشخص مسمياتها وبالتخصيص الإشارة إلى النكرات، فيكون قوله كلفظ زيد مثالا للأول ولا الثاني، "والمسمى هو الذات المقصود تمييزها بالاسم كشخص زيد" أراد بالذات المسمى جوهرا كمسمى زيد أو عرضا كمسمى البياض وفي القاموس: الاسم اللفظ الموضوع على الجوهر والعرض للتمييز "والمسمى هو الواضع لذلك اللفظ، فالواضع لأسماء الله وأسماء الأجناس هو الله تعالى ولإعلام الأشخاص البشر كما مر، "والتسمية هي اختصاص ذلك اللفظ بتلك الذات" مصدر اختصصته بكذا إذا خصصته به، فهي عبارة عن جعل الواضع الاسم دالا على المسمى، "والواضع تخصيص لفظ، بمعنى إذا أطلق" كالألفاظ الموضوعة "أو أحس" كالنقوش الدالة عليها، فإذا تصورت انتقل منها إلى الألفاظ ثم منها إلى معانيها فهم منه ذلك المعنى" للعالم، بالوضع فلا يرد أنه غير جامع لأن كثيرا ما تطلق الألفاظ، ولا يفهم الواقف عليها معناها؛ لأنه لعدم علمه بالوضع فهو شرط للفهم لا للدلالة لأنها دالة في نفسها، "واختلفوا" في جواب قول السائل: "هل الاسم عين المسمى أو غيره، وهي مسألة طويلة تكلم الناس فيها قديما وحديثا، فذهب قوم إلى أن الاسم عين المسمى".стр. 1796
واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ، [الأعلى: ١] ، والتسبيح إنما هو للرب جل وعلا، فدل على أن اسمه هو هو.
وأجيب، بأنه أشرب معنى سبح "اذكر" فكأنه قال: اذكر اسم ربك الأعلى، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الإنسان: ٢٥] وقد أشرت معنى اذكر "سبح" عكس الأول. قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّك﴾ [آل عمران: ٤١] أي سبح ربك، والإشراب جار في لغتهم، يشربون معنى فعل فعلا.
واستشكل.
الحواشي
(١) قال القرطبي وهو قول أبي عبيدة وسيبويه وعزاه الباقلاني لأهل الحق وارتضاه ابن فورك، فإذا قيل: الله عالم، فالله علم على الذات الموصوفة بالعلم، فالاسم بكونه عالما هو المسمى، ولذلك صحت الاستعاذة والاستعانة، يظهر ذلك في قوله "باسمك ربي وضعت جنبي وبك أرفعه" فأضاف الوضع إلى الاسم والرفع إلى الذات فدل على أن الاسم هو الذات وقد استعان وضعا ورفعا لا باللفظ، انتهى.
واستدلوا عليه بقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] الآية: "والتسبيح إنما هو للرب جل وعلا، فدل على أن اسمه هو، "أي الاسم "هو" أي المسمى، أي على أن الاسم هو الذات "وأجيب بأنه اشرب" بالبناء للمجهول معنى سبح اذكر، أي استعمل بمعناه كما يفهمه قوله، "فكأنه قال اذكر اسم ربك الأعلى كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ " [الإنسان: ٢٥] والمشهور في مثله أنه تضمين وهو أنه يؤخذ اسم فاعل من معنى اللفظ الذي أريد ويجعل حالا من فاعل الفعل المذكور فيقدر هنا مثلا سبح ذاكرا اسم ربك، وقد أشرب معنى اذكر سبح عكس الأول "كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ﴾ " [آل عمران: ٤١] "أي سبح ربك" فهو مثال لاستعمال اذكر بمعنى سبح فالأوضح أن يقول كقوله تعالى، يعني أنهما تقارضا فاستعمل كل منهما موضع الآخر. "والإشراب جار في لغتهم يشربون معنى فعل فعلا" ومنه الآية ويرد بأنه مجاز بلا قرينة، والاستدلال إنما هو على الحقيقة التي هي الأصل، ولا يعدل عنها بلا قرينة "واستشكل" ضمن معنى أورد؛ لأنه يتعدى بعلى فعداهстр. 1797
على معنى كونه هو المسمى إضافته إليه، فإنه يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه. وأجيب: بأن الاسم هنا بمعنى التسمية، والتسمية غير الاسم؛ لأن التسمية هي اللفظ بالاسم، والاسم هو اللازم للمسمى فتغايرا.
واحتج من قال: إن الاسم عين المسمى أيضا بقوله تعالى: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ [مريم: ٧] ثم قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ [مريم: ١٢] ، فنادى الاسم فدل على أنه المسمى.
وجوابه أن المعنى: يا أيها الغلام الذي اسمه يحيى، ولو كان الاسم عين المسمى لكان من قال: النار احترق لسانه، ومن قال: العسل ذاق حلاوته.
الحواشي
(١) بها في قوله: "على معنى كونه" أي الاسم هو المسمى" أي عينه ونائب الفاعل "إضافته إليه، فإنه يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه" في سبح اسم ربك أولا تضمين فمعناه عد ملتبسا إذ الإشكال الالتباس، كما في القاموس فكأنه قال: عدت إضافة الاسم إلى المسمى مشكلة بناء على أنه عين المسمى وفيه تعسف، "وأجيب بأن الاسم هنا بمعنى التسمية والتسمية غير الاسم؛ لأن التسمية هي اللفظ" أي التلفظ بدليل قوله: "بالاسم والاسم هو اللازم للمسمى فتغايرا" قال شيخنا فيه: إن التسمية بهذا المعنى مصدر، فهي عبارة عن النطق بالاسم والنطق لا يتعلق به الذكر فالأولى في الجواب أن يراد بالتسمية نفسه اللفظ فيكون معنى سبح ربك اذكر المعنى الذي هو الذات باللفظ، الدال عليه والإضافة بيانية، انتهى.
وقد أجيب أيضا كما في شرح المقاصد بأن معنى تسبيح الاسم تقديسه وتنزيهه عن أن يسمى به الغير، أو عن أن يفسر بما لا يليق أو يذكر على غير وجه التعظيم، أو هو كناية عن تسبيح الذات، كقوله سلام على المجلس الشريف والجانب المنيف، وفيه من التعظيم ما لا يخفى أو لفظ اسم مقحم كقوله إلى الحول، ثم اسم السلام عليكما "واحتج من قال: إن الاسم عين المسمى أيضا بقوله تعالى: ﴿بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ثم قال: ﴿يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ فنادى الاسم فدل على أنه المسمى لأن النداء هو طلب الإقبال من المنادى والإقبال لا يكون من اللفظ وإنما يكون من مسماه وجوابه أن المعنى يا أيها الغلام الذي اسمه يحيى و"ذهب المتأخرون إلى أن الاسم مغاير للمسمى وبعضهم صححه، واحتجوا بأن "لو كان الاسم عين المسمى لكان من قال النار احترق لسانه، ومن قال العسل ذاق حلاوته" والواقع خلافه. ورد بأن الاسم هنا لفظ ولا نزاع فيه إنما النزاع في أنه هل يطلق، ويراد به غيره، فلا يلزم ما ذكره قال بعض المحققين: ليس مراد القائل أن الاسم عين المسمى أن اللفظ الذي هوстр. 1798
وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى، وقد سمى الله تعالى نبينا محمدا ﷺ بأسماء كثيرة في القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية، وعلى ألسنة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام.
ثم إن أشهر أسمائه ﷺ : محمد، وبه سماه جده عبد المطلب وذلك أنه لما قيل له: ما سميت ولدك؟ قال: محمدا فقيل له: كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك؟ فقال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم ... وذلك لرؤيا كان رآها عبد المطلب -كما ذكر حديثها على القيرواني العابر
الحواشي
(١) الصوت عين المعنى الذي وضع له اللفظ إذ لا يقوله عاقل، وإنما مراده أنه يطلق اسم الشيء مرادا به مسماه، وهو كثير شائع. والمسألة مفردة بالتأليف، وقد قيل لا طائل تحت هذا الخلاف، فلا حاجة لنا ببسط القول فيه، والذي صححه ابن السبكي وغيره أن الاسم هو المسمى، "وكثرة الأسماء تدل على شرف المسمى" للعناية به وبشأنه، ولذا ترى المسميات في كلام العرب أكثر محاولة وإعناء كما في الشامية، يعني أنهم أكثر ما يحاولون في المسميات تمييزها بالأسماء الكثيرة المميزة لها، والدالة على شرفها، لا سيما إذ لوحظت المناسبة بين كل اسم ومسماه، وهذه توطئة لقوله: "وقد سمى الله تعالى نبينا محمدا ﷺ بأسماء كثيرة في القرآن العظيم وغيره من الكتب السماوية، وعلى ألسنة أنبيائه عليهم الصلاة والسلام"، فهي كالعلة المتقدمة على معلولها، وذكرها بعدها أوضح، وأكثرها فات قال ابن عبد البر: الأسماء والصفات هنا سواء، "ثم إن أشهر أسمائه ﷺ " زاد الشامي وأجلها "محمد" ويليه في الشهرة أحمد، كما في الفتح قال: محمد منقول من صفة الحمد، وفيه المبالغة والمحمد الذي حمد مرة بعد مرة، كالممدح قال الأعشى:
إليك أبيت اللعن كأن وجيفها ... إلى الماجد القرم الجواد المحمد
أي الذي حمد مرة بعد مرة، أو الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة انتهى. "وبه سماه جده عبد المطلب، وذلك" كما في الروض، "أنه لما قيل له: ما سميت ولدك قال: محمدا، فقيل له. كيف سميته باسم ليس لأحد من آبائك وقومك" وعادت العرب الغالبة تسمية المولود باسم أحد آبائه، "فقال: لأني أرجو أن يحمده أهل الأرض كلهم".
وفي رواية أردت أن يكون محمودا في السماء لله وفي الأرض لخلقه، وقيل: بل سمته أمه بذلك لما رأته وقيل لها في شأنه بأن أمه لما نقلت ما رأته لجده سماه فوقع التسمية منه بسببها وإذا كان بسببها، صح أنها سمته "وذلك لرؤيا كان رآها عبد المطلب" قبل المولد النبوي بزمان، "كما ذكر حديثها على القيرواني العابر" اسم فاعل من عبر الرؤيا مخففا،стр. 1799
في كتابه "البستان"- قال: كان عبد المطلب قد رأى في المنام كأن سلسلة من فضة قد خرجت من ظهره، لها طرف في السماء، وطرف في الأرض، وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة، على كل ورقة منها نور، وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها. فقصها، فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب، ويحمده أهل السماء والأرض، فلذلك سماه محمدا، مع ما حدثته به أمه آمنة حين قيل لها: إنك حملت بسيد هذه الأمة، فإذا وضعتيه فسميه محمدا.
الحواشي
(١) فسرها "في كتابه البستان قال: كان عبد المطلب قد رأى في المنام كأن سلسلة من فضة خرجة من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض".
هكذا ثبت في النسخ الصحيحة، وسقط في بعضها سهوا، فإنه ثابت في الروض عن الكتاب المذكور "وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور" وعند أبي نعيم وما رأيت نورا أزهر منها أعظم من نور الشمس بسبعين ضعفا وهي تزداد كل ساعة عظما ونورا وارتفاعا وإذا أهل المشرق والمغرب كأنهم يتعلقون بها، وعند أبي نعيم ورأيت العرب والعجم لها ساجدين وناسا من قريش تعلقوا بها وقوما منهم يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخذهم شاب لم أر أحسن منه وجها، ولا أطيب ريحا فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم فرفعت يدي لأتناول منها، فلم أنل وقيل لي: النصيب للذين تعلقوا بها، "فقصها" على كاهنة قريش، كما لأبي نعيم "فعبرت" بكسر الموحدة مخففة في لغة القرءن ﴿إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُون﴾ ، ومثقلة فيما أثبته في الكشاف اعتمادا على بيت أنشده المبرد في الكامل حيث قال:
رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارا
"له بمولود يكون من صلبه" بواسطة ذكر ولذا لم يقل من ذريته، لئلا يتوهم أنه من أولاد البنات "يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب" تعبير لتعليقهم بالشجرة، "ويحمده أهل السماء والأرض" كأنه أخذ من التعلق إذ من تعلق بشخص حمده، ولا يراد أنه غير لازم لاحتمال أن التعلق للخوف منه؛ لأنه لا يخاف من الشجرة لا سيما وقد أعجبهم نورها المؤدي لمزيد الحمد وعمم الحمد بأهل السماء والأرض، وخص التبعية بالأرض؛ لأنهم كانوا على الضلال، فأنقذهم منه بخلاف السماء، فإيمانهم سابق على البعثة، فالمناسب لهم الحمد دون التبعية ولأن ظهور آثارها من التكاليف إنما هو لأهل الأرض، وأما أهل السماء ولو قلنا بالراجح من بعثه إليهم فغير مكلفين بتفاصيل الأحكام "فلذلك سماه محمدا مع ما حدثته به أمه آمنة حين قيل لها: إنك قد حملت بسيد هذه الأمة فإذا وضعتيه فسميه محمدا"، إلى هنا كلام السهيلي.стр. 1800
وعن ابن عباس قال: لما ولد النبي ﷺ عق عنه عبد المطلب وسماه محمدا فقيل له: يا أبا الحارث ما حملك على أن سميته محمدا ولم تسمه باسم آبائه، قال: أردت أن يحمده الله في السماء، ويحمده الناس في الأرض.
وعن محمد بن جبير بن مطعم عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحي الي يمحو الله بي الكفر،
الحواشي
(١) "و" أخرج ابن عبد البر في الاستيعاب "عن ابن عباس قال: لما ولد النبي ﷺ " هو لم يدرك ذلك، فكأنه حمله على أبيه أو غيره "عق عنه عبد المطلب" بجزور يوم سابعه، كما في الخميس، وقيل بكبش "وسماه محمدا فقيل له: يا أبا الحارث" كنية عبد المطب باسم أكبر بنية "ما حملك على أن سميته محمدا، ولم تسمه باسم آبائه، قال: أردت أن يحمده الله في السماء، و" "أن يحمده الناس في الأرض".
"و" روى ابن شهاب "عن محمد بن جبير بن مطعم" بن عدي بن نوفل القرشي النوفلي، الثقة العالم بالأنساب من رجال الجميع مات على رأس المائة "عن أبيه" جبير بجيم، وموحدة مصغر الصحابي العالم بالأنساب أسلم بين الحديبية والفتح وقيل في الفتح، وتوفى سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين "قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لي أسماء" كذا رواه الأكثر عن الزهري، عن شعيب، عند الشيخين ومعمر ويونس وعقيل وسفيان بن عيية عند مسلم والترمذي.
ورواه مالك في الموطأ عن الزهري، ومن طريقه أخرجه البخاري أيضا بلفظ "لي خمسة أسماء" ولم ينفرد بها مالك بل تابعه محمد بن ميسرة عن الزهري، أخرجه البيهقي وأشار إليه عياض فخمسة زيادة ثقة غير منافية فيجب قبولها.
ولذا تعقب الحافظ وغيره من زعم أنها من الراوي كما يأتي وزعم أن الشامي قال: رواية مالك ومحمد بدون خمسة وسفيان بإثباتها وهم، فلفظ الشامي وإنما وقعت هذه اللفظة في رواية مالك ومحمد بن ميسرة ثم ساق رواية كل منهما وذكر فيها لفظ خمسة وسبب دخول الوهم على من نسب له ذلك، أن الشامي لما ذكر رواية سفيان قال: "إن لي خمسة أسماء"، فوقعت لفظة خمسة سبق قلم، أو من النساخ بدليل حصره بعد قليل جدا في مالك ومحمد، كما هو الواقع، فلما رأى الأولى ظن تحريف الثانية فنقلها على ما تخيله صوابا، وهو خطأ مخالف لما في الموطأ والصحيحين "أنا محمد وأنا أحمد" أفعل من الحمد قطع متعلقة للمبالغة، وبدأ بهما لأنهما أشهر أسمائه، وقدم محمد لأن أشهرهما "وأنا الماحي" بحاء مهملة "الذي يمحو الله بي الكفر" يزيله لأنه بعث والدنيا مظلمة بغياهب الكفر، فأتى ﷺ بالنور الساطع حتى محاه.
قال عياض: أي من مكة وبلاد العرب وما روى له من الأرض، ووعد أنه يبلغه ملك أمتهстр. 1801
وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب" رواه الشيخان.
وقد روى على قدمي بتخفيف الياء وبالإفراد وبالتشديد على التثنية.
الحواشي
(١) قال: أو يكون المحو عاما بمعنى الظهور والغلبة ليظهره على الدين كله.
وفي الفتح استشكل بأنه ما أنمحى من جميع البلاد وأجيب بحمله على الأغلب أو على جزيرة العرب أو أنه يمحي بسببه أولا فأولا إلى أن يضمحل في زمان عيسى فإنه يرفع الجزية ولا يقبل إلا الإسلام، وتعقب بأن الساعة لا تقوم إلا على شرار الناس، ويجلب بجواز أن يرتد بعضهم بعد موت عيسى، وترسل الريح فتقبض روح كل مؤمن ومؤمنة فحينئذ فلا يبقى إلا الشرار، "وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي"، أي على أثري، أي أنه يحشر قبل الناس، ويرجحه رواية نافع بن جبير بعثت مع الساعة أو المراد بالقدم الزمان، أي وقت قيامي على قدمي بظهور علامات الحشر إشارة إلى أنه لا نبي بعده ولا شريعة واستشكل التفسير باقتضائه أنه محشور، فكيف يفسر به حاشر اسم فاعل وأجيب بأن إسناد الفعل إلى الفاعل إضافة، وهي تصح بأدنى ملابسة. فلما كان لا أمة بعد أمته؛ لأنه لا نبي بعده نسب الحشر إليه لوقوعه عقبه أو معناه أول من يحشر كحديث: "أنا أول من تنشق الأرض عنه أو على مشاهدتي قائما لله شاهدا على الأمم" وقيل: معنى القدم السبب "وأنا العاقب".
زاد يونس في روايته عن الزهري الذي ليس بعده نبي، وقد سماه الله رءوفا رحيما.
قال البيهقي: وقد سماه مدرج من قول الزهري قال الحافظ: وهو كما قال وكأنه أشار إلى ما في آخر سورة براءة وأما قوله: "الذي ليس بعده نبي" فظاهره الإدراج أيضا. لكن في رواية ابن عيينة عند الترمذي وغيره بلفظ "الذي ليس بعدي نبي" انتهى.
وجزم السيوطي على الموطأ، بأنه مدرج من تفسير الزهري لرواية الطبراني، الحديث من طريق معمر إلى قوله: "وأنا العاقب" قال معمر: قلت للزهري: ما العاقب، قال: الذي ليس بعده نبي وقال أبو عبيدة قال سفيان: العاقب آخر الأنبياء انتهى. ولا ينافيه رواية بعدي بياء المتكلم؛ لأنها قد ترد على لسان المفسر حكاية عن لسان من فسر كلامه، إذا قوى تفسيره عنده عنده حتى كأنه نطق به وفي رواية نافع بن جبير فإنه عقب الأنبياء.
قال الحافظ: وهو محتمل للرفع والوقف انتهى. وما يقع في نسخ وأنا العاقب فلا نبي بعدي وهم إذ ليس في رواية من عزي له بقوة "رواه الشيخان البخاري بهذا اللفظ في التفسير وبلفظ "لي خمسة أسماء" إلخ في المناقب ومسلم في فضائل النبي ﷺ .
"وقد روى على قدمي" بكسر الميم، وبتخفيف الياء بالإفراد وبالتشديد للياء مع فتح الميم "على التثنية".стр. 1802
قال النووي في شرح مسلم: معنى الروايتين: يحشرون على أثري وزماني ورسالتي.
وفي رواية نافع بن جبير عند البخاري في تاريخه الأوسط والصغير، والحاكم في مستدركه وصححه، وأبي نعيم في الدلائل وابن سعد: أنه دخل على مطعم بعدها قال: نعم، هي ستة، فذكر الخمسة التي ذكرها محمد بن جبير، وزاد الحاتم.
الحواشي
(١) "قال النووي في شرح مسلم: معنى الروايتين يحشرون على أثري"، وهو موافق لقوله في الرواية الأخرى يحشر الناس على عقبي بكسر الموحدة مخففا على الإفراد، ولبعضهم بالتشديد على التثنية والموحدة مفتوحة، كما في الفتح "وزماني ورسالتي" كلاهما عطف على الياء من أثري، يعني أنهم يحشرون بعد الزمان الذي بعث فيه، إشارة إلى أنه لا نبي بعده ولا شريعة كما مر. وعيسى إذا نزل إنما يحكم بشرعه وهو واحد من أمته، وقد علم ما رأيت من الفتح أنهما قولان في معنى القدم الأثر أو الزمان، فكان النووي رأى أن تنافي بينهما فأتى، الواو، وقال ابن عبد البر، أي: قدامي وأمامي، أي أنهم يجتمعون إليه، وينضمون حوله، ويكونون أمامه يوم القيامة، ووراءه قال الخليل: حشرتهم السنة إذا ضمتهم من البوادي.
"وفي رواية نافع بن جبير" بن مطعم النوفلي الثقة الفاضل، روى له الجماعة ومات سنة تسع وتسعين قبل أخيه محمد بسنة، "عند البخاري في تاريخه الأوسط والصغير، والحاكم في مستدركه وصححه وأبي نعيم في الدلائل وابن سعد" وكذا الإمام أحمد "أنه" أي نافعا "دخل على عبد الملك بن مروان" بن الحكم الأموي المدني، ثم الدمشقي. كان طالب علم قبل الخلافة، ثم اشتغل بها، فتغير حاله مات في شوال سنة ست وثمانين، وقد جاوز الستين، "فقال" له: "أتحضى أسماء رسول الله ﷺ التي كان جبير بن مطعم عدها" كأنه لم يقل أبوك لاشتهاره بينهم باسمه واسم أبيه، "قال: نعم هي ستة، فذكر الخمسة التي ذكرها" أخوه "محمد بن جبير، وزاد الخاتم" بالخاء المعجمة.
قال الحافظ لكن روى البيهقي في الدلائل من طريق ابن أبي حفصة عن الزهري في حديث محمد بن جبير: "وأنا العاقب" قال: يعني الخاتم، انتهى. فهذا صريح أنه بالمعجمة؛ لأن معناه بالمهملة أحسن الأنبياء، كما يأتي وليس من معنى العاقب فتعين أنه رواية نافع بالمعجمة، ومراد الحافظ بهذا الاستدراك أن زيادة الخاتم وهم من بعض الرواة في حديث جبير؛ لأنه إنما جاء تفسيرا للعاقب لا اسما برأسه، فلا ينافي قوله في خمسة أسماء، وليس النزاع في أنه من أسمائه، فلا نزاع فيه وخاتم النبيين، بل في وروده في حديث جبير، فزعم أن اختلاف الأخوينстр. 1803
وفي حديث حذيفة أحمد ومحمد والحاشر، والمقفي ونبي الرحمة
ولفظ رواية أبي نعيم هي ستة: محمد، وأحمد، وخاتم، وحاشر، وعاقب، وماح. فأما الحاشر، فبعث مع الساعة نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد، وأما العاقب: فإنه أعقب الأنبياء، وأما ماح: فإن الله محا به سيئات من اتبعه.
وذكر بعضهم: أن العدد ليس من قوله النبي ﷺ ، وإنما ذكره الراوي بالمعنى.
الحواشي
(١) باعتبار سماعهما من أبيهما إذ ذكرها مرة خمسة وأخرى ستة، فذكر كل ما سمع لا يصح؛ لأنه عقلي دفعته رواية البيهقي.
"وفي حديث حذيفة" بن اليمان عند البخاري في التاريخ، والترمذي وابن سعد "أحمد ومحمد والحاشر والمقفي" بفتح القاف وكسر الفاء المشددة أي المتبع للأنبياء فكان آخرهم.
قال ابن الأعرابي، وقال غيره: هو بمعنى العاقب "ونبي الرحمة" وكذا في حديث أبي موسى عند مسلم وغيره، لكنه لم يذكر الحاشر، "ولفظ رواية أبي نعيم" من طريق عقبة بن مسلم عن نافع بن جبير "هي ستة محمد وأحمد وخاتم" بمعجمة "وحاشر وعاقب وماح. فأما الحاشر فبعث مع الساعة نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد" أي قدامه لأنه مبعوث في نسيم الساعة، أي في البشر الذين تقوم عليهم الساعة وهم أمته، "وأما عاقب فإنه أعقب الأنبياء" أي جاء عقبهم فلا نبي بعده.
قال أبو عبيد قال سفيان: العاقب آخر الأنبياء "وأما ماح فإن الله محا به سيئات من اتبعه" بمغفرتها له بلا سبب أو بإلهام التوبة النصوح لمن صدرت منه وقبولها فيغفر له، إن الله يقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن السيئات، وهذا لا يعارضه رواية الشيخين: وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر؛ لأن محو أحدهما لا يمنع محو الآخر، وعجيب ترجى أن أبا نعيم لم تثبت عنده رواية الشيخين، فإن هذا لا يقال على مثل الحافظ أبي نعيم، وقد صنف على كل من الصحيحين مستخرجا. وفي الفتح في رواية نافع بن جبير عند البخاري في التاريخ وغيره، وأما الماحي فإن الله محا به سيئات من اتبعه وهذا يشبه أن يكون من قول الراوي انتهى. ويؤيده رواية أبي نعيم هذه فإنها ظاهرة في أن تفسير الثلاثة كلها من قول الراوي وعلى هذا فليس تفسيرا للماحي بخلاف ما فسره به الشارع؛ لأنه لا ينافيه كما علمت، فكأنه ﷺ خص الكفر لظهور محوه برسالته، "وذكر بعضهم" وهو ابن عساكر، فقال: يحتمل "أن العدد ليس من قول النبي ﷺ ، وإنما ذكره الراوي بالمعنى" ويحتمل أنه من لفظه ﷺ ، ولا يقتضي الحصر انتهىстр. 1804
وفيه نظر: لتصريحه في الحديث: "إن لي خمسة أسماء". والذي يظهر أنه أراد إن لي خمسة أسماء أختص بها لم يتسم بها أحد قبلي، أو مشهورة في الأمم الماضية لا أنه أراد الحصر فيها، وبهذا يجاب عن الاستشكال الوارد، وهو أن المقرر في علم المعاني أن تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، لكن ورود الروايات بما هو أكثر
يدل على أنه ليس حصرا مطلقا، فالطريق في ذلك أن يحمل على حصر مقيد كما ذكر
الحواشي
(١) كلام ابن عساكر، "وفيه نظر" كما قال ابن دحية
قال الحافظ: "لتصريحه في الحديث" أي حديث جبير المتقدم لكن من طريق مالك ومحمد بن ميسرة عن الزهري بقوله: "إني لي خمسة أسماء" فقوله لي، ونصه على عدتها قبل ذكرها صريح في أنه من قوله ﷺ : "والذي يظهر أنه أراد "إن لي خمسة أسماء اختص بها لم يتسم بها أحد قبلي" كما استظهره ابن دحية وصدر به في الفتح معبرا بقوله قبله بالهاء وهو أولى؛ لأنه تأويل لا حديث ورد بذلك "أو مشهورة في الأمم الماضية" والكتب المتقدمة، كما قال عياض والقرطبي، وجزم به النووي وحكاه عن العلماء لكن تعقب بأن أسماءه في الكتب المتقدمة وعند علماء الأمم الماضية أكثر من خمسة ويدفع بقوله مشهورة؛ لأنها وإن كانت أكثر لكن المشهور منها خمسة، "لا أنه أراد الحصر فيها" بدليل نصه في روايات أخرى على أكثر ومن أسمائه بالقرآن، باتفاق الشاهد المبشر النذير المبين الداعي إلى الله السراج المنير، وفيه أيضا الذكر والرحمة والنعمة والهادي والشهيد والأمين والمزمل والمدثر.
ذكره الحافظ فلا يتوهم وقد نزل عليه ذلك في القرآن أنه أراد الحصر، "وبهذا يجاب عن الاستشكال الوارد" على الحديث، "وهو أن المقرر في علم المعاني أن تقديم الجار والمجرور يفيد الحصر، لكن ورود الروايات بما هو أكثر" من خمسة "يدل على أنه ليس حصرا مطلقا، فالطريق في ذلك أن يحمل على حصر مفيد، كما ذكر" من حملها على خمسة اختص بها، أو مشهورة في الكتب، وعند علماء الأمم الماضية. وأجاب أبو العباس العزفي، بفتح المهملة، والزاي المعجمة، وبالفاء بأنه قبل أن يطلعه الله على بقية أسمائه، وقال العكبري: خصت لعلم السامع بما سواها، أو لغير ذلك، وقيل: المراد معظمة فحذف الصفة للعلم بها، ووجه عظمتها اختصاصه بها وكونها في الكتب السالفة. وأجاب السيوطي بأن قواعد الأصول أن مفهوم العدد لا يخصص، وكم ورد في الأحاديث أعداد لم يقصد فيها الحصر، كسبعة يظلهم الله في ظل عرشه، ووردت أحاديث بزيادة عليها ويحضرني الآن منها سبعون وغير ذلك مما هو مشهور انتهى. ومراده لا يخصص بالنسبة إلى عدم النقصان لا الزيادة حتى يوافقстр. 1805
الله أعلم.
وروى النقاش عنه ﵊: "لي في القرآن سبعة أسماء: محمد، وأحمد، ويس، وطه، والمزمل، والمدثر، وعبد الله".
وقد جاءت من ألقابه ﷺ وسماته في القرآن عدة كثيرة، تعرض جماعة لتعدادها وبلغوا بها عددا مخصوصا فمنهم من بلغ تسعا وتسعين، موافقة لعدد أسماء الله الحسنى الواردة في الحديث.
الحواشي
(١) القول: بحجية مفهوم العدد بالنسبة إلى ذلك، أو بناه على قول الحنفية لا يحتج به مطلقا "والله أعلم" بما أراد رسوله.
"وروى النقاش" الحافظ أبو بكر محمد بن الحسن بن محمد بن زياد الموصلي، ثم البغدادي المقري المفسر، أحد الأعلام، صاحب التصانيف منها التفسير، ومع جلالته هو متروك في الحديث، وحاله في القراءات أمثل.
قال البرقاني: كل حديثه منكر، وقال غيره: تفسيره ملآن بالموضوعات، مات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، "عنه ﵊ "لي في القرآن سبعة أسماء محمد" وما محمد إلا رسول، محمد رسول الله، ما كان محمد "وأحمد" ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد، "ويس وطه والمزمل والمدثر وعبد الله" وأنه لما قام عبد الله يدعوه، وهذا إن صح حجة لمن جعل الأربعاء نداء له بأسمائه، والغرض منه قوله سبعة المفيد أن خمسة في حديث جبير من الحصر المقيد لا المطلق. وقد روى ابن عدي في الكامل عن جابر وغيره مرفوعا: "إن لي عند ربي عشرة أسماء" فذكر الخمسة التي في حديث جبير وزاد: "وأنا رسول الرحمة، ورسوله التوبة، ورسول الملاحم، وأنا المقفي، قفيت النبيين عامة، وأنا قثم، والقثم الكامل الجامع".
وروى ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل عن أبي الطفيل رفعه: "لي عشرة أسماء عند ربي أنا محمد، وأحمد، والفاتح، والخاتم، وأبو القاسم، والحاشر، والعاقب، والماحي، ويس، وطه"، "وقد جاءت من ألقابه ﷺ وسماته" لغة في الأسماء "في القرآن عدة كثية، وتعرض جماعة لتعدادها، وبلغوا بها عددا مخصوصا، فمنهم من بلغ تسعا وتسعين موافقة" بكسر الفاء "لعدد أسماء الله الحسنى الواردة في الحديث" المشهور، يعني أنه اتفق أنه عد الأسماء التي اطلع عليها، فجاءت كذلك لا أنه اقتصر عليها لموافقتها للأسماء الحسنى في العدد وإن اطلع على غيرها.стр. 1806
قال القاضي عياض: وقد خصه الله تعالى بأن سماه من أسمائه الحسنى بنحو ثلاثين اسمًا.
وقال ابن دحية في كتابه "المتسوفى": إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث وفي الثلاثمائة.
ورأيت في كتاب "أحكام القرآن" للقاضي أبي بكر بن العربي: قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم وللنبي ﷺ ألف اسم، انتهى.
والمراد الأوصاف: فكل الأسماء التي وردت أوصاف مدح، وإذا كان كذلك، فله ﷺ من كل وصف اسم،
الحواشي
(١) "قال القاضي عياض: وقد خصه الله تعالى بأن سماه من أسمائه الحسنى بنحو ثلاثين اسما" ثم عدها في فصل عده لها بأدلتها من الكتاب والسنة ثمانيا وعشرين، ثم قال في آخره وصف الله نفسه بالبشارة والنذارة ويبشرهم ربهم وسماه مبشرا ونذيرا.
وذكر بعض المفسرين أن طه ويس من أسماء الله، وبعضهم من أسمائه ﷺ انتهى: فهذه نكته قوله بنحو ثلاثين، أي تزيد عنها اسمين أو تنقص اثنين بالاعتبار، وزادوا على ما ذكره أزيد من ضعفه، وقد قال المصنف في المقصد السادس، أن الله سماه من أسمائه الحسنى بنحو سبعين، كما بينت ذلك في أسمائه انتهى. وسترى بيان ذلك قريبا. "وقال ابن دحية في كتابه المستوفى" اسم كتاب أفرده في الأسماء الشريفة: "إذا فحص عن جملتها من الكتب المتقدمة والقرآن والحديث، وفي الثلاثمائة" قال في الفتح وذكر ابن دحية في تصنيفه المذكور أماكنها من القرآن والأخبار، وضبط ألفاظها، وشرح معانيها، واستطرد كعادته إلى فوائد كثيرة، وغالبها صفات له ﷺ "ورأيت في كتاب أحكام القرآن" وكذا في شرح الترمذي كلاهما "للقاضي أبي بكر بن العربي" الحافظ العلامة محمد الملكي المشهور.
"قال بعض الصوفية: لله تعالى ألف اسم، وللنبي ﷺ ألف اسم انتهى".
قال الشامي: والذي وقفت عليه من ذلك خمسمائة اسم، مع أن في كثير منها نظرا، "والمراد الأوصاف" لا إنها كلها أعلام وضعت له، "فكل الأسماء التي وردت أوصاف مدح" وكثيرا ما يطلق الاسم على الصفة للتغليب، أو لاشتراكهما في تعريف الذات، وتمييزها عن غيرها، "وإذا كان كذلك فله ﷺ من كل وصف اسم".
قال ابن عساكر: وإذا اشتقت أسماؤه من صفاته كثرت جدا انتهى. ويمكن أن هذا مستندстр. 1807
ثم إن منها ما هو مختص به أو الغالب عليه، ومنها ما هو مشترك، وكل ذلك بين في المشاهدة كما لا يخفى، وإذا جعلنا له من كل وصف من أوصافه اسما بلغت أسماؤه ما ذكر، بل أكثر، والذي رأيته في كلام شيخنا في "القول البديع"، والقاضي عياض في "الشفا" وابن العربي في "القبس"، و"الأحكام" له، وابن سيد الناس، وغيرهم، يزيد على أربعمائة، وقد سردتها مرتبة على حروف المعجم، وهي:
الحواشي
(١) من قال من الصوفية أنها ألف، "ثم إن منها ما مختص به، أو الغالب عليه، ومنها ما هو مشترك" بينه وبين غيره، "وكل ذلك بين في المشاهدة، كما لا يخفى" وقال ابن القيم: ينبغي أن يفرق بين الوصف المختص به، أو الغالب عليه فيشتق له منه اسم، وبين المشترك فلا يكون له منه اسم يخصه.
قال شيخنا: ولا منافاة لجواز أن مراده إذا ورد مصدر، أو فعل معناه مشترك بينه وبين غيره، ثم اشتق له منه الاسم لا يكون مختصا به، بل هو باق على اشتراكه، ولكنه يحمل عليه بقرينة، "وإذا جعلنا له من كل وصف من أوصافه اسما بلغت أسماؤه ما ذكر" ابن دحية من الثلاثمائة "بل" بلغت "أكثر" وبل انتقالية، "والذي رأيته في كلام شيخنا" الحافظ محمد بن عبد الرحمن السخاوي "في القول البديع" في الصلاة على النبي الشفيع، "والقاضي عياض في الشفاء وابن العربي في القبس" على موطأ مالك بن أنس "والأحكام له و".
في كلام "ابن سيد الناس وغيرهم يزيد على أربعمائة".
قال السيوطي: وكثير منها لم يرد بلفظ الاسم، بل بصيغة المصدر أو الفعل، وقد اعتبر ذلك عياض وابن دحية، وهو خلاف ما اعتبره الجمهور خصوصا أهل الحديث في أسمائه تعالى انتهى. ونقل الغزالي الاتفاق، وأقره في الفتح على أنه لا يجوز لنا أن يسميه ﷺ باسم لم يسمه به أبوه، ولا سمى به نفسه انتهى. أي لا يجوز أن نخترع له علما، وإن دل على صفة كمال، ولا يرد على الاتفاق وجود الخلاف في أسمائه تعالى؛ لأن صفات الكمال كلها ثابتة له والنبي ﷺ إنما يطلق عليه صفات الكمال اللائقة بالبشر، فلو جوز ما لم يرد به سماع، لربما وصف بأوصاف تليق بالله دونه على سبيل الغفلة، فيقع الواصف في محظور وهو لا يشعر. "وقد سردتها" الأسماء التي وقفت عليها "مرتبة على حروف" الخط "المعجم" اسم مفعول من أعجمت الكتاب بالألف أزلت عجمته بما يميزه عن غير بنقط، وشكل كما في المصباح، وكأنه أراد لإزالة الكاملة، وإلا فهي حاصلة بالنقط فيما ينقط، كجيم وباء، فلا حاجة للزيادة والإهمال.стр. 1808
"حرف أ":
الأبر بالله، الأبطحي، أتقى الناس، الأجود، أجود الناس،
الحواشي
(١) حرف الألف:
"وهي أ" استغنى المصنف بكتبها عن الترجمة لها، أو كتابتها بصورة النطق بها، وكذا بقية الحروف روما للاختصار، "الأبر" الأكثر برا ممن عداه "بالله".
قال الشامي هذا مما سماه الله به من أسمائه الحسنى، أي المحسن أو الصادق الوعد أفعل تفضيل من بررت فلانا بالكسر أبره برا فأنا بر وبار، أي محسن. ويطلق على الصدق لحديث: "لا يزال الرجل يصدق حتى يكتب عند الله بارا" وهو ﷺ حري أن يكون أبر الناس، وأصدقهم، وأكثرهم إحسانا.
قال أبو علي الحاتمي: اتفق أهل الأدب على أن أصدق بيت قالته العرب قول أبي إياس الدؤلي:
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد
"الأبطحي" نسبة إلى أبطح مكة وهو مسيل واديها، وهو ما بين مكة ومنى ومبدؤه المحصب. سمي بذلك لأنه من قريش البطاح، أي النازلين بالبطاح دون الظواهر التي هي خارج الحرم حول مكة، وكان يقال لعبد المطلب سيد الأبطح والأباطح، وقال حسان في مدحه ﷺ :
وأكرم بيت في البيوت إذا انتمى ... وأكرم جد أبطحي يسود
"أتقى الناس" أفعل تفضيل، أي أكثرهم تقى.
روى مسلم عن جابر مرفوعا: "قد علمتم أني أتقاكم وأبركم وأصدقكم حديثا" وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ أمر بالدوام على التقوى، وهي لغة قلة الكلام قاله ابن فاس، وقال غيره الخوف والحذر وأصلها اتقاء الشرك، ثم المعاصي، ثم الشبهات، ثم ترك الفضلات، أي ما كان من الحلال المحقق لكنه زائد على الحاجة، كما قال ﷺ : "لا يبلغ العبد أن يكون من المتقين حتى يدع ما لا باس به حذرا لما به بأس".
رواه أحمد وحسنه الترمذي وحقيقتها التحرز بطاعة الله عن مخالفته، وإضافته إلى الله في قوله: هو أهل التقوى معناه أهل لأن يتقي عقابه ويحذر عذابه، وسئل علي عنها، فقال: هي الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والقناعة بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل.
"الأجود" أفعل من الجود الكرم. قال النحاس: الجواد الذي يتفضل على من لا يستحق، ويعطي من لا يسأل ويعطي الكثير ولا يخاف الفقر. قيل: هو مرادف للسخاء، والأصح أن السخاء أدنى منه، وهو اللين عند الحاجات "أجود الناس" بمعنى ما قبله.стр. 1809
الأحد، الأحسن وأحسن الناس، أحمد، أحيد -بضم أوله وكسر المهملة ثم ياء تحتانية- الآخذ بالحجزات، آخذ الصدقات، الآخر،
الحواشي
(١) روى الشيخان عن ابن عباس: كان ﷺ أجود الناس، وروى أبو يعلى عن أنس رفعه: "ألا أخبركم عن الأجود؟ الله الأجود وأنا أجود بني آدم".
"الأحد" المنفرد بصفات الكمال عن الخلق أو بالقرب من الحق من الأسماء الحسنى، كما في رواية ابن ماجه، فهو مما سماه الله به منها فلا يشكل قول بعض اللغويين لا ينعت به غير الله تعالى لأنه لم يستعمل صفة بل اسما. "الأحسن" مما سماه الله تعالى به من أسمائه، قال تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤] . قاله النسفي وهو أفعل من الحسن تناسب الأعضاء على ما ينبغي، والمراد المستجمع صفات الكمال قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: ٣٣] .
روى عبد الرزاق عن معمر عن الحسن البصري: أنه تلا هذه الآية، فقال: هذا حبيب الله صفوة لله. هذا أحب أهل الأرض إلى الله، أجاب الله في دعوته، "و" دعا الناس إلى ما أجاب الله فيه: "أحسن الناس" قال أنس: كان ﷺ أحسن الناس، وأجود الناس، وأشجع الناس. رواه عبد بن حميد "أحمد" يأتي شرحه "أحيد، بضم أوله وكسر المهملة، ثم ياء تحتانية"، كما ضبطه الشمني، وضبطه البرهان بفتحها وسكون المهملة وفتح التحتية قال المصنف: وهو المشهور كما يأتي لأنه يحيد أمته على النار "الآخذ بالحجزات" كذا في النسخ بالباء، والذي في الشامي الآخذ الحجزات، بالإضافة اسم فاعل من الأخذ وهو التناول.
روى الشيخان عن أبي هريرة رفعه: "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا، فجعلت الدواب والفراش والجنادب يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيها الحجزات" بضم المهملة وفتح الجيم، ثم زاي جمع حجزة، وهو حيث يثني طرف الإزار، وهو اليفق من السراويل ومحلها الوسط، كأنه قال: آخذ بأوساطكم لأنجيكم من النار فعبر عنها بالحجزات استعارة بعد استعارة "آخذ الصدقات" لأنه كان يأخذها من أربابها ويفرقها على مستحقها قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وإن نزلت في المخلفين عن تبوك وفي صدقة التطوع التي هي من تمام توبتهم لكنها عامة لغيرهم، وفي الزكاة المفروضة، ولذا قال مانعوها: لا ندفعها إلا لمن صلاته سكن لنا.
"الأخرى" أي آخر الأنبياء كما يأتي للمصنف، وقول الشارح: هو اسمه في الإنجيل، فيه أن الذي في الشامي اسم غير هذا، وهو أخرايا بزيادة ألف وياء فألف، وقال: هو اسمه في الإنجيل معناه آخر الأنبياء، روى ابن أبي شيبة عن مصعب بن سعد عن كعب أول من يأخذ حلقة بابстр. 1810
الأخشى لله، أذن خير، أرجح الناس عقلا، أرحم الناس بالعباد، الأزهر: وهو النير المشرق الوجه، أشجع الناس،
الحواشي
(١) الجنة فيفتح له محمد ﷺ ثم قرأ آية من التوراة أخريا قدمايا الأولون والآخرون انتهى. وقوله في الإنجيل مخالف لقوله في التوراة "الأخشى" أفعل تفضيل أي الأشد خشية أي خوفا لله من غيره. قال السيوطي: هو مأخوذ من حديث أبي داود "والله إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله"، واستشكله العز بن عبد السلام بأن الخشية والخوف حالة تنشأ عن ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دل الدليل القاطع على أنه غير معذب قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ [التحريم: ٨] فكيف يتصور منه الخوف.
قال: والجواب أن النسيان جائز عليه ﷺ فإذا حصل النسيان عن موجبات نفي العقاب، حصل له الخوف ولا يقال إخباره بشدة الخوف وعظم الخشية عظيم بالنوع لا بكثرة العدد، أي إذا صدر منه الخوف ولو في زمن فرد كان أشد من خوف غيره والخشية الخوف، وقيل: أعظمه والهيبة أعظم منها وعلى قدر علمه بالله كان خوفه انتهى.
"أذن خير" سمي بآلة السمع كان جملته أذن، كما يقال للربيئة عين قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ﴾ [التوبة: ٦١] قال ابن عطية: أي سماع خير وحق لا غيره والمشهور إضافته، وقرأ عاصم برفع خير وتنوين أذن قال: وهو يوافق تفسير الحسن، أي من يقبل معاذيركم خير لكم.
قال العزفي: وأما اسمه أذن خير فهو مما أعطاه من فضيلة الإدراك لبيان الأصوات، فلا يبقى من ذلك خير ولا يسمع من القول إلا أحسنه.
"أرجح الناس عقلا" روى أبو نعيم عن وهب بن منبه قال: قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها أن الله لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقل محمد ﷺ إلا كحبة رمل من بين جميع رمال الدنيا، وأن محمدا أرجح الناس عقلا، وقال زهير بن صرد في مدحه:
إن لم تداركهمو نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلما حين يختبر
"أرحم الناس" أفعل من الرحمة، أي أكثرهم رحمة "بالعباد" مؤمنهم وكافرهم. ووقع في الشامي بالعيال بياء ولام والأول أعم "الأزهر" من الزهارة "وهو النير المشرق الوجه" يقال: زهر الشيء يزهر بفتحتين صفا لونه وأضاء.
وروى مسلم عن أنس: كان ﷺ أزهر اللون قال النووي: معناه أبيض مستنير، فهو بمعنى حديث عكاشة كان أبيض "أشجع الناس" من الشجاعة وهي شدة القلب عند البأس. ومر حديثстр. 1811
الأصدق في الله، أطيب الناس ريحا، الأعز، الأعلى، الأعلم بالله، أكثر الناس تبعا، الأكرم، أكرم الناس، أكرم ولد آدم، ألمص، إمام الخير،
الحواشي
(١) كان أشجع الناس "الأصدق في الله" أي الأثبت والأقوى، فلا أحد أثبت ولا أقوى على الحق منه، وهذا مما سماه الله به من أسمائه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ [النساء: ١٢٢] .
"أطيب الناس ريحا" اي أذكاهم وأشدهم لأن عرقه كان أطيب من المسك ومن أسمائه الأطيب بلا إضافة فقيل بمعناه وقيل: معناه الأفضل والأشرف. "الأعز" بمهملة فمعجمة أفعل من العز أي الكثير العزة وهي الغلبة والقوة "الأعلى" أي الأكثر علوا أي رفعة على غيره. قال النسفي: هو مما سماه الله من أسمائه قال تعالى: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى﴾ قال السيوطي: لم يظهر لي وجه الأخذ منه لأنا وإن جعلنا الضمائر في فاستوى وفي وهو ودنا وتدلى للنبي ﷺ ، وهو قول مرجوح في التفسير لم يصح جعل الأعلى صفة له لأن الضمير لا يوصف إلا على رأي ضعيف، وكأنه جعله حالا من ضمير استوى وجملة، وهو بالأفق مبتدأ وخبر حالا أيضا، والتقدير فاستوى الأعلى، أي عليًّا حال كونه بالأفق، وهو بعيد جدا، ولم يظهر لي فيه غير ذلك انتهى.
"الأعلم بالله" وبصفاته وما يجب له، كما قال ﷺ : "أنا أتقاكم وأعلمكم بالله". رواه البخاري. وقال: "أنا أتقاكم لله وأعلمكم بحدود الله" رواه أحمد "أكثر الناس" الذي في الشامي الأنبياء "تبعا" بفتح الفوقية، والموحدة جمع تابع، كما قال ﷺ : "أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة"، وقال: "إن من الأنبياء من يأتي يوم القيامة ما معه مصدق وغير واحد" أخرجهما مسلم عن أنس "الأكرم" المتصف بزيادة الكرم على غيره مما سماه الله به من أسمائه ﴿وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ وقال ﷺ : "أنا أكرم الأولين والآخرين على الله، ولا فخر""أكرم الناس أكرم ولد آدم" يأتي شرح الثلاثة للمصنف "المص" وألم والمر ذكر الثلاثة ابن دحية.
قال الشامي: والمشهور أنها من أسماء الله تعالى، فإن صح ما قاله كانت مما سماه به من أسمائه.
"إمام الخير إمام المتقين" أي الذين يقتدون به ويتبعون هديه جمع متق وهو من اتقى الشرك والمخالفات.
وروى ابن ماجه عن ابن مسعود تسميته بهما في حديث موقوف ولفظه: إذا صليتم على رسول الله ﷺ فأحسنوا الصلاة عليه، فإنكم لا تدرون لعل ذلك يعرض عليه قالوا له: علمنا، قال: "قولوا اللهم اجعل صلواتك ورحمتك وبركاتك على سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين محمد عبدك ورسولك، إمام الخير وقائد الخير ورسول الرحمة. اللهم ابعثه المقامстр. 1812
إمام الرسل، إمام المتقين، إمام النبيين، الإمام، الآمر والناهي، الآمن، أمنة أصحابه، الأمين،
الحواشي
(١) المحمود الذي يغبطه فيه الأولون والآخرون".
"إمام الرسل إمام النبيين" روى الترمذي عن أبي بن كعب رفعه: إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم من غير فخر.
"الإمام" المقتدى به، سمي به لاقتداء الخلق به ورجوعهم إلى قوله وفعله قال حسان يمدحه ﷺ :
إمام لهم يهديهم الحق جاهدا ... معلم صدق إن يطيعوه يهتدوا
ويطلق لغة على المقتدى به في الخير وغيره، والوحداني جاعلك للناس إماما، والجمع وجعلنا للمتقين إماما "الآمر والناهي" اسما فاعل من الأمر والنهي. قال تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَر﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو في حقه فرض عين، وفي حق غيره فرض كفاية.
قال العزفي: وهذا الوصف على الحقيقة لله لكنه لما كان الواسطة بينه وبين عبيده أضيف ذلك إليه؛ إذ هو يشاهد آمرا وناهيا، ويعلم بالدليل أن ذلك واسطة، ونقل من الذي له ذلك الوصف حقيقة انتهى. وفي التنزيل ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . "الآمن" بالمد وكسر الميم بوزن صاحب الخالص التقي والشريف سمي به؛ لأن الله آمنه في الدنيا والآخرة، والله يعصمك من الناس يوم لا يخزي الله النبي "أمنة أصحابه" أي سبب لأمنهم وطمأنينتهم من أمن البل أطمأن به أهله.
روى البيهقي عن أبي موسى قال: رفع رسول الله ﷺ رأسه إلى السماء، فقال: "النجوم أمنة، فإذا ذهبت النجوم أتى السماء ما توعد وأنا أمنة لأصحابي، فإذا ذهبت أتى أصحابي ما يوعدون، وأصحابي أمنة لأمتي، فإذا ذهبت أصحابي أتى أمتي ما يوعدون".
قال الشامي: أمنة، بضم الهمزة وفتحها وبفتح الميم الوافر الأمانة الذي يؤتمن على كل شيء سمي بذلك لأن الله ائتمنه على وحيه، أو الحافظ أي حافظ لأصحابه قيل من البدع، وقيل من الاختلاف والفتن، ولا ينافي هذا قوله ﷺ : "إذا أراد الله رحمة أمة قبض نبيها قبلها" لاحتمال أن يكون المراد أمنهم من المسخ والخسف، ونحو ذلك من أنواع العذاب، وبإتيان ما يوعدون من الفتن بينهم بعد أن كان بابها منسدا عنهم بوجوده.
"الأمين" ذكر ابن فارس سمي بذلك لأنه حافظ الوحي قوي على الطاعة، فقيل بمعنى فاعل.стр. 1813
الأمي أنعم الله، الأول، أول شافع، أو المسلمين، أول المؤمنين، أول تنشق عنه الأرض.
الحواشي
(١) روى مسلم عن أبي سعيد رفعه: "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر من السماء صباحا ومساء" قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [التكوير/ ١٩، ٢٠، ٢١] ذي قوة عند ذي العرش، مكين مطاع، ثم أمين، نسب عياض لأكثر المفسرين، أن الرسول هنا محمد ﷺ وقد كان يدعى بذلك في صغره لوقاره وصدق لهجته، واجتنابه القاذورات والأدناس، وقد مر قول قريش عند إرادة بناء البيت هذا الأمين رضينا، وقال كعب بن مالك فيه:
أمين محب للعباد مسوم ... بخاتم رب قاهر للخواتم
أو بمعنى مأمون فعيل بمعنى مفعول من الائتمان، وهو الاستحفاظ والوثوق بالأمانة. سمي بذلك لأن الله ائتمنه على وحيه، وجعله واسطة بينه وبين خلقه، وكساه من الأمانة التي هي ضد الخيانة حلة وافرة، وتوجه بتاج الصدق المرصع بدررها الفاخرة.
"الأمي" قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: ١٥٧] وهو الذي لا يكتب كما في الحديث: "إنا أمة أمية لا نحسب ولا نكتب"، نسبة إلى الأم، كأنه على الحالة التي ولدته، أمه وهي في حقه معجزة، وفي غيره معجزة، قال عياض: من وصفه بالأمية ونحوها مما جرى عليه من الأذى، فإن قصد بذلك مقصده من التعظيم والدلالة على نبوته كان حسنًا، ومن أراد ذلك على غير وجهه، وعلم منه سوء قصده لحق بما تقدم، أي بالساب. وسماه بعضهم أيضا الأمي بفتح الهمزة، وقرئ به، قال ابن عطية: منسوب إلى الأم بمعنى القصد، أي أن هذا النبي مقصود للناس، وموضع أم يؤمونه بأفعالهم وشرعهم فعلى هذا يكون اسما آخر، وقال ابن جني: يحتمل أنه بمعنى الأمي غير تغيير النسب، فيكون لغة أخرى لا اسما.
"أنعم الله" بفتح الهمزة، وضم المهملة جمع نعمة في الأصل وهي الإحسان، سمي بذلك لأنه نعمة من الله على عباده وبعثه رحمة لهم، وحصل بوجوده للخلق نعم كثيرة، منها: الإسلام والإنقاذ من الكفر والأمن من الخسف.
"الأول" يأتي شرحه للمصنف ويقع في نسخ هنا زيادة الآخر وهي سهو؛ لأنه قدمه قريبا.
"أول شافع" أي طالب للشفاعة، "أول المسلمين" المقتدي به في الإسلام، ذكره العزفي، أي أول مسلمي هذه الأمة مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ "أول مشفع" بفتح الفاء الذي يشفع فتقبل شفاعته، وهي السؤال في التجاوز عن المذنبين وفصل القضاء ونحوه، "أول المؤمنين" أي المقتدى به في الإيمان "أول من تنشق عنه الأرض" أي أول من يبعث من الخلق، فذكر في ذا الحرف خمسة وأربعين اسما منها خمسة من أسماء الله، وزاد الشامي أسماء هيстр. 1814
.....................................
الحواشي
(١) الأبلج بموحدة، وجيم الأبيض الأنقى، الأجل أجير بجيم؛ لأنه يجير أمته من النار.
ذكره العزفي عن بعض الصحف المنزلة، قال الشيخ: يعني السيوطي ولم أره لغيره وأخشى أنه تصحف باحيد أحاد بضم الهمزة اسم عدد معدول عن واحد واحد؛ لأنه واحد في أمور متعددة كسيادته على من سواه، وأنه ختام الأنبياء وأن شريعته أكمل الشرائع، وأنه واحد في خصائص ليست لغيره. الأحشم بمهملة ومعجمة، أي أكثر الناس وقارا آخرايا، ولم يضبطه إلا أن رسمه هكذا، وقد قدمت كلامه فيه أخوناخ، أي صحيح الإسلام، الأدعج الأدوم بفتح فسكون أفعل من المداومة على الشيء لملازمته طاعة ربه الأرجح، أي الزائد على غيره علما وفضلا الأرحم بلا إضافة، الأزج بفتح الزاي وشد الجيم، أي المقوس الحاجب، الأزكى بالزاي من الطهارة، أي أطهر العالمين، الأسد بفتح الهمزة والسين وشد الدال المهملتين من السداد وهو استقامة الأشد حياء من العذراء في خدرها، الأشنب، بسكون المعجمة، وفتح النون فموحدة من الشنب، وهو رونق الأسنان ورقة مائها، وقيل رقتها وعذوبتها.
أصدق الناس لهجة الأطيب الأعظم الأغر بمعجمة وراء، أي الشريف الكريم. أفصح العرب، كذا ورد في حديث ذكره أصحاب الغريب بهذا اللفظ قال ابن كثير والشيخ: ولم نقف على سنده الإكليل، أي التاج؛ لأنه تاج الأنبياء ورأس الأصفياء فسمي به لشرفه وعلوه أو لإحاطة رسالته وشمولها، كما سمي الإكليل، لإحاطته بالرأس.
الأمجد أفعل من المجد، وهو الشرف إمام العالمين بفتح اللام إمام العالمين جمع عالم أي العباد إمام الناس الأمان الأمنة الأمة، أي الجامع للخير المقتدى به، أو المعلم للخير ألم المر الألمعي الأمي بالفتح بناء على أنه الاسم لا لغة في المضموم أنفس العرب أو في الناس ذماما بكسر المعجمة، أي أكثرهم حرمة وأسدهم الأنور المتجرد أي المشرق وراء المتجرد مفتوحة كل ما تجرد عنه من بدنه، فيرى الأواه بشد الواو الأوسط" أي العادل أو الخيار من كل شيء قال:
يا أوسط الناس طرا في مفاخرهم ... وأكرم الناس أما برة وأبا
الأولى، أي بالمؤمنين من أنفسهم، أي أحرى وأجدر، في كل شيء من أمور الدنيا والدين أول الرسل آية الله.
روى ابن المنذر عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا﴾ [فصلت: ٥٣] قال محمد ﷺ لأن العلامة الظاهرة انتهى باختصار.стр. 1815
"حرف ب":
البر، البار قليط، الباطن، البرهان، بشر، بشري عيسى، البشير، البصير،
الحواشي
(١) حرف ب:
"البر" بفتح الموحدة اسم فاعل من البر بالكسر، وهو الإحسان والطاعة أو الصدق: وقال ﷺ : "البر حسن الخلق" وعن إدريس ﵇: "من أفضل البر ثلاثة الصدق في الغضب، والجود في العسرة والعفو عند المقدرة".
سمي برا لأنه من ذلك بمكان، وهو من أسماء الله تعالى، ومعناه البالغ في الإحسان والصادق فيما وعد.
"البارقليط الباطن" يأتي شرحهما في المصنف.
"البرهان" روى ابن أبي حاتم عن سفيان بن عيينة في ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال: هو محمد ﷺ وجزم به ابن عطية والنسفي، ولم يحكيا غيره وهو لغة الحجة، وقيل الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، وهو ﷺ برهان بالمعنيين؛ لأنه حجة الله على خلقه وحجة نيرة واضحة لما معه من الآيات والمعجزات الدالة على صدقه، وهذا مما سماه الله به من أسمائه، فإنه منها كما عند ابن ماجه.
"بشر" الذي في الشامي البشر معرفا، وقال بمعجمة محركة الإنسان لظهور بشرته، وهي ظاهر الجلد من الشعر بخلاف سائر الحيوان؛ لأنها مستترة بالشعر والصوف والوبر سمي به ﷺ لأنه أعظم البشر وأفضلهم، كما سمي بالناس من تسمية الخاص باسم العام. قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [فصلت: ٦] نبه تعالى بذلك على أن الناس متساوون في البشرية غير متفاضلين في الإنسانية، وإنما يتفاضلون بما يتخصصون به من المعارف الجليلة، ولذا قال بعده: يوحى إليَّ تنبيهًا على الجهة التي حصل بها الفضل عليهم، أي تميزت عليكم وخصصت من بينكم بالوحي والرسالة "بشرى عيسى" بضم الموحدة، وسكون المعجمة فعلى من البشارة، وهي الخبر السار، أي المبشر به في قوله ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد. وفي المستدرك مرفوعا: "أنا دعوة أبي إبراهيم وبشرى عيسى".
"فائدة" الأنبياء المبشر بهم خمسة محمد وعيسى وإسحاق ويعقوب ويحيى "البشير" اسم فاعل من بشر كفرح وزنا ومعنى قال تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] .
"البصير" أي العليم حكى السبكي في تفسير أنه هو السميع البصير. إن الضمير للنبي ﷺ قال: ومعنى وصفه بهما أنه الكامل في السمع والبصر اللذين ندرك بها الآيات التي يريه إياها فوصفه بذلك. وهو نذير والإنذار بالعقل وهما أعظم الحواس الموصلة إليه لأنه لأكمل منه فيстр. 1816
البليغ، البالغ البيان، البينة.
الحواشي
(١) الإنذار والاستدلال انتهى. يعني أن وصفه بهما بالحصر المستفاد من تعريف الطرفين، وسيق للمدح ففسره بما يخصصه به ويصيره مدحا له، وهو كما قيل مع بعده لا حاجة إليه، فالأظهر أن المعنى السميع لكلام الله بلا واسطة البصير، أي الناظر إلى نور جماله بعين بصره، وهذا مما اختص به انتهى.
"البليغ" الفصيح الذي يبلغ بعبارته كنه ضميره.
"البالغ البيان" اسمان كأن الشامي لم يقف عليهما لغير المصنف فقال ذكرهما شيخنا أبو الفضل القسطلاني انتهى. ولم يزد لكنه ذكر آخر الحرف ما نصه البيان الكشف والإظهار، أي الفصاحة أو اجتماعها مع البلاغة أو إظهار المقصود بأبلغ لفظ أو هو بمعنى المبين، أي المظهر للناس ما أمروا به ونهوا عنه، والموضح لهم ما خفي عليهم من أمر ديهم انتهى. وهذا يقتضي قراءة البيان بالجر بالإضافة إلى البالغ، فيكون اسما واحدا مركبا تركيبا إضافيا، فيخالف قوله ذكرهما بالتثنية الظاهر في أنهما اسماه "البينة" الحجة الواضحة، قال تعالى: ﴿حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَة﴾ [البينة: ١] ، رسول من الله، أي محمد ﷺ فرسول بدل أو عطف بيان.
قال ابن عطية والهاء في البينة للمبالغة، كهاء علامة، ونسابة فذكر اثني عشر منها اسمان من أسماء الله. وزاد الشامي البارع، أي الفائق أقرانه علما وفضلا. الراجح عليهم علما وحكما، الباهر بموحدة آخره راء في قصص الكسائي أن الله قال لموسى إن محدا هو البدر الباهر، أي لأنه بهر بنوره نور الأنبياء، أي غلبة في الإضاءة لكثرة الانتفاع به والاقتناس منه، أو لأنه غلب بحسنه جميع الخلق، أو لأنه ظاهر الحجة الباهي آخره تحتية، أي الحسن الجميل البحر بلفظ خلاف البر، لعموم نفعه لأنه طاهر في نفسه مطهر لغيره ممن اتبعه، لسعة كرمه البدء بدال مهملة مهموز السيد الذي يبدأ به إذا عدت السادات البديع، أي المستقل بالحسن والجمال، وهو من أسمائه تعالى، ومعناه موحد الشيء بلا آلة ولا مادة.
البدر أي القمر الكامل لتمام كماله وعلو شرفه، وفي قصص الكسائي أن الله قال لموسى إن محمدا هو البدر الباهر، والنجم الزاهر والبحر الزاخر، والبرقيطس.
قال ابن إسحاق وغيره هو محمد بالرومية، قال السيوطي: بفتح الموحدة، وكسرها، وفتح القاف، وكسر الطاء، بمؤذ ماذ بكسر الباء، وسكون الميم وضم الهمزة وسكون المعجمة.
عزاه ابن دحية للتوراة قال الشيخ: وأخشى أنه مؤذ ماذ بميم أوله، فتحرف قلت: ونقله ابن القيم عن نص التوراة، ونص بعض شراحها من مؤمني أهل الكتاب فصح ما قال الشيخ البهاء بالمد العز والشرف؛ لأنه شرف هذه الأمة وعزها البهي بالموحدة، كالعلي الحسن العاقل انتهى.стр. 1817
"حرف ت":
التالي، التذكرة، التقي، التنزيل، التهامي.
"حرف ث":
ثاني اثنين.
الحواشي
(١) وأسقط مما ذكره المصنف البشير والبصير وما وقع في الشرح أن الشامي زاد البر سهوا؛ لأنه أول اسم ذكره المصنف في الحرف وتكلم عليه الشارح:
حرف ت:
"التالي": المتبع لمن تقدمه. قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ ، أو من التلاوة وهي القراءة. قال تعالى: ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ ، أي القرآن: "التذكرة" ما يتذكر به الناسي، ويتنبه به الغافل. قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ قيل المراد سيدنا محمد "التقي" فعيل من التقوى.
قال عياض وجد على الحجارة القديمة مكتوب محمد تقي مصلح سيد أمين.
"التنزيل" بمعنى المنزل، أي المرسل، أو المنزل إليه، أي الموحى إليه القرآن. قال تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَن﴾ قيل محمد فهو بمعنى رسول من الله، وقيل القرآن "التهامي" بكسر التاء نسبة إلى تهامة من أسماء مكة، وتهامة ما نزل عن نجد من بلاد الحجاز سميت بذلك لتغير هوائها.
قال ابن فارس من تهم بفتحتين، وهي شدة الحر، وركود الريح، فذكر خمسة أسماء، وزاد الشامي التلقيط ذكره العزفي، وقال هو اسمه في كتب الروم.
حرف ث:
"ثاني اثنين" أي أحد اثنين وهما المصطفى والصديق أخذا من الآية، وذكر ابن دحية الثمال، ولم يتكلم عليه.
قال الشامي وهو بكسر المثلثة، وخفة الميم العماد والملجأ، والمغيث والمعين، والكافي قال جده يمدحه:
وأبيض يستسقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
أي يمنعهم مما يضرهم قال ذلك جده وهو ﷺ في حال الطفولية لما توسمه فيه من الخير وتنسمة من البركة، وقد يستدل بالظاهر على الباطن كما قال:
وقل من ضمنت يوما سريرته ... إلا وفي وجهه للخير عنوان
أو بضمها ومعناه المنقطع إلى الله الواثق بكفايته انتهى. وصوابه عمه في المحلين، فقدстр. 1818
"حرف ج":
الجبار الجد، الجواد الجامع.
"حرف ح":
حاتم،
الحواشي
(١) صرح ﷺ أن منشئ البيت أبو طالب في حديث رواه البيهقي، وهو من قصيدته المشهورة، وقوله لما توسمه يقتضي أنه لم يشاهد الاستسقاء به، مع أنه إنما قاله عن مشاهدة، فإنه استسقى به فسقوا، كما رواه ابن عساكر، وقد مر بسط ذلك في أوائل المقصد الأول.
حرف ج:
"الجبار" قال عياض وابن دحية سماه الله به في كتاب داود فقال تقلد سيفك أيها الجبار، فإن ناموسك وشريعتك مقرونة بهيئة يمينك، ومعناه في حقه تعالى المصلح للشيء، أو المصلح بضرب من القهر، أو العلي العظيم الشأن، وقيل المتكبر، ومعناه في حقه ﷺ أما لإصلاحه للأمة بالهداية والتعليم، أو لقهر أعدائه، أو لعلو منزلته على البشر وعظم خطره ونفى عنه تعالى جبرية التكبر التي لا تليق به، فقال: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِجَبَّار﴾ ، ويأتي نحوه للمصنف "الجد" بفتح الجيم وضمها العظيم الجليل القدر، أو بكسرها وفتحها أيضا بمعنى الحظ والحظوة، أي صاحب الحظ العظيم عند الحق والحظوة عند الخلق، أو بكسرها فقط بمعنى الاجتهاد في العبادة ودأب النفس في طلب السيادة.
"الجواد" يحتمل شد الواو وخفتها وهما اسمان له ذكرهما الشامي، فقال الجواد بالتشديد مبالغة في الجواد بالتخفيف، ثم قال الجواد بالتخفيف الكريم السخي الطائع الملي، صفة مشبهة من الجود وهي سعة الكرم والطاعة.
"الجامع" لجميع الخصال الحميدة اللائقة به، أو للمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة؛ لأنه أوتي جوامع الكلم، أو لحمده لله تعالى بكلمات جامعة لأنواع الحمد والثناء عليه، فذكر أربعا منها ثلاث من أسماء الله، وأسقط الشامي الجامع، وزاد الجليل صفة مشبهة، أي العظيم، أو من كملت صفاته. الجهضم بجيم ومعجمة ساقطة كجعفر العظيم الهامة المستدر الوجه الرحب الجبين الواسع الصدر هذه الأوصاف مجتمعة فيه ﷺ .
حرف ح:
"حاتم" وفي الشفاء الحاتم بزيادة أل، وقال هو من أسمائه في الكتب السالفة، حكاه الأحبار قال ثعلب، ومعناه أحسن الأنبياء خَلقا وخُلقا.стр. 1819
حزب الله، الحاشر، الحافظ، الحاكم بما أراه الله، الحامد، حامل لواء الحمد،
الحواشي
(١) روى عن عياض وانتقد بأنه ليس بمعروف لغة، وإنما هو القاضي، كما هو في الصحاح وليته استحيا من تفسير ثعلب، فإنه من أئمة اللغة على أن الذي في الصحاح بمعنى القاضي بكسر الفوقية، والاسم الشريف بفتحها، كما ضبط في نسخ معتمدة من الشفاء فلم يتواردا على محل واحد.
"حزب الله" الحزب الطائفة من الناس، وقيل جماعة فيها غلظ وحزب الله عبيده المتقون وأنصار دينه.
قاله الشامي بلفظه "الحاشر" يأتي للمصنف شرحه "الحافظ" من أسمائه تعالى، ومعناه في حقه صيانة جميع الموجودات عن العدم وصيانة المضادة بعضها عن بعض.
قال الغزالي: الحافظ من العباد من يحفظ جوارحه وقلبه ويحفظ دينه عن سطوة الغضب، وصلابة الشهوة وخداع النفس وغرور الشيطان، وهو اسم فاعل من الحفظ، وسمي به؛ لأنه الحافظ للوحي والأمة، ولا يقدح في وصفه بالحفظ وقوع النسيان منه، كما روى مسلم عن عائشة: كان ﷺ يسمع قراءة رجل في المسجد، فقال رحمه الله تعالى لقد أذكرني آية كنت أنسيتها لندرة ذلك منه، والحكم إنما هو للأغلب قاله كله الشامي، وقد يمنع كون ذلك نسيانا حقيقة، بل هو عدم تذكر يحصل الرجوع إليه بأدنى التفات وعبر عنه بالنسيان مجازا، ثم كأنه جعل وجه التسمية أعظم الأمور، وإلا فكلام الغزالي يصلح وجها أيضا؛ لأنه ﷺ أقوى الناس حفظا لما ذكر بلا ريب ولا سبيل للشيطان عليه بوجه. فهو الحافظ على الحقيقة من العباد.
"الحاكم بما أراه" علمه "الله" أخذه ابن دحية من قوله تعالى لتحكم بين الناس بما أراك الله لكنه ذكر أن الاسم لفظ الحاكم فقط.
"الحامد" اسم فاعل من الحمد وهو الثناء عى الله بما هو أهله.
قال ابن دحية ذكره ابن كعب، وقال ابن إسحاق: رأت أمه ﷺ قائلا يقول إنك حملت بخير البرية وسيد العالمين، فإذا ولدتيه فسميه محمدا، فإن اسمه في التوراة حامد وفي الإنجيل أحمد "حامل لواء الحمد" روى الترمذي عن ابن عباس رفعه "أنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر" واختلف في أنه حقيقي مسمى بذلك وعند الله علم حقيقته ودونه تنتهي جميع المقامات، ولما كان أحمد الخلق في الدارين أعطيه ليأوي إليه الألوان والآخرون، ولذا قال في حديث أنس: آدم فمن دونه تحت لوائي، كما قاله المحب الطبري والتوربشتي، أو معنوي وهو انفراده بالحمد يوم القيامة وشهرته به على رءوس الخلائق كما جزم به الطيبي وتبعه السيوطي.стр. 1820
الحائد لأمته على النار، الحبيبن حبيب الرحمن، حبيب الله، الحجازي، الحجة البالغة، حجة الله على الخلائق حرز الأميين، الحرمي، حريص الحريص على الإيمان، الحسيب،.
الحواشي
(١) "الحائد لأمته عن النار" اسم فاعل من حاد عنه يحيد مال، أي المبعد لهم عنها فإن حاد إذا عدي بهمزة، أو باء وبانت اللام، هنا عنها كان معناه أبعد غيره، وإلا فمعناه بعد عن الشيء. "الحبيب" فعيل من المحبة بمعنى مفعول؛ لأنه محبوب لله، أو بمعنى فاعل، لأنه محب له تعالى.
"حبيب الرحمن" ورد تسميته به في حديث المعراج عن أبي هريرة عند البزار وغيره.
"حبيب الله" ورد في عدة أحاديث قال عياض: المحبة الميل إلى ما يوافق المحب لكن في حق المخلوق، فأما الخالق فمحبته لعبده تمكينه من سعادته وعصمته وتوفيقه وتهيئة أسباب القرب له وإفاضة رحمته عليه، وقصواها كشف الحجب عن قلبه حتى يراه بقلبه وينظر إليه ببصيرته، فيكون كما ورد الحديث، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ولسانه الذي ينطق به.
"الحجازي" نسبة إلى الحجاز، وهو مكة واليمامة وقراهما سمي حجاز؛ لأنه حجز بين تهامة ونجد.
"الحجة البالغة" أي الدلالة الكاملة التي لا نقصان فيها ولا انفصام لها. "حجة الله على الخلائق" في الفردوس بلا إسناد أنا حجة الله، وهو بمعنى البرهان "حرز الأميين" العرب، أي حافظهم ومانعهم من السوء، وخصوا بالذكر؛ لأنه لما كان منهم قصد زيادة الاعتناء بهم، وتنبيها لبني إسرائيل على عظم شأنهم ورفعتهم بهذا النبي الذي يخرج منهم وأن غيرهم كالتابع لهم.
روى البخاري عن عبد الله بن عمرو بن العاص والله أنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ [الفتح: ٨] وحرزا للأميين الحديث.
"الحرمي" نسبة إلى الحرم المكي.
"حريص" فعيل بمعنى فاعل من الحرص وهو شدة الإرادة للمطلوب "الحريص على الإيمان" قال تعالى: ﴿حَرِيصٌ عَلَيْكُم﴾ [التوبة: ١٢٨] أي على إيمانكم وهدايتكم.
"الحسيب" فعيل بمعنى مفعل من أحسبني الشيء كفاني ومنه عطاء حسابا، أو الشريف، أو الكريم من الحسب محركا، وهو ما يعد من مفاخر الآباء، أو الدين، أو الكرم، أو الشرف في الفعل، أو الآباء، وهو ﷺ متصف بجميع ذلك، وهو من أسمائه تعالى. قال الغزالي وليس للعبد مدخل فيه إلا بنوع مجاز بأن يكون كافيا لطفله بتعهده، أو لتلميذه بتعليمه حتى لا يفتقر إلى غيره انتهى. وهو صحيح في حقه ﷺ ؛ لأنه كاف لأمته جميع ما تحتاج إليه في الدارين بحيثстр. 1821
الحفيظ، الحق، الحكيم، الحليم، حماد، حمطايا أو قال حمياطا، حمعسق،
الحواشي
(١) لا تحتاج إلى غيره.
"الحفيظ" فعيل من الحفظ وهو صون الشيء عن الزوال، فإن كان في الذهن فضده النسيان، أو في الخارج فضده التضييع، وهو من أسمائه تعالى، وكلا المعنيين يصح إطلاقه عليه لأن الأشياء محفوظة في علمه لا يطرأ عليه نسيان ويحفظ الموجودات من الزوال. وقيل معناه الذي يحفظ سرك من الأغيار، ويصون ظاهرك عن موافقة الفجار. وأما قوله: ﴿وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ﴾ [النساء: ٨٠] فمعناه لست أحفظ أعمالكم وأجازيكم عليها. وقوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٨٠] أي لتحفظهم حتى لا يقعوا في الكفر والمعاصي، أو لتحصى مساويهم حفيظ بالمعنى الأول بمعنى أنه يردهم عنه ويقاتلهم عليه، وبالمعنى الثاني؛ لأنه يشهد عليهم يوم القيامة وهو أبلغ من الحافظ.
"الحق" يأتي في المتن وهو من أسمائه تعالى.
"الحكيم" لأنه علم وعمل وأذعن لربه قاله العزفي فعيل من الحكمة قال تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [البقرة: ١٢٩] ، ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ والمتصف بالحكمة علما وتعليما حكيم. وفي أنها النبوة، أو معرفة القرءان والفهم فيه، أو الإصابة في القول، أو العلم المؤدي إلى العمل، أو السنة، أو خشية الله أقوا وهو ﵇ حكيم بكل ذي المعاني. وقيل بمعنى مفعل من الأحكام وهو الإتقان أو بمعنى فاعل من الحكم، وهو المنع للإصلاح وهو أعم من الحكمة وهو ﵇ متقن للأمور ومانع لأمته.
"الحليم" قال ابن دحية موصوف به في التوراة اسم فاعل للمبالغة من حلم بضم اللام إذا صار الحلم طبعا له، وسجية من سجاياه. قال أبو طالب يمدحه:
حليم رشيد عادل غير طائش ... يوالي الها ليس عنه بغافل
وكان أحلم الناس، وكل حليم قد عرفت منه زلة، وحفظت عنه هفوة وهو ﷺ لا يزيد مع كثرة الأذى إلا صبرا، وعلى إسراف الجاهلية إلا حلما وهو من أسمائه تعالى، ومعناه في حقه الذي لا يعجل بالعقوبة.
"حماد" في الشامي الحماد بشد الميم صيغة مبالغة من الحمد، أي الحامد الكثير الحمد، "حمطايا" بفتح الحاء، وكسرها وسكون الميم، أو فتحها مشددة وبالطاء المهملة، فألف فتحتية، "أو قال" شك "حمياطا" بتقديم الياء، والألف على الطاء ومعناه حامي الحرم. ويأتي في المصنف "حمعسق" ذكره ابن دحية ونقله الماوردي عن جعفر بن محمد، ونقل عن ابن عباسстр. 1822
حفي، الحمد، الحنيف، الحي.
"حرف خ":
الخبير، خاتم النبيين، خاتم المرسلين،
الحواشي
(١) أنه من أسماء الله.
"حفي" ذكره شيخه السخاوي الحفي بالتعريف، وتبعه الشامي، وقال البر اللطيف يقال: حفيت بفلان، وتحفيت به إذا أعنته في كرامته.
"الحمد" ذكره شيخه السخاوي، وتبعه الشامي وبيض لشرحه، ولم يتنبه شيخنا لذلك، فظنهما اسما واحدا وإن حفي مضاف للحمد وليس كذلك، فإن الشامي ترجم أولا الحفي، ثم ذكر بعده سبعة أسماء، ثم ترجم الحمد وكتب عليه علامة السخاوي.
"الحنيف" يأتي للمصنف، فذكر ثمانيا وعشرين منها خمسة من أسماء الله تعالى، وزاد الشامي حاط حاط. قال العزفي هو اسمه في الزبور الحامي، أي المانع لأمته من العدا والحافظ لهم من الردى، أو حامي البيت والحرم ببعده من أيدي ذي الجرم، أو لأنه كان له أن يحمي نفسه وإن لم يقع منه ذلك حبنطا.
قال العزفي: من أسمائه في الإنجيل وتفسيره، يفرق، بين الحق والباطل، الحكم بفتحتين، أي الحاكم، أو المناع، وهو من أسماء الله تعالى ومعناه الذي لا راد لحكمه قال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا﴾ أي مانعا. الحلاحل بمهملتين الأولى مضمومة والثانية مكسورة السيد الشجاع، أو كبير المروءة، أو الرئيس الرزين، كأنه مأخوذ من الحلول والاستقرار؛ لأن القلق وقلة الثبات في مجلس ليس من عادة السادات.
الحميد فعيل بمعنى حامد ومحمود صيغة مبالغة من الحمد وهو الثناء، أي الذي حمدت أخلاقه ورضيت أفعاله، أو الحامد لله بما لم يحمده به حامد، والكثير المحامد وهو من أسمائه تعالى ومعناه الذي حمد نفسه أبدا وحمده عباده أبدا، أو المستحق للحمد؛ لأن موصوف بكل كمال ومول لكل نوال.
الحنان بالتخفيف الرحمة الحيي بمهملة وتحتيتين الكثير الحياء.
روى الدارمي عن سهل بن سعد كان ﷺ حييا لا يسأل شيئا إلا أعطى.
"الحي" أي الباقي المتلذذ المنعم في قبره انتهى.
حرف خ:
"الخبير" يأتي للمصنف من أسماء الله تعالى "خاتم النبيين" كما في التنزيل ولكن رسول الله وخاتم النبيين "خاتم المرسلين" ذكر العلماء في حكمه كونه خاتم النبيين والمرسلينстр. 1823
الخاتم، الخازن لمال الله، الخاشع، الخاضع، الخالص، خطيب الأنبياء، خطيب الأمم، خطيب الوافدين على الله، خليل الرحمن، خليل الله،
الحواشي
(١) أوجها منها أن يكون الختم بالرحمة وإرادة الله أن لا يطول مكث أمته تحت الأرض إكراما له وإن لا ينسخ شريعته، بل من شرفه نسخها لجميع الشرائع، ولهذا إذا نزل عيسى إنما يحكم بها.
"الخاتم" يأتي للمصنف وذكر ابن دحية الخاتم بكسر التاء والخاتم بفتحها، ونقل ذلك عن ضبط ثعلب وابن عساكر.
"الخازن لمال الله" أخذه ابن دحية من حديث أبي هريرة رفعه "والله ما آتيتكم من شيء ولا أمنعكم من شيء منه إن أنا إلا خازن أضع حيث أمرت" رواه أحمد وغيره.
قال النووي معناه خازن ما عندي أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به والأمور كلها بمشيئة الله.
"الخاشع" الخشوع لغة السكون والتخشع التذلل قاله الأزهري، وقال ابن سيده خشع رمى ببصره، وعند الصوفية الانقياد للحق، وقيل قيام القلب بين يدي الرب بهم مجموع. وقال الحسن، الخوف الدائم الملازم للقلب والجنيد تذلل القلوب لعلام الغيوب والحكيم الترمذي الخاشع من خمدت نيران شهوته وسكن دخان صدره، وأشرق نور التعظيم من قلبه فماتت شهواته وحيي قلبه فخشعت جوارحه.
قال القشيري على أن محل الخشوع القلب وهو قريب من التواضع.
"الخاضع" ذكره ابن دحية. قال الجوهري الخضوع التطامن والتواضع، وقال الأزهري الخضوع قريب من الخشوع إلا أن الخشوع للقلب وهو قريب من التواضع.
"الخالص" أي النقي من الدنس "خطيب الأنبياء" في حديث الشفاعة كنت إمام النبيين وخطيبهم، أي مقدمهم وصاحب الكلام ودونهم، والخطيب الحسن الخطبة، وهي الكلام المنثور المسجع مشتقة من الخطب وهو اللسان؛ لأن العرب إذا دهمهم أمر اجتمعوا له، وخطبت ألسنتهم فيه، أو من المخاطبة؛ لأنه يخاطب بالأمر والنهي، أو من الخطيب وهو ذو الألوان من كل شيء لاشتمالها على فنون الكلام.
"خطيب الأمم" جمع أمة "خطيب الوافدين على الله" جمع وافد ذكرهما السخاوي.
"الخليل" فعيل بمعنى فاعل من الخلة الصداقة والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله، أو من الخلة بمعنى الاصطفاء لأنه يوالي ويعادي في الله، أو بمعنى الحاجة لانقطاعه إلى ربه وقصر حاجته عليه.
"خليل الله" روى أحمد وغيره عن ابن مسعود رفعه "لو كنت متخذا خليلا لاتخذت أباстр. 1824
الخليفة، خير الأنبياء خير البرية، خير خلق الله، خير العالمين طرا، خير الناس، خير هذه الأمة، خير الله.
الحواشي
(١) بكر وإن صاحبكم خليل الله".
وروى أبو يعلى في حديث المعراج إن الله قال له ﷺ : "وإني اتخذتك خليلا" واطلاق الخلقة على الله للمقابلة، ولأنها نصره إياه وجعله خير خلقه لا بمعنى الحاجة إذ لا يجوز أن يقال الله خليل محمد من الخلة التي هي الحاجة، كما أفاده الإمام الواحدي. "الخليفة" أي الذي يخلف غيره وينوب عنه والهاء للمبالغة، سمي بذلك، وكذا آدم وغيره؛ لأن الله استخلفهم على عمارة الأرض وسياسة الناس وتكميل نفوسهم وتنفيذ أوامره منهم لا لحاجة منه تعالى إلى ذلك بل لقصور المستخلف عليهم عن قبول فيضه وتلقي أمره بغير واسطة.
"خير الأنبياء" ذكره السخاوي وغيره، أي أفضلهم.
"خير البرية" الخلق "خير خلق الله خير العالمين طرا" ذكرهما معا ابن دحية وذلك من الأحاديث والآثار المشهورة ومعناهما واحد. والخلق مصدر بمعنى مخلوق وهو المبتدع المخترع بفتح الدال والراء.
"خير الناس" ذكره السخاوي، قال الجوهري يقال رجل خير، أي فاضل ولا يقال أخير؛ لأن فيه معنى التفضيل، وحذفت منه الهمزة كما حذفت من أشر غالبا لكثرة الاستعمال ورفضوا أخير وأشر فيما ندر كقوله: بلال خير الناس وابن الأخير.
"خير هذه الأمة" أخذه ابن حية مما رواه البخاري عن سعيد بن جبير قال: قال لي ابن عباس: هل تزوجت؟ قلت: لا، قال: تزوج فخير هذه الأمة أكثرها نساء يعني النبي ﷺ .
"خيرة الله" بكسر الخاء وسكون التحتية المختار. وقال الجوهري يقال محمد خيرة الله من خلقه وخيرة بالتسكين أيضا، أي مختاره ومصطفاه، أو بفتح الخاء مع سكون التحتية، وعناه أفضل الناس وأكثرهم خيرا فعد أحد وعشرين منها واحد من أسمائه تعالى.
وزاد الشامي الخافض، أي خافض الجناح من الخفض والتواضع ولين الجانب ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي تواضع لفقرائهم وضعفائهم وطب نفسا عن أغنيائهم، أو الذي يخفض الجبابرة بسوطه ويكسر الأكاسرة ببأسه وهو من أسمائه تعالى.
خليل الرحمن ذكره السخاوي خليفة الله. ذكره ابن دحية من قوله في حديث الإسراء ونعم الخليفة حياه الله من أخ ومن خليفة وجاء إطلاقه على الله في حديث "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل" فهو مما سماه به من أسمائه الخير بتحتية الفضل والنفع؛ لأنه حصل بوجوده خير كثير، أو الفاضل يقال رجل خير كعدل وخير ككيس، أي فاصنع خير الخلقстр. 1825
"حرف د":
دار الحكمة، الداعي إلى الله، دعوة إبراهيم، دعوة النبيين، دليل الخيرات.
"حرف ذ":
الذاكر،
الحواشي
(١) ذكره ابن دحية.
حرف د:
"دار الحكمة" لقوله ﷺ : "أنا دار الحكمة وعلى بابها".
رواه الحاكم في المستدرك وصححه، وزعم ابن الجوزي والذهبي أنه موضوع ورد بما يطول.
قال الحافظان العلائي وابن حجر الصواب أنه حسن لا صحيح ولا موضوع.
"الداعي إلى الله" كما في التنزيل وداعيا إلى الله بإذنه سمي به لدعائه إلى طاعته والحث عليها، وقد وصف الله تعالى نفسه بالدعاء والله يدعو إلى دار السلام فهو مما سماه من أسمائه.
"دعوة إبراهيم" كما قال ﷺ : "أنا دعوة أبي إبراهيم" يعني ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُم﴾ [البقرة: ١٢٩] الآية "دعوة النبيين" ذكره السخاوي.
"دليل الخيرات" فعد خمسا وزاد الشامي الدامغ بمعجمة آخر؛ لأنه دمغ الباطل بالحق وكسر جيوش الشرك بسيف حجته الداني اسم فاعل من الدنو القرب، ثم دنا فتدلى دعوة التوحيد، أي صاحب قول لا إله إلا الله، أو الأعلام سمي به؛ لأنه أعلم الناس، أي دلهم على طريق الهداية، أو بمعنى المدعو به على إطلاق المصدر على اسم المفعول الدليل، أي الهادي دهتم بفوقية وزن جعفر السهل الخلق والحسن الخلق انتهى.
حرف ذ:
"الذاكر" اسم فاعل من الذكر وهو تمجيد الله وتقديسه وتسبيحه.
قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] .
قال الرازي: المعنى أنه يحب حصول الذكر كل وقت وإدامة القلبي لقوله: ﴿وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِين﴾ وأنه لا ينبغي أن يغفل عن استحضار جلال الله وكبريائه لحظة واحدة حسبما تطيقه القوى الإنسانية وتحمله الطاقة البشرية. ولا شك أنه ﷺ أمس الخلق بذلك وأولاهم به وأحقهم بالاختصاص بدرجات الكمال والاستغراق في مشاهده الحلال، فلذا سمي به.следующие страницы →