Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
وأخوه يزيد بن أبي سفيان بن حرب وأمره عمر على دمشق حتى مات بها سنة تسع عشرة بالطاعون، فوليها بعدها أخوه معاوية حتى رقي منها إلى الخلافة، وكان يزيد من سروات الصحابة وساداتهم أسلم يوم الفتح أيضا وأعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حين مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال ﵁.
وزيد بن ثابت بن الضحاك الأنصاري النجاري،
الحواشي
(١) وروي عنه ﷺ ، وعنه ابن عباس، وجرير، وابن الزبير ومعاوية بن خديج، والنعمان بن بشير، وغيرهم من الصحابة والتابعين، "أخوه" لأبيه "يزيد بن أبي سفيان بن حرب" وأمه في الحكم زينب بنت نوفل بن خلف من بني كنانة، كان يقال له يزيد الخير، ويكنى أبا الحكم، وهو أفضل بني أبي سفيان، قاله ابن عبد البر، واستعمله ﷺ على صدقات بني فراس أخواله.
ذكره الزبير بن بكار، وأمره الصديق لما قفل من الحج سنة اثنتي عشرة أحد أمراء الأجناد، "وأمره عمر على" فلسطين، ثم على "دمشق" لما مات أميرها معاذ بن جبل، وكان استخلفه، فأقره عمر "حتى مات بها سنة تسع عشرة بالطاعون" كذا في التقرب، والذي في الإصابة، يقال مات في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة.
وقال الوليد بن مسلم: بل تأخر موته إلى سنة تسع عشرة بعد أن افتتح قيسارية، "فوليها بعده أخوه معاوية" واستمر "حتى رقي منها إلى الخلافة" سنة إحدى وأربعين واجتمع عليه الناس فسمي بذلك العام عام الجماعة "وكان يزيد من سروات الصحابة وساداتهم" عطف تفسير، "أسلم يوم الفتح أيضا" كأبي وأخيه، وكان من المؤلفة أيضا، "و" لذا "أعطاه رسول الله ﷺ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية وزنها له بلال ﵁" وحسن إسلامه، وكان من فضلاء الصحابة.
وروى عن النبي ﷺ ، وعن الصديق.
وروى عنه أبو عبد الله، وعياض الأشعريان، وجنادة بن أبي أمية، "وزيد بن ثابت بن الضحاك" بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار "الأنصاري" الخزرجي، "النجاري" بنون وجيم إلى جده المذكور أبو سعيد، وقيل أبو ثابت، وقيل غير ذلك استصغر يوم بدر، ويقال شهد أحدا، ويقال أول مشاهده الخندق، وكان معه راية بني النجار، يوم تبوك قدم ﷺ المدينة وله إحدى عشرة سنة، وروى البخاري تعليقا، والبغوي، وأبو يعلى موصولا عنه، قال: أتى بي النبي ﷺ مقدمة المدينة، فقيل هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ سبعة عشر سورة، فقرأت عليه، فأعجبه ذلك، فقال: "تعلم كتاب يهود، فإني ما آمنهم على كتابي" فتعلمت،стр. 2207
مشهور، بكتب الوحي، مات سنة خمسين أو ثمان وأربعين، وقيل بعد الخمسين. وكان أحد فقهاء الصحابة، وأحد من جمع القرآن في خلافة أبي بكر، ونقله إلى المصحف في خلافة عثمان.
وشرحبيل ابن حسنة، وهي أمة، وهو أول كاتب لرسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) فما مضى لي نصف شهر حى حذفته، فكنت أكتب له إليهم، وإذا كتبوا إليه قرأت له، "مشهور بكتب الوحي" وكان يكتب له أيضا المرسلات، وكتب للعمرين في خلافتهما، وتولى قسم غنائم اليرموك، وكان عمر يستخلفه إذا سافر للحج، فقلما رجع إلا أقطعه حديقة من نخل رواه البغوي، وكان عثمان يستخلفه أيضا إذا حج، "مات سنة خمسين أو ثمان وأربعين، وقيل بعد الخمسين" وفي الإصابة، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين، وهو قول الأكثر سنة إحدى واثنتين أو خمس وخمسين.
قال أبو هريرة: اليوم مات حبر هذه الأمة، وعسى الله أن يجعل في ابن عباس منه خلفا، "وكان أحد فقهاء الصحابة" رأسا بالمدينة في القضاء والفتوى والفرائض.
قال ﷺ : "أفرضكم زيد"، رواه أحمد بإسناد صحيح، وقيل إنه معلول.
وقال ابن عباس: لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد أن زيد بن ثابت كان من الراسخين في العلم رواه البغوي، وعن الشعبي ذهب زيد ليركب، فأمسك ابن عباس بالركاب، فقال: تنح يابن عم رسول الله: قال: لا هكذا نفعل بالعلماء والكبراء، رواه يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح، "وأحد من جمع القرآن في خلافة أبي بكر، ونقله إلى المصحف في خلافة عثمان، وفي الإصابة، وهو الذي جمع القرآن في عهد أبي بكر ثبت ذلك في الصحيح.
وقال له أبو بكر: إنك شاب عاقل لا انهمك، وروى عنه جماعة من الصحابة منهم أبو هريرة، وأبو سعيد، وابن عمر، وأنس، وسهل بن سعد، وسهل بن حنيف، وعبد الله بن يزيد الخطمي، ومن التابعين ولداه خارجة، وسليمان وابن المسيب، والقاسم بن محمد، وسليمان بن يسار وآخرون.
"وشرحبيل" بضم المعجمة، وفتح الراء وسكون المهملة، فموحدة، فتحتية، فلام "ابن حسنة" الصحابية، وهاجرت مع ابنها إلى الحبشة، "وهي أمه" على ما جزم به غير واحد.
وقال ابن عبد البر: بل تبنته وأبوه عبد الله بن المطاع بن عبد الله الكندي، ويقال التميمي، أسلم قديما هو وأخواه لأمه جنادة، وجابر ابنا سفيان بن معمر بن حبيب الجمحي، وهاجروا إلى الحبشة، ثم إلى المدينة "وهو أول كاتب لرسول الله ﷺ " وسيره أبو بكر في فتوح الشام، وولاه عمر على ربع من أرباعها، وبها مات سنة ثمان عشرة.стр. 2208
والعلاء بن الحضرمي.
وخالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي، سيف الله، أسلم بين الحديبية والفتح، مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين.
وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، فاتح مصر في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄، أسلم عام الحديبية ولي إمرة مصر مرتين، ومات بها سنة نيف وأربعين وقيل بعد الخمسين.
الحواشي
(١) والعلاء بن الحضرمي، واسم أبيه عبد الله بن عمار، سكن أبوه مكة، وحالف حرب بن أمية والعلاء صحابي جليل استعمله ﷺ على البحرين فأقره أبو بكر، ثم عمر حتى مات سنة أربع عشرة أو إحدى وعشرين، وكان يقال له إنه مجاب الدعوة، وخاض البحر بكلمات قالها.
وروى عنه من الصحابة السائب وأبو هريرة، "وخالد بن الوليد بن المغيرة المخزومي سيف الله"، كما قال ﷺ "أسلم بين الحديبية والفتح" وتقدم مفصلا، "مات سنة إحدى أو اثنتين وعشرين، بحمص عند الأكثر وقيل بالمدينة، وذكر أنه من الكتاب ابن عبد البر، وابن الأثير، وغيرهما.
"وعمرو بن العاص بن وائل" القرشي "السهمي، فاتح مصر في أيام أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵄، أي عمر وعمرو، كما هو ظاهر لا عمرو أبوه؛ لأن الخطاب لم يسلم، "أسلم عام الحديبية" وفي الإصابة أسلم قبل الفتح في صفر سنة ثمان، وقيل بين الحديبية وخيبر، ومر لذلك مزيد عند ذكر المصنف وقت إسلامه في المقصد الأول، وكان ﷺ يقربه ويدنيه لشجاعته، وولاه ذات السلاسل وأمده بالعمرين، وأبي عبيدة، ثم استعمله على عمان، فمات وهو أميرها، ثم كان من الأمراء الأجناد في الجهاد بالشام في زمن عمر، ففتح قنسرين وصالح أهل حلب وإنطاكية، وولاه عمر فلسطين، وقال في حقه، ما ينبغي له أن يمشي على الأرض إلا أميرا، وقال ﷺ : "عمرو بن العاص من صالحي قريش"، رواه أبو يعلى وغيره، "ولي إمرة مصر مرتين" الأولى، ولاه عمر لما فتحها إلى أن مات، فأبقاه عثمان قليلا ثم عزله وولى ابن أبي سرح فآل أمر عثمان بسببه إلى ما اشتهر ثم لما كانت الفتنة بين علي ومعاوية، لحق عمرو بمعاوية فكان يدبر أمره في الحرب إلى أن جرى أمر الحكمين فجهزه معاوية إلى مصر، وهي المرة الثانية، فوليها لمعاوية من صفر سنة ثمان وثلاثين إلى أن توفي، "ومات بها سنة نيف وأربعين، وقيل بعد الخمسين" وفي الإصابة مات سنة ثلاث وأربعين على الصحيح الذي جزم به ابن يونس وغيره من المتقين، وقيل قبلها بسنة، وقيل بعدها، ثم اختلفوا، فقيل بست،стр. 2209
والمغيرة بن شعبة الثقفي، أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة ثم الكوفة، مات سنة خمسين على الصحيح.
وعبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري أحد السابقين، شهد بدرا واستشهد بمؤتة.
ومعيقيب -بقاف وآخره موحدة مصغر- ابن أبي فاطمة الدوسي، من السابقين الأولين، وشهد المشاهد ومات في خلافة عثمان أو علي.
وحذيفة بن اليمان،
الحواشي
(١) وقيل بثمان، وقيل بأكثر.
قال الليث: وهو ابن تسعين سنة، وقال العجلي: تسع وتسعين ﵁.
"والمغيرة" بضم الميم على الأشهر، وحكى ابن قتيبة وغيره كسرها، والهاء فيه في الأصل للمبالغة، كعلامة "ابن شعبة الثقفي أسلم قبل الحديبية" وشهدها وبيعة الرضوان وله فيه ذكر، وكان يقال له مغيرة الرأي، وكان من دهاة العرب، وشهد اليمامة، وفتوح الشام، والعراق "وولي إمرة البصرة" لعمر، ففتح همذان وعدة بلاد، ثم عزله عمر، "ثم" ولاه "الكوفة" وأقره عثمان، ثم عزله، فلما قتل عثمان اعتزل القتال، ثم بايع معاوية بعد اجتماع الناس عليه، فولاه بعد ذلك الكوفة، فاستمر على إمرتها حتى مات سنة خمسين على الصحيح، الذي عليه الأكثر، وقيل قبلها بسنة، وقيل بعدها بسنة.
"وعبد الله بن رواحة، الخزرجي، الأنصاري، أحد السابقين" إلى الإسلام من الأنصار، وأحد النقباء ليلة العقبة، "شهد بدرا" وما بعدها، "واستشهد بمؤتة" من الشام ﵁.
"ومعيقيب" بضم الميم، وفتح العين المهملة، وسكون التحتية، و"بقاف" مكسورة بعدها تحتية، "وآخره موحدة مصغر".
قال ابن شاهين: ويقال معيقب بغير الياء الثانية "ابن أبي فاطمة الدوسي" ويقال إنه من ذي أصبح، وهو حليف بني أمية "من السابقين الأولين" إلى الإسلام بمكة، "وشهد المشاهد" وكان به داء الجذام، وقيل البرص، فعولج بأمر عمر حتى وقف.
قاله أبو عمر: ويقال هاجر إلى الحبشة، وكان على بيت المال لعمر، ثم كان على خاتم عثمان.
وروى أحاديث وعنه ابناه محمد والحارث، وحفيده إياس بن الحارث وأبو سلمة بن عبد الرحمن، "مات في خلافة عثمان أو علي" وقيل عاش إلى بعد الأربعين، كما في الإصابة، "وحذيفة بن اليمان" واسه حسيل بالتصغير، ويقال حسل بكسر، فسكون المهملتين ابنстр. 2210
من السابقين، صح في مسلم أنه ﷺ أعلمه بما كان ومما يكون إلى أن تقوم الساعة، وأبوه صحابي أيضا استشهد بأحد، ومات حذيفة في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين.
وحويطب بن عبد العزى العامر، أسلم يوم الفتح، عاش مائة وعشرين سنة، ومات سنة أربع وخمسين.
وله كتاب آخر سوى هؤلاء، وذكروا في الكتاب الذي تقدم ذكره.
الحواشي
(١) جابر بن ربيعة بن فروة بن الحارث بن قطيفة بن عبس العبسي، بسكون الموحدة أصاب أبوه دما، فهرب إلى المدينة، فحالف بني عبد الأشهل، فسماه قومه اليمان، لكونه حالف اليمانية، وتزوج أم حذيفة، فولد له بالمدينة "من السابقين" أسلم هو وأبوه، وأرادا شهود بدر، فصدهما المشركون.
وفي الصحيحين أن أبا الدرداء قال لعلقمة: أليس فيكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره يعني حذيفة، وذلك لأنه "صح في مسلم أنه ﷺ أعلمه" لفظ مسلم عن حذيفة: لقد حدثني رسول الله ﷺ "بما كان، وبما يكون إلى أن تقوم الساعة" ولذا سأله عمر عن الفتنة، كما في الصحيحين، وشهد أحدا والخندق وله بها ذكر حسن، وما بعدهما، وفتوح العراق، وله بها آثار شهيرة، "وأبوه صحابي أيضا استشهد بأحد"، قتله المسلمون خطأ يظنونه من المشركين، "ومات حذيفة" أميرا على المدائن من عمر، فلم يزل بها حتى مات "في أول خلافه علي" بعد أن بويع له بأربعين يوما "سنة ست وثلاثين".
وروى عنه ﷺ وعن عمر، وروى عنه جابر، وجندب، وأبو الطفيل، وعبد الله بن يزيد، وغيرهم من الصحابة والتابعين، "وحويطب بن عبد العزى" بن أبي قيس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل، بكسر الحاء، وسكون السين المهملتين، ولا ابن عامر بن لؤي القرشي، "العامر أسلم يوم الفتح" وشهد حنينا، وكان من المؤلفة، وجدد أنصاب الحرم في عهد عمر، ثم قدم المدينة، فنزلها إلى أن مات وباع داره بمكة من معاوية بأربعين ألف دينار، فاستكثرها بعض الناس، فقال حويطب: وما هي لمن عنده العيال.
ذكره ابن سعد "عاش مائة وعشرين سنة" قاله البخاري، "ومات سنة أربع وخمسين" قاله الواقدي، "وله كتاب آخر سوى هؤلاء ذكروا في الكتاب الذي تقدم ذكره" ومن كتابه السجل روى أبو داود والنسائي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] ، السجل كاتب للنبي ﷺ .
زاد ابن منده: والسجل هو الرجل بالحبشة، وروى ابن مردويه وابن منده عن ابن عمر قال:стр. 2211
وكان معاوية وزيد بن ثابت ألزمهم لذلك وأخصهم به، كما قاله الحافظ الشرف الدمياطي وغيره، ونبهت عليه.
قال الحافظ ابن حجر: وقد كتب له قبل زيد بن ثابت، أبي بن كعب، وهو أول من كتب له بالمدينة، وأول من كتب له بمكة من قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح، ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وممن كتب له في الجملة أكثر من غيره الخلفاء الأربعة وأبان وخالد ابنا سعيد بن العاصي بن أمية.
الحواشي
(١) كان للنبي ﷺ كاتب، يقال له السجل، فأنزل يوم نطوي السماء كطي السجل للكتاب، والسجل هو الرجل بالحبشة، وأخرجه أبو نعيم والخطيب، فهذا الحديث صحيح لهذه الطرق، وغفل من زعم أنه موضوع نعم ورد ما يخالفه، فأخرج ابن أبي حاتم من طريق أبي جعفر، البقار أن السجل ملك كان له في أم الكتاب كل يوم ثلاث طيات، وزاد النقاش أنه في السماء الثالثة، ونقل الثعلبي، وغيره عن ابن عباس، ومجاهد السجل الصحيفة، قاله في الإصابة باختصار، ومراده الرد على قول ابن كثير، عرضت حديث ابن عباس على المزي، فأنكره جدا، وأخبرته أن ابن تيمية قاله: إنه موضوع، وإن كان في سنن أبي داود فقال المزي: وأنا أقوله. ا. هـ.
قال الحافظ في غير الإصابة: وهذه مكابرة، "وكان معاوية، وزيد بن ثابت ألزمهم لذلك، وأخصهم به، كما قاله الحافظ الشرف" أي شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف "الدمياطي وغيره ونبهت عليه".
"قال الحافظ ابن حجر: وقد كتب له قبل زيد بن ثابت" وقبل معاوية بالأولى لتأخر إسلامه، عن زيد "أبي بن كعب: وهو أول من كتب له بالمدينة" قبل زيد وغيره، "وأول من كتب له بمكة من قريش" خرج شرحبيل بن حسنة؛ لأنه كندي، فلا يرد على قوله أنه أول كاتب "عبد الله بن سعد بن أبي سرح" العامري، "ثم ارتد، ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح" فحسن إسلامه، ولم يظهر منه بعده إلا الخير. ولاه عثمان مصر، ففتح الله على يديه أفريقية، فكان فتحا عظيما، بلغ سهم الفارس فيه ثلاثة آلاف مثقال، واعتزل الفتنة بعد قتل عثمان، فسكن عسقلان، وقيل الرملة، ودعا أن يختم عمله بالصلاة، فسلم من الصبح التسليمة الأولى، ثم هم بالثانية، فقبض، "وممن كتب له في الجملة أكثر من غيره الخلفاء الأربعة، وأبان" بن سعيد أسلم أيام خيبر وشهدها، كما ذكره الواقدي، ووافقه عليه علماء الأخبار، وهو المشهور، وخالفهم ابن إسحاق، فعده فيمن هاجر إلى الحبشة، ومات ﷺ وإبان على البحرين، ثم قدم على أبي بكر، وسار إلى الشام، فقتل يوم أجنادين سنة ثلاثة عشرة، قاله الأكثر، وقيل غير ذلك.
"وخالد ابنا سعيد بن العاصي بن أمية" القرشي، الأموي، من السابقين قيل كان رابعا أوстр. 2212
وقد كتب ﷺ إلى أهل الإسلام كتبا في الشرائع والأحكام:
منها كتابه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر، فكتبه أبو بكر لأنس لما وجهه إلى البحرين ولفظه كما عند البخاري، وأبي داود والنسائي:
بسم الله الرحمن الرحيم. هذه فريضة الصدقة التي فرضها رسول الله ﷺ على المسلمين،
الحواشي
(١) خامسا، فعاقبه أبوه ومنعه القوت، فهاجر إلى الحبشة حتى قدم مع جعفر، فشهد عمرة القضية وما بعدها، واستشهد بمرج الصفراء، وقيل بأجنادين، وقد اختلف في أيهما كانت قبل والله أعلم "وقد كتب ﷺ " أي أمر بالكتابة، كما هو معلوم أنه لم يكتب، وهو في حقه معجزة، كما في الحديبية كتابة منتهية "إلى أهل الإسلام" تبقى عندهم يرجعون إليها عند الحاجة، "كتبا" نقوشا دالة على ألفاظ ذات معان تسمى كتبا "في الشرائع والأحكام" تفسيري، "منها كتابه في الصدقات الذي كان عند أبي بكر" الصديق، "فكتبه أبو بكر" بيده المباركة؛ لأنه كاتب أو بأمره لاشتغاله بأمور الخلافة "لأنس" ابن مالك "لما وجهه إلى البحرين" بلفظ التثنية عاملا عليها، وهي اسم لإقليم مشهور يشتمل على مدن معروفة قاعدتها هجر، والنسبة إليها بحراني، كما في الفتح، "ولفظه، كما عند البخاري" في مواضع عشرة منها ستة في كتاب الزكاة ثلاثة أبواب متوالية، ثم فصل بباب، ثم ثلاثة متوالية أيضا.
وفي الخمس والشركة واللباس وترك الخيل بإسناد واحد في العشرة مقطعا بحسب حاجته منه، "وأبي داود والنسائي" وابن ماجه الثلاثة في الزكاة، وكلهم من رواية ثمامة بن عبد الله أن جده أنسا حدثه أن أبا بكر كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين، وفي رواية لأبي داود أن أبا بكر كتبه لأنس، وعليه خاتم رسول الله ﷺ "بسم الله الرحمن الرحيم".
قال الماوردي فيه إثبات البسملة أول الكتب، وإن الحمد ليس بشرط "هذه فريضة" قال الحافظ: أي نسخة فريضة، فحذف المضاف للعلم به "الصدقة" فيه أن اسمها يقع على الزكاة، خلافا لمن منع ذلك من الحنفية "التي فرضها رسول الله ﷺ " ظاهر في رفع الخبر إلى المصطفى وأنه ليس موقوفا على أبي بكر، وقد صرح برفعه إسحاق بن راهويه، أي أوجبها أو شرعها بأمر الله تعالى "على المسلمين" وقيل: معناه قدر؛ لأن إيجابها ثابت بالكتاب، ففرضه ﷺ لها بيان لمجمله بتقدير الأنواع والأجناس، وأصل الفرض قطع الشيء الصلب، ثم استعمل في التقدير، لكونه مقتطعا من الشيء الذي يقدر منه، وقد يرد بمعنى البيان نحو قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم، والإنزال إن الذي فرض عليك القرءان والحل ما كان علىстр. 2213
والتي أمر الله بها رسوله، فمن سئلها من المسلمين على وجهها فليعطها، ومن سئل فوقها فلا يعط:
في أربعة وعشرين من الإبل فما دونها، من الغنم
الحواشي
(١) النبي ﷺ من حرج فيما فرض الله له، وكله لا يخرج عن معنى التقدير، وبمعنى اللزوم حتى كاد يغلب عليه، وهو لا يخرج أيضا عن معنى التقدير، وقد قال الراغب، كل شيء ورد في القرآن فرض على فلان، فهو بمعنى الإنزال، وكل شيء ورد فرض له، فهو بمعنى لم يحرم عليه، وذكر أن معنى أن الذي فرض عليك القرآن، أي أوجب عليك العمل به، وهذا يؤيد قول الجمهور أن الفرض مرادف للوجوب، وتفريق الحنيفية بينهما باعتبار ما يلقبان به لا مشاحة فيه، وإنما النزاع في حمل ما ورد في الأحاديث الصحيحة على ذلك؛ لأن اللفظ السابق لا يحمل على الاصطلاح الحادث، واستدل به على أن الكافر لا يخاطب بالزكاة، وتعقب بأن المراد كونها لا تصح منه، لا أنه لا يعاقب عليها، وهو محل النزاع. ا. هـ.
"والتي أمر الله بها رسوله" أي بتبليغها، كما قال المصنف وغيره. فلا يرد أن الأنبياء لا زكاة عليهم، كما ذكره ابن عطاء الله بناء على قول الإمام مالك، أن الأنبياء لا يملكون.
قال السيوطي: وعند الشافعي وغيره يملكون، ثم الجلالة ثابتة في مواضع من البخاري، فما في بعض نسخ المواهب من حذفها تحريف، وأما لفظ بها، فقال الحافظ: كذا في كثير من نسخ البخاري ووقع في كثير منها بحذف بها، وأنكره النووي في شرح المهذب، ولأبي داود التي أمر بلا واو على أنها بدل من الأولى، "فمن سئلها" بضم السين "من المسلمين على وجهها" أي الكيفية المبنية في هذا الحديث، "فليعطها" وفيه دلالة على دفع الأموال الظاهرة للإمام، "ومن سئل فوقها" أي زائدا على ذلك في سن أو عدد، "فلا يعط" الزائد على الواجب، كما نقل الرافعي الاتفاق على ترجيحه، وقيل معناه: فليمنع الساعي، وليتول هو إخراجه بنفسه أو لساع آخر فإن الساعي طالب الزيادة متعد، وشرطه أن يكون أمينا، لكن محله إذا طلب الزيادة بغير تأويل، هكذا في الفتح ونسخته فلا يعطه بالهاء، وكذا في أبي داود المتبادر أنها ضمير عائد على فوق بمعنى الزائد، ويحتمل أنها للسكت.
وفي متون البخاري، وعليها شرح المصنف بدونها، وهل الموجود في نسخ المواهب الصحيحة، ويقع في بعضها بزيادة ياء من تحريف النساخ، وإن كانت لغة قليلة لعدم مجيء الرواية هنا بها، ثم شرح في بيان الفريضة، وأخذها وبدأ بالإبل؛ لأنها غالب أموالهم، فقال: "في أربعة وعشرين من الإبل" زكاة، "فما دونها" الفاء، بمعنى أو "من الغنم" متعلق بالمبتدأ المقدر.
قال الحافظ: كذا للأكثر، وفي رواية ابن السكن بإسقاط من، وصوبها بعضهم، وقالстр. 2214
في كل خمس شاة.
فإذا بلغت خمسا وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر.
فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى.
فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة طروقة الجمل.
الحواشي
(١) عياض من أثبتها، فمعناه زكاتها، أي الإبل من الغنم، ومن للبيان لا للتبعيض، ومن حذفها فالغنم مبتدأ، والخبر مضمر في قوله أربعة وعشرين وما بعده، وإنما قدم الخير؛ لأن الغرض بيان المقادير التي تجب فيها الزكاة، وإنما تجب بعد وجوب النصاب، فحسن التقديم "في كل خمس شاة" مبتدأ وخبر، واستدل به على تعين إخراج الغنم، وهو قول مالك وأحمد، فلو أخرج بعيرا عن الأربعة والعشرين لم يجزه.
وقال الشافعي والجمهور يجزيه لأنه يجزي عن خمس وعشرين، فأولى ما دونها، ولأن الأصل أن تجب من جنس المال، وإنما عدل عنه رفقا، فإذا رجع باختياره إلى الأصل أجزأه، فإن كانت قيمة البعير دون قيمة أربع شياه، ففيه خلاف وإلا قيس أنه لا يجزي. ا. هـ. ويرد ما تمسكوا به لأنه قياس في معرض النص، فهو فاسد الاعتبار على أنه لا دخل له في هذا الباب.
نعم صحح المالكية أجزاء بعير عن شاة تفي قيمته بقيمته، "فإذا بلغت خمسا وعشرين" منتهية "إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض" بفتح الميم والمعجمة الخفيفة، وآخر معجمة، أتى عليها حول، ودخلت في الثاني، وحملت أمها والمخاض الحامل، أي دخل وقت حملها، وإن لم تحمل "أنثى، فإن لم تكن بنت مخاض فابن لبون" وهو ما دخل في الثالثة فصارت أمه لبونا، بوضع الحمل "ذكر" أتى به، وبأنثى للتأكيد أو لينبه رب المال ليطيب نفسا بزيادة، وقيل احترز بذلك عن الخنثى وفيه بعد، كما في الفتح، وفي شرح الموطأ للباجي قال ذكر وإن كان ابن لا يكون إلا ذكرا زيادة في البيان؛ لأن من الحيوان ما يطلق على الذكر والأنثى، منه لفظ ابن كابن عروس وابن آوى، فرفع به هذا الاحتمال.
قال: ويحتمل أن يريد به مجرد التأكيد كقوله تعالى: ﴿وَغَرَابِيبُ سُودٌ﴾ "فإذا بلغت ستا وثلاثين إلى خمس وأربعين ففيها بنت لبون أنثى" إلى للغاية، وهي تقتضي أن ما بعدها يشتمل عليه الحكم المقصود بيانه بخلاف ما قبلها، فلا يدخل إلا بدليل وقد دخل هنا بدليل، قوله: "فإذا بلغت ستا وأربعين إلى ستين، ففيها حقة" بكسر المهملة، وشد القاف، والجمع حقاق بالكسر، والتخفيف "طروقة الجمل" لفتح الطاء أي مطروقة فعولة، بمعنى مفعولة كحكومة،стр. 2215
فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة.
فإذا بلغت ستا وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون.
فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الجمل.
فإذا زادت عن عشرين ومائة، ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقة.
ومن لم يكن إلا أربع من الإبل، فليس فيها صدقة، إلا أن يشاء ربها، فإذا بلغت خمسا من الإبل ففيها شاة.
ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له،
الحواشي
(١) بمعنى محكومة، أي بلغت أنها يطرقها الفحل، وهي التي أتت عليها ثلاث سنين ودخلت في الرابعة، "فإذا بلغت إحدى وستين إلى خمس وسبعين، ففيها جذعة" بفتح الجيم والمعجمة، وهي التي دخلت في الخامسة، سميت بذلك لأنها أجذعت مقدم أسنانها، أي أسقطته وهي غاية أسنان الزكاة "فإذا بلغت" يعني "ستا وسبعين، ففيها بنتا لبون".
قال الحافظ: كذا في الأصل بزيادة يعني، وكان العدد حذف من الأصل اكتفاء بدلالة الكلام، عليه فذكره بعض رواته بلفظ يعني لينبه على أنه مزيدا وشك أحد رواته فيه، وقد ثبت بغير لفظ يعني في رواية الإسماعيلي من طريق أخرى عن شيخ البخاري فيه، فيحتمل أن الشك فيه من البخاري، وقد وقع في رواية لأبي داود بإثباته أيضا، "فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومائة، ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإن زادت عن عشرين ومائة" واحدة، فصاعدا عند الجمهور "ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة" فواجب مائة وثلاثين بنتا لبون، وحقه واجب مائة وأربعين بنت لبون وحقتان وهكذا، "ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها" أن يتبرع ويتطوع.
وأتى به للإيضاح وبيان الواقع، "فإذا بلغت خمسا من الإبل، ففيها شاة" زيادة في البيان والإيضاح إذ هو أول الكلام، "ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة"، بالإضافة البيانية، ورفع صدقة فاعل بلغت ومن الإبل متعلق به فلم تتعين زيادة من داخلة على الفاعل، كما ظن لأنه تخريج لكلام سيد الفصحاء على قول ضعيف مع عدم الحاجة إليه.
"و" الحال أنه "ليست عنده جذعة، وعنده حقه، فإنها تقبل منه الحقة، ويجعل معها شاتين" بصفة الشاة المخرجة عن خمس من الإبل يدفعها للمصدق "إن استيسرتا له" أيстр. 2216
أو عشرين درهما.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة فإنها تقبل منه الجذعة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا ابنه لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي المصدق شاتين أو عشرين درهما.
ومن بلغت صدقته بنت لبون، وعنده الحقة، فإنها تقبل منه الحقة ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين.
ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون، وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت المخاض، ويعطي معها عشرين درهما أو شاتين.
الحواشي
(١) وجدتا في ماله.
قاله المصنف: "أو عشرين درهما" فضة وكل منهما أصل بنفسه لا بدل؛ لأنه قد خير فيهما، وكان ذلك معلوما لا يجري مجرى تعديل القيمة لاختلاف ذلك في الأزمنة والأمكنة، فهو تعويض قدره الشارع كالشاة في المصراة.
"ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده الحقة، وعنده الجذعة" وخبر المبتدأ قوله: "فإنها تقبل منه" أي المالك "الجذعة ويعطيه المصدق"، بضم الميم، وخفة المهملة، وكسر الدال، وهو الساعي الذي يأخذ الزكاة إما بشد الصاد، فدافع الصدقة، كما في الفتح وغيره "عشرين درهما" فضة خالصة، "أو شاتين".
"ومن بلغت عنده صدقة الحقة وليست عنده إلا ابنة لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي المصدق" بالتشديد المالك "شاتين، أو عشرين درهما".
"ومن بلغت صدقته" عن إبله "بنت لبون" بالنصب على المفعولية، كما أعربه المصنف؛ لأن لفظ البخاري، كما هنا صدقته بالرفع فاعل بلغت مضافا لهاء الضمير، "وعنده الحقة، فإنها تقبل منه الحقة، ويعطيه المصدق" بالتخفيف، أي الساعي "عشرين درهما أو شاتين".
"ومن بلغت عنده صدقة بنت لبون" بالإضافة البيانية، وإن نصب صدقة مفعول بلغت وبنت بدل منه، وقدر الفاعل إبله جاز.
لكن الذي في البخاري، ومن بلغت صدقته بنت لبون بإضافة صدقة إلى الضمير، ونصب بنت، "وليست عنده وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت المخاض، ويعطي" المالك "معها عشرين درهما، أو شاتين".стр. 2217
ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت ليون فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها وعنده ابن لبون فإنه يقبل منه وليس معه شيء.
وفي صدقة الغنم في سائمتها إذا بلغت أربعين إلى عشرين ومائة شاةٍ شاةٌ.
فإذا زادت على عشرين ومائة إلى مائتين ففيها شاتان.
فإذا زادت على مائتين إلى ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه.
فإذا زادت على ثلاثمائة ففيها ثلاث شياه.
فإذا زادت على ثلاثمائة ففي كل مائة شاة.
فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة عن أربعين شاة شاة واحدة، فليس فيها
الحواشي
(١) "ومن بلغت صدقته بنت مخاض" بنصب بنت على المفعولية، وفي نسخة بإضافة صدقة إلى بنت، قاله المصنف، "وليست عنده و" الحال أن الموجود "عنده بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطيه المصدق عشرين درهما أو شاتين، فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها" المفروض، "وعنده ابن لبون، فإنه يقبل منه" وإن كان أقل قيمة منها، ولا يكلف تحصيلها، "وليس معه شيء" زيادة عليه، وهذا الحكم متفق عليه، ولو لم يجد واحدا منهما، فالأصح عند الشافعية أن له أن يشتري أيهما شاء، وقال مالك وأحمد وغيرهما: يتعين شراء بنت المخاض.
"وفي صدقة الغنم في سائمتها" بدل من الغنم بإعادة الجار، أي في الغنم السائمة، أي الراعية "إذا بلغت" رواية الكشميهني، ولغيره إذا كانت "أربعين إلى عشرين ومائة شاة" بالإضافة "شاة" بالرفع خبر مبتدأ مضمرا ومبتدأ، وفي صدقة الغنم خبره، قاله المصنف، "فإذا زادت على عشرين ومائة" واحدة فصاعدا "إلى مائتين"، فزكاتها "شاتان" مرفوع على الخبرية والابتدائية، كما مر "فإذا زادت على مائتين" ولو واحدة "إلى ثلاثمائة، ففيها ثلاث شياه، فإذا زادت على ثلاثمائة" مائة أخرى لا دونها، "ففي كل مائة شاة" ومقتضاه أن لا تجب الرابعة حتى توفي أربعمائة، وهو قول الجمهور، قالوا: وفائدة ذكر ثلاثمائة لبيان النصاب الذي بعده لكون ما قبله مختلفا، وعن بعض الكوفيين، كالحسن بن صالح، ورواية عن أحمد، إذا زادت على الثلاثمائة واحدة وجب أربع، "فإذا كانت سائمة الرجل، ناقصة عن أربعين شاة" تمييز "شاة" معمول ناقصة "واحدة" أعربه الزركشي صفة شاة الذي هو تمييز أربعين، ورده الدماميني بأنه لا فائدة في هذا الوصف مع كون شاة تمييز، وإنما واحدة منصوب على أنه مفعول ناقصة، أي صفة لمفعوله "فليس فيها" أيстр. 2218
صدقة إلا أن يشاء ربها.
ولا يجمع بين متفرق، ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عوار ولا تيس إلا أن يشاء المصدق.
الحواشي
(١) الناقصة واحدة، فأولى ما فوقها "صدقة إلا أن يشاء ربها" أن يطوع "ولا يجمع" بضم أوله وفتح ثالثة "بين متفرق" بتقديم التاء على الفاء، كما قال الحافظ وغيره "ولا يفرق" بضم أوله وفتح ثالثه مشددا "بين مجتمع خشية الصدقة" نصب مفعول لأجله تنازع فيه الفعلان.
قال الدماميني: ويحتمل أن التقدير لا يفعل شيء من ذلك خشية الصدقة، فيحصل المراد بلا تنازع انتهى.
قال مالك في الموطأ معنى هذا الحديث أن يكون النفر الثلاثة لكل واحد منهم أربعون شاة وجبت فيها الزكاة، فيجمعونها حتى لا يجب عليهم كلهم فيها إلا شاة واحدة، أو يكون للخليطين مائتا شاة وشاة، فيكون عليهما فيها ثلاث شياه، فيفرقوها حتى لا يكون على كل واحد إلا شاة واحدة.
وقال الشافعي: هو خطاب لرب المال من جهة، والساعي من جهة، فأمر كل واحد منهم أن لا يحدث شيئا من الجمع والتفريق خشية الصدقة، فرب المال يخشى أن تكثر الصدقة، فيجمع أو يفرق لتقل، والساعي يخشى أن تقل الصدقة، فيجمع أو يفرق لتكثير، فمعنى قوله خشية الصدقة، أي خشية أن تكثر الصدقة أو أن تقل الصدقة، فلما كان محتملا للأمرين لم يكن الحمل على أحدهما بأولى من الآخر، فحمل عليهما معا.
قال الحافظ: لكن الذي يظهر أن حمله على المالك أظهر، "وما كان من خليطين، فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية" يأتي بيانه في المصنف، "ولا يؤخذ في الصدقة هرمة".
قال الحافظ: بفتح الهاء وكسر الراء، كبيرة سقطت أسنانها، "ولا ذات عوار" بفتح العين المهملة وبضمها، وقيل بالفتح أي معيبة، وبالضم العور، واختلف في ضبطها، فالأكثر على أنه ما ثبت به الرد في البيع، وقيل ما يمنع الإجزاء في الأضحية، ويدخل في المعيب المريض، والصغير سنا بالنسبة إلى سن أكبر منه، "ولا تيس إلا أن يشاء المصدق".
قال الحافظ: اختلف في ضبطه، فالأكثر على أنه بالتشديد والمراد المالك، وهذا اختيار أبي عبيدة وتقديره لا يؤخذ هرمة. ولا ذات عيب أصلا، ولا يؤخذ التيس، وهو فحل الغنم، إلا برضا المالك لاحتياجه إليه، ففي أخذه بغير رضاه إضرار به، فالاستثناء مختص بالثالث، ومنهم من ضبطه بتخفيف الصاد، وهو الساعي، وكأنه أشير إلى التفويض إليه؛ لأنه كالوكيل، فلاстр. 2219
وفي الرقة ربع العشر، فإن لم تكن إلا تسعين ومائة فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها.
قوله وفي الرقة: الدراهم المضروبة، والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة من الورق. قاله ابن الأثير في الجامع. وقال في فتح الباري: هي بكسر الراء وتخفيف القاف: الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة.
ومنها كتاب الذي كان عند عمر بن الخطاب ﵁،
الحواشي
(١) يتصرف بغير مصلحة.
وهذا قول الشافعي في كتاب البويطي، وهو أشبه بقاعدته في تناول الاستثناء جميع ما قبله.
وعن الماليكة يلزم المالك أن يشتري شاة مجزئة تمسكا بظاهر هذا الحديث، وفي رواية أخرى عندهم كالأول انتهى، "وفي" مائتي درهم من "الرقة ربع العشرة" خمسة دراهم، وما زاد على المائتين فبحسابه فيجب ربع عشرة، وقال أبو حنيفة لا شيء على ما زاد عليها حتى يبلغ أربعين درهما فضة، ففيه درهم واحد، وكذا في كل أربعين، "فإن لم تكن" الرقة "إلا تسعين ومائة، فليس فيها صدقة" لعدم النصاب، وهذا يوهم أنهم إذا زادت ولم تبلغ مائتين أن فيها صدقة وليس كذلك، وإنما ذكر التسعين؛ لأنه آخر عقد قبل المائة، والحساب إذا جاوز الآحاد كان تركيبه بالعقود، كالعشرات والمئين والألوف، فذكر التسعين ليدل على أن لا صدقة فيما نقص عن المائتين، ويدل عليه قوله ﷺ : "ليس فيما دون خمس أواق صدقة".
رواه الشيخان، ذكره الحافظ وغيره "إلا أن يشاء ربها" أن يتطوع متبرعا "قوله، وفي الرقة" هي الدراهم المضروبة، والهاء فيه عوض عن الواو المحذوفة في الورق" نحو العدة والوعد.
"قاله ابن الأثير في الجامع" للأصول، فقيدها بالمضروبة، وهو أحد القولين في اللغة، لكنه ليس مراد الحديث، "و" لذا، "قال في فتح الباري، وهي بكسر الراء، وتخفيف القاف الفضة الخالصة سواء كانت مضروبة أو غير مضروبة" كما هو أحد القولين لغة، وهو المراد هنا، وبقية كلام الفتح، قيل أصلها الورق فحذفت الواو، وعوضت الهاء، وقيل تطلق على الفضة بخلاف الورق، فعلى هذا قيل الأصل في زكاة النقدين نصاب الفضة، فإذا بلغ الذهب ما قيمته مائتا درهم فضة خالصة، وجبت فيه الزكاة، وهو ربع العشر.
وهذا قول الزهري، وخالفه الجمهور انتهى، والله أعلم، "ومنها كتابه الذي كان عند عمر بن الخطاب ﵁" صريح في أنه غير الذي كتبه أبو بكر لأنس، وهو مقتضى تغايرстр. 2220
في نصب الزكاة وغيرها، كما رواه أبو داود والترمذي عن سالم عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄ قال: كتب ﷺ كتاب الصدقة ولم يخرجه إلى عمله وقرنه بسيفه حتى قبض، فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض وكان فيه:
في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان وفي خمس عشر ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه، وفي خمس
الحواشي
(١) ألفاظهما أيضا، ولا يرد أن الصديق عمل به حتى قبض؛ لأنه لا يقتضي اتحادا مع الأول "في نصب" بضمتين جمع نصاب، أي القدر المعتبر لوجوب "الزكاة وغيرها" وأل للجنس لا الاستغراق إذ لم يستوعب فيه جميع أنواع الزكاة، "كما رواه أبو داود والترمذي" وأحمد والحاكم، وغيرهم من طريق سفيان بن حسين، عن الزهري "عن سالم" بن عبد الله بن عمر القرشي العدو المدني، أحد الفقهاء السبعة أشبه إخوته بأبيه، كان من أفضل أهل زمانه أواسط التابعين "عن أبيه عبد الله بن عمر ﵄، قال" ابن عمر وتسمح من قال: سالم لا يخفي "كتب ﷺ كتاب الصدقة" فيه أن اسم الصدقة يقع على الزكاة خلافا لمن منع ذلك من الحنفية، وقد قال الله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ [التوبة: ١٠٣] وتعسف من أجاب عنهم باحتمال أن الزكاة لا تسمى صدقة حقيقة بل مجازا، فإن الأصل الحقيقة، "ولم يخرجه إلى عمله" لئلا يستغنوا بأخذ الأحكام منه عن مشافهته ﷺ ، وأخذها من لفظه اذي هو أرقى من الكتاب، وأما بعده فالرجوع إلى ما في الكتاب أولى من سؤال بعضهم لبعض، "وقرنه بسيفه"، أي وضعه في مرض في قراب سيفه.
قال ابن رسلان وحكمة ذلك الإشارة إلى أنها تؤخذ كرها وإن بقتال، ومن ثم أبو بكر، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلهم على منعها.
قال عمر: فما هو إلا أن رأيت أن الله شرح صدر أبي بكر للقتال، فعرفت أنه الحق، كما في الصحيح، واستمر مقرونا بالسيف "حتى قبض" فأخذه الصديق بعده هذا هو المتبادر، ويحتمل كما قال ابن رسلان أن يراد حتى شارف أن يقبض، وقارب وفاته، كما في قوله تعالى: ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣١] أي أشرفن على انقضاء العدة، وقربن منها "فعمل به أبو بكر حتى قبض، ثم عمل به عمر حتى قبض" ففي عملهما به أنه شرع باق لم ينسخ منه شيء إذ العمل بما نسخ حرام، "وكان فيه في خمس من الإبل شاة، وفي عشر شاتان، وفي خمس" بفتح السين "عشرة" بالفتح أيضا؛ لأن الاسمين يتركبان تركيب بناء، قاله ابن رسلان فنسخة، وفي خمسة عشر تصحيف "ثلاث شياه، وفي عشرين أربع شياه" إلى أربع وعشرين بدليل قوله، "وفي خمسстр. 2221
وعشرين بنت مخاض، إلى خمس وثلاثين، فإن زادت واحدة ففيها بنت لبون، إلى خمس وأربعين، فإن زادت واحدة ففيها حقة إلى ستين، فإن زادت واحدة ففيها جذعة، إلى خمس وسبعين فإن زادت واحدة ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنه لبون.
وفي الغنم في كل أربعين شاة إلى عشرين ومائة.. فإن زادت واحدة
الحواشي
(١) وعشرين بنت مخاض" وإلى هذا ذهب الجمهور، وجاء عن علي أنه في خمس وعشرين شاة، فإذا صارت ستا وعشرين كان فيها بنت مخاض.
أخرجه ابن أبي شيبة وغيره عنه موقوفا ومرفوعا، وإسناد مرفوع ضعيف "إلى خمس وثلاثين" فيه أنه لا يجب فيما بين العددين شيء غير بنت مخاض، خلافا لمن قال: كالحنفية تستأنف الفريضة، فيجب في كل خمس من الإبل شاة مضافة إلى بنت المخاص، "فإن زادت واحدة" بالرفع، قاله ابن رسلان، أي على العدد المذكور، فإن كان الرواية تعين، وإلا فيجوز نصبه على معنى زادت الإبل واحدة "ففيها بنت لبون" وفي نسخة ابنه، وهي أفصح من بنت لأنها مؤنث الابن، كما في المصباح "إلى خمس وأربعين" الغاية فيه، وفي نظائره داخلة في المغيا، فلا يتغير الواجب إلا بما زاد عليها بدليل قوله، "فإن زادت واحدة" بالرفع، كما ضبطه ابن رسلان.
أما رواية، أو جريا على أن زاد لازم، كما هو أحد الأقوال، وثانيها متعد لواحد، وثالثها لاثنين، فإيمانا في قوله تعالى: ﴿زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [الأنفال: ٢] ، حال على الثاني، ومفعول ثان على الثالث، "ففيها حقة إلى ستين فإن زادت واحدة، ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإن زادت واحدة، ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإن زادت واحدة، ففيها حقتان إلى عشرين ومائة، فإن كانت الإبل أكثر من ذلك"، بواحدة فصاعدا عند الجمهور، "ففي كل خمسين حقة، وفي كل أربعين ابنة لبون" وقال الإصطخري من الشافعية، إن زادت بعض واحدة على العشرين ومائة، فثلاث بنات لبون، وتتصور المسألة في الشركة.
قال الحافظ: ويرده ما في أبي داود وغيره في كتاب عمر المذكور، فإذا كانت الإبل إحدى وعشرين ومائة، ففيها ثلاث بنات لبون حتى تبلغ تسعا وعشرين ومائة، مقتضاه أن ما زاد على ذلك فزكاته بالإبل، خاصة وعن أبي حنيفة إذا زادت على عشرين ومائة رجعت إلى فريضة الغنم، فتكون في خمس وعشرين ومائة ثلاث بنات لبون وشاة، "وفي الغنم" لم يقيدها في هذا الحديث بالسائمة، ففيه إشارة إلى أنه جرى في الحديث السابق على الغالب، فلم يعتبر مفهومه، ولأنه مفهوم صفة "في كل أربعين شاة" تمييز "شاة" خبر "إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدة،стр. 2222
فشاتان، إلى مائتين فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك ففيها كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ المائة.
ولا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق مخافة الصدقة، وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة ولا ذات عيب.
قال الزهري: وإذا جاء المصدق قسم الشاء أثلاثا، ثلث خيار،
الحواشي
(١) فشاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين ففيها ثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإن كانت الغنم أكثر من ذلك" بمائة رابعة، "ففي كل مائة شاة شاة، ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ المائة" ففي الخمسمائة خمس، وهكذا وفيه أن ما بين النصب عفو لا زكاة فيه، وإليه ذهب الجمهور، وقال الشافعي في البويطي: الأربع شياه مثلا المأخوذة في أربع وعشرين من الإبل، مأخوذة عن الجميع، وإن كانت الأربع الزائدة وقصا، قال في الفتح، ويظهر أثر الخلاف فيمن له مثلا تسع من الإبل، فتلف منها أربعة بعد الحول، وقبل التمكن، فإن قلنا إنه شرط في الوجوب وجبت عليه شاة بلا خلاف، وكذا إن قلنا إنه شرط في الضمان، وإن قلنا يتعلق به الفرض، وجبت خمسة اتساع شاة، والأول قول الجمهور، كما نقله ابن المنذر، وعن مالك رواية كقول الشافعي، ولا يفرق بضم أوله وفتح ثالثه المثقل "بين مجتمع" بضم الميم الأولى وكسر الثانية، ولا يجمع بين متفرق، بتقديم التاء، وشد الراء وفي رواية مفترق بتأخير التاء، وخفة الراء، كما في الفتح وغيره، "مخالفة" بالنصب مفعول لأجله، بمعنى الرواية السابقة خشية "الصدقة" أي كثرتها أو تقليلها أو سقوطها، وإن قدر تغيير شمل الجميع، "وما كان من الخليطين" تثنية خليط، بمعنى مخالط، كنديم وجليس، بمعنى منادم وجالس، "فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية، ولا يؤخذ في الصدقة هرمة"، بفتح فكسر، وهي التي أضر بها الكبر، "ولا ذات عيب" عام على خاص، ومر بيانه.
"قال الزهي" محمد بن شهاب من عند نفسه بعد روايته: الحديث بيانا لمجمله في النهي عما يؤخذ فليس فصله للاختلاف في رفعه كما ظن تشبثا بقوله الآتي: ورواه يونس؛ لأن الآتي عائد لأصل الحديث، هل هو موصول أو مرسل، وهو مرفوع على كل حل، بخلاف قول الزهري: "وإذا جاء المصدق قسم الشاه أثلاثا" منها "ثلث خيار" صفة، لثلث أو خبر عنه بتقديرстр. 2223
وثلث أوساط، وثلث شرار، وأخذ من الوسط، رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن، قال: ورواه يونس وغير واحد عن الزهري عن سالم ولم يرفعه، انتهى.
قال ابن الأثير في النهاية: والخليط: المخالط، يريد به الشريك الذي يخلط ماله بمال شريكه، والتراجع بينهما هو أن يكون لأحدهما مثلا أربعون بقرة وللآخر ثلاثون بقرة ومالهما مختلط، فيأخذ الساعي عن الأربعين مسنة وعن الثلاثين تبيعا، فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على شريكه؛ لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع وكأن المال ملك واحد، انتهى.
الحواشي
(١) ثلث منها، "وثلث أوساط وثلث شرار" وهذا لفظ الترمذي، ولفظ أبي داود ثلثا شرار أو ثلثا خيار، أو ثلثا أوساطا، "وأخذ من الوسط" رفقا بالفريقين لقوله في حديث آخر، "وإياك وكرائم أموالهم".
"رواه أبو داود، والترمذي" أعاد عزوه لزيادته قوله، "وقال: حديث حسن، قال" الترمذي: "ورواه يونس" بن يزيد الأيلي أحد الحفاظ، "وغير واحد، عن الزهري، عن سالم، ولم يرفعه" وإنما رفعه سفيان بن حسين "انتهى" كلام الترمذي، ومراده بالرفع الوصل.
قال في الفتح: وسفيان بن حسين ضعيف في الزهري، وقد خالفه من هو أحفظ منه في الزهري، فأرسله، أخرجه الحاكم من طريق يونس بن يزيد عن الزهري، وقال: إن فيه تقوية لرواية سفيان بن حسين؛ لأنه قال عن الزهري: أقرأنيها سالم بن عبد الله، فوعيتها على وجهها، فذكر الحديث، ولم يقل إن ابن عمر حدثه به، ولهذه العلة لم يجزم به البخاري، بل قال: ويذكر عن سالم عن ابن عمر عن النبي ﷺ انتهى، فتحسين الترمذي له باعتبار شاهده، وهو حديث أنس عن أبي بكر الذي قبله، فإنه بمعناه "قال ابن الأثير في النهاية، والخليط المخالط" فعيل بمعنى اسم الفاعل، كنديم وجليس بمعنى منادم ومجالس "يريد به الشريك الذي يخلط ماله بمال شريكه" فهي شركة مجاورة لا شيوع.
"والتراجع بينهما هو أن يكون لأحدهما مثلا أربعون بقرة، وللآخر ثلاثون بقرة، وما لهما مختلط، فيأخذ الساعي عن الأربعين مسنة، وعن الثلاثين تبيعا" فيرجع باذل المسنة بثلاثة أسباعها على شريكه، وباذل التبيع بأربعة أسباعه على شريكه؛ لأن كل واحد من السنين واجب على الشيوع، كأن المال ملك واحد، انتهى" كلام ابن الأثير وسبقه إلى نحوه الخطابي، فقال:стр. 2224
وقال في فتح الباري: اختلف في المراد بالخليط، فعند أبي حنيفة أنه الشريك، واعترض عليه بأن الشريك لا يعرف عين ماله. وقد قال: إنهما يتراجعان بالسوية، ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكا قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ وقد بينه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ [ص: ٢٣] .
واعتذر بعضهم عن الحنفية: بأنهم لم يبلغهم هذا الحديث، أو رأوا أن الأصل قوله: ليس فيما دون خمس ذود صدقة، وحكم الخلطة يغاير هذا الأصيل، فلم يقولوا به، وقال أبو حنيفة: لا يجب على أحد منهم فيما يملك إلا مثل الذي يجب عليه لو لم يكن خلطة.
الحواشي
(١) قوله يتراجعان معناه أن يكون بينهما أربعون شاة مثلا، لكل واحد منهما عشرون قد عرف كل منهما عين ماله، فيأخذ الساعي من أحدهما شاة، فيرجع المأخوذ من ماله على خليطه بقيمة نصف شاة، وهذه تسمى خلطة الجوار انتهى، لكنه بنى مثاله على قول من لم يشترط أن يكون لكل نصاب.
"وقال في فتح الباري: اختلف في المراد بالخليط، فعند أبي حنيفة أنه الشريك، واعترض عليه بأن الشريك لا يعرف عين ماله"، لعدم تميزه عن مال شريكه حتى يرجع بحصة ما أخذ منه، "وقد قال: إنهما يتراجعان بينهما بالسوية" فلو كان كما قال لم يكن لتراجعهما بالسوية معنى اللهم إلا أن يجيب بأن التراجع بحسب الحساب، "ومما يدل على أن الخليط لا يستلزم أن يكون شريكا، قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ وقد بينه قبل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ﴾ فأفاده أن المراد بالخلطة مطلق الاجتماع لا الشركة، "واعتذر بعضهم عن الحنفية، بأنهم لم يبلغهم هذا الحديث" الذي هو قوله، وما كان من المخلطين إلخ، "أو" بلغة، ولكن "رأوا أن الأصل" في الزكاة "قوله" ﷺ في الموطأ والصحيحين من طريقة "ليس فيما دون خمس ذود صدقة" بفتح المعجمة، وسكون الواو بعدها مهملة، تقع على المذكر والمؤنث والجمع والمفرد، فلذا أضاف إليه خمس، "وحكم الخلطة يغاير هذا الأصل فلم يقولوا به" تقديما للأصل عليه.
"وقال أبو حنيفة: لا يجب على أحد منهم فيما يملك إلا مثل الذي يجب عليه لو لم يكن خلط" وتعقبه ابن جرير بأنه لو كان تفريقها مثل جمعها في الحكم لبطلت فائدة الحديث.стр. 2225
وقال سفيان الثوري: لا يجب حتى يتم لهذا أربعون شاة ولهذا أربعون شاة.
وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا، والخلطة عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل، والشركة أخص منها.
ومنها كتابة ﵊ إلى أهل اليمن، وهو كتاب جليل، فيه من أنواع الفقه في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق، وأحكام الصلاة في الثوب الواحد والاحتباء فيه، ومس المصحف وغير ذلك. واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات، رواه النسائي وقال: قد روى هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلا، وأبو حاتم في صحيحه وغيرهما متصلا عن
الحواشي
(١) "وقال سفيان الثوري" كما نقله عند عبد الرزاق والبخاري "لا تجب حتى يتم لهذا أربعون شاة، ولهذا أربعون شاة".
قال الحافظ: وبهذا قال مالك انتهى، فظاهره أن الشرط عند سفيان إنما هو أن يكون لكل نصاب، ثم يزكي على ما اقتضته الخلطة من تخفيف وتثقيل ومساواة، كما هو قول مالك.
وأما المصنف فقال: فيجب على كل شاة وهذا مذهب أبي حنيفة.
"وقال الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث: إذا بلغت ماشيتهما النصاب زكيا" وإن لم يكن لكل نصاب عملا بظاهر هذا الحديث، لكن قول مالك أرجح؛ لأن فيه الجمع بينه "و" بين حديثه ليس فيما دون خمس ذود صدقة، كما لا يخفى "الخلطة عندهم أن يجتمعا في المسرح والمبيت والحوض والفحل والشركة أخص منها" أي الخلطة؛ لأنها الاشتراك في المال على وجه الشيوع والخلطة شاملة لذلك وللمجاورة، "ومنها كتابه ﵊ إلى أهل اليمن، وهو كتاب جليل، فيه من أنواع الفقه" أنواع كثيرة منها "في الزكاة والديات والأحكام، وذكر الكبائر والطلاق والعتاق" بفتح العين مصدر عتق، كما في المصباح.
"وأحكام الصلاة في الثوب الواحد، والاحتباء فيه ومس المصحف، وغير ذلك، واحتج الفقهاء كلهم بما فيه من مقادير الديات" وهي التي ساقها المصنف من الكتاب للاختصار.
"رواه النسائي" متصلا، "وقال" بعده "قد روى هذا الحديث يونس عن الزهري مرسلا، و" رواه "أبو حاتم" بن حبان تلميذ النسائي فهو عطف على النسائي لا من مقولة "في صحيحه" المسمى بالأنواع والتقاسيم، "و" رواه "غيرهما" أي النسائي وأبي حاتم "متصلا" يتنازع فيه الثلاثةстр. 2226
أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن وكان في كتابه:
إن من اعتبط مؤمنا قتلا عن بينة فإنه قود إلا أن يرضى أولياء المقتول، وفيه: أن الرجل يقتل بالمرأة، وفيه: في النفس الدية مائة من الإبل وعلى أهل الذهب ألف دينا، وفي الأنف إذا أوعب جدعة الدية مائة من الإبل، وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفة.
الحواشي
(١) "عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم" الأنصاري النجاري بنون وجيم المدني القاضي اسمه وكنيته واحد، وقيل يكنى أبا محمد ثقة روى له الجميع عابد مات سنة ثلاث عشرة ومائة، وقيل غير ذلك "عن أبيه" محمد بن عمرو بن حزم، أبي عبد الملك المدني، له رؤية وليس له سماع إلا من الصحابة، قتل يوم الحرة سنة ثلاث وستين "عن جده" عمرو بن حزم بن زيد بن لوزان الأنصاري الصحابي الشهير، شهد الخندق فما بعدها، وكان عمل النبي ﷺ على نجران، مات بعد الخمسين، وقيل في خلافة عمر، وغلط قائله "أن رسول الله ﷺ كتب إلى أهل اليمن" بكتاب فيه الفرائض والسنن والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، فقدم به على أهل اليمن، وهذه نسخته بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد النبي إلى شرحبيل بن عبد كلال والحارث بن عبد كلال، ونعيم بن عبد كلال، قيل ذي رعين ومعافير وهمدان، أما بعد فذكر الحديث بطوله "وكان في كتابه أن من اعتبط" بعين مهملة، أي ذبح "مؤمنا" بلا جنابة "قتلا" مفعول مطلق؛ لأنه نوع منه "عن بينة، فإنه قود" جواب الشرط، وكان الظاهر أن يقال يقتص منه؛ لأنه سبب، فأقيم السبب وهو القود، أي الانقياد مقام المسبب، أي القصاص، كما قال الطيبي قال: والاستثناء في الحقيقة من المسبب، أي في قوله "إلا أن يرضى أولياء المقتول" وفي النهاية أي قتله بلا جناية منه، ولا جريرة توجب قتله، فإن القاتل يقاد به ويقتل، وكل من مات بلا علة، فقد اعتبط ومات فلان عبطة، أي شابا صحيحا، "وفيه أن الرجل يقتل بالمرأة" إذ هي نفس بنفس بشرط المساواة في الإسلام والحرية، "وفيه في" قتل "النفس" خطأ "الدية مائة من الإبل" على أهل الإبل، "وعلى أهل الذهب" كمصر "ألف دينار، وفي الأنف إذا أوعب"، أي استوعب "جدعه" بدال مهملة، أي استؤصل بحيث لم يبق منه شيء "الدية مائة من الإبل" على أهلها، "وفي اللسان الدية، وفي الشفتين الدية، وفي البيضتين الدية، وفي الذكر الدية، وفي الصلب الدية، وفي العينين الدية، وفي الرجل الواحدة نصف الدية، وفي المأمومة ثلث الدية، وفي الجائفةстр. 2227
ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد والرجل عشر من الإبل، وفي السن خمس من الإبل.
وفي رواية مالك: وفي العين خمسون، وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون وفي الموضحة خمس من الإبل.
ومنها كتابه إلى بني زهير.
الحواشي
(١) ثلث الدية وفي المنقلة خمس عشرة من الإبل، وفي كل إصبع من أصابع اليد، أو الرجل عشرة من الإبل، وفي السن خمس من الإبل" وتفاصيل هذا كله معلومة، وفي بعضها اختلاف بين الأئمة بحسب الفهم، كاللسان، ولولا أخرس أولا لأخرس، فقوله أولا احتج الفقهاء كلهم بما فيه، أي في الجملة، "وفي رواية مالك، وفي العين خمسون" من الإبل، وظاهره ولو لأعور، "وفي اليد خمسون وفي الرجل خمسون" يعني من الإبل في الثلاثة، "وفي الموضحة خمس من الإبل" وإنما ذكر المصنف هذه القطعة من الحديث تبركا، وللاتفاق على الأحكام التي فيه في الجملة، والله أعلم، "ومنها كتابه إلى بني زهير" بيض له المصنف، وقد روى أحمد وأبو داود والنسائي من طريق الجريري عن أبي العلاء، وهو يزيد بن عبد الله بن الشخير، قال: كنت في سوق الإبل، فجاء أعرابي أشعث الرأس معه قطعة أديم أحمر، أو جراب، فقال: أفيكم من يقرأ؟ قلت: نعم، فأخذته، فإذا فيه بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى بني زهير بن أقيش حي من عكل أنهم إن شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وفارقوا المشركين، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأقروا بالخمس من غنائمهم وسهم النبي ﷺ وصفيه، فإنهم آمنون بأمان الله ورسوله، فقلنا من كتب لك هذا الكتاب، قال: رسول الله ﷺ ، فقال له بعض القوم: هل سمعت منه شيئا تحدثناه؟ قال: سمعته يقول: $"من سره أن يذهب عنه كثير من وحر الصدر فليصم شهر الصبر، وثلاثة أيام من كل شهر"، فقال له القوم، أو بعضهم: أنت سمعت هذا منه ﷺ ، فقال: لا أراكم تتهموني أني أكذب على رسول الله ﷺ لأحدثنكم سائر اليوم، ثم انصرف.
وأخرجه ابن قانع والطبراني، وفيه فسألناه عنه، فقيل هذا النمر بن تولب، قال المرزباني: كان شاعرا فصيحا، وفد على النبي ﷺ وكتب له كتابا، ونزل البصرة، وكان جوادا، وعمر طويلا حتى أنكر عقله، فيقال إنه عاش مائتي سنة وأقيش بضم الهمزة وفتح القاف وسكون التحتية وشين معجمة قبيلة من عكل وهم أولاد عوف بن عبد مناف بن أد العكلي، حضنتهم أمهم فنسبوا إليها وحر الصدر غشه ووساوسه وقيل الحقد والغيظ والعداوة وقيل أشد الغضب.стр. 2228
الفهرس
...
No pages
стр. 2229
المجلد الخامس
تايع الفصل السادس: في أمرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام
وأما مكاتبته ﵊ إلى الملوك وغيرهم
...
تايع الفصل السادس: في أمرائه ورسله وكتابه وكتبه إلى أهل الإسلام في الشرائع والأحكام، ومكاتباته إلى الملوك وغيرهم من الأنام
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
[وأما مكاتبته ﵊ إلى الملوك وغيرهم] :
فروي أنه لما رجع ﵊ من الحديبية كتب إلى الروم، فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا أن يكون مختوما، فاتخذ خاتما من فضة ونقش فيه ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، و"الله" سطر، وختم به الكتاب.
وإنما كانوا لا يقرءون الكتاب إلا مختوما
الحواشي
(١) وفي القاموس النمر ككتف, ابن تولب، ويقال: النمر -بالفتح- شاعر للنبي ﷺ وسيذكر المصنف كتابه إلى بني نهد في المقصد الثالث، فذكره هنا في قوله: إلى بني زهير لا فائدة فيه؛ لأنهما غيران، والله أعلم.
"وأما مكاتباته ﵊" أي: بيان كتابته "إلى الملوك وغيرهم، فروي" عند ابن سعد وغيره عن ابن عباس "أنه لما رجع ﵊ من الحديبية" في ذي الحجة سنة ست، "كتب إلى الروم" يدعوهم إلى الإسلام، أي: أمر بالكتب، فكتب وأراد إرساله، "فقيل له: إنهم لا يقرءون كتابا إلا أن يكون مختوما، فأخذ خاتما من فضة"، هكذا في رواية ابن سعد وغيره، وروى ابن عدي في هذه القصة، أنه عمل له خاتما من حديد، فجاء جبريل، فقال: انبذه من أصبعك فنبذه، فعمل له خاتما من نحاس، فأمره جبريل، فنبذه، فعمل له خاتما من فضة، فأقره جبريل، فإن صحا، فاقتصر من اقتصر على الفضة؛ لأنه الذي استقر عليه أمره، "ونقش فيه ثلاثة أسطر من محمد سطر ورسول" بالتنوين وعدمه على الحكاية "سطر والله" بالرفع والجر على الحكاية "سطر" ولابن سعد من مرسل ابن سيرين باسم الله محمد رسول الله.
قال الحافظ: ولم يتابع على هذه الزيادة، وقول بعض الشيوخ -يعني الإسنوي: إن كتابته كانت من فوق، يعني الجلالة أعلى الأسطر الثلاثة، ومحمد أسفلها، فلم أر التصريح بذلك في شيء من الأحاديث، بل رواية الإسماعيلي يخالف ظاهرها ذلك، فإنه قال: محمد سطر، والسطر الثاني رسول، والسطر الثالث الله "وختم به الكتاب".
قال الحافظ: ولم تكن كتابة الخاتم على الترتيب العادي، فإن ضرورة الختم به تقتضي أن الأحرف المنقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا انتهى.
وهو تعويل على العادة وأحواله ﷺ خارجة عن طورها، بل في تاريخ ابن كثير عن بعضهم أن كتابته كانت مستقيمة، وكانت تطبع كتابة مستقيمة، وفي رواية ابن سعد وغيره، فخرج ستة نفر في يوم واحد، وأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم، "وإنما كانوا لا يقرءون الكتاب" إذا ورد عليهم، "إلا مختوما" بأن يطوى، ويجعل عليه ما يمنع فكه، ثمстр. 2230
خوفا من كشف أسرارهم، وللإشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم.
وعن أنس: إن ختم كتاب السلطان والقضاة سنة متبعة، وقال بعضهم: هو سنة لفعله ﷺ .
فكتب إلى قيصر، المدعو "هرقل" ملك الروم يوم ذاك، ثم قال بعد تمام الكتابة: "من ينطلق بكتابي هذا إلى هرقل وله الجنة"؟، فقالوا: وإن لم يصل يا رسول الله؟ قال: "وإن لم يصل"
الحواشي
(١) يختم عليه, "خوفا من كشف أسرارهم، وللإشعار بأن الأحوال المعروضة عليهم ينبغي أن تكون مما لا يطلع عليها غيرهم"، صونا لسورة الملك عن مشاركة العامة في أخبارهم.
"وعن أنس أن ختم كتاب السلطان"، أي: من له سلطنة، فيشمل الأمراء، "والقضاة سنة متبعة"، وقول الصحابي: من السنة، كذا له حكم الرفع، كما في الألفية وغيرها، فأفاد أنس أنه مطلوب، "و" لذا، "قال بعضهم: هو سنة لفعله ﷺ "، فمؤدى العبارتين واحد، لا أن قول أنس إخبار عن مجرد الاعتياد، وأن كلام بعضهم مقابل له كما توهم، ثم عطف على قوله: كتب إلى الروم من عطف المفصل على المجمل لبيان المكتوب له، منهم قوله: "فكتب إلى قيصر المدعو"، أي المسمى، "هرقل" بكسر الهاء، وفتح الراء، وسكون القاف على المشهور في الروايات، وحكى الجوهري وغيره سكون الراء، وكسر القاف، وجزم به القزاز وغيره، علم له غير منصرف للعلمية والعجمة ما في الفتح لقب قيصر بالقاف غير صافية في لغتهم من القصر، وهو القطع في لغتهم؛ لأن أحشاء أمه قطعت حتى خرج منها؛ لأنها لما طلقت به ماتت، فبقر بطنها عنه، فخرج حيا وكان يفخر بذلك، لأنه لم يخرج من فرج، وكان شجاعا جبارا مقداما في الحروب، كذا ذكره العيني وغيره، ولا يشكل بقولهم: قيصر اسما لكل ملك الروم؛ لأن المراد من هرقل فمن بعده، ولا يشكل بقوله: لله إذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده، لأن المراد في إقليمه الذي كان فيه، أو يملك مثله، أو غير ذلك مما أجابوا به "ملك الروم يوم ذاك" الكتب، وليس المراد خصوص يوم معين؛ لأن العرب تريد باليوم مطلق الزمن، وقد ذكروا أنه ملك الروم إحدى وثلاثين سنة، وفي ملكه مات ﷺ ، "ثم قال بعد تمام الكتابة: "من ينطلق بكتابي هذا إلى هرقل، وله الجنة" " مع السابقين، أو بلا حساب، "فقالوا: وإن لم يصل يا رسول الله" بأن منعه مانع من موت، أو غيره عن الوصول، "قال: وإن لم يصل"؛ لأن نيته الوصول، وهو خير من العمل، وفي رواية الحارث بن أبي أسامة بلفظ يقتل في الموضعين، ثم يحتمل أنه بفوقية من القتل، أو بموحدة من القبول، كأنهم استعظموا هذا الجزاء العظيم، وإن عاد الذاهب سالما، أو لم يقبل هرقلстр. 2231
فأخذه دحية بن خليفة الكلبي، وتوجه إلى مكان فيه هرقل، ولفظه:
باسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) الكتاب بأن لم يعمل به، فأخبرهم بذلك؛ لأنه رتب الجزاء على مجرد الانطلاق والقتل، أو القبول شيء آخر, "فأخذه دحية".
قال الحافظ: بكسر الدال وفتحها لغتان، ويقال: إنه الرئيس بلغة اليمن "ابن خليفة الكلبي" الصحابي الجليل، كان من أحسن الناس وجها، وأسلم قديما، "وتوجه به إلى مكان فيه هرقل"، وهو بيت المقدس، كما في الصحيح، وعنده في الجهاد أن الله لما كشف عن هرقل جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء شكرا لله.
زاد ابن إسحاق: فكان يبسط له البسط، وتوضع عليها الرياحين، فيمشي عليها.
وعند الطبري، وابن عبد الحكم من طرق متعاضدة أن كسرى أغزى جيشه بلاد هرقل، فخربوا كثيرا منها، ثم استبطأ كسرى أميره، فأراد قتله وتولية غيره، فاطلع أميره على ذلك، فباطن هرقل، واصطلح معه على كسرى، وانهزم عنه بجنوده، فمشى هرقل إلى بيت المقدس شكرا، وعند ابن إسحاق عن أبي سفيان: لما كانت الهدنة, خرجت تاجرا إلى الشام مع رهط قريش، فقال هرقل لصاحب شرطته: قلب الشام ظهر البطن حتى تأتي برجل من قوم هذا الرجل أسأله عن شأنه، فوالله إني وأصحابي بغزة إذ هجم علينا، فساقنا جميعا، فذكر الحديث بنحو ما في الصحيح أنهم أتوه، وهو بإيلياء، فدعاهم في مجلسه، وحوله عظماء الروم، وعليه التاج الحديث في الأسئلة والأجوبة، وفيه: ثم دعا بكتاب النبي ﷺ الذي بعث به دحية إلى عظيم بصرى، فدفعه إلى هرقل، فقرأه.
قال في الفتح: بصرى -بضم الموحدة والصر- مدينة بين المدينة ودمشق، وقيل: هي حوران وعظيمها هو الحارث بن أبي شمر الغساني، وفي الصحابة لابن السكن أنه أرسل بكتاب النبي ﷺ إلى هرقل مع عدي بن حاتم، وكان عدي إذ ذاك نصرانيا، فوصل به هو ودحية معا.
وروى البزار أن دحية نفسه ناول الكتاب لقيصر، ولفظه: بعثني ﷺ بكتاب إلى قيصر، فقدمت عليه، وأعطيته الكتاب، "ولفظه: بسم الله الرحمن الرحيم"، فيه استحباب تصدير الكتب بالبسملة، وإن كان المبعوث إليه كافرا، وأجيب عن تقديم سليمان اسمه بأنه إنما ابتدأه بالبسملة، وكتب اسمه عنوانا بعد ختمه؛ لأن بلقيس إنما عرفت كونه من سليمان بقراءة عنوانه، ولذا قالت: وإنه بسم الله الرحمن الرحيم، فالتقديم واقع في حكاية الحال "من محمد رسول الله ﷺ "، فيه أن السنة أن يبدأ الكاتب بنفسه، وهو قول الجمهور، بل حكى فيه النحاس إجماع الصحابة.
قال الحافظ: والحق إثبات الخلاف، وفيه أن من التي لابتداء الغاية تأتي في غير الزمانстр. 2232
وفي رواية البخاري: عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم, وفي رواية غير البخاري: إلى قيصر صاحب الروم, سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين.
الحواشي
(١) والمكان، كذا قال أبو حيان، والظاهر أنها هنا لم تخرج عن ذلك, لكن بارتكاب مجاز, انتهى.
ثم هذا لفظ رواية البخاري في التفسير، "وفي رواية البخاري" في بدء الوحي وفي الجهاد من محمد "عبد الله ورسوله"، وفيه إشارة إلى أن رسل الله وإن كانوا أكرم الخلق عليه، فهم مع ذلك مقرون بأنهم عبيده، وإلى بطلان ما تدعيه النصارى في عيسى ﵇، وفي رواية له أيضا من محمد بن عبد الله رسول الله "إلى هرقل عظيم الروم"، أي: المعظم عندهم بالخفض على البدل، ويجوز الرفع على القطع، والنصب على الاختصاص، "وفي رواية غير البخاري" كأبي نعيم وابن عساكر، وغيرهما من حديث دحية "إلى قيصر صاحب الروم"، ويحتمل الجمع بأنها بالمعنى، ورواية البخاري باللفظ لموافقة مسلم له، وهو يحافظ على اللفظ، ثم اتفق البخاري وغيره على قوله: "سلام"، وللبخاري في كتاب الاستئذان: السلام "على من اتبع الهدى"، أي: الرشاد.
قال الحافظ: وقد ذكرت هذه الجملة في قصة موسى وهارون مع فرعون، وظاهر السياق يدل على أنه من جملة ما أُمرا به أن يقولاه، فإن قيل: كيف يبدأ الكافر بالسلام؟ فالجواب أن المفسرين قالوا: ليس هذا من التحتية، إنما المراد سلم من عذاب الله من أسلم، ولذا جاء بعد أن العذاب على من كذب وتولى، وكذا في بقية هذا الكتاب، فإن توليت ... إلخ، فمحصل الجواب أنه لم يبدأ الكافر بالسلام قصدا، وإن كان اللفظ يشعر به، ولكنه لم يدخل في المراد؛ لأنه ليس ممن اتبع الهدى، فلم يسلم عليه، "أما بعد, فإني أدعوك بدعاية الإسلام" بكسر الدال من قولك: دعا يدعو دعاية نحو: شكا يشكو شكاية، ولمسلم بداعية الإسلام، أي: بالكلمة الداعية إليه، وهي شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والباء موضع إلى، كما في الفتح، وتبعه المصنف وغيره، قال شيخنا: ولا يتعين، بل يجوز بقاؤها على ظاهرها، والمعنى: أدعوك بالكلمة الدالة على طلب الإسلام منك، وحملك عليه، وما بعده بيان للكلمة التي دعا بها، وهو قوله: "أسلم" بكسر اللام "تسلم" بفتحها فيه غاية الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة وجمع المعاني، مع ما فيه من البديع، وهو الجناس الاشتقاقي، وهو رجوع اللفظين في الاشتقاق إلى أصل واحد "يؤتك الله أجرك مرتين" لإيمانه بنبيه، ثم بالنبي ﷺ وهو موافق لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] أو من جهة أن إسلامه يكون سببا لدخول أتباعه.
وللبخاري في الجهاد: أسلم تسلم، وأسلم يؤتك, بتكرار أسلم مع زيادة الواو في الثانية،стр. 2233
فإن توليت فإن عليك إثم الأريسين، ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله.
الحواشي
(١) فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .
قاله الحافظ بناء على قول جماعة من أهل التفسير: إنها خطاب للمؤمنين، أو على قول ابن عباس: إنها لمؤمني أهل الكتاب، فلا يعترض عليه بقول مجاهد: إن الآية في المنافقين، "فإن توليت" أعرضت عن الإجابة إلى الإسلام، وحقيقة التولي إنما هو بالوجه، ثم استعمل مجازا في الإعراض عن الشيء، وهو استعارة تبعية، "فإن عليك إثم الأريسين" جمع أريس، بوزن فعيل، وقد تقلب همزته ياء، وجاءت به رواية أبي ذر والأصيلي وغيرهما.
قال ابن سيده: الأريس: الأكار، أي: الفلاح عند ثعلب، وعند كراع: الأريس الأمير، وقال الجوهري: هي لغة شامية، وأنكر ابن فارس أن تكون عربية، وقيل في تفسيره غير ذلك، لكن هذا هو الصحيح هنا، فقد صرح به في رواية ابن إسحاق بلفظ: فإن عليك إثم الأكارين.
زاد البرقاني: يعني الحراثين، وعند المدائني: فإن عليك إثم الفلاحين، وعند أبي عبيد: وإن لم تدخل في الإسلام، فلا تحل بين الفلاحين وبين الإسلام.
قال أبو عبيد: المراد بهم أهل مملكته؛ لأن كل من كان يزرع، فهو عند العرب فلاح، سواء كان يلي ذلك بنفسه، أو بغيره، وقال الليث بن سعد عن يونس: الأريسون العشارون، يعني: أهل المكس، رواه الطبراني والأول أظهر، وهذا إن صح أنه المراد، فالمعنى المبالغة في الإثم، ففي الصحيح في المرأة التي اعترفت بالزنى: لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لقبل، "ويا أهل الكتاب"، هكذا رواية النسفي، والقابسي، وعبدوس بالواو داخلة على مقدر معطوف على أدعوك، أي: أدعوك بدعاية الإسلام، وأقول لك ولأتباعك امتثالا لقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: ٦٤] ، فليس بزيادة في التلاوة، إذ الواو إنما دخلت على محذوف، ولا يردان حذف المعطوف، وبقاء العاطف ممتنع؛ لأن محله إذا حذف المعطوف وجميع تعلقاته، أما إذا بقي شيء هو معمول للمحذوف، فيجوز نحو: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ .
قال الحافظ: ويحتمل أنها من كلام أبي سفيان، كأنه لم يحفظ جميع الألفاظ، فاستحضر منها صدر الكتاب، فذكره، فكأنه قال: كان فيه كذا، وكان فيه يا أهل الكتاب، قالوا: ومن كلامه لا من نفس الكتاب.
وذكر عياض أن الواو ساقطة من رواية الأصيلي، وأبي ذر: "تعالوا إلى كلمة سواء" سوية, "بيننا وبينكم" لا يختلف فيها القرآن والتوراة والإنجيل، هي "ألا نعبد إلا الله"، أي: نوحدهстр. 2234
ولا نشرك به شيئا, ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله، فإن تولوا فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون, رواه البخاري.
وكان ﷺ أرسل هذا الكتاب مع دحية في آخر سنة ست، بعد أن رجع من الحديبية، كما قاله الواقدي. ووقع في تاريخ خليفة أن إرساله كان سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلط لتصريح أبي سفيان بأن ذلك كان في مدة
الحواشي
(١) بالعبادة، ونخلص له فيها، "لا نشرك به شيئا"، لا نجعل غيره شريكا له في استحقاق العبادة، ولا نراه أهلا لأن يعبد، "ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله"، فلا نقول: عزير ابن الله، ولا المسيح ابن الله, ولا نطيع الأحبار فيما أحدثوه من التحريم والتحليل؛ لأن كلا منهم بشر مثلنا، "فإن تولوا" عن التوحيد، "فقولوا: اشهدوا بأنا مسلمون"، أي: لزمتكم الحجة، فاعترفوا بأنا مسلمون دونكم، أو اعترفوا بأنكم كافرون بما نطقت به الكتب، وتطابقت عليه الرسل.
قال الحافظ: وقد اشتملت هذه الجملة القليلة التي تضمنها بعض هذا الكتاب على الأمر بقوله: أسلم والترغيب بقوله: تسلم ويؤتك، والزجر بقوله: فإن توليت، والترهيب بقوله: فإن عليك، والدلالة بقوله: يا أهل الكتاب، وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا وهو كلام من أوتي جوامع الكلم ﷺ قال: واستنبط منه شيخنا، شيخ الإسلام، يعني البلقيني أن كل من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذبائح، لأن هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، بل ممن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال لهم: يا أهل الكتاب، فدل على أن لهم حكمهم، خلافا لمن خص ذلك بالإسرائيليين، أو بمن علم أن سلفه دخل اليهودية، أو النصرانية قبل التبديل.
"رواه البخاري" في مواضع كثيرة، وأخرجه مسلم في المغازي، وهو من جملة حديث طويل مشهور.
وعندي ابن أبي شيبة من مرسل ابن المسيب: أن هرقل لما قرأه، قال: هذا كتاب لم أسمعه بعد سليمان، كأنه يريد الابتداء بالبسملة، "وكان ﷺ أرسل هذا الكتاب مع دحية في آخر سنة ست, بعد أن رجع من الحديبية"، وكان وصوله إلى هرقل في المحرم سنة سبع، "كما قاله الواقدي" بما زدته، كما في الفتح قائلا: "ووقع في تاريخ خليفة" بن خياط بن خليفة العصفري البصري الحافظ, أحد شيوخ البخاري.
قال ابن عدي: له حديث وتاريخ حسن، وكتاب في طبقات الرواة، وهو مستقيم الحديث، صدوق متيقظ، مات سنة أربعين ومائتين، "أن إرساله كان سنة خمس، والأول أثبت، بل هذا غلط لتصريح أبي سفيان" بن حرب، راوي الحديث، "بأن ذلك كان في مدةстр. 2235
صلح الحديبية كما في حديث البخاري، في المدة التي كان ﵊ مادَّ فيها أبا سفيان وكفار قريش، يعني: مدة صلح الحديبية، وكانت سنة ست اتفاقا.
ولم يقل ﷺ إلى هرقل ملك الروم؛ لأنه معزول بحكم الإسلام، ولم يخله من الإكرام لمصلحة التأليف.
وقوله: يؤتك الله أجرك مرتين، أي: لكونه مؤمنا بنبيه ثم آمن بمحمد ﷺ .
وقوله: فإن عليك إثم الأريسين أي: فإن عليك مع إثمك إثم الأتباع, بسبب أنهم اتبعوك على استمرار الكفر.
الحواشي
(١) صلح الحديبية، كما في حديث البخاري" عن أبي سفيان: إن هرقل أرسل إليه في ركب من قريش، وكانوا تجارا بالشام "في المدة التي كان ﵊ مادّ" بشد الدال من مادد، فأدغم الأول في الثاني من المثلين، "فيها أبا سفيان، وكفار قريش"، بالنصب مفعولا معه، أو عطفا على المفعول به، أعني أبا سفيان، "يعني مدة صلح الحديبية، وكانت سنة ست اتفاقا"، فكيف يتأتى قول خليفة سنة خمس؟
"ولم يقل ﷺ إلى هرقل ملك الروم؛ لأنه معزول" عن الملك "بحكم الإسلام"، ولا سلطنة لأحد إلا من قبله ﷺ ، "و" لكنه "لم يخله من الإكرام"، ويذكر اسمه مجردا، بل قال: عظيم، أو صاحب "لمصلحة التأليف"، فلاطفه بالقول اللين، كما قال تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] ، وقال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾ [النحل: ١٢٥] ، "وقوله: يؤتك الله أجرك مرتين، أي: لكونه مؤمنا بنبيه" عيسى ﵇، "ثم آمن بمحمد ﷺ "، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] ، ويحتمل أن يكون تضعيف الأجر له من جهة إن إسلامه يكون سببا لدخول أتباعه، وصرح بذلك في حديث الشعبي، كما في الفتح، "وقوله: فإن عليك إثم الأريسين" بالهمزة، وفي رواية: اليريسين، بقلبها ياء، جمع يريس، بوزن كريم، وفي أخرى: اليريسيين بشد الياء بعد السين، جمع يريسيّ، وفي أخرى حكاها صاحب المشارق وغيره: الأرّيسين بشد الراء.
قال ابن الأعرابي: أرس يارس بالتخفيف فهو أريس, وأرّس بالتشديد يؤرس فهو أريس، وفي أخرى: الأرسين بتحتانية واحدة، وفي الكلام حذف دل عليه المعنى، "أي: فإن عليك مع إثمك إثم الأتباع, بسبب أنهم اتبعوك على استمرار الكفر"، فلأن يكون عليه إثم نفسه أولى, وهذا يعد من مفهوم الموافقة، ولا يعارض هذا قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ؛стр. 2236
وقيل: إنه ﵊ كتب هذه الآية: يعني ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ قبل نزولها، فوافق لفظه لفظها لما نزلت؛ لأن هذه الآية نزلت في قصة وفد نجران، وكانت قصتهم سنة.
الحواشي
(١) لأن وزر الآثم لا يتحمله عليه، ولكن الفاعل المتسبب، والمتلبس للسيئات يتحمل من وجهين؛ جهة فعله وجهة تسببه.
قال الخطابي: المراد: أن عليه إثم الضعفاء، والأتباع إذ لم يسلموا تقليدا له؛ لأن الأصاغر أتباع الأكابر.
وقال الأزهري: الأريس بالتخفيف والتشديد الأكابر لغة شامية، وكان أهل السواد أهل فلاحة، وكانوا مجوسا، وأهل الروم أهل صناعة، فأعلموا بأنهم، وإن كانوا أهل كتاب، فإن عليهم من الإثم إن لم يؤمنوا مثل إثم المجوس, انتهى.
وحكى غيره أن الأريسين ينسبون إلى عبد الله بن أريس، رجل كانت النصارى تعظمه، ابتدع في دينهم أشياء مخالفة لدين عيسى، وقيل: إنه من قوم بعث إليهم نبي فقتلوه، والتقدير على هذا: فإن عليك مثل إثم الأريسين.
وذكر ابن حزم أن أتباع عبد الله بن أريس كانوا أهل مملكة هرقل، ورده بعضهم بأنهم كانوا قليلا وما كانوا يظهرون، وكانوا ينكرون التثليث، وما أظن قول ابن حزم إلا عن أصل، فإنه لا يجازف في النقل انتهى، من فتح الباري في موضعين, وفيه زيادات حسان تركتها خوف الإطالة، وأيضا لما قدمته عنه أن الصحيح تفسيره بالفلاحين؛ لوروده في رواية أخرى كذلك، وبلفظ الأكارين، وهو بمعناه.
قال النووي: نبه بهم على بقية الرعية؛ لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقيادا.
قال الحافظ: ومراده أنه نبه بذكر طائفة من الطوائف على بقية الطوائف، كأن يقول: إذا امتنعت، فإن عليك إثم كل ممتنع بامتناعك، وكأن يطيع لو أطعت كالفلاحين، فلا يرد تعقب شيخنا البلقيني بأن من الرعايا غير الفلاحين من له قوة وعشيرة، فلا يلزم من دخول الفلاحين دخول بقية الرعايا حتى صح أنه نبه بذكرهم على الباقين.
نعم, قول أبي عبيدة: ليس المراد بالفلاحين الزارعين فقط، بل جميع أهل المملكة إن أراد على ما قررت به كلام النووي فمسلم وإلا فمعترض، "وقيل: إنه ﵊ كتب هذه الآية، يعني: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ﴾ قبل نزولها، فوافق لفظه لفظها لما نزلت"، كما نزل بموافقة عمر في الحجاب، وأسرى بدر, وعدم الصلاة على المنافقين, وغير ذلك، "لأن هذه الآية نزلت في قصة وفد نجران" بفتح النون وسكون الجيم: بلد قريب من اليمن، "وكانت قصتهم" وستأتي "سنةстр. 2237
الوفود سنة تسع، وقصة أبي سفيان هذه كانت قبل ذلك سنة ست. وقيل: نزلت في اليهود، وجوز بعضهم نزولها مرتين، وهو بعيد والله أعلم.
ولما قرئ كتاب النبي ﷺ .
الحواشي
(١) الوفود سنة تسع"، كما جزم به ابن سعد وغيره، "وقصة أبي سفيان هذه كانت قبل ذلك سنة ست" كما علم، وقيل: بل نزلت سابقة في أوائل الهجرة، وإليه يومئ كلام ابن إسحاق هكذا في الفتح قبل قوله: "وقيل: نزلت في اليهود"، فالقول الثالث عين مراد الثاني؛ ولذا قال: "وجوز بعضهم نزولها مرتين" مرة في أوائل الهجرة، وأخرى في سنة تسع, "وهو بعيد"؛ لأن الأصل عدم تكرار النزول، "والله أعلم" بما في نفس الأمر.
وهذا كلام الحافظ في الفتح، وقال ابن كثير: هذه القصة كانت بعد الحديبية وقبل الفتح، كما صرح به في هذا الحديث.
وقد ذكر ابن إسحاق وغيره أن صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها, نزلت في وفد نجران.
وقال الزهري: هم أول من بذل الجزية, ولا خلاف أن آية الجزية نزلت بعد الفتح، فما الجمع بين كتابة هذه الآية إلى هرقل، وبين ما ذكره ابن إسحاق والزهري، أجيب بأن قدوم وفد نجران كان قبل الفتح وبعد الحديبية. وما بذلوه كان مصالحة على المباهلة لا عن الجزية، ووافق نزول الجزية بعد ذلك على وفقه، وباحتمال تعدد النزول، واحتمال كتبها قبل نزولها, انتهى.
"ولما قرئ كتاب النبي ﷺ " بالبناء للمفعول، وعند الواقدي من مرسل محمد بن كعب القرظي، فدعا الترجمان الذي يقرأ بالعربية، فقرأه.
وعند البخاري في بدء الوحي والتفسير: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرأه، فظاهره أن هرقل هو الذي قرأه إلا أن تكون نسبة قراءته إليه مجازا لكونه الأمر به، والقارئ الترجمان، وللبخاري في الجهاد ما ظاهره أن قراءة الكتاب وقعت مرتين، ففي أوله، فلما جاء قيصر كتاب رسول الله ﷺ قال حين قرأه: التمسوا لي ههنا أحدا من قوه لأسألهم عنه، فذكر القصة إلى أن قال: ثم دعا بكتاب رسول الله ﷺ فقرئ.
قال في الفتح: والذي يظهر لي أن هرقل قرأه بنفسه أولا، ثم لما جمع قومه وأحضر أبا سفيان ومن معه، وسأله وأجابه, أمر بقراءة الكتاب على الجمع، ويحتمل أن المراد بقوله: أو لا حين قرأه، أي عنوانه؛ لأنه كان مختوما بختمه: محمد رسول الله، ولذا قال: إنه يسأل عن هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي، ويؤيده أن من جملة الأسئلة قول هرقل: بم يأمركم؟ فقال أبو سفيان:стр. 2238
غضب ابن أخي قيصر غضبا شديدا, وقال: أرني الكتاب، فقال له: وما تصنع به؟ قال: إنه بدأ بنفسه، وسماك صاحب الروم، فقال له عمه: والله إنك لضعيف الرأي، أتريد أن أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر، أو كلاما هذا معناه، أو قال: أن أرمي بكتاب لم أعلم ما فيه، لئن كان رسول الله, إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق, أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه.
الحواشي
(١) يقول: اعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا، وهذا بعينه في الكتاب، فلو كان قرأه ما احتاج إلى السؤال عنه إلا أن يكون مبالغة في تقريره, "غضب ابن أخي قيصر"، كما أخرجه الحسن بن سفيان، وسعيد بن منصور، عن دحية قال: بعثني النبي ﷺ إلى هرقل، فقدمت عليه، فأعطيته الكتاب، وعنده ابن أخ له, أحمر, أزرق, سبط الرأس، فلما قرئ الكتاب نخر ابن أخيه نخرة، فقال: لا تقرأه، فقال قيصر: لم؟ قال: لأنه بدأ بنفسه، وكتب صاحب الروم، ولم يقل: ملك الروم، قال: اقرأ فقرئ الكتاب.
وذكر المدائني أن القارئ لما قرأ من محمد رسول الله إلى عظيم الروم غضب أخو هرقل، واجتذب الكتاب، فقال له هرقل: ما لك؟ قال: بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم، قال: إنك لضعيف الرأي, أتريد أن أرمي الكتاب قبل أن أعلم ما فيه؟ لئن كان رسول الله لهو أحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق، أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكهم، ذكره في فتح الباري في التفسير، وعند ابن سعد في كتاب ملكي عثمان تسمية أخي قيصر يناق.
قال البرهان: بفتح التحتية، وشد النون، فألف، فقاف, لا أعرف له ترجمة، والظاهر هلاكه على دينه, انتهى.
فيحتمل أن الأخ وابن الأخ وقع من كل منهما ما ذكر، ولفق المصنف من كل منهما ناسبا لابن الأخ ما ذكره بقوله: "غضبا شديدا، وقال: أرني الكتاب، قال: وما تصنع به؟ قال: إنه بدأ بنفسه"، وعادة العجم إذا كتبوا إلى ملوكهم بدءوا باسم ملوكهم، وهذا خلاف العادة، فلا يقرأ كتابه، "وسماك صاحب الروم"، ولم يقل: ملك الروم، "فقال له عمه: والله إنك لضعيف الرأي"، قليل العقل، "أتريد أن أرمي بكتاب رجل يأتيه الناموس الأكبر" جبريل ﵇ بالوحي من الله، "أو كلاما هذا معناه"، والحاصل أنه لا يرمي به خوفا من تعجيل العقوبة لو فعل، "أو قال: أن أرمي بكتاب لم أعلم ما فيه"، ولا يليق هذا بعقل الملوك، ثم تنزل معه زيادة في توبيخه على ضعيف رأيه؛ لأن الخبر من حيث هو يحتمل الصدق، فقال: "لئن كان رسول الله, إنه لأحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق أنا صاحب الروم، والله مالكي ومالكه"، أي: الروم، وكأنه أفرد الضمير باعتبار لفظ الروم, ومر أن الرواية: مالكهم بالجمع، زاد في رواية: ولكن الله سخرهم لي، ولو شاءстр. 2239
ثم أمر بإنزال دحية وإكرامه, إلى أن كان من أمره ما ذكره البخاري في حديثه، انتهى.
الحواشي
(١) لسلَّطهم علي، كما سلط فارس على كسرى فقتلوه، ثم أخذ كتاب رسول الله ﷺ فوضعه على رأسه، ثم قبله وطواه في الديباج والحرير، وجعله في سفط، "ثم أمر بإنزال دحية وإكرامه".
قال دحية: ثم بعث إلي من الغد سرا، فأدخلني بيتا عظيما فيه ثلاثمائة وثلاث عشرة صورة، فإذا هي صور الأنبياء المرسلين، فقال: انظر أين صاحبك من هؤلاء؟ فرأيت صورة النبي ﷺ كأنه ينطق، قلت: هذا, قال: صدقت.
رواه أبو نعيم وغيره "إلى أن كان من أمره ما ذكره البخاري في حديثه" من أنه رجع إلى حمص، وجمع عظماء الروم في دار له، وقال: يا معشر الروم, هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وإن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي، فحاصوا حيصة حمر الوحش إلى الأبواب، فوجدوها قد غلقت، فقال: علي بهم، فقال: إني إنما اختبرت شدتكم على دينكم، فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له، ورضوا عنه، فكان ذلك آخر شأن هرقل "انتهى".
أي: فيما يتعلق بهذه القصة، خاصة المتعلقة بدعائه الإيمان؛ لأنه انقضى أمره حينئذ، ومات أو أطلق الآخرية بالنسبة إلى ما في علمه وهذا أوجه؛ لأنه قد وقعت له قصص أخرى من تجهيز الجيش إلى مؤتة، ومكاتبة النبي ﷺ ثانيا وهو بتبوك، وبعث به دحية أيضا، وإرساله إلى النبي ﷺ بذهب قسمه بين أصحابه، كما رواه ابن حبان.
وروى أحمد وأبو يعلى: قدم ﷺ تبوك، فبعث دحية إلى هرقل، فلما جاءه الكتاب دعا القسيسين والبطارقة، وأغلق عليهم وعليه، فقال: إن هذا الرجل يدعوني، ووالله لقد قرأتم فيما تقرءون من الكتب، ليأخذن ما تحت قدمي، فهلم إلى أن نتبعه، فنخروا نخرة رجل واحد حتى إن بعضهم خرج عن برنسه، فلما ظن أنهم أن خرجوا من عنده، أفسدوا عليه الروم، قال: إنما قلت لأعلم صلابتكم على أمركم الحديث، وقد تقدم بعضه في غزوة تبوك، وأن إرسال الهدية وكتابته إلى النبي ﷺ وبعثه رسوله التنوخي، إنما كان لما أرسل إليه، وهو ﵇ بتبوك، كما في الحديث، وبه جزم السهيلي.
قال في الفتح: روى ابن حبان أنه ﷺ كتب إليه بتبوك يدعوه إلى الإسلام، فقارب الإجابة ولم يجب، فدل على استمراره على الكفر، لكن يحتمل مع ذلك أنه كان يضمر الإيمان، ويفعل هذه المعاصي مراعاة لملكه، وخوفا من أن يقتله قومه، إلا أن في مسند أحمد أنه كتب من تبوك إلى النبي ﷺ : إني مسلم، فقال: كذب، بل هو على نصرانيته، ولأبي عبيد: كذب عدو الله ليس بمسلم، فإطلاق صاحب الاستيعاب أنه آمن، أي: أظهر التصديق، لكن لم يستمرстр. 2240
وكتب ﷺ إلى كسرى أبرويز بن هرمز بن أنوشروان ملك فارس:
بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله.
الحواشي
(١) عليه، ويعمل بمقتضاه، بل شح بملكه، وآثر الفانية على الباقية، ولو تفطن لقوله ﷺ : أسلم تسلم، وحمل الخبر على عمومه في الدنيا والآخرة لسلم، أو أسلم من كل ما يخافه، ولكن التوفيق بيد الله، واختلف الأخباريون: هل هو الذي حاربه المسلمون في زمن أبي بكر وعمر، أو ابنه، والأظهر أنه هو "انتهى".
"وكتب ﷺ إلى كسرى" بكسر الكاف وتفتح, لقب لكل من ملك الفرس، قال ابن الأعرابي: الكسر أفصح، واختاره أبو حاتم، وأنكره الزجاج، واحتج بأن النسبة كسروي بالفتح، ورده ابن فارس بأن النسبة قد يفتح فيها ما الأصل كسره أو ضمه، كما قالوا في بني تغلب بكسر اللام: تغلبي بفتحها، وفي سلمة كذلك، فلا حجة فيه على تخطئة الكسر.
قال في الفتح: ومعناه بالعربية المظفر "أبرويز"، بفتح الواو، وكسرها، ويقال له: أبرواز وآخره زاي معجمة كما في القاموس, ومقتضى قاعدته فتح همزته.
قال السهيلي في أوائل الروض: ومعنى أبرويز بالعربية المظفر، وهو الذي غلب على الروم حين أنزل الله: ﴿الم، غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ٢] انتهى, فعلى هذا، فكل من لفظ كسرى وأبرويز معناه المظفر "بن هرمز بن أنوشروان"، وهو كسرى الكبير المشهور، الذي بنى الإيوان، وملك ثمانيا وأربعين سنة، وقيل: إنه الذي كتب إليه -صلى لله عليه وسلم.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن النبي ﷺ أنذر بأن ابنه يقتله، والذي قتله ابنه هو كسرى أبرويز بن هرمز, "ملك فارس"، ولفظه فيما أخرجه الواقدي من حديث الشفاء بنت عبد الله "بسم الله الرحمن الرحيم"، قال في فتح الباري: لم تجر العادة الشرعية، ولا العرفية بابتداء المراسلات بالحمد، وقد جمعت كتبه ﷺ إلى الملوك وغيرهم، فلم يقع في واحد منها البداءة بالحمد، بل بالبسملة, "من محمد رسول الله" فيه البداءة باسم الكاتب قبل المكتوب إليه، وقد أخرج أحمد وأبو داود أن العلاء بن الحضرمي كتب إليه ﷺ وكان عامله على البحرين: من العلاء إلى محمد رسول الله، فبدأ بنفسه، وعند البزار أنه ﷺ وجه عليا وخالد بن الوليد, فكتب إليه خالد, فبدأ بنفسه, وكتب إليه علي, فبدأ برسول الله ﷺ فلم يعب على واحد منهما، وكتب ابن عمر إلى معاوية وعبد الملك، فبدأ بهما، وكذا جاء عن زيد بن ثابت إلى معاوية "إلى كسرى عظيم فارس، سلام" من عذاب الله "على من اتبع الهدى" الرشاد، "وآمن بالله ورسوله،стр. 2241
وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله ، فإني رسول الله إلى الناس كلهم؛ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن توليت فعليك إثم المجوس.
فلما قرئ عليه الكتاب مزقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: مزق ملكه.
الحواشي
(١) وشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله"، أكد في هذا الكتاب، وأوضح البيان؛ لأنهم مجوس، لا يقرءون الكتب، ولا يعرفون مدلولات الألفاظ بسرعة، بخلاف قيصر، فإنه كتابي قد قرأ الكتب، فلم يصح بدعائه إلى الشهادة له ﷺ بالرسالة؛ لكونه منطويا في قوله على من اتبع الهدى وأسلم، ودعاية الإسلام، فإن جميعه يتضمن الإقرار بالشهادتين، "أدعوك بدعاية الله " بكسر الدال، كما مر "فإني رسول الله إلى الناس كلهم"، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] ، "لينذر" الرسول وراعى نظم القرآن مع مراعاة لفظ رسول الله.
وفي نسخة: لأنذر، وهو الذي في العيون عن رواية الواقدي المذكورة على الاقتباس "من كان حيا" عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الأبدية بالإيمان، وتخصيص الإنذار به؛ لأنه المنتفع به، "ويحق القول" يجب كلمة العذاب "على الكافرين" المصرين عل الكفر، وجعلهم في مقابلة من كان حيا إشعارا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم أموات في الحقيقة، كما قال البيضاوي: "أسلم تسلم"، لم يقل: يؤتك الله أجرك مرتين، لأنه مجوسي، عابد لنا, لا كتاب له ولا دين، "فإن توليت، فعليك" مع إثمك "إثم المجوس" يعني أتباعه عبدة النار، واختلف هل كان لهم كتاب أم لا، فيروى عن علي: أنهم كان لهم كتاب فبدلوه، فأصبحوا وقد أسرى به.
رواه الإمام الشافعي، وقال: متصل، وبه نأخذ, ورد بأن في إسناده سعيد بن المرزبان ضعفه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن معين، وقال الفلاس: بالفاء متروك الحديث، وقال أبو أسامة: كان ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس.
وقال ابن القيم: الأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب، فرفع ورفعت شريعتهم، لما وقع ملكهم على بنته لا يصح البتة.
وعند الواقدي، قال عبد الله بن حذافة: فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه، فدفعت إليه الكتاب، "فلما قرئ عليه الكتاب مزقه"، أي: خرقه، "فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "مزق ملكه" " دعاء، أو إخبار بالغيب، ويؤيد الأول قوله الآتي: فدعا عليهم.стр. 2242
وفي البخاري من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق.
الحواشي
(١) "وفي البخاري" في العلم والجهاد والمغازي وغيرها من أفراده عن مسلم "من حديث" الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن "ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة" القرشي "السهمي"، أسلم قديما، وكان من المهاجرين الأولين، قيل: واختاره لتردده عليه كثيرا، "فأمره"، أي: أمر المصطفى عبد الله "أن يدفعه إلى عظيم البحرين" المنذر بن ساوى -بالمهملة وفتح الواو الممالة- العبدي نائب كسرى على البحرين، "فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى".
قال الحافظ: الفاء عاطفة على محذوف تقديره: فتوجه إليه، فأعطاه الكتاب، فأعطاه لقاصده عنده، فتوجه به، فدفعه إلى كسرى، ويحتمل أن المنذر توجه بنفسه، فلا يحتاج إلى القاصد، ويحتمل أن القاصد لم يباشر إعطاء كسرى بنفسه، كما هو الأغلب من حال الملوك، فيزداد التقدير ا. هـ، ولم يتنزل للجميع بينه وبين ما ذكره الواقدي أن عبد الله بن حذافة دفع الكتاب إلى كسرى؛ لأن مثله لا يعارض به ما في الصحيح، فإن كان محفوظا، فيحتمل أن عبد الله لما وصل إلى عظيم البحرين، أرسله أو ذهب به إلى كسرى، فاستأذن حتى دخل عليه، "فلما قرأه" رواية الكشميهني، وللأكثر، فلما قرأ بحذف المفعول، وفيه مجاز، فإنه لم يقرأه بنفسه، وإنما قرئ عليه، كما ذكر ابن سعد من حديث عبد الله بن حذافة، هكذا في الفتح، فقول المصنف: قرأه بنفسه، أو قرأه غيره عليه, فيه نظر, "مزقه" بزاي وقاف، أي: قطعه، وهذا لفظ البخاري هنا.
وفي كتاب العلم، وله في الجهاد خرقه بخاء معجمة، وشد الراء بدل مزقه، وهو قريب منه في المعنى، "فحسبت أن ابن المسيب"، قال الحافظ: قائله الزهري، وهو موصول بالإسناد المذكور، ووقع في جميع الطرق مرسلا، ويحتمل أن ابن المسيب سمعه من عبد الله بن حذافة صاحب القصة، "قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق" بفتح الزاي فيهما، أي: يتفرقوا ويتقطعوا، فاستجاب الله لرسوله، فسلط الله على أبرويز ابنه شيرويه، فقتله، ثم قتل إخوته، وكان أبوه لما علم أن ابنه يقتله, احتال على قتل ابنه بعد موته، فعمل في بعض خزائنه المختصة به حقا مسموما، وكتب عليه حق الجماع من تناول منه، كذا جامع، كذا, فقرأه شيرويه، فتناولстр. 2243
وقيل: بعثه مع عمر بن الخطاب ﵁، والذي في البخاري هو الصحيح.
وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد من مرسل عمير بن إسحاق, قال: كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه، فقال رسول الله ﷺ : "أما هؤلاء فيمزقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية".
الحواشي
(١) منه، فهلك بعد أبيه بستة أشهر، ولم يخلف ذكرا، فملكوا أخته بوران بضم الموحدة, ذكره ابن قتيبة في المعارف، ثم ملكوا أختها أزدميدخت، كما ذكره الطبري, فجر ذلك إلى ذهاب ملكهم ومزقوا، كما دعا به ﷺ هكذا في الفتح، ونقل غيره عن كتاب المعارف لابن قتيبة المذكور أنه تولى بعد شيرويه ابن عمه كسرى بن قياذ بن هرمز وأردشير بن شيرويه وجرهان، ثم ملك بعدهم بوران بنت كسرى، فبلغه ﷺ فقال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، "وقيل: بعثه"، أي الكتاب "مع عمر بن الخطاب ﵁"، أخرجه ابن عدي بسند ضعيف عن ابن عباس.
قال الحافظ: فإن ثبت, فلعله كتب إلى ملك فارس مرتين، "والذي في البخاري هو الصحيح"، وفي رواية عمر بن شبة أنه بعثه مع خنيس بن حذافة أخي عبد الله، وهو غلط، فإنه مات بأحد، فتأيمت منه حفصة، وبعث الرسل كان سنة سبع انتهى. وقيل: مع خارجة بن حذافة، ولا يصح لأن خارجة كما في الإصابة, من مسلمة الفتح والبعث كان قبله، وقيل: مع شجاع بن وهب وفيه نظر، فالمروي عند الطبراني وغيره أنه بعث شجاعا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وبعثهم كان في آن واحد، "وفي كتاب الأموال لأبي عبيد من مرسل عمير" بضم العين مصغرا "ابن إسحاق" أبي محمد، مولى بني هاشم, مقبول من الثالثة، كما في التقريب: قال: كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى، فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر, فلما قرأ الكتاب طواه، ثم رفعه، فقال رسول الله ﷺ : "أما هؤلاء -أي كسرى وقومه- فيمزقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية"، فكان كذلك، فعاش قيصر إلى زمان عمر سنة عشرين على الصحيح، وقيل: مات في زمنه ﷺ والذي حارب المسلمين بالشام ولده ولقبه أيضا قيصر.
وفي حديث التنوخي رسول هرقل أنه ﷺ قال له: "يا أخا تنوخ, إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه, والله ممزقه وملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة، فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير".стр. 2244
وروي أنه لما جاءه جواب كسرى قال: "مزق ملكه"، ولما جاءه جواب هرقل قال: "ثبت ملكه".
وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر ﵀ في فتح الباري عن سيف الدين قلج المنصوري، أحد أمراء الدولة القلاوونية، أنه قدم على ملك المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة، وأنه قبله وأكرمه، وقال: لأتحفنّك بتحفة سنية، فأخرج له صندوقا
الحواشي
(١) "وروي أنه لما جاءه جواب كسرى، قال: "مزق ملكه"، ولما جاءه جواب هرقل، قال: "ثبت ملكه" "، فذهب ملك كسرى أصلا، وبقي ملك قيصر، وإنما ارتفع من الشام وما والاها، وعبر بالملك نظرا للظاهر، فلا ينافي أنهما معزولان عن الملك بحكم الإسلام، ولا يرد على هذا حديث الصحيح: إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده؛ لأن المراد: لا يبقى قيصر بالشام، ولا كسرى بالعراق، كما نقل عن الشافعي، وقيل غير ذلك.
وفي حديث عبد الله بن حذافة: فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "اللهم مزق ملكه" وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتيا بخبره, فبعث باذان رجلين بكتاب إلى النبي ﷺ فقدما المدينة بكتابه، فتبسم ﷺ ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد، ثم قال: "ارجعا عني حتى تأتياني الغد" , فجاآه الغد, فقال لهما: "أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه في هذه الليلة لتسع ساعات مضت منها"، قال: وكان ذلك ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع، وإن الله سلط عليه ابنه شيرويه، فقتله، فانطلقا، فأخبراه، فقال باذان: إن يكن كما قال, فوالله إنه لنبي، ويأتي الخبر إلي بذلك يوم كذا، فأتاه الخبر كذلك، فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله ﷺ .
عن الزهري: بلغني أن كسرى كتب إلى باذان أن رجلا من قريش يزعم أنه نبي فسر إليه، فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه، فذكر القصة، قال: فلما بلغ باذان أسلم هو ومن معه.
"وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري" في حديث هرقل من بدء الوحي، قال: أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي، "عن سيف الدين قلج" بقاف ولام وجيم معناه سيف بالتركي "المنصوري، أحد أمراء الدولة القلاوونية أنه قدم على ملك المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة، وأنه قبله وأكرمه"، وعرض عليه الإقامة عنده فأبى، كما في الفتح، "وقال: لأتحفنك بتحفة" بضم التاء وفتح الحاء.
وحكى الصغاني سكونها "سنية، فأخرج له صندوقا" بضم الصاد، وقد تفتح، وبالزايстр. 2245
مصفحا بالذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب, فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر، أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا، انتهى.
وكتب ﷺ إلى النجاشي:
بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك.
الحواشي
(١) والسين لغات وجمعه: صناديق، كما في القاموس "مصفحا بالذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب"، بكسر الميم: وعاء الأقلام، كذا في المصباح، وانتقده شيخنا بأن المناسب لتفسيرها بالوعاء أن يكون بالفتح اسم مكان, أما بكسرها فيقتضي أنها اسم آلة, وهي الواسطة بين الفاعل ومن فعله القريب، "فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر, ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال"، أي: يدوم "الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى، ليدوم الملك فينا"، وسماه تحفة؛ لأنه من آثاره ﷺ فهو أعظم شيء يتحفه به, "انتهى".
قال في الفتح: ويؤيد هذا مرسل عمير بن إسحاق، فذكره، وقوله ﷺ : "إني كتبت إلى صاحبكم بصحيفة، فأمسكها، فما يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير"، فانظر تفاوت الناس، وكونهم معادن حتى في الكفر.
وقد روي أن كسرى أهدى له بغلة، وأعل بأنه مزق الكتاب، كما يأتي للمصنف في الفصل التاسع من ذا المقصد، وأجيب بجواز أن المهدي شيرويه ابنه أو غيره ممن تولى بعده، على أنه لا يلزم من التمزيق عدم الإهداء؛ لأنه مزقه لما جاءه للشقاوة التي كتبت عليه، ثم يحتمل أنه لما خلا بنفسه خاف لاستيقانه نبوته، فأهدى له البغلة والعلم لله، "وكتب ﷺ إلى النجاشي".
قال في الإصابة: بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب، وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها عن المطرزي وتشديد آخره.
وحكى المطري التخفيف، ورجحه الصغاني انتهى. وذكره الواقدي، ورواه البيهقي عن ابن إسحاق أن لفظه "بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى النجاشي ملكследующие страницы →