Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.
стр. 2241
وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله ، فإني رسول الله إلى الناس كلهم؛ لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين، أسلم تسلم، فإن توليت فعليك إثم المجوس.
فلما قرئ عليه الكتاب مزقه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: مزق ملكه.
الحواشي
(١) وشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله"، أكد في هذا الكتاب، وأوضح البيان؛ لأنهم مجوس، لا يقرءون الكتب، ولا يعرفون مدلولات الألفاظ بسرعة، بخلاف قيصر، فإنه كتابي قد قرأ الكتب، فلم يصح بدعائه إلى الشهادة له ﷺ بالرسالة؛ لكونه منطويا في قوله على من اتبع الهدى وأسلم، ودعاية الإسلام، فإن جميعه يتضمن الإقرار بالشهادتين، "أدعوك بدعاية الله " بكسر الدال، كما مر "فإني رسول الله إلى الناس كلهم"، كما قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] ، "لينذر" الرسول وراعى نظم القرآن مع مراعاة لفظ رسول الله.
وفي نسخة: لأنذر، وهو الذي في العيون عن رواية الواقدي المذكورة على الاقتباس "من كان حيا" عاقلا فهما، فإن الغافل كالميت، أو مؤمنا في علم الله، فإن الحياة الأبدية بالإيمان، وتخصيص الإنذار به؛ لأنه المنتفع به، "ويحق القول" يجب كلمة العذاب "على الكافرين" المصرين عل الكفر، وجعلهم في مقابلة من كان حيا إشعارا بأنهم لكفرهم، وسقوط حجتهم، وعدم تأملهم أموات في الحقيقة، كما قال البيضاوي: "أسلم تسلم"، لم يقل: يؤتك الله أجرك مرتين، لأنه مجوسي، عابد لنا, لا كتاب له ولا دين، "فإن توليت، فعليك" مع إثمك "إثم المجوس" يعني أتباعه عبدة النار، واختلف هل كان لهم كتاب أم لا، فيروى عن علي: أنهم كان لهم كتاب فبدلوه، فأصبحوا وقد أسرى به.
رواه الإمام الشافعي، وقال: متصل، وبه نأخذ, ورد بأن في إسناده سعيد بن المرزبان ضعفه يحيى بن سعيد الأنصاري وابن معين، وقال الفلاس: بالفاء متروك الحديث، وقال أبو أسامة: كان ثقة، وقال أبو زرعة: صدوق مدلس.
وقال ابن القيم: الأثر الذي فيه أنه كان لهم كتاب، فرفع ورفعت شريعتهم، لما وقع ملكهم على بنته لا يصح البتة.
وعند الواقدي، قال عبد الله بن حذافة: فانتهيت إلى بابه، فطلبت الإذن عليه حتى وصلت إليه، فدفعت إليه الكتاب، "فلما قرئ عليه الكتاب مزقه"، أي: خرقه، "فبلغ ذلك رسول الله ﷺ ، فقال: "مزق ملكه" " دعاء، أو إخبار بالغيب، ويؤيد الأول قوله الآتي: فدعا عليهم.стр. 2242
وفي البخاري من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي، فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى، فلما قرأه مزقه، فحسبت أن ابن المسيب قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق.
الحواشي
(١) "وفي البخاري" في العلم والجهاد والمغازي وغيرها من أفراده عن مسلم "من حديث" الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن "ابن عباس أن رسول الله ﷺ بعث بكتابه إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة" القرشي "السهمي"، أسلم قديما، وكان من المهاجرين الأولين، قيل: واختاره لتردده عليه كثيرا، "فأمره"، أي: أمر المصطفى عبد الله "أن يدفعه إلى عظيم البحرين" المنذر بن ساوى -بالمهملة وفتح الواو الممالة- العبدي نائب كسرى على البحرين، "فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى".
قال الحافظ: الفاء عاطفة على محذوف تقديره: فتوجه إليه، فأعطاه الكتاب، فأعطاه لقاصده عنده، فتوجه به، فدفعه إلى كسرى، ويحتمل أن المنذر توجه بنفسه، فلا يحتاج إلى القاصد، ويحتمل أن القاصد لم يباشر إعطاء كسرى بنفسه، كما هو الأغلب من حال الملوك، فيزداد التقدير ا. هـ، ولم يتنزل للجميع بينه وبين ما ذكره الواقدي أن عبد الله بن حذافة دفع الكتاب إلى كسرى؛ لأن مثله لا يعارض به ما في الصحيح، فإن كان محفوظا، فيحتمل أن عبد الله لما وصل إلى عظيم البحرين، أرسله أو ذهب به إلى كسرى، فاستأذن حتى دخل عليه، "فلما قرأه" رواية الكشميهني، وللأكثر، فلما قرأ بحذف المفعول، وفيه مجاز، فإنه لم يقرأه بنفسه، وإنما قرئ عليه، كما ذكر ابن سعد من حديث عبد الله بن حذافة، هكذا في الفتح، فقول المصنف: قرأه بنفسه، أو قرأه غيره عليه, فيه نظر, "مزقه" بزاي وقاف، أي: قطعه، وهذا لفظ البخاري هنا.
وفي كتاب العلم، وله في الجهاد خرقه بخاء معجمة، وشد الراء بدل مزقه، وهو قريب منه في المعنى، "فحسبت أن ابن المسيب"، قال الحافظ: قائله الزهري، وهو موصول بالإسناد المذكور، ووقع في جميع الطرق مرسلا، ويحتمل أن ابن المسيب سمعه من عبد الله بن حذافة صاحب القصة، "قال: فدعا عليهم رسول الله ﷺ أن يمزقوا كل ممزق" بفتح الزاي فيهما، أي: يتفرقوا ويتقطعوا، فاستجاب الله لرسوله، فسلط الله على أبرويز ابنه شيرويه، فقتله، ثم قتل إخوته، وكان أبوه لما علم أن ابنه يقتله, احتال على قتل ابنه بعد موته، فعمل في بعض خزائنه المختصة به حقا مسموما، وكتب عليه حق الجماع من تناول منه، كذا جامع، كذا, فقرأه شيرويه، فتناولстр. 2243
وقيل: بعثه مع عمر بن الخطاب ﵁، والذي في البخاري هو الصحيح.
وفي كتاب "الأموال" لأبي عبيد من مرسل عمير بن إسحاق, قال: كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر فلما قرأ الكتاب طواه ثم رفعه، فقال رسول الله ﷺ : "أما هؤلاء فيمزقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية".
الحواشي
(١) منه، فهلك بعد أبيه بستة أشهر، ولم يخلف ذكرا، فملكوا أخته بوران بضم الموحدة, ذكره ابن قتيبة في المعارف، ثم ملكوا أختها أزدميدخت، كما ذكره الطبري, فجر ذلك إلى ذهاب ملكهم ومزقوا، كما دعا به ﷺ هكذا في الفتح، ونقل غيره عن كتاب المعارف لابن قتيبة المذكور أنه تولى بعد شيرويه ابن عمه كسرى بن قياذ بن هرمز وأردشير بن شيرويه وجرهان، ثم ملك بعدهم بوران بنت كسرى، فبلغه ﷺ فقال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، "وقيل: بعثه"، أي الكتاب "مع عمر بن الخطاب ﵁"، أخرجه ابن عدي بسند ضعيف عن ابن عباس.
قال الحافظ: فإن ثبت, فلعله كتب إلى ملك فارس مرتين، "والذي في البخاري هو الصحيح"، وفي رواية عمر بن شبة أنه بعثه مع خنيس بن حذافة أخي عبد الله، وهو غلط، فإنه مات بأحد، فتأيمت منه حفصة، وبعث الرسل كان سنة سبع انتهى. وقيل: مع خارجة بن حذافة، ولا يصح لأن خارجة كما في الإصابة, من مسلمة الفتح والبعث كان قبله، وقيل: مع شجاع بن وهب وفيه نظر، فالمروي عند الطبراني وغيره أنه بعث شجاعا إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وبعثهم كان في آن واحد، "وفي كتاب الأموال لأبي عبيد من مرسل عمير" بضم العين مصغرا "ابن إسحاق" أبي محمد، مولى بني هاشم, مقبول من الثالثة، كما في التقريب: قال: كتب رسول الله ﷺ إلى كسرى وقيصر، فأما كسرى، فلما قرأ الكتاب مزقه، وأما قيصر, فلما قرأ الكتاب طواه، ثم رفعه، فقال رسول الله ﷺ : "أما هؤلاء -أي كسرى وقومه- فيمزقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقية"، فكان كذلك، فعاش قيصر إلى زمان عمر سنة عشرين على الصحيح، وقيل: مات في زمنه ﷺ والذي حارب المسلمين بالشام ولده ولقبه أيضا قيصر.
وفي حديث التنوخي رسول هرقل أنه ﷺ قال له: "يا أخا تنوخ, إني كتبت بكتاب إلى كسرى فمزقه, والله ممزقه وملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة، فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير".стр. 2244
وروي أنه لما جاءه جواب كسرى قال: "مزق ملكه"، ولما جاءه جواب هرقل قال: "ثبت ملكه".
وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر ﵀ في فتح الباري عن سيف الدين قلج المنصوري، أحد أمراء الدولة القلاوونية، أنه قدم على ملك المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة، وأنه قبله وأكرمه، وقال: لأتحفنّك بتحفة سنية، فأخرج له صندوقا
الحواشي
(١) "وروي أنه لما جاءه جواب كسرى، قال: "مزق ملكه"، ولما جاءه جواب هرقل، قال: "ثبت ملكه" "، فذهب ملك كسرى أصلا، وبقي ملك قيصر، وإنما ارتفع من الشام وما والاها، وعبر بالملك نظرا للظاهر، فلا ينافي أنهما معزولان عن الملك بحكم الإسلام، ولا يرد على هذا حديث الصحيح: إذا هلك كسرى، فلا كسرى بعده، وإذا هلك قيصر، فلا قيصر بعده؛ لأن المراد: لا يبقى قيصر بالشام، ولا كسرى بالعراق، كما نقل عن الشافعي، وقيل غير ذلك.
وفي حديث عبد الله بن حذافة: فلما بلغ ذلك رسول الله ﷺ قال: "اللهم مزق ملكه" وكتب كسرى إلى باذان عامله على اليمن أن ابعث من عندك رجلين جلدين إلى هذا الرجل الذي بالحجاز فليأتيا بخبره, فبعث باذان رجلين بكتاب إلى النبي ﷺ فقدما المدينة بكتابه، فتبسم ﷺ ودعاهما إلى الإسلام، وفرائصهما ترعد، ثم قال: "ارجعا عني حتى تأتياني الغد" , فجاآه الغد, فقال لهما: "أبلغا صاحبكما أن ربي قتل ربه في هذه الليلة لتسع ساعات مضت منها"، قال: وكان ذلك ليلة الثلاثاء لعشر مضين من جمادى الأولى سنة سبع، وإن الله سلط عليه ابنه شيرويه، فقتله، فانطلقا، فأخبراه، فقال باذان: إن يكن كما قال, فوالله إنه لنبي، ويأتي الخبر إلي بذلك يوم كذا، فأتاه الخبر كذلك، فبعث باذان بإسلامه وإسلام من معه إلى رسول الله ﷺ .
عن الزهري: بلغني أن كسرى كتب إلى باذان أن رجلا من قريش يزعم أنه نبي فسر إليه، فإن تاب وإلا فابعث إلي برأسه، فذكر القصة، قال: فلما بلغ باذان أسلم هو ومن معه.
"وذكر شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري" في حديث هرقل من بدء الوحي، قال: أنبأني غير واحد عن القاضي نور الدين بن الصائغ الدمشقي، "عن سيف الدين قلج" بقاف ولام وجيم معناه سيف بالتركي "المنصوري، أحد أمراء الدولة القلاوونية أنه قدم على ملك المغرب بهدية من الملك المنصور قلاوون، فأرسله ملك المغرب إلى ملك الفرنج في شفاعة، وأنه قبله وأكرمه"، وعرض عليه الإقامة عنده فأبى، كما في الفتح، "وقال: لأتحفنك بتحفة" بضم التاء وفتح الحاء.
وحكى الصغاني سكونها "سنية، فأخرج له صندوقا" بضم الصاد، وقد تفتح، وبالزايстр. 2245
مصفحا بالذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب, فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر، ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر، أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى ليدوم الملك فينا، انتهى.
وكتب ﷺ إلى النجاشي:
بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك.
الحواشي
(١) والسين لغات وجمعه: صناديق، كما في القاموس "مصفحا بالذهب، فأخرج منه مقلمة من ذهب"، بكسر الميم: وعاء الأقلام، كذا في المصباح، وانتقده شيخنا بأن المناسب لتفسيرها بالوعاء أن يكون بالفتح اسم مكان, أما بكسرها فيقتضي أنها اسم آلة, وهي الواسطة بين الفاعل ومن فعله القريب، "فأخرج منها كتابا قد زالت أكثر حروفه، وقد ألصقت عليه خرقة حرير، فقال: هذا كتاب نبيكم لجدي قيصر, ما زلنا نتوارثه إلى الآن، وأوصانا آباؤنا عن آبائهم إلى قيصر أنه ما دام هذا الكتاب عندنا لا يزال"، أي: يدوم "الملك فينا، فنحن نحفظه غاية الحفظ، ونعظمه ونكتمه عن النصارى، ليدوم الملك فينا"، وسماه تحفة؛ لأنه من آثاره ﷺ فهو أعظم شيء يتحفه به, "انتهى".
قال في الفتح: ويؤيد هذا مرسل عمير بن إسحاق، فذكره، وقوله ﷺ : "إني كتبت إلى صاحبكم بصحيفة، فأمسكها، فما يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير"، فانظر تفاوت الناس، وكونهم معادن حتى في الكفر.
وقد روي أن كسرى أهدى له بغلة، وأعل بأنه مزق الكتاب، كما يأتي للمصنف في الفصل التاسع من ذا المقصد، وأجيب بجواز أن المهدي شيرويه ابنه أو غيره ممن تولى بعده، على أنه لا يلزم من التمزيق عدم الإهداء؛ لأنه مزقه لما جاءه للشقاوة التي كتبت عليه، ثم يحتمل أنه لما خلا بنفسه خاف لاستيقانه نبوته، فأهدى له البغلة والعلم لله، "وكتب ﷺ إلى النجاشي".
قال في الإصابة: بفتح النون على المشهور، وقيل: تكسر عن ثعلب، وتخفيف الجيم، وأخطأ من شددها عن المطرزي وتشديد آخره.
وحكى المطري التخفيف، ورجحه الصغاني انتهى. وذكره الواقدي، ورواه البيهقي عن ابن إسحاق أن لفظه "بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى النجاشي ملكстр. 2246
الحبشة، أما بعد: فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم البتول الطيبة الحصينة، فحملت بعيسى فخلقه من روحه, ونفخه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني.
الحواشي
(١) الحبشة"، لم يقل: عظيم، كما قال في غيره، لما رأى فيه من العلامات الدالة على أنه يسلم، لما صنعه مع المسلمين الذين هاجروا إليه من الإحسان، ومنع الأذى ممن أراده بهم، ويحتمل أنه علم بالوحي أنه يسلم؛ فلذا وصفه بالملك.
وفي رواية الواقدي: سلم أنت بكسر فسكون، أي: مسالم أو مصالح، أو بمعنى الدعاء له أو البشارة بأن يكون ذا سلامة؛ لما علمه من صدقه ومحبته وحسن حاله، وللبيهقي عن ابن إسحاق سلام عليك، ولم يذكر هو، ولا الواقدي "أما بعد" بل عقب الواقدي قوله: سلم أنت، وابن إسحاق: سلام عليك بقوله: "فإني أحمد إليك الله" أي: أنهي إليك حمد الله "الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن"، هكذا ذكرهما في الكتاب ابن إسحاق والواقدي، فكأنهما سقطا من قلم المؤلف، "وأشهد أن عيسى ابن مريم روح الله"، أي: ذو روح أضيف إليه تعالى تشريفا له؛ لأنه أوجده بلا أب، أو لأنه يحيي الأموات أو القلوب، "وكلمته" هي قوله تعالى: ﴿كُنْ﴾ [آل عمران: ٥٩] ، فكان بشرا بلا أب، ولا واسطة، وقول البيضاوي: لعل جبريل تمثل لها بشرا سويا، خلقه شابا أمرد تستأنس بكلامه، لتهيج شهوتها، فتنحدر نطفتها إلى رحمها.
قال السيوطي: كان في غنية عن هذا الكلام الفاسد، ولكن هذا ثمرة التوغل في الفلسفة انتهى، "ألقاها" أوصلها "إلى مريم البتول"، المنقطعة عن الرجال التي لا شهوة لها فيهم، وسميت فاطمة الزهراء بذلك؛ لانقطاعها عن الدنيا إلى الله تعالى "الطيبة الحصينة" بفتح الحاء، وكسر الصاد المهملتين، العفيفة فعيلة بمعنى مفعلة، "فحملت بعيسى، فخلقه من روحه"، وسقط من نسخة: فخلقه، لكنها ثابتة عند ابن إسحاق والواقدي، "ونفخه" أي: الله تعالى، أي: نفخ رسوله جبريل، كما قال تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ [الأنبياء: ٩١] ، فأرسلنا إليها روحنا، فهو عطف تفسير للروح.
وفي القاموس: من جملة معانيها النفخ، "كما خلق آدم بيده"، بقدرته وقوته, إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم, خلقه من تراب, من تشبيه الغريب بالأغرب، ليكون أقطع للخصم، وأوقع في النفس، "وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له"، لا كما تزعمه النصارى من التثليث وغيره، "والموالاة" المتابعة والمناصرة "على طاعته، وأن تتبعني وتؤمن بالذي جاءني،стр. 2247
"فإني رسول الله، وإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، وقد بلَّغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي، وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرًا ومعه نفر من المسلمين، والسلام على من اتبع الهدى".
وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضمري، فقال النجاشي له عندما قرأ الكتاب: أشهد بالله أنه النبي الأميّ الذي ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار، كبشارة عيسى براكب الجمل، وأن العيان ليس بأشفى من الخبر عنه،
الحواشي
(١) "فإني رسول الله" إلى الناس كافة، "وإني أدعوك" و " أدعو " جنودك إلى الله تعالى"، أي: طاعته وعبادته، "وقد بلغت ونصحت" بضم التاءين على التكلم، "فاقبلوا" بهمزة وصل وفتح الموحدة "نصيحتي"، ففيها سعادة الدارين، "وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرًا"، قيل هذا في الهجرة الثانية إلى الحبشة في السنة السادسة من النبوة، وبعث الكتاب، كما يأتي كان في سنة ست من الهجرة، واستمرَّ جعفر مقيمًا بالحبشة حتى قدم في خيبر، "ومعه نفر من المسلمين"، وسقط قوله، وقد بعثت إلى هنا من رواية الواقدي، وثبت للبيهقي عن ابن إسحاق "والسلام على من اتبع الهدى" الرشاد، وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية الضميري" الصحابي المشهور.
قال ابن سعد: أسلم حين انصرف المشركون من أحد، كذا ذكر ابن عبد البر.
قال النووي: والمشهور أنه أسلم قديمًا، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة.
ذكر ابن إسحاق أن عمرًا قال له: يا أصحمة إن عليّ القول وعليك الاستماع، إنك كأنَّك في الرقة علينا منّا، وكأنَّا في الثقة بك منك؛ لأنا لم نظن بك خيرًا قط إلا نلناه منك، ولم نخفك على شيء قط إلا أمناه، وقد أخذنا الحجة عليك من فيك, الإنجيل بيننا وبينك شاهد لا يرد, وقاض لا يجور، وفي ذلك موقع الحز، وإصابة المفصل، وإلّا فأنت في هذا النبي الأمي، كاليهود في عيسى ابن مريم، وقد فرق النبي ﷺ رسله إلى الناس، فرجاك لما لم يرجهم له، وأمَّنك على ما خافهم عليه، لخير سالف، وأجر ينتظر، "فقال النجاشي له: عندما قرأ الكتاب، أشهد بالله إنه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتاب, وأن بشارة موسى براكب الحمار" عيسى ﵇، "كبشارة عيسى براكب الجمل" أحمد ﷺ ، "وأن العيان" بكسر العين المشاهدة له "ليس بأشفى من الخبر عنه"، لأن ما أعلمه من صفاته وأخباره بحقيقة الإسلام, وغير ذلك ثبت عندي، وتيقنته؛ بحيث لو عاينته لا أزداد من حيث العلم بتحققه شيئًا، فلا تعارض بين هذا، وبين قوله ﷺ : "ليس الخبر كالمعاينة، إن الله أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلقстр. 2248
ولكن أعواني من الحبش قليل، فأنظرني حتى أكثر الأعوان وألين القلوب".
ثم كتب النجاشي جواب الكتاب إلى النبي ﷺ .
بسم الله الرحمن الرحيم. إلى محمد رسول الله, من النجاشي أصحمة، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني للإسلام، أما بعد: فقد بلغني كتابك يا رسول الله، فما ذكرت من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ﵊ لا يزيد على ما ذكرت ثفروفا،
الحواشي
(١) الألواح، فلمَّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت"، رواه أحمد وغيره بسند صحيح عن ابن عباس؛ لأن معناه أن الخبر يفيد العلم بصفة إجمالية، والمعاينة تفيد حصولها وتصورها عند الرائي، وذلك لا يفيده الإخبار، أو الحديث حكم على المجموع، ومنه فعل موسى، وقول النجاشي، أي: عندي حق لو رأيته ما زدت على اليقين؛ كقوله: لو كشف الغطاء ما زددت يقينًا، "ولكن أعواني من الحبش قليل، فأنظرني" أخرني "حتى أكثر الأعوان وألين القلوب" إلى الإسلام.
قال ابن سعد: فأخذ الكتاب، ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره، فجلس على الأرض، ثم أسلم وشهد شهادة الحق، وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته، "ثم كتب النجاشي جواب الكتاب إلى النبي ﷺ : بسم الله الرحمن الرحيم، ابتدأ بها اقتداءً بكتاب المصطفى، لكنه تأدَّب، فلم يبدأ باسم نفسه، بل بالاسم الشريف، فقال: "إلى محمد رسول الله من النجاشي أصحمة" بوزن أربعة وحاؤه مهملة، وقيل معجمة، وقيل: إنه بموحدة بدل الميم، وقيل: صحمة بغير ألف، وقيل: كذلك، لكن بتقديم الميم على الصاد، وقيل: بزيادة ميم في أول بدل الألف.
نقله عن ابن إسحاق الحاكم في المستدرك، والمعروف عن ابن إسحاق الأوّل، ويتحصّل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ لم أرها مجموعة، قاله في الإصابة، وصوَّب النووي أولها، وقيل: اسمه سليم بضم السين، وقيل: حازم, "سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو الذي هداني للإسلام"، ذكر الله بالاسم الظاهر دون الضمير لقصد الالتذاذ بذكر الله وعظم شأنه، والثناء عليه تعالى:
أعد ذكر نعمان لنا أن ذكره ... هو المسك ما كررته يتضوع
"أما بعد, فقد بلغني كتابك يا رسول الله، فما ذكرت" فيه "من أمر عيسى، فورب السماء والأرض إن عيسى ﵊ لا يزيد على ما ذكرت ثفروقًا"، بضم المثلثة، وسكونстр. 2249
إنه كما ذكرت، وقد عرفنا ما بعثت به إلينا، فأشهد أنك رسول الله صادقًا مصدقًا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك, وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك ابني، وإن شئت أتيتك بنفسي فعلت، فإني أشهد أن ما تقوله حق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
ثم إنه أرسل ابنه.
الحواشي
(١) الفاء، وضم الراء، وسكون الواو، ثم قاف يأتي تفسيره بعلاقة ما بين النواة والقشر؛ "إنه كما ذكرت"، وأتى بهذا إعلامًا بأنه آمن إيمانًا صحيحًا، وأن ما أخبر به المصطفى عن عيسى موافق لما عندهم في الكتب، وتلقَّوه من الأحبار الذين لم يبدِّلوا؛ وأنه ليس كما زعم من ضلَّ من النصارى ابن الله، وليس إلهًا معه، ولا ثالث ثلاثة، فأقسامه على ذلك إذاعة الآية محمدية، وهي موافقة خبره لكتب الله المنزلة التي لم تبدّل "وقد عرفنا ما بعثت به إلينا"، وقد قرَّبنا ابن عمك وأصحابه، كما في الرواية، "فأشهد أنك رسول الله صادقًا مصدقًا، وقد بايعتك، وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين".
وروى أحمد بسند حسن عن ابن مسعود قصة بعث قريش عمرو بن العاص، وعمارة بن الوليد إلى النجاشي, ليرد أهل الهجرة إليهم, وفيها قول النجاشي: أنا أشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى في الإنجيل، والله لولا ما أنا فيه من الملك لأتيته، فأكون أنا الذي أحمل نعليه، وأوضئه، وإن ابن مسعود تعجّل، فشهد بدرًا، وقد أسلفت لفظ الحديث ثمة، فهو صريح في إسلامه قبل بعث الكتاب سنة ست، فيحتمل أنه أسلم، وكتمه عن قومه حتى بعث إليه الكتاب، فأعلن بالإيمان والعلم لله، "وقد بعثت إليك بابني" اسمه أرخى، كما في مغازي التيمي، أو أريخا، كما في دلائل البيهقي عن ابن إسحاق ذكره الإصابة, ودخول الباء على ما يصل بنفسه قليل, وأكثر اللغيين على تعدية بعث فيما يصل بنفسه، كزيد, وبالباء فيما لا يصل كالكتاب، كما قال أبو حيان، "وإن شئت أتيتك بنفسي" في موضع المفعول لشئت، أي: إتياني وجواب الشرط قوله، "فعلت، فإني أشهد أن ما تقوله حق، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته"، كرر السلام، وجعله ختام الكتاب زيادةً في الشوق والتماس الثواب.
وذكر ابن سعد أنه ﷺ بعث إليه مع عمرو بن أمية بكتابين, يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، والثاني أن يزوّجه أم حبيبة، وأن يبعث إليه مَن عنده من أصحابه، ويحملهم، فأسلم، وفعل ما أمر به، ودعا بحق عاج، فجعل فيه الكتابين، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرها، وجهَّزهم في سفينتين, في إحداهما جعفر ومن معه، "ثم إنه أرسل ابنه" فيстр. 2250
في أثر من أرسله من عنده مع جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله، فلمَّا كانوا في وسط البحر غرقوا، ووافى جعفر وأصحابه رسول الله ﷺ , وكانوا سبعين رجلًا عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة, وثمانية من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن, سورة يس إلى آخرها، فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى ﵊، وفيهم أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢] إلى آخر الآية؛ لأنهم كانوا من أصحاب الصوامع.
الحواشي
(١) ستين نفسًا في سفينة "في أثر من أرسله من عنده مع جعفر بن أبي طالب ابن عم رسول الله ﷺ ، فلمَّا كانوا في وسط البحر غرقوا"، يعني: ابنه والستين الذين معه، كما عند التيمي والبيهقي عن ابن إسحاق، ونجا أصحاب السفينة الأخرى، كما قال، "ووافى جعفر وأصحابه رسول الله ﷺ ، وكانوا سبعين رجل, عليهم ثياب الصوف, منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمانية من أهل الشام" كانوا عنده بالحبشة، وسمَّاهم قتادة، فقال: أبرهة، وإدريس، وأشرف، وأيمن، وبحيرًا، وتمام، وتميم، ونافع، وظن العز بن الأثير أن بحيرًا هو الراهب المشهور، والظاهر أنه غيره؛ لأنه ﷺ إنما رآه في أرض الشام، وهذا إنما هو بالحبشة, وابن الجنوب من الشمال، ولا مانع أن يسمى اثنان باسم واحد.
قاله في الإصابة, "فقرأ عليهم رسول الله ﷺ القرآن, سورة يس إلى آخرها"، بدل كل من كل, بناءً على المختار أن القرآن باللام للقدر المشترك بين جميعه وبعضه، وقيل: المعرَّف لجميعه، فهو بدل بعض من كل، "فبكوا حين سمعوا القرآن وآمنوا، وقالوا: ما أشبه" ما أشد شبه "هذا بما كان ينزل على عيسى ﵊"، لما علموه حين سمعوا القرآن من الأخبار عن عيسى ورسله والبعث, وغير ذلك من الآيات العجيبة، "وفيهم"، كما رواه ابن أبي حاتم وغيره، "أنزل الله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ﴾ أي الناس ﴿مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ إلى آخر الآية؛ لأنهم كانوا من أصحاب الصوامع، والتي بعدها ثناء عليهم أيضًا، ولنزولها فيمن أسلم منهم غير الأسلوب، فلم يقل النصارى، كما قال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ ، فمن بقي على نصرانيته لا يوصف بأنه قريب للمؤمنين، فضلًا عن كونه أقرب، لا كما يتوهم الجهلة من الآية، وليس قول قتادة نزلت في ناس من أهل الكتاب كانوا على شريعة الحق مما جاء به عيسى، فلمَّا بعث محمد ﷺ آمنوا به، وصدَّقوه مقابلًا لهذا، بل هو بمعناه غايته أنه أبهم أهل الكتاب، فيحمل على بيان ابن الزبير عند النسائي، وابن عباس عند الطبراني، وسعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم؛ أنها نزلت في أصحابстр. 2251
والثفروق: علاقة ما بين النواة والقمح.
وهذا هو أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون في رجب سنة خمس من النبوة، وكتب له النبي ﷺ كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضمري سنة ست من الهجرة، فآمن به وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة, ونعاه النبي ﷺ يوم توفي, وصلى عليه بالمدينة.
وأمَّا النجاشي الذي ولي بعده، وكتب له النبي ﷺ يدعوه إلى الإسلام
الحواشي
(١) النجاشي.
وقيل كما حكاه الخازن: نزلت في أربعين من بحران, واثنين وثلاثين من الحبشة, وثمانية من أهل الشام، ومحصله: أنها نزلت في أصحاب النجاشي، وشاركهم غيرهم، والاختلاف في عدة الحبشيين غير ضار، فالأقل داخل في الأكثر، "والثفروق علاقة ما بين النواة والقمح" من التمرة، وفي القاموس أنه قمع التمر، أو ما يلتزق به قمعها, ونحوه في الصحاح، فتفسير المصنف لا يوافق قولًا منهما إلا بجعل الإضافة بيانية، أي: علاقة هي شيء إلخ ... ، فيوافق الأول.
"وهذا" النجاشي "هو أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون في رجب سنة خمس من النبوة" الهجرة الأولى، ثم هاجروا إليه بعد ذلك بقليل الهجرة الثانية، كما مَرَّ تفصيله، "وكتب له النبي ﷺ ، كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام"، وكتابًا آخر بأن يزوّجه أم حبيبة، ويحمل إليه من عنده من أصحابه، وبعثهما "مع عمرو بن أمية" الضمري "سنة ست من الهجرة، فآمن به وأسلم على يد جعفر بن أبي طالب، وتوفي في رجب سنة تسع من الهجرة" عند الأكثر.
وقيل: سنة ثمان قبل فتح مكة، كما ذكره البيهقي في الدلائل، "ونعاه"، أي: أخبر بموته "النبي ﷺ يوم توفي, وصلى عليه بالمدينة"، وأخرج أصحاب الصحيح قصة صلاته عليه صلاة الغائب من طرق عن جابر: لما مات النجاشي قال ﷺ : "قد مات اليوم عبد صالح، يقال له أصحمة، فقوموا فصلوا" فصفنا خلفه.
وعند ابن شاهين والدارقطني عن أنس، قال ﷺ : "قوموا فصلوا على أخيكم النجاشي، فقال بعضهم: يأمرنا أن نصلي على علج من الحبشة، فأنزل الله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ " آل عمران: ١٩٩] إلى آخر السورة، وللدارقطني وغيره عن أبي هريرة، فوثب ﷺ ، ووثبنا معه حتى جاء المصلَّى، فقام، فصففنا وراءه، فكبَّر أربع تكبيرات.
وروى ابن إسحاق عن عائشة، لما مات النجاشي، كما نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور. أخرجه أبو داود، وترجم عليه النور يرى على قبر الشهداء.
"وأما النجاشي الذي ولي بعده، وكتب له النبي ﷺ " كتابًا "يدعوه إلى الإسلام"، روىстр. 2252
فكان كافرًا، لم يعرف إسلامه ولا اسمه، وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما.
وفي صحيح مسلم عن قتادة: أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي, وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله، وليس بالنجاشي الذي صلَّى عليه.
الحواشي
(١) البيهقي عن ابن إسحاق، قال: "هذا كتاب من النبي محمد ﷺ إلى النجاشي الأصحم، عظيم الحبشة، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله ورسوله، وشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، لم يتخذ صاحبة، ولا ولدًا، وأن محمد عبده ورسوله، وأدعوك بدعاية الله، فإني أنا رسوله، فأسلم تسلم، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم، أن لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا، فقولوا اشهدوا بأنَّا مسلمون، فإن أبيت فعليك إثم النصارى من قومك".
قال الحافظ ابن كثير: الظاهر أن هذا الكتاب إنما هو إلى النجاشي الذي ولي بعد المسلم صاحب جعفر، وذلك حين كتب إلى ملوك الأرض يدعوهم إلى الله قبل الفتح.
قال الزهري: كانت كتبه ﷺ واحدة، يعني: نسخة واحدة، وكلها فيها هذه الآية، وهي مدنية بلا خلاف. انتهى. ومراد الزهري: كتبه إلى أهل الكتاب، وهم النجاشيان، وهرقل، والمقوقس، وإلّا فكتاب كسرى وغيره ليس فيه الآية، كما يتلى عليك "فكان كافرًا لم يعرف إسلامه ولا اسمه"؛ لأن النجاشي اسم لكل من ملك الحبشة، وأما قوله في الكتاب: الأصحم، فقال ابن كثير: لعله مقحم من الراوي بحسب ما فهمه، "وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما"، فظنهما واحدًا، "وفي صحيح مسلم" ما يرد عليه، ويصرّح بأنهما اثنان؛ فإنه أخرج "عن قتادة" بن دعامة عن أنس "أن نبي الله ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار" عنيد، كما هو رواية مسلم، "يدعوهم إلى الله، وليس النجاشي الذي صلى عليه"، فصرَّح أنس بأنه غيره، كما هو الواقع عند مسلم لا قتادة، كما أوهمه المصنف، وقد كتب لكلٍّ منهما، كما بيّنَه البيهقي عن ابن إسحاق.
وروى الطبراني عن المسور، قال: خرج ﷺ إلى أصحابه، فقال: "إن الله بعثني للناس كافَّة، فأدوا عني، ولا تخلقوا علي"، فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وسليطًا إلى هوذة واليمامة، والعلاء بن المنذر بهجر، وعمرو بن العاص إلى جيفر وعبَّاد ابني الجلندي بعمّان، ودحية إلى قيصر، وشجاع بن وهب إلى ابن أبي شمر، وعمر بن أمية إلى النجاشي، فرجعوا جميعًا قبل وفاته ﷺ غير عمرو بن العاص.
قال في الفتح: وراد أصحاب السير أنه بعث المهاجر إلى الحارث بن عبد كلال، وجرير إلى ذي الكلاع، والسائب إلى مسيلمة، وحاطبًا إلى المقوقس، وبَيِّنَ أنس عند مسلم أنстр. 2253
وكتب ﷺ إلى المقوقس ملك مصر والإسكندرية, واسمه: جريج بن مينا.
"بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد عبد الله ورسوله، إلى المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك
الحواشي
(١) النجاشي الذي بعث إليه مع هؤلاء غير النجاشي الذي أسلم. انتهى، والله أعلم.
"وكتب ﷺ إلى المقوقس" بضم الميم، وفتح القاف، وسكون الواو، وكسر القاف الثانية، آخره مهملة.
قال البرهان: معناه: المطوّل البنّاء، وفي القاموس وحياة الحيوان: أنه لقب له، ولطائر مطوق طوقًا سواده في بياض، كالحمام، وليس فيهما ما يشعر بالوصف الذي ذكره البرهان، "ملك مصر والإسكندرية" بكسر الهمزة، وتفتح وسكون السين، والنون، وفتح الكاف، والدال المهملة، وبالراء, بلد على طرف بحر المغرب من آخر حدّ مصر, نسبت إلى بانيها الإسكندر الروميّ "واسمه جريج" بضم الجيم الأولى "ابن مينا" بن قرقوب أمير القبط بمصر, من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: حدثني المقوقس، قال: أهديت إلى النبي ﷺ قدح قوارير، فكان يشرب فيه، وأنكر ابن الأثير ذكره، فقال: لا وجه لذكره في الصحابة، فإنه لم يزل نصرانيًّا، ومنه فتح المسلمون مصر في خلافة عمر، ولم يصب من ذكره في الصحابة, انتهى.
"بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد عبد الله ورسوله"، وفي رواية: "من محمد رسول الله إلى المقوقس" لقبه، كما علم قبل، وهو لقب لكل من ملك مصر والإسكندرية، وقيل: ملك مصر والشام فرعون، فإن إضيف إليهما الإسكندرية، فالعزيز كما في سيرة مغلطاي، "عظيم القبط" بالكسر اسم لنصارى مصر, الواحد قبطي على القياس، كما في القاموس، "سلام على من اتبع الهدى" الرشاد، "أما بعد"، أي: مهما يكن من شيء، كما قال سيبويه، قال الكرماني: إن قلت أمَّا للتفصيل، فأين القسيم؟ قلت: التقدير، أمَّا الابتداء فاسم الله، وأما المكتوب، فهو من محمد إلخ ... ، وأما المكتوب به، فهو ما ذكر في الحديث.
قال الحافظ: وهو توجيه مقبول، لكنه لا يطَّرد في كل موضع، ومعناه: الفصل بين الكلامين، وقال العيني: هذا تعسّف وذهول، فإنَّ أمالها استعمالًا؛ لأن التفصيل، وهو الذي يطلب له القسيم، والآخر الاستئناف من غير أن يتقدَّمها كلام، كما هنا، ولم يقل أحد إنها في مثل هذا الموضع تقتضي القسيم، والتحقيق ما قلنا، كذا قال: فليتأمل، "فإني أدعوك بدعاية" بكسر الدال, كلمة التوحيد، وفي لفظ بداعية، أي دعوة "الإسلام, أسلم تسلم يؤتك" مجزوم جواب ثانстр. 2254
الله أجرك مرتين، فإن توليت فعليك إثم القبط، يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون".
وبعث به مع حاطب بن أبي بلتعة، فتوجه إليه
الحواشي
(١) للأمر، أو بدل اشتمال منه، أو معطوف عليه بحذف العاطف، فلا يرد أن جواب الأمر حصل بقوله تسلم، أو جواب لأمر محذوف هو: وأسلم يؤتك، كما في رواية أخرى، فكرَّر الأمر للتأكيد، أو الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه "الله أجرك مرتين".
قال ابن المنير: مؤمن أهل الكتاب لا بد أن يكون مؤمنًا بنبينا ﷺ ، لما أخذ الله عليهم من العهد والميثاق، فإذا بعث فإيمانه مستمر، فكيف يتعدّد إيمانه حتى يتعدّد أجره، ثم أجاب بأن إيمانه الأول، بأن الموصوف بكذا رسول، والثاني بأن محمدًا هو الموصوف، فظهر التغاير فثبت التعدد.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون تعدد أجره؛ لكونه لم يعاند كما عاند غيره ممن أضله الله على علم، فحصل له الأجر الثاني؛ لمجاهدته نفسه على مخالفة أنظاره، "فإن توليت فعليك" مع إثمك "إثم القبط"، والمراد: رعاياه الذين ينقادون له، سواء كانوا من القبط أو غيرهم، فنَبَّه بذكر طائفة على بقية الطوائف "يا أهل الكتاب" بواو وبدونها، كما أفاده البرهان، وقد صرَّح في الإصابة بأنَّ هذا الكتاب مثل الكتاب إلى هرقل, "تعالوا إلى كلمة سواء"، أي: عدل ونصف "بينا وبينكم"، نستوي نحن وأنتم فيها, صفة لكلمة مرادًا بها الجمل المفيدة، وفسرت بقوله: "أن لا نعبد إلا الله، ولا نشرك به شيئًا، ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله، فإن تولوا، فقولوا: اشهدوا بأنَّا مسلمون"، وختم الكتاب كما في الرواية، وحكمة كتب هذه الآية أنَّ القبط وعظيمهم نصارى، وقد جمع النصارى الثلاثة الأشياء المذكورة في الآية، فعبدوا غير الله، وهم اليعقوبية, فرقة منهم الذين قالوا: إن الله هو المسيح ابن مريم، وأشركوا به في العبادة غيره؛ كالذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ ، و ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ ، فاتبعوهم في تحليل ما حرم، وتحريم ما أحل "وبعث به مع حاطب ابن أبي بلتعة"، بفتح الموحدة، وسكون اللام، ففوقية، فمهملة مفتوحتين القرشي، مولاهم اللخمي، المتَّفق على شهوده بدرًا، "فتوجه إليه" وحده.
ذكر السهيلي؛ أنه ﷺ ، بعث معه جبرًا -بجيم وموحدة- مكبَّر, مولى أبي رهم الغفاري، وهو وَهْمٌ, فالذي في الاستيعاب والإصابة وغيرهما أن جبرًا كان من القبط، وأنه رسول المقوقس بمارية إليه ﷺ .стр. 2255
إلى مصر، فوجده بالإسكندرية، فذهب إليها، فوجده في مجلس مشرف على البحر، فركب سفينة إليه وحاذى مجلسه وأشار بالكتاب إليه، فلمَّا رآه أمر بإحضاره بين يديه، فلمَّا جيء به إليه، ووقف بين يديه، ونظر إلى الكتاب فضَّه وقرأه، وقال لحاطب: ما منعه إن كان نبيًّا أن يدعو عليَّ فيسلط علي؟ فقال له حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على من خالفه أن يسلط عليه؟ فاستعاد منه الكلام مرتين ثم سكت، فقال له حاطب:
إنه قد كان قبلك
الحواشي
(١) قال سعيد بن عفير: فالقبط تفتخر بأنه منهم, "إلى مصر" بدل الاشتمال من إليه على نية تكرار العامل، فلا يرد أن الفعل لا يتعدَّى بجر في جر، متحدين لفظًا ومعنًى, فلا يقال: مررت بزيد بعمر، وبخلاف مررت بزيد بالبرية، "فوجده بالإسكندرية، فذهب إليها، فوجده في مجلس مشرف" صفة، أي مطّلع "على البحر، فركب سفينة" وقصد بها "إليه، وحاذى مجلسه" مكان جلوسه، "وأشار بالكتاب إليه"؛ بأن جعله بين أصبعيه، وأشار به، "فلما رآه أمر بإحضاره بين يديه"، هكذا في رواية ابن عبد الحكم في فتوح مصر، ووقع في العيون: خرج حاطب إلى الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم يلبثه أن أوصل إليه الكتاب، ويحتمل الجمع بأنه لما خرج من السفينة لقيه الحاجب، فأوصله سريعًا إلى المقوقس؛ لعلمه بأمره بإحضاره، "فلمَّا جيء به إليه، ووقف بين يديه، ونظر في الكتاب فضَّه"، فك ختمه، كذا في كثير من النسخ بلا واو، وفي بعضها بها، وهي زائدة؛ لأنه جواب لما, "وقرأه، وقال لحاطب: ما منعه إن كان نبيًّا أن يدعو علي فيسلط علي، فقال له حاطب: وما منع عيسى أن يدعو على من خالفه أن يسلط عليه".
زاد ابن عبد الحكم، فوج له المقوقس، "فاستعاد منه الكلام مرتين" لينظر هل يتلعثم، وكأنَّه جوز أن جوابه أولًا اتفاقي، "ثم سكت" لما أفحمه بالحجة، وعند البيهقي عن حاطب، قال: بعثني ﷺ بكتاب إلى المقوقس، فجئته، فأنزلني في منزل، وأقمت عنده، ثم بعث إلي، وقد جمع بطارقته، وقال: إني سأكلمك بكلام، وأحب أن تفهمه مني، قلت: هلمّ، قال: أخبرني عن صاحبك أليس هو نبي؟ فقلت: بلى هو رسول الله، قال: فما له لم يدع على قومه حيث أخرجوه من بلده، فقلت له: أتشهد أن عيسى ابن مريم رسول الله، فما له حيث أخذه قومه، فأرادوا أن يصلبوه، أن لا يكون دعا عليهم، بأن يهلكهم الله حتى رفعه الله، فقال له: أحسنت, أنت حكيم جئت من عند حكيم، ولا يتوهم منافاة بين هاتين الروايتين، فإنه سأله بما ذكره المصنف حين جاء بالكتاب، ثم أنزله وأكرمه، ثم أحضره بعد مع بطارقته، فسأله عن هذا السؤال الثاني، ووعظه حاطب أوّل قدومه عليه لما سكت، "فقال له حاطب: إنه قد كان قبلك" بمصرстр. 2256
رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة والأولى، فانتقم به ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، ولا يعتبر غيرك بك.
قال: إن دينًا لن ندعه إلا لما هو خير منه.
فقال حاطب: ندعوك إلى دين الله وهو الإسلام الكافي به الله فَقْد ما سواه، إن هذا النبي ﷺ دعا الناس فكان أشدهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلّا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ ، وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلّا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، وكل نبي أدرك قومًا فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدرك هذا
الحواشي
(١) "رجل يزعم أنه الرب الأعلى" على من يلي أمركم، وهو فرعون، "فأخذه الله" أهلكه بالغرق "نكال"، أي: عقوبة، أي: جعله نكالًا، وعبرة لغيره "الآخرة"، أي: هذه الكلمة, "والأولى"، أي: قوله قبلها ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ ، وكان بينهما أربعون سنة، وقيل: الأولى الدنيا بالإغراق، والآخرة يوم القيامة بالإحراق، "فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك, ولا يعتبر غيرك بك"، بأن تفعل ما يوجب النقمة، فتصير عبرة لغيرك.
فالمراد نهيه عن كونه هذه الصفة، لا نهي غيره من الاعتبار به, إن لو وقع فيما يوجب النقمة، وسقط غيرك من العيون، فقال البرهان: بالبناء للمفعول على الأحسن، ويجوز بناؤه للفاعل، "قال: إن لنا دينًا لن ندعه إلّا لما هو خير منه، فقال حاطب: ندعوك إلى دين الله، وهو الإسلام" التوحيد المبعوث به الرسل من قبل، "الكافي به الله، فقد" بفتح الفاء، وإسكان القاف، ودال مهملة مفعول به "ما سواه"، أي المغني به عن غيره, الذي فقد بحيث لا يجوز التمسك به، ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ ، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ ، "إن هذا النبي ﷺ دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش" قومه حسدًا، وتكذيبًا بالحق مع اعترافهم به، "وأعداهم له يهود" بالرفع بلا تنوين، لأنه لا ينصرف للعلمية والتأنيث، مع تيقنهم أنه النبي المبشَّر به في كتبهم، "وأقربهم منه النصارى" الذين آمنوا به، "ولعمري ما بشارة موسى بعيسى" التي تحققتها أنت "إلّا كبشارة عيسى بمحمد ﷺ "، فيجب عليك اتباعه، "وما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلّا كدعائك أهل التوراة" بالنصب مفعول المصدر "إلى الإنجيل"، فكما تعتقد أن ذلك حق، يجب عليك أن تعتقد حقيقة الإسلام، وأن رسالة محمد ﷺ ثابتة يجب اتباعها، "وكل نبي أدرك قومًا فهم من أمته، فالحق" الثابت الواجب "عليهم أن يطيعوه، وأنت ممن أدرك هذاстр. 2257
النبي، ولسنا ننهاك عن دين المسيح, ولكننا نأمرك به.
فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي, فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، ولا ينهى عن مرغوب فيه، ولم أجده بالساحر الضال، ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء والإخبار بالنجوى وسأنظر.
الحواشي
(١) النبي"، فالحق عليك اتباعه، "ولسنا ننهاك عن دين المسيح" عيسى، ولكنَّا نأمرك به"؛ لأن من دينه الأمر باتباع المصطفى، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ "فقال المقوقس: إني قد نظرت في أمر هذا النبي، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه"، بل يأمر بما تفرح وترغب فيه القلوب النيرة، والعقول السليمة، وإنما يجحد بعضهم بطرًا وكبرًا، "ولا ينهى عن مرغوب فيه" عند أولي الألباب.
وفي الروض: ولا ينهى إلّا عن مرغوب عنه، "ولم أجده بالساحر الضال" لنفسه، ولغيره، "ولا الكاهن الكاذب، ووجدت معه آلة النبوة"، كذا في العيون، أي: علامتها, عَبَّرَ عنها بالآلة؛ لأنها سبب في تحقيقها وإظهارها، فأشبهت الآلة. وفي الروض: آية مفرد آي, وهي العلامة بلا تكلف, "بإخراج الخبء" بفتح الخاء المعجمة تليها موحدة فهمزة الغائب المستور، كأنه يشير إلى الإخبار بالمغيبيات، "والإخبار بالنجوى"، أي: يعلم ما يتناجون به حقيقة، وهو من جملة الأخبار بالغيب.
قال البيضاوي: والنجوى مصدر، أو جمع نجى، وفي المصباح ناجيته ساررته، والاسم النجوى، "وسأنظر"، وهذا علمه المقوقس من الأخبار الواردة عليه بذلك قبل كتابة المصطفى إليه, فقد ذكر الواقدي بإسناد له عن المغيرة بن شعبة في قصة خروجهم من الطائف إليه قبل إسلام المغيرة، قال: لما دخلنا عليه قال: ما صنعتم فيما دعاكم إليه محمد؟ قالوا: ما تبعه منّا رجل واحد، قال: كيف صنع قومه؟ قالوا: تبعه أحداثهم، وقد لاقاه من خالفه في مواطن كثيرة، قال: فإلى ماذا يدعو؟ قالوا: إلى أن نعبد الله وحده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا، ويدعو إلى الصلاة، والزكاة، وصلة الرحم، ووفاء العهد، وتحريم الزنا والربا والخمر، فقال المقوقس: هذا نبي مرسَل إلى الناس كافّة، ولو أصاب القبط والروم لاتبعوه، وقد أمرهم بذلك عيسى، وهذا الذي تصفون منه نعت الأنبياء من قبله، وستكون له العاقبة حتى لا ينازعه أحد، ويظهر دينه إلى منتهى الخف والحافر، فقالوا: لو دخل الناس كلهم معه ما دخلنا معه، فهزَّ المقوقس رأسه، وقال: أنتم في اللعب، ثم سألهم عن نحو ما وقع في قصة هرقل من سؤاله لأبي سفيان، وفي آخره: فما فعلت يهود يثرب، قلنا: خالفوه، فأوقع بهم، قال: هم قوم حسد، أما أنهم يعرفون من أمره مثل ماстр. 2258
وأخذ كتاب النبي ﷺ فجعله في حق من عاج ودفعه لجارية له، ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبي ﷺ .
بسم الله الرحمن الرحيم، لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك، أما بعد: فقد قرأت كتابك وفهمت ما ذكرت فيه وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًّا قد بقي، وكنت أظن أن يخرج بالشام، وقد أكرمت رسولك وبعثته إليك بجاريتين لهما مكان من القبط عظيم، وكسوة وأهديت إليك بغلة لتركبها والسلام.
الحواشي
(١) نعرف، "وأخذ كتاب النبي ﷺ " وضمَّه إلى صدره، وقال: هذا زمان النبي الذي نجد نعته في كتاب الله، رواه ابن عبد الحكم، "فجعله في حق من عاج"، ثم ختم عليه -كما في الرواية، "ودفعه لجارية له" لتحفظه، قال البرهان: لا أعرف اسمها، "ثم دعا كاتبًا له يكتب بالعربية"، قال البرهان: لا أعرف اسمه، "فكتب إلى النبي ﷺ " كتابًا صورته: "بسم الله الرحمن الرحيم, لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط, سلام عليك" كما في الرواية، فتأدَّب فقدَّم اسم المصطفى، ولم يصف نفسه بالملك، بل كتب مثل ما كتب له، "أما بعد, فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه، وما تدعو إليه، وقد علمت أن نبيًّا قد بقي" خاتم النبيين "وكنت أظن أن يخرج من الشام"؛ لأنه مخرج الأنبياء من قبله، "وقد أكرمت رسولك" بالضيافة، وقلة المكث عندي، وسرعة إذني في دخوله علي.
قال حاطب: وقد كان مكرمًا لي في الضيافة، وقلة اللبث ببابه, ما أقمت عنده إلّا خمسة أيام، وإن وفود العجم ببابه منذ شهرين وأكثر، وأمر لي بمائة دينار وخمسة أثواب، ذكره الواقدي وغيره، "وبعثته إليك بجاريتين" مارية وأختها سيرين، ولم يذكر الثالثة، وهي أختهما، فيصير بالصاد عند مغلطاي، والسين عند اليعمري وغيره، بل اقتصر عليهما لحسنهما وجمالهما، كما قال "لهما مكان من القبط عظيم, وكسوة" هي عشرون ثوبًا لينًا من قباطي مصر، كما أسلفه المصنّف في ترجمة مارية.
وروى ابن عبد الحكم مرسلًا؛ أنها بقيت حتى كفِّن ﷺ في بعضها، والصحيح ما في الصحيح عن عائشة: أنه كُفِّنَ في ثياب يمانية، "وأهديت إليك بغلة"، ذكرها في الكتاب؛ لأنها كانت من مراكبه، وهي دلدل، ولذا قال: "لتركبها", ولم يذكر فيه الحمار، وهو يعفور، ولا الألف مثقال ذهبًا، ولا العسل الذي من بنها -بكسر الموحدة وفتحها، كما تقدَّم في مارية، لحقارة ذلك عند الملوك، فلا يذكر في الكتب، وللطبراني عن عائشة أنه أهدى له مكحلة عيدانٍ شامية ومرآة ومشطًا "والسلام".стр. 2259
ولم يزد على هذا، ولم يسلم.
وكتب ﷺ إلى المنذر بن ساوى:
الحواشي
(١) وذكر الواقدي وابن عبد الحكم من طريق أبان بن صالح، قال: أرسل المقوقس إلى حاطب، فقال: أسألك عن ثلاث، فقال: لا تسألني عن شيء إلّا صدقتك، قال: إلام يدعو محمد، قلت: إلى أن يعبد الله وحده، ويأمر بخمس صلوات في اليوم والليلة، وصيام رمضان، وحج البيت، والوفاء بالعهد، وينهى عن أكل الميتة والدم, إلى أن قال: صفه لي، فوصفته، فأوجزت، قال: قد بقيت أشياء لم تذكرها: في عينيه حمرة، قلت: ما تفارقه, وبين كتفيه خاتم النبوة, يركب الحمار، ويلبس الشملة، ويجتزئ بالتمرات والكسر, لا يبالي من لاقى من عم ولا ابن عم، قلت: هذه صفته، قال: قد كنت أعلم أن نبيًّا قد بقي، وكنت أظن أن مخرجه من الشام، وهناك كانت تخرج الأنبياء قبله، فأراه قد خرج في أرض العرب في أرض جهد وبؤس، والقبط لا تطاوعني على اتباعه، وأنا أضنّ بملكي أن أفارقه، وسيظهر على البلاد، وينزل أصحابه من بعده بساحتنا هذه حتى يظهروا على ما ههنا، وأنا لا أذكر للقبط من هذا حرفًا، ولا أحب أن تعلم بمحاورتي إياك أحدًا.
قال حاطب: فذكرت قوله لرسول الله ﷺ ، فقال: ضنَّ الخبيث بملكه، ولا بقاء لملكه اهـ. فكان كما قال، "ولم يزد" المقوقس "على هذا، ولم يُسْلِم"، بل استمرَّ على نصرانيته حتى فتح المسلمون منه مصر في خلافة عمر، وغلط ابن الأثير وغيره من الحفَّاظ ابن منده وأبا نعيم وابن قانع في ذكرهم له في الصحابة تشبثًا بما أخرجوه من طريق ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله، قال: حدثني المقوقس، قال: أهديت إلى النبي ﷺ قدح قوارير، فكان يشرب فيه، ولا أدري ما وجه إثباتهم الصحبة له من هذا الخبر، فإنه بفرض أن التصلية منه لا يلزم إسلامه؛ لأن النصارى تعترف بنبوته فيصلون عليه، ويزعمون أنها إلى العرب، ولم يقل أحد أنه سافر واجتمع بالنبي ﷺ , حتى يكون صحابيًّا، فما هذا إلّا غلط على غلط، "وكتب ﷺ إلى المنذر بن ساوى" بن الأخنس بن بيان بن عمرو بن عبد الله بن زيد بن عبد الله بن دارم التميمي الدارمي العبدي؛ لأنه من ولد عبد الله بن دارم المذكور لا من عبد القيس، كما ظنَّه بعض الناس، أفاد ذلك الرشاطي.
روى إسحاق بن راهويه، ومن طريق الطبراني وابن قانع من سليمان بن نافع العبدي عن أبيه، قال: وفد المنذر بن ساوى من البحرين ومعه أناس، وأنا غليم أمسك جمالهم، فذهبوا بسلاحهم، فسلَّموا على النبي ﷺ ، ووضع المنذر سلاحه، ولبس ثيابًا كانت معه، ومسح لحيته بدهن، فأتى نبي الله، وأنا مع الجمال أنظر إلى نبي الله.стр. 2260
ذكر الواقدي بإسناده عن عكرمة قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته، فنسخته فإذا فيه:
بعث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى, وكتب إليه كتابًا يدعوه فيه الإسلام. فكتب المنذر إلى رسول الله ﷺ : أما بعد، يا رسول الله, فإني قد قرأت كتابك على أهل البحرين، فمنهم من أحبَّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه، ومنهم من كرهه، وبأرضي يهود ومجوس، فأحدث إلي في ذلك أمرك.
فكتب إليه في ذلك رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم، من
الحواشي
(١) قال المنذر: قال لي ﷺ : رأيت منك ما لم أر من أصحابك، فقلت: أشيء جبلت عليه أو أحدثته، قال: لا، بل جبلت عليه، فأسلموا، قال سليمان: وعاش أبي مائة وعشرين سنة، قال في الإصابة: ولم يثبت ذلك الأكثر، بل قالوا: لم يكن في الوفد، وإنما كتب معهم بإسلامه، وسليمان ذكره ابن أبي حاتم عن أبيه، ولم يذكر فيه جرحًا، والقصة معروفة للأشج، واسمه المنذر بن عائذ، وأظنّ سليمان وَهِمَ في ذكر سن أبيه؛ لأنه لو كان غلامًا سنة الوفود، وعاش هذا القدر لبقي إلى سنة عشرين ومائة، وهو باطل، فلعلّه قال مائة وعشر؛ لأن أبا الطفيل آخر الصحابة موتًا، وأكثر ما قيل في عام موته سنة عشر ومائة, انتهى. ومع هذا، فذكر المنذر بن ساوى في القسم الأول موافقة للأقل، ثم في القسم الثالث موافقة للأكثر.
و"ذكر الواقدي بإسناده عن عكرمة، قال: وجدت هذا الكتاب في كتب ابن عباس بعد موته فنسخته" نقلته, "فإذا فيه بعث رسول الله ﷺ العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى، وكتب إليه كتابًا يدعوه فيه إلى الإسلام"، لم نر من ذكر لفظ هذا الكتاب، فإنما هذا إخبار بشيء مما اشتمل عليه الكتاب، كما تقول: قرأت القرآن، فوجدت فيه أمر الساعة، وبَعْث من في القبور, وغير ذلك, مع أنك لم تذكر شيئًا من القرآن، "فكتب المنذر" لما وصل إليه الكتاب وآمن, "إلى رسول الله ﷺ : أما بعد يا رسول الله، فإني قرأت كتابك على أهل البحرين" كتثنية بحر في حال النصب والجر، قاعدة من قواعد اليمن، وعمل من أعمالها، كذا في النور، ولا يخالفه قول المصنف كغيره إن البحرين اسم لإقليم مشهور، مشتمل على مدن معروفة, قاعدتها هجر؛ لأن المراد بالقاعدة الجانب الكبير، كالإقليم، فلا ينافي أن هجر قاعدة من قواعده، "فمنهم من أحبَّ الإسلام وأعجبه ودخل فيه"، أي: آمن, "ومنهم من كرهه" فلم يدخل فيه, "وبأرضي يهود ومجوس" باقين على كفرهم، "فأحدث" بهمزة قطع وكسر الدال: ابعث "إليَّ في ذلك أمرك" أفعل فيهم، "فكتب إليه في ذلك رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم، منстр. 2261
محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى، سلام عليك, فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمدًا رسول الله. أما بعد، فإني أذكِّرك الله ، فإنه من ينصح فإنما ينصح لنفسه، وأنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم فقد أطاعني، ومن نصح لهم فقد نصح لي، وإن رسلي قد أثنوا عليك خيرًا،
الحواشي
(١) محمد رسول الله إلى المنذر بن ساوى, سلام عليك" خاطبه بالسلام؛ لأن هذا الكتاب كما ترى بعد إسلامه، "فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"، لعله قصد بكتب الشهادتين تعليمهم إياهما، "أما بعد".
قال في فتح الباري: اختلف في أول من قالها، فقيل: داود ﵇، وقيل: يعرب بن قطحان، وقيل: كعب بن لؤي، وقيل: قس بن ساعدة، وقيل: سحبان.
وفي غرائب مالك للدارقطني: أن يعقوب ﵇ قالها، فإن ثبت وقلنا: إن قحطان من ذرية إسماعيل، فيعقوب أوّل من قالها مطلقًا، وإن قلنا: إن قحطان قبل إبراهيم، فيعرب أوّل من قالها، وفي الفتح أيضًا في كتاب الجمعة، قيل: أول من قالها داود. رواه الطبراني مرفوعًا عن أبي موسى، وفي إسناده ضعف، وروى عبد بن حميد، والطبري عن الشعبي مقوفًا: إنها فصل الخطاب الذي أعطيه.
وروى الدارقطني بسندٍ رواه في غرائب مالك: أوّل من قالها يعقوب.
وروى الفاكهي كعب بن لؤي بسند ضعيف، وقيل: يعرب بن قطحان، وقيل: سحبان وائل، وقيل: قسّ بن ساعدة، والأول أشبه، ويجمع بينه وبين غيره بأنه بالنسبة إلى الأولية المحضة، والبقية بالنسبة إلى العرب خاصّة، ثم يجمع بينها بالنسبة إلى القبائل, انتهى. "فإني أذكِّرك الله"، أي: أوامره ونواهيه, إشارة إلى أنه لا ينبغي عبادة غيره " "، ولا الخروج عن أحكامه لأحد؛ لأنها معلومة على لسان الرسل، فكأنها من المعلوم الحاصل للجاهل بها مجرد غفلة، "فإنه من ينصح، فإنما ينصح لنفسه" لعود ثواب نصحه عليها، "وإنه من يطع رسلي ويتبع أمرهم" عطف تفسير "فقد أطاعني"، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ، "ومن نصح لهم فقد نصح لي" والدين النصيحة، "وإن رسلي" لا يعارض هذا قوله أولًا إنه بعث له العلاء بن الحضرمي لاحتمال أنه اجتمع معه عند المنذر أحد من المسلمين، فسماهم كلهم رسلًا، أو أطلق الجمع على ما فوق الواحد، فقد ذكر الشامي أنه بعث أبا هريرة مع العلاء، وأوصاه به خيرًا، "قد أثنوا عليك خيرًا" من قبولك الحق، وانقيادك إلى الإيمان.
ذكر السهيلي في الروض: إن العلاء لما قدم عليه قال له: يا منذر, إنك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرنَّ عن الآخرة، إن هذه المجوسية شَرُّ دينٍ، ليس فيها تكرم العرب، ولا علم أهلстр. 2262
وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه، وعفوت عن أهل الذنوب فاقبل منهم، وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك، ومن أقام على يهوديته أو مجوسيته فعليه الجزية".
الحواشي
(١) الكتاب ينكحون ما يستحيا من نكاحه، ويأكلون ما يتكرم عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارًا تأكلهم يوم القيامة، ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر هل ينبغي لمن يكذب في الدنيا أن لا تصدقه، ولمن لا يخون أن لا تأمنه، ولمن لا يخلف أن لا تثق به, فإن كان هذا هكذا، فهذا هو النبي الأمي الذي والله لا يستطيع ذو عقل أن يقول ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به, أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه؛ إذ كل ذلك منه على أمنية أهل العقل وفكر أهل النظر، فقال: المنذر: قد نظرت في هذا الذي في يدي، فوجدته للدنيا دون الآخرة، ورأيت في دينكم، فرأيته للآخرة والدنيا، فما يمنعني من قبول دين فيه أمنية الحياة وراحة الموت، ولقد عجبت أمس ممن يقبله، وعجبت اليوم ممن يرده، وإن من إعظام ما جاء به أن يعظم رسوله، وسأنظر. انتهى. أي: فيما أصنع من الذهاب إليه، أو مكاتبته, أو غير ذلك، لا في أنه يسلم أو لا, فإن قوله: وعجبت اليوم ممن يرده, اعتراف منه بأنه دين حق، والأمنية في الأصل ما يقدره الإنسان في نفسه من منى إذا قدر، والعاقل لا يقدر إلا ما فيه فلاحه، "وإني قد شفعتك في قومك، فاترك للمسلمين ما أسلموا عليه" من مال وزوجات أربع يحل نكاحهن، "وعفوت عن أهل الذنوب" المتقدمة منهم في الكفر, من زنا وشرب ونكاح محارم وسب وغير ذلك؛ لأن الإسلام يَجُبُّ ما قبله، "فاقبل منهم" الإسلام، ولا تؤاخذهم بما مضى، فإن الله يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] ، "وإنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك"، بل نقيمك فيه نائبا عنا، "ومن أقام على يهوديته أومجوسيته فعليه الجزية".
وأخرج ابن منده عن زيد بن أسلم عن المنذر بن ساوى: إن النبي ﷺ كتب إليه أن افرض على كل رجل ليس له أرض أربعة دراهم وعباءة.
وروي أنه ﷺ كتب إلى مجوس هجر يعرض عليهم الإسلام، فإن أبوا أخذت منهم الجزية بأن لا تنكح نساؤهم ولا تؤكل ذبائحهم.
وأخرج الطبراني عن ابن مسعود, كتب ﷺ إلى المنذر بن ساوى: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلكم المسلم له ذمة الله ورسوله".
وذكر أبو جعفر الطبري: أن المنذر هذا مات بالقرب من وفاته ﷺ ، وحضره عمرو بن العاص، فقال له: كم جعل ﷺ للميت من ماله عند الموت، فقال: الثلث، قال: فما ترى أن أصنع في ثلثي، قال: إن شئت قسمته في سبل الخير، وإن شئت جعلت غلته بعدك علىстр. 2263
وكتب ﵊ إلى ملكي عمان، وبعثه مع عمرو بن العاص:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى جيفر -بفتح الجيم- وعبد ابني الجلندي
الحواشي
(١) من شئت، قال: ما أحب أن أجعل شيئًا من مالي كالسائبة، ولكني أقسمه، "وكتب ﵊ إلى ملكي عمان".
قال الحافظ: بضم المهملة وخفة الميم، قال الرشاطي باليمن: سميت بعمان بن سبأ, ينسب إليها الجلندي رئيس أهلها.
روى مسلم عن أبي برزة, بعث ﷺ رجلًا إلى قوم، فسبوه وضربوه، فجاء إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "لو أهل عمان أتيت ما سبوك ولا ضربوك".
وروى أحمد عن عمر, سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إني لأعلم أرضًا يقال لها عمان, ينضح بناحيتها البحر، لو أتاهم رسولي ما رموه بسهم ولا حجر" , وبعمل الشام بلدة يقال لها عمان، لكنها بفتح المهملة، وشد الميم، وهي التي أرادها القائل:
في وجهه خالان لولاهما ... ما بت مفتونًا بعَمَّان
وليست مرادة هنا قطعًا، وإنما وقع اختلاف للرواة فيما جاء في بعض طرق حديث صفة الحوض النبوي من ذكر عمان, انتهى من فتح الباري, "وبعثه" في ذي القعدة سنة ثمان، ووقع عند ابن عبد البر، أنه بعد خيبر، قال في الفتح: فلعلها كانت بعد حنين، فتصحَّفت "مع عمرو بن العاص"، ولفظه كما رواه ابن سعد مع القصة كلها من طريق عمرو بن شعيب عن مولى لعمرو بن العاص عنه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى جيفر" بفتح الجيم مصروف بوزن جعفر, إلّا أن بدل العين تحتانية، "وعبد" بموحدة، وقيل: تحتيه لا إضافة فيهما، وصوَّب الخشني أنه عياد، وهو الذي في رواية الطبراني, وضبطه في الفتح -بفتح المهملة وشد التحتانية وآخره معجمة, "ابني الجلندي" بضم الجيم، وفتح اللام، وسكون النون والقصر، كما في الفتح, غير مبالٍ بقول شيخه في القاموس: جلنداء -بضم أوله، وفتح ثانيه ممدودة، وبضم ثانية مقصورة- اسم ملك عمان، ووَهِمَ الجوهري، فقصر مع فتح ثانيه، قال الأعشى:
وجلنداء في عمان مقيمًا ... ثم قيًسا في حضرموت المنيف
وذكر وثيمة في كتاب الردة عن ابن إسحاق, أنه ﷺ بعث إلى الجلندي عمرًا يدعوه إلى الإسلام، فقال: لقد دلني على هذا النبي الأمي أنه: لا يأمر بخير إلّا كان أوّل آخذ به، ولا ينهى عن شر إلّا كان أوّل تارك له، وأنه يغلب فلا يبطر، ويغلب فلا يهجر، وإنه يفي بالعهد، وينجز الوعد، وأشهد أنه نبي، وأنشد أبياتًا منها:стр. 2264
سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوكما بدعاية الإسلام، أسلما تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافَّة، لأنذر من كان حيًّا ويحق القول على الكافرين، وإنكما إن أقررتما بالإسلام وليتكما، وإن أبيتما أن تقرا بالإسلام فإن ملككما زال عنكما، وخيلي تحلّ بساحتكما، وتظهر نبوتي على ملككما".
وكتب أُبَيّ بن كعب، وختم الكتاب.
قال عمرو: فخرجت حتى انتهيت إلى عمان، فلما قدمتها عمدت إلى عبد -وكان أحلم الرجلين وأسهلهما خلقًا, فقلت: إني رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك, فقال: أخي المقدَّم علي بالسنّ والملك، وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك عليه.
ثم قال: وما تدعو إليه؟
قلت: أدعوك إلى الله وحده لا شريك له، وتخلع ما عُبِدَ من دونه، وتشهد أن
الحواشي
(١) فيا عمرو، قد أسلمت لله جهرة ... ينادي بها في الواديين فصيح
قال في الإصابة، فيحتمل أن عمرًا أرسل إليهم جميعًا "سلام على من اتبع الهدى، أمَّا بعد, فإني أدعوكما بدعاية الإسلام, أسلما" بهمزة قطع، وكسر اللام، أمر من الرباعي, "تسلما، فإني رسول الله إلى الناس كافَّة, لأنذر من كان حيًّا، ويحقّ القول على الكافرين، وإنكما أن أقررتما بالإسلام ولَّيتكما" بشدِّ اللام من التولية، "وإن أبيتما أن تُقِرَّا" هكذا في نسخ صحيحة، كالعيون وغيرها، ويوجد في بعض النسخ: أن لا تقرا, بالزيادة لا، وبتقدير صحتها رواية، فالمعنى: إن أبيتما الإسلام وأردتما أن لا تقرَّا "بالإسلام، فإن ملككما زائل عنكما، وخيلي تحلّ" بضم المهملة تنزل "بساحتكما" فناء دوركما "وتظهر نبوتي"، أي أرها "على ملككما" فتزيله، "وكتب" الكتاب أُبَيّ بن كعب، وختم" ﷺ "الكتاب" بنفسه، أو بأمره.
"قال عمرو: فخرجت" وسرت "حتى انتهيت إلى عمان، فلمَّا قدمتها عمدت" بفتح الميم على المشهور بوزن قصدت ومعناه, وفي لغة بكسر الميم، وقد مرَّ مرارًا "إلى عبد، وكان أحلم الرجلين، وأسهلهما خلقًا" بضمتين، "فقلت: إني رسول رسول الله ﷺ إليك وإلى أخيك" بهذا الكتاب، وبالدعاء إلى ما تضمَّنه من الإيمان، "فقال" عبد: "أخي" جيفر "المقدَّم علي بالسن والملك" بضم الميم، "وأنا أوصلك إليه حتى تقرأ كتابك عليه، ثم قال: وما تدعو إليه؟، قلت: أدعوك إلى" عبادة "الله وحده، لا شريك له، و" إلى أن "تخلع ما عُبِدَ من دونه, و" أن "تشهد أنстр. 2265
محمدًا عبده ورسوله.
قال: يا عمرو, إنك كنت ابن سيد قومك، فكيف صنع أبوك؟ فإن لنا فيه قدوة.
قلت: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ ، ووددت أنه كان أسلم وصدّق به، وقد كنت على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام.
قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبًا، فسألني: أين كان إسلامك؟
قلت: عند النجاشي, وأخبرته أنَّ النجاشيّ قد أسلم.
قال: فكيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقرّوه واتَّبعوه.
قال: والأساقفة والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم.
قال: انظر يا عمرو ما تقول، إنه ليس من خصلة في رجل أفضح له من كذب.
قلت: ما كذبت وما
الحواشي
(١) محمد عبده ورسوله".
"قال: يا عمرو, إنك كنت" أي: وجدت "ابن سيد قومك"، والذي في العيون وغيرها: إنك ابن بدون كنت، "فكيف صنع أبوك" العاص بن وائل السهمي، أحد الكفار المستهزئين، "فإن لنا فيه قدوة، قلت: مات ولم يؤمن بمحمد ﷺ ، ووددت" بكسر الدال الأولى "أنه كان أسلم، وصدَّق به، وقد كنت" أنا "على مثل رأيه حتى هداني الله للإسلام، قال: فمتى تبعته؟ قلت: قريبًا، فسألني: أين كان إسلامك، قلت: عند النجاشي" على يده، وهو من اللطائف، صحابي أسلم عن يد تابعي، "وأخبرته أن النجاشي قد أسلم".
"قال: كيف صنع قومه بملكه؟ قلت: أقرّوه واتبعوه. قال: والأساقفة" بفتح الهمزة، فسين مهملة، فألف، فقاف مكسورة، ثم فاء، ثم تاء تأنيث, جمع أسقف، وهو السقف -بضم السين، والقاف- لفظ أعجمي، ومعناه: رئيس دين النصارى، وقيل: عربيّ، وهو الطويل في انحناء، وقيل: ذلك للرئيس؛ لأنه يتخاشع، كما في الفتح "والرهبان تبعوه؟ قلت: نعم، قال: انظر يا عمرو ما تقول"، استعظم وقوع ذلك، واتَّهمه في صحة الخبر، واحتمل عنده أنه قصد ترويج ما أرسل به، فقال له ذلك، واستشهد عليه بالعلوم من شدة قبح الكذب ليتجنبه، فقال: "إنه ليس من خصلة" بالفتح خلة "في رجل أفضح"، أي أكثر فضيحة "له من كذب، قلت" أنا صادق في خبري، "وماстр. 2266
نستحله في ديننا.
ثم قال: أخبرني ما الذي يأمر به وينهى عنه.
قلت: يأمر بطاعة الله , وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم، وينهى عن الظلم والعدوان, وعن الزنا وشرب الخمر, وعن عبادة الحجر والوثن والصليب.
قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد ونصدّق به، ولكن أخي أضنَّ بملكه من أن يدعه ويصير ذَنَبًا.
قلت: إن أسلم ملَّكه رسول الله ﷺ على قومه, يأخذ الصدقات من غنيهم ويردها
الحواشي
(١) كذبت، وما نستحله في ديننا" زيادة عن كونه أفضح خصلة، "ثم قال": أشار إلى أنه حذف بعض الحديث، وهو كذلك، فعند ابن سعد ثم قال: ما أرى هرقل علم بإسلام النجاشي، قلت: بلى، قال: شيء علمت ذلك؟ قلت: كان النجاشي يخرج خرجًا, فلما أسلم وصدَّق بمحمد ﷺ قال: لا والله، ولو سألني درهمًا واحدًا ما أعطيته، فبلغ هرقل قوله، قال: يناق أخوه, أتدع عبدك لا يخرج لك خرجًا، ويدين دينًا محدثًا؟ قال هرقل: رجل رغب في دين واختاره لنفسه, ما أصنع به؟ والله لولا الضنّ بملكي لصنعت كما صنع، قال: انظر ما تقول يا عمرو, قلت: والله صدقتك، قال عبد: "فأخبرني ما الذي يأمر به، وينهى عنه"، ويناق بفتح التحتية، وشد النون، فألف، فقاف غير مصروف للعملية، والعجمة، لا أعرف له ترجمة، والظاهر هلاكه على دينه، قاله البرهان. "قلت: يأمر بطاعة الله ، وينهى عن معصيته، ويأمر بالبر وصلة الرحم" هما من أفراد الطاعة، "وينهى عن الظلم، والعدوان، وعن الزنا، وشرب الخمر، وعن عبادة الحجر والوثن", هو كل ما له جثة معمولة من جواهر الأرض، أو من الخشب والحجارة، كصورة الآدمي يعمل وينصب ويعبد، والصنم: الصورة بلا جثة، ومنهم من لم يفرق بين الصنم والوثن، ويطلقهما على المعنيين، وقد يطلق الوثن عل غير الصورة, ذكره البرهان.
"والصليب" للنصارى، والجمع: صلب وصلبان، قاله الجوهري. واستعمل عمرو مقام الإطناب زيادة في البيان؛ لأنه مقام خطابة، وإلا فكل هذه من أفراد معصية الله، فأجمل أولًا، ثم فَصَّل بعض التفصيل ليكون أوقع في النفس.
"قال: ما أحسن هذا الذي يدعو إليه، ولو كان أخي يتابعني لركبنا حتى نؤمن بمحمد، ونصدّق به، ولكن أخي" جيفر "أضنّ" بمعجمة وشد النون: أبخل "بملكه من أن يدعه، ويصير ذَنَبًا" بفتح المعجمة، والنون وموحدة، أي: طرفًا وتابعًا بعد أن كان رأسًا ومتبوعًا.
"قلت: إن أسلم ملَّكه رسول الله ﷺ على قومه, يأخذ الصدقات من غنيهم، ويردّها علىстр. 2267
على فقرائهم.
قال: إن هذا لخلق حسن. وما الصدقة؟
فأخبرته بما فرض رسول الله ﷺ من الصدقات في الأموال، حتى انتهيت إلى الإبل، فقال: يا عمرو، يؤخذ من سوائم مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ قلت: نعم. قال: والله ما أرى قومي في بعد دراهم وكثرة عددهم يطيعون بهذا.
قال: فمكثت ببابه أيامًا وهو يصل إلى أخيه فيخبره كل خبري، ثم إنه دعاني يومًا فدخلت عليه, فأخذ أعوانه بضبعي فقال: دعوه، فأرسلت، فذهبت لأجلس فأبوا أن يدعوني أجلس, فنظرت إليه فقال: تكلّم بحاجتك, فدفعت إليه الكتاب مختومًا، ففضَّ ختمه وقرأه حتى انتهى إلى آخره, ثم دفعه إلى أخيه فقرأه مثل قراءته، إلّا أني رأيت أخاه أرقّ منه، فقال: ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟
الحواشي
(١) فقرائهم".
قال: "إن هذا خلق حسن"، لما فيه من مواساة الفقراء, "وما الصدقة؟ فأخبرته بما فرض رسول الله ﷺ من الصدقات في الأموال, حتى انتهيت إلى الإبل، فقال: يا عمرو, يؤخذ من سوائم" جمع سائمة، وهي الراعية "مواشينا التي ترعى الشجر وترد المياه؟ قلت: نعم، قال: والله ما أرى" بضم الهمزة: أظن "قومي في"، أي مع "بعد دراهم" عنه ﷺ ، فيأمنون مجيء خيله إليهم لذلك، "وكثرة عددهم"، فبتقدير مجيئه إليهم لا يخافون منه لكثرتهم, "يطيعون" ضمنه معنى يقرون، فعدَّاه بالباء، فقال "بهذا" الذي ذكرته.
"قال: فمكثت ببابه أيامه، وهو يصل إلى أخيه، فيخبره كل خبري, ثم إنه دعاني يومًا" لأدخل معه على أخيه، "فدخلت عليه، فأخذ أعوانه بضبعي" بفتح المعجمة، وإسكان الموحدة ومهملة, تثنية ضبع, حذفت نونه للإضافة لياء المتكلم، وهو العضد، أو وسطه، أو ما بين الإبط إلى نصف العضد، والجمع أضباع, مثل: فرخ وأفراخ -كما في النور. "فقال: دعوه فأرسلت" بضم الهمزة، والتاء مبني للمفعول، "فذهبت لأجلس، فأبوا أن يدعوني" بفتح الدال: يتركوني "أجلس" على عادة ملوك العجم, في أن نحو رسول شخص ولو ملكًا لا يجلس عند الملك، "فنظرت إليه، فقال: تكلّم بحاجتك، فدفعت إليه الكتاب مختومًا، ففضَّ ختمه، وقرأه حتى انتهى إلى آخره، ثم دفعه إلى أخيه عبد، "فقره مثل قراءته"، فاستوفاه إلى آخره.
"إلّا أني رأيت أخاه" عبدًا "أرقَّ منه، فقال" جيفر: "ألا تخبرني عن قريش كيف صنعت؟стр. 2268
فقلت: تبعوه إما راغب في الدين وإما مقهور بالسيف، قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام واختاروه على غيره, وعرفوا بعقولهم مع هدى الله أنهم كانوا في ضلال. فما أعلم أحدًا بقي غيرك في هذه الحرجة، وإن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل، فأسلم تسلم، ويستعمك على قومك، ولا تدخل عليكم الخيل والرجال.
قال: دعني يومي هذا وارجع إلي غدًا.
فرجعت إلى أخيه، فقال: يا عمرو, إني لأرجو أن يسلم إن لم يضن بملكه. حتى إذا كان الغد أتيت إليه فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه, فإذا أنا أضعف العرب إن ملَّكت رجلًا ما في يدي، وهو لا تبلغ خيله ههنا، وإن بلغت خيله ههنا ألفت
الحواشي
(١) فقلت: تبعوه إمَّا" بكسر الهمزة، وشد الميم "راغب في الدين"، فدخل فيه طوعًا، "وإمَّا مقهور يالسيف"، فدخل كرهًا إلى أن هداه الله وحسن إسلامه، كالمؤلَّفة، "قال: ومن معه؟ قلت: الناس قد رغبوا في الإسلام، واختاروه على غيره، وعرفوا بعقولهم مع هدى الله أنهم كانوا في ضلال، فما أعلم أحدًا بقي غيرك في هذه الحرجة" بفتح الحاء المهملة، والراء، ثم جيم، ثم تاء تأنيث، كذا في النسخ، فإن صحَّ، فهي شجر ملتف -كذا في النور، والمراد: التجوز, "وإن لم تسلم اليوم وتتبعه يوطئك الخيل" زاد في رواية، كما في العيون: ويبيد خضراءك، أي: جماعتك -بفتح الخاء وإسكان الضاد المعجمتين والمد، "فأسلم تسلم، ويستعملك على قومك"، فتبق على ملكك مع الإسلام، "ولا تدخل عليكم الخيل والرجال"، وفي هذا مع سعادة الدارين راحة من القتال، وفيه قوة نفس عمرو ﵁، وشدة شكيمته, خاطبه بهذا الخطاب، وأنذره بالحرب والهلاك في محل ملكه بحضرة أعوانه، مع أنه واقف بين يديه لم يتمكّن من الجلوس، ومع ذلك حمى الله رسول نبيه ببركته ﷺ ، فلم يؤذه ولا بكلمة، بل خاطبه باللين؛ حيث "قال: دعني يومي هذا، وارجع إلي غدًا, فرجعت إلى أخيه، فقل: يا عمرو, إني لأرجو أن يسلم" أخي "إن لم يضنّ" بفتح المعجمة وكسرها: يبخل "بملكه، حتى إذا كان الغد أتيت إليه، فأبى أن يأذن لي، فانصرفت إلى أخيه، فأخبرته أني لم أصل إليه، فأوصلني إليه، فقال: إني فكرت فيما دعوتني إليه، فإذا أنا أضعف العرب إن ملّكت رجلًا ما في يدي، وهو لا تبلغ خيله ههنا" لبعد الدار، "وإن بلغت خيله ههنا ألفت" بالفاء: وجدتстр. 2269
قتالًا ليس كقتال من لاقى.
قلت: وأنا خارج غدًا، فلمَّا أيقن بمخرجي خلا به أخوه, فأصبح فأرسل إليّ, فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعًا، وصدَّقا النبي ﷺ ، وخلَّيَا بيني وبين الصدقة وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونًا على من خالفني.
وكتب ﷺ إلى صاحب اليمامة هوذة بن علي، وأرسل به مع سليط بن عمرو العامري:
الحواشي
(١) "قتالًا ليس كقتال من لاقى".
قال عمرو: "قلت: وأنا خارج غدًا، فلمَّا أيقن بمخرجي خلا به أخوه"، فقال: ما نحن فيما ظهر عليه، وكل من أرسل إليه أجابه، كما في الرواية، "فأصبح، فأرسل إليّ، فأجاب إلى الإسلام هو وأخوه جميعًا، وصدَّقا النبي ﷺ ، وخلَّيَا بيني وبين الصدقة, وبين الحكم فيما بينهم، وكانا لي عونًا على من خالفني"، فلم يزل عمرو بعمان عندهم حتى مات النبي ﷺ ، كما في بقية الرواية عند ابن سعد، ولعلَّ إقامته كانت بأمر المصطفى حين بعثه، أو إشارة فهم منها ذلك، أو باجتهاده حتى يجمع الصدقة, وروى عبدان بإسناد صحيح عن عبد الرحمن بن عبد القاري أنه ﷺ بعث عمرو بن العاص إلى جيفر وعبَّاد ابني الجلندي أميري عمان، فأسلما وأسلم معهما بشر كثير، ووضع الجزية على من لم يسلم، "وكتب ﷺ إلى صاحب اليمامة" بلاد بالبادية.
قال الجوهري: كان اسمها الجو، فسميت باسم جارية زرقاء كانت تبصر الراكب من مسيرة ثلاثة أيام، لكثرة ما أضيف إليها، وقيل: جوّ اليمامة, زاد المجد، وهي أكثر نخيلًا من سائر الحجاز، وهي دون المدينة في وسط الشرق عن مكة, على ست عشرة مرحلة من البصرة، وعن الكوفة نحوها "هوذة بن علي" الحنفي -بفتح الحاء، كما قال البرهان تبعًا للجوهري، وقال الدميري: بضم الهاء، وإسكان الواو، وبالذال المعجمة، كما في الصحاح وغيره, ونقل بعضهم عن القطب إهماهما.
قال البرهان: وما أظنّه إلا سبق قلم، "وأرسل به" الباء زائدة لتعدي أرسل بنفسه ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ﴾ ، أو ضُمِّنَ معنى بعث، وهو فيما لا يصل بنفسه كالكتاب يعدَّى بالباء، كما مَرَّ "مع سليط" بفتح السين وكسر اللام ثم تحتية ساكنة ثم طاء مهملتين, "ابن عمرو" بفتح العين, ابن عبد شمس بن عبدود بن نصر بن مالك بن حسل -بكسر الحاء، واسكان السين المهملتين, ابن عامر بن لؤي القرشي "العامري"، أسلم قديمًا وهاجر إلى الحبشة في قول ابن إسحاق، وشهد بدرًاстр. 2270
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هوذة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر إلى منتهى الخف والحافر، فأسلم تسلم، وأجعل لك ما تحت يديك".
فلمَّا قدم عليه سليط بكتاب رسول الله ﷺ مختومًا، أنزله وحباه واقترأ عليه الكتاب، فردَّ ردًّا دون رد، وكتب للنبي ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله، والعرب تهاب مكاني, فاجعل إلي بعض الأمر أتبعك
الحواشي
(١) في قول الواقدي، وأبي معشر، واستشهد باليمامة.
وفي الصحابة سليط بن عمر، والأنصاري، وسليط بن عمرو بن زيد، فلذا قيّد بالعامري واختاره للإرسال؛ لأنه كان يختلف إلى اليمامة قبل ذلك، "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى هوزة بن علي، سلام على من اتبع الهدى، واعلم أن ديني سيظهر" وينتهي "إلى منتهى"، فهو متعلق بمحذوف، أو ضُمِّنَ معناه، أي: يظهر منتهيًا إلى "الخف" الإبل، "والحافر" الخيل، والبغال وغيرها، والمراد: إنه يصل إلى أقصى ما يصلان إليه فيؤمنون به.
وفي المصباح: انتهى الأمر بلغ النهاية، وهي أقصى ما يمكن أن يبلغه، "فأسلم تسلم، وأجعل" بالجزم معطوف على جواب الأمر "لك" ولاية "ما تحت يديك"، "فلما قدم عليه سليط بكتاب رسول الله -صلى الله عيه وسلم- مختومًا، أنزله، وحباه" بفتح المهملة، وموحدة خفيفة، أي: أعطاه، كما في النور، ولا يتكرَّر مع قوله بعد أجازه؛ لأنها عند السفر، وهذا الحباء عند القدوم، فلا حاجة إلى أن قراءته بتحتية ثقيلة أظهر، "واقترأ عليه الكتاب"، أي: قرأ، وبه عبَّر اليعمري، وهو لغة، ففي القاموس: قرأه، وبه: كنصره، ومنعه، كاقترأه: تلاه، قال السهيلي: وقال سليط: يا هوذة, إنَّك سوَّدتك أعظم حائلة، أي بالية، وأرواح في النار، وإنما السيد من متع بالإيمان، ثم زود بالتقوى, إن قومًا سعدوا برأيك فلا تشقين به، وإني آمرك بخير مأمور به، وأنهاك عن شر منهي عنه، آمرك بعبادة الله، وأنهاك عن عبادة الشيطان، فإن في عبادة الله الجنة, وفي عبادة الشيطان النار، فإن قبلت نلت ما رجوت، وأمنت ما خفت، وإن أبيت فبيننا وبينك كشف الغطاء، وهو المطلع، فقال هوزة: يا سليط, سودني من لو سودك شرفت به، وقد كان لي رأي أختبر به الأمور، ففقدته، فموضعه من قلبي هواء، فاجعل لي فسحة يرجع إلى رأي، فأجيبك به إن شاء الله، "فردَّ ردًّا" فيه لطف "دون رد" بعنف، كما وقع لغيره من الجبارين، "وكتب للنبي ﷺ : ما أحسن ما تدعو إليه وأجمله"، زاد في الرواية: وأنا شاعر قومي، وخطيبهم، "والعرب تهاب مكاني" تجلّه وتعظمه لشدة بأسي، "فاجعل لي بعض الأمر أتبعك"، كأنه أراد شركته في النبوة، أو الخلافة بعده، كماстр. 2271
وأجاز سليطًا بجائزة, وكساه أثوابًا من نسج هجر.
فقدم بذلك على النبي ﷺ فأخبره، وقرأ النبي ﷺ كتابه وقال: "لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت. باد، وباد ما في يديه".
فلما انصرف النبي ﷺ من الفتح جاءه جبريل ﵊ بأن هوذة مات، فقال ﷺ : "أما إن اليمامة سيظهر بها كذاب يتنبأ، يقتل بعدي" فكان كذلك.
الحواشي
(١) سأله ابن الطفيل فيها، ولم يرض بكونه تحت ولايته التي ذكرها في قوله: "وأجعل لك ما تحت يديك"، "وأجاز سليطًا بجائزة، وكساه أثوابًا من نسج هجر" بفتحتين, بلد باليمن مذكَّر مصروف، وقد يؤنَّث ويمنع، واسم لجميع أرض البحرين، كما في القاموس، وهو المراد هنا، لا التي بقرب المدينة، "فقدم بذلك على النبي ﷺ ، فأخبره" بخبره، "وقرأ النبي ﷺ كتابه، وقال: "لو سألني سيابة" بفتح المهملة وخفة التحتية فألف فموحدة مفتوحة، فتاء تأنيث- أي: ناحية، أي: قطعة، "من الأرض ما فعلت" هكذا فسَّره ابن حديدة، وأما البرهان ففسره بالبلح، أو البسر تبعًا للقاموس، وهو أبلغ، لكن بتقدير مضاف، أي: فدر بلحة، أو بسرة من الأرض أو المراد نفسه: البلحة، أو البسرة بتقدير ناشئة. "باد" بموحدة، فألف، فمهملة: هلك، "وباد ما في يديه"، أي: هلك، بمعنى ذهب عنه وتفرَّق، وهو خبر أو دعاء، "فلمَّا انصرف النبي ﷺ من الفتح جاءه جبريل ﵊"، فأخبره "بأن هوذة" قد "مات" على كفره؛ لأنه لم يجب إلّا بشرط لم يعطه، ولفظًا: فأخبره، وقد ثبت في الرواية، فكأنهما سقطا من قلم المصنف، أو تعمد حذفهما لفهم المعنى، "فقال ﷺ : "أما أن اليمامة سيظهر بها كذَّاب يتنبأ, يقتل بعدي"، فكان كذلك"؛ لأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى، فظهر بها مسيلمة -لعنه الله- وقتل.
وفي الرواية: فقال قائل: يا رسول الله, من يقتله، فقال: أنت وأصحابك، قال البرهان، لا أعرف هذا القائل بعينه، والظاهر أنه من الذين اشتركوا في قتله، أو خالد بن الوليد.
وذكر الواقدي أن أركون دمشق -عظيم من عظماء النصارى، كان عند هوذة، فسأله عن النبي ﷺ ، فقال: جاءني كتابه يدعوني إلى الإسلام، فلم أجبه، قال الأركون: لم لا تجيبه؟ قال: ضننت بديني وأنا ملك قومي، ولئن تبعته لن أملك، قال: بلى, والله لئن اتبعته ليملِّكَنَّك، وإن الخير لك في اتباعه، وإنه للنبي العربي الذي بشَّر به عيسى ابن مريم، وأنه لمكتوب عندنا في الإنجيل محمد رسول الله ﷺ ، وأركون -بفتح الهمزة، والراء، وضم الكاف- الرومي، قال في الإصابة: أدرك الجاهلية، وأسلم على يدي خالد في عهد أبي بكر، ذكره ابن عساكر فيстр. 2272
وكتب ﷺ إلى الحارث بن أبي شمر الغساني، وكان بدمشق، بغوطتها:
"بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله, إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله وصدّق، فإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، يبقى لك ملكك". وأرسله مع شجاع بن وهب.
الحواشي
(١) ترجمة حفيده إبراهيم بن محمد بن صالح بن سنان بن يحيى بن أركون, انتهى.
فقول البرهان: لا أعلم له ترجمة، والظاهر هلاكه على كفره, فيه قصور ومنع، "وكتب ﷺ إلى الحارث ابن أبي شمر" بكسر الشين المعجمة، وإسكان الميم، وبالراء "الغساني" هلك عام الفتح، قال في النور: الظاهر على كفره، "وكان" أميرًا "بدمشق" من جهة قيصر "بغوطتها"، بدل من دمشق -بضم الغين المعجمة، وسكون الواو، وطاء مهملة، وتاء تأنيث.
قال الجوهري: موضع بالشام كثير الماء والشجر، وهي غوطة دمشق.
وفي القاموس: الغوطة -بالضم- مدينة دمشق، أو كورتها، لكنه لا يوافق ما ذكر المصنف, "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى الحارث ابن أبي شمر، سلام على من اتبع الهدى، وآمن بالله، وصدق" كذا في نسخ كالعيون، وآمن بواو عطف التفسير، وفي نسخة بالفاء عطف مفصَّل على مجمل "على من اتبع الهدى فآمن وصدق" بصيغة الماضي، "فإني أدعوك إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له"، فإنك إذا فعلت ذلك "يبقى لك ملكك"، فختم الكاتب، "وأرسله مع شجاع بن وهب" بن ربيعة بن أسد بن صهيب بن مالك بن كثير بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي من السابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلها، واستشهد باليمامة، وكونه الذي أرسله بالكتاب للحارث, ذكره الواقدي، وابن إسحاق وابن حزم.
وقال ابن هشام: إنما توجه لجبلة بن الأيهم، وقال أبو عمر: لهما معًا، وقيل: لهرقل مع دحية، ولم يتمم المصنف القصة، وعند الواقدي وابن عائذ، قال شجاع: فانتهيت، فوجدته مشغولًا بتهيئة الضيافة لقيصر، وهو جاءٍ من حمص إلى إيلياء؛ حيث كشف الله عنه جنود فارس شكرًا لله تعالى، فأقمن على بابه يومين أو ثلاثة، فقلت لحاجبه: إني رسول رسول الله ﷺ إليه، فقال حاجبه: لا تصل إليه حتى يخرج يوم كذا وكذا، وجعل حاجبه -وكان روميًّا اسمه مرى -بكسر الميم مخففًا- كما في الإصابة يسألني عنه ﷺ ، وما يدعو إليه، فكنت أحدثه، فيرقّ حتى يغلبه البكاء، فيقول: إني قرأت في الإنجيل، وأجد صفة هذا النبي بعينه، وكنت أظنّه يخرج بالشام، فأراه خرج بأرض القرظ، فأنا أومن به وأصدقه، وأنا أخاف من الحارث بن أبي شمر أن يقتلني.
قال شجاع: وكان يكرمني، ويحسن ضيافتي، ويخبرني باليأس من الحارث، ويقول: هوстр. 2273
وقال صاحب "باعث النفوس": روي عن أبي هند الداري قال: قدمنا على رسول الله ﷺ ونحن ستة نفر: تميم بن أوس الداري، وأخوه نعيم، ويزيد بن قيس،
الحواشي
(١) يخاف قيصر، قال: فخرج الحارث يومًا، فوضع التاج على رأسه، فأذن لي عليه، فدفعت إليه الكتاب، فقرأه ثم رمى به، وقال: من ينتزع مني ملكي, أنا سائر إليه ولو كان باليمن جئته, عليّ بالناس، فلم يزل جالسًا حتى الليل، وأمر بالخيل أن تنعل، ثم قال: أخبر صاحبك بما ترى، وكتب إلى قيصر يخبره بخبري، فصادف قيصر بإيلياء وعنده دحية، وقد بعثه ﷺ إليه، فلمّا قرأ قيصر كتاب الحارث، كتب إليه أن: لا تسر إليه، واله عنه، ووافني بإيلياء، قال: ورجع الكتاب وأنا مقيم فدعاني، وقال: متى تريد أن تخرج إلى صاحبك، قلت: غدًا، فأمر لي بمائة، ووصلني مرى بنفقة وكسوة، وقال: اقرأ على رسول الله ﷺ مني السلام، وأخبره بأني متتبع دينه، فقدمت فأخبرته ﷺ ، فقال: بادٍ ملكه، واقرأته من مرى السلام، وأخبرته بما قال, فقال ﷺ : صدق، انتهى.
"وقال صاحب باعث النفوس" إلى زيارة القدس المحروس، وهو ركن الشام، شيخ الإسلام، برهان الدين إبراهيم الفزاري، وذكر المصنف هذه القصة هنا، وإن كان ذكرها في الوفود أنسب، كما فعل غيره دفعًا لتوهُّ أنه لا يقطع أحدًا من الأرض شيئًا من قوله في قصة هوذة: "لو سألني سيابة من الأرض ما فعلت"، فكأنه قال: فمن سأله شيئًا من النبوة ونحوها منعه, ومن الملك أو الأرض أعطاه لقصة الدرايين، ولذا كان الأَوْلَى ذكرها قبل الكتاب إلى الحارث، كما هو في بعض النسخ، وفي كثير منها إسقاطها.
"روي" عند أبي نعيم من طريق سعيد بن زياد -بفتح الزاء المنقوطة، وشد التحتانية ابن فائد بالفاء ابن زياد، بضبط حفيده ابن أبي هند عن آبائه إلى أبي هند وفائد، وابنه ضعيفان، ولذا مرضه يروى "عن أبي هند الداري" من بني الدار بن هانئ بن حبيب، مشهور بكنيته، واختلف في اسمه، فقيل: بر بن عبد الله، ويقال: بر بن عبد الله، وقال ابن حبان: الصحيح أن اسمه بر بن برو، وقيل: برير، وقيل: ابن برسن، قال أبو عمر: كان يقال: إنه أخو تميم لأمه وابن عمه, يعد في أهل الشام، ومخرج حديثه عن ولده، كما في الإصابة، "قال: قدمنا على رسول الله ﷺ " سنة تسع, وقت انصرافه من تبوك، "ونحن ستة نفر: تميم بن أوس الداري" مشهور في الصحابة كان نصرانيًّا، فقدم المدينة فأسلم، وذكر للنبي ﷺ خبر الجساسة والدجال، فحدَّث ﷺ عنه بذلك على المنبر، فعدَّ من مناقبه، وهو أوّل من أسرج السراج في المسجد, رواه الطبراني، وأوّل من قصَّ, وذلك في عهد عمر، رواه ابن رواهويه. وكان كثير التهجد، "وأخوه نعيم" بن أوس، قال أبو عمر: يقال: وفد مع أخيه، "ويزيد بن قيس" بن خارجة الداري.стр. 2274
وأبو عبد الله بن عبد الله -وهو صاحب الحديث, وأخوه الطيب بن عبد الله, فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن، وفاكه بن النعمان، فأسلمنا, وسألنا رسول الله ﷺ أن يقطعنا أرضًا من أرض الشام، فقال: سلوا حيث شئتم. قال أبو هند: فنهضنا من عنده ﷺ إلى موضع نتشاور فيه: أين نسأل.
فقال تميم: أرى أن نسأله بيت المقدس وكورتها، فقال أبو هند: رأيت ملك العجم اليوم، أليس هو بيت المقدس، قال تميم: نعم، فقال أبو هند: فكذلك يكون في ملك العرب، وأخاف أن لا يتمّ لنا هذا. قال تميم: نسأله بيت جيرون، فقال أبو هند: أكبر وأكبر، فقال تميم: فأين ترى أن
الحواشي
(١) ذكره ابن إسحاق فيمن أوصى له ﷺ بمائة وسق من تمر خيبر، "وأبو عبد الله" الذي في رواية أبي نعيم المذكورة، وأبو هند "بن عبد الله، وهو صاحب الحديث"، أي: راوية، وعلى فرض صحة نقل المصنف، فيكون له كنيتان، ولم يذكر ذلك في الإصابة، "وأخوه الطيب بن عبد الله" الداري، ويقال: ابن بر، ويقال: ابن البراء أخو أبي هند، كما في الإصابة، "فسمَّاه رسول الله ﷺ عبد الرحمن" كما لأبي نعيم ولابن أبي حاتم، والواقدي، فسماه: عبد الله، ولعلَّ ذلك للتشاؤم بنفي الطيب، أو كراهة إيهام التزكية لو سئل من أنت، فيقول الطيب، "وفاكه" بفاء، فألف، فكاف مكسورة، فهاء أصلية "ابن النعمان" بن جبلة -بجيم، فموحدة، فلام مفتوحات- الداري, ممن أوصى له النبي ﷺ ، وسماه أبو نعيم في روايته رفاعة بن النعمان، وكذا الواقدي من مرسل عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، قال: قدم وفد الداريين على رسول الله ﷺ منصرفه من تبوك، وهم عشرة: هانئ بن حبيب وعروة بن مالك بن شداد، وقيس بن مالك، وأخوه مرة، وذكر الستة باقي العشرة، قال: فسمى الطيب عبد الله، وسمى عروة عبد الرحمن, وذكر الرشاطي أن هانئًا أهدى لرسول الله ﷺ قباء مخوصًا بالذهب، فأعطاه العباس، فباعه من يهودي بثمانية آلاف، "فأسلمنا، وسألنا رسول الله ﷺ أن يقطعنا أرضًا من أرض الشام، فقال: "سلوا" أرضا "حيث"، أي: في أي مكان "شئتم" أقطعها لكم، "قال أبو هند: فنهضنا" قمنا "من عنده ﷺ "، وذهبنا "إلى موضع نتشاور فيه أين نسأل، فقال تميم: أرى أن نسأله بيت المقدس وكورتها" بضمّ الكاف: ناحيتها، "فقال أبو هند: رأيت ملك العجم اليوم، أليس هو بيت المقدس، قال تميم: نعم، فقال أبو هند: فكذلك يكون فيه ملك العرب, وأخاف أن لا يتمّ لنا هذا"، فيفوت مرادنا، "قال تميم: نسأله بيت جيرون" بفتح الجيم، وإسكان التحتية موضع بدمشق، أو بابهها الذي بقرب الجامع عن المطرزي، أو منسوب إلى الملك جيرون؛ لأنه كان حصنًا له، وباب الحصن باقٍ هائل، قاله في القاموس، "فقال أبو هند: أكبر وأكبر" من بيت المقدس؛ لأنه محل الملك، "فقال تميم: فأين ترى أنстр. 2275
نسأله؟ قال: أرى أن نسأله القرى التي نصنع فيها حصونًا مع ما فيها من آثار إبراهيم ﵇، فقال تميم: أصبت ووافقت.
قال: فنهضنا إلى رسول الله ﷺ فقال: "يا تميم, أتحب أن تخبرني بما كنتم فيه، أو أخبركم"؟ فقال تميم: بل تخبرنا يا رسول الله فنزداد إيمانًا، فقال ﵊: "أردت يا تميم أمرًا، وأراد أبو هند غيره، ونعم الرأي رأي أبي هند"، فدعا رسول الله ﷺ بقطعة من أدم، وكتب فيها كتابًا نسخته:
"بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ذكر فيه ما وهب محمد رسول الله ﷺ للداريين إذا أعطاه الله الأرض، وهب لهم بيت عينون وحبرون والمرطوم
الحواشي
(١) نسأله، قال: أرى أن نسأله القرى التي نصنع فيها حصونًا مع ما فيها من آثار إبراهيم ﵇، فقال تميم: أصبت"، فيما رأيت، "ووافقت" ما نطلبه، وفي نسخة وفقت، أي: في رأيك، "قال: فنهضنا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "يا تميم, أتحب أن تخبرني بما كنتم فيه" تتشاورون، "أو أخبركم"، فقال تميم: بل تخبرنا يا رسول الله، فنزداد إيمانًا" فيه، إن الإيمان يزيد وينقص، وهو قول الجمهور، "فقال ﵊: "أردت يا تميم أمرًا، وأراد أبو هند غيره, ونعم الرأي رأي أبي هند"، فدعا رسول الله ﷺ بقطعة من أدم" جلد، "وكتب فيها كتابًا نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب ذكر فيه ما وهب محمد رسول الله ﷺ "، يحتمل أن الصلاة من جملة الكتاب، أو من الراوي, "للداريين" بدال مهملة، فألف، فراء، فتحتيتين، فنون, نسبة للدار بن هانئ جدّهم، "إذا أعطاه الله الأرض" عبَّرَ بإذا؛ لأنه متحقق لذلك بوعد الله, "وهب لهم بيت عينون" بفتح المهملة، فتحتية ساكنة، فنونين بينهما واو، "وحبرون" بفتح الحاء المهملة، بوزن زيتون، كما في القاموس وغيره، ويقال فيه أيضًا: حبرى -بكسر أوله، وإسكان ثانيه وفتح الراء على وزن، فِعلى, كما في معجم الكبرى، وقال غيره: بفتح الحاء، قال الكبرى: وهما بين وادي القرى والشام, وليس له ﷺ بالشام قطيعة غيرهما، وفي المراصد حبرون اسم القرية التي بها إبراهيم الخليل قرب بيت المقدس, غلب على اسمها الخليل، ويقال حبرى "والمرطوم".
"وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى أبد الأبد"، عبَّر بميم جمع الذكور العقلاء، فلم يقل من فيها تنزيلًا لها منزلة العقلاء تجوزًا، ثم هذا من خصائصه ﷺ ؛ لأن الله ملَّكه الأرض كلها، وأفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم فيما أقطعهم، وقال: إنه ﷺ كان يقطع أرض الجنة, فأرض الدنيا أَوْلَى.стр. 2276
وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى أبد الأبد" شهد عباس بن عبد المطلب وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنه وكتب.
قال: ثم دخل بالكتاب إلى منزله, فعالج في زواية الرقعة بشيء لا يعرف، وعقد من خارج الرقعة بسير عقدتين، وخرج به إلينا مطويًا وهو يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت.
قال أبو هند: فانصرفنا، فلما هاجر ﷺ إلى المدينة قدمنا عليه وسألناه أن يجدد لنا كتابًا آخر، فكتب لنا كتابًا نسخته.
"بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه، إني أنطيتكم بيت عين وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم برمتهم, وجميع ما فيهم نطية بت ونفذت, وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد
الحواشي
(١) ذكر المصنف في الخصائص تبعًا لغيره "شهد عباس بن عبد المطلب" أبو الفضل الهاشمي، "وخزيمة ابن قيس" "وشرحيل" بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة "ابن حسنة" هي أمّه, وأبوه عبد الله بن المطاع الكندي، كما تقدَّم كثيرًا، "وكتب" الكتاب شرحبيل، "قال" أبو هند راوي الحديث، "ثم دخل" ﷺ "بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة بشيء لا يعرف، وعقد من خارج الرقعة بسير عقدتين، وخرج به إلينا مطويًا، وهو يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ أحقهم ﴿ِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ " في زمانه ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ؛ لموافقته له في أكثر شرعه ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أمته, فهم الذين ينبغي لهم أن يقولوا نحن على دينه, ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ناصرهم وحافظهم، وحكمة تلاوتها في ذا المقام لا تخفى؛ لأنه لما كانت المحلات من آثاره، فلا أولى بها من هذا النبي والذين آمنوا, فإذا خص النبي بها بعضهم كانت له، "ثم قال: "انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت" أي: رجعت إلى المدينة, سماه هجرة مجازًا؛ لأنَّ قدومهم كان عند انصرافه من تبوك، كما مَرَّ فائتوني، "قال أبو هند: فانصرفنا، فلمَّا هاجر ﷺ " رجع "إلى المدينة قدمنا عليه، وسألناه أن يجدد لنا كتابًا آخر، فكتب لنا كتابا نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطى" بالنون، أي أعطى، وقرأ: "إنا أنطيناك الكوثر" بالنون، "محمد رسول الله, لتميم الداري وأصحابه، إني أنطيتكم بيت عين" اسم للقرية المسمَّاة عينون، كما قال النجم: فهما اسمان لمحل واحد، "وحبرون، والمرطوم، وبيت إبراهيم برمتهم، وجميع ما فيهم نطية" عطية "بت ونفذت" النطية "وسلمت" أنا "ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبدстр. 2277
الأبد، فمن آذاهم فيه آذاه الله" شهد أبو بكر بن أبي قحافة, وعمر بن الخطاب, وعثمان بن عفان, وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب علي.
فلما قُبِضَ رسول الله ﷺ واستُخْلِفَ أبو بكر وجنَّد الجنود إلى الشام, كتب كتابًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم, من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو, أما بعد: فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين، وإن كان أهلها قد جعلوا عنها وأراد الداريون يزرعونها فليزرعونها بلا خراج, وإذا رجع إليها أهلها فهي لهم وأحق بهم, والسلام عليك. نقل من كتاب إسعاف الأخصا بتفضيل المسجد الأقصى.
وكتب ﷺ ليوحنَّة بن رؤبة صاحب أيلة لما أتاه بتبوك، وصالح
الحواشي
(١) الأبد، فمن آذاهم فيه آذاه الله"، لمخالفته أمر رسوله، "شهد أبو بكر بن أبي قحافة" عبد الله بن عثمان، " وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب علي"، وفي رواية: معاوية, وأخرى غيرهما، "فلمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، وجنَّد الجنود إلى الشام, كتب كتابًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة" عامر "بن الجراح، سلام عليك, فإني أحمد الله إليك"، أنهي إليك حمد الله "الذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد، فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين"، أضافها إليهم؛ لأنها بمجرد الفتح صارت ملكًا لهم بعطيته ﷺ ، "وإن كان أهلها قد جعلوا"، أخرجوا "عنها، وأراد الداريون يزرعونها، فليزرعونها بلا خراج، وإذا رجع إليها أهلها، فهي لهم، و" هم بها "أحق، والسلام عليك, نقل من كتاب إسعاف الأخصا بتفضيل المسجد الأقصى" مؤلفه، "وكتب ﷺ ليوحنَّة" بضم التحتية، وفتح المهملة، وفتح النون الثقيلة، ثم تاء تأنيث، ويقال فيه: يوحنَّا، وهو كذلك في نسخة، "ابن رؤبة" بضم الراء، فهمزة ساكنة فموحدة- النصراني.
قال البرهان: لا أعرف له ترجمة، والظاهر هلاكه على دينه, "صاحب أيلة" بفتح الهمزة، وإسكان التحتية: مدينة بالشام على النصف ما بين مصر ومكة, على ساحل البحر من بلاد الشام، قاله أبو عبيدة، ويقال: سميت أيلة باسم بنت مدين بن إبراهيم، وروي أنها القرية التي كانت حاضرة البحر، "لما أتاه بتبوك" حين خاف أن يبعث إليه، كما بعث إلى أكيدر "وصالحстр. 2278
رسول الله ﷺ فأعطاه الجزية.
"بسم الله الرحمن الرحيم, هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنَّا بن رؤبة وأهل أيلة: أساقفتهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي, ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه، ولا طريقًا يريدونه من بر أو بحر". هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل ابن حسنة بإذن رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ "، وأهدى إليه بغلة بيضاء، فكساه المصطفى بردًا، كما في الصحيح، "فأعطاه الجزية"، أي: التزمها وانقاد لإعطائها عنه وعن أهل مدينته، وكانوا ثلاثمائة رجل، فوضع ﷺ الجزية ثلاثمائة دينار كل سنة، كما ذكر ابن سعد وغيره، ولفظ الكتاب كما عند ابن إسحاق وغيره: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة" بفتح الهمزة والميم والنون وتاء تأنيث أمان "من الله, ومحمد النبي رسول الله"، وذكر الله تبركًا.
والمعنى: أمان لكم من رسول الله بوحي من الله "ليوحنَّا بن رؤبة وأهل أيلة: أساقفتهم" بالجر بدل "وسائرهم"، أي: باقيهم؛ إذ الأساقفة بعض منهم، لكن لفظ ابن إسحاق، وتبعه اليعمري: "سفنهم وسيارتهم"، أي: قافلتهم "في البر والبحر"، يعني: إن الأمان عام لهم في جميع الأماكن التي يكونون بها، "لهم ذمَّة الله" أمانه، "وذمَّة النبي" لفظ ابن إسحاق أيضًا: ومحمد النبي "ومن كان معه" عطف على يوحنّا، أي: أمنه له ولمن كان معه "من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر".
وحاصله أن في أيلة أهلها الأصليين، وجماعة من هذه البلاد توطنوها، فعمَّ الجميع بالأمنة، "فمن أحدث" جدَّد "منهم حدثًا" أمر لم يكن في شريعتنا، "فإنه" انتقض عهده، فلذا "لا يحول ماله دون نفسه"، بل يحلّ ماله ونفسه جميعًا بدليل قوله: "وإنه طيب" حلال "لمن أخذه من الناس" لنقض العهد، فصار حربيًّا، "وإنه"، أي الشأن "لا يحلّ أن يمنعوا" بالبناء للمفعول، ونائبه الضمير العائد لأهل أيلة ومن معهم "ماء" بالنصب والتنوين مفعول ثان "يريدون, ولا طريقًا يريدونه" يقصدونه فيهما، لكن لفظ ابن إسحاق وتابعه: يردونه فيهما من الورود, "من بر أو بحر"، زاد الواقدي كابن إسحاق في رواية غير زياد, تعيين اسم الكاتب، فقال: "هذا كتاب جهيم" بضم الجيم مصغر "ابن الصلت" بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف المطلبي.
قال ابن سعد: أسلم عام خيبر, وأطعمه ﷺ منها ثلاثين وسقًا، "وشرحبيل" بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة، وكسر الموحدة, غير مصروف للعجمة والعلمية "ابن حسنة بإذن رسول الله ﷺ " لهما في كتابة -كل, بعض- الكتاب، ولعلَّ حكمته أن تعدد الكاتب بمنزلة تعددстр. 2279
وكتب ﷺ لأهل جربا وأذرح لما أتوه بتبوك أيضًا وأعطوه الجزية:
"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل أذرح وجربا أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد. وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة،
الحواشي
(١) الشاهد، أو أنَّ كلًّا كتب نسخة، أو كتبه أحدهما بحضور الآخر، فنسب إليهما، ثم هذا الكتاب بهذا اللفظ أورده ابن إسحاق، وتابعه اليعمري في غزوة تبوك -كما علم، وكذا ذكره ابن سعد عن الواقدي، وذكره ابن سعد أيضًا أنه ﷺ كتب إلى يوحنَّة بن رؤبة، وسروات أهل أيلة سلم أنتم: "فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإني لم أكن لأقاتلكم حتى أكتب إليكم، فأسلم، أو أعط الجزية، وأطع الله ورسوله ورسل رسوله، وأكرمهم، وأكسهم كسوة حسنة، فمهما رضيت رسلي، فإني قد رضيت، وقد علم الجزية، فإن أردتم أن يأمن البحر والبر، فأطع الله ورسوله، ويمنع عنكم كل حق كان للعرب والعجم إلا حق الله وحق رسوله، وإنك إن رددتم ولم ترضهم لا آخذ منك شيئًا حتى أقاتلكم، فأسبي الصغير، وأقتل الكبير، وإني رسول الله بالحق، أؤمن بالله وكتبه ورسله، والمسيح ابن مريم أنه كلمة الله، وإني أؤمن به أنه رسول الله، وائت قبل أن يمسَّكم الشر, فإني قد أوصيت رسلي بكم، وأعط حرملة ثلاثة أوسق من شعير، وإن حرملة شفع لكم، وإني لولا الله وذلك لم أراسلكم شيئًا حتى ترى الجيش، وإنكم إن أطعتم رسلي، فإن الله لكم جار ومحمد ومن كان معه، ورسلي شرحبيل وأبو حرملة وحريث بن زيد الطائي، فإنهم مهما فاوضوك عليه فقد رضيته، وإن لكم ذمة الله وذمة محمد رسول الله، والسلام عليكم إن أطعتم"، ولعل هذا الكتاب، كما ترى أرسل ليوحنة قبل إتيانه إليه، فلم يقنع بضرب الرسل الجزية حتى أتى هو للمصطفى، وأهدى له وصالحه، فكتب له الكتاب المذكور أولًا فلا منافاة بينهما.
وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي: قدم ملك أيلة على رسول الله ﷺ ، فأهدى إليه بغلة بيضاء، فكساه ﷺ بردًا وكتب له بجرهم، "وكتب ﷺ لأهل جربا" بالجيم، قال في المطالع: مقصورة, من بلد الشام، وجاءت في البخاري ممدودة اهـ، وكذا ذكرها القاموس ممدودة، "وأذرح" بفتح الهمزة وسكون المعجمة وضم الراء وحاء مهملة, بلد بالشام، قيل: هي فلسطين, بينها وبين جربا ثلاثة أميال -بميم, وغلط من قال: أيام "لما أتوه بتبوك أيضًا وأعطوه الجزية".
قال الواقدي: أتوه مع صاحب أيلة بجزيتهم، فأخذها فكأنَّهم عجلوها، فلا يقدر هنا، أي: التزموها، وصورته كما ذكر الواقدي "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله"، وفي لفظ: "هذا كتاب محمد النبي لأهل أذرح وجربا؛ أنهم آمنون بأمان الله وأمانстр. 2280
والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين في المخافة والتعزيز".
وعن حسين بن عبد الله بن ضميرة, عن أبيه, عن جده ضميرة, أن رسول الله ﷺ مَرَّ بأمّ ضميرة وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك؟ أجائعة أم عارية أنت"؟ فقالت: يا رسول الله, فرق بيني وبين ابني, فقال رسول الله ﷺ : "لا يفرَّق بين الوالدة وولدها"، ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فدعاه, فابتاعه من ببكر, قال ابن أبي ذؤيب: ثم أقرأني كتابًا عنده: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته، أن
الحواشي
(١) محمد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة" لا يؤخذ منه، إن رجال البلدين مائة بالقياس على رجال أيلة؛ لأن هذه جزية صلحية، وللصلحي ما شرط، وأما العنوية فأربعة دنانير على كل رجل كما تقرَّر، "والله كفيل عليهم"، أي: أخذ عليهم العهد، أي: آمرهم "بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين في المخافة والتعزيز" إذا خشوا على المسلمين، فهم آمنون حتى يحدث إليهم حمد ﷺ شيئًا من قتلٍ أو خروج. هذا بقية الكتاب عند الواقدي، كما ذكره الشامي في تبوك.
"و" روى البخاري في تاريخه، والحسن ابن سفيان، وابن منده من طريق ابن أبي ذئب، "عن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده ضميرة" بالتصغير, ابن أبي ضميرة الضميري الليثي، قاله ابن حبَّان، وقيل: إنه ضمير بن سعد الحميري "أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ بأمِّ ضميرة" صحابية ذكرها في الإصابة في الكُنَى ولم يسمّها، "وهي تبكى، فقال: "ما يبكيك؟ أجائعة أنت أم عارية أنت" فأطعمك وأكسوك, "فقالت: يا رسول الله, فرق بيني وبين ابني"، وكانوا أهل بيت من العرب مما أفاء الله على رسوله، كما رواه ابن منده في القصة، "فقال رسول الله ﷺ : "لا يفرَّق بين الوالدة وولدها، ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة، فدعاه فابتاعه" اشتراه "منه ببكر"، وأعطاه لأمّه، "قال ابن أبي ذؤيب" محمد بن عبد الله بن المغيرة القرشي، العامري، الثقة، الفقيه، الحافظ، أحد الأعلام, راوي هذا الحديث: زعم ابن صاعد أنه تفرَّد به عن حسين، وردَّ بأن ابن منده ذكر أن زيد بن الحباب تابعه, فرواه عن حسين، وكذا رواه إسماعيل بن أبي أويس: أخبرني حسين، "ثم أقرأني" حسين "كتابًا عنده" صورته "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة" الحميري، الصحابي، قيل: اسمه سعد، وقيل: روَّج ذكره البغوي، وابن منده، وابن سعد في الكنى، ووصفوه بأنه مولى رسول الله ﷺ ، قال مصعب: وكان له دار بالعقيق، وقال ابن الكلبي: هو غير أبي ضميرة مولى عليّ، كما في الإصابة, "وأهل بيته أنследующие страницы →