Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.
стр. 2276
وبيت إبراهيم ومن فيهم إلى أبد الأبد" شهد عباس بن عبد المطلب وخزيمة بن قيس، وشرحبيل بن حسنه وكتب.
قال: ثم دخل بالكتاب إلى منزله, فعالج في زواية الرقعة بشيء لا يعرف، وعقد من خارج الرقعة بسير عقدتين، وخرج به إلينا مطويًا وهو يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٨] ثم قال: انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت.
قال أبو هند: فانصرفنا، فلما هاجر ﷺ إلى المدينة قدمنا عليه وسألناه أن يجدد لنا كتابًا آخر، فكتب لنا كتابًا نسخته.
"بسم الله الرحمن الرحيم: هذا ما أنطى محمد رسول الله لتميم الداري وأصحابه، إني أنطيتكم بيت عين وحبرون والمرطوم وبيت إبراهيم برمتهم, وجميع ما فيهم نطية بت ونفذت, وسلمت ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبد
الحواشي
(١) ذكر المصنف في الخصائص تبعًا لغيره "شهد عباس بن عبد المطلب" أبو الفضل الهاشمي، "وخزيمة ابن قيس" "وشرحيل" بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة "ابن حسنة" هي أمّه, وأبوه عبد الله بن المطاع الكندي، كما تقدَّم كثيرًا، "وكتب" الكتاب شرحبيل، "قال" أبو هند راوي الحديث، "ثم دخل" ﷺ "بالكتاب إلى منزله، فعالج في زاوية الرقعة بشيء لا يعرف، وعقد من خارج الرقعة بسير عقدتين، وخرج به إلينا مطويًا، وهو يقول: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ﴾ أحقهم ﴿ِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ " في زمانه ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ﴾ محمد ﷺ ؛ لموافقته له في أكثر شرعه ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ من أمته, فهم الذين ينبغي لهم أن يقولوا نحن على دينه, ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ناصرهم وحافظهم، وحكمة تلاوتها في ذا المقام لا تخفى؛ لأنه لما كانت المحلات من آثاره، فلا أولى بها من هذا النبي والذين آمنوا, فإذا خص النبي بها بعضهم كانت له، "ثم قال: "انصرفوا حتى تسمعوا أني هاجرت" أي: رجعت إلى المدينة, سماه هجرة مجازًا؛ لأنَّ قدومهم كان عند انصرافه من تبوك، كما مَرَّ فائتوني، "قال أبو هند: فانصرفنا، فلمَّا هاجر ﷺ " رجع "إلى المدينة قدمنا عليه، وسألناه أن يجدد لنا كتابًا آخر، فكتب لنا كتابا نسخته: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أنطى" بالنون، أي أعطى، وقرأ: "إنا أنطيناك الكوثر" بالنون، "محمد رسول الله, لتميم الداري وأصحابه، إني أنطيتكم بيت عين" اسم للقرية المسمَّاة عينون، كما قال النجم: فهما اسمان لمحل واحد، "وحبرون، والمرطوم، وبيت إبراهيم برمتهم، وجميع ما فيهم نطية" عطية "بت ونفذت" النطية "وسلمت" أنا "ذلك لهم ولأعقابهم من بعدهم أبدстр. 2277
الأبد، فمن آذاهم فيه آذاه الله" شهد أبو بكر بن أبي قحافة, وعمر بن الخطاب, وعثمان بن عفان, وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب علي.
فلما قُبِضَ رسول الله ﷺ واستُخْلِفَ أبو بكر وجنَّد الجنود إلى الشام, كتب كتابًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم, من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإني أحمد الله إليك الذي لا إله إلا هو, أما بعد: فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين، وإن كان أهلها قد جعلوا عنها وأراد الداريون يزرعونها فليزرعونها بلا خراج, وإذا رجع إليها أهلها فهي لهم وأحق بهم, والسلام عليك. نقل من كتاب إسعاف الأخصا بتفضيل المسجد الأقصى.
وكتب ﷺ ليوحنَّة بن رؤبة صاحب أيلة لما أتاه بتبوك، وصالح
الحواشي
(١) الأبد، فمن آذاهم فيه آذاه الله"، لمخالفته أمر رسوله، "شهد أبو بكر بن أبي قحافة" عبد الله بن عثمان، " وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، ومعاوية بن أبي سفيان، وكتب علي"، وفي رواية: معاوية, وأخرى غيرهما، "فلمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ ، واستخلف أبو بكر، وجنَّد الجنود إلى الشام, كتب كتابًا نسخته: بسم الله الرحمن الرحيم، من أبي بكر الصديق إلى أبي عبيدة" عامر "بن الجراح، سلام عليك, فإني أحمد الله إليك"، أنهي إليك حمد الله "الذي لا إله إلا هو، أمَّا بعد، فامنع من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من الفساد في قرى الداريين"، أضافها إليهم؛ لأنها بمجرد الفتح صارت ملكًا لهم بعطيته ﷺ ، "وإن كان أهلها قد جعلوا"، أخرجوا "عنها، وأراد الداريون يزرعونها، فليزرعونها بلا خراج، وإذا رجع إليها أهلها، فهي لهم، و" هم بها "أحق، والسلام عليك, نقل من كتاب إسعاف الأخصا بتفضيل المسجد الأقصى" مؤلفه، "وكتب ﷺ ليوحنَّة" بضم التحتية، وفتح المهملة، وفتح النون الثقيلة، ثم تاء تأنيث، ويقال فيه: يوحنَّا، وهو كذلك في نسخة، "ابن رؤبة" بضم الراء، فهمزة ساكنة فموحدة- النصراني.
قال البرهان: لا أعرف له ترجمة، والظاهر هلاكه على دينه, "صاحب أيلة" بفتح الهمزة، وإسكان التحتية: مدينة بالشام على النصف ما بين مصر ومكة, على ساحل البحر من بلاد الشام، قاله أبو عبيدة، ويقال: سميت أيلة باسم بنت مدين بن إبراهيم، وروي أنها القرية التي كانت حاضرة البحر، "لما أتاه بتبوك" حين خاف أن يبعث إليه، كما بعث إلى أكيدر "وصالحстр. 2278
رسول الله ﷺ فأعطاه الجزية.
"بسم الله الرحمن الرحيم, هذه أمنة من الله ومحمد النبي رسول الله ليوحنَّا بن رؤبة وأهل أيلة: أساقفتهم وسائرهم في البر والبحر، لهم ذمة الله وذمة النبي, ومن كان معه من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر، فمن أحدث منهم حدثًا فإنه لا يحول ماله دون نفسه، وإنه طيب لمن أخذه من الناس، وإنه لا يحل أن يمنعوا ماء يريدونه، ولا طريقًا يريدونه من بر أو بحر". هذا كتاب جهيم بن الصلت وشرحبيل ابن حسنة بإذن رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ "، وأهدى إليه بغلة بيضاء، فكساه المصطفى بردًا، كما في الصحيح، "فأعطاه الجزية"، أي: التزمها وانقاد لإعطائها عنه وعن أهل مدينته، وكانوا ثلاثمائة رجل، فوضع ﷺ الجزية ثلاثمائة دينار كل سنة، كما ذكر ابن سعد وغيره، ولفظ الكتاب كما عند ابن إسحاق وغيره: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذه أمنة" بفتح الهمزة والميم والنون وتاء تأنيث أمان "من الله, ومحمد النبي رسول الله"، وذكر الله تبركًا.
والمعنى: أمان لكم من رسول الله بوحي من الله "ليوحنَّا بن رؤبة وأهل أيلة: أساقفتهم" بالجر بدل "وسائرهم"، أي: باقيهم؛ إذ الأساقفة بعض منهم، لكن لفظ ابن إسحاق، وتبعه اليعمري: "سفنهم وسيارتهم"، أي: قافلتهم "في البر والبحر"، يعني: إن الأمان عام لهم في جميع الأماكن التي يكونون بها، "لهم ذمَّة الله" أمانه، "وذمَّة النبي" لفظ ابن إسحاق أيضًا: ومحمد النبي "ومن كان معه" عطف على يوحنّا، أي: أمنه له ولمن كان معه "من أهل الشام وأهل اليمن وأهل البحر".
وحاصله أن في أيلة أهلها الأصليين، وجماعة من هذه البلاد توطنوها، فعمَّ الجميع بالأمنة، "فمن أحدث" جدَّد "منهم حدثًا" أمر لم يكن في شريعتنا، "فإنه" انتقض عهده، فلذا "لا يحول ماله دون نفسه"، بل يحلّ ماله ونفسه جميعًا بدليل قوله: "وإنه طيب" حلال "لمن أخذه من الناس" لنقض العهد، فصار حربيًّا، "وإنه"، أي الشأن "لا يحلّ أن يمنعوا" بالبناء للمفعول، ونائبه الضمير العائد لأهل أيلة ومن معهم "ماء" بالنصب والتنوين مفعول ثان "يريدون, ولا طريقًا يريدونه" يقصدونه فيهما، لكن لفظ ابن إسحاق وتابعه: يردونه فيهما من الورود, "من بر أو بحر"، زاد الواقدي كابن إسحاق في رواية غير زياد, تعيين اسم الكاتب، فقال: "هذا كتاب جهيم" بضم الجيم مصغر "ابن الصلت" بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف المطلبي.
قال ابن سعد: أسلم عام خيبر, وأطعمه ﷺ منها ثلاثين وسقًا، "وشرحبيل" بضم المعجمة، وفتح الراء، وسكون المهملة، وكسر الموحدة, غير مصروف للعجمة والعلمية "ابن حسنة بإذن رسول الله ﷺ " لهما في كتابة -كل, بعض- الكتاب، ولعلَّ حكمته أن تعدد الكاتب بمنزلة تعددстр. 2279
وكتب ﷺ لأهل جربا وأذرح لما أتوه بتبوك أيضًا وأعطوه الجزية:
"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد النبي رسول الله لأهل أذرح وجربا أنهم آمنون بأمان الله وأمان محمد. وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة،
الحواشي
(١) الشاهد، أو أنَّ كلًّا كتب نسخة، أو كتبه أحدهما بحضور الآخر، فنسب إليهما، ثم هذا الكتاب بهذا اللفظ أورده ابن إسحاق، وتابعه اليعمري في غزوة تبوك -كما علم، وكذا ذكره ابن سعد عن الواقدي، وذكره ابن سعد أيضًا أنه ﷺ كتب إلى يوحنَّة بن رؤبة، وسروات أهل أيلة سلم أنتم: "فإني أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، وإني لم أكن لأقاتلكم حتى أكتب إليكم، فأسلم، أو أعط الجزية، وأطع الله ورسوله ورسل رسوله، وأكرمهم، وأكسهم كسوة حسنة، فمهما رضيت رسلي، فإني قد رضيت، وقد علم الجزية، فإن أردتم أن يأمن البحر والبر، فأطع الله ورسوله، ويمنع عنكم كل حق كان للعرب والعجم إلا حق الله وحق رسوله، وإنك إن رددتم ولم ترضهم لا آخذ منك شيئًا حتى أقاتلكم، فأسبي الصغير، وأقتل الكبير، وإني رسول الله بالحق، أؤمن بالله وكتبه ورسله، والمسيح ابن مريم أنه كلمة الله، وإني أؤمن به أنه رسول الله، وائت قبل أن يمسَّكم الشر, فإني قد أوصيت رسلي بكم، وأعط حرملة ثلاثة أوسق من شعير، وإن حرملة شفع لكم، وإني لولا الله وذلك لم أراسلكم شيئًا حتى ترى الجيش، وإنكم إن أطعتم رسلي، فإن الله لكم جار ومحمد ومن كان معه، ورسلي شرحبيل وأبو حرملة وحريث بن زيد الطائي، فإنهم مهما فاوضوك عليه فقد رضيته، وإن لكم ذمة الله وذمة محمد رسول الله، والسلام عليكم إن أطعتم"، ولعل هذا الكتاب، كما ترى أرسل ليوحنة قبل إتيانه إليه، فلم يقنع بضرب الرسل الجزية حتى أتى هو للمصطفى، وأهدى له وصالحه، فكتب له الكتاب المذكور أولًا فلا منافاة بينهما.
وروى البخاري عن أبي حميد الساعدي: قدم ملك أيلة على رسول الله ﷺ ، فأهدى إليه بغلة بيضاء، فكساه ﷺ بردًا وكتب له بجرهم، "وكتب ﷺ لأهل جربا" بالجيم، قال في المطالع: مقصورة, من بلد الشام، وجاءت في البخاري ممدودة اهـ، وكذا ذكرها القاموس ممدودة، "وأذرح" بفتح الهمزة وسكون المعجمة وضم الراء وحاء مهملة, بلد بالشام، قيل: هي فلسطين, بينها وبين جربا ثلاثة أميال -بميم, وغلط من قال: أيام "لما أتوه بتبوك أيضًا وأعطوه الجزية".
قال الواقدي: أتوه مع صاحب أيلة بجزيتهم، فأخذها فكأنَّهم عجلوها، فلا يقدر هنا، أي: التزموها، وصورته كما ذكر الواقدي "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي رسول الله"، وفي لفظ: "هذا كتاب محمد النبي لأهل أذرح وجربا؛ أنهم آمنون بأمان الله وأمانстр. 2280
والله كفيل عليهم بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين في المخافة والتعزيز".
وعن حسين بن عبد الله بن ضميرة, عن أبيه, عن جده ضميرة, أن رسول الله ﷺ مَرَّ بأمّ ضميرة وهي تبكي، فقال: "ما يبكيك؟ أجائعة أم عارية أنت"؟ فقالت: يا رسول الله, فرق بيني وبين ابني, فقال رسول الله ﷺ : "لا يفرَّق بين الوالدة وولدها"، ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة فدعاه, فابتاعه من ببكر, قال ابن أبي ذؤيب: ثم أقرأني كتابًا عنده: "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته، أن
الحواشي
(١) محمد، وإن عليهم مائة دينار في كل رجب وافية طيبة" لا يؤخذ منه، إن رجال البلدين مائة بالقياس على رجال أيلة؛ لأن هذه جزية صلحية، وللصلحي ما شرط، وأما العنوية فأربعة دنانير على كل رجل كما تقرَّر، "والله كفيل عليهم"، أي: أخذ عليهم العهد، أي: آمرهم "بالنصح والإحسان إلى المسلمين، ومن لجأ إليهم من المسلمين في المخافة والتعزيز" إذا خشوا على المسلمين، فهم آمنون حتى يحدث إليهم حمد ﷺ شيئًا من قتلٍ أو خروج. هذا بقية الكتاب عند الواقدي، كما ذكره الشامي في تبوك.
"و" روى البخاري في تاريخه، والحسن ابن سفيان، وابن منده من طريق ابن أبي ذئب، "عن حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده ضميرة" بالتصغير, ابن أبي ضميرة الضميري الليثي، قاله ابن حبَّان، وقيل: إنه ضمير بن سعد الحميري "أنَّ رسول الله ﷺ مَرَّ بأمِّ ضميرة" صحابية ذكرها في الإصابة في الكُنَى ولم يسمّها، "وهي تبكى، فقال: "ما يبكيك؟ أجائعة أنت أم عارية أنت" فأطعمك وأكسوك, "فقالت: يا رسول الله, فرق بيني وبين ابني"، وكانوا أهل بيت من العرب مما أفاء الله على رسوله، كما رواه ابن منده في القصة، "فقال رسول الله ﷺ : "لا يفرَّق بين الوالدة وولدها، ثم أرسل إلى الذي عنده ضميرة، فدعاه فابتاعه" اشتراه "منه ببكر"، وأعطاه لأمّه، "قال ابن أبي ذؤيب" محمد بن عبد الله بن المغيرة القرشي، العامري، الثقة، الفقيه، الحافظ، أحد الأعلام, راوي هذا الحديث: زعم ابن صاعد أنه تفرَّد به عن حسين، وردَّ بأن ابن منده ذكر أن زيد بن الحباب تابعه, فرواه عن حسين، وكذا رواه إسماعيل بن أبي أويس: أخبرني حسين، "ثم أقرأني" حسين "كتابًا عنده" صورته "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لأبي ضميرة" الحميري، الصحابي، قيل: اسمه سعد، وقيل: روَّج ذكره البغوي، وابن منده، وابن سعد في الكنى، ووصفوه بأنه مولى رسول الله ﷺ ، قال مصعب: وكان له دار بالعقيق، وقال ابن الكلبي: هو غير أبي ضميرة مولى عليّ، كما في الإصابة, "وأهل بيته أنстр. 2281
رسول الله أعتقهم, وأنهم أهل بيتهم من العرب، إن أحبوا أقاموا عند رسول الله, وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم, فلا يعرض لهم إلّا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرًا". وكتب أُبَيّ بن كعب.
وكتب ﷺ كتابًا إلى أهل وج، سيأتي في وفد ثقيف في الفصل العاشر من هذا المقصد إن شاء الله تعالى.
وكذا كتابه ﵊ إلى مسيلمة الكذاب في وفد بني حنيفة.
وكتب ﷺ لأكيدر ولأهل دومة الجندل لما صالحه:
الحواشي
(١) رسول الله أعتقهم، وأنهم أهل بيت من العرب" مما أفاء الله على رسوله "إن أحبوا أقاموا عند رسول الله" ﷺ ، "وإن أحبوا رجعوا إلى قومهم, فلا يعرض لهم إلا بحق، ومن لقيهم من المسلمين فليستوص بهم خيرًا"، وكتب" الكتاب "أُبَيّ بن كعب"، وفي رواية: فاختار أبو ضمرة الله ورسوله، ودخل في الإسلام، وقال ابن سعيد والبلاذري: وفد حسين بن عبد الله بن ضميرة على المهدي بهذا الكتاب، فوضعه على عينيه، وأعطاه ثلاثمائة دينار، وكان خرج في سفر ومعه قومه، ومعهم هذا الكتاب، فعرض لهم اللصوص، فأخذوا ما معهم، فأخرجوا الكتاب وأعلموهم بما فيه، فقرأوه عليهم، فردوا عليهم ما أخذوا منهم ولم يعترضوا لهم، "وكتب ﷺ كتابًا إلى أهل وج" بفتح الواو وشد الجيم- وادٍ بالطائف "سيأتي في وفد ثقيف في الفصل العاشر من هذا المقصد إن شاء الله تعالى، وكذا" يأتي "كتابه ﵊ إلى مسيلمة الكذاب في وفد بني حنيفة"، فأخرهما؛ لأنهما مرتَّان على الوفود بخلاف ما هنا، فإنه كتب لمن لم يفد, ولا يرد أن منهم من قدم عليه أيضًا؛ لأن القدوم والوفد إنما هما لمن قدم مسلمًا، وهؤلاء قدموا لإعطاء الجزية، وأبو ضميرة وأهل بيته كانوا أسرى, فأعتقهم وكتب لهم الكتاب، فهذا موضعه، "وكتب ﷺ إلى أكيدر" بضم الهمزة، وفتح الكاف، وسكون التحتية، وفتح المهملة، وبالراء, لا يصرف للعلمية ووزن الفعل, ابن عبد الملك, النصراني المختلف في إسلامه، والأكثر على أنه قتل كافرًا، كما في الإصابة، "ولأهل دومة" بضم الدال، وفتحها، وسكون الواو فيهما, "الجندل" بفتح الجيم والمهملة، بينهما نون ساكنة, حصن وقرى من طرف الشام "لمن صالحه" حين أرسل إليه، وهو بتبوك, سرية عليها خالد بن الوليد، فأسره وجاء به، فصالحه على الجزية، وخلَّى سبيله.
قال أبو السعادات بن الأثير: ومن الناس من يقول أنه أسلم وليس بصحيح، وممن وقع في كلامه ذلك الواقدي، قال في المغازي: حدثني شيخ من دومة أن رسول الله ﷺ كتب لأكيدرстр. 2282
"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر ولأهل دومة الجندل، إن لنا الضاحية من الضحل، والبور والمعامي وأغفال الأرض، والحلقة والسلاح والحافر والحصن، ولكم الضامنة من النخل، والمعين من المعمور، لا تعدل سارحتكم، ولا تعد فاردتكم، ولا يحظر عليكم النبات، تقيمون الصلاة لوقتها وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك حق الله والميثاق، ولكم به الصدق والوفاء. شهد الله ومن حضر من المسلمين".
الحواشي
(١) هذا الكتاب: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول الله لأكيدر، ولأهل دومة الجندل" حين أجاب إلى الإسلام، وخلع الأنداد والأصنام, مع خالد بن الوليد سيف الله في دومة الجندل وأكنافها.
هكذا أسقطه المصنِّف من لفظ الكتاب عند الواقدي قبل قوله: " إن لنا الضاحية من الضحل" بفتح المعجمة، وسكون المهملة، وباللام, "والبور والمعامي" بمهملة فألف فميم، "وأغفال الأرض" بغين معجمة ففاء, "والحلقة" بسكون اللام: الدروع, "والسلاح" بما يمتنع به من العدو، "والحافر" الخيل والبغال ونحوهما، "والحصن، ولكم الضامنة من النخل والمعين من المعمور ولا تعدل سارحتكم".
قال الواقدي: أي لا تنحى عن الرعي، وقال في الروض: أي: لا تحشر إلى المصدق، "ولا تعد فاردتكم" بالفاء، وهي ما لا تجب فيه الصدقة، "ولا يحظر" بالظاء المعجمة "عليكم النبات".
قال السهيلي": أي: لا تمنعون من الرعي حيث شئتم، قال ابن حديدة: والنبات النخل القديم الذي ضرب عروقه في الأرض ونبت. أهـ.
وفي نسخة: "لا تحصر" بصاد مهملة "عليكم البيات" بموحدة وتحتيه، أي: لا يضيق عليكم في البيات بأرض تزروعون بها, "تقيمون الصلاة لوقتها، وتؤتون الزكاة بحقها، عليكم بذلك حق الله والميثاق، ولكم به" منا "الصدق والوفاء" على ما عاهدناكم، "شهد الله ومن حضر من المسلمين" بذلك.
هكذا ذكر هذا الكتاب الواقدي، ونقله السهيلي في الروض عن أبي عبيد، قال: أتاني به شيخ، فقرأته فإذا فيه، فذكره وهو صريح في إسلامه، وبهذا وبنحوه اغترَّ ابن منده وأبو نعيم فذكراه في الصحابة، وشنَّع عليهما أبو الحسن بن الأثير، فقال: إنما أهدى إلى النبي ﷺ وصالحه ولم يسلم، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل السِّيَر، ومن قال أنه أسلم فقد أخطأ خطأً ظاهرًا، بل كان نصرانيًّا، وقتله خالد بن الوليد في خلافة أبي بكر كافرًا، كما ذكره البلاذري، قال في الإصابة: يظهر أن أكيدر صالح على الجزية، كما قال ابن إسحاق: ويحتمل أن يكونстр. 2283
والضاحي: البارز الظاهر.
والضحل: الماء القليل.
والبور: الأرض التي تستخرج.
والمعامي: أغفال الأرض.
والحصن: دومة الجندل.
والضامنة: النخل الذي معهم في الحصن.
والمعين: الظاهر من الماء الدائم.
وباع ﷺ للعداء عبدًا وكتب: "بسم الله
الحواشي
(١) أسلم بعد ذلك، كما قال الواقدي، ثم ارتدَّ بعد النبي ﷺ مع مَنْ ارتدَّ، كما قال البلاذري, ومات على ذلك، "والضاحي: البارز الظاهر" من الأرض، وفي الروض: الضاحية أطراف الأرض، "والضحل: الماء القليل، والبور: الأرض التي تستخرج"، أي يؤخذ خراجها، والمعامي: أغفال الأرض"، فعطفه عليه, قوله: وأغفال الأرض تفسيريّ، لكن في الروض: المعامي مجهولها، أي: الأرض وأغفال الأرض ما لا أثر لهم فيه من عمارة، أو نحوها، وهو يقتضي تغايرهما, إلّا أن يقال أنه بحسب المفهوم, وما صدقهما واحد بأن يراد المجهول ما لا أثر فيه.
وفي القاموس: الأعماء الجهال جمع أعمى، وأغفال الأرض التي لا عمارة بها كالمعامي، "والحصن دومة الجندل"، يقال: عرفت بدومة ابن إسماعيل, كان نزلها، "والضامنة" بضاد معجمة "النخل الذي معهم في الحصن, والمعين الظاهر من الماء الدائم"، قال في الروض: قال أبو عبيد: وإنما أخذ منهم بعض هذين الأرضين مع الحلقة والسلاح، ولم يفعل ذلك مع أهل الطائف حين جاءوا تائبين؛ لأن هؤلاء ظهر عليهم وأخذ ملكهم أسيرًا، ولكنه أبقى لهم من أموالهم ما تضمنه الكتاب؛ لأنه لم يقاتلهم حتى يأخذهم عنوة، كما أخذ خيبر، فلو كان الأمر كذلك لكانت أموالهم كلها للمسلمين، وكان لهم الخيار في رقابهم، كما تقدَّم، ولو جاءوا إليه تائبين أيضًا قبل الخروج إليهم, كما فعلت ثقيف, ما أخذ من أموالهم شئًا. أهـ، "وباع ﷺ للعداء".
قال في التقريب: بفتح المهملة والتشديد وآخره همزة، وقال في الإصابة: العداء بوزن العطاء, ابن خالد بن هوذة بن خالد بن عمرو بن عامر بن صعصعة العامري، أسلم بعد حنين مع أبيه وأخيه حرملة، وذكره ابن الكلبي هو ووالده في المؤلفة, وعَمَّر، فإن أحمد ذكر أنه عاش إلى زمن خروج يزيد بن المهلب، وكان ذلك سنة إحدى، أو اثنتين ومائة. أ. هـ "عبدً، وكتب: "بسم اللهстр. 2284
الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله، اشترى عبدًا أو أمة -شك الراوي- لا داء ولا غائلة ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم". رواه أبو داود والدارقطني.
والغائلة: الإباق والسرقة والزنا.
والخبثة: قال ابن أبي عروبة: بيع غير أهل المسلمين.
وكان إسلام العداء بعد فتح خيبر، وهذا يدل على مشروعية الإشهاد في المعاملات, قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] والأمر هنا ليس للوجوب. فقد باع ﵊ ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرًا واجبًا لوجب مع الرهن خوف المنازعة, والله أعلم.
الحواشي
(١) الرحمن الرحيم، هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة" بفتح الهاء، وسكون الواو، وذال معجمة، "من محمد رسول الله، اشترى عبدًا أو أمة، -شك الراوي- لا داء" به، "ولا غائلة" فيه، " ولا خبثة" بكسر الخاء المعجمة وسكون الموحدة ومثلثة، "بيع المسلم للمسلم"، رواه أبو داود والدارقطني.
"والغائلة" بغين معجمة "الإباق والسرقة والزنا, والخبثة، قال ابن أبي عروبة" سعيد بن مهران اليشكري، مولاهم البصري، الثقة الحافظ، صاحب التصانيف من رجال الجميع, "بيع غير أهل المسلمين".
وفي القاموس: الخبثة -بالكسر في الرقيق أن لا يكون طيبة، أي: سبى من قوم لا يحل سبيهم ولا استرقاهم أهـ، وهذا مما شمله تفسير سعيد, "وكان إسلام العداء بعد فتح خيبر"، لعله مكة، ليوافق قول الإصابة بعد حنين، وكان من المؤلفة, أو لفظة فتح مقحمة، والأصل بعد حنين وخيبر تصحيف، "وهذا يدل على مشروعية الإشهاد في المعاملات".
"قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ ، والأمر هنا ليس للوجوب"، كما ال به طائفة، بل للندب عند الجمهور؛ لأنه أدفع للخلاف، "فقد باع ﵊ ولم يشهد"، فدلَّ على أنه للندب، "واشترى و" تسلّف، و"رهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرًا واجبًا" ما تركه، و"لوجب مع الرهن خوف المنازعة، والله أعلم" بالحق، وترك المصنف هنا من الكتب كتابه إلى بني نهد -بالنون، وكتابه بين قريش والأنصار، وكتابه لأهل همدان، وكتابه لقطن بن حارثة، وكتابه لوائل بن حجر؛ لأنه سيذكرها في فصاحةстр. 2285
وأما أمراؤه ﵊:
فمنهم: باذان بن ساسان من ولد بهرام، أمَّره ﷺ على اليمن، وهو أوّل أمير في الإسلام على اليمن، وأوّل من أسلم من ملوك العجم.
وأمَّر ﷺ على صنعاء خالد بن سعيد. وولَّى زياد بن لبيد الأنصاري حضرموت
الحواشي
(١) لسانه ﷺ من المقصد الثالث لما فيها من مزيد الفصاحة، "وأمَّا أمراؤه ﵊" أخَّرهم عن الكتاب مع قوله أول الفصل: في أمرائه ورسله وكتابه؛ لإحتمال أن ولايتهم كانت بعد المكاتبات، فقدَّمهم في الترجمة لشرف الولاية، لا لشرفهم، فالكتاب أشرف منهم؛ لأن فيهم الخلفاء، وأخَّرهم في الذكر نظرًا لزمن الولاية، "فمنهم باذان" بفتح الموحدة، والذال المعجمة بعدها ألف وآخره نون، ويقال: ميم "ابن ساسان من ولد بهرام" بن سابور بن أردشير بن بابك بن ساسان الأصغر، أحد الملوك الساسانية من الفرس، وأسلم باذان لما هلك كِسَرى، وكان نائبه على اليمن، وأرسل بإسلامه إلى النبي ﷺ فـ"أمَّره ﷺ على اليمن" وفاءً بقوله ﷺ لرسوليه اللذين بعثهما للمصطفى، بأمر كسرى ليأتياه به، فأخبرهما أن الله قتله، قالا: فنكتب بذلك عنك إلى باذان، قال: "نعم" , وقولا له: "إن أسلمت أقرَّك على ملكك"، فأسلم لما شاهد الآية الباهرة من الإخبار بالغيب في الساعة التي عينها من الليلة، كما تقدَّم، "وهو أوّل أمير في الإسلام على اليمن، وأوّل من أسلم من ملوك العجم"، كما قاله الثعلب، ثم مات, فاستعمل ابنه شهر بن باذان على بعض عمله.
ذكره الواقدي، وابن إسحاق، والطبري، وعند الفاكهي من مرسل الشعبي أن باذان خرج إلى النبي - ﷺ ، فلحقه العنسي الكذّاب فقتله.
قاله في الإصابة في القسم الثالث فيمن أدرك النبي ولم يره، وقال في ترجمة شهر: استعمله ﷺ على صنعاء بعد موت أبيه، روى ذلك سيف بسنده، وقال الطبري: لما غلب الأسود الكذاب على صنعاء، وقتل شهر بن باذان تزوَّج زوجته، فكانت هي التي أعانت على قتل الأسود بغضًا له، "وأمَّره ﷺ على صنعاء" وأعمالها بعد قتل شهر "خالد بن سعيد" بن العاص القرشي، "وولَّى" لم يقل أمر تفننًا لترادفها لغة "زياد بن لبيد" بفتح اللام, ابن ثعلبة بن سنان بن عامر "الأنصاري" البياضي، شهد العقبة وبدرًا "حضرموت"، كما ذكره الواقدي وغيره، قال في المراصد: بالفتح، ثم السكون وفتح الراء والميم: اسمان مركَّبان, ناحية واسعة في شرقي عدن بقرب البحر, حولها رمال كثيرة تعرف بالأحقاف، وقيل: هو مخلاف باليمن، وفي القاموس قدстр. 2286
وولى أبا موسى الأشعري زبيد وعدن, وولَّى معاذ بن جبل الجند, وولَّى أبا سفيان بن حرب نجران. وولَّى ابنه يزيد تيماء.
وولَّى عتاب -فتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية- ابن أسيد -بفتح الهمزة وكسر السين المهملة- مكة، وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان.
الحواشي
(١) تضم الميم، "وولَّى أبا موسى الأشعري" عبد الله بن قيس "زبيد"، بفتح الزاي وكسر الموحدة وسكون التحتية ودال مهملة, مدينة باليمن, "وعدن" بفتحتين, مدينة أيضًا باليمن، "وولَّى معاذ بن جبل" الخزرجي البدري، أعلم الأمة بالحلال والحرام "الجند"، بفتح الجيم والنون، فدال مهملة مدينة باليمن.
قال في المراصد: واليمن ثلاث ولايات: الجند ومخاليفها، وصنعاء ومخاليفها، وحضرموت ومخاليفها، "وولَّى أبا سفيان بن حرب نجران" بفتح النون، وسكون الجيم, موضع باليمن فُتِحَ سنة عشر، سمي بنجران بن زيد بن سبأ، كما في القاموس، قال في الإصابة: يقال: إن النبي ﷺ استعمله على نجران ولا يثبت، قال الواقدي: أصحابنا ينكرون ذلك ويقولون: كان أبو سفيان بمكة وقت وفاة النبي ﷺ , وكان عاملها -أي: نجران- حينئذٍ عمرو بن حزم. انتهى.
"وولَّى ابنه يزيد تيماء" بفتح الفوقية، وسكون التحتية، والمد, بلد في بادية تبوك على نحو سبع أو ثمان مراحل من المدينة، قال بعضهم: هي فعلاء من التيم، وهو العبد، ومنه: تيم الله، أي: عبده, وقد تيَّمه الحب، أي: استعبده، فكانت هذه الأرض، قيل لهما: تيماء؛ لأنها مذللة معبَّدة، "وولَّى عتاب فتح المهملة وتشديد المثناة الفوقية, ابن أسيد -بفتح الهمزة وكسر السين المهملة وبعد الألف موحدة, ابن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، أسلم يوم الفتح، وكان صالحًا فاضلًا "مكة", حين سار إلى حنين، وقيل: بعد أن رجع من الطائف. حكاهما الواقدي، "وإقامة الموسم والحج بالمسلمين سنة ثمان" التي هي سنة الفتح, فهو أول أمراء الحج، كما جزم به الماوردي وابن كثير والمحب الطبري وغيرهم.
وأما قول الأزرقي: لم يبلغنا أنه استعمل في تلك السنة على الحج أحدًا، وإنما ولَّى عتابًا إمرة مكة، وحجَّ المسلمون والمشركون جميعًا، فكان المسلمون مع عتاب لكونه الأمير، فهو إنما نفى أنه بلغه، ولم يطلق النفي، قال في الإصابة: وأقرَّه أبو بكر على مكَّة إلى أن مات يوم مات الصديق، ذكره الواقدي وغيره، لكن ذكره الطبري في عمّال عمر إلى سنة اثنتين وعشرين، فهذا يشعر بأنَّه مات في أواخر خلافة عمر، وروى الطيالسي والبخاري في تاريخه عن عمرو بن أبي عقرب: سمعت عتاب بن أسيد، وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول: ما أصبت في عملي هذا الذي ولّاني رسول الله ﷺ إلّا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان, وإسناده حسن،стр. 2287
وولى علي بن أبي طالب القضاء باليمن.
وولى عمرو بن العاص عمان وأهلها.
وولى أبا بكر الصديق إقامة الحج سنة تسع، وبعث في أثره عليًّا، فقرأ على الناس براءة، فقيل: لأنَّ أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر إلى الحج،.
الحواشي
(١) ومقتضاه أنه عاش بعد أبي بكر.
وروى المحاملي، عن أنس أنه ﷺ استعمل عتابًا على مكة، وكان شديدًا على المنافقين لينًا على المؤمنين، وكان يقول: والله لا أعلم متخلفًا عن الصلاة في جماعة إلّا ضربت عنقه، فإنه لا يتخلّف عنها إلا منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله, استعملت على أهل الله أعرابيًّا جافيًا، فقال: "إني رأيت فيما يرى النائم؛ أنه أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب، فقعقها حتى فُتِحَ له ودخل" رجاله ثقات إلا محمد بن إسماعيل بن حذافة السهمي، ضعفوه في غير الموطأ، "وولّى علي بن أبي طالب القضاء باليمن"، كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه عنه: بعثني رسول الله ﷺ على اليمن قاضيًا، وأنا حديث السن، قلت: يا رسول الله, تبعثني وأنا شاب أقضي ولا أدري ما القضاء، فضرب بيده في صدري، فقال: "اللهم اهد قلبه، وثبّت لسانه"، وقال: "إن الله سيهدي قلبك، ويثبت لسانك"، قال: فما شككت في قضء بين اثنين، وجمع بين هذا ونحوه، وبين قول ابن عمر ما اتخذ ﷺ قاضيًا، ولا أبو بكر، ولا عمر حتى كان في آخر زمانه، قال ليزيد -ابن أخت نمير: اكفني بعض الأمور. رواه أبو يعلى برجال الصحيح.
وقال السائب بن يزد: إن النبي ﷺ وأبا بكر لم يتخذا قاضيًا، وأوّل من استقضى عمر، قال: ردّ عني الناس في الدرهم والدرهمين. رواه الطبراني بسند جيد، بأنه ﷺ لم يستقض شخصًا معينًا للقضاء بين الناس دائمًا، وإنما استقضى جماعة في أشياء خاصّة؛ كقول معقل بن يسار: أمرني ﷺ أن أقضي بين قوم، فقلت: ما أحسن أن أقضي، قال: "إن الله مع القاضي ما لم يحف عمدًا"، وجاءه ﷺ خصمان، فقال لعمر: "اقض بينهما"، رواهما أحمد والحاكم، وكذا قال لعقبة في خصمين جاءاه: "اقض بينهما"، رواه أحمد وغيره، "وولى عمرو بن العاص عمان"، كغراب "وأهلها، وولَّى أبا بكر الصديق إقامة الحج سنة تسع" في ذي الحجة على المعتمد، وقال مجاهد وعكرمة بن خالد: في ذي القعدة، "وبعث في أثره عليًّا، فقرأ على الناس براءة".
قال الحافظ: فيه تجوّز؛ لأنه أمره أن يؤذن ببضع وثلاثين آية، منتهاها ولو كره المشركون، كما رواه ابن جرير عن محمد بن كعب, وعنده عن علي: بأربعين آية من أول براءة، "فقيل" في حكمة إرساله وكونه لم يأمر الصديق بقراءتها مع أنه الأمير؛ "لأن أولها نزل بعد أن خرج أبو بكر إلى الحج"، كما رواه ابن إسحاق من مرسل أبي جعفر الباقر: لما نزلت براءة، وكان قد بعثстр. 2288
وقيل: أردفه به عونًا له ومساعدًا، ولهذا لما قال له الصديق: أمير أو مأمور؟ قال: بل مأمور، وأمَّا الرافضة فقالوا: بل عزله، وهذا لا يبعد من بهتهم وافترائهم.
وقد ولّى ﷺ على الصدقات جماعة كثيرة.
"رسله ﷺ ":
وأما رسله ﷺ ، فقد روي أنه ﵊ بعث ستة نفر في يوم واحد، في المحرم سنة سبع. وذكر القاضي عياض في الشفاء مما عزاه للواقدي: إنه أصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعثه إليهم.
الحواشي
(١) الصديق ليقيم للناس الحج، قيل: يا رسول الله, لو بعث بها إلى أبي بكر، قال: "لا يؤدي عني إلّا رجل من أهل بيتي"، دعا عليًّا، فقال: "اخرج بهذه القصة من صدر براءة، وأذّن في الناس يوم النحر" الحديث. لكن روى أحمد والترمذي، وحسَّنه عن أنس أن النبي ﷺ بعث ببراءة مع أبي بكر، فلمَّا بلغ الحليفة قال: "لا يبلغها إلّا أنا، أو رجل من أهل بيتي"، فبعث بها مع علي.
رواه أحمد والطبري من حديث عليّ بنحوه، وفيه: إن أبا بكر رجع، وقال: نزل فيّ شيء يا رسول الله؟ قال: "لا, أنت صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض، ولكن جبريل قال لي: لا يؤدي عنك إلّا أنت، أو رجل منك"، ولم يتعرض الحافظ لجمع، ولا ترجيح، كأنه لظهور الترجيح؛ لأن رواية نزولها بعد خروج أبي بكر مرسلة، ورواية نزولها قبل خروجه مسندة وإسناده حسن، "وقيل: أردفه به عونًا له ومساعدًا" عطف تفسير، "ولهذا لما قال له الصديق" أنت "أمير أو مأمور" بالمساعدة لي، فتكون تحت أمري، "قال: بل مأمور. وأمَّا الرافضة فقالوا: بل عزله، وهذا لا يبعد من بهتهم" تقول: "وافترائهم" كذبهم على المصطفى فيما يوافق أغراضهم، "وقد ولَّى ﷺ على" جمع "الصدقات" الزكوات والقيام بأمرها "جماعة كثيرة", سيذكر بعضهم قريبًا.
قال ابن القيم: لأنه كان على كل قبيلة والٍ يقبض صدقاتها، فمن هنا كثر عمَّال الصدقات، "وأمَّا رسله ﷺ ، فقد روي" عن ابن سعد "أنه ﵊" لما رجع من الحديبية في ذي الحجة سنة ست، أرسل إلى الملوك يدعوهم إلى الإسلام، وكتب إليهم كتبًا، و"بعث ستة نفر في يوم واحد في المحرم سنة سبع"، فأفادت هذه الرواية بما زدته منها أنَّ العزم على الإرسال والكتب في ذي الحجة، وتأخَّر البعث إلى أوّل المحرم، فخرجوا في يوم واحد، وهي رواية واحدة, فلا ينافي بعضها بعضًا، كما هو ظاهر.
"وذكر القاضي عياض في الشفاء، مما عزاه للواقدي, أنه أصبح كل رجل منهم يتكلّم بلسان القوم الذين بعثه إليهم"، من غير مضيّ زمان يمكن فيه التعلّم، معجزة له ﷺ , حتىстр. 2289
وكان أوّل رسول بعثه رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضمري، إلى النجاشي ملك الحبشة، وكتب إليه كتابين يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن، فأخذه النجاشي ووضعه على عينيه, ونزل عن سريره، فجلس على الأرض, ثم أسلم وشهد شهادة الحق, وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته
الحواشي
(١) يفهموا ما يقال، ولا ينافي هذا دعاء بعض الملوك الترجمان؛ لأنه من تعاظم العجم، وما ذكره الواقدي له شواهد، فأخرج ابن سعد عن بريدة الزهري، ويزيد بن رومان، والشعبي, أنه ﷺ بعث عدة إلى عدة، وأمرهم بنصح عباد الله، فأصبح الرسل كل رجل منهم يتكلّم بلسان القوم الذين أرسل إليهم، فذكر ذلك ﷺ فقال: "هذا أعظم ما كان من حق الله في أمر عباده".
وروى ابن أبي شيبة من مرسل جعفر بن عمرو, بعث ﷺ أربعة: رجلًا إلى كسرى، ورجلًا إلى قيصر، ورجلًا إلى المقوقس، وعمرو بن أمية إلى النجاشي، فأصبح كل رجل منهم يتكلم بلسان القوم الذين بعث إليهم، وكان جعفرًا لم يحفظ بقية الستة.
وقد روى الطبراني عن المسور بن مخرمة الصحابي، قال: خرج ﷺ إلى أصحابه، فقال: "إن الله بعثني للناس كافّة، فأدوا عني وا تختلفوا علي"، فبعث عبد الله بن حذافة إلى كسرى، وسليطًا إلى هوذة، والعلاء إلى المنذر، وابن العاص إلى ملكي عمان، ودحية إلى قيصر، وشجاعًا إلى الحارث، وعمرو بن أمية إلى النجاشي. فعدَّهم سبعة، وزاد أصحاب السير جماعة غيرهم، ففي هذا موازاة الصحابة للحواريين، فقد روى ابن عبد الحكم في فتوح مصر، وابن إسحاق في السيرة, أنه ﷺ قام على المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وتشهَّد ثم قال: "أما بعد، فإني أبعث بعضكم إلى ملوك العجم، فلا تختلفوا علي كما اختلف بنو إسرائيل على عيسى، وذلك أن الله بعث إليه أن أبعث إلى ملوك الأرض، فبعث الحواريين، فأمَّا القريب مكانًا فرضي، وأما البعيد مكانًا فكره، وقال: لا أحسن كلام من تبعثني إليه، فقال عيسى: اللهمَّ أمرت الحواريين بالذي أمرت، فاختلفوا علي، فأوحى الله إليه أني سأكفيك، فأصبح كل إنسان يتكلّم بلسان الذين أرسل إليهم"، فقال المهاجرون: يا رسول الله، والله لا نختلف عليك أبدًا في شيء, فمرنا وابعثنا, "وكان أول رسول بعثه ﷺ عمرو بن أمية الضمري" نسبة إلى جدِّه ضمرة -بفتح فسكون كما تقدَّم مرارًا, "إلى النجاشي ملك الحبشة, وكتب إليه كتابين, يدعوه في أحدهما إلى الإسلام، ويتلو عليه القرآن"، أي: بعضه، "فأخذه النجاشي، ووضعه على عينيه" تبركًا وتعظيمًا، "ونزل عن سريره، وجلس على الأرض" تواضعًا لله على هذه النعمة التي ساقها إليه، "ثم أسلم وشهد وشهادة الحق"، إضافة بيانية، أي: هي الحق. "وقال: لو كنت أستطيع أن آتيه لأتيته"، لكنِّي لا أستطيع ذلك خوفًا من خروج الحبشة،стр. 2290
وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان، فزوَّجه إياها كما تقدَّم في الأزواج، ودعا بحق من عاج فجعل فيه كتابي رسول الله ﷺ , وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرهم، وصلى عليه النبي ﷺ وهو بالحبشة, كذا قاله الواقدي وغيره.
وليس كذلك، فإن النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ليس هو الذي كتب كما تقدَّم.
وبعث ﵊ دحية بن خليفة الكلبي -وهو أحد الستة- إلى قيصر ملك الروم، واسمه هرقل, يدعوه إلى الإسلام، فهمَّ بالإسلام فلم توافقه الروم, فخافهم على ملكه فأمسك.
وبعث عبد الله.
الحواشي
(١) وتلاشى أمرهم مع ما أؤمله من إسلامه ببقائي بينهم، "وفي الكتاب الآخر أن يزوجه أم حبيبة بنت أبي سفيان", وأن يبعث إليه من هاجر إليه من الصحابة، "فزوجه إياها كما تقدَّم في الأزواج"، وجهَّز إليه أصحابه كما تقدَّم، "ودعا بحق من عاج، فجعل فيه كتابي رسول الله ﷺ ، وقال: لن تزال الحبشة بخير ما كان هذان الكتابان بين أظهرهم"، ومات ﵀ سنة تسع أو ثمان، "وصلى عليه النبي ﷺ " بالمدينة يوم موته، "وهو بالحبشة، كما قاله"، أي: كل ما ذكره "الواقدي وغيره"، لا خصوص الصلاة؛ لأنها في الصحيحين، "وليس كذلك، فإن النجاشي الذي صلى عليه رسول الله ﷺ ليس هو الذي كتب إليه كما تقدَّم"، هذا وَهْم، فالذي تقدَّم إنه كتب إليهما جميعًا؛ أصحمة الذي صلى عليه، والذي ولي بعده، وكان كافرًا لم يعرف إسلامه، ولا اسمه، وخلط بعضهم، ولم يميز بينهما.
هذا كلام المصنف في كتابه إلى النجاشي، وما بالعهد من قدم، وقد روى البيهقي وغيره أنه كتب إلى كلٍّ منهما، كما قدَّمته، فمن نفى الكتابة عن الأول فقد وَهمَ، والله أعلم.
"وبعث ﵊ دحية بن خليفة الكلبي، وهو أحد الستة"، أي: الثاني منها, والأنسب بما بعده أن يقول: وهو الثاني, والمراد في العدو الذكر، لما مَرَّ أنهم خرجوا في يوم واحد "إلى قيصر ملك الروم واسمه هرقل" بكسر، ففتح، فسكون على المشهور في الروايات "يدعوه إلى الإسلام, فهَمَّ بالإسلام فلم توافقه الروم، فخافهم على ملكه فأمسك" على نصرانيته حتى مات عليها، "وبعث عبد الله" بن حذافة بن قيس بن عدي بن سعيد -بضم السينстр. 2291
السهمي إلى كسرى وهو الثالث.
وبعث الرابع وهو حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس فأكرمه، وبعث إلى النبي ﷺ بجاريتين وكسوة وبغلة ولم يسلم.
وبعث الخامس وهو شجاع بن وهب الأسدي إلى ملك البلقاء الحارث بن أبي شمر الغساني.
وبعث السادس وهو سليط بن عمرو العامري إلى هوذة وإلى ثمامة بن أثال الحنفي, فأسلم ثمامة.
وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفر وعبد ابني
الحواشي
(١) ابن سهم القرشي، "السهمي" نسبة إلى جدِّه سهم المذكور "إلى كسرى، وهو الثالث، وبعث الرابع، وهو حاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، فأكرمه وبعث إلى النبي ﷺ بجاريتين" على ما في روايات، وفي رواية بثلاث، فالاقتصار على اثنتين لجمالهما ومكانهما من القبط، كما مَرَّ "وكسوة" عشرين ثوبًا من قباطي مصر, "وبغلة" هي دلدل, وحمار, وغير ذلك، كما مَرَّ، "ولم يسلم على الصواب، ووَهِمَ من عده في الصحابة، "وبعث الخامس، وهو شجاع بن وهب الأسدي" نسبة إلى جده أسد بن حزيمة "إلى ملك البلقاء" بفتح الموحدة، وإسكان اللام وقاف والمد، وتقصر مدينة من عمل دمشق, فيها قرى كثيرة ومزارع واسعة "الحارث بن أبي شمر الغساني" فلم يسلم، "وبعث السادس، وهو سليط بن عمرو العامري"، نسبة إلى جده عامر بن لؤي القرشي "إلى هوذة" صاحب اليمامة، "وإلى ثمامة" بضم المثلثة، وخفة الميمين "ابن أثال" بضم الهمزة، وبمثلثة خفيفة، ولام, مصروف, ابن النعمان، "الحنفي" من فضلاء الصحابة، "فأسلم ثمامة" ولم يسلم هوذة، كذا قال ابن إسحاق: إنه بعث إليهما، وهو منابذ لما في الصحيحين أنه ﷺ بعث خيلًا قِبَلَ نجد، فجاءت بثمامة بن أثال، سيد أهل اليمامة، فربطوه بسارية المسجد. الحديث، وفيه: فقال ﷺ : "أطلقوا ثمامة"، فانطلق, فاغتسل، ثم دخل المسجد، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. الحديث، وأخرجه بنحوه ابن إسحاق نفسه في المغازي، وذكر المصنف في المغازي كغيره: إن ذلك في المحرم سنة ست، فإن صحَّ أنه أرسل إليه أيضًا، فالمراد به أنه يكون عونًا لسليط على هوذة، ويئول قوله: فأسلم ثمامة، أي: استمرَّ على إسلامه، لا أنه أسلم حين الإرسال؛ لأنه أسلم قبل ذلك بسنة, بالمدينة لما أُسِرَ ومنَّ عليه المصطفى، كما في الصحيحين، "وبعث عمرو بن العاص في ذي القعدة سنة ثمان إلى جيفرстр. 2292
الجلندي بعمان فأسلما وصدَّقا.
وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي ملك البحرين قبل منصرفه من الجعرانة -وقيل قبل الفتح- فأسلم وصدَّق.
وبعث أبو موسى الأشعري ومعاذ بن جبل إلى اليمن عند انصرافه من تبوك, وقيل: بل سنة عشر في ربيع أول داعيين إلى الإسلام، فأسلم غالب أهلها من غير قتال, ثم بعث عليّ بن أبي طالب بعد ذلك إليهم, ووافاه بمكة في حجَّة الوداع.
وبعث المهاجر بن أبي أمية المخزومي إلى الحارث بن عبد كلال
الحواشي
(١) وعبد ابني الجلندي بعمان، فأسلما وصدقا"، كما تقدَّم بسطه، "وبعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوى العبدي" نسبة إلى جدِّه عبد الله بن دارم التميمي، لا إلى عبد القيس, كما ظنَّه بعض الناس، أفاده الرشاطي، كما في الإصابة "ملك البحرين قبل منصرفه من الجعرانة"، لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة سنة ثمان، فهو سنة الفتح، "وقيل: قبل الفتح" لمكة، وجزم به في الإصابة، وعزاه لابن إسحاق، وغير واحد, ونحو قول العيون بعد إنصرافه من الحديبية، "فأسلم وصدَّق".
زاد الواقدي: ثم استقدم النبي ﷺ العلاء الحضرمي، فاستخلف المنذر مكانه، "وبعث أبو موسى" عبد الله بن قيس "الأشعري، ومعاذ بن جبل إلى اليمن, عند انصرافه من تبوك" رواه الواقدي، وابن سعد، عن كعب بن مالك، وكان انصرافه منها في رمضان، أو شعبان سنة تسع، "وقيل: بل سنة عشر في ربيع أوَّل" حكاه ابن سعد، وقيل: عام الفتح سنة ثمان.
حكى الثلاثة في فتح الباري، فما يوجد في بعض نسخ المصنف من تبوك سنة عشر بإسقاط، وقيل: بل خطأ نشأ عن سقط، وإن أمكن توجيهه بأن سنة عشر معمول لبعث لا لتبوك، لكنه مع إيهامه يكون قاصرا على قول "داعيين إلى الإسلام, فأسلم غالب أهلها من غير قتال، ثم بعث علي بن أبي طالب بعد ذلك إليهم" في رمضان سنة عشر، كما قال ابن سعد، فقاتل من لم يسلم، فهزموا، وقتل منهم فكفَّ، ثم دعاهم إلى الإسلام، فأسرعوا الإجابة، فأقام فيهم يقرئهم القرآن، ويعلمهم الشرائع، وكتب للنبي ﷺ ، فأمر أن يوافيه بالموسم، فقفل "ووافاه بمكة في حجة الوداع، وبعث المهاجر بن أبي أمية" بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم القرشي، "المخزومي" شقيق أم سلمة أم المؤمنين, له في قتال أهل الردة أثر كبير, "إلى الحارث بن عبد كلال" الأصغر ابن نصر بن سهل بن غريب بن عبد كلال الأوسط بن عبيدстр. 2293
الحميري باليمن.
وبعث جرير بن عبد الله البجلي إلى ذي الكلاع وذي عمرو يدعوهم إلى الإسلام، فأسلما
الحواشي
(١) "الحميري" أحدًا قبال اليمن.
قال الهمداني في الأنساب: كتب ﷺ إلى الحارث وأخيه، وأمر رسوله أن يقرأ عليهما لم يكن، فوفد عليه الحارث فأسلم، فاعتنقه، وأفرشه رداءه، وقال قبل أن يدخل عليه: "يدخل عليكم من هذا الفج رجل كريم الجدين، صبيح الخدين"، فكان هو، قال في الإصابة: والذي تظاهرت به الروايات أنه أرسل بإسلامه، وأقام "باليمن", وقال ابن إسحاق: قدم على المصطفى مقدمه من تبوك كتاب ملوك حمير بإسلامهم, منهم الحارث بن عبد كلال، وكان ﷺ أرسل إليه المهاجر فأسلم، وكتب إلى المصطفى شعرًا يقول:
ودينك دين الحق فيه طهارة ... وأنت بما فيه من الحق آمر
"وبعث جرير" بفتح الجيم "ابن عبد الله" بن جابر بن مالك بن نصر "البجلي" بفتح الموحدة والجيم، نسبة إلى بجيلة بفتح فكسر, بنت صعب بن سعد العشيرة، تنسب إليها القبيلة، الصحابي الشهير، القائل: ما حجبني ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسَّم. رواه الشيخان، وقال ﷺ : "جرير منَّا أهل البيت" رواه الطبراني، المتوفَّى سنة إحدى أو أربع وخمسين، قال عمر: هو يوسف هذه الأمة؛ لأنه كان جميلًا, "إلى ذي الكلاع"، قال المصنف وغيره: بفتح الكاف واللام الخفيفة، فألف فعين مهملة, اسمه: أسميفع، بفتح الهمزة، والميم، والفاء، وسكون السين المهملة والتحتية، وآخره عين مهملة، ويقال: أيفع بن باكور، أو يقال: ابن حوشب، "وذي عمرو" الحميري "يدعوهم"، أي هما وقومهما "إلى الإسلام، فأسلما".
قال الهمداني: وعتق ذو الكلاع لذلك أربعة آلاف، ثم قدم المدينة زمن عمر ومعه أربعة آلاف، فسأله عمر في بيعهم فأعتقهم، فسأله عمر عن ذلك، فقال: إني أذنبت ذنبًا عظيمًا، فعسى أن يكون ذلك كفّارة، وذلك أني تواريت مرة، يعني: قبل إسلامه، ثم أشرفت، فسجد لي مائة ألف.
وروى يعقوب بن شيبة عن الجراح بن منهال قال: كان عند ذي الكلاع اثنا عشر ألف بيت من المسلمين، فبعث إليه عمر، فقال: هؤلاء نستعين بهم على عدو المسلمين، فقال: لا هم أحرار، فأعتقهم كلهم في ساعة واحدة.
قال أبو عمر: لا أعلم له صحبة إلّا أنه أسلم في حياته ﷺ , وقدم في زمن عمر، فروىстр. 2294
وتوفي رسول الله ﷺ وجرير عندهم.
وبعث عمرو بن أمية الضميري إلى مسيلمة الكذاب بكتاب.
وبعث إلى فروة بن عمرو الجذامي -وكان عاملًا لقيصر- فأسلم، وكتب إلى النبي ﷺ بإسلامه، وبعث إليه بهديه مع مسعود بن سعد، وهي: بغلة شهباء يقال لها فضة، وفرس يقال له الظرب، وحمار يقال له يعفور، وبعث إليه أثوابًا وقباء سندسيًّا مذهَّبًا، فقبل هديته, ووهب لمسعود بن سعد اثنتي عشرة أوقية
الحواشي
(١) عنه، وقُتِلَ بصفين مع معاوية، "وتوفي رسول الله ﷺ وجرير عندهم"، ذكره الحاكم وغيره، ورجع جرير بعد الوفاة النبوية إلى المدينة، "وبعث عمرو بن أمية الضميري إلى مسيلمة الكذاب بكتاب" يدعوه فيه إلى الإسلام، فكتب إليه مسيلمة جوابًا لكتابه, يذكر فيه أنه رسول الله مثله، وأنه أشرك مع المصطفى بالنصف في الأرض، وإن قريشًا لا يعدلون، فكتب إليه: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، أما بعد, فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين، بلغني كتابك الكذب والإفك والافتراء على الله، والسلام على من اتبع الهدى"، وبعثه إليه مع السائب أخي الزبير بن العوام. ذكره ابن سعد وغيره، "وبعث إلى فروة بن عمرو" على الأشهر، ويقال: ابن عامر "الجذامي، وكان عاملًا لقيصر" على من يليه من العرب، وكان منزله معان وما حولها من الشام، كما ذكر ابن إسحاق، "فأسلم وكتب إلى النبي -صلى لله عليه وسلم- بإسلامه", ولم ينقل أنه اجتمع به، كما في الإصابة.
قال ابن إسحاق: فبلغ الروم إسلامه، فطلبوه فحبسوه، ثم قتلوه، فقال في ذلك:
أبلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي وثيابي
"وبعث إليه بهدية مع مسعود بن سعد" الجذامي، أسلم وصحب، "وهي بغلة شهباء، يقال لها فضة" بلفظ أحد النقدين، "وفرس، يقال له الظرب" بالظاء المعجمة؛ لكبره وسمنه، أو لقوته وصلابة حافرة، "وحمار يقال له يعفور" بناء على أنه غير عفير الذي أهداه المقوقس، "وبعث إليه أثوابًا وقباء" بفتح القاف وخفة الموحدة والمد والقصر، قيل: فارسي معرب، وقيل: عربي مشتق من قبوت الشيء إذا ضممت أصاعبك عليه, سمي به لانضمام أطرافه.
وروي عن كعب أن أوَّل من لبسه سليمان، قاله الحافظ وغيره, "سندسيًّا" نسبة إلى السندس، وهو مارق من الديباج، معرَّب اتفاقًا, من نسبة الجزئي إلى كليه؛ لأن البقاء جزء من جزئيات مطلق السندس، فلم يتحد المنسوب والمنسوب إليه "مذهَّبًا، فقبل هديته, ووهب لمسعود بن سعد" رسوله بالهدية، والإسلام "اثنتي عشرة أوقية"، وفي الإصابة عن الواقدي: وأجازهстр. 2295
وبعث المصدقين لأخذ الصدقات هلال المحرم سنة تسع:
فبعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم.
وبعث بريدة -ويقال: كعب بن مالك- إلى أسلم وغفار.
وبعث عباد بن بشر إلى سليم ومزينة.
وبعث رافع بن مكيث إلى جهينة.
وبعث عمرو بن العاص إلى فزارة.
وبعث الضحاك بن سفيان إلى بني كلاب.
وبعث بشر.
الحواشي
(١) بخمسمائة درهم، "وبعث المصدقين" بضم الميم وخفة المهملة, السعاة، "لأخذ الصدقات هلال المحرم سنة تسع" كما قال ابن سعد، "فبعث عيينة بن حصن الفزاري إلى بني تميم"، وتقدَّمت القصة في المغازي، "وبعث بريدة" بضم الموحدة مصغَّر, بن الحصيب الأسلمي، "ويقال: كعب بن مالك" الأنصاري "إلى أسلم" بفتح فسكون، قبيلة من الأزد, "وغفار" بكسر المعجمة وخفة الفاء, قبيلة من كنانة، وسبق إلى الإسلام منهم أبو ذر الغفاري وأخوه أنيس، ورجع أبو ذر إلى قومه، فأسلم الكثير منهم، وفي القبيلتين، فقال ﷺ : "أسلم سالمها الله، وغفار غفر الله لها" وفيه من جناس الاشتقاق ما يلذ على السمع لسهولته وانسجامه، وهو من الاتفاقات اللطيفة، وحكي أن بني غفار كانوا يسرقون الحاج في الجاهلية، فدعا لهم النبي ﷺ بعد أن أسلموا ليمحوا عنهم ذلك العار، "وبعث عباد بن بشر" بكسر الموحدة وسكون المعجمة, الأنصاري "إلى سليم" بالتصغير, قبيلة "ومزينة" بضم الميم وفتح الزاي وسكون التحتانية بعدها نون، وهو اسم امرأة عمرو بن طابخة -بموحدة ومعجمة, ابن إلياس بن مضر، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أم أوس وعثمان ابني عمرو, فولد هذين، يقال لهم مزينة والمزنيون، ومن قدماء الصحابة, منهم: عبد الله بن مغفل وعمه خزاعي، وإياس بن هلال وابنه قرة وآخرون، كما في الفتح، "وبعث رافع بن مكيث" بميم وكاف.
قال في الإصابة: بوزن عظيم وآخره مثلثة, الجهني, شهد بيعة الرضوان، وكان أحد من يحمل ألوية جهينة يوم الفتح، وشهد الجابية مع عمر "إلى" قومه "جهينة" بالتصغير، قبيلة من قضاعة، من مشهوري الصحابة، منهم عقبة بن عامر الجهني وغيره، "وبعث عمرو بن العاص إلى فزارة" بفتح الفاء والزاي ثم راء, قبيلة من قيس عيان، "وبعث الضحَّاك بن سفيان" الكلابي "إلى" قومه "بني كلاب, وبعث بشر"، قال في الإصابة: ضبطه ابن ماكولا وغيره بضم الموحدة،стр. 2296
ابن سفيان الكعبي -ويقال: النحام العدوي- إلى بني كعب.
وبعث عبد الله بن اللتبية إلى ذبيان.
وبعث رجلًا من سعد هذيم إلى قومه.
الحواشي
(١) وسكون السين المهملة "ابن سفيان" الخزاعي الكعبي" نسبة إلى كعب بن عمرو, بطن من خزاعة.
قال أبو عمر: أسلم سنة ست وشهد الحديبية، "ويقال: النحام" بفح النون وشد الحاء المهملة، قال ابن ماكولا: كذا يقوله أصحاب الحديث.
وقال ابن الكلبي: هو -بضم النون وخفة الحاء، واسمه كما قال البخاري وغيره: نعيم بن عبد الله القرشي "العدوي"، قديم الإسلام بعد عشرة أنفس، ويقال: بعد ثمانية وثلاثين، لقب بالنحام لقوله ﷺ : "دخلت الجنة فسمعت نحمة من نعيم فيها"، والنحمة السعلة، قال في التبصير ونحوه في الإصابة، واسمه في الأصل: صالح.
ذكره ابن أبي حاتم "إلى بني كعب, وبعث عبد الله بن اللتبية" قال في التبصير بضم اللام وفتحها معًا، ثم فوقية مفتوحة ثم موحدة مكسورة ثم ياء مشددة, الأزديّ, له صحبة وقصة, وفي الكواكب -بضم اللام، وسكون الفوقية أو فتحها وكسر الموحدة وشد التحتية، وقيل: بضم الهمزة بدل اللام، فهي أربعة أوجه، والأصحّ أنه باللام وسكون الفوقية, نسبة إلى بني لتب، قبيلة معروفة "إلى ذبيان" بضم الذال المعجمة وكسرها.
قال ابن الأعرابي: رأيت الفصحاء يختارون الكسر بعدها موحدة فتحتيه خفيفة, قبيلة من الأزد، "وبعث رجلًا من سعد هذيم" كزبير, أبو قبيلة، وهو ابن زيد، لكن حضنه عبد أسود هذيم، فغلب عليه، كما في القاموس "إلى قومه" هذيم.стр. 2297
الفصل السابع: في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
أما مؤذنوه فأربعة: اثنان بالمدينة:
بلال بن رباح،
الحواشي
(١) "الفصل السابع: في مؤذنيه وخطبائه": لا محل للجمع في هذا؛ إذ لم يذكر إلّا واحدًا، إلا أن تكون الإضافة في الجميع للجنس الصادق بالواحد، وهو الخطب والمعتد وهم من عداه. "وحداته" جمع حادي, "وشعرائه" الذين ناضلوا عنه وهجوا كفار قريش، "أما مؤذنوه" أي: بيانهم "فأربعة، اثنان بالمدينة: بلال بن رباح" بفتح الراء وخفة الموحدة فألف فمهملة، "وأمه حمامة" بفتح المهملة وخفة الميم, الصحابية، وبها اشتُهر, ذكرها أبو عمر فيمن كان يعذَّب في الله،стр. 2298
وأمه حمامة، مولى أبي بكر الصديق، وهو أوّل من أذن لرسول الله ﷺ ، ولم يؤذن بعده لأحد من الخلفاء، إلّا أنَّ عمر لما قدم الشام حين فتحها أذَّن بلال، فتذكَّر النبي ﷺ ، قال أسلم -مولى عمر بن الخطاب: فلم أر باكيًا أكثر من يومئذ،
الحواشي
(١) فاشتراها أبو بكر، فأعتقها "مولى أبي بكر الصديق" ولاء عتاقة.
وجاء عن أنس عند الطبراني وغيره أنه حبشي، وهو المشهور, وقيل: نوبيّ. ذكر ابن سعد أنه كان من مولدي السراة، "وهو أوّل من أذَّن لرسول الله ﷺ " حين شرع الآذان، ورآه عبد الله بن زيد الأنصاري في المنام، فقال ﷺ : "قم مع بلال، فألق عليه ما رأيت، فليؤذن به، فإنه أندى منك صوتًا" , "ولم يؤذن بعده لأحد من الخلفاء, إلّا أنَّ عمر لما قدم الشام حين فتحها، أذَّن بلال"، استثناء متصل، أي لم يوجد منه أذان لأحد إلّا لعمر, أو منقطع، أي: لم يتخذه أحد من الخلفاء مؤذنًا، لكنه أذّن عند عمر بلا اتخاذ، "فتذكَّر النبي ﷺ ، قال أسلم مولى عمر بن الخطاب" الثقة المخضرم، المتوفَّى سنة ثمانين، وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة: "فلم أر باكيًا أكثر من يومئذ"، وفي نسخة: من ذلك اليوم، أي: لم أر إنسانًا يبكي أكثر من بكاء كل واحد يومئذ، أو لم أر قومًا يبكون أكث من الباكين يومئذ؛ لأنَّ باكيًا نكرة في سياق النفي فتعمّ، فلا يراد أن باكيًا مفعول رأى, وأكثر حال إن كانت بصرية، ومفعول ثانٍ إن كان علمية، وعليهما لا يصح وصف الباكي بأنه أكثر من الباكين، ولا يراد أن دلالة العام كلية، أي: محكوم فيها على كل فرد؛ لأن هذه قاعدة أكثرية على أن النظر في نحو هذا إنما هو لمذهب النحاة، أو يقال: إن باكيًا صفة لمتعدد في المعنى، أي: فريقًا باكيًا, على أنه يمكن التخلص من أصل الإيراد بأنه ليس المراد الكثرة في نفس الأفراد التي نشأ الإشكال منها, بأن يقدَّر أن أكثر صفة لموصوف محذوف هو بكاء، أي: لم أر باكيًا بكاءً أكثر من بكاء الباكين يومئذ.
وروى البخاري أن بلالًا قال لأبي بكر: إن كنت إنما اشتريتني لنفسك فأمسكني، وإن كنت إنما اشتريتني لله فدعني وعمل الله.
زاد ابن سعد، قال أبو بكر: أنشدك الله وحقي، فأقام معه حتى توفي، فتوجَّه إلى الشام مجاهدًا بإذن عمر.
وروى ابن عساكر بسند جيد عن بلال، أنه لما نزل بداريا رأى النبي ﷺ ، وهو يقول: ما هذه الجفوة يا بلال، أما آن لك أن تزورني، فانتبه حزينًا خائفًا، فركب راحلته وقصد المدينة، فأتى قبر النبي ﷺ ، فجعل يبكي ويمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن والحسين فجعل يضمهما ويقبلهما, فقالا: نتمنَّى، نسمع أذانك الذي كنت تؤذن به لرسول الله ﷺ في المسجد، فعَلَا سطح المسجد، ووقف موقفه الذي كان يقف فيه، فلمَّا قال: الله أكبر, ارتجت المدينة، فلمَّاстр. 2299
وتوفي سنة سبع عشرة، أو ثمان عشرة أو عشرين بداريا بباب كيسان، وله بضع وستون سنة، وقيل: دفن بحلب، وقيل: بدمشق.
وعمرو بن أم مكتوم القرشي الأعمى، وهاجر إلى المدينة قبل النبي ﷺ .
وأذَّن له -عليه
الحواشي
(١) قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ازدادت رجَّتها، فلمَّا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، خرجت العواتق من خدورهنّ، وقالوا: بُعِثَ رسول الله، فما رؤي يوم أكثر باكيًا ولا باكية بالمدينة بعده ﷺ أكثر من ذلك اليوم، "توفي سنة سبع عشرة أو ثمان عشرة"، بفتح النون، وحذف الياء على قلة، "أو عشرين".
هكذا ساوى بين الأقوال الثلاثة في التقريب، لكن قال: وقيل: سنة عشرين، وصدر في الفتح بالثاني، "بداريا" بفتح الدال والراء والياء الثقيلة, قرية بدمشق "بباب كيسان" بفتح فسكون, محل معروف بها، "وله بضع وستون سنة، وقيل: دفن بحلب"، ذكره ابن منده وردَّه المنذري وقال: الذي دفن بحلب أخوه خالد، "وقيل: بدمشق", وصحَّحه الذهبي فقال: مات على الصحيح بدمشق سنة عشرين، وفي فتح الباري كانت وفاته بدمشق, ودفن بباب الصغير، وبهذا جزم النووي، وقيل: دفن بباب كيسان، وقيل بداريا، وقيل: بحلب.
وردَّه المنذري، وزعم ابن السمعاني أن بلالًا مات بالمدينة وغلَّطوه. انتهى. "وعمرو" على الأكثر، وقيل عبد الله، وقيل: كان اسمه الحصين, فسماه ﷺ عبد الله، قال في الفتح: ولا يمتنع أنه كان له اسمان "ابن أم مكتوم" نُسِبَ لأمّه وهي عاتكة بنت عبد الله المخزومية، وزعم بعضهم أنه ولد أعمى، فكنِّيت أمه به لاكتتام نور بصره، والمعروف أنه عمي بعد بدر بسنتين، كذا وقع في الفتح، وتعقب أن نزول عبس بمكة قبل الهجرة، فلعلَّ أصله بعد البعثة.
وقد روى ابن سعد والبيهقي عن أنس أن جبريل أتى النبي ﷺ وعنده ابن أم مكتوم، فقال: متى ذهب بصرك، قال: وأنا غلام، ولفظ البيهقي: وأنا صغير، فقال: قال الله ﵎: "إذا ما أخذت كريمة عبدي، لم أجد له بها جزاء إلا الجنة"، والأشهر في اسم أبيه: قيس بن زائدة "القرشي" العامري "الأعمى"، المذكور في سورة عبس، ونزلت فيه غير أولي الضرر، كما في البخاري، وهو ابن خال خديجة أم المؤمنين، أسلم قديمًا بمكة، "وهاجر إلى المدينة قبل النبي ﷺ "، وقيل: بعده وبعد بدر بيسير.
قال الواقدي والأول أصح، وكان ﷺ يكرمه، واستخلفه ثلاث عشرة مرة، قاله ابن عبد البر: شهد القادسية في خلافة عمر ومعه اللواء، فاستشهد بها، قاله الزبير بن بكار، وقال الواقدي: بل شهدها ورجع إلى المدينة فمات بها, ولم يسمع له بذكر بعد عمر، "وأذَّن له -عليهстр. 2300
الصلاة والسلام- بقباء، سعد بن عائد أو ابن عبد الرحمن, المعروف بسعد القرظ وبالقرظي، مولى عمَّار، بقي إلى ولاية الحجَّاج على الحجاز، وذلك سنة أربع وسبعين.
وبمكة أبو محذورة، واسمه: أوس الجمحي المكي، أبوه: معير -بكسر الميم وسكون وفتح التحتانية, مات بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: تأخَّر بعد ذلك.
الحواشي
(١) الصلاة والسلام- بقباء بعد بن عائد، أو ابن عبد الرحمن, المعروف بسعد القرظ" بالتنوين بلا إضافة صفة له؛ لأنه كان يتَّجِر فيه, حتى كأنه صار جزء علم "وبالقرظي" بفتحتين وظاء معجمة نسبة للقرظ أيضًا, وغلط من ضمها؛ لأنه نسبة إلى بني قريظة، وليس هو منهم، إنما هو "مولى عمَّار" بن ياسر، وقيل: مولى الأنصار.
روى البغوي عن القاسم الحسن بن محمد بن عمرو بن حفص بن عمر بن سعد القرظ, عن آبائه, أن سعدًا شكا إلى النبي ﷺ قلة ذات يده، فأمره بالتجارة، فخرج إلى السوق، فاشترى شيئًا من قرظٍ فباعه، فربح فيه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فأمره بلزوم ذلك.
روي عن النبي ﷺ ، وعنه ابناه عمّار وعمر، قال أبو عمر: نقله أبو بكر من قباء إلى المسجد النبوي، فأذَّن فيه بعد بلال، وتوارثت عنه بنوه الأذان، قال خليفة: أذَّن لأبي بكر ولعمر بعده.
وروى يونس عن الزهري: أن الذي نقله عن قباء عمر "بقي إلى ولاية الحجاج على الحجاز، وذلك سنة أربع وسبعين"، كما في التقريب وغيره. "وبمكة أبو محذورة واسمه: أوس"، وقيل: سمرة، وقيل: سلمة، وقيل: سلمان، وقيل: معير، وقيل: عبد العزيز.
قال البلاذري: لا يثبت أنه أوس، لكن، قال ابن عبد البر: اتفق الزبير وعمّه وابن إسحاق والسمعي على أن اسمه أوس، وهم أعلم بأنساب قريش، ومن قال اسمه سلمة، فقد أخطأ, "الجمحي" القرشي "المكي أبوه" اسمه "معير -بكسر الميم وسكون العين وفتح التحتانية" هذا هو المشهور، وحكى ابن عبد البر أن بعضهم ضبطه بفتح العين وتشديد التحتانية عدها نون، وقيل: اسمه سمرة، وقيل: محيريز، وقيل: عمر.
روى أبو محذورة عنه ﷺ أنه علمه الأذان، وقصته في مسلم وغيره، وفي رواية أن تعليمه إياه كان بالجعرانة.
قال ابن الكلبي: ولم يهاجر، بل أقام حتى "مات بمكة سنة تسع وخمسين، وقيل: تأخَّر بعد ذلك" حتى مات سنة تسع وسبعين، كما في الإصابة, وفي الروض: لما سمع أبو محذورة الأذان سنة الفتح، وهو مع فتية من قريش خارج مكة أقبلوا يستهزؤن، ويحكون صوت المؤذن غيظًا،стр. 2301
وكان منهم من يرجِّع الأذان ويثنِّي الإقامة، وبلال لا يرجِّع ويفرد الإقامة، فأخذ الشافعي بإقامة بلال، وأهل مكة أخذوا بأذان أبي محذورة وإقامة بلال. وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة، وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير وتثنية لفظ الإقامة.
الحواشي
(١) فكان أبو محذورة من أحسنهم صوتًا، فرفع صوته مستهزئًا بالأذان، فسمعه ﷺ ، فأمر به، فمثل بين يديه وهو يظن أنه مقتول، فمسح ﷺ ناصيته وصدره قال: فامتلأ قلبي نورًا وإيمانًا ويقينًا، وعلمت أنه رسول الله، فألقى عليه الأذان وعلَّمه إياه، وأمره أن يؤذّن لأهل مكة وهو ابن ست عشرة سنة، فكان يؤذنهم حتى مات، ثم عقبه بعده يتوارثون الأذان كابرًا عن كابر، "وكان منهم" أي: بعضهم، وهي فائدة الاستطرادية، أو نشأت عن سؤال هو معلوم اختلاف المذاهب في الأذان والإقامة، فما كان يفعله مؤذنوا المصطفى الذين ذكرتهم، فأجاب بأنه كان منهم "من يرجِّع الأذان، ويثنِّي الإقامة"، وهو أبو محذورة، "وبلال لا يرجِّع، ويفرد الإقامة"، أي: كلماتها إلا لفظ ق قامت الصلاة, بدليل قوله: "فأخذ الشافعي بإقامة بلال"؛ لأنه ﷺ سمعه وأقرَّه, فليس استدلالًا بفعل الصحابي, والشافعي لا يقول به لا بأذانه بل بأذان أبي محذورة، "وأهل مكة أخذوا بأذان أبي محذورة" وهو ترجيع الأذان وتثنية الإقامة، "وإقامة بلال"، وهذا تطويل بلا طائل، فلو قال: وأخذ الشافعي وأهل مكة بأذان أبي محذورة، وإقامة بلال لدفع ما يوهمه لفظه، "وأخذ أبو حنيفة وأهل العراق بأذان بلال وإقامة أبي محذورة"، فقالوا: بترجيع الأذان وتثنية الإقامة، "وأخذ أحمد وأهل المدينة بأذان بلال وإقامته، وخالفهم مالك في موضعين: إعادة التكبير"، أي: تربيعه، فقال: بعدمها "وتثنية لفظ الإقامة"، فقال بإفرادها عملًا بقوله ﷺ : "الأذان والإقامة واحدة"، رواه ابن حبان.
وروى الدارقطني وحسَّنه في حديث لأبي محذورة، وأمر أن يقيم واحدة واحدة، ثم المصنف في عهدة أنه خالف أهل المدينة، كما زعمه كابن القيم، فمالك بعملهم أدرى، ونصب الجدل يطول، وقد علم مما قررته أن إعادة بدل من موضعين بيان للمفعول في خالفهم، فهو بيان للمخالف اسم مفعول لا اسم فاعل، لأن الأولى بالذكر من القولين ما نسب لمن خالفه من جعل فاعلًا، وترك المصنف ممن أذن زياد بن الحارث الصدائي -بضم المهملة- أذن مرة، فقال ﷺ : "من أذن فهو يقيم"، أخرجه أحمد وأصحاب السنن؛ لأنه لم يتكرر, ونظم الخمسة البرماوي، فقال:
لخير الورى خمس من الغر أذَّنوا ... بلال ندي الصوت بدأ يعين
وعمر والذي أم لمكتوم أمه ... وبالقرظ أذكر سعدهم إذ يبينстр. 2302
وأما شعراؤه ﵊ الذين يذبّون عن الإسلام: فكعب بن مالك.
وعبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري.
الحواشي
(١) وأوس أبو محذورة وبمكة ... زياد الصدائي نجل حارس يعلن
وعبد العزيز بن الأصم، ذكره أبو نعيم في الصحابة في بعض النسخ، وروى الحارث بن أبي أسامة عن ابن عمر: كان للنبي ﷺ مؤذنان: أحدهما بلال، والآخر عبد العزيز بن الأصم. قال في الإصابة: وهو غريب جدًّا، وفيه موسى بن عبيدة ضعيف، ثم ظهرت لي علته، وهو أن أبا قرة موسى بن طارق أخرج مثله، وزاد: وكان بلال يؤذن بليل يقوظ النائم، وكان ابن أم مكتوم يتوخَّى الفجر، فلا يخطئه. فظهر من هذه الرواية أن عبد العزيز اسم ابن أم مكتوم، والمشهور في اسمه عمرو، وقيل عبد الله بن قيس بن زائدة ابن الأصم، فالأصم اسم جد أبيه, نسب إليه في هذه الرواية. انتهى، "وأما شعراؤه ﵊ الذين يذبّون" بضم الذال، يدفعون "عن الإسلام"، ويحمون, لا الذين مدحوه بالشعر من رجال الصحابة ونساهم، فإن اليعمري جمعهم في مؤلف، فقارب بهم مائتين، "فكعب بن مالك" الأنصاري السلمي -بفتحتين, شهد العقبة، وبايع بها، وتخلّف عن بدر، وشهد أحدًا وما بعدها، وتخلّف عن تبوك، وهو أحد الثلاثة الذين تيبت عليهم, قال ابن سيرين: له بيتان كانا سبب إسلام دوس:
قضينا من تهامة كلب وبر ... وخيبر ثم أغمدنا السيوفا
تخبرنا ولو نطقت لقالت ... قواطعن دوسًا أو ثقيفًا
فلمَّا بلغ ذلك دوسًا، قالوا: خذوا لأنفسكم لا ينزل بكم ما نزل بثقيف. مات في خلافة علي، وقيل معاوية.
روى أحمد عن كعب المذكور، قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "اهجوا المشركين بالشعر، فإن المؤمن يجاهد بنفسه وماله، والذي نفس محمد بيده، كأنما ينضحونهما بالنبل" , "وعبد الله بن رواحة الخزرجي الأنصاري"، أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها, إلى أن استشهد في مؤتة, ومناقبه كثيرة.
قال المرزباني في معجم الشعراء: كان عظيم القدر في الجاهلية والإسلام، وكان يناقض قيس بن الحطيم في حروبهم، ومن أحسن ما مدح به النبي ﷺ قوله:
لو لم يكن فيه آيات مبينة
... كانت بديهته تنبيك بالخبر
وأخرج ابن سعد، وابن عساكر عن عروة، لما نزلت ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ ، قال ابن رواحة: قد علم الله أني منهم، فأنزل الله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.стр. 2303
وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام الأنصاري، دعا له ﵊ فقال: "اللهم أيده بروح القدس"، فيقال: أعانه جبريل بسبعين بيتًا، وفي الحديث: "إن جبريل مع حسان ما نافح عني"، وهو بالحاء المهملة, أي: دافع، والمراد هجاء المشركين ومجاوبتهم على أشعارهم.
الحواشي
(١) وعند ابن عساكر عن هشام بن حسان أن عبد الله لما قال للمصطفى:
فثبت الله ما آتاك من حصن ... كالمرسلين ونصرًا كالذي نصروا
قال له ﷺ : "وإياك يا سيد الشعراء"، "وحسان بن ثابت بن المنذر بن عمرو بن حرام" بالمهملتين، "الأنصاري" الخزرجي، وأمه الفريعة -بالفاء والعين المهملة, مصغر, بنت خالد, خزرجية أيضًا, أسلمت وبايعت, وإليها كان ينسب، فيقال: قال ابن الفريعة: ونسب هو نفسه إليها في قوله:
أمسى الحلائب قد عزوا وقد كثروا ... وابن الفريعة أضحى بيضة البلد
"دعا له ﵊ فقال كما في الصحيحين عن سعيد بن المسيب، قال: مر عمر بحسان في المسجد وهو ينشد، فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد، وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة، فقال: أنشدك الله, أسمعت النبي ﷺ يقول: "أجب عني"، "اللهم أيده"، أي: قوّه "بروح القدس".
قال أبو هريرة: نعم، والمراد: جبريل؛ لحديث الشيخين عن البراء أنه ﷺ قال لحسان: "اهجم، أو هاجهم وجبريل معك" , "فيقال: أعانه جبريل بسبعين بيتًا" كما أخرجه ابن عساكر، وأبو الفرج الأصبهاني في الأغاني عن بريدة، قال: أعان جبريل حسان بن ثابت عن مدحه النبي ﷺ بسبعين بيتًا، "وفي الحديث: "إن جبريل مع حسان ما" مصدرية "نافح عني"، وفي مسلم عن عائشة, سمعت النبي ﷺ يقول لحسان: "إن روح القدس لا يزال يؤيدك ما نافحت عن الله ورسوله"، قالت: وسمعته يقول: "هجاهم حسان فشفى وأشفى" وهو بالحاء المهملة" قبلها فاء، "أي: دافع، والمراد" بذلك "هجاء المشركين ومجاوبتهم" بجيم ثم واو فموحدة "على أشعارهم" التي كانوا يلمزون بها الإسلام وأهله، كقوله يوم بدر مجيبًا لابن الزبعري المسلم في الفتح, لما رثى أصحاب القليب بأبيات، فقال حسان:
ابك بكت عيناك ثم تبادرت ... بدم تعل عروقها بسجام
وإذا بكيت به الذين تبايعوا ... هلا ذكرت مكارم الأقوام
وذكرت منا ماجدًا ذا همة ... سمح الخلائق صادق الأقدام
فلمثله ولمثل ما يدعو له ... كان الممدح ثم غير كهام
ومجاوباته لهم كثيرة، فكم يقول ابن إسحاق في السيرة، قال فلان من الكفار: كذا، فأجابهстр. 2304
وعاش مائة وعشرين سنة، ستين في الجاهلية وستين في الإسلام، وكذا عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه حرام، كل واحد منهم عاش مائة وعشرين سنة، وتوفي حسان سنة أربع وخمسين.
ولما جاءه ﵊ بنو تميم، وشارعهم الأقرع بن حابس، فنادوه يا محمد اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين وذمنا شين.
الحواشي
(١) حسان بكذا.
وفي نسخة ومحاربتهم بمهملة, أي: مغالبتهم ومدافعتهم بالشعر, سماه حربًا مجازًا.
وقد روى أبو داود عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يضع لحسان المنبر في المسجد يقوم عليه قائمًا، يهجو الذين كانوا يهجونه ﷺ ، فقال ﷺ : "إن روح القدس مع حسان ما دام ينافح عن رسول الله".
وروى أبو نعيم، وابن عساكر عن عروة: أن حسان ذكر عند عائشة، فقالت: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ذاك حاجز بيننا وبين المنافقين, لا يحبه إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق" , وعاش مائة وعشرين سنة: ستين في الجاهلية وستين في الإسلام" كما قاله ابن سعد، "وكذا عاش أبوه ثابت، وجده المنذر، وجد أبيه" بواسطة "حرام, كل واحد منهم عاش مائة وعشرين سنة"، إيضاح لما أفاده التشبيه, لا بقيد الجاهلية والإسلام، فإنها كلها في الجاهلية، كما هو بَيِّن، ثم المصنف في عهده أن حرام عاش كذلك، ولعل أصله وجد أبيه عمرو بن حرام، فالذي قاله ابن منده وابن سعد: وكذلك عاش أبوه وجده وأبو جده, لا يعرف في العرب أربعة تناسلوا من صلب واحد اتفقت مدة تعميرهم مائة وعشرين سنة غيرهم، قال في ريح النسرين: ويشبه هذا أن لسانه كان يصل لجبهته ونحره، وكذا كان أبوه وجده وابنه عبد الرحمن، قال أبو عبيدة: فضل حسان الشعراء بثلاث، كان شاعر الأنصار في الجاهلية، وشاعر المصطفى في أيام النبوة، وشاعر اليمن كلها في الإسلام، "وتوفي حسان سنة أربع وخمسين" قال في الإصابة: وذكر ابن إسحاق أنه سأل سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، فقال: قدم ﷺ المدينة، ولحسان ستون سنة، فعلى هذا يلزم من قال: مات سنة أربع وخمسين أنه بلغ مائة وأربع عشرة، أو سنة خمسين مائة وعشرة، أو سنة أربعين مائة أو دونها، والجمهور أنه عاش مائة وعشرين، قيل مائة وأربع سنين، جزم به ابن أبي خيثمة عن المدائني، "ولما جاءه ﵊" سنع تسع "بنو تميم"، وكانوا سبعين فيما قيل، "وشاعرهم الأقرع بن حابس" الصحابي الشهير، "فنادوه" من وراء الحجرات، "يا محمد, اخرج إلينا نفاخرك ونشاعرك، فإن مدحنا زين, وذمَّنا شين"، وعند ابن إسحاق، فآذىстр. 2305
فلم يزد ﵊ على أن قال: "ذلك الله, إذا مدح زان, وإذا ذمَّ شان، إني لم أبعث بالشعر، ولم أؤمر بالفخر، ولكن هاتوا"، فأمر ﵊ ثابت بن قيس أن يجيب خطيبهم فخطب فغلبهم، فقام الأقرع بن حابس شاعرهم وقال:
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر
الحواشي
(١) ذلك رسول الله ﷺ من صياحهم، وخرج إليهم، "فلم يزد ﵊ على أن قال ذلك" الموصوف بما قلتموه، "الله إذا مدح زان" من مدحه، "وإذا ذمَّ شأن" من ذمه، وصلى ﷺ الظهر، ثم جلس في صحن المسجد، وقال: "إني لم أبعث بالشعر، ولم أؤمر بالفخر، ولكن هاتوا"، وعند ابن إسحاق، فقالوا: ائذن لخطيبنا وشاعرنا، فقال: "أذنت لخطيبكم فليقل"، فقام عطارد بن حاجب، فقال: الحمد لله الذي له علينا الفضل، وهو أهله، الذي جعلنا ملوكًا، ووهب لنا أموالًا عظامًا, نفعل فيها المعروف، وجعلنا أعز أهل المشرق، وأكثره عددًا وعدة، فمن مثلنا في الناس؟ ألسنا برءوس الناس وأولي فضلهم؟ فمن فاخرنا فليعدد مثل ما عددنا، وإنا لو شئنا لأكثرنا الكلام، ولكن نستحي من الإكثار فيما أعطانا وإنا نعرف بذلك، أقول هذا، لأن تأتوا بمثل قولنا وأمر أفضل من أمرنا، ثم جلس، "فأمر ﵊" خطيبه "ثابت بن قيس أن يجيب خطيبهم" عطارد بن حاجب، كما رأيت، وتجويز أنه الأقرع من عدم الاطلاع، وخطيب القوم لغة من يتكلّم عنهم، "فخطب فغلبهم"، وعن ابن إسحاق، فقال ﷺ لثابت: "قم فأجب الرجل في خطبته"، فقام، فقال: الحمد الله الذي السماوات والأرض خلقه، قضى فيهنّ أمره، ووسّع كرسه علمه، ولم يكن شيء قط إلّا من فضله، ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكًا، واصطفى خير خلقه رسولًا، أكرمه نسبًا، وأصدقه حديثًا، وأفضله حسبًا، وأنزل عليه كتابًا, وائتمنه على خلقه، فكان خيرة الله في العالمين، ثم دعا الناس إلى الإيمان به، فآمن برسول الله ﷺ المهاجرون من قومه، وذوي رحمه أكرم الناس أحسابًا، وأحسن الناس وجوهًا، وخير الناس فعالًا، ثم كنَّا أول الخلق إجابة واستجابة لله حين دعانا رسول الله، ووزراء رسول الله، نقاتل الناس حتى يؤمنوا بالله ورسوله، منع ماله ودمه ومن فكر جاهدناه في الله، وكان قتله علينا يسيرًا، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي وللمؤمنين والمؤمنات، والسلام عليكم.
"فقام الأقرع بن حابس شاعرهم، فقال" الذي ذكره ابن هشام عن بعض علماء الشعر، فقام الزبرقان بن بدر، فقال: "أتيناك كما يعرف"، وفي لفظ يعلم، وما زائده "الناس فضلنا، إذا خالفونا" أي: جاءوا بعدنا، وفي نسخة إذا خالفونا، والظاهر الأولى لإفادتها أن قصدهم معرفة فضلهم لمن يخلفهم إذا بلغهم ما فاخروا به، أما معرفة فضلهم لمعارضهم، فهي عندهم لا تخفىстр. 2306
........................... ... ..................... المكارم
وأنا رءوس الناس في كل معشر ... وأن ليس في أرض الحجاز كدار
فأمر النبي ﷺ حسانًا يجيبهم, فقام فقال:
بني دارم ل تفخروا إن فخركم ... يعود وبالًا عند ذكر المكارم
هبلتم علينا تفخروه وأنتم ... لنا خول ما بين قن وخادم
الحواشي
(١) "عند ذكر المكارم" ظرف ليعرف.
وفي رواية: إذا اختلفوا عند احتضار المواسم، "و" يعرفون "أنا" بفتح الهمزة "رءوس الناس" عظماؤهم وأشرافهم, شبه الواحد منهم بالرأس مجازًا؛ لأنه أشرف ما فيه لموته بإزالته، أو المراد أصولهم، وفي المصباح: رأس المال أصله, "في كل معشر" طائفة، وفي لفظ: في كل موطن، "وأن ليس في أرض الحجاز كدارم" بكسر الراء, بطن من تميم, وبعد هذين عند ابن هشام:
وأنا نذود المعلمين إذا انتحوا ... ونضرب رأس إلّا صيدًا المتفاقم
وأنا لنا المرباع في كل غارة ... نغير بنجد أو بأرض الأعاجم
"فأمر النبي ﷺ حسانًا" بالصرف على أنه من الحسن، ومنعه على أنه من الحسن، كذا جوَّزه الجوهري وغيره، قال ابن مالك: والمسموع فيه منع الصرف "يجيبهم، فقال قال":
هل المجد إلا السود والعود والندى ... وجاه الملوك واحتمال العظائم
نصرنا وآوينا النبي محمدًا ... على أنف راض من معد وراغم
زكي جريد أصله وثراؤه ... بجابية الجولان وسط الأعاجم
نصرناه لما حلَّ وسط ديارنا ... بأسيافنا من كل باغٍ وظالم
جعلناه بنينا دونه وبناتنا ... وطبنا له نفسًا بفيء المغانم
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا ... على دينه بالمرهقات الصوارم
ونحن ولدنا في قريش عظيمها ... ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالًا عند ذكر المحارم
هبلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول ما بين قن وخادم
فإن كنتم جئتم لحقن دمائكم ... وأموالكم أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندًّا وأسلموا ... ولا تلبسوا زيًّا كزي الأعاجم
هكذا أنشدنا كلها ابن هشام في السيرة، وهبلتم، أي: تعاظمتم علينا حال كونكم تفخرون، والحال أنكم خول لنا دائرين بين قن وخادم، في القاموس، هبلته أمه كفرح: ثكلته، لكنه لا يظهرстр. 2307
..........................................................................
الحواشي
(١) هنا لنسبة الفعل إلى المخاطبين، ولم يجعلوهم مفعولين، فلم يقل: هبلناكم إلّا أن يكون استعير لذلك، أي ثكلتم، ثم استأنف استفهامًا إنكاريًّا، فقال: تفخرون بحذف أداة الاستفهام، فعلينا متعلق بالفعل بعده، غير أن هذا بعيدًا، ولذا لم يذكره شيخنا، وإن قرَّره، وتفسيره بأقبلتم، وإن ظهر معناه، لكن لا تساعد عليه اللغة، وعند ابن إسحاق، فقام الزبرقان بن بدر، فقال:
نحن الكرام فلا حي يعادلنا ... منا الملوك وفينا تنصيب البيع
وكم قسرنا من الأحياء كلهم ... عند النهاب وفضل الغر يتبع
ونحن نطعم عند القحط مطعمنا ... من الشواء إذا لم يؤنس الفزع
فما ترى الناس تأتينا سراتهم ... من كل أرض هويًا ثم نصطنع
فننحر الكوم عبطًا في أرومتنا ... للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا
فلا ترانا إلى حي نفاخرهم ... إلّا استكانوا وكاد الرأس يقتطع
فمن يفاخرنا في ذاك نعرفه ... فيرجع القوم والأخبار تستمع
إنا أبينا ولم يأبى لنا أحد ... إنا كذلك عند الفخر نرتفع
وكان حسان غائبًا، فبعث إليه ﷺ ، فقال: "قم فأجبه"، فقام, فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوته ... قد بينوا سنة للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته ... تقوى الإله وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم ... أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية تلك منهم غير محدثة ... إن الخلائق فاعلم شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهم ... فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
لا يرفع الناس ما أوهت أكفهم ... عند الدفاع ولا يوهون ما رفعوا
إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم ... أو وازنوا أهل مجد بالندى فنعوا
أعفة ذكرت في الوحي عفتهم ... لا يطمعون ولا يرديهم طمع
لا يبخلون على جار بفضلهم ... ولا يمسسهم من مطمع طبع
إذا نصبنا لحي لم ندب لهم ... كما يدب إلى الوحشية الذرع
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها ... إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم ... وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
كأنهم في الوعي والموت مكتنع ... أسد بجلبة في أرساغها فدع
خذ منهم ما أتى عفوًا إذا غضبوا ... ولا يكن همك الأمر الذي منعواстр. 2308
وكان أوّل من أسلم شاعرهم.
وكان أشد شعرائه ﵊ على الكفار حسان وكعب.
ولما رجع ﵊ من تبوك, وفد عليه همدان، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، جعل مالك النمط يرتجز بين يديه
الحواشي
(١) فإنَّ في حربهم فاترك عداوتهم ... شرًّا يخاض عليه السم والسلع
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم ... إذا تفاوتت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب يوازره ... فيما أحب لسان حائك صنع
فإنهم أفضل الأحياء كلهم ... إن جد بالناس جد القول، أو سمعوا
قال: فقال الأقرع بن حابس، وأبى أن هذا الرجل المؤتى له لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أعلى من أصواتنا، فلمَّا فرغ القوم أسلموا، "وكان أوَّل من أسلم شاعرهم" الزبرقان بن بدر، لا الأقرع بن حابس، فإنه وفد قبلهم، وأسلم وشهد الفتح وحنينًا والطائف، وكان من المؤلَّفة، وحسن إسلامه، ولما حضر وفد قومه بني تميم كان معهم، كما ذكره بن إسحاق، قال: وجوزهم ﷺ ، فأحسن جوائزهم، "وكان أشد شعرائه ﵊ على الكفار حسَّان"؛ لأنه كان يقبل بالهجو على أنسابهم فيألمون، ويزيّف آراءهم، ويلزمهم الحجة التي لا يستطيعون لها ردًّا.
"وكعب" بن مالك كان كثير المناقضة، ويخوّفهم بالحرب، وابن رواحة يعيرِّهم بالكفر، وكانوا لا يبالوا بأهاجيه، فلمَّا أسلم من أسلم منهم وجدوا أهاجيه أشد وأشق، وفي مسلم عن عائشة، قال ﷺ : "اهجوا المشركين، فإنه أشد عليهم من رشق النبل"، فأرسل إلى ابن رواحة، فقال: "اهجهم"، فهجاهم، فلم يرض، فأرسل إلى كعب بن مالك، ثم أرسل إلى حسان، فقال: "قد آن لكم أن ترسلوا إلى هذا الأسد الضارب بذنبه"، ثم أدلع لسانه، فجعل يحركه، ثم قال: والذي بعثك بالحق لأفرينّهم بلساني فري الأديم، فقال ﷺ : "لا تعجل، فإن أبا بكر أعلم قريش بأنسابهم، وإن لي فيهم نسبًا حتى يلخّص لك نسبي"، فأتاه حسان ثم رجع، فقال: يا رسول الله، لقد لخص لي نسبك، والذي بعثك بالحق نبيًّا لأسلنك، كما تسلّ الشعرة من العجين. الحديث، "ولما رجع ﵊ من تبوك وفد عليه" من جملة الوفود سنة تسع "همدان" بفتح فسكون، "وعليهم مقطعات" ثياب قصار؛ لأنها قطعت عن لوث القمام، أو كلّ ما يفصّل ويخيط من قميص وغيره، كما في النهاية, "الحبرات" بكسر المهملة وفتح الموحدة, جمع حبرة, برود تصنع باليمن، "والعمائم العدنية" بفتحتين، نسبة إلى مدينة باليمن معروفة "جعل مالك النمط"، كذا في النسخ، وصوابه: ابن النمط بن قيس الهمداني، الصحابي "يرتجز بين يديهстр. 2309
عليه الصلاة والسلام.
وكان خطيبه ﵊ ثابت بن قيس بن شمّاس -بمعجمة وميم مشددة وآخره مهملة- وهو خزرجي، شهد له النبي ﷺ بالجنة، وكان خطيبه وخطيب الأنصار، واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة.
وكان يحدو بين يديه ﵊ في السفر عبد الله بن رواحة، وفي رواية الترمذي في الشمائيل عن أنس أنه ﵊ دخل مكة في عمرة القضية, وابن رواحة يمشي بين يديه ويقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله ... اليوم نضربكم............
الحواشي
(١) ﵊" يقول:
إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف
مخطمات بخطام الليف
كما عند ابن هشام وتأتي القصة إن شاء الله تعالى، وكان المصنف أراد بذكر هذه القطعة في الشعراء تجويز عد مالك بن النمط من شعراء المصطفى، ولا يخفى ما فيه، فغاية ما ذكره أنه مادح، لا من الذابين الذين الكلام فيهم.
"وكان خطيبه ﵊ ثابت بن قيس بن شمّاش بمعجمة" مفتوحة "وميم مشددة، وآخره مهملة، وهو خزرجي، شهد له النبي ﷺ ، بالجنة" في قصة شهيرة، رواها موسى بن أنس عن أبيه.
أخرج أصل الحديث مسلم، "وكان خطيبه وخطيب الأنصار" روى ابن السكن عن أنس، قال: خطب ثابت بن قيس مقدم رسول الله ﷺ المدينة، فقال: نمنَّعك مما نمنع منه أنفسنا، وأولادنا، فما لنا، قال: "الجنة"، قال: رضينا، "واستشهد يوم اليمامة سنة اثنتي عشرة"، ونفذت وصيته بمنام، كما تقدَّم في الكتاب، ولا يعلم من أجيزت وصيته بعد موته غيره، "وكان يحدو بين يديه ﵊ في السفر عبد الله بن رواحة"، الأمير المستشهد بمؤتة، أي: يقول الحداء -بضم المهملة، وهو الغناء للإبل.
"وفي رواية الترمذي في الشمائل"، ولا داعية للتقييد، فكذا في سننه "عن أنس" بن مالك "أنه ﵊ والسلام- دخل مكة في عمرة القضية, وابن رواحة يمشي بين يديه، ويقول: خلو" تنحوا يا "بني الكفار عن سبيله" طريقه "اليوم نضربكم" بسكون الباء تخفيف، كقراءة أبي عمر، وإن الله يأمركم وقوله:
اليوم أشرب غير مستحقبстр. 2310
....................... ... ............. على تنزيله
ضربًا يزيل الهام عن مقيله ... ويذهل الخليل عن خليله
وقد تقدَّم مزيد لهذا في عمرة القضية والله أعلم.
وعامر بن الأكوع -بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح الواو وبالعين المهملة- وهو عمّ سلمة بن الأكوع، واستشهد يوم خيبر، ومرَّت قصته في غزوتها.
وأنجشة: العبد الأسود -وهو بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم وبالشين المعجمة, وكان حسن الحداء. قال أنس: كان البراء بن مالك.
الحواشي
(١) "على تنزيله"، أي: النبي مكة إن عارضتم، ولا نرجع كما رجعنا عام الحديبية، أو على تنزيل القرآن، وإن لم يتقدّم؛ كقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ , "ضربًا يزيل الهام" جمع هامة بالتخفيف: الرأس, "عن مقيله" أي: محل نومه وقت القائلة, كناية عن محل الراحة؛ إذ النوم أعظمها، ويذهل الخليل عن خليله"، لكونه يهلك أحدهما، فيذهب الهالك عن الحي، وعكسه، وبقية الحديث: فقال عمر: يا ابن رواحة, بين يدي رسول الله ﷺ ، وفي حرم الله تقول الشعر، فقال ﷺ : "خلّ عنه يا عمر، فلهي فيهم أسرع من نضح النبل"، "وقد تقدَّم مزيد لهذا في عمرة القضية، والله أعلم". وفي رواية: أنه لما أنكر عمر علي، قال ﷺ : "يا عمر إني أسمع، فاسكت يا عمر".
"وعامر بن الأكوع"، كان يحدو بين يديه, "بفتح الهمزة، وسكون الكاف، وفتح الواو، وبالعين المهملة" لقبه، واسم الأكوع: سنان بن عبد الله الأسلمي، الجاهد، والمجاهد بالنص النبوي "وهو عم سلمة" ابن عمرو "بن الأكوع"، كما عند ابن إسحاق وغيره، ووقع في رواية لمسلم أنه أخوه، قال في الإصابة: فيمكن التوفيق بأن يكون أخان على ما كانت الجاهلية تفعله، أو من الرضاعة، ففي رواية أخرى عند مسلم نفسه أنه عمّه، "واستشهد يوم خيبر" بعد أن قاتل بها قتالًا شديدًا، "ومرت قصته في غزوتها"، ومن جملتها حداؤه بقوله: "اللهم لولا أنت ما اهتدينا" إلى آخره، "وأنجشة: العبد الأسود"، كما في الصحيح، وقال البلاذري: كان حبشيًّا يكنَّى أبا مارية، "وهو بفتح الهمزة، وسكون النون، وفتح الجيم، وبالشين المعجمة، وكان حسن الحداء"، وفي الصحيح عن أنس: كان حسن الصوت.
"قال أنس" في الصحيحين: "كان البراء بن مالك" الأنصاري أخو أنس لأبيه، وقيل: شقيقه, شهد المشاهد إلا بدرًا، قال ﷺ : "رب أشعث أغبر، لا يؤبه له, لو أقسم على الله لأبره, منهم البراء بن مالك"، قال أنس: فلمَّا كان يوم تستر من بلاد فارس انكشف الناس، فقال المسلمون: ياстр. 2311
يحدو بالرجال وأنجشة بالنساء، وقد كان يحدو وينشد القريض والرجز، فقال ﵊ -كما في رواية للبراء بن مالك: "عبد رويدك رفقًا بالقوارير" أي: النساء.
فشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر، فلم يأمن ﵊ أن يصيبهنَّ أو يقع في قلوبهنَّ حداؤه, فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة.
الحواشي
(١) براء, أقسم على ربك, فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك، فحمل وحمل الناس معه، فقتل هرمزان من عظماء الفرس، وأخذ سلبة، فانهزم الفرس، وقُتِلَ البراء. رواه الترمذي والحاكم، وذلك في خلافة عمر سنة عشرين، وقيل: قبلها، وقيل: سنة ثلاث وعشرين, "يحدو بالرجال"، وكان حسن الصوت، كما قاله أنس في المستدرك، "وأنجشة بالنساء".
زاد الطيالسي: فإذا اعتقب الإبل، قال ﷺ : "يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير"، وقد كان" أنجشة "يحدو وينشد القريض والرجز" الشعر، قال الجوهري: قرض الرجل الشعر، أي: قاله، والشعر قريض، فإن جعل منه فعطف خاصٍّ على عام، وإن جعل غيره فمباين، وفيه خلاف عند العروضيين، "فقال ﵊ كما في رواية للبراء بن مالك" بن النضر: يا "عبد"، فهو منادى بحذف الأداة, "رويدك"، قال ابن مالك: هو اسم فعل بمعنى: أرود، أي: أمهل مصدرًا مضافًا للكاف, "رفقًا بالقوارير".
وفي الصحيحين عن أنس: أن أنجشة حدا بالنساء في حجة الوداع، فأسرعت الإبل، فقال ﷺ : "يا أنجشة رفقًا بالقوارير"، "أي: النساء، فشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر"، كما يسرع الكسر المعنوي إلى النساء، "فلم يأمن ﵊ أن يصيبهنَّ، أو يقع في قلوبهم حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك" خوفًا على دينهنَّ، "وفي المثل: الغناء رقية الزنا"، أي: طريقه الموصِّل إليه، "وقيل: أراد أنَّ الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت، فأزعجت الراكب، وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة"، لا خوفًا من وقوعه في قلوبهنَّ.
قال الدماميني: وحمله على هذا قرب إلى ظاهر لفظه من الحمل على الأوّل. انتهى، ويؤيده ما في مسلم عن أنس، كان لرسول الله حادّ حسن الصوت، فقال ﷺ له: "رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير"، يعني: ضعفة النساء، والتأييد بهذا ليس بالقوي، بل هو محتمل.стр. 2312
الفصل الثامن: في آلات حروبه ﵊, كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه
أما أسيافه ﵊, فكان له تسعة أسياف:
مأثور، وهو أوّل سيف ملكه ﵊
الحواشي
(١) "الفصل الثامن: في آلات حروبه" التي يُسْتَعان بها فيه, سواء كانت للقتل كالسيف، أو للمنع كالدرع، وفي القاموس: الآلة ما اعتملت به من أداة تكون واحدًا وجمعًا، أو هي جمع، بلا واحد، أو واحد جمعه آلات، فمشى المصنف على الثالث؛ إذ عَبَّرَ بالجمع، والإضافة جنسية؛ لأنه لم يقاتل بها دفعة واحدة، ولا في حرب واحد "﵊؛ كدروعه، وأقواسه، ومنطقته، وأتراسه".
روى أحمد وابن أبي شيبة عنه ﷺ : "بعثت بين يدي الساعة مع السيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تَشَبَّه بقوم فهو منهم" فيه إشارة إلى فضل الرمح، وحِلّ الغنائم، وأنَّ رزقه ﷺ جُعِلَ فيها، لا في غيرها من المكاسب، ولذا قيل: إنها أفضل المكاسب.
والمراد بالصغار -بفتح المهملة، وبالمعجمة: بذل الجزية، وفي قوله: "تحت ظلّ رمحي" إشارة إلى أن ظله ممدود إلى أبد الأبد، وحكمة الاقتصار على الرمح دون غيره من آلات الحرب كالسيف, أن عادتهم جرت بجعل الرايات في أطراف الرماح، فلمَّا كان ظل الرمح أسبغ, كان نسبة الرزق إليه أليق، ونسبت الجنة إلى ظل السيف في قوله ﷺ : "الجنة تحت ظلال السيوف"؛ لأن الشهادة تقع به غالبًا؛ ولأن ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل، ولأنَّ ظله لا يظهر إلا بعد الضرب؛ لأنه قبل ذلك يكون مغمدًا معلقًا. أفاده في فتح الباري.
"أمَّا أسيافه ﵊" قدَّمَها على غيرها؛ لأنها أهم آلات الحرب، وإن لم تذكر في الأمثلة، فالترجمة شملتها، وآثر جمع القلة، فلم يقل: سيوفه, لمناسبته لكونها تسعة، كا قال، "فكان له تسعة أسياف: مأثور" بهمزة ساكنة ومثلثة، "وهو أول سيف ملكه ﵊", ورثه من أبيه. ذكره اليعمري، وهي مسألة نزاع, حتى قال بعضهم: ليس في كون الأنبياء يرثون نقل، وبعضهم قال: لا يرثون، كما لا يورَثون، وإنما ورث أبويه قبل الوحي، وصرَّح شيخстр. 2313
وهو الذي يقال: إنه قدم به إلى المدينة في الهجرة.
والعضب: أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر.
وذو الفقار: لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، ويجوز في "فائه" الفتح والكسر، وصار إليه يوم بدر، وكان للعاص بن منبه،
الحواشي
(١) الإسلام في شرح الفصول بأنهم يرثون، وبه جزم الفرضيون.
وذكر الواقدي: أنه ﷺ ورث من أبيه أم أيمن وخمسة أجمال وقطعة من غنم، ومولاه شقران وابنه صالحًا، وقد شهد بدرًا, ومن أمِّه دارها بالشعب، ومن زوجته خديجة دارها بمكة بين الصفا والمروة وأموالًا، "وهو الذي يقال: إنه قدم به المدينة في الهجرة"، وبه جزم اليعمري، "والعضب" بفتح المهملة، وإسكان المعجمة، فموحدة في الأصل: السيف القاطع، ثم جُعِلَ علمًا لأحد الأسياف النبوية، أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وذو الفقار" أشهر أسيافه ﷺ ، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وهو غير العضب، وحكى مغلطاي أنهما واحد، وسمي بذلك؛ "لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر"، وقيل: سمي بذلك لأنه كان فيه حفر صغار، والفقرة الحفرة التي فيها الودية.
وقال أبو عبيد: الفقر من السيوف ما فيه خروز. قال الأصمعي: دخلت على الرشيد فقال: أريكم سيف رسول الله ﷺ ذا الفقار, قلنا: نعم, فجاء به، فما رأيت سيفًا قط أحسن منه, إذا نُصِبَ لم ير فيه شيء، وإذا بطح عُدَّ فيه سَبُع فقر، وإذا صفيحة يمانية يحار الطرف فيه من حسنه. وكذا قال قاسم في الدلائل: إن ذلك يرى في رونقه شبيهًا بفقار الحية، فإذا التمس لم يوجد، وفي رواية عن الأصمعي أحضر الرشيد يومًا ذا الفقار، فأذن لي في تقليبه فقلَّبته، واختلفت أنا ومن حضر في عدة فقاره، هل هي سبع عشرة، أو ثماني عشرة؟ "ويجوز في فائه الفتح، والكسر"، كما قال اليعمري: هو بكسر الفاء، وقيل أيضًا: بفتحها، ومن حفظ حجة فلا عليك ممن زعم أنه لا يقال: بالكسر، بل بالفتح، وفقر كعنب، وقد قال في النور في غزوة بني قينقاع: حكى غير واحد فيه الفتح والكسر أ. هـ، وقول الخطابي: بفتح الفاء، والعامة تكسره, إن أراد الأكثر فصحيح، وإن أراد الجهلة فلا، "وصار إليه يوم بدر" من الغنيمة، كما أخرجه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب، والحاكم، وصحَّحه عن ابن عباس: أنه ﷺ تنفل ذا الفقار يوم بدر، قال الحاكم: والأخبار في أنه من خيبر واهية، "وكان للعاص بن منبه" المقتول كافرًا ببدر، وقيل: كان لمنبه بن وهب، وقيل: لمنبه أو نبيه بن الحجاج، وفي كبير الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس: أن الحجاج بن علاط أهداه لرسول الله ﷺ ، ثم كان عند الخلفاء العباسيين، ويقالстр. 2314
وكان هذا السيف لا يفارقه ﷺ , يكون معه في كل حرب يشهدها، وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وذؤابته وبكراته ونعله من فضة.
والقلعي: بضم القاف وفتح اللام، وهو الذي أصابه من قلع، موضع بالبادية.
والبتار: أي: القاطع.
والحتف: وهو الموت. والمخذم: وهو القاطع. والرسوب: أي يمضي في الضريبة ويغيب فيها، وهو فعول من رسب يرسب إذا ذهب إلى أسفل وإذا ثبت.
أصابهما من الفلس -بضم الفاء وإسكان اللام- صنم كان لطيء.
الحواشي
(١) أصله من حديدة وُجِدَت مدفونة عند الكعبة فصُنِعَ منها، "وكان هذا السيف لا يفارقه ﷺ " بعد أن ملكه, "يكون معه في كل حرب يشهدها"؛ لأنه نادى مَلَك من السماء يوم بدر -يقال له رضوان: لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا علي. رواه الحسن بن عرفة في جزئه عن أبي جعفر الباقر، فإن صحَّ القول بأنه ﵇ أعطاه لعلي، وانتقل في أولاده، فكأنَّه كان يأخذه منه في الحروب، أو أنه أعطاه له عند موته، "وكانت قائمته" أي: مقبضه، "وقبيعته" بالقاف ما على طرف مقبضه، "وحلقته" بإسكان اللام وفتحها لغة في السكون، وهي ما في أعلاه تجعل فيه العلاقة، "وذؤابته" بمعجمة، أي: علاقته -كما في العيون، "وبكراته" حلقه التي في حليته، وهي ما يكون في وسطه، "ونعله" حديدته التي في أسفل غمده "من فضة"، قال مرزوق الصقال: أنا صقلته، فكانت قبعته من فضة، وحلق في قيده، وبكر في وسطه من فضة. وجاء بسند حسن أن قبيعة سيفه، ونعله، وحلقًا بينهما كانت من فضة، "والقلعي -بضم القاف" الذي في النهاية، والدر، واللب غيرها أنه بفتح القاف، "وفتح اللام، وهو الذي أصابه من قلع"، بفتحتين، فعين مهملة "موضع" هو قلعة "بالبادية"، يقال لها مرج بالجيم، وشدّ الفوقية، ثم راء، "أي: القاطع الحتف" بفتح المهملة، وسكون الفوقية ففاء، "وهو الموت" ومن قال: التحتية، فهو سبق قلم؛ إذ هو الحور، ولا معنى له هنا.
"والمخذم" بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الذال المعجمتين، ثم ميم، "وهو القاطع والرسوب، بفتح الراء، وضم المهملة، وسكون الواو، فموحدة, قيل: إنه من السيوف السبعة التي أهدت بلقيس بسليمان، كما في النور، "أي: يمضي في الضريبة ويغيب فيها، وهو فعول من رسب يرسب" بضمّ السين "إذا ذهب إلى أسفل، وإذا ثبت" استقرَّ؛ لأن ضربته تغوص في المضروب به، وتثبت فيه "أصابهما"، أي: المخذم والرسوب "من الفلس -بضم الفاء، وإسكان اللام، وقيل: بضمهما، وقيل: بفتح الفاء، وسكون اللام، وآخره سين مهملة "صنم كان لطيئ".стр. 2315
والقضيب.
وأمَّا أدراعه فسبعة: ذات الفضول -بالضاد المعجمة، لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت من حديد، وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير، وكان ثلاثين صاعًا، وكان الدَّيْن إلى سنة.
الحواشي
(١) كان الحارث قلَّده إياهما، فبعث المصطفى عليًّا سنة تسع، فهدمه، وغنم سبيًا، وشاءً، ونعمًا، وفضة، فعزل علي له ﷺ صفيا السيفين، وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم: إنه ﵊ وهبهما لعلي. وذكر أبو الحسن المدائني: إن زيد الخيل أهداهما للمصطفى لما وفد عليه، "والقضيب" بفتح القاف، وكسر المعجمة، وسكون التحتية، وموحدة, يطلق بمعنى: اللطيف من السيوف، وبمعنى: السيف القاطع، كما في النور، وقيل: إنه ليس بسيف، بل هو قضيبه الممشوق، قال العراقي:
وقيل ذا قضيبه الممشوق ... كان بأيدي الخلفا يشوق
وزاد اليعمري وغيره: الصمصامة، ويقال له: الصمصام -بفتح المهملة، وإسكان الميم فيهما، السيف الصارم الذي لا ينثني، كان سيف عمرو بن معديكرب، وكان مشهورًا، فوهبه ﷺ لخالد بن سعيد بن العاص، واللحيف: سيف مشهور، فهذه أحد عشر، أو عشرة إن حذف منها القضيب، "وأمَّا أدراعه" جمع درع، وهو القميص المتَّخَذ من الزرد، وآثر جمع القلة لمناسبته لقوله: "فسبعة"، وعبَّرَ في الترجمة بجمع كثرة؛ لأنه لم يذكر ثَمَّة عددًا، فحسن تعبيره بدروعه؛ ليفيد أن له جمعين، وذكر ابن الأثير في النهاية في س ب غ ما لفظه، ومنه الحديث.
كان اسم درع النبي ﷺ إذًا السبوغ لتمامها، وسبغها، قال البرهان: فيحتمل أنها واحدة من أدراعه، لها اسمان، وأن تكون ثامنة "ذات الفضول -بالضاد المعجمة"، قبلها فاء مضمومتين، سميت بذلك "لطولها" من الفضل: الزيادة، "أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت" كما في الصحيح عن عائشة "من حديد، وهي التي رهنها" بالتأنيث؛ لأن الدرع يُذَكَّر ويؤنَّث "عند أبي الشحم" -بفتح الشين المعجمة، وسكون الحاء المهملة "اليهودي"، المسمَّى بذلك في رواية البيهقي "على" ثمن "شعير" اشتراه لأهله، ولابن حبان عن أنس أن قيمته كانت دينارًا، "وكان ثلاثين صاعًا"، وفي نسخة: ثلثي صاع، وهو تحريف، فالذي في الصحيح عن عائشة: توفي رسول الله ﷺ ، ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير. وعند النسائي والبيهقي أن الشعير عشرون صاعًا.
قال الحافظ: ولعلَّه كان دون الثلاثين، فجبر الكسر تارة، وألغاه أخرى، "وكان الدَّيْن إلى سنة"، كما عند ابن حبان عن أنس، ولأحمد عنه، فما وجد ما يفتكها به، وذكر ابن الطلاع فيследующие страницы →