Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2311–2350 · переход к 2316.
стр. 2311
يحدو بالرجال وأنجشة بالنساء، وقد كان يحدو وينشد القريض والرجز، فقال ﵊ -كما في رواية للبراء بن مالك: "عبد رويدك رفقًا بالقوارير" أي: النساء.
فشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر، فلم يأمن ﵊ أن يصيبهنَّ أو يقع في قلوبهنَّ حداؤه, فأمره بالكف عن ذلك. وفي المثل: الغناء رقية الزنا. وقيل: أراد أن الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت فأزعجت الراكب وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة.
الحواشي
(١) براء, أقسم على ربك, فقال: أقسم عليك يا رب لما منحتنا أكتافهم، وألحقتني بنبيك، فحمل وحمل الناس معه، فقتل هرمزان من عظماء الفرس، وأخذ سلبة، فانهزم الفرس، وقُتِلَ البراء. رواه الترمذي والحاكم، وذلك في خلافة عمر سنة عشرين، وقيل: قبلها، وقيل: سنة ثلاث وعشرين, "يحدو بالرجال"، وكان حسن الصوت، كما قاله أنس في المستدرك، "وأنجشة بالنساء".
زاد الطيالسي: فإذا اعتقب الإبل، قال ﷺ : "يا أنجشة رويدك سوقك بالقوارير"، وقد كان" أنجشة "يحدو وينشد القريض والرجز" الشعر، قال الجوهري: قرض الرجل الشعر، أي: قاله، والشعر قريض، فإن جعل منه فعطف خاصٍّ على عام، وإن جعل غيره فمباين، وفيه خلاف عند العروضيين، "فقال ﵊ كما في رواية للبراء بن مالك" بن النضر: يا "عبد"، فهو منادى بحذف الأداة, "رويدك"، قال ابن مالك: هو اسم فعل بمعنى: أرود، أي: أمهل مصدرًا مضافًا للكاف, "رفقًا بالقوارير".
وفي الصحيحين عن أنس: أن أنجشة حدا بالنساء في حجة الوداع، فأسرعت الإبل، فقال ﷺ : "يا أنجشة رفقًا بالقوارير"، "أي: النساء، فشبههن بالقوارير من الزجاج؛ لأنه يسرع إليها الكسر"، كما يسرع الكسر المعنوي إلى النساء، "فلم يأمن ﵊ أن يصيبهنَّ، أو يقع في قلوبهم حداؤه، فأمره بالكف عن ذلك" خوفًا على دينهنَّ، "وفي المثل: الغناء رقية الزنا"، أي: طريقه الموصِّل إليه، "وقيل: أراد أنَّ الإبل إذا سمعت الحداء أسرعت في المشي واشتدت، فأزعجت الراكب، وأتعبته، فنهاه عن ذلك؛ لأن النساء يضعفن عن شدة الحركة"، لا خوفًا من وقوعه في قلوبهنَّ.
قال الدماميني: وحمله على هذا قرب إلى ظاهر لفظه من الحمل على الأوّل. انتهى، ويؤيده ما في مسلم عن أنس، كان لرسول الله حادّ حسن الصوت، فقال ﷺ له: "رويدك يا أنجشة، لا تكسر القوارير"، يعني: ضعفة النساء، والتأييد بهذا ليس بالقوي، بل هو محتمل.стр. 2312
الفصل الثامن: في آلات حروبه ﵊, كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه
أما أسيافه ﵊, فكان له تسعة أسياف:
مأثور، وهو أوّل سيف ملكه ﵊
الحواشي
(١) "الفصل الثامن: في آلات حروبه" التي يُسْتَعان بها فيه, سواء كانت للقتل كالسيف، أو للمنع كالدرع، وفي القاموس: الآلة ما اعتملت به من أداة تكون واحدًا وجمعًا، أو هي جمع، بلا واحد، أو واحد جمعه آلات، فمشى المصنف على الثالث؛ إذ عَبَّرَ بالجمع، والإضافة جنسية؛ لأنه لم يقاتل بها دفعة واحدة، ولا في حرب واحد "﵊؛ كدروعه، وأقواسه، ومنطقته، وأتراسه".
روى أحمد وابن أبي شيبة عنه ﷺ : "بعثت بين يدي الساعة مع السيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تَشَبَّه بقوم فهو منهم" فيه إشارة إلى فضل الرمح، وحِلّ الغنائم، وأنَّ رزقه ﷺ جُعِلَ فيها، لا في غيرها من المكاسب، ولذا قيل: إنها أفضل المكاسب.
والمراد بالصغار -بفتح المهملة، وبالمعجمة: بذل الجزية، وفي قوله: "تحت ظلّ رمحي" إشارة إلى أن ظله ممدود إلى أبد الأبد، وحكمة الاقتصار على الرمح دون غيره من آلات الحرب كالسيف, أن عادتهم جرت بجعل الرايات في أطراف الرماح، فلمَّا كان ظل الرمح أسبغ, كان نسبة الرزق إليه أليق، ونسبت الجنة إلى ظل السيف في قوله ﷺ : "الجنة تحت ظلال السيوف"؛ لأن الشهادة تقع به غالبًا؛ ولأن ظل السيف يكثر ظهوره بكثرة حركة السيف في يد المقاتل، ولأنَّ ظله لا يظهر إلا بعد الضرب؛ لأنه قبل ذلك يكون مغمدًا معلقًا. أفاده في فتح الباري.
"أمَّا أسيافه ﵊" قدَّمَها على غيرها؛ لأنها أهم آلات الحرب، وإن لم تذكر في الأمثلة، فالترجمة شملتها، وآثر جمع القلة، فلم يقل: سيوفه, لمناسبته لكونها تسعة، كا قال، "فكان له تسعة أسياف: مأثور" بهمزة ساكنة ومثلثة، "وهو أول سيف ملكه ﵊", ورثه من أبيه. ذكره اليعمري، وهي مسألة نزاع, حتى قال بعضهم: ليس في كون الأنبياء يرثون نقل، وبعضهم قال: لا يرثون، كما لا يورَثون، وإنما ورث أبويه قبل الوحي، وصرَّح شيخстр. 2313
وهو الذي يقال: إنه قدم به إلى المدينة في الهجرة.
والعضب: أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر.
وذو الفقار: لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر، ويجوز في "فائه" الفتح والكسر، وصار إليه يوم بدر، وكان للعاص بن منبه،
الحواشي
(١) الإسلام في شرح الفصول بأنهم يرثون، وبه جزم الفرضيون.
وذكر الواقدي: أنه ﷺ ورث من أبيه أم أيمن وخمسة أجمال وقطعة من غنم، ومولاه شقران وابنه صالحًا، وقد شهد بدرًا, ومن أمِّه دارها بالشعب، ومن زوجته خديجة دارها بمكة بين الصفا والمروة وأموالًا، "وهو الذي يقال: إنه قدم به المدينة في الهجرة"، وبه جزم اليعمري، "والعضب" بفتح المهملة، وإسكان المعجمة، فموحدة في الأصل: السيف القاطع، ثم جُعِلَ علمًا لأحد الأسياف النبوية، أرسله إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وذو الفقار" أشهر أسيافه ﷺ ، وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد، وهو غير العضب، وحكى مغلطاي أنهما واحد، وسمي بذلك؛ "لأنه كان في وسطه مثل فقرات الظهر"، وقيل: سمي بذلك لأنه كان فيه حفر صغار، والفقرة الحفرة التي فيها الودية.
وقال أبو عبيد: الفقر من السيوف ما فيه خروز. قال الأصمعي: دخلت على الرشيد فقال: أريكم سيف رسول الله ﷺ ذا الفقار, قلنا: نعم, فجاء به، فما رأيت سيفًا قط أحسن منه, إذا نُصِبَ لم ير فيه شيء، وإذا بطح عُدَّ فيه سَبُع فقر، وإذا صفيحة يمانية يحار الطرف فيه من حسنه. وكذا قال قاسم في الدلائل: إن ذلك يرى في رونقه شبيهًا بفقار الحية، فإذا التمس لم يوجد، وفي رواية عن الأصمعي أحضر الرشيد يومًا ذا الفقار، فأذن لي في تقليبه فقلَّبته، واختلفت أنا ومن حضر في عدة فقاره، هل هي سبع عشرة، أو ثماني عشرة؟ "ويجوز في فائه الفتح، والكسر"، كما قال اليعمري: هو بكسر الفاء، وقيل أيضًا: بفتحها، ومن حفظ حجة فلا عليك ممن زعم أنه لا يقال: بالكسر، بل بالفتح، وفقر كعنب، وقد قال في النور في غزوة بني قينقاع: حكى غير واحد فيه الفتح والكسر أ. هـ، وقول الخطابي: بفتح الفاء، والعامة تكسره, إن أراد الأكثر فصحيح، وإن أراد الجهلة فلا، "وصار إليه يوم بدر" من الغنيمة، كما أخرجه أحمد والترمذي وقال: حسن غريب، والحاكم، وصحَّحه عن ابن عباس: أنه ﷺ تنفل ذا الفقار يوم بدر، قال الحاكم: والأخبار في أنه من خيبر واهية، "وكان للعاص بن منبه" المقتول كافرًا ببدر، وقيل: كان لمنبه بن وهب، وقيل: لمنبه أو نبيه بن الحجاج، وفي كبير الطبراني بسند ضعيف، عن ابن عباس: أن الحجاج بن علاط أهداه لرسول الله ﷺ ، ثم كان عند الخلفاء العباسيين، ويقالстр. 2314
وكان هذا السيف لا يفارقه ﷺ , يكون معه في كل حرب يشهدها، وكانت قائمته وقبيعته وحلقته وذؤابته وبكراته ونعله من فضة.
والقلعي: بضم القاف وفتح اللام، وهو الذي أصابه من قلع، موضع بالبادية.
والبتار: أي: القاطع.
والحتف: وهو الموت. والمخذم: وهو القاطع. والرسوب: أي يمضي في الضريبة ويغيب فيها، وهو فعول من رسب يرسب إذا ذهب إلى أسفل وإذا ثبت.
أصابهما من الفلس -بضم الفاء وإسكان اللام- صنم كان لطيء.
الحواشي
(١) أصله من حديدة وُجِدَت مدفونة عند الكعبة فصُنِعَ منها، "وكان هذا السيف لا يفارقه ﷺ " بعد أن ملكه, "يكون معه في كل حرب يشهدها"؛ لأنه نادى مَلَك من السماء يوم بدر -يقال له رضوان: لا سيف إلّا ذو الفقار، ولا فتى إلّا علي. رواه الحسن بن عرفة في جزئه عن أبي جعفر الباقر، فإن صحَّ القول بأنه ﵇ أعطاه لعلي، وانتقل في أولاده، فكأنَّه كان يأخذه منه في الحروب، أو أنه أعطاه له عند موته، "وكانت قائمته" أي: مقبضه، "وقبيعته" بالقاف ما على طرف مقبضه، "وحلقته" بإسكان اللام وفتحها لغة في السكون، وهي ما في أعلاه تجعل فيه العلاقة، "وذؤابته" بمعجمة، أي: علاقته -كما في العيون، "وبكراته" حلقه التي في حليته، وهي ما يكون في وسطه، "ونعله" حديدته التي في أسفل غمده "من فضة"، قال مرزوق الصقال: أنا صقلته، فكانت قبعته من فضة، وحلق في قيده، وبكر في وسطه من فضة. وجاء بسند حسن أن قبيعة سيفه، ونعله، وحلقًا بينهما كانت من فضة، "والقلعي -بضم القاف" الذي في النهاية، والدر، واللب غيرها أنه بفتح القاف، "وفتح اللام، وهو الذي أصابه من قلع"، بفتحتين، فعين مهملة "موضع" هو قلعة "بالبادية"، يقال لها مرج بالجيم، وشدّ الفوقية، ثم راء، "أي: القاطع الحتف" بفتح المهملة، وسكون الفوقية ففاء، "وهو الموت" ومن قال: التحتية، فهو سبق قلم؛ إذ هو الحور، ولا معنى له هنا.
"والمخذم" بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الذال المعجمتين، ثم ميم، "وهو القاطع والرسوب، بفتح الراء، وضم المهملة، وسكون الواو، فموحدة, قيل: إنه من السيوف السبعة التي أهدت بلقيس بسليمان، كما في النور، "أي: يمضي في الضريبة ويغيب فيها، وهو فعول من رسب يرسب" بضمّ السين "إذا ذهب إلى أسفل، وإذا ثبت" استقرَّ؛ لأن ضربته تغوص في المضروب به، وتثبت فيه "أصابهما"، أي: المخذم والرسوب "من الفلس -بضم الفاء، وإسكان اللام، وقيل: بضمهما، وقيل: بفتح الفاء، وسكون اللام، وآخره سين مهملة "صنم كان لطيئ".стр. 2315
والقضيب.
وأمَّا أدراعه فسبعة: ذات الفضول -بالضاد المعجمة، لطولها، أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت من حديد، وهي التي رهنها عند أبي الشحم اليهودي على شعير، وكان ثلاثين صاعًا، وكان الدَّيْن إلى سنة.
الحواشي
(١) كان الحارث قلَّده إياهما، فبعث المصطفى عليًّا سنة تسع، فهدمه، وغنم سبيًا، وشاءً، ونعمًا، وفضة، فعزل علي له ﷺ صفيا السيفين، وذكر ابن هشام عن بعض أهل العلم: إنه ﵊ وهبهما لعلي. وذكر أبو الحسن المدائني: إن زيد الخيل أهداهما للمصطفى لما وفد عليه، "والقضيب" بفتح القاف، وكسر المعجمة، وسكون التحتية، وموحدة, يطلق بمعنى: اللطيف من السيوف، وبمعنى: السيف القاطع، كما في النور، وقيل: إنه ليس بسيف، بل هو قضيبه الممشوق، قال العراقي:
وقيل ذا قضيبه الممشوق ... كان بأيدي الخلفا يشوق
وزاد اليعمري وغيره: الصمصامة، ويقال له: الصمصام -بفتح المهملة، وإسكان الميم فيهما، السيف الصارم الذي لا ينثني، كان سيف عمرو بن معديكرب، وكان مشهورًا، فوهبه ﷺ لخالد بن سعيد بن العاص، واللحيف: سيف مشهور، فهذه أحد عشر، أو عشرة إن حذف منها القضيب، "وأمَّا أدراعه" جمع درع، وهو القميص المتَّخَذ من الزرد، وآثر جمع القلة لمناسبته لقوله: "فسبعة"، وعبَّرَ في الترجمة بجمع كثرة؛ لأنه لم يذكر ثَمَّة عددًا، فحسن تعبيره بدروعه؛ ليفيد أن له جمعين، وذكر ابن الأثير في النهاية في س ب غ ما لفظه، ومنه الحديث.
كان اسم درع النبي ﷺ إذًا السبوغ لتمامها، وسبغها، قال البرهان: فيحتمل أنها واحدة من أدراعه، لها اسمان، وأن تكون ثامنة "ذات الفضول -بالضاد المعجمة"، قبلها فاء مضمومتين، سميت بذلك "لطولها" من الفضل: الزيادة، "أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت" كما في الصحيح عن عائشة "من حديد، وهي التي رهنها" بالتأنيث؛ لأن الدرع يُذَكَّر ويؤنَّث "عند أبي الشحم" -بفتح الشين المعجمة، وسكون الحاء المهملة "اليهودي"، المسمَّى بذلك في رواية البيهقي "على" ثمن "شعير" اشتراه لأهله، ولابن حبان عن أنس أن قيمته كانت دينارًا، "وكان ثلاثين صاعًا"، وفي نسخة: ثلثي صاع، وهو تحريف، فالذي في الصحيح عن عائشة: توفي رسول الله ﷺ ، ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير. وعند النسائي والبيهقي أن الشعير عشرون صاعًا.
قال الحافظ: ولعلَّه كان دون الثلاثين، فجبر الكسر تارة، وألغاه أخرى، "وكان الدَّيْن إلى سنة"، كما عند ابن حبان عن أنس، ولأحمد عنه، فما وجد ما يفتكها به، وذكر ابن الطلاع فيстр. 2316
وذات الوشاح. وذات الحواشي. والسعدية، ويقال بالغين، وهي درع عكبر القيقاعي، قيل: وهي درع داود التي لبسها حين قتل جالوت.
وفضة وكان قد أصابهما من بني قينقاع. والبتراء لقصرها، والخرنق -باسم ولد الأرنب.
وكان عليه ﷺ يوم أحد درعان، ذات الفضول وفضة. وكان عليه يوم حنين درعان: ذات الفضول والسعدية.
وأما أقواسه ﵊, فكانت ستة:
الحواشي
(١) الأقضية النبوية: إن أبا بكر افتكَّ الدرع بعد النبي ﷺ ، "وذات الوشاح" بكسر الواو، وخفة الشين المعجمة فألف فمهملة، "وذات الحواشي" جمع حاشية، وهي في الأصل: جانب الثوب، "والسعدية" بفتح السين، وجوَّز بعض ضمَّها، وإسكان العين، ودال مهملات.
قال بعضهم: منسوبة للسعد، وهي جبال معروفة، وفي معرب الجواليقي أنه بالسين والصاد؛ لأنه قياس في كل سين معها حرف استعلاء, قال الشاعر:
وخافت من جبال السعد نفسي
"ويقال بـ"ضم السين، و"الغين" المعجمة الساكنة.
قال البرهان: وهو الذي أحفظه، قال ابن القطاع: موضع يصنع به الدروع، أي: ناحية بسمرقند، كما في اللب، وفي القاموس, وسغدان، أي: بمعجمة كسلطان, قرية ببخارى، فجوَّز شيخنا نسبتها إليها لكونها تعمل فيها، وفيه أنه كان يقال: سغدانية؛ لأن تغيير النسب يحتاج لنقل، ولا يكفي فيه التجويز، "وهي درع عكبر القينقاعي" نسبة إلى بني قينقاع -بتثليث النون والضم أشهر، "قيل: وهي درع داود التي لبسها حين قتل جالوت"، كما حكاه اليعمري ومغلطاي، "وفضة" بكسر الفاء، "وكان قد أصابهما من بني قينقاع" بطن من يهود المدينة، "والبتراء" بفتح الموحدة، وسكون الفوقية، والمد "لقصرها" سميت بذلك، "والخرنق" بكسر المعجمة، وإسكان الراء، وكسر النون، وقاف, "باسم ولد الأرنب"، كما في العيون وغيرها، وهو أحد إطلاقين في القاموس, ثانيهما: أنه الفتي من الأرانب، "وكان عليه ﷺ يوم أُحدٍ درعان: ذات الفضول وفضة، وكان عليه يوم حنين" بضم المهملة آخره نون "درعان: ذات الفضول، والسعدية"، نقله عبد الغني في السيرة عن محمد بن مسلمة الصحابي، أنه رأى ذلك على المصطفى في اليومين، وأفاد البرهان وغيره: أنه لم يظاهر بين درعين إلّا في اليومين، وهذه فائدة استطرادية لا دخل لها في أسماء دروعه، "وأما أقواسه ﵊، فكانت ستة"стр. 2317
الزوراء، وثلاث من سلاح بني قينقاع: قوس يدعى الروحاء، وقوس يدعى الصفراء، وشوحط، والكتوم كسرت يوم أُحد, فأخذها قتادة، والسداد.
وكانت له جعبة تدعى الكافور، وكانت له منطقة من أديم فيها ثلاث حِلَق من فضة، والإبزيم من فضة، والطرف من فضة.
وأما أتراسه: فكان له ﵊ ترس اسمه: الزلوق، يزلق عنه السلاح، وترس يقال له: الفتق،
الحواشي
(١) وعدَّها اليعمري خمسة، فأسقط السداد، وذكر البيضاء، وأنها من شوحط، وعليه: فهما واحدة، فليست سبعة ولا خمسة كما يظن، وإنما هي كما قال المصنِّف ستة: "الزوراء" اسم منقول عن الجنس؛ لأن الزوراء اسم للقوس، كما في القاموس، وهي بالرفع خبر لمحذوف، لا بالنصب بدل من ستة؛ لقوله: "وثلاث من سلاح بني قينقاع، قوس" بدل من ثلاث "يدعى الروحاء، وقوس يدعى الصفراء" من نبع بفتح النون، وإسكان الموحدة، ومهملة، شجر يُتَّخَذُ منه القسي، ومن أغصانها السهام، "وشوحط" بفتح المعجمة وإسكان الواو فحاء مفتوحة فطاء مهملتين, ضرب من شجر الجبال تُتَّخَذُ منه القسي، كما في النور، ويقال لها كما في العيون: البيضاء، فإنما ذكر المصنف مما هي دون اسمها، "والكتوم" بكاف مفتوحة ففوقية, سميت بذلك، قال في العيون: لانخفاض صوتها إذا رمي عنها. "كسرت يوم أحد" حتى صارت شظايا من كثرة رميه عنها ﷺ , حتى انحاز عنه العدو، "فأخذها قتادة" بن النعمان الأنصاري الذي أصيبت عينه يومئذ، فردَّت بكفِّ المصطفى أحسن الرد.
"والسداد" بفتح السين, علم منقول؛ لأنه الصواب من قول وعمل، "وكانت له جعبة" بفتح الجيم، والموحَّدة بينهما مهملة ساكنة، وهي الكنانة يجمع فيها نبله, "تدعى: الكافور، وكانت له منطقة" بكسر الميم, اسم لما يسميه الناس الحياصة, "من أديم" جلد "فيها ثلاث حلق من فضة".
"والإبزيم" بالكسر, الذي في رأس المنطقة، وما أشبهه، وهو ذو لسان يدخل فيه الطرف الآخر، كما في القاموس "من فضة، والطرف" الذي يدخل في الإبزيم "من فضة".
وقد ذكر ابن سعد، وغيره: أنه ﷺ يوم أحد حزم وسطه بمنطقة، وأقرّه اليعمري وغيره، فقول ابن تيمية: لم يبلغنا أنه شدَّ على وسطه منطقة, تقصير، فابن سعد ثقة حافظ، فهو حجة على النافي، ولا سيما إنما نفى أنه بلغه، ولم يطلق النفي، فدع عنك قيل وقال. "وأمَّا أتراسه: فكان له ﵊ ترس اسمه الزلوق" بفتح الزاي، وضم اللام المخففة، وسكون الواو، وقاف، سمي بذلك لأنه "يزلق" بفتح اللام "عنه السلام، وترس يقال له: الفتق" بضم الفاء وفتحстр. 2318
وترس أهدي إليه، فيه تمثال عقاب أو كبش، فوضع يده عليه فأذهب الله ذلك التمثال.
وأمَّا أرماحه ﵊، فالمثوي: قال ابن الأثير: سمي به لأنه يثبت المطعون به، من الثواء وهو الإقامة. انتهى. والمثْنَى، ورمحان آخران.
وكانت له ﷺ حربة كبيرة تسمَّى البيضاء، وكانت له ﵊ حربة أخرى صغيرة دون الرمح, شبه العكاز، يقال لها: العنزة,
الحواشي
(١) الفوقية، وقاف، "وترس أهدي إليه" بالبناء للمفعول.
قال البرهان: والذي أهداه لا أعرفه، "فيه تمثال" صورة "عقاب أو كبش، فوضع يده عليه، فأذهب الله ذلك"، كما في العيون.
وروى البيهقي عن عائشة أنها قالت: أهدي لرسول الله ﷺ ترس فيه "تمثال" عقاب أو كبش، فكرهه، فأصبح وقد أذهبه الله، فيحتمل أنه لما كرهه وضع يده، فأصبح وقد أذهبه الله، "وأما أرماحه ﵊، فالمثوي" بضم الميم وإسكان المثلثة وكسر الواو ثم ياء، أي: القاتل.
"قال ابن الأثير: سمي به؛ لأنه يثبت المطعون به"، فبينه وبين المعنى اللغوي مناسبة "من الثواء وهو الإقامة أ. هـ، والمثْنَى" بضم الميم وإسكان المثلثة وفتح النون وكسرها, اسم فاعل من تثنى إذا انعطف، كما في النور، ولعل وجه التسمية أنه كان لينًا، "ورمحان آخران"، كذا عدَّها مغلطاي أربعة، فتبعه المصنف على عادته، وقد عدَّها صاحب العيون، والهدى، والسبل, والعراقي: خمسة، فقال:
كان له من الرماح خمسة ... من قينقاع جاءه ثلاثة
ورابع له يسمَّى المثويا ... والخامس المثنى بذاك سميا
"وكان له ﷺ حربة كبيرة" بالنسبة للتي بعدها، وإن كانت دون الرمح أيضًا "تسمَّى البيضاء، وكانت له ﵊ حربة أخرى صغيرة دون الرمح" بنصفه، عريضة النصل، لكن سنانها في أسفلها بخلاف الرمح، فإنه في أعلاه.
قال المصنف: "شبه العكّاز" بضمّ العين وشد الكاف: عصا ذات زج، "يقال له: العنزة" بفتح المهملة، والنون والزاي.
قال الحافظ: عصا أقصر من الرمح، يقال لها: سنان، وقيل: هي الحربة القصيرة، وفي رواية: كريمة العنزة عصا عليها زج -بزاي مضمومة ثم جيم مشددة، أي: سنان، وفي طبقات ابن سعد:стр. 2319
وكانت تركّز أمامه فيصلي إليها.
وكان له ﵊ مغفر من حديد يسمَّى السبوغ، أو ذا السبوغ، وآخر يسمى: الموشح.
الحواشي
(١) إن النجاشي أهداها للنبي ﷺ ، وهذا يؤيد أنها كانت على صفة الحربة؛ لأنها من آلات الحبشة.
وقد روى عمر بن شبة في أخبار المدينة, من حديث سعد القرظ: إن النجاشي أهدى له ﷺ حربة، فأمسكها لنفسه، فهي التي يمشي بها مع الإمام يوم العيد، ومن طريق الليث بن سعد بلاغًا أنها كانت لرجل من المشركين، قتله الزبير بن العوام يوم أُحد، فأخذها منه ﷺ ، فكان ينصبها بين يديه إذا صلى، ويحتمل الجمع بأن عنزة الزبير كانت أولًا قبل حربة النجاشي. انتهى، لكن هذا البلاغ مخالف لما في الصحيح، أنَّ الزبير لقي يوم بدر عبيدة بن سعيد بن العاص، قال: فحملت عليه بالعنزة، فطعنته في عينه فمات، ولقد وضعت رجلي على عينه، ثم تمطأت، فكأن الجهد أن نزعتها، وقد انثنى طرفها، قال عروة: فسأله إياها ﷺ ، فأعطاه، فلما قُبِضَ أخذها، ثم طلبها أبو بكر، فأعطاه إياها، فلمَّا قُبِضَ أخذها، فسألها عمر، فلمَّا قُبِضَ أخذها، ثم طلبها عثمان، فأعطاه، فلمَّا قُتِلَ وقعت عند علي، فطلبها عبد الله بن الزبير، فكانت عنده حتى قُتِلَ، فإن هذا ظاهر أنها كانت للزبير، لا للمشرك الذي قتله، وقد نقل ابن سيد الناس وغيره: أن الزبير قدم بها من الحبشة، "وكانت" كما في الصحيح عن ابن عمر "تركز" بفوقية مضمومة وكاف مفتوحة فزاي، أي: تغرز له الحربة، "فيصلي إليها"، أي: إلى جهتها.
وفي الصحيحين أيضًا عن ابن عمر: كان ﷺ إذا خرج إلى العيد أمر بالحربة، فتوضع بين يديه، فيصلي إليها والناس وراءه، وكان يفعل ذلك في السفر، فمن ثَمَّ اتخذها الأمراء، "وكان له ﵊ مغفر" بكسر الميم وإسكان المعجمة وفتح الفاء ثم راء "من حديد"، صفة لازمة على أنه ما نسج من زرد الدرع، أو مخصصة على أنه ما يلبس على الرأس مثل القلنسوة، وقد مَرَّ الكلام فيه غير مرة، منها في فتح مكة، "يسمَّى: السبوغ" بفتح السين المهملة وضمها فموحدة، فواو فغين معجمة، كما في النور، بمعنى: السابغ، أي: الطويل، "أو ذا السبوغ" بالفتح والضم أيضًا على ما في النور، وفي القاموس: ضمهما، أي: ذا الطول، وهو ظاهر, قول الخلاصة:
وفعل اللازم مثل قعدا ... له فعول باطراد كغدا
فكأنه على الفتح استعمل بمعنى الفعل الذي هو المصدر، وهو الستر اللازم للطول، وإن كان ذلك الاستعمال قليلًا، "وآخر يسمَّى الموشح" بضم الميم وفتح الواو والشين المعجمة المشددة والمهملة, وترك المصنّف هنا من آلات الحرب اللواء والراية؛ لأنه قدَّم الكلامстр. 2320
تكميل:
وكان له ﵊ فسطاط يسمَّى الكن.
وكان له محجن قدر ذراع أو أكثر يمشي ويركب به, ويعلقه بين يديه على بعيرة.
وكانت له مخصرة تسمَّى العرجون، وقضيب من الشوحط يسمَّى الممشوق.
وكان له قدح يسمَّى الريان، وآخر يسمَّى مغيثًا، وآخر مضبب بسلسلة من فضة في ثلاث مواضع،
الحواشي
(١) عليهما أوائل المغازي.
وفي العيون هنا: كان له راية سوداء تسمَّى العقاب, وراية بيضاء تسمَّى الزينة، وربما جعل فيها الأسود، وروى أبو داود عن رجل, رأيت راية رسول الله ﷺ صفراء، وروي أن لواءه أبيض مكتوب عليه: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
تكميل:
لما كان يستعمله ﷺ ، وإن لم يكن من آلات الحرب، تشتاق إلى معرفتها أنفس الطالبين، وترتاتح بالمذاكرة فيها قلوب المتأدبين، وكل ما كان من باب المعرفة به، ومتصلًا بأخبار سيرته، فهو مما يؤنق الأسماع، ويهز بأرواح المحبة الطباع، وآثر آلات الحروب بالترجمة أولًا؛ لأنها الأهمّ عنده، "وكان له ﵊ فسطاط" بضم الفاء وكسرها وبالطاء والتاء مكانها، والسين بدونهما: الخباء، كما في المطالع "يسمَّى الكِن" بكسر الكاف؛ لأنه يستر من الحرِّ والبرد، كما أشار اليعمري، "وكان له محجن" بكسر الميم وإسكان المهملة وفتح الجيم ونون, عصا معوجة "قدر ذراع أو أكثر, يمشي ويركب به، ويعلقه بين يديه على بعيره" للاحتياج إليه، "وكانت له مخصرة" بكسر الميم وإسكان المعجمة وفتح المهملة, ما يختصره بيده فيمسكه من عصا، أو عجازة، أو مقرعة، أو قضيب، وقد يتكئ عليه, كذا في النور, "تسمَّى العرجون"، كما قال اليعمري وغيره.
"وروى الطبراني عن ابن عباس، قال: كان للنبي ﷺ "قضيب من الشوحط", مَرَّ أنه من شجر الجبال "يسمَّى الممشوق"، وقال ابن عباس: التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء، وكان لرسول الله ﷺ عصا يتوكأ عليها. رواه أبو الشيخ، "وكان له قدح يسمَّى الريَّان"، بفتح الراء وشد التحتية، "وآخر يسمَّى مغيثًا"، بمعجمة ومثلثة؛ لأنه كن يغيث الناس إذا مستهم الحاجة، فيشربون، كما رواه أبو يعلى وغيره، "وآخر مضبَّب بسلسلة من فضة في ثلاث مواضع"، والذيстр. 2321
وآخر من عيدان، وآخر من زجاج.
وتور من حجارة يسمَّى المخضب، وركوة تسمَّى الصادرة، ومخضب من نحاس، ومغتسل من صفر، ومدهن.
الحواشي
(١) ضبَّبه أنس، قال: إنه انشعب، فجعلت في مكان الشعب سلسلة، وفي بعض الروايات ما يوهم أن المصطفى هو الذي ضبَّبه، وليس كذلك، كما أفاده ابن الصلاح والبيهقي. ذكره النووي، "وآخر من عيدان" بفتح المهملة وسكون الياء آخر الحروف، والعيدانة: النخلة السحوق، كما في العيون والقاموس، وحكى بعضهم كسر العين أيضًا، "وآخر من زجاج" مثلث الزاي، كما في النور.
قال ابن حبان: بعثه إليه النجاشي، فكان يشرب منه, زاد الشامي: وآخر من فخار، فيحتمل أنه من جملة ما تقدَّم، أو زائد عليها، "وتور" بالفوقية, إناء "من حجارة" كان يتوضأ فيه، قال في الفتح: شبه الطست، وقيل: هو الطست، ووقع في رواية شريك عن أنس في المعراج: أتي بطست من ذهب فيه تور، وظاهره المغايرة بينهما، ويحتمل الترادف، فكأنَّ الطست أكبر من التور "يسمَّى المخضب" بكسر الميم، وسكون الخاء وفتح الضاد المعجتمين آخره موحدة، إجانة لغسل الثياب، أو المركن، أو إناء يغسل فيه، كذا قاله المصنف، وصريحه أن المركن غير الإجانة، والذي في الكرماني، وغيره المخضب المركن، وهو بالكسر: الإجانة التي تغسل فيها الثياب. انتهى.
وهو يقع على الكبير والصغير، وهو الواقع هنا، ففي الصحيحين: حضرت الصلاة، فأتي ﷺ بمخضب من حجارة فيه ماء، فصغَّر المخضب أن يبسط فيه كفه، "وركوة" بفتح الراء وتكسر، قاله ابن قرقول، وحكى ابن دحية تثليثها "تسمَّى الصادرة"؛ لأنه يصدر عنها الريّ، "ومخضب من نحاس" كأنه عبَّرَ بالتور؛ لأنهم كانوا يطلقونه على ما كان من حجارة، وما هو نحاس مخضب، وإن كان كلٌّ يسمَّى المخضب، لكن في شرحه للبخاري: التور إناء من صفر، أو حجارة، "ومغتسل من صفر" بضم المهملة, وكسرها أبو عبيدة، وإسكان الفاء، وبالراء: صنف من جيِّد النحاس يعمل منه الأواني، "ومدهن" بضم الميم والهاء، كما قال ابن مالك في شرح لامية أبيه، قال: وهو ما يجعل فيه الدهن الذي يدهن به, مختصة به, حتى لو جعل في إناء آخر لم يسمّ مدهنًا، فعدلت العرب به عن مِفعل -بكسر الميم وفتح العين إلى مُفعل -بضم الميم والعين، إشعارًا بأنه إناء لا آلة، وكذا مدق، ومسعط، ومكحلة ومنخل. والمقصل وهو السيف، والمحرضة وهي كالمدهن، فهذه سبعة جاءت بضم الميم والعين.
قال ابن مالك: لكن لو قصد بها مقصد العمل بالآلات ساغ كسر الميم وفتح العين، وقدстр. 2322
وربعة إسكندرانية يجعل فيها المرآة، ومشطًا من عاج -وهو الذبل، والمكحلة يكتحل منها عند النوم ثلاثًا في كل عين، وكان له في الربعة أيضًا المقراض والسواك. وهذه الربعة أهداها له المقوقس صاحب الأسكندرية مع مارية أم إبراهيم ﵇.
وكانت له قصعة تسمَّى الغراء، بأربع حلق وصاع ومد.
وقطيفة وسرير قوائمه من ساج،
الحواشي
(١) سمع ذلك من بعض العرب في المدق أ. هـ بحروفه.
"وربعة" بفتح الراء وإسكان الموحدة وعين مهملة، كجونة العطَّار -بإسكان الواو، وربما همزت، وهي جلد يجعل فيه العطار الطيب، "إسكندرانية" نسبة إلى إسكندرية، "يجعل فيها المرآة" التي كان ينظر فيها، فلم تبد أوسم من وجهه ﷺ ، "و" يجعل فيها "مشطًا" بضم الميم مع إسكان الشين، وضمها, وكسر الميم مع إسكان الشين، ويقال: ممشط -بميمين: الأولى مكسورة "من عاج"، وهو ظهر السلحفاة البحرية، كما في المصباح قائلًا: وعليه يحمل أنه كان لفاطمة سوار من عاج، ولا يجوز حمله على أنياب الفيلة؛ لأن أنيابها ميتة بخلاف السلحفاة. انتهى.
وعليه يحمل المشط النبوي بالأولى ومن ثَمَّ قال المصنف: "وهو الذبل" بفتح المعجمة وإسكان الموحدة، وباللام.
قال المصباح: شيء كالعاج، وفي القاموس: عظام دابة بحرية يتَّخَذُ منها الأسورة والأمشاط، "و" يجعل فيها "المكحلة"، وكان "يكتحل منها عند النوم ثلاث في كل عين، وكان له في الربعة أيضًا المقراض" بكسر الميم، والجمع: المقاريض، "والسواك" بكسر السين على الأفصح، كما قاله الحافظ والكرماني, يطلق على الفعل والآلة، وهو المراد هنا، "وهذه الربعة أهداها له المقوقس صاحب الإسكندرية مع مارية أم إبراهيم ﵇" في جملة ما أهداه, وفي الألفية:
كانت له ربعة أي مربعه ... كجونة يجعل فيها أمتعه
"وكانت له قصعة" بفتح القاف ولا تكسرها, "تسمَّى: الغراء" كبيرة، "بأربع حلق"، يحملها أربعة رجال، كما رواه أحمد وأبو داود.
قال ابن رسلان في شرحه تأنيث الأغر: مشتق من الغرة، وهي بياض الوجه وإضاءته، ويجوز أن يراد أنها من الغرة، وهي الشيء النفيس والمرغوب فيه، فتكون سميت بذلك لرغبة الناس فيها؛ لنفاسة ما فيها، أو لكثرة ما تشبعه.
وقال المنذري: سميت غراء لبياضها بالألية والشحم، "وصاع ومد" ربع الصاع، وهو رطلстр. 2323
وفراش من أدم حشوة ليف.
وخاتم من حديد ملوي بفضة، وخاتم فضة فصه منه، يجعله في يمينه، وقيل: كان أولًا في يمينه, ثم حول إلى يساره، منقوش عليه: محمد رسول الله.
وأهدى له النجاشي خفَّين ساذجين فلبسهما.
وكان له ثلاث جباب يلبسهن في الحرب، جبة
الحواشي
(١) وثلث، "وقطيفة" كساء له خمل، "وسرير قوائمه من ساج" أهداه إليه أسعد بن زرارة, فكان ينام عليه، ثم وضع عليه لما مات، ثم الصديق، ثم الفاروق، ثم صار الناس يحملون عليه موتاهم تبركًا به، ثم بيع في زمن بني أمية في ميراث عائشة، فاشترى ألواحه عبد الله بن إسحاق بأربعة آلاف درهم، ذكره ابن العماد.
وفي الروض: إنه كان خشبات مشدودة بالليف، "وفراش من أدم حشوه ليف"، زاد في العيون: وكساء من شعر، وكساء أسود، ومنديل يمسح به وجهه، وسُئِلَت حفصة: ما كان فراشه ﷺ ، قالت: مسح نثنيه ثنيتين، فينام عليه، فلمَّا كان ليلة ثنيته بأربع ثنيات ليكون أوطأ، فلما أصبح، قال: "ما فرشتم لي"؟ قلنا: هو فراشك ثنيناه أربعًا، قال: "ردوه لحاله الأولى، فإنه منعتني وطأته صلاة الليل"، رواه الترمذي في الشمائل، "وخاتم من حديد ملوي بفضة"، وخاتم من ذهب لبسه ثم طرحه، "وخاتم فضة" وكان كما في البخاري وغيره "فصه منه" بتثليث الفاء، ووَهِمَ الجوهري في جعله الكسر لحنًا، كما في القاموس.
نعم، قال الفارابي، وابن السكيت: إنه رديء، وإطلاقه على ما كان منه مجاز، فإنه لغةً: ما يركب فيه من غيره، وفي مسلم: كان فصه حبشيًّا, يعني: حجرًا حبشيًّا من جذع أو عقيق، وجمع ابن العربي والبيهقي والقرطبي بأنَّ الذي فصه منه هو الفضة، والذي فصه حبشي هو الذي اتخذه من ذهب، ثم طرحه، وقيل: غير ذلك، كما يأتي إن شاء الله تعالى في اللباس، وكان "يجعله في يمينه"، كما أخرجه البخاري، والترمذي عن ابن عمرو الترمذي عن جابر بسند ضعيف.
وفي أبي داود عن ابن عمر أنَّه كان يتختَّم في يساره، وفي مسلم عن أنس: كان خاتم النبي ﷺ في هذه، وأشار إلى الخنصر من يده اليسرى، "وقيل: كان أولًا في يمينه، ثم حوله إلى يساره"، كما جاء عن ابن عمر، وبه يحصل الجمع بين الحديثين، "منقوش عليه: محمد رسول الله، وأهدى له النجاشي خفَّين ساذجين" بفتح الذال المعجمة, معرَّب شاذة، وقال المحب الطبري: بالدال المهملة والمعجمة بكسرهما وفتحهما، كما في النور، "فلبسهما", زاد العراقي:
كذا له أربعة منها أخر ... أصابها من سهمه من خيبر
"وكان له ثلاث جباب" بكسر الجيم, جمع جبة، "يلبسهنَّ في الحرب"، إحداهنَّ "جبةстр. 2324
سندس أخضر، وجبة طيالسة. وعمامة يقال لها: السحاب، وأخرى سوداء، ورداء -صلوات الله وسلامه عليه.
الحواشي
(١) سندس أخضر، وجبة طيالسة"، بالإضافة، وهي الثانية، ولم يذكروا لثالثة، وفي الألفية:
له ثلاث من جبات تلبس ... في الحرب إحداهنَّ منها سندس
أخضر ثم جبة طيالسة ... تغسل للمرضى وكانت ملبسة
"وعمامة يقال لها: السحاب" وهبها لعلي، كما في العيون، "وأخرى سوداء" دخل بها مكة يوم الفتح، كما في حديث جابر عند الترمذي، وكانت فوق المِغْفَر، أو تحته, وقايةً من صدأ الحديد، فلا يخالف حديث أنس في الصحيحين أنه ﷺ دخل عام الفتح وعلى رأسه المِغْفَر، "ورداء" مربع، طوله أربعة أذرع، وإنما اختُلِفَ في عرضه، فقيل: ذراع وشبر، وقيل: ذراعان وشبر، كما في العيون.
وقال الواقدي: كان رداؤه بردة, طوله ستة أذرع في ثلاثة وشبر "صلوات الله وسلامه عليه"، ويأتي إن شاء الله تعالى مباحث جليلة في لباسه في المقصد الثالث.стр. 2325
الفصل التاسع: في ذكر خيله ولقاحه ودوابه
الحواشي
(١) "الفصل التاسع: في ذكر خيله" مؤنَّث سماعي، لكنه استعمل في المذكر والمؤنث، "ولقاحه" بكسر اللام وخفة القاف, جمع لِقحة -بكسر اللام وقد تفتح، وسكون القاف، وهي النوق ذوات الألبان إلى ثلاثة أشهر، ثم هي لبون، فلم يدخل في الترجمة الجمال ولا النوق غير قريبة الولادة، فلذا قال "ودوابه"، عطف عام على خاص؛ لأنها لغة ما دبَّ على الأرض، وعرفًا اسم لذوات القوائم الأربع، كما قال المحلي، فشمل الغنم أيضًا؛ لأنه ذكرها آخر الفصل، وقدَّم الخاص على العام اعتناءً بذكر الخيل؛ لأن في نواصيها الخير، واللقاح؛ لأنها كرائم أموال العرب، وقد روى النسائي عن أنس: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل.
وروى مالك، والشيخان من طريقه عن ابن عمر، عن النبي ﷺ : "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة".
قال ابن عبد البر: فيه تفضيل الخيل على سائر الدوابّ؛ لأنه لم يأت عنه في غيرها مثل هذا القول.
وقال عياض: فيه مع وجيز لفظه من البلاغة والعذوبة، ما لا مزيد عليه في الحسن معстр. 2326
أما خيله ﵊: فالسكب، يقال: فرس سكب, أي: كثير الجري, كأنما يصب جريه صبًّا، وأصله من سكب الماء يسكب، وهو أوّل فرس ملكه، اشتراه -عليه الصلام والسلام- بعشرة أواق، وكان أغرّ محجلًا، طلق اليمين، كميتًا، وقال ابن الأثير: كان أدهم.
والمرتجز -بضم الميم وسكون الراء وفتح التاء وكسر الجيم بعدها زاي, سمي به لحسن صهيله، مأخوذ من الرجز الذي هو ضرب من الشعر، وكان أبيض، وهو الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت، فجعل شهادته بشهادة رجلين.
الحواشي
(١) الجناس الذي بين الخيل، والخير، "أمَّا خيله ﵊: فالسكب" بفتح السين المهملة وإسكان الكاف وبالموحدة، "ويقال: فرس سكب، أي: كثير الجري, كأنما يصب جريه صبًّا".
قال الثعلبي: إذا كان الفرس شديد الجري فهو فيض وسكب, تشبيهًا بفيض الماء وانسكابه، "وأصله من سكب الماء يسكب" بضم الكاف، "وهو أوّل فرس ملكه, اشتراه ﵊ بعشرة أواق" بالتخفيف والتشديد، جمع أوقية بالتشديد، وهي أربعون درهمًا، "وكان أغَرّ" في وجهه بياض فوق الدرهم "محجلًا" أبيض القوائم، وجاوز بياضه الأرساغ إلى نصف الوظيف، أو نحوه، وذلك موضع التحجيل، كما في المصباح "طلق اليمين" بفتح فسكون.
وحكى القاموس: ضم الطاء واللام سمحها’ "كميتًا" بضم الكاف، قال سيبويه عن الخليل: صغر؛ لأنه بين السواد والحمرة، كأنه لم يخلص له واحد منهما، فأرادوا بالتصغير أنه منهما قريب.
"وقال ابن الأثير: كان أدهم"، أي: أسود، كما أخرجه الطبراني عن ابن عباس، قال: كان للنبي ﷺ فرس أدهم يسمَّى السكب، "والمرتجز -بضم الميم وسكون الراء وفتح التاء" الفوقية، "وكسر الجيم بعدها زاي، سُمِّيَ به لحسن صهيله" صوته.
قال في العيون: كأنَّه ينشد رجزًا، "مأخوذ من الرجز الذي هو ضرب من الشعر" عند الجمهور، "وكان أبيض وهو" كما قال ابن سعد وجزم به اليعمري وغيره، "الذي شهد له فيه خزيمة بن ثابت"، الأنصاري الأوسي، وقيل: الذي شهد فه الملاوح، وقيل: الطرف، وقيل: النجيب، كما يأتي، "فجعل شهادته بشهادة رجلين"؛ لأن له ﷺ أن يخصَّ من شاء بما شاء.
وفي البخاري عن زيد بن ثابت، فوجدتها -أي: الآية- مع خزيمة الذي جعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣] .стр. 2327
والظرب -بالظاء المعجمة- واحد الظراب، سمي به لكبره وسمنه، وقيل: لقوته وصلابة حافره، أهداها له فروة بن عمرو الجزامي.
الحواشي
(١) أخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني، وغيرهم من حديث خزيمة: أن النبي ﷺ اشترى فرسًا من سواء بن الحارث، فجحده، فشهد له خزيمة، فقال ﷺ : "ما حملك على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا"، فقال: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلّا حقًّا، فقال ﷺ : "من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه".
ورواه أبو داود والنسائي بدون تسمية البائع، وفي مسند الحارث بن أبي أسامة من حديث النعمان بن بشير, فردَّ ﷺ الفرس على الأعرابي، وقال: "لا بارك الله لك فيها"، فأصبحت من الغد شائلة برجلها، أي: ماتت، وهذه ترد على تعيين كونه من أفراسه المعلومة المعينة بأسمائها.
قال الخطابي: هذا الحديث حمله كثير على غير محمله، وإنما وجهه أنه ﷺ حكم على الأعرابي بعلمه، وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد لقوله, والاستظهار على خصمه، فصار في التقدير بشهادة اثنين في غيرها من القضايا، كذا قال, وفيه نظر، فإن قوله: "من شهد له خزيمة أو شهد عليه فحسبه" يأبى ذلك.
وفي رواية ابن أبي عمر العدني، شيخ مسلم في مسنده، فأجاز النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين حتى ات خزيمة، وفي مسند الحارث: فلم يكن في الإسلام من تجوز شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة، فهذا كله ظاهر في تخصيصه بذلك دائمًا، لا لمجرد الحكم بعلمه، وسواء هذا صحابي من وفد محارب، وقد أخرج ابن منده، وابن شاهين عن المطلب بن عبد الله، قال: قلت لبني الحارث بن سواء: أبوكم الذي جحد بيعة رسول الله ﷺ ، قالوا: لا تقل ذلك، فلقد أعطاه بكرة، وقال له: إن الله سيبارك لك فيها، فلمَّا أصبحنا نسوق سارحًا، ولا بارحًا إلا منها، "والظرب بالظاء المعجمة" المفتوحة وكسر الراء وبالموحدة، كما اقتصر عليها البرهان، ويقال: بكسر أوله، وسكون الراء، وقدَّمه الشامي "واحد الظراب"، وهي الجبال الصغار، "سُمِّيَ به لكبره وسمنه، وقيل: لقوته، وصلابة حافره"، ووجه التسمية ظاهر على القولين، "أهداها له" أنَّثه بعد أن ذكَّره؛ لأن الفرس يجوز تذكيره وتأنيثه، وكأنَّه جمع بينهما لاحتمال كَوْن كلٍّ منهما مذكرًا ومؤنثًا.
"فروة بن عمرو" على الأشهر، كما في الإصابة، ويقال: ابن عامر، ويقال: ابن نفاثة -بضم النون وخفة الفاء فألف فمثلثة، وصحَّحه بعضهم لثبوته في مسلم.
وقيل: نعامة -بفتح النون، وعين، وميم، وقيل: نباتة بموحدة، وبعد الألف فوقية، "الجزامي" عامل قيصر على من يليه من العرب، وكان منزله معان وما حولها من الشام، أسلم لماстр. 2328
واللحيف -بالمهملة, أهداها له ربيعة بن أبي البراء، سُمِّيَ به لسمنه
الحواشي
(١) بعث ﷺ إليه يدعوه, وكتب إليه بإسلامه، ولم ينقل أنه اجتمع به، فلمَّا بلغ الروم إسلامه قتلوه.
ذكره ابن إسحاق، وجزم به في الإصابة، وقال عياض: اختلف في إسلامه، فقال الطبري: أسلم وعمَّر طويلًا، وقال غيره: لم يسلم، ويقال: الذي أهدى الظرب ربيعة بن أبي البراء، ويقال: جنادة بن المعلي، "واللحيف" رواه البخاري من طريق أُبَيّ بن عباس بن سهل عن أبيه عن جدّه سهل بن سعد، قال: كان للنبي ﷺ في حائطنا فرس يقال له: اللحيف. وقد انتقد الحافظ أبو الحسن الدارقطني على البخاري إخراج هذا الحديث في الصحيح بأن أبيًّا ضعَّفَه أحمد وابن معين، وقال النسائي: ليس بالقويّ، وغاية ما أجاب به الحافظ في مقدمة الفتح أن قال: تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن العباس، "بالمهملة"، والتصغير، قال ابن قرقول: وضبطوه عن ابن سراح بوزن رغيف.
قال الحافظ: ورجَّحه الدمياطي، وبه جزم الهروي "أهداها له ربيعة بن أبي البراء"، واسمه: عامر بن مالك العامري، يعرف عامر بملاعب الأسنة، ذكره ابن سعد عن الواقدي، وقال في الإصابة: ربيعة بن ملاعب الأسنة عامر بن مالك بن جعفر بن كلاب الكلابي، ثم الجعفري, لم أر من ذكره في الصحابة إلّا ما قرأت في ديوان حسّان, تصنيف أبي سعيد السكري، وروايته عن أبي جفر بن حبيب، وقال حسان لربيعة بن عامر: وهو ملاعب الأسنة, يحرض ربيعة بعامر بن الطفيل بإخفاره ذمَّة أبي براء:
ألا من مبلغ عني ربيعًا ... فما أحدثت في الحدثان بعدي
أبوك أبو الفعال أبو براء ... وخالك ماجد حكم بن سعد
بني أم البنين ألم يرعكم ... وأنتم من ذوائب أهل نجد
تحكم عامر بأبي براء ... ليخفره وما خطأ كعمد
فلمَّا بلغ ربيعة هذا الشعر جاء النبي ﷺ ، فقال: يا رسول الله، أيغسل عن أبي هذه العذرة أن أضرب عامرًا ضربة، أو طعنة، قال: "نعم"، فرجع فضرب عامرًا ضربة أشواه بها، فوثب عليه قومه، فقالوا لعامر: اقتص، فقال: قد عفوت, ورأيت له رواية عن أبي الدرداء، فكأنَّه عمَّر في الإسلام. انتهى، فقول البرهان: لا أعلم لربيعة إسلامًا ولا ترجمة، ويقع في مكان آخر ربيعة بن البراء، فليحرر تقصير، وقد تحرر أن الصواب إثبات أبي لنقل ابن سعد وغيره، أنَّ اسمه عامر, فمن قال ابن البراء سقطت عليه أداة الكنية، وأبوه أبو براء هذا من مشاهير العرب، اختُلِفَ في إسلامه وصحبته، كما قدمته في بئر معونة، ويروى أنه ﵇ أثاب ربيعة عليه فرائض.
وعند ابن سعد أن الذي أهداها له فروة بن عمر والجذامي المتقدم قريبًا "سُمِّيَ به لسمنه،стр. 2329
وكبره، كأنه يلحف الأرض, أي: يغطيها بذنبه لطوله، فعيل بمعنى فاعل، يقال: لحفت الرجل باللحاف: طرحته عليه، ويروى بالجيم وبالخاء المعجمة، رواه البخاري ولم يتحققه، والمعروف بالحاء المهملة، قاله في النهاية.
واللزاز: سُمِّيَ به لشدة تلززه، أو لاجتماع خلقه, ولزبه الشيء أي: لزق به، كأنه يلتزق بالمطلوب لسرعته، وهذه أهداها له المقوقس.
والورد:
الحواشي
(١) وكبره".
وقال الهروي لطول ذنبه، وهو الأنسب بقوله: "كأنه يلحف الأرض، أي: يغطيها بذنبه لطوله, فعيل بمعنى فاعل، يقال: ألحفت الرجل باللحاف طرحته عليه، ويروى بالجيم".
قال في الفتح: سبق ابن الأثير إلى ذلك صاحب المغيث، وقال: فإن صحَّ فهو سهم عريض النصل، كأنه سمي بذلك لسرعته، "وبالخاء المعجمة. رواه البخاري" تعليقًا "ولم يتحققه، فقال بعد أن روى حديث سهل بإسناده السابق: وقال بعضهم: اللخيف، قال الحافظ: يعني بالخاء المعجمة, وحكوا فيه الوجهين، يعني: التصغير والتكبير، وهي رواية عبد المهيمن أخي أُبَيّ.
وحكى سبط ابن الجوزي أن البخاري قَيَّدَه بالتصغير والمعجمة، قال: وكذا حكاه ابن سعد عن الواقدي، "والمعروف بالحاء المهملة" حتى قيل: لا وجه لضبطه بالمعجمة، "قاله" المبارك أبو السعادات بن الأثير "في النهاية".
وحكى البلاذري: الخليف بتقديم الخاء على اللام، وقال عياض بالأول، يعني: المهملة, ضبطناه عن عامة شيوخنا، وبالثاني عن أبي الحسين اللغوي.
وحكى ابن الجوزي أنه روي بالنون بدل اللام من النحافة، "واللزاز" بكسر اللام وزاءين معجمتين خفيفتين، رواه ابن منده من رواية عبد المهيمن بن عباس بن سهل عن أبيه عن جده، قال: كان لرسول الله ﷺ عند سعد والد سهل ثلاثة أفراس، فسمعت النبي ﷺ يسميهنّ: لزاز والظرب واللخيف، أي: بالخاء المعجمة، وهي التي حكاها البخاري عن بعضهم، كما في الفتح: "سمي به لشدة تلززه، أو" يعني، وقيل: "لاجتماع خلقه", والملزز المجتمع الخلق، كما في العيون، "ولزبه الشيء، أي: لزق به" بكسر الزاي؛ "كأنَّه يلتزق بالمطلوب لسرعته".
قال السهيلي: معناه: لا يسابق شيئًا إلّا لزه، أي: أثبته، "هذه أهداها له المقوقس" جريح بن مينا القبطي في جملة ما أهدى قبل، وكان ﷺ معجبًا به، وكان تحته يوم بدر ورد، بأن بدرًا في العام الثاني، وبعثه للملوك كان في غرة سنة سبع، "والورود" بفتح الواو، وسكون الراء لون بينстр. 2330
قال ابن سعد: أهداها له تميم الداري، فأعطاه عمر بن الخطاب ﵁, فحمل عليه في سبيل الله تعالى، ثم وجده يباع برخص فقال: "لا تشتره".
وسبحة: بالموحدة، من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مَدّ اليدين في الجري. قال ابن سيرين: هي فرس شقراء اشتراها من أعرابي.
فهذه سبعة متفق عليها.
وذكر ابن بنين فيما حكاه الحافظ الدمياطي: البحر في خيله ﵊، قال: وكان اشتراه من تجارٍ قدموا به من اليمن، فسبق عليه مرات،
الحواشي
(١) الكميت والأشقر شبه بالورد المشموم.
"قال ابن سعد" عن الواقدي بسنده عن سهل بن سعد "أهداها له تميم الداري، فأعطاه" ﷺ "عمر بن الخطاب ﵁, فحمل" عمر "عليه في سبيل الله تعالى، ثم وجده يباع برخص" فأراد شراءه، "فقال" ﷺ : "لا تشتره".
وفي الموطأ والصحيحين عن عمر, حملت على فرس في سبيل الله، فأضاعه الذي كان عنده، فأردت أن أشتريه منه، وظننت أنه بائعه برخص، فسألت عن ذلك النبي ﷺ ، فقال: "لا تشتره، وإن أعطاكه بدرهم واحد، فإن العائد في صدقته كالكلب يرجع في قيئه".
قال الحافظ: لا, ويعارضه ما أخرجه مسلم، ولم يسق لفظه، وساقه أبو عوانه في مستخرجه أن عمر حمل على فرس في سبيل الله، فأعطاه رسول الله ﷺ رجلًا؛ لأنه يحمل على أن عمر لما أراد أن يتصدَّق به فوّض إلى رسول الله اختيار من يتصدق به عليه، أو استشاره من يحمله عليه، فنسبت إليه العطية لكونه أمر بها، "وسبحة" بفتح المهملة و"بالموحدة" الساكنة، وحاء مهملة مفتوحة، ثم تاء تأنيث, "من قولهم: فرس سابح إذا كان حسن مد اليدين في الجري" وسَبْح الفرس جريه، كما قال اليعمري، وزاد غيره: أو من سبح إذا علا علوًّا في اتساع مده، ومنه: سبحان الله عظمته وعلوّه، "قال ابن سيرين: هي فرس شقراء اشتراها من أعرابي، فهذه سبعة متَّفَقٌ عليها" جمعها البدر بن جماعة في بيت هو:
والخيل سكيب لحيف سبحة ظرب ... لزاز مرتجز ورد لها أسرار
"وذكر" عبد الغني بن سليمان "بن بنين" بفتح الموحدة وكسر النون, المصري، وإليه انتهى علوّ الإسناد بها، قال الحافظ في التبصير: محدّث مشهور, حدثونا عن أصحابه، مات سنة إحدى وستين وستمائة، "فيما حكاه الحافظ الدمياطي: البحر في خيله ﵊، قال: وكان اشتراه من تجار قدموا به من اليمن، فسبق عليه مرات" لأنه ﷺ كان يسابق بينстр. 2331
فجثنا ﷺ على ركبتيه ومسح وجهه وقال: ما أنت إلّا بحر، فسُمِّي بحرًا. قال ابن الأثير: وكان كميتًا وكان سرجه دفتان من ليف.
والسجل: بكسر السين المهملة وسكون الجيم، ذكره علي بن محمد بن حنين بن عبدوس الكوفي، ولعله مأخوذ من قولك: سجلت الماء فانسجل، أي: صببته فانصبَّ.
وذو اللمة: بكسر اللام وتشديد الميم, ذكره ابن حبيب.
وذو العقال: بضم العين المهملة وتشديد القاف، وحكى بعضهم تخفيفًا.
الحواشي
(١) الخيل، كما في الصحيح، "فجثا ﷺ على ركبتيه، ومسح وجهه" الفرس، "وقال: "ما أنت إلا بحر"، فسمي بحرًا لسرعة جريه, شُبِّهَ بالبحر الذي لا ينقطع ماؤه، وهذا إن صحَّ غير ما أخرجه الشيخان عن أنس، قال: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال له: المندوب، فركبه، ثم خرج يركض وحده، فركب الناس يركضون خلفه، فلمَّا رجع قال: ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحر، أو جاء الحديث بألفاظ أخر بنحوه؛ لأن هذا لأبي طلحة، واسمه المندوب بخلاف ذاك اشتراه من تجار، واسمه البحر.
"قال ابن الأثير: وكان كميتًا، وكان سرجه دفتان من ليف" بالألف على لغة من يلزمه المثنى، أو سرجه بالنصب، ودفتان اسمه، والإخبار بالمعرفة عن النكرة جائز في أخبار الناسخ كقوله:
يكون مزاجها عسل وماء
الأَوْلَى أن اسم كان ضمير الشأن، والجملة بعده خبرية في محل النصب، "والسجل -بكسر السين المهملة وسكون الجيم" بعدها لام، "ذكره علي بن محمد بن حنين" اسم بلفظ الوادي المذكور في القرآن "ابن عبدوس الكوفي، ولعلَّه مأخوذ من قولك: سجلت الماء، فانسجل، أي: صببته فانصبَّ" وبه جزم بعضهم، "وذو اللمة: بكسر اللام وتشديد الميم, ذكره" أبو جعفر محمد "بن حبيب" الإخباريّ النسَّابة، حبيب قيل: إنه اسم أمه، فلا يصرف للعلمية والتأنيث المعنوي، وردَّ ذلك بأنه اسم أبيه، وهو حبيب بن المحبر, معروف، فهو مصروف كما في الروض، قال في العيون: واللمة بين الوفرة والجمة، فإذا وصل شعر الرأس إلى شحمة الأذن فهو وفرة، فإن زادت حتى ألَمَّت بالمنكبين فهي لمة، فإن زادت فهي جمة.
"وذو العقال: بضم العين المهملة وتشديد القاف، وحكى بعضهم تخفيفًا،" وساوى بينهما في العيون، فقال: وبعضهم يشدِّد قافه، وبعضهم يخففها، وهو ظلع في قوائم الدواب.стр. 2332
والسرحان: بكسر السين المهملة وسكون الراء, ذكره ابن خالويه.
والطرف: بكسر الطاء المهملة وسكون الراء بعدها فاء, ذكره ابن قتيبة في المعارف، وذكر في رواية أنه الذي اشتراه من الأعرابي, وشهد له خزيمة بن ثابت.
والمرتجل: بكسر الجيم, ذكره ابن خالويه، من قولهم: ارتجل الفرس ارتجالًا، إذا خلط العنق بشيء من الهملجة.
والمرواح: بكسر الميم, من أبنية المفاعلة -كالمطعام, مشتق من الريح، أو من الرواح؛ لتوسعه في الجري، أهداه له قوم من مذحج، ذكره ابن سعد.
وملاوح: بضم الميم وكسر الواو, ذكره ابن خالويه.
والمندوب: ذكره بعضهم في خيله ﷺ .
الحواشي
(١) "والسرحان -بكسر السين المهملة وسكون الراء" والسرحان: الذئب, وهذيل تسمي الأسد سرحانًا، قاله اليعمري، "ذكره ابن خالويه" الحسين بن أحمد, الإمام المشهور, المتوفَّى سنة سبعين وثلاثمائة، "والطرف -بكسر الطاء المهملة وسكون الراء بعدها فاء" وهو الكريم الآباء والأمهات, كلا طرفيه كريم.
"ذكره" عبد الله بن مسلم "بن قتيبة" الدينوري، المتوفَّى سنة سبع وستين ومائتين "في المعارف" ووقع في القاموس: وككتف فرس للنبي ﷺ , "وذكر في رواية أنه الذي اشتراه من الأعرابي" ثم جحده، "وشهد له خزيمة بن ثابت" بأنه باعه، "والمرتجل" بضم الميم وسكون الراء وفتح الفوقية و"بكسر الجيم" وباللام "ذكره ابن خالويه من قولهم: ارتجل الفرس ارتجالًا إذا خلط العنق" بفتح المهملة والنون, أن يباعد بين خطاه ويتوسّع في جريه "بشيء من الهملجة" وهي مقاربة الخطا مع الإسراع، "والمرواح بكسر الميم" وإسكان الراء, فواو، فألف، فحاء مهملة "من أبنية المفاعلة" للمبالغة "كالمطعام, مشتق من الريح" وأصله الواو, سُمِّيَ به "لسرعته" كالريح، "أو من الرواح لتوسعه في الجري" أو من الراحة؛ لأنه يستراح به. "أهداه له قوم من مذحج" بفتح الميم، وسكون المعجمة، وكسر المهملة، وجيم، "ذكره ابن سعد" محمد الحافظ الشهير. "وملاوح -بضم الميم، وكسر الواو،" فحاء مهملة، "ذكره ابن خالويه. والمندوب" من ندبه فانتدب، أي: دعاه فأجاب، "ذكره بعضهم،" وهو ابن عساكر في خيله ﷺ " قال ابن الأثير: أي: المطلوب, سُمِّيَ بذلك من الندب، وهو الرهن عند السباق، وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح.стр. 2333
والنجيب، ذكره ابن قتيبة، وأن في رواية: أنه الذي اشتراه من الأعرابي, وشهد له خزيمة.
واليعبوب واليعسوب: ذكرهما قاسم بن ثابت في كتاب الدلائل، وكان سرجه دفتاه من ليف.
الحواشي
(١) وقال عياض: يحتمل أنه لقب، أو اسم لغير معنى كسائر الأسماء، "والنجيب" بوزن كريم, ومعناه "ذكره ابن قتيبة، وأن في رواية أنه الذي اشتراه من الأعرابي، وشهد له خزيمة" بن ثابت، "واليعبوب" بفتح التحتية، وسكون المهملة، وموحدتين بينهما واو, الفرس الجواد، وجدول يعبوب: شديد الجري، "واليعسوب" وهو طائر أطول من الجرادة، لا يضم جناحيه إذا وقع، كما في الشامية، قال اليعمري: وهو أيضًا أمير النحل، والسيد: يعسوب قومه، واليعسوب: غرة تسطيل في وجه الفرس, انتهى.
"ذكرهما قاسم بن ثابت" بن حزم الأندلسي الفقيه المالكي المحدث, المقدَّم في المعرفة بالغريب والنحو والشعر، المشارك لأبيه في رحلته وشيوخه, الورِع الناسك، مجاب الدعوة، المتوفَّى سنة اثنتين وثلاثمائة "في كتاب الدلائل" فيما أغفل أبو عبيد وابن قتيبة من غريب الحديث، مات قاسم ولم يكمله، فتمَّه أبوه ثابت الحافظ الشهير، "وكان سرجه دفتاه" بفتح الدال: جانباه "من ليف" مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب خبر كان، وفي نسخة: دفتان بنون بدل الضمير، وفيه ما مَرَّ, واعلم أنه سقط في غالب النسخ من قوله، والسجل حتى هنا، وذكره أتم فائدة، وهو ثابت عند غير المصنف، وما أظنه إلّا سقط من أحد الكتبة سهوًا، فتبعه الناسخون منه؛ إذ الترجمة في ذكر خيله، وهذه ظاهرها العموم، وذكر السهيلي الضريس -بفتح الضاد المعجمة وكسر الراء وتحتية وسين مهملة، وتبعه اليعمري والعراقي، وزاد: الشحا -بفتح المعجمة وشد المهملة والقصر.
قال اليعمري: من قولهم: فرس بعيد الشحوة، أي: بعيد الخطوة، والأبلق: وهو الذي فيه بياض وسواد, حمل عليه بعض أصحابه. والأدهم، أي: الأسود، وزاد بعضهم: اليعسوب -بتقديم العين على الياء.
قال ابن بطال: معلوم أن المدينة لم تخل من إناث الخيل، ولم ينقل عن النبي ﷺ ، ولا جملة أصحاب أنهم ركبوا غير الفحول إلّا ما ذكر عن سعد بن أبي وقاص، قال في الفتح: كذا قال: وهو محل توقّف، وقد روى الدارقطني أن فرس المقداد كان أنثى، وفي البخاري عن راشد بن سعد الدمشقي، التابعي الوسط قال: كان السلف يستحبون الفحولة؛ لأنها أجرى،стр. 2334
وكان له ﵊ من البغال:
دلدل: بدالين مهملتين، وكانت شهباء, أهداها له المقوقس.
وفضة: أهداها له فروة بن عمرو الجذامي.
وأخرى: أهداها له ابن العلماء،
الحواشي
(١) وأجسر.
وروى الوليد بن مسلم في الجهاد عن عبادة بن نسي -بنون ومهملة, مصغَّر، وعن ابن محيرير, أنهم كانوا يستحبون إناث الخيل في الغارات والبيات، ولما خفي من أمور الحرب، ويستحبون الفحول في الصفوف والحصون، ولما ظهر من أمور الحرب.
وروي عن خالد بن الوليد أنه كان لا يقاتل إلَّا على أنثى؛ لأنها تدفع البول، وهي أقل صهيلًا، والفحل يحبسه في جريه حتى ينفتق، ويؤذي بصهيله، "وكان له ﵊ من البغال دلدل بدالين مهملتين" مضمومتين ولامين أولاهما ساكنة، "وكانت شهباء" بياضها غالب على سوادها، ومن ثَمَّ أطلق عليها عمرو بن الحارث الصحابي أنّها بيضاء، كما في الصحيح وغيره، وقال بعضهم: كانت بيضاء، وقيل: شهباء.
قال في التحفة: وزعم بعض اللغويين في نحو الحمار، والجمل، والبغل، أنه يطلق على الذكر والأنثى شاذ، أو خفي, وإن بنى على ذلك أنه لو حلف لا يركب بغلًا أو بغلة حنَثَ في كلٍّ بهما، وأن بلغته ﷺ دلدل الباقية إلى زمن معاوية أنثى، كما أجاب به ابن صلاح، أو ذكر، كما نقل عن إجماع أهل الحديث، ويدل له قوله ﵊: "ابرك دلدل"، ولم يقل: ابركي، "أهداها له المقوقس،" قيل: وهي أول بغلة رؤيت في الإسلام، وكان ﷺ يركبها في السفر، وعاشت بعده حتى كبرت وسقطت أسنانها، وكان يجش لها الشعير، وعميت وماتت بينبع.
وفي تاريخ ابن عساكر من طرق, أنها بقيت حتى قاتل علي عليها الخوارج في خلافته، وفي البخاري، وغيره، عن عمرو بن الحارث: ما ترك ﷺ إلّا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضًا تركها صدقة.
قال شراحه: هي دلدل؛ لأن أهل السِّيَر لم يذكروا بغلة بقيت بعده سواها، "وفضة" بمنع الصرف للعلمية والتأنيث "أهداها له فروة بن عمرو الجذامي،" فوهبها لأبي بكر, رواه ابن سعد، وكانت بيضاء، وهي التي كان عليها يوم حنين، كما في مسلم عن العباس، وعنده عن سلمة, كانت شهباء، ولا منافاة، وقيل: كان على دلدل, ذكره ابن سعد وغيره، وجمع القطب الحلبي باحتمال أنه ركب كلًا منهما يومئذ، كما مَرَّ مبسوطًا، "وأخرى أهداها له ابن العلماء" بفتح العينстр. 2335
صاحب أيلة, وأخرى من دومة الجندل، وأخرى من عند النجاشي.
قيل: وأهدى له كسر بغلة أخرى، وفي ذلك نظر؛ لأن كسرى مزَّق كتابه ﷺ .
الحواشي
(١) المهملة وإسكان اللام وبالمد تأنيث الأعلم، مشقوق الشفة العليا، قاله القرطبي "صاحب أيلة" بفتح الهمزة وسكون التحتية، مدينة على ساحل البحر بين مصر ومكة، قاله أبو عبيدة، وقال غيره: هي آخر الحجاز، وأول الشام.
روى مسلم في حديث أبي حميد: وجاء رسول ابن العلماء صاحب أيلة إلى رسول الله ﷺ بكتاب، وأهدى له بغلة بيضاء، وعند ابن إسحاق: ولما انتهى ﷺ إلى تبوك أتاه يحنَّة بن رؤبة صاحب أيلة، فصالحه وأعطاه الجزية، وكذا رواه إبراهيم الحربي في الهدايا من حديث عليّ، قال في فتح الباري: فاستفيد من هذا اسمه، واسم أبيه، ولعلَّ العلماء اسم أمه، ويحنّة -بضم التحتانية وفتح المهملة وتشديد النون، ورؤبة -بضم الراء وسكون الواو بعدها موحدة. انتهى، فقول الحافط البرهان: لا أعرف اسم ابن العلماء، ولا أعرف له إسلامًا، تقصير شديد، وقد مَرَّ شيء من ذلك في تبوك وفي المكاتبات، وذكر بعضهم أنه ﷺ أهدى إليه بردًا، وأنَّ حكمة ذلك أنه لما أهدى إليه ما يعلو المصطفى عليه، وهو البغلة، وكانت طويلة مخندفة، حسنة السير فأعجبته, أهدى له ما يعلو عليه، أي: على يُحَنَّة، وهو البرد ليكون العلوّ له -صلى الله عليه سلم- في الطرفين, "وأخرى من دومة الجندل" أهداها له صاحبها, وهو أكيدر بن عبد الملك النصراني, اختلف في إسلامه، والأكثر وهو الأصح أنه لم يسلم، وأن خالد بن الوليد قتله على نصرانيته في خلافة أبي بكر، كما مَرَّ مفصَّلًا في تبوك وفي المكاتبات، "وأخرى من عند النجاشي".
روى أبو الشيخ في كتاب أخلاق النبي ﷺ ، عن ابن عباس, أهدى النجاشي إلى رسول الله بغلة فكان يركبها، "قيل: وأهدى له كسرى بغلة أخرى" أخرجه الثعالبي في تفسيره، والحاكم في مستدركه عن ابن عباس، أنَّ كسرى أهدى للنبي ﷺ بغلة، فركبها بحبل من شعر، ثم أردفني خلفه، "وفي ذلك نظر" كما قال الحافظ الدمياطي، قال: "لأنَّ كسرى مزق كتابه ﷺ ،" فبعيد أن يهدي له، وأجيب باحتمال أن الذي أهداها له شيرويه ولده، أو ابن عمّه كسرى بن قباذ، أو أردشير بن شيرويه، أو جرهان، فإن هؤلاء كلهم ملكوا بعد قتل أبرويز، ثم ملك بعدهم بوران بنت كسرى، كما ذكره ابن قتيبة، قلت: على أنه لا يلزم من تمزيق الكتاب أن لا يهدي إليه، فإنه مزقه لما ورد عليه لسورة الملك, والشقاوة التي كتبت عليه، فيحتمل أنه لما خلا بنفسه خاف لاستيقانه نبوته, فأهدى له البغلة، والعلم عند الله, فهذه ست، وزاد بعضهم سابعة تسمَّى: حمارة شامية، رواه ابن السكن عن بسر -بضم الموحدة وسكون المهملة, والد عبد اللهстр. 2336
وكان له ﵊ من الحمير: عفير، أهداه له المقوقس، ويعفور, أهداه له فروة بن عمرو والجذامي، ويقول: هما واحد، وذكر أن سعد بن عبادة أعطى للنبي ﷺ حمارًا فركبه.
الحواشي
(١) الحارثي، واستدلَّ بهذا على جواز اتخاذ البغال، وإنزاء الحمر على الخيل، وأمَّا حديث علي أن النبي ﷺ قال: "إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون".
أخرجه أبو داود والنسائي، وصحَّحه ابن حبان، فقال الطحاوي: أخذ به قوم فحرَّموا ذلك، ولا حجة فيه؛ لأن معناه: الحض على تكثير الخيل لما فيها من الثواب، وكأنَّ المراد: لا يعلمون الثواب المرتَّب على ذلك، "وكان له ﵊ من الحمير عفير".
قال الحافظ: بالمهملة والياء, مصغَّر مأخوذ من العفرة، وهو لون التراب، كأنه سمي بذلك للونه، والعفرة حمرة يخالطها بياض، وهو تصغير أعفر، أخرجوه عن بناء أصله، كما قالوا: سويد في تصغير أسود، ووَهِمَ من ضبطه بالغين المعجمة.
روى البخاري عن معاذ: كنت ردف النبي ﷺ على حمارٍ يقول له عفير، فقال: "يا معاذ, هل تدري ما حق الله على عباده، وما حق العباد على الله؟ " قلت: الله ورسوله أعلم، قال: "فإن حق الله على العباد أن يعبدوه، ولا يشركوا به شيئًا، وحق العباد على اله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئًا"، فقلت: يا رسول الله، أفلا أبشِّر الناس، قال: "لا تبشرهم فيتكلوا". "أهداه له المقوقس" في جملة الهدايا, "ويعفور" بسكون المهملة وضم الفاء, مصروف، قال الحافظ وغيره: هو اسم ولد الظبي، كأنه سُمِّيَ بذلك لسرعته، وقيل: تشبيهًا في عدوه باليعفور، وهو الخشف، أي: ولد الظبي، وولد البقرة الوحشية، "أهداه له فروة بن عمرو الجذامي" قال الواقدي: نَفِقَ يعفور، أي: مات, منصرف رسول الله ﷺ من حجة الوداع، وبه جزم النووي عن ابن صلاح، وقيل: طرح نفسه في بئر لأبي الهيثم ابن التيهان يوم مات ﷺ ، فكانت قبره، وقع ذلك في حديث طويل ذكره ابن حبَّان في الضعفاء، وقال: لا أصل له، وليس سنده بشيء، وفيه أنه غنمه من خيبر، كان اسمه يزيد بن شهاب، وقد ساقه المصنف في المعجزات.
وروى الطيالسي وابن سعد عن ابن مسعود، قال: كانت الأنبياء يلبسون الصوف، ويحلبون الشاة، ويركبون الحمير, كان لرسول الله ﷺ حمار يقال له عفير، ثم المشهور كما في الألفية، وهو قول الجمهور: أنهما اثنان، "ويقول: هما واحد", قال في الفتح: زعمه ابن عبدوس، وقواه صاحب الهدى، وردّه الدمياطي، فقال: عفير أهداه المقوقس، ويعفور فروة بن عمرو، وقيل بالعكس "وذكر أن سعد بن عبادة" سيد الخزرج "أعطى النبي ﷺ حمارًا، فركبه".
روى يحيى بن منده في كتاب أسماء من أردفه النبي ﷺ خلفه، أنه ﷺ زار سعدًا ماشيًا،стр. 2337
وكان له ﵊ من اللقاح: القصواء, وهي التي هاجر عليها، والعضباء, والجدعاء، ولم يكن بهما عضب ولا جدع، وإنما سميتا بذلك،
الحواشي
(١) فأركبه في رجوعه حمارًا، وأرسل قيس بن سعد معه، فأردفه ﷺ خلفه، فلمَّا وصل إلى بيته أراد أن يردَّ الحمار، فقال: هو لك هدية، وزاد في الشامية حمارًا رابعًا أعطاه له بعض الصحابة، "وكان له ﵊ من اللقاح" بكسر اللام فقط، وخفة القاف, جمع لقحة -بكسر اللام وفتحها، وهي الناقة القريبة العهد بالولادة إلى ثلاثة أشهر، ثم هي بعد الثلاثة لبون، وجاء اللقحة في البقر والغنم أيضًا، كما ذكره البرهان في غزوة الغابة "القصواء" بفتح القاف، والمد على غير قياس، والقياس القصر، كما وقع في بعض نسخ أبي ذر، والقصو: قطع طرف الأذن، وقد قيل: كان طرف أذنها مقطوعًا.
وزعم الداودي شارح البخاري أنها كانت لا تسبق، فقيل لها القصواء؛ لأنها بلغت من السبق أقصاه.
قال عياض: ووقع في رواية العذري في مسلم -بالضم والقصر، وهو خطأ، وقال الخطابي: أكثر أصحاب الحديث يقولون بالضم، والقصر، وهو خطأ فاحش, إنما القصوى تأنيث الأقصى، كالسفلى تأنيث الأسفل، "وهي" كما قال الواقدي: وتبعه غير واحد من الحفّاظ "التي هاجر عليها" اشتراها من أبي بكر بثمانمائة درهم، وكانت من نعم بني قشير، وعاشت بعده ﷺ ، وماتت في خلافة أبي بكر، وكانت مرسلة ترعى بالبقيع.
ذكره الواقدي، وعند ابن إسحاق: أنَّ التي هاجر عليها الجدعاء، وكانت من إبل بني الحريش، وكذا في رواية البخاري في غزوة الرجيع، وابن حبان عن عائشة، وهو أقوى إن لم نقل أنهما واحدة، وكان على القصواء يوم الحديبية، ويوم الفتح دخل عليها مردفًا أسامة.
"والعضباء" بفتح المهملة، وسكون المعجمة، بعدها موحدة، وهى المقطوعة الآذان، أو المشقوقتها.
وقال ابن فارس: كان ذلك لقتالها، وقال الزمخشري: العضباء منقول من قولهم ناقة عضباء، أي: قصيرة القد.
"والجدعاء" بفتح اجيم، وإسكان الدال المهملة، كما ضبطه المصنف، وغيره في شرح الصحيح، وهو الذي في اللغة، فقول الشامي: المعجمة سبق قلم بعدها عين مهملة, هي المقطوعة الأنف، أو الأذن، أو الشفة, "ولم يكن بهما عضب، ولا جدع، وإنما سميتا بذلك" قاله ابن فارس، وتبعه ابن الأثير، وغيره محتجين بقول أنس في الصحيح: تسمَّى العضباء، وقوله: ويقال:стр. 2338
وقيل: كان بأذنها عضب، وقيل: العضباء والجدعاء واحدة، والعضباء هي التي كانت لا تسبق, فجاء أعرابي على قعود له فسبقها, فشقَّ ذلك على المسلمين, فقال ﵊: "إن حقًّا على الله أن لا يرفع من الدنيا شيئًا إلّا وضعه".
الحواشي
(١) لها العضباء، ولو كانت تلك صفتها لم يحتج لذلك، "وقيل: كان بأذنها عضب" وبه صدّر في الفتح، وقابله بقول ابن فارس، وبقول غيره: كانت مشقوقة الأذن، "وقيل: العضباء والجدعاء واحدة" قال في الفتح: اختُلِفَ هل العضباء هي القصواء أو غيرها, فجزم الحربي بالأوّل، وقال: تسمَّى العضباء والقصواء والجدعاء، وروى ذلك ابن سعد عن الواقدي، وقال غيره بالثاني، وقال: الجدعاء كانت شهباء، وكان لا يحمله عند نزول الوحي غيرها, انتهى، وعلى الأوَّل جرى العراقي في قوله:
عضباء جدعاء هما القصواء
لكن روى البزار عن أنس, خطبنا النبي ﷺ على العضباء، وليست بالجدعاء، قال السهيلي: فهذا من قول أنس أنها غير الجدعاء، وهو الصحيح، "والعضباء هي التي كانت لا تسبق" أخرج البخاري عن أنس قال: كان للنبي ﷺ ناقة تسمَّى العضباء لا تسبق، "فجاء أعرابي" قال الحافظ: لم أقف على اسمه بعد التتبع الشديد, "على قعود له" بفتح الاف, ما استحقَّ الركوب من الإبل، قال الجوهري: هو البكر حتى يركب، وأقل ذلك أن يكون ابن سنتين إلى أن يدخل السادسة، فيسمَّى جميلًا.
وقال الأزهري: لا يقال إلًَّا للذكر، ولا يقال للأنثى قعودة، وإنما يقال لها: قلوص، قال: وقد حكى الكسائي في النوادر: قعودة للقلوص، وكلام الأكثر على غيره، وقال الخليل: القعود من الإبل ما يعده الراعي لحمل متاعه، والهاء فيه للمبالغة، "فسبقها", وعند أبي نعيم: فسابقها فسبقها، وللنسائي سابق رسول الله ﷺ أعرابي فسبقه، "فشقَّ ذلك على المسلمين" حتى عرفه، كما في البخاري، أي: عرف أثر المشقة، "فقال ﵊", وللبخاري في الرقاق، فلمَّا رأى ما في وجوههم، وقالوا: سبقت العضباء، قال: "إن حقًّا على الله" متعلق بحقًّا "أن لا يرفع من الدنيا شيئًا إلّا وضعه" خبر إن وأن مصدرية، فيكون معرفة, والاسم نكرة من باب القلب، أي: إن عدم الارتفاع حق على الله، ويمكن أن يقال: على الله صفة حقًّا، أي: حقًّا ثابتًا على الله، قال الطيبي: وفي رواية للبخاري: "أن لا يرتفع شيء من الدنيا"، وللنسائي: "أن لا يرجع شيء بقسمه في الدنيا"، وفي الحديث اتخاذ الإبل للركوب، والمسابقة عليها، والتزهيد في الدنيا للإشارة إلى أن كل شيء منها لا يرتفع إلّا اتَّضع، والحثّ على التواضع، وحسن خلقه ﷺ ،стр. 2339
وغنم ﵊ يوم بدر جملًا لأبي جهل في أنفه برة من فضة، فأهداه يوم الحديبية ليغيظ بذلك المشركين.
وكانت له ﵊ خمسة وأربعون لقحة, أرسل بها إليه سعد بن عبادة: منها: أطلال، وأطراف، وبردة، وبركة، والبغوم، والحناء، وزمزم، والرياء، والسعدية، والسقيا، والسمراء، والشقراء، وعجرة والعريس،
الحواشي
(١) وتواضعه، وعظمته في صدور أصحابه, انتهى. "وغنم ﵊ يوم بدر جملًا" يسمَّى المكتسب، كما في الألفية -بفتح المهملة, على صيغة اسم المفعول "لأبي جهل, في أنفه برة" بضم الموحدة وفتح الراء المخففة وتاء تأنيث, حلقة صغيرة "من فضة", فكان عنده ﷺ يغزو عليه، ويضرب في لقاحه، "فأهداه" نحوه في جملة ما أهدى "يوم الحديبية, ليغيظ بذلك المشركين" وذكر في الألفية جملين آخرين، فقال:
وعيرهن والجمال الثعلب ... وجمل أحمر والمكتسب
غنمه في يوم بدر من أبي ... جهل، فأهداه إلى البيت النبي
وقد روى ابن سعد عن نبيط بن شريط قال: رأيت رسول الله ﷺ في حجته على جمل أحمر، "وكانت له ﵊ خمسة وأربعون لقحة، أرسل بها إليه سعد بن عبادة" المصنف في عهده، كونه أرسل الجميع، والذي في الهدى: كانت له خمسة وأربعون لقحة مهرة، أرسل بها سعد، أي: منها اللقحة المسمَّاة مهرة، وكذا ذكر اليعمري أن سعدًا أرسل مهرة، فسقط من المصنف لفظ مهرة، فأوهم, "منها أطلال" بفتح الهمزة، "وأطراف" إنما ذكرهما العراقي بعد الكلام على اللقاح في باب ذكر منائحه, جمع منيحة، وهي الشاة "وبردة" أهداها له الضحاك بين سفاين، وكانت غزيرة اللبن تحلب، كما تحلب لقحتان غزيرتان، ذكره اليعمري وغيره، وهو مما يرد قول: أرسل بها سعد، "والبغوم" بضم الموحدة والغين المعجمة وسكون الواو، وهو في الأصل: صوت الناقة التي لا تفصح به، "وبركة" بالتحريك, إنما ذكره العراقي اسمًا لمنيحة، "والحناء" بفتح المهملة وشد النون ومد، وهي التي نحرها العرنيون، "وزمزم" إنما ذكره العراقي اسمًا لشاة، "والرياء" بفتح الراء وشد التحتية ومد.
"والسعدية" بفتح السين وسكون العين وكسر الدال المهملات، "والسقيا" بضم أوله، وإسكان القاف, إنما هي في الألفية اسم لشاة.
"والسمراء" بفتح المهملة والمد كانت لعائشة، و"الشقراء" بمعجمة وقاف، "وعجرة" بفتح العين، وسكون الجيم, إنما ذكره العراقي اسمًا لشاة، "والعريس" بضم العين، وفتح الراءстр. 2340
وغوثة، وقيل: غيثة، وقمر، ومروة، ومهرة، وورشة، واليسيرة.
وكانت له مائة شاة، وكانت له سبعة أعنز منائح ترعاهنَّ أم أيمن.
الحواشي
(١) المهملتين، وشد التحتية، وسين مهملة، و"وغوثة" بغين معجمة"، ومثلثة، و"قيل: غيثة" بياء بدل الواو، "وقمر" وهذه والتي قبلها إنما ذكرهما اليعمري والعراقي اسمًا لشاتين، وروى ابن سعد: كان له ﷺ شاة تسمَّى قمر، "ومروة" أهداها له سعد بن عبادة، "ومهرة" بضم الميم، قال اليعمري وغيره: بعث إليه بها سعد بن عبادة من نعم بني عقيل، "وورشة" بشين معجمة، "واليسيرة" بضم أوله، ومن قوله: منها إلى هنا, ساقط من بعض النسخ، ولعله الصواب، فإن كثيرًا منها إنما ذكره العراقي اسمًا للمنيحة، كما رأيت، ووافقه اليعمري على بعضها، ولم يتكلم على أسماء الباقي، فإن صحَّ ما ذكره المصنف بناءً على ثبوته عنه، فتكون تلك الأسماء سُمِّيَ بها كلٌّ من اللقاح والمنائح, والعلم عند الله. "وكانت له مائة شاة" لا يريد أن تزيد على ذلك، كلما ولدت بهيمة ذبح الراعي مكانها شاة, رواه أبو داود، وفي العيون: كانت له شاة تسمَّى غوثة, وقيل: غيثة، وشاة تسمَّى قمر, وعنز تسمَّى اليمن، "وكانت له سبة أعنز منائح ترعاهن أم أيمن" بركة الحبشية، ومنائح جمع منيحة، وهي في الأصل شاة، أو بقرة يعطيها صاحبها لمن يشرب لبنها، ثم يردّا إذا انقطع اللبن، ثم كثر استعمالها حتى أطلق على كل شاة، أو بقرة معدَّة لشرب لبنها، لكن المراد هنا الشياه، فقد قال اليعمري: وأمَّا البقر، فلم ينقل أنه ﷺ ملك منها شيئًا. انتهى، أي: للقنية، فلا يرد عليه ما في الصحيح أنه ﷺ ضحَّى عن نسائه بالبقر في حجة الوداع، وتجويز أنهنّ ملكنها، فضحَّى هو بها, رده البرهان بأن في مسند أحمد عن عائشة: دخل علينا يوم النحر بلحم بقر، فقلت: ما هذا، قال: نحره ﷺ عن أزواجه، وبوّب عليه البخاري: باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهنَّ، قال العراقي:
وكان ديك عنده أبيض له ... كذا المحب الطبري نقله
يشير إلى ما رواه أبو نعيم، والحارث بن أبي أسامة بسند ضعيف، عن أبي زيد الأنصار مرفوعًا, الديك الأبيض صديقي، وعدو إبليس يحرس داره، وتسع دور حولها، وكان ﷺ يبيته معه في البيت، وأحاديث الديك حكم ابن الجوزي بوضعها، وردَّ عليه الحافظ بما حاصله أنه لم يتبين له الحكم بوضعها؛ إذ ليس فيها وضَّاع ولا كذاب, نعم هو ضعيف من جميع طرقه, والله تعالى أعلم.стр. 2341
الفصل العاشر: في ذكر من وفد عليه ﷺ وزاده فضلا وشرفا لديه
مدخل
...
الفصل العاشر: في ذكر من وفد عليه ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه
قال النووي: الوفد: الجماعة المختارة للتقدم في لقاء العظماء، واحدهم: وافد، انتهى.
وكان ابتداء الوفود عليه ﵊ بعد رجوعه من الجعرانة في آخر سنة ثمان وما بعدها، وقال ابن إسحاق: بعد غزوة تبوك، وقال ابن هشام: كانت سنة تسع تسمَّى سنة الوفود.
وقد سرد محمد بن سعد في.
الحواشي
(١) "الفصل العاشر":
"في ذكر من وفد" أي: قدم "عليه" بالإفراد, مراعاة اللفظ من, ولو راعى معناه لقال: وفدوا, وكلٌّ جائز، ويعدَّى بعلى وإلى, "صلى الله وسلم عليه", فكان المناسب تعديته بإلى حتى يغاير هذه الفقرة، "وزاده فضلًا وشرفًا لديه" عنده.
"قال النووي: الوفد: الجماعة المختارة للتقدم" صلة المختارة، أي: التي اختيرت لفصاحة ونحوها للتقدم "في لقاء" أي: ملاقاة "العظماء, واحدهم: وافد" أي: راكب، قاله ابن كثير وغيره في تفسير وفد. "انتهى" كلام النووي وأقرّه في الفتح, وكأنه استعمال عرفي، وإلّا ففي اللغة: إن الوافد القادم مطلقًا مختارًا للقاء العظماء أم لا؟ راكبًا أم لا.
قال القاموس: وفد إليه وعليه، يفد وفدًا ووفودًا ووفادة وإفادة، قدم وورد, ونحوه في الصحاح وغيره، "وكان ابتداء الوفود" مصدر وَفَد لا جمع, ضرورة إضافته إلى ابتداء، أي: لقدوم "عليه ﵊ بعد رجوعه من الجعرانة" حين قدم من غزوة الطائف، فانتهى إليها ليلة الخمس لليال خلون من ذي القعدة، فأقام بها ثلاث عشرة ليلة، وقسم بها غنائم حنين، فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، فأحرم بعمرة ودخل مكة، كما قدَّمه المصنف هناك "في آخر سنة ثمان" أي: ما يقرب من آخرها لا آخر يوم منها، كما يفيده السياق، "و" استمرَّ فيها "بعدها" من سنة تسع وعشر إلى أن توفي ﷺ ، فهو متعلق بمقدر لا عطف على سنة ثمان لفساده؛ إذ يصير معناه: الابتداء في آخر ما بعدها.
"وقال ابن إسحاق: بعد غزوة تبوك" ورجع منها في شعبان أو رمضان سنة تسع.
"وقال ابن هشام: كانت سنة تسع تسمَّى سنة الوفود،" يعني: كلها، فخالف شيخ شيخه في قوله: بعد تبوك، واستعمل الوفود ها جمعًا، وفيما قبله مصدرًا، "وقد سرد محمد بن سعد فيстр. 2342
الطبقات الوفود، وتبعه الدمياطي في السيرة له، وابن سيد الناس، ومغلطاي، والحافظ زين الدين العراقي. ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين.
الحواشي
(١) الطبقات: الوفود، وتبعه الدمياطي في السيرة له, و" تلميذه "ابن سيد الناس ومغلطاي والحافظ زين الدين العراقي" في منظومته, "ومجموع ما ذكروه يزيد على الستين" ولا يبلغ السبعين على المتبادر من مثل هذه العبارة عرفًا، وقد سردهم الشامي فزادوا على مائة، فلعلّ الجماعة اقتصروا على المشهورين أو الآتين لترتيب مصالحهم، وذكر المصنف خمسًا وثلاثين وما للإيجاز.стр. 2343
[الوفد الأول: وفد هوازن]
قدم ﵊ وفد هوازن، كما رواه البخاري وغيره، وذكر موسى بن عقبة في المغازي: أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الطائف في شوال إلى الجعرانة, وفيها السبي -يعني سبي هوازن, قدمت عليه وفود هوازن مسلمين، فيهم تسعة
الحواشي
(١) "الوفد الأول":
"قدم عليه ﷺ وفد هوازن، كما رواه البخاري وغيره" من طريق الزهري عن عروة، عن المسور ومروان, أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه: أن يردَّ إليهم سبيهم وأموالهم، فقال لهم ﷺ : "معي من ترون, وأحب الحديث إليّ أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم"، وكان انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلمَّا تَبَيِّنَ لهم أنه ﷺ غير رادّ إليهم إلّا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين, وإني قد رأيت أن أردَّ عليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل"، فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال ﷺ : "إنا لا ندري من أذن منكم في ذلك ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرجع إلينا عرفاؤكم أمركم"، فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه أنهم قد طيبوا وأذنوا.
"وذكر موسى بن عقبة" بالقاف "في المغازي" له "أن رسول الله ﷺ لما انصرف من الطائف في شوال" متعلّق بانصرف, ووصل "إلى الجعرانة" ليلة الخامس من ذي القعدة لأمور عرضت له في الطريق اشتغل بها، وبهذا وافق قول ابن سيد الناس المعروف عند أهل السير أنه انتهى إلى الجعرانة لخمس ليالٍ خلون من ذي القعدة، "وفيها السبي -يعني سبي هوازن- قدمت عليه وفود هوازن" حال كونهم "مسلمين, فيهم تسعة نفر من أشرافهم" إضافة بيانية؛ إذстр. 2344
نفر من أشرافهم, فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه فقالوا: يا رسول الله، إن فيمن أصبتم الأمهات والأخوات والعمات والخالات، فقال: "سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم، فأي الأمرين أحبّ إليكم، السبي أم المال"؟ قالوا: خيرتنا يا رسول الله بين الحسب والمال، فالحسب أحب إلينا، ولا نتكلم في شاة ولا بعير، فقال: "أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين فكلموهم وأظهروا إسلامكم".
فلمَّا صلى رسول الله ﷺ الهاجرة قاموا، فتكلَّم خطباؤهم, فأبلغوا فيه, ورغبوا إلى المسلمين في ردّ سبيهم،
الحواشي
(١) النفر الرجال من ثلاثة إلى عشرة، والمراد: أنَّ جملتهم تسعة، أو المراد بالنفر: الرجال مجازًا، فكأنه قال: تسعة من الرجال، فهي غير بيانية، "فأسلموا وبايعوا، ثم كلموه، فقالوا: يا رسول الله" بيان لما كلموه به، فهو عطف مفصَّل على مجمل "إن فيمن أصبتم الأمهات" بالكسر, اسم إن واللام فيه وفيما بعده عوض عن المضاف إليه، أي: أمهاتك، "والأخوات والعمات والخالات" لك, "فقال: "سأطلب لكم، وقد وقعت المقاسم" جمع مقسم كمنبر، أو مقسم كمقعد، بمعنى: الأنصباء، أي: فرقت الأنصباء من الغنيمة على أربابها، أو جمع مقسم كمسجد، أي: فرقت الغنائم في مواضع قسمتها، "فأي الأمرين أحب إليكم: السبي أم المال" بالجر بدل من الأمرين، "قالوا: خيَّرتنا يا رسول الله بين الحسب" شرف الإنسان، وإن لم يكن لآبائه شرف، أو هو الشرف الثابت له ولآبائه, "والمال، فالحسب أحب إلينا" من المال، "ولا نتكلم في شاة ولا بعير" يقع على الذكر والأنثى، كالشاة، "فقال: "أما الذي لبني هاشم فهو لكم، وسوف أكلم لكم المسلمين" أشفع لكم عندهم، "فكلموهم وأظهروا إسلامكم" كي يتحننوا عليكم؛ وأراد أن لا يكون هو الآمر ابتداء، فيصير في نفوس بعض القوم شيء من أمره برد ما أخذوه.
وفي رواية ابن إسحاق: "وأنا إذا بالناس فأظهروا إسلامكم وقولوا: إنا أخوانكم في الدين، وإنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأعطيكم ذلك وأسأل لكم الناس"، وعلمهم ﷺ التشهد، أي: كلمة الشهادة كيف يكلمون الناس، "فلمَّا صلى رسول الله ﷺ الهاجرة،" يعني الظهر بالناس "قاموا".
زاد في رواية: فاستأذنوا رسول الله ﷺ في الكلام، فأذن لهم، "فتكلم خطباؤهم،" أي المتكلون عنهم بما أمرهم به ﷺ ، وأصابوا القول "فأبلغوا فيه ورغبوا" بفتح الراء وشد المعجمة المفتوحة. "إلى المسلمين" أي: حملوهم على الرغبة "في رد سبيهم،" ويجوز كسر المعجمة وتخفيفها، أي: قصدوا إلى المسلمين في ذلك، والأول أبلغ؛ لحملهم المسلمين على الرغبة في الرد بخلاف الثاني, فقصد منهم فقط، والمناسب لبلاغتهم ترغيب المسلمين لا القصد.стр. 2345
ثم قام رسول الله ﷺ حين فرغ، وشفع لهم وحضَّ المسلمين عليه، وقال: "قد رددت الذي لبني هاشم عليهم"، وفي رواية ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: وأدركه وفد هوازن بالجعرانة وقد أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، إنا أهل وعشيرة، وقد أصبنا من البلاء ما لم يخف عليك, فأمنن علينا منَّ الله عليك، وقام خطيبهم زهير بن صُرد فقال: يا رسول الله، إن اللواتي في الحظائر من السبايا خالاتك وعماتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، وأنت خير مكفول
الحواشي
(١) وقد ذكر الفتح رواية ابن عقبة هذه بلفظ: ورغَّبوا المسلمين، بدون إلى، وهي تؤيد أو تعين الأول، وقول الشارح: رغبوا إلى الإسلام، أي: أظهروا حبهم له، ورغبوا في الدخول فيه سهو، فاللفظ إلى المسلمين لا الإسلام، "ثم قام رسول الله ﷺ حين فرغ" المصطفى من أذكار صلاته، أو خطيبهم، وهو ما عند ابن إسحاق، ولا ينافيه قوله: فتكلم خطباؤهم؛ لأنهم تكلّموا أولًا جميعًا، ثم خطب واحد وهو زهير، "وشفع لهم وحضَّ المسلمين عليه" أي: رد سبيهم، "وقال: قد رددت الذي لبني هاشم عليهم" من جملة الحض أو بيان له.
"وفي رواية ابن إسحاق عن" شيخه "عمرو بن شعيب" بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص صدوق، مات سنة ثماني عشرة ومائة، ولفظ ابن إسحاق: حدثني عمرو بن شعيب، "عن أبيه" شعيب السهمي، صدوق، ثبت سماعه "عن جده" عبد الله بن عمرو بن العاص, الصحابي ابن الصحابي، فضمير جده لشعيب لا لابنه عمرو، فهو متصل, أو لعمرو، ويحمل على الجد الأعلى، كما قال:
والأكثر احتجوا بعمرو حملًا ... له على الجد الكبير الأعلى
"وأدركه وفد هوازن بالجعرانة" لفظ ابن إسحاق عن جده عبد الله بن عمرو: أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ , "وقد أسلموا، فقالوا" ترقيقًا واستعطافًا: "يا رسول الله, إنا أهل وعشيرة, وقد أصبنا من البلاء ما لم يخف عليك، فامنن علينا منَّ الله عليك، وقام خطيبهم،" أي: المتكلم عنهم "زهير" بضم الزاي، وفتح الهاء وسكون التحتية. "ابن صُرد". بضم الصاد، وفتح الراء ودال مهملات. مصروف, ليس معد, ولا السعدي الجشمي أو جرول، ويقال: أبو صرد.
قال ابن منده: سكن الشام، "فقال: يا رسول الله, إن اللواتي في الحظائر" بمهملة ومعجمة مشالة: جمع حظيرة، وهو السرب الذي يصنع للإبل والغنم يكفها، وكان السبي في حظائر مثلها "من السبايا خالاتك وعمَّاتك" من الرضاع، "وحواضنك اللاتي كنَّ يكفلنك وأنت خير مكفول" أي: تزيد في الفضل والشرف على كل مكفول.
وفي رواية الواقدي: وإن أبعدهنَّ قريب منك، حضنك في حجرهن، وأرضعنك ثديهن،стр. 2346
ثم أنشد:
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
الأبيات المشهورة الآتية.
وروينا في المعجم الصغير للطبراني من ثلاثياته، عن زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين -يوم هوازن, وذهب يفرّق السبي والشاء, أتيته فأنشأت أقول:
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر ... مشت شملها في دهرها غير
الحواشي
(١) وتوركنك على أوراكهنَّ وأنت خير المكفولين.
وفي رواية عند ابن إسحاق: أن زهيرًا قال: ولو أنَّا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منَّا بمثل الذي نزلت, رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين، "ثم أنشد: امنن علينا" يا "رسول الله" فهو منادى بحذف الأداة "في كرم" في: سببية، أي: بسبب صفتك الجميلة التي هي كرمك, أو كرم بمعنى إكرام، أي: امنن علينا بإكرامك لنا لما بيننا وبينك من الوصلة، "فإنك المرء". بفتح الميم وبالراء والهمزة وأل: لاستغراق أفراد الجنس، أي: أنت المرء الجامع للصفات المحمودة المتفرقة في الرجال "نرجوه" لمهماتنا "وندخر" بدال هملة ومعجمة، أي: نختاره ونتخذه لما يعرض لنا من الأهوال، وأصله: نذتخر -بمعجمة, قلبت التاء دالًا، ثم أدغمت فيها الذال، ويجوز قلب المهملة معجمة، ويجوز ترك الإدغام، لكن إنما يتَّزن بالإدغام "الأبيات المشهورة الآتية" قريبًا في قوله: "وروينا في المعجم الصغير" وهو عن كل شيخ له حديث "للطبراني من ثلاثياته،" أي: ما وقع بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة أنفس، "عن زهير بن صرد،" ولفظ الطبراني: حدثنا عبيد الله بن دماحش القيسي. بزيادة الرملة, سنة أربع وسبعين ومائتين، قال: حدثنا أبو عمرو زياد بن طارق البلوي، وكان قد أتت عليه مائة وعشرون سنة، قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد "الجشمي" -بضم الجيم وفتح المعجمة وميم، نسبة إلى جشم, بطن من بني سعد "يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين يوم هوازن" أي: أسر نساءنا وأولادنا، وكانوا ستة آلاف من الذراري والنساء، "وذهب يفرق السبي والشاء" جمع شاة، أي: وفرَّقهم بالفعل, "أتيته" في وفد هوازن، "فأنشأت أقول: امنن علينا" بهمزة مضمومة، فميم ساكنة، فنون مضمومة فأخرى ساكنة، أي: أحسن إلينا من غير طلب ثواب ولا جزاء يا "رسول الله في كرم، فإنك المرء" الرجل الكامل في صفة الرجولية "نرجوه وندَّخر" لنوائبنا "امنن على بيضة" أي: أهل وعشيرة "قد عاقها قدر، مشتت شملها في دهرها غير" بكسرстр. 2347
أبقت لنا الدهر هتافًا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلمًا حين تختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذا فوك يملؤه من مخضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر
يا خير من مرحت كُمْت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنا نؤمل عفوًا منك تلبسه ... هادي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاعفوا عفا الله عمّا أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر
الحواشي
(١) المعجمة وفتح الياء، تغيّر حال وانتقالها من صلاح لفساد، "أبقت لنا الدهر" نصب معمول أبقت "هتافًا" بفتح الهاء وفوقية وفاء، أي: ذا هتف، أي: صوت مشتمل "على حزن" بفتحتين, "على قلوبهم الغماء" بفتح المعجمة وشد الميم، أي: الحزن؛ لأنه يغطي السرور، "والغمر" بفتح المعجمة، وتكسر، وميم مفتوحة وراء, الحقد, "إن لم تداركهم نعماء تنشرها" عليهم هلكوا، فجواب أن محذوف, أو هو شرط في أبقيت فلا حذف، "يا أرجح الناس حلمًا" عقلًا "حين تختبر" بالبناء للمفعول قيد به لظهوره بالاختبار. "امنن على نسوة قد كنت ترضعها" بفتح الفوقية. "إذ فوك يملؤه من مخضها" بفتح الميم، وسكون المعجمة, لبنها الخالص "الدرر" بكسر المهملة وفتح الراء الأولى, كثرة اللبن وسيلانه، جمع درة. "إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها، وإذ يزينك" بفتح الياء وكسر الزاي. "ما تأتي وما تذر"، أي: تترك, "لا تجعلنا" بشد النون "كما شالت" ارتفعت "نعامته" أي: هلك، والنعامة باطن القدم، "واستبق منا" ثناء يدوم، "فإنا معشر زهر" بضمتين. "إنا لنشكر للنعماء" بفتح النون وإسكان العين وميم والمد، أي: النعمة؛ "إذ كفرت" بالبناء للمفول، "عندنا بعد هذا اليوم مدخر" بميم مضمومة، فمهملة مشددة، فمعجمة مفتوحتين فراء، "فألبس" بفتح الهمزة وكسر الموحدة. "العفو من قد كنت ترضعه من أمهاتك إن العفو مشتهر" حسنه بين الناس ظاهر، فهو وصف سببي, "يا خير من مرحت" بفتح الميم والراء والحاء المهملة. نشطت ورعت "كمت،" بضم الكاف، وسكون الميم وفوقية. جمع كيمت "الجياد". بكسر الجيم. "به عند الهياج". بكسر الهاء وخفة التحتية، وجم القتال "إذا ما استوقد" بالبناء للمفعول، "الشرر، إنا نؤمل"، نرجو "عفوًا منك تلبسه" بضم الفوقية، وسكون اللام وكسر الموحدة "هادي" بهاء ومهملة. منادى، أي: يا هادي "البرية"،стр. 2348
قال: فلمَّا سمع النبي ﷺ هذا الشعر قال: "ما كان لي ولعبد المطلب فهو لكم"، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله.
ومن بين الطبراني وزهير لا يعرف، لكن يقوى حديثه بالمتابعة المذكورة، فهو حديث حسن، وقد وهم من زعم أنه منقطع
الحواشي
(١) وفي نسخة: بمعجمة, إشارة للنسوة التي طلب العفو عنهنَّ, "إذ تعفو وتنتصر" فتجمع بين الأمرين الحسنين، "فاعفو،" بواو الإشباع, أو على لغة من يجري المعتل مجرى الصحيح، "عفا الله عمَّا أنت راهبه" بموحدة, خائفه "يوم القيامة؛ إذ يهدي لك الظفر" أي: الفوز، "قال: فلمَّا سمع النبي ﷺ هذا الشعر قال: "ما كان لي ولعبد المطلب" أي: آله المعبَّر عنهم في السابقة ببني هاشم.
وعند ابن إسحاق في حديث عمرو: لبني عبد المطلب, "فهو لكم" بلا فداء، "وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله" يفعل فيه ما شاء، "وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله".
زاد ابن إسحاق في حدث عمرو عن أبيه، عن جده: وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، فقال لهم عباس: وهنتموني، فقال ﷺ : " أما مَنْ تمسَّك منكم بهذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه، فردوا إليهم أبناءهم ونساءهم"، وعنده من طريق آخر: إلّا عيينة بن حصن أخذ عجوزًا من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أرى عجوزًا, إني لا أحسب لها في الحي نسبًا، وعسى أن يعظم فداؤها، فلما ردَّ ﷺ السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواحد، ولا درها بماكد. فردَّها بست فرائض حين ذلك، ولقي الأقرع فشكا إليه ذلك، فقال: والله إنك ما أخذتها بيضاء غريزة ولا نصقًا وتيرة، وكسا النبي ﷺ كل واحد من السبي قبطية.
وقال ابن عقبة: كساهم ثياب المعقد -بضم الميم، وفتح المهملة والقاف الثقيلة, ضرب من برود هجر، "ومن بين الطبراني وزهير" وهم الرجلان "لا يعرف" بتعديل ولا جرح، "لكن يقوى حديثه بالمتابعة المذكورة".
في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدة: "فهو حديث حسن، وقد وَهِمَ من زعم أنه منقطع" كذا في الفتح.
وقال في الإصابة: وَهَّى ابن عبد البر إسناده من غير قادح، وقد أوضحته في لسان الميزانстр. 2349
وقد زاد الطبراني على ما أورده ابن إسحاق خمسة أبيات.
وذكر الواقدي: إن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا، فيهم أبو برقان السعدي، فقال: يا رسول الله، إن هذه الحظائر لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك, فامنن علينا منَّ الله عليك، فقال: "قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي".
الحواشي
(١) في ترجمة زياد بن طارق.
"وقد زاد الطبراني على ما أورده ابن إسحاق خمسة أبيات" أي: وأسقط مما ذكره بعض أبيات.
قال في الروض: لم يذكر ابن إسحاق شعر زهير في رواية البكائي، وذكره في رواية إبراهيم بن سعد عنه، وهو ذكر البيتين الأولين وقال عقبهما:
يا خير طفل ومولود ومنتخب ... في العالمين إذا ما حصل البشر
وأسقط بيت: أبقت لنا الدهر، وقال عقب ذا البيت: إن لم تداركهمو، حتى قوله: فإنا معشر زهر، وأسقط بيت: فألبس العفو، وذكر بعده: يا خير من مرحت، إلى آخر الشعر. انتهى، وعلى هذا، فالذي زاده الطبراني على ابن إسحاق بيتين فقط لا خمسة، كما قال المصنف تبعًا للفتح, إلّا أن يكون مرادهما رواية غير إبراهيم، كيونس الشيباني.
"وذكر الواقدي: أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا" قدموا مسلمين، وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم، كما هو عند الواقدي، "فيهم أبو برقان".
قال الحافظ: بموحدة وقاف، ويقال: أبو مروان -بميم أوله، ويقال: أبو ثروان -بمثلثة أوّله- السعدي, عمه ﷺ من الرضاعة, ذكره ابن سعد، "فقال: يا رسول الله, إن هذه الحظائر" أي: أهلها، يعني من فيها "لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا مَنَّ الله عليك، فقال: "قد استأنيت بكم".
قال الحافظ: أي: استنظرت، أي: أخَّرت قسم السبي لتحضروا، فأبطأتم "حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي" وقد كان ترك السبي بلا قسمة، وتوجّه إلى الطائف فحاصرها، ثم رجع إلى الجعرانة، ثم قسم الغنائم فيها، فجاءه بعد ذلك وفد هوازن، فبيِّنَ لهم أنه آخر القسم ليحضروا فأبطئوا. انتهى، أي: ثم شفع لهم ومن عليهم بسباياهم، كما مَرَّ.стр. 2350
الوفد الثاني: وفد ثقيف
وقدم ﵊ وفد ثقيف، بعد قدومه ﵊ من تبوك، وكان من أمرهم أنه ﷺ لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله, ادع لنا ثقيف، فقال: "اللهم اهد ثقيفًا وأتِ بهم".
ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام،
الحواشي
(١) "الوفد الثاني":
"وقدم عليه ﵊ وفد ثقيف بعد قدومه ﵊ من تبوك"
المدينة في رمضان، كما قال ابن سعد وابن إسحاق، وجزم به مغلطاي، وقال بعضهم: في شعبان سنة تسع، وأما خروجه من المدينة إلى تبوك فكان يوم الخميس في رجب سنة تسع اتفاقًا كما مَرَّ، "وكان من أمرهم" أي: من جملة الأشياء المتعلقة بثقيف "أنه ﷺ لما انصرف من الطائف" أي: ترك محاصرته، وعزم على السفر، "قيل له: يا رسول الله, ادع لنا ثقيف" فقد أحرقتنا نبالهم، "فقال: "اللهم اهد ثقيفًا" إلى الإسلام "وأت بهم" مسلمين.
روى الترمذي، وحسَّنه عن جابر قال: قالوا: يا رسول الله, أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد ثقيفً وأت بهم".
وعند البيهقي عن عروة، ودعا ﷺ حين ركب قافلًا، فقال: "اللهم اهدهم، واكفنا مؤنتهم"، "ولما انصرف عنهم،" أي: شرع فيه بالفعل ليغاير ما قبله "اتبع بشد التاء "أثره" بتثليث الهمزة وفتح المثلثة وإسكانها "عروة بن مسعود" بن معتب -بمهملة وفوقية مشددة، أن مالك كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عمّ والد المغيرة بن شعبة، وأمه سبيعة بنت عبد مناف، كان أحد الأكابر, ممن قيل: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] الآية، قال ابن عباس وجماعة: أرادوا الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وعروة بن مسعود من أهل الطائف.
وفي مسلم: عرض على الأنبياء الحديث, وفيه: ورأيت عيسى فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، وله ذكر في الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، وترجمة ابن عبد البر بأنه شهد الحديبية، وليس كذلك، فالعرف إذا أطلق على الصحابي أنه شهد غزوة كذا، فالمراد شهدها مسلمًا, فلا يقال شهد معاوية بدرًا؛ لأنه إذا أطلق ذلك ظنّ من لا خبرة له لكونه عرف أنه صحابي أنه شهدها مع المسلمين، أفاده في الإصابة. "حتى أدركه" أي: لحقه، ففيه تجريد، ففي المصباح: أدركته إذا طلبته، فلحقته "قبل أن يدخل المدينة"، كما عند ابن إسحاق، وعند موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود، عن عروة: لما صدر أبو بكر من الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على النبي ﷺ ، "فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام" أي: بإظهاره, وطلبه منهم.
وعند ابن عقبة وغيره، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني.следующие страницы →