Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.
стр. 2346
ثم أنشد:
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
الأبيات المشهورة الآتية.
وروينا في المعجم الصغير للطبراني من ثلاثياته، عن زهير بن صرد الجشمي يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين -يوم هوازن, وذهب يفرّق السبي والشاء, أتيته فأنشأت أقول:
امنن علينا رسول الله في كرم ... فإنك المرء نرجوه وندخر
امنن على بيضة قد عاقها قدر ... مشت شملها في دهرها غير
الحواشي
(١) وتوركنك على أوراكهنَّ وأنت خير المكفولين.
وفي رواية عند ابن إسحاق: أن زهيرًا قال: ولو أنَّا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو للنعمان بن المنذر، ثم نزل منَّا بمثل الذي نزلت, رجونا عطفه وعائدته علينا وأنت خير المكفولين، "ثم أنشد: امنن علينا" يا "رسول الله" فهو منادى بحذف الأداة "في كرم" في: سببية، أي: بسبب صفتك الجميلة التي هي كرمك, أو كرم بمعنى إكرام، أي: امنن علينا بإكرامك لنا لما بيننا وبينك من الوصلة، "فإنك المرء". بفتح الميم وبالراء والهمزة وأل: لاستغراق أفراد الجنس، أي: أنت المرء الجامع للصفات المحمودة المتفرقة في الرجال "نرجوه" لمهماتنا "وندخر" بدال هملة ومعجمة، أي: نختاره ونتخذه لما يعرض لنا من الأهوال، وأصله: نذتخر -بمعجمة, قلبت التاء دالًا، ثم أدغمت فيها الذال، ويجوز قلب المهملة معجمة، ويجوز ترك الإدغام، لكن إنما يتَّزن بالإدغام "الأبيات المشهورة الآتية" قريبًا في قوله: "وروينا في المعجم الصغير" وهو عن كل شيخ له حديث "للطبراني من ثلاثياته،" أي: ما وقع بينه وبين النبي ﷺ ثلاثة أنفس، "عن زهير بن صرد،" ولفظ الطبراني: حدثنا عبيد الله بن دماحش القيسي. بزيادة الرملة, سنة أربع وسبعين ومائتين، قال: حدثنا أبو عمرو زياد بن طارق البلوي، وكان قد أتت عليه مائة وعشرون سنة، قال: سمعت أبا جرول زهير بن صرد "الجشمي" -بضم الجيم وفتح المعجمة وميم، نسبة إلى جشم, بطن من بني سعد "يقول: لما أسرنا رسول الله ﷺ يوم حنين يوم هوازن" أي: أسر نساءنا وأولادنا، وكانوا ستة آلاف من الذراري والنساء، "وذهب يفرق السبي والشاء" جمع شاة، أي: وفرَّقهم بالفعل, "أتيته" في وفد هوازن، "فأنشأت أقول: امنن علينا" بهمزة مضمومة، فميم ساكنة، فنون مضمومة فأخرى ساكنة، أي: أحسن إلينا من غير طلب ثواب ولا جزاء يا "رسول الله في كرم، فإنك المرء" الرجل الكامل في صفة الرجولية "نرجوه وندَّخر" لنوائبنا "امنن على بيضة" أي: أهل وعشيرة "قد عاقها قدر، مشتت شملها في دهرها غير" بكسرстр. 2347
أبقت لنا الدهر هتافًا على حزن ... على قلوبهم الغماء والغمر
إن لم تداركهم نعماء تنشرها ... يا أرجح الناس حلمًا حين تختبر
امنن على نسوة قد كنت ترضعها ... إذا فوك يملؤه من مخضها الدرر
إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها ... وإذ يزينك ما تأتي وما تذر
لا تجعلنا كمن شالت نعامته ... واستبق منا فإنا معشر زهر
إنا لنشكر للنعماء إذ كفرت ... وعندنا بعد هذا اليوم مدخر
فألبس العفو من قد كنت ترضعه ... من أمهاتك إن العفو مشتهر
يا خير من مرحت كُمْت الجياد به ... عند الهياج إذا ما استوقد الشرر
إنا نؤمل عفوًا منك تلبسه ... هادي البرية إذ تعفو وتنتصر
فاعفوا عفا الله عمّا أنت راهبه ... يوم القيامة إذ يهدي لك الظفر
الحواشي
(١) المعجمة وفتح الياء، تغيّر حال وانتقالها من صلاح لفساد، "أبقت لنا الدهر" نصب معمول أبقت "هتافًا" بفتح الهاء وفوقية وفاء، أي: ذا هتف، أي: صوت مشتمل "على حزن" بفتحتين, "على قلوبهم الغماء" بفتح المعجمة وشد الميم، أي: الحزن؛ لأنه يغطي السرور، "والغمر" بفتح المعجمة، وتكسر، وميم مفتوحة وراء, الحقد, "إن لم تداركهم نعماء تنشرها" عليهم هلكوا، فجواب أن محذوف, أو هو شرط في أبقيت فلا حذف، "يا أرجح الناس حلمًا" عقلًا "حين تختبر" بالبناء للمفعول قيد به لظهوره بالاختبار. "امنن على نسوة قد كنت ترضعها" بفتح الفوقية. "إذ فوك يملؤه من مخضها" بفتح الميم، وسكون المعجمة, لبنها الخالص "الدرر" بكسر المهملة وفتح الراء الأولى, كثرة اللبن وسيلانه، جمع درة. "إذ أنت طفل صغير كنت ترضعها، وإذ يزينك" بفتح الياء وكسر الزاي. "ما تأتي وما تذر"، أي: تترك, "لا تجعلنا" بشد النون "كما شالت" ارتفعت "نعامته" أي: هلك، والنعامة باطن القدم، "واستبق منا" ثناء يدوم، "فإنا معشر زهر" بضمتين. "إنا لنشكر للنعماء" بفتح النون وإسكان العين وميم والمد، أي: النعمة؛ "إذ كفرت" بالبناء للمفول، "عندنا بعد هذا اليوم مدخر" بميم مضمومة، فمهملة مشددة، فمعجمة مفتوحتين فراء، "فألبس" بفتح الهمزة وكسر الموحدة. "العفو من قد كنت ترضعه من أمهاتك إن العفو مشتهر" حسنه بين الناس ظاهر، فهو وصف سببي, "يا خير من مرحت" بفتح الميم والراء والحاء المهملة. نشطت ورعت "كمت،" بضم الكاف، وسكون الميم وفوقية. جمع كيمت "الجياد". بكسر الجيم. "به عند الهياج". بكسر الهاء وخفة التحتية، وجم القتال "إذا ما استوقد" بالبناء للمفعول، "الشرر، إنا نؤمل"، نرجو "عفوًا منك تلبسه" بضم الفوقية، وسكون اللام وكسر الموحدة "هادي" بهاء ومهملة. منادى، أي: يا هادي "البرية"،стр. 2348
قال: فلمَّا سمع النبي ﷺ هذا الشعر قال: "ما كان لي ولعبد المطلب فهو لكم"، وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله.
ومن بين الطبراني وزهير لا يعرف، لكن يقوى حديثه بالمتابعة المذكورة، فهو حديث حسن، وقد وهم من زعم أنه منقطع
الحواشي
(١) وفي نسخة: بمعجمة, إشارة للنسوة التي طلب العفو عنهنَّ, "إذ تعفو وتنتصر" فتجمع بين الأمرين الحسنين، "فاعفو،" بواو الإشباع, أو على لغة من يجري المعتل مجرى الصحيح، "عفا الله عمَّا أنت راهبه" بموحدة, خائفه "يوم القيامة؛ إذ يهدي لك الظفر" أي: الفوز، "قال: فلمَّا سمع النبي ﷺ هذا الشعر قال: "ما كان لي ولعبد المطلب" أي: آله المعبَّر عنهم في السابقة ببني هاشم.
وعند ابن إسحاق في حديث عمرو: لبني عبد المطلب, "فهو لكم" بلا فداء، "وقالت قريش: ما كان لنا فهو لله ولرسوله" يفعل فيه ما شاء، "وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لله ولرسوله".
زاد ابن إسحاق في حدث عمرو عن أبيه، عن جده: وقال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة بن حصن: أما أنا وبنو فزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا، فقالت بنو سليم: بلى ما كان لنا فهو لرسول الله ﷺ ، فقال لهم عباس: وهنتموني، فقال ﷺ : " أما مَنْ تمسَّك منكم بهذا السبي فله بكل إنسان ست فرائض من أول سبي أصيبه، فردوا إليهم أبناءهم ونساءهم"، وعنده من طريق آخر: إلّا عيينة بن حصن أخذ عجوزًا من عجائز هوازن، وقال حين أخذها: أرى عجوزًا, إني لا أحسب لها في الحي نسبًا، وعسى أن يعظم فداؤها، فلما ردَّ ﷺ السبايا بست فرائض أبى أن يردها، فقال له زهير بن صرد: خذها فوالله ما فوها ببارد، ولا ثديها بناهد، ولا بطنها بوالد، ولا زوجها بواحد، ولا درها بماكد. فردَّها بست فرائض حين ذلك، ولقي الأقرع فشكا إليه ذلك، فقال: والله إنك ما أخذتها بيضاء غريزة ولا نصقًا وتيرة، وكسا النبي ﷺ كل واحد من السبي قبطية.
وقال ابن عقبة: كساهم ثياب المعقد -بضم الميم، وفتح المهملة والقاف الثقيلة, ضرب من برود هجر، "ومن بين الطبراني وزهير" وهم الرجلان "لا يعرف" بتعديل ولا جرح، "لكن يقوى حديثه بالمتابعة المذكورة".
في رواية عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جدة: "فهو حديث حسن، وقد وَهِمَ من زعم أنه منقطع" كذا في الفتح.
وقال في الإصابة: وَهَّى ابن عبد البر إسناده من غير قادح، وقد أوضحته في لسان الميزانстр. 2349
وقد زاد الطبراني على ما أورده ابن إسحاق خمسة أبيات.
وذكر الواقدي: إن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا، فيهم أبو برقان السعدي، فقال: يا رسول الله، إن هذه الحظائر لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك, فامنن علينا منَّ الله عليك، فقال: "قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي".
الحواشي
(١) في ترجمة زياد بن طارق.
"وقد زاد الطبراني على ما أورده ابن إسحاق خمسة أبيات" أي: وأسقط مما ذكره بعض أبيات.
قال في الروض: لم يذكر ابن إسحاق شعر زهير في رواية البكائي، وذكره في رواية إبراهيم بن سعد عنه، وهو ذكر البيتين الأولين وقال عقبهما:
يا خير طفل ومولود ومنتخب ... في العالمين إذا ما حصل البشر
وأسقط بيت: أبقت لنا الدهر، وقال عقب ذا البيت: إن لم تداركهمو، حتى قوله: فإنا معشر زهر، وأسقط بيت: فألبس العفو، وذكر بعده: يا خير من مرحت، إلى آخر الشعر. انتهى، وعلى هذا، فالذي زاده الطبراني على ابن إسحاق بيتين فقط لا خمسة، كما قال المصنف تبعًا للفتح, إلّا أن يكون مرادهما رواية غير إبراهيم، كيونس الشيباني.
"وذكر الواقدي: أن وفد هوازن كانوا أربعة وعشرين بيتًا" قدموا مسلمين، وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم، كما هو عند الواقدي، "فيهم أبو برقان".
قال الحافظ: بموحدة وقاف، ويقال: أبو مروان -بميم أوله، ويقال: أبو ثروان -بمثلثة أوّله- السعدي, عمه ﷺ من الرضاعة, ذكره ابن سعد، "فقال: يا رسول الله, إن هذه الحظائر" أي: أهلها، يعني من فيها "لأمهاتك وخالاتك وحواضنك ومرضعاتك، فامنن علينا مَنَّ الله عليك، فقال: "قد استأنيت بكم".
قال الحافظ: أي: استنظرت، أي: أخَّرت قسم السبي لتحضروا، فأبطأتم "حتى ظننت أنكم لا تقدمون، وقد قسمت السبي" وقد كان ترك السبي بلا قسمة، وتوجّه إلى الطائف فحاصرها، ثم رجع إلى الجعرانة، ثم قسم الغنائم فيها، فجاءه بعد ذلك وفد هوازن، فبيِّنَ لهم أنه آخر القسم ليحضروا فأبطئوا. انتهى، أي: ثم شفع لهم ومن عليهم بسباياهم، كما مَرَّ.стр. 2350
الوفد الثاني: وفد ثقيف
وقدم ﵊ وفد ثقيف، بعد قدومه ﵊ من تبوك، وكان من أمرهم أنه ﷺ لما انصرف من الطائف قيل له: يا رسول الله, ادع لنا ثقيف، فقال: "اللهم اهد ثقيفًا وأتِ بهم".
ولما انصرف عنهم، اتبع أثره عروة بن مسعود حتى أدركه قبل أن يدخل المدينة، فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام،
الحواشي
(١) "الوفد الثاني":
"وقدم عليه ﵊ وفد ثقيف بعد قدومه ﵊ من تبوك"
المدينة في رمضان، كما قال ابن سعد وابن إسحاق، وجزم به مغلطاي، وقال بعضهم: في شعبان سنة تسع، وأما خروجه من المدينة إلى تبوك فكان يوم الخميس في رجب سنة تسع اتفاقًا كما مَرَّ، "وكان من أمرهم" أي: من جملة الأشياء المتعلقة بثقيف "أنه ﷺ لما انصرف من الطائف" أي: ترك محاصرته، وعزم على السفر، "قيل له: يا رسول الله, ادع لنا ثقيف" فقد أحرقتنا نبالهم، "فقال: "اللهم اهد ثقيفًا" إلى الإسلام "وأت بهم" مسلمين.
روى الترمذي، وحسَّنه عن جابر قال: قالوا: يا رسول الله, أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد ثقيفً وأت بهم".
وعند البيهقي عن عروة، ودعا ﷺ حين ركب قافلًا، فقال: "اللهم اهدهم، واكفنا مؤنتهم"، "ولما انصرف عنهم،" أي: شرع فيه بالفعل ليغاير ما قبله "اتبع بشد التاء "أثره" بتثليث الهمزة وفتح المثلثة وإسكانها "عروة بن مسعود" بن معتب -بمهملة وفوقية مشددة، أن مالك كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو عمّ والد المغيرة بن شعبة، وأمه سبيعة بنت عبد مناف، كان أحد الأكابر, ممن قيل: إنه المراد بقوله تعالى: ﴿عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] الآية، قال ابن عباس وجماعة: أرادوا الوليد بن المغيرة من أهل مكة، وعروة بن مسعود من أهل الطائف.
وفي مسلم: عرض على الأنبياء الحديث, وفيه: ورأيت عيسى فإذا أقرب من رأيت به شبهًا عروة بن مسعود، وله ذكر في الصحيح في قصة الحديبية، وكانت له اليد البيضاء في تقرير الصلح، وترجمة ابن عبد البر بأنه شهد الحديبية، وليس كذلك، فالعرف إذا أطلق على الصحابي أنه شهد غزوة كذا، فالمراد شهدها مسلمًا, فلا يقال شهد معاوية بدرًا؛ لأنه إذا أطلق ذلك ظنّ من لا خبرة له لكونه عرف أنه صحابي أنه شهدها مع المسلمين، أفاده في الإصابة. "حتى أدركه" أي: لحقه، ففيه تجريد، ففي المصباح: أدركته إذا طلبته، فلحقته "قبل أن يدخل المدينة"، كما عند ابن إسحاق، وعند موسى بن عقبة عن الزهري وأبي الأسود، عن عروة: لما صدر أبو بكر من الحج سنة تسع قدم عروة بن مسعود على النبي ﷺ ، "فأسلم وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام" أي: بإظهاره, وطلبه منهم.
وعند ابن عقبة وغيره، فقال: إني أخاف أن يقتلوك، فقال: لو وجدوني نائمًا ما أيقظوني.стр. 2351
فلمَّا أشرف على علية له، وقد دعاهم إلى الإسلام وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل وجه، فأصابه سهم فقتله.
ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا، ثم إنهم ائتمروا فيما بينهم, ورأوا أنهم لا طاقة لهم بحرب من حولهم من العرب، وقد بايعوا وأسلموا،
الحواشي
(١) وفي رواية ابن إسحاق، فقال له: "إنهم قاتلوك"، وعرف أن فيهم نخوة الامتناع، أي: كبره وعظمته، فقال: أنا أحب إليهم من أبكارهم.
وقال ابن هشام: من أبصارهم، وكان فيهم كذلك محببًا مطاعًا، فأذن له، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء أن لا يخالفوه لمنزلته فيهم، "فلمَّا أشرف" ظهر "لهم على علية" بضم العين، وكسرها وشد التحتية, غرفة، "وقد دعاهم إلى الإسلام، وأظهر لهم دينه" بالإفراد، أي: الإسلام.
وفي نسخة: دينهم، أي: بطلان دينهم، لكن الرواية عند ابن إسحاق وغيره: إنما هي بالإفراد، ثم في هذه الرواية اختصار، ففي رواية ابن عقبة وغيره: فرجع، فدعاهم إلى الإسلام، ونصح لهم فنقصوه وأسمعوه من الأذى، فلمَّا كان من السحر قام على غرفة له، فأذن، "رموه بالنبل من كل وجه" أي: جهة، "فأصابه سهم فقتله".
وحكى ابن إسحاق: الخلاف في أنَّ اسم قاتله أوس بن عوف, أو وهب بن جارية، فقيل لعروة: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمني الله بها، وشهادة ساقها الله إليَّ، فليس فيَّ إلّا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنوني معكم، فدفنوه معهم، فقال فيه النبي ﷺ : "إن مثله في قومه كمثل صاحب ياسين في قومه".
روى عروة بن مسعود الثقفي عن النبي ﷺ : "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله, فإنها تهدم الخطايا" رواه ابن منده, إسناد ضعيف.
وروى أبو نعيم عنه: كان ﷺ يوضع عنده الماء، فإذا بايع النساء لمسن أيديهن فيه، وإسناده ضعيف منقطع، "ثم أقامت ثقيف بعد قتله أشهرًا" نحو: ثمانية، فعند ابن إسحاق: قدم ﷺ المدينة من تبوك في رمضان، وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، "ثم إنهم ائتمروا فيما بينهم, ورأوا أنهم لا طاقة" لا قوَّة "لهم بحرب من حولهم من العرب, و" الحال أنهم "قد بايعوا وأسلموا" أي: من حولهم، فبقي أهل الطائف منفردين بعد الإسلام معرضين للحرب.
وعند ابن إسحاق: أن عمرو بن أمية كان مهاجر العبد ياليل لشيء كان بينهما، وكان عمرو من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل حتى دخل داره, فخرج إليه فرحَّب به، فقال له عمر: إنه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة، إنه قد كان من أمر هذا الرجل ما قد رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم، فعند ذلك ائتمرت ثقيف, وقال بعضهمстр. 2352
وأجمعوا أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ .
فبعثوا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب بن مالك، وشرحبيل بن غيلان، وثلاثة من بني مالك: عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير.
الحواشي
(١) لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب، ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فأتمروا بينهم "وأجمعوا" عزموا وصمَّموا على "أن يرسلوا إلى رسول الله ﷺ ، فبعثوا عبد ياليل بن عمرو" بفتح العين "ابن عمير" بضمها مصغَّر، كذا قاله ابن إسحاق، فذكره ابن حبان في الصحابة، فقال: له صحبة، وكان من الوفد، والذي قاله غيره: إن هذا إنما هو لولده مسعود، ذكره في الإصابة فيمن ذكر غلطًا في الصحابة، ومن الغير موسى بن عقبة، وابن الكلبي، وأبو عبيدة قالوا: إنه مسعود بن عبد ياليل، لكن صاحب الإصابة وغيره ترجموا مسعود بن عمرو.
وقالوا: إنه أخو عبد ياليل لا ابنه، وما ذكروا لابنه ترجمة، "ومعه اثنان من الأحلاف: الحكم بن عمرو بن وهب بن معتب" بضم الميم، وفتح العين المهملة، وكسر الفوقية وموحّدة، ويجوز فيه إسكان العين، وكسر الفوقية "ابن مالك" بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، كذا نسبه في الإصابة ثقيفًا, والمصنف تبعًا لابن إسحاق قالا: إنه من أحلافهم، "وشرحبيل" بفتح المعجمة والراء، وإسكان المهملة وكسر الموحدة وتحتية ولام "ابن غيلان" بفتح المعجمة وسكون التحتية, ابن معتب بن مالك الثقفي.
قال ابن سعد: نزل الطائف وله صحبة، ومات سنة ستين.
قال أبو عمرو: له حديث في الاستغفار بين كل سجدتين, ليس مما يحتجّ بإسناده، "وثلاثة من بني مالك: عثمان بن أبي العاص" بن بشر بن عبيد بن درهمان بن عبد الله الثقفي، أبو عبد الله, نزيل البصرة, أسلم في ود ثقيف، فاستعمله النبي ﷺ على الطائف، وأقرَّه أبو بكر، ثم استعمله عمر على البحرين وعمان سنة خمس عشرة، ثم سكن البصرة حتى مات بها، قيل: سنة خمسين، وقيل: سنة إحدى وخمسين، وكان هو الذي منع ثقيفًا عن الردة, خطبهم فقال: كنتم آخر الناس إسلامًا، فلا تكونوا أولهم ارتدادًا، وجاء عنه: إنه شهد آمنة لما ولدت النبي ﷺ ، فعلى هذا يكون عاش نحوًا من مائة وعشرين سنة.
روى عن النبي ﷺ أحاديث في مسلم والسنن، "وأوس بن عوف" بن جابر بن سفيان بن عبد ياليل بن سالم بن مالك، كذا نسبه ابن حبان في الصحابة، وقال: كان في وفد ثقيف، وزعم أبو نعيم أنه هو أوس بن حذيفة، نسب إلى عوف أحد أجداده.
قال الحافظ: وليس كذلك, لاختلاف النسبين "ونمير" بضم النون، وفتح الميم، وإسكانстр. 2353
ابن خرشة، فلمَّا قدموا على رسول الله ﷺ ضرب عليهم قبة في ناحية المسجد، وكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ , حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله ﷺ أن يدع لهم الطاغية -وهي اللات, لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم ﵊ إلّا أن يبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها.
وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم من الصلاة، وأن لا يكسروا.
الحواشي
(١) التحتية وراء. "ابن خرشة" بفتح المعجمة والراء المعجمة, ابن ربيعة بن الحارث بن حبيب بن الحارث بن حطيط بن جشم بن ثقيف, نسبه ابن حبان.
وقال أبو عمرو: هو حليف لهم من بني كعب، أخرج البغوي وابن السكن وأبو نعيم عنه, قال: أدركنا النبي ﷺ بالجحفة, فاستبشر الناس قدومنا. الحديث. وذكر في سياق اشتراطهم ما اشترط، وذكره في الإصابة.
وعند ابن إسحاق: فخرج بهم عبد ياليل وهو صاحب أمرهم، فلمَّا دنوا من المدينة ونزلوا قناة, وجدوا المغيرة بن شعبة ليبشِّر رسول الله ﷺ بقدومهم، فلقيه أبو بكر، فقال: أقسمت عليك بالله لا تسبقني إلى رسول الله حتى أكون أنا أحدثه، ففعل المغيرة، فدخل أبو بكر، فأخبره بقدومهم عليه، ثم خرج المغيرة إليهم فروج الظهر، أي: الركاب معهم، وعلمهم كيف يحيون رسول الله ﷺ , فلم يفعلوا إلّا بتحية الجاهلية، "فلمَّا قدموا على رول الله ﷺ ضرب عليهم قبة" خيمة "في ناحية المسجد"؛ لكي يسمعوا القرآن ويروا الناس إذا صلوا، "وكان خالد بن سعيد بن العاص" بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف, من السابقين الأولين، قيل: كان رابعًا، أو خامسًا، "هو الذي يمشي بينهم وبين رسول الله ﷺ ", وكانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عنده ﷺ حتى يأكل منه خالد، "حتى أسلموا واكتتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتبه، وكان فيما سألوا رسول الله ﷺ -أن يدع لهم الطاغية" اسم لمعبودهم من أصنام وغيرها, والجمع طواغي، "وهي" أي: المراد بها هنا: "اللات", لا أنها مفهوم الطاغية "لا يهدمها ثلاث سنين، فأبى عليهم ﵊" في ابن إسحاق: فما برجوا يسألونه سنة سنة، ويأبى عليهم حتى سألوه شهرًا واحدًا بعد مقدمهم، فأبى عليهم أن يدعها شيئًا، وإنما يريدون بذلك فيما يظهرون أن يسلموا بتركها من سفهائهم ونسائهم وذراريهم، ويكرهون أن يروعوا قومهم بهدمها حتى يدخلهم الإسلام، فأبى ﷺ "إلا أن يبعث أبا سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة يهدمانها، وكان فيما سألوه مع ذلك أن يعفيهم" بضم الياء وكسر الفاء, يتركهم "من الصلاة، وأن لا يكسرواстр. 2354
أوثانهم إلّا بأيديهم، فقال ﵊: "كسروا أوثانكم بأيديكم, وأما الصلاة: فلا خير في دين لا صلاة فيه"، فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمَّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص, وكان من أحدثهم سنًّا، لكنه كان من أحرصهم على التفقّه في الإسلام وتعلم القرآن.
فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية،......................
الحواشي
(١) أوثانهم إلا بأيديهم، فقال ﵊: "كسروا أوثانكم بأيديكم" نقل بالمعنى.
ولفظ ابن إسحاق: فقال ﷺ : "أما كسر أوثانكم بأيديكم فسنعفيكم منه، "وأمّا الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه"،" فقالوا: يا محمد, فسنؤتيكها وإن كانت دناءة، "فلما أسلموا وكتب لهم الكتاب أمَّرَ" بشد الميم "عليهم عثمان بن أبي العاص, وكان من أحدثهم سنًّا" بزيادة من في الإثبات على رأي الأخفش أو تبعيضية، والمراد: أن ثلاثة من الستة مثلًا أحدث من باقيهم، وهو واحد منهم، فلا ينافي كونه أصغرهم، فلا يخالف ما هنا قوله: الآتي وأنا أصغر الستة، "لكنَّه كان من أحرصهم على التفقُّه في الإسلام وتعلم القرآن" بشد اللام مضمومة والجر عطف على التفقّه، فلذا أمَّره عليهم بإشارة الصديق، كما عند ابن إسحاق, وعنده عن بعض وفدهم: وصمنا مع النبي ﷺ ما بقي من رمضان، فكان بلال يأتينا من عنده بفطرنا وسحورنا، فيأتينا السحور وإنا لنقول: إنا لنرى الفجر قد طلع، فيقول: قد تركت رسول الله يتسحَّر, ويأتينا بفطورنا وإنا لنقول: ما نرى الشمس ذهبت، فيقول: ما جئتكم حتى أكل ﷺ ، ثم يضع يده في الجنة، فيلقم منها، "فرجعوا إلى بلادهم ومعهم أبو سفيان بن حرب، والمغيرة بن شعبة لهدم الطاغية", حتى إذا قدموا الطائف، أراد المغيرة أن يقدم أبا سفيان فأبى, وقال: ادخل أنت على قومك، وأقام بماله بذي الهرم -بفتح الهاء وإسكان الراء وميم, محلّ بالطائف، كذا عند ابن إسحاق وغيره، أنهما ذهبا مع الوفد.
وفي رواية: أنهم تأخروا عنهم أيامًا حتى قدموا، وأنَّ الوفد لما قدموا تلقاهم ثقيف، فقصدوا اللات ونزلوا عندها، فسألوهم ماذا جئتم به؟ فقالوا: أتينا رجلًا فظًّا غليظًا، قد ظهر بالسيف، وداخ له العرب، قد عرض علينا أمورًا شددًا، أهدم اللات، فقالت ثقيف: والله لا نقبل هذا أبدًا، فقال الوفد: أصلحوا السلاح وتهيؤا للقتال، فمكثوا يومين أو ثلاثة، ثم ألقى الله في قلوبهم الرعب، فقالوا: والله ما لنا به من طاقة، فارجعوا فأعطوه ما سأل، فقال الوفد: فإنا قاضيناه وشرطنا ما أردنا، وجدناه أتقى الناس وأوفاهم وأرحمهم وأصدقهم، وقد بورك لنا ولكم في مسيرنا إليه، فاقبلوا عافية الله. فقالت ثقيف: فلم كتمتمونا هذا الحديث؟ فقالوا: لو أردنا أن ننزع منстр. 2355
فلمَّا دخل المغيرة عليها علاها بضربها بالمعول، وخرج نساء ثقيف حسرًا يبكين عليه، وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها.
وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله
الحواشي
(١) قلوبكم نخوة الشيطان، أي: الكبر والعظمة، فأسلموا مكانهم، ومكثوا أيامًا، ثم قدم رسل النبي ﷺ لهدم اللات, فإن صحَّ، فيحتمل أنهم خرجوا من المدينة مصاحبين للوفد، ثم أخَّروهم في مكان لكي يستألف الوفد قومهم قبل قدومهم, حتى لا يكون نزاع، "فلما دخل المغيرة عليها" وقام قومه دونه, خشية أن يرمى أو يصاب كعروة, "علاها يضربها بالمعول" بكسر الميم، وإسكان المهملة وفتح الواو. الفأس العظيمة يقطع بها الصخر، "وخرج نساء ثقيف حسرًا" بضم الحاء، وفتح السين المشددة وراء مهملات، أي: منكشفات "يبكين عليها".
وفي رواية: خرجت ثقيف كلها حتى العواتق من الحجال، لا ترى أنها مهدومة، ويظنون أنها ممتنعة، فأخذ المغيرة الفأس فضرب ثم سقط، فارتجوا وقالوا: أبعد الله المغيرة قتلته، وفرحوا وقالوا: والله لا يستطاع هدمها، فوثب المغيرة وقال: قبَّحكم الله, إنما هي حجارة ومدر، فاقبلوا عافية الله واعبدوه، ثم ضرب الباب فكسره، ثم علا سورها, وعلا الرجال معه يهدمونها حجرًا جرًا حتى سورها، فقال البواب: ليغضبنّ الأساس فيخسف بهم، فحفروا أساسها حتى أخرجوا ترابها، "وأخذ المغيرة بعد أن كسرها مالها وحليها" بضم الحاء وكسر اللام والياء المشددة, جمع حلي -بفتح فسكون. عطف خاص على عام.
زاد ابن إسحاق: وأرسل إلى أبي سفيان حليها -مجموع, ومالها من الذهب والفضة والجذع، وقد كان أبو فليح بن عروة وقارب بن الأسود قدما على رسول الله قبل وفد ثقيف حين قتل عروة يريدان فراق قومهما، فأسلما, فقال لهما ﷺ : "توليا من شئتما"، فقالا: نتولّى الله ورسوله، فقال ﷺ : "وخالكما أبا سفيان بن حرب"، فقالا: وخالنا أبا سفيان، فلما أسلم أهل الطائف, سأل أبو فليح رسول الله أن يقضي عن أبيه عروة دينًا كان عليه من مال اللات، فقال: "نعم"، فقال له: قارب، وعن الأسود: يا رسول الله, فاقضه, وعروة والأسود شقيقان، فقال ﷺ : "إن الأسود مات مشركًا"، فقال قارب: يا رسول الله, لكن تصل مسلمًا ذات قرابة، يعني: نفسه، إنما الدَّيْن عليَّ, وأنا الذي أطلب به، فأمر أبا سفيان أن يقضي دينهما من مال الطاغية فقضاه، ثم قدموا عليه بحليها وكسوتها، فقسمه من يومه, وحمد الله على نصر دينه وإعزاز نبيه، "وكان كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله" لفظه في ابن إسحاق: "من محمد النبي رسول الله" , فسقط من المصنف لفظ النبي, "إلى المؤمنين: إن عضاهстр. 2356
إلى المؤمنين: إن عضاه وج, وصيده حرام لا يعضد، من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد، وتنزع ثيابه، فإن تعدَّى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ النبي محمدًا، وإن هذا أمر النبي محمد رسول الله"، وكتب خالد بن سعيد بأمر محمد بن عبد الله، فلا يتعدَّاه أحد, فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله.
و"وج": واد بالطائف.
واختلف فيه: هل هو حرم يحرم صيده وقطع شجره؟ فالجمهور: أنه ليس في البقاع حرم إلّا حرم مكة والمدينة, وخالفهم أبو حنيفة
الحواشي
(١) "وج" بمهملة مكسورة ومعجمة وآخره هاء لا تاء, كل شجر ذي شوك, جمع عضهة، حذفت منه هاء، فصار عضه بهاء تأنيث كشَفَه، ثم ردّت في الجمع، فقيل: عضاه كشِفَاه، ويقال: عضهة كعنبة، ويقال أيضًا: عضاهة وهو أقبحها. "وصيده حرام لا يعضد" بضم التحتية وفتح المعجمة. لا يقطع "من وجد يفعل شيئًا من ذلك فإنه يجلد" تعزيرًا لمخالفة النهي "وتنزع ثيابه" أي: تكون سلبًا لمن وجده يفعل، "فإن تعدَّى ذلك" أي: امتنع من تسليم نيابه لمن وجده يقطع، "فإنه يؤخذ، فيبلغ" به "النبي محمدًا"، فيرى فيه رأيه, "وإنَّ هذا أمر النبي محمد رسول الله وكتب خالد بن سعيد بأمر محمد بن عبد الله: فلا يتعداه أحد فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله" زيادة في التأكيد، وإلى هذا ذهب الشافعي في القديم، واختاره النووي في شرح المهذَّب للأحاديث الصحيحة فيه بلا معارض.
روى مسلم: أن سعد بن أبي وقاص وجد عبدًا يقطع شجرًا أو يخبطه، فسلبه، فجاءه أهل العبد، فكلموه أن يردّ على غلامهم, أو عليهم ما أخذ منه، فقال: معاذ الله أنْ أَرُدَّ شيئًا نفلنيه رسول الله ﷺ ، وأبى أن يرد عليهم.
وروى أبو داود: أن سعدًا أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة، فسلبه ثيابه، فجاءوا إليه فكلموه فيه، فقال: إن رسول الله حرَّم هذا الحرم، وقال: "من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه" , فلا أردّ عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله، ولكن إن شئتم دفعت إليكم ثمنه، ولم يأخذ الجمهور بهذا, ومنهم الشافعي في الجديد؛ لأن عمل الأمَّة على لافه "ووج" بفتح الواو وشد الجيم "واد بالطائف" لا بلد به، وغلط الجوهري, قاله في القاموس، أي: في قوله: إنه بلد، أي: حصن من حصون الطائف.
"واختلف فيه: هل هو حرم بحرم صيده وقطع شجره، فالجمهور أنه" لا يحرم ذلك؛ لأنه "ليس في البقاع حرم إلّا حرم مكة والمدينة" للأحاديث الصحيحة، "وخالفهم أبو حنيفة فيстр. 2357
في حرم المدينة.
وقال الشافعي -في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره، واحتج لهذا القول بحديثين: أحدهما: ما تقدَّم، والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه أن النبي ﷺ قال: "إن صيد وج وعضاهه حرم محرَّم لله" رواه الإمام أحمد وأبو داود, لكن في سماع عروة من أبيه نظر، وإن كان قد رآه.
وفي مغازي المعتمر بن سليمان التيمي عن عبد الله بن عبد الرحمن الطائفي عن عمه عمرو بن أوس عن عثمان بن أبي العاص، قال: استعملني رسول الله ﷺ وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني كنت قرأت سورة البقرة،
الحواشي
(١) حرم المدينة" فأباح صيده وقطع شجره، وهو محجوج الصحيحة في البخاري وغيره.
"وقال الشافعي في أحد قوليه: وج حرم يحرم صيده وشجره" وهو القول الجديد والمشهور، قال في البهجة:
وحرم الهادي ووج الطائف ... كتلك الحرمة والجزا نفي
"واحتجَّ لهذا القول بحديثين، أحدهما ما تقدَّم" في الكتاب, وأجاب الجمهور بضعفه؛ إذ إن إسحاق ذكره بلا إسناد، "والثاني: حديث عروة بن الزبير عن أبيه" الزبير بن العوام: "أن النبي ﷺ قال: "إن صيد وج وعضاهه حرم محرم لله"، رواه الإمام أحمد وأبو داود" فلو صحَّ لكان حجة, "لكن" لا يصح؛ لأن "في سماع عروة من أبيه نظر, وإن كان قد رآه،" فأصحاب الحديث نفوا سماعه منه، فهي علة تقدح في صحته.
"وفي مغازي المعتمر بن سليمان التيمي" أبي محمد البصري, ثقة، روى له الستة، ومات سنة سبع وثمانين، وقد جاوز الثمانين, "عن عبد الله بن عبد الرحمن" بن يعلى بن كعب "الطائفي" الثقفي، صدوق يخطئ ويهم, "عن عمه عمرو بن أوس" الثقفي التابعي الكبير، روى له الجميع، ووهم من ذكره في الصحابة، كالطبري وابن منده، كما بينه الحافظ، "عن عثمان بن أبي العاص" الثقفي، الطائفي الصحابي الشهير، "قال: استعملني رسول الله -صلى الله عله وسلم- وأنا أصغر الستة الذين وفدوا عليه من ثقيف، وذلك أني" أي: لأجل أني "كنت قرأت سورة البقرة في" مدة إقامتهم، كانوا يفدون على المصطفى ويخلّفونه في رحالهم لصغره، فإذا رجعوا بالهاجرة عَمَد عثمان إلى رسول الله، فسأله عن الدين، واستقرأه القرآن حتى فقه في الدِّين، فأعجب ذلك المصطفى وأحبه.стр. 2358
فقلت: يا رسول الله، إن القرآن يتفلّت مني، فوضع يده على صدري، وقال: "يا شيطان, اخرج من صدر عثمان"، فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه.
وفي صحيح مسلم، عن عثمان بن أبي العاص، قلت: يا رسول الله، إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي، فقال: "ذلك شيطان يقال له خنزب، فإذا أحسسته تعوَّذ بالله منه, واتفل على يسارك ثلاثًا" قال: ففعلت فأذهبه الله عني.
الحواشي
(١) وروي عنه: سألته مصحفًا كان عنده فأعطانيه، "فقلت: يا رسول الله, إن القرآن يتفلّت مني، فوضع يده على صدري، وقال: "يا شيطان, اخرج من صدر عثمان"، فما نسيت شيئًا بعده أريد حفظه،" وعنه قلت: يا رسول الله, ادع الله أن يفقِّهني في الدّين ويعلمني، قال: "ماذا قلت"؟ فأعدت عليه القول، فقال: "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد من أصحابك، اذهب فأنت أمير عليهم وعلى من تقدَّم عليك من قومك".
"وفي صحيح مسلم عن عثمان بن أبي العاص قلت: يا رسول الله, إن الشيطان حال بيني وبين صلاتي، فقال: "ذلك شيطان يقال له خنزب" مثلث الخاء المعجمة، كما في النهاية.
قال النووي: والمعروف: الفتح والكسر، ثم نون ساكنة، ثم زاي مفتوحة، ثم ياء موحدة، "فإذا أحسسته فتعوَّذْ بالله منه واتفل" بضم الفاء وكسرها, من بابي: ضرب ونصر, "على يسارك ثلاثًا" أي: على جهته، فيشمل ما إذا ألقى ما يتفله بالأرض، أو على شيء من أعضائه كيده اليسرى، "قال: ففعلت, فأذهبه الله عني" ففيه أن ذلك يذهب الوسواس.
وروى ابن إسحاق عن عثمان، قال: كان من آخر ما عهد إليّ النبي ﷺ حين بعثني على ثقيف أن قال: "يا عثمان, تجاوز في الصلاة, وأقدر الناس بأضعفهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة".стр. 2359
الوفد الثالث: وفد بني عامر
وقدم وفد بني عامر عليه ﷺ ، قال ابن إسحاق: لما فرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب،
الحواشي
(١) "الوفد الثالث":
"وقدم وفد بني عامر" بن صعصعة، كما في الروض، وهو من قيس عيلان "عليه ﷺ ، قال ابن إسحاق لما فرغ" أي: رجع "من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت, ضربت" أي: سارت "إليه وفود العرب"، كقوله تعالى: ﴿ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْض﴾ [النساء: ١٠١] ، [المائدة: ١٠٦] ,стр. 2360
فدخلوا في دين الله أفواجًا، يضربون إليه من كل وجه.
فوفد عليه ﵊ بنو عامر، فيهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس, وخالد بن جعفر، وحيان بن أسلم بن مالك، وكان هؤلاء النفر, لفظ: رؤساء القوم وشياطينهم، فقدم -عدو الله- عامر بن الطفيل على رسول الله ﷺ , وهو يريد أن يغدر به، فقال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه، فاعله بالسيف, فكلّم عامر رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) فحذف منها المضروب إليه للعلم به، كما حذف هنا المضروب فيه للعلم به؛ إذ سير الوفود إنما يكون في الأرض، أو إشارة إلى أنّ استعماله بمعنى السير لا يتوقف على كونه في الأرض، فيقال: ضرب الطائر في الهواء إذا سار، "فدخلوا في دين الله أفواجًا, يضربون إليه من كل وجه، فوفد عليه ﵊ بنو عامر" بن صعصعة, "فيهم عامر بن الطفيل" بضم الطاء وفتح الفاء, ابن مالك بن جعفر بن كلاب العامري، وهذا صريح في أن قصته كانت بعد الفتح.
وقال ابن كثير: الظاهر أنها متقدمة على الفتح، وإن ذكرها ابن إسحاق والبيهقي بعده, "وأربد" بفتح الهمزة وإسكان الراء وفتح الموحدة ومهملة, "ابن قيس وخالد" كذا في النسخ، وهو تصحيف, صوابه كما في ابن إسحاق وغيره: وأربد بن قيس بن جزء بن خالد "بن جعفر, وحيان بن أسلم" صوابه كما في ابن إسحاق وغيره: وجبار بن سلمى -بفتح الجيم وشد الموحدة وبالراء، وسلمى -بفتح السين وضمها، والصواب: الفتح، قاله أبو ذر، قال في النور: والذي أعرفه الضم، وفي الإصابة: بضم السين، وقيل: بفتحها, "ابن مالك" بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة الكلابي العامري، كان يقال لأبيه: سلمى نزال الضيف، وأسلم جبار بعد ذلك وصحب -رضي الله عن، "وكان هؤلاء النفر، لفظ" ابن إسحاق: هؤلاء الثلاثة "رؤساء القوم وشياطينهم" أي: عتاتهم، فكل عات متمرد، من جن وإنس ودوابّ شيطان، كما في المصباح، "فقدم عدو الله عامر بن الطفيل على رسول الله ﷺ ، وهو يريد أن يغدر به" مثلث الدال.
قال في القاموس: الغدر ضد الوفاء، غدره وبه كنصر وضرب وسمع.
قال ابن إسحاق: وقد قال له قومه: يا عامر, إن الناس قد أسلموا فأسلم، فقال: والله قد كنت آليت لا أنتهي حتى تتبع العرب عقبي، أفأنا أتبع عقب هذا الفتى من قريش، "فقال لأربد: إذا قدمنا على الرجل فإني شاغل عنك وجهه" أي: صارفه بأن ألهيه بحديثٍ حتى لا يفطن لما تريد فعله به "فاعله" أي: اضرب أعلاه "بالسيف"؛ كأنه يريد ضرب عنقه، فانتهى إليه عامر وأربد، وجلسا بين يديه. "فكلّم عامر رسول الله ﷺ " فقال: يا محمد, خالني -بمعجمة فألف،стр. 2361
وقال: والله لأملأنَّها عليك خيلًا ورجالًا، فلمَّا ولَّى, قال ﵊: "اللهم اكفني عامر بن الطفيل".
فلما خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك، أينما كنت أمرتك به؟ فقال: والله ما هممت بالذي أمرتني به إلّا دخلت بيني وبينه، أفأضربك بالسيف؟
ولما كانوا ببعض الطريق بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه فقتله الله.
الحواشي
(١) فلام مشدَّدة مكسورة, من المخالة، وهي المصادقة، أي: اتخذني خليلًا، وروي بخِفَّة اللام، أي: انفرد لي خاليًا حتى أتحدث معك، قال: "لا، والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له"، فقال: يا محمد, خالني، وجعل يكلمه وينتظر من أربد ما كان أمره به، وأربد لا يصنع شيئًا, ويبست يده على السيف، فلم يستطع سلّه، فقال: يا محمد خالني، قال: "لا, والله حتى تؤمن بالله وحده لا شريك له"، قال: ما تجعل لي إن أسلمت؟ قال: "لك ما للمسلمين, وعليك ما عليهم"، قال: أتجعل لي الأمر بعدك، قال: "ليس ذلك لك، ولا لقومك, ولكن لك أعنة الخيل"، قال: أنا الآن في أعنة خيل نجد، أتجعل لي الوبر ولك المدر؟ قال: "لا"، فقام عنه "وقال: والله لأملأنَّها،" أي: المدينة "عليك خيلًا" زاد في رواية: جروًا "ورجالًا", زاد في رواية: مردًا, ولأربطنَّ بكل نخلة فرسًا، فقال -صى الله عليه وسلم: "يمنعك الله"، "فلمَّا ولَّى قال ﵊: "اللهم اكفني عامر بن الطفيل"،" زاد في رواية: "بما شئت وابعث له داء يقتله واهد قومه"، "فلمَّا خرجوا، قال عامر لأربد: ويحك, أينما كنت أمرتك به" والله ما كان على ظهر الأرض رجل هو أخوف على نفسي منك، وايم الله, لا أخافك بعد اليوم أبدًا، "فقال" أربد: لا أبا لك, لا تعجل عليّ، "والله ما هممت بالذي أمرتني به إلّا دخلت بيني وبينه" حتى ما أرى غيرك، "أفأضربك بالسيف،" والمعنى: إن الله تعالى منع أربد عن رسوله بإراءته صورة صاحبه بينهما.
قال في الروض: وفي رواية غير ابن إسحاق: إلّا رأيت بيني وبينه سورًا من حديد، وفي رواية: لما أردت سل سيفي، نظرت فإذا فحل من الإبل فأغرفاه بين يديّ يهوي إليَّ، فوالله لو سللته لخفت أن يبلغ رأسي، وجمع بأن ما في الرواية الأولى بعد أن تكر منه الهم، وما في الثانية بعد أن حصل منه هم آخر، وكذا يقال في الثالثة، "ولما كانوا ببعض الطريق" بمكانٍ يقال له: الرقم -بفتح الراء والقاف, موضع بالمدينة، "بعث الله تعالى على عامر بن الطفيل الطاعون في عنقه، فقتله الله،" والمتبادر من ذا السياق قتله سريعًا، ووقع في رواية، فمكث ﷺ يعدعو عليه ثلاثين صباحًا، حتى إذا كان بالرقم بعث الله عليه الطاعون فقتله، والذي يظهر أنها وهم نشأ من دعائه عليه شهرًا، لما قتل أصحابه ببئر معونة، فدخل على روايها حديث في حديث، فخلط قصةстр. 2362
وفي صحيح البخاري: أن عامرًا أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، يكون لك أهل السهل، ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان بألف أشقر وألف شقراء. فطُعِنَ في بيت امرأة, فقال: أغدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل بني فلان. ائتوني بفرسي, فمات على ظهر فرسه.
الحواشي
(١) بقصة، كما أشار إليه شيخنا.
"وفي صحيح البخاري" من حديث أنس: "أن عامرًا" أي: ابن الطفيل "أتى النبي ﷺ ، فقال: أخيّرك" لفظ البخاري، وكان عامر رئيس المشركين خير "بين ثلاث خصال".
قال الحافظ: بفتح أوّله وحذف المفعول، أي: خيِّرَ النبي ﷺ , وبَيِّنَه البيهقي في الدلائل من طريق شيخ البخاري فيه، ولفظه: وكان أتى النبي ﷺ فقال: أخيرك بين ثلاث خصال، وفي نسخة خير -بضم أوله. وخطأها ابن قرقول "يكون لك أهل السهل" -بفتح المهملة وسكون الهاء, سكَّان البوادي "ولي أهل المدر" -بفتح الميم، والدال المهمل وراء, أهل البلاد.
قال المصنف: فتفسير شيخنا السهل بالمدن، والقرى والمدر بالبوادي خلافه، "أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان -بمعجمة، ومهملة وفاء مفتوحات, قبيلة "بألف أشقر، وألف شقراء" الذي في البخاري: بألف وألف.
قال الحافظ وغيره في رواية البيهقي عن أنس, والطبراني عن سهل بن سعد: بألف أشقر، وألف شقراء، وبه مزج المصنف لفظ البخاري بلا عزو، "فطُعِنَ في بيت امرأة، فقال: أغدة" بالنصب يعامل مقدر، أي: أغد غدة، كما قال سيبويه، والاستفهام تعجبي، لكن لفظ البخاري: غدة بدون أََلِف.
قال الحافظ: يجوز رفعه بتقدير: أصابتني، أو غدة بي، ويجوز النصب على المصدر، أي: أغد غدة، "كغدة البكر" -بفتح الموحدة وإسكان الكاف, الفتي من الإبل، والغدة -بضم المعجمة, من أمراض الإبل وهو طاعونها، "في بيت امرأة من آل بني فلان" بينها الطبراني من حديث سهل، فقال: امرأة من آل سلول، وهي بنت ذهل بن شيبان، وزوجها مرة بن صعصعة أخو عامر بن صعصعة، ينسب بنوه إليها، كما في الفتح، "ائتوني بفرسي، فمات على ظهر فره" كافرًا.
وفي رواية: ركب فرسه وأخذ رمحه، وأقبل يجول ويقول: يا ملك الموت ابرز لي، فلم تزل تلك حاله حتى سقط عن فرسه ميتًا.
قال الداودي: كانت هذه من حماقات عامر، فأماته الله بذلك ليصغر إليه نفسه، وبنو سلول كانوا موصوفين باللؤم، فرغب أن يموت في بيتها.стр. 2363
......................................
الحواشي
(١) قال في الفتح: وفي الإصابة ذكر جعفر المستغفري عامر بن الطفيل هذا في الصحابة، وهو غلط وخطأ صريح، وموت عامر المذكور على الكفر أشهر عند أهل السِّيَر من أن يتردَّد فيه، وإنما اغترَّ جعفر برواية أخرجها البغوي, وبما أخرجه هو عن أبي أمامة، عن عامر بن الطفيل؛ أنه قال: يا رسول الله, زوِّدني بكلمات أعيش بهنّ؟ " قال: "يا عامر: أفش السلام، وأطعم الطعام، واستح من الله كما تستحي رجلًا من أهلك، وإذا أسأت فأحسن، فإن الحسنات يذهبن السيئات"، فعامر هذا أسلمي لا عامري، فقد روى البغوي عن عبد الله بن بريدة الأسلمي، قال: حدثني عمي عامر بن الطفيل، فذكر حديثًا، فعرف أن الصحابي أسلمي، وافق اسمه واسم أبيه العامري، فساق المستغفري في نسب الصحابي نسب العامري، فوَهِمَ.
قال ابن إسحاق: ثم خرج أصحابه حين واروه بالتراب حتى قدموا أرض بني عامر، فأتاهم قومهم، فقالوا: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إلى عبادة شيء لوددت أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم، أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله عليه وعلى جمله صاعقة فأحرقتهما.
قال ابن هشام: وذكر زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: فأنزل الله في عامر وأربد: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ ، وأما ثالثهم: جبَّار بن سلمى، فقد أسلم مع من أسلم من بني عامر.
ذكر الواقدي عن عبد الله بن كعب بن مالك، قدم وفدهم وهم ثلاثة عشر رجلًا، فيهم لبيد بن ربيعة، فنزلوا دار رملة، وكان بين جبار بن سلمى وبين كعب بن مالك صحبة، فجاء كعب فرحَّبَ بهم، وأكرم جبارًا، وانطلق معهم إلى النبي ﷺ ، فأسلموا وأسلم جبار وحسن إسلامه.
قال ابن الكلبي: وكان أفرس بني عامر, ذكره في الإصابة.стр. 2364
الوفد الرابع: وفد عبد القيس
وقدم وفد عبد القيس عليه، زاده الله شرفًا وكرمًا لديه، وهي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين, ينسبون إلى عبد القيس بن أقصى -بسكون الفاء بعدها ضاد مهملة.
الحواشي
(١) "الوفد الرابع":
"وقد وفد عبد القيس عليه, زاده الله شرفًا وكرمًا لديه، وهي قبيلة كبيرة يسكنون البحرين" وما والاها من أطراف العراق، كما في الفتح، والنسبة إليها العبدي، "ينسبون إلى عبد القيس بن أقصى -بسكون الفاء بعدها صاد مهملة" مفتوحة، وقبلها ألف مفتوحة، وأفادهماстр. 2365
بوزن أعمى, ابن دُعْمي -بضم الدال وسكون العين المهملتين وكسر الميم بعدها تحتانية.
وفي الصحيحين من حديث ابن عباس: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ , فقال: "ممن القوم"؟ قالوا: من ربيعة، قال: "مرحبًا بالوفد غير خزايا ولا ندامى"،
الحواشي
(١) بقوله: "بوزن أعمى, ابن دعمي -بضم الدال، وسكون العين المهملتين، وكسر الميم بعدها تحتانية" ثقيلة، كما في الفتح, ومن قال كالكرماني والمصنف: وياء نسبة، فمراده: أنها تثقل كياء النسبة, وإلا فهو علم، وهو ابن جذيلة -بجيم, وزن كبيرة, ابن أسد بن ربيعة بن نزار.
"وفي الصحيحين" البخاري في عشرة مواضع، ومسلم في الإيمان والأشربة "من حديث ابن عباس, قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ ، فقال: "ممن القوم"؟ " وفي رواية: "من القوم"، أو الوفد بالشك من الراوي، "قالوا: من ربيعة" كذا للبخاري في الصلاة، وله في الإيمان: ربيعة بإسقاط من, قال الحافظ فيه: التعبير عن البعض بالكل؛ لأنهم بعض ربيعة، وهذا من بعض الرواة، فللبخاري في الصلاة، فقالوا: إن هذا الحي من ربيعة.
قال ابن الصلاح: الحي منصوب على الاختصاص, والمعنى: إن هذا الحي حي من ربيعة، "قال: "مرحبًا بالوفد" منصوب بفعل مضمر، أي: صادفت رحبًا -بضم الراء، أي: سعة، والرحب -بالفتح: الشيء الواسع, وقد يزيدون معها أهلًا، أي: وجدت أهلًا فاستأنس، وأفاد العسكري أن أول من قال مرحبًا, سيف بن ذي بزن، وفيه استحباب تأنيس القادم، وقد تكرَّر ذلك من النبي ﷺ في حدث أم هانئ، وقال لعكرمة بن أبي جهل: "مرحبًا بالراكب المهاجر"، وفي قصة فاطمة: "مرحبًا بابنتي"، وكلها صحيحة.
وأخرج النسائي عن عاصم بن بشير الحارثي عن أبيه, أن النبي ﷺ قال له لما دخل فسلم عليه: "مرحبًا, وعليك السلام غير خزايا" بنصبه حالًا، وروي بجره صفة، والمعروف الأوّل، قاله النووي، وأيضًا: فيلزم منه وصف المعرفة بالنكرة, إلّا أن تجعل أل للجنس كقوله:
ولقد أمرّ على اللئيم يسبني
والأولى: أن يكون الخفض على البدل, قاله الأبي.
قال الحافظ: ويؤيد النصب رواية البخاري في الأدب: "مرحبًا بالوفد الذين جاءوا غير خزايا" جمع خزيان، أي: غير أذلاء، أو غير مستحيين لقدومكم مسلمين طوعًا من غير حرب، أو سبي بخزيهم ويفضحهم، "ولا ندامى" جمع نادم على غير قياس، اتباعًا لخزايا للمشاكلة والتحسين، كما قالوا: العشايا والغدايا، وغداة جمعها غدوات, لكنه اتبع فاصلة نادمين، جمع نادم؛ لأن ندامىстр. 2366
فقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل، نأخذ به ونأمر به من وراءنا، وندخل به الجنة.
الحواشي
(١) إنما هو جمع ندمان، أي: المنادم في اللهو، قال الشاعر:
فإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني
كذا قاله الخطابي, قال الحافظ: وقد حكى القزاز والجوهري وغيرهما من أهل اللغة: إنه يقال: نادم وندمان في الندامة، بمعنى: فعلى هذا, فهو على الأصل، ولا اتباع فيه، وللنسائي والطبراني: رحبًا بالوفد ليس الخزايا، ولا النادمين.
قال ابن أبي جمرة: بشَّرهم بالخير عاجلًا وآجلًا؛ لأن الندامة إنما تكون في العاقبة، فإذا انتفت ثبت ضدها، وفيه جواز الثناء على الإنسان في وجهه إذا أُمِنَ عليه الفتنة، "فقالوا: يا رسول الله, إن بيننا وبينك هذا الحي من كفَّار مضر" -بضم الميم وفتح المعجمة, لا ينصرف للعلمية والتأنيث، "وإنا لا نصل إليك إلّا في شهر حرام" بتنكيرهما، فهو شامل للأربعة، ويؤيده رواية البخاري في المناقب: إلّا في كل شهر حرام، وقيل: المراد المعهود: وهو رجب, وبه صرح في رواية البيهقي، وكانت مضر تبالغ في تعظيمه، فلذا أضيف إليهم في حديث أبي بكرة؛ حيث قال: "رجب مضر" , والظاهر أنهم كانوا يخصونه بمزيد التعظيم مع تحريم القتال في الأشهر الثلاثة الأخرى، إلّا أنهم ربما أنسوها بخلافه.
وللبخاري في العلم: وإنا نأتيك من شُقَّةٍ بعيدة. قال ابن قتيبة: الشقة: السفر، وقال الزجاج: هي الغاية التي تقصد، "فمرنا" أصله أؤمرنا -بهمزتين, من أمر يأمر، فحذفت الهمزة الأصلية للاستثقال، فصا أمرنا، فاستغني عن همزة الوصل فحذفت، فبقي مُرْ على وزن عل؛ لأنَّ المحذوف فاء الفعل "بأمر فصل" بصاد مهملة وبالتنوين فيهما، لا بالإضافة بمعنى الفاصل كالعدل بمعنى العادل، أي: يفصل بين الحق والباطل، أو بمعنى المفصل، أي: المبيّن المكشوف. حكاه الطيبي.
وقال الخطابي: الفصل البيّن، وقيل: المحكم, "نأخذ به ونأمر به من" أي: الذي استقرَّ "وراءنا" أي: خلفنا من قومنا الذين خلفناهم في بلادهم، "وندخل به الجنة" إذا قبل برحمة الله.
ولفظ البخاري في الإيمان: نخبر به من وراءنا، بدل نأمر به، وإسقاط نأخذ به, قال الحافظ: نخبر بالرفع على الصفة لأمر، وكذا قوله: وندخل، وروي بالجزم فيها على أنه جواب الأمر، وسقطت الواو من: وندخل, في بعض الروايات، فيرفع نخبر، ويجزم ندخل.
قال ابن أبي جمرة: فيه إبداء العذر عند العجز عن توفية الحق واجبًا كان، أو مندوبًا وأنهстр. 2367
قال: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع، آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس، وأنهاكم عن أربع: عن الدباء والحنتم والنقير والمزفت،
الحواشي
(١) يبدأ بالسؤال عن الأهمّ، وأن الأعمال الصالحة تدخل الجنة إذا قبلت، وقبولها برحمة الله، وللبخاري في رواية: وسألوه عن الأشربة، أي: عن ظروفها على حذف مضاف، أو على حذف الصفة، أي: التي تكون في الأواني المختلفة، "قال: "آمركم بأربع" أي: بأربع خصال، أو جمل, لقولهم: حدثنا بجمل من الأمر، وهي رواية البخاري في المغازي, "وأنهاكم عن أربع, آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده"، قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: هذا أسقطه المصنف من لفظ الحديث في الصحيحين سهوًا، أو من الكاتب, "شهادة أن لا إله إلا الله" برفع شهادة خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، ويجوز جره على البدلية، "وأن محمدًا رسول الله".
وهذه رواية البخاري في العلم والصلاة, وسقطت الجملة الثانية من الإيمان؛ لأن الأولى صارت علمًا عليهما معًا، "وإقام الصلاة" المفروضة، "وإيتاء الزكاة" المعهودة، "صوم رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس" بضم الخاء -كما في التنزيل.
وذكر جواب سؤالهم عن الأشربة بقوله: "وأنهاكم عن أربع: عن الدباء" بضم المهملة وشد الموحدة والمد، وحكى الفزار: القصر هو الفرع، والمراد منه اليابس، وهو والثلاثة بعده من إطلاق المحلّ وإرادة الحال، أي: ما في الدباء, "والحنتم" , وصرَّح بالمراد في رواية النسائي، فقال: "وأنهاكم عن أربع: ما يبنذ في الحنتم" بفتح المهملة، وسكون النون وفتح الفوقية, هي الجرة، كما فسرها ابن عمر في مسلم، وله عن أبي هريرة: الحنتم: الجرار الخضر.
وروى الحربي عن عطاء: إنها جرار كانت تعمل من طين وشعر وأدم, "والنقير" بفتح النون وكسر القاف, أصل النخلة تنقر ليتخذ منه وعاء.
وفي البخاري: وربما قال: المقير -بالقاف وفتح التحتية المشددة: ما طُلِيَ بالقار، ويقال له: القير، وهو نبت يحرق إذا يبس يُطْلَى به السفن وغيرها كما يطلى بالزفت, قاله في المحكم, "والمزفت" بالزاي والفاء: ما طلي بالزفت.
وفي مسند أبي داود الطيالسي عن أبي بكرة، قال: أمَّا الدباء: فإن أهل الطائف كانوا يأخذون القرع، فيخطرون فيه العنب، ثم يدفنونه حتى يهدر، ثم تموت، وأما النقير: فإن أهل اليمامة كانوا ينقرون أصل النخلة، ثم ينبذون الرطب والبسر، ثم يدعونه حتى يهدر، ثم تموت، وأما الحنتم: فجرار كانت تحمل إلينا فيها الخمر، وأما المزفت، فهذه الأوعية التي فيها الزفت.стр. 2368
فاحفظوهنَّ وادعوا إليهنَّ من وراءكم".
قال ابن القيم: ففي هذه القصة أن الإيمان بالله مجموع هذه الخصال من القول والعمل، كما على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون موتابعوهم كلهم، ذكر ذلك الشافعي في المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعد الحج من هذه الخصال، وقد كان قدومهم في سنة تسع، وهذا أحد ما يحتج به على أنَّ الحج لم يكن فُرِضَ بعد، وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فرض لعدَّه من الإيمان كما عَدَّ الصوم والزكاة. انتهى.
الحواشي
(١) قال الحافظ: وإسناده حسن، وتفسير الصحابي أَوْلَى أن يعتمد عليه من غيره؛ لأنه أعلم بالمراد، ومعنى النهي عن الانتباذ في هذه الأوعية بخصوصها؛ لأنه يسرع إليها الإسكار، فربما يشرب منها من لا يشعر بذلك، ثم ثبتت الرخصة في الانتباذ في كلِّ وعاء مع النهي عن شرب كل مسكر أ. هـ، يعني في صحيح مسلم مرفوعًا: "كنت نهيتكم عن الانتباذ إلّا في الأسقية، فانتبذوا في كل وعاء، ولا تشربوا مسكرًا، فاحفظوهنَّ وادعو إليهنَّ".
وفي رواية: وأخبروا بهنَّ "من" بفتح الميم "وراءكم" يشمل من جاءوا من عندهم، وهو باعتبار المكان، ويشتمل من يحدث لهم من الأولاد وغيرهم، وهذا باعتبار الزمان، فيحتمل إعمالها في المعنيين معًا حقيقة ومجازًا. قاله الحافظ.
"قال ابن القيم: ففي هذه القصة أنَّ الإيمان بالله مجموع هذه الخصال من القول" وهو الشهادتان "والعمل" وهو ما بعدهما، "كما على ذلك أصحاب رسول الله ﷺ والتابعون، وتابعوهم كلهم" وأرادو بذلك أن الأعمال شرط كمال، وثَمَّ سبعة أقوال أُخَر، فصَّلَها المصنف في شرح البخاري، "ذكر ذلك" الذي بيناه، وفي نسخة كما ذكره "الشافعي في المبسوط، وعلى ذلك ما يقارب مائة دليل من الكتاب والسنة، ولم يعدّ الحج من هذه الخصال، وقد كان قدومهم في سنة تسع" إذ هي سنة الوفود، "وهذا أحد ما يحتج به على أن الحج لم يكن فرض بعد" أي: الآن، "وأنه إنما فرض في العاشرة، ولو كان فرض لعده من الإيمان، كما عدَّ الصوم والزكاة. انتهى" كلام ابن القيم.
قال الحافظ: وأما قول من قال: ترك الحج لكونه على التراخي فليس بجيد؛ لأنه لا يمنع من الأمر به، وكذا من قال لشهرته عندهم ليس بقوي؛ لأنه عند غيرهم ممن ذكره لهم أشهر منه عندهم، وكذا القول بأنه تركه؛ لأنهم لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر ليس بمستقيم؛ لأنه لا يلزم من عدم الاستطاعة في الحال ترك الإخبار به ليعمل به عند الإمكان، كما في الآية،стр. 2369
وقد كان لعبد القيس وفدتان:
إحداهما: قبل الفتح، ولهذا قالوا له ﵊: حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديمًا، إمَّا في سنة خمس أو قبلها، وكانت قريتهم بالبحرين، وكان عدد الوفد الأوَّل ثلاثة عشر رجلًا، وقيل: كانوا أربعة عشر راكبًا،
الحواشي
(١) بل دعوى أنهم لا سبيل لهم إلى الحج ممنوعة؛ لأنه يقع في الأشهر الحرم، وقد ذكروا أنهم يأمنون فيها، لكن يمكن أن يقال إنما أخبرهم بعض الأوامر، لكونهم سألوا أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكن فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجميع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أنَّ في المناهي ما هو أشد تحريمًا من الانتباذ، لكن اقتصر عليها لكثرة تعاطيهم لها، وزيادة أبي قلابة الحج بلفظ: وتحجوا البيت الحرام، أخرجه البيهقي شاذة، وقد أخرجه الشيخان ومن استخرج عليهما، والنسائي، وابن خزيمة، وابن حبان من طريق شيخ أبي قلابة، فلم يذكر أحد منهم الحج، وأبو قلابة تغيِّر حفظه في آخر أمره، فلعلَّ هذا مما حدَّث به في التغيّر، لكن هذا بالنسبة لرواية أبي جمرة -بجيم وراء- عن ابن عباس.
وقد روى أحمد من طريق سعيد بن المسيب وعكرمة عن ابن عباس، ذكر الحج في قصة وفد عبد القيس، فإن كان محفوظًا، فالمراد بالأربع ما عدا الشهادتين وأداء الخمس، "وقد كان لعبد القيس وفدتان، إحداهما قبل الفتح، ولهذا قالوا له ﵊: حال بيننا وبينك كفار مضر، وكان ذلك قديمًا، إمَّا في سنة خمس" من الهجرة "أو قبلها" وكان سبب ذلك أن منقذ -بميم مضمومة، ونون ساكنة وقاف مكسورة. ابن حبان -بفتح المهملة والموحدة، كان متجره إلى المدينة، فمرَّ به ﷺ ، وهو قاعد، فنهض إليه منقذ، فقال ﵊: "كيف قومك"؟ ثم سأله عن أشرافهم رجل رجل بأسمائهم، فأسلم منقذ، وتعلّم الفاتحة وسورة اقرأ، وكتب ﵊ لجماعة عبد القيس كتابًا، فلمَّا دخل على قومه كتمه أيامًا، وكان يصلي، فقالت زوجته لأبيها المنذر بن عائذ، وهو الأشجّ: إني أنكرت فعل بعلي منذ قدم من يثرب، إنه ليغسل أطرافه، ثم يستقبل الكعبة، فيحني ظهره مرّة، ويضع جبينه إلى الأرض أخرى، فاجتمعا فتجاريا ذلك، فوقع الإسلام في قلبه، ثم أخذ المنذر كتابه ﵊، وذهب إلى قومه، فقرأه عليهم، فأسلموا، وأجمعوا المسير إلى رسول الله ﷺ ، كذا ذكر الكرماني، "وكانت قريتهم بالبحرين" أول قرية أقيمت فيها الجمعة بعد المدينة، كما يأتي، "وكان عدد الوفد الأوّل ثلاثة عشر رجلًا" كما رواه البيهي وغيره "وقيل: كانوا أربعة عشر راكبًا" كما جزم به القرطبي والنووي, وهم: المنذر بن عائذ، وهو الأشج، ومنقذ بن حبان،стр. 2370
وفيها سألوه عن الإيمان، وعن الأشربة، وكان فيهم الأشج، وكان كبيرهم، وقال له ﵊: "إن فيك خصلتين يحبهما الله: الحلم والأناءة" رواه مسلم من حديث أبي سعيد.
وأخرج البيهقي: قال: بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه قال: "سيطلع عليكم من.
الحواشي
(١) ومزيدة بن مالك، وهو بميم وزاي بوزن كبيرة، وعمرو بن رحوم، والحارث بن شبيب، وعبيدة بن همام، والحارث بن جندب وصحار -بضم الصادر وبالحاء المهملتين- ابن العباس، وعقبة بن حروة، وقيس بن النعمان، والجهم بن قثم، وجويرة العبدي، ورستم العبدي، والزراع بن عامر. انتهى ملخصًا من الفتح، "وفيها سألوه عن الإيمان وعن الأشربة" على حذف مضاف، أي: عن ظروفها، أو حذف الصفة، أي: التي تكون في الأواني المختلفة، "وكان فيهم الأشج" -بهمزة فشين معجمة مفتوحتين فجيم، واسمه: المنذر بن عائذ -بمهملة وتحتية ومعجمة، سمَّاه النبي ﷺ الأشجّ لأثر كان في وجهه.
قال النووي: هذا هو الصحيح المشهور في اسمه الذي قاله ابن عبد البر والأكثرون.
وقال الكلبي: اسمه المنذر بن الحارث بن زياد بن عصر بن عوف، وقيل: اسمه المنذر بن عامل، وقيل: ابن عبيد، وقيل: اسمه عائذ بن المنذر، وقيل: عبد الله بن عوف العصري، بفتح العين والصاد المهملتين، "وكان كبيرهم" قدرًا لا ينافي الحديث الآتي، وكان أصغرهم سنًّا، "وقال له ﵊: "إن فيك لخصلتين يحبهما الله الحلم" بحاء مكسورة فلام ساكنة فميم: العقل, "والأناة" بهمزة ونون مفتوحتين، فألف، فتاء تأنيث وبالقصر: التثبت وعدم العجلة.
قال عياض: وهي تربُّصه حين نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم أنه ﷺ قال لهم: "تبايعون على أنفسكم وقومكم"؟ فقالوا: نعم، فقال الأشج: يا رسو ل الله, إنك لن تزاول الرجل على شيء أشدّ عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا، ونرسل من يدعوهم، فمن اتَّبَعنا كان منَّا، ومن أبى قتلناه، قال: "صدقت, إن فيك خصلتين.. " إلخ، فهذا يدل على صحة عقله وجودة نظره للعواقب, انتهى.
"رواه مسلم من حديث أبي سعيد" الخدري، ولا يخالف هذا النهي عن مدح الرجل في وجهه؛ لأن ما كان من النبي ﷺ وحي ولا يجوز كتمه، أو أنه علم من حاله أنه لا يلحقه من المدح إعجاب، فأخَّره بأن ذلك مما يحبه الله ليشكره على ما منحه ويزداد لزومًا له، "وأخرج البيهقي" وأبو يعلى، والطبراني بسند جيد، عن مزيد بن مالك العصري، "قال: بينما النبي ﷺ يحدث أصحابه قال: "سيطلع" بضم اللام، ولفظ الرواية: إذ قال لهم: "سيطلع عليكم منстр. 2371
ههنا ركب هم خير أهل المشرق"، فقام عمر بن الخطاب نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبًا، فبشَّرهم بقوله ﵊, ثم مشى معهم حتى أتوا النبي ﷺ ، فرموا بأنفسهم عن ركبائهم، فأخذوا يده فقبَّلوها. الحديث, وأخرجه البخاري في الأدب المفرد. فيمكن أن يكون أحد المذكورين غير راكب أو مرتدفًا.
وثانيتهما: كانت في سنة الوفود وكان عددهم حينئذ
الحواشي
(١) ههنا ركب هم خير أهل المشرق"، فقام عمر بن الخطاب نحوهم، فلقي ثلاثة عشر راكبًا" فقال من القوم؟ قالوا: من بني عبد القيس، قال: فما أقدمكم هذه البلاد ألتجارة؟ قالوا: لا، قال: أما إن النبي ﷺ قد ذكركم آنفًا فقال خيرًا.
هذا لفظ رواية البيهي وغيره، واختصره المصنِّف تبعًا للحافظ بقوله: "فبشرهم بقوله ﵊" أي: بمعنى قوله على طريق الإجمال، كما علم من لفظ الرواية، "ثم مشى معهم حتى أتوا النبي ﷺ ،" فقال عمر للقوم: هذا صاحبكم الذي تريدون، "فرموا بأنفسهم عن ركائبه" فمنهم من مشى إليه، ومنهم من هرول، ومنهم من سعى حتى أتوا النبي ﷺ ، فابتدروه القوم ولم يلبسوا إلا ثياب سفرهم.
هذا أسقطه من رواية البيهقي قبل قوله: "فأخذوا يده فقبَّلوها.. الحديث" بقيّته، وتخلّف الأشج، وهو أصغر القوم في الركاب حتى أناخها، وجمع متاع القوم، وذلك بعين رسول الله ﷺ .
وفي حديث الزراع بن عامر عند البيهقي: فجعلنا نتبادر من رواحلنا نقبِّل يد رسول الله ورجله، وانتظر المنذر الأشج حتى أتى عبئته، فلبس ثوبيه، وفي حديث عند أحمد: فأخرج الأشج ثوبين أبيضين من ثيابه فلبسهما، ثم جاء يمشي حتى أخذ بيد رسول الله ﷺ فقَبَّلَهما، وكان رجلًا دميمًا، قال: يا رسول الله, إنه لا يستقي في مسوك الرجال، إنما يحتاج من الرجل إلى أصغريه لسانه وقلبه، فقال له -صلى الله عليهوسلم: "إن فيك خلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة"، قال: يا رسول الله أنا أتخلق بهما أم الله جبلني عليهما؟ قال: "بل الله تعالى جبلك عليهما"، قال: الحمد لله الذي جبلني على خِلَّتَيْن يحبهما الله تعالى ورسوله.
وفي مسند أبي يعلى: قديمًا كان فيَّ أم حدثًا, قال: "بل قديمًا"، قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين يحبهما، "وأخرجه البخاري في الأدب المفرد" مطوّلًا من وجه آخر عن رجل من وفد عبد القيس لم يسمعه، فصرح في الحديث بأنهم ثلاثة عشر راكبًا، فيخالف القول بأنهم أربعة عشر، "فيمكن" في طريق الجمع بينهما "أن يكون أحد المذكورين غير راكب" بل راجل "أو مرتدفًا" مع واحد منهم، فلا خلف, "وثانيتهما: كانت في سنة الوفود، وكان عددهم حينئذстр. 2372
اربعين رجلًا، كما في حديث أبي خيرة الصباحي عند ابن منده.
ويؤيد التعدد: ما أخرجه من وجه آخر أنه ﵊ قال لهم: "مالي أرى ألوانكم تغيّرت"؟ ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغيّر، وفي قولهم: يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا في قولهم: كُفَّار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم.
الحواشي
(١) أربعين رجلًا".
قال الحافظ: سمى منهم في جملة أخبار زيادة على الأربعة عشر السابقين، مطر أخو الزراع وابن أخته، ولم يسم، ومسمرح السعدي.
روى ابن السكن أنه وَفَدَ مع عبد القيس، وجابر بن الحارث، وخزيمة بن عبد عمرو، وهمَّام بن ربيعة، وجارية -بجيم أوله- ابن جابر, ذكرهم ابن شاهين. ونوح بن مخلدة، وأبو خيرة، والجارود العبدي، وقد ذكر ابن إسحاق قصته، وأنه كان نصرانيًّا فأسلم وحَسُنَ إسلامه، "كما في حديث أبي خيرة" بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية فراء فهاء "الصباحي" -بضم الصاد المهملة فموحدة خفيفة فألف فحاء مهملة- نسبة إلى صباح بطن من عبد القيس، كما في الفتح.
زاد في الإصابة عن الخطيب: إنه لا يعلم أحدًا سماه "عند ابن منده" والدولابي وغيرهما، عنه قال: كنت في الوفد الذين أتوا رسول الله ﷺ من وفد عبد القيس، وكنا أربعين رجلًا نسأله عن الدباء والنقير.. الحديث، وفيه: فزودنا الأراك نستاك به، فقلنا: يا رسول الله عندنا الجريد، ولكن نقبل كرامتك وعطيتك، فقال: "اللهم اغفر لعبد القيس، أسلموا طائعين غير مكرهين، إذ قعد قوم لم يسلموا إلا خزايا موترين" , "ويؤيد التعدد ما أخرجه" ابن حبان, ما في الفتح، وبيض له المصنف "من وجه آخر؛ أنه ﵊ قال لهم: ما لي أرى ألوانكم تغيّرت، ففيه إشعار بأنه كان رآهم قبل التغير" وهذا كله على أنَّ لهما وفادتين، كما جزم به الحافظ في المغازي من فتح الباري قائلًا: إنه الذي تبيِّنَ لنا، وذكر قول المصنّف، وقد كان لعبد القيس وفادتان حتى هنا، ومشى في كتاب الإيمان على الاتحاد؛ حث جمع بين اختلاف الروايتين في عددهم، بأنه يمكن أن الثلاثة عشر كانوا رءوس الوفد، ولهذا كانوا ركبانًا، وكان الباقون أتباعًا, انتهى.
"وفي قولهم: يا رسول الله، دليل على أنهم كانوا حين المقالة مسلمين، وكذا في قولهم: كفار مضر، وقولهم: الله ورسوله أعلم" هذه عبارة الفتح، ومَرَّ أن المصنِّف أسقط ذا منстр. 2373
ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا، ما في البخاري: إن أول جمعة جمعت بعد جمعة في مسجد رسول الله ﷺ في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين، وهي قرية لهم، وإنما جمَّعوا بعد رجوع وفدهم إليهم. قال في فتح الباري: فدلَّ على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام.
وما جزم به ابن القيم من أنَّ السبب في كنه لم يذكر الحج في الحديث؛ لأنه لم يكن فرض هو المعتمد. وقد قدمت الدليل على قدم إسلامهم، لكن جزمه تبعًا للواقدي بأن قدومهم كان في سنة تسع قبل فتح مكة ليس بجيد؛ لأن
الحواشي
(١) لفظ الخبر سهوًا، أو من الناسخ، وأورد شيخنا حافظ العصر البابلي -رحمه الله تعالى؛ حيث كانوا مسلمين, فكيف يقولون جوابًا لقوله: "أتدرون ما الإيمان"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، وأجاب بأنه احتمل عندهم أن ما دخلوا به في الإسلام تغيّر لحقيقة أخرى؛ لأن الزمن كان زمن وحي، ونظيره حديث حجة الوداع: أتدرون ما هذا اليوم؟ وما هذا الشهر؟ وما هذا البلد؟ " فقالوا: الله ورسوله أعلم، مع معرفتهم أن اليوم عرفة، والشهر الحرام، والبلد مكة، "ويدل على سبقهم إلى الإسلام أيضًا ما في البخاري" في الجمعة والمغازي عن ابن عباس أنه قال: "إن أوّل جمعة جمعت" بضم الجيم وشد الميم المكسورة.
زاد في رواية أبي داود: في الإسلام "بعد جمعة" زاد البخاري في المغازي جمعت "في مسجد رسول الله ﷺ " زاد أبو داود: بالمدينة، والنسائي: بمكة، وهو خطأ بلا مرية, قاله الحافظ "في مسجد عبد القيس بجواثي من البحرين" بضم الجيم وتخفيف الواو وقد تهمز ثم مثلثه خفيفة، "وهي قرية" كما في رواية أبي داود: قرية من قرى البحرين، وفي أخرى له: من قرى عبد القيس، وحكى الجوهري والزمخشري، وابن الأثير: إن جواثي اسم حصن بالبحرين، وهذا لا ينافي كونها قرية.
وحكى ابن التين عن أبي الحسن اللخمي: أنها مدينة، وما ثبت في الحديث من كونها قرية أصح، مع احتمال أن تكون في الأوّل قرية، ثم صارت مدينة، قاله الحافظ، "وإنما جمعوا بعد رجوع وفدهم إليهم، قال في فتح الباري: فدلَّ على أنهم سبقوا جميع القرى إلى الإسلام" فيتنافى من قال: إنهم قدموا سنة تسع، فهذا مما يؤيد تعدد القدوم أيضًا، "وما جزم به ابن القيم من أن السبب في كونه لم يذكر الحج في الحديث؛ لأنه لم يكن فرض, هو المعتمد، وقد قدَّمت الدليل على قدم إسلامهم" قريبًا، "لكن جزمه تبعًا للواقدي؛ بأن قدومهم كان في سنة تسع قبل فتح مكة" صوابه: بعدلان فتحها سنة ثمان، والذي قاله الحافظ، لكن جزم القاضي عياض؛ بأن قدومهم كان سنة ثمان قبل فتح مكة، تبع فيه الواقدي "ليس بجيد، لأن فرضстр. 2374
فرض الحجّ كان سنة ست على الأصح، ولكنه اختار -كغيره- أنَّ فرض الحج في السنة العاشرة، حتى لا يرد على مذهبه أنه على الفور شيء.
وقد احتجَّ الشافعي بكونه على التراخي, بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنه ﷺ كان قادرًا على الحج في سنة ثمان، وفي سنة تسع، ولم يحجّ إلا في سنة عشر، وسيأتي في حجه ﷺ من مقصد عبادته مزيد بيان لذلك -إن شاء الله تعالى.
فإن قلت: كيف قال ﷺ : "آمركم بأربع" والمذكورات خمس؟
قلت: أجاب القاضي عبد الوهاب تبعًا لابن بطال: بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان التي هي الأربع, ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين. قال: وكذلك لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض.
الحواشي
(١) الحج كان سنة ست على الأصح" فالتحرير أنهم قدموا مرتين: مرة قبل سنة ست، ولذا لم يذكر الحج، ومرة بعدها سنة ثمان أو تسع، "ولكنَّه اختار كغيره أن فرض الحج في السنة العاشرة حتى لا يرد على مذهبه، أنه على الفور شيء" وبنى مختاره على اتخاذ القدوم، "وقد احتجَّ الشافعي بكونه على التراخي، بأن فرض الحج كان بعد الهجرة، وأنه ﷺ قادر على الحج في سنة ثمان" التي هي سنة الفتح، وولَّى على الحج فيها عتاب بن أسيد كما مَرَّ.
"وفي سنة تسع" وفيها ولَّى الصِّدِّيق على الحج، "ولم يحج إلّا في سنة عشر" فدل ذلك على التراخي، وأجاب القائلون بالفور: بأنه لم يحج في السنتين لأعذار، "وسيأتي في حجه -علي الصلاة والسلام- من مقصد عباداته مزيد بيان لذلك إن شاء الله تعالى" وقد شاء، "فإن قلت: كيف قال ﷺ : "آمركم بأربع" والمذكورات خمس، قلت: أجاب القاضي عبد الوهاب" كذا في نسخ المصنف والمذكور في الفتح القاضي فقط، ثم أفصح عنه بعد قليل بقوله: القاضي عياض، وهو الصواب لقوله: "تبعًا لابن بطال" المتوفَّى سنة أربع وأربعين وأربعمائة، وعبد الوهاب مات سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة عن ستين سنة، فهو متقدّم الوفاة على ابن بطال، فكيف يتبعه، "بأن الأربع ما عدا أداء الخمس، قال: وكأنه أراد إعلامهم بقواعد الإيمان وفروض الأعيان التي هي الأربع، ثم أعلمهم بما يلزمهم إخراجه إذا وقع لهم جهاد؛ لأنهم كانوا بصدد محاربة كفار مضر، ولم يقصد إلى ذكرها" أي: الخصلة الخامسة "بعينها؛ لأنها مسببة عن الجهاد، ولم يكن الجهاد إذ ذاك فرض عين، قال: وكذلك لم يذكر الحج؛ لأنه لم يكن فرض".стр. 2375
وقال غيره: قوله: "وأن تعطوا" معطوف على قوله: "بأربع" أي: آمركم بأربع وآمركم بأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع والإتيان: بأن والفعل، مع توجه الخطاب إليهم.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يحتمل أن يقال: إنه ﵊ عد الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب، وتكون الرابعة أداء الخمس، أو أنه لم يعد الخمس؛ لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما: إنه إخراج مال معين.
وقال البيضاوي: الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعودة بذكرها، والثلاثة الأخرى حذفها الراوي اختصارًا أو نسيانًا.
الحواشي
(١) "وقال غيره" وهو ابن الصلاح "قوله: "وأن تعطوا" معطوف على قوله: "بأربع"، أي: آمركم بأربع، وآمركم بأن تعطوا، ويدل عليه العدول عن سياق الأربع، والإتيان بأن والفعل مع توجه الخطاب إليهم".
وقد قال النووي في ذا الجواب والذي قبله: إنهما أصح الأجوبة، وتوقَّف فيهما الكرماني، بأن البخاري عقد الباب على أنَّ أداء الخمس من الإيمان، فلابُدَّ وأن يكون داخلًا تحت أجزاء الإيمان، كما أن ظاهر العطف يقتضي ذلك. انتهى، وهذا سبقه إليه ابن رشيد، وأجاب بأن المطابقة تحصل من جهة أخرى، وهي أنهم سألوه عن الأعمال التي يدخلون بها الجنة، وأجيبوا بأشياء منها: أداء الخمس والأعمال التي تدخل الجنة هي أعمال الإيمان، فيكون أداء الخمس من الإيمان بهذا التقرير، وأجاب ابن التين بأن الزيادة لا تمنع إذا حصل الوفاء بعد الأربع.
قال الحافظ: ويدل على ذلك لفظ مسلم عن أبي سعيد: "آمركم بأربع: اعبدوا الله، ولا تشركوا به شيئًا، وأقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصوموا رمضان، وأعطوا الخمس من الغنائم".
"وقال القاضي أبو بكر بن العربي: يحتمل أن يقال: إنه ﵊ عَدَّ الصلاة والزكاة واحدة؛ لأنها قرينتها في كتاب، وتكون الرابعة أداء الخمس" فلا زيادة عمَّا عدّ، "أو أنه لم يعد الخمس، لأنه داخل في عموم إيتاء الزكاة، والجامع بينهما أنه إخراج مال معين" في حال دون حال.
"وقال البيضاوي" في شرح المصابيح: "الظاهر أن الأمور الخمسة هنا تفسير للإيمان، وهو أحد الأربعة الموعود بذكرها، والثلاثة الأخرى حذفها الراوي اختصارًا، أو نسيانًا" وهذا بعيد جدًّا، لما فيه من نسبة الراوي إلى ما الأصل عدمه، ولذا قال الحافظ: ما ذكر أنه الظاهر لعله بحسب ما ظهر له، وإلا فالظاهر من السياق أن الشهادة أحد الأربع لقوله: وعقد واحدة، قال:стр. 2376
وتعقَّب بأنه وقع في صحيح البخاري أيضًا في رواية: "آمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله" وعقد واحدة" فدلَّ على أن الشهادة إحدى الأربع.
وقال القرطبي: قيل إن أوّل الأربع المأمور بها: إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تركبًا، وإلى هذا نحا الطيبي، فقال: عادة البلغاء أنَّ الكلام إذا كان منصوبًا لغرض جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه، وهنا لم يكن الغرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرِّين بكلمتي الشهادة، ولكن ربما كانوا يظنون الإيمان مقصور عليهما كما كان الأمر في صدر الإسلام. قال: ولهذا لم
الحواشي
(١) وكأنه أراد أن يرفع إشكال كون الإيمان واحدًا، والموعود بذكره أربع، وقد أجيب عن ذلك؛ بأنه باعتبار أجزائه المنفصلة أربع، وهو في ذاته واحد، والمعنى: إنه اسم جامع للخصال الأربع التي ذكر أنه يأمرهم بها، ثم فَسَّرها، فهو واحد بالنوع متعدد بحسب وظائفه، كما أن المنهي عنه وهو الانتباذ فيما يسرع إليه الإسكار واحد بالنوع متعدِّد بحسب أوعيته، والحكمة في الإجمال بالعدد قبل التفسير أن تتشوَّق النفس إلى التفصيل، ثم تسكن إليه، وأن يتحصَّل حفظها للسامع، فإذا نسي شيئًا من تفاصيلها طلب نفسه بالعدد، فإذا لم يستوف العدد الذي في حفظه علم أنه قد فاته بعض ما سمع. انتهى، فاختصره المصنّف بقوله: "وتعقَّب بأنه وقع في صحيح البخاري أيضًا في رواية" له في المغازي: "آمركم بأربع: شهادة أن لا إله إلا الله، وعقد واحدة" , وعنده في فرض الخمس، وعقد بيده، "فدلَّ على أن الشهادة إحدى الأربع", وأمَّا ما وقع عند البخاري في الزكاة من زيادة واو في قوله: "وشهادة أن لا إله إلا الله"، فهي زيادة شاذّة لم يتابع أحد عليها، راويها حجَّاج بن منهال، ومما يدل أيضًا على أنه عد الشهادتين من الأربع، رواية البخاري في المواقيت بلفظ: "آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع"، ثم فسرها لهم: "شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله"؛ لأنه أعاد الضمير في قوله، فسرها مؤنثًا، فيعود على الأربع، ولو أراد تفسير الإيمان لأعاده مذكرًا، قاله الحافظ.
"وقال القرطبي:" أبو العباس في المفهم على مسلم، "قيل" في الجواب عن الإشكال: "إن أول الأربع المأمور بها إقام الصلاة، وإنما ذكر الشهادتين تبركًا،" كما قيل في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] "وإلى هذا نحا الطيبي، فقال: عادة البلغاء أنَّ الكلام إذا كان منصوبًا" أي: مسوقًا "لغرض, جعلوا سياقه له، وطرحوا ما عداه" وإن ذكروه، "وهنا لم يكن الفرض في الإيراد ذكر الشهادتين؛ لأن القوم كانوا مؤمنين مقرين بكلمتي الشهادة،" فلم يقصدا بالذكر، بل ذكرًا تبركًا، "ولكن ربما كانوا يظنون أن الإيمان مقصور عليهما، كما كان الأمر في صدر الإسلام، قال: ولهذا لم يعد الشهادتين فيстр. 2377
بعد الشهادتين في الأوامر، انتهى ملخصًا من فتح الباري.
الحواشي
(١) الأوامر،" قيل: ويَرُدُّ على هذا الإتيان بحرف العطف، فيحتاج إلى تقدير.
قال ابن العربي: لولا وجود حرف العطف لقلنا: إن ذكر الشهادتين ورد على سبيل التصديق، لكن يمكن أن يقرأ قوله: "وإقام الصلاة" بالخفضِ، فيكون عطفًا على قوله: "آمركم بأربع" مصدرًا به وبشرطه من الشهادتين، وآمركم بإقام الصلاة إلى آخره.
قال: ويؤيد هذا حذفها في رواية البخاري في الأد، "انتهى" جميع ما ذكره "ملخصًا من فتح الباري" في كتابي الإيمان والمغازي، إلّا ما نقله عن ابن القيم، فليس فيه، والله أعلم.стр. 2378
الوفد الخامس: وفد بني حنيفة
وقدم عليه ﵊ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذّاب، فكان منزلهم في دار امرأة من الأنصار، من بني النجار،
الحواشي
(١) "الوفد الخامس":
"وقد عليه ﵊ وفد بني حنيفة" قبيلة كبيرة ينزلون اليمامة، بين مكة واليمن، ينسبون إلى جَدِّهم حنيفة بن لجيم -بالجيم- ابن صعب بن علي بن بكر بن وائل.
ذكر الواقدي: إنهم كانوا سبعة عشر، "فيهم مسيلمة الكذاب" بكسر اللام مصغرًا- ابن ثمامة بن كبير-بموحدة- ابن حبيب من بني حنيفة، وزعم وثيمة في كتاب الردة أنَّ مسيلمة لقب، واسمه: ثمامة, وفيه نظر؛ لأن كنيته أبو ثمامة، فإن كان محفوظًا، فيكون ممن توافقت كنيته واسمه، "فكان منزلهم" -بفتح الميم والزاي- مصدر ميمي، أي: نزولهم مضاف لفاعله، ويجوز ضم الميم مع فتح الزاي أيضًا من إضافة المصدر لمفعوله، فيفيد أن النبي أو أحد من صحبه أمر بإنزالهم، وقد ضبط البرهان الزاي بالفتح، وسكت عن الميم، فيحتمل الضبطين، وأمَّا كسر الزاي مع فتح الميم اسم للموضع، في أنه ليس مرادًا هنا لإيهامه موضعًا معينًا من الدار، مع أنَّ المراد مجرَّد النزول دون تعيين محل, "في دار امرأة من الأنصار من بني النجار" هي كما قاله الحافظ: رملة بنت الحدث -بدال بعد الحاء المهملة، لا براء قبلها ألف- كما عند ابن سعد وغيره، والحدث: هو ابن ثعلبة بن الحارث بن زيد, الأنصارية النجارية، كانت دارها دار الوفود، وهي صحابية, زوجة معاذ بن عفراء، وأما كيسة -بكاف فتحتية مشددة فمهملة- بنت الحارث بن كيرز -بضم الكاف- ابن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فكانت زوجًا لمسيلمة، ولم تكن إذ ذاك بالمدينة, وإنما كانت باليمامة، فلمَّا قتل مسيلمة تزوَّجها ابن عمها عبد الله بن عامر بن كريز، ذكر ذلك الدارقطني، وتبعه ابن ماكولا، فلا يصحّ تفسير المرأة بها، كما فعلстр. 2379
فأتو بمسيلمة إلى رسول الله ﷺ يستر بالثياب، ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، في يده عسيب من سعف النخل، فلمَّا انتهى إلى رسول الله ﷺ وهم يسترونه بالثياب -كلَّمه وسأله، فقال له رسول الله ﷺ : "لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك".
وذكر حديثه ابن إسحاق على غير ذلك, فقال: حدَّثني شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة: أنَّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ وخلَّفوا مسيلمة في رحالهم، فلمَّا أسلموا ذكروا له مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خَلَّفنا صاحبنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله ﷺ بما أمر به للقوم، وقال لهم: إنه ليس بشركم مكانًا، يعني: لحفظه ضيقة أصحابه،
الحواشي
(١) السهيلي؛ لأنها قرشية عبشمية، وقد قال في الرواية: امرأة من الأنصار، انتهى ملخصًا من الفتح، ومقدمته "فأتوا" كما ذكره ابن إسحاق عن بعض علمائه "بمسيلمة إلى رسول الله ﷺ يستر بالثيا" إكرامًا له وتعظيمًا، ولعلّ ذلك عادتهم فيمن يعظّمونه، وقد كان أمره عند قومه كبيرًا، فكانوا يقولون له: رحمن اليمامة، قبل مولد عبد الله والد النبي ﷺ ، ولما سمعت قريش البسملة قال قائلهم: دق فوك، إنما يذكر مسيلمة رحمن اليمامة، قتل مسيلمة وهو ابن ائة وخمسين سنة، ذكره السهيلي, "ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه في يده عسيب" بفتح العين وكسر السين المهملتين. "من سعف النخل" في رأسه خويصات، كما في السيرة، وفي المصباح: السعف: أغصان النخل ما دامت بالخوص، فإذا زال عنها قيل لها: جريدة, الواحدة سعفة مثل قصب وقصبة، فتفسير النور عسيب بالجريدة توهّم أنه لا خوص بها، وليس بمراد لما علم، "فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ ، وهم يسترونه بالثياب، كلَّمه وسأله" أن يجعل له الأمر من بعده، كما هو لفظ حديث الصحيحين الآتي, وأن يشركه معه في النبؤة، "فقال له رسول الله ﷺ : "لو سألتني هذا العسيب الذي في يدي ما أعطيتك" مبالغة في منعه عن سؤاله ما لا يكون له، "وذكر حديثه ابن إسحاق على غير ذلك، فقال" بعدما أورد هذا أوّلًا عن بعض علمائه: وقد "حدثني شيخ من أهل اليمامة من بني حنيفة" أن حديثه كان على غير هذا، زعم "أنَّ وفد بني حنيفة أتوا رسول الله ﷺ ، وخلَّفوا مسيلمة في رحالهم، فلمَّا أسلموا ذكروا له مكانه" أي: محله، "فقالوا: يا رسول الله, إنا قد خلفنا صاحبنا في رحالنا وركابنا يحفظها لنا، فأمر له رسول الله ﷺ بما أمر به للقوم" وهو خمس آواقٍ فضة لكل واحد، "وقال لهم: "إنه ليس بشركم مكانًا" يعني: " أنه قصد معكم معروفًا "لحفظه ضيعة أصحابه" بفتح الضاد، وإسكانстр. 2380
ثم انصرفوا، فلمَّا قدموا اليمامة ارتدَّ -عدوّ الله- وتنبَّأ وقال: إني أشركت في الأمر معه، ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن:
لقد أنعم الله على الحبلى، أخرج منها نسمة تسعى, من بين صفاق وحشي.
وسجع اللعين على سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] ، فقال: إنا أعطيناك الجواهر، فصل لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر. وفي رواية: إنا أعطيناك الجماهر, فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو تكاثر، وفي رواية: إنا أعطيناك الكواثر, فصل لربك وبادر, في الليالي الغوادر.
الحواشي
(١) التحتية ومهملة، المراد بها هنا ظهرهم وحوائجهم، وإن كانت في الأصل العقار، "ثم انصرفوا، فلمَّا قدموا اليمامة ارتدَّ عدوَّ الله" ظاهره أنه كان أسلم "وتنبأ" ادَّعى النبوَّة، "وقال: إني أشركت" -بضم الهمزة مبني للمفعول "في الأمر معه"، وبقية هذه الرواية في ابن إسحاق، وقال لوفده الذين كانوا معه: ألم يقل لكم: إنه ليس بشركم مكانًا، ما ذاك إلا لما يعلم أني أشركت في الأمر معه، "ثم جعل يسجع السجعات، فيقول لهم فيما يقول مضاهاة للقرآن" أي: مشاكلة, تقول: ضاهات فلانًا، وضاهيته بالهمزة وتركه, بهما قرئ: "يضاهون قول الذين كفروا" قراءة عاصم بالهمز وكسر الهاء، والباقون بضم الهاء بلا همز: "لقد أنعم الله على الحبلى" عام في كل امرأة وبهيمة تلد، وقيل: مختص بالآدميات، فغيرهم من بهائم وشجر، يقال: حمل بالميم، "أخرج منها نسمة" بفتح السين- روحًا "تسعى" تمشي "من بين صفاق" بكسر المهملة، وخفة الفاء، فألف، فقاف- الجلد الأسفل الذي تحت الجلد الذي عليه الشعر، أو ما بين الجلد والمصران، أو جلد البطن كله، كما في القاموس "وحشى" بالقصر- المعي والجمع أحشاء، مثل عنب وأعناب، "وسجع" كمنع, نطق بكلام له فواصل، فهو ساجع، والسجع الكلام المقفَّى، أو موالاة الكلام على روي, جمعه أسجاع، كما في القاموس في فصل السين من باب العين المهملتين "اللعين على سورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١] "فقال: إنا أعطيناك الجواهر"، فظنَّ اللعين المخذول أن الجواهر تعادل الكوثر، فجهل اللغة العربية أن الكوثر الخير الكثير، "فصلِّ لربك وهاجر، إن مبغضك رجل فاجر" ليت شعري ما الذي جاء به، فإنه أخذ لفظ القرآن، وحرَّف الكلم عن مواضعه، أبدل شانئك بمبغضك، ولكونه هو الفاجر، أتى الفجور في لسانه، وصرف عن الإتيان بما يفيد الحصر.
"وفي رواية: إنا أعطيناك الجماهر، فخذ لنفسك وبادر، واحذر أن تحرص أو تكاثر" بمثلثة، أو موحدة.
"وفي رواية: إنا أعطيناك الكواثر، فصل لربك وبادر، في الليالي الغوادر،" أي: المظلمة،стр. 2381
ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل مقصد معجزاته ﵊ من تسجيع مسيلمة الركيك زيادةً على ما ذكرته هنا إن شاء الله.
وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة وادعى أنها معجزة له، فافتضح بنحو ما ذكر: أن النوشادر إذا ضرب في خل الخمر ضربًا جيدًا، وتجعل فيه بيضة بنت يومها يومًا وليلة فإنها تمتد كالخيط، فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد.
ولما سمع اللعين أن النبي ﷺ مسح رأس صبيّ كان ألمَّ به داء فشفي في الوقت, ومج في عين بئر فكثر ماؤها، وتفل في عين علي -وكان أرمد- فبرأ, فتفل في بئر فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها وييس ضرعها، ولله در الشقراطيسي حيث يقول -يخاطب النبي ﷺ :
أعجزت بالوحي
الحواشي
(١) "ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل مقصد معجزاته ﵊" وهو الرابع "من تسجيع مسيلمة الركيك، زيادة على ما ذكرته هنا إن شاء الله، وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة".
وفي الروض، يقال: إنه أوَّل من فعل ذلك، وأوَّل من وصل جناح الطائر المقصوص، "وادَّعى أنها معجزة، فافتضح بنحو ما ذكر: إن النوشادر" بضم النون، وكسر الدال المهملة، وآخره راء. "إذا ضرب في خلّ الخمر ضربًا جيدًا، وتجعل فيه بيضة بنت يومها يومًا وليلة، فإنها تمتد كالخيط، فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد، فإنها تجمد" بضم الميم، "ولما سمع اللعين أن النبي ﷺ مسح رأس صبي كان ألَمَّ" بالفتح والتثقيل, نزل "به داء فشفي في الوقت" كذا في نسخ، وفي غالبها إسقاطها، والاقتصار على أن النبي مَجَّ، ويدل عليه أنه لم يذكر نظيرها، "ومجَّ في عين بئر فكثر ماؤها، وتفل في عين عليٍّ وكان أرمد فبرأ" بفتح الراء أكثر من كسرها. "فتفل" جواب لما اقترن بالفاء، على قلة "في بئر فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها" لبنها، "ويبس ضرعها،" ولم يذكر نظير الأولى، وقد ذكرها في الروض, وقال: ومسح رأس صبي فقرع قرعًا فاحشًا، "ولله در الشقراطيسي؛ حيث يقول -يخاطب النبي ﷺ " في قصيدته الطنانة التي قدم المصنف منها في الفتح، وقبله المولد "أعجزت بالوحي" القرآن؛ لأن الله أطلقه عليه في قوله: إن هو إلا وحيстр. 2382
............ أرباب البلاغة في ... عصر البيان فضلَّت أوجه الحيل
سألتهم سورة في مثل حكمته ... فتلَّهم عنه حين العجز حين تُلي
فرام رجس كذوب أن يعارضه ... بعي غي فلم يحسن ولم يطل
مثبج بركيك الإفك ملتبس ... ملجلج بزري الزور والخطل
يمج أول حرف سمع سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل
كأنه منطق الورهاء شذَّ به ... لبس من الخبل أو مسّ من الخبل
الحواشي
(١) يوحى "أرباب" جمع رب، أي: ملوك "البلاغة في عصر" زمان "البيان" هو والبلاغة والفصاحة متقاربة بمعنى, "فضلّت" ضاعت وهلكت "أوجه الحيل", فلم يقدروا على حيلة يدفعوه بها، "سألتهم سورة في مثل حكمته" وفي نسخة محكمه، ولو أبدل في بمن لوافق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآية, "فتلهم". بفوقية وشد اللام. صرعهم "عنه حين". بفتح فسكون. هلاك "العجز حين تلي" قرئ "فرام" طلب بالفاء، وفي نسخة بالواو، والأُولَى أحسن "رجس" قذر "كذوب" يعني: مسيلمة، جعله رجسًا مبالغة في ذمه، أو على حذف مضاف، أي: ذو رجس "أن يعارضه" أي: القرآن "بعي" بمهملة. ضعف نطق، وانقطاعه "غي" بمعجمة، أي: ضلالة وخيبة.
وفي نسخة: بسخف إفك، أي: رقة عقل، والإفك: الكذب وإضافة السخف إليه على معنى، أن كذبه الذي أتى به سخيف واهٍ، "فلم يحسن" عن الغي، أو سخف الإفك، "ولم يطل" أي: يمتد من طال.
وفي نسخة: بضم حرفي المضارعة من أحسن وأطال، والواو وفي ولم يطل للحال، أي: والحال أنه فقد كلامه صفة الحسن على قصره عيًّا منه وغباوة "مثبج" بمثلثة، فموحدة، فجيم مبهم: لم يبين، أو مضطرب فاسد المعاني، "بركيك الإفك" ضعيف الكذب، قليل الفائدة, "ملتبس" مختلط مشتبه، متعلق بركيك الإفك، أي: مع فساد، معناه: قد اختلط بإفك ركيك "ملجلج" مردد غير مفصح به "بزري" بالزاي قبل الراء، أي: حقير "الزور" الكذب "والخطل" المنطق الفاحش، ثم يجوز الرفع على أنها أخبار لمحذوف، أي: الذي أتى به مثبج، والجر صفة لما قبله "يمج" يطرح ويلقى "أوَّل حرف سمع سامعه، ويعتريه" يصيبه "كلال" تعب "العجز" عن سماعه، "والملل" منه لرذالته وقبحه، "كأنه منطق الورهاء،" المرأة الحمقاء، "شذبه" خلطه، فشذب فعل ماض، والهاء ضمير المفعول، أي: خلط "لبس" اختلاط "من الخبل" بالسكون. الفساد، "أو مس من الخبل" -بالفتح الجنون والمسّ: الجنون أيضًا، والمعنى: قطع ذلك الكلام وفرقه، فلم يلتئم تخليطه، ويروى شذبه كصد، وبه جار ومجرور فلبس، أما فاعلстр. 2383
أمرت البئر واغورت لمحبته ... فيها وأعمى بصير العين بالتفل
وأيبس الضرع منه شؤم راحته ... من بعد إرسال رسل منه منهمل
فشبَّه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة بكلام امرأة ورهاء، وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام مشذّب -أي مختلط- لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بضعًا؛ ككلام من به خبل -بسكون الموحدة, أي: فساد، أو مسّ من الخبل -بفتحها- أي جنون.
ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحلَّ لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي.
وقد كان كتب لرسول الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أشركت معك الأوامر، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر.
الحواشي
(١) شذا ومبتدأ وخبره المتقدم عليه، أي: به لبس، أي: إنه وإن أشبه منطق الورهاء إلّا أنه شاذ بالنسبة إليه "أمرت البئر واغورت" أي: غار ماؤها "لمحبته فيها، وأعمى بصير العين بالتفل" بتحريك الفاء الساكنة للوزن، فتفل من بابي ضرب ونصر, "وأيبس الضرع منه شؤم" ضد اليُمن "راحته" كفه "من بعد إرسال رسل" لبن "منه منهمل" مُنْصَبّ جارٍ، "فشبَّه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة" القرآن "بكلام امرأة ورهاء، وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام مشذب، أي: مختلط لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضًا، ككلام من به خبل -بسكون الموحدة، أي: فسادًا، ومس من الخبل- بفتحها، أي: جنون" وهذا على الرواية المشهورة: إن شذَب فعل ماض اتصل به ضمير المفعول، كما مَرَّ وروي شذبه، واعتمده مخمس القصيدة إذ قال:
مسيلم هو هذا هل سمعت به ... سحقًا له من لعين في تكذبه
وما إليه دعا من سوء مذهبه ... كأنه منطق الورهاء شذبه
"ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحلَّ لهم الخمر والزنا" ترغيبًا لهم في اتباعه، فأباح لهم ما يشتهون، "وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي" مشارك له في النبوة، فهذا من جملة سخافة عقله؛ إذ النبي لا يبيح المحرمات، "وقد كان كتب لرسول الله ﷺ ،" لما ادَّعى النبوة سنة عشر، "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أمَّا بعد فإني أشركت" بضم الهمزة. "معك في الأوامر،" يعني: النبوة، "وأن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر"стр. 2384
فقدم عليه ﷺ بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله ﷺ : ِ "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".
وفي الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل
الحواشي
(١) الذي في ابن إسحاق، بلفظ: نصف الأرض في الموضعين، وزاد، ولكن قريشًا يعتدون، "فقدم عليه ﷺ بهذا الكتاب" والقادم به رسول لمسيلمة.
قال ابن إسحاق: حدَّثني شيخ من أشجع، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي، عن أبيه نعيم, سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما حين قرأ كتابه: "فما تقولان أنتما"؟ قالا: نقول كما قال، فقال: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضرب أعناقكما".
قال عبد الله -يعني: ابن مسعود: فمضت السُّنَّة أن الرسل لا تقتل، "فكتب إليه رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى" الرشاد "أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين".
قال ابن إسحاق: وذلك في آخر سنة عشر، "وفي الصحيحين" البخاري في علامات النبوَّة والمغازي، ومسلم في الرؤيا "من حديث نافع بن جبير" بن مطعم القرشي النوفلي المدني، ثقة من رجال الجميع، مات سنة تسع وتسعين، "عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذاب على" أسقط من البخاري، عهد وفسروه بزمن "رسول الله ﷺ " المدينة، "فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر،" أي: الخلافة "من بعده اتبعته".
قال الحافظ: وثبت لفظ الأمر في علامات النبوة، وسقط في المغازي من رواية الأكثر، وهو مقدر، وثبت في رواية ابن السكن "وقدمها" أي: المدينة "في بشر كثير من قومه" بني حنيفة. ذكر الواقدي: أن عدد من كان معه سبعة عشر نفسًا، فيحتمل تعدد القدوم، "فأقبل"стр. 2385
النبي ﷺ معه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي ﷺ قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: "لو سالتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني"، ثم انصرف ﷺ .
قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : "إنك الذي أريت فيه ما رأيت" فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم, رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمَّني شأنهما, فأوحي إلي في المنام أن
الحواشي
(١) النبي ﷺ " تأليفًا له ولقومه، رجاء إسلامهم, وليبلغه ما أنزل إليه، "ومعه ثابت بن قيس بن شماس" بفتح المعجمة، والميم المشددة، فالف فمهملة، "وفي يد النبي ﷺ قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه" فكلَّمه في الإسلام، فطلب مسيلمة أن يكون له شيء من أمر النبوة، "فقال" ﷺ : "لو سألتني هذه القطعة" من الجريدة "ما أعطيتكها" مبالغة في منعه لطلبه ما ليس له، "ولن تعدو" لن تجاوز "أمر الله" حكمه "فيك".
قال الحافظ: رواه الأكثر بالنصب، ولبعضهم: لن تعد بالجزم بلن على لغة "ولئن أدبرت" أي: خالفت الحق "ليعقرنك الله" بالقاف، أي: يهلكك، "وإني لأراك" بفتح الهمزة- لأعتقدك، وفي بعضها بضم الهمزة: لأظنك "الذي أريت" بضم الهمزة وكسر الراء- في منامي "فيه ما أريت، وهذا ثبات بن قيس يجيبك عني"؛ لأنه خطيب الأنصار وخطيبه ﵇، والنبي ﷺ أعطي جوامع الكلم، فاكتفى بما قاله لمسيلمة، وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب فهذا الخطيب يقوم عني بذلك، ويستفاد منه: استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد ونحو ذلك، قاله الحافظ، "ثم انصرف ﷺ ".
"قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : "إنك الذي أريت فيه ما أريت" , فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "بينا" بلا ميم في المغازي، وفي علامات النبوّة بالميم، كما أفاده المصنف "أنا نائم رأيت في يدي" بالتثنية "سوارين" بكسر السين، ويجوز ضمها.
وفي رواية: إسوارين -بكسر الهمزة وسكون المهملة- تثنية إسوار، وهي لغة في السوار، كما في الفتح "من الذهب" من لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ، ووهم من قال: لا تكون الأساور إلّا من ذهب، فإن كانت من فضة فهي القلب، "فأهمَّني" أحزنني "شأنهما"؛ لأن الذهب من حلية النساء محرَّم على الرجال.
وفي رواية: فكبر على، "فأوحى إليَّ في المنام" على لسان ملك، أو وحي إلهام "أنследующие страницы →