Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.
стр. 2381
ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل مقصد معجزاته ﵊ من تسجيع مسيلمة الركيك زيادةً على ما ذكرته هنا إن شاء الله.
وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة وادعى أنها معجزة له، فافتضح بنحو ما ذكر: أن النوشادر إذا ضرب في خل الخمر ضربًا جيدًا، وتجعل فيه بيضة بنت يومها يومًا وليلة فإنها تمتد كالخيط، فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد فإنها تجمد.
ولما سمع اللعين أن النبي ﷺ مسح رأس صبيّ كان ألمَّ به داء فشفي في الوقت, ومج في عين بئر فكثر ماؤها، وتفل في عين علي -وكان أرمد- فبرأ, فتفل في بئر فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها وييس ضرعها، ولله در الشقراطيسي حيث يقول -يخاطب النبي ﷺ :
أعجزت بالوحي
الحواشي
(١) "ولم يعرف المخذول أنه محروم عن المطلوب، وسيأتي في أوائل مقصد معجزاته ﵊" وهو الرابع "من تسجيع مسيلمة الركيك، زيادة على ما ذكرته هنا إن شاء الله، وقيل: إنه أدخل البيضة في القارورة".
وفي الروض، يقال: إنه أوَّل من فعل ذلك، وأوَّل من وصل جناح الطائر المقصوص، "وادَّعى أنها معجزة، فافتضح بنحو ما ذكر: إن النوشادر" بضم النون، وكسر الدال المهملة، وآخره راء. "إذا ضرب في خلّ الخمر ضربًا جيدًا، وتجعل فيه بيضة بنت يومها يومًا وليلة، فإنها تمتد كالخيط، فتجعل في القارورة ويصب عليها الماء البارد، فإنها تجمد" بضم الميم، "ولما سمع اللعين أن النبي ﷺ مسح رأس صبي كان ألَمَّ" بالفتح والتثقيل, نزل "به داء فشفي في الوقت" كذا في نسخ، وفي غالبها إسقاطها، والاقتصار على أن النبي مَجَّ، ويدل عليه أنه لم يذكر نظيرها، "ومجَّ في عين بئر فكثر ماؤها، وتفل في عين عليٍّ وكان أرمد فبرأ" بفتح الراء أكثر من كسرها. "فتفل" جواب لما اقترن بالفاء، على قلة "في بئر فغار ماؤها، وفي عين بصير فعمي، ومسح بيده ضرع شاة حلوب فارتفع درها" لبنها، "ويبس ضرعها،" ولم يذكر نظير الأولى، وقد ذكرها في الروض, وقال: ومسح رأس صبي فقرع قرعًا فاحشًا، "ولله در الشقراطيسي؛ حيث يقول -يخاطب النبي ﷺ " في قصيدته الطنانة التي قدم المصنف منها في الفتح، وقبله المولد "أعجزت بالوحي" القرآن؛ لأن الله أطلقه عليه في قوله: إن هو إلا وحيстр. 2382
............ أرباب البلاغة في ... عصر البيان فضلَّت أوجه الحيل
سألتهم سورة في مثل حكمته ... فتلَّهم عنه حين العجز حين تُلي
فرام رجس كذوب أن يعارضه ... بعي غي فلم يحسن ولم يطل
مثبج بركيك الإفك ملتبس ... ملجلج بزري الزور والخطل
يمج أول حرف سمع سامعه ... ويعتريه كلال العجز والملل
كأنه منطق الورهاء شذَّ به ... لبس من الخبل أو مسّ من الخبل
الحواشي
(١) يوحى "أرباب" جمع رب، أي: ملوك "البلاغة في عصر" زمان "البيان" هو والبلاغة والفصاحة متقاربة بمعنى, "فضلّت" ضاعت وهلكت "أوجه الحيل", فلم يقدروا على حيلة يدفعوه بها، "سألتهم سورة في مثل حكمته" وفي نسخة محكمه، ولو أبدل في بمن لوافق قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] الآية, "فتلهم". بفوقية وشد اللام. صرعهم "عنه حين". بفتح فسكون. هلاك "العجز حين تلي" قرئ "فرام" طلب بالفاء، وفي نسخة بالواو، والأُولَى أحسن "رجس" قذر "كذوب" يعني: مسيلمة، جعله رجسًا مبالغة في ذمه، أو على حذف مضاف، أي: ذو رجس "أن يعارضه" أي: القرآن "بعي" بمهملة. ضعف نطق، وانقطاعه "غي" بمعجمة، أي: ضلالة وخيبة.
وفي نسخة: بسخف إفك، أي: رقة عقل، والإفك: الكذب وإضافة السخف إليه على معنى، أن كذبه الذي أتى به سخيف واهٍ، "فلم يحسن" عن الغي، أو سخف الإفك، "ولم يطل" أي: يمتد من طال.
وفي نسخة: بضم حرفي المضارعة من أحسن وأطال، والواو وفي ولم يطل للحال، أي: والحال أنه فقد كلامه صفة الحسن على قصره عيًّا منه وغباوة "مثبج" بمثلثة، فموحدة، فجيم مبهم: لم يبين، أو مضطرب فاسد المعاني، "بركيك الإفك" ضعيف الكذب، قليل الفائدة, "ملتبس" مختلط مشتبه، متعلق بركيك الإفك، أي: مع فساد، معناه: قد اختلط بإفك ركيك "ملجلج" مردد غير مفصح به "بزري" بالزاي قبل الراء، أي: حقير "الزور" الكذب "والخطل" المنطق الفاحش، ثم يجوز الرفع على أنها أخبار لمحذوف، أي: الذي أتى به مثبج، والجر صفة لما قبله "يمج" يطرح ويلقى "أوَّل حرف سمع سامعه، ويعتريه" يصيبه "كلال" تعب "العجز" عن سماعه، "والملل" منه لرذالته وقبحه، "كأنه منطق الورهاء،" المرأة الحمقاء، "شذبه" خلطه، فشذب فعل ماض، والهاء ضمير المفعول، أي: خلط "لبس" اختلاط "من الخبل" بالسكون. الفساد، "أو مس من الخبل" -بالفتح الجنون والمسّ: الجنون أيضًا، والمعنى: قطع ذلك الكلام وفرقه، فلم يلتئم تخليطه، ويروى شذبه كصد، وبه جار ومجرور فلبس، أما فاعلстр. 2383
أمرت البئر واغورت لمحبته ... فيها وأعمى بصير العين بالتفل
وأيبس الضرع منه شؤم راحته ... من بعد إرسال رسل منه منهمل
فشبَّه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة بكلام امرأة ورهاء، وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام مشذّب -أي مختلط- لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بضعًا؛ ككلام من به خبل -بسكون الموحدة, أي: فساد، أو مسّ من الخبل -بفتحها- أي جنون.
ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحلَّ لهم الخمر والزنا، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي.
وقد كان كتب لرسول الله ﷺ : من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد: فإني قد أشركت معك الأوامر، وإن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر.
الحواشي
(١) شذا ومبتدأ وخبره المتقدم عليه، أي: به لبس، أي: إنه وإن أشبه منطق الورهاء إلّا أنه شاذ بالنسبة إليه "أمرت البئر واغورت" أي: غار ماؤها "لمحبته فيها، وأعمى بصير العين بالتفل" بتحريك الفاء الساكنة للوزن، فتفل من بابي ضرب ونصر, "وأيبس الضرع منه شؤم" ضد اليُمن "راحته" كفه "من بعد إرسال رسل" لبن "منه منهمل" مُنْصَبّ جارٍ، "فشبَّه هذا الكلام الذي عارض به مسيلمة" القرآن "بكلام امرأة ورهاء، وهي الحمقاء التي تتكلم لحمقها بما لا يفهم، فهي تهذي بكلام مشذب، أي: مختلط لا يقترن بعضه ببعض، ولا يشبه بعضه بعضًا، ككلام من به خبل -بسكون الموحدة، أي: فسادًا، ومس من الخبل- بفتحها، أي: جنون" وهذا على الرواية المشهورة: إن شذَب فعل ماض اتصل به ضمير المفعول، كما مَرَّ وروي شذبه، واعتمده مخمس القصيدة إذ قال:
مسيلم هو هذا هل سمعت به ... سحقًا له من لعين في تكذبه
وما إليه دعا من سوء مذهبه ... كأنه منطق الورهاء شذبه
"ثم إن اللعين وضع عن قومه الصلاة، وأحلَّ لهم الخمر والزنا" ترغيبًا لهم في اتباعه، فأباح لهم ما يشتهون، "وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ أنه نبي" مشارك له في النبوة، فهذا من جملة سخافة عقله؛ إذ النبي لا يبيح المحرمات، "وقد كان كتب لرسول الله ﷺ ،" لما ادَّعى النبوة سنة عشر، "من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أمَّا بعد فإني أشركت" بضم الهمزة. "معك في الأوامر،" يعني: النبوة، "وأن لنا نصف الأمر، ولقريش نصف الأمر"стр. 2384
فقدم عليه ﷺ بهذا الكتاب، فكتب إليه رسول الله ﷺ : ِ "بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين".
وفي الصحيحين من حديث نافع بن جبير عن ابن عباس قال: قدم مسيلمة الكذاب على رسول الله ﷺ فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر من بعده اتبعته، وقدمها في بشر كثير من قومه، فأقبل
الحواشي
(١) الذي في ابن إسحاق، بلفظ: نصف الأرض في الموضعين، وزاد، ولكن قريشًا يعتدون، "فقدم عليه ﷺ بهذا الكتاب" والقادم به رسول لمسيلمة.
قال ابن إسحاق: حدَّثني شيخ من أشجع، عن سلمة بن نعيم بن مسعود الأشجعي، عن أبيه نعيم, سمعت رسول الله ﷺ يقول لهما حين قرأ كتابه: "فما تقولان أنتما"؟ قالا: نقول كما قال، فقال: "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل لضرب أعناقكما".
قال عبد الله -يعني: ابن مسعود: فمضت السُّنَّة أن الرسل لا تقتل، "فكتب إليه رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتبع الهدى" الرشاد "أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين".
قال ابن إسحاق: وذلك في آخر سنة عشر، "وفي الصحيحين" البخاري في علامات النبوَّة والمغازي، ومسلم في الرؤيا "من حديث نافع بن جبير" بن مطعم القرشي النوفلي المدني، ثقة من رجال الجميع، مات سنة تسع وتسعين، "عن ابن عباس، قال: قدم مسيلمة الكذاب على" أسقط من البخاري، عهد وفسروه بزمن "رسول الله ﷺ " المدينة، "فجعل يقول: إن جعل لي محمد الأمر،" أي: الخلافة "من بعده اتبعته".
قال الحافظ: وثبت لفظ الأمر في علامات النبوة، وسقط في المغازي من رواية الأكثر، وهو مقدر، وثبت في رواية ابن السكن "وقدمها" أي: المدينة "في بشر كثير من قومه" بني حنيفة. ذكر الواقدي: أن عدد من كان معه سبعة عشر نفسًا، فيحتمل تعدد القدوم، "فأقبل"стр. 2385
النبي ﷺ معه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد النبي ﷺ قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه، فقال: "لو سالتني هذه القطعة ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيه ما رأيت، وهذا ثابت بن قيس يجيبك عني"، ثم انصرف ﷺ .
قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : "إنك الذي أريت فيه ما رأيت" فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "بينا أنا نائم, رأيت في يدي سوارين من ذهب فأهمَّني شأنهما, فأوحي إلي في المنام أن
الحواشي
(١) النبي ﷺ " تأليفًا له ولقومه، رجاء إسلامهم, وليبلغه ما أنزل إليه، "ومعه ثابت بن قيس بن شماس" بفتح المعجمة، والميم المشددة، فالف فمهملة، "وفي يد النبي ﷺ قطعة من جريد، حتى وقف على مسيلمة في أصحابه" فكلَّمه في الإسلام، فطلب مسيلمة أن يكون له شيء من أمر النبوة، "فقال" ﷺ : "لو سألتني هذه القطعة" من الجريدة "ما أعطيتكها" مبالغة في منعه لطلبه ما ليس له، "ولن تعدو" لن تجاوز "أمر الله" حكمه "فيك".
قال الحافظ: رواه الأكثر بالنصب، ولبعضهم: لن تعد بالجزم بلن على لغة "ولئن أدبرت" أي: خالفت الحق "ليعقرنك الله" بالقاف، أي: يهلكك، "وإني لأراك" بفتح الهمزة- لأعتقدك، وفي بعضها بضم الهمزة: لأظنك "الذي أريت" بضم الهمزة وكسر الراء- في منامي "فيه ما أريت، وهذا ثبات بن قيس يجيبك عني"؛ لأنه خطيب الأنصار وخطيبه ﵇، والنبي ﷺ أعطي جوامع الكلم، فاكتفى بما قاله لمسيلمة، وأعلمه أنه إن كان يريد الإسهاب في الخطاب فهذا الخطيب يقوم عني بذلك، ويستفاد منه: استعانة الإمام بأهل البلاغة في جواب أهل العناد ونحو ذلك، قاله الحافظ، "ثم انصرف ﷺ ".
"قال ابن عباس: فسألت عن قول النبي ﷺ : "إنك الذي أريت فيه ما أريت" , فأخبرني أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "بينا" بلا ميم في المغازي، وفي علامات النبوّة بالميم، كما أفاده المصنف "أنا نائم رأيت في يدي" بالتثنية "سوارين" بكسر السين، ويجوز ضمها.
وفي رواية: إسوارين -بكسر الهمزة وسكون المهملة- تثنية إسوار، وهي لغة في السوار، كما في الفتح "من الذهب" من لبيان الجنس، كقوله تعالى: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ ، ووهم من قال: لا تكون الأساور إلّا من ذهب، فإن كانت من فضة فهي القلب، "فأهمَّني" أحزنني "شأنهما"؛ لأن الذهب من حلية النساء محرَّم على الرجال.
وفي رواية: فكبر على، "فأوحى إليَّ في المنام" على لسان ملك، أو وحي إلهام "أنстр. 2386
انفخهما، فنفختهما فطارا، فأولتهما: كذابين يخرجان من بعدي، فهذان هما: أحدهما العنسي صاحب صنعاء
الحواشي
(١) انفخهما" بهمزة وصل وكسر النون. للتأكيد بالجزم على الأمر.
قال الطيبي: ويجوز أن تكون مفسّرة، لا وحي مضمّن، معنى القول وأن تكون ناصبة، والجار محذوف، "فنفختهما فطارا" لحقارة أمرهما، ففيه إشارة إلى اضمحلال أمرهما وحقارته؛ لأن ما يذهب بالنفخ يكون في غاية الحقارة، قاله بعضهم, وردَّه ابن العربي بأن أمرهما كان في غاية الشدة، لم ينزل بالمسلمين قبله مثله.
قال في الفتح: وهو كذلك، لكن الإشارة إنما هي للحقارة المعنوية لا الحسية، "فأولتهما كذابين" لأن الكذب وضع الشيء في غير موضعه، ووضع الذهب المنهي عن لبسه من وضع الشيء في غير موضعه؛ إذ هما من حلية النساء، ففيه أن السوار وسائر آلات الحليّ اللائقة بالنساء، تعبّر للرجال بما يسوءهم، ولا يسرهم، وأيضًا، فالذهب مشتق من الذهاب، فعلم أنه شيء يذهب عنه، وتأكد ذلك بالأمر له بنفخهما، فطارا، فدلَّ ذلك على أنه لا يثبت لهما أمره، وأيضًا يتَّجه في تأويل نفخهما أنه قتلهما بريحه؛ لأنه لم يقتلهما بنفسه، فأمَّا العنسي فقتله فيروز الديلمي في مرض موت النبي ﷺ على الصحيح، وأمَّا مسيلمة فقُتِلَ في خلافة الصديق، "يخرجان من بدي" أي: تظهر شوكتهما ودعواهما النبوَّة، واستشكل بأنهما كانا في زمنه ﷺ ، فإمَّا أن يكون المعنى بعد نبوّتي، أو يحمل على التغليب؛ لأن مسيلمة قُتِلَ بعده، "فهذان هما" لفظ البخاري في المغازي، ليس فيه هذه الجملة، ولفظه في علامات النبوَّة، فكان "أحدهما العنسي" بفتح العين المهملة وسكون النون وكسر السين المهملة, من بني عنس، وحكى ابن التين: فتح النون.
قال الحافظ: ولم أر له في ذلك سلفًا "صاحب صنعاء" ولقبه الأسود، واسمه كما قال الحافظ والمصنف وغيرهما: عبهلة -بفتح العين المهملة وسكون الموحدة وفتح الهاء- ابن كعب، وكان يقال له أيضًا: ذو الخمار؛ لأنه كان يخمر وجهه، وقيل: هو اسم شيطانه، وكان الأسود قد خرج بصنعاء وادَّعى النبوَّة، وغلب على عامل النبي ﷺ على صنعاء المهاجر بن أبي أمية، ويقال: إنه مر به، فلما حاذاه عثر الحمار، فادَّعى أنه سجد له، ولم يقم الحمار حتى قال له شيئًا، فقام وكان معه شيطانان، يقال لأحدهما سحيق -بمهملتين وقاف مصغَّر، والآخر شقيق -بمعجمة وقافين مصغَّر، وكانا يخبرانه بكل شيء يحدث من أمور الناس، وكان باذان عامل النبي ﷺ بصنعاء، فمات فجاء شيطان الأسود فأخبره، فخرج في قومه حتى ملكها، وتزوَّج المرزبانة زوجة باذان، فواعدت فيروز وغيره، فدخلوا عليه ليلًا، وقد سقته الخمر صرفًا حتىстр. 2387
والآخر مسيلمة الكذاب".
الحواشي
(١) سكر، وكان على بابه ألف حارس، فنقب فيروز ومن معه الجدار، حتى دخلوا فقتله فيروز واحتزَّ رأسه، وأخرجوا المرأة وما أحبوا من متاع البيت، وأرسلوا الخبر إلى المدينة، فوافاهم عند وفاته ﷺ .
قال أبو الأسود عن عروة: أصيب الأسود قبل وفاة النبي ﷺ بيوم وليلة، فأتاه الوحي، فأخبر أصحابه، ثم جاء الخبر إلى أبي بكر، وقيل: وصل الخبر بذلك صبيحة دفن النبي ﷺ ، "والآخر مسيلمة الكذاب" ادَّعى النبوّة في حياته ﷺ ، لكن لم تظهر شوكته، ولم تقع محاربته إلّا في زمن الصديق، وكان بدء أمره أنَّ الرحال الحنفي، واسمه: نهار, آمَنَ وتعلَّم سورًا من القرآن، فرآه ﷺ مع فرات بن حيان وأبي هريرة، فقال: "ضرس أحدكم في النار مثل أحد"، فما زالا خائفين حتى ارتدَّ الرحال، وآمن بمسيلمة، وشهد زورًا أن النبي ﷺ قد شركه معه في النبوَّة، ونسب إليه بعض ما تعلم من القرآن، فكان أقوى أسباب الفتنة على بني حنيفة، فجمع جموعًا كثيرة ليقاتل الصحابة، فجهَّز له الصديق جيشًا أمَّرَ عليهم خالد بن الوليد، فقتل جميع أصحابه، ثم كان الفتح بقتل مسيلمة، قله عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصاري المازني، جزم به الواقدي وإسحاق بن راهويه والحاكم، وقيل: عدي بن سهل، وبه جزم سيف، وقيل: أبو دجانة، وقيل: زيد بن الخطاب، وقيل: وحشي، والأول أشهر، ولعلَّ عبد الله بن زيد هو الذي اصابته ضربته، وحمل عليه الآخرون في الجملة، وأغرب وتيمة، فزعم أن اسم الذي ضربه شن -بفتح المعجمة وشد النون- ابن عبد الله، وأنشد له:
ألم تر أني ووحشيهم ... ضربنا مسيلمة المفتتن
تسائلني الناس قتله ... فقلت ضربت وهذا طعن
فلست بصاحبه دونه ... وليس بصاحبه دون شن
وأغرب منه ما حكاه ابن عبد البر: إن الذي قتل مسيلمة هو جلاس بن بشير بن عاصم، ذكره الحافظ في شرح قول وحشي عند البخاري، لما خرج مسيلمة قلت: لأخرجنَّ إليه لعلي أقتله فأكافئ به حمزة، فخرجت مع الناس، فإذا رجل قائم، كأنه جمل أورق، ثائر الرأس، فرميته بحربتي، فوضعتها بين ثدييه حتى خرجت من بين كتفيه، وضربه رجل من الأنصار بالسيف على هامته، وقال رجل من بني حنيفة يرثيه:
لهفي عليك أبا ثمامة ... لهفي على ركني يمامه
كم آية لك فيهم ... كالشمس تطلع من غمامه
قال السهيلي: وكذب، بل كانت آيته منكوسة، فذكر بعض ما قدمه المصنف، وزاد: ودعاстр. 2388
فإن قلت: كيف يلتئم خبر ابن إسحاق مع الحديث الصحيح أنَّ النبي ﷺ اجتمع به وخاطبه، وصرَّح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريد ما أعطاه.
فالجواب: إن المصير إلى ما في الصحيح أَوْلَى.
ويحتمل أن يكون مسيلمة قدم مرتين، الأولى تابعًا وكان رأس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعًا، وفيها خاطبه النبي ﷺ .
أو القصة واحدة، وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارًا أن يحضر مجلس النبي ﷺ ، وعامله ﵊ معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف, فقال لقومه: "إنه ليس بشركم" أي: مكانًا، لكونه كان يحفظ رحالهم، وأراد
الحواشي
(١) الرجل في ابنين له بالبركة، فرجع إلى منزله، فوجد أحدهما قد سقط في بئر، والآخر أكمله الذئب، ومسح رأس صبي، فقرع قرعًا فاحشًا.
قال صاحب المفهم: مناسبة هذا التأويل لهذه الرؤيا أن أهل صنعاء واليمامة كانوا أسلموا، وكانوا كساعدين للإسلام، فلمَّا ظهر الكذابان، ويهرجا على أهلهما بزخرف أقوالهما ودعواهما الباطلة، انخدع أكثرهم بذلك، فكان اليدان بمنزلة البلدين، والسواران بمنزلة الكذابين، وكونهما من ذهب إشارة إلى ما زخرفاه، والزخرف من أسماء الذهب، "فإن قلت كيف يلتئم خبر ابن إسحاق" الذي قدمه من كونه لم يجتمع بالمصطفى، وقعد في الرحال "مع" هذا "الحديث الصحيح، أن النبي ﷺ اجتمع به وخاطبه، وصرَّح بحضرة قومه أنه لو سأله القطعة من الجريد" بفتح الجيم "ما أعطاه، فالجواب أن المصير إلى ما في الصحيح أولى" لصحة إسناده، بخلاف خبر ابن إسحاق، فضعيف منقطع، ولم يسم راويه، ويحتمل" في طريق المع على تقدير الصحّة، كما قال الحافظ "أن يكون مسيلمة قدم مرتين: الأولى كان تابعًا، وكان رأس بني حنيفة غيره، ولهذا أقام في حفظ رحالهم، ومرة متبوعًا، وفيها خاطبه النبي ﷺ " وهذا بعيد جدًّا، فقد قال هو -أعني الحافظ: وهذا يعني حديث ابن إسحاق مع شذوذه ضعيف السند لإنقطاعه، وأمر مسيلمة كان عند قومه أكبر من ذلك، فقد كان يقال له رحمَّن اليمامة، لعظم قدره فيهم أ. هـ، فمن يكون مقامه عند قومه أكبر من دعوى النبوَّة، يبعد كل البعد أن يكون تابعًا، فالأولى قوله, "أو القصة واحدة" لأنه الأصل، "وكانت إقامته في رحالهم باختياره أنفة منه واستكبارًا أن يحضر مجلس النبي ﷺ , وعامله ﵊ معاملة الكرم على عادته في الاستئلاف، فقال لقومه: "إنه ليس بشركم"، أي: مكانًا لكونه كان يحفظ رحالهم، وأرادстр. 2389
استئلافه بالإحسان بالقول والفعل، فلما لم يفد في مسيلمة توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر إليه بالإنذار. والعلم عند الله تعالى.
الحواشي
(١) استئلافه بالإحسان بالقول" المذكور، "والفعل"؛ حيث أعطاه مثل ما أعطى قومه، "فلمَّا لم يفد في مسيلمة، توجه بنفسه إليه ليقيم عليه الحجة ويعذر" بكسر الذال "إليه بالإنذار، والعلم عند الله تعالى".
قال -أعني الحافظ: ويستفاد من هذه القصة أن الإمام يأتي بنفسه إلى من قدم يريد لقاءه من الكفار، إذا تعيِّن ذلك طريقًا لمصلحة المسلمين أ. هـ.стр. 2390
الوفد السادس: وفد وطئ
وقدم عليه ﷺ وفد طيء، وفيهم زيد الخيل
الحواشي
(١) "الوفد السادس":
"وقدم عليه ﷺ وفد وطيء" بفتح المهملة وشد التحتانية المكسورة، بعدها همزة- ابن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن كهل بن سبا، يقال: كان اسمه جلهمة، فسمي طيئًا، لأنه أوّل من طوى بئرًا، ويقال: أوَّل من طوى المناهل، وكانوا خمسة عشر رجلًا، اقتصر المصنف على زيد، لتميزه بمناقب حسنة، فقال: "وفيهم زيد الخيل" بن مهلهل بن زيد بن منهب بن عبد الطائي، وفد في قومه سنة تسع، كما في السير، هذا يرد على ما في النور؛ أن زيدًا كان من المؤلَّفة؛ لأن المؤلفة من أعطي من غنائم حنين، وكان ذلك سنة ثمان، وقد تقدَّم أن الحافظ نقله في سردهم عن التلقيح لابن الجوزي، وأن الشامي توقف فيه بأنه لم يره في نسختين من التلقيح، ويقوَّي ذلك ما في الروض من رواية أبي علي البغدادي: قدم وفد طيء، فعقلوا رواحلهم بفناء المسجد، ودخلوا، وجلسوا قريبًا من النبي ﷺ ، حيث يسمعون صوته، فلمّا نظر ﵇ إليهم، قال: "إني خير لكم من العزى، ومن الجمل الأسود الذي تعبدون من دون الله، ومما حازت مناع من كل ضار غير نفاع"، فقام زيد الخيل، وكان من أعظمهم خلقًا وأحسنهم وجهًا وشعرًا، وكان يركب الفرس العظيم الطويل، فتخط رجاله في الأرض كأنه حمار، فقال له النبي ﷺ ولا يعرفه: "الحمد لله الذي أتى بك من حزنك وسهلك، وسهّل قلبك للإيمان"، ثم قبض على يده، فقال: "من أنت"؟ فقال: أنا زيد الخيل بن مهلهل، أنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك عبد الله ورسوله، فقال له: "بل أنت زيد الخير، ما خبرت عن رجل قط شيئًا إلّا رأيته دون ما خرت عنه غيرك"، فبايعه وحسن إسلامه أ. هـ.
فعلى تقدير ثبوت كونه من المؤلَّفة، فيحتمل أنه نطق بالإسلام وفي قلبه شيء، ثم حسنстр. 2391
وهو سيدهم، فعرض عليهم الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم. وقال ﵊: "ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه إلا زيد الخيل، فإنه لم يبلغ كل ما فيه"، ثم سمَّاه زيد الخير.
الحواشي
(١) إسلامه لكي يمنع هذا التاريخ السابق، "وهو سيدهم".
وقال أبو عمر: كان شجاعًا خطيبًا شاعرًا كريمًا.
قال ابن أبي حاتم: ليس يروى عنه حديث، وفي الصحيحين عن أبي سعيد، أن عليًا بعث للنبي ﷺ بذهبية في أديم، فقسمها بين الأقرع وعيينة، وزيد الخيل، وعلقمة بن علانة، ولعل هذا شبهة من قال: إنه من المؤلفة، "فعرض عليهم الإسلام، فأسلموا، وحسن إسلامهم".
زاد في الروض: وكتب لكل واحدٍ منهم على قومه إلّا وزر بن سدوس، فقال: إني أرى رجلًا تملك رقاب العرب، والله لا يملك رقبتي عربي أبدًا، ثم لحق بالشام، وتنصَّر وحلق رأسه: "وقال ﵊: "ما ذكر لي رجل من العرب بفضل ثم جاءني إلّا رأيته دون ما يقال فيه"،" لأن العادة جرت بالتجاوز في المدح "إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ" بضم أوله وفتح اللام, مبني للمجهول، ونائبه "كل ما فيه" كما في النور، أي: لم ينقل عنه جميع الفضائل التي اتصف بها، ثم يحتمل لام يبلغ التخفيف من المجرد، والتثقيل من المزيد، فإن كان رواية, وإلا فيجوز بناؤه للفاعل، أي: لم يبلغ زيد في أوصافهم كل ما فيه في نفس الأمر، بل نقصوا منها، فكل منصوب على المفعولية أو على معنى: لم يبلغنا كل ما اتصف به بل بعضه، وإيهام أن المعنى لم يصل إلى كل ما اتصف به من الكمال بعيد، بل ممنوع؛ إذ سياقه في بعضه، وإيهام أن المعنى لم يصل إلى كل ما اتصف به من الكمال بعيد، بل ممنوع؛ إذ سياقه في المدح يأبى ذلك، وقد تقدَّم قريبًا أن المصطفى شافهه بذلك، ولا مانع من التعدد، "ثم سماه زيد الخير" بالراء بدل اللام، وإنما قيل له: زيد الخيل لخمسة أفراس كانت لها أسماء أعلام يغيب عني حفظها الآن، قاله في الروض، ومعلوم أن وجه التسمية لا يطرد, وإلَّا لسمي الزبرقان بن بدر زيد الخيل، فقد روي أنه وفد على عبد الملك بن مروان، وقاد إليه خمسة وعشرين فرسًا، ونسب كل واحد منها إلى آبائها وأمهاتها، وحلف على كل فرس يمينًا غير التي حلف بها على غيرها، فقال عبد الملك، عجبي من إختلاف أيمانه، أشد من عجبي بمعرفته بأنساب الخيل.
وأخرج ابن شاهين وابن عدي، وضعَّفه من حديث سنين، مولى النبي ﷺ ، قال: كنا عند رسول الله ﷺ ، فأقبل زيد الخيل راكبًا حتى أناخ راحلته، فقال: يا رسول الله, إني أتيتك من مسيرة تسع، أصهبت راحلتي، وأسهرت ليلي، وأظمأت نهاري، أسألك عن خصلتين أسهرتاني، فقال له النبي ﷺ : "ما اسم"؟ قال: أنا زيد الخيل، قال: "بل أنت زيد الخير، فاسأل"، فقال: أسألك عن علامة الله تعالى فيمن يريد, وعلامته فيمن لا يريد، فقال له ﷺ : "كيف أصبحت"؟стр. 2392
فخرج راجعًا إلى قومه، فقال ﷺ : "أن ينج زيد من حمى المدينة"، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد أصابته الحمَّى فمات.
قال ابن عبد البر: وقيل مات في آخر خلافة عمر.
وله ابنان: مكنف
الحواشي
(١) قال: أصبحت أحب الخير وأهله ومن يعمل به، وإن عملت به أيقنت بثوابه، وإن فاتني منه شيء حننت إليه، فقال له النبي ﷺ : "هذه علامته فيمن يريد، وعلامته فيمن لا يريد ضد ذلك، ولو أرادك بالأخرى هيأك لها، ثم لم يبال من أي واد هلكت".
وفي لفظ: سلكت، وعند أهل السير: وأقطع ﷺ زيدًا فيدًا -بفتح الفاء، وسكون التحتية، ودال مهملة- اسم مكان وأرضين معه, وكتب له بذلك.
وفي الروض: أقطعه قرى كثيرة منها فدك، كذا قال: وأظنه مصحَّفًا من قيد، "فخرج راجعًا إلى قومه" هو ومن كان معه، وقد أعطى ﵇ كل واحد منهم خمس أواقٍ فضة، وأعطى زيد الخيل اثنتي عشرة أوقية ونشا، "فقال ﷺ : "إن ينج زيد من حمَّى المدينة " ببناء ينج للمفعول، وإن جازمة، أي: فإنه لا يعاب بسوء، كما قدَّره بعض أو لم يصبه ضررًا ونحو ذلك، أو نافية، أي: ما ينجو, لكن لا يساعده الرسم، "فلمَّا انتهى إلى ماء من مياه نجد" يقال له: فردة -بفتح الفاء والدال المهملة بينهما راء ساكنة ثم تاء تأنيث, "أصابته الحمَّى" فلمَّا أحسَّ بالموت قال:
أمرتحل قومي المشارق غدوة ... وأترك في بيتك بفردة منجد
ألا رب يوم لو مرضت لعادني ... عوائد من لم يبر منهن يزهد
"فمات" وذكر ابن دريد أنه أقام بمفرده ثلاثة أيام ومات، فأقام عليه قبيصة بن الأسود المناحة سنة، ثم وجه براحلته ورحله، وفيها كتاب النبي ﷺ ، فلما رأت امرأته الراحلة ليس عليها زيد، ضرمتها بالنار، فاحترقت، فاحترق الكتاب.
"قال ابن عبد البر: وقيل: مات في آخر خلافة عمر" وهذا يؤيد جعل إن جازمة لا نافية، وأنشد له وثيمة في الردة قال: وبعث بهما إلى أبي بكر:
أما تخشين الله بيت أبي نصر ... فقد قام بالأمر الجلي أبو بكر
نجى رسول الله في الغار وحده ... وصاحبه الصديق في معظم الأمر
قال في الإصابة: وهذا إن ثبت يدل على تأخّر وفاته بعد النبي ﷺ ، "وله ابنان مكنف" بضم الميم وإسكان الكاف وكسر النون وبالفاء.стр. 2393
وحريث، أسلما وصحبَا رسول الله ﷺ , وشهدا قتال أهل الردة مع خالد.
الحواشي
(١) قال ابن حبان: أكبر ولد أبيه، وبه كان يكنَّى, أسلم وحسن إسلامه، وذكره الدارقطني والطبري في الصحابة، واعتمده في الإصابة، ولم يعرج على إشارة الذهبي إلى أنه تابعي.
وذكر الواقدي أنه ممن ثبت على الإسلام، وقاتل بني أسد لما ارتدوا مع طليحة، وأنشد له أبياتًا منها:
ضلوا وغرهم طليحة بالمنى ... كذبًا وداعي ربنا لا يكذب
لما رأونا بالفضاء كتائبًا ... تدعوا إلى رب الرسول ونرغب
ولو فرارًا والرماح تؤزهم ... وبكل وجه وجهوا يترقب
"وحريث" بضم الحاء وآخره مثلثة، قال ابن عبد البر: ويقال له أيضًا: الحارث, "أسلما وصحبا رسول الله ﷺ ، وشهدا قتال أهل الردة مع خالد" بن الوليد في خلافة الصديق، كما قاله ابن عبد البر وابن الكلبي.
وذكر الواقدي أن حريثًا كان رسول النبي ﷺ إلى يحنة بن رذبة وأهل أيلة، وقال وهو يقاتل أهل الردة: أنشده المرزباني:
أنا حريث وابن زيد الخيل ... ولست بالنكس ولا الزميل
ويقال: إن عبيد الله الجعفي قتله مبارزة في حربٍ بينهما من جهة مصعب بن الزبير، ذكره في الإصابة.стр. 2394
الوفد السابع: وفد كنده
وقدم عليه ﷺ وفد كندة, في ثمانين أو ستين راكبًا من كندة، فدخلوا عليه مسجده،
الحواشي
(١) "الوفد السابع":
"وقدم عليه ﷺ وفد كندة" بكسر الكاف وإسكان النون, قبيلة من اليمن، ينسبون إلى كندة، لقب جدهم: ثور بن عفير "في ثمانين، أو ستين راكبًا من كندة" إشارة إلى قول ابن سعد: وفد الأشعث الكندي في ستين راكبًا من كندة سنة عشر، والأوّل رواه ابن إسحاق عن الزهري، ويمكن الجمع بأن بعضهم أتباع فلم يعدّ، "فدخلوا عليه مسجده" منصوب على التوسع, نحو: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ ، أي: فيه؛ لأنَّ ظرف المكان لا يكون إلّا مبهمًا كفرسخ، ويريد وليس شيء من مسجد ودار وبيت بمبهم؛ لأنه اسم لحصة معينة من المحل بالتحديد، وإن لم يعين المسجد ونحوه؛ لأنه يكفي التحديد بقدر كل، والفرق بين إبهام فرسخ وبريد في نحو قولهم:стр. 2395
قد رجلوا جممهم، ولبسوا جباب الحبرات مكففة بالحرير، فلما دخلوا, قال ﷺ : "أولم تسلموا"؟ قالوا: بلى، قال: "فما هذا الحرير في أعناقكم
الحواشي
(١) سرت بريدًا وفرسخًا, جاعلين ذلك ظرف مكان، وبين إبهام نحو مسجد؛ حيث جعل النصب على التوسّع، أن الفرسخ والبريد اسم آلة يكال بها، لا اسم حصة معينة بخلاف نحو: دار ومسجد، فاسم لحصة محدودة في نفس الأمر، وإن لم تكن معينة "قد رجلوا" بجيم فلام ثقيلة سرَّحوا "جممهم" بجيم مضمومة، فميمين مفتوحتين فهاء- جمع جُمَّة، وهي مجتمع شعر الناصية التي تبلغ المنكبين، زاد ابن إسحاق، وتكحَّلوا "ولبسوا جباب" جمع جبة, ثوب معروف، ويجمع أيضًا على جيب، كما في القاموس "الحبرات" -بكسر المهملة وفتح الموحدة, جمع حبرة بزنة عنبة, من البرود ما كان موشيًا مخططًا، وفي الفتح يقال: برد حبير وبرد حبرة بزنة عنبة، على الوصف والإضافة "مكففة بالحرير" أي: مجعولًا لكل منها كفة -بضم الكاف وشد الفاء وتاء تأنيث- السجاف، ويسمَّى الطرة أيضًا، وكل مستطيل كفة -بالضم، وكل مستدير كفة -بالكسر؛ ككفة الميزن، وقيل: بالوجهين فيهما.
زاد في رواية: والديباج المخوَّص بالذهب، "فلمَّا دخلوا" قالوا: أبيت اللعن وكانت تحيتهم، فقال ﷺ : "لست ملكًا، أنا محمد بن عبد الله"، قالوا: لا نسميك باسمك، قال: "أنا أبو القاسم"، فقالوا: يا أبا القاسم, إنا خبَّأنا لك خبأ، فما هو؟ وكانوا خبئوا له عين جرادة في ظرف سمن، فقال ﷺ : "سبحان الله، إنما يفعل ذلك بالكاهن، وإن الكاهن والكهانة والتكهن في النار"، فقالوا: كيف نعلم أنك رسول الله، فأخذ كفًّا من حصباء، فقال: "هذا يشهد أني رسول الله"، فسبَّح الحصا في يده، فقالوا: نشهد أنك رسول الله ﷺ ، "إن الله بعثني بالحق، وأنزل عليّ كتابًا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه"، فقالوا: أسمعنا منه, فتلا: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا﴾ [الصافات: ١] ، حتى بلغ ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ﴾ [الصافات: ٥] ، ثم سكت، وسكن ﷺ ؛ بحيث لا يتحرك منه شيء، ودموعه تجري على لحيته، فقالوا: إنا نراك تبكي، أفمن مخافة من أرسلك تبكي؟ قال: "إن خشيتي أبكتني، بعثني على صراط مستقيم في مثل حدّ السيف، إن زغت عنه هلكت"، ثم تلا: ﴿وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ [الإسراء: ٨٦] " الآية، ثم "قال ﷺ : أتيتمونا "أولم تسلموا"،" فالمعطوف عليه مقدَّر بعد همزة الاستفهام الحقيقي؛ لأن كثيرًا وفدوا مشركين، فيعرض عليهم الإسلام، أو التقرير يرى ليرتب عليه لومهم على الحرير، "قالوا: بلى" أسلمنا، "قال: "فما" بال "هذا الحرير في أعناقكم" وهو لا يجوز لبسه للرجال، ولعله جاوز حد السجاف، فلا يرد على قول الفقهاء بجواز التسجيف بالحرير.
زاد في رواية: وكان على النبي ﷺ حلة يمانية، يقال: إنها حلة ذي يزن, وعلى أبي بكرстр. 2396
فشقوه فنزعوه وألقوه.
الحواشي
(١) وعمر مثلها، وكان ﷺ إذا قدم عليه وفد لبس أحسن ثيابه، وأمر أصحابه بذلك "فشقوه" بفتح الشين ماضٍ وضمها أمر، وإن لزم عليه إتلاف مال لوجوبه تخلصًا من الحرمة، على أنه يمكن أن المراد بالشق الإزالة لا القطع، فلا إتلاف "فنزعوه وألقوه".
زاد في رواية: ثم أجاز كل أحد بعشر أواق فضة، إلّا الأشعث فأجازه باثنتي عشرة أوقية، وزاد ابن إسحاق: وقالوا يا رسول الله, نحن بنو آكل المرار، وأنت ابن آكل المرار، فتبسَّم ﷺ ، وقال: $"ناسبوا بهذا النسب العباس بن عبد المطلب، وربيعة بن الحارث"، وكانا تاجرين، فإذا شاعا في العرب، فسئلا من هما قالا: نحن بنو آكل المرار, يتعززان بذلك، وذلك أن كندة كانوا ملوكًا، ثم قال ﷺ : $"لا نحن بنو النضر بن كنانة، لا نقفوا أمنا، ولا ننتفي من أبينا"، فقال الأشعث بن قيس الكندي، هل فرغتم يا معشر كندة، والله لا أسمع رجلًا يقولها إلّا ضربته ثمانين، ونقفوا -بنون مفتوحة فقاف ساكنة ففاء مضمومة، أي: لا نترك النسب إلى الآباء، وننتسب إلى الأمهات، وله ﷺ جدة من كندة، وهي أم كلاب بن مرة، واسمها: دعد بنت سرير بن ثعلبة بن حارثة الكندي، وقيل: بل هي جدة كلاب أم أمّه هند.
قال السهيلي: ففيه أنهم أصابوا في بعض قولهم: نحن وأنت بنو آكل المرار، وهو الحارث بن عمرو الكندي، لُقِّبَ بذلك لأكله هو وأصحابه شجرًا يقال له المرار في غزوة غزاها، وقيل: لقب بذلك؛ لأن عمرو بن هند الغسَّاني أغار عليهم في غيبة الحارث فغنم وسبى، فكان في السبي امرأة الحارث، فقالت لعمرو: لكأنّي برجل أتاكم أسود، كأن مشافره مشافر بعير قد أكل المرار -تعني: زوجها، فتبعه الحارث في قومه، فقتله واستنفذ امرأته وما كان أصاب.
وروي أن المخاطب للنبي ﷺ بهذا الأشعث بن قيس، ولا مانع أنه خاطبه، ثم خاطبوه، أو هو المخاطب، ونسب للكل في الرواية الأخرى لسكوتهم عليه؛ لأن الأشعث كان من ملوك كندة، وصاحب رباع حضرموت، وكان وجيهًا في قومه في الإسلام، وارتدَّ بعد النبي ﷺ ، فأسر وأحضر إلى أبي بكر، فأسلم، فأطلقه وزوَّجه أخته أم فروة، فاخترط سيفه، ودخل إلى سوق الإبل، فجعل لا يرى جملًا، ولا ناقة إلا عرقبه، فصاح الناس: كفر الأشعث، فلمَّا فرغ طرح سيفه، وقال: والله ما كفرت، ولكن زوَّجني هذا الرجل أخته، ولو كنَّا في بلادنا كانت وليمة غير هذه، يا أهل المدينة كلوا، ويا أصحاب الإبل تعالوا خذوا أثمانها، ثم شهد اليرموك بالشام، ثم القادسية وحروب العراق مع سعد، وسكن الكوفة، وشهد صفين مع علي، ومات بعده بأربعين ليلة، وصلى عليه الحسن، وقيل: مات سنة ثنتين وأربعين.стр. 2397
الوفد الثامن: وفد الأشعريين
وفد الأشعريين وأهل اليمن.
وقد عليه -زاده الله شرفًا وكرمًا لديه- الأشعريون وأهل اليمن.
قيل: هو من عطف الخاص على العام، وقال الحافظ أبو الفضل شيخ الإسلام ابن حجر: المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير. قال: ووجدت في كتاب الصحابة لابن شاهين من طريق إياس بن عمرو الحميري: أنه قدم وافدًا على رسول الله ﷺ في نفرٍ من حمير فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين.. الحديث.
الحواشي
(١) "الوفد الثامن":
"وقدم عليه -زاده الله شرفًا وكرمًا لديه- الأشعريون" بفتح الهمزة وإسكان المعجمة فراء فتحتية فواو فنون- قبيلة كبيرة باليمن، نسبوا إلى جدهم أشعر، سمي بذلك؛ لأنه ولد والشعر على بدنه وهو نبت. بنون أوله. ابن أدد بن زيد بن يشجب بن عريب بن زيد بن كهلان بن سبا "وأهل اليمن" وهذه الترجمة وقعت في البخاري، بلفظ: باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن، "قيل: هو من عطف الخاص على العام" ويرده أن أهل اليمن ليسوا بعضًا من الأشعريين، فالصواب العكس؛ إذ الأشعريون بعض أهل اليمن، "وقال الحافظ أبو الفضل، شيخ الإسلام ابن حجر: "كنت أظنه من عطف العام على الخاص، ثم ظهر لي أن هذا العام خصوص أيضًا، و"المراد بهم بعض أهل اليمن، وهم وفد حمير" -بكسر المهملة وسكون الميم وفتح التحتية- نسبة إلى حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قطحان, من أصول القبائل باليمن، فيمنع صرفه على إرادة القبيلة، ويصرف على إرادة الحي، وعلى هذا المراد، فيكون من عطف المباين؛ لأن الأشعريين والحميريين قبيلتان مختلفتان، "قال: ووجدت في كتاب الصحابة لابن شاهين" الحافظ الإمام أبي حفص، عمر بن أحمد بن عثمان البغدادي، صاحب التصانيف، منها التفسير ألف جزء، والمسند ألف وثلثمائة جزء، والتاريخ والزهد, إلى ثلثمائة وثلاثين تصنيفًا. مات في ذي الحجة سنة خمس وثمانين وثلثمائة, "من طريق" زكريا بن يحيى الحميري، عن "إياس بن عمرو لحميري؛ أنه قدم" صوابه، كما في الإصابة من طريق إياس بن عمرو الحميري؛ أن نافع بن زيد الحميري قدم "وافدًا" أي: رسولًا من قومه "على رسول الله ﷺ في نفر من حمير، فقالوا: أتيناك لنتفقه في الدين.. الحديث" بقيته: ونسأل عن أوّل هذا الأمر، قال: "كان الله ليس شيء غيره، وكان عرشه على الماء، ثم خلق القلم، فقال له: اكتب ما هو كائن، ثم خلق السموات والأرض وما فيهنّ، واستوى على عرشه".стр. 2398
والحاصل: إن الترجمة مشتملة على طائفتين، وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى في سنة سبع عند فتح خيبر، وقدوم حمير كان في سنة تسع، وهي سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بني تميم.
روى يزيد بن هارون، عن حميد, عن أنس, أن رسول الله ﷺ قال: "يقدم عليكم قوم هم أرقّ منكم قلوبًا". فقدم الأشعريون فجعلوا يرتجزون:
غدًا نلقى الأحبه ... محمدًا وحزبه
الحواشي
(١) قال في الإصابة: فيه عدة مجاهيل. انتهى، فالصحبة والقدوم إنما هو لنافع بن زيد، لا لإياس بن عمرو؛ فإنه ليس بصحابي، ولم يترجم له في الإصابة، بل هو تابعي مجهول، كما رأيت عن الإصابة، "والحاصل أن الترجمة مشتملة على طائفتين" الأشعريين والحميريين، "وليس المراد اجتماعهما في الوفادة، فإن قدوم الأشعريين كان مع أبي موسى" عبد الله بن قيس، "في سنة سبع عند فتح خيبر" وقيل: إن أبا موسى قدم قبل الهجرة، ثم كان ممن هاجر إلى الحبشة الهجرة الأولى، ثم قدم الثانية صحبة جعفر، والصحيح أنه خرج طالبًا المدينة في سفينة، فألقتهم الريح إلى الحبشة، فاجتمعوا فيها بجعفر، ثم قدموا صحبته، "وقدوم حمير كان في سنة تسع، وهي سنة الوفود، ولهذا اجتمعوا مع بني تميم", وعلى هذا: فإنما ذكر البخاري الأشعريين هنا؛ ليجمع ما وقع له من شرطه من بعوث وسرايا ووفود، وإن تباينت تواريخهم، وقد عقد ابن سعد في الطبقات للوفود بابًا، وذكر وفد حمير، ولم يقع له قصة نافع بن زيد التي ذكرتها، قاله كله الحافظ.
"وروى يزيد" بتحتية وزاي "ابن هارون" بن زاذان السلمي، مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن، عابد، روى له الستة, ومات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين, "عن حميد" الطويل البصري: اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال، ثقة مدلس، مات سنة اثنتين، ويقال: سنة ثلاث وأربعين ومائة، وهو قائم يصلي، وله خمس وسبعون سنة، روى له الجميع، "عن أنس أن رسول الله ﷺ قال: "يقدم عليكم قوم هم أرقّ منكم قلوبًا"، فقدم الأشعريون، فجعلوا يرتجزون" قائلين: "غدًا نلقى الأحبة محمدًا وحزبه،" وهذا رواه الإمام أحمد وغيره، ولا يلزم من ذلك تفضيلهم على المخاطبين؛ لأنها مزية.
عم من المشكل ما روى أحمد والبزار والطبراني، عن جبير بن مطعم مرفوعًا: "أتاكم أهل اليمن، كأنهم السحاب، وهم خيار في الأرض"، فقال رجل من الأنصار: إلّا نحن، فسكت، ثم قال: إلّا نحن، فسكت، ثم قال: إلَّا نحن يا رسول الله، قال: "إلّا أنتم كلمة ضعيفة"، قال: ولما لقوا رسول الله ﷺ أسلموا، وبايعوا، فقال ﷺ : "الأشعريون كصرة فيها مسك" ولا إشكال؛ لأنстр. 2399
وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله -صلى اله عليه وسلم- يقول: "جاء أهل اليمن، هم أرق أفئدة وأضعف قلوبًا، الإيمان يمان،
الحواشي
(١) المراد في أرضهم، وأما سكوته مرتين عن استثناء الأنصار مع أن فيهم من هو أفضل قطعًا؛ لأن منهم من هو أهل بدر وربيعة الرضوان، فلعله لئلّا يغتروا ويتكلموا على التفضيل، ولذا قال بعد الثالثة: "كلمة ضعيفة" , "وعن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "جاء أهل اليمن".
وفي رواية البخاري: "أتاكم أهل اليمن هم أرق أفئدة وأضعف" هو بمعنى رواية البخاري وألين "قلوبًا".
قال الخطابي: وصف الأفئدة بالرقة والقلوب باللين؛ لأن الفؤاد غشاء القلب، فإذا رقَّ نفذ القول وخلص إلى ما وراءه، فإذا غلظ بعد وصوله إلى داخل، فإذا صادف القلب لينًا علق به وتجمع فيه.
وقال البيضاوي: الرقة ضد الغلظ، واللين يقابل القسوة، فاستعيرت في أحوال القلب، فإذا نبا عن الحق، وأعرض عن قبوله، ولم يتأثر بالآيات والنذر، وصف بالغلظ، وكان شعاعه ضعيفًا لا ينفذ فيه الحق، وجرمه صلب لا يؤثر فيه الوعظ، وإذا كان يعكس ذلك يوصف بالرقة واللين، فكان حجابة رقيقًا، لا يأبى نفوذ الحق، وجوهره لين يؤثر فيه النصح.
وقال الطيبي: يمكن أن يراد بالفؤاد والقلب: ما عليه أهل اللغة من كونهما مترادفين، فكرَّر ليناط به معنى غير المعنى الأول، فإنَّ الرقة مقابلة للغلظ، واللين مقابل للشدة والقسوة، فوصف أولًا بالرقة ليشير إلى التخلق مع الناس، وحسن العشرة مع الأهل والإخوان.
قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] .
وثانيًا: باللين ليأخذ بأن الآيات النازلة والدلائل المنصوبة راجعة فيها، وصاحبها يقيم على التعظيم لأمر الله تعالى. انتهى.
"الإيمان" وفي رواية: الفقه "يمان" أي: منسوب لأهل اليمن؛ لأن صفاء القلب ورقته ولين جوهره تؤدي إلى عرفان الحق والتصديق به، وهو الإيمان والانقياد.
وقال أبو عبيدة وغيره: معناه: إن مبدأ الإيمان من مكة؛ لأن مكة من تهامة، وتهامة من اليم، وقيل: المراد مكة والمدينة لصدور هذا الكلام من النبي ﷺ وهو بتبوك، فتكون المدينة حينئذ بالنسبة إلى المحل الذي هو فيه يمانية، وقيل: واختاره أبو عبيد أن المراد الأنصار؛ لأنهم يمانون في الأصل، فنسب الإيمان إليهم لكونهم أنصاره.
وقال ابن الصلاح: لو تأملوا ألفاظ الحديث، لما احتاجوا إلى هذا التأويل، لأن قوله: "أتاكمстр. 2400
والحكمة يمانية, والسكينة في أهل الغنم، والفخر والخيلاء في الفدادين أهل الوبر قبل مطلع الشمس".
الحواشي
(١) أهل اليمن" خطاب للناس، ومنهم الأنصار، فتعيِّنَ أن الذين جاءوا غيرهم، قال: ومعنى هذا الحديث وصف الذين جاءوا بقوة الإيمان وكماله، ولا مفهوم له، ثم المراد الموجودون حينئذ منهم، لا كل أهل اليمن في زمان.
قال الحافظ: ولا مانع أن المراد ما هو أعم من قول أبي عبيد وابن الصلاح، وحاصله أنه يشمل من ينسب إلى اليمن بالسكنى وبالقبيلة، لكن كون المراد من ينسب بالسكنى أظهر، بل هو المشاهد في كل عصر من أحوال سكان اليمن وجهة الشمال، فغالب من يوجد من جهة اليمن رقاق القلوب والأبدان، وغالب من يوجد من جهة الشمال غلاظ القلوب والأبدان، "والحكمة يمانية" بخفة الياء- فقلوبهم معادن الإيمان وينابيع الحكمة، والأصل: يمني ويمنية، فحذفت الياء تخفيفًا، وعوَّض عنها بالألف، "والسكينة" بفتح السين وخفة الكاف- الطمأنينية والسكون والوقار والتواضع "في أهل الغنم" لأنهم غالبًا دون أهل الإبل في التوسّع والكثرة، وهما من سبب الفخر والخيلاء.
وعند ابن ماجه عن أم هانئ أنه ﷺ قال لها: "اتخذي الغنم فإنها بركة"، وقيل: أراد بأهل الغنم أهل اليمن؛ لأن غالب مواشيهم الغنم, "والفخر" بفتح الفاء، وإسكان المعجمة، وبالراء- ادَّعاء العِظَمِ والكبر والشرف، ومنه الإعجاب بالنفس "والخيلاء" بضم المعجمة، وفتح التحتية والمد- الكبر واحتقار الغير "في الفدادين" بشد الدال عند الأكثر جع فدّاد، وهو من يعلو صوته في إبله وخيله وحرثه ونحو ذلك، والفديد: الصوت الشديد، وقيل: المكثرون الإبل من مائتين إلى ألف، وقيل: الجمّالون والبقارون والحمارون والرعيان، وقيل: من يسكن الفدافد جمع فدفد، وهو البراري والصحاري وهو بعيد، وحكى تخفيف الدال جمع فدان، والمراد البقر التي يحرث عليها، فهو على حذف مضاف.
قال الحافظ: ويؤيد الأول رواية في البخاري، وغلظ القلوب في الفدادين عند أصول أذناب الإبل "أهل الوبر" بفتح الواو والموحدة وبالراء. للإبل بمنزلة الشعر لغيرها, وهذا بيان للفدادين، أي: ليسوا من أهل المدن، بل من أهل البدو "قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة- جهة "مطلع الشمس".
قال الخطابي: إنما ذمَّ هؤلاء لاشتغالهم بمعالجة ما هم فيه عن أمور دينهم، وذلك يفضي إلى قساوة القلب.
وقال البيضاوي: تخصيص الخيلاء بأصحاب الإبل، والوفاء بأهل الغنم، دليل على أنстр. 2401
رواه مسلم.
وفي البخاري: إن نفرًا من بني تميم جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقال: "أبشروا يا بني تميم"، فقالوا: بشرتنا فأعطنا، فتغيّر وجه رسول الله ﷺ , وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: "أقبلوا البشرى إذ لم يقبلها بنو تميم"، قالوا: قد قبلنا يا رسول الله, جئنا لنتفقه في الدين ونسألك عن هذا الأمر، فقال: "كان الله ولم يكن شيء غيره
الحواشي
(١) مخالطة الحيوان ربما تؤثر في النفس، وتعدى إليها هيئات وأخلاقًا تناسب طباعها، وتلائم أحوالها، "رواه مسلم" وكذا البخاري بنحوه.
"وفي البخاري" من حديث عمران بن حصين "أن نفرًا من بني تميم" بن مر -بضم الميم وشد الراء- ابن أد -بضم الهمزة وشد المهملة -ابن طابخة -بموحدة مكسورة ثم معجمة- ابن إلياس بن مضر بن نزار.
ذكر ابن إسحاق: إن أشرافهم قدموا على النبي ﷺ ، منهم: عطارد، والأقرع، والزبرقان، وعمرو بن الأهتم، والحباب بن يزيد، ونعيم بن يزيد، وقيس بن عاصم، وعيينة بن حصن، وقد كان هو والأقرع شهدا الفتح، وحنينًا، والطائف، ثم كان مع بني تميم "جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فقال: "أبشروا" بهمزة قطع "يا بني تميم"، "بما يقتضي دخول الجنة، حيث عرفهم أصول العقائد التي هي المبدأ والمعاد وما بينهما، "فقالوا" لكون جل شأنهم الدنيا والاستعطاء "بشرتنا فأعطنا" من المال، وقائل ذلك منهم الأقرع بن حابس، ذكره ابن الجوزي, وكان فيه بعض أخلاق البادية ﵁، "فتغيّر وجه رسول الله ﷺ " أسفًا عليهم, كيف آثروا الدنيا، أو لكونه لم يحضره ما يعطيهم فيتألفهم به، أو لكلٍّ منهما، "وجاء نفر من أهل اليمن، فقال: "اقبلوا البشرى" بضم الموحدة وسكون المعجمة والقصر، أي: اقبلوا ما يقتضي أن تبشروا إذا أخذتم به بالجنة، كالتفقه في الدين والعمل به، ورواه الأصيلي اليسرى -بتحتية مهملة ومهملة.
قال عياض: والصواب الأول, "إذ لم يقبلها بنو تميم" وفي رواية: أن بدل إذ وهو -بفتح الهمزة، أي: من أجل تركهم لها، ويروى بكسرها، "قالوا: قد قبلنا" البشرى "يا رسول الله" واستشكل بأن قدوم تميم في التاسعة، والأشعريين قبلهم في السابعة، وأجيب باحتمال أن طائفة من الأشعريين قدموا بعد ذلك "جئنا لنتفقه في الدين، ونسالك عن هذا الأمر" أي: الحاضر الموجود، وكأنهم سألوه عن أحوال هذا العالم، وهو الظاهر، ويحتمل أنهم سألوا عن أول جنس المخلوقات.
وفي قصة نافع بن زيد: ونسألك عن أول هذا الأمر، "فقال: "كان الله" في الأزل منفردًا متوحدًا، "ولم يكن شيء غيره" وللبخاري في التوحيد، "ولم يكن شيء قبله ولغيره بعده"، والقصةстр. 2402
وكان عرشه على الماء, وكتب في الذكر كل شيء".
وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى.
الحواشي
(١) متحدة، فاقتضى ذلك أن الرواية وقعت بالمعنى، لكن الأوّل أصرح في القِدَم، وفيه أنه لم يكن ماء، ولا عرش، ولا غيرهما؛ لأن كل ذلك غير الله، ويكون معنى قوله: "وكان عرشه على الماء" أنه خلق الماء، ثم العرش.
قال الطيبي: هو فصل مستقل؛ لأن القديم من لم يسبقه شيء، ولم يعارضه في الأزلية، فهو إشارة إلى أن الماء والعرش كانا مبدأ هذا العالم، لخلقهما قبل السموات والأرض، فلم يكن تحت العرش إذ ذاك إلا الماء، ويحتمل أنه مطلق، وكان عرشه على الماء، مقيد بقوله: "ولم يكن شيء غيره"، والمراد بكان في الأول الأزلية، وفي الثاني الحدوث بعد العدم.
وقد روى أحمد، والترمذي وصحَّحه مرفوعًا؛ أنَّ الماء خلق قبل العرش، ووقع في بعض الكتب: كان الله ولا شيء معه، وهو الآن على ما عليه كان، وهي زيادة ليست في شيء من كتب الحديث، نبه على ذلك العلامة تقي الدين بن تيمية، وهو مسلم في قوله: "وهو الآن".. إلخ، وأما لفظ: ولا شيء معه، فرواية الباب بلفظ: "ولا شيء غيره" بمعناها.
وفي حديث نافع الحميري: "كان الله لا شيء غيره" بغير واو، "وكتب" قدر "في الذكر،" أي: محله، وهو اللوح المحفوظ "كل شيء" من الكائنات، وبقية الحديث: وخلق السموات والأرض، بالواو في بدء الخلق، وبثمّ في التوحيد، وفي الحديث جواز السؤال عن مبدأ الأشياء، والبحث عن ذلك، وجواب العالم بما يستحضره، والكفّ إن خشي على السائل مفسدة، وفيه: أن جنس الزمان ونوعه حادث، وأن الله تعالى أوجد هذه المخلوقات بعد أن لم تكن، لا عن عجز عن ذلك، بل مع القدرة، واستنبط بعضهم من سؤال الأشعريين عن هذه القصة أن الكلام في أصول الدين، وحدوث العالم مستمر لذريتهم، حتى ظهر ذلك في أبي الحسن الأشعري منهم, أشار إليه ابن عساكر, "وقوله: وجاء نفر من أهل اليمن، هم الأشعريون قوم أبي موسى" ولذلك لم يظهر لي أن المراد بأهل اليمن أهل حمير، لكنَّ لما كان زمان قدوم الطائفتين مختلفًا، ولكل منهما قصة غير قصة الأخرى، وقع العطف, انتهى كله ملخصًا من فتح الباري.
قال: وقد روى البزار عن ابن عباس: بينا رسول الله ﷺ بالمدينة؛ إذ قال: "الله أكر إذا جاء نصر الله والفتح، وجاء أهل اليمن نقية قلوبهم، حسنة طاعتهم، الإيمان يمان، والفقه يمان, والحكمة يمانية".
وروى الطبراني: أن النبي ﷺ قال لعيينة بن حصن: "أي الرجال خير"؟ قال: "أهل نجدة"،
قال: "كذبت، بل هم أهل اليمن الإيمان يمان ... الحديث"، انتهى، وقد أطلت، وما تركته أطول، وإن كان من النفائس خشية الملل.стр. 2403
الوفد التاسع: قدوم صرد بن عبد الله الأزدي
وقدم عليه -صلوات الله وسلامه عليه- صرد بن عبد الله الأزدي، فأسلم وحسن إسلامه، في وفد من الأزد، فأمَّره ﵇ على مَنْ أسلم من قومه، وأمره أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك.
فخرج صرد يسير بأمر رسول الله ﷺ حتى نزل بجرش، وبها قبائل من قبائل العرب،
الحواشي
(١) "الوفد التاسع":
"وقدم عليه -صلوات الله وسلامه عليه- صرد بن عبد الله الأزدي" -بضم الصاد، وفتح الراء ثم دال مهملات, مصروف، فلا يقدر أنه معدول عن صادر؛ لأن العَلَمَ الذي بزنة فَعَلَ إن سُمِعَ مصروفًا، كأدد وصرد لا يقدَّر له العدل ليمنع، وإن سمع منعه، كعمر قدر ليكون فيه علتان، "فأسلم وحسن إسلامه في وفد من الأزد" بفتح الهمزة وبالزاي الساكنة- أي: أزد شنوأة -بفتح المعجمة، وضم النون، فواو، فهمزة بعدها، وقد تشدَّد الواو، سُمِّيَت بذلك لشنآن كان بينهم، ويقال أيضًا: بالسين بدل الزاي، وكانوا خمسة عشر، ولم يقل من قومه لئلَّا يوهم أن المراد من له اختصاص بهم، كإخوته وأقاربه، ولم يقل: قدم وفد الأزد وفيهم صرد، لجواز أنه الذي قصد الوفادة ابتداءً وتبعوه, أو لأنه أفضلهم، "فأمَّره". بشد الميم -أي: جعله "﵇" أميرًا "على مَنْ أسلم من قومه" الذين أتوا معه، وغيرهم ليكن لم يفصح، كغيره بأن جميع القادمين أسلموا مع صرد، أو بعضهم أم لا، "وأمَرَه أن يجاهد بمن أسلم أهل الشرك" أي: من يليه منهم، كما هو لفظ الرواية عند ابن إسحاق وأتباعه، ويحتمل أن المصنّف حذفه؛ لأنه ليس قيدًا، بل هو الغالب، "فخرج صُرْد يسير بأمر رسول الله ﷺ حتى نزل بجرش" بضم الجيم، وفتح الراء، وشين معجمة, مخلاف من مخاليف اليمن -بكسر الميم، أي: كورة، أي: ناحية, ممنوع الصرف، كما يقتضيه قول القاموس، كزفر مخلاف باليمن؛ لأن غالب الأعلام التي على وزن فعل المنع ما لم يسمع مصروفًا.
وقال في الرواية: وهي يومئذ مدينة مغلقة، "وبها قبائل من قبائل العرب" تعبيره به دون اليمن يشعر بأن فيهم غيرهم، ويصرّح به قول الرواية، وقد ضوت عليهم خثعم حين سمعوا بمسير المسلمين إليهم، وخثعم كجعفر, بن أنمار أبو قبيلة من معد، كما في القاموس، فظاهره أنهاстр. 2404
فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها، فرجع عنهم قافلًا، حتى إذا كان في جبل لهم, وظنّوا أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا, خرجوا في طلبه، حتى أدركوه, عطف عليهم فقتلهم قتلًا شديدًا.
وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله ﷺ رجلين منهم، فبينما هما عنده ﵊ عشية, فقال لهما ﵊: "إن بدن الله لتنحر عند شكر"، أي: المكان الذي وقع به قتل قومهم"، قال:
الحواشي
(١) ليست من اليمن، لكن الرواية: وبها قبائل من قبائل اليمن، وقد ضوت، أي: أوت إليهم خثعم، فأفاد أن القبائل التي بجرش إنما هي من اليمن، والزائد عليهم قبيلة واحدة من غيرهم هي خثعم، "فحاصروهم فيها قريبًا من شهر، وامتنعوا فيها" لكونها مدينة، "فرجع عنهم" أي: انصرف عن حصارهم "قافلًا" راجعًا إلى أرضه، فأتى به مع أن القفول الرجوع, دفعًا لإيهام أنه انصرف لقتال غيرهم, أو مكان آخر يقيم به مدة "حتى إذا كان في جبل لهم" وهو شكر، كما يأتي، "وظنّوا أنه إنما ولَّى عنهم منهزمًا، خرجوا في طلبه حتى أدركوه، عطف" رجع "عليهم، فقتلهم قتلًا شديدًا" باعتبار صفته التي وقع عليها، أو كثرته فيهم بقتل غالبهم، فلا يرد أن القتل إزهاق الروح، فلا تفاوت فيه، فهو نحو قولهم: الموت الأحمر إذا كان على حالة رديئة، "وكان أهل جرش بعثوا إلى رسول الله ﷺ رجلين منهم" يرتادان، أي: يطلبان الأخبار وينظران، "فبينما هما عنده ﵊ عشية" بعد العصر، إذ قال ﷺ : "بأي بلاد الله شكر"، فقام الجرشيان، فقالا: يا رسول الله ببلادنا جبل، يقال له كشر، وكذلك تسميه أهل جرش، "فقال لهما ﵊: "إنه ليس بكشر، ولكنه شكر"، قالا: فما شأنه يا رسول الله؟ قال: "إن بدن الله" بضمتين وتسكين الدال للتخفيف، كما في المصباح "لتنحر عند شكر" بفتح الشين المعجمة، وإسكان الكاف وبالراء، جبل من جبال جرش، كما اعتمده البرهان، وهو مقتضى القاموس؛ لأنه قال: الشكر الحر، أي: الفرج ولحمها، ويكسر فيهما, وجبل باليمن، وقاعدته إذا أطلق فتح الأول، يكون الثاني ساكنًا، فإن كان مفتوحًا قيده بقوله محرك، وهو صريح المصباح، ففيه شكر كفلس الحر، وضبط في العيون بالقلم -بفتح الكاف، ووهَّنَه النور، "أي: المكان الذي وقع به قتل قومهم" فإطلاق البدن عليهم استعارة، أو تشبيه بليغ، وأصله: إن قومكم الذين هم كالبدن في عدم الإدراك؛ حيث لم يؤمنوا، وحاربوا المسلمين، وإضافتهم إلى الله إشارة إلى تحقيق الاستعارة؛ حيث جعلوا كالبدن التي تنحر تقربًا, أو إشارة إلى أنهم مخلوقون لله، مغمورون بأنعامه، فأضافهم إليه توبيخًا لهم على عدم الإيمان، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] الآية، فمحاربتهم كأنها إنكار، وجحد للنعمة، "قال:стр. 2405
فجلس الرجلان إلى أبي بكر وعثمان, فقالا لهما: إن رسول الله ﷺ لينعي لكما قومكما. فخرجا إلى قومهما فوجداهم قد أصيبوا في اليوم الذي قال فيه ﷺ ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر.
فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه -صلوات الله وسلامه عليه, فأسلموا, وحمى لهم حمى حول قريتهم.
الحواشي
(١) فجلس الرجلان إلى أبي بكر وعثمان، فقالا لهما" ويحكما "إن رسول الله ﷺ لينعي لكما قومكما" أي: يخبركما بموتهم.
زاد في الرواية: فقوما إليه، فاسألاه أن يدعو الله يرفع عن قومكما، فسألاه ذلك، فقال: "اللهم ارفع عنهم" , "فخرجا إلى قومهما، فوجداهم، قد أصيبوا في اليوم الذي قال فيه ﷺ ما قال، وفي الساعة التي ذكر فيها ما ذكر"؛ لأنه إما عن مشاهدة، أو وحي، ولا ينافي ذلك قوله: "اللهم ارفع عنهم"، لأنها أجيبت في الذين في القرية دون من في الجبل، لوقوعها بعد قتلهم، "فخرج وفد جرش حتى قدموا عليه -صلوات الله وسلامه عليه، فأسلموا, وحمى لهم حمًى" بكسر ففتح, مقصور منوّن "حول قريتهم" على أعلام معلومة للفرس والراحلة ولبقرة الحارث، فمن رعاها من الناس فماله سحت، فقال رجل من الأزد في تلك الغزوة، وكانت خثعم تصيب من الأزد في الجاهلية، وكانوا يعدون في الشهر الحرام:
يا غزوة ما غزونا غير خائبة ... فيها البغال وفيها الخيل والحمر
حتى أتينا جريشًا في مصانعها ... وجمع خثعم قد شاعت لها النذر
إذا وضعت خليلًا كنت أحمله ... فما أبالي جاءوا بعد أم كفرواстр. 2406
الوفد العاشر: بني الحارث بن كعب
قال ابن إسحاق: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى سنة عشر إلى بني الحارث بن كعب بنجران، وأمره أن يدعوهم إلى.
الحواشي
(١) "الوفد العاشر":
وقد بنى الحارث بن كعب، "قال ابن إسحاق: بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد،" سيف الله المخزومي "في شهر ربيع الآخر، أو جمادى الأولى،" يحتمل أنه شك، أو إشارة إلى قولين، فقد حكاهما الحاكم في الإكليل قولين، مصدِّرًا بالأول "سنة عشر, إلى بني الحارث بن كعب، بنجران" ناحية بين اليمن وهجر, سُمِّيَ بنجران بن زيد بن سبأ، "وأمره أن يدعوهم إلىстр. 2407
الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا، فإن استجابوا فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا فقاتلهم.
فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا، فأسلم الناس ودخلوا فيما دعوا إليه.
فأقام خالد فيهم، يعلمهم الإسلام, وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك, ثم أقبل على رسول الله ﷺ ومعه وفدهم، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد بن المحجل، وشداد بن عبد الله.
الحواشي
(١) الإسلام قبل أن يقاتلهم ثلاثًا" من الأيام، متعلق بيدعوهم، "فإن استجابوا" بسين التأكيد، أي: أجابوا إليه، "فاقبل منهم، وإن لم يفعلوا، فقاتلهم، فخرج خالد حتى قدم عليهم، فبعث الركبان يضربون" يسيرون "في كل وجه، ويدعون إلى الإسلام، ويقولون: أيها الناس أسلموا تسلموا" في الدارين، "فأسلم الناس، ودخلوا فيما دعوا إليه، فأقام خالد فيهم يعلمهم الإسلام" وكتاب الله وسنة نبيه، وبذلك كان أمره ﷺ : إن هم أسلموا ولم يقاتلوا، كما عند ابن إسحاق، "وكتب إلى رسول الله ﷺ بذلك" فكتب إليه يأمره بالقدوم، ومعه وفدهم، وقد ذكر ابن إسحاق لفظ الكتابين، "ثم أقبل على رسول الله ﷺ ومعه وفدهم" كما أمره "منهم قيس بن الحصين" بن يزيد بن شداد الحارثي الكعبي الصحابي.
قال ابن الكلبي: رأس الحسين، والد قيس مائة سنة، وكان له أربعة أولاد، يقال لهم: فوارس الأرباع، كانوا إذا حضرت الحرب ولَّى كل واحد منهم ربغها، ويقال للحصين: ذو الغصة لغصة كانت في حلقه، لا يكاد يبين معها الكلام، وذكره عمر بن الخطاب يومًا، فقال: لا تزاد امرأة في صداقها على كذا، ولو كانت بنت ذي الغصة، كما في الروض، وربما وصف بها ابنه قيس.
قال البرهان: ويحتمل أن يقال له: ذو الغصة، وابن ذي الغصة؛ لأنه وأباه كان بهما الغصة، وفيه بعد، "ويزيد بن المحجل" بميم، فحاء، فجيم، فلام، كما هو رسمه في ابن إسحاق وأتباعه، كالإصابة، فنسخة المحمل تحريف، "وشداد بن عبد الله" الغساني، ويقال: القناني -بفتح القاف، وتخفيف النون، وهو الصواب، قاله في الإصابة.
زاد ابن إسحاق: ويزيد بن عبد المدان، وعبد الله بن قراد الزيادي، وعمرو بن عبد الله الضبابي، كذا رأيته في ابن إسحاق.
وفي نقل الإصابة، عن عبد الله بن قريظ، وعمرو بن عمرو، وقال عقبة: وزاد الواقدي عبد الله بن عبد المدان، وقال في عبد الله بن قريظ: عبد الله بن قراد، وفي عمرو بن عمرو وعمرو بن عبد الله، والباقي سواء. انتهى، فلعلَّ هذا رواية غير ابن هشام، عن البكائي، عنстр. 2408
وقال لهم ﵊: "بم كنتم تغلبون من قاتلكم"؟ , قال: كنا نجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: "صدقتم".
وأمَّرَ عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوال أو من ذي القعدة، فلم يمكثوا إلا أربعة أشهر حتى توفي رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) ابن إسحاق؛ إذ روايته موافقة لما عند الواقدي، كما رأيت.
قال ابن إسحاق: فلمَّا رآهم النبي ﷺ قال: "من هؤلاء القوم الذين كأنهم رجال الهند"؟ قيل: هؤلاء بنو الحارث بن كعب، فسلَّموا عليه وقالوا: نشهد أنك لرسول الله, وأنه لا إله إلا هو، فقال: "وأنا أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله"، ثم قال: "أنتم الذين إذا زجروا استقدموا"، فسكتوا، فأعادها ثلاث مرات، فقال يزيد بن عبد المدان بعد الرابعة: نعم يا رسول الله, نحن الذين إذا زجروا استقدموا، قالها أربع مرات، فقال ﷺ : "لو أنَّ خالدًا لم يكتب إليّ أنكم أسلمتم، ولم تقاتلوا؛ لألقيت رءوسكم تحت أقدامكم"، فقال يزيد بن عبد المدان: أما والله ما حمدناك وما حمدنا خالدًا، قال: "فمن حمدتم"؟ قال: حمدنا الله الذي هدانا بك يا رسول الله، قال: "صدقتم".
"وقال لهم ﵊: "بم كنتم تغلبون من قاتلكم" في الجاهلية؟ قال: لم نكن نغلب أحدًا، قال: "بلى قد كنتم تغلبون من قاتلكم"، "قال -أي: يزيد بن عبد المدان: كما رأيت، فتصرف المصنّف في الرواية، فلم يعلم منه فاعل، قال: وفي نسخة قالوا: وهي أظهر؛ لأنه حكاه بالمعنى، فنسبه إليهم، وأنَّ المتكلم يزيد لكونهم عليه "كنا نجتمع ولا نتفرق ولا نبدأ أحدًا بظلم، قال: "صدقتم".
وروى ابن شاهين في الصحابة أنه ﷺ قال لهم: "ما الذي تغلبون به الناس وتقهرونهم"؟ قالوا: لم نقل فندل، ولم نكثر فنتحاسد ونتجادل، ونجتمع ولا نتفرق، ولا نبدأ أحدًا بظلم، ونصبر عند البأس، فقال: "صدقت"، "وأمَّر" بشد الميم "عليهم قيس بن الحصين، فرجعوا إلى قومهم في بقية من شوَّال، أو من ذي القعدة".
لفظ ابن إسحاق: أو في صدر ذي القعدة، "فلم يمكثوا إلّا أربة أشهر حتى توفي رسول الله ﷺ ".
زاد ابن إسحاق: وكان ﷺ بعث إليهم بعد أن ولّى وفدهم عمرو بن خرم ليفقههم في الدين، ويعلمهم السنة ومعالم الإسلام، ويأخذ منهم صدقاتهم، وكتب إليه كتابًا عهد إليه فيه عنده، وأمَّره فيه أمره، وذكر لفظ الكتاب مطولًا، والله أعلم.стр. 2409
الوفد الحادي عشر: وفد همدان
وقدم عليه ﷺ وفد همدان، فيهم: مالك بن النمط، وضمام بن مالك، وعمرو بن مالك،
الحواشي
(١) "الوفد الحادي عشر":
"وقدم عليه ﷺ وفد همدان" بفتح الهاء، وإسكان الميم، وبالدال المهملة- شعب عظيم من قحطان، وأمَّا بفتح الميم والذال المعجمة فمدينة بالجبال، لكن ليس منها أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا تابعيهم, إنما هم من الأولى التي هي القبيلة، "فيهم مالك بن النمط" بن قيس بن مالك بن سعد بن مالك الهمداني، ثم الأرحبي -بفتح الهمزة، وإسكان الراء، وحاء مهملة مفتوحة وموحدة- نسبة إلى أرحب, بطن من همدان.
قال أبو عمر: يقال فيه اليامي -بالتحتية، فألف، فميم- نسبة إلى يام من همدان، قال: ويقال: الخارفي، أي: بخاء معجمة، وراء مكسورة، ثم فاء، يعني: أن منهم من ينسبه إلى جده الأعلى همدان، ومنهم من ينسبه إلى أحد آبائه يام، أو خارف، أو أرحب، وهو واحد يكنَّى أبا نور، ولقبه ذو المشغار -بميم مكسورة فشين فغين معجمتين أو مهملتين، ثم راء, كان شاعرًا محسنًا, له في النبي ﷺ أبيات حسان هي:
ذكرت رسول الله في فحمة الدجى ... ونحن بأعلى رحرحان وصلدد
وهن بنا خوض طلائع تعتلى ... بركبانها في لاحب متمدد
على كل فتلاء الذراعين جسرة ... تمر بنا مر الهجف الحفيدد
حلفت برب الراقصات إلى منى ... صوادر بالركبان من هضب قردد
بأن رسول الله فينا مصدق ... رسول أتى من عند ذي العرش مهتد
فما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد
وأعطى إذا ما طالب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفي المهند
ونمط -بنون، فميم مفتوحتين، فطاء مهملة, نوع من البُسُط، فهو علم منقول على الظاهر، أو لقب لأمر اقتضاه، "وضمام بن مالك" بكسر الضاد المعجمة، وخفة الميم الأولى- السلماني، نسبة إلى جد له اسمه سلمان، ترجم له في الإصابة وقال: قدم على النبي ﷺ مرجعه من تبوك، ذكره أبو عمر, في ترجمة مالك بن نمط، وزعم الرشاطي أنه الذي قبله، يعني: ضمام بن زيد بن ثوابة بن الحكم بن سلمان بن عبد عمرو بن الخارف بن مالك بن عبد الله بن كبير بن مالك بن جشم بن حامد بن جشم بن خيران بن نوف الهمداني، ثم الخارفي.
قال ابن الكلبي، والطبري والهمداني: وفد على النبي ﷺ وأسلم، "وعمرو" كذا في النسخ، والذي في ابن هشام عميرة "بن مالك" الخارفي، وهو الصواب، ففي الإصابة: عميرة -بالتصغير- ابن مالك الخارفي، ذكره أبو عمر في ترجمة مالك ابن نمط، ولم يذكره هنا، فاستدركهстр. 2410
فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه من تبوك، وعليهم مقطعات الحبرات والعمائم العدنية، على الرواحل المهرية والأرحبية، ومالك بن النمط يترجز بين يديه ﷺ
الحواشي
(١) ابن الأثير، وأغفله ابن فتحون وهو على شرطه، انتهى. فضبط النور لعمير مكبرًا فيه نظر، وكأنه انتقال نظر، فإن عميرة المكبَّر ابن فروة الكندي, صحابي ذكره في الإصابة قبل هذا، وضبطه بزنة عظيمة، ولا يصح أن يريد المصنف عمرو بن مالك بن لاي الأرحبي؛ لأنه ليس مما جاء مع الوفد، وإنما أتى في حجة الوداع.
ففي الإصابة: عمرو بن مالك بن لاي الأرحبي، يكنَّى أبا زيد، ذكر الرشاطي أن قيس بن نمط لما وفد على النبي ﷺ , وصفه بأنه فارس مطاع، فكتب إليه النبي، ثم دخل مكة بعد الهجرة، فصادف النبي ﷺ قد هاجر إلى المدينة، ثم وفد في حجة الوداع إلى النبي ﷺ ، ذكره الهمداني في الإكليل، ولما حكى في الإصابة عن أبي عمران الوافد مالك بن نمط، قال: وسيأتي في ترجمة نمط بن قيس بن مالك أنه الوافد، وقيل: أبوه قيس، والذي يجمع الأقوال أنهم وفدوا جميعًا، فقد ذكر الحسن بن يعقوب الهمداني أنهم كانوا مائة وعشرين نفسًا، ذكره عنه الرشاطي. انتهى، وزاد ابن هشام في روايته: مالك بن أيفع, "فلقوا رسول الله ﷺ مرجعه" اسم لزمان الرجوع، أي: لقوه في زمن رجوعه "من تبوك", وكان في رمضان سنة تسع عند ابن إسحاق وابن سعد، وقيل: في شعبان, "وعليهم مقطعات الحبرات" بكسر المهملة، كما في النور، والقاموس وغيرهما, جمع حبرة, بزنة عنبة وعنبات، ففتحها سبق قلم -وفتح الموحدة فألف فراء- برود تصنع باليمن، والمقطعات: الثياب القصار، قاله أبو عبيد محتجًّا بحديث ابن عباس في صلاة الضحى: إذا انقطعت الظلال، أي: قصرت، وبقولهم في الأراجيز: مقطعات، وخطاه ابن قتيبة وقال: إنما هي الثياب المخيطة، كالقميص ونحوه، سُمِّيَت بذلك؛ لأنها تقطع وتفصّل ثم تخاط، والظاهر ما قاله ابن قتيبة، فلا معنى لوصفها بالقصر في هذا الموطن، قاله السهيلي، وحكى ابن الأثير القولين، فقال: المقطعات ثياب قصار؛ لأنها قطعت عن تلوث القمام. وقيل: كل ما يفصّل ويخاط من قيمص وغيره، بخلاف ما لا يقطع منها كالأزر والأردية. انتهى. "والعمائم العدنية" بعين فدال مهملتين مفتوحتين- نسبة إلى عدن, مدينة باليمن, "على الرواحل المهرية" بفتح الميم وإسكان الهاء وكسر الراء- نسبة إلى مهرة قبيلة من قضاعة "والأرحبية" بفتح الهمزة والحاء بينهما راء ساكنة ثم موحدة- نسبة إلى أرحب, بطن من همدان, كما سبق، والمعنى: إنهم قدموا متجمِّلين بالثياب والعمائم والرواحل المنسوبة لما ذكر، ولها شأن عندهم، وهذا مما يقوي تفسير ابن قتيبة للمقطعات؛ إذ القصار لا تجمل فيها غالبًا، ولذا استظهره السهيلي, "ومالك بن النمط يرتجز بين يديه ﷺ " ويقول:стр. 2411
وذكروا له كلامًا كثيرًا حسنًا فصيحًا.
فكتب لهم ﵊ كتابًا أقطعهم فيه ما سألوه، وأمَّرَ عليهم مالك بن النمط، واستعمله على من أسلم من قومه، وأمره بقتال ثقيف. وكان لا يخرج لهم سرح إلّا أغار عليه.
وروى البيهقي بإسناد صحيح عن البراء بن عازب أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام. قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام فلم يجيبوا، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب فأمره أن يقفل خالدًا إلا رجلًا ممن كان مع
الحواشي
(١) إليك جاوزن سواد الريف ... في هبوات الصيف والخريف
محظمات بحبال الليف
"وذكروا له كلامًا كثيرًا حسنًا فصيحًا، فكتب لهم ﵊ كتابًا" من جنس كلامهم، "أقطعهم فيه ما سألوه" وذكر المصنف ذلك بتمامه في المقصد الثالث, "وأمَّرَ عليهم مالك بن النمط، واستعمله" جعله عاملًا، أي: أميرًا "على من أسلم من قومه" ولا ينافي ذلك ما رواه ابن شاهين وغيره: أن قيس بن مالك وفد على النبي ﷺ وهو بمكة فأسلم، ورجع إلى قومه، ثم رجع إلى النبي ﷺ بأنَّ قومه أسلموا، فقال ﷺ : "نعم وافد القوم قيس" وأشار بإصبعه إليه، وكتب عهده على قومه همدان: عربها ومواليها وخلائطها، أن يسمعوا له ويطيعوا، ولهم ذمة الله ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، انتهى لاحتمال أنَّه شرك مع قيس بعد ذلك مالك بن نمط، أو غير ذلك، "وأمره بقتال ثقيف، وكان" في العيون، فكان بالفاء، وهي أحسن، كما لا يخفى "لا يخرج لهم سرح" بفتح السين وإسكان الراء وحاء مهملات: مال سائم، أي: راع "إلا غار عليه" أخذه، وهذا الذي ساقه المصنف وقع في سيرة ابن هشام من زيادته بإسناد ضعيف مرسل، "و" جاء ما يخالفه، فقد "روى البيهقي بإسناد صحيح، عن البراء بن عازب" الصحابي ابن الصحابي, "أن النبي ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى" بعض "أهل اليمن" وهم همدان، كما يدل عليه بقية الحديث، "يدعوهم إلى الإسلام".
"قال البراء: فكنت فيمن خرج مع خالد بن الوليد، فأقمنا ستة أشهر ندعوهم إلى الإسلام، فلم يجيبوا، ثم إن النبي ﷺ بعث علي بن أبي طالب، فأمره أن يقفل" بضم الياء وسكون القاف وكسر الفاء، أي: يرجع "خالدًا إلّا رجلًا،" أي: جنسه، يعني، أي: رجل "ممن كان مع خالد أن" سقط من لفظ البيهي، أراد أن "يعقب" بضم الياء، وفتح العين، وشد القافстр. 2412
خالد أن يعقب مع علي.
فلمَّا دنونا من القوم خرجوا إلينا، فصلى بنا علي، ثم صفَّنا صفًّا واحدًا، ثم تقدَّم بين أيدينا، فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان جميعًا، فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم, فلما قرأ رسول الله ﷺ الكتاب خَرَّ ساجدًا, ثم رفع رأسه فقال: "السلام على همدان، السلام على همدان" مرتين، وأصل الحديث في صحيح البخاري.
وهذا أصحّ مما تقدم،
الحواشي
(١) المكسورة، أي: يرجع "مع علي" إلى اليمن، بعد أن رجع منه، ولفظ رواية البخاري: "مر أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقب معك فليعقب، ومن شاء فليقبل".
قال البراء: فكنت فيمن عقب معه، "فلما دنونا من القوم خرجوا إلينا" مقاتلين، فدعاهم علي إلى الإسلام، فأبوا، ورموا بالنبل والحجارة، فحمل عليهم علي بأصحابه، فقتل منهم عشرين رجلًا، فتفرقوا وانهزموا، فكفَّ عنهم قليلًا، كما عند ابن سعد وغيره، ففي الحديث اختصار. انتهى، "فصلَّى بنا علي، ثم صفَّنا صفًّا واحدًا" ليريهم قوتهم على الحرب، "ثم تقدَّم بين أيدينا" حتى لحقهم ودعاهم إلى الإسلام، "فقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ ، فأسلمت همدان جميعًا".
وعند ابن سعد: فأسرعوا وأجابوا، وبايعه نفر من رؤسائهم على الإسلام، وقالوا: نحن على من وراءنا من قومنا، وهذه صدقاتنا، فخذ منها حق الله، وجمع عليُّ الغنائم، فجزأها خمسة أجزاء، فكتب في سهم منها الله، وأقرع عليها، فخرج أول السهام سهم الخمس، وقسم على أصحابه بقية المغنم، "فكتب علي إلى رسول الله ﷺ بإسلامهم", أي: بإسلام من كان باقيًا منهم على الشرك، فلا يخالف ما تقدَّم أن القادمين في الوفد أسلموا، وأمَّرَ عليهم مالكًا، "فلمَّا قرأ رسول الله ﷺ الكتاب" أي: قرئ عليه "خَرَّ ساجدًا" شكر الله على إسلامهم، "ثم رفع رأسه، فقال: "السلام عى همدان، السلام على همدان" مرتين، وأصل الحديث في صحيح البخاري", وهو من إفراده عن مسلم عن البراء: بعثنا رسول الله ﷺ مع خالد إلى اليمن، ثم بعث عليًّا بعد ذلك مكانه، قال: "مُرْ أصحاب خالد من شاء منهم أن يعقِّبَ فليعقب، ومن شاء فليقبل".
قال البراء: فكنت فيمن عقب، فغنمت أواقي ذات عدد.
قال الحافظ: لم أقف على تحريرها، "وهذا أصحّ مما تقدَّم" المخالف له من وجهين،стр. 2413
ولم تكن همدان تقاتل ثقيفًا ولا تغير على سرحهم، فإن همدان باليمن وثقيف بالطائف. قاله ابن القيم في الهدي النبوي.
الحواشي
(١) أحدهما: أنهم وفدوا وأسلموا، وأمَّرَ عليهم مالكًا، وهذا الحديث الصحيح، أنه بعث إليهم خالدًا، ثم عليًّا، فلو كان كذلك ما بعثهما واحدًا بعد واحد، ويمكن الجمع بينهما بأنَّ البعث لمن لم يسلم ولم يأت، والتأمير إنما هو على القوم الذين أسلموا، وإن جمع الكل اسم همدان، فلا خلف على أنه في فتح الباري.
قال في حديث البراء: إن البعث كان بعد رجوعهم من الطائف، وقسمة الغنائم بالجعرانة. انتهى، فالوفد إنما كان بعد البعث؛ لأنه في آخر الثامنة، والوفد في التاسعة، والوجه الثاني ما ذكره بقوله: "ولم تكن همدان تقاتل ثقيفًا، ولا تُغِيرُ على سرحهم، فإن همدان باليمن، وثقيف بالطائف" وهذه علة أقوى من الأولى، ويحتمل على بعد أنه ﵇ أمره إذا مَرَّ عليهم في عوده لليمين بقتالهم ففعل، وأغار على سرحهم، ولم يمكنه القتال لتحصنهم بحصنهم، ولا يخالف ذلك التعبير بكان مع المضارع، فإنه يصدق ولو بمرة، كحديث كان يبعث ابن رواحة يخرص تمر خيبر، مع أنه إنما بعثه مرة واحدة، ولأن كلًّا من وفدي ثقيف وهمدان قدم مراجعة من تبوك؛ لاحتمال أن همدان سبقوهم "قاله" أي: جميع ما ذكره في ذا الوفد "ابن القيم في الهدي النبوي" أي: كتابه: زاد المعاد في هدي خير العباد.стр. 2414
الوفد الثاني عشر: وفد مزينة
روى البيهقي عن النعمان بن مقرن قال: قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة
الحواشي
(١) "الوفد الثاني عشر":
وفد مزينة -بضم الميم، وفتح الزاي، وسكون التحتية- بعدها نون- اسم امرأة عمرو بن أد بن طابخة، -بموحدة ومعجمة- ابن إلياس بن مضر، وهي مزينة بنت كلب بن وبرة، وهي أمّ أوس وعثمان ابني عمر وفذرية, هذين يقال لهم: مزينة والمزنيون، ومن قدماء الصحابة منهم عبد الله بن مغفل وعمّه خزاعي، وإياس بن هلال, وابنه قُرَّة وآخرون، كما في الفتح، ولعلَّ المصنف لم يقل، وقدم عليه وفد مزينة على قياس سابقه، إشارةً إلى أنَّه لا يتعيِّن.
"روى البيهقي" ومن قبله الإمام أحمد "عن النعمان بن مقرن" بضم الميم وفتح القاف وكسر الثقيلة ونون- ابن عائذ المزني, كان معه مزينة يوم فتح مكة، وله ذكر كثير في فتوح العراق، وهو الذي فتح أصبهان وسكن البصرة، ثم تحوّل إلى الكوفة، وقدم بشيرًا بفتح القادسية على عمر، واستشهد في خلافته بنهاوند سنة إحدى وعشرين.стр. 2415
رجل من مزينة، فلمَّا أردنا أن ننصرف قال: "يا عمر، زوّد القوم"، قال: ما عندي إلا شيء من تمر ما أظنه يقع من القوم موقعًا. قال: "انطلق فزودهم" , فانطلق بهم، فأدخلهم منزله, ثم أصعدهم إلى علية، فلمَّا دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق، فأخذ القوم منه حاجتهم. قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت: وما أفقد موضع تمرة من مكانها.
الحواشي
(١) "قال: قدمنا على رسول الله ﷺ أربعمائة رجل من مزينة", وعند ابن سعد عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه، عن جده: أوّل من وفد على النبي ﷺ من مضر أربعمائة من مزينة, وفي الألفية:
أوّل وفد وفدوا المدينة ... سنة خمس وفدوا مزينة
زاد في رواية: وجهينة، فلعلَّهم كانوا قليلًا، أو أتباعًا، فلم يعدهم النعمان، "فلما أردنا أن ننصرف قال:" وفي رواية: قال القوم: يا رسول الله, ما لنا من طعام نتزوده؟ فقال: "يا عمر زود القوم"، قال: ما عندي" ما أزودهم به "إلا شيء من تمر، ما أظنه يقع من القوم موقعًا" لقلته، "قال: "انطلق فزودهم"، فانطلق بهم، فأدخلهم منزله" بيته، "ثم أصعدهم إلى علية" بكسر العين وضمها- غرفة، "فلمَّا دخلنا إذا فيها من التمر مثل الجمل الأورق" بهمزة مفتوحة فواو ساكنة فراء فقاف- ما في لونه بياض إلى سواد، وهو أطيب الإبل لحمًا لا سيرًا وعملًا. قاله القاموس، وهذا معجزة له ﷺ ، فإنه كان قليلًا في الواقع، فأخبر بذلك عمر على ما يعلمه منه، "فأخذ القوم منه حاجتهم".
"قال النعمان: وكنت في آخر من خرج، فنظرت وما أفقد موضع تمرة من مكانها" معجزة أخرى له ﵇؛ حيث زاد القليل، وأخذوا كفايتهم منه، واستمرَّ على زيادته، وفي رواية: وقد احتمل منه أربعمائة، وكأنا لم نرزأه تمرة -بنون مفتوحة فراء ساكنة فزاي مفتوحة فهمزة فهاء, أي: ننقصه، انتهى.стр. 2416
الوفد الثالث عشر: وفد دوس
وفد دَوْس: وكان قدومهم عليه ﷺ بخيبر.
الحواشي
(١) "الوفد الثالث عشر":
"وفد دَوْس" بفتح المهملة وسكون الواو ومهملة- قبيلة أبي هريرة، ينسبون إلى جدِّهم دَوْس بن عدنان. -بضم المهملة فدال ساكنة فمثلثة فألف- ابن عبد الله، ينتهي نسبهم إلى الأزد، فدوس مصروف؛ لأنه في الأصل علم لمذكَّر؛ ولأن أصل الأسماء الصرف حتى يوجدстр. 2417
قال ابن إسحاق:
كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرِّق بين المرء وابنه, وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أدني حين غدوت إليه كرسفًا،
الحواشي
(١) مانعه، "وكان قدومهم عليه ﷺ بخيبر" كما سيأتي في القصة، فهو سنة سبع.
"قال ابن إسحاق" في السيرة بلا إسناد في غالب النُّسَخ، وفي نسخة أسندها عن صالح بن كيسان، عن الطفيل، وكذا أخرجه ابن سعد من وجه آخر، وكذا الأموي وابن الكلبي بإسناد آخر، كما في الإصابة، "كان الطفيل بن عمرو" بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس "الدوسي" لقبه ذو النور -براء آخره- لما يجيء.
قال البوي: أحسبه سكن الشام، واستُشْهِد بأجنادين في خلافة الصديق، أو باليمامة، أو باليرموك، أقوال "يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها" قبل الهجرة، "فمشى إليه رجال من قريش".
قال في النور: لا أعرفهم بأعيانهم، "وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا".
زاد ابن سعد: كثير الضيافة، وهذه الأوصاف جملة معترضة، ليست مما حدَّث به الطفيل، وإنما هي حدث بها عبد الواحد ابن أبي عون الدوسي، كما عند ابن سعد، "فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا" أمكنة، واعتقادًا بأن أزال الألفة بينهم وفرَّقهم في البلاد، "وشتت أمرنا" أي: فرَّق ما كنَّا عليه من اعتقاد عبادة الأصنام، بعد أن كنَّا كشيء واحد، فهو عطف مباين أولى من جعله تفسيرًا؛ إذ التأسيس خير من التأكيد، "وإنما قوله كالسحر" كأنه عطف علة على معلول، أي: إنما فعل ذلك بنا لأن كلامه كالسحر يسلب العقول، "يفرّق بين المرء" مثلث الميم "وابنه" بنون أو تحتية, "وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه" امرأته, أفصح من زوجته، وهذا بيان لجهة السحر، "وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا" من الكلام الذي يفتن به، حتى تبعه من تبعه، "فلا تكلمه، ولا تسمع منه" لئلا تفتتن، "قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت" أجمعت وصمَّمت "أن لا أسمع منهстр. 2418
فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد, فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريًبا منه، فأبى الله أن يسمعني بعض قوله: فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت: واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنًا قبلت، وإن كان قبيحًا تركت.
قال: فمكثت حتى أتى ﵊ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد, إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف أن لا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرض عليَّ أمرك.
فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن،
الحواشي
(١) شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنيّ" تثنية أذن "حين غدوت إليه كرسفًا" بضم الكاف والسين بينهما راء ثم فاء- القطن، ويقال فيه أيضًا: كرسوف بزنة زنبور، "فرقًا" خوفًا "من أن يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد, فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلّا أن يسمعني بعض قوله", هذا لفظ رواية ابن إسحاق، فنسخة: أن لا يسمعني، تصحيف، وإن أمكن توجيهها بأن المعنى منع على عدم السماع، "فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت: واثكل أمياه"، أصله: أمي -بياء المتكلم، فتقلب ألفًا، وتلحقها هاء السكت، وقد يجمع بين الألف والياء، كما هنا، والذي رأيته في ابن إسحاق: أمي على الأصل، "والله إني لرجل لبيب" عاقل "شاعر, ما يخفى عليّ الحسن" أي: تمييزه "من القبيح, فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول, فإن كان ما يقول"، أي: إن ظهر لي قوله "حسنًا قبلت"؛ لأنه ثمرة العقل، "وإن كان قبيحًا تركت، قال: فمكثت حتى أتى ﵊ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته" دخلت عليه، "فقلت: يا محمد, إن قومك قد قالوا لي" بلام الجرِّ، وفي نسخة إليَّ، أي: أوصلوا إليَّ، "كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك" بنون واحدة، وأصله بنونين، حذفت إحداهما تخفيفًا، وفي أن المحذوفة الأولى والثانية خلاف "حتى سددت أذني" تثنية أذن "بكرسف"؛ لأجل "أن لا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا" فردَّ الله كيدهم في نحورهم، وقلب مكرهم عليهم، والله متمَّ نوره، ولو كره الكافرون، "فاعرض علي أمرك" بهمزة وصل من عرض ظهر، "فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليстр. 2419
فلا والله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي, وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية.
قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللَّهم في غير وجهي، إني أخشى أن يقولوا إنها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلمَّا جئت أتاني
الحواشي
(١) القرآن،" أي: بعضه، وهو الإخلاص والمعوّذتان، كما أفاده الإصابة عن أبي الفرج الأصبهاني، "فلا والله ما سمعت قولًا قط أحسن منه" أي: من قوله، "ولا أمرًا أعدل منه" من أمره الذي فهمته من قوله من الأحكام والمعاني التي استفدتها من كلامه، ويجوز عود ضميره للقول أيضًا، "فأسلمت" انقدت باطنًا لاستحساني قوله، "وشهدت شهادة الحق" أي: نطقت بها، فليس عطف تفسير؛ إذ الأصل خلافه، وأنشد له المرزباني يخاطب قريشًا، وكانوا هددوه لما أسلم:
ألا أبلغ لديك بني لؤي ... على الشنان والغضب المردي
بأن الله رب الناس فرد ... تعالى جده عن كل ند
وأن محمدًا عبدًا رسولًا ... دليل هدى وموضح كل رشد
وأن الله جلله بهاء ... وأعلى جده في كل جد
"وقلت: يا رسول الله, إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم، فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية" أي: علامة، وأسقط من رواية ابن إسحاق: تكون عونًا لي عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: "اللهمَّ اجعل له آية"، وعند الطبراني: "اللهم نوّر له"، وفي التقليح لابن الجوزي "اللهم اجعل له نورًا"، "قال الطفيل: "فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية" طريق في الجبل "تطلعني على الحاضر" هَمَّ القوم النزول على ماء يقيمون به، لا يرحلون عنه، ويقال للمناهل: المحاضر للاجتماع والحضور عليها.
قال الخطابي: ربما جعلوا الحاضر اسمًا للمكان المحضور، يقال: نزلنا حاضر بني فلان، فاعل بمعنى مفعول، "وقع نور بين عيني مثل المصباح" أي: قرب مما بين عينية، ولم يصبه, "فقلت: اللهمَّ في غير وجهي" اجعل هذه الآية, "إني أخشى أن يقولوا" لفظ ابن إسحاق: يظنوا "أنها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع في رأس سوطي".
زاد الطبري: فكان يضيء في الليلة المظلمة، فسمِّيَ ذا النور، قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي، "كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم وأصبحتстр. 2420
أبي -وكان شيخًا كبيرًا- فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني, فديني دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهّر ثيابك ثم تعالى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني, فلستُ منك ولستِ مني، قالت: لِمَ؟ قلت: فرَّق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك, فأسلمت.
ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام، فأبطئوا عليَّ, فجئت رسول الله ﷺ فقلت:
الحواشي
(١) فيهم، فلمَّا جئت أتاني أبي، وكان شيخًا كبيرًا، فقلت: إليك عنِّي يا أبت، فلستَ منِّي ولستُ منك، قال: ولِمَ يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني, فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهِّر ثيابك" وليس فيه رضاه ببقائه كافرًا حتى يعود؛ لأن قوله: فدينك إيمان ديني عند كثير، وإن لم ينطق بالشهادتين، "ثم تعالَ أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم" فنطق بالشهادتين، وأظهر له ما يدخل به في الإسلام ظاهرًا، ويترتب عليه أحكامه، فلا يُرَدّ أنه أسلم أوّلًا بقوله: فديني دينك، وقد ترجم له في الإصابة في القسم الأوّل عمرو بن طريف، والد أبي الطفيل، وذكر من القصة قول الطفيل له، وإسلامه ناسبًا لابن إسحاق، ولم يذكر أنه وفد واجتمع بالنبي ﷺ ، فلعله وقف عليه، وإلّا فهو مخضرم.
وعند أبي الفرج في الأغاني من طريق الكلبي: فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، "ثم أتتني صاحبتي" يعني: زوجته.
قال في النور: لا أعرف اسمها، "فقلت لها: إليك عني، فلستُ منك ولستِ مني، قالت: ولِمَ؟ قلت: فرَّق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك" أسقط من الرواية في ابن إسحاق، فقلت: فاذهبي إلى حنى ذي الشرى.
قال اب هشام: ويقال: حمى ذي الشرى, فتطهري منه، قال: وكان ذو الشرى صنمًا لدَوْس، حموا له ماء يهبط من جبل، فقالت: بأبي أنت وأمي, أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئًا، قلت: لا أنا ضامن ذلك، قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت, فعرضت عليها الإسلام، "فأسلمت".
وفي الروض: حنى بالنون عند ابن إسحاق، والميم عند ابن هشام، موضع حموه لصنمهم، فإن صحة رواية النون، فالنون قد تبدل من الميم، "ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام فأبطئوا عليَّ"следующие страницы →