Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.
стр. 2416
الوفد الثالث عشر: وفد دوس
وفد دَوْس: وكان قدومهم عليه ﷺ بخيبر.
الحواشي
(١) "الوفد الثالث عشر":
"وفد دَوْس" بفتح المهملة وسكون الواو ومهملة- قبيلة أبي هريرة، ينسبون إلى جدِّهم دَوْس بن عدنان. -بضم المهملة فدال ساكنة فمثلثة فألف- ابن عبد الله، ينتهي نسبهم إلى الأزد، فدوس مصروف؛ لأنه في الأصل علم لمذكَّر؛ ولأن أصل الأسماء الصرف حتى يوجدстр. 2417
قال ابن إسحاق:
كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا، وشتَّت أمرنا، وإنما قوله كالسحر، يفرِّق بين المرء وابنه, وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه، وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمه ولا تسمع منه.
قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت أن لا أسمع منه شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أدني حين غدوت إليه كرسفًا،
الحواشي
(١) مانعه، "وكان قدومهم عليه ﷺ بخيبر" كما سيأتي في القصة، فهو سنة سبع.
"قال ابن إسحاق" في السيرة بلا إسناد في غالب النُّسَخ، وفي نسخة أسندها عن صالح بن كيسان، عن الطفيل، وكذا أخرجه ابن سعد من وجه آخر، وكذا الأموي وابن الكلبي بإسناد آخر، كما في الإصابة، "كان الطفيل بن عمرو" بن طريف بن العاص بن ثعلبة بن سليم بن فهم بن غنم بن دوس "الدوسي" لقبه ذو النور -براء آخره- لما يجيء.
قال البوي: أحسبه سكن الشام، واستُشْهِد بأجنادين في خلافة الصديق، أو باليمامة، أو باليرموك، أقوال "يحدث أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها" قبل الهجرة، "فمشى إليه رجال من قريش".
قال في النور: لا أعرفهم بأعيانهم، "وكان الطفيل رجلًا شريفًا شاعرًا لبيبًا".
زاد ابن سعد: كثير الضيافة، وهذه الأوصاف جملة معترضة، ليست مما حدَّث به الطفيل، وإنما هي حدث بها عبد الواحد ابن أبي عون الدوسي، كما عند ابن سعد، "فقالوا له: إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا" أمكنة، واعتقادًا بأن أزال الألفة بينهم وفرَّقهم في البلاد، "وشتت أمرنا" أي: فرَّق ما كنَّا عليه من اعتقاد عبادة الأصنام، بعد أن كنَّا كشيء واحد، فهو عطف مباين أولى من جعله تفسيرًا؛ إذ التأسيس خير من التأكيد، "وإنما قوله كالسحر" كأنه عطف علة على معلول، أي: إنما فعل ذلك بنا لأن كلامه كالسحر يسلب العقول، "يفرّق بين المرء" مثلث الميم "وابنه" بنون أو تحتية, "وبين المرء وأخيه، وبين الرجل وزوجه" امرأته, أفصح من زوجته، وهذا بيان لجهة السحر، "وإنما نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا" من الكلام الذي يفتن به، حتى تبعه من تبعه، "فلا تكلمه، ولا تسمع منه" لئلا تفتتن، "قال: فوالله ما زالوا بي حتى عزمت" أجمعت وصمَّمت "أن لا أسمع منهстр. 2418
فرقًا من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد, فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريًبا منه، فأبى الله أن يسمعني بعض قوله: فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت: واثكل أماه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان ما يقول حسنًا قبلت، وإن كان قبيحًا تركت.
قال: فمكثت حتى أتى ﵊ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته فقلت: يا محمد, إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك حتى سددت أذني بكرسف أن لا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا، فاعرض عليَّ أمرك.
فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن،
الحواشي
(١) شيئًا، ولا أكلمه، حتى حشوت في أذنيّ" تثنية أذن "حين غدوت إليه كرسفًا" بضم الكاف والسين بينهما راء ثم فاء- القطن، ويقال فيه أيضًا: كرسوف بزنة زنبور، "فرقًا" خوفًا "من أن يبلغني شيء من قوله، قال: فغدوت إلى المسجد, فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريبًا منه، فأبى الله إلّا أن يسمعني بعض قوله", هذا لفظ رواية ابن إسحاق، فنسخة: أن لا يسمعني، تصحيف، وإن أمكن توجيهها بأن المعنى منع على عدم السماع، "فسمعت كلامًا حسنًا، فقلت: واثكل أمياه"، أصله: أمي -بياء المتكلم، فتقلب ألفًا، وتلحقها هاء السكت، وقد يجمع بين الألف والياء، كما هنا، والذي رأيته في ابن إسحاق: أمي على الأصل، "والله إني لرجل لبيب" عاقل "شاعر, ما يخفى عليّ الحسن" أي: تمييزه "من القبيح, فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول, فإن كان ما يقول"، أي: إن ظهر لي قوله "حسنًا قبلت"؛ لأنه ثمرة العقل، "وإن كان قبيحًا تركت، قال: فمكثت حتى أتى ﵊ إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته" دخلت عليه، "فقلت: يا محمد, إن قومك قد قالوا لي" بلام الجرِّ، وفي نسخة إليَّ، أي: أوصلوا إليَّ، "كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوّفوني أمرك" بنون واحدة، وأصله بنونين، حذفت إحداهما تخفيفًا، وفي أن المحذوفة الأولى والثانية خلاف "حتى سددت أذني" تثنية أذن "بكرسف"؛ لأجل "أن لا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولًا حسنًا" فردَّ الله كيدهم في نحورهم، وقلب مكرهم عليهم، والله متمَّ نوره، ولو كره الكافرون، "فاعرض علي أمرك" بهمزة وصل من عرض ظهر، "فعرض عليَّ رسول الله ﷺ الإسلام، وتلا عليстр. 2419
فلا والله ما سمعت قولًا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا رسول الله، إني امرؤ مطاع في قومي, وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية.
قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية تطلعني على الحاضر، وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللَّهم في غير وجهي، إني أخشى أن يقولوا إنها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع رأس سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، حتى جئتهم وأصبحت فيهم، فلمَّا جئت أتاني
الحواشي
(١) القرآن،" أي: بعضه، وهو الإخلاص والمعوّذتان، كما أفاده الإصابة عن أبي الفرج الأصبهاني، "فلا والله ما سمعت قولًا قط أحسن منه" أي: من قوله، "ولا أمرًا أعدل منه" من أمره الذي فهمته من قوله من الأحكام والمعاني التي استفدتها من كلامه، ويجوز عود ضميره للقول أيضًا، "فأسلمت" انقدت باطنًا لاستحساني قوله، "وشهدت شهادة الحق" أي: نطقت بها، فليس عطف تفسير؛ إذ الأصل خلافه، وأنشد له المرزباني يخاطب قريشًا، وكانوا هددوه لما أسلم:
ألا أبلغ لديك بني لؤي ... على الشنان والغضب المردي
بأن الله رب الناس فرد ... تعالى جده عن كل ند
وأن محمدًا عبدًا رسولًا ... دليل هدى وموضح كل رشد
وأن الله جلله بهاء ... وأعلى جده في كل جد
"وقلت: يا رسول الله, إني امرؤ مطاع في قومي، وإني راجع إليهم، فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية" أي: علامة، وأسقط من رواية ابن إسحاق: تكون عونًا لي عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: "اللهمَّ اجعل له آية"، وعند الطبراني: "اللهم نوّر له"، وفي التقليح لابن الجوزي "اللهم اجعل له نورًا"، "قال الطفيل: "فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية" طريق في الجبل "تطلعني على الحاضر" هَمَّ القوم النزول على ماء يقيمون به، لا يرحلون عنه، ويقال للمناهل: المحاضر للاجتماع والحضور عليها.
قال الخطابي: ربما جعلوا الحاضر اسمًا للمكان المحضور، يقال: نزلنا حاضر بني فلان، فاعل بمعنى مفعول، "وقع نور بين عيني مثل المصباح" أي: قرب مما بين عينية، ولم يصبه, "فقلت: اللهمَّ في غير وجهي" اجعل هذه الآية, "إني أخشى أن يقولوا" لفظ ابن إسحاق: يظنوا "أنها مُثْلَة وقعت في وجهي لفراقي دينهم، قال: فتحوّل فوقع في رأس سوطي".
زاد الطبري: فكان يضيء في الليلة المظلمة، فسمِّيَ ذا النور، قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي، "كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم وأصبحتстр. 2420
أبي -وكان شيخًا كبيرًا- فقلت: إليك عني يا أبت، فلست مني ولست منك، قال: ولم يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني, فديني دينك، قال فقلت: فاذهب فاغتسل وطهّر ثيابك ثم تعالى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
ثم أتتني صاحبتي فقلت لها: إليك عني, فلستُ منك ولستِ مني، قالت: لِمَ؟ قلت: فرَّق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك, فأسلمت.
ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام، فأبطئوا عليَّ, فجئت رسول الله ﷺ فقلت:
الحواشي
(١) فيهم، فلمَّا جئت أتاني أبي، وكان شيخًا كبيرًا، فقلت: إليك عنِّي يا أبت، فلستَ منِّي ولستُ منك، قال: ولِمَ يا بني؟ قلت: قد أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني, فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهِّر ثيابك" وليس فيه رضاه ببقائه كافرًا حتى يعود؛ لأن قوله: فدينك إيمان ديني عند كثير، وإن لم ينطق بالشهادتين، "ثم تعالَ أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهَّر ثيابه، ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم" فنطق بالشهادتين، وأظهر له ما يدخل به في الإسلام ظاهرًا، ويترتب عليه أحكامه، فلا يُرَدّ أنه أسلم أوّلًا بقوله: فديني دينك، وقد ترجم له في الإصابة في القسم الأوّل عمرو بن طريف، والد أبي الطفيل، وذكر من القصة قول الطفيل له، وإسلامه ناسبًا لابن إسحاق، ولم يذكر أنه وفد واجتمع بالنبي ﷺ ، فلعله وقف عليه، وإلّا فهو مخضرم.
وعند أبي الفرج في الأغاني من طريق الكلبي: فدعا أبويه إلى الإسلام، فأسلم أبوه، ولم تسلم أمه، ودعا قومه، فأجابه أبو هريرة وحده، "ثم أتتني صاحبتي" يعني: زوجته.
قال في النور: لا أعرف اسمها، "فقلت لها: إليك عني، فلستُ منك ولستِ مني، قالت: ولِمَ؟ قلت: فرَّق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت محمدًا، فقالت: فديني دينك" أسقط من الرواية في ابن إسحاق، فقلت: فاذهبي إلى حنى ذي الشرى.
قال اب هشام: ويقال: حمى ذي الشرى, فتطهري منه، قال: وكان ذو الشرى صنمًا لدَوْس، حموا له ماء يهبط من جبل، فقالت: بأبي أنت وأمي, أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئًا، قلت: لا أنا ضامن ذلك، قال: فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت, فعرضت عليها الإسلام، "فأسلمت".
وفي الروض: حنى بالنون عند ابن إسحاق، والميم عند ابن هشام، موضع حموه لصنمهم، فإن صحة رواية النون، فالنون قد تبدل من الميم، "ثم دعوت دَوْسًا إلى الإسلام فأبطئوا عليَّ"стр. 2421
يا نبي الله, إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: "اللَّهمَّ اهد دوسًا"، ثم قال: "ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم"، فرجعت إليهم, فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتًا من دوس.
الحواشي
(١) وعند الطبراني: فأجابه أبو هريرة وحده، "فجئت رسول الله ﷺ " بمكة، كما في نفس رواية ابن إسحاق، "فقلت: يا نبي الله, إنه قد غلبني على دَوْس الزنا،" أي: حبهم له، وعلمهم أنهم إن أسلموا منعوا منه، وفي البخاري عن أبي هريرة: جاء الطفيل بن عمرو إلى النبي ﷺ ، فقال: إن دوسًا قد هلكت، عصت وأبت، "فادع الله عليهم، فقال: "اللهم اهد دوسًا"،" زاد البخاري: "وائت بهم".
قال الحافظ في الفتح: وقع مصداق ذلك، فذكر ابن الكلبي أن جندب بن عمرو بن جممة الدوسي كان حاكمًا على دَوْس، وكذا كان أبوه من قبله، وكان جندب يقول: إني لأعلم أن للخلق خالقًا، لكني لا أدري من هو، فلمَّا سمع بالنبي ﷺ خرج إليه، ومعه خمسة وسبعون رجلًا من قومه، فأسلم وأسلموا. انتهى، وجندب -بجيم فنون فدال فموحدة.
ذكره في الإصابة في حرف الجيم، فال: قتل بأجنادين، ولا يعرف له حديث، وذكر فيها أيضًا عمرو بن حممة -بضم المهملة وفتح الميم الخفيفة بعدها مثلها- الدوسي.
ذكر ابن دريد: إنه وفد على النبي ﷺ , والذي ذكره غيره أنه مات في الجاهلية.
قال المرزباني: كان أحد حكام العرب في الجاهلية، وأحد المعمِّرين، يقال: إنه عاش ثلاثمائة وتسعين سنة، وهو القائل:
كبرت وطال العمر مني كأنني ... سليم أفأعي ليلة غير مودع
أخبر أخبار القرون التي مضت ... ولابُدّ يومًا أن يطار لمصرعي
وما السقم أبلاني ولكن تتابعت ... عليّ سنون من مصيف مربع
ثلاث مئين من سنين كوامل ... وها أنا هذا أرتجي مر أربع
فأصبحت بين الفخ والعش نادبًا ... إذا رام طيَّارًا يقال له: قع
"ثم قال: "ارجع إلى قومك، فادعهم إلى الله، وارفق بهم"؛ إذ الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه، "فرجعت إليهم، فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله" حتى هاجر النبي ﷺ إلى المدينة، ومضت بدر وأحد والخندق، كما هو قوله في ابن إسحاق، وعقَّبه بقوله: "ثم قدمت على رسول الله ﷺ " حال كونه "بخيبر" أو خبر مبتدأ، أي: وهو بخيبر، وليس ظرفًا لغوًا متعلقًا بقدمت؛ لأن قدومهم كان إلى المدينة، ظانِّين أنه بها، كما أفاده بقوله:стр. 2422
ثم لحقنا برسول الله ﷺ بخيبر, فأسهم لنا مع المسلمين.
وهذا يدل على تقدُّم إسلامه، وقد جزم ابن أبي حاتم بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها قدمته الثانية.
الحواشي
(١) "فنزلت المدينة بسبعين، أو ثمانين بيتًا من دَوْس" أي: جماعة يجمعهم نسب واحد، فلا ينافي أنهم أربعمائة، "ثم لحقنا برسول الله ﷺ بخيبر", وللطبراني بسند ضعيف أنهم أربعمائة، فلمَّا رآهم النبي ﷺ قال: "مرحبًا بأحسن الناس وجوهًا، وأطيبهم أفواهًا" أي: كلامًا، "وأعظمهم أمانة".
وروى البخاري في التاريخ وابن خزيمة والطحاوي والبيهقي، وعن أبي هريرة: قدمنا المدينة، ونحن ثمانون بيتًا من دَوْس، فصلينا الصبح خلف سباع بن عرفطة الغفاري، فقرأ في الركعة الأولى بسورة مريم، وفي الأخيرة بويل للمطففين، فلمّا قرأ: ﴿إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ﴾ [المطففين: ٢] ، قلت: تركت عمي له مكيالان: إذا اكتال اكتال بالأوفى، وإذا كال كال بالناقص، فلمَّا فرغنا من صلاتنا قال قائل: رسول الله ﷺ بخيبر، وهو قادم عليكم، فقلت: لا أسمع به في مكان أبدًا إلا جئته، فزودنا سباع، وجئنا خيبر، فنجده قد فتح النطاة، وهو محاصر الكتيبة، فأقمنا حتى فتح الله علينا، "فأسهم لنا مع المسلمين".
وفي رواية من حديث أبي هريرة: قدمنا على رسول الله ﷺ ، وقد فتح خيبر، فكلم المسلمين، فأشركنا في سهمانهم، "وهذا" المذكور من حديث الطفيل، "يدل على تقدُّم إسلامه" بمكة قبل الهجرة دلالة صريحة، "وقد جزم ابن أبي حاتم، بأنه قدم مع أبي هريرة بخيبر، وكأنها" كما قال الحافظ "قدمته الثانية" مع الوفد، فلا يخالف صريح حديثه، والمراد بالثانية: باعتبار مكة والمدينة، فلا ينافي أنه قدم مكة مرتين، فتكون ثالثة، وقد قدم جميع الوفد مسلمين، بدليل صلاة الصبح خلف سباع، والإسهام لهم؛ إذ لو لم يسلموا ما أسهم لهم، وقد رجع شيخنا ضمير إسلامه للوفد، والإشارة بهذا للإسهام، وهو واضح في نفسه، لكنه ليس مراد المصنف، وإنما مراده كالحافظ: الاستدلال على خلاف ما جزم به ابن أبي حاتم، كما أفصح بذلك في الفتح والإصابة، وبقية حديث الطفيل عن ابن إسحاق: ثم لم يزل معه ﷺ حتى إذا فتح الله عليه مكة، قلت: يا رسول الله, ابعثني إلى صنم عمرو بن حممة حتى أحرقه، فبعثه فأحرقه وهدمه، ثم رجع، فأوقد النار عليه، وهو يقول:
يا ذا الكفين لست من عبادكا ... ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادكا
ثم رجع، فكان مع المصطفى حتى قبض، فلمَّا ارتدت العرب، خرج مع المسلمين حتى فرغوا من طليحة ومن أرض نجد كلها، ثم سار إلى اليمامة، ومعه ابنه عمرو، فرأى رؤيا وهوстр. 2423
.................................................
الحواشي
(١) متوجه إلى اليمامة، فقال لأصحابه: إني قد رأيت رؤيا، فاعبروها لي، إني رأيت أن رأسي قد حلق، وأنه خرج من فمي طائر، ولقيتني امرأة فأدخلتني في فرجها، وأن ابني يطلبني طلبًا حثيثًا، ثم رأيته حُبِسَ عني، قالوا: خيرًا، قال: أما أنا والله فقد أوّلتها، قالوا: بماذا؟ قال: أمَّا حلق رأسي فوضعه، وأمَّا الطائر الذي خرج من فمي فروحي، وأمَّا المرأة التي أدخلتني في فرجها فالأرض تحفر لي فأغيب فيها، وأمَّا طلب ابني إياي ثم حبسه عني، فإني أراه سيجهد أن يصيبه ما أصابني، فقُتِلَ شهيدًا باليمامة، وجُرح ابنه جراحة شديدة، ثم استفل منها، ثم استشهد عام اليرموك زمن عمر. انتهى.
وبقتل الطفيل يوم اليمامة جزم ابن سعد أيضًا، ومن قبله ابن الكلبي، وقيل: باليرموك، قاله ابن حبان، وقيل: بأجنادين، قاله موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وأبو الأسود عن عروة، ويأتي في ترجمة عمرو بن الطفيل، أنه الذي استشهد باليرموك، قاله في الإصابة.
وعند ابن سعد: إن عمرو بن الطفيل قُطِعَت يده أيضًا، زيادةً على الجراحة الشديدة يوم اليمامة، ثم صحّ، فبينا هو مع عمر إذ أُتِيَ بطعام، فتنحَّى، فقال مالك: لعله لمكان يدك، قال: أجل، قال: والله لا أذوقه حتى تسوطه بيدك، ففعل.
قال ابن أبي حاتم: لا أعلم، روى عن الطفيل شيء, وتعقبه الحافظ بأن البغوي أخرج من حديث عبد ربه، عن الطفيل بن عمرو الدوسي، قال: أقرأني أُبَيّ بن كعب القرآن، فأهدَيْتُ له فرسًا.. الحديث، وقال غريب: وعبد ربه لم يسمع من الطفيل، والله أعلم.стр. 2424
الوفد الرابع عشر: وقد نصارى نجران
...
الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
وقدم عليه ﷺ وفد نصارى نجران، فلمَّا دخلوا المسجد النبوي بعد العصر حانتز
الحواشي
(١) "الوفد الرابع عشر":
"وقدم عليه ﷺ وفد نصارى نجران" بفتح النون وسكون الجيم- بلد كبير على سبع مراحل من مكة إلى جهة اليمن، يشتمل على ثلاث وسبعين قرية، مسيرة يوم للراكب السريع، كما في الفتح، سميت بنجران بن زيد بن يشجب بن يعرب، وهو أوّل من نزلها، والأخدود المذكور في القرآن في قرية من قراها، وهي اليوم خراب، ليس فيها إلّا المسجد الذي أمر عمر بن الخطاب ببنائه، وكانت نصارى نجران غزاهم ذو نواس اليهودي من حمير، فأحرق في الأخدود من لم يرتد، ثم الإضافة في وفد نصارى لامية حقيقة، أي: طائفة هي مقدمة نصارى، أو بيانية، والمعنى: إن الوفد هم نصارى نجران، والتقييد بالنصارى يحتمل التخصيص، كأنّстр. 2425
صلاتهم، فقاموا يصلون فيه، فأراد الناس منعهم, فقال ﵊: "دعوهم"، فاستقبلوا المشرق فصلوا صلاتهم.
وكانوا ستين راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلًا من أشرافهم، والأربعة والعشرون منهم ثلاثة نفر إليهم يئول أمرهم؛ العاقب أمير القوم، وذو رأيهم وصاحب مشورتهم, واسمه: عبد المسيح. والسيد: صاحب رحلهم ومجتعهم، واسمه: الأيهم -بتحتية ساكنة, ويقال: شرحبيل, وأبو حارثة بن علقمة أخو بكر بن وائل،
الحواشي
(١) يكون بها مشركون ويهود، وإنه لبيان الواقع، "فلما دخلوا المسجد النبوي بعد العصر حانت صلاتهم" دخل وقتها، "فقاموا يصلون فيه", لا يقال الصلاة حيثما كان الشخص من خصائص هذه الأمة لحديث الصحيحين: "أعطيت خمسًا لم يعطهنّ أحد قبلي"، وفيهن: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا".
قال الخطابي: وأما من قبله، فإنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة، كالبيع والصوامع؛ لأنا نقول إنما ذلك في الحضر، فأمَّا السفر، فتباح لهم الصلاة في غيرها، وقد كان عيسى يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، "فأراد الناس منعهم" لما فيه من إظهار دينهم الباطل بحضرة المصطفى، وفي مسجده، "فقال ﵊: "دعوهم" , اتركوهم تأليفًا لهم ورجاء إسلامهم، ولدخولهم بأمان، فأقرَّهم على كفرهم، ومنع مَنْ تعرَّض لهم، فليس فيه إقرار على الباطل، "فاستقبلوا المشرق، فصلوا صلاتهم،" ومستقبل المشرق بالمدينة ليس مستقبلًا للكعبة، ولا مستدبرها، كما حملوا عليه حديث الصحيحين: "إذا أتى أحدكم بغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا" , بخلاف نحو مصر، فمن شَرَّق استقبلها، "وكانوا ستين راكبًا، منهم أربعة وعشرون رجلًا من إشرافهم" كما عند ابن إسحاق، وسرد أسماءهم، وفي رواية ابن سعد: أربعة عشر، ولا منافاة لاحتمال أن الأربعة عشر أعظم الأشراف، "والأربعة والعشرون، منهم ثلاثة نفر" إضافة بيانية؛ إذ النفر من الثلاثة "إليهم يئول أمرهم, العاقب أمير القوم، وذو رأيهم، وصاحب مشورتهم" يشبه عطف السبب على المسبب، "واسمه: عبد المسيح" والعاقب لقبه، "والسيد صاحب رحلهم" أي: ارتحالهم، أي: صاحب معرفة أماكنهم في الرحيل؛ لخبرته بالطرق، "ومجتمعهم" بالجر أو الرفع, عطف على صاحب، أي: مكان اجتماعهم عند آرائهم، فلا ينافي أن العاقب صاحب رأيهم، "واسمه: الأيهم -بتحتية ساكنة" ثم هاء, بزنة جعفر، "ويقال: شرحبيل" اسمه بدل الأيهم، "وأبو حارثة بن علقمة" في الفتح، وأبو الحارث علقمة، بإسقاط ابن "أخو بكر بن وائل", المراد أنه من قبيلة بكر، المذكور لا أخوه حقيقة، وهذا كثير في كلامهم كقوله:стр. 2426
قد شرف فيهم ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه ومَوَّلُوه، وكان يعرف أمر النبي ﷺ , وشأنه وصفته, مما علمه من الكتب المتقدمة, ولكن حمله جَهْلُه على الاستمرار في النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عن أهلها.
فدعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن فامتنعوا، فقال: "إن أنكرتم ما أقول فهلمَّ أباهِلكم".
الحواشي
(١) أيا أخوينا عبد شمس ونوفلًا ... أعيذكما بالله أن تحدثا حربا
"قد شرف فيهم، ودرس كتبهم" عطف علة على معلول، "وكانت ملوك الروم من أهل النصرانية قد شرَّفوه وموَّلوه" أي: جعلوا له مالًا يتخذ قنية؛ لحبهم من تدين من العرب بدينهم، "وكان يعرف أمر النبي ﷺ وشأنه وصفته, مما علمه من الكتب المتقدمة، لكن حمله جهله على الاستمرار في النصرانية، لما يرى من تعظيمه ووجاهته عن أهلها" وسماه: جاهلًا وإن كان عالمًا، تنزيلًا له منزلة الجاهل؛ لأنه لم يعمل بعلمه، فهو والجاهل سواء، أو لأنّ عناده حمله على تأويلات باطلة لشبه واهية، فهي فاسدة، فصاحبها جاهل، والأحسن أن المراد بالجهل: السفه والخطأ، فإنه يطلق عليهما لغة، "فدعاهم النبي ﷺ إلى الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فامتنعوا،" فلم يؤمنوا، "فقال: "إن أنكرتم ما أقول" بأن اعتقدتم بطلانه، فلا ينافي قوله: فامتنعوا، أو المعنى: إن دمتم على إنكاركم وعنادكم ظلمًا وعدوانًا، "فهلُمَّ أُبَاهِلُكم"، أي: ألاعنكم؛ بحيث يلعن كلٌّ منَّا الكاذب، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
قال البيضاوي: البهلة -بالضم والفتح- اللعنة، وأصله: الترك, من قولهم: بهلت الناقة، إذا تركتها بلا صرار, وهو بصادٍ وراءين مهملات بينهما ألف.
قال الجوهري: صررت الناقة: شددت عليها الصرار، وهو خيط يشد فوق الخلف، لئلّا يرضعها ولدها.
روى البيهقي في الدلائل: إنه ﷺ كتب إلى أهل نجران قبل أن ينزل عليه طس سليمان: "بسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، من محمد النبي.." الحديث. وفيه: فأتوه، فسألهم، وسألوه، فلم تزل به وبهم المسألة حتى قالوا: ما تقول في عيسى؟ قال: " ما عندي فيه شيء يومي هذا، فأقيموا حتى أخبركم"، فأصبح الغد، وقد أنزل الله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية، إلى قوله: ﴿فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] .
وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس، قال: إن رهطًا من نجران قدموا على النبي، فيهمстр. 2427
وفي البخاري من حديث حذيفة؛ جاء السيد والعاقب صاحبَا نجران إلى رسول الله ﷺ , يريدان أن يلاعناه -يعني: يباهلاه, فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل.
وعند أبي نعيم: إن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب؛ لأنه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بكير في المغازي: إن الذي قال ذلك هو شرحبيل.
فوالله لئن كان نبيًّا فلاعنَّا -يعني: باهلناه- لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا, زاد في رواية ابن مسعود عند الحاكم: أبدًا, ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا،
الحواشي
(١) السيد والعاقب، فقالوا: ما شأنك تذكر صاحبنا؟ قال: "من هو"؟ قالوا: عيسى، تزعم أنه عبد الله، فقال: "أجل"، قالوا: فهل رأيت مثل عيسى، أو أنبئت به، ثم خرجوا من عنده، فجاءه جبريل، فقال له: قل لهم إذا أتوك ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] الآية، إلى قوله: ﴿مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [آل عمران: ٦٠] الآية.
"وفي البخاري من حديث حذيفة" بن اليمان: "جاء السيد والعاقب صاحبا نجران" كأنَّ السيد كان له تصرف في نجران، وإن لم يكن بالإمارة، فأطلق عليهما صاحبيهما، لاشتراكهما في مطلق التصرف، فلا ينافي ما مَرَّ أن الأمير هو العاقب، وأمَّا أبو حارثة فكأنه كان عندهم يرجع إليه في استعلام الأحكام، لا في التصرف، فلم يذكره "إلى رسول الله ﷺ , يريدان أن يلاعناه، يعني: يباهلاه" تفسير من المصنف لقوله: يلاعناه لا من الحديث.
قال في الفتح: وذكر ابن إسحاق بإسناد مرسل: إن ثمانين آية من أوّل سورة آل عمران نزلت في ذلك، يشير إلى قله تعالى: ﴿فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، "فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، وعند أبي نعيم" في كتاب الصحابة: "إن القائل ذلك هو السيد، وعند غيره: بل الذي قال ذلك هو العاقب؛ لأنه كان صاحب رأيهم، وفي زيادات يونس بن بكير" الشيباني على سيرة شيخه ابن إسحاق "في المغازي: أن الذي قال ذلك شرحبيل" وهو موافق لما عند أبي نعيم، بناءً على أن السيد اسمه شرحبيل، كما مَرَّ، وفصل المصنف بين أجزاء الحديث بهذه الجملة من فتح الباري، لبيان المبهم في قوله: أحدهما، ثم عاد لتتميم حديث البخاري، "فوالله لئن كان نبيًّا" فهو مقول الأحد، "فلاعنّا" في رواية الكشميهني: فلاعننا، فإظهار النون، كما في الفتح، وليس في البخاري، فلاعنَّاه بضمير، "يعني: باهلناه" فسره بالأخفى دفعًا لتوهّم أنها غير المباهلة، "لا نفلح نحن، ولا عقبنا من بعدنا".стр. 2428
وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث إلا أمينًا، فقال: "لأبعثن معكم رجلًا أمينًا حق أمين". فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ , فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلمَّا قام قال ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة".
الحواشي
(١) "زاد في رواية ابن مسعود عند الحاكم" لفظة "أبدًا، ثم قالا: إنا نعطيك ما سألتنا", في رواية ابن مسعود، فأتيا فقالا: لا نلاعنك، ولكنَّا نعطيك ما سألت، أي: في كتابك من الجزية، إن لم يسلموا.
ففي رواية البيهقي أنه ﷺ كتب إليهم، يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم، فقد آذنتكم بحرب.
وفي رواية ابن أبي شيبة، وأبي نعيم، وغيرهما؛ أنه ﷺ قال: "لقد أتاني البشير بهلكة أهل نجران"، لو تمموا على الملاعنة، ولما غدا إليهم أخذ بيد حسن، وحسين، وفاطمة تمشي خلفه، وعلي خلفها، وهو يقول: "إذا أنا دعوت فأمِّنوا"، فقال أسقفهم: إني لأرى وجوهًا، لو سألوا الله أن يزيل جبلًا من جباله لأزاله، فلا تباهلوا فتهلكوا، ولا يبقى على وجه الأرض نصراني إلى يوم القيامة، والله لقد عرفتم نبوَّته، ولقد جاءكم بالفصل في أمر صاحبكم، أي: عيسى، فوالله ما باهل قوم نبيًّا إلّا هلكوا، فإن أبيتم إلا دينكم، فوادعوا الرجل وانصرفوا، فقالوا: يا أبا القاسم, لا نلاعنك، فقال: "فأسلموا يكن لكم ما للمسلمين، وعليكم ما عليهم"، فأبوا، قال: "فإني أنذركم"، قالوا: ما لنا بحرب العرب طاقة، ولكنَّا نصالحك، فصالحهم، وقال: "والذي نفسي بيده, إن العذاب تدلَّى على أهل نجران، ولو تلاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضَّطرم عليهم الوادي نارًا، ولاستأصل الله نجران وأهله حتى الطير على الشجر"، "وابعث معنا رجلًا أمينًا" يأخذ ما تجعله علينا، "ولا تبعث معنا إلا أمينًا" ذكره بعد سابقه؛ لأنه لا حصر فيه، فيصدق بما لو بعث مع الأمين غيره، "فقال: "لأبعثنَّ معكم رجلًا أمينًا حق أمين"، أي: بالغًا في الأمانة، ففيه توكيد، والإضافة فيه نحو قولهم: إن زيد العالم، حق عالم، وجد عالم، أي: عالم حقًّا وجدًّا، يعني: عالم يبالغ في العلم جدًّا، ولا يترك في الجد المستطاع منه شيئًا، "فاستشرف لها" أي: تطلَّع "أصحاب رسول الله ﷺ " ورغبوا فيها، حرصًا على نيل صفة الأمانة البالغة، لا على الولاية من حيث هي.
وفي رواية أبي يعلى عن ابن عمر: سمعت عمر يقول: ما أحببت الإمارة إلا مرة واحدة، فذكر هذه القصة، وقال في آخرها: فتعرضت أن تصيبني، "فقال: "قم يا أبا عبيدة بن الجراح"، فلمَّا قام، قال ﷺ : "هذا أمين هذه الأمة"، والأمين هو الثقة الرضي، وهذه الصفة وإن كانت مشتركة بينه وبين غيره، لكن السياق يشعر بأنه له مزيدًا في ذلك، لكن خص النبي ﷺ كل أحد من الكبار بفضيلة، وصفه بها، فأشعر بقدر زائد فيها على غيره، كالحياء لعثمان، والقضاءстр. 2429
وفي رواية يونس بن بكير: إنه صالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية، وساق الكتاب الذي بينهم مطولًا.
وذكر ابن سعد: إن السيد والعاقب رجعَا بعد ذلك وأسلما.
وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصَرَّ بعد ظهور الحجة, ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا، ومما عرف بالتجربة أنَّ من باهل وكان مبطلًا لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة.
الحواشي
(١) لعلي، ونحو ذلك، قاله الحافظ.
"وفي رواية يونس بن بكير: إنه صالحهم على ألفي حلة، ألف في رجب، وألف في صفر، ومع كل حلة أوقية" من "وساق الكتاب الذي بينهم مطولًا،" وقد ذكره الشامي، وغيره.
"وذكر ابن سعد: إن السيد والعاقب رجعا بعد ذلك" إلى المدينة، "وأسلما" كما هو بقية كلام ابن سعد، كما في الفتح، وذكرهما معًا في الإصابة، فقال عن ابن سعد وابن المدائني: إنهم رجعوا إلى بلادهم، فلم يلبث السيد والعاقب إلّا يسيرًا، حتى رجعا إلى النبي ﷺ فأسلما، وأنزلهما دار أبي أيوب الأنصاري، "وفي ذلك مشروعية مباهلة المخالف إذا أصَرَّ بعد ظهور الحجة" على المخالفة، "ووقع ذلك لجماعة من العلماء سلفًا وخلفًا".
زاد في الفتح: وقد دعا ابن عباس إلى ذلك، ثم الأوزاعي، "ومما عرف بالتجربة أن من باهل، وكان مبطلًا، لا تمضي عليه سنة من يوم المباهلة".
قال الحافظ: وقع لي ذلك مع شخص كان يتعصب لبعض الملاحدة، فلم يقم بعدها غير شهرين.
قال: وفي القصة أيضًا -يعني: من الفوائد: أنَّ إقرار الكافر بالنبوَّة لا يدخله الإسلام حتى يلتزم أحكامه، وجواز مجادلة أهل الكتاب، ومصالحتهم على ما يراه الإمام من أصناف المال، ويجري ذلك مجرى ضرب الجزية، فإن كلًّا مال يؤخذ على وجه الصغار في كل عام، وفيها بعث الإمام الرجل، العالم، الأمين إلى أهل الهدنة في مصلحة الإسلام، ومنقبة ظاهرة لأبي عبيدة.
وذكر ابن إسحاق: أنه ﷺ بعث عليًّا إلى أهل نجران ليأتيه بصدقاتهم وجزيتهم، وهذه غير قصة أبي عبيدة؛ لأنه توجه معهم، فقبض مال الصلح ورجع، وعلي أرسله النبي ﷺ بعد ذلك، فقبض ما استحق عليهم من الجزية، ويأخذ ممن أسلم ما وجب عليه من الصدقة، والله أعلم، انتهى.стр. 2430
الوفد الخامس عشر: فروة بن عمرو الجذامي
وقدم عليه ﷺ رسول فروة ابن عمرو الجذامي ملك الروم -وكان منزله معان- بإسلامه، وأهدى له بغلة بيضاء، ولما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه ثم صلبوه على ماء بفلسطين، وضربوا عنقه على ذلك الماء.
الحواشي
(١) "الوفد الخامس عشر":
"وقدم عليه ﷺ رسول فروة" بفتح الفاء "ابن عمرو" على الأشهر، وقيل: عامر "الجذامي" بضم الجيم، وبذال معجمة- نسبةً إلى جذام, قبيلة، واسم الرسول الذي أرسله مسعود بن سعد الجذامي، أسلم وصحب, "ملك الروم" فيه تحوّز، فقد قال ابن إسحاق: إنه كان عاملًا للروم على من يليه من العرب، والمصنف نفسه قدم قريبًا في المكاتبات؛ إنه كان عاملًا لقيصر، "وكان منزله معان،" وما حولها من أرض الشام، كما عند ابن إسحاق, ومعان -بفتح الميم وضمها، وصوَّب الفتح.
قال البكري: اسم جبل.
قال في الروض: والمعان أيضًا حيث تحبس الخيل والركاب، وبه جنس المعري، فقال:
معان من أحبتنا معان ... تجيب الصاهلات بها القيان
وجوَّز البرهان رفع منزل اسم كان، ونصب معان خبره وعكسه، "بإسلامه" صلة قوله: قدم ذلك لما بعث إليه النبي ﷺ أن يسلم، فأسلم، وكتب إليه بإسلامه، "وأهدى له بغلة بيضاء" هي فضة، وفرسًا يقال لها الظرب، وحمارًا يقال له يعفور، وأثوابًا، وقباء مذهبًا، فقبل هديته، وأعطى رسوله مسعودًا اثنتي عشرة أوقية فضة، كما تقدَّم، "ولما بلغ الروم" بالنصب مفعول, فاعله قوله: "ذلك من إسلامه، طلبوه حتى أخذوه، فحبسوه، ثم صلبوه على ماء" بالمد- لهم يقال له: عفراء -بفتح المهملة، وإسكان الفاء، وبالراء ممدودة, "بفلسطين" بكسر الفاء، وفتحها، فلام مفتوحة، فسين ساكنة، فطاء مكسورة مهملتين، فتحتية ساكنة، فنون، وهي الرملة وغزة وبيت المقدس، وما حولها، كما في النور، وعند ابن إسحاق، فقال في ذلك:
ألا هل أتى سلمى بأن خليلها ... على ماء عفرًا فوق إحدى الرواحل
على ناقة لم يضرب الفحل أمها ... مشذبة أطرافها بالمناجل
ولما قدموه ليقتلوه قال:
بلغ سراة المسلمين بأنني ... سلم لربي أعظمي ومقامي
وضربوا عنقه على ذلك الماء" ولم ينقل أنه اجتمع بالنبي ﷺ ، كما في الإصابة.стр. 2431
الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
وقدم عليه ﷺ ضمام بن ثعلبة، بعثه بنو سعد بن بكر.
روى البخاري من حديث أنس بن مالك قال: بينما نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد, دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله،
الحواشي
(١) "الوفد السادس عشر":
"وقدم عليه ﷺ ضمام" بمعجمة مكسورة وخفة الميم الأولى المفتوحة, "ابن ثعلبة" بفتح المثلثة والموحدة بينهما عين ساكنة ولام, السعدي، قال البغوي: كان يسكن الكوفة "بعثه بنو سعد بن بكر" قومه ليجيب عمَّا أرسل به المصطفى لهم، ويبصر فيما جاء به ﵊, في سنة تسع على الصواب، وبه جزم ابن إسحاق، وأبو عبيدة وغيرهما، خلافًا لما زعم الواقدي أنه سنة خمس، كما أفاده الحافظ، ولم يقل وفد لانفراده, لا يعد وافدًا عرفًا، وإن عُدَّ لغة، بل حقه أن يقال له يريد؛ لأنه بمنزلة من يرسله الملك في مصلحة ليأتيه بالخبر، وادَّعى ابن بطال وعياض وابن العربي وغيرهم: أن ضمامًا هو المرد بقول طلحة بن عبيد الله: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ من أهل نجد، ثائر الرأس، نسمع دوي صوته، ولا نفقه ما يقول, حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام، فقال ﷺ : "خمس صلوات في اليوم والليلة"، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا، إلّا أن تطوّع"، قال: "وصيام رمضان"، قال: هل عليَّ غيره؟ قال: "لا، إلّا أن تطوَّع" وذكر له الزكاة"، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: "لا, إلا أن تطوَّع"، قال: فأدبر الرجل، وهو يقول: والله لا أزيد على هذا، ولا أنقص، قال ﷺ : "أفلح إن صدق".
رواه الشيخان من طريق مالك عن عمه، عن أبيه، عن طلحة.
وقال القرطبي في المفهم: وتبعه شيخنا شيخ الإسلام سراج الدين البلقيني، الظاهر أنه غيره لاختلاف السياقين، وهو كما قال ذكره الحافظ في المقدمة.
وقال في الفتح: جزم ابن بطال وآخرون بأنه ضمام، والحامل لهم على ذلك إيراد مسلم قصته عقب حديث طلحة، وإنَّ في كلٍّ منهما أنه بدويّ، وأن كلًّا منهما قال في آخر حديثه: لا أزيد على هذا، ولا أنقص، لكن تعقَّبه القرطبي بأن سياقهما مختلف، وأسئلتهما متباينة، قال: ودعوى أنها قصة واحدة دعوى فرط، وتكلف شطط من غير ضرورة. انتهى المراد منه.
"روى البخاري"، وكذا مسلم "من حديث أنس بن مالك، قال: بينا" بلا ميم, وفي رواية بينما بالميم، "نحن جلوس مع النبي ﷺ في المسجد" النبوي، "دخل رجل" جواب بينا, وللأصيلي: إذ دخل، لكنَّ الأصمعي لا يستفصح إذ وإذا في جواب بينا, "على جملٍ فأناخه في المسجد، ثم عقله" بتخفيف القاف, أي: شدَّ على ساقه بعد أن ثنى ركبتيه حبلًا، واستنبط منه ابن بطال وغيره، طهارة أبوال الإبل وأرواثها؛ إذ لا يؤمن منه ذلك في المسجد، ولم ينكره ﷺ .
قال الحافظ: ودلالته غير واضحة، وإنما فيه مجرد احتمال، ويدفعه رواية أبي نعيم: أقبلстр. 2432
ثم قال: أيكم محمد؟ والنبي ﷺ متكئ بين ظهرانيهم، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، فقال له الرجل: ابن عبد المطلب؟
الحواشي
(١) على بعير له حتى أتى المسجد، فأناخه، ثم عقله، فدخل المسجد، وأصرح منه روايةً ابن عباس عند أحمد والحاكم، ولفظه: فأناخ بعيره على باب المسجد, فعقله ثم دخل، فعلى هذا، ففي رواية أنس مجاز الحذف والتقدير، فأناخه في ساحة المسجد، أو نحو ذلك, انتهى، وفيه: إن ساحة المسجد رحبته، كما في اللغة، ومذهب الشافعي أن الرحبة من المسجد، وهي ما بني لأجله، فتستحب فيها التحية، ويجوز الاعتكاف، فتمَّ الاستنباط، "ثم قال: أيكم" استفهام مرفوع، مبتدأ خبره "محمد", أو أيكم خبر قُدِّمَ؛ لأن الاستفهام له الصدر، "والنبي ﷺ متكئ" -بالهمز، مستوٍ على وطاء، والجملة اسمية وقعت حالًا، قاله المصنف، وتفسيره بهذا هو الظاهر هنا، وإن أطلق الاتكاء أيضًا على الميل على أحد الشقين، والتمكُّن من القعود بالتربُّع والاعتماد على اليد اليسرى، كما يأتي بسطه للمصنف.
قال الحافظ: فيه جواز إتكاء الإمام بين أتباعه، وفيه ما كان عليه النبي ﷺ من ترك التكبر لقوله: "بين ظهرانيهم" بفتح النون، أي: بينهم، وزيد لفظ ظهر، ليدل على أن ظهرًا منهم قدامه، وظهرًا وراءه، فهو محفوف بهم من جانبيه، والألف والنون فيه للتأكيد، قاله صاحب الفائق.
وقال الدماميني: زيدت الألف والنون على ظهر عند التثنية للتأكيد, ثم كثر حتى استعمل في الإقامة بين القوم مطلقًا.
قال المصنف: فهو مما أريد بلفظة التثنية فيه معى الجمع، واستشكل ثبوت النون مع الإضافة، وأجيب بأنه ملحق بالمثنى، لا أنه مثنى ثني، وحذفت منه نون التثنية، وصار ظهرانيهم، "فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ".
قال الحافظ: أي: المشرب بحمرة، كما في رواية الحارث بن عمير الأمغر -بالغين المعجمة. قال حمزة بن الحارث: هو الأبيض المشرب بحمرة، ويؤيده ما يأتي في صفته ﷺ أنه لم يكن أبيض ولا أدم، أي: لم يكن أبيض صرفًا، "فقال له" للنبي ﷺ "الرجل" الداخل "ابن عبد المطلب" بكسر الهمزة وفتح النون, كما في فرع اليونينية والذي رأيته في اليونينية بهمزة وصل.
قال شيخنا: ولا تنافي بينهما, فما في الأصل وصل كلمة بالرجل، وما في الفرع وقف على الرجل، وابتدأ بابن إشارة إلى أنه مقول القول، فالهمزة مكسورة.
وفي الفتح للحافظ: بفتح النون على النداء، وفي رواية الكشميهني: يا ابن بإثبات حرفстр. 2433
فقال له النبي ﷺ : "قد أجبتك".
فقال: إني سائلك فمشدد عليك في المسألة, فلا تجد علي في نفسك, فقال: "سل عمَّا بدا لك" , فقال: أسألك بربك ورب من قبلك، آلله
الحواشي
(١) النداء. انتهى.
وقال الزركشي: بفتح الهمزة للنداء ونصب النون؛ لأنه مضاف لا على الخبر ولا الاستفهام؛ لقوله: "قد أجبتك"، وفي رواية: يا ابن عبد المطلب، وردَّه الدماميني بأنه لا دليل في شيء مما ذكر على تعين فتح الهمزة، فإن ثبت رواية، وإلّا فلا مانع أن همزة الوصل التي في ابن سقطت للمدرج، وحرف النداء محذوف، وهو في مثله قياس مطَّرد باتفاق، "فقال له النبي ﷺ : قد "أجبتك"،" أي: سمعتك، أو المراد: إنشاء الإجابة، أو نزل تقريره للصحابة في الإعلام عنه منزلة النطق، وهذا لائق بمراد البخاري، وقيل: لم يقل له نعم؛ لأنه لم يخاطبه بما يليق بمنزلته من التعظيم، لا سيما مع قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾ [النور: ٦٣] الآية، والعذر عنه إن قلنا: قدم مسلمًا أنه لم يبلغه النهي، وكانت فيه بقية من جفاء الأعراب، وقد ظهر ذلك بعد في قوله: فمشدد عليك، "فقال: إني سائلك", وللأصيلي وابن عساكر: فقال الرجل: إليَّ سائلك، "فمشدد" بكسر الدال الأولى المثقَّلة، والفاء عاطفة على سائلك, "عليك في المسألة فلا تجد" بكسر الجيم، والجزم على النهي من الموجدة، أي: لا تغضب "عليَّ في نفسك".
قال الحافظ: ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع، مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني، ففي الغضب موجدة، والمطلوب وجودًا والضالة وجدانًا، والحب وجدًا -بالفتح، والمال وجدًا -بالضم، والغني جدة -بكسر الجيم وخفة الدال مفتوحة على الأشهر في جميع ذلك، وفي المكتوب: وجادة وهي مولدة، "فقال: "سل ما بدا"، ظهر "لك"، فقال: أسألك بربك" أي: بحق ربك "ورب من قبلك" زاد مسلم: ومن رفع السماء، وبسط الأرض، وغير ذلك من المصنوعات، ثم أقسم عليه به أن يصدقه عما يسأل عنه، وكرّر القسم في كل مسألة، تأكيدًا وتقريرًا للأمر، ثم صرَّح بالتصديق، فكل ذلك دليل على حسن تصرفه، وتمكن عقله, ولهذا قال عمر: ما رأيت أحدًا أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام، وقد وقع عند مسلم عن أنس: كنا نهينا في القرآن أن نسأل رسول اله ﷺ عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية، العاقل فيسأله ونحن نسمع.
زاد أبو عوانة: وكانوا أجراء على ذلك منا، يعني: إن الصحابة واقفون عند النهي، وأولئك يعذرون بالجهل، وتمنَّوه عاقلًا ليكون عارفًا بما يسأل عنه، وظهر عقل ضمام في تقديمه الاعتذارстр. 2434
أرسلك إلى الناس كلهم؟ فقال: "اللَّهمَّ نعم" , فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة؟ قال: "اللهمَّ نعم" , فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم هذا الشهر في السنة؟ قال: "اللَّهم نعم" , فقال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فنقسمها على فقرائنا, فقال النبي ﷺ : "اللهم نعم".
الحواشي
(١) بين يدي مسألته، لظنه أنه لا يصل إلى مقصوده إلّا بتلك المخاطبة، قاله الحافظ: "آلله" بهمزة الاستفهام الممدودة في المواضع كلها مبتدأ خبره "أرسلك إلى الناس كلهم، فقال: "اللهمَّ" أي: يا الله "نعم" فالميم بدل من حرف النداء، وذكر للتبرُّك، وإلّا فالجواب حصل بنعم.
قال الحافظ: وكأنه استشهد في ذلك بالله تأكيدًا لصدقه، وفي رواية أبي عوانة، فقال: صدقت، قال: فمن خلق السماء؟ قال: "الله"، قال: فمن خلق الأرض والجبال؟ قال: "الله"، قال: فمن جعل فيها المنافع؟ قال: "الله"، قال: فبالذي خلق السماء والأرض، ونصب الجبال، وجعل فيها المنافع, الله أرسلك؟ قال: "نعم"؛ وكذا هو في رواية مسلم، "فقال: أنشدك" بفتح الهمزة وضم المعجمة: أسألك "بالله" وأصله من النشد، وهو رفع الصوت, والمعنى: سألتك رافعًا نشيدتي، قاله البغوي في شرح السنة.
وقال الجوهري: نشدتك بالله، أي: سألتك، كأنك ذكرته فنشد، أي: تذكر "آلله أمرك أن تصلي" بتاء الخطاب فيه وفيما بعده، وللأصيلي بالنون فيهما.
قال عياض: وهو أوجه, ويؤيده رواية مسلم بلفظ: إن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، وساق البقية كذلك، ووجه الأوّل أنَّ كل ما وجب عليه وجب على أمته، حتى يقوم دليل على الاختصاص "الصلوات الخمس", وللكشميهني والسرخسي: الصلاة بالإفراد على إرادة الجنس "في اليوم والليلة، قال: "اللهمَّ نعم"، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تصوم" بتاء الخطاب وبالنون "هذا الشهر في السنة؟ " أي: رمضان في كل سنة، فاللام فيهما للعهد, والإشارة لنوعه لا لعينه، "قال: "اللهمَّ نعم"، قال: أنشدك بالله، آلله أمرك أن تأخذ" بتاء الخطاب، أي: بأن تأخذ "هذه الصدقة" المعهودة، وهي الزكاة "من أغنيائنا، فتقسمها" بتاء الخطاب المفتوحة، والنصب عطفًا على تأخذ "على فقرائنا؟ " خرج مخرج الأغلب؛ لأنهم معظم أهلها، "فقال النبي ﷺ : "اللهمَّ نعم".
قال ابن التين: فيه دليل على أن المرء لا يفرق صدقته بنفسه، وفيه نظر، ولم يذكر الحج في هذه الرواية، وقد أخرج مسلم وأبو عوانة في روايتهما عن أنس بلفظ: وإن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: "صدق"، وهو في حديث أبي هريرة، وابن عباس أيضًا عند مسلم،стр. 2435
فقال الرجل: آمنت بما جئت به, وأنا رسول مَنْ ورائي من قومي, وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر.
الحواشي
(١) وأغرب ابن التين، فقال: لم يذكره؛ لأنه لم يكن فرض، وكان الحامل له على ذلك ما جزم به الواقدي، ومحمد بن حبيب؛ أنَّ قدوم ضمام كان سنة خمس، فيكون قبل الحج، لكنه غلط من أوجه:
أحدها: إن في رواية مسلم: إنه كان بعد نزول النهي في القرآن عن سؤال الرسول، وآية النهي في المائدة ونزولها متأخر جدًّا.
ثانيها: إن إرسال الرسل للدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية، ومعظمه بعد الفتح.
ثالثها: إن في القصة أنَّ قومه أوفدوه، وإنما كان معظم الوفود بعد فتح مكة.
رابعها: إن في حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه، ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم تدخل بنو سعد ابن بكر، وهو ابن هوازن, في الإسلام إلّا بعد وقعة حنين، وكانت في شوَّال سنة ثمان، فالصواب أن قدوم ضمام كان في سنة تسع، وبه جزم ابن إسحاق، وأبو عبيدة وغيرهما، ويدل له رواية أحمد، والحاكم عن ابن عباس: بعثت بنو سعد ضمامًا وافدًا إلى النبي ﷺ ، فقدم علينا؛ لأن ابن عباس إنما قدم المدينة بعد الفتح، وغفل البدر الزركشي فقال: لم يذكر الحج؛ لأنه كان معلومًا عندهم في شريعة إبراهيم، وكأنَّه لم يراجع صحيح مسلم, فضلًا عن غيره.
"فقال الرجل: آمنت بما جئت به" يحتمل أن يكون إخبارًا، وهو اختيار البخاري، ورجَّحه عياض، وأنه حضر بعد إسلامه مستثبتًا منه ما أخبر به رسول إليهم؛ لقوله عند مسلم: إن رسولك زعم، وفي حديث ابن عباس عند الطبراني: أتتنا كتبك وأتتنا رسلك، واستبط منه الحاكم أصل صلب علوّ الإسناد؛ لأنه سمع ذلك من الرسول وآمن وصدّق، ولكنَّه أراد أن يسمع ذلك من رسول الله ﷺ مشافهة، ويحتمل أن قوله: آمنت, إنشاء، ورجَّحه القرطبي، قال: والزعم القول الذي لا يوثق به، قال ابن السكيت وغيره وفيه نظر؛ لأنه يطلق على القول المحقّق أيضًا، كما نقله أبو عمرو الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب، وأكثر سيبويه من قوله: زعم الخليل في مقام الاحتجاج، وأما تبويب أبي داود عليه: باب المشرك يدخل المسجد، فليس مصيرًا منه إلى أنَّ ضمامًا قدم مشركًا، بل وجهه أنهم تركوا شخصًا قادمًا يدخل المسجد من غير استفسار، ومما يؤيد أنه إخبار أنه لم يسأل عن دليل التوحد، بل عن عموم الرسالة، وعن شرائع الإسلام، ولو كان إنشاءً لطلب معجزة توجب التصديق، قاله الكرماني، وعكسه القرطبي، فاستدلَّ به على صحة إيمان المقلد للرسول، ولِمَ لَمْ تظهر له معجزة، وكذا أشار إليه ابن الصلاح، "وأنا رسول" بإضافته إلى "مَنْ" بفتح الميم, موصولة "ورائي مِن" بكسر الميم "قومي", ويجوز تنوين رسولстр. 2436
وزاد ابن إسحاق في مغازيه:
فقال: آلله أمرك أن نعبده ولا نشرك به شيئًا وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون؟
فقال ﷺ : "اللهمَّ نعم".
قال: وكان ضمام رجلًا جلدًا ذا غديرتين، ثم أتى بعيره فأطلق عقله ثم خرج حتى أتى قومه فاجتمعوا إليه، وكان أوّل ما تكلَّم به أن قال: بئست الَّلات والعزَّى, فقالوا: مه يا ضمام, اتق البرص والجنون والجذام، قال: ويلكم، إنهما لا يضران ولا ينفعان. إن الله قد بعث رسولًا وأنزل عليه كتابًا
الحواشي
(١) وكسر الميم، لكن لم تأت به الرواية، "وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر".
زاد مسلم: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهنّ ولا أنقص، فقال النبي ﷺ : "لئن صدق ليدخلنَّ الجنة"، وفي حديث أبي هريرة: فأمَّا هذه الهناة، يعني: الفواحش، فوالله إنا كنَّا لنتنزه عنها في الجاهلية، فلمَّا أن ولَّى، قال ﷺ : "فقه الرجل"، "وزاد ابن إسحاق في مغازيه" فإنه روى الحديث فيها عن ابن عباس "فقال" بعد قوله: الله أرسلك إلينا رسولًا، قال: "اللهمّ نعم"، قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك، "آلله أمرك" أن تأمرنا "أن نعبده" وحده "ولا نشرك به شيئًا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان آباؤنا يعبدون" معه، "فقال ﷺ : "اللهمَّ نعم"،" فذكر الحديث.
قال: فلما فرغ، قال: إني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض، وأجتنب ما نهيتني عنه، ثم لا أزيد ولا أنقص، ثم انصرف، فقال ﷺ : "إن صدق دخل الجنة".
"قال" ابن عباس في صدر الحديث: "وكان ضمام رجلًا جلدًا" بجيم مفتوحة فدال مهملة- صلبًا شديدًا، "ذا غديرتين" بفتح المعجمة، وكسر المهملة، وإسكان التحتية، أي: ذؤابتين, تثنية غدير، والجمع غدائر، وقال في آخر الحديث: "ثم أتى بعيره، فأطلق عقله، ثم خرج حتى أتى قومه، فاجتمعوا إليه، وكان" كذا في النسخ بالواو، والرواية في ابن إسحاق: فكان -بالفاء، "أوَّل ما تكلم به" برفع أول اسم كان والخبر، "أن قال" أي: قوله ويجوز عكسه، "بئست اللات والعزَّى، فقالوا: مَهْ،" انكفف عن هذا القول "يا ضمام! اتق البرص والجنون والجذام،" أي: احذر سبَّهما، فإنه موجب لذلك، "قال: ويلكم, إنهما" والله، كما في الرواية "لا يضرَّان، ولا ينفعان"؛ إذ هما جماد لا يعقل، ولذا عَبَّر بويل إشارة إلى استحقاقهم الوقوع في الهلاك، إذ لو تأمَّلوا بعقولهم ما عبدوا الجماد، "إن الله قد بعث رسولًا، وأنزل عليه كتابًا استنقذكم به" مماстр. 2437
استنقذكم به، وإني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه، فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره رجل ولا امرأة إلا مسلمًا.
قال ابن عباس: فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة.
الحواشي
(١) كنتم فيه، كما في الرواية، وضمير به يحتمل عوده لكتابًا؛ لأنه أقرب مذكور، ويحتمل للمذكور من الرسول والكتاب "وإني أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا سول الله، وإني قد جئتكم من عنده بما أمركم به،" أي: طلبه منكم من الأحكام، "ونهاكم عنه" منها، لأنكم من جملة المكلفين، "فوالله ما أمسى في ذلك اليوم في حاضره،" أي: مكان إقامته "رجل، ولا امرأة إلا مسلمًا".
"قال ابن عباس" راوي الحديث: "فما سمعنا بوافد قوم كان أفضل من ضمام بن ثعلبة" ﵁، وتقدَّم قول عمر: ما رأيت أحسن مسألة، ولا أوجز من ضمام، وحسبه هذا الثناء من عمر، وابن عباس مع شهادة المصطفى له بالفقه، حيث قال: "فقه الرجل"، كما مَرَّ، ولم يذكروا تاريخ وفاته.стр. 2438
الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه
وفد طارق بن عبد الله وقومه, روى البيهي عن جامع بن شداد قال: حدَّثني رجل يقال له طارق بن عبد الله قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز إذ أقبل رجل وهو يقول: أيها الناس, قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ورجَّع يتبعه فيرميه
الحواشي
(١) "الوفد السابع عشر":
"وفد طارق بن عبد الله" المحاربي، من محارب خصفة -بفتح المعجمة، والمهملة والفاء, صحابي، له حديثان، أو ثلاثة أحاديث.
روى عنه أبو الشعثاء، وربعي بن حراش، وجامع بن شداد، كما في الإصابة.
روى أصحاب السنن الأربعة والبخاري في كتاب خلق أفعال العباد، "وقومه" بني محارب، وأراد بالوفد هنا معناه اللغوي، وهو مجرّد القدوم لا الجماعة المختارة للتقدّم في لقاء العظماء؛ لأن هؤلاء إنما قدموا لأجل الميرة، فالمعنى هذا بيان قصة ورود طارق وقومه على النبي ﷺ .
"روى البيهي عن جامع بن شداد" المحاربي، أبي صخرة الكوفي، ثقة، روى له الستة، مات سنة سبع، ويقال: سنة ثمان وعشرين ومائة.
"قال: حدثني رجل يقال له: طارق بن عبد الله، قال: إني لقائم بسوق ذي المجاز" كان للعرب على فرسخ من عرفة بناحية كبكب؛ "إذ أقبل رجل" زاد في راية الحاكم: عليهстр. 2439
بالحجارة يقول: يا أيها الناس, إنه كذاب فلا تصدقوه، فقلت من هذا؟ فقالوا: هذا غلام من بني هاشم يزعم أنه رسول الله. قلت: من ذا الذي يفعل هذا؟ قالوا: عمه عبد العزّى.
قال: فيما أسلم الناس وهاجروا، خرجنا من الربذة نريد المدينة نمتار من تمرها، فلمَّا دنونا من حيطانها ونخلها قلنا: لو نزلنا فلبسنا ثيابًا غير هذه، فإذا رجل في طمرين له فسلم, وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتار من تمرها، قال: ومعنا ظعينة
الحواشي
(١) جبة له حمراء, فسمعته "وهو يقول: "أيها الناس, قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا"، ورجل يتبعه يرميه بالحجارة" زاد في رواية الحاكم: وقد أدمى كعبيه, "يقول: يا أيها الناس إنه كذاب، فلا تصدقوه" فجمع بين الأذى فعلًا وقولًا، ولو كان من أجنبي لربما كان أخفّ، ولذا قال ﷺ : "ما أوذي أحد ما أوذيت"، وقال: "لقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد"، "فقلت: من هذا؟ " الذي يأمر بالتوحيد، "فقالوا: هذا غلام" أي: رجل "من بني هاشم".
وفي القاموس: الغلام الطار الشارب، أو من حين يولد إلى أن يشيب، والمراد الثاني، "يزعم أنه رسول الله" أي: يذكر، وعبَّروا بالزعم؛ لأنهم كانوا في شك من رسالته، وأكثر ما يستعمل فيما يشك فيه، وإن أطلق على الحق والباطل والكذب، وقد مَرَّ قريبًا، "قلت: من ذا الذي يفعل به هذا؟ " الأذى القولي والفعلي، "قالوا: عمه عبد العزى" أبو لهب، "قال: فلمَّا أسلم الناس، وهاجروا خرجنا من الربذة" بفتح الراء والموحدة والمعجمة.
قال في المصباح: وزان قصبة، خرقة الصائغ يجلو بها الحلي، وبها سميت قرية كانت عامرة في صدر الإسلام، وبها قبر أبي ذر الغفاري وجماعة من الصحابة، وهي في وقتنا دارسة لا يعرف بها رسم، وهي عن المدينة في جهة المشرق على طريق حاجّ العراق، نحو ثلاثة أيام، هكذا أخبرني جماعة من أهل المدينة، في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. انتهى.
"نريد المدينة، نمتار من تمرها" أي: نحمل منه، ففيه تحر يدلان الامتياز، حمل الميرة -بالكسر، وهي هنا التمر، ويمكن بقاء نمتار على حقيقته؛ إذ الميرة له في القاموس: حب الطعام، فالمعنى يحمل حب الطعام التمر، فالتمر مبين للمراد من حب الطعام الذي يحملونه، "فيما دنونا" قربنا "من حيطانها ونخلها قلنا: لو نزلنا، فلبسنا ثيابًا غير هذه" لكان أحسن، فلو شرطية، حذف جوابها أو للتمني، فلا جواب لها، "فإذا رجل في طمرين له" بكسر الطاء- ثوبين خلقين، أو كساءين باليين من غير الصوف، "فسلّم، وقال: من أين أقبل القوم؟ قلنا: من الربذة، قال: وأين تريدون؟ قلنا: نريد المدينة، قال: ما حاجتكم فيها؟ قلنا: نمتار من تمرها، قال" طارق: "ومعناстр. 2440
لنا، ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: "أتبيعون جملكم هذا"؟ قالوا: نعم, بكذا وكذا صاعًا من تمر، فأخذ بخطام الجمل فانطلق، فلمَّا توارى عنَّا بحيطان المدينة ونخلها قلنا: ما صنعنا، والله ما بعنا جملنا ممن نعرف, ولا أخذنا له ثمنًا. قال: تقول المرأة التي معنا: والله لقد رأيت رجلًا كأنَّ وجهه قطعة القمر ليلة البدر، أنا ضامنة لثمن جملكم, وفي رواية ابن إسحاق: قالت الظعينة: فلا تلاوموا، لقد رأيت وجه رجل لا يغدر بكم، ما رأيت شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه؛ إذ أقبل رجل فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم، هذا تمركم, فكلوا واشبعوا واكتالوا
الحواشي
(١) ظعينة لنا" امرأة في هودج سُمِّيَت بذلك، ولو كانت في بيتها؛ لأنها تصبر مظعونة، أي: يظعن بها زوجها، "ومعنا جمل أحمر مخطوم، فقال: "أتبيعوني جملكم هذا"؟ قالوا: نعم, بكذا وكذا صاعًا من تمر، فأخذ بخطام" بكسر الخاء- مفرده خطم، مثل كتاب وكتب، أي: ما يقاد به "الجمل، فانطلق" به، "فلما توارى عنا بحيطان المدينة ونخلها، قلنا: ما صنعنا" استفهام توبيخ لأنفسهم على تسليمهم الجمل لمن لا يعرفونه من غير قبض ثمنه، ويدل علي قول الظينة: فلا تلاوموا؛ لأن ضابط التوبيخي أن يكون ما بعد أداته واقعًا, وفاعله ملوم، أي: فعلنا ما لا ينبغي فعله، "والله ما بعنا جملنا ممن نعرف، ولا أخذنا له ثمنًا" فعرضناه للضياع، "قال" طارق: "تقول المرأة التي معنا" حين قلنا ذلك، وعَبَّر بالمضارع حكاية للحال الماضية: "والله لقد رأيت رجلًا كأنَّ وجهه قطعة القمر" وفي لفظ: شقة، فكان أحدهما بالمعنى، وهي بكسر الشين- القطعة "ليلة البدر", زائدة في البهاء ليلة أربعة عشر، وهو أحسن ما يكون القمر، وشبه به دون الشمس؛ لأن نوره أنفع من نورها، ولعلّ التقييد بالقطعة، مع أن البلغاء يشبهون الوجه بالقمر بلا تقييد أنه كان حينئذ متلثمًا، أو احترازًا عن السواد الذي في القمر، ويأتي بسط ذلك إن شاء الله تعالى في الصفة النبوية، وحسن الوجه دليل على الخير، فضلًا عن الأذى، كما قال ﷺ : "اطلبوا الخير عند حسان الوجوه"، ولذا قالت: "أنا ضامنة لثمن جملكم" أن يأتيكم من هذا الحسن الوجه الذي اشتراه.
"وفي رواية ابن إسحاق" عن طارق السيرة، رواية يونس عن ابن إسحاق، "قالت الظعينة: فلا تلاوموا" أي: لا يلم بعضكم بعضًا، "لقد رأيت وجه رجل لا يغدر" بكسر الدال "بكم، ما رأيت شيئًا أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه" ومَنْ هذه صفته لا يغدر؛ "إذ أقبل" رجل, جواب لمحذوف، أي: فبينا نحن نتكلم إذ أقبل "رجل" وفي رواية الحاكم: فما كان العشي أتانا رجل، "فقال: أنا رسول رسول الله ﷺ إليكم، هذا تمركم" الذي بعتم به جملكم، وفيه تسمّح، فمقتضى السياق أنه أكثر مما جعلوه ثمنًا، فالمراد هذا تمر بعث به إليكم لتستوفوا منه، "فكلوا واشبعوا" لا مجرد أكل، "واكتالوا واستوفوا", فلا تتساهلوا في نظير أكلكم، "فأكلنا حتى شبعنا،стр. 2441
واستوفوا، فأكلنا حتى شبعنا، واكتلنا واستوفينا، ثم دخلنا المدينة، فلمَّا دخلنا المسجد إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس, فأدركنا من خطبته وهو يقول: "تصدقوا فإن الصدقة خير لكم، اليد العليا خير من اليد السفلى".
الحواشي
(١) واكتلنا واستوفينا" كما أمرهم، "ثم دخلنا المدينة" من الغد، كما في رواية الحاكم، "فلمَّا دخلنا المسجد، إذا هو قائم على المنبر يخطب الناس" يحتمل أن ذلك وافق يوم جمعة، وأنه عرض له أمر اقتضى الوعظ، فصعد المنبر للوعظ عليه، "فأدركنا من" أي: بعض "خطبته، وهو يقول" جملة حالية، أي: والحال أنه يقول فيما أدركناه فيه: "تصدقوا، فإن الصدقة خير لكم"؛ لأنها بعشرة أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، والله يضاعف لمن يشاء، ولأن فيها المواساة والسماحة، ومخالفة النفس المطبوعة على حب المال، وقال ﷺ : "أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل العيش، وتخشى الفقر".
وفي التنزيل: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ ، أي: المال، أو الله، "اليد العليا" وهي المنفقة، "خير من اليد السفلى" الآخذة، وقيل: العليا هي المنفقة، وقيل: السائلة، لكن ورد في رواية اليد العليا المنفقة من النفقة في رواية الأكثرين.
قال القرطبي: فهذا نص يرفع الخلاف في التفسير، قال: ورواه بعضهم: المتعففة -بعين وفاءين، وقيل: إنه تصحيف.
قال الحافظ: ومحصّل ما في الآثار؛ أنَّ أعلى الأيدي المنفقة، ثم المتعفِّفة عن الأخذ، ثم الآخذة بغير سؤال، وأسفل الأيدي السائلة والمانعة، وبقية الحديث عند مخرجه: "وابدأ بمن تعول" أمك وأباك، وأختك وأخاك، وادنَّاك أدناك، وثم رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله, هؤلاء بنو ثعلبة بن يربوع، قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع ﷺ يده حتى رأيت بياض إبطيه، فقال: "لا تجني أم على ولد"، أخرجه الحاكم بطوله، وقال: صحيح الإسناد، وأخرجه النسائي وابن ماجه متختصرًا عن طارق؛ أن رجلًا، قال: يا رسول الله, هؤلاء بنو ثعلبة، الذين قتلوا فلانًا في الجاهلية، فخذ لنا بثأرنا، فرفع يده حتى رأيت بياض إبطيه، وهو يقول: "لا تجني أم على ولد مرتين".стр. 2442
الوفد الثامن عشر: وفد تجيب
وقدم عليه ﷺ وفد تجيب،
الحواشي
(١) "الوفد الثامن عشر":
"وقدم عليه ﷺ وفد تجيب" بضم الفوقية وفتحها وكسر الجيم وتحتية ساكنة، وموحدة.
قال في التبصير: اختلف في أوَّله، فقيل: بالفتح، وقيل: بالضم، فسوَّى بينهما تبعًا لابن السيد، لكن القاموس قدَّم الضم، فقال: وتجيب -بالضم وتفتح- بطن من كندة.стр. 2443
وهم من السكون، من ثلاثة عشر رجلًا، قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرَّ ﵊ بهم وأكرم منزلهم، وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم، ثم جاءوا رسول الله ﷺ يودعونه, فأمر بلالًا فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود. قال: "هل بقي منكم أحد"؟ قالوا: غلام خلفناه على رحالنا وهو أحدثنا سنًّا، قال: "أرسلوه إلينا"، فلما أقبل الغلام على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا راغبين في الإسلام، والله ما أخرجني من بلادي لا إلا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني وأن يجعل
الحواشي
(١) قال في النور: وعليه المحدثون، وكثير من الأدباء أ. هـ، ينسبون إلى جدتهم العليا تجيب, ابنة ثوبان بن سليم من مذحج، وهي أم أبذى بن عدي، قاله الواقدي، وأبذى -بفتح الألف والمعجمة، بينهما موحدة ساكنة مقصورة، "وهم من السكون" بفتح المهملة، وضم الكاف، وسكون الواو، ونون- بطن من كندة باليمن، "ثلاثة عشر رجلًا" لا أعرف أسماءهم، قاله في النور، "قد ساقوا معهم صدقات أموالهم التي فرض الله عليهم، فسُرَّ" بضم السين "﵊ بهم، وأكرم منزلهم" وقالوا: يا رسول الله, سقنا إليك حقّ الله في أموالنا، فقال ﷺ : "ردوها فاقسموها على فقرائكم"، قالوا: ما قدمنا عليك إلّا بما فضل من فقرائنا، فقال أبو بكر، يا رسول الله, ما قدم علينا وفد من العرب مثل ما وفد به هذا الحي من تجيب، فقال ﷺ : "إن الهدى بيد الله ، فمن أراد به خيرًا شرح صدره للإيمان"، وسألوا رسول الله ﷺ أشياء، فكتب لهم بها، وجعلوا يسألونه عن القرآن والسنن، فازداد فيهم رغبة، "وأمر بلالًا أن يحسن ضيافتهم،" فأقاموا أيامًا، ولم يطيلوا اللبث، فقيل لهم: ما يعجلكم؟ قالوا: نرجع إلى من وراءنا، فنخبرهم برؤيتنا رسول الله ﷺ ، وكلامنا إياه وما رد علينا، "ثم جاءوا رسول الله ﷺ يودّعونه، فأمر بلالًا، فأجازهم بأرفع مما كان يجيز به الوفود، قال", استئناف, والذي في العيون، فقال: "هل بقي منكم أحد"؟ قالوا: غلام خلَّفناه على رحالنا، وهو أحدثنا سنًّا، قال: أرسلوه إلينا،" فلما رجعوا إلى رحالهم، قالوا للغلام: انطلق إلى رسول الله، فاقض حاجتك منه، فإنا قد قضينا حوائجنا منه، وودَّعناه، "فلما أقبل الغلام على رسول الله ﷺ ،" قال: أنا غلام من بني أبذى، أنا من الرهط الذين أتوك، فقضيت حوائجهم، فاقض حاجتي يا رسول الله، قال: "ما حاجتك"؟ "فقال:" جواب لما دخلته الفاء من تصرّف المصنف في الرواية، "يا رسول الله, إن حاجتي ليست كحاجة أصحابي، وإن كانوا راغبين في الإسلام،" وساقوا ما ساقوا من صدقاتهم، "والله ما أخرجني" لفظه: ما أعملني، أي: ما حثَّني وساقني، فأتى المصنف بمعناه، "إلّا أن تسأل الله أن يغفر لي ويرحمني، وأن يجعل غناي" بالقصر. يساري "في قلبي", فإنстр. 2444
غناي في قلبي، فقال ﵊: "اللهم اغفر له وارحمه, واجعل غناه في قلبه"، ثم أمر له بما أمر لرجل من أصحابه, ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم.
ثم وافوا رسول الله ﷺ بِمِنَى سنة عشر، فقال: "ما فعل الغلام"؟ قالوا: يا رسول الله, ما رأينا مثله قط، ولا حدَّثنا بأقنع منه بما رزقه الله، لو أنَّ الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها ولا التفت إليها.
الحواشي
(١) من قنع بالكفاف استراح من طلب الزيادة، مع أنه ليس له إلّا ما قُدِّرَ له، وشهوات النفس لا تنقطع أبدًا، فهي دائمًا فقيرة لتراكم الشهوات عليها، فهي مفتونة بذلك، وتصل فتنتها إلى القلب فيفتتن، فيصم ويعمى عن الحق.
وفي الحديث: "حبك الشيء يعمي ويصم"، "فقال ﵊: "اللهم اغفر له وارحمه، واجعل غناه في قلبه" وهذا عبد أراد الله به الخير، فوافقه لسؤال ذلك من المصطفى, فقد قال ﷺ : "إذا أراد الله بعبد خيرًا جعل غناه في نفسه، وتقواه في قلبه، وإذا أراد الله بعبد شرًّا، جعل فقره بين عينيه".
رواه الديلمي وغيره، "ثم أمر له بما"، أي: بمثل الذي "أمر" به "لرجل من أصحابه، ثم انطلقوا راجعين إلى أهليهم، ثم وافوا رسول الله ﷺ بِمِنَى سنة عشر" فقالوا: نحن بنو أبذى، "فقال" ﷺ : "ما فعل الغلام" الذي أتاني منكم؟ "قالوا: يا رسول الله" والله "ما رأينا مثله قط، ولا حدَّثنا بأقنع منه بما رزقه الله, لو أن الناس اقتسموا الدنيا ما نظر نحوها، ولا التفت إليها" فاستجاب الله دعاء نبيه، وبقية القصة: فقال ﷺ : "الحمد لله، إني لأرجو أن يموت جميعًا"، فقال رجل منهم: أَوَلَيْس يموت الرجال جميعًا؟ قال ﷺ : "تتشعب أهواؤه وهمومه في أودية الدنيا، فلعلَّ أجله أن يدركه في بعض لك الأودية، فلا يبالي الله في أيها هلك"، قالوا: فعاش ذلك الرجل فينا على أفضل حال، وأزهده في الدنيا، وأقنعه بما رزق، فلمَّا توفي رسول الله ﷺ ، ورجع من رجع من أهل اليمن عن الإسلام، قام في قومه، فذكَّرهم الله والإسلام، فلم يرجع منهم أحد، وجعل الصديق يذكّره، ويسأل عنه، حتى بلغه حاله، وما قام به، فكتب إلى زياد بن الوليد يوصيه به خيرًا، ذكره اليعمري أ. هـ.стр. 2445
الوفد التاسع عشر: وفد بني سعد هذيم
قدوم وفد بني سعد هذيم من قضاعة:
الحواشي
(١) "الوفد التاسع عشر":
"قدوم وفد بني سعد هذيم" بضم الهاء وفتح الذال المعجمة فتحتية فميم، وهو سعد بن زيد، لكن حضنه عبد أسود اسمه هذيم، فأضيف إليه، وهو أبو قبيلة "من قضاعة" شعبстр. 2446
روى الواقدي عن ابن النعمان عن أبيه, من سعد هذيم قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدًا في نفر من قومي، فنزلنا ناحية من المدينة, ثم خرجنا نؤمَّ المسجد الحرام، فقمنا ناحية ولم ندخل مع الناس في صلاتهم حتى نلقى رسول الله ﷺ ونباعيه، ثم بايعنا ﷺ على الإسلام, ثم انصرفنا إلى رحالنا.
وقد كنَّا خلفنا أصغرنا، فبعث ﵇ في طلبنا, فأتي بنا إليه، فتقدَّم صاحبنا
الحواشي
(١) من معد، وقيل: من اليمن.
"روى الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي المدني، الحافظ، المتروك مع سعة علمه، "عن ابن النعمان، عن أبيه" قال في النور: لا أعرفهما أ. هـ. والنعمان صحابي، عجبت من صاحب الإصابة كيف لم يترجم له، مع أنَّ شأنه الاستيعاب لكل ما ورد، وإن ضعف إسناده، أو كان لا إسناد له، "من سعد هذيم، قال: قدمت على رسول الله ﷺ وافدًا في نفر من قومي" وقد أوطأ رسول الله البلاد غلبةً, وأذاخ العرب والناس صنفان، إما داخل في الإسلام راغب فيه، وإما خائف من السيف، هذا أسقطه من رواية الواقد قبل قوله: "فنزلنا ناحية من المدينة", وأذاخ -بذال وخاء معجمتين: استولى، "ثم خرجنا نؤمّ" نقصد "المسجد الحرام" يعني: النبوي, مسجد المدينة؛ لأنه يطلق عليه الحرام أيضًا، وقد قال ﷺ : "وإني حرَّمت المدينة"، أي: جعلتها حرمًا، والقرية صارفة عن إرادة حرم مكة، لكن لم يقع في رواية الواقدي عند اليعمري لفظ الحرام، فالأَوْلَى إسقاطه، "فقمنا ناحية" تصرف في رواية الواقدي بالحفظ، ولفظه: نؤمّ المسجد حتى انتيهنا إلى بابه، فنجد رسول الله ﷺ يصلي على جنازة في المسجد، فقمنا خلفه ناحية، "ولم ندخل مع الناس في صلاتهم" على الجنازة، وقلنا: "حتى نلقى رسول الله ﷺ ونبايعه", ثم انصرف ﷺ فنظر إلينا، فدعا بنا، فقال: "ممن أنتم"؟ فقلنا: من بني سعد هذيم، فقال: "أمسلمون أنتم"؟ قلنا: نعم، قال: "فهلّا صليتم على أخيكم"؟ قلنا: يا رسول الله, ظننَّا أن ذلك لا يجوز لنا حتى نبايعك، قال ﷺ : "أينما أسلمتم، فأنتم مسلمون"، قالوا: فأسلمنا وبايعنا, هذا أسقطه من خبر الواقدي؛ لأنه لم يتعلق غرضه به، واختصره بقوله: "ثم بايعنا ﷺ على الإسلام" قال في النور: ما حاصله.
والظاهر أنه سهيل بن بيضًا، فلا أعلم أحدًا صلى عليه في مسجد غيره، وما في مسلم: أنه صلى على سهيل وأخيه في المسجد، ففيه أنه إن كان المراد به سهلًا بالتكبير، فلا يصح؛ لأنه مات بعد النبي ﷺ ، قاله الواقدي، وإن كان صفوان فكذلك؛ لأنه قُتِلَ ببدر أ. هـ، "ثم انصرفنا إلى رحالنا، وقد كنَّا خَلَّفْنَا أصغرنا" بشد اللام، ولم يعرف البرهان اسم أصغرهم، "فبعث -عليهстр. 2447
فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله، إنه أصغرنا وخادمنا، فقال: "أصغر القوم خادمهم، بارك الله عليك"، قال: فكان والله خيرنا وأقرأنا بدعاء رسول الله ﷺ ، ثم أمَّره علينا، فكان يؤمّنا, فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام.
الحواشي
(١) السلام- في طلبنا، فأُتِيَ" بالبناء للمجهول "بنا إليه،" وكأنه بعث يطلبهم، لأجل مبايعة أصغرهم له، وشرَّفه برؤيته، "فتقدَّم صاحبنا، فبايعه على الإسلام، فقلنا: يا رسول الله, إنه أصغرنا وخادمنا، فقال: "أصغر القوم خادمهم, بارك الله عليك"،" وفي اليعمري وغيره: عليه، وهي الموافقة لكون الخطاب معهم لا معه، ويحتمل أنه قصد خطابه؛ لأنه تقدَّم له وبايعه، فلا التفات فيه.
"قال" النعمان راوي الحديث: "فكان والله خيرنا، وأقرأنا بدعاء رسول الله ﷺ ، ثم أمَّرَه علينا" بشد الميم- من التأمير، "فكان يؤُمُّنا،" قال: ولما أردنا الانصراف أمر بلالًا، فأجازنا بأواقي من فضة لكل رجلٍ منا، "فرجعنا إلى قومنا، فرزقهم الله الإسلام" كذا في نسخة، فرجعنا بالفاء، وهي التي في الرواية، وفي نسخة: مرجعنا -بالميم، أي: يؤمّنا زمن رجوعنا.стр. 2448
الوفد العشرون: وفد بني فزارة
وفد بني فزارة: قال أبو الربيع بن سليمان في كتاب الاكتفاء: ولما رجع رسول الله ﷺ من تبوك، قدم عليه وفد بني فزارة، بضعة عشر رجلًا, منهم خارجة بن حصن،
الحواشي
(١) "الوفد العشرون":
"وفد بني فزارة" بفتح الفاء والزاي فألف فراء فتاء تأنيث, قبيلة من قيس عيلان، ويحتمل أنه أراد بالوفد، القدوم, من إضافة المصدر إلى فاعله، وأنَّه بمعنى الجماعة المختارة للتقدُّم في لقاء العظماء، فتكون من إضافة الأعمّ إلى الأخص، وهذا أوفق بقوله بعد قدم عليه إلخ ...
"قال" الإمام الحافظ البارع العالم، محدث الأندلس وبليغها "أبو الربيع" سليمان بن موسى "ابن سليمان،" ابن حسان الحميري، الكلاعي، البلنسي، المُعْتَنِي بالحديث أتمَّ عناية، فكان إمامًا في صناعته، بصيرًا به، عارفًا بالجرح والتعديل، ذاكرًا للمواليد والوفيات، مقدَّم أهل زمانه في ذلك، وفي حفظ أسماء الرجال، مع التبحُّر في الأدب، والاشتهار بالبلاغة، فردًا في الإنشاء، شجاعًا بطلًا، يباشر الحروب بنفسه، ويبلي فيها بلاءًَ حسنًا. ولد في مستَهَلِّ رمضان سنة خمس وستين وخمسمائة، واستُشْهِدَ ببلد العدو في العشرين من ذي الحجة، سنة أربع وثلاثين وستمائة "في كتاب الاكتفاء" بالمد, في مغازي رسول الله والثلاثة الخلفاء، أحد تصانيفه العديدة، "ولما رجع رسول الله ﷺ من تبوك" في رمضان سنة تسع، "قدم عليه وفد بني فزارة بضعة عشر رجلًا، منهم خارجة" بمعجمة فراء فجيم "ابن حصن" بكسر المهملةстр. 2449
والحر بن قيس، ابن أخي عيينة بن حصن، وهو أصغرهم، مقرِّين بالإسلام، وهم مسنتون، على ركاب عجاف، فسألهم ﵊ عن بلادهم, فقال أحدهم: يا رسول الله، أسنتت بلادنا وهلكت مواشينا، وأجدب جنابنا، وغرث عيالنا،
الحواشي
(١) الأُولَى وإسكان الثانية, ابن حذيفة بن بدر، أخو عيينة بن حصن، وهو والد أسماء بن خارجة، الذي كان بالكوفة.
ذكر الواقدي: أنه ارتدَّ بعد المصطفى ومنع الصدقة ثم تاب، وقدم على أبي بكر, "والحر" بضم المهملة، وشد الراء "بن قيس" ابن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، "ابن أخي عيينة بن حصن" نرفع ابن صفة للحر المرفوع بالعطف، ذكره ابن السكن في الصحابة، وفي البخاري عن ابن عباس: قدم عيينة بن حصن، فنزل على ابن أخيه الحر بن قيس، وكان من النفر الذين يدنيهم عمر الحديث.
وفي الصحيحين: تمارى ابن عباس، والحر بن قيس في صاحب موسى، فمرَّ بهما أُبَيّ بن كعب.. الحديث. وقال مالك في العتبية: قدم عيينة بن حصن، فنزل عند ابن أخ له أعمى، فبات يصلي، فلما أصبح غدا إلى المسجد، فقال عيينة: ما رأيت قومًا أوجه لما وجهوهم له من قريش، كان ابن أخي عندي أربعين سنة لا يطيعني، ذكره في الإصابة، "وهو أصغرهم" فنزلوا في دار رملة بنت الحارث، وجاءوا المصطفى "مقرين بالإسلام وهم مسنتون" بضم الميم، وإسكان المهملة، وكسر النون، أي: مجدبون، ويروى: مشتون -بشين معجمة فتاء، أي: داخلون في الشتاء "على ركاب" إبل يسار عليها "عجاف" بكسر المهملة، وخفة الجيم: بالغين في الهزال النهاية، جمع أعجف على غير قياس، حملًا على نظيره، وهو ضعاف أو على ضده، وهو سمان، والقياس عجف، كأحمر وحمر، "فسألهم ﵊ عن بلادهم،" عن أحوالها، "فقال أحدهم:" قال في النور: لا أعرفه.
وفي الفتح: الظاهر أنه خارجة؛ لكونه كبير الوفد أ. هـ، ولا يلزم من كونه كبيرهم أن يكون هو القائل "يا رسول الله أسنتت" بهمزة مفتوحة، ومهملة ساكنة، وفوقية، أي: أجدبت "بلادنا" أصابتها السنة وهي الجدب، "وهلكت مواشينا" من عدم ما تأكله، "وأجدب" بدال مهملة "جنابنا" بفتح الجيم وخفة النون، فألف فموحدة: الفناء، وما قرب من محلة القوم، فعطفه بلا تاء على أسنت من عطف الجزء على الكل، إن أريد بجنابنا ما حول بيوتنا، ومباين أن أريد به ما يقرب من بلادهم، وعلى كلٍّ، فالغرض الزيادة في إظهار سبب هلاك المواشي، سيما على الوجه الثاني، وقراءته جناننا -بنونين، جمع جنة, تصحي، فأرض العرب لم يكن بها جنان "وغرث" بفتح المعجمة، وكسر الراء، ومثلثة: جاع "عيالنا" لقلة ما يأكلون، وفي نسخة: غرثت -بزيادة تاء،стр. 2450
فادع لنا ربك يغيثنا، واشفع لنا إلى ربك، وليشفع لنا ربك إليك.
فقال ﷺ : "سبحان الله!! ويلك، هذا إنما شفعت عند ربي , فمن ذا الذي يشفع ربنا إلينا؟ لا إله إلا هو العلي العظيم، وسع كرسيه السماوات والأرض، فهي تئط من عظمته وجلاله، كما يئط الرجل الجديد".
وقال ﵊: "إن الله ليضحك
الحواشي
(١) وتركها أظهر، لأنَّ عيال الرجل من يعول، ولو ذكورًا، فهو مذكر، "فادع لنا ربك يغيثنا" بفتح أوله. من الغيث، أي: يمطرنا، وبضم أوله من الإغاثة، وهي الإجابة، "واشفع لنا إلى ربك" أي: توسَّل لنا إليه بما بينك وبينه من السر، يقال: شفعت في الأمر شفعًا وشفاعة, طالبته بوسيلة أو ذمام، "وليشفع لنا ربك إليك، فقال ﷺ " متعجبًا: "سبحان الله، ويلك" كلمة عذاب خاطبه بها زجرًا وتنفيرًا عن العود لمثلها، وإن عذر لقرب عهده بالإسلام، "هذا إنما شفعت" بفتح الفاء- من باب منع، كما في القاموس وغيره.
قال في النور: وهو بديهي كالشمس، إلّا أني أخبرت أن بعض الأروام كسرها، وفي نسخة: أنا شفعت، وكذلك في العيون وغيرها، وهي أَوْلَى؛ لأن إنما للحصر، وإنما تستعمل للرد على معتقد الشركة أو القلب، وهؤلاء ليسوا كذلك, "عند ربي ، فمن ذا الذي يشفع ربنا إليه، لا إله إلا هو العلي" فوق خلقه بالقهر "العظيم" الكبير، "وسع كرسيه السموات والأرض" قيل: أحاط علمه بهما، وقيل: ملكه، وقيل: الكرسي بعينه يشتمل عليهما لعظمته؛ لحديث: "ما السموات السبع في الكرسي إلّا كدراهم ألقيت في ترس"، ذكره السيوطي.
وفي النور: الصواب: أنَّ الكرسي غير العلم، خلافًا لزاعمه ولزاعم أنه القدرة، وأنه موضع قدميه، وإنما هو المحيط بالسموات والأرض، وهو دون العرش، كما جاءت به الآثار، "فهي تئط" بفتح الفوقية، وكسر الهمزة، وشد الطاء المهملة: تصوَّت "من عظمته وجلاله"، "كما يئط الرجل" بالمهملة "الجديد" بالجيم.
قال المصنف في المقصد التاسع: الأطيط صوت الأقتاب، يعني: إن الكرسي ليعجز عن حمله وعظمته؛ إذ كان معلومًا أن أطيط الرحل بالراكب، إنما يكون لقوّة ما فوقه وعجزه عن احتماله، وهذا مثل لعظمة الله وجلاله، وإن لم يكن أطيط، وإنما هو كلام تقريبي أريد به تقرير عظمته أ. هـ.
"وقال ﵊: "إنَّ الله ليضحك" يدر رحمته، ويجزل مثوبته، فالمراد لازمه، أو الضحك فيهنّ وما أشبهه التجلي والظهور، حتى يرى بعين البصيرة في الدنيا والآخرة بعين البصر، يقال: ضحك الشيب إذا ظهر قال:стр. 2451
"من شففكم وقرب غياثكم".
فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا ؟ فقال: "نعم".
قال الأعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيرًا.
فضحك رسول الله ﷺ من قوله, وصعد المنبر فرفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه
الحواشي
(١) لا تعجبي يا هند من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
"من شففكم" بفتح الشين المعجمة والفاء: اسم من الإشفاف، والمراد به: أقصى ما وجدوه من الضيق، كما في الشامي، ومقضتاه أنه بفاءين، ويفيده كلام القاموس والصحاح، كذا قال شيخنا هنا، وضبطه في المقصد التاسع بالفاء والقاف، فقال، أي: خوَّفكم، يقال: أشفقت من كذا حذرت، وفي الصحاح: أشفقت عليه، فأنا مشفق وشفيق، وإذا قلت: شفقة منه، فإنما تعني حذرته، وأصلهما واحد، ومثله في القاموس أ. هـ.
وقد زاد في العيوان: وأزلكم -بفتح الهمزة، وإسكان الزاي، أي: ضيقكم، وهو يؤيد الثانية قاف لا فاء؛ لأن الأصل تباين العطف، "وقرب غياثكم" بضم القاف، وسكون الراء مخفوض عطفًا على شفقكم، والمعنى: إن الله يضحك من حصول الفرج لكم متصلًا بشدة الضيق، وهذا قاله ﷺ قبل صعود المنبر، والدعاء، فيكون علمه بالوحي، فبشرهم به، "فقال الأعرابي: يا رسول الله, ويضحك ربنا ؟ فقال: "نعم"، قال الأعرابي: لن نعدمك" بفتح النون، وسكون العين، وفتح الدال، كما في الصحاح، والقاموس، والمختار، والمصباح: إنه من باب طرب، وبه ضبط الكرماني وغيره، وقوله ﷺ : "لا نعدمك من صاحب المسك، إما تشتريه أو تجد ريحه"، فضبط الشامي -بكسر الدال- لا يعوَّل عليه على أنه كتب بهامش نسخته بخطه يحرر، فأفاد أنه كتبه على عجل، ليراجعه بعد "من رب يضحك خيرًا" أي: لا ننفي عنك خيرًا من رب يضحك، لما جرت له العادة, إنَّ العظيم إذا سُئِلَ شيئًا فضحك، أو نظر السائل نظرة جلوة حصل له ما يؤمله منه، "فضحك رسول الله ﷺ من قوله وصعد" بكسر العين مضارعة بفتحها "المنبر".
زاد في الرواية: وتكلم بكلمات "فرفع يديه حتى ريء" براء مكسورة، فهمزة مفتوحة، ممدود، أو بضم الراء، وكسر الهمزة. "بياض إبطيه" وهو من خصائصه دون غيره.
قال أبو نعيم: بياض إبطيه من علامات نبوَّته, وقد وقع في هذه الرواية، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلّا رفع الاستسقاء، ومثله في الصحيحين من حديث أنس.стр. 2452
وكان مما حفظ دعائه: "اللهم اسق بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مربعًا طبقًا واسعًا عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهمَّ سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق, اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء"، الحديث رواه ابن سعد والبيهقي، ويأتي تمامه
الحواشي
(١) قال الحافظ: ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء، وتقدَّم أنها كثيرة، وأفردها البخاري بترجمة في كتاب الدعوات، وساق فيه عِدَّة أحاديث، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أَوْلَى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس، لأجل الجمع بحمله على نفي الرفع البالغ إلّا في الاستسقاء، يدل عليه قوله: حتى رِيء إلخ، ويؤيده أن غالب الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الدعاء، المراد به مد اليدين، وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء, زاد: فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذاتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، أو على صفة اليدين في ذلك، لما في مسلم عن أنس؛ أنه ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء، ولأبي داود عن أنس: كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل طونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
قال النووي: قال العلماء: السُّنَّة في كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء أ. هـ، وتعقب الحمل الثاني بأنه يقتضي أنه يفعل ذلك، وإن كان استسقاؤه للطلب، كما هنا، مع أنه نفسه ذكر أن ما كان لطلب شيء، كان ببطون الكفَّين إلى السماء، والظاهر أنَّ مستند هذا استقراء حاله ﷺ في دعاء الاستسقاء وغيره، "وكان مما حُفِظَ" بالبناء للمفعول من "دعائه: "اللهم اسق" بوصل الهمزة، وقطعها ثلاث ورباعي، وكذا ما بعده "بلدك" أي: أهل بلدك "الميت، اللهم اسقنا غيثنا" مطرًا "مغيثًا" من هذه الشدة, "مربعًا" بضم الميم، وإسكان الراء، وكسر الموحدة، وعين مهملة، أو بفوقية بدل الموحدة, من رتعت الدابة إذا أكلت ما شاءت، أو بفتح الميم، وكسر الراء، وسكون التحتية، ومهملة, من المراعة، وهي الخصب, "طبقًا" بفتح المهملة والموحدة وقاف، أي: مستوعبًا للأرض منطبقًا عليها "واسعًا" كالتأكيد طبقًا، "عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار" بزرع، ولا مسكن، ولا حيوان وآدمي، أو بهيمة, "اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء"، الحديث.
"رواه ابن سعد والبيهقي" في الدلائل، "ويأتي تمامه"، وهو: فقام أبو لبابة بن عبد المنذر، فقال: يا رسول الله, إن التمر في المربد ثلاث مرات، فقال ﵇: "اللهم اسقنا حتى يقومстр. 2453
إن شاء الله تعالى في الاستسقاء في مقصد عباداته ﵊.
الحواشي
(١) أبو لبابة عريانًا يسد ثعلب مربده بإزار"، قال: فلا والله ما في السماء من قزعة، ولا سحاب" وما بين المسجد وسلع من بناء، ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلمَّا توسَّطت السماء انتشرت وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتًا، وقام أبو لبابة عريانًا بسد ثعلب مربده بإزاره لئلَّا يخرج التمر منه، فقال الرجل -يعني الذي سأله أن يستسقى لهم: يا رسول الله, هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فصعد المنبر فدعا، ورفع يديه حتى رأى بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر"، فانجابت السحابة على المدينة، كانجياب الثوب هذا آخر الآتي، "إن شاء الله تعالى في الاستسقاء من مقصد عباداته ﵊" وهو التاسع، وفيه ثَمَّ فوائد جليلة، والله أعلم.стр. 2454
الوفد الحادي والعشرين: وفد بني أسد
...
الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد
وقدم عليه ﷺ وفد بني أسد، عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد،
الحواشي
(١) "الوفد الحادي والعشرون":
"وقدم عليه ﷺ وفد بني أسد" بفتح الهمزة والسين- ابن خزيمة, في سنة تسع "عشرة رهبط فيهم وابصة بن معبد" بن عتبة بن الحارث بن مالك بن الحارث بن مالك بن قيس بن كعب بن سعد بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي.
وقال أبو حاتم: هو وابصة بن عبيدة, ومعبد لقب أبو سالم، ويقال: أبو الشعثاء، ويقال: أبو سعد، وفد سنة تسع، وروى عن النبي ﷺ وابن مسعود وأم قيس وغيرهم، وعنه ابناه سالم وعمرو، وغيرهما, نزل الجزيرة فروى أبو علي الحراني عن أبي عبد الله الرقي، وكان من أعوان عمر بن عبد العزيز، أنه بعث معه بمال، وكتب إلى وابصة أن يبعث معه من يكف الناس عنه، وقال لي: لا تفرقه إلّا على نهر جار، فإني أخاف أن يعطشوا، قال أبو علي: وما أظن هذا إلا وهمًا؛ لأن وابصة ما عاش إلى خلافة عمر بن عبد العزيز، وهو كما ظنَّ، ولعلَّه كان في الأصل إلى ابن وابصة, قاله في الإصابة، وفي تقريبه وابصة -بكسر الموحدة ثم مهملة- ابن عتبة الأسدي، صحابي, نزل الجزيرة، وعاش إلى قرب سنة تسعين.
روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، "وطليحة بن خويلد" بتصغيرها- ابن نوفل بن نضلة الأسدي وَفَدَ وأسلم، ثم ارتدَّ بعد النبي ﷺ وادَّعى النبوّة، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد، وأمره أن يصير في ضاحية مضر، فيقاتل من ارتدَّ، ثم يسير إلى اليمامة، فسار فقاتل طليحة،стр. 2455
ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، فقال متكلمهم: يا رسول الله, إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثًا.
فأنزل الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] .
الحواشي
(١) فهزمه وهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلامًا صحيحًا، ولم يغمض عليه بعد إسلامه، وأحرم بالحج، فرآه عمر، فقال: لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، وكانا طليعتين لخالد، فلقيهما طليحة فقتلهما، فقال طليحة: هما رجلان أكرمهما الله بيدي، ولم يهنِّي بأيديهما يا أمير المؤمنين، فمعاشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون مع البغضاء، وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، وذكروا له مواقف عظيمة في الفتوح، ويقال: إنه استُشْهِدَ بنهاوند سنة إحدى وعشرين، ووقع في الأم للشافعي أن عمر قتل طليحة وعيينة، وراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني فاستغربه جدًّا، ولعله قبل -بالباء الموحدة- أي: قَبِلَ منهما الإسلام، قاله في الإصابة ملخصًا، واقتصر المصنف على تسمية هذين الاثنين من العشرة، تبعًا لما في بعض الروايات، وزاد ابن سعد: ضرار بن الأزور، وحضرمي ابن عامر، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، ومعاذ بن عبد الله بن خلف، فجملة من سمي سبعة، ولم يسم الثلاثة الباقية، فقصَّر البرهان تقصيرًا شديدًا في قوله: ما عرفت منهم إلّا وابصة وطليحة، وفي الإصابة: أبو مكعت -بضم فسكون فمهملة مكسورة ثم مثناة فوقية- الأسدي, اسمه: عرفطة ابن نضلة، وقيل: الحارث بن ثعلبة, وفد في قومه بني أسد، فلمَّا وقف بين يدي النبي ﷺ قال:
يقول أبو مكعت صادقًا ... عليك السلام أبا القاسم
سلام الإله وريحانه ... وروح المصلين والصائم
فقال ﵇: "يا أبا مكعت, عليك السلام تحية الموتى" أ. هـ باختصار، فهذا ثامن، "ورسول الله ﷺ جالس" في المسجد، كما في الرواية، فكأنه أسقطه للعلم به "مع أصحابه، فقال" لفظ ابن سعد: فسلَّموا، وقال "متكلمهم" -قال في النور: لا أعرفه: "يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده" حال وخبر أن "لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك" لفظ الرواية.
وقال حضرمي ابن عامر، أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، أي: نجعل الليل الشديد الظلمة درعًا لنا في سنة جدباء، لا مطر فيها من الشبهة البياض، "ولم تبعث إلينا بعثًا".
زاد ابن سعد: ونحن لمن وراءنا سلم، "فأنزل الله تعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ﴾ , أي: بأن ﴿أَسْلَمُوا﴾ من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال، ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض، وهو الباء، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْследующие страницы →