Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
"من شففكم وقرب غياثكم".
فقال الأعرابي: يا رسول الله، ويضحك ربنا ؟ فقال: "نعم".
قال الأعرابي: لن نعدمك من رب يضحك خيرًا.
فضحك رسول الله ﷺ من قوله, وصعد المنبر فرفع يديه حتى رؤي بياض إبطيه
الحواشي
(١) لا تعجبي يا هند من رجل ... ضحك المشيب برأسه فبكى
"من شففكم" بفتح الشين المعجمة والفاء: اسم من الإشفاف، والمراد به: أقصى ما وجدوه من الضيق، كما في الشامي، ومقضتاه أنه بفاءين، ويفيده كلام القاموس والصحاح، كذا قال شيخنا هنا، وضبطه في المقصد التاسع بالفاء والقاف، فقال، أي: خوَّفكم، يقال: أشفقت من كذا حذرت، وفي الصحاح: أشفقت عليه، فأنا مشفق وشفيق، وإذا قلت: شفقة منه، فإنما تعني حذرته، وأصلهما واحد، ومثله في القاموس أ. هـ.
وقد زاد في العيوان: وأزلكم -بفتح الهمزة، وإسكان الزاي، أي: ضيقكم، وهو يؤيد الثانية قاف لا فاء؛ لأن الأصل تباين العطف، "وقرب غياثكم" بضم القاف، وسكون الراء مخفوض عطفًا على شفقكم، والمعنى: إن الله يضحك من حصول الفرج لكم متصلًا بشدة الضيق، وهذا قاله ﷺ قبل صعود المنبر، والدعاء، فيكون علمه بالوحي، فبشرهم به، "فقال الأعرابي: يا رسول الله, ويضحك ربنا ؟ فقال: "نعم"، قال الأعرابي: لن نعدمك" بفتح النون، وسكون العين، وفتح الدال، كما في الصحاح، والقاموس، والمختار، والمصباح: إنه من باب طرب، وبه ضبط الكرماني وغيره، وقوله ﷺ : "لا نعدمك من صاحب المسك، إما تشتريه أو تجد ريحه"، فضبط الشامي -بكسر الدال- لا يعوَّل عليه على أنه كتب بهامش نسخته بخطه يحرر، فأفاد أنه كتبه على عجل، ليراجعه بعد "من رب يضحك خيرًا" أي: لا ننفي عنك خيرًا من رب يضحك، لما جرت له العادة, إنَّ العظيم إذا سُئِلَ شيئًا فضحك، أو نظر السائل نظرة جلوة حصل له ما يؤمله منه، "فضحك رسول الله ﷺ من قوله وصعد" بكسر العين مضارعة بفتحها "المنبر".
زاد في الرواية: وتكلم بكلمات "فرفع يديه حتى ريء" براء مكسورة، فهمزة مفتوحة، ممدود، أو بضم الراء، وكسر الهمزة. "بياض إبطيه" وهو من خصائصه دون غيره.
قال أبو نعيم: بياض إبطيه من علامات نبوَّته, وقد وقع في هذه الرواية، وكان لا يرفع يديه في شيء من الدعاء إلّا رفع الاستسقاء، ومثله في الصحيحين من حديث أنس.стр. 2452
وكان مما حفظ دعائه: "اللهم اسق بلدك الميت، اللهم اسقنا غيثًا مغيثًا مربعًا طبقًا واسعًا عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار، اللهمَّ سقيا رحمة لا سقيا عذاب ولا هدم ولا غرق ولا محق, اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء"، الحديث رواه ابن سعد والبيهقي، ويأتي تمامه
الحواشي
(١) قال الحافظ: ظاهره نفي الرفع في كل دعاء غير الاستسقاء، وهو معارض بالأحاديث الثابتة بالرفع في غير الاستسقاء، وتقدَّم أنها كثيرة، وأفردها البخاري بترجمة في كتاب الدعوات، وساق فيه عِدَّة أحاديث، فذهب بعضهم إلى أن العمل بها أَوْلَى، وحمل حديث أنس على نفي رؤيته، وذلك لا يستلزم نفي رؤية غيره، وذهب آخرون إلى تأويل حديث أنس، لأجل الجمع بحمله على نفي الرفع البالغ إلّا في الاستسقاء، يدل عليه قوله: حتى رِيء إلخ، ويؤيده أن غالب الأحاديث الواردة في رفع اليدين في الدعاء، المراد به مد اليدين، وبسطهما عند الدعاء، وكأنه عند الاستسقاء, زاد: فرفعهما إلى جهة وجهه حتى حاذاتاه، وبه حينئذ يرى بياض إبطيه، أو على صفة اليدين في ذلك، لما في مسلم عن أنس؛ أنه ﷺ استسقى، فأشار بظهر كفيه إلى السماء، ولأبي داود عن أنس: كان يستسقي هكذا، ومد يديه وجعل طونهما مما يلي الأرض حتى رأيت بياض إبطيه.
قال النووي: قال العلماء: السُّنَّة في كل دعاء لرفع بلاء أن يرفع يديه جاعلًا ظهور كفيه إلى السماء، وإذا دعا بسؤال شيء وتحصيله أن يجعل كفيه إلى السماء أ. هـ، وتعقب الحمل الثاني بأنه يقتضي أنه يفعل ذلك، وإن كان استسقاؤه للطلب، كما هنا، مع أنه نفسه ذكر أن ما كان لطلب شيء، كان ببطون الكفَّين إلى السماء، والظاهر أنَّ مستند هذا استقراء حاله ﷺ في دعاء الاستسقاء وغيره، "وكان مما حُفِظَ" بالبناء للمفعول من "دعائه: "اللهم اسق" بوصل الهمزة، وقطعها ثلاث ورباعي، وكذا ما بعده "بلدك" أي: أهل بلدك "الميت، اللهم اسقنا غيثنا" مطرًا "مغيثًا" من هذه الشدة, "مربعًا" بضم الميم، وإسكان الراء، وكسر الموحدة، وعين مهملة، أو بفوقية بدل الموحدة, من رتعت الدابة إذا أكلت ما شاءت، أو بفتح الميم، وكسر الراء، وسكون التحتية، ومهملة, من المراعة، وهي الخصب, "طبقًا" بفتح المهملة والموحدة وقاف، أي: مستوعبًا للأرض منطبقًا عليها "واسعًا" كالتأكيد طبقًا، "عاجلًا غير آجل، نافعًا غير ضار" بزرع، ولا مسكن، ولا حيوان وآدمي، أو بهيمة, "اللهم سقيا رحمة، لا سقيا عذاب، ولا هدم، ولا غرق، ولا محق، اللهم اسقنا الغيث وانصرنا على الأعداء"، الحديث.
"رواه ابن سعد والبيهقي" في الدلائل، "ويأتي تمامه"، وهو: فقام أبو لبابة بن عبد المنذر، فقال: يا رسول الله, إن التمر في المربد ثلاث مرات، فقال ﵇: "اللهم اسقنا حتى يقومстр. 2453
إن شاء الله تعالى في الاستسقاء في مقصد عباداته ﵊.
الحواشي
(١) أبو لبابة عريانًا يسد ثعلب مربده بإزار"، قال: فلا والله ما في السماء من قزعة، ولا سحاب" وما بين المسجد وسلع من بناء، ولا دار، فطلعت من وراء سلع سحابة مثل الترس، فلمَّا توسَّطت السماء انتشرت وهم ينظرون، ثم أمطرت، فوالله ما رأوا الشمس سبتًا، وقام أبو لبابة عريانًا بسد ثعلب مربده بإزاره لئلَّا يخرج التمر منه، فقال الرجل -يعني الذي سأله أن يستسقى لهم: يا رسول الله, هلكت الأموال، وانقطعت السبل، فصعد المنبر فدعا، ورفع يديه حتى رأى بياض إبطيه، ثم قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، على الآكام والظراب، وبطون الأودية، ومنابت الشجر"، فانجابت السحابة على المدينة، كانجياب الثوب هذا آخر الآتي، "إن شاء الله تعالى في الاستسقاء من مقصد عباداته ﵊" وهو التاسع، وفيه ثَمَّ فوائد جليلة، والله أعلم.стр. 2454
الوفد الحادي والعشرين: وفد بني أسد
...
الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد
وقدم عليه ﷺ وفد بني أسد، عشرة رهط فيهم وابصة بن معبد، وطليحة بن خويلد،
الحواشي
(١) "الوفد الحادي والعشرون":
"وقدم عليه ﷺ وفد بني أسد" بفتح الهمزة والسين- ابن خزيمة, في سنة تسع "عشرة رهبط فيهم وابصة بن معبد" بن عتبة بن الحارث بن مالك بن الحارث بن مالك بن قيس بن كعب بن سعد بن الحارث بن ثعلبة بن دودان بن أسد بن خزيمة الأسدي.
وقال أبو حاتم: هو وابصة بن عبيدة, ومعبد لقب أبو سالم، ويقال: أبو الشعثاء، ويقال: أبو سعد، وفد سنة تسع، وروى عن النبي ﷺ وابن مسعود وأم قيس وغيرهم، وعنه ابناه سالم وعمرو، وغيرهما, نزل الجزيرة فروى أبو علي الحراني عن أبي عبد الله الرقي، وكان من أعوان عمر بن عبد العزيز، أنه بعث معه بمال، وكتب إلى وابصة أن يبعث معه من يكف الناس عنه، وقال لي: لا تفرقه إلّا على نهر جار، فإني أخاف أن يعطشوا، قال أبو علي: وما أظن هذا إلا وهمًا؛ لأن وابصة ما عاش إلى خلافة عمر بن عبد العزيز، وهو كما ظنَّ، ولعلَّه كان في الأصل إلى ابن وابصة, قاله في الإصابة، وفي تقريبه وابصة -بكسر الموحدة ثم مهملة- ابن عتبة الأسدي، صحابي, نزل الجزيرة، وعاش إلى قرب سنة تسعين.
روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، "وطليحة بن خويلد" بتصغيرها- ابن نوفل بن نضلة الأسدي وَفَدَ وأسلم، ثم ارتدَّ بعد النبي ﷺ وادَّعى النبوّة، فأمر أبو بكر خالد بن الوليد، وأمره أن يصير في ضاحية مضر، فيقاتل من ارتدَّ، ثم يسير إلى اليمامة، فسار فقاتل طليحة،стр. 2455
ورسول الله ﷺ جالس مع أصحابه، فقال متكلمهم: يا رسول الله, إنا شهدنا أن الله وحده لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك ولم تبعث إلينا بعثًا.
فأنزل الله تعالى: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الحجرات: ١٧] .
الحواشي
(١) فهزمه وهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلامًا صحيحًا، ولم يغمض عليه بعد إسلامه، وأحرم بالحج، فرآه عمر، فقال: لا أحبك بعد قتل الرجلين الصالحين عكاشة بن محصن، وثابت بن أقرم، وكانا طليعتين لخالد، فلقيهما طليحة فقتلهما، فقال طليحة: هما رجلان أكرمهما الله بيدي، ولم يهنِّي بأيديهما يا أمير المؤمنين، فمعاشرة جميلة، فإن الناس يتعاشرون مع البغضاء، وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، وذكروا له مواقف عظيمة في الفتوح، ويقال: إنه استُشْهِدَ بنهاوند سنة إحدى وعشرين، ووقع في الأم للشافعي أن عمر قتل طليحة وعيينة، وراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني فاستغربه جدًّا، ولعله قبل -بالباء الموحدة- أي: قَبِلَ منهما الإسلام، قاله في الإصابة ملخصًا، واقتصر المصنف على تسمية هذين الاثنين من العشرة، تبعًا لما في بعض الروايات، وزاد ابن سعد: ضرار بن الأزور، وحضرمي ابن عامر، وقتادة بن القائف، وسلمة بن حبيش، ومعاذ بن عبد الله بن خلف، فجملة من سمي سبعة، ولم يسم الثلاثة الباقية، فقصَّر البرهان تقصيرًا شديدًا في قوله: ما عرفت منهم إلّا وابصة وطليحة، وفي الإصابة: أبو مكعت -بضم فسكون فمهملة مكسورة ثم مثناة فوقية- الأسدي, اسمه: عرفطة ابن نضلة، وقيل: الحارث بن ثعلبة, وفد في قومه بني أسد، فلمَّا وقف بين يدي النبي ﷺ قال:
يقول أبو مكعت صادقًا ... عليك السلام أبا القاسم
سلام الإله وريحانه ... وروح المصلين والصائم
فقال ﵇: "يا أبا مكعت, عليك السلام تحية الموتى" أ. هـ باختصار، فهذا ثامن، "ورسول الله ﷺ جالس" في المسجد، كما في الرواية، فكأنه أسقطه للعلم به "مع أصحابه، فقال" لفظ ابن سعد: فسلَّموا، وقال "متكلمهم" -قال في النور: لا أعرفه: "يا رسول الله، إنا شهدنا أن الله وحده" حال وخبر أن "لا شريك له، وأنك عبده ورسوله، وجئناك" لفظ الرواية.
وقال حضرمي ابن عامر، أتيناك نتدرع الليل البهيم في سنة شهباء، أي: نجعل الليل الشديد الظلمة درعًا لنا في سنة جدباء، لا مطر فيها من الشبهة البياض، "ولم تبعث إلينا بعثًا".
زاد ابن سعد: ونحن لمن وراءنا سلم، "فأنزل الله تعالى ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ﴾ , أي: بأن ﴿أَسْلَمُوا﴾ من غير قتال بخلاف غيرهم ممن أسلم بعد قتال، ﴿قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ﴾ منصوب بنزع الخافض، وهو الباء، ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْстр. 2456
................................
الحواشي
(١) صَادِقِينَ﴾ في قولكم: آمنَّا، وهذا أسنده ابن سعد من مرسل محمد بن كعب الكرظي، وله شواهد، وسألوه ﷺ عن العيافة والكهانة وضرب الحصى، فنهاهم عن ذلك كله, العيافة -بعين مهملة مكسورة فتحتية ففاء- الطير والتفاؤل بأسمائها وأصواتها وممرها، والكهانة: تعاطي خبر الكائنات في المستقبل، فقالوا: بقيت خصلة هي الخط، قال ﷺ : "الخط علمه نبي من الأنبياء، فمن صادف مثل علمه علم".
قال ابن قرقول: الخط خط الرمل، ومعرفة ما يدل عليه.
قال البرهان: هذا النبي لا أعرف اسمه، والشامي في حفظي أنه إدريس، ولا أعلم من ذكره أ. هـ، وفي مسلم, فمن وافق فذاك، ومعناه على الصحيح: من وافق خطه فهو مباح له، ولكن لا طريق لنا إلى العلم اليقيني بالموافقة, فلا يباح، فالقصد أنه حرام؛ لأنه لا يباح إلا بتيقن الموافقة، ولا سبيل إليها، وإنما قال فذاك، ولم يقل: هو حرام بلا تعليق على الموافقة، لئلّا يتوهم دخول ذلك النبي في النهي.
وقال عياض: المختار: إن معناه من وافق خطه، فذاك الذي يجدون إصابته فيما يقول، لا أنه يباح لفاعله، قال: ويحتمل أن هذا نسخ في شرعنا، فحصل من مجموع كلام العلماء الاتفاق على النهي عنه الآن، كذا في النور، وفي الشامية: ضرب الرمل حرام, صرَّح به غير واحد من الشافعية والحنابلة وغيرهم أ. هـ، وكذا ابن رشد من المالكية، ومقتضى كلام المازري: إنه إذا اعتقد أن الله أجرى عادته بدلالته على ما يدل عليه، من غير أن يكون للخط تأثير في ذلك، فلا يكون حرامًا، والله أعلم.стр. 2457
الوفد الثاني والعشرون: وفد بهراء
وقدم عليه -صلوات الله وسلامه عليه- وفد بهراء من اليمن، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، فلمَّا انتهوا إلى باب المقداد رحَّب بهم، وقدّم لهم جفنة من حيس،
الحواشي
(١) "الوفد الثاني والعشرون":
"وقدم عليه صلوات الله وسلامه عليه وفد بهراء" بفتح الموحدة، وإسكان الهاء، وبالراء ممدود- قبيلة من قضاعة، والنسبة إليها بهراني على غير قياس، وقياسه بهراوي بالواو، وذكر الواقدي عن كريمة بنت المقداد، قال: سمعت أمي ضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب تقول: قدم وفد بهراء "من اليمن، وكانوا ثلاثة عشر رجلًا" فأقبلوا يقودون رواحلهم، "فلما انتهوا إلى باب المقداد" بن الأسود، ونحن في منازلنا ببني حديلة -بضم الحاء وفتح الدال المهملتين وتحتية- بطن من الأنصار، خرج إليهم المقداد فـ "رحَّب بهم، وقدَّم لهم جفنة" بفتح الجيم- قصعة "من حيس" بفتح المهملة، وإسكان التحتية، ومهملة, تمر يعجن بسمن وأقط, قال:стр. 2458
فأكلوا منها حتى نهلوا, وردَّت القصعة وفيها شيء، فجمع في قصة صغيرة فأرسل بها إلى رسول الله ﷺ في بيت أم سلمة، فأصاب منها هو ومن معه في البيت حتى نهلوا، ثم أكل منها الضيف ما أقاموا، يرددون ذلك عليهم وما تغيض، حتى جعلوا يقولون: يا أبا معبد، إنك لتنهلنا من أحبّ الطعام إلينا، وما كنا نقدر على مثل هذا إلّا في الحين، فأخبرهم أبو معبد بخبر رسول الله ﷺ أنه أكل منها وردَّها، فإن هذه بركة أصابعه ﵊، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينًا، وتعلَّموا الفرائض, وأقاموا أيامًا، ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ , فأمر لهم بجوائز وانصرفوا إلى أهليهم.
الحواشي
(١) والتمر والسمن جميعًا والأقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط
قالت ضباعة: كنا قد هيأناها قبل أن يحلوا، لنجلس عليها، فحملها أبو معبد المقداد، وكان كريمًا على الطعام، "فأكلوا منها حتى نهلوا" بفتح النون وكسر الهاء، وأصله الشرب, الأول أطلق على الأكل مجازًا علاقته أن الشرب لازم للأكل غالبًا، "وردَّت" البناء للمفعول "القصعة" بالفتح، ولا تكسر، "وفيها شيء، فجمع في قصعة صغيرة، فأرسل بها" لفظ الرواية عن ضباعة، فجمعنا ذلك في قصعة صغيرة، ثم بعثنا بها مع سدرة مولاتي "إلى رسول الله ﷺ " فوجدته "في بيت أم سلمة" فقال ﷺ : "ضباعة أرسلت بهذا"؟ قالت سدرة: نعم يا رسول الله، قال: "ضعي" , ثم قال: "ما فعل ضيف أبي معبد"؟ قلت: عندنا، "فأصاب منها هو ومن معه في البيت حتى نهلوا" وأكلت معهم سدرة، "ثم" قال: "اذهبي بما بقي إلى ضيفكم"، فرجعت بها، فـ "ـأكل منها الضيف ما أقاموا" مدة إقامتهم، وجمع مع أن الضيف مفردًا للفظ؛ لأن المراد هنا الثلاثة عشر "يرددون ذلك عليهم وما تغيض" بفتح الفوقية، وكسر المعجمة، ثم تحتية، فمعجمة، أي: تنقص، "حتى جعلوا يقولون: يا أبا معبد, إنك لتنهلنا" بضم أوله، وكسر الهاء- لتشبعنا حتى نحتاج إلى النهل الشرب الأول، "من أحب الطعام إلينا، وما كنَّا نقدر على مثل هذا إلا في الحين" أي: نادر من الزمن، وقد ذكر لنا أن بلادكم قليلة الطعام، إنما هو العلق، أو نحوه، ونحن عندك في الشبع، "فأخبرهم أبو معبد" كنية المداد بن الأسود من السابقين، شهد بدرًا، ولم يثبت أنه شهدها فارس غيره "بخبر رسول الله ﷺ ، أنه أكل منها وردَّها، فإن هذه بركة أصابعه ﵊، فجعل القوم يقولون: نشهد أنه رسول الله، وازدادوا يقينًا" وذلك الذي أراد ﷺ ، فأتوه فأسلموا، أي: أظهروه عنده بالنطق بالشهادتين، "وتعلَّموا الفرائض، وأقاموا أيامًا" لم يبين عدتها، "ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ ، فأمر لهم بجوائز" لم يبيِّن أيضًا قدرها، "وانصرفوا إلى أهليهم" باليمن.стр. 2459
الوفد الثالث والعشرون: وفد عذرة
وقدم عليه ﷺ وفد عذرة، في صفر سنة تسع، وكانوا اثني عشر رجلًا، منهم جمرة بن النعمان، فرحَّب بهم ﷺ ، فأسلموا وبشَّرَهم بفتح الشام, وهرب هرقل إلى ممتنع من بلاده،
الحواشي
(١) "الوفد الثالث والعشرون":
"وقدم عليه ﷺ وفد عذرة" بمهملة مضمومة، ومعجمة ساكنة، فراء مفتوحة، فتاء تأنيث- قبيلة باليمن من قضاعة.
روى الواقدي: إنهم وفدوا "في صفر سنة تسع، وكانوا اثني عشر رجلًا، منهم جمرة بن النعمان", وسعد وسليم ابنا مالك، هكذا نقله في الإصابة عن الواقدي، فقصر البرهان في قوله: لا أعرف منهم إلا جمرة بن النعمان بن هوذة بن مالك بن سمعان العذري.
قال الكلبي: هو أوّل من قدم بصدقة قومه إلى النبي ﷺ ، وقال الطبري: هو سيد بني عذرة، ووفد على النبي ﷺ بصدقة قومه، فأقطعه ﷺ حصر قوسه ورمية سوطه من وادي القرى، فنزلها إلى أن مات، ذكره ابن شاهين، لكنه أخرجه في الحاء المهملة، وكذا ابن بشكوال، فوهِمَا فيه، فقد ضبطه الدارقطني بالجيم والراء.
وقال الواقدي: حدثنا شعيب بن ميمون، عن أبي مرانة البلوي: سمع جمرة بن النعمان العذري، وكانت له صحبة, يقول: أمر رسول الله ﷺ بدفن الشعر والدم، أخرجه الدارقطني من طريقه انتهى، "فرحَّب بهم ﵊" أي: قال لهم: "مرحبًا بكم وأهلًا"، أي: لقيتم رحبًا وسعة فاستأنسوا، ولفظ الرواية، فقال ﷺ : "من القوم"؟ فقال متكلمهم: من لا تنكر, نحن بنو عذرة إخوة قصي لأمه، نحن الذين عضدوا قصيًّا، وأزاحوا من بطن مكة خزاعة وبني بكر، ولنا قرابات وأرحام.
قال ﷺ : "مرحبًا بكم وأهلًا، ما أعرفني بكم، فما يمنعكم من تحية الإسلام"، قالوا: كنا على ما كان عليه آباؤنا، وجئنا مرتادين لأنفسنا ولقومنا، فإلام تدعو؟ قال: "إلى عبادة الله وحده لا شريك له، وأن تشهدوا أني رسول الله إلى الناس كافة"، فقال متكلمهم: فما وراء ذلك من الفرائض، فأخبرهم بجميعها، فقالوا: الله أكبر, نشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، قد أجبناك إلى ما دعوت إليه، ونحن أعوانك وأنصارك يا رسول الله، إن متجرنا الشام، وبه هرقل، فهل أوحي إليك في أمره بشيء؟ قال: "أبشروا، فإن الشام ستفتح عليكم، ويهرب هرقل إلى ممتنعстр. 2460
ثم انصرفوا وقد أجيزوا.
الحواشي
(١) بلاده"، واختصر المصنف هذا، فقال: "فأسلموا، وبشَّرهم بفتح الشام وهرب" بالجر، أي: وبشرهم بهرب "هرقل إلى ممتنع بلاده" ونهاهم عن سؤال الكاهنة، وعن الذبائح التي كانوا يذبحونها، وأخبرهم أن ليس عليهم إلا الأضحية، فأقاموا أيامًا بدار رملة، أي: بنت الحارث النجارية، كانت دارها تنزل فيها الوفد، "ثم انصرفوا وقد أجيزوا" أعطاهم الجائزة، وهي العطية، والتحفة، واللطف، كما في القاموس.стр. 2461
الوفد الرابع والعشرون: وفد بلي
وقدم عليه ﷺ وفد بلي، فأسلموا، فقال ﷺ : "الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار" , ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ بعد أن أجازهم.
الحواشي
(١) "الوفد الرابع والعشرون":
"وقدم عليه ﷺ وفد بلي" بفتح الموحدة، وكسر اللام، وشد الياء، والنسبة إليها بلوي -بفتحتين, نسبة إلى بلي بن عمرو بن الحاف بن قضاعة، ذكر الواقدي عن رويفع بن ثابت البلوي، قال: قدم وفد قومي في شهر ربيع الأول سنة تسع، فأنزلتهم عليَّ, وقدمت بهم على رسول الله ﷺ ، فقلت: هؤلاء قومي، فقال: "مرحبًا بك وبقومك"، "فأسلموا، فقال" لهم " ﷺ : "الحمد لله الذي هداكم للإسلام، فكل من مات على غير الإسلام فهو في النار"، " وبقية حديث رويفع عند الواقدي.
وقال له أبو الضبيب شيخ الوفد: يا رسول الله, إن لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟ قال: "نعم، وكل معروف صنعته إلى غني أو فقير فهو صدقة"، قال: يا رسول الله, ما وقت الضيافة؟ قال: "ثلاثة أيام، فما بعد ذلك فصدقة، ولا يحلّ للضيف أن يقيم عندك فيحرجك".
قال: يا رسول الله, أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال: "لك ولأخيك، أو للذئب"، قال: فالبعير؟ قال: "ما لك وله، دعه حتى يجده صاحبه"، قال رويفع: ثم قاموا، فرجعوا إلى منزلي، فإذا رسول الله ﷺ يأتي منزلي يحمل تمرًا، فقال: "استعن بهذا التمر"، فكانوا يأكلون منه، ومن غيره فأقاموا ثلاثًا، "ثم ودَّعوا رسول الله ﷺ بعد أن أجازهم" ورجعوا إلى بلادهم, وأبو الضبيب -بمعجمة مضمومة- بلفظ تصغير ضب، ويقال فيه أيضًا: أبو الضبيس -بسين مهملة آخره بدل الموحدة.
ذكره محمد بن الربيع الجيزي فيمن دخل مصر من الصحابة، كما في الإصابة ذاكرًا بعض حديث رويفع عازيًا للواقدي، وبالسين، ذكره الذهبي، فقال في التجريد: أبو ضبيس البلوي له صحبة، فقصر البرهان في قوله: لم أقع لأبي الضبيس على ترجمة، ولا رأيت أحدًا ذكره في الصحابة، إلّا ما هنا فليتبع. انتهى. وعذره أنه إنما رآه بسين آخره في تجريد الصحابة، وهنا رآه بموحدة، فظنَّه غيره، مع أنه هو، كما أفاده في الإصابة، ويحرجك من الحرج، أي: يضيق صدرك، وقيل: يؤثمك، أي: يعرضك للإثم، حتى تتكلم فيه بما لا يجوز، فتأثم.стр. 2462
الوفد الخامس والعشرون: وفد بني مرة
وقدم عليه ﷺ وفد بني مرة وكانوا ثلاثة عشر رجلًا، ورئيسهم: الحارث بن عوف، فقال لهم ﵊: "كيف البلاد"؟ فقالوا: والله إنا لمسنتون، فادع الله لنا، فقال ﵊: "اللهم اسقهم الغيث" , ثم أقاموا أيامًا ورجعوا بالجائزة, فوجدوا بلادهم قد أمطرت في ذلك اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) "الوفد الخامس والعشرون":
"وقدم عليه ﷺ وفد بني مرة" بضم الميم وشد الراء فتاء تأنيث- ابن كعب بن لؤي.
قال الواقدي: حدَّثني عبد الرحيم بن إبراهيم المدني، عن أشياخه، قالوا: قدم وفد بني مرة، منصرف رسول الله ﷺ من تبوك سنة تسع، "وكانوا ثلاثة عشر رجلًا" فنزلوا في دار بنت الحارث، ثم جاءوا إلى النبي ﵇، "ورئيسهم الحارث بن عوف،" أي: بمهملة، فواو، ففاء- المري -بالراء- من فرسان الجاهلية المشهوريين, أسلم وعليه شيء من دمائها، فأهدره النبي ﷺ ، وعند الواقدي، فقال -أي الحارث: يا رسول الله, إنا قومك وعشيرتك, إنا من لؤي بن غالب، فتبسَّم رسول الله ﷺ ، وقال له: "أين تركت أهلك"؟ قال: بسلاح -بكسر المهملة، ولام، وألف، ومهملة، وما والاها، "فقال لهم ﵊: "كيف البلاد"؟ " أي: كيف أهلها، أو حالها، والأول أنسب بقوله، "فقالوا: والله إنا لمسنتون", أي: مجدبون، فأسنده لأهل البلاد، وإلّا لقال: إنها مسنتة، زاد في الرواية: وما في المال مخ، أي: المواشي, كنَّى بالمخ عن شدة هزالها، "فادع الله لنا، فقال ﵊: "اللهم اسقهم الغيث" المطر، "ثم أقاموا أيامًا" فأرادوا الانصراف إلى بلادهم، فأتوا النبي ﷺ مودِّعين له، فأمر بلالًا، فأجاز كل واحد بعشرة أواق فضة، وفضَّل الحارث فأعطاه اثنتي عشرة أوقية، "ورجعوا بالجائزة، فوجدوا بلادهم قد أمطرت" بالبناء للمفعول، أي: أمطرها الله "في ذلك اليوم، الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ " وأخصبت بعد ذلك بلادهم، وقدم على المصطفى وهو يتجهز لحجة الوداع قادم منهم، فقال: يا رسول الله, رجعنا إلى بلادنا فوجدناها مصبوبة مطرًا في ذلك اليوم الذيстр. 2463
....................................
الحواشي
(١) دعوت لنا فيه، ووصف كثرة الخصب، فقال ﷺ : "الحمد لله الذي هو صنع ذلك".
وذكر الزبير بن بكار، وابن عساكر: إن الحارث بن عوف أتى النبي ﷺ ، فقال: ابعث معي من يدعو إلى دينك، وأنا له جار، فبعث معه رجلًا أنصاريًّا، فغدا به عشيرة الحارث فقتلوه، فقال حسان:
يا حار من يغدر بذمة جاره ... منكم فإن محمدًا لا يغدر
وأماته المري حيث لقيته ... مثل الزجاجة صدعها لا يجبر
إن تغدروا فالغدر منكم عادة ... والغدر ينبت في أصول السحبر
فاعتذر وودي الأنصاري، وقال: يا محمد, إني عائذ بك من لسان حسان، لو أن هذا مزج بماء البحر لمزجه.стр. 2464
الوفد السادس والعشرون: وفد خولان
وقدم عليه -زاده الله شرفًا وكرمًا لديه- وفد خولان، في شعبان سنة عشر، وكانوا عشرة، فقالوا: يا رسول الله، نحن مؤمنون بالله مصدّقون برسلوه، وقد ضربنا إليك آباط الإبل، وركبنا حزون الأرض وسهولها، والمنّة لله ولرسوله، وقدمنا زائرين لك, فقال ﵊: "أمَّا ما ذكرتم من مسيركم إلي فإنَّ لكم بكل خطوة خطاها بعير أحدكم حسنة، وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة" , ثم قال ﷺ : "ما فعل صنم
الحواشي
(١) "الوفد السادس والعشرون":
"وقدم عليه -زاده الله شرفًا وكرمًا لديه- وفد خولان" بفتح المعجمة، وسكون الواو, وابن عمر أبو قبيلة باليمن "في شعبان سنة عشر، وكانوا عشرة" قال في النور: لا أعرف منهم أحدًا، "فقالوا: يا رسول الله، نحن" على من وراءنا من قومنا، ونحن "مؤمنون بالله، مصدقون برسوله،" أي: برسالته، والمراد بكونهم على من وراءهم؛ أنهم أمناء على المؤمنين بطلب العهد له، وكافلون بطلب إيمان من لم يكن آمن، "وقد ضربنا إليك آباط الإبل" جمع إبط، أي: تحملنا مشقة السير مع طول المسافة، "وركبنا حزون الأرض" بضم المهملة والزاي, جمع حزن -بفتح فسكون- ما غلظ من الأرض، "وسهولها" جمع سهل: ما لان منها، "والمنَّة لله ولرسوله، وقدمنا زائرين لك، فقال ﵊: "أما ما ذكرتم من مسيركم إليَّ، فإن لكم بكل خطوة" -بفتح الخاء مرة واحدة "خطاها بعير أحدكم حسنة" وبضم الخاء: ما بين القدمين"، والأنسب الأوّل؛ إذ الثواب إنما هو على الفعل، وسير بعيرهم منسوب لهم، فأثيبوا عليه، "وأما قولكم زائرين لك، فإنه من زارني بالمدينة كان في جواري يوم القيامة" بضم الجيم وكسرها.стр. 2465
خولان الذي كانوا يعبدونه"؟ قالوا: بدَّلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزًا وشيخًا كبيرًا يتمسكان به، وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى.
ثم علَّمهم ﵊ فرائض الدين، وأمرهم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وأن لا يظلموا أحدًا، ثم أجازهم ورجعوا إلى قومهم، وهدموا الصنم.
الحواشي
(١) زمامي وعهدي وتأميني، فأجابوه ﵃، فقالوا: يا رسول الله هذا السفر الذي لا توى عليه. بفتح الفوقية والواو والقصر، أي: لا هلاك، "ثم قال ﷺ : "ما فعل" عم أنس، وهو "صنم خولان الذي كانوا يعبدونه"،" أي: ما أصابه، أهو باقٍ على حاله؟ أم لا؟ فنسبة الفعل إليه تجوز، ويدل عليه جوابهم، حيث "قالوا:" بشر "بدلنا الله به ما جئت به، إلا أن عجوزًا وشيخًا كبيرًا، يتمسكان به،" ظاهره أنهما واحد وواحدة، وليس بمراد لفظ الرواية، كما في العيون، وقد بقيت منا بعد بقايا من شيخ كبير، وعجوز كبيرة متمسكون به، فالمراد الجنس الصادق بالمتعدد، فكأنه قال بقيت شيوخ وعجائز متمسكون به، "وإن قدمنا عليه هدمناه إن شاء الله تعالى،" فقد كَّا منه في غرور وفتنة، فقال ﷺ : "وما أعظم ما رأيتم من فتنته"، قالوا: لقد أسنتنا حتى أكلنا الرمة، فجمعنا ما قدرنا عليه واتبعنا مائة ثور، ونحرناها له قربانًا في غداة واحدة، وتركناها تردها السباع، ونحن أحوج إليها من السباع، فجاءنا الغيث من ساعتنا، ولقد رأينا العشب يواري الرجل، فيقول قائلنا: أنعم علينا عم أنس، وذكروا له ما كانوا يقسمون لصنمهم من أنعامهم وحروثهم، وأنهم كانوا يجعلون من ذلك جزءًا له، وجزء لله بزعمهم، فكانوا يزرعون الزرع، فيجعلون له وسطه، ويسمَّى زرعًا آخر حجره لله، فإذا مالت الريح بالذي له، جعلناه للصنم، وبالذي له لم نجعله لله، فقال ﷺ : "إن الله، قد أنزل عليّ في ذلك ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا﴾ [الأنعام: ١٣٦] الآية "، قالوا: وكنا نتحاكم إليه فنكلم، فقال ﷺ : "تلك الشياطين تكلمكم"، "ثم علَّمهم ﵊ فرائض الدين" لما سألوه عنها، أي: المسائل العامة الحصول، كالصلاة والزكاة والصوم، وما يحتاجون إليه، مما يكثر وقوعه، فهو مغاير لقوله: "وأمهرم بالوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وحسن الجوار" بكسر الجيم فقط، أي: الملازمة، كما في النور، أي: التزام الوفاء بالعهد وحفظه.
ففي القاموس: الجوار بالكسر أن تعطي الرجل ذمة يكون بها جارك، "وأن لا يظلموا أحدًا" قال: فإن الظلم ظلمات يوم القيامة، "ثم" ودعوه بعد أيام، "و"أجازهم" باثنتي عشرة أوقية ونش، "ورجعوا إلى قومهم، وهدموا الصنم،" قبل أن يفعلوا شيئًا، ثم حرموا ما حرم عليهم المصطفي، وأحلوا ما أحل لهم، أي أظهروا ذلك فيما بينهم وعملوا به.стр. 2466
الوفد السايع والعشرون: وفد محارب
...
الوفد السابع والعشرون: وفد محارب
وقدم عليه ﷺ وفد محارب عام حجة الوداع، وكانوا أغلظ العرب وأفظهم عليه أيام عرضه على القبائل يدعوهم إلى الله، فجاءه ﵊ منهم عشرة فأسلموا، ثم انصرفوا إلى أهليهم.
الحواشي
(١) "الوفد السابع والعشرون":
"وقدم عليه ﷺ وفد محارب" بضم الميم ومهملة وراء مكسورة وموحدة- ابن سعد بن قيس عيلان -بمهملة مفتوحة، وتحتية ساكنة, "عام حجة الوداع" سنة عشر، "وكانوا أغلظ" أسوأ "العرب" خلقًا"، "وأفظهم" أشدهم جفاء "عليه" بمعجمة فيهما, "أيام عرضه على القبائل، يدعوهم إلى الله" قبل الهجرة، "فجاءه ﵊ منهم عشرة" لم يسمعهم نائبين عن قومهم، "فأسلموا،" وكان بلال يأتيهم بغداء وعشاء، إلى أن جلسوا معه ﷺ يومًا من الظهر إلى العصر، فعرف رجلًا، فأمده النظر، فقال المحاربي: كأنك يا رسول الله توهمني، قال: "لقد رأيتك"، فقال: أي: والله لقد رأيتني وكلمتني وكلمتك بأقبح الكلام، وأقبح الرد بعكاظ، وأنت تطوف على الناس، فقال ﷺ : "نعم"، فقال: يا رسول الله, ما كان في أصحابي أشد عليك يومئذ، ولا أبعد عن الإسلام مني، فأحمد الله الذي أبقاني حتى صدقت بك، ولقد مات أولئك النفر الذين كانوا معي على دينهم، فقال ﷺ : "إن هذه القلوب بيد الله "، فقال: يا رسول الله, استغفر لي من مراجعتي إياك، فقال ﷺ : "إن الإسلام يَجُبُّ ما كان قبله من الكفر"، "ثم انصرفوا إلى أهليهم".стр. 2467
الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء
وقدم عليه ﵊ وفد صداء في سنة ثمان، وذلك أنه لما انصرف من الجعرانة بعث قيس بن سعد بن عبادة في أربعمائة، وأمره أن يطأ ناحية من اليمن فيها صداء، فقدم رجل منهم علم
الحواشي
(١) "الوفد الثامن والعشرون":
"وقدم عليه ﵊ وفد صداء" بضم الصاد والدال المهملتين- حي من اليمن، قاله البخاري وغيره، يقال: إن أبا هذا الحي صداء بن حرب بن علة، "في سنة ثمان، وذلك" أي: سبب قدومهم، وهذا أَوْلَى من تقدير بيان؛ لأن مجيء الوفد لأجل البعث، "أنه لما انصرف من الجعرانة" لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة، "بعث" كما قال ابن سعد بعوثًا إلى اليمن، فبعث المهاجر بن أمية إلى صنعاء، وزياد بن لبيد إلى حضرموت، وهيأ بعثًا استعمل عليهم "قيس بن سعد بن عبادة" الخزرجي، الصحابي ابن الصحابي ﵄، وعقد لهстр. 2468
بالبعث على رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله, أردد الجيش، وأنا لك بقومي، فرد قيسًا.
ورجع الصدائي إلى قومه فقدم على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلًا منهم، فبايعوه على الإسلام ورجعوا إلى قومهم, ففشا فيهم الإسلام، فوافى رسول الله ﷺ منهم مائة رجل في حجة الوداع. ذكره الواقدي وذكر من حديث زياد بن الحرث الصدائي: إنه الذي قدم على رسول الله ﷺ فقال: اردد الجيش، وقال: وكان زياد هذا معه في بعض أسفاره, وأنه ﵊ قال له: "يا أخا صداء, هل معك ماء"؟ قلت: معي شيء في إداوتي، فقال: "صبه"، فصببته في قعب ثم وضع عليه
الحواشي
(١) لواء أبيض، ودفع إليه راية سوداء، وعكسر بناحية قناة "في أربعمائة" فارس من المسلمين، "وأمره أن يطأ ناحية من اليمن فيها صداء، فقدم رجل منهم" هو زياد بن الحارث، كما يأتي، "علم بالبعث على رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله, اردد الجيش، وأنا" أتكفَّل "لك بقومي" أي: بإسلامهم.
ففي رواية عن زياد: جئتك وافدًا على من ورائي، وأنا لك بإسلام قومي وطاعتهم، فقال: "اذهب فردهم"، فقلت: إن راحلتي قد قلَّت, فبعث رجلًا، "فردَّ قيسًا" ومن معه من صدر قناة، "ورجع الصدائي إلى قومه" ومع كتاب من المصطفى، "فقدم على رسول الله ﷺ خمسة عشر رجلًا منهم" فقال سعد بن عبادة: يا رسول الله, دعهم ينزلون عليَّ، فنزلوا عليه، فحيَّاهم وأكرمهم، وكساهم، ثم راح بهم إلى النبي ﷺ ، "فبايعوه على الإسلام" وقالوا: نحن لك على من وراءنا من قومنا، فقال -صلى اله عليه وسلم- لزياد: "يا أخا صداء, إنك امرؤ مطاع في قومك"، فقلت: بل الله هداهم للإسلام.
وفي رواية قلت: بل من الله ومن رسوله، "ورجعوا إلى قومهم، ففشا" ظهر وكثر "فيهم الإسلام، فوافى رسول الله ﷺ منهم مائة رجل في حجة الوداع، ذكره الواقدي" محمد بن عمر بن واقد، عن بعض بني المصطلق، قال في النور: ولا أعرف هذا البعض، "وذكر" بالبناء للفاعل، أي: الوافدي أيضًا "من حديث زياد بن الحارث" وقيل: ابن حارثة، والأوَّل أصحّ، قاله البخاري "الصدائي" صحابي شهد فتح مصر، "أنه الذي قدم على رسول الله ﷺ ، فقال: اردد الجيش" وأنا لك بقومي فردّهم، "وقال" الواقدي في روايته من حديث زياد: "وكان زياد هذا معه في بعض أسفاره" قال: فسار ليلًا وسرنا معه، وكنت رجلًا قويًّا, فتفرق أصحابه، ولزمت ركابه، فلمَّا كان السحر، قال: "أذّن يا أخا صداء"، فأذَّنت على راحلتي، ثم سرنا حتى نزلنا، فذهب لحاجته ثم رجع، "وأنه ﵊ قال له: "يا أخا صداء هل معك ماء"؟ قلت: معي شيء في إداوتي" بكسر الهمزة المطهرة، وجمعها أدوى بفتح الواو، "فقال: "صبه"،стр. 2469
الصلاة والسلام- كفه فيه, فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه عينًا تفور.
الحواشي
(١) فصببته في قعب" بفتح القاف، وإسكان المهملة وموحدة- القدح الضخم الحافي، أو إلى الصغر، أو يروى الرجل، قال: وجعل أصحابه يتلاحقون، "ثم وضع ﵊ كفه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه" أي: بين كل إصبعين من أصابعه، كما هو لفظه "عينًا تفور", وقد اختلف هل نبع الماء من نفس الأصابع وهو الصحيح، أومن بينها، لا من نفسها, قولان، ولا ينافيها قوله بين كل إصبعين من أصابعه، لاحتمال أن العَيْن ناشئة من الماء، خارجة من بين الأصابع، وأنها من ذات بدنه الشريف، ولذا جاء القولان، وبعضهم يقول في حكايتهما: هل هو إيجاد معدوم، أو تكثير موجود، بمعنى: أنه بورك في الماء فزاد من غير ضم ماء آخر إليه بخلاف الأول، فنبع من بين الأصابع ماء انضمَّ إلى ما في القعب، فتغايَر القولان، وبسط ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في المعجزت، ثم قال ﷺ : "إن أخا صداء أذَّن، ومن أذَّن فهو يقيم"، فأقمت، ثم صلى بنا، فلمَّا سلَّم، وكنت سألته قبل ذلك أن يؤمرني على قومي، وأن يأمر لي بشيء من صدقاتهم، فكتب لي كتابين بذلك، قام رجل يشتكي عامله، فقال: أخذنا بظلامات كانت بيننا وبينه في الجاهلية.
وفي رواية: أخذنا بكل شيء كان بيننا وبين قومه في الجاهلية، فقال ﷺ : "أو فعل ذلك"؟ قالوا: نعم، فالتفت إلى أصحابه، وأنا منهم، فقال: "لا خير في الإمارة لرجل مؤمن".
وفي لفظ مسلم: فدخل قوله في قلبي، ثم قام آخر، فقال رسول الله: "أعطني"، فقال: "من يسأل الناس عن غني، فصداع في الرأس، وداء في البطن"، قال: "فأعطني من الصدقة"، قال: "إن الله لم يرض بحكم نبي، ولا غيره في الصدقات، حتى حكم فيها، فجزأها بثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك، وإن كنت غنيًّا عنها، فإنما هي صداع في الرأس، وداء في البطن".
وفي رواية: "إن الله لم يكل قسمها إلى ملك مقرب، ولا نبي مرسل، حتى جزَّأها على ثمانية أجزاء" والباقي سواء.
قال زياد: فدخل في نفسي أني سألته الصدقة وأنا غني، فقلت: يا رسول الله, هذان كتاباك فاقبلهما، ثم قال: "دُلَّني على رجل من قومك أستعمله"، فدللته فاستعمله، قلت: يا رسول الله, إن لنا بئرًا إذا كان الشتاء كفانا ماؤها، وإذا كان الصيف قلَّ علينا، فتفرقنا على المياه، والإسلام اليوم فينا قليل، ونحن نخاف, فادع الله لنا في بئرنا، فقال: " ناولني سبع حصيات"، فناولته فعركَهُنَّ بيده، ثم دفعهنَّ إليَّ، وقال: "إذا انتهيت إليها، فألق فيها حصاة حصاة، وسمّ الله"، ففعلت، فما أدركنا لها قعرًا حتى الساعة، ولعلَّ حكمة ذلك دون إلقاء الجميع، دفعة إرشاد العباد إلى أنهم إذا حاولوا أمرًا، أخذوا في أسبابه بالتدريج شيئًا فشيئًا، وإن أمكنهم حصولها دفعة، وأسر علمه ﵊، ككون الحصيات سبعًا، ولعلّه ليس المراد خصوص الصداع ووجع البطن، بل ما يشمله ويشمل كل ضرر عاجل أو آجل، وحمله على ظاهره أَوْلَى، فلا دخل للعقل في ذلك، والله أعلم.стр. 2470
الوفد التاسع والعشرون: وفد عسان
...
الوفد التاسع والعشرون: وفد غسان
وقدم عليه ﷺ وفد غسَّان، في شهر رمضان سنة عشر، وكانوا ثلاثة نفر، فأسلموا وأجازهم ﵊ بجوائز، وانصرفوا راجعين.
الحواشي
(١) "الوفد التاسع والعشرون":
"وقدم عليه ﷺ وفد غسان" بفتح الغين المعجمة وشد المهملة- اسم ماء نزل عليه قوم من الأزد، فنسبوا إليه، قال حسَّان:
أما سألت فإنا معشر نجب ... الأزد نسبتنا والماء غسان
وقيل: غسان اسم القبيلة، فنونه أصلية فيصرف، فإن كان المسموع، وإلا فسبب منعه العلمية والتأنيث، باعتبار القبيلة "في شهر رمضان سنة عشر، وكانوا ثلاثة نفر" إضافة بيانية، "فأسلموا" وقالوا: لا ندري أيتبعنا قومنا أم لا؟ وهم يحبون بقاء ملكهم وقرب قيصر، "وأجازهم ﵊ بجوائز، وانصرفوا راجعين" إلى قومهم، فلم يستجيبوا لهم، فكتموا إسلامهم، حتى مات منهم رجلان على الإسلام، وأدرك الثالث عمر عام اليرموك، فلقي أبا عبيدة، فأخبره بإسلامه، فكان يكرمه.стр. 2471
الوفد الثلاثون: وفد سليمان
وقدم عليه وفد سلامان في شوّال سنة عشر، كما قال الواقدي، وكانوا سبعة نفر، فيهم حبيب بن عمرو، فأسلموا وشكوا إليه
الحواشي
(١) "الوفد الثلاثون":
"وقدم عليه وفد سلامان" بفتح المهملة وخفة اللام- بطن من قضاعة, ينسبون إلى جدهم الأعلى سلامان بن سعد بن زيد بن لوث بن سود بين أسلم بن الحاف بن قضاعة، "في شوَّال، سنة عشر، كما قال الواقدي، وكانوا سبعة نفر فيهم حبيب بن عمرو" والسلاماني، كان يسكن الجبال، "فأسلموا".
روى الواقدي عنه أنه قال: قدمنا وفد سلامان ونحن سبعة نفر، فانتهينا إلى باب المسجد، فصادفنا رسول الله ﷺ خارجًا إلى جنازة دعي إليها، فلما رأيناه قلنا: السلام عليك يا رسول الله، فقال: $"وعليكم السلام من أنتم"؟ قلنا: من سلامان، قدمنا إليك لنبايعك على الإسلام، ونحن على من وراءنا من قومنا، فالتفت إلى مولاه ثوبان، فأمره بإنزالهم دار رملة بنت الحارث، فذكر حديثًا طويلًا فيه أنهم لما سمعوا الظهر أتوا المسجد، فصلوا معه ﷺ ، وصلوا العصر.стр. 2472
جدب بلادهم, فدعا لهم ثم ودعوه, وأمر لهم بالجزائز، ورجعوا إلى بلادهم فوجدوها قد أمطرت في اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ تلك الساعة.
الحواشي
(١) قال حبيب: فكانت أخف في القيام من الظهر، وقلت: يا رسول الله, ما أفضل الأعمال؟ قال: "الصلاة في وقتها"، وسألته عن رقية العين وذكرها له، فأذن له فيها، "و" فيه أنهم "شكوا إليه جدب بلادهم، فدعا لهم" ولفظ حديث حبيب المذكور، فقال ﷺ : "بيده اللهمَّ اسقهم الغيث في دارهم"، فقلت: يا رسول الله, ارفع يديك، فإنه أكثر وأطيب، فتبسَّم رسول الله ﷺ حتى رأيت بياض إبطيه، ثم قام، وقمنا معه وقوله: أكثر، أي: في الأسباب المقضتية للاستعطاف, وأطيب، أي: لهيئة الداعي التي تكون سببًا لنزول الرحمة، "ثم ودَّعوه" بعد إقامتهم ثلاثًا، وضيافته تجري عليهم، "وأمر لهم بالجوائز" فأعطينا خمس أواقي فضة لكل رجل منا، واعتذر إلينا بلال، وقال: ليس عندنا اليوم مال، فقلنا: ما أكثر هذا وأطيبه، "ورجعوا إلى بلادهم، فوجدوها قد أمطرت" بالبناء للفاعل والمفعول، كما في النور "في اليوم الذي دعا لهم فيه رسول الله ﷺ في تلك الساعة" وما ذلك بغريب في معجزاته.стр. 2473
الوفد الحادي والثلاثون: وفد بني عبس
وقدم عليه وفد بني عبس، فقالوا: يا رسول الله، قدم علينا قراؤنا, فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش، فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له بعناها وهاجرنا، فقال ﵊: "اتقوا الله حيث كنتم, فلن يلتكم من أعمالكم شيئًا".
الحواشي
(١) "الوفد الحادي والثلاثون":
"وقدم عليه وفد بني عبس" بفتح المهملة، وسكون الموحدة، وسين مهملة- ذكر ابن شاهين من طريق هشام بن الكلبي أنهم تسعة، قدموا على النبي ﷺ ، فدعا لهم بخير، وقال: "ابغوني لكم عاشرًا أعقد لكم لواء"، فدخل طلحة بن عبيد الله، فعقد لهم لواء، وجعل شعارهم يا عشرة، فهو إلى اليوم كذلك.
قال: وهم: بشر بن الحارث، والحارث بن الربيع بن زياد، وسباع بن زيد، وعبد الله بن مالك، وقرة بن حصن بن وقنان بن دارم، وميسرة بن مسروق، وهرم بن مسعدة، وأبو الحصين بن القيم.
وروى ابن سعد عن عروة: أن عير القريش أقبلت من الشام، فبعث بني عبس في سرية، وعقد لهم لواء, فقال: يا رسول الله, كيف نقسم غنيمة إن أصبناها ونحن تسعة؟ فقال: "أنا عاشركم".
وعند الواقدي عن أبي هريرة: قدم ثلاثة من بني عبس، "فقالوا: يا رسول الله, قدم علينا قراؤنا، فأخبرونا أنه لا إسلام لمن لا هجرة له، ولنا أموال ومواش" وهي معايشنا، "فإن كان لا إسلام لمن لا هجرة له" فلا خير في أموالنا، "بعناها وهاجرنا" من آخرنا، "فقال -عليه الصلاةстр. 2474
...................................................
الحواشي
(١) والسلام: "اتقوا الله حيث كنتم, فلن يلتكم" بفتح التحتية وكسر اللام ففوقية- أي: ينقصكم "من أعمالكم شيئًا ولو كنتم بصمد وجاران" بصاد ودال ومهملتين بينهما ميم, وجاران -بجيم فألف فراء فألف فنون, اسما مكانين، وبقية خبر الواقدي هذا: وسألهم عن خالد بن سنان هل له عقب، فأخبروه أنه كان له ابنة فانقرضت، فأنشأ ﷺ يحدث أصحابه عن خالد، فقال نبي: ضيعه قومه، وضعف الواقدي معلوم، لكنه لم ينفرد بذلك، فقد روى نحوه الحاكم في حديث طويل، وصحَّحَه عن ابن عباس، وتعَقَّبَه الذهبي بأنه منكر، وابن شاهين في الصحابة من حديث سباع بن زيد، وله طرق أخرى، وفي بعضها: إن خالدًا بعث مبشرًا بمحمد ﵇، ولم يكن في بني إسماعيل نبي غيره قبل المصطفى، وأنه دعا على العنقاء -طائر كانت تخطف الصبيان- فانقطع نسلها، وأطفأ نار رحرة بني عبس، كان يستضاء بنورها من مسيرة ثلاث، وربما سقط منها عنق، فلا تمر بشيء إلا أهلكته، فإذا كان النهار فإنما هي دخان يفوز، فحفر لها سربًا وأدخلها فيه، والناس ينظرون، ثم اقتحم فيها حتى غيبها، فسمع بعض القوم يقول: هلك خالد، فخرج وهو يقول: كذب ابن راعية المعزى، ووردت ابنة له عجوز على النبي ﷺ ، فتلقاها بخير، وأكرمها، وقال: "مرحبًا ببنت نبي ضيعه قومه"، فأسلمت، وسمعته يقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌْ﴾ [الإخلاص: ١] ، فقالت: كان أبي يقول هذا، قال في الإصابة: وأصح ما وقفت عليه من ذلك ما رواه عبد الرزاق عن سعيد بن جبير، قال: جاءت ابنة خالد بن سنان العبسي إلى النبي ﷺ ، فقال: "مرحبًا بابنة نبي ضيعه قومه"، رجاله ثقات، إلّا أنه مرسل. انتهى باختصار.
وقال في الفتح في قوله ﷺ : "أنا أولى الناس بابن مريم" ليس بيني وبينه نبي، قد ضعف هذا الحديث ما قيل: إن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين بعد عيسى, إلّا أن يجاب بأنهما بُعِثَا بتقرير شريعة عيسى، لا شريعة مستقلة.стр. 2475
الوفد الثاني والثلاثون: وفد غامد
وقدم عليه وفد غامد سنة عشر، وكانوا عشرة، فأقروا بالإسلام, وكتب لهم كتابًا فيه شرائع الإسلام،
الحواشي
(١) "الوفد الثاني والثلاثون":
"وقدم عليه وفد غامد" بغين معجمة فألف فميم مكسورة فدال مهملة- بطن من الأزد باليمن، "سنة عشر، وكانوا عشرة" فنزلوا في بقيع الفرقد، وهو يومئذ أثل وطرفاء، ثم انطلقوا إلى النبي ﷺ ، وخلَّفوا أصغرهم في رحالهم، "فأقرّوا بالإسلام" وسلَّموا على النبي ﷺ ، "وكتب لهم كتابًا فيه شرائع الإسلام" إضافة جنسية، فتصدَّق بالبعض.
ففي العيون: فيه شرائع من شرائع الإسلام، وقال: "من خلفتم في رحالكم"؟ قالوا: أحدثنا سنًّا، قال: "فإنه قد نام عن متاعكم حتى أتى آتٍ فأخذ عيبة أحدكم"، فقال أحدهم: ما لأحدстр. 2476
وأمر أُبَيّ بن كعب يعلمهم قرآنًا، وأجازهم ﵊, وانصرفوا.
الحواشي
(١) منهم عيبة غيري، فقال ﷺ : "قد أخذت ورُدَّتْ إلى موضعها"، فخرجوا حتى أتوا رحلهم، فسألوه، فقال: فزعت من نومي، ففقدت العيبة، فقمت في طلبها, فإذا رجل قاعدًا، فثار يعدو مني، فانتهيت إلى حيث انتهى، فإذا أثر حفر، وإذا هو قد غيب العيبة، فاستخرجتها، فقالوا: نشهد أنه رسول الله، فإنه قد أخبرنا خبرها، وأنها قد رُدَّتْ، فرجعوا، فأخبروه ﷺ ، وجاء الغلام الذي خلَّفوه فأسلم، "وأمر" النبي ﷺ "أُبَيّ بن كعب يعلمهم قرآنًا، وأجازهم ﵊" كما كان يجيز الوفود، وهو تشبيه في أصل الجائزة؛ لأنه لم يكن له جائزة مخصوصة، وإنما يدفع ما اتفق جوده، وهو يتفاوت قلة وكثرة، فقد أجاز بخمس أواق وبعشر، وباثنتي عشرة، وبأزيد، كما مر، "وانصرفوا" إلى بلادهم.стр. 2477
الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد
وقدم عليه وفد الأزد، ذكر أبو نعيم في كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى المديني، من حديث أحمد بن أبي الحواري.
الحواشي
(١) الوفد "الثالث والثلاثون":
"وقدم عليه وفد الأزد" بفتح الهمزة، وسكون الزاي، ودال مهملة، ويقال بالسين لقربها من الزاي، ينسبون إلى جدهم الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن أدد بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، وقيل: اسم الأزد درًا بدال قبل الراء، وإليه إجماع الأنصار، ذكره الحازمي "ذكر" أي: روى "أبو نعيم" بضم النون- الحافظ الكبير، أحمد بن عبد الله بن أحمد بن إسحاق بن موسى الأصفهاني، الصوفي، الأحول, ولد سنة ست وثلاثين وثلاثمائة، وأجاز له مشايخ الدنيا، وهو ابن ست سنين وتفرَّد بهم، ورحلت الحفاظ إلى بابه لعلمه وضبطه وعلوّ إسناده، وله عدة تصانيف. مات في المحرم سنة ثلاث وأربعمائة، "في كتاب معرفة الصحابة، وأبو موسى" محمد بن أبي بكر، عمر بن أحمد الأصفهاني "المديني" بكسر الدال، وسكون التحتية- نسبة إلى مدينة أصفهان، الحافظ الكبير شيخ الإسلام، ولد في ذي القعدة سنة إحدى وخمسمائة، وسمع الكثير، ورحل وعني بهذا الشأن، وانتهى إليه التقدم فيه مع علوّ الإسناد، وعاش حتى صار أوحد وقته، وشيخ زمانه إسنادًا وحفظًا مع التواضع، ولا يقبل من أحد شيئًا، وله معرفة الصحابة، وغيرها من التصانيف، مات في جمادى الأولى سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، "من حديث أحمد" بن عبد الله بن ميمون بن العباس بن الحارث التغلبي -بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام- نسبة إلى تغلب بن وائل قبيلة، يكنَّى أبا الحسن "بن أبي الحواري" بفتح المهملة والواو الخفيفة وكسر الراء وفتحها, والكسر أشهر، والفتح حُكِيَстр. 2478
قال: سمعت أبا سليمان الداراني قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد الأزدي قال: حدثني أبي عن جدي قال: وفدت سابع سبعة من قومي على رسول الله ﷺ , فلما دخلنا عليه وكلَّمْنَاه أعجبه ما رأى من سمتنا وزينا.
الحواشي
(١) عن أهل الإتقان.
كما قاله النووي في البستان، ثقة زاهد من العاشرة، وهم كبار الآخذين عن تبع الأتباع ممن لم يلق التابعين، كأحمد بن حنبل، كما أفصح به في ديباجة التقريب.
روى له أبو داود وابن ماجه، ومات سنة ست وأربعين ومائتين، لا مائة كما زعم، لقوله في خطبة التقريب، وإن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات، فهم بعد المائتين، وهذا من العاشرة، وقد أرَّخه ابن عساكر والذهبي وغيرهما سنة ست، وقيل: سبع وأربعين ومائتين.
"قال: سمعت أبا سليمان" عبد الرحمن بن أحمد بن عطية الزاهد، العنسي -بالنون- "الداراني" بفتح الدال فألف فراء خفيفة فألف فنون، ويقال: بهمز بدل النون، وبالنون أشهر وأكثر، كما قال ابن السمعاني، نسبة إلى داريا قرية بدمشق، على غير قياس, إمام كبير الشأن، ارتفع قدره وعلا ذكره، وأخذ الحديث عن جمع، منهم سفيان الثوري، قال في التقريب: وهو ثقة لم ير، ومسندًا إلا حديثًا واحدًا، وله حكايات في الزهد، قال النووي في بستانه, كان من كبار العارفين، أصحاب الكرامات الظاهرة، والأحوال الباهرة، والحكم المتظاهرة، وهو أحد مفاخر بلادنا دمشق وما حولها، مات سة اثنتي عشرة، أو خمس عشرة ومائتين، وقيل غير ذلك.
"قال: حدثني علقمة بن يزيد بن سويد" بضم السين وفتح الواو "الأزدي" زاد في رواية العسكري: إنه حَدَّثه بساحل دمشق، "قال: حدثني أبي" يزيد "عن جدي" سويد بن الحارث.
هكذا رواه العسكري من هذا الطريق، وكذا الرشاطي وابن عساكر من وجهين آخرين، عن ابن أبي الحواري، ورواه أبو سعد النيسابوري في شرف المصطفى من وجه آخر، عن ابن أبي الجواري، فقال علقمة بن سويد ن علقمة ابن الحارث، فذكر أبو موسى بسبب ذلك علقمة بن الحارث، والأول أشهر، قاله في الإصابة.
"قال: وفدت سابع سبعة" أي: واحدًا منهم، لا أنه زائد عليه؛ لأن اسم الفاعل إن أخذ من اثنين إلى عشرة، ثم أضيف إلى أصله، فمعناه: إنه واحد من ذلك العدد لا زائد، وإن أضيف إلى دون أصله صيَّره بانضمامه إليه زائدًا عليها, "من قومي على رسول الله ﷺ ، فلما دخلنا عليه وكلماه، أعجبه ما رأى من سمتنا" سكينتنا ووقارنا.
قال في المصباح: السمت السكينة والوقار، وهو حسن السمت، أي: الهيئة "وزينا" بكسرстр. 2479
فقال: "ما أنتم"؟ قلنا: مؤمنون، فتبسَّم ﵊ وقال: "إن لكل قول حقيقة, فما حقيقة قولكم وإيمانكم"؟ قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا رسلك أن نؤمن بها، وخمس أمرتنا أن نعمل بها، وخمس تخلَّقنا بها في الجاهلية, فنحن عليها إلّا أن تكره منها شيئًا، فقال ﷺ : "ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي"؟
قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت.
قال: "وما الخمس التي أمرتكم أن تعملوا بها"؟
قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله, ونقيم الصلاة
الحواشي
(١) الزاي- الهيئة، فالعطف تفسيري، "فقال: "ما أنتم"؟ " أي: ما صفتكم, أمؤمنون أم كفار؟ ولذا أجابوا، "قلنا: مؤمنون" أي: متصفون بالإيمان، فما يسأل بها عن صفات العقلاء، كما يسأل بها عن غيرهم.
قال تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣] ، أي: الطيب، فاستعملت ما لصفة ما يعقل، أي: للوصف المشتَق الدالِّ على الحدث وصاحبه، وليس المراد بالوصف مبدأ الاشتقاق، الذي هو المعنى المصدري، ضرورة أن المعنى المصدري لا ينكح، "فتبسَّم ﵊" فرحًا بإيمانهم "وقال: "إن لكل قول حقيقة"، " أي: علامة أو ماهية، التي هي سبب في تحققه، "فما حقيقة قولكم وإيمانكم" عطف تفسير، أو مسبب على سبب، والقول بمعنى المقول، "قلنا: خمس عشرة خصلة، خمس منها أمرتنا" بفتحات، وإسكان تاء التأنيث، ونا مفعول والفاعل, "رسلك" ففيه إفادة أنه أرسل إليهم رسلًا، وإن لم يذكرهم المصنف، ويحتمل أن مرادهم رسله الذين بعثهم إلى اليمن؛ إذ هم منه "أن نؤمن بها" أي: نصدق "وخمس أمرتنا" بفتح الهمزة، والميم، والراء وإسكان التاء- رسلك "أن نعمل بها، وخمس تخلقنا بها في الجاهلية" أي: ما قبل إيمانهم، "فنحن عليها إلّا أن تكره منها شيئًا" فنتركه، وهذا من قوة إيمانهم، ومزيد فقههم، "فقال ﷺ : "ما الخمس التي أمرتكم بها رسلي"؟ قلنا: أمرتنا أن نؤمن بالله" نصدق به وبصفاته الواجبة له, "وملائكته" جمع مَلَك، أي: نصدِّق بوجودهم، وأنهم كما وصفهم الله تعالى: عباد مكرمون، "وكتبه" نصدّق بأنها كلام الله، وأن ما اشتملت عليه حق، "ورسله" أي: نصدق بصدقهم فيما أخبروا به عن الله تعالى، وتأخيرهم في الذكر لتأخر إيجادهم، لا لأفضلية الملائكة، "والبعث بعد الموت" من القبور وما بعده من الصراط والميزان والجنة والنار، "قال: "وما الخمس التي أمرتكم" رسلي "أن تعلموا بها"؟ قلنا: أمرتنا أن نقول: لا إله إلا الله" أي: ومحمد رسول الله؛ لأنها صارت علمًا على الشهادتين، أو أنَّ رسله اقتصروا عليها تدريجًا لهم، واكتفاءً بقولهم أوَّلًا: ورسله، فحكوا له لفظ رسله، "ونقيم الصلاة" المكتوبة،стр. 2480
ونؤتي الزكاة ونصوم رمضان ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلًا.
قال: "وما الخمس التي تخلقتم بها في الجاهلية"؟.
قلنا: الشكر عند الرخاء، والصبر عند البلاء، والرضاء بمر القضاء، والصدق في مواطن اللقاء، وترك الشماتة بالأعداء.
فقال ﷺ : "حكماء علماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء"، ثم قال: "وأنا أزيدكم خمسًا, فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون، فلا تجمعوا ما لا تأكلون،
الحواشي
(١) أي: نديمها، أو نأتي بها على ما ينبغي، "ونؤتي الزكاة" المفروضة، "ونصوم رمضان، ونحج البيت إن استطعنا إليه سبيلًا" طريقًا، "قال: "وما الخمس التي تخلَّقتم بها في الجاهلية"، قلنا: الشكر عند الرخاء" أي: الثناء على الله تعالى عند حصول النعم، وصرفها فيما يحمد، كصدقة وإغاثة ملهوف، وغير ذلك، "والصبر عند البلاء" أي: عدم الجزع والتضجر، وهذا قد يحصل وإن لم يكن رضا، ولذا قال: "والرضا" وهو الانقياد والطمأنينة باطنًا، "بِمُرِّ القضاء" أي: بالمر من المقضي، فالإضافة بمعنى من أو بالمر لمقضى من إضافة الصفة للموصوف، بحيث نراه في الباطن، كالنعم التي يستلذ بها، فجمع بينهما للتنبيه على طلبهما معًا، أي: الصبر والرضا "والصدق" أي: الثبات "في مواطن" جمع موطن كمسجد، مشاهد "اللقاء" للأعداء؛ بحيث لا نفر منهم، بل نصبر على حربهم، وإطلاق الصدق على الثبات مجاز شائ، "وترك الشماتة" أي: الفرح "بالأعداء"؛ إذا نزلت بهم مصيبة، "فقال ﷺ : "حكماء علماء" خبر مبتدأ محذوف، أي: هم، والمعنى: إنهم يفعلون أمورهم متقنة موافقة للحق، والخطاب للحاضرين غيرهم ثناء عليهم، وقدَّم الحكمة على العلم؛ لأنها الصفة القائمة بهم، الدالة على كمال عقولهم، والعلم طريق إلى معرفة الحسن من القبيح، ولكن صاحبه قد لا يعمل به، ودليل تقديرهم دون أنتم قوله: "كادوا" قاربوا "من فقههم أن يكونوا أنبياء"؛ لأن هذه الخمس التي تخلقوا بها من قِبَلِ أنفسهم في الجاهلية، بعض صفات الأنبياء، وعلى تقدير المبتدأ: أنتم, والخطاب لهم يكون كادوا التفاتًا، إلّا أن الأَوَّل أبلغ، لما فيه من الاعتناء بالإخبار عن صفاتهم الحميدة، "ثم قال: "وأنا أزيدكم خمسًا، فتتم لكم عشرون خصلة، إن كنتم كما تقولون"،" متصفين بالخمس عشرة التي ذكرتم، "فلا تجمعوا ما لا تأكلون" جواب الشرط، أي: زيادة على الحاجة، فيكون نفعه لمن بعدكم، "فلا تجمعوا ما لا تأكلون" جواب الشرط، أي: زيادة على الحاجة، فيكون نفعه لمن بعدكم، وحسابه عليكم، والإتيان بالشرط بعد قوله حكماء علماء، حثٌّ لهم على ملازمة الفعل، كأنه قيل: وصفتم أنفسكم بما يفيد حرصكم على الإيمانстр. 2481
ولا تبنوا ما لا تسكنون، ولا تنافسوا في شيء أنتم عنه غدًا زائلون، واتقوا الله الذي إليه ترجعون وعليه تعرضون، وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون".
فانصرفوا وقد حفظوا وصيته ﵊ وعملوا بها.
الحواشي
(١) ومكملاته، فإن كنتم كذلك، فتخلَّقوا بهذه الخمس أيضًا، فإنه أدلُّ على حسنكم، وكمال إيمانكم بما اتصفتم به، وهذا أَوْلَى من جعل أن بمعنى إذ، وليس الشرط متعلقًا بما قبله، بل جوابه، "فلا تجمعوا"، ولذا اقترن بالفاء ولا ناهية فيه، وفي الأربع بعده، ولذا حذف النون.
وفي نسخة: إثبات النون في الخمس على أنها أخبار بمعنى النهي، وهو أبلغ في المعنى من النهي الصريح؛ لأنه صورة خبر، كأنهم متصفون بذلك، "ولا تبنوا ما لا تسكنون" فلا تزيدوا على الحاجة، فإن سكناكم في البناء لا يدوم لمفارقتكم له، وانتقاله لمن يسكنه بعدكم، فاللائق الاقتصار على قدر الضرورة، "ولا تنافسوا" أي: لا تتزاحموا، وتتغالبوا، وترغبوا "في" حصول "شيء أنتم عنه غدًا زائلون" مرتحلون وتاركوه، "واتقوا الله" احذروا عذابه بفعل الطاعات واجتناب المعاصي، "الذي إليه ترجعون" تصيرون، فيجازيكم على أعمالكم حسنة أو ضدها، فتقواه تدفع عذابه عنكم، "وعليه تعرضون" والتاء أصلها الواو، فأبدلت منها ولزمت، فصارت كالأصلية.
قال البيضاوي: الوقاية فرط الصيانة، والمتقي في عرف الشرع اسم لمن يقي نفسه عمَّا يضره في الآخرة، وله ثلاث مراتب:
الأولى: التوقي من العذاب المخلّد، بالتبري عن الشرك وعليه قوله: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التّقْوَى﴾ .
والثانية: التجنب عن كل ما يؤثم من فعل أو ترك حتى الصغائر عند قوم، وهو المتعارف باسم التقوى في الشرع، والمعنى بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا﴾ .
والثالثة: أن يتنزه عمَّا يشغل سره عن الحق، ويتبتل إليه بشراشره، وهو التقوى الحقيقية المطلوب بقوله: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ ، انتهى.
"وارغبوا فيما عليه تقدمون، وفيه تخلدون" وهو الجنة، فإنها التي يخلد فيها المؤمنون، والرغبة فيها بالمسارعة والمسابقة إلى الأعمال الصالحة وترك المعاصي، وفي الصحيحين: "حفت الجنة بالمكاره، وحفت النار بالشهوات"، "فانصرفوا وقد حفظوا وصيته ﵊ وعملوا بها" توفيقًا من الله لهم ببركته ﷺ .стр. 2482
الوفد الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق
وقدم عليه وفد بني المنتفق
الحواشي
(١) "الوفد الرابع والثلاثون":
"وقدم عليه وفد بني المنتفق" بضم الميم، وسكون النون، وفتح الفوقية، وكسر الفاء،стр. 2483
روى عبد الله بن الإمام أحمد، في زوائد مسند أبيه عن دلهم بن الأسود عن عاصم بن لقيط، أن لقيط بن عامر بن صبرة بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل بن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، أبا رزين العقيلي،
الحواشي
(١) وبعدها قاف- علم على أبي قبيلة من عامر بن صعصعة، "روى عبد الله بن الإمام أحمد" بن محمد بن حنبل الشيباني، أبو عبد الرحمن الحافظ بن الحافظ.
روى عن أبيه وابن معين وخلق، وعنه النسائي، وابن صاعد، وأبو عوانة، والطبراني، وآخرون, قال أبوه: ابني عبد الله محظوظ من علم الحديث، لا يكاد يذاكرني إلا بما أحفظه.
قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا فهمًا, وُلِدَ سنة ثلاث عشرة ومائتين، ومات سنة تسعين ومائتين.
"في زوائد مسند أبيه" يعني: ما رواه من غير طريق أبيه في روايته مسند أبيه، فإنه قال في هذا الحديث: كتب إليَّ إبراهيم بن حمزة بن مصعب بن الزبير، قال: حدثني عبد الرحمن بن المغيرة الخزامي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن عياش الأنصاري، "عن دلهم" بدال مهملة مفتوحة، ولام ساكنة، وهاء مفتوحة "ابن الأسود" بن عبد الله بن حاجب العقيلي -بضم العين, حجازي مقبول، "عن عاصم بن لقيط" بن عامر العقيلي، ثقة من الطبقة الوسطى من التابعين.
روى له أصحاب السنن الأربعة، والبخاري في التاريخ، "أن" أباه "لقيط" بفتح اللام وكسر القاف "ابن عامر بن صبرة" بفتح المهملة، وكسر الموحدة، وراءٍ وهاء، "ابن عبد الله بن المنتفق بن امر بن عقيل" بضم العين, والد القبيلة "ابن كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة" بصادين بعد كل عين مهملات, "أبا رزين" بفتح الراء، وكسر الزاي، وسكون الياء وبالنون، بدل من اسم إن, "العقيلي" نسبة إلى جده عقيل المذكور, وهذا السياق صريح في أن أبا رزين اسمه: لقيط بن عامر بن صبرة، وأن من قال ابن صبرة نسبة إلى جده، وبه جزم ابن معين والبخاري وابن حبان، وابن السكن، وعبد الغني، وابن عبد البر وصحَّحَاه، وعليه مشى المزي في التهذيب، وقيل: إنهما اثنان, ذهب إليه ابن المدينيّ، وخليفة، وابن أبي خيثمة، ومسلم، وابن سعد, وغيرهم، وضعَّفه ابن عبد البر، فقال: ليس بشيء, وعبد الغني بن سعيد، فقال: لا يصح، ولكن مشى عليه المزي في الأطراف، ورجَّحه في الإصابة، فترجم أولًا: لقيط بن صبرة، وساق نسبه، كما هنا قائلًا: العامري، روى عن النبي ﷺ ، وعنه ابنه عاصم، ثم ترجم تلوه لقيط بن عامر بن عبد الله بن المنتفق بن عامر بن عقيل العامري, أبو رزين العقيلي، روى عنه ابن أخيه وكيع بن عدس، وعبد الله بن حاجب، وعمرو بن أوس الثقفي، ذهب علي بن المديني، وخليفة بن خياط وابن أبي خيثمة، ومحمد بن سعد ومسلم، والبغوي، والدارمي، والبارودي، وابن قانع وغيرهم، إلى أنه غير لقيط بن صبرة المذكور قبله.
وقال ابن معين: إنهما واحد، وإن من قال لقيط بن عامر نسبه لجده، وإنما هو لقيط بنстр. 2484
المعروف في أهل الطائف، خرج وفدًا على رسول الله ﷺ , ومعه صاحب له يقال له: نهيك بن عاصم بن مالك بن المنتفق، فوافيناه حين انصرف من صلاة الغداة، فقام في الناس خطيبًا فقال: "يا أيها الناس، ألا إني قد خبَّأت لكم صوتي منذ أربعة أيام لتسمعوا الآن، ألا فهل من امرئ بعثه قومه فقالوا له: اعلم لنا ما يقول رسول الله ﷺ ، ألا ثم لعله يلهيه
الحواشي
(١) صبرة بن عامر، وحكاه الأثرم عن أحمد، ومال إليه البخاري، وجزم به ابن حبان، وابن السكن، وعبد الغني بن سعيد في إيضاح الأشكال، وقال: قيل: إنه غيره وليس بصحيح، وكذا قال ابن عبد البر، وقال في مقابله: ليس بشيء، وتناقض فيه المزي، فجزم في الأطراف بأنهما اثنان، وفي التهذيب، بأنهما واحد، والراجح في نظري أنهما اثنان؛ لأن لقيط بن عامر معروف بكنيته، ولقيط بن صبرة لم تذكر كنيته إلّا ما شذّ به ابن شاهين.
فقال أبو رزين العقيلي أيضًا: والرواة عن أبي رزين جماعة، ولقيط بن صبرة لا يعرف له راوٍ إلا ابنه عاصم، وإنما قوي كونه واحدًا عند من جزم به؛ لأنه وقع في صفة كل واحد منها أنه وافد بني المنتفق، وليس بواضح، لاحتمال أن يكون كل واحد منهما رأسًا، انتهى.
وصواب قوله: وإن من قال: لقيط بن عامر إلخ ... أن من قال لقيط بن صبرة نسبه لجده، وإنما هو لقيط بن عامر بن صبرة، كما هو المنقول عن ابن معين في الجامع، وهو الموافق لما في سياق زوائد المسند، كما رأيت، وهو الذي في تقريبه؛ إذ قال: لقيط بن صبرة، ويقال: إنه جده، واسم أبيه عامر "المعروف في أهل الطائف، خرج وفدًا" خبران "على رسول الله ﷺ ، ومعه صاحب له يقال له: نهيك" بفتح النون، وكسر الهاء، وسكون الياء وكاف, "ابن عاصم بن مالك بن المنتفق" العامري، ثم العقيلي، "فوافيناه" أي: أتيناه، وهو معمول لمحذوف، هو قال: ولفظ زوائد المسند، قال لقيط: خرجت أنا وصاحبي حتى قدمنا على رسول الله ﷺ لانسلاخ رجب، فوافيناه "حين انصرف من صلاة الغداة" أي: الصبح، "فقام في الناس خطيبًا، فقال: "يا أيها الناس, ألا" " بفتح الهمزة والتخفيف- أداة استفتاح نحو: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ أتى بها للتنبيه، فيدل على تحقق ما بعدها, "إني قد خبَّأت لكم صوتي" أي: ادَّخرته وجعلته لكم عندي خبيئة, "منذ أربعة أيام"، أي: من أولها إلى آخرها؛ لأن مذ ومنذ حرفَا جر بمعنى من, إن كان الزمان ماضيًا -كما في المغني, "لتسمعوا الآن"؛ لأن الصوت قد استراح، فيقوى على التسميع، ففيه حثهم على الاستماع له، والإقبال له على ما يقوله، "ألا" أداة استفتاح أيضًا, تنبيهًا لهم على تحقق ما بعدها، وطلب إصغائهم، "فهل" تفريع على مقدر، أي: ألا تسمعون! فكأنهم، قالوا: نعم، فقال: فهل "من" زائد "امرئ بعثه قومه، فقالوا له: اعلم" فعل أمر "لنا ما يقول رسول الله" لنعمل به, "ألا" تنبيه أيضًا، "ثم" بضم الثاء- بعد إتيانه لأجل علم ذلك، "لعله يلهيه" عن السماع المحصلстр. 2485
حديث نفسه أو حديث صاحبه، ألا وإني مسئول, هل بلغت؟ ألَا اسمعوا تعيشوا ... " الحديث. وفيه ذكر البعث والنشور والجنة والنار، وفيه ثَمَّ قال: قلت يا رسول الله، علام أبايعك؟ فبسط ﷺ يده وقال: "على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة وأن لا تشرك بالله شيئًا" الحديث.
الحواشي
(١) للعلم أحد أمور ثلاثة، "حديث نفسه" فيغفل عن السماع، أو لا يضبطه؛ لاشتغاله بحديث نفسه، وهذا مشاهد؛ بحيث لو أراد علمه بعد لطلب إعادته من المتكلم، "أو حديث صاحبه له"، والثالث أسقطه المصنف قوله ﷺ : "أو يلهيه ضال"، هذا ثابت قبل قوله: "ألا وإني مسئول، هل بلغت" ما أوحى إليك، "ألا اسمعوا تعيشوا"، أي: تحيوا حياة أبدية سعيدة، فإنها الحياة المطلوبة، "الحديث بطوله في نحو ورقتين، وفيه عقب قوله: "تعيشوا، ألا اجسلوا"، فجلس الناس، وقمت أنا وصاحبي، حتى إذا فرع لنا فؤاده ونظره، قلت: يا رسول الله, ما عندك من علم الغيب، فضحك، وعلم أني أبتغي السقط، "وفيه ذكر البعث، والنشور، والجنة، والنار، وفيه ثَمَّ قال": لقيط "قلت: يا رسول الله علام"، أي: على أي شيء "أبايعك" بحذف ألف ما، كما قال ابن مالك، وما في الاستفهام إن جرت حذف ألفها.
قال في الهمع: إلى، وعلى، وحتى يكتبن بالياء، فإن وصلت الثلاثة بما الاستفهامية، كتبن بالألف لوقوعها وسطًا نحو: إلام، وعلام وحتّام، وإنما كتب إلى وعلى بالياء ما لم يوصلا، بما لعود ألفهما ياء في إليه وعليه، وحتى تكتب ألفا مع المضمر نحو: حتاي وحتاك، وبالياء مع الظاهر، نحو: حتى زيد. انتهى. فكتابة على في بعض النسخ بالياء، خلاف قاعدة الخط، "فبسط ﷺ يده، وقال: "على إقام الصلاة" المفروضة "وإيتاء الزكاة" المعهودة، "وأن لا تشرك بالله شيئًا".
لفظ الزوائد: إلهًا غيره "الحديث"، وليس فيه الصوم، ولا الحج، وكأنه اختصار من الراوي، فإن لفظه عقب قوله: إلهًا غيره، قال: قلت: يا رسول الله، وإن لنا ما بين المشرق والمغرب، قبض ﷺ يده، وظنَّ أني مشترط ما لا يعطينيه، قال: "تحل منها حيث شئت، ولا يجني عليك إلا نفسك".
قال: فانصرفنا عنه، ثم قال: "ها إن ذين، ها إن ذين" مرتين، "لمن نقر أنهم من أتقى الناس لله في الدنيا والآخرة"، فقال له كعب بن الخدارية: من هم يا رسول الله؟ قال: "بنو المنتفق"، قالها ثلاثًا، فانصرفنا، وها للتنبيه، وذين، يعني: أبا رزين وصاحبه نهيك بن عاصم، والخدارية، بضم المعجمة، وتخفيف الدال، ولولا الإطالة لسقت الحديث بتمامه.стр. 2486
الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع
وقدم عليه ﷺ وفد النخع، وهم آخر الوفود قدومًا عليه, وكان قدومهم في نصف المحرَّم سنة إحدى عشرة، في مائتي رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مقرِّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
الحواشي
(١) الوفد الخامس والثلاثون:
"وقدم عليه ﷺ وفد النخع" بفتح النون، والخاء المعجمة، وبعين مهملة, قبيلة من مذحج -بفتح الميم وسكون المعجمة وكسر الحاء المهملة وجيم, قبيلة من اليمن، "وهم آخر الوفود قدومًا عليه، وكان قدومهم في نصف المحرم سنة إحدى عشرة" من الهجرة، وهذا وأمثاله مبني على أول التاريخ هل هو المقدم، أو أول سنة المقدم، أو طرح بقية سنة القدوم، والحسبان من ثاني ستة أقوال، أغربها الثالث.
وقد قال ابن عبد البر والذهبي: قدم زرارة في نصف رجب سنة تسع، فيحتمل أنه وفد فيها، ثم مع قومه سنة إحدى عشرة، كذا في النور "في مائتي رجل"، لم يعرف البرهان منهم إلّا زرارة، "فنزلوا دار الأضياف"، هي دار رملة بنت الحارث النجارية، الصحابية، زوجة معاذ بن عفراء، "ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مقرِّين بالإسلام، وقد كانوا باعوا معاذ بن جبل"، لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن.
وقال ابن سعد في الطبقات: حدَّثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أشياخ النخع، قال: بعث النخع رجلين منهم إلى النبي ﷺ ، وافدين بإسلامهم: أرطأة بن شراحيل بن كعب، والجهيش، واسمه: الأرقم, من بني بكر بن عمرو بن النخع، فخرجا حتى قدما عليه ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه، فبايعاه على قومهما، وأعجبه ﷺ شأنهما، وحسن هيئتهما، فقال: "هل خلفتما وراءكما مثلكما"؟ قالا: يا رسول الله, قد خلفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلًا، كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء، ما يشاركونا في الأمر إذا كان، فدعا لهما ﷺ ولقومهما بخير، وقال: "اللهم بارك في النخع"، وعقد لأرطأة لواء على قومه، فكان في يده يوم الفتح، وشهد به القادسية، فقتل يومئذ، فأخذه أخوه دريد، فقتل، فأخذه سيف بن حارثة من بني حذيفة, فدخل به الكوفة، وأخرجه ابن شاهين بإسناد ضعيف عن قيس بن كعب النخعي؛ أنه وفد على النبي ﷺ ، هو وأخوه أرطأة بن كعب، والأرقم، وكانا من أجَلِّ أهل زمانهما وأنظفه، فذكر الحديث، وسمى أخاه المقتول بعده يوم القادسية: زيد بن كعب, وجهيش -بضم الجيم وآخره معجمة مصغَّر، وقيل: بفتح أوله وكسر الهاء وسكون التحتية، وقيل: بفتح الجيم وسكون الهاء بعدها موحدة، وبه جزم ابن الأمين.
روى ابن منده عن أبي هريرة، قدم جهيش بن أويس النخعي في نفر من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله أنا حي من مذحج، فذكر حديثًا طويلًا، فيه شعر منه:стр. 2487
فقال رجل منهم، يقال له: زرارة بن عمرو، يا رسول الله, إني رأيت في سفري هذا عجبًا، قال: "وما رأيت"؟ قال: رأيت أتانًا تركتها كأنها ولدت جديًا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ : "هل تركت لك مصرة"؟ قال: نعم، قال: "فإنها قد ولدت غلامًا وهو ابنك"، فقال يا رسول الله: ما باله أسفع أحوى؟
الحواشي
(١) ألا يا رسول الله أنت مصدق ... فبوركت مهديًّا وبوركت هاديًا
شرعت لنا دين الحنيفة بعدما ... عبدنا كأمثال الحمير طواغيا
وعند أبي نعيم، عن الحارث: قدمنا من اليمن، فنزلنا المدينة، فخرج علينا عمر، فطاف في النخع، فتصفحهم، وهم ألفان وخمسمائة، وعليهم أرطأة، فقال عمر: سيروا إلى العراق، قالوا: بل نسير إلى الشام، قال: سيروا إلى العراق, فسرنا فأتينا القادسية، فقُتِلَ منَّا كثير، ومن سائر الناس قليل، فسُئِلَ عمر عن ذلك، فقال: إن النخع ولّوا أعظم الأمر وحدهم. ذكره في الإصابة في موضعين.
وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يدعو لهذا الحي من النخع، أو قال: يثني عليهم، حتى تمنَّيت أني رجل منهم، "فقال رجل منهم يقال له: زرارة بن عمرو" بضم الزاي، وأبوه -بفتح العين، وسماه ابن الكلبي، وتبعه ابن شاهين: زرارة بن قيس بن الحارث بن عدي.
قال أبو حاتم: قدم نصف المحرم سنة إحدى عشرة، وقال أبو عمر: بل كان قدومه في نصف رجب، سنة تسع، وبالأوّل جزم ابن سعد عن الواقدي، كذا في الإصابة، وتقدَّم جمع البرهان باحتمال قدومه أولًا وحده في التاريخ الأول، ثم مع قومه في هذا التاريخ, "يا رسول الله, إن رأيت في سفري هذا عجبًا"، وفي رواية المدائني: رأيت في طريقي رؤيا هالتني، "قال: "وما رأيت"؟ قال: رأيت أتانًا" بفتح الهمزة، وفوقية- حمارة أنثى، ولا يقال أتانة، قاله ابن السكيت، وجمع القلة آتن، كعناق، وأعنق، والكثرة أتن -بضمتين.
روى البيهقي عن أبي هريرة، رفعه: "من لبس الصوف، وحلب الشاة، وركب الأتن، فليس في جوفه من الكبر شيء" "تركتها" في الحي، كما في رواية، وللمدائني: خلَّفتها في أهلي, "كأنها ولدت جديًا"، هو الذي من أولاد المعز، "أسفع" بزنة أحمر، أسود مشرب بحمرة، "أحوى" كالتأكيد لما قبله؛ إذ الحوة -بالضم- سواد إلى خضرة، أو حمرة إلى سواد، كما في القاموس، فقال له رسول الله ﷺ : "هل تركت لك مصرة"، اسم فاعل من أصر على الشيء، أقام عليه، والمراد حملها محقق ثابت.
وفي العيون والمدائني: أمة، وفي السبل: امرأة، فلعل المصنف ترك الموصوف للخلاف فيه، كذا قيل، وإنما يتحقق الخلاف لو قيل: زوجة، فيرد لفظ امرأة إلى أمة، فلا خلاف.
"قال: نعم، قال: "فإنها قد ولدت غلامًا، وهو ابنك"، دفع به ما قد يدخل عليه من الريبة؛ إذ رأى اللون الغريب، "فقال: يا رسول الله, ما باله أسفع أحوى"، أي: ما الحال الداعي إلى مجيئهстр. 2488
قال: "ادن مني"، فدنا منه، قال: "هل بك من برص تكتمه"؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما علم به أحد، ولا اطَّلع عليه غيرك، قال: "فهو ذلك".
قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان مدلجيان ومسكتان. قال: "ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته".
قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزًا شمطاء، خرجت من الأرض. قال: "تلك بقية الدنيا".
الحواشي
(١) بهذا اللون المخالف للون أبيه؟ "قال: "ادن مني"، قصدته ستره لعلمه ﷺ أنه يخفيه، "فدنا منه، قال: "هل بك برص تكتمه" " استفهام تقريري، أريد به طلب اعترافه به، ليرتِّب عليه الجواب، فيكون ألزم للحجة، "قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا، ما علم به أحد، ولا اطَّلَع عليه غيرك"، فكأنه قال: نعم هو بي، ولكن والذي.. إلخ، فهو معجزة، "قال: "فهو ذلك"، أي: اللون الذي في ولدك أثر ما فيك من البرص، وهذا من المعجزات، "قال: يا رسول الله, ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان" بالضم, تثنية قرط، وهو ما يعلق في شحمتي الأذن، والجمع أقراط "مدلجيان" كذا في النسخ، والمدلج: الذي يسير اليل كله، ولا معنى له هنا، والذي في العيون والإصابة وغيرهما, كالمصنف نفسه في الرؤيا: ودملجان -بضم اللام وفتحه: شيء يشبه السوار، "ومسكتان" بفتح الميم والسين المهملة: سواران من ذهب، قاله المصنف في التعبير، والذي قاله ابن سيده، والجوهري: المسك -بفتحتين: أسورة من ذبل أو عاج، والذبل -بمعجمة، وموحدة ساكنة: شيء كالعاج، وقيل: ظهر السلحلفاة البحرية، فالمعنى على هذا: سواران من ذبل، وفي الجامع لابن الأثير: المسكة -بالتحريك: أسورة من ذبل، أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب، أو فضة، أو غيرهما.
"قال: "ذلك ملك" بضم الميم، وإسكان اللام "العرب رجع إلى أحسن زيه" بكسر الزاي وشد الياء. وهيئته "وبهجته" حسنه؛ لأن النعمان كان ملكًا على العرب، فالمعنى: عادت العرب إلى ما كانوا عليه من العزِّ والشرف، وذهبت غلبة الفرس والعجم بظهور المصطفى.
قال المصنف في الرؤيا: تعبيره السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مَرَّ، والجواب أن النعمان كان ملكًا على العرب من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم، فالسواران من زيهم ليسا بمنكرين في حقه، ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفًا، وأما النبي ﷺ ، فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته، فجدير أن يهمه ذلك؛ لأنه ليس من زيه، واستدلَّ به على أنه أمر يوضع في غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابه، "قال: يا رسول الله, ورأيت عجوزًا شمطاء" بزنة حمراء، أي: أبيض شعر رأسها، "خرجت من الأرض، قال: "تلك بقية الدنيا"، فلم يبق منهاстр. 2489
قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض, فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، قال رسول الله ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزمان" , قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: "تقتل الناس إمامهم" وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه, "يحسب المسيء فيها أنه محسن، ويكنّ دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك".
قال: يا رسول الله, ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم لا يدركها". فمات فبقي ابنه فكان ممن خلع عثمان بن عثمان ﵁
انتهى ملخصًا من الهدي النبوي، والله الموفق, وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في تعبيره الرؤيا ﷺ , من المقصد الثاني. انتهى.
الحواشي
(١) إلّا القليل بالنسبة للماضي، كالباقي من عمر العجوز مما مضى، "قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض، فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو"، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني، آكلكم آكلكم، أهلككم ومالك، هذا من جملة رؤياه، كما في المقصد الثامن والعيون، وكان معناه: تفترق الناس فيها فرقتين، بصير عرف الحق فاتبعه، وأعمى لم يهتد إلى طريق الحق فضلَّ، ومعنى أطعموني: افتتنوا بي، وارتكبوا الضلال، "قال رسول الله ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزما" سماه آخرًا، مع أنها قتل عثمان ﵁, على معنى: إنه لغلظ أمره وفحشه بمنزلة ما يكون في آخر الزمان, الذي تندرس فيه الأحكام وتزول، حتى كأنها لا أثر لها، أو أنَّ المراد: آخر زمان الخلافة الحقيقية التي جروا فيها على سنن المصطفى، وسمَّاها آخرًا مع أنه بقي منها مدة علي وابنه، لقرب قتل عثمان من آخرها، "قال: يا رسول الله, وما الفتنة؟ " لأنها تطلق لغة على معانٍ، فسأله أيها أراد، "قال: "تقتل الناس إمامهم" "، ولفظ الآتي في التعبير، قال: "يفتك الناس بإمامهم، ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس"، ثم قال: "إطباق الرأس عظامه"، والاشتجار: الاشتباك والاختلاف.
"وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه"، لم يبينوا صفة المخالفة، "يحسب المسيء فيها أنه محسن"، جملة مستأنفة للإشارة إلى غلبتها على الناس، فيظنّ المبطل أنه محق، "ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلى" ألذ "من شرب الماء" للظمآن.
وفي العيون وغيرها: " أحلّ من الحل"، وكأنه لغلبة اشتباه الحال فيظن أنه محق، فيراه أشد حلًّا من شرب الماء، وخصَّه لغلبة حصوله من جهة حلّ، كالأنهار والأمطار وغيرهما، "إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك"، قال: يا رسول الله, ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم لا يدركها"، فمات"، ولم يبينوا وقت موته "فبقي ابنه" عمرو بن زرارة، أورده صاحب الإصابة في القسم الأول، وقال: صحبته محتملة، "فكان ممن خلع عثمان بن عفان ﵁".
وعند الكلبي وغيره: فكان أوّل خلق الله خلع عثمان بالكوفة، "انتهى ملخصًا من الهدي النبوي" لابن القيم، "والله الموفق، وسيأتي هذا"، أي: خبر زرارة -إن شاء الله تعالى "في تعبيره الرؤيا ﷺ , من المقصد الثاني، انتهى".стр. 2490
المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ
...
المقصد الثالث: فيما فضَّله الله تعالى به
من كمال خلقته وجمال صورته, وكرمه تعالى به من الأخلاق الزكية, وشَرَّفه به من الأوصاف المرضية.
وما تدعو ضرورة حياته إليه ﷺ , وفيه أربعة فصول.
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ :
اعلم أنَّ من تمام الإيمان به ﷺ , الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق
الحواشي
(١) كتاب الشمائل النبوية:
المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به:
أي: في صفاتٍ صَيِّرَه الله تعالى بها، زائدًا على غيره "من كمال"، بيان لما "خلقته" صورته التي خلق عليها, والكمال يستعمل في الذوات والصفات، فالمعنى: كماله في ذاته وصفاته، "وجمال صورته" مساوٍ لما قبله في المعنى, حسنه اختلاف اللفظ.
وفي المصباح، قال سيبويه: الجمال رقة الجسد، والأصل: جماله -بالهاء، مثل صبح صباحه، لكنهم حذفوا الهاء، تخفيفًا لكثرة الاستعمال، "وكرَّمه تعالى به"، أي: عظَّمه ومَيِّزَه على غيره أصلًَا وذاتًا وصفةً "من الأخلاق الزكية" الصالحة، الزائدة في الكمال "وشَرَّفه"، أعلاه "به" رتبةً على غيره "من الأوصاف" الذاتية القائمة به، "المرضية" عند ربه، وعند أولي الألباب، فهذه الألفاظ متقاربة المعاني، أو متحدة، "وما تدعو ضرورة حياته إليه" من غذائه ونحوه، كما يأتي له " ﷺ ، وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته، وهي ما يظهر للناظرين من جسده ﷺ , "اعلم أنَّ من تمام الإيمان به ﷺ , الإيمان" التصديق "بأن الله تعالى جعل خلق"، أي:следующие страницы →