Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.
стр. 2486
الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع
وقدم عليه ﷺ وفد النخع، وهم آخر الوفود قدومًا عليه, وكان قدومهم في نصف المحرَّم سنة إحدى عشرة، في مائتي رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مقرِّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.
الحواشي
(١) الوفد الخامس والثلاثون:
"وقدم عليه ﷺ وفد النخع" بفتح النون، والخاء المعجمة، وبعين مهملة, قبيلة من مذحج -بفتح الميم وسكون المعجمة وكسر الحاء المهملة وجيم, قبيلة من اليمن، "وهم آخر الوفود قدومًا عليه، وكان قدومهم في نصف المحرم سنة إحدى عشرة" من الهجرة، وهذا وأمثاله مبني على أول التاريخ هل هو المقدم، أو أول سنة المقدم، أو طرح بقية سنة القدوم، والحسبان من ثاني ستة أقوال، أغربها الثالث.
وقد قال ابن عبد البر والذهبي: قدم زرارة في نصف رجب سنة تسع، فيحتمل أنه وفد فيها، ثم مع قومه سنة إحدى عشرة، كذا في النور "في مائتي رجل"، لم يعرف البرهان منهم إلّا زرارة، "فنزلوا دار الأضياف"، هي دار رملة بنت الحارث النجارية، الصحابية، زوجة معاذ بن عفراء، "ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مقرِّين بالإسلام، وقد كانوا باعوا معاذ بن جبل"، لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن.
وقال ابن سعد في الطبقات: حدَّثنا هشام بن محمد بن السائب الكلبي، عن أبيه، عن أشياخ النخع، قال: بعث النخع رجلين منهم إلى النبي ﷺ ، وافدين بإسلامهم: أرطأة بن شراحيل بن كعب، والجهيش، واسمه: الأرقم, من بني بكر بن عمرو بن النخع، فخرجا حتى قدما عليه ﷺ ، فعرض عليهما الإسلام فقبلاه، فبايعاه على قومهما، وأعجبه ﷺ شأنهما، وحسن هيئتهما، فقال: "هل خلفتما وراءكما مثلكما"؟ قالا: يا رسول الله, قد خلفنا وراءنا من قومنا سبعين رجلًا، كلهم أفضل منا، وكلهم يقطع الأمر وينفذ الأشياء، ما يشاركونا في الأمر إذا كان، فدعا لهما ﷺ ولقومهما بخير، وقال: "اللهم بارك في النخع"، وعقد لأرطأة لواء على قومه، فكان في يده يوم الفتح، وشهد به القادسية، فقتل يومئذ، فأخذه أخوه دريد، فقتل، فأخذه سيف بن حارثة من بني حذيفة, فدخل به الكوفة، وأخرجه ابن شاهين بإسناد ضعيف عن قيس بن كعب النخعي؛ أنه وفد على النبي ﷺ ، هو وأخوه أرطأة بن كعب، والأرقم، وكانا من أجَلِّ أهل زمانهما وأنظفه، فذكر الحديث، وسمى أخاه المقتول بعده يوم القادسية: زيد بن كعب, وجهيش -بضم الجيم وآخره معجمة مصغَّر، وقيل: بفتح أوله وكسر الهاء وسكون التحتية، وقيل: بفتح الجيم وسكون الهاء بعدها موحدة، وبه جزم ابن الأمين.
روى ابن منده عن أبي هريرة، قدم جهيش بن أويس النخعي في نفر من أصحابه، فقالوا: يا رسول الله أنا حي من مذحج، فذكر حديثًا طويلًا، فيه شعر منه:стр. 2487
فقال رجل منهم، يقال له: زرارة بن عمرو، يا رسول الله, إني رأيت في سفري هذا عجبًا، قال: "وما رأيت"؟ قال: رأيت أتانًا تركتها كأنها ولدت جديًا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ : "هل تركت لك مصرة"؟ قال: نعم، قال: "فإنها قد ولدت غلامًا وهو ابنك"، فقال يا رسول الله: ما باله أسفع أحوى؟
الحواشي
(١) ألا يا رسول الله أنت مصدق ... فبوركت مهديًّا وبوركت هاديًا
شرعت لنا دين الحنيفة بعدما ... عبدنا كأمثال الحمير طواغيا
وعند أبي نعيم، عن الحارث: قدمنا من اليمن، فنزلنا المدينة، فخرج علينا عمر، فطاف في النخع، فتصفحهم، وهم ألفان وخمسمائة، وعليهم أرطأة، فقال عمر: سيروا إلى العراق، قالوا: بل نسير إلى الشام، قال: سيروا إلى العراق, فسرنا فأتينا القادسية، فقُتِلَ منَّا كثير، ومن سائر الناس قليل، فسُئِلَ عمر عن ذلك، فقال: إن النخع ولّوا أعظم الأمر وحدهم. ذكره في الإصابة في موضعين.
وعن ابن مسعود: سمعت رسول الله ﷺ يدعو لهذا الحي من النخع، أو قال: يثني عليهم، حتى تمنَّيت أني رجل منهم، "فقال رجل منهم يقال له: زرارة بن عمرو" بضم الزاي، وأبوه -بفتح العين، وسماه ابن الكلبي، وتبعه ابن شاهين: زرارة بن قيس بن الحارث بن عدي.
قال أبو حاتم: قدم نصف المحرم سنة إحدى عشرة، وقال أبو عمر: بل كان قدومه في نصف رجب، سنة تسع، وبالأوّل جزم ابن سعد عن الواقدي، كذا في الإصابة، وتقدَّم جمع البرهان باحتمال قدومه أولًا وحده في التاريخ الأول، ثم مع قومه في هذا التاريخ, "يا رسول الله, إن رأيت في سفري هذا عجبًا"، وفي رواية المدائني: رأيت في طريقي رؤيا هالتني، "قال: "وما رأيت"؟ قال: رأيت أتانًا" بفتح الهمزة، وفوقية- حمارة أنثى، ولا يقال أتانة، قاله ابن السكيت، وجمع القلة آتن، كعناق، وأعنق، والكثرة أتن -بضمتين.
روى البيهقي عن أبي هريرة، رفعه: "من لبس الصوف، وحلب الشاة، وركب الأتن، فليس في جوفه من الكبر شيء" "تركتها" في الحي، كما في رواية، وللمدائني: خلَّفتها في أهلي, "كأنها ولدت جديًا"، هو الذي من أولاد المعز، "أسفع" بزنة أحمر، أسود مشرب بحمرة، "أحوى" كالتأكيد لما قبله؛ إذ الحوة -بالضم- سواد إلى خضرة، أو حمرة إلى سواد، كما في القاموس، فقال له رسول الله ﷺ : "هل تركت لك مصرة"، اسم فاعل من أصر على الشيء، أقام عليه، والمراد حملها محقق ثابت.
وفي العيون والمدائني: أمة، وفي السبل: امرأة، فلعل المصنف ترك الموصوف للخلاف فيه، كذا قيل، وإنما يتحقق الخلاف لو قيل: زوجة، فيرد لفظ امرأة إلى أمة، فلا خلاف.
"قال: نعم، قال: "فإنها قد ولدت غلامًا، وهو ابنك"، دفع به ما قد يدخل عليه من الريبة؛ إذ رأى اللون الغريب، "فقال: يا رسول الله, ما باله أسفع أحوى"، أي: ما الحال الداعي إلى مجيئهстр. 2488
قال: "ادن مني"، فدنا منه، قال: "هل بك من برص تكتمه"؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما علم به أحد، ولا اطَّلع عليه غيرك، قال: "فهو ذلك".
قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان مدلجيان ومسكتان. قال: "ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته".
قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزًا شمطاء، خرجت من الأرض. قال: "تلك بقية الدنيا".
الحواشي
(١) بهذا اللون المخالف للون أبيه؟ "قال: "ادن مني"، قصدته ستره لعلمه ﷺ أنه يخفيه، "فدنا منه، قال: "هل بك برص تكتمه" " استفهام تقريري، أريد به طلب اعترافه به، ليرتِّب عليه الجواب، فيكون ألزم للحجة، "قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا، ما علم به أحد، ولا اطَّلَع عليه غيرك"، فكأنه قال: نعم هو بي، ولكن والذي.. إلخ، فهو معجزة، "قال: "فهو ذلك"، أي: اللون الذي في ولدك أثر ما فيك من البرص، وهذا من المعجزات، "قال: يا رسول الله, ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان" بالضم, تثنية قرط، وهو ما يعلق في شحمتي الأذن، والجمع أقراط "مدلجيان" كذا في النسخ، والمدلج: الذي يسير اليل كله، ولا معنى له هنا، والذي في العيون والإصابة وغيرهما, كالمصنف نفسه في الرؤيا: ودملجان -بضم اللام وفتحه: شيء يشبه السوار، "ومسكتان" بفتح الميم والسين المهملة: سواران من ذهب، قاله المصنف في التعبير، والذي قاله ابن سيده، والجوهري: المسك -بفتحتين: أسورة من ذبل أو عاج، والذبل -بمعجمة، وموحدة ساكنة: شيء كالعاج، وقيل: ظهر السلحلفاة البحرية، فالمعنى على هذا: سواران من ذبل، وفي الجامع لابن الأثير: المسكة -بالتحريك: أسورة من ذبل، أو عاج، فإذا كانت من غير ذلك أضيفت إلى ما هي منه، فيقال: من ذهب، أو فضة، أو غيرهما.
"قال: "ذلك ملك" بضم الميم، وإسكان اللام "العرب رجع إلى أحسن زيه" بكسر الزاي وشد الياء. وهيئته "وبهجته" حسنه؛ لأن النعمان كان ملكًا على العرب، فالمعنى: عادت العرب إلى ما كانوا عليه من العزِّ والشرف، وذهبت غلبة الفرس والعجم بظهور المصطفى.
قال المصنف في الرؤيا: تعبيره السوارين هنا يرجع إلى بشرى، وعبرهما بالكذابين فيما مَرَّ، والجواب أن النعمان كان ملكًا على العرب من جهة الأكاسرة، وكانوا يسورون الملوك ويحلونهم، فالسواران من زيهم ليسا بمنكرين في حقه، ولا بموضوعين في غير موضعهما عرفًا، وأما النبي ﷺ ، فنهى عن لباس الذهب لآحاد أمته، فجدير أن يهمه ذلك؛ لأنه ليس من زيه، واستدلَّ به على أنه أمر يوضع في غير موضعه، ولكن حمدت العاقبة بذهابه، "قال: يا رسول الله, ورأيت عجوزًا شمطاء" بزنة حمراء، أي: أبيض شعر رأسها، "خرجت من الأرض، قال: "تلك بقية الدنيا"، فلم يبق منهاстр. 2489
قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض, فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، قال رسول الله ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزمان" , قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: "تقتل الناس إمامهم" وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه, "يحسب المسيء فيها أنه محسن، ويكنّ دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك".
قال: يا رسول الله, ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم لا يدركها". فمات فبقي ابنه فكان ممن خلع عثمان بن عثمان ﵁
انتهى ملخصًا من الهدي النبوي، والله الموفق, وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في تعبيره الرؤيا ﷺ , من المقصد الثاني. انتهى.
الحواشي
(١) إلّا القليل بالنسبة للماضي، كالباقي من عمر العجوز مما مضى، "قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض، فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو"، ورأيتها تقول: لظى لظى، بصير وأعمى، أطعموني، آكلكم آكلكم، أهلككم ومالك، هذا من جملة رؤياه، كما في المقصد الثامن والعيون، وكان معناه: تفترق الناس فيها فرقتين، بصير عرف الحق فاتبعه، وأعمى لم يهتد إلى طريق الحق فضلَّ، ومعنى أطعموني: افتتنوا بي، وارتكبوا الضلال، "قال رسول الله ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزما" سماه آخرًا، مع أنها قتل عثمان ﵁, على معنى: إنه لغلظ أمره وفحشه بمنزلة ما يكون في آخر الزمان, الذي تندرس فيه الأحكام وتزول، حتى كأنها لا أثر لها، أو أنَّ المراد: آخر زمان الخلافة الحقيقية التي جروا فيها على سنن المصطفى، وسمَّاها آخرًا مع أنه بقي منها مدة علي وابنه، لقرب قتل عثمان من آخرها، "قال: يا رسول الله, وما الفتنة؟ " لأنها تطلق لغة على معانٍ، فسأله أيها أراد، "قال: "تقتل الناس إمامهم" "، ولفظ الآتي في التعبير، قال: "يفتك الناس بإمامهم، ثم يشتجرون اشتجار أطباق الرأس"، ثم قال: "إطباق الرأس عظامه"، والاشتجار: الاشتباك والاختلاف.
"وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه"، لم يبينوا صفة المخالفة، "يحسب المسيء فيها أنه محسن"، جملة مستأنفة للإشارة إلى غلبتها على الناس، فيظنّ المبطل أنه محق، "ويكون دم المؤمن عند المؤمن أحلى" ألذ "من شرب الماء" للظمآن.
وفي العيون وغيرها: " أحلّ من الحل"، وكأنه لغلبة اشتباه الحال فيظن أنه محق، فيراه أشد حلًّا من شرب الماء، وخصَّه لغلبة حصوله من جهة حلّ، كالأنهار والأمطار وغيرهما، "إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك"، قال: يا رسول الله, ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم لا يدركها"، فمات"، ولم يبينوا وقت موته "فبقي ابنه" عمرو بن زرارة، أورده صاحب الإصابة في القسم الأول، وقال: صحبته محتملة، "فكان ممن خلع عثمان بن عفان ﵁".
وعند الكلبي وغيره: فكان أوّل خلق الله خلع عثمان بالكوفة، "انتهى ملخصًا من الهدي النبوي" لابن القيم، "والله الموفق، وسيأتي هذا"، أي: خبر زرارة -إن شاء الله تعالى "في تعبيره الرؤيا ﷺ , من المقصد الثاني، انتهى".стр. 2490
المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ
...
المقصد الثالث: فيما فضَّله الله تعالى به
من كمال خلقته وجمال صورته, وكرمه تعالى به من الأخلاق الزكية, وشَرَّفه به من الأوصاف المرضية.
وما تدعو ضرورة حياته إليه ﷺ , وفيه أربعة فصول.
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ :
اعلم أنَّ من تمام الإيمان به ﷺ , الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق
الحواشي
(١) كتاب الشمائل النبوية:
المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به:
أي: في صفاتٍ صَيِّرَه الله تعالى بها، زائدًا على غيره "من كمال"، بيان لما "خلقته" صورته التي خلق عليها, والكمال يستعمل في الذوات والصفات، فالمعنى: كماله في ذاته وصفاته، "وجمال صورته" مساوٍ لما قبله في المعنى, حسنه اختلاف اللفظ.
وفي المصباح، قال سيبويه: الجمال رقة الجسد، والأصل: جماله -بالهاء، مثل صبح صباحه، لكنهم حذفوا الهاء، تخفيفًا لكثرة الاستعمال، "وكرَّمه تعالى به"، أي: عظَّمه ومَيِّزَه على غيره أصلًَا وذاتًا وصفةً "من الأخلاق الزكية" الصالحة، الزائدة في الكمال "وشَرَّفه"، أعلاه "به" رتبةً على غيره "من الأوصاف" الذاتية القائمة به، "المرضية" عند ربه، وعند أولي الألباب، فهذه الألفاظ متقاربة المعاني، أو متحدة، "وما تدعو ضرورة حياته إليه" من غذائه ونحوه، كما يأتي له " ﷺ ، وفيه أربعة فصول:
الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته، وهي ما يظهر للناظرين من جسده ﷺ , "اعلم أنَّ من تمام الإيمان به ﷺ , الإيمان" التصديق "بأن الله تعالى جعل خلق"، أي:стр. 2491
بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمي مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدّس، ولله در الأبوصيري حيث قال:
فهو الذي تَمَّ معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النسم
منزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم
الحواشي
(١) تقدير "بدنه الشريف على وجه"، أي: حال وهيئة، "لم يظهر قبله، ولا بعده خلق آدمي مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه"، أي: الصفة الظاهرة، "آيات على ما يتضح"، أي: ينكشف ويظهر "من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه"، بيان لما, فأشار إلى أن المراتب ثلاث: المشاهد دليل على الباطن، وذلك الباطن دليل على ما أودع في قلبه من العلوم والمعارف، كما أفاده بقوله: "آيات على ما تحقَّق" بفتح التاء: ثبت وصحَّ "له من سرّ قلبه المقدَّس"، أي: ما اشتمل عليه من المعاني البديعة، فوصف المعاني بكونها مكنونة لا يُطَّلَع عليها، ولكن يستدل عليها بما ظهر من أخلاقه وكمالاته، وهو ﷺ وإن ظهر منه كمالات لا تحصى، فهي بالنسبة لما خفي، كنقطة من بحر، "ولله در الأبوصيري" محمد بن سعيد الصنهاجي، الدلاصي لمولد، المغربي الأصل، البوصيري المنشأ، ولد بدلاص أول شوال، سنة ثمان وستمائة، وبرع في النظم.
قال فيه الحافظ ابن سيد الناس: هو أحسن من الجزار والوراق، ومات سنة خمس، أو أربع وتسعين وستمائة، كان أحد أبويه من بوصير الصعيد، والآخر من دلاص -بفتح الدال المهملة: قرية بالبهنسا، فركبت النسبة منهما، فقيل: الدلاصيري، ثم اشتهر بالبوصيري، لنشأته بها، أو لأنها بلد أبيه، فقوله: الأبوصيري منتقد؛ لأن القرية إنما هي بوصير، والنسبة إليها البوصيري، كما في المراصد واللباب، ولبه في باب الموحدة لا الهمزة، وفي نسخة: الأبي صيري -بالياء، ولا وجه له، لا إفرادًا ولا تكريبًا، "حيث قال: فهو الذي تَمَّ" كمل "معناه" حال باطنه "وصورته"، حال ظاهره، بالرفع عطفًا على معناه، والنصب مفعول معه، "ثم اصطفاه" اختاره "حبيبًا بارئ" خالق "النسم"، جمع نسمة -بفتحتين: وهي الإنسان، وثم للترتيب في الأخبار، كما قال الأنصاري، نظرًا لما قبل وجوه، فإنه في الأزل تعلق علمه بكماله معنًى وصورته، وإنه حبيبه، فهو ترتيب في الأخبار دون الصفات؛ أو في الاصطفاء، كما قال المحلى نظرًا للوجود الخارجي، فإن اتخذه حبيبًا، ومخاطبته به بعد تمام معناه، صورته "منزه" مبعد "عن شريك في محاسنه"، جمع محسن، بمعنى: الحسن، أي: لا شريك له في حسنه، "فجوهرстр. 2492
يعني: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه؛ لأنه الذي تَمَّ معناه دون غيره، وهي غير منقسمة بينه وبين غيره، وإلّا لما كان حسنه تامًّا؛ لأنه إذا انقسم لم ينله إلّا بعضه فلا يكون تامًّا.
وفي الأثر: إن خالد بن الوليد خرج في سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء, فقال له سيد ذلك الحي: صِفْ لنا محمدًا، فقال: أما إني أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل،
الحواشي
(١) الحسن"، أصله "فيه غير منقسم"، أي: متفرق.
ومعنى البيتين: هو الذي كمل باطنه في الكمالات، وظاهره في الصفات، ثم اختاره خالق الإنسان حبيبًا، لا شريك له في الحسن، وجوهره لا يقبل القسمة بينه وبين غيره، كما أنَّ الجوهر الفرد المتوهم في الجسم، ويقول المتكلمون: الجسم مركَّب منه؛ غير منقسم بوجه، لا بالفرض، ولا بالوهم، ومن كان موصوفًا بكمال الصفات ظاهرًا وباطنًا كان محبوبًا، قاله الشيخ خالد، وإلى نحوه يومئ قول المصنف، "يعني" الناظم بقوله: جوهر الحسن، "حقيقة الحسن" لا مقابل العرض من الأشياء التي تقوم بأنفسها من الموجودات الخارجية، "الكامل"، قَيِّدَ به لإفادة أنه المختص به، فلا ينافي وجود أصله في نحو الأنبياء، "كائنة فيه؛ لأنه الذي تَمَّ معناه"، تعليل لوجود الكامل فيه "دون غيره، وهي غير منقسمة بينه وبين غيره وإلا لما كان حسنه تامًّا؛ لأنه إذا انقسم لم ينقله إلّا بعضه فلا يكون تامًّا"، فحاصله: إن الانقسام المنفي أن يعطى نوعًا من الحسن، وغيره آخر منه، فيكون منقسمًا بينهما، بل أعطي ﷺ أعلى الصفات اللائقة بالبشر، وشاركه غيره في الاتّصاف ببعضها، فيكون ذلك البعض مشتركًا، وتميز المصطفى بالزيادة التي لم يؤتها غيره، كما قال ابن المنير وغيره في حديث: "أعطي يوسف شطر الحسن"، يتبادر إلى بعض الأفهام أنَّ الناس يشتركون في البعض الآخر، وليس كذلك، بل المراد أنه أوتي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ ، فإنه بلغ الغاية ويوسف شطرها.
"وفي الأثر" المأثور، المنقول عن السلف؛ "أنَّ خالد بن الوليد خرج في سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء، فقال له سيد ذلك الحي: صف لنا محمدًا، فقال: أما إني أفصّل فلا" لعجزي عن التفصيل؛ لأن صفاته لا يمكن الإحاطة بها، "فقال الرجل: أجمل"، أي: اذكرها مجملة، "فقال: الرسول على قدر المرسل"، أي: حالة تليق به، وهو رسول الله، بعثه لتبليغ أحكامه، فمن لازمه أنه بالغ الغاية، فكل ما تصور فيه من كمال دون ما ثبت له، فإن الملك إذا بعث رسولًا لقضاء ما يريد، إنما يرسل من يقدر على ذلك؛ بحيث يكون ذا مرتبة شريفة، وتصرُّف تام، ولا يلزم منه مساواته لبقية الرسل؛ لأن عموم رسالته ونسخها لشرائع من قبله، يقتضي رتبةстр. 2493
ذكره ابن المنير في أسرار الإسراء.
فمن ذا الذي يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول والمسئول؟!.
وقد حكى القرطبي -في كتاب الصلاة- عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ ؛ لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته ﷺ , ولقد أحسن
الحواشي
(١) زائدة عليهم، أولًَا: ضرر في المشاركة؛ لأنه من حيث الإجمال "ذكره ابن المنير" ناصر الدين أحمد بن محمد الجذامي، الإسكندراني، العلامة المتبحِّر في العلوم، صاحب التصانيف العديدة.
قال العز بن عبد السلام: ديار مصر تفتخر برجلين في طرفيها: ابن دقيق العيد بقوص، وابن المنير بالإسكندرية.
"في أسرار الإسراء" سمَّاه المقتفى, كتاب نفس فيه فوائد جليلة، واستنباطات حسنة، وجعله قسمين، الأول: في الإسراء، والثاني: في السيرة النبوية من المبعث إلى الوفاة، "فمن ذا الذي يصل قدره"، استفهام إنكاري للتوبيخ لمن توهَّم وصول قدرته إلى ما أعطي المصطفى، ومعناه النفي، أي: لا يقدر أحد "أن يقدر" بكسر الدال وضمها.
وقرأ السبعة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ بالكسر، فهو أفصح، قيل: وهو الرواية في حديث: "فاقدروا له" قدر الرسول، أو يبلغ" عطف على يقدر، أي: ولا يبلغ "من الاطِّلاع على مأثور أحواله، المأمول والمسئول"، ومن لا يصل لذلك كيف يمكنه التعبير عنه، وهذا ترق في النفي؛ فإنه لما نفى القدرة على الذكر أولًا، ولا يلزم منه عدم الاطِّلاع؛ لإمكانه مع العجز عن العبارة ترقى، فنفى الاطِّلاع أيضًا، فكأنه من نفي السبب بعد نفي ما يترتب عليه من المسبب.
"وقد حكى" محمد بن أحمد بن أبي بن فرح -بإسكان الراء، وبالحاء المهملتين- أبو عبد الله، الأنصاري، الأندلسي، "القرطبي" بضم القاف، والطاء، وموحدة- نسبة إلى قرطبة, مدينة بالأندلس، المفسِّر, كان من عباد الله الصالحين، والعلماء العارفين الورعين الزاهدين، المشغولين بأمور الآخرة، أوقاته ما بين توجه وعبادة وتصنيف، وله تصانيف كثيرة.
أخذ عن أبي العباس أحمد بن عمر القرطبي، شارح مسلم، المتوفَّى بالإسكندرية سنة ست وعشرين وستمائة، وأخذ عن غيره، واستقرَّ بمنية ابن خصيب، وبها مات سنة إحدى وسبعين وستمائة.
"في كتاب الصلاة عن بعضهم؛ أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ "، رفقًا من الله بنا، "لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه، لما أطاقت أعيننا رؤيته ﷺ "، لعجزنا عن ذلك، "ولقد أحسنстр. 2494
الأبوصيري حيث قال أيضًا:
أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم
كالشمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكل الطرف من أمم
وهذا مثل قوله أيضًا:
إنما مثلوا صفاتك للنا ... س كما مثل النجوم الماء
وأشار بقوله "تظهر" إلى وجه التشبيه بالشمس لا مطلقًا، ولقد بَيِّنَ عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس -عفا الله عنه
الحواشي
(١) الأبوصيري؛ حيث قال أيضًا: أعيا" أعجز "الورى" الخلق "فهم" معرفة "معناه" حاله، فليس يرى"، يبصر "للقرب والبعد فيه، غير منفحم"، من نفخم إذا سكت عن الجدال، ولم يجب، "كالشمس تظهر للعينين من بعد" بضم العين- لغة، لا تبعًا لضم الباء, ضد قرب، "صغيرة" قدر المآة أو الترس "وتكل" بضم فكسر: توقف "الطرف" البصر عند رؤيتها "من أمم" بفتح الهمزة والميم الأولى، أي: قرب لو فرض ذلك لكبرها جدًّا، فتكاد تخطف الطرف وتعميه، فلا تدرك لكمالها، وكذلك المصطفى لا يدرك، معناه: في حالتي القرب والبعد، وإن شوهدت صورته، "وهذا" المعنى الذي ذكره في البردة، "مثل قوله أيضًا" في الهمزية، "إنما مثلوا" صوروا، أي: الأنبياء، أو الواصفون "صفاتك" جمع صفة، وهو ما دَلَّ على معنى زائدة على الذات "للناس" تمثيلًا، "كما مَثَّل" فهو نعت مصدر محذوف، "النجوم الماء" حيث يرى فيه دون حقيقته، يعني: إن واصفيه لم يبلغوا حقيقته ﷺ ؛ لأنهم لم يحيطوا بها، وإنما غاية ما وصلوا إليه تصوير صورها الحاكية لمباديها، كما أن الماء لم يحك من النجوم إلا مجرد صورها لا غير، "وأشار بقوله: تظهر إلى وجه التشبيه بالشمس" فإنه من حيث الظهور "لا مطلقًا"؛ لأنه لا يشبه بها من كل وجه لعيوب فيها، هو منَزَّه عنها، "ولقد بَيِّنَ عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس" الحسن بن هانئ بن عبد الأوّل، شاعر ماهر من شعراء الدولة العباسية، له أخبار عجيبة، ونكت غريبة، وخمريات أبدع فيها، وسئل عن نسبه، فقال: أغناني أدبي عن نسبي، مات سنة أربع وتسعين ومائة، "عفا الله عنه"، وقد رؤي بعد موته، فقيل: ما فعل الله بك، قال: غفر لي بأبيات قلتها في مرضي، وهي تحت الوسادة، فنظرت، فإذا تحتها رقعة مكتوب فيها بخطه:
يا رب إن عظمت ذنوبي كثرة ... فلقد علمت بأن عفوك أعظم
إن كان لا يرجوك إلا محسن ... فمن الذي يدعو ويرجو المجرم
أدعوك رب كما أمرت تضرعًا ... فإذا رددت يدي فمن ذا يرحم
ما لي إليك وسيلة إلا الرجا ... وجميل عفوك ثم إني مسلمстр. 2495
حيث قال:
يتيه الشمس والقمر المنير ... إذا قلنا كأنهما الأمير
لأن الشمس تغرب حين تمسي ... وأن البدر ينقصه المسير
وهذه التشبيات الواردة في حقه ﵊ إنما هي على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فذاته أعلى ومجده أغلى.
فأما رأسه الشريف المقدَّس فحسبك ما ذكره الترمذي في جامعه بسنده إلى هند بن أبي هالة قال: كان رسول الله ﷺ عظيم الهامة.
الحواشي
(١) ذكره ابن خلكان "حيث قال: يتيه"، يتكبّر ويدعي ما ليس له، كما في القاموس: "الشمس والقمر المنير"، تعاظمًا وافتخارًا، "إذا قلنا" في حقهما؛ "كأنهما الأمير"؛ لأن رتبتهما دون رتبته؛ "لأن الشمس تغرب حين تمسي"، وذلك نقص، "وأنَّ البدر ينقصه المسير" بخلاف الأمير، فصفاته لا تتغير، فمن قال في مدح الكامل: كأنه الشمس والقمر عكس التشبيه، فإن حقه أن يشبه الأدنى بالأعلى؛ إذ حقيقة التشبيه إلحاق ناقص بكامل، "وهذه التشبيهات الواردة في حقه ﵊، إنما هي على سبيل التقريب والتمثيل"، وقد قال عليّ -كرم الله وجهه: يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده ثله، أي: يقول ذلك عند العجز عن وصفه، "وإلّا، فذاته أعلى" بمهملة: أشد علوًّا، أي: رفعة في الأوصاف القائمة بها، مما ظهر وشوهد، "ومجده" عزّه وشرفه "أغلى" بمعجمة- أزيد مما شوهد من غلا السعر إذا زار وارتفع، وقد قال نفطوية في قوله تعالى: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ﴾ [النور: ٣٥] ، هذا مثل ضربه الله تعالى لنبيه ﷺ يقول: يكاد نظره يدل على نبوته، وإن لم يتل قرآنًا، كما قال ابن رواحة:
لو لم يكن فيه آيات مبينة ... كانت بديهته تنبيك بالخبر
وإذا أردت بيان شيء من صفاته، "فأمَّا رأسه الشريف المقدَّس" المنزه المطهر، باعتبار أن القوى التي اشتمل عليها مقبلة على الحق، مشغولة باكتساب المعاني الدينية، منزَّهة عمَّا لا يليق، "فحسبك" اسم بمعنى: كافيك, خبر وما بعده مبتدأ، أو عكسه، أو اسم فعل بمعنى: يكفيك، فما محله رفع فاعل، أي: يكفيك في بيان صفته "ما ذكره"، أي: رواه "الترمذي في جامعه، بسنده إلى هند بن أبي هالة"، واسمه في أحد الأقوال: النباش -بنون فموحدة ثم معجمة- التميمي، ربيب النبي ﷺ ، أمه خديجة، قيل: استشهد يوم الجمل مع علي، وقيل: عاش بعد ذلك.
روى عنه الحسن بن علي، وقال: كان وصَّافًا، "قال: كان رسول الله ﷺ عظيم الهامة" بالتخفيف: الرأس لكل ذي روح، أو ما بين حرب الرأس، أو وسط الرأس، وعظمه ممدوح؛ لأنهстр. 2496
وقال نافع بن جبير: وصف لنا علي ﵁ رسول الله ﷺ فقال: كان عظيم الهامة.
وأما وجهه الشريف: فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير البائن.
الحواشي
(١) أعون على الإدراكات والكمالات؛ لدلالته على كمال القوى الدماغية، وبها يتميز الإنسان من غيره، وكماله قوة تصرفها فيما هي له، وهند عند من قال بها الحس المشترك، والخيال، والحافظة، والواهمة، والمفكرة، ثم المراد: العظم المعتدل لا الخارج، فإنه دليل على البلادة، كما أن الصغير جدًّا دليل على الخفة.
"وقال نافع بن جبير" بن مطعم النوفلي، معطوف على ما ذكره بحذف العائد، أي: وما قاله، أو مستأنف لتعدد الناعتين، "وصف لنا علي ﵁ رسول الله ﷺ فقال: كان عظيم الهامة"، وفي رواية: ضخم الرأس، وفي رواية: ضخم الهامة، ووصفه بذلك صيغ من طرق عن عدة من الصحب، "وأما وجهه الشريف: فحسبك ما روى الشيخان": البخاري في صفة النبي ﷺ ، ومسلم في فضائل النبي ﷺ ، "من حديث البراء" بن عازب ﵄، "قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا".
قال الحافظ: الأحاديث التي فيها صفته ﷺ ، داخلة في قسم المرفوع باتفاق، مع أنها ليست قولًا له، ولا فعلًا، ولا تقريرًا. انتهى، ولذا قال الكرماني: موضوع علم الحديث ذاته ﷺ ، من حيث إنه رسول الله وحده, يعرف به أقواله وأفعال وأحواله، وغايته الفوز بسعادة الدارين، "وأحسنهم خلقًا"، قال في الفتح: بفتح المعجمة للأكثر، قال الكرماني: إنه الأصح، وضبطه ابن التين بضمها، واستشهد بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] , وللإسماعيلي خلقًا، أو خلقًا بالشك، ويؤيده قوله: أحسن الناس وجهًا، فإنه إشارة إلى الحُسْنِ الحسي، فيكون الثاني إشارة إلى الحُسْنِ المعنوي. انتهى. والخلق -بالضم- الطبع والسجية، "ليس بالطويل الذاهب"، أي: المفرط في الطول، "ولا بالقصير البائن" بموحدة- اسم فاعل من بانٍ إذا ظهر، أي: الواضح في القصر، وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير، أي: البائن، فجعل البائن وصفًا لهما.
قال الحافظ: بموحدة من بان، إذا ظهر على غيره، أو فارق من سواه، انتهى، وحيث كان معناه لغة الواضح الظاهر، صحَّ وصف كل من الطول والقصر به، فإذا نفيا عنه معًا، فمعناه أنه بينهما.стр. 2497
وعن أبي هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ , كأنَّ الشمس تجري في وجهه. رواه الترمذي والبيهقي وأحمد وابن حبان.
قال الطيبي: شبَّه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه ﷺ . قال: ويحتمل أن يكون من تناهي التشبيه جعل وجهه مقرًّا ومكانًا للشمس
الحواشي
(١) وفي حديث أنس وغيره: إنه كان ربعة، لكنه إلى الطول أقرب، كما في رواية البيهقي، ثم الجمع بين النفيين، لتوجّه الأول إلى الوصف، أي: ليس طوله مفرطًا، ففيه إثبات الطول، فاحتيج للثاني، ثم الوصفان صفة ذاتية له، فلا ينافي أنه كان إذا ماشى الطويل زاد عليه، لأنه معجزة.
روى ابن أبي خيثمة عن عائشة: لم يكن أحد يماشيه من الناس، ينسب إلى الطول إلا طاله رسول الله ﷺ ، وربما اكتنفه الرجلان الطويلان، فيطولهما، فإذا فارقاه نسبا إلى الطويل، ونسب ﷺ إلى الربعة.
"وعن أبي هريرة: ما رأيت شيئًا" بصرية فما بعده صفة لشيئًا أو علمية وهو أبلغ، فقوله: "أحسن من رسول الله ﷺ " مفعول ثان، يعني: ولا مثله، كما هو مدلول العبارة عرفًا، "كأن الشمس تجري في وجهه. رواه الترمذي، والبيهقي، وأحمد، وابن حبان"، وابن سعد.
"قال الطيبي: شبَّه جريان الشمس" حركتها "في فلكها"، كما قال تعالى: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: ٣٨] ، "بجريان الحُسْنِ في وجهه ﷺ "، وفيه عكس التشبيه للمبالغة، هذا أسقطه من كلام الطيبي، فهو من باب التشبيه المصطَلَح عليه، وهو تشبيه حالة بحالة، وهو أن شدة النور وسريانه في وجه الناظر إليه، منَزَّل منزلة الشمس التي ظهر نورها في وجهه، فشبَّه ظهور النور في وجهه بظهور الشمس في وجهه، لكنَّه عكس التشبيه، فجعل نور الشمس هو المشبّه، وجعل وجهه مقرًّا لظهور نورها، وليس استعارة تبعية على معنى: إن جريان الشمس في فلكها كجريان الحسن في وجهه، أي: شدة البريق واللمعان فيه، وعدم انحصاره في بعضٍ منه دون باقيه، يشبِّه نور الشمس في فلكها، لفقد ضابطها، وهو تشبيه مصدر بمصدر، ثم يستعار اسم المصدر المشبَّه به إلى المشبَّه، كما يستعار قتل للضرب الشديد، وهنا لفظ يجري، متحد في المشبه والمشبه به؛ لأن مفهوم الجريان واحد، إلا أن ينزل تغايرهما بالاعتبار منزلة تغايرهما بالذات، فتصح الاستعارة؛ لأن جريان الشمس في فلكها حقيقي، وجريان الحسن في وجهه مجازي.
"قال" الطيبي: "ويحتمل أن يكون من تناهي" بهاء بعد ألف "التشبيه" من إضافة الصفة إلى الموصوف، أي: من التشبيه الذي بلغ النهاية، حيث "جعل وجهه مقرًّا ومكانًا للشمس" تجري فيه، فهذا بيان لجهة التناهي، أي: إنه جعل ما حقه أن يكون مشبهًا مشبهًا به؛ إذ جريانстр. 2498
ولله در القائل:
لم لا يضيء بك الوجود وليلة ... فيه صباح من جمالك مسفر
فبشمس حسنك كل يوم مشرق ... وببدر وجهك كل ليل مقمر
وفي البخاري: سئل البراء: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل القمر.
وكأنَّ السائل أراد مثل السيف في الطول، فردَّ عليه البراء فقال: بل مثل القمر، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقالة،
الحواشي
(١) الشمس في فلكها أمر ظاهر، وجريان الحسن في الوجه الوجيه، وإن كان أعظم، إلّا أن التشبيه به ليس متعارفًا, فجعله مشبهًا به مبالغة في التشبيه، كما يقال الأصل: زيد كأسد، وأبلغ منه: زيدًا أسد، وأبلغ منه: الأسد كزيد، فلا وجه لما قيل، لعلَّ العبارة من تناسى -بسين لا هاء، لأنَّ تناسي التشبيه استعارة، نحو: رأيت أسدًا، وما هنا ليس استعارة لجمعه بين طرفي المشبه، وبعبارة أخرى: شبَّه وجهه بالشمس في الإشراق، ثم عكس التشبيه ليكون أبلغ، فقال: كأنَّ الشمس وجهه، ثم زاد في المبالغة على طريق التجريد، فانتزع منها شمسًا، جعلها في وجهه، كقوله لهم: فيها دار الخلد، وأقحم، تجري على أنه حال، وأصله: كأنه الشمس، ثم كأنَّ الشمس وجهه، ثم كأن الشمس في وجهه، وإنما قيدها بكونها جارية، لأنَّ المراد: ظاهرة أو سائرة على وجه الأرض، أو لأنَّ تلألؤ النور في وجهه كتحركها، وهو أقوى في التشبيه، "ولله در القائل".
"لم لا يضيء بك الوجود" استفهام تعجبي أو نكاري، على من منع الإضاءة به، "وليلة فيه صباح من جمالك"، أي: لا مانع لا يضيء بك، والحال أنَّ ليله فيه نور أعظم من نور المصباح، ووصفه بقوله "مسفر"، إشارة إلى أنه ليس المراد مجرده، فإن الصباح كالصبح: الفجر, ونوره قليل، فدفع ذلك بالوصف "فبشمس حسنك كل يوم مشرق" تعليل، "وببدر وجهك" من إضافة الصفة للموصوف، أي: بوجهك الذي هو كالبدر، "كل ليل مقمر" شديد البياض.
"وفي البخاري" عن أبي إسحاق، قال: "سئل البراء" بن عازب، "أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف، فقال: لا، بل مثل القمر".
قال في فتح الباري: "وكأنَّ السائل أراد مثل السيف في الطول، فردَّ عليه البراء" ردًّا بليغًا، "فقال: مثل القمر، أي: في التدوير"، فهو ردٌّ لما توهمه السائل، وإثبات لخلافه.
قال السيوطي: زاد مسلم مستديرًا، وهو يؤيد أن السائل أراد هذا الاحتمال، "ويحتمل أن يكون" السائل "أراد مثل السيف في اللمعان والصقالة" بكسر الصاد: الجلاء -بجيم، فهو عطفстр. 2499
فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان.
وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب بن دحية -رحمه الله تعالى- في كتابه "التنوير" في مولد البشير النذير" عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففي هذا الحديث, من العلم أنَّ التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه؛ لأن السائل شبَّه وجه رسول الله ﷺ بالسيف، ولو شبهه بالشمس كان أَوْلَى، فردَّ عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع في تشبيهه؛ لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده، ونوره من غير حَرٍّ يفزع،
الحواشي
(١) سبب على مسبب؛ إذ الجلاء سبب اللمعان، "فقال: بل فوق ذلك، وعدل" عن التشبيه بالشمس "إلى" التشبيه بـ "القمر؛ لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان"، فهو رَدٌّ لتوهم السائل أن لمعانه كلمعان السيف، بأنّه وإن شاركه في اللمعان، لكن لمعانَ الوجه الشريف لا يساويه شيء، قيل: ويحتمل أن السائل سأل عنهما جميعًا، ويبعد إرادة الأَوَّل فقط, زيادة مسلم، لا بل مثل الشمس والقمر، وكانَّ مستديرًا؛ إذ لو كان السؤال عن طوله كفاه في الجواب، لا بل مثل القمر، أي: لا كان مثل السيف في الاستنارة، ولا الاستطالة، انتهى.
ويجاب بأنه تبرع بزيادة في الجواب، تعليمًا للسائل كيف يسأل، فكأنَّه قال: مفاد سؤالك أنه مثل في الطول، ولا يليق السؤال عنه.
"وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب" عمر بن حسن بن علي بن محمد، اشهير بأنه "ابن دحية"؛ لأنه من ذرية دحية الكلبي، الصحابي، الأندلسي، كان بصيرًا بالحديث، متقنًا، معروفًا بالضبط, جال البلاد، ودخل أصبهان والعراق ومصر، وأدَّب الملك الكامل، ونال دنيا عريضة، ومات سنة ثلاث وثلاثين وستمائة "رحمه الله تعالى, في كتابه: التنوير في مولد البشير النذير" أحازه على تأليفه الملك المظفَّر، صاحب إربل -بكسر الهمزة والموحدة، ولام, بألف دينار "عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففي هذا الحديث من العلم أنَّ التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح"، أي: لا يليق "الإقرار عليه؛ لأنَّ السائل شبَّه وجَّه رسول الله ﷺ بالسيف، ولو شبَّهه بالشمس كان أولى" لظهورها، لكن السائل لم يتعرَّض لغير السيف، فلعلَّ المعنى: إن هذا أمر قدر على لسانه، كأنه حذف معادل مثل السيف، وهو الشمس، وإن تشبيهه بها أَوْلَى، "فَرَدَّ عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع في تشبيهه"، أتى بأمر بالغ لا يساويه غيره من أنواع التشبيه هنا؛ "لأنَّ القمر يملأ الأرض بنوره"، لا سيما ليلة كماله، وقد تكون أل في القمر للإشارة إلى أنَّ المراد ليلة تمامه بخلاف الشمس؛ فإنها تطلع وقت طلوعها مع ظلٍّ، ثم ترتفع شيئًا فشيئًا إلى أن يميل الظلّ، "ويؤنس كل من يشاهده ونوره، من غير حر يفزع" بفاء وزاي.стр. 2500
ولا كلل ينزع، والناظر إلى القمر متمكِّن من النظر بخلاف الشمس التي تعشي البصر.
وفي رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة، وقال له رجل: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرًا.
وإنما قال: مستديرًا، للتنبيه على أنه جمع الصفتين؛ لأنَّ قوله: مثل السيف, يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان -كما تقدَّمت إليه الإشارة فيما سبق من العبارة، فردَّه المسئول ردًّا بليغًا، ولما جرى
الحواشي
(١) يؤلم، "ولا كلل ينزع" بفتح الياء وسكون النون، وكسر الزاي- أي: ولا ثقل في العين يضعفها، حتى كأنه يقلع البصر منها، "والناظر إلى القمر متمكِّن من النظر"، عطف مسبب على سبب، "بخلاف الشمس التي تعشي" بعين مهملة: تضعف "البصر"، ويحتمل إعجامها، أي: تحدث في البصر ما هو كالغشاوة.
"وفي رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة" بفتح المهملة وضمّ الميم وتسكن للتخفيف- ابن جنادة بن جندب، العامري، صحابي ابن صحابي، روى له الستة. ومات سنة ثلاث أو أربع أو ست وسبعين، وصلى عليه عمرو بن حريث الصحابي، "وقال له رجل": جملة حالية بتقدير قد، ويحتمل أنه الذي سأل البراء، فيكون سؤاله لأحدهما بعد الآخر زيادةً في التثبت، ويحتمل أن يكون غيره, وقد أعلَّ النسائي هذا، فقال: إسناده إلى جابر خطأ، وإنما هو عن البراء، وتعقَّب بقول البخاري: الحديث صحيح عن جابر وعن البراء جميعًا، "أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف، فقال: لا، بل مثل الشمس" في البهاء والإشراق، "والقمر" في الاستدارة والنور، "وكان مستديرًا" لا طويلًا كالسيف، فالمراد استدارة مع الأسالة، كما في حديث أبي هريرة: كان أسيل الخدين، والقصد تشبيهه بمحاسن كل حسن، مجردًا عمَّا في ذلك المشبَّه به من الخلل، كما قال بديع الزمان:
يكاد يحكيك صوب الغيث منسكبًا ... لو كان طلق المحيَّا يمطر الذهبا
والدهر لو لم يخن والشمس لو نطقت ... والليث لو لم يصد والبحر لو عذبا
"وإنما قال: مستديرًا"، كما قال الحافظ بعد نقله رواية مسلم في الفتح، "للتنبيه على أنه جمع الصفتين، لأنَّ قوله: مثل السيف، يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان، كما تقدَّمت إليه الإشارة" قريبًا "فيما سبق من العبارة"، ويحتمل إرادتهما معًا، "فرده المسئول ردًّا بليغًا" بنفي قوله: مثل السيف، بقوله: لا، ثم إضرابه إلى التشبيه بالنيرين، "ولما جرىстр. 2501
التعارف به أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبًا الإشراق، وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، فقوله: وكان مستديرًا، إشارة إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معًا: الحسن والاستدارة.
وقال المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء،
الحواشي
(١) التعارف"، أي: الأمر المتعارف "به" بين الناس "أنَّ التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبًا الإشراق" دون الضرر والإحراق، "وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما"، وجواب لما سقط من قلم المصنّف لما نقل من الفتح، وهو ثابت فيه بلفظ أتى بقوله: وكان مستديرًا، إشارة ... إلخ، ويحتمل أن المصنّف جعل "فقوله: وكان مستديرًا" دليلًا على جواب لما, الذي حذفه، أو أنه جواب لما, دخلته الفاء على قلة، وهو واقع في كلامه كثيرًا، أو أن لفظ لما -بكسر اللام وخفة الميم- عطف على للتنبيه، وما مصدرية، "إشارة إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معًا: الحسن والاستدارة"، ولو اقتصر على هذا جاعلًا له جواب لما، وحذف لفظ فقوله: وكان مستديرًا، أو أتى بلفظ الفتح، كما هو لا غنى عن ذلك التمحل.
"وقال المحاربي عن أشعث" بفتح الهمزة، وإسكان المعجمة، فمهملة فمثلثة- هو ابن سوار، كما في الشمائل -بفتح المهملة وشد الواو.
قال في التقريب قاضي الأهواز: ضعيف. مات سنة ست وثلاثين ومائة.
روى له البخاري في تاريخه، والنسائي وابن ماجه، والترمذي في الشمائل، ولفظه: حدَّثنا هناد بن السري، قال: حدثنا عبثر، عن أشعث، يعني: ابن سوار، "عن أبي إسحاق" عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي -بفتح المهملة، وكسر الموحدة- ثقة مكثر عابد.
روى له الستة, من أواسط التابعين، مات سنة تسع وعشرين ومائة، وقيل: قبلها, "عن جابر بن سمرة أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان" بكسر الهمزة، وسكون المعجمة، وكسر الحاء المهملة, فياء, فألف، فنون منونة- صفة لليلة، أي: مضيئة مقمرة من أولها إلى آخرها، لا ظلمة فيها ولا غيم، والألف والنون زائدتان، كما في النهاية، والقياس أضحيانة، وكأنه لتأويل ليلة بليل.
قال الزمخشري: وافعلان في كلامهم قليل جدًّا، ومنع بعضهم إضافته؛ لأنه صفة لقمر، ورد بأنه لا يمنع من الإضافة؛ لجواز أن ليلة مضافة إلى إضحيان بعد حذف موصوفه، والأصل: ليلة قمر إضحيان، فحذف الموصوف وأقيمت الصفة مقامه، "وعليه حلة حمراء" بيان لماстр. 2502
فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو في عيني أحسن من القمر، وفي رواية: بعد قوله: حمراء, فجعلت أماثل بينه وبين القمر.
وروى الترمذي والبيهقي عن علي أنه نعته ﷺ فقال: لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير قليل. والمكلثم: المدور الوجه, أي: لم يكن شديد تدوير الوجه, بل في وجهه تدوير قليل.
وأنه في حديث علي عند أبي عبيد في الغريب: وكان في وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد
الحواشي
(١) أوجب التأمّل فيه، لظهور مزيد حسنه حينئذ، "فجعلت أنظر إليه" تارة، "وإلى القمر" أخرى، "فلهو" بلام الابتداء وجواب قسم, "في عيني" قيِّد بذلك افتخارًا باعتقاده، لا لتخصيصه دون غيره، فإنه "أحسن من القمر" في عيني كل من رآه.
وفي رواية: فلهو عندي أحسن من القمر، "وفي رواية: بعد قوله: حمراء، فجعلت أماثل بينه وبين القمر"، فلهو عندي أحسن من القمر.
"وروى الترمذي والبيهقي عن علي؛ أنه نعته" وصفه " ﷺ ، فقال" في جملة حديث: "لم يكن بالمطهم".
قال المصنِّف في شرح الشمائل: الرواية فيه وفي قوله: "ولا بالمكلثم" بلفظ اسم المفعول فقط، والمطهم، الفاحش السمن، وهذا قريب من قول الترمذي: البادن الكثير اللحم، أو المنتفخ الوجه، الذي فيه عبوس ناشئ عن السِّمَن، أو النحيف الجسم، وهو من الأضداد، أو طهمة اللون: أن تجاوز سمرته إلى سواد، ووجه مطهم إذا كان كذلك، ولا مانع من إرادة هذا الأربع هنا، وغلط من فسَّره هنا بالبارع الجمال التام، كل شيء منه على حدته؛ لأنه مدح، وقد نفاه، "وكان في وجهه تدوير، والمكلثم: المدوّر الوجه"، نحو قوله الصحاح: الكلثمة اجتماع لحم الوجه، زاد القاموس: بلا جهومة -بالجيم، أي: غلظ فيه يوجب كراهته، فتننكير تدوير للنوعية، أي: نوع منه، أو للتقليل، أي: شيء منه، فلا ينافي نفي الكلثمة -كما توهم، وإلى هذا أشار بقوله، "أي لم يكن شديد تدوير الوجه, بل في وجهه تدوير قليل"، فهذه الجملة كالمبينة بقوله: ولا بالكلثم، إشارة إلى أنه ليس كل تدوير حسنًا، "و" يدل على إرادة علي ﵁ ذلك، "أنه في حديث علي" نفسه، "عند أبي عبيد في" كتاب "الغريب"، أي: ما يحتاج إلى تفسيره من الحديث، "وكان في وجهه تدوير قليل"، فزاد لفظ قليل، فيحمل عليه حديثه الذي فيه إسقاطه؛ لأن الحديث يفسّر بعضه بعضًا، لا سيما مع اتحاد المخرج، ولذا "قال أبو عبيد" القاسم بن سلام -بالتشديد- البغدادي، الإمام الحافظ المشهور، له تصانيف. مات سنة أربعстр. 2503
في شرحه: يريد أنه ما كان في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة وهي أحلى عند العرب.
وفي حديث أبي هريرة عند الذهلي في الزهريات في صفته ﷺ : كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة في الخد: الاستطالة, وأن لا يكون مرتفع الوجنة. وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ولعلَّ هذا هو الحامل لمن سأل: أكان وجهه مثل السيف؟
وأخرج البخاري عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا سرَّ استنار وجهه كأنَّه قطعة قمر، وكنَّا نعرف ذلك منه، أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو
الحواشي
(١) وعشرين ومائتين.
قال في التقريب: ثقة من العاشرة, ولم أر له في الكتب، أي: الستة حديثًا مسندًا، بل من أقواله في شرح الغريب، "في شرحه, يريد أنه ما كان في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة، وهو أحلى" بالحاء المهملة "عند العرب" وغيرهم من كل ذي دوق سليم وطبع قويم، بل قال الترمذي الحكيم: استدارته المفرطة دالة على الجهل, "وفي حديث أبي هريرة عند الذهلي" بذال معجمة وهاء تليها لام- محمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري الحافظ، روى عن أحمد وإسحاق وابن المديني وخلق، وعنه البخاري، وأصحاب السنن، وأمم.
قال أبو بكر بن أبي داود: كان أمير المؤمنين في الحديث، وقال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين، والحفَّاظ المتقنين، والثقات المأمونين، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين على الصحيح، وله ست وثمانون سنة "في الزهريات"، كتاب جمع فيه حديث ابن شهاب الزهري وجوَّده.
قال الخطيب: كان أحمد بن حنبل يثني عليه ويشكر فضله, "في صفته ﷺ ، كان أسيل" بهمزة مفتوحة، فسين مهملة مكسورة، فياء ساكنة، فلام لين, "الخدَّيْن" غير مرتفع الوجنتين، وهو بمعنى حديث هند: سهل الخدين.
"قال ابن الأثير" في النهاية: "الأسالة في الخد الاستطالة، وأن لا يكون مرتفع الوجنة"، أي: عاليها، "وقال شيخ الإسلام، الحافظ ابن حجر: ولعلَّ هذا" لفظ الفتح، وكأنَّ قوله: أسيل الخدَّين، "هو الحامل لمن سأل: أكان وجهه مثل السيف"؛ لأنَّ الأسالة الاستطالة، فيؤيد احتمال أنه سأل عن الطول، "وأخرج البخاري عن كعب بن مالك" الأنصاري الخزرجي "قال: كان رسول الله ﷺ إذا سرَّ استنار"، أي: أضاء "وجهه" حتى "كأنَّه قطعة قمر، وكنَّا نعرف ذلك منه"، أي: استنارة وجهه إذا سرَّ، وقوله: كأنه، "أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور، وهو جبينه"، ولذا قال: قطعة قمر، ولعلَّه كان حينئذ متلثمًا، وكان التشبيه وقع على بعض الوجه،стр. 2504
جبينه.
وقالت عائشة ﵂: دخل عليَّ النبي ﷺ يومًا مسرورًا تبرق أسارير وجهه.
ولذلك قال كعب: كأنه قطعة قمر.
وفي حديث جبير بن معطم عند الطبراني: التفت إلينا رسول الله ﷺ بوجهٍ مثل شقة القمر. فهذا محمول على صفته عند الالتفات.
وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن مالك من طرق في بعضها: كأنه دارة قمر.
ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد للبلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير
الحواشي
(١) فناسب أن يشبه ببعض القمر، قاله في الفتح، والجبين فوق الصدغ، وهو جبينان عن يمين الجبهة وشمالها، كما في المختار، وعليه: فالنور المشاهد منه ليس في الجبهة، "وقالت عائشة ﵂: دخل عليَّ النبي -صلى الله عليه عليه وسلم- يومًا مسرورًا" فرحًا "تبرق" بضم الراء: تضيء وتسنير من الفرح "أسارير وجهه"، جمع أسرار جمع سِرّ -بكسر السين، وهو الخطوط التي في الجبهة تبرق عند الفرح، وبقية الحديث في البخاري، فقال ﷺ : ألم تسمعي ما قال المدلجي لزيد أسامة، ورأى أقدامهما أن بعض هذه الأقدام من بعض، "ولذلك قال كعب: كأنه قطعة قمر"، إشارة إلى موضع الاستنارة وهو الجبين، "وفي حديث جبير بن مطعم" القرشي، النوفلي "عند الطبراني: التفت إلينا رسول الله ﷺ بوجه مثل شقة" بكسر الشين- قطعة "القمر"، وأما الشقة -بضم الشين، فالقطعة من الثوب والسفر البعيد، كما في الصحاح وغيره، "فهذا محمول على صفته عند الالتفات"، كما قاله الحافظ، يدل عليه لفظ: التفت، وأمَّا قول كعب: قطعة قمر، فيحتمل أنه كان حينئذ متلثمًا، فوقع التشبيه على البعض، كما مَرَّ، ويحتمل كما قال الحافظ أيضًا: أن يريد بقطعة قمر القمر نفسه.
"وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن مالك، من طرق في بعضها، كأنه دارة قمر"، أي: الدائرة حوله، وهي الهالة، أي: كأنه في شدة نور هالة القمر، يعني: فهذا يؤيد احتمال أنَّه أراد بالقطعة القمر نفسه من التعبير بالبعض عن الكل، "ويسأل عن السر" النكتة الخفية "في التقييد بالقطعة" في قول كعب، كأنه قطعة قمر، "مع كثرة ما ورد للبلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغيرстр. 2505
تقييد. وقد كان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلابُدَّ للتقييد بذلك من حكمة. وما قيل في أن ذلك من الاحتراز من السواد في القمر ليس بالقوي؛ لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء والاستنارة, وهو في تمامه لا يكون فيها أقلّ مما في القطعة المجردة، فكأنَّ التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر.
وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: كان وجه رسول الله ﷺ كدارة القمر، أخرجه أبو نعيم.
وروى البيهقي عن أبي إسحاق الهمداني.
الحواشي
(١) تقييد، وقد كان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة" الفصحاء البلغاء، فلا يعدل عن المتعارف بينهم إلا لسبب، "فلابُدَّ للتقييد بذلك من حكمه" لئلَّا يضيع، "وما قيل" القائل هو السراج البلقيني، كما قاله المصنف وغيره، وأبهمه هنا تبعًا للحافظ تأدبًا؛ لأنه شيخه، "في أنَّ ذلك من الاحتراز من السواد الذي في القمر" بيان لما قيل، ولفظ المصنّف في الشرح: أجاب السراج البلقيني: بأنَّ وجه العدول أن القمر فيه قطعة يظهر فيها سواد، وهو المسمَّى بالكَلَف، فلو شبّه بالمجموع لدخلت هذه القطعة في المشبه، وغرضه: إنما هو التشبيه على أكمل الوجوه، فلذا قال: كأنه قطعة قمر، يريد القطعة الساطعة الإشراق، الخالية من شوائب الكدر أ. هـ. "ليس بالقوي؛ لأن المراد بتشبيهه"، أي: الوجه, وفيه حذف هو تشبيهه "ما في القمر من الضياء والاستنارة"، لا بما فيه من النور والسواد معًا، "وهو" أي: القمر "في تمامه لا يكون فيها أقلّ مما في القطعة المجردة", بل ما فيها في غير التَّمَام يكون مساويًا لما في القمر بجملته، أو أكثر، وقد يقال: بل هو قوي؛ لأن المراد بالقطعة المشبَّه بها ما فيه من النور خاصَّة, وهو خالٍ من السواد، كبرت القطعة أو صغرت؛ والقمر أبدًا لا يخلو من سواد، سواء وقت التَّمَام وغيره، ومن قوله: ويسأل إلى هنا, ذكره الحافظ في المغازي، وقال عقبه: فيوجه بأنه إشارة إلى موضع الاستنارة، وهو الجبين، وفيه يظهر السرور، كما قالت عائشة: مسرورًا تبرق أسارير وجهه، "فكأنَّ التشبيه وقع على بعض الوجه" الذي هو الجبين، "فناسب أن يشبه ببعض القمر"، وتقدَّم له قريبًا مزيد.
"وعلى أبي بكر الصديق ﵁ قال: كان وجه رسول الله ﷺ كدارة القمر"، قال الجوهري: الدارة أخصّ من الدار، والدارة التي حول القمر، وهي الهالة، "أخرجه أبو نعيم، وروى البيهقي عن أبي إسحاق"، عمرو بن عبد الله "الهمداني" بفتح الهاء، وإسكان الميم، ومهملة.стр. 2506
عن امرأة من همدان -سماها- قالت: حججت مع النبي ﷺ مراتٍ, فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة, بيده محجن, عليه بردان أحمران, يكاد يمس شعره منكبه, إذا مَرّ بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبّله. قال أبو إسحاق: فقلت لها شبهيه فقالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ .
وروى الدارمي والبيهقي وأبو نعيم والطبراني عن أبي عبيدة بن محمد بن
الحواشي
(١) نسبة إلى همدان, شعب من قحطان السبيعي -بفتح المهملة وكسر الموحدة- التابعي الجليل, تقدَّم قريبًا، "عن امرأة من همدان -سماها" أبو إسحاق، ونسيها الراوي، عنه "قالت: حججت مع النبي ﷺ مرات" كذا هنا، فلعلها قبل الهجرة؛ إذ لم يحج بعدها سوى حجة الوداع، "فرأيته على بعير له" في حجة الإسلام، "يطوف بالكعبة بيده محجن" بكسر الميم، وإسكان المهملة، وفتح الجيم، ونون: عصا معوجة الرأس, "عليه بردان أحمران، يكاد" يقرب "يمس شعره منكبه, إذا مَرَّ بالحجر" الأسود "استلمه بالمحجن، ثم يرفعه إلى فيه فيقبله".
"قال أبو إسحاق: فقلت لها: شبهيه" ﷺ , "فقالت: كالقمر ليلة البدر"، فاستعملت البدر في الصفة اللازمة، وهي الكمال، فكأنها قالت: كالقمر ليلة كماله، "لم أر" لم أبصر "قبله ولا بعده مثله" مَنْ يساويه خلقًا وخُلُقًا، وهذه جملة ثانية معربة عن كمال حسنه، ونهاية جماله ﷺ ، وظاهره نفي رؤية مثله قبل رؤيته وبعدها، وذلك متعارف في المبالغة في نفي المثل، سواء وجد المتكلم في زمن قبل أم لا, فهو كناية عن نفي كون أحد مثله، فيدل عرفًا على أنه أحسن من كل أحد، وإذا انتفى المثل الذي هو أقرب إليه من الأحسن في مقام ذكر المحاسن، فالأحسن أنقى؛ لأنه إن وجد كان مثلًا وزيادة.
"وروى الدارمي" بفتح الدال المهملة، وكسر الراء، نسبة- إلى درام، بطن من تميم, عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بهرام، أبو محمد السمرقندي، الحافظ، صاحب المسند، أحد الأعلام الثقات.
روى عن يزيد بن هارون، وأبي عاصم وغيرهما، وعنه مسلم وأبو داود والترمذي وخلق، سئل عنه أحمد، فقال للسائل: عليك بذاك السيد.
قال ابن حبان: كان من الحفَّاظ المتقنين، جمع وتَفَقَّه وصَنَّفَ وحَدَّثَ، وأظهر السُّنَّةَ ببلده، ودعا إليها، وذبَّ عن حريمها، وقمع من خالفها، ومات يوم التروية سنة خمس وخمسين ومائتين، وله أربع أو خمس وسبعون سنة.
"والبيهقي، وأبو نعيم" أحمد بن عبد الله الأصبهاني، "والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، تقدَّم بعض ترجمة الثلاثة، "عن أبي عبيدة" بضم العين مصغَّر "ابن محمد بن عمار بنстр. 2507
عَمَّار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوّذ صفي لنا رسول الله ﷺ ، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة، وفي لفظ: يا بني لو رأيته لرأيت الشمس طالعة.
وروى مسلم عن أبي الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مليح الوجه.
وفيما خرجه الترمذي من حديث هند بن أبي هالة:
الحواشي
(١) ياسر" العنسي -بالنون- المدني، أخي سلمة، وقيل: إنه هو التابعي الوسط, مقبول، روى له الأربعة "قال: قلت للربيع" بضم الراء، وفتح الموحدة، وشد التحتية مصغَّر- صحابية صغيرة، روى لها الستة "بنت معوذ" بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد الواو، وفتحها على الأشهر، وجزم الوقشي -بالكسر، كما في الفتح في غزوة بدر, صحابي جليل، مشهور بأنه ابن عفراء، استُشْهِدَ ببدر ﵁: "صفي لنا رسول الله ﷺ ، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة"، أي: لرأيت نورًا عظيمًا؛ بحيث تظن لما ترى من بهجة وجهه أن الشمس طالعة.
"وفي لفظ: يا بني" بالتصغير، للتحبب والشفقة، "لو رأيته لرأيت الشمس طالعة".
وقال الطيبي معناه: لرأيت شمسًا طالعة، جردت من نفسه الشريفة نفسًا، نحو قولك: لئن لقيته لتلقينَّ أسدًا، وإذا نظرت إليه لم تر إلا أسدًا.
"وروى مسلم عن أبي الطفيل" عامر بن واثلة -بمثلثة، ابن عبد الله الليثي: رأى النبي ﷺ ، وروى عن أبي بكر، فمن بعده وعمر، إلى أن مات سنة مائة، على الصحيح عند الذهبي، وتبعه في التقريب، وجزم مسلم وابن عبد البر بأنَّه مات سنة مائة، واقتصر عليه العراقي، وهو آخر من مات من الصحابة، قاله مسلم وغيره.
ولد عام الهجرة، أو ثانيها، وفي روايةٍ لمسلم أيضًا، والترمذي عنه: رأيت النبي ﷺ ، وما بقي على وجه الأرض أحد رآه غيري، "إنه قيل له: صف لنا رسول الله"، القائل له: سعيد الجريري -بضم الجيم وراءين- مصغَّر، فلفظ رواية مسلم عن الجريري، قلت لأبي الطفيل: رأيت رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم، قلت: كيف رأيته؟ وفي رواية الترمذي، قلت: صفه لي ﷺ ، فقال: كان أبيض"، يعني: بياضًا مشربًّا بحمرة، كما يأتي إيضاحه مع زيادة "مليح الوجه"، أي: حسنه, من ملح: حسن منظره، فهو مليح، ولمسلم أيضًا، والترمذي، قال -أي: أبو الطفيل: كان أبيضًا مليحًا مقصدًا -بشد الصاد المهملة، أي: متوسطًا في جميع أوصافه، كان خلقه نحى به القصد، أي: الوسط، كما أن شَرْعه وسط بين الشرائع، وأمَّته وسط بين الأمم، فكان في لونه وهيكله وشعره، وشرعه مائلًا عن طرفي الإفراط والتفريط، وكان معتدل القوى، "وفيما"، أي: الحديث الطويل، الذي "خرجه الترمذي من حديث هند بن أبي هالة"، من رواية الحسن بن علي، قال:стр. 2508
كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر.
وقالت أم معبد حين وصفته لزوجها: مبلج الوجه، يعني: مشرقه مضيئه، ومنه: تبلج الصبح إذا أسفر، وما أحسن قول سيدي علي بن وفى حيث قال:
الحواشي
(١) سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصفًا عن خلية النبي ﷺ ، وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئًا أتعلق به، فقال: "كان رسول الله ﷺ " من ابتداء طفوليته إلى آخر عمره كما تفيده كان التي للاستمرار عند قوم "فخمًا" بفتح الفاء، وإسكان الخاء المعجمة- على الأشهر، واقتصر عليه السيوطي، وكأنه الرواية، وإلّا فيجوز كسرها، أي: عظيمًا في نفسه "مفخمًا" بضم الميم، وفتح الفاء، والخاء المعجمة المشددة: معظمًا في صدور الصدور، وعيون العيون، لا يستطيع مكابر أن لا يعظمه، وإن حرص عليه خالف باطنه، أو فخمًا، عظيم القدر عند صحبه, مفخمًا عند من لم يره قط، فهو عظيم أبدًا، أو فخمًا عند الله مفخمًا عند الخلق، وعليها: فليست الفخامة في الجسم، وقيل: هو المراد، ففخامة الوجه امتلاؤه بالجمال والمهابة، أو كثرة لحم الوجنتين مع كمال الجمال، وبدأ الوصَّاف بالوجه دون الهامة؛ لأنه أوّل ما يتوجَّه إليه النظر، وأشرف ما في الإنسان وغيره، فقال: "يتلألأ وجهه" يشرق ويضيء, وأصل تلألأ أبيض, فأسبه بياض اللؤلؤ لضوئه, "تلألؤ القمر" مثل إشراقه واستنارته "ليلة البدر" ليلة أربعة عشر، سُمِّي بدر السبق طلوعه مغيب الشمس، وهو أحسن ما يكون، وشبهه به دون الشمس؛ لأنه ظهر في عالم مظلم بالكفر؛ ولأنَّ نور القمر أنفع من نورها، فنور وجهه أنفع من نور الشمس، وهذا أحسن من الوجه الآتي للمصنف.
"وقالت أم معبد" بفتح الميم، وإسكان المهملة، وفتح الموحدة، ومهملة- عاتكة بنت خالد الخزاعية، صحابية "حين وصفته لزوجها" أبي معبد أكثم -بفتح الهمزة والمثلثة, أو حبيش -بضم المهملة، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، ومعجمة- أو لا يعرف اسمه, صحابي، قديم الوفاة: "مبلج الوجه" بموحدة وجيم، "يعني: مشرقه مضيئه، ومنه: تبلج الصبح إذا أسفر"، وأما الأبلج الذي وضع ما بين حاجبيه، فلم يقترنا، فهو أبلج، والاسم البلج -بفتح اللام، فلم ترده أم معبد؛ لأنها وصفته بالقرن، كما تقدَّم مبسوطًا في الهجرة، "وما أحسن قول سيدي علي"، أبي الحسن "بن" محمد, "وفى" ﵁ الشاذلي، العارف الكبير، ابن العارف الكبير, اليقظ، حادّ الذهن، المالكي، صاحب الكرامات الباهرة، والحكم المتكاثرة، المتوفَّى سنة سبع وثمانمائة، وله تسع وأربعون سنة، "حيث قال": لا حاجة له مع قوله أولًا: ما أحسن قوله، ولذا سقط من نسخ، وإن أمكن توجيهه بأنه من ظرفية الجزئي لكليه، الذي هو قول، ولا يرد أنه يوهم حصر أحسنية قوله المذكور هنا عمَّا سواه؛ لأنه بالنسبة لكونه مدحًا في المصطفى، ثم قول يجوز أنهстр. 2509
ألا يا صاحب الوجه المليح ... سألتك لا تغيب عني فأنت روحي
متى ما غاب شخصك عن عياني ... رجعت فلا ترى إلّا ضريحي
بحقك جد لرقك يا حبيبي ... وداوي لوعة القلب الجريح
ورقَّ لمغرم في الحب أمسى ... وأصبح بالهوى دنفًا طريح
محب ضاق بالأشواق ذرعًا ... وآوى منك للكرم الفسيح
وفي النهاية: إنه ﵊ كان إذا سر فكان وجهه المرآة، وكان الجدر تلاحك وجهه. قال: والملاحكة: شدة الملاءمة، أي: يرى شخص الجدر في وجهه ﷺ .
وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر
الحواشي
(١) مصدر، بمعنى المقول، فقوله: "ألا يا صاحب الوجه المليح" بدل منه، وأنه مصدر لا بمعناه, فهو مقول القول، "سألتك لا تغيب" عني؛ بحيث لا أراك، "فأنت روحي"، أي: كروحي التي بها حياتي، فغيبتك عني سبب هلاكي، "متى ما غاب شخصك عن عياني" بكسر العين- مشاهدتي له, هلكت، فحذف جواب الشرط، فإذا "رجعت"، فهو شرط لمقدر، بدليل الفاء في: "فلا ترى إلّا ضريحي"، أي: قبري.
قال المصباح: شقٌّ في وسط القبر، فعيل بمعنى مفعول، "بحقك" أسألك، فأقول: "جد لرقك" مرقوقك، أي: مملوكك ولامه للتعدية، أي: أوصل عطاءك لرقك, أو تعليلية، أي: جدبًا لوصل، لأجل رقك "يا حبيبي"، والمراد التوسُّل به، وهو مطلوب، "وداوى لوعة القلب" حرقته, "الجريح" المجروح، "ورقَّ لمغرم" مولع، أي: ارحم محبًّا احترق قلبه بإقبالك عليه "في الحب"، متعلق بقوله: "أمسى، وأصبح بالهوى دنفًا" مريضًا بمرض لازم لا يفارقه، "طريح" مُلْقَى لما أصابه من الحب، صفة لمغرم بلا ياء، وبياء إمَّا للإشباع ساكنة، أو ياء، نسبة للطرح، لكثرته بالغرام، "محب" نعت ثان لمغرم، "ضاق بالأشواق ذرعًا" أي: صدرًا، كناية عن شدة الانقباض لعجزه عن مدافعة الأشواق، ولم يطقها صدره، ولم يبق فيه سعة، لامتلائه بها، "وآوى منك"، أي: أقام عندك "للكرم الفسيح" الواسع.
"وفي النهاية" لابن الأثير؛ "إنه ﵊، كان إذا سر فكان وجهه المرآة" التي ترى فيها صور الأشياء، "وكان الجدر"، جمع جدار "تلاحك وجهه، قال: والملاحكة شدة الملاءمة" أي: الموافقة، "أي: يرى شخص الجدر في وجهه ﷺ " لشدة ضيائه.
وهذا التفسير من تتمة كلام النهاية، "وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمرстр. 2510
ليلة البدر.
وذلك: لأنَّ القمر يملأ الأرض بنوره, ويؤنس كل من يشاهده، وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكَّن من النظر إليه, بخلاف الشمس التي تغشي البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر؛ لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق حين رآه أو كلما رآه:
لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر
وقد صادف هذا التشبيه تحقيقًا، فمن أسمائه ﷺ : البدر:
الحواشي
(١) ليلة البدر"، أي: يلمع لمعانه ليلة كماله، فاستعمل البدر في صفة القمر التي هي له، وجرَّده عن معناه الذي هو الموصوف والصفة، أو هو من استعماله المطلق في القيد، أي: ليلة كونه بدرًا، فلا يرد أن المعنى تلألؤ القمر ليلة القمر الكامل، ولا معنى له، "وذلك" أي: وجه التشبيه بالقمر دون الشمس؛ "لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده"، أي: يسكن قلبه إليه، ولا ينفر منه، "وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكَّن من النظر إليه"، بل قد يستلذه، "بخلاف الشمس التي تغشي البصر" بمهملة أو بمعجمة -كما مَرَّ قريبًا، "فتمنع من تمكن الرؤية"، ولا يؤنس إليها لشدة حرها، وسبق توجيه آخر على أنه ورد تشبيهه بالشمس، كما مَرّ.
"والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر؛ لأنه"، أي: البدر هو القمر "وقت كماله، كما قال الفاروق" لقب عمر بن الخطاب ﵁ لكثرة فرقه، أي: فصله بين الحق والباطل، وفي أن الملقب له جبريل أو المصطفى، أو أهل الكتاب، روايات "حين رآه"، أي: قال: البيت مرة واحدة حين رؤيته في بعض الأزمان، "أو" كان يقوله "كلما رآه"، وكأنه شك من الراوي: "لو كنت من شيء سوى بشر كنت المنوَّر"، أي: القمر "ليلة البدر"، واستعمل سوى صفة لشيء، بناءً على خروجها عن الظرفية إلى معنى غير، وهو الأصح خلافًا، فقول سيبويه: إنها ظرف لا تتصرف إلا في الضرورة، وهذا البيت تمثل به عمر، وليس منشئه؛ إذ هو من قصيدة للمسيب بن عبس بن مالك، خال الأعشى، يمدح بها قيسًا وبعده:
ولا أنت أجود بالعطاء من ... الزمان لما جاد بالقطر
ولا أنت أشجع من أسامة إذ ... دعيت نزال ولج في الذعر
"وقد صادف هذا التشبيه" بالبدر "تحقيقًا"، أي: معناه الحقيقي، وهو ما وضع له الاسم، "فمن أسمائه ﷺ البدر"؛ لتمام كماله وعلوّ شرفه.
وفي قصص الكسائي: إن الله قال لموسى: إن محمدًا هو البدر الباهر، والنجم الزاهر، والبحر الراجز، ولهذا أنشدوا لما قدم المدينة في الهجرة أو من غزوة تبوك:стр. 2511
طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
ولقد أحسن من قال:
كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة ... فلا تظنَّنَّها كافًا لتشبيه
وما أحلى قول ابن الحلاوي:
يقولون: يحكي البدر في الحسن وجهه ... وبدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط
كما شبهوا غصن النقا بقوامه ... لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطوا
فقد حصل للبدر والغصن غاية في الفخر بهذا التشبيه، على أنَّ هذه التشبيهات الواردة في صفاته ﵊ إنما هي على عادة الشعراء والعرب،
الحواشي
(١) طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع
"ولقد أحسن من قال":
كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة ... فلا تظننها كافًا لتشبيه
يعني: إذا أتيت بالعدل في وصفه ﷺ ، قلت: الكاف زائدة، فإنه البدر لا مشبَّه به، "وما أحلى قول ابن الحلاوي" بفتح الحاء وخفة اللام- نسبة إلى الحلاوة لبيعٍ أو غيره، "يقولون" في صفته ﵇، "يحكي البدر" بالرفع فاعل "في الحسن وجهه" بالنصب مفعول، "وبدر الدجى عن ذلك الحسن" الذي في وجهه، "ينحط" عنه, فكيف يحكيه، فما أنصفوا في قولهم، "كما شبهوا غصن النقا" في الاعتدال "بقوامه" بفتح القاف: اعتداله، "لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطوا"، جاروا وظلموا؛ لأن التشبيه يستدعي وجهًا جامعًا بين المشبَّه والمشبَّه به، والبدر وغصن النقا لا نسبة بينهما وبين وجهه وقوامه، "فقد حصل للبدر والغصن غاية في الفخر بهذا التشبيه، على أن هذه التشبيهات الواردة في صفاته ﵊، إنما هي على عادة الشعراء والعرب"، ولذا لما عيب على أبي تمام تشبيه ممدوحه بمن دونه في قوله:
ما في وقوفك ساعة من بأس ... تقضي ذمام الأربع الأدراس
أقدام عمر وفي سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
تفطن لذلك، فقال في أواخر شعره:стр. 2512
وإلّا فلا شيء في هذه التشبيهات المحدثات, يعادل صفاته الخِلْقية والخُلُقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي -رحمه الله تعالى؛ حيث قال:
كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر
الحواشي
(١) لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلًا شرودًا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مثلًا من المشكاة والنبراس
"وإلّا فلا شيء في هذه التشبيهات المحدثات يعادل صفاته الخَلْقية" بفتح فسكون، "والخُلُقية" بضمتين، كما يدل ل كلامه أوّل الفصل الثاني عن الراغب، فليس الأوّل بالكسر كما قد يتوهم من نسبته إلى الخِلْقة، "ولله در إمام العارفين، سيدي محمد" بن محمد بن محمد، ثلاثة الإسكندراني أو المغربي، ثم المصري، صاحب الموشحات التوحيدية التي لم ينسج على منوالها أحد من البرية، وشيخ الخرقة الوفائية, كان وافر الجلال، فائق الخلال، تمسك من فنون العلم بأفنان، وأفاد بنظمه ونثره عقود الجمان، وقلائد العقيان، ولم يتسم بالسادات في مصر غير ذريته الأعيان. ولد بالإسكندرية سنة اثنتين وسبعمائة، فجاء التاج بن عطاء الله، ومعه أصحابه إلى بيته، فأتى له به، فقبله، وهو في القماط، وقال لأصحابه: هذا جامع علم حقائقنا، ومات أبوه وهو صغير، فكفله جده النجم محمد، وكان من أصحاب الأحوال.
قال الشعراوي: وكان أميًّا، وله مؤلفات كثيرة ألفها وهو ابن سبع أو عشر، ولقبه "وفي" بالياء- على القياس، وإن رسم بألف في النسخ؛ إذ هو منقول عن الفعل، وهو وفى يفي إذا تَمَّ؛ لأنه وقف النيل، ولم يزد أو أن الوفاء حتى عزم أهل مصر على الرحيل، فقصدوه، وكان معروفًا بإجابة الدعوة, فجاء وتوضأ بالمقياس، وصلى ركعتين، ثم دعا الله، فصار كلما يطلع من الفسقية درجة، يطلع البحر معه، حتى وفي ذلك اليوم سبعة عشر ذراعًا، فعاد ماشيًا، وهو يقول: وفي وفي، وأخذ عن داود بن باخلا، عن ابن عطاء الله، عن أبي العباس المرسي، عن أبي الحسن، ولذا ينسب "الشاذلي" بذال معجمة، ومهملة- نسبة إلى شاذلة بلد المغرب، منها الشيخ أبو الحسن، أستاذ الشاذلية، وفيهم يقول أبو العباس بن عطاء:
تحقق بحب الشاذلية تلق ما ... تروم فحقق ذاك فيهم وحصل
ولا تعدون عيناك عنهم فإنهم ... شموس الهدى في أعين المتأمل
ومات سنة ستين، وقيل: حمس وستين وسبعمائة، "رحمه الله تعالى، حيث قال: كم" للتكثير "فيه للإبصار حسن مدهش" محير، أي: إن كثيرًا من الأبصار أدهشها حسنه، بحيث تحيّرت فيه لفرط ما أصابها من الدهش، "كم فيه للأرواح راح مسكر"، أي: وكثير من صفاته التي إدراكها والتعلق بها، يحصل حالة تشبه الخمر لمن قامت به، فيصير كالسكران، الذيстр. 2513
سبحان من أنشأه من سبحاته ... بشرًا بأسرار الغيوب يبشر
قاسوه جهلًا بالغزال تغزلًا ... هيهات يشبهه الغزال الأحور
هذا وحقك ما له من مشبه ... وأرى المشبه بالغزالة يكفر
يأتي عظيم الذنب في تشبيهه ... لولا لرب جماله يستغفر
فخر الملاح بحسنهم وجمالهم ... وبحسنه كل المحاسن تفخر
فجماله مجلى لكل جميلة ... وله منار كل وجه نير
جنات عدن في جنى وجناته ... ودليله أن المراشف كوثر
الحواشي
(١) لا يحس بشيء مما عليه الناس، "سبحانه من أنشأه من سبحاته" بضمتين- خلقه من أنواره "بشرًا بأسرار الغيوب يبشر".
قال القاموس: سبحات وجه الله -بضمتين: أنواره، وفي الصحاح: جلالته، والأوَّل أنسب هنا، إشارة إلى النور الذي خلق منه، كما قال ﷺ : "يا جابر, إن الله تعالى قد خلق قبل الأشياء نور نبيك من نوره" رواه عبد الرزاق، كما مَرَّ أوَّل الكتاب، "قاسوه جهلًا" منهم "بالغزال"، الحيوان المعروف "تغزلًا" لتوهمهم أن بينهما مشابهة، والحال أنها منفية، كما قال: "هيهات" بعد "يشبهه الغزال الأحور" من الحور -بفتحتين: شدة بياض العين في شدة سوادها، "هذا" أي: خذ، وهي كلمة يؤتى بها للفصل والانتقال من معنى لآخر، "وحقك ما له من مشبه، وأرى المشبه بالغزالة"، الشمس التي هي أجل من الغزال، "يكفر" نعمته الواصلة إليه؛ حيث شبهه بما لا نسبة بينه وبينه، لا خلاف الإيمان، "يأتي عظيم" بالرفع فاعل، والنصب مفعول، فاعله ضمير يعود على المشبه، أي: كبير "الذنب في تشبيهه، لولا لرب جماله يستغفر" من هذا الذنب لهلك، فجواب لولا محذوف "فخرَّ" غلب هو "الملاح" بالكسر: جمع مليح, الحسان، الذين فخروا "بحسنهم وجمالهم، وبحسنه كل المحاسن تفخر" بفتح الخاء- من باب منع، كما في القاموس، فلا يقاربه شيء يجعل بينه وبين مشابهة، "فجماله مجلى" بالجيم- محل جلاء، أي: ظهور "لكل" صفة "جميلة"؛ إذ كله محاسن لا يشوبه شيء ينافي الكمال بخلاف غيره؛ إذ اشتمل على صفات جميلة، ربما سترها وصف يغايرها، فيمتنع ظهوره، "وله منار" علم الطريق، استعمل فيما يدل على كماله "كل وجه نير" دليل عليه؛ إذ جميع الأنوار مقتبسة منه "جنات عدن في جنى وَجَناته" -بفتحتين، وهي ما ارتفع من الخد، يعني: أن نعيم الجنات الذي يناله العبد في الآخرة، إنما هو مما اقتبسه من علومه ومعارفه، عبَّرَ عنه بذلك؛ لأن الوجنات أشرف دليل على المحاسن، "ودليله أن المراشف": ما يرشف بالشفتين لإزالة العطش الأكبر يوم القيامة، "كوثر" نهر في الجنة، وعده ربه به، فيه خير كثير، أحلى من العسل، وأبيض من اللبن،стр. 2514
هيهات ألهو عن هواه بغيره ... والغير في حشر الأجانب يحشر
كتب الغرام علي في أسفاره ... كتبًا تئوّل بالهوى وتفسر
فدع الدعي وما ادعاه في الهوى ... فدعيه بالهجر فيه تهجر
وعليك بالعلم العليم فإنه ... لخطيبه في كل خطب منبر
وأما بصره الشريف ﷺ , فقد وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] .
الحواشي
(١) وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، لا يظمأ من شرب منه، "هيهات" بعد "ألهو" أشتغل "عن هواه" ميلي ومحبتي له "بغيره".
"والغير في حشر الأجانب يحشر"، وشتَّان ما بينهما، فكيف أشتغل بغيره "كتب الغرام"، الولوع والتعلق به، ومحبته "علي في أسفاره"، كتبه الكبيرة "كتبًا"، أحكامًا كثيرة كلها "تئوّل بالهوى" الميل وخلوص المحبة، "وتفسَّر" بها، "فدع" اترك "الدعيّ" المنتسب لقوم وليس منهم، "وما ادَّعاه في الهوى" من الدعاوى الكاذبة، يعد نفسه من أهل المحبَّة، وما هو منهم، "فدعيه" المنتسب إليه "بالهجر" بضم فسكون، الهذيان والتخليط "فيه تهجّر"، أمر يعود عليه بالأذى والهلاك، من هجر المريض هجرًا: خلط وهذي, وتهجّر، سار وقت الهاجرة -شدة الحر، فكأنَّه قال: مدعي المحبة بمجرد اللفظ شبيه بالسائر في شدة الحر، فأتعب نفسه وآذاها بما يلام عليه عاجلًا وآجلًا، "وعليك بالعلم العليم"، أي: الزم واتبع الرسل، الكثير العلم، الذي هو في ظهوره، كعلم الطريق الذي يهتدي به من البعد، "فإنه لخطيبه في كل خطب منبر"، أي: فإنه كالمنبر لكل خطيب في كل أمر مهم، "وأمَّا بصره الشريف ﷺ "، وهو النور الذي تدرك به الجارحة المبصرات، كما في المصباح، وهو بمعنى قول المتكلمين: قوة مودعة في العين، وهو صريح في أنه شيء مخلوق في العين زائد عليها، ومقتضى قول القاموس: البصر محركة حسن العين, إنه صفة للعين، ليست زائدة عليها، إلّا أن يكون على حذف مضاف، أي: سبب حسن العين، أي: جمالها.
واستعمل الحسن في نفس سببه مجازًا لغويًّا، فأطلق المسبب مريدًا سببه، "فقد وصفه الله تعالى في كتابه العزيز"، الغالب على الكتب التي قبله، بنسخه ما فيها، وإعجازه "بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ ما مال بصره ﷺ عمَّا رآه, " ﴿وَمَا طَغَى﴾ " ما تجاوزه، بل أثبته إثباتًا صحيحًا مستيقنًا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أُمِرَ برؤيتها، وما جاوزها، كما في البيضاوي، فإن قيل: الآية لا تصلح جوابًا لما؛ لأن المراد الخلق الحسي لا الصفة، فالقياس: أنَّ الجواب، فهو فيстр. 2515
وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يرى بالليل في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء. رواه البخاري.
وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يرى في الظلمات كما يرى في الضوء. رواه البيهقي.
الحواشي
(١) غاية الحدة والقوة المودَعة فيه، فالجواب أنَّه من التعبير باللزوم؛ لأن وصفه بما في الآية ملزوم، ويلزمه غاية قوة بصره؛ بحيث إنه لا يتخيل في شيء رآه ما يخالف الواقع فيه، بل متى تعلّق بمبصر ما أدركه على ما هو به في الواقع، وإن كان في غاية الخفاء، "وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يرى بالليل في الظلمة"، احترازًا عمَّا إذا كان مع القمر، "كما يرى بالنهار في الضوء"، متعلّق بالنهار للاحتراز عمَّا إذا كان في بيت مظلم، أو في يوم غيم، فلا يقال: لا حاجة إليه بعد ذكر النهار، فالمعنى: إن رؤيته في النهار الصافي والليل المظلم متساوية؛ لأن الله تعالى لما رزقه الاطِّلاع بالباطن، والإحاطة بإدراك مدركات القلوب، جعل له مثل ذلك في مدركات العيون، ومن ثَمَّ كان يرى المحسوس من وراء ظهره، كما يراه من أمامه، ذكره الحرالي ملخصًا، ويأتي نصه في المصنف، ولا يرد عليه حديث أنه ﷺ قام ليلة، فوطئ على زينب أم سلمة بقدمه، وهي نائمة فبكت، فقال: "أمطيوا عنا زناياكم"؛ لأنه حجب عن ذلك حينئذ ليعلم أنه لا ينام أحد ببيت ذي الأهل"، وفي حديث: كان يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه.
قال عياض: وإنما حدثت هذه الآية له بعد ليلة الإسراء، كما أنَّ موسى كان يرى النملة السوداء في الليلة الظلماء من مسيرة عشرة فراسخ بعد ليلة الطور أ. هـ.
والظاهر أنَّ مراده بالآية ما يشتمل الآيتين في الحديثين، "رواه البخاري"، كذات في النسخ، ولم أجده فيه، وإنما عزاه السيوطي وغيره للبيهقي في الدلائل، وقال: إنه حسن.
قال شارحه: ولعلَّه لاعتضاده، وإلّا فقد قال السهيلي: ليس بقوي، وضعَّفه ابن دحية، أي: نقل تضعيفه في كتاب الآيات البينات عن ابن بشكوال؛ لأن في سنده ضعفًا، فكيف يكون في البخاري، "وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يرى في الظلماء"، مرادف للظلمة.
قال في القاموس: الظلمة -بالضم وبضمتين- والظلماء والظلام ذهاب النور، "كما يرى في الضوء، رواه البيهقي" وابن عدي، وكذا بقي بن مخلد، كما في الشفاء، وضعَّفه ابن الجوزي والذهبي، لكنه يعتضد بشواهده، فهو حسن، كما قال السيوطي.стр. 2516
وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري" رواه البخاري ومسلم.
وعند مسلم من رواية أنس بن مالك أنه ﷺ قال: "أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي".
الحواشي
(١) "وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "هل ترون" بفتح التاء- والاستفهام إنكاري، أي: أتظنون "قبلتي"، أي: مقابلتي ومواجهتي "ههنا" فقط؛ لأن من استقبل شيئًا، استدبر ما وراءه، فبَيِّنَ أن رؤيته لا تختص بجهة واحدة، "فوالله ما"، وفي رواية: لا "يخفى علي ركوعكم ولا سجودكم"، هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري في موضع من كتاب الصلاة: "فوالله ما يخفى علي خشوعكم، ولا ركوعكم"، وفي موضع آخر: "ركوعكم ولا خشوعكم".
قال الحافظ وغيره: أي: في جميع الأركان، ويحتمل أن يريد به السجود؛ لأن فيه غاية الخشوع.
وقد صرَّح بالسجود في رواية مسلم، وإذا كان المراد به الأعمّ، فذكر الركوع بعده من الأخص بعد الأعم، إمَّا لأنَّ التقصير فيه كان أكثر، أو لأنه أعظم الأركان، من حيث إنَّ المسبوق يدرك الركعة بتمامها بإدراك الركوع، "إني لأراكم" بفح الهمزة- بدل من جواب القسم، وهو ما يخفى، أو بيان له "من وراء ظهري" رؤية حقيقية، اختُصَّ بها عليكم، وهو تنبيه لهم على الخشوع في الصلاة؛ لأنه قاله لهم لما رآهم يلتفتون، وهو منافٍ لكمال الصلاة، فيكون مستحبًّا لا واجبًا؛ إذ لم يأمرهم بالإعادة.
وقد حكى النووي الإجماع على عدم وجوبه، وتعقَّب بأنَّ في الزهد لابن المبارك عن عمّار بن ياسر: لا يكتب للرجل من صلاة ما سها عنه. وفي كلام غير واحد: ما يقتضي وجوبه، ثم الخشوع تارةً يكون من فعل القلب كالخشية، وتارةً من فعل البدن كالسكون، وقيل: لابُدَّ من اعتبارهما، حكاه الرازي في تفسيره.
وقال غيره: هو معنى: يقوم بالنفس، يظهر عنه سكون في الأطراف، يلائم مقصوده العبادة، ويدل على أنه من عمل القلب، حديث على الخشوع في القلب، أخرجه الحاكم.
وأما حديث: لو خشع هذا خشعت جوارحه، ففيه إشارة إلى أن الظاهر عنوان الباطن، "رواه البخاري، ومسلم"، كلاهما في الصلاة، "وعند مسلم من رواية أنس بن مالك أنه ﷺ ، قال: "أيها الناس, إني أمامكم، فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي"، قدامي "ومن خلفي"، تعليل للنهي عن السبق أو تحذير عنه؛ لأنهم إذا علموا أنه يراهم اجتنبوا السبق بكل اعتبار، ومن أمامي حال من المفعول، أو هو لغو متعلق بأراكم.стр. 2517
وعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] قال: كان ﷺ يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه. رواه الحميدي في مسنده، وابن المنذر في تفسيره.
وهذه الرؤية رؤية إدراك, والرؤية لا تتوقف على
الحواشي
(١) وفي البخاريّ عن أنس: صلَّى بنا النبي ﷺ صلاة، ثم رقي المنبر، فقال في الصلاة وفي الركوع: "إني لأراكم من ورائي، كما أراكم من أمامي".
وفي مسلم: "إني لأبصر من ورائي، كما أبصر من بين يدي".
قال الحافظ: وظاهر الحديث أنّ ذلك يختص بحالة الصلاة، ويحتمل أن يكون ذلك واقعًا في جميع أحواله، وقد نقل عن ذلك عن مجاهد، وحكى بقي بن مخلد أنه ﷺ كان يبصر في الظلمة، كما يبصر في الضوء، انتهى، وتعقَّب بأن جماعة من المتقدمين, صرَّح بالعموم، وعللوه بأنه كان يبصر من خلفه؛ لأنه كان يرى من كل جهة.
"وعن مجاهد" ابن جبير -بفتح الجيم، وسكون الموحدة- المخزومي، مولاهم المكي, ثقة، روى له الجميع, إمام في التفسير وفي العلم, تابعي وسط. مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومائة، وله ثلاث وثمانون سنة، "في" تفسير "قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] ، أي: المصلين، "قال: كان ﷺ : رى من" -بفتح الميم- موصول. "خلفه من الصفوف، كما يرى مَنْ" -بفتح الميم- الذي "بين يديه"، ووجه إدخال ذا الحديث المرسل في تفسير الآية، أنَّ أخباره برؤيته، يتصفَّح أحوالهم، يستدعي أنه يراهم، سواه كانوا خلفه أو أمامه، قربوا منه أو بعدوه، "رواه الحميدي" عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي، الأسدي المكي، أبو بكر, الثقة، الحافظ، الفقيه، أجَلّ أصحاب ابن عيينة، جالسه تسع عشرة سنة، وروى عن خلق سواه، وعنه البخاري وخلائق.
قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عن الحميدي لا يعدوه إلى غيره. مات سنة تسع عشرة ومائتين، وقيل: بعدها.
"في مسنده" مرسلًا عن مجاهد, فليس مجرد استنباط، وفهم من الآية، كما يوهم، "وابن المنذر" الحافظ، العلامة الفقيه, محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، شيخ الحرم، كان غاية في معرفة الخلاف، والدليل, مجتهد ألَّا يقلد أحدًا, مات بمكة سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، "في تفسيره" أحد تصانيفه التي لم يصنف مثلها: "وهذه الرؤية" المذكورة في حديث ابن عباس, وعائشة, وأبي هريرة، وأنس، ومجاهد، "رؤية إدراك" إبصار حقيقي، خاصّ به ﷺ ، انخرقت له فيه العادة، "والرؤية" من حيث هي، لا بقيد وصف المصطفى بها، "لا تتوقف علىстр. 2518
وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحق, ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى القديم العالي، أما المخلوق: فتتوقَّف صفة الرؤية في حَقِّه على الحاسَّة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان خرق عادة في حقِّه ﵊، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها.
قال الحرالي: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالّة على ما في حقيقة أمره في الاطّلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما بربه لا بنفسه, أطلعه على ما بين يديه مما تقدَّم من أمر الله، وعلى ما وراء الوقت
الحواشي
(١) وجود آلتها، التي هي العين عند أهل الحق، ولا" تتوقف على وجود "شعاع"، وهو بالجر عطف على آلتها، "ولا" على "مقابلة، وهذا" الإدراك المفسّر بذلك, إنما هو "بالنسبة إلى القديم العالي"، ولعلّ قصده الرد على من زعم أنه كان يدرك ذلك بلا رؤية أصلًا، بل بمجرد العلم، إمَّا بأن يوحى إليه كيفية فعلهم، وإمَّا بأن يلهم، كما يأتي.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن العلم لو كان مرادًا لم يقيده بقوله: من وراء ظهري، انتهى. فلا يقال لا مناسبة في إيراد ما يتعلق به تعالى في ذا المقام.
"أما المخلوق: فتتوقَّف صفة الرؤية في حقّه على الحاسَّة، والشعاع، والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان" ما ذكر من إبصارٍ من وراء ظهره "خرق عادة في حقِّه ﵊، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها"، فيجوز أنه سبحانه خلق فيه قوة البصر في غيرها، فيدرك من خلفه بآلة في، أي: محل من جسده، وهذا بناه المصنف على مجَّد الجواز، وهو لا يسلتزم الوقوع، فلا ينافي ما يأتي أن الأقعد حمله على الإدراك من غير آلة.
"قال الحرالي" -بفتح المهملة، والراء، وشد اللام- نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه: علي بن أحمد بن الحسن، ذو التصانيف المشهورة: "وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالَّة على ما في حقيقة أمره في الاطّلاع الباطن"، أي: الخفي "لسعة علمه، ومعرفته لما" -بشد الميم- "عرَّف" الناس -بشد الراء- "بربه"، بأن بلغهم أنه إله واحد في ذاته وصفاته، مستحق لأن يُعْبَد، وغير ذلك مما يليق به، "لا بنفسه"، أي: لم يعرفهم بما اشتملت عليه ذاته من الكمالات، "أطلعه" جواب لما، أي: جوزي بأن أطلعه، ويحتمل خفة راء عرف، أي: لما عرف الأحكام الشرعية بالوحي لا بنفسه، فلم يستقل بأخذ حكم يليق بحال البشر، جوزي بأن أطلعه الله "على ما بين يديه"، أي: الأمور الحاضرة عنده، ولا ينافيه قوله: "مما تقدَّم من أمر الله"؛ لأن التعليق التنجيزي بالأمور الحاضرة عنده، حاصل قبل علمه ﷺ بها، ويحتمل أن يريد بما بين يديه ما لم يتأخر عن الوقت الذي هو فيه، فيشمل الحاضر والماضي من الأمور التي أطلعه الله عليها، "وعلى ما وراء الوقت،стр. 2519
مما تأخَّر من أمر الله، فلمَّا كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب, جعل الله تعالى له ﷺ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه, كما قال ﷺ . انتهى.
ومن الغريب ما ذكره الزاهدي يختيار محب بن محمود، شارح القدوري في رسالته الناصرية: أنه ﷺ كان له بين كتفيه عينان كسَمِّ الخياط يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب.
وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم، وهذا إن كان نقلًا عن الشارع ﵊ بطريق صحيح فمقبول, وإلا فليس المقام مقام رأي، على أن الأقعد في إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة. والله أعلم.
الحواشي
(١) مما تأخَّر من أمر الله"، من كلِّ ما يكون إلى يوم القيامة، "فلمَّا كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب، جعل الله تعالى له ﷺ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره، كما يراها من بين يديه، كما قال ﷺ . انتهى" كلام الحرالي، وحاصله -كما قال بعضهم: إنه من قبيل الكشف له عن المرئيات، فهو من الخوارق، "ومن الغريب" الذي لا يعرف "ما ذكره الزاهدي" -بزاي ودال مهملة- "يختيار"، كذا في النسخ، وفي بعضها باختيار "محب"، وكتب عليه بهامش: بخت -بموحدة، ومعجمة- سعد ويار، صاحب على طريق العجم من تقديم المضاف إليه على المضاف، وليس بشيء، فالي في طبقات الحنفية لأبي الوفاء الغزميني في حرف الميم: مختار "بن محمود" بن محمد، أبو الرجاء الغزميني -بمعجمتين، نسبةً إلى قصبة من خوارزم، يلقّب نجم الدين، "شارح القدوري" -بضمتين، نسبةً إلى بيع القدور، شرحًا نفيسًا. مات سنة ثمان وخمسين وستمائة، "في رسالته" التي سماها: "الناصرية، أنه ﷺ كان له بين كتفيه عينان كسَمِّ الخياط" -بفتح السين وضمها- ثقب الإبرة، "يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب"، ونوزع بأنه لا يصح كيف، ولو أن إنسانًا كان له عينان في قفاه، لكان أقبح شيء، وانتصر له بعضهم، بأن الظاهر أن مثله لا يقال بالرأي، "وقيل: بل" معناه أنه "كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته، كما تنطبع في المرآة، فيرى أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم، وهذا" المذكور من القولين، "إن كان نقلًا عن الشارع ﵊، بطريق صحيح، فمقبول"، ويكون أيضًا من الخوارق، "وإلّا" بأن كان رأيًا في فهم الحديث، "فليس المقام مقام رأي" فلا يقبل لما فيه من إثبات ما لم يرد "على أن الأقعد في إثبات كونه معجزة، حملها على الإدراك من غير آلة"؛ لأنه الظاهر من الحديث، "والله أعلم" بما في الواقع.стр. 2520
وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف.
وعن بعضهم: المراد بها العلم, إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم, أو بأن يلهم، والصحيح والصواب ما تقدَّم.
وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزي في بعض كتبه بغير إسناد: أنه ﷺ قال: "إني لا أعلم ما وراء جداري هذا" , فإن صحَّ فالمراد منه نفي العلم بالمغيبات،
الحواشي
(١) "وقد ذهب بعضهم"، في معنى الحديث "إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف"، وهو خلاف الظاهر أيضًا، "وعن بعضهم: المراد بها العلم، إمَّا بأن يوحى إليه كيفية" صفة "فعلهم، أو بأن يلهم"، وهو من الوحي أيضًا، ومَرَّ تنظير الحافظ فيه؛ بأنه لو كان مرادًا لم يقيد بقوله: "من وراء ظهري"، وفي الشفاء الظواهر تخالفه، أي: هذا التأويل، ولا إحالة في ذلك، وهي من خواص الأنبياء، كما أخبرنا عبد الله بن أحمد العدل، فذكر إسناده عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: "لما تجلى الله لموسى، كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء مسيرة عشرة فراسخ"، ولا يبعد أن يخص نبينا بذلك بعد الإسراء، والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى. انتهى. ولذا قال: "والصحيح والصواب ما تقدَّم" من أنه الإدراك من غير آلة، وقيل: المراد أنه يرى من عن يمينه، ومن عن يساره، ممن تدركه عينه، مع التفات يسير في النادر، ويوصف من هو هناك؛ بأنه وراء ظهره.
قال الحافظ: وهذا ظاهر التكلف، وفيه عدول عن الظاهر بلا موجب، والصواب المختار: إنه حمول على ظاهره، وإن هذا الإبصار إدراك حقيقي خاص به ﷺ ، انحرفت له فيه العادة، وعلى هذا عمل البخاري، فأخرج هذا الحديث، أي: حديث "هل ترون قبلتي" إلخ.... في علامات النبوة، وكذا نقل عن الإمام أحمد وغيره، ثم ذلك الإدراك يجوز أن يكون برؤية عينه، انخرقت له العادة فيه أيضًا، فكان يرى من غير مقابلة؛ لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلًا عضو مخصوص، ولا مقابلة، ولا قرب، وإنما تلك أمور عادية يجوز حصول الإدراك مع عدمها عقلًا، ولذلك حكموا بجواز رؤية الله تعالى في الآخرة، خلافًا لأهل البدع، لوقوفهم مع العادة. انتهى.
"وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم ما ذكره" نائب فاعل استشكل، يعني: إذا بنى على أن الرؤية هي العلم بلا إبصار، يشكل ما ذكره "ابن الجوزي في بعض كتبه بغير إسناد؛ أنه ﷺ ، قال: "إني لا أعلم ما وراء جداري هذا"، فإن صح، فالمراد منه نفي العلم بالمغيبات"، لا خصوص ما وراء الجدار، فهو مناقض لقوله: "إني لأراكم"، أي:стр. 2521
فكيف يجتمعان؟
وأجيب بأنَّ الأحاديث الأُوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد, وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر وهو الصواب فلا إشكال؛ لأن نفي العلم هنا عن الغيب وذاك عن مشاهدة.
وفي "المقاصد الحسنة" للحافظ شمس الدين السخاوي حديث: "ما أعلم ما خلف جداري هذا". قال شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن حجر: لا أصل له. قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه. هو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة في ذلك
الحواشي
(١) أعلمكم من وراء ظهري، وهو مغيب، فيصير المعنى: أعلم المغيبات ولا أعلمها، "فكيف يجتمعان"، فمبنى التناقض على تفسيره بالعلم؛ إذ لو فُسِّرَ عدم التناقض بما وراء الجدار المشار إليه لم يتحقق تناقض، "وأجيب بأن الأحاديث الأُوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد" بحالة الصلاة، فقوله: "لا أعلم ما وراء جداري" معناه: في غير الصلاة، فلا إشكال، "وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر، وهو الصواب، فلا إشكال؛ لأن نفي العلم هنا" في خبر الجدار "عن الغيب، وذاك" الذي هو قوله: "إني لأراكم من وراء ظهري" "عن مشاهدة"، فلم يتواردا على محل، وأيضًا، فعدم رؤية ما وراء الجدار لا ينافي الرؤية بلا حائل، وأورد على حديث الرؤية أيضًا قوله ﷺ : "أيكم الذي ركع دون الصف"، فقال أبو بكر: أنا؛ إذ لو كان يرى ما سأل، وأجاب ابن عبد البر بأنَّ قصة أبي بكر كانت قبل أن يفضله الله بهذه الفضيلة، فإن شئونه ﷺ تتزايد دائمًا.
وفي أبي داود عن معاوية ما يدل على أن ذلك كان في آخر عمره، "وفي المقاصد الحسنة" في بيان كثير من الحاديث المشهورة على الألسنة، "للحافظ شمس الدين" محمد بن عبد الرحمن، "السخاوي"، شيخ المصنف، نسبة إلى سخا من أعمال مصر، على غير قياس، "حديث: "ما أعلم ما خلف جداري هذا".
"قال شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن حجر" الحافظ أبو الفضل العسقلاني: "لا أصل له، قلت: ولكنه"، أي: الحافظ نفسه، "قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي"، الواقعة في شرحه على وجيز الغزالي، في الفقه، "عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدّامه. هو" بمعناه "في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة بذلكстр. 2522
مقيدة بحالة الصلاة, وبذلك يجمع بينه وبين قوله: "لا أعلم ما رواء جداري هذا" انتهى.
قال شيخنا: وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافي بينهما لعدم تواردهما على محل واحد.
فإن قيل: يشكل على هذا -أيضًا- إخباره ﷺ بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده، ووقعت كما أخبر ﷺ .
فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله
الحواشي
(١) مقيدة بحالة الصلاة"، كذا جزم به في التخريج، وجعله في فتح الباري ظاهرًا فقط، وقابله باحتمال الإطلاق، وأنه منقول عن مجاهد، "وبذلك يجمع بينه وبين قوله: "لا أعلم ما وراء جداري هذا"، انتهى" كلام الحافظ في التخريج.
"قال شيخنا" -يعني السخاوي: "وهذا مشعر بوروده"، فينافي قوله: لا أصل له، فهو تناقض منه، ويمكن أن مراده لا أصل له معتبر؛ لكونه ذكر بلا إسناد، لا أن مراده بطلانه، "وعلى تقدير وروده لا تنافي بينهما؛ لعدم تواردهما على محلّ واحد"؛ إذ الظاهر من الثاني أنَّ معناه نفي علم المغيبات، مما لم يعلم به ﷺ ، قد أخبر بمغيبات كثيرة كانت وتكون، وحينئذ فهو نظير لا أعلم إلّا ما علمني الله، ولكن مشى ابن الملقن، وقلده شيخنا على أن معناه نفي رؤية مَنْ خَلْفه، ومع ذلك، فلا تنافي بينهما أيضًا إن مشينا على ظاهر الأوّل من تقييده بالصلاة لكونه فيها، لا حائل بينه وبين المأمومين، وإن كان ابن الملقن لم ينظر لهذا، بل جعل الأول مقيدًا للثاني، والظاهر ما قلته، أما على قول مجاهد: ن ذلك كان واقعًا في جميع أحواله ﷺ ، فلا على أن بعضهم زعم أن المراد بالأول خلق علم ضروري له بذلك، والمختار حمله على الحقيقة، ولذا، قال ابن المنير: لا حاجة إلى التأويل، فإنه في معنى تعطيل، لفظ الشارع من غير ضرورة.
وقال القرطبي: حمله على ظاهره أَوْلَى؛ لأن فيه زيادة في كرامته ﷺ ، فإن قيل: قد روي أنه ﷺ ورد عليه وفد عبد القيس، وفيهم غلام وضيء، فأُقْعِدَ وراء ظهره، فالجواب: إنه مع كونه روي مسندًا ومرسلًا، والحكم عليه بالنكارة, فعله ﷺ ، إن صح، كما قال ابن الجوزي: ليسن، أو لأجل غيره، وقد أطلت الكلام على هذا الحديث في بعض الأجوبة، انتهى كلام المقاصد، وإن تكرر فيه بعض ما تقدَّم لما فيه من الفوائد، "فإن قيل: يشكل على هذا أيضًا إخباره ﷺ بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده"، كفتح الأمصار، وغير ذلك، "ووقعت كما أخبر ﷺ ، فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو أنّ علم الغيب مختص باللهстр. 2523
تعالى، وما وقع منه على لسان نبيه ﷺ وغيره فمن الله تعالى، إمَّا بوحي أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث الذي فيه: أنه لما ضلت ناقته ﷺ تكلّم بعض المنافقين وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال ﷺ لما بلغه ذلك: "والله إني لا أعلم إلّا ما علَّمني ربي، وقد دلني الله عليها, وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها" , فذهبوا فوجدوها كما أخبر ﷺ .
فصحَّ أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلّا ما أعلمه ربه ﵎.
وذكر القاضي عياض في الشفاء أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي: اثني عشر.
الحواشي
(١) تعالى"، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا, إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ، "وما وقع منه على لسان نبيه ﷺ وغيره، فمن الله تعالى، إمَّا بوحي" على يد ملك، أو منام "أو إلهام"، وهو من الوحي، "ويدل على ذلك الحديث الذي فيه أنّه لما ضلت ناقته"، غابت وخفيت، فلم يهتد إليها، وهي القصواء، حين كان سائر إلى غزوة تبوك " ﷺ ، تكلّم بعض المنافقين"، وهو زيد بن اللصيت، "وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، فقال ﷺ لما بلغ ذلك" بإخبار الله له بوحي، أو إلهام، لا مبلغ من الناس، كما في الحديث: "والله إني لا أعلم إلّا ما علمني ربي"، فإخباري بأمر السماء إنما هو بتعليم الله، والنبي لا يعلم كل غيب.
قال: ذلك رد الزعم المنافق؛ أنه لو كان نبيًّا لعلم مكان ناقته، "وقد دَلَّني الله عليها، وهي في موضع كذا وكذا"، لشعب عينه لهم، وأشار لهم إليه, "حبستها" منعتها "شجرة بخطامها" بزنة كتاب، وفي رواية بزمامها، "فذهبوا فوجدوها كما أخبر ﷺ "، فجاءوا بها، "فصحَّ أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره، إلّا ما أعلمه ربه ﵎"، فإن ثبت الحديث، فلا إشكال عليه.
"وذكر القاضي عياض في الشفاء" بلفظ، وحكي عنه "أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا"، أي: ليلًا أو ليلًا ونهارًا، لما مر أن رؤيته فيهما سواء.
"وعند السهيلي اثني عشر"، وجزم القرطبي بالأوَّل، وقال في مناهل الصفاء: هذا لم يوجد في شيء من كتب الحديث، ونحوه قول الحيضري, ما ذكره القرطبي والسهيلي: لم أقف له على سند، ولا أصل يرجع إليه، والناس يذكرون أنها لا تزيد على تسعة أنجم، فيما يرون. انتهى، وهذا عجيب مع قول التلمساني: جاء في حديث ثابت عن العباس، ذكره ابن أبي خيثمةстр. 2524
وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جلّ نظره الملاحظة.
وهي مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأمّا الذي يلي الأنف فالمؤق والماق. وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا, أراد أنه لا يسارق
الحواشي
(١) أ. هـ، والثريا مصغَّر ثروى من الثروة، وهي الكثرة.
قال في مناهج الفكر: ستة أنجم صغار طمس، يظنها من لا معرفة له سبعة مجتمعة بينها نجوم صغار، كالرشاش، وحكي أنها اثنا عشر نجمًا، لم يتحقق الناس منها غير ستة، أو سبعة، ولم ير جميعًا غير النبي ﷺ لقوة جعلها الله في بصره، والنجم علم عليها بالغلبة، كالكوكب للزهرة.
"وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا" جملة شرطية معطوفة على الشرطية الأولى، وهي قوله: إذا زال زال قلعًا، "خافض" من الخفض، ضد الرفع "الطرف"، أي: إذا نظر إلى شيء خفض بصره، ولا ينظر إلى الأطراف والجوانب بلا سبب، بل لم يزل مطرقًا متوجهًا إلى عالم الغيب، مشغولًا بحاله، متفكرًا في أمور الآخرة؛ لأنَّ هذا شأن المتواضع، وهو متواضع سليقة، وشأن المتأمل المتفكر المشتغل بربه، وقيل: هو كناية عن شدة حيائه، أو لين جانبه، أو عدم كثرة سؤال واستقصائه إلّا في واجب، وأردفه بما هو، كالتفسير له أو التأكيد، فقال: "نظره إلى الأرض" حال السكوت، وعدم التحدث "أطول"، أي: أكثر "من نظره إلى السماء"؛ لأنه أجمع للفكرة، وأوسع للاعتبار؛ لاشتغاله بالباطن، وإعمال جنانه فيما بع لأجله، أو لكثرة حيائه وأدبه مع ربه، أو لأنه بعث لتربية أهل الأرض لا أهل السماء، والأوَّل أحسن، والنظر -بفتحتين- تأمل الشيء بالعين، كما في الصحاح، وبالتقييد بعدم التحدث لا ينافي رواية أبي داود، كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء، أو يحمل الإكثار على الحقيقي، لا الإضافي، وقيل: أكثر لا ينافي الكثرة "جلّ نظره" -بضم الجيم- أي: معظمه، وأكثره "الملاحظة، وهي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ"، وهي لحاظ العين -بالفتح، أي: مؤخره، أي: إن أكثر نظره في غير أوان الخطاب الملاحظة، فلا ينافي قوله: وإذا التفت التفت جميعًا، وتطلق الملاحظة أيضًا لغةً على المراقبة والمراعاة، وتفسيره بهذا أنسب وأكمل بمفرمه ﷺ ، وقيل: المراد أنَّ نظره إلى الأشياء لم يكن كنظر أهل الحرص إلى الدنيا وزخرفها، امتثالًا لأمر ربه بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] الآية.
"وأما الذي يلي الأنف فالمؤق" بالهمز- "والماق" بالألف، "وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا"، وفي رواية جمعًا كضربًا، نصب على المصدر أو الحال، "أراد أنه لا يسارق النظر،стр. 2525
النظر، وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف, ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر جميعًا. قاله ابن الأثير.
وعن علي قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة. رواه البيهقي.
وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين، رواه مسلم.
والشكلة: الحمرة...................................................
الحواشي
(١) وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف" صفة كاشفة، فالطيش لغةً الخِفَّة، "ولكن كان يقبل جميعًا، ويدبر جميعًا؛ قاله ابن الأثير" في النهاية.
"وعن علي" بن أبي طالب ﵁ "قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين" أي: شديد اتساعهما، فهو بمعنى رواية الترمذي وغيره عن علي: أدعج العينين، قال الجوهري: الدعج محركًا: شدة سواد العين مع سعتها, "أهدب الأشفار" جمع شفر -بالضم وتفتح- وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، أي: الهدب، وإيهامه، أن الأشفار هي الأهداب غير مراد، فقد قال ابن قتيبة: العامّة تجعل أشفار العين الشعر وهو غلط، وفي المغرب وغيره: لم يذكر أحد من الثقات أن الأشفار الأهداب، فهو إمَّا على حذف مضاف، أي: الطويل شعر الأشفار، أو سمَّى النابت باسم المنبت للملابسة، "مشرب العين" بصيغة اسم المفعول مخففًا، ومشددًّا "بحمرة"، وهي عروق حمر رقاق, من علاماته في الكتب السابقة "رواه البيهقي".
"وعن جابر بن سمرة" -بضم الميم وإسكانها- "قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم" بفتح الضاد المعجمة- عظيمة أو واسعة، ولذا كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، والعرب تذم ضيقه، وتمدح سعته؛ لدلالته على قوة الفصاحة، وقيل: هو كناية عن فصاحته، وقيل: المراد ذبول شفتيه ورقتهما وحسنهما، وكما تمدح العرب بعظم الفم تتمدح بكثرة ريقه عند المقامات والخطب والحروب؛ لدلالته على ثبات الجنان، بخلاف الجبان، فيجفّ ريقه في هذه المحافل، "أشكل العينين" بالتثنية، وفي نسخة: العين بالإفراد, على إرادة الجنس, "منهوس" -بسين مهملة, وفي رواية: معجمة، والمعنى واحد، أي: قليل لحم "القدمين".
وفي رواية: العقب -بفتح، فكسر, مؤخَّر القدم، وفي القاموس: المنهوس من الرجال قليل اللحم، ومنهوس القدمين معرقهما، "رواه مسلم" والترمذي، "والشكلة" بضم الشين "الحمرةследующие страницы →