← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع وقدم عليه ﷺ وفد النخع، وهم آخر الوفود قدومًا عليه, وكان قدومهم في نصف المحرَّم سنة إحدى عشرة، في مائتي رجل، فنزلوا دار الأضياف، ثم جاءوا إلى رسول الله ﷺ مقرِّين بالإسلام، وقد كانوا بايعوا معاذ بن جبل.

стр. 2487

فقال رجل منهم، يقال له: زرارة بن عمرو، يا رسول الله, إني رأيت في سفري هذا عجبًا، قال: "وما رأيت"؟ قال: رأيت أتانًا تركتها كأنها ولدت جديًا أسفع أحوى، فقال له رسول الله ﷺ : "هل تركت لك مصرة"؟ قال: نعم، قال: "فإنها قد ولدت غلامًا وهو ابنك"، فقال يا رسول الله: ما باله أسفع أحوى؟

стр. 2488

قال: "ادن مني"، فدنا منه، قال: "هل بك من برص تكتمه"؟ قال: والذي بعثك بالحق نبيًّا ما علم به أحد، ولا اطَّلع عليه غيرك، قال: "فهو ذلك". قال: يا رسول الله، ورأيت النعمان بن المنذر وعليه قرطان مدلجيان ومسكتان. قال: "ذلك ملك العرب رجع إلى أحسن زيه وبهجته". قال: يا رسول الله، ورأيت عجوزًا شمطاء، خرجت من الأرض. قال: "تلك بقية الدنيا".

стр. 2489

قال: ورأيت نارًا خرجت من الأرض, فحالت بيني وبين ابن لي يقال له عمرو، قال رسول الله ﷺ : "تلك فتنة تكون في آخر الزمان" , قال: يا رسول الله، وما الفتنة؟ قال: "تقتل الناس إمامهم" وخالف رسول الله ﷺ بين أصابعه, "يحسب المسيء فيها أنه محسن، ويكنّ دم المؤمن عند المؤمن أحلى من شرب الماء، إن مات ابنك أدركت الفتنة، وإن مت أنت أدركها ابنك". قال: يا رسول الله, ادع الله أن لا أدركها، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم لا يدركها". فمات فبقي ابنه فكان ممن خلع عثمان بن عثمان ﵁ انتهى ملخصًا من الهدي النبوي، والله الموفق, وسيأتي هذا إن شاء الله تعالى في تعبيره الرؤيا ﷺ , من المقصد الثاني. انتهى.

стр. 2490

المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ ... المقصد الثالث: فيما فضَّله الله تعالى به من كمال خلقته وجمال صورته, وكرمه تعالى به من الأخلاق الزكية, وشَرَّفه به من الأوصاف المرضية. وما تدعو ضرورة حياته إليه ﷺ , وفيه أربعة فصول. الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته ﷺ : اعلم أنَّ من تمام الإيمان به ﷺ , الإيمان بأن الله تعالى جعل خلق

стр. 2491

بدنه الشريف على وجه لم يظهر قبله ولا بعده خلق آدمي مثله، فيكون ما يشاهد من خلق بدنه آيات على ما يتضح من عظيم خلق نفسه الكريمة، وما يتضح من عظيم أخلاق نفسه آيات على ما تحقق له من سر قلبه المقدّس، ولله در الأبوصيري حيث قال: فهو الذي تَمَّ معناه وصورته ... ثم اصطفاه حبيبًا بارئ النسم منزه عن شريك في محاسنه ... فجوهر الحسن فيه غير منقسم

стр. 2492

يعني: حقيقة الحسن الكامل كائنة فيه؛ لأنه الذي تَمَّ معناه دون غيره، وهي غير منقسمة بينه وبين غيره، وإلّا لما كان حسنه تامًّا؛ لأنه إذا انقسم لم ينله إلّا بعضه فلا يكون تامًّا. وفي الأثر: إن خالد بن الوليد خرج في سرية من السرايا، فنزل ببعض الأحياء, فقال له سيد ذلك الحي: صِفْ لنا محمدًا، فقال: أما إني أفصل فلا، فقال الرجل: أجمل، فقال: الرسول على قدر المرسل،

стр. 2493

ذكره ابن المنير في أسرار الإسراء. فمن ذا الذي يصل قدره أن يقدر قدر الرسول، أو يبلغ من الاطلاع على مأثور أحواله المأمول والمسئول؟!. وقد حكى القرطبي -في كتاب الصلاة- عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا تمام حسنه ﷺ ؛ لأنه لو ظهر لنا تمام حسنه لما أطاقت أعيننا رؤيته ﷺ , ولقد أحسن

стр. 2494

الأبوصيري حيث قال أيضًا: أعيا الورى فهم معناه فليس يرى ... للقرب والبعد فيه غير منفحم كالشمس تظهر للعينين من بعد ... صغيرة وتكل الطرف من أمم وهذا مثل قوله أيضًا: إنما مثلوا صفاتك للنا ... س كما مثل النجوم الماء وأشار بقوله "تظهر" إلى وجه التشبيه بالشمس لا مطلقًا، ولقد بَيِّنَ عيب التشبيه بها على الإطلاق أبو النواس -عفا الله عنه

стр. 2495

حيث قال: يتيه الشمس والقمر المنير ... إذا قلنا كأنهما الأمير لأن الشمس تغرب حين تمسي ... وأن البدر ينقصه المسير وهذه التشبيات الواردة في حقه ﵊ إنما هي على سبيل التقريب والتمثيل، وإلا فذاته أعلى ومجده أغلى. فأما رأسه الشريف المقدَّس فحسبك ما ذكره الترمذي في جامعه بسنده إلى هند بن أبي هالة قال: كان رسول الله ﷺ عظيم الهامة.

стр. 2496

وقال نافع بن جبير: وصف لنا علي ﵁ رسول الله ﷺ فقال: كان عظيم الهامة. وأما وجهه الشريف: فحسبك ما روى الشيخان من حديث البراء قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأحسنهم خلقًا، ليس بالطويل الذاهب، ولا بالقصير البائن.

стр. 2497

وعن أبي هريرة: ما رأيت شيئًا أحسن من رسول الله ﷺ , كأنَّ الشمس تجري في وجهه. رواه الترمذي والبيهقي وأحمد وابن حبان. قال الطيبي: شبَّه جريان الشمس في فلكها بجريان الحسن في وجهه ﷺ . قال: ويحتمل أن يكون من تناهي التشبيه جعل وجهه مقرًّا ومكانًا للشمس

стр. 2498

ولله در القائل: لم لا يضيء بك الوجود وليلة ... فيه صباح من جمالك مسفر فبشمس حسنك كل يوم مشرق ... وببدر وجهك كل ليل مقمر وفي البخاري: سئل البراء: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل القمر. وكأنَّ السائل أراد مثل السيف في الطول، فردَّ عليه البراء فقال: بل مثل القمر، أي في التدوير، ويحتمل أن يكون أراد مثل السيف في اللمعان والصقالة،

стр. 2499

فقال: بل فوق ذلك، وعدل إلى القمر لجمعه الصفتين من التدوير واللمعان. وقال الحافظ النسابة أبو الخطاب بن دحية -رحمه الله تعالى- في كتابه "التنوير" في مولد البشير النذير" عند إيراد حديث البراء المذكور ما لفظه: ففي هذا الحديث, من العلم أنَّ التشبيه ممن لا يحسنه لا يصلح الإقرار عليه؛ لأن السائل شبَّه وجه رسول الله ﷺ بالسيف، ولو شبهه بالشمس كان أَوْلَى، فردَّ عليه البراء قوله وقال: بل مثل القمر، وأبدع في تشبيهه؛ لأن القمر يملأ الأرض بنوره، ويؤنس كل من يشاهده، ونوره من غير حَرٍّ يفزع،

стр. 2500

ولا كلل ينزع، والناظر إلى القمر متمكِّن من النظر بخلاف الشمس التي تعشي البصر. وفي رواية مسلم من حديث جابر بن سمرة، وقال له رجل: أكان وجه رسول الله ﷺ مثل السيف؟ فقال: لا، بل مثل الشمس والقمر وكان مستديرًا. وإنما قال: مستديرًا، للتنبيه على أنه جمع الصفتين؛ لأنَّ قوله: مثل السيف, يحتمل أن يريد به الطول، ويحتمل أن يريد به اللمعان -كما تقدَّمت إليه الإشارة فيما سبق من العبارة، فردَّه المسئول ردًّا بليغًا، ولما جرى

стр. 2501

التعارف به أن التشبيه بالشمس إنما يراد به غالبًا الإشراق، وبالقمر إنما يراد به الملاحة دون غيرهما، فقوله: وكان مستديرًا، إشارة إلى أنه أراد به التشبيه بالصفتين معًا: الحسن والاستدارة. وقال المحاربي عن أشعث عن أبي إسحاق عن جابر بن سمرة أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في ليلة إضحيان وعليه حلة حمراء،

стр. 2502

فجعلت أنظر إليه وإلى القمر، فلهو في عيني أحسن من القمر، وفي رواية: بعد قوله: حمراء, فجعلت أماثل بينه وبين القمر. وروى الترمذي والبيهقي عن علي أنه نعته ﷺ فقال: لم يكن بالمطهم ولا بالمكلثم، وكان في وجهه تدوير قليل. والمكلثم: المدور الوجه, أي: لم يكن شديد تدوير الوجه, بل في وجهه تدوير قليل. وأنه في حديث علي عند أبي عبيد في الغريب: وكان في وجهه تدوير قليل، قال أبو عبيد

стр. 2503

في شرحه: يريد أنه ما كان في غاية التدوير، بل كان فيه سهولة وهي أحلى عند العرب. وفي حديث أبي هريرة عند الذهلي في الزهريات في صفته ﷺ : كان أسيل الخدين. قال ابن الأثير: الأسالة في الخد: الاستطالة, وأن لا يكون مرتفع الوجنة. وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ولعلَّ هذا هو الحامل لمن سأل: أكان وجهه مثل السيف؟ وأخرج البخاري عن كعب بن مالك قال: كان رسول الله ﷺ إذا سرَّ استنار وجهه كأنَّه قطعة قمر، وكنَّا نعرف ذلك منه، أي: الموضع الذي يتبين فيه السرور وهو

стр. 2504

جبينه. وقالت عائشة ﵂: دخل عليَّ النبي ﷺ يومًا مسرورًا تبرق أسارير وجهه. ولذلك قال كعب: كأنه قطعة قمر. وفي حديث جبير بن معطم عند الطبراني: التفت إلينا رسول الله ﷺ بوجهٍ مثل شقة القمر. فهذا محمول على صفته عند الالتفات. وقد أخرج الطبراني حديث كعب بن مالك من طرق في بعضها: كأنه دارة قمر. ويسأل عن السر في التقييد بالقطعة مع كثرة ما ورد للبلغاء من تشبيه الوجه بالقمر بغير

стр. 2505

تقييد. وقد كان كعب بن مالك قائل هذا من شعراء الصحابة، فلابُدَّ للتقييد بذلك من حكمة. وما قيل في أن ذلك من الاحتراز من السواد في القمر ليس بالقوي؛ لأن المراد بتشبيهه ما في القمر من الضياء والاستنارة, وهو في تمامه لا يكون فيها أقلّ مما في القطعة المجردة، فكأنَّ التشبيه وقع على بعض الوجه فناسب أن يشبه ببعض القمر. وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: كان وجه رسول الله ﷺ كدارة القمر، أخرجه أبو نعيم. وروى البيهقي عن أبي إسحاق الهمداني.

стр. 2506

عن امرأة من همدان -سماها- قالت: حججت مع النبي ﷺ مراتٍ, فرأيته على بعير له يطوف بالكعبة, بيده محجن, عليه بردان أحمران, يكاد يمس شعره منكبه, إذا مَرّ بالحجر استلمه بالمحجن ثم يرفعه إلى فمه فيقبّله. قال أبو إسحاق: فقلت لها شبهيه فقالت: كالقمر ليلة البدر، لم أر قبله ولا بعده مثله ﷺ . وروى الدارمي والبيهقي وأبو نعيم والطبراني عن أبي عبيدة بن محمد بن

стр. 2507

عَمَّار بن ياسر قال: قلت للربيع بنت معوّذ صفي لنا رسول الله ﷺ ، قالت: لو رأيته لقلت: الشمس طالعة، وفي لفظ: يا بني لو رأيته لرأيت الشمس طالعة. وروى مسلم عن أبي الطفيل أنه قيل له: صف لنا رسول الله ﷺ فقال: كان أبيض مليح الوجه. وفيما خرجه الترمذي من حديث هند بن أبي هالة:

стр. 2508

كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا يتلألأ وجهه تلألأ القمر ليلة البدر. وقالت أم معبد حين وصفته لزوجها: مبلج الوجه، يعني: مشرقه مضيئه، ومنه: تبلج الصبح إذا أسفر، وما أحسن قول سيدي علي بن وفى حيث قال:

стр. 2509

ألا يا صاحب الوجه المليح ... سألتك لا تغيب عني فأنت روحي متى ما غاب شخصك عن عياني ... رجعت فلا ترى إلّا ضريحي بحقك جد لرقك يا حبيبي ... وداوي لوعة القلب الجريح ورقَّ لمغرم في الحب أمسى ... وأصبح بالهوى دنفًا طريح محب ضاق بالأشواق ذرعًا ... وآوى منك للكرم الفسيح وفي النهاية: إنه ﵊ كان إذا سر فكان وجهه المرآة، وكان الجدر تلاحك وجهه. قال: والملاحكة: شدة الملاءمة، أي: يرى شخص الجدر في وجهه ﷺ . وفي حديث ابن أبي هالة: يتلألأ وجهه تلألؤ القمر

стр. 2510

ليلة البدر. وذلك: لأنَّ القمر يملأ الأرض بنوره, ويؤنس كل من يشاهده، وهو يجمع النور من غير أذى، ويتمكَّن من النظر إليه, بخلاف الشمس التي تغشي البصر فتمنع من تمكن الرؤية، والتشبيه بالبدر أبلغ في العرف من التشبيه بالقمر؛ لأنه وقت كماله، كما قال الفاروق حين رآه أو كلما رآه: لو كنت من شيء سوى بشر ... كنت المنور ليلة البدر وقد صادف هذا التشبيه تحقيقًا، فمن أسمائه ﷺ : البدر:

стр. 2511

طلع البدر علينا ... من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ... ما دعا لله داع ولقد أحسن من قال: كالبدر والكاف إن أنصفت زائدة ... فلا تظنَّنَّها كافًا لتشبيه وما أحلى قول ابن الحلاوي: يقولون: يحكي البدر في الحسن وجهه ... وبدر الدجى عن ذلك الحسن ينحط كما شبهوا غصن النقا بقوامه ... لقد بالغوا في المدح للغصن واشتطوا فقد حصل للبدر والغصن غاية في الفخر بهذا التشبيه، على أنَّ هذه التشبيهات الواردة في صفاته ﵊ إنما هي على عادة الشعراء والعرب،

стр. 2512

وإلّا فلا شيء في هذه التشبيهات المحدثات, يعادل صفاته الخِلْقية والخُلُقية، ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي -رحمه الله تعالى؛ حيث قال: كم فيه للأبصار حسن مدهش ... كم فيه للأرواح راح مسكر

стр. 2513

سبحان من أنشأه من سبحاته ... بشرًا بأسرار الغيوب يبشر قاسوه جهلًا بالغزال تغزلًا ... هيهات يشبهه الغزال الأحور هذا وحقك ما له من مشبه ... وأرى المشبه بالغزالة يكفر يأتي عظيم الذنب في تشبيهه ... لولا لرب جماله يستغفر فخر الملاح بحسنهم وجمالهم ... وبحسنه كل المحاسن تفخر فجماله مجلى لكل جميلة ... وله منار كل وجه نير جنات عدن في جنى وجناته ... ودليله أن المراشف كوثر

стр. 2514

هيهات ألهو عن هواه بغيره ... والغير في حشر الأجانب يحشر كتب الغرام علي في أسفاره ... كتبًا تئوّل بالهوى وتفسر فدع الدعي وما ادعاه في الهوى ... فدعيه بالهجر فيه تهجر وعليك بالعلم العليم فإنه ... لخطيبه في كل خطب منبر وأما بصره الشريف ﷺ , فقد وصفه الله تعالى في كتابه العزيز بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] .

стр. 2515

وعن ابن عباس ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ يرى بالليل في الظلمة كما يرى في النهار في الضوء. رواه البخاري. وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ يرى في الظلمات كما يرى في الضوء. رواه البيهقي.

стр. 2516

وعن أبي هريرة أنه ﷺ قال: "هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى عليّ ركوعكم ولا سجودكم، إني لأراكم من وراء ظهري" رواه البخاري ومسلم. وعند مسلم من رواية أنس بن مالك أنه ﷺ قال: "أيها الناس، إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي".

стр. 2517

وعن مجاهد: في قوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ، وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٩] قال: كان ﷺ يرى من خلفه من الصفوف، كما يرى من بين يديه. رواه الحميدي في مسنده، وابن المنذر في تفسيره. وهذه الرؤية رؤية إدراك, والرؤية لا تتوقف على

стр. 2518

وجود آلتها التي هي العين عند أهل الحق, ولا شعاع ولا مقابلة، وهذا بالنسبة إلى القديم العالي، أما المخلوق: فتتوقَّف صفة الرؤية في حَقِّه على الحاسَّة والشعاع والمقابلة بالاتفاق، ولهذا كان خرق عادة في حقِّه ﵊، وخالق البصر في العين قادر على خلقه في غيرها. قال الحرالي: وهذه الآية قد جعلها الله تعالى دالّة على ما في حقيقة أمره في الاطّلاع الباطن لسعة علمه، ومعرفته لما بربه لا بنفسه, أطلعه على ما بين يديه مما تقدَّم من أمر الله، وعلى ما وراء الوقت

стр. 2519

مما تأخَّر من أمر الله، فلمَّا كان على ذلك من الإحاطة في إدراك مدركات القلوب, جعل الله تعالى له ﷺ مثل ذلك في مدركات العيون، فكان يرى المحسوسات من وراء ظهره كما يراها من بين يديه, كما قال ﷺ . انتهى. ومن الغريب ما ذكره الزاهدي يختيار محب بن محمود، شارح القدوري في رسالته الناصرية: أنه ﷺ كان له بين كتفيه عينان كسَمِّ الخياط يبصر بهما، ولا تحجبهما الثياب. وقيل: بل كانت صورهم تنطبع في حائط قبلته كما تنطبع في المرآة أمثلتهم فيها، فيشاهد أفعالهم، وهذا إن كان نقلًا عن الشارع ﵊ بطريق صحيح فمقبول, وإلا فليس المقام مقام رأي، على أن الأقعد في إثبات كونه معجزة حملها على الإدراك من غير آلة. والله أعلم.

стр. 2520

وقد ذهب بعضهم إلى أن هذه الرؤية رؤية قلبه الشريف. وعن بعضهم: المراد بها العلم, إما بأن يوحى إليه كيفية فعلهم, أو بأن يلهم، والصحيح والصواب ما تقدَّم. وقد استشكل على قول من يقول: إن المراد بذلك العلم، ما ذكره ابن الجوزي في بعض كتبه بغير إسناد: أنه ﷺ قال: "إني لا أعلم ما وراء جداري هذا" , فإن صحَّ فالمراد منه نفي العلم بالمغيبات،

стр. 2521

فكيف يجتمعان؟ وأجيب بأنَّ الأحاديث الأُوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد, وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر وهو الصواب فلا إشكال؛ لأن نفي العلم هنا عن الغيب وذاك عن مشاهدة. وفي "المقاصد الحسنة" للحافظ شمس الدين السخاوي حديث: "ما أعلم ما خلف جداري هذا". قال شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن حجر: لا أصل له. قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه. هو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة في ذلك

стр. 2522

مقيدة بحالة الصلاة, وبذلك يجمع بينه وبين قوله: "لا أعلم ما رواء جداري هذا" انتهى. قال شيخنا: وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافي بينهما لعدم تواردهما على محل واحد. فإن قيل: يشكل على هذا -أيضًا- إخباره ﷺ بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده، ووقعت كما أخبر ﷺ . فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله

стр. 2523

تعالى، وما وقع منه على لسان نبيه ﷺ وغيره فمن الله تعالى، إمَّا بوحي أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث الذي فيه: أنه لما ضلت ناقته ﷺ تكلّم بعض المنافقين وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال ﷺ لما بلغه ذلك: "والله إني لا أعلم إلّا ما علَّمني ربي، وقد دلني الله عليها, وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها" , فذهبوا فوجدوها كما أخبر ﷺ . فصحَّ أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلّا ما أعلمه ربه ﵎. وذكر القاضي عياض في الشفاء أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي: اثني عشر.

стр. 2524

وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جلّ نظره الملاحظة. وهي مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأمّا الذي يلي الأنف فالمؤق والماق. وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا, أراد أنه لا يسارق

стр. 2525

النظر، وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف, ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر جميعًا. قاله ابن الأثير. وعن علي قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة. رواه البيهقي. وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين، رواه مسلم. والشكلة: الحمرة...................................................
следующие страницы →