Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
فكيف يجتمعان؟
وأجيب بأنَّ الأحاديث الأُوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد, وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر وهو الصواب فلا إشكال؛ لأن نفي العلم هنا عن الغيب وذاك عن مشاهدة.
وفي "المقاصد الحسنة" للحافظ شمس الدين السخاوي حديث: "ما أعلم ما خلف جداري هذا". قال شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن حجر: لا أصل له. قلت: ولكنه قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدامه. هو في الصحيحين وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة في ذلك
الحواشي
(١) أعلمكم من وراء ظهري، وهو مغيب، فيصير المعنى: أعلم المغيبات ولا أعلمها، "فكيف يجتمعان"، فمبنى التناقض على تفسيره بالعلم؛ إذ لو فُسِّرَ عدم التناقض بما وراء الجدار المشار إليه لم يتحقق تناقض، "وأجيب بأن الأحاديث الأُوَل ظاهرها ينطق باختصاص ذلك بحالة الصلاة، ويحمل المطلق منها على المقيد" بحالة الصلاة، فقوله: "لا أعلم ما وراء جداري" معناه: في غير الصلاة، فلا إشكال، "وأما إذا ذهبنا إلى أن الإدراك بالبصر، وهو الصواب، فلا إشكال؛ لأن نفي العلم هنا" في خبر الجدار "عن الغيب، وذاك" الذي هو قوله: "إني لأراكم من وراء ظهري" "عن مشاهدة"، فلم يتواردا على محل، وأيضًا، فعدم رؤية ما وراء الجدار لا ينافي الرؤية بلا حائل، وأورد على حديث الرؤية أيضًا قوله ﷺ : "أيكم الذي ركع دون الصف"، فقال أبو بكر: أنا؛ إذ لو كان يرى ما سأل، وأجاب ابن عبد البر بأنَّ قصة أبي بكر كانت قبل أن يفضله الله بهذه الفضيلة، فإن شئونه ﷺ تتزايد دائمًا.
وفي أبي داود عن معاوية ما يدل على أن ذلك كان في آخر عمره، "وفي المقاصد الحسنة" في بيان كثير من الحاديث المشهورة على الألسنة، "للحافظ شمس الدين" محمد بن عبد الرحمن، "السخاوي"، شيخ المصنف، نسبة إلى سخا من أعمال مصر، على غير قياس، "حديث: "ما أعلم ما خلف جداري هذا".
"قال شيخنا -يعني شيخ الإسلام ابن حجر" الحافظ أبو الفضل العسقلاني: "لا أصل له، قلت: ولكنه"، أي: الحافظ نفسه، "قال في تلخيص تخريج أحاديث الرافعي"، الواقعة في شرحه على وجيز الغزالي، في الفقه، "عند قوله في الخصائص: ويرى من وراء ظهره كما يرى من قدّامه. هو" بمعناه "في الصحيحين، وغيرهما من حديث أنس وغيره، والأحاديث الواردة بذلكстр. 2522
مقيدة بحالة الصلاة, وبذلك يجمع بينه وبين قوله: "لا أعلم ما رواء جداري هذا" انتهى.
قال شيخنا: وهذا مشعر بوروده، وعلى تقدير وروده لا تنافي بينهما لعدم تواردهما على محل واحد.
فإن قيل: يشكل على هذا -أيضًا- إخباره ﷺ بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده، ووقعت كما أخبر ﷺ .
فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو أن علم الغيب مختص بالله
الحواشي
(١) مقيدة بحالة الصلاة"، كذا جزم به في التخريج، وجعله في فتح الباري ظاهرًا فقط، وقابله باحتمال الإطلاق، وأنه منقول عن مجاهد، "وبذلك يجمع بينه وبين قوله: "لا أعلم ما وراء جداري هذا"، انتهى" كلام الحافظ في التخريج.
"قال شيخنا" -يعني السخاوي: "وهذا مشعر بوروده"، فينافي قوله: لا أصل له، فهو تناقض منه، ويمكن أن مراده لا أصل له معتبر؛ لكونه ذكر بلا إسناد، لا أن مراده بطلانه، "وعلى تقدير وروده لا تنافي بينهما؛ لعدم تواردهما على محلّ واحد"؛ إذ الظاهر من الثاني أنَّ معناه نفي علم المغيبات، مما لم يعلم به ﷺ ، قد أخبر بمغيبات كثيرة كانت وتكون، وحينئذ فهو نظير لا أعلم إلّا ما علمني الله، ولكن مشى ابن الملقن، وقلده شيخنا على أن معناه نفي رؤية مَنْ خَلْفه، ومع ذلك، فلا تنافي بينهما أيضًا إن مشينا على ظاهر الأوّل من تقييده بالصلاة لكونه فيها، لا حائل بينه وبين المأمومين، وإن كان ابن الملقن لم ينظر لهذا، بل جعل الأول مقيدًا للثاني، والظاهر ما قلته، أما على قول مجاهد: ن ذلك كان واقعًا في جميع أحواله ﷺ ، فلا على أن بعضهم زعم أن المراد بالأول خلق علم ضروري له بذلك، والمختار حمله على الحقيقة، ولذا، قال ابن المنير: لا حاجة إلى التأويل، فإنه في معنى تعطيل، لفظ الشارع من غير ضرورة.
وقال القرطبي: حمله على ظاهره أَوْلَى؛ لأن فيه زيادة في كرامته ﷺ ، فإن قيل: قد روي أنه ﷺ ورد عليه وفد عبد القيس، وفيهم غلام وضيء، فأُقْعِدَ وراء ظهره، فالجواب: إنه مع كونه روي مسندًا ومرسلًا، والحكم عليه بالنكارة, فعله ﷺ ، إن صح، كما قال ابن الجوزي: ليسن، أو لأجل غيره، وقد أطلت الكلام على هذا الحديث في بعض الأجوبة، انتهى كلام المقاصد، وإن تكرر فيه بعض ما تقدَّم لما فيه من الفوائد، "فإن قيل: يشكل على هذا أيضًا إخباره ﷺ بكثير من المغيبات التي في زمنه وبعده"، كفتح الأمصار، وغير ذلك، "ووقعت كما أخبر ﷺ ، فالجواب: إن نفي العلم في هذا ورد على أصل الوضع، وهو أنّ علم الغيب مختص باللهстр. 2523
تعالى، وما وقع منه على لسان نبيه ﷺ وغيره فمن الله تعالى، إمَّا بوحي أو إلهام، ويدل على ذلك الحديث الذي فيه: أنه لما ضلت ناقته ﷺ تكلّم بعض المنافقين وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال ﷺ لما بلغه ذلك: "والله إني لا أعلم إلّا ما علَّمني ربي، وقد دلني الله عليها, وهي في موضع كذا وكذا، حبستها شجرة بخطامها" , فذهبوا فوجدوها كما أخبر ﷺ .
فصحَّ أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره إلّا ما أعلمه ربه ﵎.
وذكر القاضي عياض في الشفاء أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وعند السهيلي: اثني عشر.
الحواشي
(١) تعالى"، كما قال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا, إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ ، "وما وقع منه على لسان نبيه ﷺ وغيره، فمن الله تعالى، إمَّا بوحي" على يد ملك، أو منام "أو إلهام"، وهو من الوحي، "ويدل على ذلك الحديث الذي فيه أنّه لما ضلت ناقته"، غابت وخفيت، فلم يهتد إليها، وهي القصواء، حين كان سائر إلى غزوة تبوك " ﷺ ، تكلّم بعض المنافقين"، وهو زيد بن اللصيت، "وقال: إن محمدًا يزعم أنه يخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته، فقال ﷺ لما بلغ ذلك" بإخبار الله له بوحي، أو إلهام، لا مبلغ من الناس، كما في الحديث: "والله إني لا أعلم إلّا ما علمني ربي"، فإخباري بأمر السماء إنما هو بتعليم الله، والنبي لا يعلم كل غيب.
قال: ذلك رد الزعم المنافق؛ أنه لو كان نبيًّا لعلم مكان ناقته، "وقد دَلَّني الله عليها، وهي في موضع كذا وكذا"، لشعب عينه لهم، وأشار لهم إليه, "حبستها" منعتها "شجرة بخطامها" بزنة كتاب، وفي رواية بزمامها، "فذهبوا فوجدوها كما أخبر ﷺ "، فجاءوا بها، "فصحَّ أنه لا يعلم ما وراء جداره ولا غيره، إلّا ما أعلمه ربه ﵎"، فإن ثبت الحديث، فلا إشكال عليه.
"وذكر القاضي عياض في الشفاء" بلفظ، وحكي عنه "أنه ﷺ كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا"، أي: ليلًا أو ليلًا ونهارًا، لما مر أن رؤيته فيهما سواء.
"وعند السهيلي اثني عشر"، وجزم القرطبي بالأوَّل، وقال في مناهل الصفاء: هذا لم يوجد في شيء من كتب الحديث، ونحوه قول الحيضري, ما ذكره القرطبي والسهيلي: لم أقف له على سند، ولا أصل يرجع إليه، والناس يذكرون أنها لا تزيد على تسعة أنجم، فيما يرون. انتهى، وهذا عجيب مع قول التلمساني: جاء في حديث ثابت عن العباس، ذكره ابن أبي خيثمةстр. 2524
وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء جلّ نظره الملاحظة.
وهي مفاعلة من اللحظ: وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ، وأمّا الذي يلي الأنف فالمؤق والماق. وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا, أراد أنه لا يسارق
الحواشي
(١) أ. هـ، والثريا مصغَّر ثروى من الثروة، وهي الكثرة.
قال في مناهج الفكر: ستة أنجم صغار طمس، يظنها من لا معرفة له سبعة مجتمعة بينها نجوم صغار، كالرشاش، وحكي أنها اثنا عشر نجمًا، لم يتحقق الناس منها غير ستة، أو سبعة، ولم ير جميعًا غير النبي ﷺ لقوة جعلها الله في بصره، والنجم علم عليها بالغلبة، كالكوكب للزهرة.
"وفي حديث أبي هالة: وإذا التفت التفت جميعًا" جملة شرطية معطوفة على الشرطية الأولى، وهي قوله: إذا زال زال قلعًا، "خافض" من الخفض، ضد الرفع "الطرف"، أي: إذا نظر إلى شيء خفض بصره، ولا ينظر إلى الأطراف والجوانب بلا سبب، بل لم يزل مطرقًا متوجهًا إلى عالم الغيب، مشغولًا بحاله، متفكرًا في أمور الآخرة؛ لأنَّ هذا شأن المتواضع، وهو متواضع سليقة، وشأن المتأمل المتفكر المشتغل بربه، وقيل: هو كناية عن شدة حيائه، أو لين جانبه، أو عدم كثرة سؤال واستقصائه إلّا في واجب، وأردفه بما هو، كالتفسير له أو التأكيد، فقال: "نظره إلى الأرض" حال السكوت، وعدم التحدث "أطول"، أي: أكثر "من نظره إلى السماء"؛ لأنه أجمع للفكرة، وأوسع للاعتبار؛ لاشتغاله بالباطن، وإعمال جنانه فيما بع لأجله، أو لكثرة حيائه وأدبه مع ربه، أو لأنه بعث لتربية أهل الأرض لا أهل السماء، والأوَّل أحسن، والنظر -بفتحتين- تأمل الشيء بالعين، كما في الصحاح، وبالتقييد بعدم التحدث لا ينافي رواية أبي داود، كان إذا جلس يتحدث يكثر أن يرفع طرفه إلى السماء، أو يحمل الإكثار على الحقيقي، لا الإضافي، وقيل: أكثر لا ينافي الكثرة "جلّ نظره" -بضم الجيم- أي: معظمه، وأكثره "الملاحظة، وهي مفاعلة من اللحظ، وهو النظر بشق العين الذي يلي الصدغ"، وهي لحاظ العين -بالفتح، أي: مؤخره، أي: إن أكثر نظره في غير أوان الخطاب الملاحظة، فلا ينافي قوله: وإذا التفت التفت جميعًا، وتطلق الملاحظة أيضًا لغةً على المراقبة والمراعاة، وتفسيره بهذا أنسب وأكمل بمفرمه ﷺ ، وقيل: المراد أنَّ نظره إلى الأشياء لم يكن كنظر أهل الحرص إلى الدنيا وزخرفها، امتثالًا لأمر ربه بقوله: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ [الحجر: ٨٨] الآية.
"وأما الذي يلي الأنف فالمؤق" بالهمز- "والماق" بالألف، "وقوله: وإذا التفت التفت جميعًا"، وفي رواية جمعًا كضربًا، نصب على المصدر أو الحال، "أراد أنه لا يسارق النظر،стр. 2525
النظر، وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف, ولكن كان يقبل جميعًا ويدبر جميعًا. قاله ابن الأثير.
وعن علي قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين، أهدب الأشفار، مشرب العين بحمرة. رواه البيهقي.
وعن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم أشكل العينين منهوس القدمين، رواه مسلم.
والشكلة: الحمرة...................................................
الحواشي
(١) وقيل: لا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة إذا نظر إلى الشيء، وإنما يفعل ذلك الطائش الخفيف" صفة كاشفة، فالطيش لغةً الخِفَّة، "ولكن كان يقبل جميعًا، ويدبر جميعًا؛ قاله ابن الأثير" في النهاية.
"وعن علي" بن أبي طالب ﵁ "قال: كان رسول الله ﷺ عظيم العينين" أي: شديد اتساعهما، فهو بمعنى رواية الترمذي وغيره عن علي: أدعج العينين، قال الجوهري: الدعج محركًا: شدة سواد العين مع سعتها, "أهدب الأشفار" جمع شفر -بالضم وتفتح- وهي حروف الأجفان التي ينبت عليها الشعر، أي: الهدب، وإيهامه، أن الأشفار هي الأهداب غير مراد، فقد قال ابن قتيبة: العامّة تجعل أشفار العين الشعر وهو غلط، وفي المغرب وغيره: لم يذكر أحد من الثقات أن الأشفار الأهداب، فهو إمَّا على حذف مضاف، أي: الطويل شعر الأشفار، أو سمَّى النابت باسم المنبت للملابسة، "مشرب العين" بصيغة اسم المفعول مخففًا، ومشددًّا "بحمرة"، وهي عروق حمر رقاق, من علاماته في الكتب السابقة "رواه البيهقي".
"وعن جابر بن سمرة" -بضم الميم وإسكانها- "قال: كان رسول الله ﷺ ضليع الفم" بفتح الضاد المعجمة- عظيمة أو واسعة، ولذا كان يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، والعرب تذم ضيقه، وتمدح سعته؛ لدلالته على قوة الفصاحة، وقيل: هو كناية عن فصاحته، وقيل: المراد ذبول شفتيه ورقتهما وحسنهما، وكما تمدح العرب بعظم الفم تتمدح بكثرة ريقه عند المقامات والخطب والحروب؛ لدلالته على ثبات الجنان، بخلاف الجبان، فيجفّ ريقه في هذه المحافل، "أشكل العينين" بالتثنية، وفي نسخة: العين بالإفراد, على إرادة الجنس, "منهوس" -بسين مهملة, وفي رواية: معجمة، والمعنى واحد، أي: قليل لحم "القدمين".
وفي رواية: العقب -بفتح، فكسر, مؤخَّر القدم، وفي القاموس: المنهوس من الرجال قليل اللحم، ومنهوس القدمين معرقهما، "رواه مسلم" والترمذي، "والشكلة" بضم الشين "الحمرةстр. 2526
تكون في بياض العين وهو محمود محبوب، وأمَّا الشهلة: فإنها حمرة في سوادها, وهذا هو الصواب: لا ما فسره به بعضهم بأنه طول شق العين.
وعند الترمذي في حديث عن علي، أنه نعت رسول الله ﷺ فقال: كان في وجهه تدوير أبيض مشرب بحمرة، أدعج العينين، أهدب الأشفار.
والأدعج: الشديد سواد الحداقة.
الحواشي
(١) تكون في بياض العين"، يقال: ماء أشكل إذا خالطه دم، "وهو محمود محبوب"، قال الشاعر:
ولا عيب فيها غير شكلة عينها ... كذاك عناق الخيل شكل عيونها
قال الحافظ العراقي: وهي إحدى علامات نبوته ﷺ ، ولما سافر مع ميسرة إلى الشام سأل عنه الراهب ميسرة، فقال: في عينيه حمرة، فقال: ما تفارقه، قال الراهب: هو هو، "وأما الشهلة". بضم الشين، وإسكان الهاء "فإنها حمرة في سوادها" ولم ترد في وصفه ﵇، وإنما ذكر معناها كغيره للفرق بينها وبين الشكلة الواردة، "وهذا" التفسير للشكلة "هو الصواب" المعروف في كتب اللغة، والغريب "لا ما فسر به بعضهم"، وهو سماك بن حرب، راويه عن جابر، "بأنه طول شق العين".
قال عياض: هو وهم من سماك باتفاق العلماء، وغلط ظاهر، فقد اتفق العلماء وأصحاب الغريب أن الشكلة حمرة في بياض العين، كالشهلة، في سوادها، انتهى لفظ عياض، وما في الشارح عنه مقلوب، "وعند الترمذي في حديث عن علي أنه نعت" وصف "رسول الله ﷺ فقال: كان في وجهه تدوير"، بالتنكير للنوعية، أو التقليل، أي: شيء قليل منه، كما مَرَّ "أبيض" بالرفع، أي: هو أبيض، فهي جملة مستقلة على نمط تعديد النعت، "مشرَب بحمرة" بصيغة اسم المفعول، مخففًا ومثقلًا للتكثير، والمبالغة من الإشراب، وهو خلط لون بلون, "أدعج العينين" بمهملة وجيم، أي: شديد سواد الحدقة مع سعتها، فلا يشكل بأنه أشكل؛ لأن الشكلة في البياض لا في السواد، "أهدب الأشفار" جمع شفر -بالضم وقد تفتح، "والأدعج: الشديد سواد الحدقة" من الدعج -بفتحتين، أي: مع اتساعها، كما في الصحاح وغيره.
وفي النهاية: الدعج: السواد في العين وغيرها، وقيل: شدة بياض البياض، وسواد السواد، وكأن من عارض رواية: أدعج برواية أشكل، بناه على ذا القول، وإلّا فالشكلة في البياض، لا في السواد، فلا إشكال على التفسيرين الأولين، ودعوى أن الدعج زرقة في بياض لقوله:
يا رب العيون السود قد فتكت ... فينا وصالت بأسياف من الدعج
لأن السيوف زرق، ردت بأن المراد تشبيهها بالسيوف في فتكها لا في لونها، فإنه أبيض وزرق، إنما يقال للسهام، كما قال امرؤ القيس:стр. 2527
والأهداب: الطويل الأشفار: وهي شعر العين.
وعنده -أيضًا- عن علي قال: كان أسود الحدقة أهدب الأشفار.
وعن علي: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن لأخطب يومًا على الناس، وحبر من أحبار اليهود واقف بيده سفر ينظر فيه، فلمَّا رآني قال: صف لي أبا القاسم، فقلت: ليس بالطويل البائن ولا بالقصير. الحديث، وفيه: قال علي: ثم سكت، فقال الحبر: وماذا؟ قلت: هذا ما يحضرني، قال الحبر: في عينيه حمرة حسن اللحية، ثم قال علي: هذه والله صفته، قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة في سفر آبائي، وإني أشهد أنه نبي وأنه رسول الله إلى الناس كافة. الحديث.
وأما سمعه الشريف فحسبك أنه قد قال:
الحواشي
(١) أتقتلني والمشرفي مضاجعي ... ومسنونة زرق كأنياب أغوال
"والأهدب الطويل الأشفار، وهي شعر العين"، فسَّره على ظاهره، وتقدَّم أنه ليس بمراد، وأنه إمَّا على حذف مضاف، أي: مغارز شعر العين، أو من تسمية الحال، وهو الشعر باسم المحل، وما في الشرح مقلوب، فلا ينافي قول ابن قتيبة العامَّة، تجعل أشفار العين الشعر، وهو غلظ، إنما هي حروف العين التي ينبت عليها الشعر، فكأن لسان حال المصنف يقول ما قيل في الحديث، يقال: على تفسيري، "وعن علي بعثني النبي ﷺ إلى اليمن لأخطب يومًا على الناس"، أعظهم وأذكرهم، ليتمكَّن إيمان من آمن، ويؤمن من لم يكن آمن، فخطبت "وحبر" بفتح الحاء وكسرها- لغتان مشهورتان, عالم "من أحبار يهود، واقف بيده سفر" بكسر السين- كتاب كبير "ينظر فيه، فلمَّا رآني، قال: صف لي أبا القاسم" ﷺ , "فقلت: ليس بالطويل البائن" بالهمز، وقراءته بالياء غلط.
قال في النهاية، أي: المفرط طولًا، الذي بعد عن قدر الرجال الطوال، وقال في فتح الباري: اسم فاعل من بان، أي: ظهر على غيره، أو فارق من سواه، "ولا بالقصير" أي: البائن، بل هو ربعة، ولكنه إلى الطول أقرب "الحديث، وفيه قال علي: ثم سكت، فقال الحبر: وماذا قلت, هذا ما يحضرني" من صفته الآن، "قال الحبر: في عينيه" بالتثنية "حمرة, حَسَن اللحية، ثم قال علي: هذه والله صفته، قال الحبر: فإني أجد هذه الصفة" التي وصفتها يا علي، والتي ذكرتها أنا، فتذكرتها، وحلف أنها صفته "في سفر آبائي، وإني أشهد أنه نبي، وأنه رسول الله إلى الناس كافَّة الحديث"، فذكر منه مقصوده هنا، وهو أن حمرة عينيه من آيات نبوته في الكتب السابقة، "وأمَّا سمعه الشريف، فحسبك أنه قد قال" خير حسبك، والرابط بينهما محذوف، دلَّстр. 2528
صلى الله عليه وسلم: "إني أرى ما لا ترون, وأسمع ما لا تسمعون، أطَّت السماء وحق لها أن تئط، ليس فيها موضع أربع أصابع إلّا وملك واضع جبهته ساجدًا لله تعالى" رواه الترمذي من رواية أبي ذر.
الحواشي
(١) عليه المقام، أي: كافيك في بيان كماله ووصوله إلى ما لم يصل إليه غيره قوله " ﷺ : "إني أرى ما لا ترون" " لما أعطاه الله تعالى من قوة البصر.
قال في الشفاء: والأحاديث كثيرة صحيحة في رؤيته ﷺ الملائكة والشياطين، ورفع النجاشي له حتى صَلَّى عليه، وبيت المقدس حتى وصفه لقريش، والكعبة حين بنى مسجده، وحكي عنه أنه كان يرى في الثريا أحد عشر نجمًا، وهذه كلها محمولة على رؤية العين، وهو قول ابن حنبل وغيره، وذهب بعضهم إلى ردّها إلى العلم، والظواهر تخالفه، ولا إحالة في ذلك، وهي من خواص الأنبياء انتهى.
ونازعه السيوطي في رفع النجاشي؛ بأنه لم يجده في كتب الحديث، وإنما الوراد فيها أنه رفع إليه معاوية المزني حتى صلى عليه، والنبي ﷺ بتبوك، أخرجه أبو يعلى والبيهقي عن أنس. انتهى، والمصنّف ذكر هذا الحديث بتمامه، وإن كان غرضه منه قوله: "وأسمع ما لا تسمعون" فهو صريح في قوة سمعه، وقوَّى ذلك بقوله: "أطَّت السماء" بفتح الهمزة، وشد الطاء- صاحت وصوتت من ثِقَلِ ما عليها من ازدحام الملائكة، وكثرة الساجدين فيها منهم, من الأطيط، وهو صوت الرحل والإبل من حمل أثقالها, وأل للجنس، ومعنى الحديث: وأنا سمعت ذلك لقوله في الحديث التالي: "إني لأسمع أطيط السماء"، "وحق" بفتح الحاء وضمها- على ما يفيده القاموس، فالضم من حق لك فعل كذا، والفتح من وقع ووجب، "لها أن تئط" بفتح الفوقية، وكسر الهمزة، وشد الطاء- أي: تصوّت، والجملة حالية أو معترضة؛ لبيان أنه لا ينكر أطيطها ولا يستغرب، وذلك لأنه "ليس فيها موضع أربع أصابع"، وهذه الرواية مبنية، أن قوله في رواية حكيم: موضع شبر، أي: ولا أقل منه "إلا وملك واضع جبهته" استعارة، أو حقيقة في البعض، كذا، قيل "ساجدًا لله تعالى".
وفي رواية: إلّا وفيه جبهة ملك ساجد يسبح الله ويحمده، وقد ادَّعى ابن الأثير أن أطيط السماء مَثَلٌ وإيذانٌ بكثرة الملائكة، وإن لم يكن أطيط، وإنما هو كلام تقريبي، أريد به تعزيز عظمة الله تعالى، ونظر فيه الشامي بقوله: "إني لأسمع أطيط السماء"، فالظاهر حمله على الحقيقة؛ فإنه أمر ممكن، ولا يتم الدليل إلا به، وألفاظه ﷺ يجب بقاؤها على ظاهرها إلّا لمانع، ولا مانع هنا، فكيف إذا كان الصرف على الظاهر يفوّت المقصود، "رواه الترمذي"، وأحمد، وابن ماجه، والحاكم، وصححه، كلهم "من رواية أبي ذر"، عنه ﷺ بزيادة: "والله لو تعلمون ما أعلمстр. 2529
وما رواه أبو نعيم عن حكيم بن حزام، بينما رسول الله ﷺ في أصحابه؛ إذ قال لهم: "تسمعون ما أسمع"؟ قالوا: ما نسمع من شيء، قال: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلازم أن تئط, وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم".
الحواشي
(١) لضحكتم قليلًا، ولبكيتم كثيرًا، وما تلذذتم بالنساء على الفرش، ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله"، "وما رواه أبو نعيم" عطف على أنه قد قال، أي: وحسبك رواية أبي نعيم، "عن حكيم" بفتح الحاء وكسر الكاف, "ابن حزام" بكسر المهملة وبالزاي- ابن خويلد بن أسد، بن عبد العزى، بن قصي القرشي، الأسدي، أبو خالد المكي، ابن أخي خديجة، أم المؤمنين، أسلم يوم الفتح، وصحب له أربع وسبعون سنة، وروى أحاديث في الكتب الستة وغيرها، وكان عالمًا بالنسب، وولد في جوف الكعبة، وعاش إلى سنة أربع وخمسين، أو بعدها، قال: "بينما رسول الله ﷺ في أصحابه إذ قال لهم: "تسمعون ما أسمع"؟ أي: أتسمعون، فهمزة الاستفهام التقديري مقدَّرة، "قالوا: ما نسمع من شيء"، زائد على ما جرت العادة بسماعه، وأما أنت, فلا نصل إلى ما تسمع، ففيه حذف الصفة، فلا يرد أن جوابهم بنكرة منفية، لا يلاقي سؤاله، فكان حقهم أن يقولوا: لم نسمع ما تسمع، وعدلوا عن هذا لئلّا يقتضي أنهم علموا ما سمع، لكن بغير السمع، وهو غير واقع، "قال: "إني لأسمع أطيط"، صوت "السماء"، أي: جنسها، فالمراد السبع، فإن قيل: كيف يكون صوتًا مسموعًا لسامع في محل لا يسمعه آخر معه، وهو مثله سليم الحاسَّة عن آفةٍ تمنع الإدراك، أجيب بأن الإدراك معنى يخلفه الله تعالى لمن يشاء، ويمنحه من يشاء، وليس بطبيعة ولا وتيرة واحدة، أي: طريقة مطَّردة، لا تختلف الناس فيها، "وما تلازم" لا يعترض عليها في "أن تئطّ"، كأن يقال في شأنها: لم أطت، "وما فيها موضع شبر"، فأقلّ لقوله في الرواية السابقة "أربع أصابع"؛ إذ هو كناية عن كثرة اشتغال أجزائها كلها، "إلا وعليه"، أي: الموضع، وفي نسخة: عليها, إما لتأويل الموضع بالبقعة، أو لعود الضمير للسماء، أي إلا وعليها في ذلك الموضع "ملك ساجد أو قائم".
فزاد في ذا الحديث القيام؛ لأن وضع الجبهة للسجود في الحديث قبله، كنايةً عن العبادة بغاية الخضوع والذلة، فلا ينافي ذا الحديث المفصّل، وقد روى ابن عساكر أن في السماء ملائكة قيام، لا يجلسون أبدًا، وسجود لا يرفعون أبدًا، وركوع لا يقومون أبدًا، يقولون: ربنا ما عبدناك حق عبادتك، ثم لا يرد أن الملائكة أجسام نورانية، لا يحصل بهم ثقل تئط به السماء؛ لأن المعنى يغلب عليها النور، لا ينافي أن كثرتهم توجب ثقلًا تئط منه على أنه حقيقي، وفي ذا الحديث ونحوه: إن الملائكة أكثر الخلق، لكن معرفة قدر كثرتهم وأصنافهم موكولة إلى الله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ ، ويروى في حديث مناجاة موسى، قال: يا رب من عبدك قبل آدم،стр. 2530
وأما جبينه الكريم ﷺ , فقد كان واضح الجبين، مقرون الحاجبين. بهذا وصفه علي، كما عند ابن سعد وابن عساكر فقال: مقرون الحاجبين صلت الجبين. أي: واضحه، والقرن: اتصال شعر الحاجبين.
وعند البيهقي عن رجل من الصحابة قال:
الحواشي
(١) قال: الملائكة، قال: كم هم؟ قال: اثنا عشر ألف سبط، قال: مثل الجن والإنس والطير والبهائم اثني عشر ألف مرة، وفي رواية: كم عدد السبط؟ قال: عدد التراب, والأخبار والآثار الدالة على أكثريتهم لا تكاد تحصى، "وأمَّا جبينه الكريم"، أي: صفته، والمراد جبيناه " ﷺ "، فالإضافة للاستغراق، وهما جبينان فوق الصدغين، مكتنفان الجبهة، يمينًا وشمالًا، وأفرد لوقوعه كذلك في رواية علي وغيره، ولعله أخَّره على البصر والسمع مع كونه فوقهما؛ لأن مدركاتهما لقوتهما تناسب مدركات الدماغ، وقدَّم البصر على السمع، مع أنه أفضل على ما قال بعض؛ لأنَّ مدركات البصر يستلذ بها عادة أقوى من السمع، "فقد كان واضح الجبين"، لم يقل واضحًا، محافظة على الوارد، "مقرون الحاجبين" ثنِّي فيهما؛ لأن وصفهما بالقرن يستدعي التعدد "بهذا وصفه علي، كما عند ابن سعد وابن عساكر، فقال: مقرون الحاجبين"، أي: الشعر المسمَّى بالحاجبين على أحد القولين لغة، والثاني أنهما العظمان فوق العينين بالشعر واللحم، فإن أريد هذا ففيه مضاف، أي: شعر الحاجبين، "صلت الجبين" بفتح المهملة، وإسكان اللام، وفوقية، وفي حديث ابن أبي هالة: واسع الجبين، أي: جنسه، والمراد بسعتهما امتدادهما طولًا وعرضًا، وسعتهما محمودة عند كل ذي ذوق سليم، وهو معنى رواية عليّ: صلت الجبين، "أي: واضحه"، ففي الصحاح: الصلت الجبين: الواضح، تقول منه: صلت -بالضم، أي: لللام صلوتة أ. هـ، فهو صفة ذاتية لجبين كل من وصف بذلك، لا من حيث ظهوره للرائي له ﷺ لما قام به من النور، وذكر ابن أبي خيثمة: كان ﷺ أجلى الجبين إذا طلع جبينه من بين الشعر، أو طلع من فلق الشعر، أو عند الليل، أو طلع بوجهه على الناس تراءى، أي: جبينه، كأنَّه هو السراج المتوقّد يتلألأ، وكانوا يقولون: هو -كما قال شاعره حسان ﵁:
متى يبد في الليل البهيم جبينه ... بلج مثل مصباح الدجى المتوقد
فمن كان أو من قد يكون كأحمد ... نظام لحق أو نكال لملحد
فهذا هو الزائد عن مطلق وضح الجبين، المسفر بالاتساع، والامتداد "والقرن" -بفتحتين- "اتصال شعر الحاجبين"، إضافة بيانية أن فسَّر الحاجب بالشعر، ولامية من إضافة الجزء إلى كله أن فَسَّرَ بالعظم مع الشعر واللحم.
"وعند البيهقي عن رجل من الصحابة": لا ضير في إبهامه؛ لأنهم كلهم عدول، "قال:стр. 2531
رأيت رسول الله ﷺ ، فإذا رجل حسن الجسم, عظيم الجبهة, دقيق الحاجبين. ولله در القائل:
جبينه مشرق من فوق طرته ... يتلو الضحى ليلة والليل كافره
بالمسك خطت على كافور جبهته ... من فوق نوناتها سينًا ضفائره
مكمل الخلق ما تحصى خصائصه ... منضر الحسن قد قلت نظائره
وقال ابن أبي هالة: أزجّ الحواجب -وفُسِّرَ بالمقوس الطويل الوافر الشعر,
الحواشي
(١) رأيت رسول الله ﷺ ، فإذا" هو "رجل حسن الجسم"، أي: الجسد، "عظيم الجبهة، دقيق الحاجبين" بالدال من الدقة، خلاف الغلظ، أي: رقيقهما، "ولله در القائل" هو الأستاذ العارف محمد، وفي من قصيدة أولها:
إذا أباح ذم المهجور هاجره ... باح المحب بما تخفي ضمائره
"جبينه مشرق من فوق طرته" بضم الطاء المهملة- جانب الثوب الذي لا هدب له, والناصية -كما في القاموس، فكأنَّ المعنى هنا: إن جبينه يزيد لكثرة نوره، فيجاوز ناصيته، وينتشر على جوانب ثوبه، "يتلو الضحى"، أي: نوره الذي كبياض النهار وقت الضحى, "ليله" أي: سواد شعره الذي كالليل، "والليل كافره"، ساتر لذلك النور والإشراق، رحمة من الله، ورفقًا بالناس؛ إذ للاه ما استطاع أحد نظر وجهه الشريف, "بالمسك خطت" كتبت "على كافور", قال في القاموس: نبت طيب، نوره كنور الأقحوان، وطيب معروف لونه أحمر، وإنما يبيض بالتصعيد، انتهى باختصار, "جبهته، من فوق نوناتها سينًا"، مفعول خطت، والفاعل "ضفائره" بضاد معجمة، جمع ضفيرة، والمعنى على التشبيه والاستعارة ظاهر، "مكمّل الخلق" بفتح الخاء، وإسكان اللام, "ما تحصى خصائصه"، أي: لا يمكن إحصاؤها وعدها لكثرتها, "منضر" محسن "الحسن"، فهو مبالغة في المدح، "قد قَلَّت نظائره" عدمت فلا وجود لها، فالقلة تنتهي للعدم، كقولهم: قل رجل يقول كذا، أي: ليس رجل يقوله، "وقال ابن أبي هالة: أزجّ" بفتح الهمزة، والزاي، وتشديد الجيم- صفة مشبهة, "الحواجب" جمع حاجب, من الحجب: المنع, سُمِّيَ به حواجب، كأنَّه جعل كل قصحة اسمها حاجب، فوقع الجمع على القطع المختلفة مبالغة، وهذا أدق من قول جمع؛ لأنَّ التثنية جمع، "وفسّر" عند عياض في الشفاء "بالمقوّس"، أي: الحاجب المشبه بالقوس كالمتقوس كما في القاموس, "الطويل الوافر الشعر"، أي: المتصل بعضه ببعض؛ بحيث لا يتخلله فرج، فلا ينافي دقته، أي: رقته في نفسه، المستفادة من نعته بأزج، وهو الدقةстр. 2532
ثم قال: سوابغ من غير قرنٍ بينهما عرق يدره الغضب، أي: يمتلئ دمًا إذا غضب, كما يمتلئ الضرع لبنًا إذا در. قاله في النهاية.
وعن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊: اسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول، إني خلقتك من غير فحل، فجعلتك آية
الحواشي
(١) في طول وامتداد، كما قال حسان:
أزج كشق النون من يد كاتب
والزجج ما كان خلقه، والتزجيج ما صنع، كزججن الحواجب والعيونا، وتسميه العوام تخفيفًا -بمهملة، "ثم قال" ابن أبي هالة: "سوابغ" بسين وصاد، والسين أفصح- جمع سابغة، أي: كاملات.
قال الزمخشري: حال من المجرور، وهو الحواجب، وهي فاعلة في المعنى؛ إذ تقديره أزجّ حواجبه، أي: زجت حواجبه. انتهى, أو منصوب على المدح "من"، وفي رواية: في، وهي بمعنى من "غير قرن" -بفتحتين- أي: اجتماع، يعني أن طرفي حاجبيه، قد سبغا، أي: طالا حتى كادا يلتقيان ولم يلتقيا، فهو مكمل للوصف المذكور، أو هو حال أيضًا من الحواجب على الترادف، أو التداخل، ويأتي قريبًا الجمع بينه وبين وصفه بأقرن "بينهما"، أي: الحاجبين، فهو إشارة إلى أن الحواجب في معنى الحاجبين، وهو حال أيضًا من الحواجب، وترك العطف في الجملة الاسمية جائز "عرق" بكسر فسكون, "يدره" بضم أوله، وكسر ثانيه، وشَدِّ ثالثه- أي: يحركه ويظهره "الغضب", فيمتلئ ذلك العرق دمًا، فيظهر ويرتفع، وقوله: "أي: يمتلئ دمًا إذا غضب" تفسير للإدرار باللازم، وأثر له لا بيان لمعناه، يعني: إذا غضب حرك الغضب ذلك العرق، فامتلأ دمًا، "كما يمتلئ الضرع لبنًا إا در، قاله في النهاية"، فجعله من در اللبن إذا كثر ونوزع بأنه لا استقامة لهذا التجوّز، وقيل: هو من در السهم إذا دار على الظفر، وقيل: من الإدرار، وهو إخراج الريح المطر من السحاب، وجعله الزمخشري من أدرت المرأة الغزل؛ إذ فتلته شديدًا، واعترض بأنه لا قرينة لهذا المجاز.
"وعن مقاتل بن حيان" بمهملة وتحتية مشددة- النبيطي -بفتح النون والموحدة- أبي بسطام البلخي الخزاز -بمعجمة وزايين منقطوتين، صدوق فاضل، روى له مسلم وأصحاب السنن، أخطأ الأزدي في زعمه أن وكيعًا كذَّبه، وإنما كذَّب مقاتل بن سليمان، مات قبل الخمسين ومائة بأرض الهند.
ذكره الحافظ، "قال: أوحى الله تعالى إلى عيسى ﵊: اسمع وأطع يا ابن الطاهرة البكر البتول" المنقطعة عن الرجال، "إني خلقتك من غير فحل، فجعلتك آية" علامة دالة على قدرتي "للعالمين" الإنس والجن والملائكة؛ حيث خلقتك من غير فحل،стр. 2533
للعالمين، فإياي فاعبد، وعليَّ فتوكّل، فَسِّر لأهل سوران: أني أنا الله الحي القيوم، لا أزول، صدقوا النبي الأمي، صاحب الجمل والمدرعة والعمامة والنعلين والهراوة، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأهدب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، وريحه كالمسك ينفح منه، كأن عنقه إبريق فضة
الحواشي
(١) "فإياي فاعبد" لا غيري، "وعليّ فتوكل" لا على غيري، "فسِّر لأهل سوران: إني أنا الله الحيّ" الدائم البقاء, "القيوم" المبالغ في القيام بتدبير خلقه، "لا أزول، صدقوا النبي الأمي، صاحب الجمل والمدرعة" بكسر الميم- أي: القتال والملاحم، كما في الشامي في الأسماء، وإن كانت في الأصل كالدراعة، ثوب ولا يكون إلّا من صوف، كما في القاموس، "والعمامة والنعلين والهراوة" بكسر الهاء، ثم راء، فألف، فواو، فتاء تأنيث- العصا مطلقًا، أو الضخمة، "الجعد الرأس" بفتح الجيم، وإسكان العين- أي: جعوده متوسطة، فلا يخالف قول أنس في الصحيحين، والترمذي: ليس بالجعد القطط، ولا بالسبط القطط -بفتحتين, الشديد الجعودة كالسودان، والسبط -بفتح فكسر، أو سكون- المنبسط، المسترسل، الذي لا تكسر فيه، فهو متوسط بين الجعودة والسبوطة, "الصلت"، أي: الواضح "الجبين، المقرون الحاجبين، الأهداب الأشفار، الأدعج العينين، الأقنى الأنف، الواضح الخدين"، أي: ليس فيهما نتوء، ولا ارتفاع، فهو كقول هند: سهل الخدين، "الكث اللحية" بفتح الكاف ومثلثة- غير دقيقها، ولا طويلها، وفيها كثافة، كما في النهاية.
وفي التنقيح: كثير شعرها غير مسبلة، واللحية -بكسر اللام وفتحها- وهو لغة الحجاز، الشعر النابتت على الذقن خاصة, "عرقه" بالتحريك: ما يرشح من جلده "في وجهه كاللؤلؤ" في الصفاء والبياض.
وللبيهقي عن عائشة: كان يخصف نعله، وكنت أغزل، فنظرت إليه، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولد نورًا، "وريحه كالمسك ينفح" بفتح الفاء- أي: يهبّ "منه" ويظهر رائحته, "كأنَّ عنقه" بضم المهملة والنون وتسكن- "إبريق فضة"، صفاء، وطولًا متوسطًا لا مفرطًا، ففي حديث هند: معتدل الخلق، وفي حديث أبي هريرة: كان ﷺ أبيض، كأنما صيغ من فضة، رواه الترمذي، وعنده في حديث هند: كان عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، وجيد -بكسر الجيم وإسكان الياء- العنق, عَبَّر به تفننًا وكراهة للتكرار اللفظي، ودمية -بضم المهملة، وسكون الميم، وتحتية- الصورة، أو المنقوشة من نحو رخام أو عاج, شبَّه عنقه بعنقها؛ لأنه يتأنّق في صنعتها مبالغة في حسنها، وخصها لكونها كانت مألوفة عندهم دون غيرهم، وقوله: في صفاء الفضة حالстр. 2534
الحديث.
والأنجل: الواسع شق العين.
والقرن -بالتحريك: التقاء الحاجبين.
وما وصفه به ابن أبي هالة مخالف لما في حديث مقاتل بن حيان وما في حديث أم معبد, فإنها قالت: أزجّ أقرن، أي: مقرون الحاجبين، قال ابن الأثير: والأوّل هو الصحيح في صفته، يعني: سوابغ في غير قرن.
الحواشي
(١) مقيدة بالتشبيه به، أي: هو حال صفائه.
قال الزمخشري: وصف عنقه بالدمية في الإشراق والاعتدال، وظرف الشكل، وحسن الهيئة والكمال، وبالفضة في اللون والإشراق والجمال، "الحديث، والأنجل: الواسع شق العين"، لم يتقدّم حتى يحتاج إلى بيانه، لكنه سقط من قلمه بعد قوله: الأدعج العينين، لفظ الأنجل العينين، وهو بنون وجيم من النجلة السعة، ومنه طعنة نجلاء "والقرن -بالتحريك"، أي: فتح الأول والثاني، "التقاء" شعر "الحاجبين"، ففيه مضاف، "وما وصفه به ابن أبي هالة" من قوله: سوابغ من غير قرن، "مخالف لما في حديث مقاتل بن حيان", من قوله: المقرون الحاجبين، "و" مخالف "ما في حديث أم معبد، فإنها قالت": أحور أكحل، "أزج" يوصف به الرجل، والحاجب في المدح "أقرن، أي: مقرون الحاجبين".
قال ثابت في كتاب خلق الإنسان: رجل أقرن، وامرأة قرناء، فإذا نسب إلى الحاجبين قالوا: مقرون الحاجبين.
"قال ابن الأثير: والأول هو الصحيح في صفته" ﷺ ، "يعني: سوابغ في غير قرن"، وقال غيره: إنه المشهور، وإن قول الحسن: سألت خالي هند بن أبي هالة، وكان وصَّافًا، فارد لما حاء بخلافة، وجمع على تقدير الصحة، بأنَّه يحسب ما بيده للناظرين من بعد، أو بلا تأمّل، وأما القريب المتأمل فيرى بين حاجبيه فاصلًا لطيفًا مستثنيًا، فهو أبلج في الواقع، أقرن بحسب الظاهر للناظر من بعد، أو بلا تأمل، كما في وصف أنفه، يحسه من لم يتأمّله أشمّ، ولم يكن أشمّ، وبأنَّ بينهما شعرًا خفيفًا جدًّا، يظهر إذا وقع عليه الغبار، في نحو سفر، وحديثهما سفري، وبأنّ القرن حدث له بعد، وكان أولًا بلا قرن واستبعد.
قال الأنطاكي وغيره: والقرن معدود من معايب الحواجب، والعرب تكرهه، وأهل القيافة تذمّه، ويستحبون البلج، خلاف ما عليه العجم، وإذا دقَّقت النظر علمت أن نظر العرب أدق،стр. 2535
والقنى في الأنف: طوله ودقة أرنبته مع خدب في وسطه.
وقد وصفه ﵊ غير واحد: بأنَّه كان عظيم الهامة، كما في حديث ابن أبي هالة المشهور, وقال علي بن أبي طالب -في حديث رواه الترمذي وصححه البيهقي: ضخم الرأس. وكذا قال أنس في رواية البخاري.
وكان ﵊ أيضًا ضخم الكراديس، وهي رءوس العظام، كما وصفه به علي في حديث الترمذي, وقال أيضًا في رواية: جليل المشاش والكتد, وفُسِّرَ برءوس العظام كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أي: عظيمهما.
والكتد -بفتحتين ويجوز كسر التاء: مجتمع الكتفين.
وكان ﵊ دقيق العرنين،
الحواشي
(١) وطبعهم أرقّ، "والقنى في الأنف طوله، ودقة أرنبته مع خدب" -بمهملتين- "في وسطه"، وهو معنى قول ابن الأثير: وهو السائل الأنف، المرتفع وسطه، وقيل: هو نتوء في وسط القصبة، والأوّل أَوْلَى بالمدح، "وقد وصفه ﵊ غير واحد" من الصحابة؛ "بأنَّه كان عظيم الهامة" -بالتخفيف- الرأس عظمًا متوسطًا لا خارجًا؛ لأنه آية البلادة، "كما في حديث ابن أبي هالة المشهور" في الترمذي، "وقال علي بن أبي طالب في حديثٍ رواه الترمذي وصحَّحَه"، رواه "البيهقي" في الدلائل، "ضخم الرأس", أي: عظيمه، وهو محبوب ممدوح؛ لأنه أعون على الإدراكات، ونيل الكمالات، "وكذا قال أنس في رواية البخاري" بلفظ: كان ضخم الرأس واليدين والقدمين، "وكان ﵊ أيضًا ضخم الكراديس"، جمع كردوس -بالضم "وهي رءوس العظام"، كما قاله عياض وغيره، وقيل: هي كل عظمين التقيا في مفصل نحو الركبتين، والمنكبين، والوركين، وكيفما كان يدل على وفور المادة، وقوة الحواس، وكثرة الحرارة، وكمال القوى الدماغاية، "كما وصفه به عليّ في حديث الترمذي، وقال" الترمذي "أيضًا في رواية" عن علي أيضًا: "جليل"، أي: عظيم "المشاش" -بضم الميم، ومعجمتين- جمع مشاشة -بالضم والتخفيف، "والكتد"، وذلك علامة النجابة ونهاية القوة، "وفسر برءوس العظام؛ كالركبتين، والمرفقين، والمنكبين، أي: عظيمهما" تفسير لجليل، أي: المشاس والكتد، فهو مثل قوله في الرواية الأولى: وضخم الكراديس.
وفي الصحاح: المشاشة رءوس الأصابع، والعظام اللينة التي يمكن مضغها، "والكتد -بفتحتين" للكاف والفوقية، "ويجوز كسر التاء، مجتمع الكتفين"، كما قاله عياض وغيره، "وكان ﵊ دقيق العرنين" -بكسر المهملة، وإسكان الراء، وكسر النون الأُولَى،стр. 2536
أي: أعلى الأنف، كما وصفه به علي في رواية ابن سعد وابن عساكر، وفي روايته أيضًا عن ابن عمر من وصف علي له أيضًا: أقنى الأنف، وفسر بالسائل المرتفع وسطه، وقال ابن أبي هالة: أقنى العرنين له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أشم، والأشم: الطويل قصبة الأنف.
وأما فمه الشريف ﷺ : ففي مسلم من حديث جابر أنه ﷺ كان ضليع الفم،
الحواشي
(١) "أي: أعلى الأنف"، أي: أوّله؛ حيث يكون فيه الشمم، وهو ما تحت مجتمع الحاجبين، أو ما صلب من عظم الأنف، أو كله، ويجمع على عرانين، ويوصف به أشراف الناس لشموخ أنفهم، وارتفاعهم على أقرانهم، ويكنَّى به عن العزيز المحسود في قومه لعزِّه, ومنه:
إن العرانين تلقاها محسدة ... وما ترى للئام الناس حسادا
"كما وصفه به علي في رواية ابن سعد وابن عساكر، وفي روايته أيضًا، عن ابن عمر" ابن الخطاب "من وصف علي له أيضًا"، فهو في رواية صحابي، عن صحابي، "أقنى الأنف" -بقاف فنون مخففًا- من القنى، "وفسر" في النهاية "بالسائل" الأنف، "المرتفع وسطه" مع إحديدابه، وارتفاع أعلاه، كما مَرَّ قريبًا.
"وقال ابن أبي هالة: أقنى العرنين، له نور"، أي: للعرنين؛ لأنه أقرب، وقيل: للنبي؛ لأنه الأصل، فلامه بمعنى على "يعلوه"، يغلبه من حسنه، وبها رونقه، "يحسبه" بفتح السين وكسرها، قيل: وهو أولى, يظنه "من لم يتأمله" يُمْعِن النظر فيه "أشم" مفعول ثانٍ ليحسبه، أي: وليس بأشمّ، "والأشم: الطويل قصبة الأنف"، مع استواء أعلاه وانفراق الأرنبة، وقيل: الشمم: طول الأنف مع سيلانه ودقته، والأول أصح، وقد يعبر به عن عزة النفس، وعدم التنزل للأمور، ومما يمدح به، كما قال كعب:
شم العرانين إبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
"وأما فمه الشريف ﷺ "، أي: صفته ظاهرة وباطنة، فدخل الأسنان والخدان، فليس المراد حقيقته التي هي الخلاء الداخل، وجواب إمَّا مقدر، أي: فكان على غاية من الرونق والكمال، "ففي مسلم": الفاء للتعليل، بمعنى اللام "من حديث جابر" بن سمرة، كما في مسلم والترمذي، فكان عليه زيادته؛ لأنه عند الإطلاق ابن عبد الله، لكنه استغنى عن التقييد، لتقدمه قريبًا "أنه ﷺ كان ضليع الفم" -بفتح الضاد المعجمة، "يعني: واسعة" أو عظيمة.
قال الزمخشري: والضليع في الأصل الذي عظمت أضلاعه ووفرت، فاجفر جنباه، ثمстр. 2537
يعني واسعة. وكذا وصفه به ابن أبي هالة، وزاد: يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه، يعني: لسعة فمه، والعرب تمدح به وتذم بصغر القم.
وقال شمر: عظيم الأسنان.
وفي حديث عند البزار والبيهقي, قال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أسيل الخدين واسع الفم.
ووصفه ﷺ ابن أبي هالة فقال: أشنب مفلج الأسنان. والشنب: رونق الأسنان
الحواشي
(١) استعمل في موضع العظيم، وإن لم يكن، ثم أضلاع، وقيل: ضليعه: مهزوله وذابله، والمراد: ذبول شفتيه، ورقتهما، وحسنهما، وقيل: هو كناية عن قوة فصاحته، وكونه يفتتح الكلام، يختمه بأشداقه، والأول قول الأكثر.
قال النووي: وهو الأظهر، "وكذا وصفه به ابن أبي هالة، وزاد" في بعض طرق حديثه: "يفتتح الكلام ويختمه بأشداقه" جمع شدق -بكسر الشين وفتحها وسكون الهملة- جوانب فمه، "يعني: لسعة فمه، والعرب تمدح به وتذم بصغر الفم"؛ لدلالة السعة على الفصاحة والصغر على ضدها، والمولدون من الشعراء يمدحون صغره، وهو خطأ منهم، أو لمعنى لا يلتفت إليه لقبحه، "وقال شمر" -بكسر الشين المعجمة وسكون الميم- ابن عطية الأسدي، الكاهلي، الكوفي: معنى ضليع الفم، "عظيم الأسنان"، وتعقّب بأن المقام مقام مدح، وعظمهما مذموم بخلاف الفم، وأجيب بأن مراده بعظمها: شدتها وقوتها وتمامها، ولا يتوهم في سياق المدح غير هذا، وتعقب تفسيره أيضًا؛ بأن المتباردان ذلك إنما هو من معاني الضليع من غير إضافة إلى الفم، فلمَّا إضيف إليه استبان أن المراد عظمه لا عظم الأسنان، إلّا أن ثبت نقل عن أئمة هذا الشأن، وأجاب شيخنا: إملاء بأنه لا يلزم من استعماله مضافًا إلى معنى تخصيصه بما أضيف إليه، ومن تتبَّع ما ورد من استعمالات اللغة لا يتوقف فيه، فضلاعة الفم لا تتقيد بكونها في خصوص الفم، بل يجوز أن تكون صفة له باعتبار ما وجد فيه.
"وفي حديث عند البزار والبيهقي، قال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أسيل الخدين" بزنة أمير: لينهما، غير مرتفع الجنتين، فهو كقول هند: سهل الخدين، "واسع الفم"، فهذا يؤيد تفسير الأكثر ضليع بواسع؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، "ووصفه ﷺ ابن أبي هالة، فقال" عقب ضليع الفم: "أشنب" -بفتح الهمزة، وإسكان المعجمة، وفتح النون، وموحدة- أي: ذو شنب، "مفلج الأسنان" -بضم الميم، وشد اللام- "والشنب رونق"، أي: حسن "الأسنانстр. 2538
وماؤها. وقيل: رقتها وتحديدها. وأفلج الأسنان أي: متفرقها.
وقال علي: مبلج الثنايا -بالموحدة، أخرجه ابن سعد من حديث أبي هريرة.
وعند ابن عساكر عن علي: براق الثنايا.
وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنتين, إذا تكلم ريء
الحواشي
(١) وماؤها".
قال المجد: رونق السيف والضحى ماؤه وحسنه، "وقيل: رقتها وتحديدها" -بحاء ودالين مهملات- أي: الأسنان على ظاهر المتن، وبه فسره الجوهري، وقصره المجد على الأنياب، فيحتمل الموافقة والمخالفة، وفي نسخة: وتحزيزها -بزاءين منقوطتين, وهو قول في معنى الشنب أيضًا؛ إذ قيل: إنه نقط بيض، وتحزيز في الأسنان، وسئل رؤبة عن قول ذي الرمة:
لمياء في شفتيها حوة لعس ... وفي اللثات وفي أنيابها شنب
فأخذ حبة رمان، وقال: هذا هو الشنب، أي: إن صفاء ما فيها كهذا، وقيل: هو برد وعذوبة فيها، وقيل: بياض وبريق وصفاء وتحديد في الأسنان، "وأفلج الأسنان، أي: متفرقها"، وهو أنقى للفم، وأطيب، وأبلغ في الفصاحة؛ لأن اللسان يتَّسع فيها، والمراد: الثنايا؛ لحديث ابن عباس: أفلج الثنيتين، والمراد: الثنايا والرباعيات؛ لأن تباعد الأسنان كلها عيب، وفي القاموس: مفلج الثنايا منفرجها، "وقال علي: مبلج" -بضم الميم، وإسكان الموحدة- من أبلج, "الثنايا" أي: مشرقها ومضيئها، صفة مستقلة لا تفسير للفلج "بالموحدة" الساكنة من أبلج، كما في القاموس وغيره، ويحتمل فتحها، وشد اللام من بلج مثقلًا، لكن لم يذكروه.
"أخرجه ابن سعد من حديث أبي هريرة" عن علي، ففيه من اللطائف, صحابي عن صحابي، "وعند ابن عساكر عن علي: براق الثنايا" أي: مضيئها، فهو مساوٍ للرواية الأولى عنه: أبلج، وكلاهما يرجع لمعنى الشنب.
"وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ أفلج الثنيتين" من الفلج، أي: بعيد ما بين الثنايا والرباعيات، والفرق فرجة ما بين الثنايا، فاستعمل الفلج مكان الفرق بقرينة نسبته إلى الثنايا فقط، ذكره ابن الأثير، لكن ذكره الجوهري أنه مشترك بينهما، فلا حاجة إلى أنه استعمل في محله، إلا أن يكون إطلاق الفلج على تفريج الثنايا مجازًا لغويًّا، قيل: أكثر الفلج في العليا، وهي صفة جميلة، لكن مع القلة؛ لأنه أتمّ في الفصاحة، لاتساع الأسنان "إذا تكلم" خبر ثانٍ لكان "ريء" بكسر الراء, بزنة قيل على الأفصح، ويقال: بضم الراء وكسر الهمزة، وبني للمجهول إشارة إلى أن الرؤية لا تختص بأحد دون أحدٍ، ولذا لم يقل إذا تكلّم يخرج "كالنور"، أي: شعاعстр. 2539
كالنور يخرج من بين ثناياه, رواه الترمذي في الشمائل، والدارمي، والطبراني في الأوسط.
وكان ﵊ أحسن عباد الله شفتين, وألطفهم ختم فم.
بحر من الشهد في فيه مراشفه ... ياقوته صدف فيه جواهره
وعن أبي قرصافة قال: بايعنا رسول الله ﷺ أنا وأمي وخالتي، فلمَّا رجعنا قالت لي أمي وخالتي: يا بني، ما رأينا مثل هذا الرجل أحسن وجهًا, ولا أنقى ثوبًا, ولا ألين كلامًا، ورأينا كالنور يخرج من فيه.
وأما ريقه الشريف:
الحواشي
(١) مثله، فالكاف بمعنى مثل، فلا حاجة لتقدير شيء "يخرج من بين ثناياه"، إمَّا من الثنايا نفسها، أو من داخل الفم، وطريقه من بينها معجزة له، وهو نور حسي، ووهم من قال معنوي، والمراد: ألفاظه بالقرآن أو السنة؛ لأنه خلاف الظاهر المتبادر من قوله: ريء، والثنايا جمع ثنية، وهي أربع في مقدم الفم، ثنتان من فوق، وثنتان من تحت، "رواه الترمذي في الشمائل" النبوية، "و" رواه أيضًا شيخ الترمذي، فيه عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ "الدارمي" في مسنده، "والطبراني في" معجمه "الأوسط"، وكذا في الكبير، وفيه عند الجميع: عبد العزيز أبي ثابت، وهو ضعيف جدًّا، كما قاله الحافظ نور الدين الهيثمي، "وكان ﵊ أحسن عباد الله شفتين، وألطفهم ختم فم"، وأنشد قول العارف الرباني سيدي محمد وفى:
بحر من الشهد في فيه مراشفه ... ياقوته صدف فيه جواهره
"وعن أبي قرصافة" -بكسر القاف وسكون الراء بعدها مهملة وفاء- اسمه: جندرة -بفتح الجيم، ثم نون ساكنة، ثم مهملة مفتوحة، ثم راء فهاء- ابن خيشة -بمعجمة، ثم تحتية، ثم نون- الكناني، الليثي، الصحابي، المشهور بكنيته، ذكره الحافظ، "قال: بايعنا رسول الله ﷺ أنا وأمي"، ذكرها في الإصابة في الكنى، ولم يسمِّها، فقال: أم جندرة, والدة أبي قرصافة. وقع ذكرها عند الطبراني في مسند ولدها، "وخالتي، فلمَّا رجعنا، قالت لي أمي وخالتي": مفعول معه، أي: مع مصاحبتها لخالتي، فقوله: "يا بني" مقول أمه خاصّة، أو معطوف، يعني: إن كلًّا منهما وصفه بالبنوة، فهو حقيقي بالنسبة لأمّه, مجازي لخالته "ما رأينا مثل هذا الرجل" خَلْقًا وخُلُقًا "أحسن"، الرواية لا أحسن "وجهًا"، بل هو أحسن وجهًا من جميع الناس، "ولا أنقى -بنون وقاف- أنظف "ثوبًا"، بل ثوبه أنظف من جميع الثياب، "ولا ألين كلامًا، ورأينا كالنور يخرج من فيه"، هذا محل شاهده من هذا الحديث، "وأمَّا ريقه الشريف"، أي: وصفه، فكانстр. 2540
ففي الصحيحين، عن سهل بن سعد, أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطينَّ الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله رسوله، ويحبه الله ورسوله"، فلمَّا أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجو أن يعطاها، قال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه فبرأ كأن لم يكن به وجع.
الحواشي
(١) يشفي الداء الحسي والمعنوي، كإزالة ملوحة الماء، فالجواب محذوف اكتفاءً بما دَلَّ عليه، وهو قوله: "ففي" التي بمعنى اللام، أي: لما في "الصحيحين" للبخاري ولمسلم، "عن سهل بن سعد" بن مالك بن خالد الأنصاري، الخزرجي، الساعدي، صحابي ابن صحابي. مات سنة ثمان وثمانين أو بعدها، وقد جاوز مائة، "أنَّ رسول الله ﷺ ، قال يوم خيبر": بعدما أرسل أبا بكر بالراية، فقاتل شديدًا، ولم يكن فتح، ثم أرسل عمر من الغد، فقاتل أشد من الأوّل, ثم رجع ولم يكن فتح، كما عند أحمد والنسائي وغيرهما، ففي هذه الراية اختصار، فقال ﷺ : "لأعطينّ الراية غدًا رجلًا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله".
قال الحافظ: أراد وجود حقيقة المحبة، وإلّا فكل مسلم يشترك مع علي في مطلق هذه الصفة، وفيه تلميح بقوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ، فكأنه إشارة إلى أن عليًّا تام الاتباع، حتى وصفه بصفة محبة الله، ولذا كان حبّه علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، كما في مسلم وغيره، "فلمَّا أصبح الناس غَدَوْا" -بمعجمة- أتوا صباحًا "على رسول الله ﷺ ، كلهم يرجو" بلا نون، دون ناصب وجازم، وهو لغة، كما قال المصنف.
وفي رواية: يرجون "أن يعطاها"، أي: الراية، قال عمر: ما أحببت الإمارة إلّا يومئذ، رواه مسلم, وفي حديث بريدة: فما منَّا رجل له منزلة عنده ﷺ إلّا وهو يرجو أن يكون ذلك الرجل، حتى تطاولت أنا لها.
"قال: "أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه"، مثنَّى "قال: "فأرسلوا إليه" -بكسر السين- أمر من الإرسال وفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا إليه، أي: الصحابة إلى علي، وهو بخيبر لم يقدر على مباشرة القتال لرمده، قاله المصنّف، "فأتي به"، وفي مسلم عن سلمة: فأرسلني إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، "فبصق رسول الله ﷺ في عينيه فبرأ" -بفتح الراء والهمزة- بوزن ضرب، ويجوز كسر الراء بوزن علم، قاله الحافظ، فأفاد أن الرواية بالأول، أي: شُفِيَ "كأن لم يكن به وجع"، مع أنه كان أرمد، شديد الرمد، قاله جابر في الطبراني، وقال ابن عمر: أرمد لا يبصر، رواه أبو نعيم.
قال علي: فما رمدت، ولا صدعت مذ دفع إليّ النبي ﷺ الراية يوم خيبر، وفي رواية:стр. 2541
الحديث متفق عليه.
وأتي بدلو من ماء فشرب من الدلو، ثم صب في البئر، أو قال: مجَّ في البئر ففاح منها مثل رائحة المسك. رواه أحمد من حديث وائل بن حجر.
وبزق في بئر في دار أنس، فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، رواه أبو نعيم.
وكان ﵊ يوم عاشوراء, يدعو برضعائه وبرضعاء ابنته فاطمة, فيتفل في أفواهم ويقول للأمهات: "لا ترضعنهم إلى الليل"، فكان ريقه يجزيهم.
الحواشي
(١) فما اشتكيتهما حتى يومي هذا، رواهما الطبراني "الحديث" بقيته: فأعطاه الراية، فقال علي: يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ فقال: "انفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير من أن يكون لك حمر النعم"، "متفق عليه" بمعنى. أخرجه الشيخان.
"وأتي بدلو من ماء، فشرب من الدلو"، لم يقل منه، لئلَّا يوهم أنه شرب من الماء في غير الدلو، بأن صبَّه في إناء غيره من الدلو، "ثم صبَّ" باقي شربه "في البئر"، قصدًا لإظهار المعجزة المصدقة له، "أو قال": شك الراوي "مجَّ في البئر، ففاح منها مثل رائحة المسك" معجزة له، ويحتمل قصره على ما عند الصب وبقاؤه مدة.
"رواه أحمد من حديث وائل بن حجر" -بضم المهملة، وسكون الجيم- ابن مسروق الحضرمي، صحابي جليل، كان من ملوك اليمن، ثم سكن الكوفة، وروى عن النبي ﷺ أحاديث، وعنه جماعة. مات أوائل خلافة معاوية، "وبزق" -بالزاي وبالصاد- وفي لغة: بالسين، خلافًا لمن أنكرها "في بئر في دار أنس" بن مالك، "فلم يكن في المدينة بئر أعذب" أحلى "منها"، ببركة بزاقه، "رواه أبو نعيم" وغيره عن أنس، "وكان ﵊ يومًا عاشوراء يدعو برضعائه"، أي: صبيانه الذين ينسبون إليه، "وبرضعاء ابنته فاطمة"، أي: أولادها، ورضيع الشخص أخوه رضاعة، وليس مرادًا هنا، كما هو ظاهر، "فيتفل" -بكسر الفاء وضمها- يبصق "في أفواههم، ويقول للأمهات: "لا ترضعنهم إلى الليل"، لعله أراد مشاركتهم للصائمين في عدم تناول شيء، لتعود عليهم بركة تصورهم بهم، ولا مانع أن يكتب لهم ثواب من صامه، إكرامًا له، "فكان ريقه يجزيهم" -بفتح الياء- يكفيهم إلى الليل، ويجوز ضم الياء مع سكون الجيم، آخره همزة، أي: يقضيهم عن اللبن، "رواه البيهقي" في الدلائل.стр. 2542
رواه البيهقي.
ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هي وأخواتها يبايعنه وهنَّ خمس, فوجدنه يأكل قديدًا, فمضغ لهنَّ قديدة فمضغنها, كل واحدة بينهنَّ قطعة, فلقين الله وما وجد لأفواههنّ خلوف، رواه الطبراني.
ومسح ﷺ بيده الشريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة وبطنه, وكان به شرى، فما كان يشم أطيب رائحة منه. رواه الطبراني.
وأعطى الحسن لسانه -وكان قد اشتد ظمؤه- فمصَّه حتى روي. رواه ابن عساكر, ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي المالكي ﵁
الحواشي
(١) "ودخلت عليه عميرة بنت مسعود" الأنصارية، "هي وأخواتها يبايعنه، وهن خمس، فوجدنه يأكل قديدًا" لحمًا مقددًا، أي: مجفَّفًا في الشمس، "فمضغ لهنَّ قديدة، فمضغنها, كل واحدة"، بدل من الفاعل في مضغتها، وذلك بعد أخذ عميرة لها من المصطفى، ففي رواية عنها: فمضغ لهن قديدة، ثم ناولني القديدة فقسمتها "بينهنَّ"، فمضغت كل واحدة "قطعة, فلقين الله"، أي: مِتْنَ، "وما وجد لأفواههن خلوف" -بضم الخاء- تغيُّر ريح، "رواه الطبراني"، وأبو نعيم، وأبو موسى في الصحابة، وفي روايتها: فلقين الله ما وجدن في أفواههن خلوفًا، ولا اشتكين من أفواههن شيئًا، "ومسح ﷺ بيده الشريفة بعد أن نفث" تفل "فيها من ريقه، على ظهر عتبة" بن فرقد بن يربوع السلمي، صحابي, نزل الكوفة ومات بها، وهو الذي فتح الموصل زمن عمر، "وبطنه، وكان به شرى" خراج صغار، لها لذع شديد، كما في المختار، "فما كان يشمّ أطيب رائحة منه، رواه الطبراني" في الكبير والصغير، من طريق أم عاصم زوجة عتبة بن فرقد، عنه قال: أخذني الشرى على عهد رسول الله ﷺ ، فأمرني فتجردت، فوضع يده على بطني وظهري، فعبق الطيب من يومئذ، قالت أم عاصم: كنا عنده أربع نسوة، فكنا نجتهد في الطيب، وما كان هو يمس الطيب، وأنه لأطيب ريحًا منَّا، "وأعطى الحسن" ابنه "لسانه، وكان قد اشتد ظمؤه، فمصَّه حتى روي" -بفتح الراء، وكسر الواو- زال ظمؤه، "رواه ابن عساكر"، وروى الطبراني: أنَّ امرأة بذيئة اللسان جاءته ﷺ ، وهو يأكل قديدًا، فقالت: ألا تطعمني، فناولها من بين يديه، فقالت: لا، إلا الذي في فيك، فأخرجه، فأعطاه لها فأكلته، فلم يعلم منها بعدما كانت عليه من البذاءة، "ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفى الشاذلي المالكي ﵁؛ حيث يقول: جنى النحل"، أي: مجنيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَنَى الْجَنَّتَيْنِ دَانٍ﴾ [الرحمن: ٥٤] "في فيه"، أي: في فمه، أي: كلامه فيстр. 2543
حيث يقول:
جنى النحل في فيه وفيه حياتنا ... ولكنه من لي بلثم لثامه
رحيق الثنايا والمثاني تنفست ... إذا قال في فيح بطيب ختامه
وأمّا فصاحة لسانه، وجوامع كلمه، وبديع بيانه وحكمه، فكان ﷺ أفصح خلق الله،
الحواشي
(١) الحلاوة، كالشهد المجني من النحل، "وفيه"، أي: ما يُجْنَى منه "حياتنا"؛ لأنه يأتي بما تحيا به القلوب، ويقرب إلى علام الغيوب، فنحيا في الدنيا بالعبادة والإيمان، وفي الأخرى الحياة الأبدية في رياض الجنان، "ولكنه من" يتكفل "لي بلثم لثامه" حتى أجني منه ذلك الجني، تمنَّى رؤيته يقضة ليسمع منه، ويأخذ عنه، وما ذلك عليه بعزيز، "رحيق الثنايا" خمرها، شبَّه ما يخرج من بينها بالخمر الخالص من الدنس، في أنه يستلذ به، كالرحيق الممتنّ به على المتقين في الجنة، ﴿يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ﴾ ، "والمثاني" القرآن، أو ما ثنى منه مرة بعد مرة، أو الحمد، أو البقرة إلى براءة، أو غير ذلك مما قيل في تفسير المثاني، أو المراد المزامير، وهو أظهر تشبيهًا لصوته الخارج من فيه، لشدة حسنه بنغمتها، "تنفست": خرج منها نفس طيب، "إذا قال"، أي: تكلم "في فيح" -بفاء، فتحتية، فمهمل- ظرف لتنفست، تلميح بقوله: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ "وأما فصاحة" أي: طلاقة وجودة "لسانه"، الجارحة المخصوصة، بحيث ينطق بالكلام البليغ بلا تكلف، فالمراد الفصحة اللغوية، يقال: لسان فصيح، أي: طلق، فلا يرد أن الفصاحة لا توصف بها الجارحة، بل اللفظ والمتكلم به؛ لأن تخصيصها ألفاظ أمر اصطلاحي، ولا يرد حصرهم لها في الكلام والكلمة والمتكلم؛ لأن الحصر إضافي بالنسبة للبلاغة التي يوصف بها الأخيران فقط، واللسان العضو يذكر، فيجمع على ألسنة، ويؤنّث، فيجمع على ألسن.
قال أبو حاتم: والتذكير أكثر، وهو في القرآن كله مذكر، "وجوامع كلمه" من إضافة الصفة للموصوف، أي: كلمة "الجوامع" للمعاني الكثيرة في ألفاظ قليلة، كما قال ﷺ : "أعطيت جوامع الكلم"، واختصر لي الكلام اختصارًا، رواه أبو يعلى والبيهقي عن ابن عمر، والدارقطني عن ابن عباس.
"وبديع بيانه وحكمه" -بكسر ففتح- جمع حكمة، أي: بيانه البديع، وحكمه البديعة، فهما أيضًا من إضافة الصفة للموصوف، "فكان ﷺ أفصح خلق الله"، أي: مخلوقه الذي يوصف بالفصاحة، وهو نوع الإنسان، أي: أقدرهم على المجيء بالكلام الفصيح، أي: البليغ،стр. 2544
وأعذبهم كلامًا، وأسرعهم أداءً، وأحلاهم منطقًا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب ويسلب الأرواح, شعر:
ينظم در الثغر نثر مقوله ... فيا حسنه ونثره ونظامه
يناجي فينجي من يناجي من الجوى ... فكل كليم برؤه في كلامه
ففصاحة لسانه ﵊ غاية لا يدرك مداها،
الحواشي
(١) فالفصاحة قد تطلق ويراد بها البلاغة، "وأعذبهم كلامًا"، فيتكلم بألفاظ حلوة لطيفة لا يلتوي الذهن في فهمها، فما من لفظة يسبق فهمها للذهن، إلّا ومعناها أسبق إليه، "وأسرعهم أداء" اسم مصدر من أدَّى، أي: تأدية للمعاني التي يريد إيرادها، فينطبق بغاية من الله السرعة بلا تلعثم ولا تأنٍّ، "وأحلاهم منطقًا" مصدر ميمي، أي: نطقًا، وعذوبة الكلام وحلاوته، المراد بهما: حسنه؛ بحيث يستلذ بسماعه، كما يستلذ بتناول الشيء الحلو، كما قيل:
يكاد من عذوبة الألفاظ ... تشربه مسامع الحفاظ
"حتى كان" بالتشديد "كلامه يأخذ بمجامع"، أي: جميع، واحده مجمع -بفتح الميم وكسرها, "القلوب": بأن يستولي عليها؛ بحيث تصير كأنها في يده، يقلِّبها كيف شاء، "و" كأنه "يسلب الأرواح" جمع روح، "شعر" للأستاذ محمد، وفي جملة القصيدة التي قدَّم بيتين منها قريبًا، فقال عقبهما: "ينظم در" -بضم الدال- جمع درة: اللؤلؤة العظيمة، "الثغر" المبسم، ثم أطلق على الثنايا, "نثر" بالرفع "مقوله"، أي: قوله، يعني: إذا تكلم بنَثْرٍ أشبه اللآلئ الكبار في حسنها، وقبول النفوس لها، "فيا حسنه ونثره ونظامه"، إتيانه بكلامه المنثور والمنظوم.
وليس المراد الشعر، فنادى حسنه ليتعجب منه، "يناجي" يسارر، والمراد: مطلق الكلام، "فينجي من يناجي من الجوى" -بالقصر: الحرقة وشدة الوجد من عشق أو حزن، أي: يخاطب من كرب، فيزول بخطابه، "فكل كليم" جريح "برؤه" شفاؤه حاصل "في كلامه" ﷺ له، والمراد: إن كلامه يداوي المرضى، ويزيل عللهم، "ففصاحة لسانه ﵊ غاية" مدى "لا يدرك مداها" -بفتحتين- غايتها، كما في اللغة، فكأنه قيل: نهاية لا تدرك نهايتها، فيشكل بأن نهاية الشيء آخره، ووجه بأنه من نفي القيد والمقيد جميعًا، أي: لا لها غاية، ولا منتهى حتى تدرك كقوله:
على لا حب ... لا يهتدي لمثاره
أو قصد المبالغة، حتى إنه جعل النهاية بمنزلة شيء ممتد لا تدرك نهايته، أو الغاية هنا بمنزلة المرتبة، أو الحالة، وهي لا تدرك نهايتها، على نحو قول الرضي قولهم: من لابتداء الغاية، معناه:стр. 2545
ومنزلة لا يداني منتهاها، وكيف لا يكون ذلك وقد جعل الله تعالى لسانه سيفًا من سيوفه، يبين عنه مراده, ويدعو إليه عباده، فهو ينطق بحكمه عن أمره، ويبين عن مراده بحقيقة ذكره.
أفصح خلق الله إذا لفظ، وأنصحهم إذا وعظ, لا يقول هجرًا، ولا ينطق هذرًا، كلامه كله يثمر علمًا،
الحواشي
(١) لابتداء المسافة، فلا منافاة بين الحكم بأنها للابتداء، وأن ذلك الابتداء للغاية، "ومنزلة" رتبة عليه، "لا يداني" يقارب "منتهاها" غايتها, لما خصَّه الله به من القوة النطقية التي اختص بها الإنسان على غيره الحيوان؛ إذ علاه من يقدر على ضبط سائر المعاني، والتعبير عنها إلى أقصى الغايات، وهذه القدرة هي فصل الخطاب، فهو القدرة على كل ما يخطر بالبال، ويحضر في الخيال، بتفصيل كل فرد منه, والتعبير عنه بما يطابقه من أمور الدنيا والدين، وغاية ذلك التي لم يصل إليها مخلوق مختصة بنبينا ﷺ ، ولذا قيل: كلامه معجز كالقرآن، ولم يقل في غيره ذلك؛ لأن كتبهم ليست معجزة، فكذا كلامهم بخلاف كتابه، وكلامه مثل، وهذا وإن كان ضعيفًا، لكنه من حيث الكل، أمَّا الأكثر سيما جوامع كلمه، فلا شَكَّ في إعجازها، كما بينه في الاستيعاب، "وكيف لا يكون ذلك" استفهام تعجبي، والواو للاستئناف، "وقد جعل الله تعالى لسانه سيفًا"، أي: كسيف "من سيوفه" في شدة تأثير ما يقوله في النفوس، وأنه لا يرد "يبين عنه مراده"، أي: الله، "ودعو إليه عباده"، كما قال: ﴿وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ﴾ ، "فهو ينطق بحكمه -بضم فسكون- الذي شرعه "عن أمره"، امتثالًا لنحو قوله: ﴿بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ ، أو بكسر، ففتح جمع: حِكَمه، أي: كلماته الحق المطابقة للواقع، نطقًا ناشئًا عن أمر الله تعالى له بذلك، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ ، "ويبين" -بضم فكسر فسكون، أو بضم، ففتح، فكسر وشدّ. من أبان وبَيِّنَ، أي: يكشف "عن مراده بحقيقة ذكره"، أي: ذكر الحق الذي لا ريب فيه، "أفصح" بالفاء "خلق الله"، الذين يوصفون بالفصاحة، فلا يرد الحيوانات والجمادات، فإنها لا توصف بها، وأفعل التفضيل يقتضي المشاركة، وأورد بالخلق المجموع، فلا يستلزم الحكم على كل فرد فرد، "إذ لفظ" تكلم، "وأنصحهم" -بالنون- أشدهم نصحًا، "إذا وعظ" ذكر وخوف العواقب، "لا يقول هجرًا" -بضم الهاء، وإسكان الجيم- فحشًا، "ولا ينطق هذرًا" -بفتح الهاء، وذال معجمة ساكنة- أي: لا يخلط في كلامه، ولا ينطق بما لا ينبغي، بل كان أشد حياء من العذراء في خدرها، "كلامه كله يثمر علمًا"، فهو شجرة طيبة يجتني منها الثمار المشتهاة، ولذا كان طالب العلم لا يشبع منه، "ويمتثل" -بضم التحتية، وإسكان الميم، وفتح الفوقية، ومثلثة- أي: يمتثل ما جاءته حال كونهстр. 2546
ويمتثل شرعًا وحكمًا، لا يتفوه بَشَرٌ بكلام أحكم منه في مقالته، ولا أجزل منه في عذوبته.
وخليق بمن عبَّر عن مراد الله بلسانه، وأقام به الحجة على عباده ببيانه، وبَيِّنَ مواضع فروضه وأوامره ونواهيه وزواجره, ووعده ووعيده وإرشاده, أن يكون أحكم الخلق جنانًا وأفصحهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا.
وقد كان ﵊ إذا تكلم تكلم بكلام مفصَّل مبيّن، يعده العادّ، ليس بهذر مسرع لا يحفظ،
الحواشي
(١) "شرعًا" أي: مشروعًا، "وحكمًا" أمورًا محققة متقنة.
وفي البيضاوي: الحكمة تحقيق العلم، وإتقان العمل، "لا يتفوّه" ينطق "بَشَر بكلام أحكم منه في مقالته"، بل لا يقدر على مساواة مقالته، "ولا أجزل" -بجيم وزاي- أحسن وأسلس "منه في عذوبته"، قبول النفوس له، كالحلو، "وخليق" جدير وحقيق "بمن عَبَّر عن مراد الله بلسانه، وأقام" الله "به الحجة"، البرهان والدليل الواضح "على عباده ببيانه، وبَيِّنَ مواضع فروضه، وأوامره، ونواهيه، وزواجره، ووعده" بالخير لمن أطاع، "ووعيده" بالشر لمن عصى، "وإرشاده أن يكون أحكم الخلق جنانًا" -بفتح الجيم- قلبًا, فاعل سد مسد الخبر؛ لقوله: وخليق, بناء على قول الأخفش، الذي لا يشترط اعتماد الوصف في أعماله، أو هو مبتدأ، وخليق في خبره، وقد جوَّزوا الوجهين في قوله:
خبير بنو لهب فلا تك ملغيًا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت
فخبير مبتدأ، وبنو فاعله، أو مبتدأ خبره خبير، ولا يجوز أن خليق مبتدأ، والخبر أن يكون؛ لأن المنسبك من أن والفعل بمنزلة المضاف للضمير، فيكون أعرف، والخبر لا يكون أرف، ومن ثَمَّ قال ابن هشام: اتفقوا على نصف حجتهم في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حُجَّتَهُمْ﴾ [الجاثية: ٢٥] ، إلّا أن قالوا، وهو متعين، "و" أن يكون "أفصحهم لسانًا، وأوضحهم بيانًا" لأجل ذلك الذي أريد منه، "وقد كان ﵊ إذا تكلّم"، أي: إذا أراد أن يتكلم، "تكلّم بكلام مفصَّل مبيّن"، صفة كاشفة؛ بحيث يمتاز بعضه عن بعض فلا يلتبس، "يعده العادّ" لمبالغته في الترتيل والتفهيم؛ بحيث لو أراد مستمعه عد كلماته أو حروفه لأمكنه ذلك؛ لوضوحه وبيانه, "ليس بهذر" -بفتحتين- اسم من هذر، وأما بالسكون، فالمصدر, والأوّل أنسب هنا، وفي نسخة بهذ -بحذف الراء، وهو السرعة، فقوله: "مسرع" صفة كاشفة، "لا يحفظ"، وهذا ورد بمعناه عن عائشة عند الترمذي، "وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها": فيما رواه مسلم، والبخاري،стр. 2547
وقالت عائشة -رضي الله تعالى عنها: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا، كان يحدِّث حديثًا لو عده العاد لأحصاه, وكان يعيد الكلمة ثلاثًا حتى تعقل عنه.
الحواشي
(١) وأبو داود، "ما كان رسول الله ﷺ يسرد" -بضم الراء- الحديث "سردكم"، وفي رواية: كسردكم، والمعنى واحد "هذا"، أي: ما كان يتابع الحديث استعجالًا بعضه إثر بعض، لئلَّا يلتبس على المستمع.
زاد الإسماعيلي في روايته: إنما كان حديث رسول الله ﷺ فهمًا تفهمه القلوب، "كان يحدث حديثًا لو عدَّه العاد لأحصاه"، أي: لو عدَّ كلماته، أو مفرداته، أو حروفه، لأطاق ذلك وبلغ آخرها، والمراد بذلك المبالغة في الترتيل والتفهم، قاله الحافظ, وفيه إشارة إلى أن الشرط والجزاء مختلفان، وأوضحه المصنف بقوله: لا يقال فيه اتحاد الشرط والجزاء؛ لأنه كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤] ، وقد فُسِّرَ بلا تطيقوا عدَّها وآخرها، وهذا أتت به عائشة، تعرض بأبي هريرة، فصدر الحديث عن عروة، عنها أنها قالت: ألا يعجبك أبو فلان؟ ولفظ مسلم: أبو هريرة جاء، فجلس إلى جانب حجرتي، يحدّث عن رسول الله ﷺ يسرد يسمعني ذلك، وفي رواية، فقال: ألا تسمعي يا ربة الحجرة، وكنت أسبّح، فقام قبل أن أقضي سبحتي، ولو أدركته لرددت عليه أن رسول الله ﷺ كان، فذكرته.
قال الحافظ: وأعتذر عن أبي هريرة، بأنه كان واسع الرواية، كثير المحفوظ، فكان لا يتمكّن من الترتيب عند إرادة التحديث، كما قال بعض البلغاء: أريد أن أقتصر فتتزاحم عليّ القوافي.
"و" روى الترمذي، والحاكم، عن أنس "كان" ﷺ "يعيد الكلمة" الصادقة بالجملة، أو الجمل, نحو أنها كلمة، والمراد بها: ما لا يتبين مبناها أو معناها إلا بالإعادة "ثلاثًا"، أي: ثلاث مرات، معمول لمحذوف، أي: فقالها ثلاثًا، أو ضُمِّنَ عاد قال، فلم تقع الإعادة إلا مرتين، ولا يصح بقاؤه على ظاهره لاستلزامه قول الكلمة أربع مرات؛ إذ الأولى لا إعادة فيها.
قاله البدر الدماميني وغيره، وبَيِّنَ المراد بذلك بقوله: "حتى تعقل عنه"، وفي رواية البخاري: حتى تفهم عنه، والمعنى واحد، أي: ليتدبرها السامعون، ويرسخ معناها في القوة العاقلة، وحكمته: أن الأولى للإسماع، والثانية للوعي، والثالثة للفكرة، أو الأولى إسماع، والثانية تنبيه، والثالثة أمر.
وفيه كما قال ابن التين: إن الثلاثة غاية الإعذار والبيان، فمن لم يفهم بما لا يفهم بها زيد عليها، ولو مرات عديدة، وقد ورد أنه ﷺ كان لا يراجع بعد ثلاث، وفيه رد على من كراه إعادة الحديث، وأنكر على الطالب الاستعادة، وعدّه من البلادة.стр. 2548
وكان يقول: "أنا أفصح العرب".
وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله، ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ فقال: كانت لغة إسماعيل قد درست, فجاءني بها جبريل فحفظتها. رواه أبو نعيم.
الحواشي
(١) قال ابن المنير: والحق أنه يختلف باختلاف القرائح، فلا عيب على المستفيد، الذي لا يحفظ من مرة إذا استعاد، ولا عذر للمفيد إذ لم يعد، بل الإعادة عليه آكد من الابتداء؛ لأن الشروع ملزم، وقد علمت أن قوله: وكان يعيد، ليس من بقية كلام عائشة، بل هو حديث أنس، أخرجه الترمذي، والحاكم بهذا اللفظ، إلّا أن الحاكم، وهو في استدراكه ودعواه أن البخاري لم يخرجه، فقد رواه في كتاب العلم، عن أنس من طريقين، لفظ أولهما، كان إذا سَلَّمَ سَلَّمَ ثلاثًا، وإذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا، ولفظ ثانيهما: كان إذا تكلَّم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تفهم عنه، وإذا أتى على قوم فسلم عليهم، سلم عليهم ثلاثًا، "وكان يقول: "أنا أفصح العرب" وهو أفصح الناس، فهو أفصح الفصحاء، وهذا اللفظ ذكره أصحاب الغريب.
قال ابن كثير والسيوطي: لم نقف على سنده، "وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله, ما لك أفصحنا؟ "، حال من الكاف، وما مبتدأ خبره لك، "و" الحال أنك "لم تخرج من بين أظهرنا"، حتى تزيد علينا بالفصاحة؛ لأنك لو خرجت من بيننا لقلنا: تعلم من لغات من عاشرهم غيرنا، ومراده الاستفهام، ولذا أجابه، "فقال: كانت لغة إسماعيل" بن إبراهيم جده -عليهم الصلاة والسلام، التي هي أفصح اللغات "قد درست"، عفت وخفيت آثارها، فلم يبق من ينطق بها على وجهها، "فجاني بها جبريل، فحفظتها"، وفي رواية ابن عساكر: فحفظنيها، أي: جبريل، فلذا كنت أفصح العرب، ينطق بأفصح اللغات، وأتمّ البلاغات، وأفحم بلغاء العرب قاطبة، فلم يدع منهم أحدًا إلا أعجزه، وأدله وحيره في أمره وأعله.
قال العلامة المحدث أحمد المتبولي: دلّت الأحاديث عن أن لسان آدم الذي علمه الله له، وتكلم به عربي، وعلمه اثنين وسبعين، أو ثمانين لسانًا، لكنه لم يتكلّم إلا بالعربية، فلمَّا أكل من الشجرة تكلم بالسريانية، ثم رد الله إليه العربية لما تاب الله عليه واجتباه، واستمرَّ الناس عليها إلى أن تبلبلت ألسنتهم بعد الطوفان، وقول بعض المفسرين: إن الله علّم آدم سبعمائة ألف، غريب لم أقف له على أصل، والمعوّل عليه ما قررناه.
وذكر في الإتقان: إن القرآن فيه خمسون لغة، سردها في النوع السابع والثلاثين، وذكرها هنا يخرج عن المقصود، "رواه أبو نعيم" في تاريخ أصبهان بإسناد ضعيف، وكذا ابن عساكر، وأبو أحمد الغطريف، بلفظ: إن لغة إسماعيل كانت درست، فأتاني بها جبريل، فحفَّظنيها، "وروىстр. 2549
وروى العسكري في الأمثال من حديث علي بسند ضعيف جدًّا قال: قدم بنو نهد على النبي ﷺ : الحديث وفيه: ذكر خطبتهم وما أجابهم به النبي ﷺ قال: فقلنا: يا نبي الله، نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد، وإنك لتكلم العرب بلسان ما نعرف أكثره، قال: "إن الله أدَّبني فأحسن تأديبي، ونشأت في بني سعد بن بكر".
الحواشي
(١) العسكري" -بفتح العين المهملة، والكاف، وبالراء- نسبة إلى عسكر مكرم, مدينة بالأهواز، الحافظ، الإمام أبو الحسن علي بن عبد الله، نزيل الري، صنَّف وجمع، ومات سنة خمس وثلاثمائة، "في الأمثال"، كتاب جمع فيه ألف مَثَل عن النبي ﷺ ، "من حديث علي، بسند ضعيف جدًّا، قال: قدم بنو نهد" -بفتح النون وإسكان الهاء- ابن زيد "على النبي ﷺ ، الحديث. وفيه ذكر خطبتهم، وما أجابهم به النبي ﷺ "، وسيذكر المصنّف ذلك كله مع كتاب المصطفى، لهم أواخر هذا المبحث.
"قال" علي: "فقلنا: يا نبي الله, نحن بنو أب واحد، ونشأنا في بلد واحد" وهي مكة، "وإنك لتكلم العرب بلسان ما نعرف أكثره"، فلم ذلك، "قال: "إن الله أدبني" "، أي: علمني رياضة النفس، ومحاسن الأخلاق، الظاهرة والباطنة، "فأحسن تأديبي"، بإفضاله علي بالعلوم الوهيبة، مما لم يقع نظيره لأحد من البرية.
قال بعضهم: أدبه بآداب العبودية، وهذَّبَه بمكارم الأخلاق الربوبية، لما أراد إرساله؛ ليكون ظاهر عبوديته، مرآة للعالم؛ كقوله: "صلوا كما رأيتموني أصلي"، وباطن أحواله مرآة للصادقين في متابعته، وللصديقين في السير إليه "و ﴿اتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ ".
وقال القرطبي: حفظه الله من صغره، وتولّى تأديبه بنفسه، ولم يكله في شيء من ذلك لغيره، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كره إليه أحوال الجاهلية، وحماه منها، فلم يجر عليه شيء منها، كل ذلك لطف به، وعطف عليه، وجمع للمحاسن لديه، وقال بعضهم: أدَّب الله روح رسوله، وربَّاها في محل القرب، قبل اتصالها ببدنه، باللطف والهيبة، فتكامل له الأنس باللطف، والأدب والهيبة، واتصلت بعد ذلك بالبدن، ليخرج من اتصالها كمالات أخرى من القوة إلى الفعل، وينال كل من الروح والبدن بواسطة الآخر من الكمال ما يليق بالحال، ويصير قدوة لأهل الكمال والأدب، استعمال ما يحمد قولًا وفعلًا، أو الأخذ بمكارم الأخلاق، أو الوقوف المستحسنات، أو تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونه، وقيل غير ذلك، "ونشأت في بني سعد بن بكر"، فجمع له بذلك قوة عارضة البادية وجزالتها، وخلوص ألفاظ الحاضرة، ورونق كلامها.
قال السخاوي: وسند هذا الحديث ضعيف جدًّا، وإن اقتصر شيخنا -يعني الحافظ- علىстр. 2550
وعن محمد بن عبد الرحمن الزهري عن أبيه عن جده قال: قال رجل: يا رسول الله، أيدالك الرجل امرأته؟ قال: "نعم, إذا كان ملفجًا". فقال له أبو بكر: يا رسول الله، ما قال لك، وما قلت له؟ قال: "قال: أيماطل الرجل أهله؟ قلت له: نعم, إذا كان مفلسًا" , قال أبو بكر: يا رسول الله، لقد طفت في العرب وسمعت فصحاءهم, فما سمعت أفصح منك، قال: "أدبني ربي ونشأت في بني سعد"، رواه السرقسطي في الدلائل.
الحواشي
(١) الحكم عليه بالغرابة في بعض فتاويه، ولكن معناه صحيح، ولذا جزم بحكايته ابن الأثير في خطبة النهاية وغيرها، وقد أخرج أبو سعد السمعاني في أدب الإملاء بسند منقطع فيه من لم أعرفه عن عبد الله، أظنه ابن مسعود، قال: قال ﷺ : "إن الله أدبني فأحسن تأديبي، ثم أمرني بمكارم الأخلاق"، فقال: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية.
وذكر حديث عمر السابق في المصنف، وحديث الصديق الآتي شاهدين له، ثم قال: وبالجملة، فهو كما قال ابن تيمية: لا يعرف له إسناد ثابت أ. هـ، وجزم السيوطي في الدرر وغيرها بأنه ابن مسعود قائلًا، وضعَّفه ابن السمعاني، وابن الجوزي، وصحَّحه أبو الفضل بن ناصر.
"وعن محمد بن عبد الرحمن الزهري، عن أبيه، عن جده، قال: قال رجل" من بني سليم "يا رسول الله أيدالك الرجل امرأته؟ قال: "نعم، إذا كان ملفجًا"، فقال له أبو بكر" مستفهمًا عَمَّا لم يفهمه على عادة الصحابة: "يا رسول الله, ما قال لك، وما قلت له؟ قال" ﷺ : "قال الرجل: أيماطل الرجل أهه؟ قلت له: نعم، إذا كان مفلسًا"، قال أبو بكر" الصديق: يا رسول الله، لقد طفت"، سعيت "في العرب، وسمعت فصحاءهم، فما سمعت أفصح منك"، فمن أدبك؟ هذا أسقطه من الرواية، "قال: "أدبني ربي، ونشأت في بني سعد"، فجمع له قوة الحاضرة والبادية، بخلاف غالبهم، فإنما نشأ في مكة فقط, أو البادية فقط. "رواه" ثابت بن حزم بن عبد الرحمن بن مطرف، العوفي، "السرقطي" بفتح المهملة، والراء، وضم القاف، وسكون المهملة- نسبة إلى سرقسطة, مدينة بالأندلس، العلامة الحافظ، أبو القاسم، سمع ابن وضاح والنسائي، وكان عالمًا متقنًا، بصيرًا بالحديث والنحو واللغة والغريب والشعر, ولي قضاء سرقسطة، وبها مات في رمضان سنة ثلاث عشرة، وقيل: أربع عشرة وثلاثمائة، وهو ابن خمس وتسعين سنة. "في الدلائل" في شرح ما أغفل أبو عبيد، وابن قتيبة من غريب الحديث، وناهيك به إتقانًا.
قال أبو علي القالي: ما أعلم به، وضع بالأندلس، مثل كتاب الدلائل.стр. 2551
بسند واهٍ. وكذا أخرجه ابن عساكر.
قال في القاموس: ودالكه أي: ماطله. انتهى.
وقوله: "ملفجًا" بضم الميم وفتح الفاء- اسم فاعل من "ألفج الرجل" فهو ملفج، إذا كان فقيرًا، وهو غير مقيس, ومثله: أحصن فهو محصن، وأسهب فهو مسهب، في ألفاظ شدت، والقياس الكسر، قاله ابن مرزوق, لكن ابن الأثير: لم يجئ إلا في ثلاثة أحرف: أسهب وأحصن وألفج.
وقال غيره: معناه: أيداعب الرجل امرأته، يعني قبل الجماع؟ وسمَّاه مطلًا لكون غرضها الأعظم الجماع. قال: إذا كان عاجزًا؛ ليكون ذلك محركًا لشهوته، ولعجزه سمي مفلسًا.
الحواشي
(١) قال ابن الفرضي: ولو قال ما وضع بالمشرق مثله ما أبعد "بسند واهٍ"، أي: شديد الضعف، من وهي الحائط إذا مال للسقوط، "وكذا أخرجه ابن عساكر، قال في القاموس: ودالكه، أي: ماطله، انتهى، وقوله: ملفجًا -بضم الميم، وإسكان اللام، وفتح الفاء، وبالجيم- "اسم فاعل من ألفج الرجل، فهو ملفج إذا كان فقيرًا، وهو غير مقيس، ومثله" في الخروج عن القياس "أحصن، فهو محصن" -بفتح الصاد- على غير قياس، حكاه ابن القطاع، "وأسهب" -بسين مهملة- الفرس، اتَّسع في الجري وسبق, وأسهب الرجل إذا أكثر الكلام، "فهو مسهب" -بفتح الهاء, ولا يقال بكسرها، وهو نادر، قاله الجوهري "في"، أي: مع "الألفاظ شذت، والقياس الكسر، قاله ابن مرزوق"، شارح البردة، "لكن قال ابن الأثير: لم يجئ إلا في ثلاثة أحرف: أسهب، وأحصن، وألفج"، فقوله في ألفاظ مستدرك، إلّا أن يقال من حفظ حجة، ولفظ الجوهري لا حصر فيه، قال: ألفج الرجل، أي: أفلس، وقال رؤبة:
أحسابكم في العسر والإلفاج ... شيت بعذب طيب المزاج
فهو مفلج -بفتح الفاء، مثل: أحصن، فهو محصن، وأسهب، فو مسهب، فهذه الثلاثة جاءت بالفتح نوادر، وقال:
جارية شبت شبابًا عسلجًا ... في حجر من لم يك عنها ملفجًا
"وقال غيره: معناه"، أي: أيدالك، "أيداعب الرجل امرأته، يعني: قبل الجماع، وسمَّاه مطلًا، لكون غرضها الأعظم الجماع؟ قال ﷺ : "إذا كان ملفجًا"، أي: "إذا كان عاجزًا، ليكون ذلك محركًا لشهوته ولعجزه، سُمِّيَ مفلسًا تشبيهًا بمن لا يملك ما لا يجامع العجز.
"وقال ابن الأثير": معناه "يماطلها بمهرها إذا كان فقيرًا" لعجزه عن دفعه، فحمله علىстр. 2552
وقال ابن الأثير: يماطلها بمهرها إذا كان فقيرًا.
وأمَّا ما يروى: أنا أفصح مَنْ نطق بالضاد. فقال ابن كثير: لا أصل له. انتهى, لكن معناه صحيح والله أعلم.
وقد حَدُّوا الفصاحة بخلوص الكلام من التنافر والغرابة ومخالفة القياس.
والمراد بالتنافر: تقارب مخارج الحروف كقوله:
غدائره مستشزرات إلى العلا
فإن السين والشين والتاء والزاي كلها متقاربة المخارج.
الحواشي
(١) الحقيقة، "وأمَّا ما يروى: أنا أفصح من نطق بالضاد"، أي: المعجمة، "فقال ابن كثير: لا أصل له، انتهى، لكن معناه" وهو: أنا أفصح العرب؛ لأنهم هم الذين ينطقون بالضاد، وليست في لغة غيرهم "صحيح"؛ إذ لا شك في أنه أفصح العرب، وإن لم يعلم لهذا اللفظ سند، كما قاله ابن كثير أيضًا، وتقدم "والله أعلم"، بما في نفس الأمر، وقد زاد بعضهم: بيد أني من قريش، أي: من أجل أني منهم، "وقد حدوا"، أي: علماء البيان، "الفصاحة" التي هي في الأصل تنبئ عن الظهور والإبانة، "بخلوص الكلام من التنافر"، وهي صفة توجب ثقله على اللسان، وعسر النطق به "والغرابة، ومخالفة القياس" اللغوي، أي: المستنبط من استقراء اللغة، "والمراد بالتنافر تقارب مخارج الحروف، كقوله"، أي: امرئ القيس:
وفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيت كقنو النخلة المتعثكل
غدائره مستشزرات إلى العلا ... تضل العقاص في مثنى ومرسل
غدائره، أي: ذوائبه، جمع غديرة، وضميره للفرع في البيت قبله، ومستشزرات مرتفعات, إن قرئ بكسر الزاي، أو مرفوعات إن قرئ بفتحها، وتضل تغيب العقاص، جمع عقيصة، وهي الخصلة المجموعة من الشعر، والمثنى المفتول، يعني أن ذوائبه مفتولة على الرأس بخيوط، وإن شعره ينقسم إلى عقاص، ومثنى، ومرسل، والأول يغيب في الأخيرين، والغرض بيان كثرة شعره، "فإن السين، والشين، والتاء، والزاي، كلها متقاربة المخارج"، وذلك سبب للثقل المخل بالفصاحة، وقد رد هذا السعد، وارتضى أن الضابط هنا أن كل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلًا متعسرًا لنطق فهو متنافر، سواء كان من قرب المخارج، أو بعدها، أو غير ذلك، على ما صرَّح به ابن الأثير في المثل السائر، "والغرابة كون الكلمة"، وخشية غير ظاهرة المعنى، ولا مأنوسةстр. 2553
والغرابة: كون الكلمة لا تدل على المراد من أوّل وهلة لاحتمال معنى آخر.
ومخالفة القياس: استعمال الكلمة على غير قياس، كإبقاء وجود المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام. كقوله:
الحمد لله العلي الأجلل
والفصاحة: يوصف بها الكلام والكلمة والمتكلم.
والبلاغة: أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته، والجزالة خلاف الركاكة.
ففصاحته ﷺ إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية.
الحواشي
(١) الاستعمال، "لا تدل على المراد من أول وهلة؛ لاحتمال معنى آخر"، كقوله:
وفاحمًا ومرسنًا مسرجًا
فمسرج، يحتمل أنه كالسيف السر، يجيء في الدقة والاستواء، وسريج اسم حداد تنسب إليه السيوف، ويحتمل كالسراج في البريق واللمعان، والفاحم بالفاء شعر أسود كالفحم، والمرسن الأنف، "ومخالفة القياس استعمال الكلمة على غير قياس"، مستنبط من تتبع لغة العرب، أعني: مفردات ألفاظهم الموضوعة، أو ما هو في حكمها؛ كوجوب الإعلال في قام، والإدغام وغير ذلك، فمخالفه ليس بفصيح، "كإبقاء وجود المثلين من كلمة واحدة من غير إدغام، كقوله: الحمد لله العلي الأجلل" بفك الإدغام، والقياس الأجلّ بالإدغام، وأمَّا نحو أبي، يأبى، وعور، واستحوذ، وقطط شعره، وآل، وما أشبه ذلك من الشواذ الثابتة في اللغة، فليست من المخالفة في شيء؛ لأنها كذلك ثبتت عن الواضع، فهي في حكم المسثناة، كما قاله السعد: "والفصاحة يوصف بها الكلام"، فيقال: كلام فصيح، وقصيدة فصيحة، "والكلمة" من كلمة فصيحة، "والمتكلم"، فيقال: كاتب فصيح، وشاعر فصيح، "والبلاغة"، ويوصف الكلام والمتكلم لا الكلمة؛ إذ لم يسمع كلمة بليغة، وهي لغة تنبئ عن الوصول والانتهاء، واصطلاحًا "أن يطابق الكلام مقتضى الحال مع فصاحته"، أي: الكلام, والحال هو الأمر الداعي إلى أن يعتبر مع الكلام، الذي يؤدي به أصل المراد خصوصية ما، وهو مقتضى الحال, مثلًا كون المخاطب منكرًا للحكم، حال يقتضي تأكيد الحكم، والتأكيد مقتضى الحال، فقولك: إن زيدًا في الدار، مؤكدًا بأن مطابق لمقتضى الحال.
"والجزالة" -بجيم وزاي، "خلاف الركاكة"، وبسط ذلك معلوم في فننه، وإنما سقط بعضه ضرورة ذكر المصنف له، "ففصاحته ﷺ إلى الحد الخارق للعادة، البالغ نهاية المزية"، فعيلة، وهي التمام والفضيلة، ولفلان مزية، أي: فضيلة يمتاز بها عن غيره، قالوا: ولا يبنى منه فعل، وهوстр. 2554
والزيادة التي تصدع القلوب قبل الأذهان، وتقرع الجوانح قبل الآذان، مما يروق ويفوق، ويثبت له على سائر البشر الحقوق التي لا تقابل بالعقوق، فهو صاحب جوامع الكلم وبدائع الحكم، وقوارع الزجر وقواطع الأمر، والأمثال السائرة، والغرر السائلة، والدرر المنثورة، والدراري المأثورة, والقضايا المحكمة، والوصايا المبرمة، والمواعظ التي هي على القلوب محكمة، والحجج التي هي للد الخصماء.
الحواشي
(١) ذو مزية في الحسب والشرف، أي: ذو فضيلة، والجمع مزايا, مثل: عطية وعطايا، ذكره في المصباح، "والزيادة" مصدر زاد "التي تصدع" تشق "القلوب قبل الأذهان" جمع ذهن، وهو الذكاء والفطنة، "وتقرع" -بفتح الراء- من باب نفع، تطرق "الجوانح": الأضلاع التي تحت الترائب، وهي مما يلي الصدر، كالضلوع مما يلي الظهر, الواحدة جانحة.
قاله الجوهري: "قبل الآذان" جمع أُذُن "مما يروق" يصفو من راق الماء صفًّا، "ويفوق" يفضل ويرجح ويغلب على غيره "ويثبت له على سائر"، أي: جميع "البشر الحقوق" جمع حق، والتقييد بالبشر؛ لأنهم المنازعون، فلا ينافي أن حقوقه ثابتة أيضًا، على الجن والملائكة "التي لا تقابل بالعقوق": العصيان، "فهو صاحب جوامع الكلم"، أي: إيجاز اللفظ مع سعة المعنى, بنظم لطيف لا يعثر الفكر في طلبه، ولا يلتوي الذهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذهن إلّا معناها إليه أسبق، وقيل: المراد القرآن، وقيل: الأمور الكثيرة التي كانت في الأمم المتقدمة، جمعت له في الأمر الواحد أو الأمرين، "وبدائع الحكم" جمع حكمة، وهي تحقيق العلم، وإتقان العمل من إضافة الصفة للموصوف، أي: الحكم البديعة من أبدع، إذا أتى بشيء بديع غير مسبوق بمثله، "وقوارع الزجر"، المنع من المعاصي، "وقواطع الأمر والأمثال"، جمع مثل -بفتحتين- بمعنى الوصف، ضرب الله مثلًا، أي: وصفًا "السائرة والغرر" جمع غرر -بالضم- "السائلة والدرر" جمع درة -بالضم- اللؤلؤة العظيمة الكبيرة، كغرفة وغرف، ويجمع أيضًا على در بحذف الهاء "المنثورة والدراري": الكواكب المضيئة, جمع دريّ -بكسر الدال وضمها- من الدر، بمعنى الدفع لدفعه الظلام "المأثورة"، أي: المنقولة المروية من الأثر، وهو ما يدل على الشيء من آثاره وعلاماته "والقضايا"، أي: الأحكام جمع قضية، مصدر قضى يقضي قضاء وقضية، وهي الاسم أيضًا، أي: حكم، كما في القاموس.
"المحكمة" المتقنة، "والوصايا المبرمة" المحكمة, من أبرم الأمر, كبرمه أحكمه، كما في القاموس، "والمواعظ التي هي على القلوب محكمة، والحجج التي هي لدّ" -بضم اللام- جمع ألد، مثل أحمر، وحمر "الخصماء" من إضافة الصفة للموصوف، أي: الخصماء، اللد، أي: الذين اشتدت خصومتهم، "مفخمة"، مسكنة، "ملجمة"، فجعل حجتهم دابة تلجم باللجام وتقاد،стр. 2555
مفحمة ملجمة.
وقليل هذا الوصف في حقه ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه وصحَّحه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد ﷺ . وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، وقد جمع الناس من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه دواوين، وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض من ذلك ما يشفي العليل.
الحواشي
(١) "وقليل هذا الوصف في حقه ﷺ ، وزاده فضلًا وشرفًا لديه، وقد روى الحاكم في مستدركه" على الصحيحين، "وصحَّحه من حديث ابن عباس: إن أهل الجنة يتكلمون بلغة محمد ﷺ "، وهذا حكمه الرفع؛ إذ هو لا يقال رأيًا، وفيه من تشريف المصطفى ما لا يخفى، "وبالجملة: فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد" لقوة ظهورها، "ولا ينكرها مواقف، ولا معاند"، يشبه عطف العلة على المعلول، "وقد جمع الناس" العلماء الكبار؛ كابن السني، والقضاعي، وابن الصلاح في آخرين "من كلامه الفرد"، الذي لا نظير له، وفي نسخة المفرد، أي: المتميز عن غيره لا مقابل المركب، والمثنى والنسخة الأولى أحسن. "الموجز" -بفتح الجيم- أي: القليل الألفاظ الكثير المعاني، وبكسر الجيم من أوجز، فإسناده للكلام مجاز، كعيشة راضية، أي: موجز صاحبه؛ إذ الكلام لا يوصف بأنه موجز، اسم فاعل، أو حقيقي من أوجز اللازم، ففي القاموس: أوجز الكلام قلَّ، وأوجز كلامه اختصره, "البديع" الذي لا مثال له، فقوله "الذي لم يسبق إليه" صفة كاشفة، أي: إلى جملته, فلا ينافي أن منه ما سبق إليه، أو لم يسبق إلى شيء منه بالترتيب الخاص الذي اشتمل عليه، ولذا قال في الشفاء: وأما كلامه المعتاد، وصاحته المعلومة، وجوامع كلمه، وحكمه المأثورة، فقد ألف الناس فيها "دواوين"، أي: كتبًا مستقلّة، جمع ديوان -بكسر الدال والفتح لغة، وقال أبو عمر: إنه خطأ؛ لأنه كان يجمع على دياوين ولم يسمع، قاله الجواليقي.
قال عياض: وجمعت في ألفاظها ومعانيها الكتب، ومنها ما لا يواري فصاحة، ولا يباري بلاغة، وذكر عدة أحاديث، ثم قال: وقد جمعت من كلماته التي لم يسبق إليها، ولا قدر أحد أن يفرغ في قالب عليها، كقوله: حمي الوطيس، ومات حتف أنفه، ولا يلدغ المؤمن من جحر مرتين، والسعيد من وعظ بغيره، في إخواتها ما يدرك الناظر العجب في مضمنها، وتذهب به الفكر في أدنى حكمها.
"وفي كتاب الشفاء للقاضي عياض من ذلك ما يشفي العليل" -بعين مهملة- المريض، "كقوله ﷺ ", فيما رواه الشيخان وغيرهما عن أنس، وأبي موسى، وابن مسعود، قيل:стр. 2556
كقوله ﷺ : "المرء مع من أحب".
وقوله: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين".
الحواشي
(١) يا رسول الله, الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، "قال: "المرء مع من أحب" في الجنة، بحسن نيته من غير زيادة عمل"؛ لأنّ محبته لهم لطاعتهم، والمحبة من أفعال القلوب، فأنيب على ما اعتقده؛ لأن الأصل النية، والعمل تابع لها، ولا يلزم من المعية استواء الدرجات، بل ترفع الحجب حتى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكلٌّ في درجته، قاله المصنف.
وقال السخاوي: قال بعض العلماء: ومعنى الحديث: إنه إذا أحبَّهم عمل بمثل أعمالهم، قال الحسن البصري: من أحبَّ قومًا اتبع آثارهم، واعلم أنك لن تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم، فتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتصبح وتمسي على مناهجهم، حرصًا أن تكون منهم، أسنده العسكري، ولذا قيل:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وسأل رجل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقًا في حب مولاه؟ قال: إذا خلا من خلافه كان صادقًا في حبه، فوضع الرجل التراب على رأسه، وصاح: كيف أدَّعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه، فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: صادق في حبه، مقصر في حقه، أورده البيهقي قائلًا: يشهد لقوله صادق إلخ، هذا الحديث انتهى وهذا الحديث متواتر.
قال في الفتح: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب المحبين مع المحبوبين، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم: "المرء مع من أحب"، وفي بعضها بلفظ حديث أنس: "أنت مع من أحببت" انتهى.
قال ابن العربي: يريد في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالطاعة والأدب الشرعي، وفي الآخرة بالمعاينة والقرب الشهودي، فمن لم يتحقق بهذا, وادعى المحبة، فدعواه كاذبة.
ولفظ حديث أنس: إنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ : متى الساعة يا رسول الله؟ قال: "ما أعددت لها"، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت"، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: "نعم"، ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا. "وقوله" ﷺ في كتابه لهرقل والمقوقس: "أسلم" -بكسر اللام, "تسلم" -بفتحها, "يؤتك الله أجرك مرتين"، لإيمانه بنبيه، ثم بالمصطفى.стр. 2557
وقوله: السعيد من وعظ بغيره.
ومما لم يذكره القاضي عياض ﵀:
قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات
الحواشي
(١) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] ، أو لأنَّ إسلامه سبب لإسلام أتباعه، ويؤتك بالجزم جواب ثانٍ للأمر، أو بدل اشتمال منه، أو عطف عليه بحذف العاطف، فلا يردان جواب الأمر حصل بتسلم، أو هو جواب لأمر محذوف، هو وأسلم يؤتك، كما هو رواية البخاري في الجهاد بتكرير الأمر تأكيدًا، أو الأوّل: الدخول في الإسلام، والثاني: مداوم عليه، وتقدَّم بسط هذا في المكاتبات، "وقوله" ﷺ : "السعيد" المبارك المرضي عند الله"، وعند الناس "من وعظ بغيره"، أي: تأمّل عواقب الأمور، فلم يفعل ما يضره، لما رأى ما أصاب غيره من فعلها، ومفهومه، والشقي من وعظ به غيره، وهذا الحديث رواه الديلمي عن عقبة بن عامر، والعسكري عن زيد بن خالد بهذا اللفظ مختصرًا، وصحَّحه الحافظ، وشيخه العراقي، خلافًا لقول ابن الجوزي في أمثاله لا يثبت، وأخرجه العسكري، والقضاعي، والبيهقي في المدخل عن ابن مسعود، رفعه بزيادة: "والشقي من شقي في بطن أمه"، ورواه مسلم موقوفًا بالزيادة، وللبزار بسند صحيح عن أبي هريرة، رفعه: "السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه"، "ومما لم يذكره القاضي عياض ﵀"، كذا في نسخ، وفي بعضها اقتصر على قوله: ومما لم يذكره، اكتفاءً بعود الضمير له، "قوله ﵊: "إنما الأعمال" البدنية: أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها, قليلها وكثيرها، الصادرة من المكلفين المؤمنين، صحيحة أو مجزئة، أو كاملة"، "بالنيات" من مقابلة الجمع بالجمع، أي: كل عمل بنيته.
وقال الحربي: كأنه أشار إلى تنويع النية كالأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل وعده، أو اتقاء وعيده، وفي معظم الروايات: بالنية بالإفراد؛ لأن محلها القلب، وهو متحد، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال، فإنها متعلقة بالظواهر، وهي متعددة، فناسب جمعها، أو لأنَّ النية ترجع إلى الإخلاص، وهو واحد للواحد الذي لا شريك له.
وفي صحيح ابن حبان: الأعمال بالنيات، بحذف إنما وجمعهما، وللبخاري في الإيمان، والعتق، والهجرة: الأعمال بالنية، بجمع الأعمال، وإفراد النية، وله في النكاح: العمل بالنية -بإفرادهما، والنية -بكسر النون وشد التحتية- على المشهور، وفي لغة تخفيفها، وهذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين؛ لأن أل في الأعمال للاستغراق، وهو مستلزم للحصر؛ لأن معناهстр. 2558
.................................................................................................
الحواشي
(١) كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية، أو لأن إنما للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو بالعرف، أو تفيده بالحقيقة، أو بالمجاز، ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيًّا، بل نقله شيخ الإسلام البليقيني، عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية، واستدلَّ على إفادة إنما للحصر بأنَّ ابن عباس، استدلَّ على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: "إنما في الربا النسيئة"، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على إفادتها الحصر، وتعقّب باحتمال أنهم تركوا المعارضة تنزلًا، وأوضح من ذلك الحديث: "إنما الماء من الماء"، فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه، لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى، كحديث: "إذا التقى الختانان".
وقال ابن عطية: إنما لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد؛ حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، إن دخل في قضية ساعدت عليه، فجعل ورودها للحصر مجازًا يحتاج إلى قرينة، وعكسه غيره، فقال: أصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فكأنه سيق باعتباره منكري الوحدانية، وإلّا فلله سبحانه صفات أخرى، كالعلم والقدرة، وكقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] [النازعات: ٤٥] ، فإنه سبق باعتبار منكري الرسالة، وإلّا فله ﷺ صفات أخرى كالبشارة، والأعمال تقتضي عاملين، فالتقدير الصادرة من المكلفين.
قال الحافظ: فالظاهر إخراج أعمال الكفار؛ لأنَّ المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبًا بها، معاقبًا على تركها، ولا يرد العتق والصدق؛ لأنها بدليل آخر. انتهى، وعَبَّر بالأعمال دون الأفعال؛ لأن الفعل قد يكون زمانه يسيرًا، ولا يتكرر.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ، وتبين لكم كيف فعلنا بهم؛ حيث كان إهلاكهم في زمان يسير، ولم يتكرر بخلاف العمل، فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد، بالاستمرار والتكرار الذين آمنوا وعملوا الصالحات، طلب منهم العمل الدائم المتجدد لأنفس الفعل، قال تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ ، ولم يقل: الفاعلون, والنيات جمع نية.
قال البيضاوي: وهي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالًا أو مالًا، والشرح خصَّه بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل، لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه، وهي محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيلстр. 2559
رواه الشيخان وغيرهما.
وقوله: ليس للعامل من عمله إلا ما نواه.
وتحت هاتين الكلمتين كنوز من العلم.
الحواشي
(١) لما أجمل، والحديث متروك الظاهر؛ لأن الذوات غير منفية؛ إذ التقدير لا عمل إلا بنية، فليس المراد نفي ذات العمل؛ لأنه قد يوجد بلا نية، بل المراد نفي أحكامها، كالصحة والكمال، لكن الحمل على نفي الصحة أَوْلى؛ لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه؛ ولأن اللفظ دلَّ على نفي الذات بالتصريح، وعلى نفي الصفات بالتبع، فلمَّا منع الدليل نفيَ الذات، بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة. انتهى، والباء سببية بمعنى: إنها مقوية للعمل, فكأنها سبب في إيجاده، أو للمصاحبة، فهي من نفس العمل، فيشترط أن لا تتخلف عن أوله، ولابُدَّ من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فلذا احتيج للتقدير.
وقال ابن القيم: هذا كلام مستقلّ بنفسه، لا يحتاج لإضمار صحة، ولا إجزاء، ولا قبول، إنما دلَّ على أن وقوع الأعمال بالنيات، وأن النية هي الباعثة على العمل، المثيرة له، وهي أصله وهو فرعها، ولما تكلف الناس بعض هذه التقديرات المستغنى عنها، وقعوا في الإشكال والاضِّطراب، فبعضهم قدر متعلق الظرف الصحة، وبعضهم الكمال، وعليه فالأوَّل هو اللائق؛ لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة، فلا يصح عمل كتيمم, خلافًا للأوزاعي، وكوضوء عند الأئمة الثلاثة، إلّا بنية, خلافًا للحنفية، ولا نسلم أن الماء يطهر بطبعه، والخلاف في الوسائل.
أما المقاصد، فلا خلاف في اشتراط النية، وإنما لم تشترط في إزالة الخبث؛ لأنها من قبيل التروك، وشرعت تمييزًا للعبادة عن العادة، أو لتمييز مراتب العبادة بعضها عن بعض، "رواه الشيخان" البخاري في سبعة مواضع، ومسلم "وغيرهما" كالإمام أحمد، وأصحاب السنن، كلهم من حديث عمر، ولم يخرجه في الموطأ، رواية الأكثرين، وخرجه في رواية محمد بن الحسن عنه.
قال السيوطي: وبه يتبيّن صحة قول من عزا روايته للموطأ، وهم من خطأه في ذلك. انتهى، وفيه تعريض، يقول الحافظ: هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون، إلا الموطأ، وهم من زعم أنه في الموطأ مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك. انتهى، وهذا من كثر، "وقوله: ليس للعامل من عمله إلّا ما نواه، وتحت هاتين الكلمتين كنوز" أبواب كثيرة "من العلم"، عبَّر عنها بالكنوز للمشابهة.
قال ابن مهدي: يدخل في ثلاثين بابًا من العلم، وقال الشافعي: يدخل في سبعين، ويحتمل أن مراده المبالغة، "ولهذا قال" الإمام "الشافعي -رحمه الله تعالى" في إحدى الروايتين،стр. 2560
ولهذا قال الشافعي -رحمه الله تعالى: حديث الأعمال بالنيات يدخل فيه نصف العلم، وذلك أن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وأيضًا فالنية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح.
وقال بعض الأئمة: حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين، ووجهه أن الدين: قوله وعمل ونية.
الحواشي
(١) عنه "حديث: الأعمال بالنيات يدخل فيه نصف العلم، و" وجه "ذلك أن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن"، فهي نصف، "والعمل هو الظاهر"، فهو النصف الآخر، "وأيضًا" توجيه ثانٍ، "فالنية عبودية القلب"، أي: عبادته، وهي انقياده وخضوعه، "والعمل عبودية الجوارح".
قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلّا الله، والذي في الرسالة القشيرية، وشرحها أن العبودية، وهي تذلل وتبرٍّ من الحول والقوة في العبادة أتمّ من العبادة، وأعلى منها العبودية، فالعبادة لعوام المؤمنين؛ لأن غايتهم علم ما أمروا به، ونهوا عنه، والقيام بمقتضاهما، والعبودية للخواصّ لزيادة التذلل والتبري من الحول والقوة، والعبودية لخواص الخواص، لكمال معرفته بربه؛ حيث أتى بما طلب منه، ورأى نفسه محلًّا لجريان قضاء لله فيه، ولتوفيقه له في فعل ما طلب منه أقرب إلى مقام الجمع، وهو إفراد الحق بالفعل من الثاني؛ لأنه يشاهد كسبًا واختيارًا، وإن كان مفتقرًا لعون ربه فيما يختاره، والأوّل أقرب إلى مقام التفرقة؛ لأنه يرى نفسه عابدًا، محسنًا، مطيعًا، ويطلب الجزاء على عمله، وحاصله: إن العابد واقف مع الأعمال، والثاني: مستغرق في الجلال والجمال، والثالث: وهو ذو العبودة، متبر مما فيه نظر العون المتعال، والتفرقة اصطلاح للقوم للفرق بين المقامات، وإن كان الأصل العبادة.
"وقال بعض الأئمة" كأحمد، وابن مهدي، وابن المديني، وأبي داود، والدارقطني، وحمزة الكناني، والشافعي، في نقل البويطي عنه: "حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين"، ومنهم من قال: ربعه، واختلفوا في تعيين الباقي، "ووجهه أن الدين قول، وعمل، ونية".
وفي الفتح: وجه البيهقي، كونه ثلث العلم؛ بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها، ومن ثَمَّ ورد: "نية المؤمن خير من عمله"، وكلام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم؛ أنه أحد القواعد الثلاث التي يردَّ إليها جميع الأحكام عنده، وهي هذا، و "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، و "الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ"، وقوله: "نية المؤمن خير من عمله"، رواه الطبراني" في الكبير، عنследующие страницы →