Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
كقوله ﷺ : "المرء مع من أحب".
وقوله: "أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين".
الحواشي
(١) يا رسول الله, الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم، "قال: "المرء مع من أحب" في الجنة، بحسن نيته من غير زيادة عمل"؛ لأنّ محبته لهم لطاعتهم، والمحبة من أفعال القلوب، فأنيب على ما اعتقده؛ لأن الأصل النية، والعمل تابع لها، ولا يلزم من المعية استواء الدرجات، بل ترفع الحجب حتى تحصل الرؤية والمشاهدة، وكلٌّ في درجته، قاله المصنف.
وقال السخاوي: قال بعض العلماء: ومعنى الحديث: إنه إذا أحبَّهم عمل بمثل أعمالهم، قال الحسن البصري: من أحبَّ قومًا اتبع آثارهم، واعلم أنك لن تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم، فتأخذ بهديهم، وتقتدي بسنتهم، وتصبح وتمسي على مناهجهم، حرصًا أن تكون منهم، أسنده العسكري، ولذا قيل:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه ... هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقًا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع
وسأل رجل أبا عثمان الواعظ: متى يكون الرجل صادقًا في حب مولاه؟ قال: إذا خلا من خلافه كان صادقًا في حبه، فوضع الرجل التراب على رأسه، وصاح: كيف أدَّعي حبه ولم أخل طرفة عين من خلافه، فبكى أبو عثمان وأهل المجلس، وصار أبو عثمان يقول في بكائه: صادق في حبه، مقصر في حقه، أورده البيهقي قائلًا: يشهد لقوله صادق إلخ، هذا الحديث انتهى وهذا الحديث متواتر.
قال في الفتح: جمع أبو نعيم الحافظ طرقه في كتاب المحبين مع المحبوبين، وبلغ عدد الصحابة فيه نحو العشرين، وفي رواية أكثرهم: "المرء مع من أحب"، وفي بعضها بلفظ حديث أنس: "أنت مع من أحببت" انتهى.
قال ابن العربي: يريد في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالطاعة والأدب الشرعي، وفي الآخرة بالمعاينة والقرب الشهودي، فمن لم يتحقق بهذا, وادعى المحبة، فدعواه كاذبة.
ولفظ حديث أنس: إنَّ رجلًا سأل النبي ﷺ : متى الساعة يا رسول الله؟ قال: "ما أعددت لها"، قال: ما أعددت لها من كثير صلاة، ولا صوم، ولا صدقة، ولكني أحب الله ورسوله، قال: "أنت مع من أحببت"، فقلنا: ونحن كذلك؟ قال: "نعم"، ففرحنا يومئذ فرحًا شديدًا. "وقوله" ﷺ في كتابه لهرقل والمقوقس: "أسلم" -بكسر اللام, "تسلم" -بفتحها, "يؤتك الله أجرك مرتين"، لإيمانه بنبيه، ثم بالمصطفى.стр. 2557
وقوله: السعيد من وعظ بغيره.
ومما لم يذكره القاضي عياض ﵀:
قوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات
الحواشي
(١) قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ [القصص: ٥٤] ، أو لأنَّ إسلامه سبب لإسلام أتباعه، ويؤتك بالجزم جواب ثانٍ للأمر، أو بدل اشتمال منه، أو عطف عليه بحذف العاطف، فلا يردان جواب الأمر حصل بتسلم، أو هو جواب لأمر محذوف، هو وأسلم يؤتك، كما هو رواية البخاري في الجهاد بتكرير الأمر تأكيدًا، أو الأوّل: الدخول في الإسلام، والثاني: مداوم عليه، وتقدَّم بسط هذا في المكاتبات، "وقوله" ﷺ : "السعيد" المبارك المرضي عند الله"، وعند الناس "من وعظ بغيره"، أي: تأمّل عواقب الأمور، فلم يفعل ما يضره، لما رأى ما أصاب غيره من فعلها، ومفهومه، والشقي من وعظ به غيره، وهذا الحديث رواه الديلمي عن عقبة بن عامر، والعسكري عن زيد بن خالد بهذا اللفظ مختصرًا، وصحَّحه الحافظ، وشيخه العراقي، خلافًا لقول ابن الجوزي في أمثاله لا يثبت، وأخرجه العسكري، والقضاعي، والبيهقي في المدخل عن ابن مسعود، رفعه بزيادة: "والشقي من شقي في بطن أمه"، ورواه مسلم موقوفًا بالزيادة، وللبزار بسند صحيح عن أبي هريرة، رفعه: "السعيد من سعد في بطن أمه، والشقي من شقي في بطن أمه"، "ومما لم يذكره القاضي عياض ﵀"، كذا في نسخ، وفي بعضها اقتصر على قوله: ومما لم يذكره، اكتفاءً بعود الضمير له، "قوله ﵊: "إنما الأعمال" البدنية: أقوالها وأفعالها، فرضها ونفلها, قليلها وكثيرها، الصادرة من المكلفين المؤمنين، صحيحة أو مجزئة، أو كاملة"، "بالنيات" من مقابلة الجمع بالجمع، أي: كل عمل بنيته.
وقال الحربي: كأنه أشار إلى تنويع النية كالأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل وعده، أو اتقاء وعيده، وفي معظم الروايات: بالنية بالإفراد؛ لأن محلها القلب، وهو متحد، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال، فإنها متعلقة بالظواهر، وهي متعددة، فناسب جمعها، أو لأنَّ النية ترجع إلى الإخلاص، وهو واحد للواحد الذي لا شريك له.
وفي صحيح ابن حبان: الأعمال بالنيات، بحذف إنما وجمعهما، وللبخاري في الإيمان، والعتق، والهجرة: الأعمال بالنية، بجمع الأعمال، وإفراد النية، وله في النكاح: العمل بالنية -بإفرادهما، والنية -بكسر النون وشد التحتية- على المشهور، وفي لغة تخفيفها، وهذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين؛ لأن أل في الأعمال للاستغراق، وهو مستلزم للحصر؛ لأن معناهстр. 2558
.................................................................................................
الحواشي
(١) كل عمل بنية، فلا عمل إلا بنية، أو لأن إنما للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق، أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع، أو بالعرف، أو تفيده بالحقيقة، أو بالمجاز، ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعًا حقيقيًّا، بل نقله شيخ الإسلام البليقيني، عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة، إلا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية، واستدلَّ على إفادة إنما للحصر بأنَّ ابن عباس، استدلَّ على أن الربا لا يكون إلا في النسيئة بحديث: "إنما في الربا النسيئة"، وعارضه جماعة من الصحابة في الحكم، ولم يخالفوه في فهمه، فكان كالاتفاق منهم على إفادتها الحصر، وتعقّب باحتمال أنهم تركوا المعارضة تنزلًا، وأوضح من ذلك الحديث: "إنما الماء من الماء"، فإن الصحابة الذين ذهبوا إليه، لم يعارضهم الجمهور في فهم الحصر منه، وإنما عارضوهم في الحكم من أدلة أخرى، كحديث: "إذا التقى الختانان".
وقال ابن عطية: إنما لفظ لا تفارقه المبالغة والتأكيد؛ حيث وقع، ويصلح مع ذلك للحصر، إن دخل في قضية ساعدت عليه، فجعل ورودها للحصر مجازًا يحتاج إلى قرينة، وعكسه غيره، فقال: أصل ورودها للحصر، لكن قد يكون في شيء مخصوص؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ [النساء: ١٧١] فكأنه سيق باعتباره منكري الوحدانية، وإلّا فلله سبحانه صفات أخرى، كالعلم والقدرة، وكقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧] [النازعات: ٤٥] ، فإنه سبق باعتبار منكري الرسالة، وإلّا فله ﷺ صفات أخرى كالبشارة، والأعمال تقتضي عاملين، فالتقدير الصادرة من المكلفين.
قال الحافظ: فالظاهر إخراج أعمال الكفار؛ لأنَّ المراد أعمال العبادة، وهي لا تصح من الكافر، وإن كان مخاطبًا بها، معاقبًا على تركها، ولا يرد العتق والصدق؛ لأنها بدليل آخر. انتهى، وعَبَّر بالأعمال دون الأفعال؛ لأن الفعل قد يكون زمانه يسيرًا، ولا يتكرر.
قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١] ، وتبين لكم كيف فعلنا بهم؛ حيث كان إهلاكهم في زمان يسير، ولم يتكرر بخلاف العمل، فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد، بالاستمرار والتكرار الذين آمنوا وعملوا الصالحات، طلب منهم العمل الدائم المتجدد لأنفس الفعل، قال تعالى: ﴿فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ ، ولم يقل: الفاعلون, والنيات جمع نية.
قال البيضاوي: وهي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقًا لغرض من جلب نفع، أو دفع ضر، حالًا أو مالًا، والشرح خصَّه بالإرادة المتوجِّهة نحو الفعل، لابتغاء رضا الله وامتثال حكمه، وهي محمولة على المعنى اللغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده، وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيلстр. 2559
رواه الشيخان وغيرهما.
وقوله: ليس للعامل من عمله إلا ما نواه.
وتحت هاتين الكلمتين كنوز من العلم.
الحواشي
(١) لما أجمل، والحديث متروك الظاهر؛ لأن الذوات غير منفية؛ إذ التقدير لا عمل إلا بنية، فليس المراد نفي ذات العمل؛ لأنه قد يوجد بلا نية، بل المراد نفي أحكامها، كالصحة والكمال، لكن الحمل على نفي الصحة أَوْلى؛ لأنه أشبه بنفي الشيء نفسه؛ ولأن اللفظ دلَّ على نفي الذات بالتصريح، وعلى نفي الصفات بالتبع، فلمَّا منع الدليل نفيَ الذات، بقيت دلالته على نفي الصفات مستمرة. انتهى، والباء سببية بمعنى: إنها مقوية للعمل, فكأنها سبب في إيجاده، أو للمصاحبة، فهي من نفس العمل، فيشترط أن لا تتخلف عن أوله، ولابُدَّ من محذوف يتعلق به الجار والمجرور، فلذا احتيج للتقدير.
وقال ابن القيم: هذا كلام مستقلّ بنفسه، لا يحتاج لإضمار صحة، ولا إجزاء، ولا قبول، إنما دلَّ على أن وقوع الأعمال بالنيات، وأن النية هي الباعثة على العمل، المثيرة له، وهي أصله وهو فرعها، ولما تكلف الناس بعض هذه التقديرات المستغنى عنها، وقعوا في الإشكال والاضِّطراب، فبعضهم قدر متعلق الظرف الصحة، وبعضهم الكمال، وعليه فالأوَّل هو اللائق؛ لأن الصحة أكثر لزومًا للحقيقة، فلا يصح عمل كتيمم, خلافًا للأوزاعي، وكوضوء عند الأئمة الثلاثة، إلّا بنية, خلافًا للحنفية، ولا نسلم أن الماء يطهر بطبعه، والخلاف في الوسائل.
أما المقاصد، فلا خلاف في اشتراط النية، وإنما لم تشترط في إزالة الخبث؛ لأنها من قبيل التروك، وشرعت تمييزًا للعبادة عن العادة، أو لتمييز مراتب العبادة بعضها عن بعض، "رواه الشيخان" البخاري في سبعة مواضع، ومسلم "وغيرهما" كالإمام أحمد، وأصحاب السنن، كلهم من حديث عمر، ولم يخرجه في الموطأ، رواية الأكثرين، وخرجه في رواية محمد بن الحسن عنه.
قال السيوطي: وبه يتبيّن صحة قول من عزا روايته للموطأ، وهم من خطأه في ذلك. انتهى، وفيه تعريض، يقول الحافظ: هذا الحديث متفق على صحته، أخرجه الأئمة المشهورون، إلا الموطأ، وهم من زعم أنه في الموطأ مغترًا بتخريج الشيخين له، والنسائي من طريق مالك. انتهى، وهذا من كثر، "وقوله: ليس للعامل من عمله إلّا ما نواه، وتحت هاتين الكلمتين كنوز" أبواب كثيرة "من العلم"، عبَّر عنها بالكنوز للمشابهة.
قال ابن مهدي: يدخل في ثلاثين بابًا من العلم، وقال الشافعي: يدخل في سبعين، ويحتمل أن مراده المبالغة، "ولهذا قال" الإمام "الشافعي -رحمه الله تعالى" في إحدى الروايتين،стр. 2560
ولهذا قال الشافعي -رحمه الله تعالى: حديث الأعمال بالنيات يدخل فيه نصف العلم، وذلك أن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وأيضًا فالنية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح.
وقال بعض الأئمة: حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين، ووجهه أن الدين: قوله وعمل ونية.
الحواشي
(١) عنه "حديث: الأعمال بالنيات يدخل فيه نصف العلم، و" وجه "ذلك أن للدين ظاهرًا وباطنًا، والنية متعلقة بالباطن"، فهي نصف، "والعمل هو الظاهر"، فهو النصف الآخر، "وأيضًا" توجيه ثانٍ، "فالنية عبودية القلب"، أي: عبادته، وهي انقياده وخضوعه، "والعمل عبودية الجوارح".
قال الراغب: العبودية إظهار التذلل، والعبادة أبلغ منها؛ لأنها غاية التذلل، ولا يستحقها إلّا الله، والذي في الرسالة القشيرية، وشرحها أن العبودية، وهي تذلل وتبرٍّ من الحول والقوة في العبادة أتمّ من العبادة، وأعلى منها العبودية، فالعبادة لعوام المؤمنين؛ لأن غايتهم علم ما أمروا به، ونهوا عنه، والقيام بمقتضاهما، والعبودية للخواصّ لزيادة التذلل والتبري من الحول والقوة، والعبودية لخواص الخواص، لكمال معرفته بربه؛ حيث أتى بما طلب منه، ورأى نفسه محلًّا لجريان قضاء لله فيه، ولتوفيقه له في فعل ما طلب منه أقرب إلى مقام الجمع، وهو إفراد الحق بالفعل من الثاني؛ لأنه يشاهد كسبًا واختيارًا، وإن كان مفتقرًا لعون ربه فيما يختاره، والأوّل أقرب إلى مقام التفرقة؛ لأنه يرى نفسه عابدًا، محسنًا، مطيعًا، ويطلب الجزاء على عمله، وحاصله: إن العابد واقف مع الأعمال، والثاني: مستغرق في الجلال والجمال، والثالث: وهو ذو العبودة، متبر مما فيه نظر العون المتعال، والتفرقة اصطلاح للقوم للفرق بين المقامات، وإن كان الأصل العبادة.
"وقال بعض الأئمة" كأحمد، وابن مهدي، وابن المديني، وأبي داود، والدارقطني، وحمزة الكناني، والشافعي، في نقل البويطي عنه: "حديث الأعمال بالنيات ثلث الدين"، ومنهم من قال: ربعه، واختلفوا في تعيين الباقي، "ووجهه أن الدين قول، وعمل، ونية".
وفي الفتح: وجه البيهقي، كونه ثلث العلم؛ بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد الثلاثة وأرجحها؛ لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها، ومن ثَمَّ ورد: "نية المؤمن خير من عمله"، وكلام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم؛ أنه أحد القواعد الثلاث التي يردَّ إليها جميع الأحكام عنده، وهي هذا، و "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد"، و "الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ"، وقوله: "نية المؤمن خير من عمله"، رواه الطبراني" في الكبير، عنстр. 2561
وقوله: "نية المرء خير من عمله" رواه الطبراني, لكن قال بعضهم: لا يصح رفعه, قال: ورواه القضاعي عن إسماعيل بن عبد الله الصفار، أخبرنا علي بن عبد الله بن الفضل, حدثنا محمد بن الحنفية الواسطي، أخبرنا محمد بن عبد الله الحلبي، حدثنا يوسف بن عطية, عن ثابت عن أنس: أن رسول الله ﷺ كان يقول: "نية المؤمن أبلغ من عمله". قال: وهذا الإسناد لا ضوء عليه، ويوسف بن عطية أحد رجاله متروك الحديث.
ورواه عثمان بن عبد الله الشامي من حديث النواس بن سمعان وقال: "نية المؤمن خير من عمله"،
الحواشي
(١) سهيل بن سعد مرفوعًا بزيادة: "وعمل المنافق خير من نيته، وكلٌّ يعمل على نيته، فإذا عمل المؤمن عملًا صالحًا نار في قلبه نور"، "لكن قال بعضهم: لا يصح رفعه"، إنما هو موقوف عن سهل، وأطلق الحافظ العراقي أنه ضعيف، لكن قال رفيقه الحافظ نور الدين الهيتمي: رجاله موثوقون إلّا حاتم بن عباد، لم أر من ذكر له ترجمة.
"قال: ورواه القضاعي" أبو عبد الله محمد بن سلامة المصري، "عن إسماعيل بن عبد الله الصفار"، نسبة إلى بيع النحاس، "أخبرنا علي بن عبد الله بن الفضل، حدثنا محمد بن الحنفية الواسطي، أخبرنا محمد بن عبد الله الحلبي، حدّثنا يوسف بن عطية" بن ثابت الصفار البصري، أبو سهل، متروك, من الطبقة الوسطى, من أتباع التابعين.
"عن ثابت" بن أسلم البناني -بضم الموحدة، ونونين- أبي محمد البصري، عابد ثقة، من رجال الجميع، "عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ ، كان يقول: "نية المؤمن أبلغ"، هو مساو لقوله: خير "من عمله"، قال: وهذا الإسناد لا ضوء عليه"، كناية عن ضعفه، "ويوسف بن عطية أحد رجاله متروك الديث، ورواه عثمان بن عبد الله، الشامي من حديث النواس" -بفتح النون، وشد الواو، ثم مهملة- "ابن سمعان"، الكلابي، أو الأنصاري، صحابي مشهور، سكن الشام.
روى له مسلم، وأصحاب السنن، والبخاري في التاريخ، كذا في التقريب، ونسبه في الإصابة كلابيًّا، وقال: له ولأبيه صحبة، ولم أجد في التقريب أن سمعان -بفتح السين، ويجوز كسرها، "وقال" في سياق لفظه: "نية المؤمن خير من عمله، ونية الفاجر شر من عمله".
"وقال ابن عدي" عثمان بن عبد الله الشامي، له أحاديث موضوعات، هذا من جملتها، وقال: من الجوزي، لا يصح رفعه"، وتعقب ادعاء الوضع؛ بأن مفرداته ضعيفة فقط، لكن بانضمامها يقوى، كما أشار إليه السخاوي، فقال ما حاصله، أخرجه الطبراني، عن سهل،стр. 2562
ونية الفاجر شر من عمله" , وقال ابن عدي: عثمان بن عبد الله الشامي له أحاديث موضوعات، هذا من جملتها، وقال: من الجوزي, لا يصح رفعه، ومعناه: إن النية سر، والعمل ظاهر، والعمل السر أفضل، وهو يقتضي أنه لو نوى أن يذكر الله أو يتفكر، تكون نية الذكر خيرًا منه، وليس بصحيح.
وقيل: معناه: إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهذا بعيد؛ لأن العمل إذا خلا عن النية لم يكن فيه خير أصلًا.
وقيل: النية عمل القلب، والفعل عمل الجوارح، وعمل القلب خير من عمل الجوارح، فإن القلب أمير الجوارح، وبينه وبينها علاقة، فإذا تأمّلت تألم القلب، وإذا تألم القلب تألمت, فارتعدت الفرائص وتغير اللون، فإن القلب الملك الراعي, والجوارح خدمه ورعيته، وعمل الملك أبلغ من عمل رعيته.
الحواشي
(١) والعسكري، عن النوَّاس، وهو البيهقي، وضعَّفه عن أنس، والديلمي، عن أبي موسى، وهي وإن كانت ضعيفة، فبمجموعها يتقوى الحديث, انتهى.
فمن حكم بحسنه، أراد أنه حسن لغيره لا لذاته، "ومعناه: إن النية سر، والعمل ظاهر، والعمل السر أفضل"، لما فيه من السلامة من الوقوع في الرياء، وسائر حظوظ النفس، ومن ثَمَّ ورد في بعض الآثار: عمل السر يفضل عمل العلانية بسبعين ضعفًا، وللديلمي مرفوعًا: السر أفضل من العلانية، والعلانية لمن أراد الاقتداء، "وهو يقتضي أنه لو نوى أن يذكر الله أو يتفكَّر، تكون نية الذكر ونية التفكر خيرًا منه"، أي: من نفس الذكر، "وليس بصحيح"، فيصرف عن هذا الظاهر، "وقيل: معناه: إن النية بمجردها خير من العمل بمجرده دون النية، وهذا بعيد؛ لأن العمل إذا خلا عن النية لم يكن فيه خير أصلًا"، فيبطل أفعل التفضيل، فلا ينبغي حمل الحديث عليه، "وقيل" في معناه: "النية عمل القلب، والفعل عمل الجوارح، وعمل القلب خير من عمل الجوارح، فإن القلب أمير الجوارح، وبينه وبينها علاقة" -بفتح العين- ارتباط واتصال، "فإذا تألمت تألَّمَ القلب، وإذا تألم القلب تألمت، فارتعدت الفرائص"، جمع فريصة -بمهملة- وهي اللحمة بين الجنب والكتف لا تزال ترعد، كما في القاموس، فالمراد هنا: زادت رعدتها، وتغيّر اللون، فإنَّ القلب الملك الراعي، والجوارج خدمه ورعيته، وعمل الملك أبلغ من عمل رعيته"، فلذا كانت النية التي القلب محلها أبلغ وخيرًا من العمل، وحاصله أنها فعل القلب، وهو أشرف، ففعل الأشرف أشرف، وزاد غيره: لأن القصد من الطاعة تنوير القلب، وتنويره بالنية أكثر،стр. 2563
وقيل: لما كانت النية أصل الأعمال كلها وروحها ولبها، والأعمال تابعة لها تصح بصحتها وتفسد بفسادها، وهي التي تقلب العمل الصالح فتجعله فاسدًا، وغير الصالح تجعله صالحًا مثابًا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، فلذا كانت نية المؤمن خيرًا من عمله. وقال أبو بكر بن دريد في محتباه: المعنى -والله أعلم- أنَّ المؤمن ينوي الأشياء من أنواع البر نحو الصدقة والصوم وغير ذلك, فلعله يعجز عن بعض ذلك وهو معقود النية عليه، فنيته خير من عمله.
الحواشي
(١) لأنها صفته.
"وقيل: لما كانت النية أصل الأعمال كلها"؛ إذ لا توجد شرعًا إلا بها، "وروحها ولبها" خالصها، "والأعمال تابعة لها، تصح بصحتها، وتفسد بفسادها، وهي التي تقلب العمل الصالح" كالصلاة "فتجعله فاسدًا" بقصد الرياء، وظاهره قلبها نفس العمل، وفي التحفة: إنه لا ينقلب، إنما المنقلب ثوابه وإثمه، "وغير" العمل "الصالح، تجعله صالحًا مثابًا عليه، ويثاب عليها أضعاف ما يثاب على العمل، فلذا كانت نية المؤمن خيرًا من عمله"، جواب لما دخلته الفاء، ولذا قيل: إذا فسدت النية وقعت البلية، ومن الناس من يكون همه ونيته أجل من الدنيا وما عليها, فتبلغ النية بصاحبها في الخير والشر ما لا يبلغه عمله، فأين نية من طلب العلم لوجه الله، والنظر إليه وسماع كلامه، وتسليمه عليه في الجنة، وليصلي الله عليه وملائكته، وتستغفر له حيتان البحر، ودوابّه في الدنيا من نية من طلبه، لا كل أو وظيفة، كتدريس ونحوه من الغرض الفاني.
"وقال أبو بكر"، محمد بن الحسن "بن دريد" الأرموي، البصري, انتهى إليه علم لغة البصرة، وكان أحفظ الناس، وأوسعهم علمًا، وأقدرهم على الشعر، تصدَّر للعلم ستين سنة. ولد سنة ثلاث وعشرين ومائتين، ومات بعمان في رمضان، سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، "في محتباه: المعنى" في الحديث: "والله أعلم- أن المؤمن ينوي الأشياء من أنواع البر نحو: الصدقة والصوم وغير ذلك، فلعله يعجز عن بعض ذلك، وهو معقود النية"، عازم، ومصمم "عليه"، أي: البعض المعجوز عنه، والجملة حالية، "فنيته خير من عمله"، لذلك العقد، وقيل: لأنَّ تخليد العبد في الجنة إنما هو بنيته لا بعمله، "فنيته خير من عمله"، لذلك العقد، وقيل: لأنَّ تخليد العبد في الجنة إنما هو بنيته لا بعمله، إذ لو كان الأقام فيها بقدره، أو إضعافه، لكن لما نوى الطاعة أبدًا، وأتته المنية جازاه الله بالنية، وكذا الكافر؛ إذ لو جوزي بعمله لم يخلد في النار إلّا بقدر مدة كفره، لكنَّه نوى الكفر أبدًا، فجوزي بها.
وقال الكرماني: المراد أنَّ النية خير من عمل بلا نية؛ إذ لو كان المراد من عمل مع نية، لزم كون الشيء خيرًا من نفسه مع غيره، أو المراد أن الجزء الذي هو النية خير من الجزء الذيстр. 2564
وقوله ﷺ : "يا خيل الله اركبي".
رواه أبو الشيخ في الناسخ والمنسوخ عن سعيد بن جبير، والعسكري عن أنس، وابن عائذ في المغازي عن قتادة, ولفظه عن ابن عائذ قال: بعث رسول الله ﷺ يومئذ -يعني يوم الأحزاب- مناديًا ينادي: "يا خيل الله اركبي". قال العسكري وابن دريد في مجتباه: وهذا على المجاز والتوسع، أراد: يا فرسان خيل الله اركبي، فاختصره.
الحواشي
(١) هو العمل، لاستحالة دخول الرياء فيها، أو أن النية خير من جملة الخيرات الواقعة بعمله، وقيل: معناه إنَّ جنس النية راجح على جنس العمل، بدليل أن كلًّا من الجنسين إذا انفرد عن الآخر يثاب على الآخر دون الثاني، وهذا لا يتمشَّى في حق الكافر، ولذا قال: نية المؤمن.
وأفاد أنَّ الثواب المرتَّب على الصلاة مثلًا أكثره للنية، وباقيه لغيرها من قيام وغيره، وقيل: معناه: إن المؤمن كلما عمل خيرًا نوى أن يعمل ما هو خير منه، فليس لنيته في الخير منتهى، والفاجر كلما عمل شرًّا نوى أن يعمل ما هو شر منه، فليس لنيته في الشر منتهى، "وقوله ﷺ : "يا خيل الله اركبي"، رواه أبو الشيخ" عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان -بفتح المهملة وتحتانية- الأصبهاني، الحافظ، الإمام، المصنف، الخير، الصالح، القانت، الصدوق، المأمون، الثقة، المتقن، مات في محرم سنة تسع وستين وثلاثمائة "في" كتاب "الناسخ والمنسوخ، عن سعيد بن جبير" في قصة المحاربين، قال: كان ناس أتوا رسول الله ﷺ ، فقالوا: نبايعك على الإسلام، فذكر القصة وفيها: فأمر ﷺ ، فنودي في الناس: "يا خيل الله اركبي"، فركبوا لا ينتظر فارس فارسًا.
"والعسكري عن أنس"، أنه ﷺ قال لحارثة بن النعمان: "كيف أصبحت.." الحديث، وفيه أنه قال: يا نبي الله, ادع الله لي بالشهادة، فدعا له، قال: فنودي يومًا: "يا خيل الله اركبي"، فكان أوَّل فارس ركب، وأوَّل فارس استشهد.
"وابن عائذ في المغازي عن قتادة" بن دعامة, "ولفظه عند أبي عائذ" مستغنى عنه, "قال: بعث رسول الله يومئذ -يعني- يوم الأحزاب", أي: يوم انصرافه من غزوهم, ومسيره إلى بني قريظة " مناديًا ينادي: "يا خيل الله اركبي" وللعسكري مرفوعًا: "الأناة في كل شيء إلا في ثلاث: إذا صيح في خيل الله, فكونوا أول من يشخص", "قال العسكري, وابن دريد في مجتباه: وهذا على المجاز" بالحذف "والتوسع, أراد يا فرسان خيل الله اركبي, فاختصره" لعلم المخاطب بما أرده, لكن لا يناسبه قوله: اركبي؛ إذ لو أراده لقال: اركبوا, إلا أن يقال: نسبстр. 2565
وقوله: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
رواه الشيخان وغيرهما، والله أعلم- أنَّ حظ العاهر الحجر ولا شيء له في الولد، وقيل: أراد أن حظه الغلظة والخشونة من إقامة الحد التي نهايتها رميه بالحجر, وقيل: أراد بالحجر هنا الكناية عن رجوعه بالخيبة على الولد إذا لم تكن المرأة زوجًا له، والله أعلم.
الحواشي
(١) ما لهم من الركوب للخيل؛ لأنها آلة القتال وبها الاستعداد، والأولى على جعله مجازًا بالنقص أن يقدّر: يا جماعة خيل الله، ويمكن جعله مجازًا في الإسناد، استعمل الخيل في نفس الفرسان لملازمتها لها، "وقوله" ﷺ : "الولد" ذكر وأنثى, مفرد ومتعدد، تابع أو محكوم به "للفراش"، أي: صاحبه زوجًا كان أو سيدًا؛ لأنهما يفترشان المرأة بالاستحقاق، ومحله ما لم ينقه بلعان في الزوجة، وليس لزانٍ نصيب في النصب، إنما حظه الحَدّ، كما قال, "وللعاهر" الزاني، يقال: عهر إلى المرأة إذا أتاها ليلًا للفجور بها، والعهر -بفتحتين- الزنا، "الحجر"، الخيبة والحرمان، "رواه الشيخان، وغيرهما" من حديث عائشة وأبي هريرة، وهو متواتر، وفيه قصة "والله أعلم، أن حظ"، أي: نصيب "العاهر"، الزاني "الحجر"، أي: من الخيبة والحرمان، كقولهم: بفيه الحجر، "ولا شيء له في الولد"، لعدم اعتبار دعواه مع وجود الفراش للآخر، فأبطل بذلك إثبات بعض العرب النسب بالزنا، "وقيل: أراد أن حظه الغلظة والخشونة من إقامة الحد، التي نهايتها رميه بالحجر"، إذا كان محصنًا.
قال الطيبي تبعًا للنووي: أخطأ من زعم أن المراد الرجم بالحجر؛ لأنه خاصّ بالمحصن؛ ولأنه لا يلزم من الرجم نفي الولد الذي الكلام فيه.
قال السبكي: المعول على الأوّل لتعم الخيبة كل زانٍ، ودليل الرجم مأخوذ من أدلة أخرى، فلا حاجة للتخصيص بلا دليل، "وقيل: أراد بالحجر هنا: الكناية عن رجوعه بالخيبة على الولد، إذا لم تكن المرأة زوجًا له"، أي: الزاني، فيخيب الولد بكونه لا أب له شرعًا، فلا يثيب نسب بوطء زنا، وأول من استلحق في الإسلام ولد الزنا معاوية، استلحق في خلافته زياد بن سمية أخًا؛ لأن أباه كان زنى بها زمن كفره، فجاءت به، وفيه يقول أبو سفيان، ولم يستلحقه، يخاطب عليًّا ﵄:
أما والله لولا خوف واش ... يراني يا علي من الأعادي
لأظهر أمره صخر بن حرب ... ولم تكن المقالة عن زياد
لقد علمت معاشرتي ثقيفا ... وتركني فيهم ثمر الفؤاد
قال البارزي: واستلحاقه خلاف إجماع المسلمين، "والله أعلم" بمراد رسوله، "وقوله"стр. 2566
وقوله: كل الصيد في جوف الفرا.
وهو بفتح الفاء: حمار الوحش، رواه الرامهرمزي في الأمثال، وسنده جيد، ولكنه مرسل، ونحوه عند العسكري وقال: جوف أو جنب.
وهذا خاطب به النبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب حين جاءه مسلمًا بعد أن كان عدوًّا له, وهجَّاء كثير الهجاء مقذعًا فيه، فكأنه يقول ﷺ إن الحمار الوحشي من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك أعظم أهلي
الحواشي
(١) ﷺ : ""كل الصيد في جوف الفراء"، وهو بفتح الفاء" مقصور مهموز، كما في النهاية "حمار الوحش"، وفي القاموس: الفرأ، كجبل، وسحاب حمار الوحش أو فنيه، أي: صغيرة الجمع أفراء، وفراء انتهى، فقراءته بالألف خلاف الرواية واللغة، وإن أمكن توجيهه، بأن الهمزة قلبت ألفًا على غير قياس، أو سكنت للوصل بنية الوقف، ثم أبدلت، "رواه الرام هرمزي" بفتح الراء، والميم الأولى، وضم الهاء، والميم الثانية، وإسكان الراء بينهما وزاي منقوطة، نسبة إلى رام هرمزة بالأهواز، الحافظ، الإمام البارع، أبو محمد، الحسن بن عبد الرحمن، الفارسي، كان من أئمة هذا الشأن. عاش إلى قريب الستين وثلاثمائة, "في" كتاب "الأمثال"، من طريق ابن عيينة، عن وائل بن مازن، عن نصر بن عاصم الليثي، قال: أذن رسول الله ﷺ لقريش وآخر أبا سفيان، ثم أذن له، فقال: ما كدت أن تأذن لي، حتى كدت أن تأذن الحجارة الجلهمتين، وبكى، فقال: "وما أنت وذاك يا أبا سفيان، إنما أنت كما قال الأول: كل الصيد في جوف الفرا"، "وسنده جيد"، أي: مقبول، "ولكنَّه مرسل"؛ لأن نصر بن عام تابعي وسط، "ونحوه عند العسكري، و" لكنه "قال": كل الصيد في "جوف، أو جنب" الفراء بالشك، "وهذا خاطب به النبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، حين جاءه مسلمًا" بالإبواء بين مكة والمدينة، والنبي ﷺ سائر إلى فتح مكة، "بعد أن كان عدوًّا له, هجَّاء كثير الهجاء" بعد البعثة، وكان يألفه قبلها، "مقذعًا فيه" بضم الميم، وإسكان القاف، وذال معجمة، وعين مهملة, من أقذع، أي: مبالغًا في الهجو والفحش.
قال في القاموس: قذعه، كمنعه، رماه بالفحش وسوء القول كأقذعه، فلمَّا أسلم كان لا يرفع رأسه إلى المصطفى حياءً منه، وكان ﷺ يحبه ويشهد له بالجنة، ويقول: "أرجو أن يكون خلفا من حمزة"، "فكأنه يقول ﷺ : إن الحمار الوحشي من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه"، أي: أقل منه، "كما أنك أعظم أهلي وأمسّهم رحمًا بي، ومن أكرم من يأتيني كل دونك انتهى"، فقال ذلك ملاطفة له؛ لأنه استأذن فلم يأذن له، وقال: إنه هتك عرضي، كما تقدَّم بسطهстр. 2567
وأمسّهم رحمًا بي، ومن أكرم من يأتيني, وكل دونك. انتهى.
وقوله: "الحرب خدعة".
رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: سمى النبي ﷺ الحرب خدعة, وليس عند مسلم "سمى"، وقوله: "خدعة" مثلث الخاء- أشهرها: فتح الخاء وإسكان الدال، قال ثعلب وغيره: وهي لغة النبي ﷺ ، والثانية، ضمّ الخاء وإسكان الدال, والثلاثة: ضمّ الخاء وفتح الدال.
الحواشي
(١) في الفتح.
"وقوله" ﷺ : "الحرب خدعة"، رواه البخاري، ومسلم، عن أبي هريرة قال: سمى النبي ﷺ الحرب خدعة"، مبالغة؛ لكونها أعظم نافع فيه حتى من الشجاعة لخطرها وسلامة هذه، فهو كقوله: "الحج عرفة"، "وليس عند مسلم سمَّى، وقوله: خدعة -مثلث الخاء" ظاهره أنه روي بالكسر مع إسكان الدال، وبه صرّح في التوضيح والقاموس، إلّا أن المصنّف صرّح في شرحه للبخاري، تبعًا للحافظ، بأنها لغة حكاها مكي وغيره، وأن الرواية إنما هي بالثلاث التي أفادها بقوله، "أشهرها فتح الخاء، وإسكان الدال".
قال النووي: اتفقوا على أنها أفصح حتى "قال ثعلب وغيره"، كأبي ذر الهروي والقزاز: "وهي لغة النبي ﷺ ".
قال أبو بكر بن طلحة: أراد ثعلبة أن النبي كان يستعملها، كثير الوجازة، لفظها وكونها تعطي معنى الآخرين، أي: الضم مع الإسكان، أو الفتح.
قال: ويعطي معناها أيضًا الأمر باستعمال الحيلة، مهما أمكن ولو مرَّة، فكانت مع اختصارها كثيرة المعنى، ومعناها أنها تخدع أهلها من وصف الفاعل باسم المصدر، وأنها وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير، أي: مضروبه.
وقال الخطابي: إنها المرة الواحدة، يعني: إنه إذا خدع مرة واحدة لم تقل عثرته، "والثانية -ضم الخاء وإسكان الدال"، وهي رواية الأصيلي، ومعناها: إنها تخدع الرجال، أي: هي محلّ الخداع وموضعه، "والثلاثة -ضم الخاء وفتح الدال"، صيغة مبالغة كهمزة لمزن، المعنى: إنها تخدع الرجال، أي: تمنيهم الظفر، ولا تفي لهم، كالضحكة إذا كان يضحك بالناس، وقيل: حكمة الإتيان بالتاء الدلالة على الوحدة، فإن الخداع إذا كان من المسلمين، فكأنه حضهم عليه ولو مرَّة واحدة، وإن كان من الكفار، فكأنَّه حذَّرهم مكرهم ولو وقع مرة واحدة فلا ينبغي التهاونстр. 2568
وقد قال ذلك النبي ﷺ يوم الأحزاب، لما بعث نعيم بن مسعود, وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان واليهود، وأشار بذلك إلى المماكرة أنفع من المكاثرة.
قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن إلا أن
الحواشي
(١) بهم، لما ينشأ عنه من المفسدة، ولو قال، وحكى المنذري لغة رابعة بالفتح فيهما، قال: وهو جمع خادع، أي: إن أهلها بهذه الصفة، فكأنه قال: أهل الحرب خدعة، وحكى مكي، ومحمد بن عبد الواحد لغة خامسة، كسر أوله مع الإسكان، ذكره الحافظ في قوله: لغة رابعة لغة خامسة، أفاد أن الرواية لم تأت بهما، وتبعه المصنّف فيتوقف في قول القاموس، والحرب خدعة -مثلثة كهمزة، وروي بهنَّ جميعًا، لكن يوافقه قول السيوطي: بفتح الخاء، وضمها، وكسرها سكون الدال، أمر باستعمال الحيلة فيه ما أمكن.
"وقد قال ذلك النبي ﷺ يوم الأحزاب، لما بعث بن مسعود"، الأشجعي، الصحابي المشهور، المتوفَّى أول خلافة علي، حين جاء له مسلمًا، وقال: إن قومي لم يعلموا بإسلامي، فمرني بما شئت، فقال: " إنما أنت فينا رجل واحد، فخذّل عنَّا إذا استطعت، فإن الحرب خدعة"، "وأمره أن يخذل بين قريش وغطفان" وبين "اليهود"، فأتى بني قريظة، وكان نديمًا لهم، فقال: قد عرفتم ودي لكم، قال: صدقت، قال: إن قريشًا وغطفان ليسوا كأنتم إن رأوا نهزة أصابوها، وإلا لحقوا ببلادهم، وخلوا بينكم وبين محمد، ولا طاقة لكم به وحدكم، فلا تقاتلوا حتى تأخذوا رهنًا من أشرافهم، فقالوا: أشرت بالرأي، ثم أتى قريشًا، فقال: قد عرفتم ودي، وفراقي محمدًا، وقد بلغني أمر رأيت حقًّا علي أن أبلغكموه صحًا لكم، إن يهود ندموا على ما صنعوا، وأرسلوا بذلك إلى محمد, وقالوا: أيرضيك أن نأخذ لك من أشراف قريش وغطفان رجالًا تضرب أعناقهم، ثم نكون معك حتى نستأصل باقيهم، ثم أتى غطفان فقال لهم مثل ذلك، فأرسلوا إلى بني قريظة عكرمة في نفر من القبيلتين، فقالوا: لا نقاتل معكم حتى تعطونا رهنًا، فقالت القبيلتان: إن الذي حدَّثكم نعيم لحق، وأرسلوا إليهم لا ندفع لكم رجلًا واحدًا، فقالت قريظة: إن الذي ذكر لكم نعيم لحق, "وأشار بذلك إلى أن المماكرة" الاحتيال في بلوغ الغرض، "أنفع من المكاثرة"، المغالبة بالكثرة، ولذا قال ابن المنير: معناه: الحرب الكاملة في مقصودها البالغة إنما هي المخادعة لا المواجهة، وذلك لخطر المواجهة، وحصول الظفر بالمخادعة بلا مواجهة.
"قال النووي: اتفق العلماء على جواز خداع الكفار في الحرب كيف أمكن، إلّا أن يكون فيه نقض عهد وأمان، فلا يحل" ذلك.стр. 2569
يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يحل.
وقوله: "إياكم وخضراء الدِّمَن".
رواه الرامهرمزي والعسكري في الأمثال، وابن عدي في الكامل، وأبو بكر بن دريد في المجتبى, والقضاعي في مسند الشهاب, والديلمي من حديث الواقدي, قال: حدثنا محمد بن سعيد بن دينار, عن أبي وجزة يزيد بن عبيد, عن عطاء بن يزيد الليثي, عن أبي سعيد مرفوعًا: قيل: يا رسول الله وما زاد؟ قال: "المرأة الحسناء في المنبت السوء" قال ابن عدي: تفرَّد به الواقدي.
ومعناه: إنه كره نكاح الفاسدة، وقال: إن أعراق السوء تنزع
الحواشي
(١) قال ابن العربي: ويقع الخداع بالتعريض وبالكمين ونحوهما، "وقوله" ﷺ : "إياكم وخضراء الدمن" بكسر الدال وفتح الميم، "رواه الرامهرمزي والعسكري"، كلاهما "في" كتاب "الأمثال وابن عدي في الكامل، وأبو بكر بن دريد في المجتبى، والقضاعي في مسند الشهاب، والديلمي" في الفردوس، والدارقطني في الإفراد، والخطيب في إيضاح الملتبس، كلهم "من حديث الواقدي قال: حدثنا محمد"، صوابه كما في المقاصد ناسبا للمذكورين يحيى "بن سعيد بن دينار، عن أبي وجزة" بفتح الواو، سكون الجيم، بعدها زاي, "يزيد" بتحتية وزاي "ابن عبيد"، بضم العين- السعدي، الشاعر المدني، الثقة، التابعي، الصغير, مات سنة ثلاثين ومائة, روى له أبو داود والنسائي، "عن عطاء بن يزيد الليثي"، المدني، نزيل الشام، ثقة، من رجال الجميع، مات سنة خمس أو سبع ومائة، وقد جاوز الثمانين.
"عن أبي سعيد" سعد بن مالك الخدري، "مرفوعًا" باللفظ المزبور، "قيل: يا رسول الله وما زاد؟ " المراد بخضرة الدمن "قال: "المرأة الحسناء" الجميلة، "في المنبت السوء" , وفي نسخة: في البيت، والذي في المقاصد: المنبت -بالميم، "قال ابن عدي: تفرَّد به الواقدي"، وهو متروك متَّهم، زاد السخاوي، وذكره أبو عبيد في الغرائب فقال: يروي عن يحيى بن سعيد بن دينار.
قال ابن الصلاح: وابن طاهر يُعَدّ في أفراد الواقدي، وقال الدارقطني: لا يصح من وجه، "ومعناه: إن كره نكاح الفاسدة، وقال: "إن أعراق" جمع عرق "السوء تنزع" تميل وتشبه "أولادها" بها، "وتفسير حقيقته: إن الريح تجمع الدمن، وهي البعر في البقعة من الأرض، ثمстр. 2570
أولادها، وتفسير حقيقته: إن الريح تجمع الدمن، وهي البعر، في البقعة من الأرض، ثم يركبه الساقي، فإذا أصابه المطر أنبت نباتًا غضًّا ناعمًا يهتز, وتحته الأصل الخبيث، فيكون ظاهره حسنًا وباطنه قبيحًا فاسدًا, والدمن جمع دمنة, وأنشد زفر بن الحارث:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
ومعنى البيت: إن الرجلين قد يظهران الصلح والمودة، وينطويان على البغضاء والعداوة، كما ينبت المرعى على الدمن، وهذا أكثري أو كلي في زمنًا، أشار إليه شيخنا.
وقوله: الأنصار كرشي وعيبتي.
رواه البخاري، أي: إنهم بطانته وموضع سره،
الحواشي
(١) يركبه الساقي، فإذا أصابه المطر أنبت نباتًا غضًّا" بمعجمتين- طريًّا "ناعمًا يهتز" يتمايل، "وتحته الأصل الخبيث"، وهو البعر، "فيكون ظاهره حسنًا وباطنه قبيحًا فاسدًا، والدمن جمع دمنة"، بزنة سدر وسدرة، وهو البعر، أي: نفسه، هذا ظاهره، وفي المصباح: الدِّمن من وزان حمل، ما يتلبَّد من البعر، والدمنة موضعه، والجمع دمن، "وأنشد زفر بن الحارث" بضم الزاي، وفتح الفاء:
وقد ينبت المرعى على دمن الثرى ... وتبقى حزازات النفوس كما هيا
"ومعنى البيت: إن الرجلين قد يظهران الصلح والمودة، وينطويان على البغضاء" شدة البغض وأقواه، "والعداوة" كما ينبت المرعى على الدمن، وهذا أكثريّ أو كليّ في زمننا، أشار إليه" بمعنى ذكره "شيخنا"، يعني: السخاوي في المقاصد الحسنة.
"وقوله" ﷺ : "الأنصار كرشي" بفتح الكاف وكسر الراء والشين المعجمة, "وعيبتي" بفتح المهملة والموحدة، بينهما تحتية ساكنة، ثم تاء تأنيث، "رواه البخاري" ومسلم، والترمذي، والنسائي، عن أنس بزيادة: "والناس سيكثرون ويقلون، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزا عن مسيئهم"، أي: إنهم بطانته وموضع سره"؛ إذ البطانة -بالكسر: الوليجة -بالجيم، وهو الذي يكون محلًّا لسر صاحبه، فالمعنى: إنهم كالبطانة يسر لهم أموره، فيكتمونها ولا يظهرونها، فكانوا كالكرش.
قال القزاز: ضرب المثل بالكرش؛ لأنه مستقَرّ غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقالстр. 2571
والعيبة كذلك؛ لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يجمع ثيابه في عيبته. وقيل: أي هم الذين اعتمد عليهم وأفزع إليهم وأقوى بهمن وقيل أراد بالكرش الجماعة، أي: جماعتي وصحابتي، ويقال: عليه كرش من الناس, أي: جماعة، ووقع في رواية الترمذي: ألّا إن عيبتي التي آوي
الحواشي
(١) فلان كرش منثورة، أي: عيال كثيرة, "والعيبة كذلك"؛ إذ هي ما يجعل الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سرّه وأمانته، "لأنَّ المجتر" من ذي الخف، والظلف، ويربوع، وأرنب، "يجمع علفه في كرشه"؛ لأنه له بمنزلة المعدة للإنسان، "والرجل يجمع ثيابه في عيبته"، تعليل لوجه التشبيه، "وقيل" في بيانه أيضًا "أي: هم الذين اعتمد عليهم، وأفزع" بالفاء والزاي- ألجأ "إليهم وأقوي بهم"، كما يقوى الحيوان بما في كرشه، ويلجأ الرجل إلى ما في عيبته، "وقيل: أراد بالكرش الجماعة"، وهو أحد إطلاقاته لغة، "أي: جماعتي وصحابتي" عطف تفسير، "ويقال": عطف علة على معلول، أي: لأنه يقال لغة "عليه كرش من الناس، أي: جماعة"، وقيل: أي: إنهم مني في المحبة والرأفة بمنزلة الأولاد الصغار؛ لأن الإنسان مجبول على محبَّة ولده الصغير، ذكره المصباح، ولكنه لا يناسب سياقه في الثناء عليهم، كما قال شيخنا في التقرير: ففي بعض طرق الحديث في الصحيح، مَرَّ أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي ﷺ منَّا، فدخل فأخبره، فخرج ﷺ ، وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم"، وفي الفتح: أي: "بطانتي وخاصتي".
قال القزاز: ضرب المثل بالكرش؛ لأنه مستقر غذاء الحيوان الذي يكون فيه نماؤه، ويقال لفلان: كرش منثورة، أي: عيال كثيرة، والعيبة ما يحرزه فيه الرجل نفيس ما عنده، يريد أنهم موضع سره وأمانته.
قال ابن دريد: هذا من كلامه ﷺ الموجز الذي لم يسبق إليه، وقال غيره: الكرش بمنزلة المعدة للإنسان، والعيبة مستودع الثياب، والأول أمر باطن، والثاني أمر ظاهر، فكأنه ضرب المثل بهما في إرادة اختصاصهم بأموره الظاهرة والباطنة، والأَوَّل أوْلَى، وكل من الأمرين مستودع لما يخفي فيه. انتهى.
"ووقع في رواية الترمذي: ألا إن عيبتي التي آوى" بفتح الهمزة الممدودة، أي: جماعتي التي أرجع "إليها"، وأقيم عندها، حتى كأنها حافظة لي "أهل بيتي، وإن كرشيстр. 2572
إليها أهل بيتي وإن كرشي الأنصار.
وقوله: "ولا يجني على المرء إلا يده".
رواه الشيخان، ولأحمد وابن ماجه من حديث عمرو بن الأحوص: "لا يجني جانٍ إلا على نفسه" , وقد أراد ﷺ بهذا: إنه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره، إن قتل أو جرح أو زنى، وإنما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي التي أدته لذلك.
وقوله: "ليس الشديد من غلب الناس, إنما الشديد من غلب نفسه" رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه الشيخان.
الحواشي
(١) الأنصار"، ضبطه المصنّف بزنة كتف، فإن كان الرواية، وإلّا ففيه الكسر مع الإسكان أيضًا، كما في القاموس، "وقوله" ﷺ : "ولا يجني على المرء"، أي: الرجل، والمراد الإنسان، فيشمل المرأة، أي: لا يوصل إليه مكروهًا، "إلا يده"؛ لأنه يذنب فيعاقب من الله، أو الحاكم, فكأنه المعاقب لنفسه لتسببه في إيصال العقاب لها، وخصّ اليد لمباشرتها غالبًا الجنايات، "رواه الشيخان" في حديث، "ولأحمد وابن ماجه من حديث عمر بن الأحوص" الجشمي -بضم الجيم، وفتح المعجمة, صحابي له حديث في السنن الأربعة أنه شهد حجة الوداع فيه، "لا يجني جانٍ إلا على نفسه"، أي: لا يؤخذ أحد بجناية أحد، ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ، فهو خبر بمعنى النهي، وفيه مزيد تأكيد كأنَّه نهاه, فقصد أن ينتهي، فأخبر عنه، ولذا عدل عن النهي إلى الخبر، ولمزيد من التأكيد والحث على الانتهاء، أضاف الجناية إلى نفسه، والمراد الغير؛ لأنها كانت سببًا للجناية عليه، قصاصًا ومجازاة، فأبرزها على ذلك ليكون أدعى إلى الكفِّ، وأمكن في النفس لتضمُّنِه الدلالة على المعنى الموج للنهي، كما أشار إليه البيضاوي، وإلى حاصله يومئ قول المصنف.
"وقد أراد ﷺ بهذا، أنَّه لا يؤخذ إنسان بجناية غيره إن قتل، أو جرح، أو زنى، وإنما يؤخذ بما جنته يده، فيده هي التي أدَّته لذلك"، فهو إبطال لأمر الجاهلية، كانوا يقودون بالجناية من يجدونه من الجاني وأقاربه، الأقرب فالأقرب، وعليه الآن أهل الجفاء من سكان البوادي والجبال، "وقوله" ﷺ : "ليس الشديد"، أي: القوي "من غلب الناس"، بل هو ضعيف، فإن الظفر بالغير ينشأ غالبًا عن تعدٍّ في القول، أو الفعل، فيذمّ فاعله عند الله وعند الخلق، فهو نفي للمتعارف عندهم، "إنما الشديد من غلب نفسه"، بأن منعها من مطلوباتها المخالفة للشرع، لأنه يجازى على منعها من الله الثواب الجزيل، "رواه ابن حبان في صحيحه، ورواه" بمعناه "الشيخان في الأدب، عن أبي هريرة بلفظ: "ليس الشديد بالصرعة" بضم الصاد المهملة، وفتح الراء،стр. 2573
بلفظ: "ليس الشديد بالصرعة, إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب" يعني: إنه إذا ملكها كان قد قهر أكبر أعدائه وشر خصومه. ولذلك قال: أعدى عدو لك نفسك التي بين جنبيك. وهذا من باب المجاز، ومن فصيح الكلام؛ لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ وقد ثارت عليه شدة من الغضب وقهرها بحلمه، وصرعها بثباته كان كالصرعة الذي يصر.
الحواشي
(١) الذي يصرع الناس كثيرًا بقوته، والهاء للمبالغة في الصفة، والصرعة -بسكون الراء- بالعكس، وهو من يصرعه غيره كثيرًا، وكل ما جاء بهذا الوزن -بالضم والسكون- فهو كذلك, كهمزة ولمزة وحفظة وخدعة، ووقع بيان ذلك في حديث ابن مسعود عند مسلم أوله: "ما تعدون الصرعة فيكم"، قالوا: الذي لا تصرعه الرجال.
قال ابن التين: ضبطناه -بفتح الراء، وقرأة بعضهم بسكونها وليس بشيء؛ لأنه عكس المطلوب، قال: وضبط أيضًا في بعض الكتب بفتح الصاد، وليس بشيء، ذكره الحافظ والنفي للمبالغة، أي: ليس القوي من يقدر على صرع أبطال الرجال وإلقائهم إلى الأرض بقوة، "إنما الشديد" على الحقيقة "الذي يملك نفسه عند الغضب"، أي: إنما القوي من كظم غيظه عند فوران الغضب وقهر نفسه وغلب عليها، فحوّل المعنى فيه من القوة الظاهرة إلى القوة الباطنة، "يعني: إنه إذا ملكها كان" هو الشديد، لأنه "قد قهر أكبر أعدائه"؛ إذ من عداها أذاه دونها؛ لأنها موجبة لعقوبة الله، وأقلها أشد من عقوبات الدنيا "و" قهر "شر" بالنصب، "خصومه"، جمع خصم على لغة المطابقة في التثنية والجمع، والمشهور وقوع خصم على الذكر والأنثى والمفرد، والجمع, فآثر الجمع وإن كان لغة قليلة؛ لأنه أبلغ في إفادة المراد "ولذلك" المذكور من الأمرين. "قال" ﵊، فيما ذكره في النهاية بلا إسناد: "أعدى عدو لك"، أي: أشد عداوة لك من بين أعدائك، "نفسك التي بين جنبيك"، والعدو خلاف الصديق الموالي، وليس المراد البغض لاستحالته, بل فعلها معه فعل العدو، ولحملها له على اكتساب المال من غير حله، وانفاقه في اللذات والشهوات، وصدّها عن العلم والجهاد، وميلها للكسل وما يفوت الكمالات، ﴿إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾ "وهذا من باب المجاز ومن فصيح الكلام"، أي: بليغه إلى الغاية؛ بحيث اشتمل على أعلى البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، فليس المراد الفصاحة الاصطلاحية التي هي خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات والتعقيد مع فصاحتها؛ "لأنه لما كان الغضبان بحالة شديدة من الغيظ، وقد ثارت عليه شدة من الغضب، وقهرها بحلمه، وصرعها بثباته" وعدم عمله بمقتضى الغضب، "كان كالصرعة الذي يصرع الرجال ولا يصرعونه"، فهو تشبيه بليغ بحذف الأداة أو استعارة، "وقوله" ﷺ : "ليس الخبرстр. 2574
الرجال ولا يصرعونه.
وقوله: "ليس الخبر كالمعاينة". رواه أحمد وابن منيع والطبراني والعسكري.
الحواشي
(١) كالمعاينة"، وفي رواية: كالعيان -بكسر العين, ومعناهما واحد، أي: المشاهدة؛ لأنها تحصل العلم القطعي، وقد جعل الله لعباده آذانًا واعية، وأبصارًا ناظرة، ولم يجعل الخبر في القوة كالنظر بالعيان، وكما جعل في الرأس سمعًا وبصرًا جعل في القلب ذلك، فما رآه الإنسان ببصره قويّ علمه به، وما أدركه يبصر قلبه كان أقوى عنده.
وقال الكلاباذي: الخبر خبر إن صادق، لا يجوز عليه الخطأ وهو خبر الله ورسوله، ومحتمله، وهو ما عداه، فإن حمل الخبر على الأوّل، فمعناه ليس المعاينة كالخبر في القوة، بل الخبر أقوى وأبعد عن الشكوك، إذا كان خبر الصادق والمعاينة قد تخطئ، فقد يرى الإنسان الشيء على خلاف ما هو عليه، كما في قصة موسى والسحرة، وإن حمل على الثاني، فمعناه أنها أقوى؛ لأن المخبَر لا يطمئن قلبه، وتزول عنه الشكوك في خبر من يجوز عليه السهو والغلط، وحاصله: إن الخبر إذا كان خبر الصادق، فهو أقوى من المعاينة، أو غيره فعكسه. انتهى، وهذا الفهم يشكل عليه بقية الحديث الآتية، "رواه أحمد" بن حنبل الإمام، "و" أحمد "ابن منيع" بفتح الميم، وكسر النون، وإسكان التحتية ومهملة- ابن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي، نزيل بغداد، ثقة حافظ, مات سنة أربع وأربعين ومائتين، وله أربع وثمانون سنة.
روى عنه مسلم والأربعة وغيرهم، "والطبراني والعسكري" من حديث ابن عباس بزيادة: إن الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمَّا عاين ما صنعوا، ألقى الألواح فانكسرت، ورواه أحمد، وابن طاهر، والبغوي، والدارقطني، والطبراني في الأوسط، وابن حبان والعسكري أيضًا، عن ابن عباس مختصرًا بدون الزيادة، وصحَّح الحديث ابن حبان والحاكم والضياء.
قال العسكري: أراد ﷺ أنه لا يهجم على قلب المخبر من الهلع، بالأمر والاستفظاع له, مثل ما يهجم على قلب المعاين، قال: وظنَّ بعض الملحدين في حديث موسى، أنه لم يصدق بما أخبره ربه، ولا دلالة فيه على ذلك، ولكن للعيان روعة هي أنكأ للقلب، وأبعث لهلعه من المسموع، قال: ومن هذا قول إبراهيم: ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ ، أي: بيقين النظر؛ لأن للمشاهدة والمعاينة حالًا ليست لغيره، وقال غيره: كان خبر الله ثابتًا عند موسى, وخبره كلامه، وكلامه صفته، فعرف فتنة قومه بصفة الله، لكن صفة البشرية لا تظهر عند صفة الله، لعجز البشرية وضعفها، فتمسك موسى بما في يديه ولم يلقه، فلمَّا عاين قومه عاكفين على العجل عابدين له، عاتبهم بصفة نفسه التي هي نظره ببصره ورؤيته بعينه، فلم يتمالك أن طرح الألواح من شدةстр. 2575
وقوله: "المجالس بالأمانة". رواه العقيلي في ترجمة حسين بن عبد الله بن ضمرة عن أبيه عن جده عن علي.
الحواشي
(١) الغضب، وفرط الضجر حمية للدين.
روي أنَّها كانت سبعة، فانكسر ستة كان فيها تفصيل كل شيء، وبقي السابع فيه المواعظ والأحكام، "وقوله" ﷺ : "المجالس"، أي: ما يقع فيها قولًا وفعلًا ملحق "بالأمانة"، فيجب حفظها، فلا يشيع أحد حديث جليسه إلّا فيما يحرم ستره ولا يبطن، خلاف ما يظهر، وفيه إشارة إلى مجلسه أهل الأمانة وتجنب أهل الخيانة، ذكره العامري في شرح القضاعي، وقال العسكري: أراد ﷺ أن الرجل يجلس إلى القوم، فيخوضون في الحديث، ولعلَّ فيه ما إن نمى كان فيه ما يكرهون، فيأمنونه على أسرارهم، فيريد أنَّ الأحاديث التي تجري بينهم كالأمانة التي لا يجب أن يطَّلِع عليها، فمن أظهرها فهو قتاب، وفي التنزيل: ﴿هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ﴾ ، وقال ﷺ : "لا يدخل الجنة قتات"، أي: نَمَّام.
وروي مرفوعًا: "إلا أنَّ من الخيانة أن يحدِّث الرجل أخاه بالحديث فيفشيه"، انتهى. ولعبد الرزاق مرفوعًا: "إنما يتجالس المتجالسون بأمنة الله، فلا يحلّ لأحد أن يفشي عن صاحبه ما يكره"، وقال ابن الأثير: هذا ندب إلى ترك إعادة ما يجري في المجلس من قول أو فعل، فكان ذلك أمانة عند من سمعه أو رآه، والأمانة تقع على الطاعة والعبادة، والوديعة، والثقة، والأمان، وقد جاء كل منها حديث، انتهى.
"رواه" الديلمي" والعسكري، والقضاعي، و"القيلي" الإمام، الحافظ أبو جعفر محمد بن عمرو بن موسى بن حماد، كثير التصانيف، مقدم في الحفظ، ثقة عالم بالحديث، مات سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة.
"في ترجمة حسين بن عبد الله بن ضمرة، عن أبيه، عن جده، عن علي" بن أبي طالب، "رفعه" بلفظ الترجمة فقط، لكن قصر المصنّف في عزوه، فقد رواه ابن ماجه عن جابر بهذا اللفظ فقط، ورواه أبو داود والعسكري عن جابر بن عبد الله مرفوعًا بزيادة: إلا ثلاثة مجالس سفك دم حرام، أو فرج حرامن أو اقتطاع مال بغير حق.
قال البيضاوي: يريد أن المؤمن إذا حضر مجلسًا، ووجد أهله على منكرات يستر عوراتهم، ولا يشيع ما رأى منهم إلّا أن يكون أحد هذه الثلاثة، فإنه فساد كبير, وإخفاؤه إضرار عظيم، وقال غيره، أي: من قال في مجلس أريد قتل فلان، أو الزنا بفلانة، أو أخذ مال فلان ظلمًا، فلا يجوز لسامعه حفظ سره، بل يجب عليه إفشاؤه دفعًا للمفسدة، "و" جاء "عن جابر بنстр. 2576
رفعه، وعن جابر بن عتيك: إذا حدَّث الرجل ثم التفت فهي أمانة، ورواه أبو داود في سننه, والترمذي في جامعه, وابن أبي الدنيا في الصمت. وغيرهم.
ففي هاتين الكلمتين من الحمل على آداب العشرة وآداب الصحبة وكتم السر، وحفظ الود وحفظ العهد، وإصلاح ذات البين, والتحذير من النميمة بين الإخوان، الموقعة للشنآن ما لا يكاد يخفى على مبادئ الأذهان.
الحواشي
(١) عتيك" بن قيس الأنصاري، صحابي جليل، اختلف في شهوده بدرًا، مات سنة إحدى وستين، وهو ابن إحدى وتسعين، له في أبي داود والنسائي: "إذا حدَّث الرجل"، أي: الإنسان، فذكر الرجل غالبي, ومفعول حدث محذوف في رواية ابن عتيك، وقد ثبت في رواية ابن عبد الله بلفظ: إذا حدث الرجل.. الحديث، "ثم التفت"، أي: غاب عن المجلس، كما قال المظهري، أو يمينًا وشمالًا، كما قال الطيبي، فثَمَّ الحقيقة الترتيب على الأوّل لا الثاني، "فهي"، أي: الكلمة التي حدَّث بها قبل التفاته "أمانة" عند المحدَّث أودعه إياها، فإن حدَّث بها غيره فقد خالف أمر الله بتأدية الأمانة إلى غير أهلها، فيكون من الظالمين، فيجب عليه كتمها؛ إذ التفاته بمنزلة استكتامه بالنطق؛ لأن التفاته إعلام لمن يحدّثه أنه يخاف أن يسمع حديثه أحد، وأنه قد خصَّه بسره، فكأن التفاته قائم مقام قوله: أكتم هذا عني، وهو عندك أمانة، "ورواه"، أي: حديث: إذا التفت لا بقيد كونه من حديث ابن عتيك، "أبو داود في سننه، والترمذي في جامعه"، وقال: حديث حسن، "وابن أبي الدنيا في" كتاب "الصمت وغيرهم"، كالإمام أحمد، والطيالسي، وأبي يعلى، كلهم من حديث جابر بن عبد الله مرفوعًا، بلفظ: إذا حدَّث الرجل.. الحديث، ثم التفت فهي أمانة، وفيه عبد الرحمن بن عطاء، وثَّقه جماعة، وليِّنَه آخرون، فتحسين الترمذي اعتماد لتوثيقه، أو لشاهده عند أبي يعلى، عن أنس به مرفوعًا، كما أفاده السخاوي.
"ففي هاتين الكلمتين" هذا الحديث والمجالس بالأمانة، سمَّاهما كلمتين لقلة حروفهما، وفي نسخة: الخصلتين، أي: المستفادتين من الخبرين، وكلاهما من جوامع الكلم "من الحمل على آداب العشرة، وآداب الصحبة، وكتم السر، وحفظ الود، وحفظ العهد، وإصلاح ذات البين"، أي: الحالة التي تكون بين الناس من التعارف والمخالطة، "والتحذير من النميمة"، هي نقل الكلام إشاعةً له وإفسادًا وتزيين الكلام بالكذب، كما في القاموس، "بين الإخوان الموقعة للشنآن"، أي: البغضاء، "ما لا يكاد يخفى"، لشدة ظهوره "على مبادى الأذهان"، أي: أوائلها، أي: إنها تدرك بأدنى التفات، فلا تحتاج لإمعان نظر وتأمّل، وإفشاء السر حرام إن أضر.
قال الماوردي: إظهار الرجل سِرَّ غيره أقبح من إظهار سِرِّ نفسه؛ لأنه يبوء بإحدىстр. 2577
وقوله: "البلاء موكل بالمنطق". رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد، من رواية إبراهيم عن ابن مسعود، ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعًا: "البلاء موكل بالمنطق" , وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي الدرداء وابن مسعود. قال شيخنا في المقاصد الحسنة: ولا يحسن من مجموع ما ذكرناه
الحواشي
(١) وصمتين؛ الخيانة إن كان مؤتمنًا، والنميمة إن كان مستخبرًا، وأمَّا الضرورة فيما استويا فيه، أو تفاضلا، فكلاهما مذموم، وهو فيهما ملوم.
وقال الراغب: السِّرُّ ضربان، أحدهما ما يلقى إلى الإنسان من حديث يستكتم، وذلك إمّا لفظًا، كقولك لغيرك: اكتم ما أقول لك؛ وإمَّا حالًا وهو أن يتحرَّى القائل حال انفراده فيما يورده، أو خفض صوته، أو بخفيه عن مجالسه، وهو المراد في هذا الحديث، انتهى. "وقوله" ﷺ : "البلاء موكل بالمنطق".
قال الديلمي: البلاء الامتحان والاختيار، ويكون حسنًا ويكون سيئًا, والله يبلو عبده بالصنع الجميل؛ ليمتحن شكره، ويبلوه بما يكره؛ ليمتحن صبره، ومعنى الحديث: إن العبد في سلامة ما سكت، فإذا تكلَّم عرف ما عنده بمحنة النطق، فيتعرَّض للخطر، أو للظفر، ولذا قال ﷺ لمعاذ: "أنت في سلامة ما سكت, فإذا تكلمت فلك أو عليك"، ويحتمل أن يريد التحذير من سرعة النطق با تثبت خوف بلاء لا يطيق دفعه، وقد قيل: اللسان ذنب الإنسان، وما شيء أحق بسجن من اللسان، "رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في الأدب المفرد من رواية إبراهيم" النخعي، "عن ابن مسعود" مرفوعًا بهذا اللفظ وزيادة: "لو سخرت من كلب لخشيت أن أحول كلبًا"، رواه الخطيب والديلمي، وأبو نعيم والعسكري مرفوعًا: "البلاء موكل بالمنطق"، فلوّ أنَّ رجلًا عَيِّرَ رجلًا برضاع كلبة لرضعها، وسنده ضعيف، وهو عند أحمد في الزهد موقوفًا على ابن مسعود، قاله السخاوي، "ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعًا: "البلاء موكل بالمنطق"، وزاد: "ما قال عبد لشيء: والله لا أفعله, إلا ترك الشيطان كل شيء، وولع به حتى يؤثمه"، ولا حاجة إلى ذكر المصنف لفظ الحديث؛ إذ هو مساو لترجمته، وقد رواه القضاعي وابن السمعاني عن علي، والديلمي عن ابن مسعود، والعسكري عن أبي الدرداء رفعوه، وابن لال في المكارم عن ابن عباس، عن الصديق موقوفًا، وابن أبي الدنيا من مرسل الحسن، خمستهم بلفظ: "البلاء موكل بالقول" , "وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من حديث أبي الدرداء وابن مسعود, قال شيخنا" السخاوي "في المقاصد الحسنة: ولا يحسن مع مجموع ما ذكرناه"، وهو هذه الطرق التي لخصتها من كلامه "الحكم عليه بالوضع"؛ لأن تعدد الطرق، وتباين مخارجها دليل علىстр. 2578
الحكم عليه بالوضع، ويشهد لمعناه قوله ﷺ للأعرابي الذي دخل عليه يعوده, وقال ﵊: "لا بأس هو طهور"، فقال الأعرابي: بل هي حمَّى تفور على شيخ كبير تزيره القبور، فقال ﵊: "فنعم إذًا".
وأنشد في معناه:
لا تنطقنَّ بما كرهت فربما ... نطق اللسان بحادث فيكون
الحواشي
(١) أن للحدث أصلًا، وورد أيضًا من حديث أنس، أشار إليه الديلمي، "ويشهد لمعناه قوله ﷺ " عند البخاري وغيره، عن ابن عباس "للأعرابي الذي دخل عليه" المصطفى "يعوده"، أي: الأعرابي، "وقال" عليه الصلاة: "لا بأس" عليك "هو طهور" لك من الذنوب، أي: مطهر.
قال ابن عباس في البخاري: وكان النبي ﷺ إذا دخل على مريض يعوده قال: "لا بأس طهور"، "فقال الأعرابي": مستبعد الحصول الشفاء، "بل لفظ البخاري: قلت طهور كلابل، "هي حمى تفور"، بالفاء، أي: يظهر حرها ووهجها وغليانها، ولفظ البخاري: تفور، أو قال: تثور، أي: بالشك من الراوي, هل قاله بفاء أو مثلثة، ومعناهما واحد. "على شيخ كبير تزيره" بضم الفوقية، وكسر الزاي- من أزاره حمله على الزيارة، والمعنى: إنها سبب في إدخاله "القبور، فقال ﵊: "فنعم إذًا" بالتنوين.
قال الطيبي: الفاء مرتبة على محذوف، تقديره: أرشدتك بقولي لا بأس طهور إلى أن تحمي تطهرك وتنقي ذنوبك، فاصبر واشكر الله عليها، فأبيت إلّا اليأس والكفران، فكان كما زعمت، وما اكتفيت بذلك، بل رددت نعمة الله، قاله غضبًا عليه. انتهى.
عند الطبراني وغيره، فقال ﷺ : "أما إذا أبيت فهي كما تقول وقضاء الله كائن"، فما أمسى الأعرابي من الغد إلا ميتًا، وعند الدولابي، فقال ﷺ : "ما قضى الله فهو كائن"، فأصبح الأعرابي ميتًا.
قال الحافظ: وقع في ربيع الأبرار، أن اسم هذا الأعرابي قيس بن أبي حازم، ولم أر تسميته لغيره، فإن كان محفوظًا فهو غير قيس بن أبي حازم، أحد المخضرمين؛ لأنَّ هذا مات في حياة النبي ﷺ ، والمخَضْرَم لا صحبة له، وإن أسلم في حياته، وعاش بعده دهرًا طويلًا ولأبيه صحبة، "وأنشد" بالبناء للمجهول، وفي المقاصد أنشد القاضي البهلول "في معناه:
لا تنطقنَّ بما كرهت فربما ... نطق اللسان بحادث فيكون
وقال الخرائطي: أنشدونا:
لا تعبثنَّ بحادث فلربما ... عبث اللسان بحادث فيكونстр. 2579
وقوله ﵊: "ترك الشر صدقة".
رواه بعضهم: ومعنى ذلك: إن من ترك الشر وأذى الناس فكأنه تصدّق عليهم، وعلم من ذلك أن فضل ترك الشر كفضل الصدقة.
وقوله: "وأي داء أدوى من البخل" رواه البخاري،
الحواشي
(١) وأنشد غيره:
لا تمزحن بما كرهت فربما ... ضرب المزاح عليك بالتحقيق
وفي تاريخ الخطيب: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فقدَّموا الكسائي يصلي جهرية، فأرتجّ عليه في قراءة الكافرون، فقال اليزيدي: قارئ الكوفة يرتجّ عليه في هذه، فحضرت جهرية أخرى، فقام اليزيدي فارتجَّ عليه في الفاتحة، فقال الكسائي:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى ... إن البلاء موكل بالمنطق
وقال النخعي: تحدثني نفسه بالشيء فلا أتكلم به مخافة أن أُبْتَلِيَ به، "وقوله ﵊: "ترك الشر" السوء والفساد والظلم، وجمعه شرور، وهذا شَرٌّ من ذاك، أصله أشر بالألف على أفعل، واستعمال الأصل لغة لبني عامر، وقرئ شاذًّا من الكذب الأشر على هذه اللغة "صدقة" رواه بعضهم، كذا زاده في بعض النسخ، ولا كبير فائدة فيه، ومعنى ذلك أن من ترك الشر، و" ترك "أذى الناس"، وهو إيصال المكروه إليهم، "فكأنَّه تصدَّق عليهم, وعلم من ذلك أنَّ فضل ترك الشر كفضل الصدقة"، أي: ثوابها في الجملة، "وقوله" ﷺ : "وأي داء أدوى من البخل"، أي: أي عيب أقبح، وأيُّ مرض أعظم منه، أي: لا شيء أعظم منه؛ لأن من ترك الإنفاق خشية الإملاق لم يصدق بوعد الرزاق، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ .
قال عياض: هكذا يرويه المحدثون أدوى غير مهموز من دوى، أي: بكسر الواو، وإذا كان به مرض في جوفه، والصواب أدوأ بالهمز؛ لأنه من الداء، فيحمل على أنهم سهَّلوا لهمزة، أي: قلبوها ألفًا، قاله الحافظ.
"رواه البخاري"، ومسلم، والإمام أحمد عن جابر، وله سبب، أخرجه البخاري في الأدب المفرد والسراج، وأبو الشيخ، وأبو نعيم، والبيهقي عن جابر قال: قال لنا رسول الله ﷺ : "مَنْ سيدكم يا بني سلمة"؟، قالوا: الجد بن قيس على أنّا نبخله، فقال: "بيده هكذا، ومد يده، وأي داء أدوى من البخل، بل سيدكم عمرو بن الجموح"، وكان عمرو يولم على رسول الله ﷺ إذا تزوج، وفي بعض طرقه عند أبي نعيم: "بل سيدكم الأبيض، الجعد عمرو بن الجموح"، ورواهстр. 2580
والبخل قد جعله ﷺ داء، وليس بداء مؤلم لصاحبه، وإنما شبهه بالداء إذ كان مفسدًا للرجل مورثًا له سوء الثناء، كما أن الداء المرض المشي يئول إلى طول الضنا وشدة العنا، والمقصد من هذا النهي عن البخل أعاذنا الله منه.
الحواشي
(١) الحاكم في المستدرك، وأبو الشيخ بإسناد غريب عن أبي هريرة، وفي رواية ابن جرير عن أبي هريرة: "بل سيدكم وابن سيدكم بشر بن البراء بن معرور"، وكذا في بعض طرقه عن جابر عن أبي نعيم.
وروى ابن منده وأبو الشيخ في الأمثال، والولي بن إبان في كتاب الجود عن كعب بن مالك: أن النبي ﷺ قال: "من سيدكم"؟ قال: جد بن بشير، فقال: "سيدكم بشر بن البراء بن معرور"، وسنده جيد.
قال الحافظ: ويمكن حمل قصة بشر على أنها كانت بعد قتل عمرو بأحد جمعًا بين الحديثين، وروى الحديث الأول ابن عائشة في نوادره عن الشعبي مرسلًا، وزاد: فقال في ذلك بعض الأنصار:
وقال رسول الله والحق قوله ... لمن قال منا من تسمون سيدا
فقالوا له جد بن قيس على التي ... نبخله منها وإن كان أسودا
فسوَّدَ عمرو بن الجموح لجوده ... وحق لعمرو بالندى أن يسودا
فلو كنت يا جد بن قيس على التي ... على مثله عمرو لكنت المسوَّدا
"والبخل" بضم الباء، وسكون الخاء، وبفتح الباء والخاء، كذا ضبطه الزركشي، "قد جعله ﷺ داء": مرضًا مؤلمًا لصاحبه في العقبى، "وليس بداء" حسي، "مؤلم لصاحبه" حقيقة، كالأمراض الحسية، فهو تشبيه، "وإنما شبهه بالداء إذ" تعليلية، "كان مفسدًا للرجل" أكثري، فالمراد الإنسان، "مورثًا له سوء الثناء، كما أن الداء المرض الحسي، يئول إلى طول الضنا" شدة المرض، "وشدة العنا" التعب، "والمقصد" مصدر ميمي بمعنى القصد، "من هذا النهي عن البخل، أعاذنا الله منه"، ولذا عد من جوامع الكلم، وكما نطق بهذا اللفظ النبي ﷺ ، في ذا الحديث الصحيح، قاله خليفته أبو بكر بعده لما أتاه بعده مال البحرين، ونادى: من كان له عند النبي ﷺ عدة، أو دين فليأتني، فجاءه جابر، فأخبره أن المصطفى قال له: لو جاء مال البحرين أعطيتك هكذا وهكذا، ثلاثًا، فلم يعطه, ثم أتاه ثانيًا وثالثًا، فلم يعطه، فقال له: إما أن تعطيني، وإمّا أن تبخل عني، فقال: "أقلت تبخل عني، وأي أداء أدوى من البخل"؟ قالها ثلاثا، ما منعتك من مرة إلّا وأنا أريد أن أعطيك، رواه البخاري ومسلم، وفي بعض طرقه عند البخاري.стр. 2581
وقوله: "لا ينتطح فيها عنزان".
أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع.
وقوله: "الحياء خير كله". متفق عليه.
وقوله: "اليمين الفاجرة تدع الديار بلاقع".
الحواشي
(١) وقال ابن المنكدر: وأيّ داء أدوى من البخل، وهو يوهم أنه لم يقله أبو بكر وليس بمراد؛ لأن معناه وقال ابن المنكدر في حديثه، كما رواه مسدد، أي: في حديثه عن جابر، عن الصديق، كما بينه الحافظ والله أعلم.
"وقوله" ﷺ : "لا ينتطح فيها"، أي: في عصماء بنت مروان, اليهودية التي قتلها عمير بن عدي، وكان أعمى- في بيتها ليلًا، ثم رجع وصلى الصبح مع المصطفى، فقال له: أقتلت ابنة مروان؟ قال: نعم, فهل علي في ذلك من شيء؟ فقال: "لا ينتطع فيها عنزان"، وكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من النبي ﷺ ، رواه ابن سعد وغيره. "أي: لا جري فيها خلف ولا نزاع"، بل هي هدر لا يسأل عنها، ولا يؤخذ لها بثأر، ومر بسط القصة في محلها.
"وقوله" ﷺ : "الحياء" بالمد، وهو تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم.
قال الراغب: وهو من خصائص الإنسان ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، "خير كله"؛ لأن مبدأه انكسار يلحق الإنسان مخافة نسبته إلى القبيح، ونهايته ترك القبيح، وكلاهما خير، ومن علم أنه مشهد النعمة والإحسان، وأن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه، وإنما يفعله اللئيم منعه مشهد إحسانه إليه ونعمته عليه، من عصيانه حياء منه أن يكون خيره وإنعامه نازلًا عليه، ومخالفته صاعدة إليه، فملك ينزل بهذا، وملك يعرج بهذا، ولذا قال ﷺ في الصحيحين: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، أي: لأن من استحيا من الناس أن يروه يأتي بقبيح، دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من الله أشد، فلا يضيع فريضة، ولا يرتكب خطيئة.
وقال ﵊: "الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة"، وقال: "الحياء زينة" "متفق عليه" عن عمران بن حصين، "وقوله" ﷺ : "اليمين الفاجرة" "، أي: الكاذبة، "تدع الديار بلاقع"، جمع بلقع، وبلقعة الأرض القفراء التي لا شيء بها، يريد أن الحالف كاذبًا يفتقر، ويذهب ما في بيته من الرزق، وقيل: هو أن يفرق الله شمله، ويغير عليه ما أولاه من نعمه، كما في النهاية.
"رواه الديلمي في مسند الفردوس"، لأبي شجاع الديلمي، ألفه محذوف الأسانيد،стр. 2582
رواه الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي هريرة.
وقوله: سيد القوم خادمهم.
رواه أبو عبد الرحمن السلمي في كتاب "آداب الصحبة" له عن عقبة بن عامر رفعه، وفي سنده ضعف أو انقطاع. ورواه غيره أيضًا.
وقوله: "فضل العلم خير من فضل العبادة".
الحواشي
(١) ومسنده لولده أبي منصور شيرويه بن شهردار بن شيرويه الحافظ، خرج سند كل حديث تحته "من حديث أبي هريرة" مرفوعًا.
"وقوله: "سيد القوم خادمهم"؛ إذ السيد من يفزع إليه في النوائب فيحمل الأثقال، فلمَّا تحمَّل الخادم الأمور، وكفى المؤنة، وما لا يطيقونه كان سيدهم، فخادم مبتدأ مؤخر، وأصله خادم القوم كسيدهم، فبُولِغَ فيه بالقلب المكاني حتى جعل السيد خادمًا.
"رواه أبو عبد الرحمن" محمد بن الحسين بن موسى النيسابوري "السلمي" بضم السين- إلى جَدٍّ له اسمه سليم، كان وافر الجلالة، وحدَّث أكثر من أربعين سنة.
قال في اللسان: كأصله وليس بعمدة. وقال الخطيب: ثقة صاحب علم وحال.
قال السبكي: وهو الصحيح ولا عبرة بالطعن فيه، "في كتاب آداب الصحبة له"، أحد تصانيفه التي بلغت مائة أو ألفًا، "عن عقبة بن عامر رفعه، وفي سنده ضعيف، أو انقطاع، ورواه غيره أيضًا" كابن عساكر من حديث ابن عباس، عن جرير مرفوعًا، وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف جدًّا مع انقطاعه، عن أنس رفعه بلفظ: "رب الخادم في الدنيا سيد القوم في السفر خادمهم، فمن سبقهم لخدمة لم يسبقوه بعمل إلا الشهادة"، وعزاه الديلمي للترمذي وابن ماجه عن أبي قتادة فوهم، أفاده السخاوي.
"وقوله" ﷺ : "فضل العلم خير"، هذا لفظ الطبراني، ولفظ البزار: "أحب إلي من فضل العبادة"، أي: إن زيادة العلم خير من زيادتها، فنفله أفضل من نفلها، كما أن فرضه أفضل من فرض العمل، ونفله ما زاد على الواجب، وظاهره يشمل العلوم بجميع أنواعها، كتوحيد وتفسير، وحديث، وفقه، ونحو وغير ذلك.
وقال السهرودي: ليس المراد علم البيع والشراء ونحوهما، بل العلم بالله واليقين، وقد يكون العبد عالمًا بالله، وليس عنده شيء من فروض الكفايات، وقد كان الصحابة أعلم منстр. 2583
رواه الطبراني والبزَّار.
وقوله: "الخيل في نواصيها الخير".
الحواشي
(١) علماء التابعين بحقائق اليقين ودقائق المعرفة، وفي علماء التابعين من هو أقوم بعلم الفتوى من بعض الصحابة، وفيه حَثٌّ على العلم، لكن لا مع ترك العبادة، بل هو إشارة إلى أنَّ العبادة إنما يعتدَّ بها من العالم؛ إذ العلم يحكمها ويصححها ويخلصها ويصفيها، ولذا قال ﷺ : "لفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد"، رواه البيهقي وغيره.
وقال الغزالي: العلم أشرف جوهرًا من العبادة, لكن لابُدَّ منها مع العلم، وإلّا كان هباء منثورًا؛ إذ العلم بمنزلة الشجر، والعبادة بمنزلة الثمر، فالشرف للشجرة، لكونها الأصل، لكن الانتفاع بثمرتها أشرف، فلابُدَّ من الأمرين، ولذا قال الحسن: اطلبوا العلم طلبًا لا يضر بالعبادة، واطلبوا العبادة طلبًا لا يضر بالعلم.
"رواه الطبراني" في الأوسط بلفظه، "والبزار" بلفظ: "أحبّ إلي" كلاهما عن حذيفة رفعه بزيادة: "وخير دينكم الورع"، وصحَّحَه الحاكم، وحسَّنه المنذري، وشواهده كثيرة.
"وقوله" ﷺ : "الخيل" اسم جمع لهذا الجنس المجبول على الاختيال، لما خلق له من الاعتزاز به وقوة المنة في الافتراس عليه، ومنه سمي واحده فرسًا, "في نواصيها الخير".
قال الطيبي: يحتمل أن الخير المفسَّر بالأجر والمغنم, استعارة لظهوره وملازمته، وخص الناصية لرفعة قدره، فكأنه شبهه لظهور بشيء محسوس معقود على مكان مرتفع، فنسب الخير إلا لازم المشبه به، وذكر الناصية تجريد للاستعارة، والمراد بالناصية هنا الشعر المسترسل على الجبهة.
قال الخطابي وغيره قالوا: ويحتمل أنه كني بالناصية عن جميع ذات الفرس، كما يقال: فلان مبارك الناصية، ويبعد لفظ الحديث الثالث، أي: في البخاري، وهو البركة في نواصي الخيل، وفي مسلم عن جرير: رأيت رسول الله ﷺ يلوي ناصية فرسه بأصبعه، ويقول.. فذكر الحديث، فيحتمل أنها خصت بذلك لكونها المقدم منها، إشارة إلى الفضل في الإقدام بها على العدو، دون المؤخر لما فيه من الإشارة إلى الإدبار، قاله في فتح الباري، وسبقه شيخه الحافظ العراقي، فقال: إنه خاص بناصيتها، بدليل النهي عن قصها، وقول البيضاوي: أي ملازم لها كأنه معقود فيها، فهو استعارة مكنية، قال الشاعر:
ويصعد حتى يظن الجهول ... بأن له حاجة في السماء
ردَّه شيخنا بأن ضابط المكنية أن لا يذكر من أركان التشبيه سوى المشبه، ويرمز إلىстр. 2584
متفق عليه من حديث مالك عن نافع عن ابن عمر رفعه: "الخيل في نواصيها الخير إلى يوم القيامة،
الحواشي
(١) التشبيه بشيء من خواص المشبه به، وما ذكره لا يصلح أنه مشبه. نعم يمكن أن تجعل الملازمة للنواصي كالاستقرار فيها، فيتجوّز بالظرفية للملازمة، ويستعمل فيها ما يستعمل للظرفية، وهي في نفيه استعارة تبعية في الحرف، "متفق عليه"، أي: رواه البخاري ومسلم "من حديث مالك" الإمام "عن نافع، عن ابن عمر رفعه"، أي قال: قال ﷺ : "الخيل" أي: ما تتخذ للغزو بأن يقاتل عليها، أو تربط لأجل ذلك، لقوله في حديث مالك والشيخين أيضًا، عن أبي هريرة: "الخيل لثلاثة، لرجل أجر، ولرجل ستره, وعلى رجل وزر.. " الحديث، وفيه: " ورجل ربطها فخرًا ورياءً ونواء لأهل الإسلام، فهي له وزر"، "في نواصيها الخير إلى يوم القيامة"، أي: إلى قربه أعلم به، أن الجهاد قائم إلى ذلك الوقت، زاد في حديث عروة البارقي عند مسلم والبخاري: الأجر والمغنم، وهو بدل من قوله: الخير، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو الأجر، وفي مسلم، قالوا: بم ذاك يا رسول الله؟، قال: "الأجر والمغنم".
قال عياض في هذا الحديث مع وجيز لفظه من البلاغة: والعذوبة ما لا مزيد عليه في الحسن، مع الجناس السهل الذي بين الخيل والخير.
قال الخطابي: وفيه إشارة إلى أنّ المال المكتسب باتخاذ الخيل من خير وجوه الأموال وأطيبها، والعرب تسمي المال خيرًا، كما في قوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ .
وقال ابن عبد البر: فيه إشارة إلى تفضيل الخيل على غيرها من الدوابّ؛ لأنه لم يأت عنه ﷺ في شيء غيرها مثل هذا القول، وفي النسائي عن أنس: لم يكن شيء أحب إلى رسول الله ﷺ بعد النساء من الخيل، واستدلَّ به على أن قوله ﷺ : " إنما الشؤم في ثلاث: الفرس والمرأة والدار" أخرجه الشيخان وغيرهما على غير ظاهره؛ لأنه أثبت لها الخير.
قال عياض: فيبعد أن يكون فيها شؤم، فيحتمل أنّ الشؤم في غير التي ربطت للجهاد، والتي أعدت له هي المخصوصة بالخير والبركة، أو يقال: الخير والشرك ممكن اجتماعهما في ذات واحدة، فإنه فسره بالأجر والمغنم، ولا يمنع ذلك أن يكون الفرس مما يتشاءم به، أو المراد جنس الخيل، أي: إنها بصدد أن فيها الخير، فلا ينافي حصول غيره لأمر عارض.
وقد روى أبو داود عن ابن القاسم، عن مالك أنَّه سُئِلَ عن حديث الشؤم، فقال: كم من دار سكنها ناس فهلكوا، قال المازري: فحمله مالك على ظاهره، والمعنى: إن قدر الله بما وافق ما يكره عند سكنى الدار، فيصير كالسبب فيتشاءم في إضافة الشؤم إليها اتساعًا.
وقال ابن العربي: لم يرد مالك إضافة الشؤم إلى الدار، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها،стр. 2585
وفي لفظ لغيرهما: "معقود بنواصيها الخير".
وقوله: "أعجل الأشياء عقوبة البغي".
الحواشي
(١) فأشار إلى أنه ينبغي الخروج عنها، صيانةً لاعتقاده عن التعلق بالباطل، وقيل: معنى الحديث: إن هذه الأشياء يطول تعذيب القلب بها مع كراهة أمرها، لملازمتها بالسكنى والصحبة، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها، فأشار إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب، وقيل: شؤم الفرس عدم الغزو عليه، والمرأة عدم ولادتها، والدار الجار السوء، وقيل: إنه سيق لبيان اعتقاد الناس ذلك، لا إخبار بثبوته، وسياق الأحاديث الصحيحة يبعد هذا التأويل، بل قال ابن العربي: هو جواب ساقط؛ لأنه ﷺ لم يبعث ليخبر الناس عن معتقداتهم الماضية، أو الحاصلة، إنما بعث ليعلمهم ما يلزمهم أن يعتقدوه، وما رواه الترمذي مرفوعًا لا شؤم، وقد يكون اليمن في المرأة والدار والفرس، ففي إسناده ضعف مع مخالفته للأحاديث الصحيحة.
وروى الطيالسي عن مكحول، قيل لعائشة: إنَّ أبا هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "الشؤم في ثلاثة"، فقالت: لم يحفظ أنه دخل، وهو يقول: قاتل الله اليهود يقولون: الشؤم في ثلاثة، فسمع آخر الحديث، ولم يسمع أوله، وهو منقطع، فمكحول لم يسمع من عائشة، لكن روى أحمد وابن خزيمة والحاكم: أن رجلين من بني عامر دخلا عليها، فأخبراها بذلك، فغضبت غضبًا شديدًا، وقالت ما قاله، إنما قال: إن أهل الجاهلية كانوا يتطيرون من ذلك، إلّا أنه لا معنى لإنكار ذلك على أبي هريرة، مع موافقة جماعة من الصحابة له في ذلك، انتهى ملخصًا من فتح الباري، قال: وقوله "في نواصيها الخير"، كذا في الموطَّأ ليس فيه معقود، "وفي لفظ لغيرهما"، غير البخاري ومسلم، اللذين عبَّر عنهما بقوله متفق عليه، "معقود بنواصيها الخير"، ومن الغير الإسماعيلي، من رواية عبد الله بن نافع عن مالك به، ورواه البخاري في علامات النبوة، من طريق عبيد الله بن عمر، عن نافع شيخ مالك فيه بإثباتها، وذلك في رواية أبي ذر عن الكشميهني وحده، والنزاع إنما هو في إثباتها في حديث ابن عمر، فمالك في الموطأ، وفي الصحيحين عنه بدونها، والإسماعيلي عنه بإثباتها، وإلّا فهي ثابتة في حديث عروة الباقي عند الشيخين، وجابر عند أحمد، وجرير عنده، وعند مسلم وأبي هريرة، عند أبي يعلى والطبراني، "وقوله: "أعجل" أسرع "الأشياء"، أي: الذنوب "عقوبة البغي"، مجاوزة الحد والتعدي بلا حق، وعقوبة تمييز محوّل عن المضاف، والبغي حذف منه المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: أسرع عقوبات الأشياء عقوبة البغي، والمعنى لكل ذنب عقوبة، لكنها قد تتأخَّر إلّا البغي، فينجز للباغي في الدنيا، إن لم يعف الله تعالى.
وقد روى الطبراني في الكبير، والبخاري في التاريخ، عن أبي بكرة مرفوعًا: "اثنان يعجلهماстр. 2586
وقوله: "وإن من الشعر حكمًا".
رواه أبو داود من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة عن أبيه عن جده, سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من البيان لسحرًا،
الحواشي
(١) الله تعالى في الدنيا، البغي وعقوق الوالدين"، قال في الفائق: وأصل التعجيل إيقاع الشيء قبل أوانه، ﴿أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾ سبقتموه، "وقوله: "وإن من الشعر حكمًا" جمع حكمة, قولًا صادقًا، "رواه أبو داود" في الأدب، "من رواية صخر بن عبد الله بن بريدة" بن الحصيب -بمهملتين- مصغَّر وصحف. من أعجم الحاء الأسلمي، "عن أبيه" عبد الله الأسلمي، أبي سهل المروزي، قاضيها, ثقة، روى له الجميع، مات سنة خمسة ومائة، وقيل: بل سنة خمس عشرة، وله مائة سنة، "عن جده" بريدة بن الحصيب بن عبد الله الحارث الأسلمي، أسلم حين مَرَّ به النبي ﷺ مهاجرًا بالغميم، وأقام بموضعه حتى مضت بدر وأُحد، ثم قدم، وقيل: أسلم بعد انصرافه ﵊ من بدر، وفي الصحيحين عنه: أنه غزا مع النبي ﷺ ست عشرة غزوة، ويقال: اسمه عامر، وبريدة لقب, سكن البصرة، ثم تحوَّل إلى مرو، فسكنها حتى مات سنة ثلاث وستين. "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن من البيان لسحرًا".
قال البيضاوي: البيان جمع الفصاحة في اللفظ والبلاغة باعتبار المعنى، والسحر في الأصل الصرف، قال تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٩] ، وسمي السحر سحرًا؛ لأنه منصرف عن جهته، وقال الخطابي وابن التين: البيان نوعان: أحدهما ما يقع به الإبانة عن المراد بأي وجه كان، والآخر ما دخلته صنعته، تحسين اللفظ بحيث يروق للسامعين، ويستميل قلوبهم، وهذا هو الذي يشبه بالسحر؛ لأن السحر صرف الشيء عن حقيقته، يعني: إن منه لنوعًا يحل من العقول والقلوب في التمويه محل السحر، فإن الساحر بسحره يزيّن الباطل في عين المسحور حتى يراه حقًّا، فكذا المتكلّم بمهارته في البيان، وتقلبه في البلاغة، وترصيف النظم يسلب عقل السامع، ويشغله عن التفكير فيه والتدبر له، حتى يخيل إليه الباطل حقًّا والحق باطلًا، فتستمال به القلوب، كما تستمال بالسحر، فشبَّه به تشبيهًا بليغًا بحذف الأداة.
قال التوربشتي: وأصله أن بعض البيان كالسحر، لكنه جعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل الأصل فرعًا، والفرع أصلًا.
قال الباجي: قال قوم: وهذا خرج مخرج الذم؛ لأنه أطلق عليه سحرًا، والسحر مذموم؛ ولأن مالكًا أدخله في باب ما يكره من الكلام بغير ذكر الله، وقال قوم: خرج مخرج المدح؛ لأن الله أمتنَّ به على عباده، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ, عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ ، وكان ﷺ أبلغ الناس، وأفصحهم بيانًا، قال: "هؤلاء، وإنما جعله سحرًا لتعلقه بالنفس وميلها إليه".стр. 2587
وإن من العلم جهلًا، وإن من الشعر حكمًا،
الحواشي
(١) قال ابن العربي وغيره: حمله على الأول صحيح، لكن لا يمنع حمله على المعنى الثاني، إذا كان في تزيين الحق، وقال ابن بطال: أكثر ما يقال هذا الحديث، ليس ذمًّا للبيان كله، ولا مدحا لقوله من البيان، فأتى بمن التي للتبعيض، قال: وكيف يذمّه وقد امتنَّ الله به؟ فقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ, عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ .
قال الحافظ: والذي يظهر أنَّ المراد به في الآية، ما يقع به الإبانة عن المراد بأيّ وجه كان لا خصوص ما نحن فيه، وقد اتفق العلماء على مدح الإيجاز بالمعاني الكثيرة بالألفاظ القليلة، وعلى مدح الإطناب في مقام الخطابة بحسب المقام، هذا كله من البيان بالمعنى الثاني.
نعم الإفراط في كل شيء مذموم، وخير الأمور أوسطها، وهذه الجملة رواها مالك في الموطأ، وأحمد والبخاري، والترمذي، وأبو داود أيضًا من حديث ابن عمر، قال: جاء رجلان من المشرق فخطبا، فقال النبي ﷺ : "إن من البيان لسحرًا"، قال الحافظ: لم أقف على تسمية الرجلين صريحًا، وزعم جماعة أنهما لزبرقان -بكسر الزاي والراء بينهما موحدة ساكنة ثم قاف, وعمرو بن اأهتم، لما رواه البيهقي وغيره عن ابن عباس، قال: جلس إلى رسول الله ﷺ الزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم، أي: حين قدما في وفد تميم، ففخر الزبرقان فقال: يا رسول الله, أنا سيد بني تميم، والمطاع فيهم، والمجاب لديهم، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم حقوقهم، وهذا، أي: عمرو يعلم ذلك، فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أذنيه، فقال الزبرقان: والله لقد علم مني أكثر مما قال، ما منعه إلّا الحسد، فقال عمرو: أنا أحسدك، والله إنك لئيم الخال، حديث المثال، أحمق الوالد، مضيع في العشيرة، والله يا رسول الله لقد صدقت في الأولى، وما كذبت في الأخرى، لكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والأخرى جميعًا، فقال ﷺ : "إن من البيان لسحرًا"، وأخرجه الطبراني عن أبي بكرة.
كنا عند النبي ﷺ ، فقدم علينا وفد تميم، فذكر نحوه، وهذا لا يلزم منه أن يكونا هما المراد بحديث ابن عمر، فإن المتكلم إنما هو عمرو وحده، وكان كلامه في مراجعة الزبرقان، فلا يصح نسبة الخطبة إليهما إلّا على طريق التجوّز، "وإن من العلم جهلًا"، لكونه علمًا مذمومًا، فالجهل به خير من علمه، كعلوم الفلسفة، وعلم أيام الجاهلية ووقائعهم, ونحو ذلك، أو المراد أن يتعلّم ما لا يحتمل عليه، كالنجوم، وعلوم الأوائل، فيشتغل به عن تعلم ما يحتاجه في دينه من علم القرآن والسنة، فيصير علمه بما لا يعنيه جهلًا بما يعنيه، "وإن من الشعر حكمًا" بكسر الحاء وفتح الكاف- جمع حكمة، أي: قولًا صادقًا مطابقًا للحق، موافقًا للواقع، كذا ضبطهстр. 2588
فقال صعصعة بن صوحان: صدق رسول الله ﷺ
الحواشي
(١) بعضهم: فإن كان رواية فصحيح ظاهر، وإلّا فقد ضبطه ابن رسلان بضم الحاء وسكون الكاف، قال في النهاية: أي: كلامًا نافعًا يمنع من الجهل والسَّفَه وينهي عنهما، قيل: أراد بها المواعظ والأمثال التي ينتفع بها الناس والحكم العلم والفقه، والقضاء بالعدل، وهو مصدر حكم يحكم، وهذا قد رواه أبو داود أيضًا، وأحمد من حديث ابن عباس بلفظه، وفي رواية البخاري: الحكمة، وهي بمعنى الحكم، وأسقط المصنف من رواية أبي داود عقب هذا ما لفظه، وإن من القول عيالًا.
قال الراغب: جمع عيل لما فيه من الثقل، فكأنه أراد به الملال، فالسامع إمَّا عالم فيمل، أو جاهل فلا يفهم فيسأم، وفي النهاية هو عرض الحديث على من لا يريده، وليس من شأنه، كأنه لم يهتدي لمن يطلب علمه، فعرضه على من لا يريده.
قال الخطابي: هكذا رواه أبو داود عيالًا، ورواه غيره عيلًا. قال الأزهري: من قولك: علت الضلالة أعيل عيلًا, وعيلًا إذا لم تدر أي جهة تبغيها. قال أبو زيد: كأنَّه لم يهتد إلى من يطلب علمه، فعرضه على من لا يريده. انتهى. فبيِّن ﷺ أنَّ البيان الحسن، وإن كان محمودًا، ففيه ما يذم لكونه معربًا عن باطل، وأن العلم كذلك لما سبق، وأن الشعر وإن ذمَّ في الجملة، لكنَّه قد يكون فيه ما يحمد، لاشتماله على الحِكَم ومنه ما يعذب، يقضي له بالعجب، وتقصر عنه العامة، كالسحر الذي لا يقدر عليه كل أحد، ويسمَّى السحر الحلال، "فقال" ليس قوله حين سمع صخرًا يرويه، بل عند تحديث بريدة، فلفظ أبي داود عن صخر، عن أبيه عبد الله، قال: بينما بريدة جالس مع أصحابه، قال: سمعت رسول الله ﷺ ، فذكره، فقال "صعصعة بن صوحان" بضم الصاد، وبالحاء المهملتين- العبدي، نزيل الكوفة، تابعيّ كبير، مخضرم، ثقة، فصيح، قال في الإصابة: ذكر الإمام أبو بكر الطرطوشي أنه صحابي، ولم يذكر مستنده، وما أظن ذكره لذلك إلا بالتوهم لشهرته في عصر كبار الصحابة، فله ذكر في السنن مع عمر، وقد جزم ابن عبد البر بخلاف قوله، فقال: كان مسلمًا في عهد النبي ﷺ ، ولم يره، قلت: وله رواية عن عثمان وعلي، وشهد معه صفين، وكان خطيبًا فصيحًا، وله مع معاوية مواقف، وقال الشعبي: كنت أتعلّم منه الخطب، وروى عنه أيضًا أبو إسحاق السبيعي، والمنهال بن عمرو، وعبد الله بن بريدة، وغيرهم. مات بالكوفة في خلافة معاوية، وقيل: بعدها، وذكر العلائي: إن معاوية نفاه من الكوفة إلى جزيرة بالبحرين، وقيل: إلى جزيرة ابن كافان، فمات بها. "صدق رسول الله ﷺ "، لفظ أبي داود، فقال صعصعة -وهو أحدث القوم سنًّا: صدق الله ورسوله، ولو لم يقلها كان كذلك، فتوسمه رجل من الحلقة، فقال له بعدما تفرق القوم: ما حملك على أن قلت, ولو لم يقلها كانстр. 2589
أما قوله: "إن من البيان سحرًا" , فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج من صاحب الحق, فيسحر القوم ببيانه فيذهب بالحق، وأما قوله: "إن من العلم جهلًا"، فتكلُّف العالم إلى علمه ما لا يعلم بجهله، وأمَّا قوله: "إن من الشعر حِكَمًا"، فهي هذه المواعظ والأمثال التي يتَّعظ بها الناس. ومفهومه: إن بعض الشعر ليس كذلك؛ لأن من تبعيضية, وفي البخاري:
الحواشي
(١) كذلك؟ قال: "أما قوله: "إن من البيان سحرًا"، فالرجل يكون عليه الحق، وهو ألحن بالحجج"، أي: أقوى إقامة البراهين "من صاحب الحق"، إما لجودة كلامه واقتداره على تأليفه، وإما لشدة فطنته وفهمه، بحيث يتمكَّن من إقامة مدعاه، "فيسحر القوم ببيانه"، أي: يخدعهم حتى يأخذ بعقولهم بسبب ما ألفاه عليهم من الكلام المشتمل على ما يخيّل لسامعه أنه الحق لدقته، "فيذهب بالحق"، فيحل به الوعيد.
فقد روى مالك، وأحمد، والستة عن أم سلمة عنه ﷺ : "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إليّ، فلعلَّ بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فأقضي له على نحو ما أسمع، فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار فليأخذها، أو ليتركها"، "وأما قوله: "إن من العلم جهلًا"، فتكلف العالم إلى علمه ما لا يعلم بجهله"، أي: معه: فهو صلة تكلف، أي: إن العالم إذا سُِلَ عن شيء لا يعلمه، فتحمَّل الشقة في تحصيل الجواب عنه بلا استناد إلى حجة تهديه، ولا بناء على القواعد كان عين الجهل في الواقع، وإن كان علمًا عند الناس لحصول الجواب به صورة، وهذا جعله ابن الأثير أحد قولين في معناه، ثانيهما: أن يتعلم ما لا يحتاج إليه كالنجوم وعلوم الأوائل، ويدع ما يحتاج إليه في دينه من علم القرآن والسنة، وتقدم ثالث هو حمله على العلم المذموم، "وأما قوله: "إن من الشعر حكمًا" فهي"، أي: الحِكَم، "هذه المواعظ والأمثال التي يتَّعظ بها الناس"، ومقتضى هذا قراءته -بكسر، ففتح- ومَرَّ أن ابن رسلان ضبطه بضم، فسكون محتجًّا بتفسير النهاية، وهو أيضًا صريح قول العسكري، والمعنى: إن من الشعر ما يحثُّ على الحسن، ويمنع من القبيح؛ لأن أصل الحكم في اللغة المنع، ومنه حكمة الدابة؛ لأنها تمنعها أن تنصرف كيف شاءت، قال: وفي بعض كتب المتقدمين أحكموا سفهاءكم، أي: امنعوهم عن القبيح، انتهى.
وفي المصباح: حكمة وزان قصبة، وبقيته في أبي داود، وأما قوله: "إن من القول عيالًا، فعرضك كلامك على من ليس من شأنه ولا يريده"، ومفهومه أن بعض الشعر ليس كذلك؛ لأن من تبعيضية"، فقوله من الشعر، أي: بعضه، وكذا في باقيها كما مَرَّ، "وفي البخاري" من حديث أُبَيّ بن كعب، وكذا الترمذي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إن من الشعر حكمة"، أي: قولًاстр. 2590
"إن من الشعر حكمة" أي: قولًا صادقًا مطابقًا للحق.
قال الطبري: وفي هذا رَدٌّ على من كره الشعر مطلقًا، واحتجَّ بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان. وعن أبي أمامة -رفعه- أنَّ إبليس لما هبط إلى الأرض قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر.
ثم أجاب عن ذلك: بأنها أحاديث واهية, وهو كذلك. فحديث أبي أمامة فيه: علي بن زيد الألهاني، وهو ضعيف. وعلى تقدير قوتها فهو محمول على الإفراد فيه والإكثار منه.
الحواشي
(١) صادقًا، مطابقًا للحق"، موافقًا للواقع، والمراد جنس حكمة، فلا ينافي رواية حكمًا على أنه جمع، وأولى على أنه مصدر.
"قال الطبري" الإمام ابن جرير: "وفي هذا رَدٌّ على من كره الشعر مطلقًا"، سواء كان ثناء على الله ورسوله، وذبًّا عنهما، أم لا؟ سواء كان في المسجد، أم لا؟ وثالثها، وهو الأَوْلَى التفصيل، فما اقتضى الثناء على الله ورسوله، أو الذَّبِّ عنهما، كشعر حسان، أو تضمَّن الحث على الخير، فحسن في المساجد وغيرها، وما لم يكن كذلك لم يجز؛ لأن الشعر لا يخلو غالبًا عن الكذب والفواحش، والتزين بالباطل، ولو سلم, فأقل ما فيه اللغو والهذر, والمساجد منزهة عن ذلك، والحجَّة لهذا قوله ﷺ : "الشعر بمنزلة الكلام، فحسنه كحسن الكلام، وقبيحه كقبيح الكلام".
رواه البخاري في الأدب المفرد، وأبو يعلى والطبراني بإسناد حسن، كما قال النووي: وقصر ابن بطال في جعله من كلام الشافعي، وقد عاب القرطبي المفسّر ذلك على جماعة من الشافعة، وثَمَّ أدلة سواء، "واحتجَّ" المانع مطلقًا "بقول ابن مسعود: الشعر مزامير الشيطان، و" بما جاء "عن أبي أمامة" صدي بن عجلان "رفعه, أنّ إبليس لما هبط إلى الأرض، قال: رب اجعل لي قرآنًا، قال: قرآنك الشعر، ثم أجاب" الطبري "عن ذلك بأنها أحاديث واهية"، ضعيفة جدًّا، فلا حجَّة فيها، "وهو كذلك" في جميعها، وبَيِّنَ سبب ضعف بعضها بقوله: "فحديث أبي أمامة فيه عليّ بن زيد الألهاني" بزنة الأنصاري، نسبة إلى ألهان بن مالك أخي همدان، "وهو ضعيف، وعلى تقدير قوتها"، أي: الأحاديث الواردة في ذمِّ الشعر، "فهو محمول على الإفراد فيه، والإكثار منه"، لما يئول إليه أمره من تشاغله به عن العبادة، وأما قوله ﷺ : "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا"، رواه أحمد والستة، فالمراد به ما تضمَّن تشبيبًا، أو هجاء، أو مفاخرة، كما هو الغالب في أشعار الجاهلين، أو هو مخصوص بما لم يشتمل على الذكر، والزهد، والمواعظ والرقائق، مما لا إفراط فيه، وقال النووي: هو محمول على التجرُّد للشعر؛ بحيث يغلب عليه، فيشغله عن القرآن والذكر، وقال القرطبي: من غلب عليهстр. 2591
ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، عن عمرو بن الشريد عن أبيه، استنشدني النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته مائة قافية.
وقوله: "الصحة والفراغ نعمتان" رواه البخاري.
الحواشي
(١) الشعر لزمه بحكم العادة الأدبية الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث.
وقول بعضهم: عني به الشعر الذي هجي به أو غيره، ردَّه ابن بطال بأن هجوه كفر, كثر أو قلّ، وهجو غيره حرام وإن قلَّ، فلا يكون لتخصيص الذمّ بالكثير معنى، "ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد"، وكذا مسلم في الصحيح، فالعزو له أَوْلَى، ولا يصح الاعتذار عن المصنّف، بتجويز أنه في مسلم عن الشريد بغير تعيين الواسطة، وفي الأدب بتعيين أنه عن أبيه، فإن هذا من تجويز العقل المخالف للنقل، المؤدي لضعف الإسناد، فينافي كونه في الصحيح، فإن مسلمًا والبخاري في الأدب روياه معًا "عن عمرو بن الشريد" بفتح المعجمة- الثقفي أبي الوليد الطائفي، التابعي، الثقة، "عن أبيه" الشريد بوزن الطويل، الثقفي، الصحابي, شهد بيعة الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا، "استنشدني النبي ﷺ من شع أمية بن أبي الصلت"، الذي قال فيه المصطفى: "آمن شعره وكفر قلبه"، واسم أبي الصلت: عبد الله, كان يتعبَّد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وأدرك الإسلام ولم يسلم، "فأنشدته مائة قافية"، أي: بيت لما في مسلم أيضًا من حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه, ردفت النبي ﷺ يومًا، فقال: "هل معك من شعر أمية"؟ قلت: نعم، قال: "هيه" فأنشدته بيتًا فقال: "هيه"، ثم أنشدته بيتًا، فقال: "هيه"، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: "إن كاد ليسلم".
قال القرطبي: فيه دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها، إذا تضمَّنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعًا وطبعًا، وقد أنشد كعب بن زهير للنبي ﷺ : بانت سعاد، وأتى فيها من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، وتشبيه ريقها بالراح، ولم ينكر عليه.
"وقوله: "الصحة والفراغ نعمتان"، قال العسكري: الصحة عند بعضهم الشباب، والعرب تجعل مكان الصحّة الشباب، كما قالوا بالقلب الفارغ، والشباب المقبل تكسب الآثام، إن يكن الشغل محمده، فالفراغ مفسدة، ولا تفرغ قلبك من فكر، ولا ولدك من تأديب، ولا عبدك عن مصلحة، فإن القلب الفارغ يحث على السوء، واليد الفارغة تنازع إلى الآثام، وقال ابن دريد: أفضل النعم العافية والكفاية؛ لأن الإنسان لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا، والعافية هي الصحة، ومن عوفي وكفي فقد عظمت عليه النعمة، "رواه البخاري" تسمح في غزوه بهذا اللفظ له، فلفظه في كتاب الرقائق عن ابن عباس، قال ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحةстр. 2592
.................................
الحواشي
(١) والفراغ".
قال في فتح الباري: كذا لسائر الرواة، لكن عند أحمد: "الفراغ والصحة"، أخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ: "الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس"، وأخرجه الدارمي عن مكي بن إبراهيم، شيخ البخاري، فيه بلفظ: "إن الصحة والفراغ نعمتان من نعم الله"، والباقي سواء انتهى فما عزاه المصنف للبخاري، إنما هو لفظ أبي نعيم في مستخرجه ونقض باقيه.
قال الحافظ: والغَبْن بالسكون والتحريك، وقال الجوهري: هو في البيع بالسكون، في الرأي بالتحريك، وعلى هذا، فيصح كل منهما في هذا الخبر، فإن من لا يستعملهما فيما ينبغي، فقد غبن لكونه باعهما ببخس، ولم يجد رأيه في ذلك.
قال ابن بطال: معنى الحديث: إن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومِنْ شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرَّط في ذلك فهو المغبون، وأشار بقوله: "كثير من الناس" إلى أن الذي يوفق لذلك قليل.
وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكو غنيًّا، ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعتا، فغلب عليه الكسل من الطاعة، فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة للآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله، فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله، فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلّا الهرم، كما قيل:
يسر الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة تفعل
ترد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال الطيبي: ضرب ﷺ للمكلف مثلًا بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه أن يتحرَّى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلَّا يغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، فينبغي له أن يعامل الله بالإيمان، ومجاهدة النفس، وعدو الدين ليربح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيات، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس، ومعاملة الشيطان؛ لئلَّا يضيّع رأس ماله مع الربح، وقوله: "مغبون فيهما كثير من الناس"، كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ، فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في أول نعمة الله على العبد، فقيل: الإيمان، قيل:стр. 2593
وقوله ﷺ : "استعينوا على الحاجات بالكتمان, فإن كل ذي نعمة محسود".
رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه،
الحواشي
(١) الحياة، وقيل: الصحة. والأَوَّل أَوْلَى؛ فإنه نعمة مطلقة، وأمَّا الحياة والصحة، فإنهما نعمة دنيوية، ولا تكون نعمة حقيقية إلّا إذا صاحبها الإيمان، وحينئذ يغبن فيهما كثير من الناس، أي: يذهب ربحهم، أو ينقص، فمن استرسل مع نفسه الأمَّارة بالسوء، الخالدة إلى الراحة، فترك المحافظة على الحدود، والمواظبة على الطاعة، فقد غبن، وكذلك إذا كان فارغًا، فإنَّ المشغول قد يكون له معذرة، بخلاف الفارغ، فإنه يرتفع عند المعذرة، وتقوم عليه الحجة، انتهى.
"وقوله" ﷺ : "استعينوا على" قضاء "الحاجات بالكتمان". بالكسر، أي: إخفائها عن الغير، مستعينين بالله على الظفر بها، فالكتمان وإن كان سببًا عاديًا لقضائها، لكنَّه في الحقيقة لله، وعلل ذلك بقوله: "فإن كل ذي نعمة محسود"، فإن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم، فعارضوكم في أمركم.
قال السخاوي وغيره: والأحاديث الواردة في التحدّث بالنعم محمولة على ما بعد وقوها، فلا تعارض هذا، نعم إن ترتَّب على التحدث بها حسد، فالكتمان أَوْلَى. انتهى.
قال الراغب: وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، ويوصف به ضعفة الرجال والنساء والصبيان، وسبب صعوبة كتمان السر أن للإنسان قوتين: آخذة ومعطية، وكلتاهما متسوفة إلى الفعل المختص به، ولولا أنَّ الله وكَّل المعطية بإظهار ما عندها، لما أتاك بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها، فعلى الإنسان أن يمسكها، ولا يطلقها إلا حيث يجب إطلاقها، "رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه"، لكن بلفظ: "استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان"، والباقي سواء، كما عزاه السخاوي للمعاجيم الثلاثة، ومثله للسيوطي، وفي شرحه: إن لفظ الطبراني "استعينوا على قضاء حوائجكم"، فلعل في الطبراني روايات، وكذا أخرج الحديث البيهقي في الشعب، وأبو نعيم، وابن أبي الدنيا، والعسكري، والقضاعي، وابن عدي, كلهم عن معاذ، وفيه عند الجميع سعيد بن سلام العطار، كذَّبه أحمد وغيره، وقال فيه العجلي: لا بأس به، ولكن أخرجه العسكري أيضًا من غير طريقه، بسند ضعيف مع انقطاعه بلفظ: "استعينوا على طلب حوائجكم بالكتمان لها، فإن لكل نعمة حسدة، ولو أنَّ أمرأ كان أقوم من قدح، لكان له من الناس غامزًا"، ويستأنس له بما أخرجه الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس، مرفوعًا: "إن لأهل النعم حسادًا فاحذروهم" في الباب عن جماعة منهم: عمر عند الخرائطي، وابن عباس عند الخطيب، فلا يسوغ دعوى وضعه، كما صنع ابن الجوزي، وقد جزم الحافظ العراقي، بأنه ضعيف فقط، ومنهم: علي، كما أفاده بقوله، "وأخرجه الخلعي". بكسرстр. 2594
وأخرجه الخلعي عن علي مرفوعًا: "استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها".
وقوله: "المكر والخديعة في النار".
رواه الديلمي عن أبي هريرة، ومعناه: إن ذا المكر والخداع لا يكون تقيًّا ولا خائفًا لله؛ لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وإذا فعلهما أوبق, وهذا لا يكون في تقيّ، فكلُّ خِلَّة جانبت التقى فهي في النار.
الحواشي
(١) الخاء، وفتح اللام، نسبة إلى بيع الخلع, أبو الحسن بن الحسن بن الحسين، له الخلعيات في عشرين جزء، "عن علي مرفوعًا: "استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها"، فمن كتم سره ملك أمره، كما قيل، وليس بحديث.
وقال الشافعي: من كتم سِرَّه كانت الخيرة في يده، قال: وروي لنا عن عمرو بن العاص أنه قال: ما أفشيت إلى أحد سرًّا، فأفشاه, فلمته؛ لأني كنت أضيق منه سرًّا، وأخذ من الحديث أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمر إخفاء التحاور فيه, والاجتهاد في طي سرهم.
قال حكيم: من كتم سِرَّه كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، وكم من إظهار سِرٍّ أراق دم صاحبه، ومنع من بلوغ مآربه، ولو كتمه كان من سطواته آمنًا, ومن عواقبه سالمًا، وبنجاح حوائجه فائزًا. وقال بعضهم: سرك من دمك، فإذا تكلمت به فقد أرقتهنّ. وقال أنوشروان: من حصَّن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السطوات.
وفي منثور الحكم: انفرد بسرِّك، ولا تودعه حازمًا فيزول، ولا جاهلًا فيحول، لكن من الأسرار ما لا يُسْتَغْنَى فيه عن مطالعة صديق، ومشورة ناصح, فيتحرى له من يأتمنه عليه، ويستودعه إياه، فما كل من كان أمينًا على الأموال أمينًا على الأسرار، والعِفَّة عن المال أيسر من العفة عن السر.
"وقوله" صلى الله عيه وسلم: "المكر والخديعة في النار"، رواه الديلمي عن أبي هريرة"، والقضاعي عن ابن مسعود به, زاد الثاني: "ومن غشنا فليس منَّا"، وفي الباب غيرهما، ونحوه: "ليس منَّا من ضارَّ مسلمًا، أو ماكره" رواه الترمذي، "ومعناه" كما قال العسكري: "إن ذا"، صاحب "المكر والخداع لا يكون تقيًّا، ولا خائفًا لله؛ لأنه إذا مكر" أضمر السوء لغيره، "غدر" به، فنقض عهده ولم يف به، "وإذا غدر خدع" أوصل المكروه للغير من حيث لا يعلم، "وإذا فعلهما أوبق" نفسه، أي: أهلكها، "وهذا" الفعل لا يكون في تقيٍّ, فكل خلة" بالفتح- خصلة "جانبت التقى، فهي في النار"، أي: صاحبها، ومقتضى هذا تغاير المكر للخديعة؛ لأنه جعل المكر سبب الغدر، وهو سبب الخديعة والسبب مغاير للمسبب.стр. 2595
وقوله: "من غَشَّنَا فليس منا". رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة.
وقوله: "المستشار مؤتمن".
الحواشي
(١) وفي القاموس: وغيره المكر الخديعة، والجواب: إنه جَرَّدَ المكر عن معناه، كما ذكرنا، فلا يخالف ترادفهما.
وقال الراغب: المكر والخديعة متقاربان، وهما اسمان لكل فعل يَقْصِدُ فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره، ويكون سيئًا, كقصد إنزال مكروه بالمخدوع، وإياه قصد ﷺ بهذا الحديث، ومعناه: يؤديان بقاصدهما إلى النار ويكون حسنًا، وهو أن يقصد فاعلهما مصلحة بالمخدوع والممكور به، كما يفعل بالصبي إذا امتنع من فعل خير، ولكونهما ضربين, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ١٠] ، ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ، ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ، ووصف نفسه بالمكر الحسن، فقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ، [الأنفال: ٣٠] .
"وقوله" ﷺ : "من غشنا"، أي: لم ينصحنا، وزَيِّن لنا غير المصلحة, "فليس منَّا"، أي: ليس على طريقنا ومنهاجنا؛ لأنَّ طريقتنا الزهد في الدنيا، والرغبة عنها، وعدم الرغبة والطمع، الباعثين على الغش.
قال الطيبي: لم يرد به نفيه عن الإسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين، أي: ليس هو على سنتنا وطريقتنا من مناصحة الإخوان، كما يقول الإنسان لصاحبه: أنا منك، يريد الموافقة والمتابعة، قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] ، وهذا قاله ﷺ لما مَرَّ على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فابتليت أصابعه، فقال: "ما هذا"؟ قال: أصابته السماء، قال: "أفلا جففته فوق الطعام ليراه الناس"، ثم ذكر الحديث.
"رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة" بزيادة: "ومن حمل علينا السلاح فليس منَّا"، وفي رواية له أيضًا: "من غش فليس مني"، وأخرجه العسكري بلفظ الترجمة، وزاد: قيل: يا رسول الله, ما معنى ليس منَّا، فقال: "ليس مثلنا".
وعند أبي نعيم والطبراني في الكبير والصغير برجال ثقات عن ابن مسعود رفعه: "من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار"، أي: صاحبهما يستحق دخولها إن لم يعف الله؛ لأن الداعي إلى ذلك الحرص والشح والرغبة في الدنيا، وذلك يجر إلى النار، وأخذ الذهبي أن الثلاثة من الكبائر، فعدَّها منها، وللدارقطني بسند ضعيف عن أنس: "من غش أمتي فعليه لعنة الله".
"وقوله" ﷺ : "المستشار مؤتَمَن"، أي: أمين على ما استشير فيه، ولذا احتاج كالناصح إلى كونه أمينًا مجربًا حازمًا ناصحًا، ثابت الجأش، غير معجب بنفسه، ولا متلوّن في رأيه،следующие страницы →