Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2591–2630 · переход к 2596.
стр. 2591
ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها: ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد، عن عمرو بن الشريد عن أبيه، استنشدني النبي ﷺ من شعر أمية بن أبي الصلت فأنشدته مائة قافية.
وقوله: "الصحة والفراغ نعمتان" رواه البخاري.
الحواشي
(١) الشعر لزمه بحكم العادة الأدبية الأوصاف المذمومة، وعليه يحمل الحديث.
وقول بعضهم: عني به الشعر الذي هجي به أو غيره، ردَّه ابن بطال بأن هجوه كفر, كثر أو قلّ، وهجو غيره حرام وإن قلَّ، فلا يكون لتخصيص الذمّ بالكثير معنى، "ويدل على الجواز أحاديث كثيرة، منها ما أخرجه البخاري في الأدب المفرد"، وكذا مسلم في الصحيح، فالعزو له أَوْلَى، ولا يصح الاعتذار عن المصنّف، بتجويز أنه في مسلم عن الشريد بغير تعيين الواسطة، وفي الأدب بتعيين أنه عن أبيه، فإن هذا من تجويز العقل المخالف للنقل، المؤدي لضعف الإسناد، فينافي كونه في الصحيح، فإن مسلمًا والبخاري في الأدب روياه معًا "عن عمرو بن الشريد" بفتح المعجمة- الثقفي أبي الوليد الطائفي، التابعي، الثقة، "عن أبيه" الشريد بوزن الطويل، الثقفي، الصحابي, شهد بيعة الرضوان، قيل: كان اسمه مالكًا، "استنشدني النبي ﷺ من شع أمية بن أبي الصلت"، الذي قال فيه المصطفى: "آمن شعره وكفر قلبه"، واسم أبي الصلت: عبد الله, كان يتعبَّد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وأدرك الإسلام ولم يسلم، "فأنشدته مائة قافية"، أي: بيت لما في مسلم أيضًا من حديث عمرو بن الشريد، عن أبيه, ردفت النبي ﷺ يومًا، فقال: "هل معك من شعر أمية"؟ قلت: نعم، قال: "هيه" فأنشدته بيتًا فقال: "هيه"، ثم أنشدته بيتًا، فقال: "هيه"، حتى أنشدته مائة بيت، فقال: "إن كاد ليسلم".
قال القرطبي: فيه دليل على حفظ الأشعار والاعتناء بها، إذا تضمَّنت الحكم والمعاني المستحسنة شرعًا وطبعًا، وقد أنشد كعب بن زهير للنبي ﷺ : بانت سعاد، وأتى فيها من الاستعارات والتشبيهات بكل بديع، وتشبيه ريقها بالراح، ولم ينكر عليه.
"وقوله: "الصحة والفراغ نعمتان"، قال العسكري: الصحة عند بعضهم الشباب، والعرب تجعل مكان الصحّة الشباب، كما قالوا بالقلب الفارغ، والشباب المقبل تكسب الآثام، إن يكن الشغل محمده، فالفراغ مفسدة، ولا تفرغ قلبك من فكر، ولا ولدك من تأديب، ولا عبدك عن مصلحة، فإن القلب الفارغ يحث على السوء، واليد الفارغة تنازع إلى الآثام، وقال ابن دريد: أفضل النعم العافية والكفاية؛ لأن الإنسان لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا، والعافية هي الصحة، ومن عوفي وكفي فقد عظمت عليه النعمة، "رواه البخاري" تسمح في غزوه بهذا اللفظ له، فلفظه في كتاب الرقائق عن ابن عباس، قال ﷺ : "نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحةстр. 2592
.................................
الحواشي
(١) والفراغ".
قال في فتح الباري: كذا لسائر الرواة، لكن عند أحمد: "الفراغ والصحة"، أخرجه أبو نعيم في المستخرج بلفظ: "الصحة والفراغ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس"، وأخرجه الدارمي عن مكي بن إبراهيم، شيخ البخاري، فيه بلفظ: "إن الصحة والفراغ نعمتان من نعم الله"، والباقي سواء انتهى فما عزاه المصنف للبخاري، إنما هو لفظ أبي نعيم في مستخرجه ونقض باقيه.
قال الحافظ: والغَبْن بالسكون والتحريك، وقال الجوهري: هو في البيع بالسكون، في الرأي بالتحريك، وعلى هذا، فيصح كل منهما في هذا الخبر، فإن من لا يستعملهما فيما ينبغي، فقد غبن لكونه باعهما ببخس، ولم يجد رأيه في ذلك.
قال ابن بطال: معنى الحديث: إن المرء لا يكون فارغًا حتى يكون مكفيًا صحيح البدن، فمن حصل له ذلك، فليحرص على أن لا يغبن بأن يترك شكر الله على ما أنعم به عليه، ومِنْ شكره امتثال أوامره واجتناب نواهيه، فمن فرَّط في ذلك فهو المغبون، وأشار بقوله: "كثير من الناس" إلى أن الذي يوفق لذلك قليل.
وقال ابن الجوزي: قد يكون الإنسان صحيحًا، ولا يكون متفرغًا لشغله بالمعاش، وقد يكو غنيًّا، ولا يكون صحيحًا، فإذا اجتمعتا، فغلب عليه الكسل من الطاعة، فهو المغبون، وتمام ذلك أن الدنيا مزرعة للآخرة، وفيها التجارة التي يظهر ربحها في الآخرة، فمن استعمل فراغه وصحته في طاعة الله، فهو المغبوط، ومن استعملها في معصية الله، فهو المغبون؛ لأن الفراغ يعقبه الشغل، والصحة يعقبها السقم، ولو لم يكن إلّا الهرم، كما قيل:
يسر الفتى طول السلامة والبقا ... فكيف ترى طول السلامة تفعل
ترد الفتى بعد اعتدال وصحة ... ينوء إذا رام القيام ويحمل
وقال الطيبي: ضرب ﷺ للمكلف مثلًا بالتاجر الذي له رأس مال، فهو يبغي الربح مع سلامة رأس المال، فطريقه أن يتحرَّى فيمن يعامله، ويلزم الصدق والحذق لئلَّا يغبن، فالصحة والفراغ رأس المال، فينبغي له أن يعامل الله بالإيمان، ومجاهدة النفس، وعدو الدين ليربح خيري الدنيا والآخرة، وقريب منه قوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: ١٠] الآيات، وعليه أن يجتنب مطاوعة النفس، ومعاملة الشيطان؛ لئلَّا يضيّع رأس ماله مع الربح، وقوله: "مغبون فيهما كثير من الناس"، كقوله تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣] ، فالكثير في الحديث في مقابلة القليل في الآية.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في أول نعمة الله على العبد، فقيل: الإيمان، قيل:стр. 2593
وقوله ﷺ : "استعينوا على الحاجات بالكتمان, فإن كل ذي نعمة محسود".
رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه،
الحواشي
(١) الحياة، وقيل: الصحة. والأَوَّل أَوْلَى؛ فإنه نعمة مطلقة، وأمَّا الحياة والصحة، فإنهما نعمة دنيوية، ولا تكون نعمة حقيقية إلّا إذا صاحبها الإيمان، وحينئذ يغبن فيهما كثير من الناس، أي: يذهب ربحهم، أو ينقص، فمن استرسل مع نفسه الأمَّارة بالسوء، الخالدة إلى الراحة، فترك المحافظة على الحدود، والمواظبة على الطاعة، فقد غبن، وكذلك إذا كان فارغًا، فإنَّ المشغول قد يكون له معذرة، بخلاف الفارغ، فإنه يرتفع عند المعذرة، وتقوم عليه الحجة، انتهى.
"وقوله" ﷺ : "استعينوا على" قضاء "الحاجات بالكتمان". بالكسر، أي: إخفائها عن الغير، مستعينين بالله على الظفر بها، فالكتمان وإن كان سببًا عاديًا لقضائها، لكنَّه في الحقيقة لله، وعلل ذلك بقوله: "فإن كل ذي نعمة محسود"، فإن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم، فعارضوكم في أمركم.
قال السخاوي وغيره: والأحاديث الواردة في التحدّث بالنعم محمولة على ما بعد وقوها، فلا تعارض هذا، نعم إن ترتَّب على التحدث بها حسد، فالكتمان أَوْلَى. انتهى.
قال الراغب: وإذاعة السر من قلة الصبر وضيق الصدر، ويوصف به ضعفة الرجال والنساء والصبيان، وسبب صعوبة كتمان السر أن للإنسان قوتين: آخذة ومعطية، وكلتاهما متسوفة إلى الفعل المختص به، ولولا أنَّ الله وكَّل المعطية بإظهار ما عندها، لما أتاك بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه القوة تتشوف إلى فعلها الخاص بها، فعلى الإنسان أن يمسكها، ولا يطلقها إلا حيث يجب إطلاقها، "رواه الطبراني في معاجيمه الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه"، لكن بلفظ: "استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان"، والباقي سواء، كما عزاه السخاوي للمعاجيم الثلاثة، ومثله للسيوطي، وفي شرحه: إن لفظ الطبراني "استعينوا على قضاء حوائجكم"، فلعل في الطبراني روايات، وكذا أخرج الحديث البيهقي في الشعب، وأبو نعيم، وابن أبي الدنيا، والعسكري، والقضاعي، وابن عدي, كلهم عن معاذ، وفيه عند الجميع سعيد بن سلام العطار، كذَّبه أحمد وغيره، وقال فيه العجلي: لا بأس به، ولكن أخرجه العسكري أيضًا من غير طريقه، بسند ضعيف مع انقطاعه بلفظ: "استعينوا على طلب حوائجكم بالكتمان لها، فإن لكل نعمة حسدة، ولو أنَّ أمرأ كان أقوم من قدح، لكان له من الناس غامزًا"، ويستأنس له بما أخرجه الطبراني في الأوسط، عن ابن عباس، مرفوعًا: "إن لأهل النعم حسادًا فاحذروهم" في الباب عن جماعة منهم: عمر عند الخرائطي، وابن عباس عند الخطيب، فلا يسوغ دعوى وضعه، كما صنع ابن الجوزي، وقد جزم الحافظ العراقي، بأنه ضعيف فقط، ومنهم: علي، كما أفاده بقوله، "وأخرجه الخلعي". بكسرстр. 2594
وأخرجه الخلعي عن علي مرفوعًا: "استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها".
وقوله: "المكر والخديعة في النار".
رواه الديلمي عن أبي هريرة، ومعناه: إن ذا المكر والخداع لا يكون تقيًّا ولا خائفًا لله؛ لأنه إذا مكر غدر، وإذا غدر خدع، وإذا فعلهما أوبق, وهذا لا يكون في تقيّ، فكلُّ خِلَّة جانبت التقى فهي في النار.
الحواشي
(١) الخاء، وفتح اللام، نسبة إلى بيع الخلع, أبو الحسن بن الحسن بن الحسين، له الخلعيات في عشرين جزء، "عن علي مرفوعًا: "استعينوا على قضاء الحوائج بالكتمان لها"، فمن كتم سره ملك أمره، كما قيل، وليس بحديث.
وقال الشافعي: من كتم سِرَّه كانت الخيرة في يده، قال: وروي لنا عن عمرو بن العاص أنه قال: ما أفشيت إلى أحد سرًّا، فأفشاه, فلمته؛ لأني كنت أضيق منه سرًّا، وأخذ من الحديث أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمر إخفاء التحاور فيه, والاجتهاد في طي سرهم.
قال حكيم: من كتم سِرَّه كان الخيار إليه، ومن أفشاه كان الخيار عليه، وكم من إظهار سِرٍّ أراق دم صاحبه، ومنع من بلوغ مآربه، ولو كتمه كان من سطواته آمنًا, ومن عواقبه سالمًا، وبنجاح حوائجه فائزًا. وقال بعضهم: سرك من دمك، فإذا تكلمت به فقد أرقتهنّ. وقال أنوشروان: من حصَّن سره فله بتحصينه خصلتان: الظفر بحاجته، والسلامة من السطوات.
وفي منثور الحكم: انفرد بسرِّك، ولا تودعه حازمًا فيزول، ولا جاهلًا فيحول، لكن من الأسرار ما لا يُسْتَغْنَى فيه عن مطالعة صديق، ومشورة ناصح, فيتحرى له من يأتمنه عليه، ويستودعه إياه، فما كل من كان أمينًا على الأموال أمينًا على الأسرار، والعِفَّة عن المال أيسر من العفة عن السر.
"وقوله" صلى الله عيه وسلم: "المكر والخديعة في النار"، رواه الديلمي عن أبي هريرة"، والقضاعي عن ابن مسعود به, زاد الثاني: "ومن غشنا فليس منَّا"، وفي الباب غيرهما، ونحوه: "ليس منَّا من ضارَّ مسلمًا، أو ماكره" رواه الترمذي، "ومعناه" كما قال العسكري: "إن ذا"، صاحب "المكر والخداع لا يكون تقيًّا، ولا خائفًا لله؛ لأنه إذا مكر" أضمر السوء لغيره، "غدر" به، فنقض عهده ولم يف به، "وإذا غدر خدع" أوصل المكروه للغير من حيث لا يعلم، "وإذا فعلهما أوبق" نفسه، أي: أهلكها، "وهذا" الفعل لا يكون في تقيٍّ, فكل خلة" بالفتح- خصلة "جانبت التقى، فهي في النار"، أي: صاحبها، ومقتضى هذا تغاير المكر للخديعة؛ لأنه جعل المكر سبب الغدر، وهو سبب الخديعة والسبب مغاير للمسبب.стр. 2595
وقوله: "من غَشَّنَا فليس منا". رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة.
وقوله: "المستشار مؤتمن".
الحواشي
(١) وفي القاموس: وغيره المكر الخديعة، والجواب: إنه جَرَّدَ المكر عن معناه، كما ذكرنا، فلا يخالف ترادفهما.
وقال الراغب: المكر والخديعة متقاربان، وهما اسمان لكل فعل يَقْصِدُ فاعله في باطنه خلاف ما يقتضيه ظاهره، ويكون سيئًا, كقصد إنزال مكروه بالمخدوع، وإياه قصد ﷺ بهذا الحديث، ومعناه: يؤديان بقاصدهما إلى النار ويكون حسنًا، وهو أن يقصد فاعلهما مصلحة بالمخدوع والممكور به، كما يفعل بالصبي إذا امتنع من فعل خير، ولكونهما ضربين, قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ [فاطر: ١٠] ، ﴿وَمَكْرُ أُولَئِكَ هُوَ يَبُورُ﴾ ، ﴿وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ ، ووصف نفسه بالمكر الحسن، فقال: ﴿وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] ، [الأنفال: ٣٠] .
"وقوله" ﷺ : "من غشنا"، أي: لم ينصحنا، وزَيِّن لنا غير المصلحة, "فليس منَّا"، أي: ليس على طريقنا ومنهاجنا؛ لأنَّ طريقتنا الزهد في الدنيا، والرغبة عنها، وعدم الرغبة والطمع، الباعثين على الغش.
قال الطيبي: لم يرد به نفيه عن الإسلام، بل نفي خلقه عن أخلاق المسلمين، أي: ليس هو على سنتنا وطريقتنا من مناصحة الإخوان، كما يقول الإنسان لصاحبه: أنا منك، يريد الموافقة والمتابعة، قال تعالى عن إبراهيم ﵇: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] ، وهذا قاله ﷺ لما مَرَّ على صبرة طعام، فأدخل يده فيها، فابتليت أصابعه، فقال: "ما هذا"؟ قال: أصابته السماء، قال: "أفلا جففته فوق الطعام ليراه الناس"، ثم ذكر الحديث.
"رواه مسلم في صحيحه عن حديث أبي هريرة" بزيادة: "ومن حمل علينا السلاح فليس منَّا"، وفي رواية له أيضًا: "من غش فليس مني"، وأخرجه العسكري بلفظ الترجمة، وزاد: قيل: يا رسول الله, ما معنى ليس منَّا، فقال: "ليس مثلنا".
وعند أبي نعيم والطبراني في الكبير والصغير برجال ثقات عن ابن مسعود رفعه: "من غشنا فليس منا، والمكر والخداع في النار"، أي: صاحبهما يستحق دخولها إن لم يعف الله؛ لأن الداعي إلى ذلك الحرص والشح والرغبة في الدنيا، وذلك يجر إلى النار، وأخذ الذهبي أن الثلاثة من الكبائر، فعدَّها منها، وللدارقطني بسند ضعيف عن أنس: "من غش أمتي فعليه لعنة الله".
"وقوله" ﷺ : "المستشار مؤتَمَن"، أي: أمين على ما استشير فيه، ولذا احتاج كالناصح إلى كونه أمينًا مجربًا حازمًا ناصحًا، ثابت الجأش، غير معجب بنفسه، ولا متلوّن في رأيه،стр. 2596
رواه أحمد وغيره. ومعناه: إن من أفضى إليك بسرِّه وآمنك على ذات نفسه, فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلّا بما تراه صوابًا،
الحواشي
(١) ولا كاذب في مقاله، فارغ البال وقت الاستشارة، ولذا قيل: إنهما يحتاجان إلى علم كبير كثير، فيحتاج أولًا إلى علم الشريعة، وهو العلم المتضمِّن لأحوال الناس، وعلم الزمان والمكان، وعلم الترجيح إذا تقابلت هذه الأمور، فقد يكون ما يصلح الزمان يفسد الحال أو المكان، وهكذا، فينظر إلى الترجيح، فيفعل بحسب الأرجح عنده، مثاله: أن يضيق الزمن عن فعل أمرين اقتضاهما الحال، فيشير بأهمها، وإذا عرف من حال إنسان المخالفة، وأنه إذا أرشده لشيء فعل ضده، أشار عليه بما لا ينبغي ليفعل ما ينبغي، وهذا يسمَّى علم السياسة، فإنه يسوس بذلك النفوس الجموحة، الشاردة عن طريق مصالحها، فلذا يحتاج المشير والناصح إلى علم وعقل، وفكر صحيح وروية حسنة، واعتدال مزاج، وتؤدة وتأنٍّ، فإن لم يجمع هذه الخصال فخطؤه أسرع من إصابته، فلا يشير ولا ينصح، قالوا: وما في مكارم الأخلاق أدق ولا أخفى ولا أعظم من النصيحة.
قال الراغب: والاستشارة استنباط الرأي من غيره، فيما يعرض من المشكلات، ويكون في الأمور الجزئية التي يتردَّد فيها بين فعل وترك ونعمت العدة هي.
قال علي: المشاورة حصن من الندامة، وأمن من الملامة، ويقال: الأحمق من قطعه العجب ع الاستشارة، والاستبداد عن الاستخارة، "رواه أحمد" من حديث ابن مسعود بزيادة: وهو بالخيار إن شاء تكلّم، وإن شاء سكت، فإن تكلَّم فليجتهد رأيه، "وغيره" كأصحاب السنن الأربعة عن أبي هريرة، والترمذي عن أم سلمة، والطبراني عن سمرة بزيادة: إن شاء أشار، وإن شاء لم يشر، والقضاعي عنه بلفظ: "المستشار مؤتمن، فإن شاء أشار، وإن شاء سكت، فإن أشار فليشر بما لو نزل به لفعله، والطبراني عن عليٍّ وزاد: فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه، وللعسكري عن عائشة: المستشير معان، والمستشار مؤتمن، فإذا استشير أحدكم فليشر بما هو صالح لنفسه، وفي الباب جابر بن سمرة، وأبو الهيثم، وابن عباس، وآخرون.
قال السيوطي: وهو متواتر، "ومعناه"، كما قال العسكري: "إن من أفضى إليك بسرِّه، وآمنك على ذات نفسه"، إضافة بيانية إن أريد بالذات النفس، ومن إضافة المحل للحال حقيقة، أو اعتبارًا على أن النفس الروح، أو جوهر مجرَّد خارج عن البدن، متعلق به تعلق التدبير، "فقد جعلك بموضع نفسه، فيجب عليك أن لا تشير عليه إلا بما تراه صوابًا"، وهذا صادق بالترك مع العلم بالصواب؛ إذ المعنى: إذا أشرت فلا تشر إلا بالصواب، وهو مدلول سين الطلب في المستشار، وأصرح منه قوله: وهو بالخيار.. إلخ، فإنه صريح في أنه لا يجب؛ لأنه لم يتعين عليه ما لم يتحقق بالترك ضرر المحترم من نفس، أو مال، أو عرض، وإلّا تعيِّنَ نصحه، بل لو علمهстр. 2597
فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا الثقة في نفسه، والسر الذي ربما كان في إذاعته تلف النفس أَوْلَى بأن لا يجعل إلّا عند الموثوق به.
وقوله ﷺ : "الندم توبة" رواه الطبراني في الكبير.
الحواشي
(١) وجب، وإن لم يستشره، كما تفيده أدلة أخرى: كـ "الدين النصيحة"، و "لا ضرر ولا ضرار"، بل وأدلة خاصة كقوله: فليشر، بلام الأمر، وهو للوجوب.
وقد روى ابن ماجه والخرائطي، وغيرهما عن جابر مرفوعًا: "إذا استشار أحدكم أخاه فليشر عليه بما هو الأصلح، وإلا فقد خانه"، فقوله: وإلا صادق بما إذا ترك مع علم الأصلح، وما إذا أشار بغيره على أن حديث الخيار يمكن تأويله بأن معناه: فعل ما ظهر له أنه الخيار من السكوت والنصح، لا أنه يخير بينهما، وإن ظهر له الأصلح، "فإنه كالأمانة للرجل الذي لا يأمن على إيداع ماله إلّا الثقة في نفسه، والسر الذي ربما كان في إذاعته" إفشائه "تلف النفس أَوْلَى بأن لا يجعل إلّا عند الموثوق به"، فيجب عليه بذل النصح إن تعيِّن، فيذكر الأخف من عيوب المستشار فيه إن لم يكتف، وإلّا استوعب مراعيًا في بيانها الأخفّ، فالأخف فإن لم يكتف إلّا بأعظمها ذكره.
"وقوله" ﷺ : "الندم توبة"، أي: الحزن على ما فعله، أو كراهته له بعد فعله من حيث كونه تارًا فيه لإجلال الله، ومخالفًا أمره أو نهيه، إمَّا لافتضاح، أو مرض، أو عقاب, ونحو ذلك، فليس توبة، بل قد يكون معصية؛ لأنه لولا مراقبة الناس لم يكن عنده حرج من فعل المعصية، ثم المعنى: إنه معظم أركانها؛ لأنه شيء يتعلق بالقلب والجوارح تبع له، فإذا ندم القلب انقطع عن المعاصي، فرجعت برجوعه، وليس المراد أنَّ الندم وحده كافٍ فيها، فهو نحو: "الحج عرفة".
قال الغزالي: إنما نَصَّ على أنه توبة، ولم يذكر جميع شروطها ومقدماتها؛ لأن الندم غير مقدور للعبد؛ لأنه قد يندم على أمر وهو يريد أن لا يكون، والتوبة مدورة له، مأمور بها، فعلم أن في الحديث معنًى لا يفهم من ظاهره، وهو أنَّ الندم لتعظيم حقوق الله وخوف عقابه مما يبعث على التوبة النصوح، فإذا ذكر مقدماتها الثلاث، وهي ذكر غاية قبح الذنب، وذكر شدة عقوبة الله وأليم غضبه، وذكر ضعف العبد وقلة حيلته يندم, ويحمله الندم على ترك اختيار الذنب، وتبقى ندامته بقلبه في المستقبل، فيحمله على الابتهال والتضرُّع، ويجزم بعدم العود، وبذلك تتمّ شروط التوبة الأربعة، فلمَّا كان من أسبابها سماه باسمها، "رواه الطبراني في الكبير"، وأبو نعيم في الحلية عن أبي سعيد الأنصاري بزيادة: "والتائب من الذنب كمن لا ذنب له"، وسنده ضعيف، وأخرجه ابن ماجه، والطيالسي عن ابن مسعود بلفظ الترجمة فقط، ورجاله ثقات، بل قال الحافظстр. 2598
وقوله: "الدالّ على الخير كفاعله".
رواه العسكري وابن جميع، ومن طريقه المنذري عن ابن عباس في حديث مرفوع بلفظ: "كل معروف صدقة
الحواشي
(١) في الفتح: سنده حسن.
قال السخاوي: يعني لشواهده، وإلّا فأبو عبيدة لم يسمع من ابن مسعود، انتهى، وقد رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقي عن أنس بلفظ الترجمة فقط، وفي الباب ابن عباس، وأبو هريرة، وغيرهما.
"وقوله" ﷺ : "الدالّ على الخير"، شامل لجميع أنواع الخصال الحميدة، "كفاعله"، فإن حصل ذلك الخير فله مثل ثوابه، وإلا فله أجر دلالته، وقد ذهب جمع منهم: عياض، وتبعه النووي إلى أنّ المثل بلا تضعيف؛ لأن الدالّ لم يفعله.
قال في المفهم: وليس كما قال، بل ظاهر اللفظ المساواة، ووجهه أنَّ أجر الأعمال إنما هو بفضل الله، يهبه لمن يشاء، على أنَّ فعل شاء, وجاء في الشرع في ذلك كثير، وقال الأبي: ظاهر الحديث المساواة، وقاعدة: إن الثواب على قدر المشقة تقتضي خلافه؛ إذ من أنفق عشرة دراهم ليس كمن دَلَّ، ويدل عليه أن من دَلَّ إنسانًا على قتل آخر يعزّر، ولا يقتص منه.
قال شيخنا: وقد يقال: التشبيه في أصل الثواب، ولا يلزم منه التساوي في مقداره، وقد يقترن به ما يربو بسببه ثواب الدالّ على الفاعل، كما لو ترتَّبَ على دلالته خير لغير من دله، كأمره ﷺ بالإيمان والطاعة امتثالًا لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ، فإن ترتَّبَ على تبليغه ما لا يعلم قَدْرَه إلا الله، مع مخالفة كثير من المأمورين فيما أمر به، "رواه العسكري" والبيهقي في الشعب "وابن جميع، ومن طريقه المنذري عن ابن عباس في حديث مرفوع بلفظ: "كل معروف صدقة"، أي: كل ما يفعل من البر فثوابه كثواب المتصدق بالمال، والمعروف لغة: ما عرف, وشرعًا: قال ابن عرفة: الطاعة, ولما تكرر الأمر في الكتاب والسنة بالصدقة مالت إليها القلوب، فأخبرهم بأنَّ كل طاعة من قول، أو فعل أو بذل صدقة، يشترك فيها المتصدقون، حثًّا منه للكافّة على المبادرة إلى فعل المرء طاقته، وسميت صدقة؛ لأنها من تصديق الوعد بنفع الطاعة عاجلًا وثوابها آجلًا.
وقال البيضاوي: المعروف في اصطلاح الشرع: ما عرف فيه حسنه، وبإزائه المنكر: وهو ما أنكره وحرمه.стр. 2599
والدالُّ على الخير كفاعله, والله يحب إغاثه اللهفان". والمعنى: إن من دلَّك على خير وأرشدك إليه فنلته بإرشاده فكأنه فعل ذلك الخير.
وقوله: "حبك للشيء يعمي ويصم" رواه أبو داود والعسكري من حديث بقية
الحواشي
(١) وقال الراغب: المعروف اسم لكل ما عرف حسنه في الشرع والعقل معًا، ويطلق على الاقتصاد لثبوت النهي عن السرف.
وقال ابن أبي جمرة: يطلق المعروف على ما عرف بأدلة الشَّرع أنه من عمل البرِّ، جرت به العادة أم لا. وقال الماوردي: المعروف نوعان: قول وعمل، فالقول طيب الكلام وحسن البر والتودد بجميل القول، والباعث عليه حسن الخلق ورِقَّة الطبع، لكن لا يسرف فيه، فيكون ملقًا مذمومًا، وإن توسَّط واقتصد، فهو بر محمود، والعمل بذل المال والإسعاف بالنفس، والمعونة بالنائبة, والباعث عليه حب الخير للناس, وإيثارًا لصلاح لهم, وليس في هذه الأمور سرف, ولا لغايتها حد، بخلاف الأولى، فإنها وإن كثرت أفعال تعود بنفعين، نفع يعود على فاعلها باكتساب الأجر، وجميل الذكر، ونفع المعان بها في التخفيف والمساعدة، فذلك سمَّاه صدقة، "والدال على الخير كفاعله، والله يحب إغاثة اللهفان"، المكروب المتحيِّر في أمره، وأخرج ذا الحديث بتمامه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، والعسكري، وأحمد، وأبو يعلى عن بريدة بلفظ الترجمة، وزيادة: "والله يحب إغاثة اللهفان"، والبزار عن أنس بلفظ: "الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله"، أي: لإعانته عليه، فعليه كفل من الإثم، وإن لم يحل بمباشرته، وعزوه للبزار عن ابن مسعود سهو، إنما هو عن أنس، ورواه مسلم بمعناه عن ابن مسعود بلفظ: "مَنْ دلَّ على خير فله مثل أجر فاعله".
وقال أبو الدرداء: الدال على الخير وفاعله شريكان، أخرجه ابن عبد البر، "والمعنى: إن من دلك على خير وأرشدك إليه فنلته بإشادة، فكأنَّه فعل ذلك الخير"، فيثاب كثواب الفاعل، أو أقلّ، أو أزيد على ما سبق، ومقتضى قوله: فنلته لو لم تنله لمانع، أو عدم إرادة الفعل، لا يكون له مثل ثواب الفعل، ومقتضى الحديث الإطلاق، ولا مانع منه.
"وقوله" ﷺ : "حبك للشيء" بلام ودونها روايتان "يعمي" عن عيوب المحبوب، "ويصم" عن سماعها، فلا تبصر قبيح فعله، ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى قبيحه حسنًا، وتسمع منه الجفاء قولًا جميلًا، أو المعنى: يعمي ويصم عن طريق الآخرة، أو عن طريق الهدى، وفائدته: النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه، "رواه أبو داود والعسكري من حديث بقية" بموحدة فقاف "ابن الوليد" بن صائد بن كعب الكلاعي، صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء، مات سنةстр. 2600
ابن الوليد، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم عن خالد بن محمد الثقفي عن بلال بن أبي الدرداء عن أبيه مرفوعًا، ولم ينفرد به بقية, بل توبع عليه. وابن أبي مريم ضعيف. وقد حكم الصغاني عليه بالوضع. وتعقَّبه العراقي وقال: ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب، ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن.
وقال العسكري: أراد النبي ﷺ أنَّ من الحب ما يعميك عن طريق الرشد، ويصمك عن استماع الحق، وأن الرجل إذا غلب الحب على قلبه ولم يكن له رادع من عقل أو دين أصمَّه حبه عن العدل وأعماه عن الرشد فلا، ولذا قال بعض الشعراء:
الحواشي
(١) سبع وتسعين ومائة، وله سبع وثمانون سنة، "عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي مريم" الغسَّاني الشامي، وقد ينسب إلى جده، قيل: اسمه بكير، وقيل: عبد السلام, ضعيف، وكان قد سُرِقَ بيته فاختلط، مات سنة ست وخمسين ومائة.
روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، "عن خالد بن محمد الثقفي"، الدمشقي، نزيل حمص، ثقة، "عن بلال بن أبي الدرداء" الأنصاري، قاضي دمشق، ثقة, مات سنة اثنتين، وقيل: سنة ثلاث وتسعين، "عن أبيه" الصحابي الجليل المشتهر بكنيته، وفي اسمه خلف "مرفوعًا" إليه ﵊، "ولم ينفرد به بقية، بل توبع عليه"، فتابعه شريح بن يزيد، ومحمد بن حرب عند العسكري، ويحيى البابلي عند القضاعي، وعصام بن خالد ومحمد بن مصعب عند أحمد في مسنده، "وابن أبي مريم ضعيف، وقد حكم الصغاني عليه بالوضع، وتعقَّبه العراقي، وقال ابن أبي مريم: لم يتهمه أحد بكذب"، إنما سُرِقَ له حلي، فأنكر عقله, وضعفه غير واحد، "ويكفينا سكوت أبي داود عليه، فليس بموضوع، بل ولا شديد الضعف، فهو حسن" على رأي ابن الصلاح، فيما سكت عليه أبو داود.
"وقال العسكري: أراد النبي ﷺ أنَّ من الحب ما يعميك" أيها المحب "عن طريق الرشد، ويصمّك عن استماع الحق، وإن الرجل إذا غلب الحب على قلبه، ولم يكن له رادع" مانع "من عقل، أو دين أصمَّه حبه"، أي: جعله كالأصم "عن العدل"، اللوم لا يسمعه فيه، "وأعماه عن الرشد، فلا" يبصر فيه عيبًا، بل يرى مساويه، وما يسمعه فيه محاسن، والحب لذة يعمي عن رؤية غير المحبوب، ويصم عن سماع العدل فيه، وإذا استولت على القلب سلبته عن صفاته، "ولذا قال بعض الشعراء:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساوياстр. 2601
وعين الرضا عن كل عيب كليلة ... ولكن عين السخط تبدي المساويا
أشار إليه شيخنا السخاوي في المقاصد الحسنة.
وقوله ﵊: "العارية مؤادَّة والمنحة مردودة, والدَّيْن مقضي والزعيم غارم" رواه الترمذي وأبو داود.
وقوله: "سبقك بها عكاشة
الحواشي
(١) لكن هنا بمعنى الواو لا للاستدراك؛ إذ لا يتوهم من كون عين الرضا كليلة، أن تكون عين السخط كذلك حتى يستدل، وأنشده غيره، كما أنَّ وهو واضح، "أشار إليه شيخنا السخاوي في المقاصد الحسنة"، وزاد على ما هنا، وعن ثعلب، قال: تعمي العين عن النظر إلى مساويه، وتصمّ الأذن عن استماع العذل فيه، وأنشأ يقول:
وكذبت طرفي في فيك والطرف صادق ... وأسمعت أذني فيك ما ليس يسمع
وقيل: تعمى وتصم عن الآخرة، وفائدته: النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه، انتهى.
"وقوله ﵊: "العارية مؤادة"، أي: واجبة الرد على مالكها عينًا حال الوجود، وقيمة عند التلف عند الشافعي وأحمد، وقال أبو حنيفة: هي أمانة في يده لا تضمَّن إلا بالتعدي، وقال مالك، إن خفي تلفها ضمن، وإلا فلا، "والمنحة" بالكسر: شاة أو ناقة- يعطيها صاحبها رجلًا يشرب لبنها، ثم يردها إذا انقطع اللبن "مردودة" إلى مالكها؛ لأنه لم يعطه عينها بل لبنها، فإذا مضت أيامه ردّها، "والدَّيْن" بفتح الدال "مقضيّ" إلى صاحبه، أي: صفته اللازمة هي القضاء وجوبًا، وعَبَّر فيه بالقضاء، وفيما قبله بالرد؛ لأن المردود بدل الدَّيْن لا نفسه، "والزعيم"، أي: الكفيل، يعني الضمين، "غارم" لما ضمنه بمطالبة المضمون له، سواء كان عن ميت لترك وفاء أم لا، عند الشافعي ومالك، خلافًا لأبي حنيفة؛ لأنه قول عام على تأسيس القواعد، فحمل على عمومه، فإن كانت الكفالة بالبدن فلا غرم عند الشافعي مطلقًا، كمالك إن أحضره وإلا غرم، وهل لو أثبت عدمه تردد، "رواه الترمذي" وابن ماجه في الوصايا، "وأبو داود" في البيع، وأحمد، كلهم عن أبي أمامة، ورجاله ثقات، وأورده الضياء في المختارة، وضعَّفه ابن خرم، فلم يصب، قاله الحافظ في تخريج الرافعي، وهو يرد جزمه في تخريج الهداية بضعفه.
"وقوله" ﷺ : "سبقك بها" أي: الفضيلة التي هي دخول الجنة بغير حساب "عكاشة" بشد الكاف في الأَشْهَر.
قال القرطبي: لم يره أهلًا لذلك، فأجابه بهذا الجواب، وقد ضرب المثل به، فيقال لمنстр. 2602
رواه البخاري.
وقوله: "عجب ربك من كذا".
روي من عدة روايات عند البخاري وغيره, ومعناه كما قال ابن الأثير: عظم ذلك عنده وكبر لديه، أَعْلَمَ الله أنه إنما يتعجّب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده وخفي عليه سببه، فأخبرهم بما يعرفون ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده.
وقيل: معنى "عجب ربك" أي: رضي وأثاب، فسمَّاه عجبًا مجازًا وليس بعجب في الحقيقة, والأول الوجه.
وقوله: "قُتِلَ صبرًا"
الحواشي
(١) سبق في الأمر "سبقك بها عكاشة"، "رواه البخاري" ومسلم، كلاهما عن ابن عباس، في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، فقال عكاشة: ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: "أنت منهم"، فقام آخر فذكره.
"وقوله: "عجب ربك من كذا"، روي من عدة روايات عند البخاري، وغيره، ومعناه كما قال ابن الأثير: عظم ذلك عنده وكبر" بضم الباء "لديه" عطف تفسير، "أَعْلَمَ الله" عباده على لسان رسوله؛ "أنه" أي: الشأن والحال "إنما يتعجَّب الآدمي من الشيء إذا عظم موقعه عنده" مصدر ميمي، أي: وقوعه، أو اسم مكان، أي: محل وقوعه، ومنه موقع الغيث: موضعه الذي يقع فيه، "وخفي عليه سببه"، وذلك محال على الله، "فأخبرهم بما يعرفون، ليعلموا موقع هذه الأشياء عنده"، أي: مقدارها شرفًا ومكانة، فيسارعوا إليها، "وقيل: معنى "عجب ربك" أي: رضي وأثاب، فسمَّاه عجبًا مجازًا"؛ لأن صفات العباد إذا أطلقت على الله أريد بها غاياتها، فغاية التعجّب من الشيء الرضى به، واستعظام شأنه، "وليس بعجب في الحقيقة"؛ لأنه أمر جائز, وواقع القدرة صالحة التعلق بأعظم منه، "والأول الوجه"؛ لأن التعجب من الشيء إنما يستلزم استعظامه عند المتعجّب، ولكنه قد يصرف للمخاطب إذا منع نسبته للمتكلم به مانع، كنسبته إلى الله تعالى؛ إذ التعجب انفعال النفس، لزيادة وصف في المتعجب منه، نحو: ما أشجعه، ونحو: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ ، إنما هو بالنظر للسامع، نقله المصباح عن بعض النحاة، وقال: التعجب يستعمل على وجهين: أحدهما: ما يحمده الفاعل، ومعناه: الاستحسان والإخبار عن رضاه به، والثاني: ما يكرهه، ومعناه: الإنكار والذمّ له، ففي الاستحسان يقال: أعجبني بالألف، وفي الذمِّ والإنكار: عجبت, وزن تعبت.
"وقوله: "قُتِلَ صبرًا"، هو أن يمسك، ثم يرمي بشيء حتى يموت، وكل من قتل في غير معركة، ولا حرب، ولا خطأ، فإنه مقتول صبرًا، كما في النهاية "رواه غير واحد"، وروى البزارстр. 2603
رواه غير واحد.
وقوله: "ليس المسئول بأعلم من السائل" رواه مسلم وغيره.
وقوله: "ولا ترفع عصاك عن أهلك أدبًا" رواه أحمد، أي: لا تدع تأديبهم وجمعهم على طاعة الله تعالى، يقال: شق العصا، أي: فارق الجماعة، وليس المراد: الضرب العصا، ولكنَّه جعله مثلًا، وقيل معناه: لا تغفل عن أدبهم ومنعهم من الفساد، قاله ابن الأثير.
الحواشي
(١) عن أبي هريرة رفعه: "قُتِلَ الرجل صبرًا كفارة لما قبله من الذنوب"، وعنده أيضًا بسند رجاله ثقات عن عائشة مرفوعًا: "قتل الصبر لا يمر بذنب إلا محاه".
"وقوله" ﷺ جوابًا لقول جبريل: ما الساعة؟ فقال ﷺ : "ليس المسئول"، زاد في رواية عنها "بأعلم من السائل"، زيدت الباء في أعلم لتأكيد معنى النفي، والمراد: نفي علم وقتها؛ لأن علم مجيئها مقطوع به، فهو علم مشترك، وهذا وإن أشعر بالتساوي في العلم؛ إلّا أنَّ المراد التساوي في العلم بأن الله استأثر بعلم وقت مجيئها، وليس السؤال عنها ليعلم الحاضرين، كالأسئلة السابقة، بل لينزجروا عن السؤال عنها، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأعراف: ١٨٧] ، فلما وقع الجواب كفوا، وهذا السؤال والجواب وقعا بين عيسى وجبريل أيضًا، لكن عيسى هو السائل.
روى الحميدي في نوادره عن الشعبي، قال: سأل عيسى بن مريم جبريل عن الساعة، فانتقض بأجنحته، وقال: ما المسئول عنها بأعلم من السائل، "رواه مسلم" من حديث عمر "وغيره"، كالبخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، ولم يخرج البخاري حديث عمر لاختلاف فيه على بعض رواته.
"وقوله" -صلى الله عليه ولم: "لا ترفع عصاك عن أهلك أدبًا" رواه أحمد، أي: لا تدع تأديبهم وجمعهم على طاعة الله تعالى" بأيِّ وجه كان، فمن يتأدَّب ويطيع بنحو التقريع، أو مجرد الأمر بذلك لم يحتج لضربه، وذلك من مشمول الحديث؛ لأنه "يقال" لغة "شقَّ العصا، أي: فارق الجماعة، وليس المراد الضرب بالعصا، ولكنه جعله مثلًا، وقيل معناه: لا تغفل عن أدبهم ومنعهم من الفساد، قال ابن الأثير"، ومن تأديبهم تعليق السوط.
روى البخاري في الأدب المفرد، عن ابن عباس رفعه: "علق سوطك حيث يراه أهلك"، وروى أبو نعيم عن ابن عمر، والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "علقوا السوط حيث يراه أهل البيت، فإنه آَدِبٌ لهم"، وعن جابر رفعه: "رحم الله رجلًا علَّق في بيته سوطًا يؤدّب به أهله"، وفيстр. 2604
وقوله: "إنما مما ينبت الربيع ما يقتل حبطًا أو يلم" رواه البخاري،
الحواشي
(١) سنده عباد بن كثير وهو ضعيف، ذكره السخاوي.
"وقوله" ﷺ : "إن مما ينب" بضم التحتية- من الإنبات "الربيع" فاعل "ما"، أي شيئًا، أو إنباتًا "يقتل" قتلًا "حبطًا" بمهملتين بينهما موحدة مفتوحات- نصبه على التمييز، أو مفعول مطلق، "أو يلم" بضم التحتية وكسر اللام، وشد الميم- يقرب من الهلاك، والمعنى: يقتل في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس وحسدهم له، وغير ذلك من أنواع الأذى، "رواه البخاري" ومسلم في الزكاة، والبخاري أيضًا، والنسائي في الرقاق، كلهم عن أبي سعيد الخدري مطولًا في حديث، ولفظ البخاري في الرقاق: حدثنا إسماعيل، حدثني مالك عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن أكثر ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من بركات الأرض"، قيل: وما بركات الأرض؟ فقال: "زهرة الدنيا"، فقال له رجل: هل يأتي الخير بالشر، فصمت النبي ﷺ حتى ظنَنَّا أنه لن ينزل عليه، ثم جعل يمسح جبينه، فقال: "أين السائل"؟ قال: أنا، قال بو سعيد: لقد حمدناه حين طلع ذلك، قال: "لا يأتي الخير إلا بالخير، إن هذا المال خضرة حلوة، وإن كل ما أنبت الربيع، ويقتل حبطًا، أو يلم إلّا أكلة الخضرة، أكلت حتى إذا امتدت خاصرتاه استقبلت الشمس، وثلطت وبالت، ثم عادت فأكلت, وإن هذا المال خضرة حلوة، من أخذه بحقّه وضعه في حقه، فنعم المعونة هو، ومن أخذه بغير حقه كان كالذي يأكل، ولا يشبع"، وأخرجه في الزكاة من طريق آخر عن عطاء، عن أبي سعيد: أن النبي ﷺ جلس ذات يوم على المنبر، وجلسنا حوله، فقال: "إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا زينتها"، فقال رجل: أَوَيأتي الخير بالشر؟ فسكت، فذكر الحديث.
وقال في آخره: "وإن هذا المال خضرة حلوة، فنعم صاحبه المسلم ما أعطى منه المسكين، واليتيم، وابن السبيل"، أو كما قال ﷺ : "وإنه من يأخذه بغير حقه، كالذي يأكل ولا يشبع، ويكون شهيدًا عليه يوم القيامة"، وقوله: "هل يأتي الخير بالشر"؟ أي: هل تصير النعمة عقوبة؛ لأن زهرة الدنيا نعمة من الله، فقال: "لا يأتي الخير إلا بالخير"، أي: وإنما يعرض له الشر لعارض البخل به عن مستحقه، والإسراف في إنفاقه فيما لم يشرع، وخضرة -بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين- أي: الحياة بالمال، أو المعيشة به خضرة في المنظر، حلوة في الذوق، أو المراد التشبيه، أي: الحال، كالبقلة الخضرة الحلوة، أو أنَّث باعتبار ما يشتمل عليه المال من زهرةстр. 2605
وذكره ابن دريد وقال: إنه من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق ﷺ إلى معناه.
الحواشي
(١) الدنيا، أو المراد بالمال: الدنيا؛ لأنه من زينتها، كما قال تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: ٤٦] ، وقوله: "إلا آكلة الخضرة" -بكسر الهمزة، وشدة اللام استثناء، وآكلة -بمد الهمزة، وكسر الكاف، والخضرة -بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وفي رواية: الخضرة بلا هاء، وفي رواية: الخضرة -بضم الخاء، وإسكان الضاد- ضرب من الكلأ، شبه بها؛ لأن المخاطبين ألفوا أحوالها، في سومها ورعيها، وما يعرض لها من بشم وغيره، والاستثناء منقطع لوقوعه في الكلام المثبت؛ أي: لكن آكلة الخضرة لا يقتلها آكلها، ولا يلم بقتلها، ويجوز اتصاله بتأويل في المستثنى، والمعنى من جملة ما يثبت الربيع شيء يقتل آكله إلا آكلة الخضرة، وفي رواية: ألا -بفتح الهمزة وخفة اللام- استفتاح، كأنَّه قيل: ألا انظروا آكلة الخضرة، واعتبروا شأنها, و "خاصرتاها" بالتثنية- جنباها، أي: امتلأت شبعًا، وعظم جبناها، وفي رواية: بالإفراد، فاجترت -بجيم ساكنة، وفتح الفوقية، والراء المشددة- استرجعت ما أدخلته في كرشها من العلف، فمضغته ثانيًا ليزداد نعومة وسهولة لإخراجه، و "ثلطت" بمثلثة، ولام، وطاء مهملة مفتوحات، وضبطه ابن التين بكسر اللام، ألقت ما في بطنها رقيقًا، بخلاف من لم يتمكن من ذلك، فيقتلها الانتفاخ سريعًا، وإن هذا المال في الرغبة والميل إليه بحرص النفوس عليه، كالفاكهة خضرة في المنظر، حلوة في الذوق، كالذي يأكل ولا يشبع، أي: كذي الجوع الكذب بسبب السقم، كلما ازداد أكلًا ازداد جوعًا.
قال ابن المنير: في هذا الحديث وجوه من التشبيهات البديعة، تشبيه المال ونموه بالنبات وظهوره، وتشبيه المنهمك في الاكتساب والأسباب بالبهائم المنهمكة في الأعشاب، وتشبيه الاستكثار منه والادخار له بالشره في الأكل والامتلاء منه، وتشبيه المال مع عظمه في النفوس، حتى أدى إلى المبالغة في البخل به بما تطرحه البهيمة من السلح، ففيه إشارة بديعة إلى استقذاره شرعًا، وتشبيه التقاعد عن جمعه وضمه بالشاة إذا استراحت وحطَّت جانبيها مستقبلة الشمس، فإنها من أحسن حالاتها سكونًا وسكينة، وفيه إشارة إلى إدراكها لمصالحها، وتشبيه موت الجامع المانع بموت البهيمة الغافلة عن دفع ما يضرها، وتشبيه المال بالصاحب الذي لا يؤمن أن ينقلب عدوًّا، فإن المال من شأنه أن يرحز ويشد وثاقه، وذلك يقتضي منعه من مستحقه، فيكون سببًا لعقاب مقتنيه، وتشبيه آخذه بغير حق بالذي يأكل ولا يشبع، فهي ثمانية انتهى، وهذا، كما قال ابن الأثير: حديث يحتاج إلى شرح ألفاظه مجتمعة، فإنه إذا فرق لا يكاد يفهم الغرض منه.
"وذكره ابن دريد، وقال: إنه من الكلام المفرد الوجيز الذي لم يسبق ﷺ إلى معناه، أي: كل ما أنبت الجدول"، فسره المصنف كغيره بالنهر الصغير.стр. 2606
أي: كل ما أنبت الجدول، وإسناد الإنبات إليه مجاز، والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى، وليست "من" للتبعيض، وحبطًا -بفتح المهملة والموحدة والطاء المهملة أيضًا- وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل حتى تنتفخ فتموت، ويلم -بضم الياء- أي: يقرب من الهلاك، وهو مَثَلٌ للمنهمك في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها.
الحواشي
(١) قال شيخنا: وليس معنى الربيع إنما هو الزمن المسمَّى فصل الربيع، وهو أحد الفصول عند العرب؛ لأن فيه الخصب والمياه والزرع، ولعله فُسِّرَ بذلك؛ لأنه السبب المترتب عليه الإنبات ظاهرًا؛ ولأن ترتبه عليه لا يختص بزمن؛ إذ يسقي به الأرض، فتحيا وتصلح للإنبات، "وإسناد الإنبات إليه مجاز" على رأي الشيخ عبد القاهر الجرجاني؛ إذ المسند إليه ملابس الفعل، وليس فاعلًا حقيقيًّا له، "والمنبت في الحقيقة هو الله تعالى"، والسكاكي يرى أن الإسناد ليس مجازيًّا، وأن المجاز في الربيع، فجعله استعارة بالكناية, على أن المراد به الفاعل الحقيقي بقرينة نسبة الإسناد إليه، "وليست من للتبعيض"، بل للابتداء، أو زائدة في الإثبات، على قلة لرواية البخاري في الرقاق، وإنَّ كل ما أنبت، والمعنى: إنه لا ينبغي الاغترار بشيء من زهرة الدنيا وزينتها؛ لأن جميعها مضر، ويجوز جعلها تبعيضية؛ وبه جزم الدماميني على معنى أن بعض النبات مهلك، أو مقرب منه، وبعضه ليس كذلك، وهو ما سد الرمق، وأعان على العبادة؛ لأنه سبب لإقامة هذا العالم، لكن الأوّل أبلغ في ذم الدنيا، وكأنه نزل الأمر الضروري منزلة العدم، لقلته بالنسبة لغيره، "وحبطًا -بفتح" الحاء "المهملة، و" فتح "الموحدة، و" فتح "الطاء المهملة أيضًا" منونة، يقال: حبطت الدابة تحبط حبطًا، "وهو انتفاخ البطن من كثرة الأكل، حتى تنتفخ فتموت, ويلم -بضم الياء، أي: يقرب من الهلاك"، فالمعنى يقتل أو يقارب القتل، هكذا فسَّره به شراح الحديث، ومثله في القاموس.
وجوّز شيخنا أن معنى يلم: الجنون، لقول المصباح: اللمم -بفتحتين- مقارفة الذنب، وطرف من الجنون، "وهو مثل للمنهمك في جمع الدنيا، المانع من إخراجها في وجهها" وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول، فتستكثر منه الماشية لاستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الاحتمال؛ فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك، أو تقارب الهلاك، وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها، ويمنعها مستحقها، قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس وحسدهم إياه، وغير ذلك من أنواع الأذى، وأما قوله: "إلا آكلة الخضرة"، فإنه مَثَل للمقتصد، وذلك أنّ الخضرة ليس من جيد البقول التي ينبتها الربيع بتوالي أمطاره، فتحسن وتنعم، ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد يبس البقول؛ حيث لا تحبسوها، فلا ترىстр. 2607
وقوله ﵊: "خير المال عين ساهرة لعين نائمة".
ومعناه: عين ماء تجري ليلًا ونهارًا وصاحبها نائم، فجعل دوام جريانها: سهرًا لها.
وقوله: "خير مال المرء مهرة مأمورة أو سكة مأبورة".
رواه الإمام أحمد
الحواشي
(١) الماشية تكثر من أكلها، ولا تستمر بها، فضربها مثلًا للمقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو ينجو من وبالها، كما نجت آكلة الخضرة، ألا تراه قال: أكلت حتى.. إلخ ذكره في النهاية.
زاد المصنف: وقيل: الربيع قد ينبت أحرار العشب والكلأ، فهي كلها خبر في نفسها، وإنما يأتي الشر من قبل آكل مستلذ مفرط منهمك فيها؛ بحيث تنتفخ أضلاعه منه، وتمتلئ خاصرتاه، ولا يقلع منه, فيهلكه سريعا، فهذا مثل الكافر؛ ولذا أكَّد القتل بالحبط، أي: يقتل قتلًا حبطًا، والكافر هو الذي تحبط أعماله، أو من قبل آكل، كذلك فيقربه إلى الهلاك، وهذا مثال للمؤمن الظالم لنفسه، المنهمك في المعاصي، أو من آكل مسرف حتى تنتفخ خاصرتاه، ولكنه يتوخَّى إزالة ذلك، ويتحيِّل في دفع مضرته، حتى يهضم ما أكل، وهذا مثال المقتصد، وآكل غير مفرط ولا مسرف، يأكل منها ما يسد جوعه ولا يسرف فيه حتى يحتاج إلى دفعه، وهذا مثال الزاهد في الدنيا، الراغب في الآخرة، لكن ليس هذا صريحًا في الحديث، لكنه ربما يفهم منه, انتهى.
"وقوله ﵊: "خير المال عين ساهرة لعين"، متعلِّق بساهرة، والأَوْلَى أنه صفة ثانية لعين، أي: مملوكة، أو مستحقة لعين "نائمة"، أي: تاركة للتعب في تحصيلها، فهو تشبيه بليغ، أو مجاز مرسل، باستعمال النائمة في لازمها من الراحة، وترك السعي في أسباب التحصيل، من إطلاق الملزوم، وإرادة لازمة، "ومعناه: عين ماء تجري ليلًا ونهارًا وصاحبها نائم"، فقوله: "نائمة" مجاز عقلي، أي: نائم صحبها، "فجعل دوام جريانها سهرًا لها"، فشَبَّه جريان الماء وعدم انقطاعه بسهر المشغول بأسباب مقتضية لملازمة السهر، فاستعاره لدوام جريانه، واشتقّ منه ساهرة، فهو استعارة تصريحية تبعية لجريانها في المشتق بعد جريانها في المصدر، ولم يذكر المصنف مخرج الحديث.
"وقوله" ﷺ : "خير مال المرء مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة" رواه الإمام أحمد" برجالٍ ثقات، "والطبراني" في الكبير، كلاهما من طريق روح بن عبادة، عن أبي نعامة، عن مسلم بنстр. 2608
والطبراني عن سويد بن هبيرة. ومعنى "مأمورة": أي: كثيرة النتاج، و "سكة مأبورة" , أي: طريقة مصطفة من النخل، ومنه قيل للأزقة: سكة، والتأبير تلقيح النخل. انتهى.
وقوله ﵊: "من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه"، رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
الحواشي
(١) بديل، عن إياس بن زهير، "عن سويد بن هبيرة" بن عبد الحارث الديلي ابن عمر, بطن من عبد القيس.
وقال أبو أحمد: هو عدوى من عدي بن عبد مناف، وكذا نسبه ابن قانع، وقال أبو عمر: سكن البصرة، قال سويد: سمعت النبي ﷺ يقول، فذكره.
قال ابن منده: لم يقل: سمعت إلا روح بن عبادة، وقد رواه عمرو بن عيسى عن أبي نعامة، فقال: يرفع الحديث.
قال الحافظ: وأخرجه الطبراني من طريق عبد الوارث عن أبي نعامة كذلك، ورواه معاذ بن معاذ عن أبي نعامة، فقال فيه: إلى سويد بلغني عن النبي ﷺ ، ذكره البخاري في تاريخه.
وقال ابن أبي حاتم عن أبيه: غلط فيه روح، وإنما هو تابعي، وقال ابن حبان: في ثقات التابعين, يروي المراسيل، انتهى.
"ومعنى: "مأمورة"، أي": الأَوْلَى إسقاط، أي: "كثيرة النتاج"، يقال: أمرهم الله فأمروا -بكسر الميم، أي: كثرهم فكثروا، فيه لغتان: مأمورة ومؤمرة، كما في النهاية، وهو من باب تعب، كما في المصباح، فوصفها بمأمورة مع وحدتها إسناد مجازي، أي: مأمور نتاجها، أو باعتبار ما ينشأ عنها منه، كما قال كثيرة النتاج، "وسكة مأبورة" بموحدة، "أي: طريقة مصطفّة من النخل، ومنه قيل للأزقة سكة" لاصطفافها زاد النهاية، وقيل: هي سكة الحارث ومأبورة، أي: مصلحة له، أراد خير المال نتائج أو زرع، "والتأبير تلقيح النخل، انتهى"، والمناسب للفظ الحديث والإبر؛ لأنه من أبرت النخل من بابي ضرب وقتل، لقحته وأبرته تأبيرًا مبالغة وتكثيرًا، كما في المصباح، فلعله عَبَّرَ بالتأبير لشهرته في الاستعمال.
"وقوله ﵊: "من أبطأ" بألف ودونها" روايتان، وهما بمعنًى, إلّا أن السخاوي ادعى أن لفظ مسلم بلا ألف، وأن رواية القضاعي أبطأ بألف, "به عمله" أي: أخَّرَه عمله السيء، أو تفريطه في العمل الصالح، بأن لم يأت به على الوجه الأكمل، "لم يسرع به نسبه"، أي: لا ينفعه في الآخرة شرف النسب، فلا يعجل به إلى منازل السعداء، "رواه مسلم"، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وأحمد، والعسكري، والقضاعي، كلهم "من حديث أبي هريرة" في آخر حديث لفظه: "من نَفَّسَ عن مؤمن كربة من كُرَبِ الدنيا، نَفَّسَ الله عنه كربة من كُرَبِстр. 2609
وقوله: "زر غبًّا تزدد حبًّا".
رواه البزار، والحارث بن أبي أسامة عن أبي هريرة مرفوعًا، وفي بعض أحاديث الباب أنه قيل: يا أبا هريرة, أين كنت أمس؟ قال: زرت ناسًا من أهلي، فقال: "يا أبا هريرة, زر غبًّا تزد حبًّا".
الحواشي
(١) يوم القيامة، ومن يَسَّرَ على معسر يَسَّرَ الله عليه في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه؛ ومن سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سَهَّلَ الله له طريقًا إلى الجنة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله، ويتدارسونه بينهم، إلّا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحَفَّتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده، ومن أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه" انتهى.
"وقوله" ﷺ : "زر" أخاك "غبًّا" وقتًا بعد وقت، ولا تلازم زيارته بحيث يملك، "تزدد" عنده "حبًّا"، وبقدر الملازمة تهون عليه"، ونصب غبًّا على الظرف، وحبًّا على التمييز المحول عن الفاعل، فالمدار على عدم ملازمة الزائر للمزور حتى يسأم منه، وذلك يختلف باختلاف أحوالها.
قال في الدرر: كأصله الغب من أوراد الإبل أن ترد الماء يومًا وتدعه يومًا، فنقل إلى الزيارة بعد أيام، وإلى عيادة المريض. انتهى. وقول القاموس: الغِبّ -بالكسر- في الزيارة أن تكون كل أسبوع، إمّا من مجاز اللغة الواقعة فيه، أو جري على عرف اللغة، وذاك على أصلها، وبينهما فرق، "رواه البزار" والبيهقي وضعَّفاه، "والحارث بن أبي أسامة"، ومن طريقه أبو نعيم في الحلية، "عن أبي هريرة مرفوعًا"، رواه عنه ابن عدي في أربعة عشر موضعًا من كامله، وضعّفَها كلها، لكنه ورد من طرق كثيرة، يتقوّى بممجموعها، كما قال السخاوي؛ فروي عن ابن عمر، وابن عمرو، وابن عباس، وجابر، وأنس، وعائشة، وأبي الدرداء، وأبي ذر، ومعاوية بن حيدة وآخرين.
"وفي بعض أحاديث الباب"، أي: باب إغباب الزيارة، جرت عادتهم بتسمية ما أفاده الحديث بابًا، "أنه قيل" لفظ الرواية، قال لي النبي ﷺ : "يا أبا هريرة, أين كنت أمس"؟ قال: زرت ناسًا من أهلي، فقال: "يا أبا هريرة زر غبًّا تزدد حبًّا"، وأنشد ابن دريد في معناه:
عليك بإغباب الزيارة إنها ... إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكًا
فإني رأيت الغيث يسأم دائمًا ... ويسئل باليدي إذا هو أمسكا
وقال غيره:
قلل زيارتك الصديق تكـ ... ـن كالثوب استجدَّه
وأملّ شيء لامريء ... أن لا يزال يراك عنده
"وقوله" ﷺ : "إنكم لن تسعوا" -بفتح السين- وفي رواية: "لا تسعون" بالفتح أيضًا، أي:стр. 2610
وقوله: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم".
رواه أبو يعلى والبزار من طرق، أحدها حسن بلفظ: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق".
وقوله: "الخلق الحسن يذيب الخطايا كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيء يفسد العمل كما يفسد الخل العسل". رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبيهقيّ.
الحواشي
(١) لا تطيقون أن تعموا "الناس بأموالكم"، لعزة المال وكثرة الناس، فلا يمكنكم ذلك، "فسعوهم بأخلاقكم"؛ بحيث تقبلون على كلٍّ منهم بالبشاشة وإظهار المودة, وكأنَّه جعل المال محلًّا لطالبيه، لاستراحة من حصل له منك مال، فاطمأنَّ به، كما يطمئن من هبيء له منزل يدفع عنه الضرر، "رواه أبو يعلى والبزار من طرقٍ أحدها حسن" عن أبي هريرة رفعه "بلفظ: "إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق"، أي: لا تتسع أموالكم لعطائهم، فوسعوا أخلاقكم لصحبتهم، والوسع والسعة: الجدة والطاقة، وذلك لأنَّ استيعاب عامتهم بالإحسان بالفعل لا يمكن، فأمر بجعل ذلك بالقول، كما قال تعالى: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ [البقرة: ٨٣] .
وروى العسكري عن الصولي: لو وزنت كلمة النبي ﷺ بأحسن كلام الناس كلهم، لرجحت على ذلك، وهي قوله: "إنّكم.. " إلخ، قال: وقد كان ابن عباد كريم الوعد، كثير البذل، سريعًا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه، فما ترى له أمدًا، وقال إبراهيم بن آدم: إن الرجل ليدرك بحسن خلقه ما لا يدركه بماله؛ لأن المال عليه فيه زكاة، وصلة أرحام وأشياء أخر، وخلقه ليس عليه فيه شيء، وقال ﷺ : "إن الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم بالليل الظامي بالهواجر"، رواه الطبراني.
"وقوله" ﷺ : "الخلق الحسن يذيب الخطايا، كما يذيب الماء الجليد، والخلق السيء يفسد العمل"، أي: يفوت المقصود منه، فربما فعل جميلًا يستحق به الثناء العاجل والثواب الآجل، فيقترن به ما يتولّد منه ضرر لمن فعل معه الجميل، فينقلب الثناء ذمًّا، ويترتَّب عليه استحقاق العقاب، "كما يفسد الخلّ العسل"، بتفويت الحلاوة واللذة الحاصلة به، فلا ينافي حصول منافع طيبة بخلطهما، وفيه إشارة إلى أنَّ الإنسان إنما يحوز جميع الخيرات، ويبلغ أقصى المنازل، وأنهى الغايات بحسن الخلق، وهو -بضمتين، وضم، فسكون- الطبع والسجيّة، "رواه" تامًّا، كما ذكرته "الطبراني في الكبير، والأوسط، والبيهقي" في الشعب، كلاهما عن ابن عباس، وضعَّفه المنذري وغيره؛ لأن في إسناد عيسى بن ميمون المديني، وهو ضعيف، لكنстр. 2611
وقوله: "إنَّ هذا الدين متين فأوغل فيه برفق، ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله، فإن المنبت لا أرضًا قطع ولا ظهرًا أبقى" رواه البزار والحاكم في علومه، والبيهقي في سننه،
الحواشي
(١) له شواهد كثيرة، كقوله: "وخالق الناس بخلق حسن"، وقوله: "الخلق وعاء الدين"، وقوله: "الخلق الحسن زمام من رحمة الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الملك, والملك يجره إلى الخير, والخير يجره إلى الجنة، وأن الخلق السيء زمام من عذاب الله في أنف صاحبه، والزمام بيد الشيطان، والشيطان يجره إلى الشر، والشر يجره إلى النار"؛ رواه أبو الشيخ.
"وقوله" ﷺ : "إن هذا الدين"، أي: دين الإسلام "متين" صلب شديد، أي: كثير النفع عديم النظير، منيع لا يتأتَّى إبطاله وتحريفه، "فأوغل"، أي: سِرْ أمر لغير معيّن، فهو كرواية أحمد أوغلوا بالجمع "فيه برفق" من غير تكلُّف، ولا تحمل نفسك ما لا تطيق فتعجز وتترك العمل، "ولا تبغّض" -بضم الفوقية، وفتح الموحدة، وشد المعجمة، وآخره معجمة ساكنة- وفي نسخة بزيادة نون ثقيلة تأكيدًا للنفي، فالضاد مفتوحة، لكن الذي في المقاصد بلا نون، "إلى نفسك عبادة الله" بأن تأتي بكثير تملّه النفس، وتنفر منه، فيحملك على الترك.
قال الغزالي: أراد بهذا الحديث أن يكلف نفسه أعمال الدين بتلطُّف وتدريج، فلا ينتقل دفعة واحدة إلى أقصاها؛ إذ الطبع نفور, لا يمكن نقله عن أخلاقه الرديئة إلّا شيئًا فشيئًا، فمن لم يراع التدريج، وتوغّل دفعة واحدة، ترقَّى إلى حالة تشق عليه، فتنعكس أموره، فيصير ما كان محبوبًا عنده ممقوتًا، وما كان مكروهًا عنده مشربًا هنيًا، لا ينفر عنه، وهذا لا يعرف إلّا بالتجربة والذوق، ونظيره في العادات: الصبي يحمل على التعلُّم ابتداء قهرًا، فيشق عليه الصبر على اللعب والصبر مع المعلم، حتى إذا انفتحت بصيرته، وأنِسَ بالعلم، انقلب الأمر، فصار يشق عليه الصبر عن العلم، وعلّل النهي عن ذلك بقوله: "فإن المنبت" -بضم الميم، وسكون النون، وفتح الموحدة، وشد الفوقية- المنقطع في السفر عن رفقته من البت، القطع مطاوع بت، يقال بته وأبته "لا أرضًا قَطَع"، أي: لم يقطع الأرض التي قصدها، "ولا ظهرًا أبقى"، أي: ولم يبق ظهره، أي: دابَّته تنفعه، فكذا من تكلّف من العبادة ما لا يطيق، فيكره التشديد فيها، واستعمل الظهر في الراحلة مجازًا، لكن في القاموس: الظهر خلاف البطن، مذكَّر, والركاب, وعليه فهو حقيقي، إلّا أنَّ المراد هنا مطلق المركوب إلّا الإبل فقط، "رواه البزار والحاكم في علومه"، أي: في كتابه المسمَّى علوم الحديث، وهو ما يعبِّر عنه المتأخرون بمصطلح الحديث.
"والبيهقي في سننه" من طريق شيخه الحاكم، وكذا ابن طاهر من طريقه، وأبو نعيم، والقضاعي، والعسكري، والخطَّابي في العزلة، "كلهم من طريق محمد بن سوقة" -بضم السينстр. 2612
كلهم من طريق محمد بن سوقة عن محمد بن المنكدر عن جابر به مرفوعًا.
وهو مما اختلف فيه على ابن سوقة في إرساله ووصله، وفي رفعه ووقفه، ثم في الصحابي، أهو جابر أو عائشة أو عمر. ورجَّح البخاري في تاريخه من حديث ابن المنكدر الإرسال،
الحواشي
(١) المهملة- الغنوي -بفتح المعجمة، والنون الخفيفة- أبي بكر الكوفي، العابد، ثقة، مرضي من الخامسة، روى له الستة، كما في التقريب، "عن محمد بن المنكدر" بن عبد الله التيميّ المدني، التابعي، الثقة, من رجال الجميع. مات سنة ثلاثين ومائة، أو بعدهما "عن جابر" بن عبد الله "به"، أي: اللفظ الذي ذكره "مرفوعًا" بمعنًى قال: قال ﷺ " وهذا صريح في أن الجميع رووا جميع اللفظ المذكور، ومثله في المقاصد، ووقع في الجامع عزوه للبزار وحده، مسقطًا قوله: "ولا تبغّض إلى نفسك عبادة الله"، فلعلهما روايتان في مسند البزار، وفيه يحيى بن المتوكِّل أبو عقيل، وهو كذّاب، وفيه أيضًا اضطراب بَيِّنَه بقوله: "وهو مما اختلف فيه على ابن سوقة" في أمور "في إرساله"، فرواه بعضهم عنه عن ابن المنكدر مرسلًا مرفوعًا، "ووصله"، فروى عنه عن ابن المنكدر، عن جابر والمرسل ما رفعه التابعي، وتسمَّح من قال: ما سقط منه الصحابي؛ لأنه لو تحقَّق أن الساقط صحابي لم يتوقف أحد في الاحتجاج بالمرسل، لعدالة الصحابة كلهم، كما بَيِّنَ ذلك في علوم الحديث، "وفي رفعه"، فروي عنه مرفوعًا مرسلًا، أو موصولًا، فهو شامل للأمرين قبله, "ووقفه"، فروي عنه موقوفًا على الصحابي، "ثم" اختلف عليه أيضًا، "في الصحابي أهو جابر"، كما رواه الجماعة المتقدمون، "أو عائشة، أو عمر"، كما عند غيرهما.
قال الدارقطني: ليس فيها حديث ثابت، "ورجَّح البخاري في تاريخه من حديث ابن المنكدر الإرسال"، أي: روايته عنه مرسلًا مرفوعًا على روايتي الوصل والوقف.
زاد السخاوي، وأخرجه البيهقي من حديث ابن عمرو بن العاص بلفظ: "فإن المنبت لا سفرًا قطع، ولا ظهرًا أبقى، فاعمل عمل امرئ يظنّ أن لن يموت أبدًا، واحذر حذر امرئ يخشى أن يموت غدًا"، وسنده ضعيف أيضًا، مع كون صحابيه عند العسكري عمر, إلّا ولده، لكن الظاهر أنه من الناسخ، فطريقهما متحد، ورواه ابن المبارك في الزهد عن ابن عمر، موقوفًا بلفظ: "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق، ولا تبغّضوا إلى أنفسكم عبادة الله، فإن المنبت ... " إلخ، وله شاهد عند العسكري، عن علي رفعه: "إن دينكم متين، فأوغلوا فيه برفق، فإن المنبت لا ظهرًا أبقى، ولا أرضًا قطع".
وعند أحمد عن أنس رفعه: "إن هذا الدين متين، فأوغلوا فيه برفق"، وهو مع اختصاره أجود مما قبله، "ومعناه: إنه بقي في طريقه عاجزًا عن مقصده لم يقض وطره وقد أعطب" -بفتحстр. 2613
ومعناه: إنه بقي في طريقه عاجزًا عن مقصده، لم يقض وطره، وقد أعطب ظهره.
والوغول: الدخول، فكأنه قال: إن هذا الدين -مع كونه يسيرًا سهلًا- شديدًا، فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق، فإن من بالغ بغير رفق وتكلّف من العبادة فوق طاقته يوشك أن يملّ حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مثله كمثل الذي يعسف الركاب, ويحملها من السير على ما لا تطيق رجاء الإسراع، فينقطع ظهره، فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك.
وقوله ﵊: "من شادّ هذا الدين غلبه".
الحواشي
(١) الهمزة، وإسكان العين، وفتح الطاء المهملتين، وموحدة. "ظهره"، أي: مركوبة مجازًا أو حقيقة على ما في القاموس، كما مَرَّ، والإيغال -كما في النهاية: السير الشديد، "والوغول: الدخول" في الشيء، والظاهر -كما قال بعض: إن المراد في الحديث السير لا بقيد الشدة؛ إذ لا يلائم قوله: "برفق" انتهى، ولذا عدل المصنف عن الإيغال الموافق لقول الحديث: فأوغل، إشارة إلى أنه مستعمل فيه في غير مدلوله اللغوي، بل بمعنى الدخول الذي هو من وَغَلَ بوزن وَعَدَ، إذا توارى بشجرة ونحوها، ووغل في الشيء دخل فيه مطلقًا، "فكأنَّه قال: "إن هذا الدين مع كونه يسيرًا"، أي: مع كون تكاليفه قليلة "سهلًا" لانتقاء الأصر الذي كان على من قبلنا، "شديد" خبران، أي: شديد القيام به، فلا ينبغي المبالغة في القيام بحقوقه، خارجًا عن الحد، ولا التهاون في ترك شيء منه، "فبالغوا فيه بالعبادة، لكن اجعلوا تلك المبالغة مع رفق"، فإن "الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه"، "فإن من بالغ بغير رفق، وتكلّف من العبادة فوق طاقته، يوشك أن يملّ" -بفتح الياء والميم- يسأم "حتى ينقطع عن الواجبات، فيكون مَثَلُه" -بفتحتين- صفته وحاله، "كمثل الذي يعسف" -بكسر السين- من باب ضرب يأخذ بقوة "الركاب" بكسر الراء- المطي الواحد، راحلة من غير لفظها، أو المعنى يظلمها.
ففي القاموس: عسف السلطان ظلم، فقوله: "ويحملها من السير"، أي: يغريها "على ما لا تطيق"، عطف علة على معلول، والمعنى: ألجأها إلى ما لا تقدر عليه "رجاء الإسراق فينقطع ظهره" دابته، "فلا هو قطع الأرض التي أراد، ولا هو أبقى ظهره سالمًا ينتفع به بعد ذلك"؛ وهذه كلها عبارة شيخه السخاوي، ثم هذا الحديث، وإن كان ضعيفًا لاضطرابه وضعف راويه، لكنَّه تقوى بشواهده التي منها قوله: "وقوله ﵊: "من شادَّ هذا الدين"، أي: غالبه، فزاد فيه على طاقته، "غلبه" الدين وقهره بحيث ينقطع عن مطلوبه، "رواه العسكري"، كذاстр. 2614
رواه العسكري عن بريدة، وللبخاري من حديث معن بن محمد عن سعيد المقبري عن أبي هريرة مرفوعًا: "إن الدين يسر، ولن يشادّ الدين أحد إلا غلبه،
الحواشي
(١) أورده المصنف: شادَّ وغلب فعلًا ماضيًا، والذي عزاه السخاوي للعسكري "عن بريدة" بن الحصيب: "من يشاد هذا الدين يغلبه" بالمضارع فيهما، قال: وأوَّله عند العسكري: عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من، فذكره، وذكره بهذا اللفظ أيضًا في النهاية، وقال: أي: من يقاومه، ويكلف نفسه من العبادة فيه فوق طاقته، والمشادَّة المغالبة، وهو مثل الحديث الآخران: "هذا الدين متين فأوغل فيه برفق" اهـ، ورواه القضاعي بدون أوله, وفي لفظ آخر عند العسكري: "فإنه من يغالب...." إلخ
"وللبخاري" في كتاب الإيمان "من حديث" عمر بن عطاء، عن "معن" -بفتح الميم، وسكون العين المهملة- "ابن محمد" بن معن الغفاري -بكسر الغين المعجمة- الحجازي، المدني، ثقة، قليل الحديث، "عن سعيد" ابن أبي سعيد كيسان "المقبري" -بضم الموحدة- نسبة إلى مقبرة بالمدينة، كان مجاورًا بها المدني. مات سنة خمس وعشرين ومائة، "عن أبي هريرة مرفوعًا"، بمعنى: إنه قال عن النبي ﷺ قال: "وإن الدين"، أي: دين الإسلا "يسر"، أي: ذو يسر؛ لأن التوافق بين المبتدأ والخبر شرط ولا يكون بالتأويل، أو هو الخبر نفسه، بوضعه موضع اسم المفعول، مبالغةً لشهرة اليسر وكثرته، كأنَّه اليسر نفسه، والتأكيد بأنَّ ردَّ على منكر يسره، إمَّا لأنَّ المخاطب منكر، أو لتنزيله منزلته، أو على تقدير المنكر غيره، أو لأنَّ القصة مما يهتم به، "ولن يشادَّ الدين" بنصبه مفعول فاعله، "أحد" الثابت في رواية ابن السَّكَن، وفي بعض الروايات عن الأصيلي، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي، وأبي نعيم، وابن حِبَّان وغيرهم، وأكثر رواة البخاري بإسقاط لفظ: أحد, على إضمار الفاعل للعلم به، فالدين نُصِبَ على المفعولية أيضًا، وحكى صاحب المطالع، أن أكثر الروايات برفع الدين على أن يشادّ مبني لما لم يسم فاعله، وعارضه النووي بأن أكثر الروايات بالنصب.
قال الحافظ: ويجمع بينهما بأنَّه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيد النصب لفظ حديث بريدة عند أحمد، أنَّه من يشاد هذا الدين يغلبه، ذكره في حديث آخر، يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب، "إلّا غلبه" الدين، والمشادَّة -بالتشديد- المغالبة، يقال: شادَّه يشادّه إذا قاواه، والمعنى: لا يتعمَّق أحد في الأعمال الدينية، ويترك الرفق إلّا عجز وانقطع، فيغلب.
وقال الطيبي: بناء المفاعلة في يشاد ليس للمبالغة، بل للمغالبة نحو: طارقت النعل، وهو من جانب المكلف، ويحتمل أن يكون للمبالغة في سبيل الاستعارة، والمستثنى منه أعم، عام الأوصاف، أي: لم يحصل، ويستقرّ ذلك الشادّ على وصف من الأوصاف، إلّا على وصفстр. 2615
فسدِّدوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة".
الحواشي
(١) المغلوبية.
قال ابن المنير في هذا الحديث: علم من أعلام النبوة, فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أنَّ كل متنطع في الدين ينقطع، وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراد المؤدي إلى الملال، أو المبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته, كمن بات يصلي الليل كله ويغالب النوم، إلى أن غلبته عيناه في آخر الليل، فنام عن صلاة الصلاة في الجماعة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس، فخرج وقت الفريضة، وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة، وخير دينكم أيسره، وقد يستفاد من هذا الإشارة إلى الأخذ بالرخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرخصة تنطُّع، كمن يترك التيمّم عند العجز عن استعمال الماء، فيفضي استعماله إلى حصول الضرر. انتهى، "فسدِّدوا" بمهملة، أي: الزموا بالسداد، هو الصواب من غير إفراط ولا تفريط.
قال أهل اللغة: السداد التوسُّط في العمل.
قال الطيبي: والفاء جواب شرط محذوف، أي: إذا بينت لكم ما في المشادَّة من الوهن، فسدّدوا "وقاربوا" بموحدة في العبادة، أي: إن لم يستطيعوا الأخذ بالأكمل، فاعملوا بما يقرب من الطيبي، وهو تأكيد للتسديد من حيث المعنى، "وأبشروا" بقطع الهمزة، وكسر الشين، من الإبشار، وفي لغة: بضم الشين من البشر، أي: بالثواب على العمل الدائم، وإن قلَّ، أو المراد: تبشير من عجز عن العمل بالأكمل، بأن العجز إذا لم يكن من صنعه لا يستلزم نقص أجره، وأبهم المبشّر به تعظيمًا له وتفخيمًا، "واستعينوا بالغدوة" بالفتح سير أوّل النهار.
وقال الجوهري: ما بين صلاة الغداء إلى طلوع الشمس، كذا ضبطه الحافظ، كالكرماني والزركشي، وتوقَّف فيه المصنف بأن في النهاية الغدوة بالضمِّ ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، وتبعه العيني فضبطه -بالضم, "والروحة" بالفتح- السير بعد الزوال، "وشيء"، أي: واستيعنوا بشيء "من الدلجة" -بضم أوله، وفتحه، وإسكان اللام- سير آخر الليل، وقيل: سير الليل كله, ولهذا عَبَّر فيه بالتبعيض؛ ولأنَّ عمل الليل أشقّ من عمل النهار، قال الحافظ: وظاهره أنَّ الرواية بضم الدال وفتحها معًا، وذكر الكرماني، وتبعه الزركشي أنَّ الرواية بالضم والفتح لغة.
قال الحافظ: أي: استعينوا على مداومة العبادة بإيقاعها في الأوقات النشيطة، أي: كأوّل النهار، وبعد الزوال، وبالليل, قال: فهذه الأوقات أطيب أوقات المسافر، فكأنَّه ﷺ خاطب مسافرًا إلى مقصده، فنبَّهه على أوقات نشاطه؛ لأن المسافر إذا سافر الليل والنهار جميعًا عجز وانقطع،стр. 2616
وقوله: "الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت
الحواشي
(١) وإذا تحرَّى السير في هذه الأوقات النشيطة أمكنته المداومة من غير مشقَّة، وحسن هذه الاستعارة أنَّ الدنيا في الحقيقة دار نقلة إلى الآخرة، وأن هذه الأوقات بخصوصها أرْوَح ما يكون فيها البدن للعبادة انتهى، ونحوه للكرماني قائلًا: فنبَّه الأمة على اغتنام أوقات فرصتهم، وقال البيضاوي: الغَدْوَة والروحة والدلجة استعير بها عن الصلاة في هذه الأوقات؛ لأنها سلوك وانتقال من العادة إلى العبادة، ومن الطبيعة إلى الشريعة، ومن الغيبة إلى الحضور.
قال الحافظ: وهذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم وصحَّحه، وإن كان من رواية مدلس بالعنعنة، وهو عمر بن علي المقدمي -بضم الميم، وفتح القاف، والدال المشددة- البصري؛ لتصريحه بالسماع عند ابن حبان من طريق أحمد بن المقدام، أحد شيوخ البخاري, عن عمر بن علي المذكور قال: سمعت معن بن محمد، فذكره، وهو من إفراد معن، وهو ثقة، قليل الحديث، لكن تابعه على شقه الثاني ابن أبي ذئب عن سعيد، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق بمعناه، ولفظه: "سددوا وقاربوا"، وزاد في آخره: "والقصد القصد، تبلغوا"، ولم يذكر شقه الأوّل، ومن شواهده حديث عروة الفقيمي -بضم الفاء، وفتح القاف- عن النبي ﷺ ، قال: "إن دين الله يسر"، وحديث بريدة، قال: قال رسول الله ﷺ : "عليكم هديًا قاصدًا، فإنه من يشادّ هذا الدين يغلبه"، رواهما أحمد، وإسناد كلّ منهما ثقات، انتهى.
"وقوله" ﷺ : "الكيس"، أي: العاقل -بشد الياء مكسورة- مأخوذة من الكيس -بفتح فسكون.
قال الزمخشري: حُسْن التأنِّي في الأمور، وقال ابن الأثير: الرفق في الأمور، وقال الراغب: القدرة على استنباط ما هو أصلح في بلوغ الخير, "من دان نفسه"، أي: أذلّها واستعبدها، وقيل: حاسبها، يعني جعل نفسه مطيعة منقادة لأوامر ربها, مجتنبة لنواهيه، فلازم الطاعة، وتجنّب المعصية.
قال أبو عبيد الدين: الدَّأب، وهو أن يداوم على الطاعة, والدين الحساب، "وعمل لما بعد الموت" قبل نزوله؛ ليصير على نور من ربه، فالموت عاقبة أمور الدنيا، فالعاقل من أبصر العاقبة، والأحمق من عمي عنها، وحجبته الشهوات والغفلات، وعاجل الحاصل يشترك في درك ضره ونفعه جميع الحيوانات بالطبع، وإنما الشأن في العمل للآجل، فجدير بِمَنِ الموت مصرعه، والتراب مضجعه، ومنكر ونكير جليسه، والدود أنيسه، والقبر مقرّه، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة والنار مورده، أن لا يكون له فكر إلا في الموت وما بعده، ولا ذكر الإله، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا اهتمام إلّا به، ولا انتظار إلّا له، وحقيق أن يعد نفسهстр. 2617
والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنَّى على الله الأماني".
رواه الحاكم عن شدَّاد بن أوس، وقال: صحيح على شرط البخاري، وتعقَّبه الذهبي بأن فيه ابن أبي مريم وهو واهٍ. وكذا رواه العسكري والقضاعي والترمذي وابن ماجه.
الحواشي
(١) من الموتى، ويراها في أهل القبور، فكل ما هو آتٍ قريب، والبعيد ما ليس بآت، "والعاجز" بمهملة، وجيم، وزاي- من العجز، أي: المقصِّر في الأمور، ورواه العسكري: الفاجر -بالفاء والراء- من الفجور، "من أتبع نفسه هواها"، فلم يكفَّها عن الشهوات، ولم يمنعها عن المحرمات واللذات.
قال الطيبي: العاجز الذي غلبت عليه نفسه وقهرته، فأعطاها ما تشتهيه، قوبل الكيّس بالعاجز، والمقابل الحقيقي السفيه، إيذانًا بأن الكيّس هو القادر، والعاجز هو السفيه، "وتمنَّى على الله الأماني" -بشد الياء- جمع أمنية، فهو مع تقصيره في طاعة ربه، واتباع شهوات نفسه، لا يستعدّ ولا يعتذر ولا يرجع، بل يتمنَّى على الله العفو والجنة، وسقط في رواية لفظ الأماني, وأصل الأمنية ما يقدِّره الإنسان في نفسه من مني إذا قدر، ولذا يطلق على الكذب وعلى ما يتمنَّى.
قال الحسن: إن قومًا ألَّهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إني أحسن الظنَّ بربي، وكذب, لو أحسن الظنَّ أحسن العمل، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ، وقال سعيد بن جبير: الغرة بالله أن يتمادى الرجل على المعصية، ويتمنَّى على الله المغفرة.
قال العسكري: وفيه رد على المرجئة، وإثبات الوعيد، وفيه ذم التمني، وأما الرجاء فمحمود؛ لأنَّ التمني يصاحب الكسل، خلاف الرجاء، فتعليق القلب بمحبوب يحصل حالًا، "رواه الحاكم" في المستدرك في كتاب الإيمان، من حديث أبي بكر بن أبي مريم الغسَّاني، عن ضمرة بن حبيب، "عن شداد بن أوس، وقال" الحاكم: "صحيح على شرط البخاري، وتعقَّبه الذهبي بأن فيه ابن أبي مريم، وهو واهٍ" ضعيف جدًّا، فكيف يكون على شرط البخاري، "وكذا رواه العسكري، والقضاعي، والترمذي، وابن ماجه" كلاهما في الزهد؛ والإمام أحمد، وفيه عند الجميع ابن أبي مريم.
قال ابن طاهر: مدار الحديث عليه، وهو ضعيف جدًّا. انتهى، لكن له شاهد أخرجه البيهقي بإسناد فيه ضعف، عن أنس، رفعه: "الكيّس من عمل لما بعد الموت، والعاري العاري من الدين، اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة".стр. 2618
وقوله: "ما حاك في صدرك فدعه" رواه الطبراني في الكبير من حديث أبي أمامة.
وقوله ﷺ : "تنكح المرأة لجمالها ومالها ودينها وحسبها
الحواشي
(١) "وقوله" ﷺ : "ما حاك"، قال في النهاية، أي: أثَّرَ ورسَخَ، يقال: ما يحيك كلامك في فلان، أي: ما يؤثِّر فيه، وقال غيره: أي: تردَّد, من حاك يحيك إذا تردَّد، "في صدرك"، أي: قلبك, من المجاز اللغوي, استعمل الصدور وأراد القلب, والعلاقة إما المجاورة إن لم يكن القلب في الصدر، وإما الحالية والمحلية إن كان فيه, وهذا أقرب من قول بعضهم: أي: قلبك الذي في صدرك؛ لأن فيه حذف الموصول الاسمي وموصوفه، "فدعه"، أي: اتركه؛ لأنَّ نفس المؤمن الكامل ترتاب من الإثم والكذب، فتردده في شيء أمارة كونه حرامًا، فالمتعيِّن أنَّ الذي يعمل بذا الحديث مثل المخاطب به كراويه، "رواه الطبراني في الكبير" برجال الصحيح، "من حديث أبي أمامة"، قال: قال رجل: ما الإثم.. فذكره.
وقوله ﷺ : "تنكح" -بضم التاء وفتح الكاف- "المرأة"، أي: يقصد عادةً نكاحها "لجمالها"، أي: حسنها، ويقع على الصور والمعاني، فشمل حسن الصفات أيضًا، والجمال مطلوب في كل شيء، لا سيما المرأة التي تكون قرينة وضجيعة، وعند الحاكم حديث: "خير النساء من تسر إذا نظرت، وتطيع إذا أمرت، ولا تخالف في نفسها ومالها".
قال الماوردي: لكنهم كرهوا ذات الجمال البارع؛ لكونها تزهو بجمالها، "ومالها"؛ لأن ذات المال قد لا تكلفه في النفقة وغيرها فوق طاقته.
قال المهلب: وفيه أنَّ للزوج الاستمتاع بمال زوجته، فإن طابت نفسها بذلك حلّ له, وإلا فله من ذلك قدر ما بذل لها من الصداق، وتعقّب بأن هذا التفصيل ليس في الحديث، ولم ينحصر قصد نكاح ذات المال في الاستمتاع بمالها، بل قد يقصد حصول ولد منها، فيعود إليه مالها بالإرث، أو لكونها تستغني بمالها عن مطالبته بما تحتاج إليه النساء، واحتجّ به بعض المالكية على أن للرجل الحجر على امرأته في ماله؛ لأنَّه إنما تزوَّجها لمالها فليس لها تفويته، وفيه نظر لا يخفى، "ودينها"، أي: صاينتها في نفسها ومالها مجرّد الإسلام, "وحسبها" -بفتحتين وموحدة- شرفها، وهو في الأصل: الشرف بالآباء والأقارب، مأخوذ من الحساب؛ لأنهم كانوا إذا تفاخروا عدوا مناقبهم ومآثر آبائهم وقومهم، وحسبوها، فيحكم لمن زاد عدده على غيره.
قال أكثم بن صيفي: يا بني تميم, لا يغلبنَّكم جمال النساء على صراحة الحسب، فإنَّ المناكح الكريمة مدرجة للشرف، وقيل:
وأول خبث المرء خبث ترابه ... وأول لؤم المرء لؤم المناكحстр. 2619
فعليك بذات الدين ترتبت يداك" متَّفَق عليه من حديث أبي هريرة.
الحواشي
(١) وقيل: المراد بالحسَب الفعال الحسنة، قال: شمر الحسب، الفعل الجميل للشخص وآبائه، وقيل: المراد به المال، ورد بذكره قبله، وعطفه عليه, وللنسائي، وصحَّحه ابن حبان والحاكم مرفوعًا: "إن أحساب أهل الدنيا الذي يذهبون إليه المال"، وللترمذي والحاكم مرفوعًا: "الحسب المال، والكرم، والتقوى" وحمل على أنَّ المراد أنَّ المال حسب من لا حسب له.
وروى الحاكم حديث: "تخيروا لنطفكم"، "فعليك بذات الدين"، إنما هذا لفظ جابر عند مسلم "تربت يداك" لصقتا بالتراب وافتقرتا إن خالفت ما أمرتك به، وهي كلمة جارية على ألسنة العرب، لا يريدون بها حقيقتها.
وروى ابن ماجه مرفوعًا: "لا تزوجوا النساء لحسنِّهن، فعسى حسنهن أن يرديهن"، أي: يهلكن، "ولا تزوجوهنّ لأموالهن، فعسى أموالهن أن يطغيهن، ولكن تزوجوهن على الدين" "متفق عليه من حديث أبي هريرة"، لكن ليس بهذا اللفظ، بل بلفظ: "تنكح المرأة لأربع: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك"، وذكر اللام، وفي الأربع رواية مسل، وأسقطها البخاري من وجمالها فقط، ولفظ: "فعليك بذات الدين"، ليس مما اتفقا عليه، ولا هو من حديث أبي هريرة، إنما انفرد به مسلم من حديث جابر، فتسمح المصنف تسمحًا شديدًا سامحه الله.
قال النووي: الصحيح في معنى هذا الحديث، أنه ﷺ أخبر بما يفعله الناس عادة، وآخرها عندهم ذات الدين، فاظفر أنت أيها المسترشد بذات الدين؛ لأنه أمر بذلك.
وقال البيضاوي: المعنى: إن اللائق بذوي المروآت وأرباب الديانات، أن يكون الدِّين مطمح نظرهم في كل شيء، لا سيما فيما يدوم أمره ويعظم خطره، فلذا اختاره ﷺ بآكد وجه وأبلغه، فأمر بالظفر الذي هو غاية البغية ومنتهى الاختيار والطلب، الدالّ على تضمّن المطلوب لنعمة عظيمة وفائدة جليلة.
وقال الطيبي: قوله: فاظفر جزاء مشرط محذوف، أي: إذا تحققت ما فصلته لك تفصيلًا بينًا، فاظفر أيها المسترشد بذات الدِّين، فإنها تكسبك منافع الدارين.
قال: واللامات المكررة مؤذنة بأن كلًّا منها مستقلة في الغرض، و "تربت يداك" ليس دعاء عليه، وذلك أنهم كانوا إذا رأوا مقدامًا في الحرب أبلى فيه بلاء حسنًا يقولون: قاتله الله, ما أشجعه، يريدون به ما يزيد قوته وشجاعته، وكذلك هنا، فالرجل إمَّا يؤثر الثلاثة على ذات الدِّين لإعدامها الثلاثة، فينبغي أن يحمل الدعاء على ما يجب عليه من الفقر، أي: عليك بذات الدين يغنك الله، فيوافق معنى الحديث النص التنزيلي: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْстр. 2620
وقوله: "الشتاء ربيع المؤمن، قصر نهاره فصامه, وطال ليلة فقامه". رواه البيهقي وأحمد وأبو نعيم مختصرًا، والعسكري بتمامه، كلهم من حديث درَّاج عن أبي الهيثم
الحواشي
(١) عِبَادِكُمْ﴾ [النور: ٣٢] ، ﴿وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ، والصالح هو صاحب الدين، انتهى.
قال النووي: وفي الحديث الحثّ على مصاحبة أهل الصلاح في كل شيء؛ لأن من صاحبهم استفاد من أخلاقهم وبركتهم وحسن طرائقهم، ويأمن المفسدة من جهتهم، وحكي أن رجلًا قال للحسن: إن لي بنتًا أحبها، وقد خطبها غير واحد، فمن ترى أن أزوجها؟ قال: زوّجها رجلًا يتقي الله، فإنه إن أحبها أكرمها، وإن أبغضها لم يظلمها.
وقال الغزالي: ليس أمره ﷺ بمراعاة الدِّين نهيًا عن مراعاة الجمال، ولا أمرًا بالإضراب عنه، وإنما هو نهي عن مراعاته مجردًا عن الدِّين، فإن الجمال في الغالب يرغب الجاهل في النكاح دون التفات إلى الدِّين، ولا نظر إليه، فوقع النهي عن هذا، فقال: وأمره ﷺ مريدًا التزوّج بالنظر إلى المخطوبة يدل على مراعاة الجمال؛ إذ النظر لا يفيد معرفة الدِّين، وإنما يعرف به الجمال، أو القبح.
"وقوله" ﷺ : "الشتاء ربيع المؤمن" تشبيه بليغ، أي: إنه له لسهولة العبادة فيه، ولذته بها، والقيام بها بلا مشقّة، كفصل الربيع للماشية الذي يكثر فيه الخصب والماء، فترتفع فيه وتنمو.
قال العسكري: إنما قال ذلك؛ لأنَّ أحد الفصول عند العرب فصل الربيع، فيه الخصب ووجود المياه والزرع، ولذا كانوا يقولون للرجل الجواد: هو ربيع اليتامى، فيقيمونه مقام الخصب في الخير الكثير، كوجوه في الربيع، "قصر نهاره فصامه، وطال ليله فقامه"، وفي رواية: فصام، فقام, بحذف المفعول؛ لأنه لطوله تأخذ النفس حظها من النوم، ثم تقوم للتهجّد والأوراد بنشاط، فيجتمع له فيه نومه المحتاج إليه، مع إدراكه وظائف العبادات، فيكمل له فيه مصلحة دينه وراحة بدنه، بخلاف ليل الصيف، لقصره وحره يغلب فيه النوم، فلا يتوفر فيه ذلك، "رواه البيهقي، وأحمد"، وأبو يعلى، "وأبو نعيم، مختصرًا" بلفظ: "الشتاء ربيع المؤمن"، "والعسكري"، وكذا أبو يعلى، والبيهقي في السنن أيضًا، والقضاعي "بتمامه" المذكور، "كلهم من حديث درَّاج" -بفتح الدال المهملة، وتثقيل الراء فألف، فجيم- ابن سمعان أبي السمع -بفتح المهملة، وسكون الميم، ومهملة, قيل: اسمه عبد الرحمن، ودرّاج لقب السهمي، مولاهم المصري، القاص، روى له الأربعة, والبخاري في التاريخ، ومات سنة ست وعشرين ومائة. "عن أبي الهيثم" سليمان بن عمرو الليثي، المصري، الثقة.стр. 2621
عن أبي سعيد، وله شواهد.
وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات، ويشرح في ميادين العبادات، وينزه قلبه في رياض الأعمال الميسرة فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر على صيام نهاره من غير مشقة ولا كلفة, ولا يحصل له جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد, فلا يحصل فيه مشقّة الصيام.
الحواشي
(١) روى له البخاري في التاريخ، وأصحاب السنن، "عن أبي سعيد" الخدري، قال الحافظ -النور الهيثمي: إسناده حسن، وقال السخاوي: ودرَّاج ممن ضعَّفه جماعة، وعُدَّ هذا الحديث فيما أنكر عليه، لكن وثَّقه ابن معين وابن حبّان.
وقال ابن شاهين في ثقاته: ما كان من حديثه عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، فلا بأس به، ومشى عليه شيخنا، يعني: الحافظ في تقريبه، فقال: صدوق في حديثه عن أبي الهيثم، ضعيف في غيره، وعكسه أبو داود، فقال: أحاديثه مستقيمة، إلّا ما كان عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، "و" لكن "له شواهد"، منها ما رواه الطبراني، وابن أبي عاصم، وغيرهما, من طريق سعيد بن بشير، عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: "الصوم في الشتاء الغنيمة الباردة"، وسعيد ضعيف عند أكثرهم، وقد رواه همّام عن قتادة، عن أنس، عن أبي هريرة موقوفًا، أخرجه البيهقي، وأبو نعيم، وعبد الله بن أحمد، وهو أصحّ، ومنها ما رواه أحمد، والترمذي، وابن خزيمة، والطبراني، والقضاعي عن ابن مسعود، رفعه بلفظ حديث أنس، وللديلمي عن ابن مسعود مرفوعًا: "مرحبًا بالشتاء، تنزل فيه الرحمة، أما ليله فطويل للقيام، وأمّا نهاره فقصير للصيام"، وفي الجالسة عن قتادة: لم ينزل عذاب قط من السماء على قوم، إلا عند انسلاخ الشتاء، "وإنما كان الشتاء ربيع المؤمن؛ لأنه يرتع فيه في بساتين الطاعات"، أي: يجتهد في أنواعها قراءة، وصلاة، وذكر وغيرها، فشبّه اجتهاده برتوع الماشية، أي: رعيها، كيف شاءت لتيسر الخصب وكثرته، وعدم مانع يمنعها من الرعي، وأطلق عليها بساتين؛ لأنها باعتبار ما يحصل للنفس الكاملة من اللذات المختلفة بتلك الأنواع، أشبهت البساتين المشتملة على أنواع الفواكه الكثيرة، "ويشرح في ميادين العبادات" جمع ميدان -بفتح الميم وتكسر- محل تسابق الفرسان، أي: يتقلّب في محلات العبادات، فهو مساوٍ لسابقه، فالسروخ هو رعي الماشية بنفسها، "وينزه قلبه في رياض الأعمال" جمع روضة، وهو الموضع المعجب بالزهور وهو بمعنى ما قبله أيضًا، من حيث المراد "الميسّرة فيه من الطاعات، فإن المؤمن يقدر على صيام نهاره من غير مشقة، ولا كلفة" عطف تفسير، "ولا يحصل له جوع ولا عطش، فإن نهاره قصير بارد، فلا يحصل فيه مشقة الصيام"، أي: وليله طويل لا يحصل فيه مشقة القيام، وتركه اكتفاء.стр. 2622
وقوله ﵊: "القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى".
رواه الطبراني في الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر عن أبيه عن جابر، والقضاعي بدون: وكنز لا يفنى, عن أنس.
وفي القناعة أحاديث كثيرة، ولو لم يكن في القناعة إلّا التمتع بالعزِّ لكفى صاحبه، وكان من
الحواشي
(١) "وقوله ﵊: "القناعة" الرضا بالمقسوم "مال"، أي: كمالٍ بجامع أنها تغني صاحبها عن الناس، كما يغنيه مال "لا ينفد" -بفتح الفاء- أي: لا يفنى, "وكنز لا يفنى" أي: مال مدفون، فهو أخصّ من الأوّل، وإن ساواه في المعنى، وذلك؛ لأنَّ ذا المال ينفق منه متى شاء كيف شاء، والقانع متى تعذَّر عليه شيء رضي بما دونه؛ إذ القناعة تنشأ عن غنى القلب ومزيد الإيقان، ومن قنع أخذ بالبركة ظاهرًا وباطنًا؛ لأن الإنفاق منها لا ينقطع؛ إذ صاحبها كلما تعذَّر عليه شيء قنع بما دونه، فلا يزال غنيًّا عن الناس، ولذا كان ما يقنع به خير الرزق، كما قال ﷺ : "خير الذكر الخفيّ, وخير الرزق ما يكفي"، رواه أحمد والبيهقي وابن حبان، وقال ﷺ : " خير الرزق ما كان يومًا بيوم كفافًا"، رواه ابن عدي والديلمي، أي: ما يقنع به، ويرضى على الوجه المطلوب شرعًا، ومن قنع بالمقسوم كانت ثقته بالله التي شأنها أن لا تنقطع كنزًا له لا ينفد إمداده، وأشعر تشبيه القناعة بالمال أنها إنما تطلب في أمور الدنيا؛ ليُسْتَغْنَى بها عن الناس، ولئلَّا يشتغل بكثرتها عن الآخرة؛ لكونه مجبولًا على الشحِّ، كما أجاب به بعض الصوفية قائلًا: أما القناعة من المعرفة بالقليل فمذمومة بنص قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه: ١١٤] ، أي: بك وبأسرار أحكامك لا زيادة التكاليف، فإنه كان يكره السؤال في الأحكام.
"رواه الطبراني في الأوسط من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر" القرشي، التيمي، المدني، ليِّن الحديث، روى له الترمذي والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمانين ومائة، "عن أبيه، عن جابر" بن عبد الله.
قال الذهبي: وإسناده واهٍ، "والقضاعي بدون: وكنز لا يفنى، عن أنس" رفعه، وكذا رواه بدونها العسكري من الطريق الأولى عن جابر، "وفي القناعة أحاديث كثيرة"، منها: حديث عمرو مرفوعًا: "قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، وقنَّعه الله بما آتاه"، وعن علي في قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ [النحل: ٩٧] ، قال: القناعة، وكذا قال الأسود: إنها القناعة والرضا، وعن سعيد بن جبير، قال: لا يحوجنَّه إلى أحد، "ولو لم يكن" كما قال بشر بن الحارث: "في القناعة إلّا التمتع بالعزِّ"، أي: شرف النفس وقوتها بالصبر على ما أعطته، "لكفى صاحبه، وكان من دعائه ﵊: "اللهمَّ قنِّعني بما رزقتني"، وأنشد بعضهم"، وهو ابن دريد:стр. 2623
دعائه ﵊: "اللهم قَنِّعني بما رزقتني" , وأنشد بعضهم:
ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرًا
وقوله ﷺ : "ما خاب من استحار, ولا ندم من استشار،
الحواشي
(١) ما ذاق طعم الغنى من لا قنوع له ... ولن ترى قانعًا ما عاش مفتقرا
والعرف من يأته يحمد مغبَّته ... ما ضاع عرف وإن أوليته حجرا
قنوع -بضم القاف- المراد: الرضا، ويروى: ما ذاق روح الغني، قال المجد: القنوع -بالضم- السؤال والتذلل، والرضا بالقسم ضد, والفعل كمنع، ومن دعائهم: نسأل الله القناعة، ونعوذ به من القنوع، وفي المثل: خير الغنى القنوع، وشر الفقر الخضوع، ومقتضاه: اتحاد الماضي والمضارع معنًى، وفي المصباح: قنع يقنع -بفتحتين- قنوعًا سأل، وقنعت به قنعًا من باب تعب، وقناعة رضيت، وهو قنع وقنوع انتهى، وعلى هذا قول القائل:
العبد حران قنع ... والحر عبدان قنع
فاقنع ولا تقنع فما ... شيء يشين سوى الطمع
فقوله: إن قنع -بكسر النون- أي: رضي، وثانيًا -بفتحها- أي: سأل، وفاقنع فارض، ولا تقنع ولا تسأل، وقال أبو العتاهية:
تسربلت أخلاقي قنوعًا وعفة ... فعندي بأخلاقي كنوز من الذهب
فلم أر خصبًا كالقنوع لأهله ... وإن يحمل الإنسان ما عض في الطلب
"وقوله ﷺ : $"ما خاب من استخار" الله تعالى، أي: طلب الخيرة في الأمور منه تعالى، وحقيقتها تفويض الاختيار إليه تعالى، فإنه الأعلم بخيرها للعبد، والقادر على ما هو خير لمستخيره إذا دعاه بخير له، فلا يخيب أمله، والخائب من لم يظفر بمقصوده، وكان ﷺ كثيرًا ما يقول: "اللهم خر لي واختر لي".
قال ابن أبي جمرة: هذا الحديث عام أريد به الخصوص، فالواجب والمستحب لا يستخار في فعلهما، والحرام، والمكروه لا يستخار في تركهما، فانحصر الأمر في المباح، وفي المستَحَبِّ إذا تعارض فيه أمران أيهما يبتدئ به، أو يقتصر عليه.
قال الحافظ: ويدخل في الواجب والمستَحَبّ المخير، وفيما كان منه موسعًا، وشمل العموم العظيم والحقير، فربّ حقير يترتَّب عليه أمر عظيم، "ولا ندم من استشار " غيره ممن له تبصر ونصيحة.
قال الحراني: والمشورة أن تستخلص حلاوة الرأي وخالصه من خبايا الصدر، كما يشورстр. 2624
ولا عال من اقتصد". رواه الطبراني في معجمه الأوسط من حديث أنس.
وقوله ﵊: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة،
الحواشي
(١) العسل جانيه، وفي بعض الآثار: نقِّحوا عقولكم بالمذاكرة، واستعينوا على أموركم بالمشاورة، وقال الحكماء: من كمال عقلك استظهارك عليه، وإذا أشكلت عليك الأمور، وتغيّر لك الجمهور، فارجع إلى رأي العقلاء، وافزع إلى استشارة الفضلاء، ولا تأنف من الاسترشاد، ولا الاستمداد.
وقال بعض العارفين: الاستشارة بمنزلة تنبيه النائم أو الغافل، فإنه يكون جازمًا بشيء يعتقد أنه صواب، وهو بخلافه، ولا يشاور إلّا أمينًا مجربًا، حازمًا ناصحًا، ثابت الجأش, غير معجَبٍ بنفسه، ولا متلوّن في رأيه، ولا كاذب في مقاله. زاد بعضهم: وليس محبًّا لغلبة هوى محبوبه عليه، ولا امرأة، ولا متجردًا عن الدنيا لعدم معرفته، ولا منهمكًا في حبها؛ لأن استيلائها عليه يظلم قلبه، فيفسد رأيه، ولا بخيلًا.
قال ابن عباس: لما نزل وشاورهم في الأمر قال ﷺ : "أما أن الله ورسوله لغنيان عنها، لكن جعلها الله رحمة لأمتي، فمن استشار منهم لم يعدم رشدًا، ومن تركها لم يعدم غيًّا"، رواه البيهقي بإسناد غريب.
وقال أبو هريرة: ما رأيت أحدًا أكثر مشاورة لأصحابه من النبي ﷺ , رواه الشافعي، ويستحبّ تقديمها على الاستخارة، كما في المدخل، "ولا عال من اقتصد"، أي: ما افتقر من توسط في النفقة على عياله، "رواه اطبراني في معجمه الأوسط"، وكذا في الصغير، كما قال النور الهيثمي "من حديث أنس" بإسناد ضعيف جدًّا. انتهى، فمن عزاه للصغير فقط، كالفتح والمقاصد، أو للأوسط فقط، كالمصنّف والجامع، فقد قصروا وهم، وكذا جزم الحافظ بأنّ إسناده واهٍ جدًّا، لكن له شواهد كثيرة.
"وقوله ﵊: "الاقتصاد"، أي: التوسُّط "في النفقة"، وتجنّب الإفراط والتفريط فيها "نصف المعيشة".
قال الطيبي: وذلك لأنَّ كِلَا طرفي التبذير والتقتير ينغِّص المعيشة، والتوسّط فيه هو العيش، والعيش نوعان: عيش الدنيا وعيش الآخرة، كما أنَّ العقل نصفان: مطبوع ومسموع، والمسموع صنفان: معاملة مع الله، ومعاملة مع الخلق، وقال غيره: التوسّط في النفقة يحصل به راحة للعبد, وحسن حال، وذلك نصف ما به الحياة، فقد قيل: كمال العيش شيئان: مدة الأجل وحسن الحال، فمدة الأجل لا دخل للعبد فيها بوجه، وحسن الحال, وإن كان من الله، لكنَّه جعل للعبد مدخلًا فيه، بالسعي في أسبابه المحصّلة له عادة، "والتودد"، أي: التحبب "إلىстр. 2625
والتودد إلى الناس نصف العقل، وحسن السؤال نصف العلم".
رواه البيهقي في الشعب، والعسكري في الأمثال، وابن السني والديلمي من طريقه, والقضاعي, كلهم من حديث نافع عن ابن عمر مرفوعًا. وضعَّفه البيهقي، لكن له شاهد عن العسكري من حديث خلّاد بن عيسى, عن ثابت عن أنس رفعه: "الاقتصاد نصف العيش، وحسن الخلق نصف الدين". وكذا أخرجه الطبراني وابن لال
الحواشي
(١) الناس"، بالأخذ في أسباب المحبَّة، كملاقاتهم بالبشر، وطلاقة الوجه، وحسن الخلق، والرفق وغير ذلك، "نصف العقل"؛ لأنه يبعث على السلامة من شرّهم ومحبتهم، أي: نصف ما يرشد إليه العقل، ويحصله جعله نصفان مبالغة، حتَّى كأنَّ ما يرشد إليه من المحاسن هو نفسه، وقال بعضهم: ما يرشد إليه العقل صنفان: معاملة مع الله، ومعاملة مع الخلق، كما قيل: العقل العبودية لله، وحسن المعاملة مع خلقه، "وحسن السؤال نصف العلم"، فإن السائل الفطن يسأل عمَّا يهمه وما هو بشأنه أعنى، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسئول ومسئول، فإذا ظفر بمبتغاه وفاز به كمل علمه، وعليه يحمل قوله: لا أدري نصف العلم، ذكره الطيبي، وقال غيره: إذا أحسن سؤال شيخه أقبل عليه بقلبه وقالبه، وأوضح له ما أشكل، وأبان له ما أعضل، لكونه وجد استعدادًا وقابلًا، وإذا لم يحسن السؤال أعرض عنه، وضنَّ بإلقاء النفائس إليه، وقنع من الجواب يئزر يسير مما يورده عليه، "رواه البيهقي في الشعب"، والطبراني في مكارم الأخلاق، "والعسكري في الأمثال، وابن السُّنِّي" -بضم المهملة، وشد النون- نسبة إلى السنة، ضد البدعة, الحافظ أبو بكر أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم الدينوري.
روى عن جماعة منهم النسائي، واختصر سننه الكبرى، وسمَّاه المجتبى، وله عمل يوم وليلة، وغير ذلك، وتوفي سنة ثلاث وستين وثلاثمائة، "والديلمي من طريقه، والقضاعي, كلهم من طريق نافع، عن ابن عمر مرفوعًا، وضعَّفه البيهقي، لكن له شاهد عن العسكري من حديث خلّاد بن عيسى" الصفَّار، أبي مسلم الكوفي, لا بأس به، روى له الترمذي، وابن ماجه "عن ثابت" البناني، "عن أنس رفعه "الاقتصاد نصف العيش"، أي: المعيشة, "وحسن الخلق" -بالضم- "نصف الدِّين"؛ لأنه يكسب صاحبه ملكة تامَّة، يقتدر بها على تجنُّب ما يخلّ بمروآته ودينه، فمن حازه توفَّر عليه نصف الدِّين، فليتَّقِ الله في النصف الثاني، بخلاف سوء الخلق، فيوقع صاحبه في رقَّة الديانة، وقلة الأمانة، ويورِّطه في القبائح كرهًا عليه، فإنه عند ثوران الغضب لا يدري ما يقول، ولا ما يفعل، "وكذا أخرجه الطبراني"، والخطيب، "وابن لال" أحمد بن علي، ولال أخرس، "ومن شواهده أيضًا للعسكري عن أنس، رفعه: "السؤال نصف العلم"، أي: حسنهстр. 2626
ومن شواهده أيضًا: ما للعسكري عن أنس رفعه: "السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد". وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال نصف العلم, والرفق نصف المعيشة".
وفي صحيح ابن حِبَّان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي ﷺ قال له: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق". وهذا
الحواشي
(١) بدليل اللفظ السابق "والرفق"، أي: الاقتصاد في النفقة بقدر ذات "نصف المعيشة"، وهي ما يعاش به من أسباب العيش، "وما عال امرؤ"، أي: افتقر، "في اقتصاد"، وورد: الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة، ورواه الدارقطني والطبراني وغيرهما، ويروى كما في الفردوس: خير من كثير من التجارة، "وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال"، أي: حسنه، "نصف العلم، والرفق نصف المعيشة"، وجاء في خبر: من فقه الرجل رفقه في معيشته.
قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده، ولا يتأوّل قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ، فإن الرزق مقسوم، فلعلَّ رزقه قليل، فينفق نفقة الموسع، ويبقى فقيرًا حتى يموت، بل معنى الآية: إن ما كان من خلف فمنه سبحانه، فلعله إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار كان خيرًا من معاناة بعض التجار.
"وفي صيح ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي ﷺ ، قال له: "يا أبا ذر, لا عقل"، أي: لا شيء مما يؤدي إليه العقل من المحاسن، "كالتدبير"، وهو النظر في العواقب لأمن صاحبه الغوائل والوقوع فيما يضره.
قال الطيبي: أراد بالتدبير العقل المطبوع، وقال القيصري: هو خاطر الروح العقلي، وهو خاطر التدبير لأمر المملكة الإنسانية، والنظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات، ومنه يؤخذ الفهوم والعلوم الربانية، "ولا ورع"، أي: لا شيء من أسبابٍ تؤدي إلى الورع، وهو اجتناب الشبهات، خوفًا من الوقوع في الحرام، "كالكف" أي: منع النفس عن الحرام والمكروه، فمن فعله بَعُدَ عن الشبهات، والورع في الأصل الكَفّ، ثم استُعِيرَ للكفّ عن المحارم، فإن قيل: يلزم اتحاد المشبّه والمشبَّه به، أجيب بأنه إذا أطلق فهم منه كف الأذى، أو كف اللسان، فكأنه قيل: لا ورع كالصمت، أو كفّ الأذى عن الناس، أو عن المحارم، "ولا حسب"، أي: لا شيء يفتخر به من الصفات الحميدة، "كحسن الخلق" مع الخلق، فالأوَّل عام والثاني خاص، و"هذا اللفظ عند البيهقي في الشعب"، وقد أبعد شيخه السخاوي النجعة في الغزو، فإنه في سننстр. 2627
اللفظ عند البيهقي في الشعب. وله أيضًا وللعسكري عن علي مرفوعًا: "التودد نصف الدِّين، وما عال امرؤ قط على اقتصاد"، أي: ما افتقر من أنفق قصدًا, ولم يجاوزه إلى الإسراف.
وقوله ﵊: "المؤمن من أمنه الناس" رواه الترمذي.
وقوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده،
الحواشي
(١) ابن ماجه عن أبي ذر بلفظه، "وله أيضًا وللعسكري عن علي مرفوعًا: "التودد نصف الدِّين، وما عال امرؤ قط على اقتصاد"، صلة لمحذوف، أي: اشتمل على اقتصاد، وتتمة ذا الحديث: "واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبى الله أن يجعل رزق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون"، "أي: ما افتقر من أنفق قصدًا"، توسطًا بقدر ذات اليد، "ولم يجاوزه إلى الإسراف"، وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وللديلمي عن أنس رفعه: "إن أحدكم يأتيه الله برزق عشرة أيام في يوم واحد، فإن هو حبس عاش تسعة أيام بخير، وإن هو وسّع وأسرف قُتِّر عليه تسعة أيام".
"وقوله ﵊: "المؤمن من أمنه الناس"، أي: من حقه أن يكون موصوفًا بذلك، أو المراد: المؤمن الكامل، "رواه الترمذي"، وحسَّنه ابن ماجه، كلاهما من حديث فضالة بن عبيد بزيادة: "من أموالهم وأنفسهم، والمهاجرة من هجر الخطايا والذنوب"، وهو عطف تفسير، أو عام على خاص.
"وقوله" ﷺ : "المسلم" الكامل، فأل لكمال نحو: زيد الرجل"، أي: الكامل في الرجولية، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض، أو المراد: علامة المسلم الذي يستدل بها على إسلامه، "من سَلِمَ المسلمون" والمسلمات وأهل الذمة، فخرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كفِّ الأذى عن أخيه أشد تأكيدًا؛ ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يحب الكفّ عنه "من لسانه ويده"، إلّا في حَدٍّ، أو تعزيز، أو تأديب، وخَصَّ اللسان بالذكر؛ لأنه المعبر عمَّا في النفس واليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، واستشكل تقدير الكامل باستلزامه أنَّ المتَّصف بهذا فقط يكون كاملًا، وأجيب بأن المراد مع مراعاة باقي الصفات التي هي أركان الإسلام.
قال الخطابي: أفضل المسلمين من جمع أداء حقوق الله وأداء حقوق المسلمين.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثِّ على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه، فأَوْلَى أن يحسن معاملة ربه, من باب التنبيه بالأدنى علىстр. 2628
والمهاجر مَنْ هجر ما حرَّم الله عليه"، متفق عليه عن ابن عمرو، به مرفوعًا، وعن أبي موسى، ومسلم عن جابر.
وقوله: "قلة العيال أحد اليسارين".
الحواشي
(١) الأعلى.
قال: والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والجائين بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإنّ أثرها في ذلك لعظيم، ونكتة التعبير باللسان دون القول شموله من أخرج لسانه استهزاء، وذكر اليد دون غيرها من الجوارح؛ ليدخل اليد المتعدية على حق الغير بلا حق، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير، "والمهاجر" حقيقة بمعنى الهاجر، وإن اقتضى المفاعل وقوع فعل بين اثنين، لكنَّه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أنه على بابه؛ إذ من لازم كونه هاجرًا وطنه، مثلًا أنه مهجور منه، "من هجر ما حرَّم الله عليه"، هذا لفظ رواية النسائي وأبي داود، ولفظ البخاري: "من هجر ما نهى الله عنه".
قال الحافظ: والهجرة ضربان: ظاهرة، وهي الفرار بالدِّين من الفتن، وباطنة، وهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمَّارة بالسوء والشيطان، وكأنَّ المهاجرين خوطبوا بذلك، لئلّا يتَّكِلُوا على مجرَّد التحوّل من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قبل انقطاع الهجرة، فلمَّا فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نُهِيَ عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام، "متفق عليه، عن ابن عمرو" بن العاص "به مرفوعًا وعن أبي موسى"، كذا وقع المصنف تبعًا لشيخه في المقاصد بالحرف، وهو منابذ لقول الحافظ في الفتح، هذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم، أخرج مسلم معناه من وجه آخر، وزاد ابن حبان، والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحًا: "والمؤمن من أَمِنَه الناس" وكأنَّه اختصره هنا لتضمنه لمعناه انتهى، "ومسلم" وحده "عن جابر" بلفظ: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" دون بقيته، فإيذاء المسلم من نقصان الإيمان، والإيذاء ضربان: ضَرْبٌ ظاهر بالجوارح، كأخذ المال بنحو سرقة، أو نهب، وضرب باطن كالحسد، والغل، والبغض، والحقد، والكبر، وسوء الظن، والقسوة, ونحو ذلك، فلذلك كله مضربًا لمسلم مؤذ له، وقد أمر الشرع بكفّ النوعين من الإيذاء، وهلك بذلك خلق كثير.
"وقوله" ﷺ : "قلة العيال أحد اليسارين"؛ لأن الغنى نوعان: غنى بالشيء والمال، وغنى عن الشيء لعدم الحاجة إليه، وهذا هو الحقيقي، فقِلَّة العيال لا حاجة معها إلى كثرة المؤن، وقيل: اليسار خفض العيش، أي: سعته والراحة فيه، وزيادة الداخل على الخرج، أو وفاء الدخلстр. 2629
رواه صاحب مسند الفردوس ولفظه: "التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل, والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين".
وقوله ﵊: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك
الحواشي
(١) بالخرج، فمن كثر عياله ودخله، وفضل له من دخله، أو وفَّى دخله بخرجه، أو قَلَّ عياله ودخله وفضل، أو وفَّى، فهو في يسر، ومن قَلَّ دخله وكَثُرَ عياله في عسر، "رواه صاحب مسند الفردوس" الديلمي عن أنس، وكذا القضاعي عن علي، "ولفظه: "التدبير"، أي: النظر في عواقب الأمور, "نصف المعيشة"، إذ به يحترز عن الإسراف والتقتير، وكمال العيش شيئان: مدة الأجل وحسن الحال فيها، ولا يعارض هذا قول الصوفية: أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك؛ لأن الحديث في تدبير صحبة تفويض، وكلامهم فيما لم يصحبه، "والتودد" التحبب إلى الناس "نصف العقل، والهم نصف الهرم"، وهو ضعف ليس وراءه قوة، فإن لم يصل إلى الهرم؛ وزال الهمّ عادت القوة، فالْهَمّ إذًا نصف الضعف، "وقلة العيال أحد اليسارين".
وفي المقاصد: حديث قلة العيال اليسارين، وكثرته أحد الفقرين. القضاعي عن علي، والديلمي عن غيره بالشطر الأول، مرفوعًا بسندين ضعيفين، وذكره في الإحياء بتمامه.
"وقوله ﵊: "أدّ" -بفتح الهمزة وكسر الدال، وجوبًا في الواجب، وندبًا فيما تطلب يه المعاونة من الأداء.
قال الراغب: وهو دفع ما يجب دفعه وتوفيته، أي: أوصل "الأمانة"، وهي كل حقٍّ لزمك أداؤه، أو حفظه، ومن قصرها على حق الحق، أو حق الخلق، فقد قصر.
قال القرطبي: الأمانة تشمل أعدادًا كثيرة، لكنَّ أمهاتها الوديعة، واللقطة، والرهن، والعارية، "إلى من ائتمنك" عليها، ولا مفهوم له، بل غالبي، فإن حفظها أثر كمال الإيمان، فإذا نقص نقصت الأمانة في الناس، وإذا زاد زادت، والمراد: من جعل لك شرعًا على ما لديه يدًا، فشمل ما إذا ألقت الريح ثوبًا ببيتك، أو دخل فيه جائع، والمراد بأدائها: إيصالها إليه بالتخلية بينه وبينه، فليست الأمانة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، من أنها ما لم يضمّنه ذو اليدين إذا لم يقصر.
وقال النووي: الظاهر أنَّ المراد بالأمانة التكليف الذي كلف الله به عباده، والعهد الذي أخذه الله عليهم، وهي التي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، وفي النهاية: الأمانة تقع على الطاعة، والعبادة، والوديعة، والثقة، والأمان.
وقال الفخر الرازي: قيل: هي التكاليف, سُمِّيَتْ أمانة؛ لأن من قصر فعليه الغرامة، ومن وفَّىстр. 2630
ولا تخن من خانك".
رواه أبو داود والترمذي من رواية شريك وقيس بن الربيع،
الحواشي
(١) فله الكرامة، وقيل: هي لا إله إلا الله، وهو بعيد، فالأكوان ناطقة بأن الله واحد، وقيل: هي الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي حفظها، والأذن كذلك، وبقية الأعضاء، وقيل: هي معرفة الله، ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة، رواغة عنه مضايق الأمانة، وربما تأوّلت جوازها مع من لم يلتزمها، أعقبه بقوله: "ولا تخن من خانك" أو لأنَّ الأول عام، والثاني في شيء خاص، فلا يقال: يستغني بالأول عن الثاني، أي: لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله، وليس منها ما يأخذه الإنسان من مال من جحد حقه؛ إذ لا تعدي فيه، أو المراد: إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنًا، أي: جائزًا، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو، وادفع بالتي هي أحسن.
قال الطيبي: وهذا أحسن، وهذه مسألة خلافية، "لا تخن من خانك مطلقًا"، وهذا ظاهر الحديث: خن من خانك، قاله الشافعي، وهو مشهور. ومذهب مالك، وأجابوا عن ذا الحديث: بأنه لم يثبت أولًا، أتأخذ منه أزيد من حقك، أو هو إرشاد إلى الأكمل، كما مَرَّ، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وبحديث هند، وهو قوله ﷺ : "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ثالثها: إن كان من ائتمنك عليه، من خانك فلا تخنه، وإن كان ليس في يدك، فخذ حقك منه، قاله مالك.
رابعها: إن كان من جنس حقك فخذ، وإلّا فلا، قاله أبو حنيفة.
قال ابن العربي: والصحيح جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه، أو غير جنسه إذا عدلت؛ لأن ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اطررت انتهى. وسبب الحديث، كما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده أن رجلًا زنى بامرأة آخر، ثم تمكَّن الآخر من زوجة الزاني، بأن تركها عنده وسافر، فاستشار النبي ﷺ في الأمر، فقال له، فذكره.
"رواه" البخاري في التاريخ، "وأبو داود، والترمذي" في البيوع، "من رواية شريك" بن عبد الله النخعي، الكوفي، قاضيها, صدوق, يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع، أو ثمان وسبعين ومائة، "وقيس بن الربيع" الأسدي الكوفي، ضعيف, تغيِّر لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به، مات سنة بضع وستين ومائة، "كلاهما عن أبي صالح"، ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت،следующие страницы →