Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2626–2665 · переход к 2631.
стр. 2626
ومن شواهده أيضًا: ما للعسكري عن أنس رفعه: "السؤال نصف العلم، والرفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد". وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال نصف العلم, والرفق نصف المعيشة".
وفي صحيح ابن حِبَّان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي ﷺ قال له: "يا أبا ذر، لا عقل كالتدبير، ولا ورع كالكف، ولا حسب كحسن الخلق". وهذا
الحواشي
(١) بدليل اللفظ السابق "والرفق"، أي: الاقتصاد في النفقة بقدر ذات "نصف المعيشة"، وهي ما يعاش به من أسباب العيش، "وما عال امرؤ"، أي: افتقر، "في اقتصاد"، وورد: الرفق في المعيشة خير من بعض التجارة، ورواه الدارقطني والطبراني وغيرهما، ويروى كما في الفردوس: خير من كثير من التجارة، "وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: "السؤال"، أي: حسنه، "نصف العلم، والرفق نصف المعيشة"، وجاء في خبر: من فقه الرجل رفقه في معيشته.
قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده، ولا يتأوّل قوله: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ، فإن الرزق مقسوم، فلعلَّ رزقه قليل، فينفق نفقة الموسع، ويبقى فقيرًا حتى يموت، بل معنى الآية: إن ما كان من خلف فمنه سبحانه، فلعله إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار كان خيرًا من معاناة بعض التجار.
"وفي صيح ابن حبان من حديث طويل عن أبي ذر, أن النبي ﷺ ، قال له: "يا أبا ذر, لا عقل"، أي: لا شيء مما يؤدي إليه العقل من المحاسن، "كالتدبير"، وهو النظر في العواقب لأمن صاحبه الغوائل والوقوع فيما يضره.
قال الطيبي: أراد بالتدبير العقل المطبوع، وقال القيصري: هو خاطر الروح العقلي، وهو خاطر التدبير لأمر المملكة الإنسانية، والنظر في جميع الخواطر الواردة عليه من جميع الجهات، ومنه يؤخذ الفهوم والعلوم الربانية، "ولا ورع"، أي: لا شيء من أسبابٍ تؤدي إلى الورع، وهو اجتناب الشبهات، خوفًا من الوقوع في الحرام، "كالكف" أي: منع النفس عن الحرام والمكروه، فمن فعله بَعُدَ عن الشبهات، والورع في الأصل الكَفّ، ثم استُعِيرَ للكفّ عن المحارم، فإن قيل: يلزم اتحاد المشبّه والمشبَّه به، أجيب بأنه إذا أطلق فهم منه كف الأذى، أو كف اللسان، فكأنه قيل: لا ورع كالصمت، أو كفّ الأذى عن الناس، أو عن المحارم، "ولا حسب"، أي: لا شيء يفتخر به من الصفات الحميدة، "كحسن الخلق" مع الخلق، فالأوَّل عام والثاني خاص، و"هذا اللفظ عند البيهقي في الشعب"، وقد أبعد شيخه السخاوي النجعة في الغزو، فإنه في سننстр. 2627
اللفظ عند البيهقي في الشعب. وله أيضًا وللعسكري عن علي مرفوعًا: "التودد نصف الدِّين، وما عال امرؤ قط على اقتصاد"، أي: ما افتقر من أنفق قصدًا, ولم يجاوزه إلى الإسراف.
وقوله ﵊: "المؤمن من أمنه الناس" رواه الترمذي.
وقوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده،
الحواشي
(١) ابن ماجه عن أبي ذر بلفظه، "وله أيضًا وللعسكري عن علي مرفوعًا: "التودد نصف الدِّين، وما عال امرؤ قط على اقتصاد"، صلة لمحذوف، أي: اشتمل على اقتصاد، وتتمة ذا الحديث: "واستنزلوا الرزق بالصدقة، وأبى الله أن يجعل رزق عباده المؤمنين من حيث يحتسبون"، "أي: ما افتقر من أنفق قصدًا"، توسطًا بقدر ذات اليد، "ولم يجاوزه إلى الإسراف"، وفي التنزيل: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية، وللديلمي عن أنس رفعه: "إن أحدكم يأتيه الله برزق عشرة أيام في يوم واحد، فإن هو حبس عاش تسعة أيام بخير، وإن هو وسّع وأسرف قُتِّر عليه تسعة أيام".
"وقوله ﵊: "المؤمن من أمنه الناس"، أي: من حقه أن يكون موصوفًا بذلك، أو المراد: المؤمن الكامل، "رواه الترمذي"، وحسَّنه ابن ماجه، كلاهما من حديث فضالة بن عبيد بزيادة: "من أموالهم وأنفسهم، والمهاجرة من هجر الخطايا والذنوب"، وهو عطف تفسير، أو عام على خاص.
"وقوله" ﷺ : "المسلم" الكامل، فأل لكمال نحو: زيد الرجل"، أي: الكامل في الرجولية، وإثبات اسم الشيء على معنى إثبات الكمال له مستفيض، أو المراد: علامة المسلم الذي يستدل بها على إسلامه، "من سَلِمَ المسلمون" والمسلمات وأهل الذمة، فخرج مخرج الغالب؛ لأن محافظة المسلم على كفِّ الأذى عن أخيه أشد تأكيدًا؛ ولأن الكفار بصدد أن يقاتلوا، وإن كان فيهم من يحب الكفّ عنه "من لسانه ويده"، إلّا في حَدٍّ، أو تعزيز، أو تأديب، وخَصَّ اللسان بالذكر؛ لأنه المعبر عمَّا في النفس واليد؛ لأن أكثر الأفعال بها، واستشكل تقدير الكامل باستلزامه أنَّ المتَّصف بهذا فقط يكون كاملًا، وأجيب بأن المراد مع مراعاة باقي الصفات التي هي أركان الإسلام.
قال الخطابي: أفضل المسلمين من جمع أداء حقوق الله وأداء حقوق المسلمين.
قال الحافظ: ويحتمل أن يكون المراد بذلك الإشارة إلى الحثِّ على حسن معاملة العبد مع ربه؛ لأنه إذا أحسن معاملة إخوانه، فأَوْلَى أن يحسن معاملة ربه, من باب التنبيه بالأدنى علىстр. 2628
والمهاجر مَنْ هجر ما حرَّم الله عليه"، متفق عليه عن ابن عمرو، به مرفوعًا، وعن أبي موسى، ومسلم عن جابر.
وقوله: "قلة العيال أحد اليسارين".
الحواشي
(١) الأعلى.
قال: والحديث عام بالنسبة إلى اللسان دون اليد؛ لأن اللسان يمكنه القول في الماضين والموجودين والجائين بخلاف اليد، نعم يمكن أن تشارك اللسان في ذلك بالكتابة، وإنّ أثرها في ذلك لعظيم، ونكتة التعبير باللسان دون القول شموله من أخرج لسانه استهزاء، وذكر اليد دون غيرها من الجوارح؛ ليدخل اليد المتعدية على حق الغير بلا حق، وفيه من أنواع البديع تجنيس الاشتقاق، وهو كثير، "والمهاجر" حقيقة بمعنى الهاجر، وإن اقتضى المفاعل وقوع فعل بين اثنين، لكنَّه هنا للواحد كالمسافر، ويحتمل أنه على بابه؛ إذ من لازم كونه هاجرًا وطنه، مثلًا أنه مهجور منه، "من هجر ما حرَّم الله عليه"، هذا لفظ رواية النسائي وأبي داود، ولفظ البخاري: "من هجر ما نهى الله عنه".
قال الحافظ: والهجرة ضربان: ظاهرة، وهي الفرار بالدِّين من الفتن، وباطنة، وهي ترك ما تدعو إليه النفس الأمَّارة بالسوء والشيطان، وكأنَّ المهاجرين خوطبوا بذلك، لئلّا يتَّكِلُوا على مجرَّد التحوّل من دارهم، حتى يمتثلوا أوامر الشرع ونواهيه، ويحتمل أن يكون ذلك قبل انقطاع الهجرة، فلمَّا فتحت مكة تطييبًا لقلوب من لم يدرك ذلك، بأن حقيقة الهجرة تحصل لمن هجر ما نُهِيَ عنه، فاشتملت هاتان الجملتان على جوامع من معاني الحكم والأحكام، "متفق عليه، عن ابن عمرو" بن العاص "به مرفوعًا وعن أبي موسى"، كذا وقع المصنف تبعًا لشيخه في المقاصد بالحرف، وهو منابذ لقول الحافظ في الفتح، هذا الحديث من إفراد البخاري عن مسلم، أخرج مسلم معناه من وجه آخر، وزاد ابن حبان، والحاكم في المستدرك من حديث أنس صحيحًا: "والمؤمن من أَمِنَه الناس" وكأنَّه اختصره هنا لتضمنه لمعناه انتهى، "ومسلم" وحده "عن جابر" بلفظ: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من لسانه ويده" دون بقيته، فإيذاء المسلم من نقصان الإيمان، والإيذاء ضربان: ضَرْبٌ ظاهر بالجوارح، كأخذ المال بنحو سرقة، أو نهب، وضرب باطن كالحسد، والغل، والبغض، والحقد، والكبر، وسوء الظن، والقسوة, ونحو ذلك، فلذلك كله مضربًا لمسلم مؤذ له، وقد أمر الشرع بكفّ النوعين من الإيذاء، وهلك بذلك خلق كثير.
"وقوله" ﷺ : "قلة العيال أحد اليسارين"؛ لأن الغنى نوعان: غنى بالشيء والمال، وغنى عن الشيء لعدم الحاجة إليه، وهذا هو الحقيقي، فقِلَّة العيال لا حاجة معها إلى كثرة المؤن، وقيل: اليسار خفض العيش، أي: سعته والراحة فيه، وزيادة الداخل على الخرج، أو وفاء الدخلстр. 2629
رواه صاحب مسند الفردوس ولفظه: "التدبير نصف المعيشة، والتودد نصف العقل, والهم نصف الهرم، وقلة العيال أحد اليسارين".
وقوله ﵊: "أدّ الأمانة إلى من ائتمنك
الحواشي
(١) بالخرج، فمن كثر عياله ودخله، وفضل له من دخله، أو وفَّى دخله بخرجه، أو قَلَّ عياله ودخله وفضل، أو وفَّى، فهو في يسر، ومن قَلَّ دخله وكَثُرَ عياله في عسر، "رواه صاحب مسند الفردوس" الديلمي عن أنس، وكذا القضاعي عن علي، "ولفظه: "التدبير"، أي: النظر في عواقب الأمور, "نصف المعيشة"، إذ به يحترز عن الإسراف والتقتير، وكمال العيش شيئان: مدة الأجل وحسن الحال فيها، ولا يعارض هذا قول الصوفية: أرح نفسك من التدبير، فما قام به غيرك عنك لا تقم به لنفسك؛ لأن الحديث في تدبير صحبة تفويض، وكلامهم فيما لم يصحبه، "والتودد" التحبب إلى الناس "نصف العقل، والهم نصف الهرم"، وهو ضعف ليس وراءه قوة، فإن لم يصل إلى الهرم؛ وزال الهمّ عادت القوة، فالْهَمّ إذًا نصف الضعف، "وقلة العيال أحد اليسارين".
وفي المقاصد: حديث قلة العيال اليسارين، وكثرته أحد الفقرين. القضاعي عن علي، والديلمي عن غيره بالشطر الأول، مرفوعًا بسندين ضعيفين، وذكره في الإحياء بتمامه.
"وقوله ﵊: "أدّ" -بفتح الهمزة وكسر الدال، وجوبًا في الواجب، وندبًا فيما تطلب يه المعاونة من الأداء.
قال الراغب: وهو دفع ما يجب دفعه وتوفيته، أي: أوصل "الأمانة"، وهي كل حقٍّ لزمك أداؤه، أو حفظه، ومن قصرها على حق الحق، أو حق الخلق، فقد قصر.
قال القرطبي: الأمانة تشمل أعدادًا كثيرة، لكنَّ أمهاتها الوديعة، واللقطة، والرهن، والعارية، "إلى من ائتمنك" عليها، ولا مفهوم له، بل غالبي، فإن حفظها أثر كمال الإيمان، فإذا نقص نقصت الأمانة في الناس، وإذا زاد زادت، والمراد: من جعل لك شرعًا على ما لديه يدًا، فشمل ما إذا ألقت الريح ثوبًا ببيتك، أو دخل فيه جائع، والمراد بأدائها: إيصالها إليه بالتخلية بينه وبينه، فليست الأمانة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، من أنها ما لم يضمّنه ذو اليدين إذا لم يقصر.
وقال النووي: الظاهر أنَّ المراد بالأمانة التكليف الذي كلف الله به عباده، والعهد الذي أخذه الله عليهم، وهي التي في قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ﴾ [الأحزاب: ٧٢] الآية، وفي النهاية: الأمانة تقع على الطاعة، والعبادة، والوديعة، والثقة، والأمان.
وقال الفخر الرازي: قيل: هي التكاليف, سُمِّيَتْ أمانة؛ لأن من قصر فعليه الغرامة، ومن وفَّىстр. 2630
ولا تخن من خانك".
رواه أبو داود والترمذي من رواية شريك وقيس بن الربيع،
الحواشي
(١) فله الكرامة، وقيل: هي لا إله إلا الله، وهو بعيد، فالأكوان ناطقة بأن الله واحد، وقيل: هي الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي حفظها، والأذن كذلك، وبقية الأعضاء، وقيل: هي معرفة الله، ولما كانت النفوس نزاعة إلى الخيانة، رواغة عنه مضايق الأمانة، وربما تأوّلت جوازها مع من لم يلتزمها، أعقبه بقوله: "ولا تخن من خانك" أو لأنَّ الأول عام، والثاني في شيء خاص، فلا يقال: يستغني بالأول عن الثاني، أي: لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك فتكون مثله، وليس منها ما يأخذه الإنسان من مال من جحد حقه؛ إذ لا تعدي فيه، أو المراد: إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته وإن كان حسنًا، أي: جائزًا، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو، وادفع بالتي هي أحسن.
قال الطيبي: وهذا أحسن، وهذه مسألة خلافية، "لا تخن من خانك مطلقًا"، وهذا ظاهر الحديث: خن من خانك، قاله الشافعي، وهو مشهور. ومذهب مالك، وأجابوا عن ذا الحديث: بأنه لم يثبت أولًا، أتأخذ منه أزيد من حقك، أو هو إرشاد إلى الأكمل، كما مَرَّ، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] ، وبحديث هند، وهو قوله ﷺ : "خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف".
ثالثها: إن كان من ائتمنك عليه، من خانك فلا تخنه، وإن كان ليس في يدك، فخذ حقك منه، قاله مالك.
رابعها: إن كان من جنس حقك فخذ، وإلّا فلا، قاله أبو حنيفة.
قال ابن العربي: والصحيح جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه، أو غير جنسه إذا عدلت؛ لأن ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اطررت انتهى. وسبب الحديث، كما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده أن رجلًا زنى بامرأة آخر، ثم تمكَّن الآخر من زوجة الزاني، بأن تركها عنده وسافر، فاستشار النبي ﷺ في الأمر، فقال له، فذكره.
"رواه" البخاري في التاريخ، "وأبو داود، والترمذي" في البيوع، "من رواية شريك" بن عبد الله النخعي، الكوفي، قاضيها, صدوق, يخطئ كثيرًا، تغيّر حفظه منذ ولي القضاء، وكان عادلًا فاضلًا شديدًا على أهل البدع، مات سنة سبع، أو ثمان وسبعين ومائة، "وقيس بن الربيع" الأسدي الكوفي، ضعيف, تغيِّر لما كبر، وأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدَّث به، مات سنة بضع وستين ومائة، "كلاهما عن أبي صالح"، ذكوان السمان الزيات المدني، ثقة ثبت،стр. 2631
كلاهما عن أبي صالح والحارث من رواية الحسن، كلاهما عن أبي هريرة. وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرجه الدارمي في مسنده، والحاكم وقال: إنه صحيح على شرط مسلم، ولكن أعلّه ابن حزم وكذا ابن القطان والبيهقي. وقال أبو حاتم: إنه منكر، وقال الشافعي: إنه لي بثابت عند أهله. وقال أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبي ﷺ من وجه صحيح. قال شيخنا: لكن بانضمامها يقوى الحديث. انتهى.
وقوله: "الرضاع يغيّر الطباع،
الحواشي
(١) كان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة إحدى ومائة، "و" رواه "الحارث" بن أبي أسامة "من رواية الحسن" البصري، "كلاهما" يعني: أبا صالح والحسن، "عن أبي هريرة".
"وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وأخرج الدارميّ في مسنده، والحاكم، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم"؛ لأنه روى لشريك، "ولكن أعلّه ابن حزم، وكذا ابن القطان والبيهقي".
"وقال أبو حاتم: إنه منكر"، أي: ضعيف، "وقال الشافعي" الإمام: "إنه ليس بثابت"، أي: ضعيف "عند أهله"، أي: الحديث.
"وقال أحمد" الإمام: "هذا حديث باطل"، ولعله باعتبار ما وقف عليه، وإلّا فليس في رواته وضَّاع ولا كذَّاب, أو ليس مراده حقيقة البطلان، بل الضعف، بدليل قوله: "لا أعرفه عن النبي ﷺ من وجه صحيح"، وقال ابن ماجه: له طرق ستة كلها ضعيفة.
"قال شيخنا"، أي: السخاوي في المقاصد: "لكن بانضمامها يقوى الحديث، انتهى"؛ لأن تباين الطرق وكثرتها يفيد قوة، وأنّ للحديث أصلًا، وقد رواه الدارقطني والطبراني في الكبير والصغير، من حديث أنس ورجاله ثقات، وصحَّحه الضياء في المختارة، ورواه الطبراني في الكبير، وابن عساكر والبيهقي من حديث أبي أمامة بإسنادٍ ضعيف، والدارقطني عن أُبَيّ بن كعب بإسناد ضعيف، والطبراني أيضًا عن رجل من الصحابة، فحديث أبي هريرة لا يقصر عن درجة الحسن، وقد صحَّحَه ابن السكن.
"وقوله" ﷺ : "الرضاع"، أي: اللبن الذي يشربه الطفل من غير أمه، وحقيقته مَصّ الثدي، استُعْمِلَ في اللبن مجازًا، "يغيِّر الطباع"، أي: طبع الصبي عن لحوقه بطبع والديه إلى طبع مرضعته، لصغره ولطف مزاجه، فمراد الحديث: حث الوالدين على توخي مرضعة ظاهرة العنصر، زكية الأصل، ذات عقل ودين وخلق حسن، والطباع ما تركَّب في الإنسان من جميعстр. 2632
رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر.
وقوله ﵊: "لا إيمان لمن لا أمانة له, ولا دين لمن لا عهد
الحواشي
(١) الأخلاق التي لا يكاد يزاولها من خير وشر، كذا في النهاية.
وفي المصباح: الطبع -بالسكون: الجبلة التي خلق الإنسان عليها.
قال الديريني: والعادة جارية بأنَّ من ارتضع امرأة غلب عليه أخلاقها من خير وشر، ومن ثَمَّ لما دخل الشيخ أبو محمد الجويني بيته، ووجد ابنه الإمام أبا المعالي يرضع ثدي غير أمه اختطفه منها، ثم نكس رأسه ومسح بطنه، وأدخل أصبعه في فيه، ولم يزل يفعل كذلك حتى خرد ذلك اللبن, قائلًا: يسهل علي موته، ولا تفسد طباعه بشرب لبن غير أمه، ثم لما كبر الإمام كان إذا حصلت له كبوة في المناظر، يقول: هذه من بقايا تلك الرضعة، "رواه أبو الشيخ من حديث ابن عمر" بن الخطاب، والقضاعي، والديلمي، وابن لال عن ابن عباس، وادَّعى بعضهم أنه حديث حسن، وتعقَّب بأن فيه صالح بن عبد الجبار.
قال في الميزان: أتى بخبر متكبر جدًّا، وساق هذا الحديث، وفيه أيضًا عبد الملك بن مسلمة, مدني ضعيف.
"وقوله ﵊: "لا إيمان" كامل "لمن لا أمانة له" "، فالأمانة لب الإيمان، وهي منه بمنزلة القلب من البدن، وهي في العين، والسمع، واللسان، واليد، والرجل، والبطن، والفرج، فمتى ضيع جزء منها ضعف إيمانه بقدره، "ولا دين"، أي: لا خضوع، ولا انقياد لأوامر اله ونواهيه وأمانته، والعهد الذي وضعه الله بينه وبين عباده يوم إقرارهم بالربوبية في حمل أعباء الوفاء في جميع جوارحه، فمن استكمل الدين استوفى الجزاء، ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ﴾ ، "لمن لا عهد له"؛ لأنَّ الله إنما جعل المؤمن مؤمنًا ليأمن الخلق جَوْرَه، والله عدل لا يجور، وإنما عهد إليه؛ ليخضع له بذلك العهد فيأتمر بأموره، ذكره الحكيم والترمذي.
قال البيضاوي: هذا وأمثاله وعيد لا يراد به الوقوع، وإنما يقصد به الزجر والردع، ونفي الفضيلة والكمال دون الحقيقة في رفع الإيمان وإبطاله.
وقال المظهري: معنى: "لا دين لمن لا عهد له"، أنَّ من جرى بينه وبين أحد عهد، ثم غدر بلا غدر شرعي، فدينه ناقص, إما لعذر، كنقض الإمام المعاهدة مع الحربي لمصلحة, فجائز.
قال الطيبي: وفي الحديث إشكال؛ لأنَّ الدين والإيمان والإسلام أسماء مترادفة موضوعة، لمفهوم واحد في عرف الشرع، فلِمَ فرَّق بينها، وخص كل واحد منها بمعنى، وجوابه أنهما وإن اتفقا لفظًا، فقد اختلفا هنا معنًى؛ لأن الأمانة ومراعاتها إمَّا مع الله، فهي ما كُلِّفَ به من الطاعة، وتسمَّى أمانة؛ لأنه لازم الوجود، كما أنَّ الأمانة لازمة الأداء، وأمَّا مع الخلق فظاهر، وأن العهدстр. 2633
له". رواه أحمد وأبو يعلى في مسنديهما، والبيهقي في الشعب عن أنس.
وقوله: "النساء حبائل الشيطان". رواه في مسند الفردوس عن عقبة بن عامر.
وقوله ﵊: "حسن العهد من الإيمان" رواه الحاكم في مستدركه
الحواشي
(١) توثيقه، أما مع الله فاثنان: الأوَّل: ما أخذه على ذرية آدم في الأزل، وهو الإقرار بروبيته قبل خلق الأجساد، والثاني: ما أخذه عند هبوط آدم إلى الدنيا من متابعة هدى الله من الاعتصام بكتاب ينزله ورسول يرسله، وأما مع الخلق فظاهر أيضًا، فحينئذ ترجع الأمانة والعهد إلى طاعته تعالى بأداء حقوقه وحقوق عباده، كأنه: لا إيمان ولا دين لمن لا يفي بعهد الله بعد ميثاقه، ولا يؤدي أمانته بعد حملها، وهي التكاليف من أمر ونهي، "رواه أحمد، وأبو يعلى في مسنديهما والبيهقي في الشعب، عن أنس" قال الذهبي: وسنده قوي، وصحَّحه ابن حبان.
"وقوله" ﷺ : "الشباب شعبة من الجنون، و "النساء حبائل الشيطان"، أي: مصايده جمع حبالة -بالكسر، ما يصاد به من أيّ شيء كان, ويروى بهما، والرواية بالجمع أكثر، قاله السخاوي، والمراد: إن النساء آلات للشيطان يتوصَّل بهنَّ إلى إغواء الفسقة، فإنهم إذا رأوا النساء مالت قلوبهم إليهنَّ سيما المتبرجات، فالنساء له كالشبكة التي تصاد بها الوحوش النافرة، فأرشد ﷺ لكمال شفقته على أمته إلى الحذر من النظر إليهنّ، والقرب منهنّ، وكفَّ الخاطر عن الالتفات إليهنَّ باطنًا ما أمكن.
وقال في حديث: "اتقوا الدنيا والنساء"، فخصَّهنَّ لكونهن أعظم أسباب الهوى، وأشدّ آفات الدنيا، "رواه" الديلمي بتمامه "في مسند الفردوس" وكذا القضاعي، "عن عقبة بن عامر" الجهني، ورواه الديلمي أيضًا عن عبد الله بن عامر، وأبو نعيم عن عبد الرحمن بن عابس، وابن لال عن ابن مسعود، والخرائطي والتيمي عن زيد بن خالد، وهو حديث حسن، ولا ينافي قوله: "الشباب شبعة من الجنون" قول سفيان الثوري: يا معشر الشباب عليكم بقيام الليل، فإنما الخير في الشباب؛ لكونه محلًّا للقوة والنشاط غالبًا.
"وقوله ﵊: "حسن العهد"، قال السخاوي: ينصرف لغةً إلى وجوه؛ أحدها: الحفظ والمراعاة، وهو المراد هنا, "من الإيمان"، أي: من أخلاق أهله وخصائلهم، أو من شعب الإيمان، أو كماله، وأمَّا عهد الدخول في الإيمان فذاك الإيمان، وظاهر أيضًا أنه يسمَّى وفاء بالإيمان، ويكفيه مشرفًا ومدحًا، ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ ، "رواه الحاكم في مستدركه" في كتاب الإيمان، ومن طريقه الديلمي من حديث الصغاني، عن أبي عاصم قال: حدَّثنا صالح بن رستم عن ابن أبي مليكة، "عن عائشة، قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي، فقالстр. 2634
عن عائشة قالت: جاءت عجوز إلى النبي ﷺ وهو عندي فقال لها: "من أنت"؟ فقالت: جثامة المزينة, قال: "أنت حسانة، كيف أنتم، كيف حالكم، كيف كنتم بعدنا"؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي، فلمَّا خرجت قلت: يا رسول الله، تقبل على هذه العجوز هذا الاقبال؟ قال: "إنها كانت تأتينا زمن خديجة، وإن حسن العهد من الإيمان"، وقال: إنه صحيح على شرط الشيخين وليس له علة.
وقوله ﵊: "الخمر جماع الإثم".
الحواشي
(١) لها: "من أنت"؟ فقالت: جثامة المزنية"، قال في الإصابة: بجيم ومثلثة ثقيلة، أي: فألف، فميم, غَيِّر النبي ﷺ اسمها، و"قال: "أنت حسانة" "، بحاء وسين مهملتين، أي: وبعد الألف نون أ. هـ، فلم يصب من قال: هو من تمام إظهار الميل إليها والشفقة عليها، لا للشك في أنها هي أو غيرها؛ لأنه مبني على تصحيف أخبارها باسمها بالاسم الذي غَيِّرَه المصطفى دون مراجعة المنقول, "كيف أنتم؟ كيف حالكم؟ كيف كنتم بعدنا"؟ قالت: بخير بأبي أنت وأمي" يا رسول الله، "فلما خرجت قلت: يا رسول الله تقبل" بحذف همزة الاستفهام التقريري، أي: أتقبل "على هذه العجوز هذا الإقبال" الزائد، "قال: "إنها كانت تأتينا زمن خديجة"، فلنا بها معرفة قديمة، "وإن حسن العهد" الوفاء والحفظ، ورعاية الحرمة "من الإيمان" وقال" الحاكم: "إنه صحيح على شرط الشيخين، وليس له علة"، وأقرَّه الذهبي، وأخرجه ابن عبد البر من الطريق التي أخرجه الحاكم، وقال: هذا أصح من رواية من روى ذلك في ترجمة الحولاء بنت تويت، ثم رواه من طريق الكديمي، عن أبي عاصم، عن صالح بن رستم، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة، قالت: استأذنت الحولاء على رسول الله.. فذكره.
وقال: هكذا رواه الكديمي، والصواب: إن هذه القصة لحسَّانة المزنية كما تقدَّم، وتعقَّبه في الإصابة؛ بأنه لا يمتنع احتمال التعدد، كما لا يمتنع احتمال أنَّ حسَّانة اسمها, والحولاء وصفها، أو لقب لها، وقد اعترف أبو عمر؛ بأن الكديمي لم يقل: بنت تويت، فلم يصب في إيراده في ترجمة بنت تويت، ثم اعتراضه، وإنما هي أخرى أن ثبت السند, والعلم عند الله أ. هـ. وقول السخاوي يحتمل التعدد مع بعده لاتحاد الطريق فيه نظر, فليست متحدة؛ لأن طريق الحاكم وأبي عمر في أنها حسانة، ليس فيها الكديمي الذي سماها الحولاء، وإن توافقًا فيما فوقه، ولذا يستبعد شيخه في الإصابة احتمال التعدد.
"وقوله ﵊" فيما رواه الديلمي في حديثه عن عقبة: "الخمر جماع الإثم" بكسر الجيم والتخفيف، أي: مجمعه ومظنَّته، كما في النهاية، أي: شربها سبب لكل إثم؛ لحملها الشارب على مجاوزة الحدود، كما قال ﷺ : "الخمر أمّ الفواحش وأكبر الكبائر،стр. 2635
وقوله ﷺ : "جمال الرجل فصاحة لسانه".
رواه القضاعي من حديث الأوزاعي, والعسكري من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر، كلاهما عن محمد بن المنكدر، عن جابر مرفوعًا.
وأخرجه أيضًا الخطيب وابن طاهر، وفي إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي, والديلمي من حديث جابر رفعه: "الجمال صواب المقال،
الحواشي
(١) من شربها ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته" رواه الطبراني، وقال: "الخمر أم الخبائث" رواه القضاعي.
"وقوله ﷺ : "جمال الرجل فصاحة لسانه"، أي: قدرته على التكلُّم ببلاغة وفصاحة، بلا تلعثم ولا لكنة؛ لأنه يظهره ويميزه على غيره، فأطلق الجمال على الكمال مجازًا؛ إذ الجمال الحسن، والمراد هنا كونه من فصحاء المصاقع، الذين أوتوا سلاطة الألسن وبسطة المقال من غير تصنّع ولا ارتحال، فلا يناقضه خبر: إن الله يبغض البليغ من الرجال؛ لأنه فيما فيه تيه ومبالغة في التشدق والتفصح، وذا في خلقي صحبة اقتصاد وساسه العقل، ولم يرد به الاقتدار على القول إلى أن يصغِّر عظيمًا، أو يعظِّم صغيرًا، أو ينض الشيء، أي: يظهره وضده، كما يفعله أهل زماننا، ذكره ابن قتيبة، "رواه القضاعي من حديث الأوزاعي" عبد الرحمن بن عمر، والأوزاعي الفقيه الثقة الجليل, من رجال الستة، مات سنة سبع وخمسين ومائة، "والعسكري من حديث المنكدر بن محمد بن المنكدر" التيمي، "كلاهما" أي: الأوزاعي والمنكدر، "عن محمد بن المنكدر" بن عبد الله التيمي المدني، الثقة، أحد رجال الجميع، مات سنة ثلاثين ومائة، أو بعدها، "عن جابر" بن عبد الله "مرفوعًا، وأخرجه أيضًا الخطيب، وابن طاهر" محمد أبو الفضل بن طاهر بن علي المقدسي، الشيباني، الحافظ الكبير، الجوّال، روى عن خلائق بأربعين بلدًا أو أكثر، وعنه الديلمي وغيره.
قال ابن منده: كان أحد الحفّاظ، حسن الاعتقاد، جميل الطريقة، صدوقًا عالمًا بالصحيح والسقيم، كثير التصانيف، لازمًا للأثر، وقال غيره: ما كان له نظير، وكان ظاهريًّا يرى إباحة السماع، ونظر المرد، ولحنة, لا يحسن النحو، مات سنة ثمان وخمسمائة وله ستون سنة.
"وفي إسناده أحمد بن عبد الرحمن بن الجارود الرقي"، وهو كذّاب، ومن بلاياه هذا الخبر، قاله الخطيب، وقال ابن طاهر: كان يضع الحديث، "وللديلمي من حديث جابر، رفعه: "الجمال صواب المقال" من إضافة الصفة للموصوف، أي: القول الصواب، وكذا يقال في قوله: "والكمال حسن الفعال"، أي: الفعال الحسنة، "بالصدق"، أي: معه، وخصّ الجمالстр. 2636
والكمال حسن الفعال بالصدق".
وعند العسكري من حديث العباس, قلت: يا نبي الله, ما الجمال في الرجل؟ قال: "فصاحة لسانه".
وقوله ﵊: "منهومان لا يشبعان: طالب علم, وطالب دنيا".
الحواشي
(١) بالمقال لظهوره ظهورًا تامًّا للناس, بخلاف الكمال فأمر باطني، غالبًا لا يظهر إلا بالفعال، وفي رواية الحكيم الترمذي: "الجمال صواب القول بالحق"، وباقيه سواء، "وعند العسكري من حديث العباس قلت: يا نبي الله, ما الجمال في الرجل؟ قال: "فصاحة لسانه" الخلقية بلا تكلف"، وفي إسناده محمد بن زكريا الغلابي، وهو ضعيف جدًّا.
وروى الحاكم في المستدرك، عن علي بن الحسين، قال: أقبل العباس إلى رسول الله ﷺ وعليه حلتان، وله ضفيرتان، وهو أبيض، فلمَّا رآه تبسَّم، فقال: يا رسول الله, ما أضحكك أضحك الله سنك، فقال: "أعجبني جمال عم النبي ﷺ "، قال العباس: ما الجمال؟ قال: "اللسان"، وهو مرسل.
قال ابن طاهر: وإسناده مجهول، وروى العسكري عن ابن عمر: مَرَّ عمر بقوم يرمون، فقال: بئسما رميتم، فقالوا: إنا متعلمين، فقال عمر: لذنبكم في لحنكم أشد علي من ذنبكم في رميكم، سمعت النبي ﷺ يقول: "رحم الله أمرأ أصلح من لسانه".
"قوله ﵊: "منهومان" " تثنية منهوم، ومن نهم بالبناء للمفعول إذا أولع بالشيء واشتدَّ حرصه عليه، أي: اثنان مولعان لا يكتفيان بما يصل إليهما، فشبَّه عدم اكتفائهما بالجوع، فقال: "لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنا"، بخلاف المنهوم في شهوة الطعام، وهو المعروف بهذا الوصف، فإنه قد يشبع.
قال في النهاية: النهمة شدة الحرص على الشيء، ومنه النهم من الجوع.
قال الطيبي: إن ذهب في الحديث إلى الأصل كان لا يشبعان استعارة، لعدم انتهاء حرصهما، وإن ذهب إلى الفرع كان تشبيهًا، جعل إفراد المنهوم ثلاثة: أحدها المعروف، وهو المنهوم من الجوع، والآخرين العلم والدنيا، وجعلهما أبلغ من المتعارف، ولعمري أنه كذلك، وإن كان المحمود منهما هو العلم، ومن ثَمَّ أمر الله رسوله بقوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ ، ويعضده قول ابن مسعود: ولا يستويان إلخ ...
وقال الراغب: النهم بالعلم استعارة، وهو أن يحمل على نفسه ما تقصر قواها عنه فينبت، والمنبت لا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى، "رواه الطبراني في الكبير، والقضاعي عن ابن مسعود،стр. 2637
رواه الطبراني في الكبير, والقضاعي عن ابن مسعود رفعه، وهو عند البيهقي في المدخل, عن القاسم قال: قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان: طالب العلم وصاحب الدنيا. ولا يستويان، أمَّا صاحب الدنيا فيتمادى في الطغيان، وأمَّا صاحب العلم فيزداد من رضا الرحمن. وقال: إنه موقوف منقطع. وكذا رواه البزار والعسكري
الحواشي
(١) رفعه" بهذا اللفظ، "وهو عند البيهقي في المدخل عن القاسم" بن محمد موقوفًا، فإنه "قال: قال ابن مسعود: منهومان لا يشبعان، طالب العلم وصاحب الدنيا"، عبَّر بصاحب إشارة إلى شدة رغبته فيها.
قال الماوردي: وفيه تنبيه على أنَّ العلم يقتضي ما بقي منه، ويستدعي ما تأخَّر عنه، وليس للراغب فيه قناعة ببعضه، "ولا يستويان، أمّا صاحب الدنيا" الراغب فيها، المبالغ في الانهماك عليها، "فيتمادى في الطغيان، وأما صاحب العلم: فيزداد من رضا الرحمن"، والمعنى: إن من شأن صاحب الدنيا الازدياد فيما يبعده عن القرب من الله، ويوجب سخطه عليه، ومن شأن طالب العلم السعي فيما يقربه من رضا الله بالطاعة والإخلاص.
قال الغزالي: اجتمع في الإنسان أربعة أوصاف، سبعية وبهيمية وشيطانية وربانية، فهو من حيث سلط عليه الغضب يتعاطي أفعال السباع, بنحو: ضرب وشتم وبغضاء، ومن حيث الشهوة: يتعاطى أفعال البهائم كشره وحرص وشبق، من حيث سلط عليه السعي من الفتن، وأسباب الفساد يتعاطى أفعال الشيطان، ومن حيث إنه في نفسه أمر رباني، كما قال تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: ٨٥] ، يدعي لنفسه الربوبية, ويحب الاستيلاء والاستعلاء، والتخصيص، والاستبداد بالأمور، والتفرد بالربانية، والانسلال عن ربقة العبودية، ويشتهي الاطلاع على العلوم كلها، ويدَّعي لنفسه العلم والمعرفة والإحاطة بحقائق الأمور، ويفرح إذا نسب إلى العلم، وهو حريص على ذلك لا يشبع.
"وقال" البيهقي: "إنه موقوف منقطع"، ويمكن أنّ ابن مسعود كان يحدث به مرفوعًا، إذا لم يزد عليه شيئًا، وإذا زاد عليه قوله: ولا يستويان إلخ ... حدَّث به موقوفًا عليه، "وكذا رواه" أي: الحديث، لا بقيد صحابيه، "البزار" من حديث ليث، عن طاوس أو مجاهد، عن ابن عباس رفعه بلفظ: "منهومان لا يشبعان: طالب عالم وطالب دنيا".
قال البزار: لا أعلمه، يروى من وجه أحسن من هذا، "والعسكري" من حديث ليث عن طاوس، ولم يشك في مجاهد، عن ابن عباس، أحسبه مرفوعًا: "منهومان لا يقضي واحد منهما نهمته: منهوم في طلب العلم، ومنهوم في طلب الدنيا"، وللعسكري عن أبي سعيد رفعه: "لن يشبعстр. 2638
وغيرهما وبمجموعها يتقوَّى، وإن كانت مفراداته ضعيفة فيكون حسنًا، والله أعلم.
وقوله ﵊: "لا فقر أشدَّ من الجهل، ولا مال أعزَّ من العقل، ولا وحشة أشد من العجب". رواه ابن ماجه.
وقوله ﵊: "الذنب لا ينسى، والبر لا يبلى،
الحواشي
(١) المؤمن خير يسمعه حتى يكون منتهاه الجنة"، "وغيرهما" كابن عدي، والقضاعي، والبيهقي عن أنس بلفظ الترجمة، وفي الباب ابن عمر، وأبو هريرة، "وبمجموعها يتقوّى" الحديث، "وإن كانت مفرداته ضعيفة، فيكون حسنًا" لغيره، "والله أعلم" بالواقع.
"وقوله ﵊: "لا فقر"، أي: لا احتياج في شيء يهتم بدفعه، والتخلّص منه "أشد من الجهل"؛ لأنه المواقع في مهالك الدنيا، والأخرى، فهو أقوى شيء يتخلص منه، فاستعمل الفقر الذي هو قلة المال في لازم معناه وهو الاحتياج؛ لاحتياجه للناس في كل مسألة, وللتخلص منه، "ولا مال"، أي: لا غنى عن الناس، "أعز من العقل"؛ لأنه المرشد إلى كل كمال، والموصِّل إلى كل خير ونول؛ إذ به يدبِّر صاحبه ما لا يدبّر ذو المال، فاستعمل في لازم معناه أيضًا، "ولا وحشة"، أي: لا انقطاع، ولا بعد للقلوب من المودة "أشد من العجب"؛، لحمله صاحبه على احتقار الغير، والتلبُّس بكل خطر وضير، فلا يألف أحدًا يستأنس به؛ لأنه يراهم أقلّ منه، فهو دائمًا في وحشة وحرمان، وإن كان في غاية القرب والمخالطة بمن يتصوّرهم ظاهرًا بصورة الإخوان، "رواه ابن ماجه".
"وقوله ﵊: "الذنب"، أي: الإثم، بمعنى المؤثم، أي: ما يحصل به لوم، أو إثم على فاعله "لا ينسى"، بل هو محفوظ في صحف الملائكة، ولابُدَّ أن يجازي عليه، إن لم يحصل عفو، ﴿لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى﴾ ، ونَبَّه به على شيء دقيق، يغلط الناس فيه كثيرًا، وهو أنهم لا يرون تأثير الذنب، فينساه الواحد منهم، ويظنّ أنه لا يضره ذلك، وأنه كما قال:
إذا لم يغبر حائط في وقوعه ... فليس له بعد الوقوع غبار
قال ابن القيم: وسبحان الله! ما أهلكت هذه البلية من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة، وما أكثر المغترِّين بها من العلماء، فضلًا عن الجهّال، ولم يعلم المغترّ أن الذنب ينقض ولو بعد حين، كما ينقض السم والجرح المندمل على دغل.
"والبر" بالكسر- الخير والفضل "لا يبلى"، أي: لا ينقطع ثوابه ولا يضيع، بل هو باقٍ عند الله تعالى، وقيل: أراد الإحسان, وفعل الخير لا يبلى ثناؤه، وذكره في الدنيا والآخرة، فهو بمنزلة الثوب الجديد، الذي لا يفنى ولا يتغير، "والدَّيَّان لا يموت"، بل هو سبحانه حي باقٍ، عالمстр. 2639
والديان لا يموت، فكن كما شئت". رواه في مسند الفردوس عن ابن عمر.
وقوله ﵊: "ما جمع شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم".
رواه العسكري في الأمثال من حديث جعفر بن محمد عن أبيه عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي زين العابدين مرفوعًا بزيادة: "وأفضل الإيمان التحبُّب إلى الناس، ثلاث من لم تكن فيه فليس مني ولا من الله، حلم يرد به جهل الجاهل،
الحواشي
(١) بأحوال عباده، فيجازيهم عليها، وإذا علمت هذا، "فكن كما شئت"، من أحوال وأفعال خير أو شر، فإن الديَّان يجازيك عليه، ففيه وعيد وتهديد شديد، وفيه جواز إطلاق الديَّان على الله لو صحَّ الخبر، وفي رواية عبد الرزاق وغيره: "اعمل ما شئت، كما تدين تدان"، أي: كما تجازي تجازى، يقال: دنته بما صنع، أي: جزيته، ذكره الديلمي، ومن مواعظ الحكماء: عباد الله الحذر الحذر، فوالله لقد ستر حتى كأنه غفر، ولقد أمهل حتى كأنه أهمل، "رواه" الديلمي "في مسند الفردوس"، وأبو نعيم "عن ابن عمر" بن الخطاب، وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري, ضعيف، وقد رواه عبد الرزاق في جامعه، والبيهقي في الزهد, وفي الأسماء والصفات له عن أبي قلابة، رفعه مرسلًا: "البر لا يبلى ... " إلخ، ووصله أحمد في الزهد، فرواه عن أبي قلابة، عن أبي الدرداء من قوله، لكنه منقطع مع وقفه، وللديلمي عن أنس رفعه: "الذنب شؤم على غير فاعله, إن عيره ابتلي، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه".
"وقوله ﵊: "ما جمع شيء إلى شيء أحسن"، وفي رواية: أفضل "من حلم إلى علم"؛ إذ باجتماعهما تحصل الكمالات والنجاة من الوقوع في المهلكات، "رواه العسكري في الأمثال، من حديث جعفر بن محمد"، أبي عبد الله، المعروف بالصادق، فقيه صدوق، إمام، روى له مسلم، وأصحاب السنن، والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمان وأربعين ومائة، "عن أبيه" محمد بن علي أبي جعفر الباقر، ثقة فاضل، مات سنة بضع عشرة ومائة، "عن" أبيه "علي بن الحسين" بن علي بن أبي طالب الهاشمي، ثقة ثبت، عابد فقيه، فاضل مشهور.
قال الزهري: ما رأيت قرشيًّا أفضل منه، مات سنة ثلاث وتسعين، وقيل: غير ذلك، "عن أبيه" الحسين، سبط المصطفى، "عن" أبيه "علي زين العابدين" أمير المؤمنين، "مرفوعًا بزيادة: "وأفضل الإيمان التحبب إلى الناس" بالبشر وطلاقة الوجه، والإحسان والتجاوز، ونحو ذلك، "ثلاث من لم تكن فيه فليس مني"، أي: متصلًا بي، "ولا من الله, حلم يَرُدّ به جهل الجاهل، وحسن خلق" -بالضم- "يعيش به في الناس، وورع يحجزه" -بضم الجيم- يكفه ويمنعه "عنстр. 2640
وحسن خلق يعيش به في الناس، وورع يحجزه عن معاصي الله".
وعنده أيضًا من حديث جابر مرفوعًا: "ما أوى شيء إلى شيء أحسن من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان إلى الحلم".
وقوله ﵊: "التمسوا الرزق في خبايا الأرض".
رواه في جزء ب ي ب ي عن ابن أبي شريح
الحواشي
(١) معاصي الله"، وقد أخرج الحديث مختصرًا بدون الزيادة الطبرانيُّ في الأوسط, عن علي من الطريق المذكورة.
قال الحافظ الهيثمي: وهو من رواية حفص بن بشر عن حسن بن حسين بن زيد العلوي، عن أبيه، ولم أر أحدًا ذكر أحدًا منهم، أي: بتعديل ولا تجريح، "وعنده"، أي: العسكري "أيضًا من حديث جابر مرفوعًا: "ما أوى"، أي: قام "شيء إلى شيء أحسن"، لفظ المقاصد عن رواية العسكري، هذه أفضل "من حلم إلى علم، وصاحب العلم غرثان" -بفتح المعجمة، وسكون الراء، ومثلثة- جائع، أي: محتاج "إلى الحلم"؛ إذ به يقام العلم، ولأبي الشيخ عن أبي أمامة مرفوعًا: "ما أضيف شيء إلى شيء أفضل من حلم إلى علم".
"وقوله ﵊: "التمسوا"، أي: اطلبوا، "الرزق في خبايا الأرض"، جمع خبية، كخطية وخطايا، أي: اطلبوه في الحرث بنحو زرع وغرس، فإن الأرض تخرج ما فيها مخبًا من النبات، الذي به قوام الحيوان، فأرشد إلى طلب الرزق فيها؛ لأنه أقرب شيء إلى التوكّل وأبعده من الحول والقوة، فإن الزارع إذا أثار الأرض وتقاها، وقام عليها، ودفن فيها الحَبّ، تبرَّأ من حوله وقوته، ونفذت حيلته، فلا يرى لنفسه حيلة في إنباته وخروجه، بل ينظر إلى القضاء والقدر، ويرجو ربَّه دون غيره في إرسال السماء، ورفع الآفة مما لا حيلة لمخلوق فيه، ولا يقدر عليه إلّا الله، "رواه في جزء ب ي ب ي"، كذا بخط المصنف، مقطّع الحروف -بموحدة مكسورة، بعدها تحتانية ساكنة- ثم مثلهما، وهي بنت عبد الصمد بن علي بن محمد الهرثمية، وجزؤها من عوالي الأجراء، "عن ابن أبي شريح"، كذا وقع للمصنف، ولا ذكر له في الجزء المذكور، فلفظها.
حدَّثنا عبد الرحمن بن أحمد الأنصاري، أخبرنا عبد الله بن محمد البغوي، حدَّثنا مصعب بن ثابت، حدَّثني هشام بن عبد الله المخزومي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة: أنَّ رسول الله ﷺ ، قال: "التمسوا الرزق في خبايا الأرض"، وقد أبعد المصنف النجعة، وأغرب بالعز، ولغير الحفّاظ المشاهير، فهذا الحديث أخرجه أبو يعلى، والطبراني، والبيهقي، كلّهم من طريق هشام المخزومي، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بلفظ: "اطلبوا الرزق في خباياстр. 2641
والمراد الزرع، وأنشدوا:
تنبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
وقوله ﵊: "كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل, وعدّ نفسك من أهل القبور"
الحواشي
(١) الأرض"، وضعَّفه البيهقي وغيره، "والمراد: الزرع"، كما قاله عروة بن الزبير وغيره، وقيل: المراد استخراج الجواهر والمعادن من الأرض، "وأنشدوا" استشهادًا على أن المراد الزرع.
قال السخاوي: قال عروة بن الزبير: عليكم بالزرع، وكان يتمثّل بهذه الأبيات:
لعل الذي أعطى العزيز بقدرة ... وذا حسب أعطى وقد كان زردقا
سيؤتيك ماء واسعًا ذا قرارة ... إذا ما مياه الناس غاضت تدفقا
تنبع خبايا الأرض وادع مليكها ... لعلك يومًا أن تجاب فترزقا
"وقوله ﵊: "كن في الدنيا كأنك غريب"، قدم بلدًا لا مسكن له فيها يأويه، ولا سكن يسكنه، خالٍ من الأهل والعيال، والعلائق التي هي سبب الاشتغال عن الخالق، "أو عابر سبيل".
قال الطيبي: ليست أو للشك للتخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى بل، فشبَّه الناسك السالك بالغريب الذي لا مسكن له يأويه، ثم ترقى، وأضرب عنه إلى عابر السبيل؛ لأن الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر البيل القاصد لبلد شائع، وبينهما أودية مردوية، ومفاوز مهلكة، وقطاع طريق، فإن من شأنه أن لا يقيم لحظة، ولا يسكن لمحة، ومن ثَمَّ عقبة بقوله: "وعد نفسك من أهل القبور"، أي: استمرّ سائرًا ولا تفتر، فإنك إن فترت انقطعت وهلكت في تلك الأودية.
وقال ابن بطال: لما كان الغريب قليل الانبساط إلى الناس، بل هو مستوحش منهم؛ إذ لا يكاد يمر بمن يعرفه يتأنس به، فهو ذليل في نفسه خائف، وكذلك عابر السبيل، لا ينفذ في سفره إلّا بقوة عليه، وتخفيفه من الأثقال، غير متشبث بما يمنعه من قطعه سفره, معه زاده وراحلته يبلغانه إلى بغيته, من قصده شبهه بهما، وفيه إشارة إلى الزهد في الدنيا, وأخذ البلغة منها والكفاف، فكما لا يحتاج المسافر إلى أكثر مما يبلغه إلى غاية سفره، فكذلك لا يحتاج المؤمن في الدنيا أكثر مما يبلغه المحل.
وقال غيره: هذا الحديث أصل في الحث على الفراغ عن الدنيا، والزهد فيها، والاحتقار لها، والقناعة فيها بالبلغة.стр. 2642
رواه البيهقي في الشعب, والعسكري من حديث ابن عمر مرفوعًا في حديث. وأخرجه البخاري والترمذي وغيرهم.
وقوله ﵊: "صنائع المعروف تقي مصارع السوء،
الحواشي
(١) وقال النووي: معنى الحديث: لا تركن إلى الدنيا، ولا تتخذها وطنًا، ولا تحدّث نفسك بالبقاء فيها, ولا تتعلق منها بما لا يتعلق الغريب به في غير وطنه. وقال غيره: عابر السبيل هو المارّ على الطريق طالبًا وطنه، والمرء في الدنيا كعبد أرسله سيده في حاجته إلى غير بلده، فشأنه أن يبادر بفعل ما أُرْسِلَ فيه، ثم يعود، ولا يتعلّق بشيء غير ما هو فيه، وقال غيره: المراد أن يُنْزِلَ المؤمن نفسه في الدنيا منزلة الغريب، فلا يعلق قلبه بشيء من بلد الغربة، بل قلبه متعلق بوطنه الذي يرجع إليه، ويجعل إقامته في الدنيا ليقضي حاجته, وجهازه للرجوع إلى وطنه، وهذا شأن الغريب، أو يكون كالمسافر لا يستقر في مكان بعينه، بل هو دائم السير إلى بلد الإقامة، واستشكل عطف عابر السبيل على الغريب، وتقدَّم جواب الطيبي، وأجاب الكرماني: بأنه من عطف العام على الخاص، وفيه نوع من الترقي؛ لأن تعلقاته أقل من تعلقات الغريب المقيم، "رواه البيهقي في الشعب، والعسكري من حديث ابن عمر مرفوعًا في" جملة "حديث، وأخرجه البخاري" في كتاب الرقاق عن ابن عمر، قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي، فقال: "كن في الدنيا كأنَّك غريب أو عابر سبيل"، وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك، "والترمذي" بمثل رواية البخاري، إلّا أنه قدَّم جملة: وإذا أصبحت، وقال: ومن حياتك قبل موتك، فإنك لا تدري يا عبد الله ما اسمك غدًا، أي: هل يقال لك شقي أو سعيد، ولم يرد اسمه الخاص به؛ لأنه لا يتغير، وقيل: المراد هل يقال حي أو ميت، "وغيرهم"، كأبي داود، وابن ماجه وأحمد.
"وقوله ﵊: "صنائع"، جمع صنيعة، وهي العطية، والكرامة، والإحسان، "المعروف" اسم جامع لكل ما عرف من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه من المحسنات والمقبحات، أي: والحسنات والسيئات، وهو من الصفات الغالبة، أي: أمر معروف بين الناس؛ إذ رأوه لا ينكروه، والمعروف النصفة، وحسن الصحبة مع الأهل وغيرهم، والمنكر ضد ذلك جميعه، قاله في النهاية، فالإضافة بيانية، أي: العطايا التي هي مطلوبة شرعًا، معروفة بين الناس، "تقي مصارع السوء"، أي: تكون سببًا لوقايته، فالإسناد مجازي، والصرع في الأصل الطرح على الأرض، لكنه استعمل هذا في مطلق الوصول تجريدًا، وهذا تنويه عظيم بفضل المعروف وأهله.стр. 2643
وصدقة السر تطفئ غضب الرب، وصلة الرحم تزيد في العمر"، أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن.
الحواشي
(١) قال علي ﵁: لا يزهدنَّك في المعروف كفر من كفر، فقد يشكر الشاكر إضعاف جحود الكافر.
قال الماوردي: فينبغي لمن أراد إسداء المعروف أن يجعله حذرًا من فوته، ويبادر به خيفة عجزه، ويعتقد أنه من فرص زمانه وغنائم إمكانه، ولا يمهله ثقة بالقدرة عليه، فكم من واثق بقدرة فاتت، فأعقبت ندمًا، ومعوّل على مكنة زالت، فأورثت خجلًا، ولو فطن لنوائب دهره، وتحفَّظ من عواقب فكره، لكانت مغارمه مدحورة، ومغانمه محبورة. وقيل: من أضاع الفرصة عن وقتها فليكن على ثقة من فوتها، "وصدقة السر"، أي: فيه، وهو ما لم يطَّلع عليه إلا الله، وفي رواية: والصدقة خفيًا "تطفئ غضب الرب".
قال الطيبي: يمكن حمله على المنع من إنزال المكروه في الدنيا، ووخامة العاقبة في العقبى من إطلاق السبب على المسبب، فإنه نفى الغضب، وأراده الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن في العقبى.
قال ابن العربي: وهو الموفِّق عبدَه لما تصدَّق به، فهو المطفئ غضبه بما وفق عبده، وقال بعضهم: معنى الحديث: الحث على إخفاء الصدقة؛ لأنه دليل على إخلاصه لمشاهدته ربه، وهي درجة الإحسان، وفي القرآن: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦] ، فبنور الإخلاص، ورحمة الإحسان إطفاء نار الغضب، وفي رواية: "وصدقة العلانية تقي ميتة السوء"، وفي الترمذي، وقال: حسن غريب, من حديث أنس: "إن الصدقة لتطفئ غضب الرب، وتدفع ميتة السوء"، "وصلة الرحم" القرابة، بالتعهد والمراعاة والمواساة، ونحو ذلك "تزيد في العمر" بالبركة فيه، حتى يحصل منه في الزمن اليسير طاعات لا تحصل من غيره في الزمن الكثير، أو حقيقة بأن يزاد فيه على ما كتب في صحف الملائكة، والأُول أَوْلَى؛ إذ هذا ليس زيادة حقيقة؛ إذ علم الله يتعلق بكونه يصل ويمد له عمره، "أخرجه الطبراني في الكبير بسند حسن" عن أبي أمامة، ورواه في الأوسط عن أم سلمة بزيادة: "وكل معروف صدقة، وأهل المعروف في الدنيا أهل المعروف في الآخرة، وأهل المنكر في الدنيا أهل المنكر في الآخرة، وأول من يدخل الجنة أهل المعروف"، قال السخاوي: وسنده ضعيف، قال الماوردي: وللمعروف شروط لا يتم إلّا بها، ولا يكمل إلّا معها، فمنها: ستره عن إذاعته، وإخفاؤه عن إشاعته.
قال بعض الحكماء: إذا اصطنعت المعروف فاستره، وإذا صنع معك فانشره، لما جبلت عليه النفس من إظهار ما أخفي، وإعلان ما كتم، ومنها تصغيره بالنسبة لنعم الله عليه، وإن كانстр. 2644
وقوله ﵊: "العفو لا يزيد العبد إلا عزًّا، والتواضع لا يزيده إلا رفعه, وما نقص مال من صدقة".
وروى مسلم: "ما نقضت صدقة من مال، وما زاد الله عبدًا بعفوٍ إلا عزًّا،
الحواشي
(١) عظيمًا.
قال العباس: لا يتمّ المعروف إلّا بتعجيله وتصغيره وستره، ومنها: ترك الامتنان به, والإعجاب بفعله، لما فيهما من إسقاط الشكر وإحباط الأجر، ومنها: أن لا يحتقر منه شيئًا وإن قلَّ إذا عجز عن الكثير.
"وقوله ﵊: " العفو": التجاوز من الشخص عن عقوبة ثبتت له على غيره، وقدر على مؤاخذته، وتركها لله سبحانه، لا لغرض آخر "لا يزيد العبد إلّا عزًّا"، أي: رفعة عند الله في الدنيا، فإن من عُرِفَ بالعفو والصفح عَظُمَ في القلوب، أو في الآخرة، بأن يعظم ثوابه، أو فيهما، ثم محل حمد العفو إن لم يطغ الجاني، وإلّا فالأولى عدمه زجرًا، "والتواضع" خفض الجناح والخشوع والذلة، "لا يزيده" عند الله وعند خلقه "إلا رفعة" إذا كان حقيقيًّا، أما من أظهر صورته، معتقدًا عظمة نفسه، فهو بالتكبر أشبه، "وما نقص مال" نقصًا يعود على صاحبه منه ضرر، "من" أجل "صدقة" بل قد يبارك له فيه بسببها، فيربح، فيزيد ماله حسًّا، أو يحصل له رفق، فيسد القليل مسد الكثير.
قال القرطبي: فيه وجهان: أحدهما: إنه بقدر ما ينقص منه يزيد الله فيه وينميه ويكثره، والثاني: إنه وإن نقص في نفسه، ففي الأجر والثواب ما يجبر ذلك النقص بإضعافه، "وروى مسلم"، والترمذي، وأحمد عن أبي هريرة رفعه: "ما نقصت صدقة من مال".
قال الطيبي: يحتمل أنَّ من زائدة، أي: ما نقصت صدقة مالًا، وأنها صلة لنقصت، والمفعول الأول محذوف، أي: ما نقصت شيئًا من مال في الدنيا بالبركة فيه، ودفع المفسدات عنه, والإخلاف عليه بما هو أجدى وأنفع، وأكثر وأطيب، ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ، أو في الآخرة بإجزال الأجر، وتضعيفه أو فيهما، وذلك جابر لإضعاف ذلك النقص، بل وقع لبعض الكمّل أنه تصدَّق من ماله، فلم يجد فيه نقصًا.
قال الفاكهاني: أخبرني من أثق به أنَّه تصدق من عشرين درهمًا بدرهم، فوزنها، فلم تنقص، قال: وأنَّا لي. وقول الكلاباذي: يراد بالصدقة الفرض، وبإخراجها ما لم ينقص ماله بعده لا يخفى، "وما زاد الله عبدًا بعفوٍ"، أي: بسبب عفوه، أي: تجاوزه "إلا عزًّا" في الدنيا، بعظمته في القلوب، وفي الآخرة تعظم ثوابه، "وما تواضع أحد لله"، من المؤمنين رقًّا وعبودية،стр. 2645
وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله".
وروى القضاعي عن أبي سلمة عن أم سلمة مرفوعًا: "ما نقص مال من صدقة, ولا عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله تعالى بها عزًّا".
وروى الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "والذي نفس محمد بيده, لا ينقص مال من صدقة". ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح.
الحواشي
(١) في الائتمار بأمره، والانتهاء عن نهيه, ومشاهدته لحقارة نفسه، ونفي العجب عنها "إلا رفعه الله" في الدنيا؛ بأن يثبت له في القلوب بتواضعه منزلة عند الناس، ويُجِلّ مكانه، وكذا في الآخرة على سرير خلد لا يفنى، ومنبر ملك لا يبلى، ومن تواضع لله في تحمُّل مؤن خلقه، كفاه الله مؤنة ما يرفعه إلى هذا المقام، ومن تواضع في قبول الحق مِمَّن دونه، قبل الله منه مدحور طاعته، وقليل حسناته، وزاد في رفعة درجاته، وحفظه بمعقبات رحمته من بين يديه ومن خلفه.
قال القرطبي: التواضع: الانكسار والتذلل، ونقيضه الكبر والترفّع، والتواضع يقتضي متواضعًا له، وهو الله، أو من أمر بالتواضع له، كالرسول، والإمام، والحاكم، والعالم، والوالد، فهو التواضع الواجب المحدود، الذي يرفع الله به صاحبه في الدنيا والآخرة، وأمَّا التواضع لسائر الخلق فالأصل أنه محمود، ومندوب إليه, ومرغَّب فيه، إذا قُصِدَ به وجه الله، ومن كان كذلك رفع الله قدره في القلوب، وطيِّبَ ذكره في الأفواه، ورفع درجته في الآخرة، وأمَّا التواضع لأهل الدنيا، ولأهل الظلم، فذلك هو الذل الذي لا عِزَّ معه، والخِسَّة التي لا رفعة معها، بل يترتب عليها ذلّ الآخرة، وكل صفقة خاسرة. وقال غيره: من جبلة الإنسان الشح بالمال، ومتابعة السبعية من إيثار الغضب والانتقام، والاسترسال في الكبر، الذي هو من نتائج الشيطنة، فأراد ﷺ أن يقلعها من شحها، فحثَّ أولًا: على الصدقة؛ ليتحلَّى بالسخاء والكرم، وثانيًا: على العفو؛ ليعزز بعز الحلم والوقار، وثالثًا: على التواضع؛ ليرفع درجاته في الدارين.
"وروى القضاعي عن أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف الزهري المدني، قيل: اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل، وقيل: اسمه كنيته, عن أبيه, وعثمان وأم سلمة وغيرهم، ثقة مكثر, من رجال الجميع، وُلِدَ سنة بضع وعشرين، ومات سنة أربع وتسعين، أو أربع ومائة، "عن أم سلمة" هند بنت أبي أمية القرشية، المخزومية، أم المؤمنين "مرفوعًا: "ما نقص مال من صدقة"، بل يزد دنيا وأخرى، "ولا عفا رجل"، وصف طردي لقوله: قبل عبد "عن مظلمة إلّا زاده الله تعالى بها عزًّا" في الدارين، "وروى الديلمي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "والذي نفس محمد بيده"، أقسم تقويةً وتأكيدًا "لا ينقص مال من صدقة"، ورواه الترمذي، وقال: حسن صحيح، وقوله ﵊: "اللهم" -بالميم بدل ياء النداء- ولذا لا يجمعان إلّا شذوذًا، قيل:стр. 2646
وقوله ﵊: "اللهم إني أعوذ بك من شَرِّ سمعي، ومن شَرِّ بصري، ومن شَرِّ لساني، ومن شَرِّ قلبي ومن شَرِّ مَنِيّي". أخرجه أبو داود في جامعه, والحاكم في مستدركه عن شكل.
وقوله ﷺ : "اللهم إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى
الحواشي
(١) وهذه الميم، كالواو في الدلالة على الجمع, كأنه قيل: يا من اجتمعت له الأسماء الحسنى. قال الحسن البصري: اللهمَّ مجتمع الدعاء. وقال النضر بن شميل: من قال: اللهم، فقد سأل الله بجميع أسمائه، "إني أعوذ بك من شر سمعي، ومن شر بصري" فلا أسمع، ولا أبصر بهما ما يسخطك علي، "ومن شر لساني"، أي: نطقي، فإن أكثر الخطايا منه، وهو الذي يورد المرء في المهالك، وخصَّ الثلاثة؛ لأنها مناط الشهوة، ومثار اللذة، "ومن شر قلبي"، أي: نفسي، فإنها مجمع الشهوات والمفاسد لحبِّ الدنيا، والرهبة من الخلق، وخوف فوت الرزق، والأمراض القلبية من نحو: حسد وحقد وطلب رفعة، وغير ذلك، "ومن شر منيي"، أي: شدة الغلمة، وسطوة الشهوة إلى الجماع الذي إذا أفرط ربما أوقع في الزنا، أو مقدماته لا محالة، فهو حقيق بالاستعاذة من شرِّه، وخَصَّ هذه الأشياء بالاستعاذة؛ لأنها أصل كل شر وقاعدته ومنبعه، "أخرجه أبو داود في جامعه"، أي: سننه، وكذا الترمذي والنسائي خلافًا لإيهام المصنف، "والحاكم في مستدركه عن شكل" -بفتح المعجمة، والكاف- ابن حميد العبسي -بالموحدة- صحابي، نزل الكوفة, حديثه في الكوفيين، روى أصحاب السنن من طريق بلال بن يحيى العبسي، عن شتير -بمعجمة وفوقية- مصغر, عن أبيه، شكل ابن حميد قال: قلت: يا رسول الله, علمني دعاء، وفي رواية الترمذي: تعوذًا أتعوَّذ به، فأخذ بكفِّي، فقال: قل ... ، فذكره.
قال البغوي: ولا أعلم له غير هذا الحديث، ولم يرو عنه إلّا ابنه.
قال الترمذي: حسن غريب, قال في الإصابة: وأشكل له رواية عن علي.
"وقوله ﷺ : "اللهم"، الميم عوض عن الياء، ولذا لا يجتمعان، وقيل: أصله: يا الله أمنَّا بخير, فخفف بحذف حرف النداء والميم، دلّت على الجملة المحذوفة.
قال ابن الأثير: وهي ثلاثة أنحاء: النداء المحض، والثاني يذكره المجيب، تمكينًا للجواب في نفس السائل، يقول لك القائل: أزيد قائم، فتقول: اللهمَّ نعم أولًا، والثالث: يستعمل دليلًا على الندوة، وقلة وقوع المذكور، كقولك: أنا لا أزورك، اللهمَّ إذا لم تدعني, "إني أعوذ بك من شر فتنة الغنى"، أي: الفتنة التي تحصل بسببه من البطر والطغيان والتفاخر، وصرف المال في المعاصي.
وقال الغزالي: هي الحرص على جمع المال وحبه، حتى تكتسبه من غير حِلّه، وتمنعه منстр. 2647
رواه الترمذي والنسائي وأبو داود وابن ماجه.
وقوله ﵊: "إن الدنيا عرض حاضر, يأكل منه البر والفاجر، وإن الآخرة وعد صادق, يحكم فيها ملك عادل قادر، يحق فيها الحق ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة ولا تكونوا أبناء الدنيا، فإن كل أمّ يتبعها ولدها". رواه أبو نعيم في الحلية من حديث شداد.
الحواشي
(١) واجبات إنفاقه.
قال الطيبي: استعاذ مما عصم منه، ليلتزم خوف الله وإعظامه، والافتقار إليه، وليُقْتَدَى به، وليبين صفة الدعاء, والباء للإلصاق المعنوي التخصيصي، كله خص الرب بالاستعاذة، وقد جاء في الكتاب والسنة: أعوذ بالله، ولم يسمع بالله أعوذ؛ لأن تقديم المعمول تفنن وانبساط، والاستعاذة حالة خوف، وقبض بخلاف الحمد لله، ولله الحمد؛ لأنه حال شكر، وتذكّر إحسان ونعم.
"رواه الترمذي، والنسائي، وأبو داود، وابن ماجه"، عن عائشة مرفوعًا في حديث، وهو في الصحيحين من جملة حديث طويل.
"وقوله ﵊: "إن الدنيا عرض" -بفتحتين- متاع "حاضر" موجود، أي: هي مع دناءتها إلى فناء، فالمتاع ما لا بقاء له، فإنما خلق ما فيها؛ لأن يستمتع به مع حقارته أمدًا قليلًا، ثم ينقضي، ولذا "يأكل منه البر والفاجر" كل بحسب ما قُدِّرَ له، بل قد يكون متاع الفاجر فيها أوسع، كما قال ﷺ : "إذا أحبَّ الله عبدًا حماه الدنيا، كما يظل أحدكم يحمي سقيمه الماء"، رواه الترمذي، وصحَّحه الحاكم، أي: حال بينه وبين التوسّع في اللذات والشهوات، بأن يعسِّر عليه حصول ذلك، وقال ﷺ : "الدنيا لا تصفو لمؤمن، كيف وهي سجنه وبلاؤه"، رواه ابن لال والديلمي، "وإن الآخرة وعد صادق" لا شَكَّ في وقوعه، ويحتمل التنوين والإضافة، فالصادق من أسماء الله، "يحكم فيها ملك" -بكسر اللام، "عادل" لا يجور، " قادر" على ما يشاء، وهو الله سبحانه، "يحق فيها الحق" يظهره ويحكم به، "ويبطل الباطل"، يمحقه ويذهبه، "فكونوا أبناء الآخرة"، بالأعمال الصالحة النافعة فيها، "ولا تكونوا أبناء الدنيا" بالرضا بها والطمأنينة إليها، " فإن كل أمّ يتبعها ولدها"، فمن تبع الدنيا خاب وخسر، ومن تبع الآخرة حيي الحياة الطيبة في روضات الجنات، "رواه أبو نعيم في الحلية من حديث شداد" بن أَوْس بن ثابت الأنصاري، أبي يعلى الخزرجي، صحابي، مات بالشام قبل الستين، أو بعدها، وهو ابن أخي حسان بن ثابت.стр. 2648
وقوله ﵊: "أخسر الناس صفقةً من أذهب آخرته بدنيا غيره".
وعند ابن النجار من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه, وهو مما بيض له الديلمي: "أخسر الناس صفقة رجل أخلق يديه في آماله, ولم تساعده الأيام على أمنيته،
الحواشي
(١) "وقوله ﵊: "أخسر الناس صفقة" "، أي: من أشدهم خسرانًا لعظيم الثواب، وأعظمهم حسرة يوم المآب، "من أذهب آخرته" بترك الواجب أو المندوب "بدنيا غيره"، أي: بسبب اشتغاله بجلب دنيا غيره، كخدّام العظماء يشتغلون بنفع مخاديمهم، والقيام بمصالحهم، ويتركون الصلوات، ويحلفون الإيمان الفاجرة، ويأخذون أموال الناس لاسترضاء مخاديمهم، "وعند ابن النجار" في تاريخ بغداد "من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة" العنزي، حليف بني عدي أبي محمد المدني، وُلِدَ على عهد النبي ﷺ ، ووثَّقه العجلي، وورى له الستة، مات سنة بضع وثمانين، "عن أبيه" عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك العنزي -بسكون النون- حليف الخطاب, صحابي مشهور، أسلم قديمًا وهاجر، وشهد بدرًا وما بعدها، ومات ليالي قتل عثمان، "وهو مما بيض له الديلمي" لعدم وقوفه له على سند.
قال عامر: قال ﷺ : "أخسر الناس"، أي: من أخسرهم، كما علم "صفقة" هي في الأصل ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، والخسر في الأصل: نقص رأس المال، ثم استعمل في المعينات الخارجة كالمال والجاه، وأكثر استعماله في النفيس منها؛ كصحة وسلامة، وعقل، وإيمان، وثواب، وهو المراد هنا ذكره، الراغب "رجل" وصف طردي، والمراد مكلف "أخلق" أتعب "يديه" وأفقرهما بالكد والجهد، وتجوّز بهما عن النفس؛ لأن المزاولة بهما غالبًا "في" بلوغ "آماله" جمع أمل، وهو الرجاء، وأكثر استعماله في مستبعد الحصول "ولم تساعده"، أي: تعاونه "الأيام على أمنيته"، أي: بلوغها في تحصيل مطلوبه من مالٍ ومناصب وجاه ونحوها، بل عاكسته وغدرته، فلا يزال يتشبث بالطمع الفارغ، والرجاء الكاذب، ويتمنَّى على الله ما لا تقتضيه حكمته، ولم تسبق به كلمته.
قال بعض العارفين: أماني النفس حديثها بما ليس عندها، ولها حلاوة إذا استصحبها عبد لا يفلح أبدًا، وأهل الدنيا فريقان، فريق يتمنَّون ما يتمنعون، ولا يعطون إلّا بعضًا منه، وكثير منهم يتمنون ذلك البعض وقد حرموه، فاجتمع عليهم فقر الدنيا وفقر الآخرة، فصاروا أخسر الناس صفقة، وأمَّا المؤمن المتقي، فقد حاز مراده، وهي غنى القلب المؤدي لغنى الآخرة، فما يبالي أوتي حظًّا من الدنيا أو لا، فإن أوتي منها، وإلّا فربما كان الفقر خيرًا له وأعون على مراده، فهو أربح الناس صفقة، واشتقاق الأمنية من منى قدر؛ لأن المتمني يقدّر في نفسه، ويحرزстр. 2649
فخرج من الدنيا بغير زاد, وقدم على الله بغير حجة".
وقوله ﵊: "إن من كنوز البر كتمان المصائب".
الحواشي
(١) ما يتمنَّاه "فخرج من الدنيا" بالموت "بغير زاد" يوصّله إلى دار المعاد، وينفعه يوم تقوم الأشهاد، ويفصل بين العباد؛ لأن خير الزاد إلى الآخرة اتقاء القبائح، وقد تلطَّخ بأقذارها الخبيثة الروائح، فهو مهلك لنفسه باسترساله مع الأمل، وهجره للعمل, حتى تتابعت على قلبه ظلمات الغفلة، وغلب عليه رين الشهوة، ولم يسعفه المقدور بنيل مرامه من ذلك الحطام الفاني، فلم يزل مغمومًا مقهورًا إلى أن فرق الموت بينه وبين آماله، وكل جارحة منه متعلقة بالدنيا التي فاتته، فهي تجاذبه إلى الدنيا، والموت يجاذبه إلى الآخرة التي لا يريدها، "وقدم على الله بغير حجة" معذرة يعتذر بها، وبرهان يتمسّك به على تفريطه، بتضييعه عمره النفيس في طلب شيء خبيث خسيس، وإعراضه عن عبادة ربه التي إنما خُلِقَ لأجلها ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] .
قال الغزالي: ومَنْ هذا حاله فهو كالأنعام، بل أضلّ؛ إذ البهيمة لم يخلق لها المعرفة التي بها تجاهد مقتضى الشهوات، وهذا قد خُلِقَ له وعطَّله، فهو الناقص عقلًا، والمدبر يقينًا، ولذا قيل:
ولم أر في عيوب الناس عيبًا ... كنقص القادرين على التمام
وفي الحديث إلزام للحجة، ومبالغة في الإنذار، وإعذار فيه، وتنبيه على أن إيثار التلذّذ والتنعم، مما يؤد إلى طول الأمل، ويعطّل العمل، وهذه هجيرًا أكثر الناس ليس من أخلاق المؤمنين، ومن ثَمَّ قيل: التمرغ في الدنيا من أخلاق الكافرين. ذكره الزمخشري، هكذا حمل بعض الشراح الحديث على أمنية الدنيا، وحمله بعض آخر على أمنية الأعمال الصالحة، فقال: المعنى ضلَّ وهلك رجل قَدِرَ أن يعمل في المستقبل أعمالًا صالحة، ولم تعاونه الأوقات على ذلك، فخرج بلا زاد، أي: عمل وقدم على الله بغير حجة؛ لأنه في وقت التقدير كان فارغًا صحيحًا. انتهى، وكلاهما حسن.
"وقوله ﵊: "إن من كنوز البر"، أي: من نفس ما يتوصل به العبد إلى مقصده، "كتمان المصائب"، أي: عدم التحدث بها إلا لمصلحة, كإخبار طبيب، أو مشير ناصح، فإظهارها، والتحدث بها قادح في الصبر، مفوت للأجر، وكتمانها رأس الصبر، وقد شكا الأحنف إلى عمه وجع ضرسه، وكرره، فقال: لقد ذهبت عيني منذ أربعين سنة، فما شكوتها لأحد، وهذا بعض حديث، رواه البيهقي، وأبو نعيم بسند ضعيف عن ابن عمر رفعه بلفظ: "من كنوز البر كتمان المصائب والأمراض والصدقة"، أخبر عليه الصلاة أن كتم هذه الثلاثة يدخرстр. 2650
وقوله ﵊: "اليمين حنث أو ندم".
رواه أبو يعلى وابن ماجه إلّا أنه قال: إنما الحلف.
وقوله ﵊: "لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه الله ويبتليك".
رواه الترمذي من حديث مكحول عن واثلة،
الحواشي
(١) لصاحبه يوم فاقته، لا يطّلع على ثوابه ملك، ولا يدفع إلى خصمائه، بل يعوضهم الله من باقي أعماله، وخزائن فضله ليبقى له كنزه، وذلك؛ لأن لصفاء توحيده كتم مصائبه وأمراضه ومهماته عن الخلق صبرًا من رضا عن ربه، وحياء منه، أن يشكو ويستعين بأحد من خلقه.
"وقوله ﵊: "اليمين حنث أو ندم"، قال العسكري: معناه: إنك إذا حلفت حنثت، أو فعلت ما لا تشتهي كراهة الحنث فندمت، وقال الميداني في الأمثال: معناه: إن كانت صادقة ندم، وإن كانت كاذبة حنث, يضرب للمكروه من وجهين.
قال الغزالي: والندم توجُّه القلب عند شعوره بفوت محبوبه، وعلامته: طول الحسرة والحزن. انتهى، والقصد بذا الحديث وأمثاله: التنفير عن اليمين؛ لأنه يغلب على الحالف أن يجعلها عرضة للوقوع في منهي عنه؛ إذ كثرة الحلف لابُدَّ لها من سقطة، فلا ينافي حلف النبي ﷺ عن ابن عمر "إلّا أنه"، أي: ابن ماجه، "قال: إنما الحلف" بدل اليمين، وبلفظ: إنما أوَّله، كما في المقاصد والجامع، وبَيِّنَ السخاوي: أن أبا يعلى رواه بلفظ: إنما اليمين، وبلفظ الحلف بدون إنما، فتسمَّح المصنّف في العزو له أيضًا، نعم أخرجه الطبراني، والعسكري بلفظ: "اليمين حنث أو ندم"، فكان اللائق عزوه لهما، ثم بيان لفظ من خالفهما، ثم فيه عند الجميع بشَّار بن كدام -بكسر الكاف- الكوفي, ضعيف.
"وقوله ﵊: "لا تظهر الشماتة بأخيك" -بباء موحَّدة، وفي رواية: لأخيك باللام، في الدِّين، وهي لفرح ببلية من يعاديك أو تعاديه، "فيعافيه الله" رغمًا لأنفك، "ويبتليك"؛ حيث زكَّيت نفسك، ورفعت منزلتك.
قال الطيبي: بالنصب جوابًا للنهي، ويبتليك عطف عليه، "رواه الترمذي من حديث مكحول" الشامي, ثقة، فقيه, كثير الإرسال, مشهور، وروى له مسلم والأربعة، مات سنة بضع عشرة ومائة، "عن واثلة" -بمثلثة- ابن الأسقع -بالقاف- ابن كعب الليثي، صحابي نزل الشام، وعاش إلى سنة خمس وثمانين، ومات وله مائة وخمس سنين.
"وقال" الترمذي: "حسن غريب، وهو عند الطبراني أيضًا"، وزعم ابن الجوزي أنهстр. 2651
وقال: حسن غريب، وهو عند الطبراني أيضًا، وفي رواية لابن أبي الدنيا: "فيرحمه الله "، بدل: "فيعافبه الله".
وروى الترمذي مرفوعًا: "مَنْ عَيِّرَ أخاه بذنب لم يمت حتى يعمله".
وقوله ﵊ لأبي هريرة: "جف القلم بما أنت لاق".
الحواشي
(١) موضوع، ولذا انتقده الحافظ سراج الدين القزويني على المصابيح زاعمًا وضعه، وتعقَّبه العلامة الحافظ العراقي، وصوَّب كلام الترمذي، "وفي رواية لابن أبي الدنيا: "فيرحمه الله" بدل "فيعافيه الله"، الواقعة في رواية الترمذي، ومثل ما ذكر المصنّف لشيخه السخاوي بالحرف، وساقه في الجامع، ناسيًا للترمذي بلفظ: فيرحمه الله، وأخذ جماعة من ذا الخبر أن في الشماتة بالعدو غاية الضرر، فالحذر الحذر، نعم أفتى ابن عبد السلام؛ بأنَّه لا ملام في الفرح بموت العدو؛ من حيث انقطاع شرّه عنه وكفاية ضرره.
"وروى الترمذي" عن معاذ بن جبل "مرفوعًا: "من عَيِّر أخاه بذنب"، أي: وصف مذموم انتقاصًا له، وإن لم يحرم، "لم يمت حتى يعمله".
قال الترمذي: حسن غريب، وليس إسناده بمتَّصل، قال: وقال أحمد بن منيع، يعني: شيخه، قالوا: من ذنب قد تاب منه.
قال السخاوي ونحوه: فليجلدها الحد، ولا يثرِّب، أي: لا يوبِّخ ولا يقرع بالزنا بعد الجلد، ولعله كما قال شيخنا: احترز به عَمَّن تلبَّس بقبيح شرعًا، وإن لم يحرم، واسترسل فيه فغيِّره غيره، لينزجر عنه لقبحه شرعًا، لا لحظ نفس المعير، فلا يعاقب على تعييره؛ لأنه إنما قصد به الحث على المطلوب، وترك النهي عنه.
"وقوله ﵊ لأبي هريرة"، فيما أخرجه البخاري والنسائي وغيرهما، عنه قال: قلت: يا رسول الله, إني رجل شاب، وأنا أخاف على نفسي العَنَت، ولا أجد ما أتزوّج به النساء، فائذن لي أختصي، فسكت عني، ثم قلت مثل ذلك، فسكت، ثم قلت مثل ذلك، فقال النبي ﷺ : "يا أبا هريرة جَفَّ القلم بما أنت لاق"، أي: نفذ المقدور بما كُتِبَ في اللوح المحفوظ، فبقي القلم الذي كتب به جافَّا لا مداد فيه، لفراغ ما كتب به.
قال عياض: كتاب الله ولوحه وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به، ونكل علمه إليه، وبقية الحديث: "فاختص على ذلك أو ذر" بكسر الصاد المهملة، أمر من الاختصاء، أي: اختص حال استعلائك على العلم بأنَّ كل شيء بقضاء الله وقدره، أو أترك، وفي رواية: فاختصر -براء بعد الصاد- أي: اقتصر على ما أمرتك به أو أتركه، وافعل ما ذكرت من الخصاء، وعلى كل منстр. 2652
قال صاحب فتح المنَّة بشرح الأخبار لمحيي السنة: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده، فهو من إطلاق اللازم على الملزوم، وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
وقوله ﵊: "اليوم الرهان وغدًا السباق, والغاية الجنة, والهالك من دخل النار".
الحواشي
(١) الروايتين: الأمر ليس لطلب الفعل، بل للتهديد، كقوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: ٢٩] .
"قال صاحب فتح المنَّة بشرح الأخبار لمحيي السُّنَّة: هو كناية عن جريان القلم بالمقادير وإمضائها والفراغ منها، فإن الفراغ بعد الشروع يستلزم جفاف القلم عن مداده"، لفراغ ما كُتِبَ به، "فهو من إطلاق اللازم على الملزوم"، وفي النهاية: إنه تمثيل بفراغ الكاتب من كتابته ويبس قلمه، "وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية" التي لا تنطق عن الهوى.
"وقوله ﵊: "اليوم"، أي: الدنيا، "الرهان" -بكسر الراء، قال المجد: المخاطرة والمسابقة على الخيل، انتهى، استعير للمسابقة على الأعمال في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ [الحديد: ٢١] .
قال البيضاوي: سابقوا: سارعوا مسارعة المتسابقين في المضمار، "وغدًا"، أي: يوم القيامة، "السباق" -بالكسر- مصدر سابق مسابقة، وسباقًا بمعنى السبق -بفتحتين، وهو ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة، استُعِير للأعمال التي تلقَّاها العاملون يوم القيامة، وفي القاموس: السبق -محركة، والسبقة -بالضم- الخطر، يوضع بين أهل السباق، وفيه كالصحاح الخطر محركة: السبق الذي يتراهن عليه، وقد أخطر المال، أي: جعله خطرًا بين المتراهنين. انتهى، وفي الحديث: "لا سبق إلّا في خف أو حافر".
قال الخطَّابي: الرواية الصحيحة بفتح الباء، وهو ما يجعل من المال رهنًا على المسابقة، وبالسكون مصدر سبقت أسبق، "والغاية" التي يقع عليها الرهان "الجنة"، فيه حذف دلَّ عليه المذكور، أي: أو النار، فالفائز من دخل الجنة، "والهالك من دخل النار"، والمعنى: الفائز من عمل الأعمال الصالحة، وفعل المأمورات، واجتنب المنهيات، فدخل الجنة، فرفعت له فيها الدرجات، والهالك من فعل المعاصي، فآل إلى استحقاق دخول النار، وحاصل معنى الحديث: إن الدنيا بتمامها للناس، كيومٍ يتسابق المتسابقون فيه على خيلهم إلى غاية معلومة لهم، وقدстр. 2653
وقوله ﵊: "من ضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه ضمنت له على الله الجنة".
رواه جماعة، منهم العسكري عن جابر به، وفي البخاري والترمذي عن سهل بن سعد بلفظ: "من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة".
الحواشي
(١) جعلوا ما لا يأخذه السابق غدًا، فمن عمل الصالحات فاز بذلك الجعل، الذي هو الجنة بمقتضى الوعد الصادق، ومن عمل السيئات حرم الجعل، واستحقَّ النار بمقتضى الوعيد, ما لم يعف عنه إن كان مسلمًا، هذا ما ظهر لي، ولم أر أحدًا شرحه، وبقية الحديث: "أنا الأول، وأبو بكر الثاني، وعمر الثالث، والناس بعد علي السبق الأول"، فالأوّل رواه الطبراني، وابن عدي، والخطيب، عن ابن عباس بتمامه مرفوعًا، وفيه أصرم بن حوشب، منكر الحديث.
"وقوله ﵊: "من ضمن" في رواية: من حفظ، "لي ما بين لحييه" بفتح اللام، وسكون المهملة، والتثنية- هما العظمان في جانب الفم، "وما بين رجليه" فرجه، ترك التصريح به استهجانًا له واستحياءً؛ لأنه كان أشدَّ حياء من البكر في خدرها، "ضمنت له على الله الجنة"، رواه جماعة منهم: العسكري عن جابر به"، أي: بهذا اللفظ مرفوعًا.
"وفي البخاري" في الرقاق والمحاربين، "والترمذي" في الزهد، وقال: حسن صحيح غريب، "عن سهل بن سعد" -بسكون الهاء والعين- الساعدي، عن النبي ﷺ : "بلفظ: "من يضمن".
قال الحافظ: بفتح أوّله وسكون المعجمة، والجزم من الضمان، بمعنى الوفاء بترك المعصية، "لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن" بالجزم جواب الشرط "له الجنة" أي: على الله، كما في الرواية السابقة، ولم تقع في البخاري والترمذي، فزيادتها في بعض نسخ المصنف هنا لا تنبغي، والمراد بالضمان لازمه، وهو أداء الحق الذي عليه، فالمعنى: من أدَّى الحق الذي على لسانه من النطق بما يجب عليه، أو الصمت عمَّا لا يعنيه، وأدَّى الحق الذي على فرجه من وضعه في الحلال، وكَفِّه عن الحرام، قاله الحافظ وغيره.
وقال الطيبي: أصل الكلام من يحفظ ما بين لحييه من اللسان والفم، فيما لا يعنيه من الكلام والطعام يدخل الجنة، فأراد أن يؤكِّد الوعد تأكيدًا بليغًا، فأبرزه في صورة التمثيل، ليشير بأنه واجب الأداء، فشبَّه صورة حفظ المؤمن نفسه، مما وجب عليه من أمر النبي ﷺ ونهيه، وشبَّه ما يترتَّب عليه من الفوز الجنة، وأنه واجب على الله تعالى بحسب الوعد أداؤه، وأنه ﷺ هو الواسطة والشفيع بينه وبين الله تعالى بصورة شخص له حقّ واجب الأداء على الآخر، فيقوم به ضامنًا من يتكفَّل له بأداء حقه، وأدخل المشبّه في جنس صورة المشبَّه به، وجعله فردًا من أفراده، ثم ترك المشبه به، وجعل القرينة الدالة عليه ما يستعمل فيه من الضمان ونحوه فيстр. 2654
والمراد بما بين لحييه: اللسان وما يتأتَّى به النطق، وما بين رجليه: الفرج، وقال الداودي: المراد بما بين اللحيين: الفم، فيتناول الأقوال والأكل والشرب وسائر ما يتأتَّى بالفم.
وفي لفظ: "من توكَّل لي ما بين فقيمه ورجليه أتوكل له بالجنة"، والفقم -بالضم والفتح: اللحى.
وفي لفظ آخر: "من تكفَّل لي تكفلت له".
وللديلمي -بسند ضعيف- عن أنس رفعه: "من وقي شر قبقبه وذبذبه ولقلقه وجبت له الجنة"، ولفظ الإحياء: من وقي, يعني: البطن
الحواشي
(١) التمثيل؛ ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ انتهى، "والمراد بما بين لحييه اللسان، وما يتأتَّى به النطق، وما بين رجليه الفرج، وقال الداودي" أحمد بن نصر، المالكي، شارح البخاري: "المراد بما بين اللحيين: الفم" بتمامه، "فيتناول الأقوال" كلها، "والأكل، والشرب، وسائر ما يتأتَّى بالفم"، من النطق، والفعل، كتقبيل، وعض، وشتم.
قال -أعني: الداودي: ومن يحفظ من ذلك أمن من الشر كله؛ لأنه لم يبق إلّا السمع والبصر.
قال الحافظ: وخفي عليه أنَّه بقي البطش باليدين، وإنما محمل الحديث على أن النطق باللسان أصل في حصول كل مطلوب، فإذا لم ينطق به إلّا في خير سلم.
وقال ابن بطال: دَلَّ الحديث على أن أعظم البلايا على المرء في الدنيا لسانه وفرجه, فمن وقي شرهما وقي أعظم الشر. انتهى، يعني: فخصَّهما بالذكر لذلك، "وفي لفظ" عند الطبراني بسند جيد، عن أبي رافع: "من توكَّل"، أي: التزم "لي" حفظ "ما بين فقيمه ورجليه أتوكّل له بالجنة"، أي: بدخوله إياها، "والفقم -بالضم والفتح" للفاء، وأمَّا القاف فساكنة فيهما "اللحى"، واقتصر الجوهري على الضم، وظاهر القاموس أنّ الفتح أفصح، وعبارته: والفقم -ويضم: اللحى، أو إحدى اللحيين، والفقم -بضمتين: الفم، "وفي لفظ آخر: "من تكفَّل لي تكفَّلت له"، أي: من ضمن ضمنت له، "وللديلمي" والبيهقي "بسند ضعيف، عن أنس رفعه: "من وقي شر فبقبه"، أي: بطنه "وذبذبه" بمعجمتين بعد كل موحدة بزنة مذهب، أي: ذكره, سُمِّيَ بذلك لتذبذبه، أي: تحركه، "ولقلقه" بلامين وقافين، أي: لسانه، "وجبت له الجنة"، أي: استحقَّ دخولها مع السابقين، أو بغير عذاب، "ولفظ الإحياء: "من وقي" يعني: البطن" بيان لمفعوله وقى، فيصير اللفظ: من وقي البطن "من القبقبة، وهو صوت يسمع في البطن، وكأنَّها حكاية ذلك الصوت،стр. 2655
من القبقبة، وهو صوت يسمع في البطن، وكأنَّه حكاية ذلك الصوت، ويجوز أن يكون كناية عن أكل الحرام وشبهه، والذكر واللسان.
فهذا وأشباهه مما يعسر استقصاؤه, يدلك على ذلك أنه ﷺ قد رقي في الفصاحة وجوامع الكلم درجةً لا يقاس بها غيره، وحاز مرتبة لا يقدر فيها قدره ﷺ .
ومما عدّ من وجوه بلاغته: ما ذكر أنه جمع متفرقات الشرائع وقواعد الإسلام في أربعة أحاديث وهي:
حديث "إنما الأعمال بالنيات ... "
وحديث "الحلال بَيِّن والحرام بَيِّن ... "
الحواشي
(١) ويجوز أن يكون كنايةً عن أكل الحرام وشبهه, والذكر واللسان"، بالنصب عطفًا على البطن.
وروى الترمذي، وابن حبان، والحاكم عن أبي هريرة رفعه: " من وقاه الله شر ما بين لحييه، وشر ما بين رجليه دخل الجنة"، وفي هذا كله تحذير عظيم من شهوتي البطن والفرج، وأنهما مهلكة، ولا يقدر على كسر شهوتهما إلّا الصدّيقون، "فهذا"، أي: المذكور من جوامع الكلم "وأشباهه، مما يعسر استقصاؤه، يدلُّك على ذلك، أنه ﷺ ، قد رقي" بكسر القاف، من باب تعب، كما في المصباح، "في الفصاحة وجوامع الكلم درجة لا يقاس بها غيره، وحاز مرتبة لا يقدر فيها قدره ﷺ ، ومما عدّ من وجوه" جمع وجه، أي: طرق وأدلة "بلاغته ما ذُكِرَ" بالبناء للمفعول، أي: ما ذكره الأئمة، "أنه جمع متفرقات الشرائع" القديمة، "و" جمع "قواعد الإسلام في أربعة أحاديث"، فجعل المصنّف جمعهم دليلًا على البلاغة، لا أنه نفسه من البلاغة؛ إذ ليس منها على أن هذا إنما يجيء إن فسّر وجوه بصفات، إمّا بطرق بمعنى أدلة فلا، "وهي حديث: "إنما الأعمال بالنية"، أي: الحديث الذي منه هذه الجملة، وكذا، يقال في الباقي، وتقدَّم في أوائل هذا المبحث شرح هذا اللفظ بما يغني عن إعادته حن ذكره المصنف، "وحديث: "الحلال" ضد الحرام لغةً وشرعًا، "بَيِّنٌ" ظاهر بالنظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهة، وهو ما نَصَّ الله ورسوله، أو أجمع المسلمون على حله بعينه، أو جنسه، ومنه ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال، أمَّا المختلف فيه، فليس من البَيِّن الخفاء، الحل عن القائل بالحرمة وعكسه، "والحرام بَيِّنٌ"، أي: ظاهر بالنظر إلى ما دلَّ عليه بلا شبهة.
قال الحافظ: أي: في عينهما ووصفهما بأدلتهما الظاهرة. انتهى، أي: فإنما هما بالنص، أوстр. 2656
رواه مسلم.
وحديث "البينة على المدعي واليمين على من أنكر".
وحديث "لا يكمل إيمان المرء....."
الحواشي
(١) الإجماع على تحريمه بعينه، أو جنسه، أو بورود عقوبة أو وعيد عليه لا بنفسهما، فلا حجة فيه للمعتزلة في قولهم: العقل يميز الحسن من القبيح، حتى لو لم تبعث الرسل لعُلِمَ ذلك، وإنما بعثت لاختلاف العقول، بل الحسن ما حسَّنه الشرع، وكذلك القبيح، ثم التحريم إمَّا لمفسدة، أو مضَرَّة خفية، كالزنا، ومذكَّى المجوس، وإمَّا المفسدة، أو مضرة واضحة، كالسم والخمر، وتفصيله يطول, هذا والظاهر من مقابلة الحلال بالحرام شموله الواجب والمندوب والمباح والمكروه، وخلاف الأولى، كذا قيل، لكن وصفه ببَيِّن، بمعنى: ظاهر, يبعد ذلك؛ إذ لو بان ما كره، أو كان خلاف الأولى، "رواه مسلم" في البيوع، وكذا البخاري فيه، وفي كتاب الإيمان، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في البيوع، وابن ماجه في الفتن، فما هذا التقصير للمصنف في العزو، فلا أقلَّ من رواه الشيخان كلهم من حديث النعمان بن بشير، سمعت النبي ﷺ يقول ... فذكره مطولًا.
"وحديث: "البينة على المدعي"، وفي رواية: "على مَنْ ادَّعى"، وهو من يخالف قوله الظاهر، أو من لو سكت خلى، "واليمين على من أنكر" المدعَّى عليه به؛ لأن جانب المدعي ضعيف، فكلف حجة قوية هي البينة، وجانب المدعَّى عليه قوي، فقنع بحجة ضعيفة هي اليمين.
قال ابن العربي: وهذا الحديث من قواعد الشريعة التي ليس فيها خلاف، وإنما اختلف في تفاصيل الوقائع.
قال البيضاوي: والبينة في الأصل: الدلالة الواضحة التي تفصل الحق من الباطل، وقال غيره: هي ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل؛ بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، ثم هذا الحديث رواه عبد الرزاق، والبيهقي، وابن عساكر، والدارقطني عن ابن عمرو بن العاص بزيادة: "إلا في القسامة".
قال الحافظ: وهو حديث غريب معلول، وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمر، وأيضًا بلفظ: "البينة على المدَّعى عليه"، وله شاهد عن ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما. "وحديث: "لا يكمل إيمان المرء" نقل بالمعنى لبيان المراد، وإلّا فرواية الصحيحين، وغيرهما: "لا يؤمن أحدكم"، وفي رواية: أحد، وفي رواية: عبد، وزاد مسلم أوله: "والذي نفسي بيده"، وقال الشراح: معناه: إيمانًا كاملًا، فالمراد بنفيه هنا نفي بلوغ حقيقته ونهايته, كخبر: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن"، ونفى اسم الشيء على معنى نفي الكمال مستفيض في كلامهم؛ كقولهم: فلان ليس بإنسان، ولاстр. 2657
حتى يحبَّ لأخيه ما يحب لنفسه" رواه الشيخان.
الحواشي
(١) يرد استلزامه أنَّ فاعل ذلك يكمل إيمانه، وإن ترك بقية الأركان؛ لأن هذا ورد مورد المبالغة، ويستفاد من قوله لأخيه المسلم ملاحظة بقية صفات المسلم، وصرَّح في رواية ابن حبان بالمراد ولفظه: "لا يبلغ عبد حقيقة الإيمان"؛ إذ معنى الحقيقة: الكمال ضرورة أنَّ من لم يتَّصف بهذه الصفة لا يكون كافرًا، "حتى يحب" بالنصب؛ لأن حتى جارَّة، وإن بعدها مضمرة، ولا يجوز الرفع، فتكون عاطفة لفساد المعنى؛ إذ عدم الإيمان ليس سببًا للمحبَّة، قاله الكرماني, "لأخيه" المسلم، كما زاده في رواية الإسماعيلي، ولعله غالبي، فالمسلم ينبغي حبه للكافر الإسلام وما يترتَّب عليه من خير وأجر، "ما يحب لنفسه" من الخير، كما في رواية النسائي، وابن منده، والإسماعيلي والقضاعي، فلا حاجة لقوله: بعضهم، وهو عام مخصوص؛ إذ الرجل يحب لنفسه وطء حليلته لا لغيره، والخير كلمة جامعة تعمّ الطاعات والمباحات الدينية أو الدنيوية، وتخرج المنهيات؛ لأن اسم الخير لا يتناولها، والمحبَّة إرادة ما يعتقده خيرًا.
قال النووي: المحبَّة الميل إلى ما يوافق المًحِب، وقد يكون بحواسِّه؛ كحسن الصورة، أو بعقله، إمَّا لذاته كالفضل والكمال، أو لإحسانه كجلب نفع ودفع ضر. انتهى.
والمراد هنا: الميل الاختياري دون الطبيعي والقسري، والمراد أيضًا نظير ما حصل له، لا عينه سواء، كان ذلك في الأمور المحسوسة والمعنوية، وليس المراد أن يحصل لأخيه ما حصل له، مع سلبه عنه، ولا مع بقائه بعينه له؛ إذ قيام الجوهر أو العرض بمحلين محال، قيل: وظاهر الحديث طلب المساواة، وحقيقته تستلزم التفضيل؛ لأن كل أحد يجب أن يكون أفضل من غيره، فإذا أحب لأخيه مثاله، فقد دخل في جملة المفضولين.
قال الحافظ: أقرَّ عياض هذا وفيه نظر؛ إذ المراد الزجر عن هذه الإرادة؛ لأن المقصود الحث على التواضع، فلا يكون أفضل من غيره، فهو مستلزم للمساواة، ويستفاد ذلك من قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾ [القصص: ٨٣] ، ولا يتمّ ذلك إلا بترك الحسد والغل والحق والغش، وكلها خصال مذمومة.
قال الكرماني: ومن الإيمان أيضًا أن يبغض لأخيه ما يبغض لنفسه من الشر، ولم يذكره؛ لأن حب الشيء مستلزم لبعض نقيضه، فترك النص عليه اكتفاءً. انتهى، وذلك ليكون المؤمنون كنفس واحدة، ومن زعم كابن الصلاح أنَّ هذا من الصعب الممتنع، فقد غفل عن المعنى المراد، وهو أن يحب له حصول مثل ذلك من جهة لا يزاحمه فيها، كما علم، وبه دفع زعم أنَّ هذه محبة عقلية لا تكليفية؛ لأن الإنسان جُبِلَ على حبّ الاستئثار، فتكليفه بأنه يحب له ما يحب لنفسه مفض لأن لا يكمل إيمان أحد إلّا نادرًا، ثم مقصود الحديث انتظام أحوالстр. 2658
فالحديث الأول: يشتمل على ربع العبادات.
والثاني: على ربع المعاملات.
والثالث: على ربع الحكومات وفصل الخصومات.
والرابع: على ربع الآداب والمناصفات, ويدخل تحته التحذير من الجنايات.
الحواشي
(١) المعاش، والمعاد، والجري على قانون السداد ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٣] ، وعماد ذلك كله وأساسه السلامة من الأمراض القلبية، فالحاسد يكره أن يفوقه أحد، أو يساويه في شيء، والإيمان يقتضي المشاركة في كلّ خير من غير أن ينقص على أحد من نصيب أحد شيء، نعم، ومن كمال الإيمان تمنّي مثل فضائله الأخروية التي فارق عليها غيره، وقوله: ﴿لا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ نهي عن الحسد المذموم، فإذا فارقه أحد في فضل ديني اجتهد في لحاقه، وحزن على تقصيره, لا حسدًا بل منافسة في الخير وغبطة، "رواه الشيخان"، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن أنس، لكن لفظ رواية مسلم: "حتى يحب لأخيه"، أو قال: جاره، ورواية البخاري وغيره: "لأخيه" بلا شَكٍّ.
"فالحديث الأوّل": "إنما الأعمال بالنية"، "يشتمل على ربع العبادات" عند بعضهم، ومنهم من قال -كالشافعي في إحدى الروايتين عنه: يدخل فيه نصف العلم، ووجَّهه المصنف فيما مَرَّ تبعًا لغيره، بأن للدين ظاهرًا وباطنًا، فالنية متعلقة بالباطن، والعمل هو الظاهر، وبأنَّ النية عبودية القلب، والعمل عبودية الجوارح، ومنهم من قال: ثلثه، كأحمد وابن مهدي، والشافعي في الرواية الثانية، ووجهه: أن الدين قول وعمل ونية.
"والثاني": "الحلال بَيِّنٌ والحرام بَيِّنٌ " على ربع المعاملات"، كما نقل عن أبي داود.
وقال ابن العربي: جعلوا هذا الحديث ثلث الإسلام وربعه، وأكثروا في التقسيمات، وكلها تحكمات، تحتمل الزيادة والنقص، وبالجملة, فالمعاني مشتركة، ولو قيل: إنه نصف الإسلام لكان له وجه، ولو قيل: إنه جملة الدين لما عُدِمَ وجهًا.
قال القرطبي: لأنه اشتمل على التفصيل بين الحلال وغيره، وعلى تعلُّق جميع الأعمال بالقلب، فمن هنا، يمكن أن ترد جميع الأحكام إليه.
"والثالث" حديث البينة "على ربع الحكومات، وفصل الخصومات".
"والرابع: على ربع الآداب والمناصفات"، جمع مناصفة بمعنى إنصاف، أي: العدل في معاملة الإخوان بعضهم مع بعض، "ويدخل تحته التحذير من الجنايات"؛ لأنه إذا جنى على أخيه لم يحب له ما يحب لنفسه؛ إذ هو لا يحب أن أحدًا يجني عليه، ومنهم من عَدَّ حديث:стр. 2659
قال ابن المنير.
ومما عُدَّ أيضًا من أنواع بلاغته, كلامه ﵊ مع كل ذي لغة بليغة بلغته اتساعًا في الفصاحة، واستحداثًا للألفة، فكان ﷺ يخاطب أهل الحضر بكلام ألْيَن من الدهن وأرقّ من المزن، ويخاطب أهل البدو بكلام أرسى من الهضب وأرهف من العضب.
فانظر إلى دعائه لأهل المدينة حين سألوه ذلك فقال: "اللهمَّ بارك لهم في مكيالهم, وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم،
الحواشي
(١) "ازهد في الدنيا يحبك الله" رُبْعًا وأسقط البينة، وعدَّ حديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه"، وأسقط حديث: "لا يؤمن...."، وفي ذلك البيتان المشهوران:
عمدة الدين عندنا كلمات ... مسندات من قول خير البرية
اتركنّ الشبهات وازهد ودع ما ... ليس يعنيك واعملنّ بنية
"قال ابن المنير" في المقتفى: "ومما عُدَّ أيضًا من أنواع بلاغته, كلامه ﵊ مع كل ذي لغة بليغة بلغته اتساعًا"، أي: زيادة "في الفصاحة، واستحداثًا للألفة" -بضم الهمزة وكسرها- كما يفيده المصباح، وهي الأنس والمحبَّة، "فكان ﷺ يخاطب أهل الحَضَر بكلام أَلْيَنَ من الدهن، وأرق من المزن"، السحاب الأبيض، جمع مزنة، "ويخاطب أهل البدو" الملازمين للبادية، ولم يخالطوا أهل الحاضرة، حتى تفسد لغتهم، وليس المراد بهم الأخلاط الذين لا يحسنون اللغات "بكلام أرسى"، أثبت "من الهضب" جمع هضبة، وتُجْمَع أيضًا على هِضَاب، وجمع الجمع أهاضيب، كما في القاموس قائلًا، وهي: الجبل المنبسط على الأرض، أو جبل خلق من صخرة واحدة، والطويل الممتنع المنفرد، ولا يكون إلا في حُمُر الجبال، والمعنى: إنه يخاطبهم بكلام أثبت من الجبال الراسية في تمكُّنِه من اللغة لشدة فصاحته، "وأرهف من العضب" -بمهملة ومعجمة ساكنة- السيف القاطع، "فانظر إلى دعائه لأهل المدينة"، الذين هم أهل حضر، "حين سألوه ذلك"، أي: الدعاء، "فقال: "اللهمَّ بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم ومُدِّهم"، أي: فيما يكال بذلك.
قال الراغب: أصل البرك صدر البعير، وإن استُعْمِل في غيره, وبَرَك البعير ألقى بركه، واعتبر فيه معنى اللزوم، ومنه بركاء الحرب، لمكان تلزمه الأبطال، والبِرْكَة لمحبس الماء، والبَرَكَة ثبوت الخير الإلهي في الشيء، قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [الأعراف: ٩٦]стр. 2660
وفي حديث آخر: "اللهمَّ بارك لنا في تمرنا وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنَا, اللهمَّ إني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكَّة ومثله معه".
ثم انظر دعاءه لبني نهد وقد وفدوا عليه في جملة الوفود، فقام طهفة بن رهم
الحواشي
(١) لثبوت خيرها ثبوت الماء في البِرْكَة، والمبارك ما فيه ذلك الخير، ولما كان الخير الإلهي يصدر من حيث لا يحسّ على وجه لا يحصى ولا يحصر، قيل: لكل ما يشاهد منه زيادة غير محسوسة مبارك فيه بركة، وإلى هذه الزيادة أشير بحديث: "لا ينقص مال من صدقة"، لا إلى النقصان المحسوس، كما قال بعض الخاسرين، حين قيل له: ذلك بيني وبينك الميزان، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: ٦١] ، تنبيه على ما يفيض علينا بواسطة هذه البروج والنيرين المذكورة، وكل موضع ذكر فيه تبارك، فهو تنبيه على اختصاصه تعالى بالخيرات المذكورة، مع ذكر تبارك. انتهى، وهو تحقيق نفيس لا مزيد عليه.
"وفي حديث آخر" عند مسلم بمعناه: "اللهم بارك لنا في تمرنا، وبارك لنا في مدينتنا"، أي: كَثِّر خيرها، "وبارك لنا في صاعنا"، أي: فيما يكال بصاع مدينتنا، "وبارك لنا في مُدِّنَا"، أي: وفيما يكال به، ثم يحتمل كون البركة دينية، وتكون بمعنى الثبات، أي: ثَبِّتنا في أداء حقوق الحق المتعلقة بهذه المقادير، وكونها دنيوية، وتكون بمعنى الزيادة؛ بحيث يكفي المد فيها ما لا يكفي في غيرها، ويحتمل الأمرين معًا، "اللهمَّ إني أدعوك للمدينة" طيبة، "بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة" بقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ [إبراهيم: ٣٧] الآية، "ومثله معه"، وفي رواية مسلم: "اللهم اجعل مع البركة بركتين"، وعند الترمذي: "أدعوك لأهل المدينة أن تبارك لهم في مُدِّهِم وصاعهم مثل ما باركته لأهل مكة مع البركة بركتين، وتمسك بهذا من فضلها على مكة"؛ لأن التضعيف شامل للأمور الدينية أيضًا، "ثم انظر دعاءه لبني نهد" -بفتح النون، وسكون الهاء، ودال مهملة- قبيلة باليمن, الذين هم أهل بدو، أي: تأمَّل الفرق بينه وبين دعائه لأهل المدينة، حيث دعا لنهد بنوع ما جاءوا به، "وقد وفدوا عليه في جملة الوفود، فقام طهفة" -بكسر الطاء المهملة، وفتحها، وهاء ساكنة تليها فاء- كما قال ابن عبد البر، وضبطه غيره بالتحتية بدل الفاء، ويقال: بخاء معجمة بدل الهاء وبالفاء، ثم هاء تأنيف، ويقال: طغية بغين معجمة وياء، وقيل: طقفة بقاف، ثم فاء، ويقال: اسمه يعيش أو قيس "ابن رهم"، كذا في النسخ، والذي في الإصابة: طهفة بن أبي زهير، وقال أبو عمر: طهفة بن زهير. انتهى، فإن ثبت ما للمصنِّف، فيجوز أن أبا زهير اسمه "النهدي"، روى قصته هذه بطولها ابن الأعرابي فيстр. 2661
النهدي يشكو الجدب إليه, فقال: يا رسول الله, أتيناك من غورى تهامة، بأكوار الميس، نرتمي بنا العيس، نستخلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستحيل الرهام، ونستحيل الجهام، من أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاء، قد نشف المدهن، ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن وما يحدث من الزمن، لنا دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل، أغفال ما تبل ببلال، ووقير كثير الرسل قليل الرسل، أصابتها سنية حمراء مؤزلة، لي لها علل ولا نهل.
الحواشي
(١) معجمه، وأبو نعيم في الصحابة عن عمران بن حصين، وابن الجوزي في العلل من وجه ضعيف جدًّا، عن علي بن أبي طالب قالا: قدم وفد بني نهد على النبي ﷺ ، فقام طهفة, لفظ عمران، ولفظ علي: طخفة -بالخاء المعجمة- ابن أبي زهير، "يشكو الجدب إليه" -بدال مهملة- ضد الخصب، "فقال: يا رسول الله أتيناك من غورى" -بفتح المعجمة، والراء، وإسكان الواو بينهما- "تهامة" أي: ما انحدر مغربًا عنها، كما في القاموس "بأكوار"، أي: رحال، "الميس" -بفتح الميم، وإسكان التحتية، ومهملة, "نرتمي" نقصد "بنا العيس"، أي: الإبل مطلقًا، وإن كانت في اللغة: الإبل البيض إلى صفر، "نستخلب الصبير، ونستخلب الخبير" -بمعجمة فيهما- و"نستعضد البرير، ونستخيل" بمعجمة "الرهام" -بكسر الراء: الأمطار الضعيفة الدائمة، و"نستحيل" -بحاء مهملة- على الأشهر، وروي بجيم وخاء معجمة, "الجهام" -بفتح الجيم- السحاب لا ماء فيه، أو انقطع ماؤه, "من أرض غائلة النطاء" -بكسر النون، مهلكة لبعدها, "غليظة الوطاء، قد نشف المدهن" -بضم الميم، والهاء- من النوادر التي جاءت على خلاف القياس، والقياس الكسر، كما في المصباح، "ويبس الجعثن" -بكسر الجيم، وسكون المهملة، وكسر المثلثة، "وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث من الزمن, لنا دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر، وقام تعار ولنا نعم همل" -بفتحتين وبضم أوله وفتح ثانيه- ثقيلًا "أغفال" بمعجمة- وفاء "ما تبل ببلال ووقير" -بقاف وتحتية وراء- قطيع من الغنم، "كثير الرسل" -بفتح الراء- أي: شديد التفرق في طلب المرعى، "قليل الرسل" -بكسر فسكون- اللبن، كما في النهاية، "أصابتها سنية حمراء" أي: جدب شديد، تصغير تعظيم، قاله في النهاية، "مؤزلة".
قال ابن الأثير: الأزل الضيق والشدة، وسنة مؤزلة: آتية بالأزل والقحط، "ليس لها علل، ولا نهل"، أي: شرب ثانٍ بعد شرب أوّل لشدة القحط، "فقال لهم رسول الله ﷺ : "اللهم باركстр. 2662
فقال لهم رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة،
الحواشي
(١) لهم في محضها ومخضها ومذقها"، متعلق ببارك، أي: اجعل البركة وزيادة الرزق وثباته مقسومًا وأصلًا لهم، "وابعث" أرسل "راعيها في الدثر" -بفتح المهملة وإسكان الثلثة وتفتح- المال الكثير، "بيانع الثمر" من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالثمر اليانع، "وأفجر" -بضم الجيم "له" للراعي "الثمد" -بمثلثة مفتوحة وميم ساكنة وتفتح- الماء القليل، أي: كثره للراعي، وإذا كثر له كثر لغيره، فافجر مجاز عن معنى التكثير للزومه له غالبًا، "وبارك له في المال والولد"، عطف على ما قبله، أو على بارك الأوّل، والمال كل ما يتموّل ويُمْلَك، وهو في كلام العرب في الأكثر يُخْتَصُّ بالإبل، ويجوز إرادة كلٍّ منهما هنا, "من أقام الصلاة كان مسلمًا"، أي: كاملًا، كقوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من يده ولسانه"، أو المراد: يحكم بإسلامه الظاهر، أو المراد: الحث على إقامة الصلاة، أي: المداومة والمحافظة عليها، أو هو على ظاهره؛ لأنَّ مَنْ تَرَكَها مستحلًّا لتركها كَفَر، أو لأنَّ تاركها كافر في قول كثيرين منهم أحمد، وهو في حكم الكافر؛ لأنه يقتل، "ومن آتى" بالمد، أعطى وأدَّى "الزكاة كان محسنًا"، منعمًا متفضِّلًا على الفقراء، أو إتيانًا بأمر حسن، مطلوب في الدين، "ومن شهد أن لا إله إلا الله"، أي: أتى بكلمة التوحيد وأعلن بها، "كان مخلصًا" في إيمانه؛ لأن الظاهر مطابقة قوله لما في قلبه حملًا لأحوال المؤمن على الصلاح, والمراد بالإخلاص عدم النفاق.
وقيل: المراد من قال كلمة الشهادة، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، كما يقال: قرأت ﴿حم ?, وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ، أي: السورة بتمامها, "لكم يا بني نهد ودائع الشرك" لكم خير مقدَّم للاهتمام، لا للحصر القلبي، بناءً على ما يأتي من تفسيره، وجملة النداء معترضة لبيان المخاطب, "ووضائع الملك"، بكسر الميم، على تفسيره الآتي: ما يلزم الناس في أموالهم من زكاة وصدقة، أي: يلزمكم من غير زيادة ولا نقص، أو بضم الميم، أي: ما كان ملوك الجاهلية يوظّفونه على الرعايا، ويستأثرون به من غنائم الحروب, لا يؤخذ منكم، فهو لكم "لا تلطط" -بضم الفوقية، وإسكان اللام، وكسر الطاء الأولى- مجزوم على النهي، "في الزكاة" متعلّق به، أي: لا تمنعها، "ولا تلحد" -بضم التاء والجزم، "في الحياة" , من أَلْحَدَ إذا جارَ وعدل عن الحق، أي: لا تملْ عن الحق ما دمت حيًّا، "ولا تتثاقل" بالجزم أيضًا، أي: لا تتوان وتتكاسل، "عن الصلاة" , كنايةстр. 2663
ولا تتثاقل عن الصلاة".
ثم كتب معه كتابًا إلى بني نهد: "بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الإماق، وتأكلوا الرباق، من أقرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله ﷺ الوفاء بالعهد
الحواشي
(١) عن تركها، كأنَّ عليه ثقلًا يمنعه عن الحركة إليها، والخطاب في الثلاثة لطهفة، فأفرده بعد خطاب الجماعة بقوله: "يا بني نهد" لجواز أنه ذكَّرهم به حال خطابه لطهفة، ويدل عليه قوله: "ثم كتب معه كتابًا إلى بني نهد: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله, لكم يا بني نهد في الوظيفة" -بظاء معجمة وفاء- بزنة سفينة، وجمعها وظائف، ووظف كسفن, "الفريضة ولكم الفارض" -بالفاء والعين المهملة، "والفريش" -بالفاء المعجمة، "وذو العنان" -بالكسر، "الركوب" -بفتح الراء والرفع- صفة، ذو روي بالجر صفة العنان، "والفلوّ" -بفتح الفاء وضم اللام، وشد الواو- المهر الصغير, سُمِّيَ فلوًّا؛ لأنه يفلي عن أمه، أي: يقطع بالفطام عنها.
قال الجوهري: يقال: فلوته إذا قطعته، وعن أبي زيد: إذا افتحت الفاء شدَّدت الواو، وإذا كسرتها خفَّفت، فقلت: فلو كجرو، وفي القاموس: الفلو -بالكسر- وكعدو وسموا الجحش والمهر طمًا، أو بلغا السنة, "الضبيس" -بمعجمة، وإهمالها وهم "لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم" -بفتح المهملة، وسكون اللام ومهملة- شجر عظيم يقال له: العضاء، وأم غيلان، وكل شجر له شوك، والمراد: لا يقطع لكم شجر طلحًا، أو غيره، وخصَّه؛ لأنه لا ثمر له، فإذا منع من قطعه علم عدم قطع غيره بالأَوْلَى، "ولا يحبس دركم" -بفتح الدال، وشد الراء المهملتين- أصل, معناه: اللبن، والمراد به هنا: الأنعام ذوات الدر، أي: لا تمنع عن المرعى "ما لم تضمروا" تخفوا، أو تكتموا "الإماق" -بهمزة مكسورة وميم ساكنة، وهمزة ممدودة تليها قاف- بزنة الإكرام، أي: الغدر والبغض، وقد تخفف همزته، كما في التلمساني، ويأتي للمصنف أن في رواية الرماق -بكسر الراء والميم، قيل: وهي التي اتفق عليها شرَّاح الشفاء، ومحشوها، "وتأكلوا الرباق" -براء وموحدة خفيفة وقاف، جمع ربقة، "من أقَرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله ﷺ الوفاء بالعهد"، أل عهدية، أي: ما عاهدهم عليه في كتابه هذا، أو ما علم من عهود الإسلام، "والذمَّة" بمعنى: العهدстр. 2664
والذمّة، ومن أبى فعليه الربوة".
وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى التفسير:
فالميس: شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها.
ونستحلب -بالحاء المهملة- الصبير: بفتح الصاد المهملة وكسر الموحَّدة، وهو سحاب أبيض متراكب متكاثف, أي: نستدرّ السحاب.
ونستحلب -بالخاء المعجمة، الخبير -بالخاء المعجمة- أيضًا ثم الموحدة: النبات والعشب، شبه بخبير الإبل وهو وبرها، واستخلابه: احتشاشه بالمخلب، وهو المنجل، والخبير: يقع على الوبر والزرع والأكار, قاله ابن الأثير.
الحواشي
(١) والأمان والضَّمان والحرمة والحق، والمراد: الأوَّلان, سُمِّيَت ذمَّة؛ لأن تركها يوجب الذمّ، ثم سُمِّيَ محل الالتزام بها في قول الفقهاء ثبت في ذمّته، كذا قال القرافي في قواعده: لم يعرف أكثر الفقهاء معناها، وحقيقتها حتى ظنَّوا أنها أهلية المعاملة، أو صحّة التصرف، وليس كذلك؛ لأن كلًّا يوجد بدون الآخر، وهي عبارة عن معنى مقدّر في المكلف، قابل للالتزام واللزوم، مسبّب عن أشياء خاصة في الشرع، وهي البلوغ والرشد وعدم الحجر، وهي من خطاب الوضع، "ومن أبى" امتنع من قبول العهد، أو نقضه بعد قبوله ودخوله فيه من منع الزكاة، "فعليه الربوة" -مثلث الراء ساكن الموحدة.
"وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى التفسير، فالميس -بفتح الميم، وسكون التحتية، "شجر صلب يعمل منه أكوار الإبل ورحالها" عطف تفسير، ففي القاموس: الكور -بالضم- الرحل، أو بأدواته، "ونستحلب -بالحاء المهملة- الصبير -فتح الصاد المهملة، وكسر الموحدة- وهو سحاب أبيض متراكب، متكاثف"، كأنَّ بعضه صبر على بعض، أي: حبس، "أي: نستدر السحاب"، أي: نطلب نزول دره، وهو المطر، "ونستخلب -بالخاء المعجمة- الخبير -بالخاء المعجمة- أيضًا، ثم الموحدة: النبات والعشب"، خاص على عام، "شبّه بخبير الإبل، وهو وبرها"، فهو مجاز، "واستخلابه احتشاشه بالمخلب، وهو المنجل" بكسر الميم- الآلة المعروفة، "والخبير يقع على الوبر والزرع، والأكار" الزراع، ومنه المخابرة، وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، "قاله ابن الأثير" في النهاية، والمراد هنا الزرع، أي: النبات.
قال الجوهري: وفي الحديث: "نستخلب الخبير"، أي: نقطع النبات ونأكله. انتهى، ثم ظاهر قوله يقع أنه حقيقة لغوية في كلّ، وهو ظاهر إطلاق القاموس والصحاح، فيخالف قوله شبهстр. 2665
ونستعضد البرير: أي: نقطعه ونجنيه من ثمره للأكل، وهو بموحَّدة وراءين بينهما مثناة تحتية: ثمر الأراك إذا اسودَّ وبلغ, وقيل: هو اسم له في كل حال، وكانوا يأكلونه في الجدب.
ونستخيل -بالخاء المعجمة- الرهام -بكسر الراء: وهي الأمطار الضعيفة، واحدتها رهمة، أي: نتخيّل الماء في السحاب القليل، وقيل: الرَّهْمَة أشدّ وقعًا من الديمة.
ونستجيل -بالجيم- أي: نراه جائلًا يذهب به الريح ههنا وههنا.
والجهام -بالجيم- أي: السحاب الذي فرغ ماؤه.
ومن روى نستخيل -بالخاء المعجمة بدل الجيم- فهو نستغفل من "خلت، أخال" إذا ظننت، أراد لا نتخيّل في السحاب حالًا إلّا المطر, وإن كان جهامًا لشدة حاجتنا إليه، ومن رواه بالحاء المهملة -وهو الأشهر- أراد: لا ننظر من السحاب في حال إلّا إلى جهام من قلة المطر.
الحواشي
(١) بخبير الإبل، اللهمَّ إلّا أن يريد يقع مجازًا فلا تخالف، "ونستعضد البرير" أي: نقطعه"، فالسين للتأكيد، "ونجنيه من ثمره للأكل، وهو بموحَّدة وراءين، بينهما مثناة تحتية، ثمر الأراك إذا اسودَّ وبلغ، وقيل: هو اسم له في كل حال"، وإن لم يسود ويبلغ، "وكانوا يأكلونه في الجدب" لقلة الزاد، "ونستخيل"، بالخاء المعجمة: الرِّهام -بكسر الراء، وهي الأمطار الضعيفة" الدائمة، كما في القاموس، "واحدتها رهمة" بكسر الراء، وتجمع أيضًا على رهم كعنب، كما في القاموس "أي: نتخيّل الماء في السحاب القليل، وقيل: الرهمة أشدّ وقعًا من الديمة" المطر، "ونستجيل" بالجيم، أي: نراه جائلًا يذهب به الريح ههنا وههنا، والجهام بالجيم" المفتوحة، "أي: السحاب الذي فرغ ماؤه"، كذا فسره ابن الأثير، وهو أحد قولين حكاهما المجد، فقال: الجهام السحاب لا ماء فيه، أو قد هرق ماءه، وجزم الجوهري بأوّلهما، وقد يكون أنسب هنا، "ومن روى: نستخيل -بالخاء المعجمة- بدل الجيم، فهو نستفعل"، ذكره لبيان مأخذه، وإلا فوزنه كذلك على الرايات الثلاث، "من خِلْتُ أخال إذا ظننت, أراد: لا نتخيل في السحاب حالًا إلّا المطر، وإن كان جهامًا لشدة حاجتنا إليه"، فنظنّ ما لا وجود له موجودًا، "ومن رواه بالحاء المهملة، لا بمعجمة، ولا جيم، "وهو الأشهر، أراد: لا ننظر من السحاب في حال إلّا إلى جهام من قلة المطر"، فقده بعد وجوده، أو عدم وجوده أصلًا، وهذا كله لفظ النهاية، "وأرضследующие страницы →