Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
النهدي يشكو الجدب إليه, فقال: يا رسول الله, أتيناك من غورى تهامة، بأكوار الميس، نرتمي بنا العيس، نستخلب الصبير، ونستخلب الخبير، ونستعضد البرير، ونستحيل الرهام، ونستحيل الجهام، من أرض غائلة النطاء، غليظة الوطاء، قد نشف المدهن، ويبس الجعثن، وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن وما يحدث من الزمن، لنا دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر وقام تعار، ولنا نعم همل، أغفال ما تبل ببلال، ووقير كثير الرسل قليل الرسل، أصابتها سنية حمراء مؤزلة، لي لها علل ولا نهل.
الحواشي
(١) معجمه، وأبو نعيم في الصحابة عن عمران بن حصين، وابن الجوزي في العلل من وجه ضعيف جدًّا، عن علي بن أبي طالب قالا: قدم وفد بني نهد على النبي ﷺ ، فقام طهفة, لفظ عمران، ولفظ علي: طخفة -بالخاء المعجمة- ابن أبي زهير، "يشكو الجدب إليه" -بدال مهملة- ضد الخصب، "فقال: يا رسول الله أتيناك من غورى" -بفتح المعجمة، والراء، وإسكان الواو بينهما- "تهامة" أي: ما انحدر مغربًا عنها، كما في القاموس "بأكوار"، أي: رحال، "الميس" -بفتح الميم، وإسكان التحتية، ومهملة, "نرتمي" نقصد "بنا العيس"، أي: الإبل مطلقًا، وإن كانت في اللغة: الإبل البيض إلى صفر، "نستخلب الصبير، ونستخلب الخبير" -بمعجمة فيهما- و"نستعضد البرير، ونستخيل" بمعجمة "الرهام" -بكسر الراء: الأمطار الضعيفة الدائمة، و"نستحيل" -بحاء مهملة- على الأشهر، وروي بجيم وخاء معجمة, "الجهام" -بفتح الجيم- السحاب لا ماء فيه، أو انقطع ماؤه, "من أرض غائلة النطاء" -بكسر النون، مهلكة لبعدها, "غليظة الوطاء، قد نشف المدهن" -بضم الميم، والهاء- من النوادر التي جاءت على خلاف القياس، والقياس الكسر، كما في المصباح، "ويبس الجعثن" -بكسر الجيم، وسكون المهملة، وكسر المثلثة، "وسقط الأملوج، ومات العسلوج، وهلك الهدي، ومات الودي، برئنا إليك يا رسول الله من الوثن والعنن، وما يحدث من الزمن, لنا دعوة الإسلام وشرائع الإسلام ما طما البحر، وقام تعار ولنا نعم همل" -بفتحتين وبضم أوله وفتح ثانيه- ثقيلًا "أغفال" بمعجمة- وفاء "ما تبل ببلال ووقير" -بقاف وتحتية وراء- قطيع من الغنم، "كثير الرسل" -بفتح الراء- أي: شديد التفرق في طلب المرعى، "قليل الرسل" -بكسر فسكون- اللبن، كما في النهاية، "أصابتها سنية حمراء" أي: جدب شديد، تصغير تعظيم، قاله في النهاية، "مؤزلة".
قال ابن الأثير: الأزل الضيق والشدة، وسنة مؤزلة: آتية بالأزل والقحط، "ليس لها علل، ولا نهل"، أي: شرب ثانٍ بعد شرب أوّل لشدة القحط، "فقال لهم رسول الله ﷺ : "اللهم باركстр. 2662
فقال لهم رسول الله ﷺ : "اللهم بارك لهم في محضها ومخضها ومذقها، وابعث راعيها في الدثر بيانع الثمر، وافجر له الثمد، وبارك له في المال والولد، من أقام الصلاة كان مسلمًا، ومن آتى الزكاة كان محسنًا، ومن شهد أن لا إله إلا الله كان مخلصًا، لكم يا بني نهد ودائع الشرك، ووضائع الملك، لا تلطط في الزكاة، ولا تلحد في الحياة،
الحواشي
(١) لهم في محضها ومخضها ومذقها"، متعلق ببارك، أي: اجعل البركة وزيادة الرزق وثباته مقسومًا وأصلًا لهم، "وابعث" أرسل "راعيها في الدثر" -بفتح المهملة وإسكان الثلثة وتفتح- المال الكثير، "بيانع الثمر" من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالثمر اليانع، "وأفجر" -بضم الجيم "له" للراعي "الثمد" -بمثلثة مفتوحة وميم ساكنة وتفتح- الماء القليل، أي: كثره للراعي، وإذا كثر له كثر لغيره، فافجر مجاز عن معنى التكثير للزومه له غالبًا، "وبارك له في المال والولد"، عطف على ما قبله، أو على بارك الأوّل، والمال كل ما يتموّل ويُمْلَك، وهو في كلام العرب في الأكثر يُخْتَصُّ بالإبل، ويجوز إرادة كلٍّ منهما هنا, "من أقام الصلاة كان مسلمًا"، أي: كاملًا، كقوله: "المسلم من سَلِمَ المسلمون من يده ولسانه"، أو المراد: يحكم بإسلامه الظاهر، أو المراد: الحث على إقامة الصلاة، أي: المداومة والمحافظة عليها، أو هو على ظاهره؛ لأنَّ مَنْ تَرَكَها مستحلًّا لتركها كَفَر، أو لأنَّ تاركها كافر في قول كثيرين منهم أحمد، وهو في حكم الكافر؛ لأنه يقتل، "ومن آتى" بالمد، أعطى وأدَّى "الزكاة كان محسنًا"، منعمًا متفضِّلًا على الفقراء، أو إتيانًا بأمر حسن، مطلوب في الدين، "ومن شهد أن لا إله إلا الله"، أي: أتى بكلمة التوحيد وأعلن بها، "كان مخلصًا" في إيمانه؛ لأن الظاهر مطابقة قوله لما في قلبه حملًا لأحوال المؤمن على الصلاح, والمراد بالإخلاص عدم النفاق.
وقيل: المراد من قال كلمة الشهادة، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله، كما يقال: قرأت ﴿حم ?, وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾ ، أي: السورة بتمامها, "لكم يا بني نهد ودائع الشرك" لكم خير مقدَّم للاهتمام، لا للحصر القلبي، بناءً على ما يأتي من تفسيره، وجملة النداء معترضة لبيان المخاطب, "ووضائع الملك"، بكسر الميم، على تفسيره الآتي: ما يلزم الناس في أموالهم من زكاة وصدقة، أي: يلزمكم من غير زيادة ولا نقص، أو بضم الميم، أي: ما كان ملوك الجاهلية يوظّفونه على الرعايا، ويستأثرون به من غنائم الحروب, لا يؤخذ منكم، فهو لكم "لا تلطط" -بضم الفوقية، وإسكان اللام، وكسر الطاء الأولى- مجزوم على النهي، "في الزكاة" متعلّق به، أي: لا تمنعها، "ولا تلحد" -بضم التاء والجزم، "في الحياة" , من أَلْحَدَ إذا جارَ وعدل عن الحق، أي: لا تملْ عن الحق ما دمت حيًّا، "ولا تتثاقل" بالجزم أيضًا، أي: لا تتوان وتتكاسل، "عن الصلاة" , كنايةстр. 2663
ولا تتثاقل عن الصلاة".
ثم كتب معه كتابًا إلى بني نهد: "بسم الله الرحمن الرحيم, من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله، لكم يا بني نهد في الوظيفة الفريضة، ولكم الفارض والفريش، وذو العنان الركوب، والفلو الضبيس، لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم، ولا يحبس دركم ما لم تضمروا الإماق، وتأكلوا الرباق، من أقرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله ﷺ الوفاء بالعهد
الحواشي
(١) عن تركها، كأنَّ عليه ثقلًا يمنعه عن الحركة إليها، والخطاب في الثلاثة لطهفة، فأفرده بعد خطاب الجماعة بقوله: "يا بني نهد" لجواز أنه ذكَّرهم به حال خطابه لطهفة، ويدل عليه قوله: "ثم كتب معه كتابًا إلى بني نهد: "بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى بني نهد بن زيد، السلام على من آمن بالله ورسوله, لكم يا بني نهد في الوظيفة" -بظاء معجمة وفاء- بزنة سفينة، وجمعها وظائف، ووظف كسفن, "الفريضة ولكم الفارض" -بالفاء والعين المهملة، "والفريش" -بالفاء المعجمة، "وذو العنان" -بالكسر، "الركوب" -بفتح الراء والرفع- صفة، ذو روي بالجر صفة العنان، "والفلوّ" -بفتح الفاء وضم اللام، وشد الواو- المهر الصغير, سُمِّيَ فلوًّا؛ لأنه يفلي عن أمه، أي: يقطع بالفطام عنها.
قال الجوهري: يقال: فلوته إذا قطعته، وعن أبي زيد: إذا افتحت الفاء شدَّدت الواو، وإذا كسرتها خفَّفت، فقلت: فلو كجرو، وفي القاموس: الفلو -بالكسر- وكعدو وسموا الجحش والمهر طمًا، أو بلغا السنة, "الضبيس" -بمعجمة، وإهمالها وهم "لا يمنع سرحكم، ولا يعضد طلحكم" -بفتح المهملة، وسكون اللام ومهملة- شجر عظيم يقال له: العضاء، وأم غيلان، وكل شجر له شوك، والمراد: لا يقطع لكم شجر طلحًا، أو غيره، وخصَّه؛ لأنه لا ثمر له، فإذا منع من قطعه علم عدم قطع غيره بالأَوْلَى، "ولا يحبس دركم" -بفتح الدال، وشد الراء المهملتين- أصل, معناه: اللبن، والمراد به هنا: الأنعام ذوات الدر، أي: لا تمنع عن المرعى "ما لم تضمروا" تخفوا، أو تكتموا "الإماق" -بهمزة مكسورة وميم ساكنة، وهمزة ممدودة تليها قاف- بزنة الإكرام، أي: الغدر والبغض، وقد تخفف همزته، كما في التلمساني، ويأتي للمصنف أن في رواية الرماق -بكسر الراء والميم، قيل: وهي التي اتفق عليها شرَّاح الشفاء، ومحشوها، "وتأكلوا الرباق" -براء وموحدة خفيفة وقاف، جمع ربقة، "من أقَرَّ بما في هذا الكتاب فله من رسول الله ﷺ الوفاء بالعهد"، أل عهدية، أي: ما عاهدهم عليه في كتابه هذا، أو ما علم من عهود الإسلام، "والذمَّة" بمعنى: العهدстр. 2664
والذمّة، ومن أبى فعليه الربوة".
وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى التفسير:
فالميس: شجر صلب تعمل منه أكوار الإبل ورحالها.
ونستحلب -بالحاء المهملة- الصبير: بفتح الصاد المهملة وكسر الموحَّدة، وهو سحاب أبيض متراكب متكاثف, أي: نستدرّ السحاب.
ونستحلب -بالخاء المعجمة، الخبير -بالخاء المعجمة- أيضًا ثم الموحدة: النبات والعشب، شبه بخبير الإبل وهو وبرها، واستخلابه: احتشاشه بالمخلب، وهو المنجل، والخبير: يقع على الوبر والزرع والأكار, قاله ابن الأثير.
الحواشي
(١) والأمان والضَّمان والحرمة والحق، والمراد: الأوَّلان, سُمِّيَت ذمَّة؛ لأن تركها يوجب الذمّ، ثم سُمِّيَ محل الالتزام بها في قول الفقهاء ثبت في ذمّته، كذا قال القرافي في قواعده: لم يعرف أكثر الفقهاء معناها، وحقيقتها حتى ظنَّوا أنها أهلية المعاملة، أو صحّة التصرف، وليس كذلك؛ لأن كلًّا يوجد بدون الآخر، وهي عبارة عن معنى مقدّر في المكلف، قابل للالتزام واللزوم، مسبّب عن أشياء خاصة في الشرع، وهي البلوغ والرشد وعدم الحجر، وهي من خطاب الوضع، "ومن أبى" امتنع من قبول العهد، أو نقضه بعد قبوله ودخوله فيه من منع الزكاة، "فعليه الربوة" -مثلث الراء ساكن الموحدة.
"وتحتاج هذه الألفاظ البالغة أعلى أنواع البلاغة إلى التفسير، فالميس -بفتح الميم، وسكون التحتية، "شجر صلب يعمل منه أكوار الإبل ورحالها" عطف تفسير، ففي القاموس: الكور -بالضم- الرحل، أو بأدواته، "ونستحلب -بالحاء المهملة- الصبير -فتح الصاد المهملة، وكسر الموحدة- وهو سحاب أبيض متراكب، متكاثف"، كأنَّ بعضه صبر على بعض، أي: حبس، "أي: نستدر السحاب"، أي: نطلب نزول دره، وهو المطر، "ونستخلب -بالخاء المعجمة- الخبير -بالخاء المعجمة- أيضًا، ثم الموحدة: النبات والعشب"، خاص على عام، "شبّه بخبير الإبل، وهو وبرها"، فهو مجاز، "واستخلابه احتشاشه بالمخلب، وهو المنجل" بكسر الميم- الآلة المعروفة، "والخبير يقع على الوبر والزرع، والأكار" الزراع، ومنه المخابرة، وهي المزارعة ببعض ما يخرج من الأرض، "قاله ابن الأثير" في النهاية، والمراد هنا الزرع، أي: النبات.
قال الجوهري: وفي الحديث: "نستخلب الخبير"، أي: نقطع النبات ونأكله. انتهى، ثم ظاهر قوله يقع أنه حقيقة لغوية في كلّ، وهو ظاهر إطلاق القاموس والصحاح، فيخالف قوله شبهстр. 2665
ونستعضد البرير: أي: نقطعه ونجنيه من ثمره للأكل، وهو بموحَّدة وراءين بينهما مثناة تحتية: ثمر الأراك إذا اسودَّ وبلغ, وقيل: هو اسم له في كل حال، وكانوا يأكلونه في الجدب.
ونستخيل -بالخاء المعجمة- الرهام -بكسر الراء: وهي الأمطار الضعيفة، واحدتها رهمة، أي: نتخيّل الماء في السحاب القليل، وقيل: الرَّهْمَة أشدّ وقعًا من الديمة.
ونستجيل -بالجيم- أي: نراه جائلًا يذهب به الريح ههنا وههنا.
والجهام -بالجيم- أي: السحاب الذي فرغ ماؤه.
ومن روى نستخيل -بالخاء المعجمة بدل الجيم- فهو نستغفل من "خلت، أخال" إذا ظننت، أراد لا نتخيّل في السحاب حالًا إلّا المطر, وإن كان جهامًا لشدة حاجتنا إليه، ومن رواه بالحاء المهملة -وهو الأشهر- أراد: لا ننظر من السحاب في حال إلّا إلى جهام من قلة المطر.
الحواشي
(١) بخبير الإبل، اللهمَّ إلّا أن يريد يقع مجازًا فلا تخالف، "ونستعضد البرير" أي: نقطعه"، فالسين للتأكيد، "ونجنيه من ثمره للأكل، وهو بموحَّدة وراءين، بينهما مثناة تحتية، ثمر الأراك إذا اسودَّ وبلغ، وقيل: هو اسم له في كل حال"، وإن لم يسود ويبلغ، "وكانوا يأكلونه في الجدب" لقلة الزاد، "ونستخيل"، بالخاء المعجمة: الرِّهام -بكسر الراء، وهي الأمطار الضعيفة" الدائمة، كما في القاموس، "واحدتها رهمة" بكسر الراء، وتجمع أيضًا على رهم كعنب، كما في القاموس "أي: نتخيّل الماء في السحاب القليل، وقيل: الرهمة أشدّ وقعًا من الديمة" المطر، "ونستجيل" بالجيم، أي: نراه جائلًا يذهب به الريح ههنا وههنا، والجهام بالجيم" المفتوحة، "أي: السحاب الذي فرغ ماؤه"، كذا فسره ابن الأثير، وهو أحد قولين حكاهما المجد، فقال: الجهام السحاب لا ماء فيه، أو قد هرق ماءه، وجزم الجوهري بأوّلهما، وقد يكون أنسب هنا، "ومن روى: نستخيل -بالخاء المعجمة- بدل الجيم، فهو نستفعل"، ذكره لبيان مأخذه، وإلا فوزنه كذلك على الرايات الثلاث، "من خِلْتُ أخال إذا ظننت, أراد: لا نتخيل في السحاب حالًا إلّا المطر، وإن كان جهامًا لشدة حاجتنا إليه"، فنظنّ ما لا وجود له موجودًا، "ومن رواه بالحاء المهملة، لا بمعجمة، ولا جيم، "وهو الأشهر، أراد: لا ننظر من السحاب في حال إلّا إلى جهام من قلة المطر"، فقده بعد وجوده، أو عدم وجوده أصلًا، وهذا كله لفظ النهاية، "وأرضстр. 2666
وأرض غائله -بالغين المعجمة- والنطاء -بكسر النون- أي: مهلكة للبعد، يقال: بلد نطي، أي: بعيد، ويروى المنطأ وهو مفعل منه.
والمدهن: نقرة في الجبل.
والجعثن: بالجيم والمثلثة، أصل النبات، ويقال: أصل الصليان خاصّة, وهو نبت معروف.
والعسلوج: بضم العين وبالسين المهملتين، آخره جيم، وهو الغصن إذا يَبِسَ وذهبت طراوته، وقيل: هو القضيب الحديث الطلوع، يريد أن الأغصان يبسن وهلكت من الجدب، وجمعه، عساليج.
والأملوج: بالضم والجيم، وَرَق شجر يشبه الطرفاء والسرو، وقيل: هو ضرب من النبات ورقه كالعيدان، وقيل: هو نوى المقل. وفي رواية: وسقط الأملوج من البكارة -بالكسر- جمع البكرة -بالفتح, يريد أن السمن الذي قد علا بكارة الإبل بما رعت
الحواشي
(١) غائلة -بالغين المعجمة، والنطاء -بكسر النون- أي: مهلكة" بيان لغائلة، "للبعد، يقال: بلد نطي، أي: بعيد، ويروى: المنطأ، وهو مفعل منه".
فالروايتان بمعنًى، "والمدهن نقرة في الجبل"، كما قال ابن الأثير، ويخالفه قول القاموس: المدهن -بالضم- آلة الدهن، وقارورته, شاذّ ومستنقع الماء، أو كل موضع حفره سيل، ومنه حديث طهفة: نشف المدهن، اللهمَّ إلا أن يريد بنقرة الجبل ما حفره السيل مما اعتيد حفره فيه، وهو كناية عن جفاف الماء في جميع نواحيهم، "والجعثن -بالجيم والمثلثة" المكسورتين -بينهما مهملة ساكنة آخره نون، "أصل النبات" مطلقًا، "ويقال: أصل الصليان" -بكسرتين مشدَّدة اللام، واحدته بهاء، ذكره القاموس في باب اللام، "خاصَّة, وهو نبت معروف، والعسلوج -بضم العين وبالسين المهملتين، آخره جيم- وهو الغصن إذا يبس وذهبت طراوته، وقيل: هو القضيب الحديث" الجديد "الطلوع، يريد أن الأغصان يبسن وهلكت من الجدب، وجمعه: عساليج، والأملوج -بالضم" بالألف واللام "والجيم" آخره: "ورق شجر يشبه الطرفاء والسرو، وقيل: هو ضرب من النبات ورقه كالعيدان، وقيل: هو نوى المقل".
قال في القاموس: بالضم، إلى أن قال: ثمر الدوم، "وفي رواية: وسقط الأملوج من البكارة -بالكسر- جمع البكرة -بالفتح" للباء", يريد أن السمن الذي قد علا بكارة الإبل بما رعتстр. 2667
من هذه الشجرة قد سقطت عنها، فسمَّاه باسم المرعى؛ إذ كان سببًا له.
وهلك الهدي -بفتح الهاء وكسر الدال المهملة والتشديد- كالهدي بالتخفيف، وهو ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لينحر، فأطلق على جميع الإبل وإن لم تكن هديًا، تسمية للشيء ببعضه، يقال: كم هدي بني فلان؟ أي: كم إبلهم.
ومات الوديّ: بالتشديد، فسيل النخل، يريد: هلكت الإبل ويبست النخل.
وبرئنا إليك من الوثن والعنن، الوثن: الصنم، والعنن: الاعتراض، يقال: عنَّ لي شيء, أي: اعتراض، كأنه قال: برئنا إليك عن الشرك والظلم، وقيل: أراد به الخلاف والباطل.
وما طمي البحر: أي: ارتفع بأمواجه.
وتعار -بكسر التاء المثناة الفوقية- يصرف ولا يصرف، اسم جبل.
ولنا نعم همل: أي: مهملة لا رعاء لها، ولا فيها ما يصلحها ويهديها، فهي كالضالة.
والإبل الأغفال: لا لبن فيها
الحواشي
(١) من هذه الشجرة، قد سقط عنها، فسمَّاه باسم المرعى؛ إذ كان سببًا له"، فهو مجاز، "وهلك الهدي -بفتح الهاء، وكسر الدال المهملة، والتشديد- كالهدي بالتخفيف، وهو ما يهدى إلى البيت الحرام من النعم لينحر، فأطلق على جميع الإبل، وإن لم تكن هديًا" لصلوحها له، "تسمية للشيء ببعضه، يقال: كم هدي بني فلان، أي: كم إبلهم، ومات الوديّ -بالتشديد" للياء- "فسيل النخل, يريد: هلكت الإبل، ويبست النخل، وبرئنا إليك من الوثن والعنن، الوثن: الصنم، والعنن: الاعتراض، يقال: عنَّ لي شيء، أي: اعتراض، كأنَّه قال: برئنا إليك من الشرك والظلم، وقيل: أراد به الخلاف والباطل، وما طمي البحر" -بالطاء المهملة "أي: ارتفع بأمواجه, وتعارّ -بكسر المثناة الفوقية" بعدها عين مهملة، فألف، فراء- بزنة كتاب "يصرف، ولا يصرف"، بالاعتبارين, البقعة والمكان "اسم جبل" ببلاد قيس، كما في القاموس، "ولنا نعم همل" -بفتحتين وبضم أوله، وشد الميم مفتوحة- جمع هامل مثل: راكع وركع، كما في المصباح والقاموس، "أي: مهملة لا رعاء لها، ولا فيها ما يصلحها ويهديها، فهي كالضالة، والإبل الأغفال لا لبن فيها"، جمع غفل -بالمعجمة والفاء.стр. 2668
وقوله ﵊: "اللهمَّ بارك لهم في محضها" -بالحاء المهملة والضاد المعجمة- أي: خالص لبنها.
"ومخضها" -بالمعجمتين: ما مخض من اللبن وأخذ زبده.
"ومذقها" -بفتح الميم وسكون المعجمة وبالقاف- أي: ممزوج بالماء.
"وابعث راعيها في الدثر" -بالمهملة المفتوحة ثم المثلثة الساكنة ثم الراء: المال الكثير، وقيل: الخصب والنبات الكثير.
"وافجر له الثمد" -بفتح المثلثة: الماء القليل، أي: صيّره كثيرًا.
"وودائع الشرك" , قيل: المراد بها العهود والمواثيق، يقال: توادع الفريقان إذا أعطى كل واحد.
الحواشي
(١) "وقوله ﵊: "اللهمَّ بارك لهم في محضها" -بالحاء المهملة، والضاد المعجمة- أي: خالص لبنها، ومادَّته كلها تدل على الخلوص والصفاء، ومنه: محض الإيمان، ومحض الود، وعربي محض، ونحو ذلك، "ومخضها" -بالمعجمتين- ما مخض من اللبن وأخذ زبده"، وأصله تحريك السقاء الذي فيه اللبن حتى يتميّز زبده فيؤخذ منه، ويسمَّى ذلك اللبن المأخوذ زبده: مخيضًا، وهو صفة لا مصدر ميمي، "ومذقها" بفتح الميم، وسكون المعجمة، وبالقاف- أي": لبنها، وهو "ممزوج بالماء"، وأصل معناه الخلط والمزج، ثم استعمل في اللبن المخلوط بالماء، قال: جاءوا بمذاق هل رأيت الذئب قط، والضمائر راجعة لأرضهم أو لأنعامهم المذكورة في كلام طهفة، فدعا المصطفى لهم بالبركة في ألبانهم بأقسامها، ما كان خالصًا لم يتميز زبده، وما خرج بالماء، ومجموعه كناية عن خصب أرضهم وسقيها، فإن الألبان إنما تكثر بنبات المرعى، وهو إنما يكون بالمطر المخلوط، فكأنه قال: "اللهم اسق بلادهم، واجعلها مخصبة ملبنة"، ويدل عليه قوله: "وابعث راعيها في الدثر -بالمهملة المفتوحة، ثم المثلثة الساكنة"، ويجوز فتحها، "ثم الراء: المال الكثير"، وقيل: الخصب والنبات الكثير"؛ لأنه من الدثار وهو الغطاء؛ لأنها تغطي وجه الأرض، "وافجر" بضم الجيم، "له الثمد -بفتح المثلثة"، وإسكان الميم، وتفتح- كما في القاموس، "الماء القليل" لا مادَّة له، أو ما يبقى في الجلد، أو ما يظهر في الشتاء، ويذهب في الصيف، كما في القاموس، "أي: صيره كثيرًا"، فافجر مجاز عن التكثير للزومه له غالبًا، "وودائع الشرك"، قيل: المراد بها: العهود والمواثيق"، التي كانت بينهم وبين من جاورهم من الكفَّار في المهادنة، "يقال: توادع الفريقان إذا أعطى كل واحدстр. 2669
منهم عهده للآخر لا يغزوه، وقيل: المراد ما كانوا استودعوه من أموال الكفَّار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، أراد إحلالها لهم؛ لأنها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط.
"ووضائع الملك" جمع وضيعة، وهي الوظيفة التي تكون على الملك، وهو ما يلزم الناس في أموالهم من الزكاة والصدقة، أي: لكم الوظائف التي تلزم المسلمين لا تتجاوز عنكم ولا نريد عليكم فيها شيئًا.
"ولا تلطط" بضم المثناة الفوقية، ثم اللام الساكنة ثم طاءان، الأولى مكسورة والثانية مجزومة على النهي، أي: لا
الحواشي
(١) منهم عهده للآخر لا يغزوه"، ويسمَّى ذلك العهد وديعًا بلا هاء، فيقال: أعطيته وديعًا، أي: عهدًا، قيل: والظاهر أن المراد عهودهم الواقعة بينهم بعد الحروب، بعدم المؤاخذة بما قتلوا، وإن ما أراقوا من الدماء هدر، كما في الحديث الآخر: "كل دم في الجاهلية تحت قدمي هذه"، أي: متروك هدرًا، "وقيل: المراد ما كانوا استودعوه من أموال الكفَّار الذين لم يدخلوا في دين الإسلام، أراد إحلالها لهم؛ لأنها مال كافر قدر عليه من غير عهد ولا شرط"، فهو فيء لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب، فهو على هذا جمع وديعة بالهاء، ولا ينافيه أنه ﷺ ، لما هاجر خلَّف عليًّا لردِّ الوداع والأمانات التي كانت عنده؛ لأنه كان قبل حل الغنائم له، أو لأنَّه ﷺ فَرَّ من نسبته للخيانة، وذهاب شهامته وأمانته، فيطعنوا في الإسلام، ويبعدوا من الإيمان.
"ووضائع الملك" جمع وضيعة، بمعنى: موضوعة، "وهي الوظيفة التي تكون على الملك" بكسر الميم- ما يملك، "وهو ما يلزم الناس في أموالهم من الزكاة والصدقة، أي: لكم الوظائف التي تلزم المسلمين لا تتجاوز عنكم، ولا نريد عليكم فيها شيئا"، بل هم فيها، كسائر المسلمين، وقيل: الملك -بضم الميم، والمعنى: أن ما كان ملوك الجاهلية يوظفونه على الرعايا، ويستأثرون به من غنائم الحروب لا يؤخذ منكم، فهو لكم، فلام لكم على ظاهرها على التفسيرين الأخيرين للودائع، والوضائع، وعلى الأوَّلين بمعنى: علي كقوله: "وإن أسأتم فلها"، واعترض بأنَّ العهد إذا لزم الوفاء به يكون على المعاهد؛ لأنه فرض مطلوب منه، وعهود مهادنتهم قبل الإسلام لا يجب الوفاء بها بعده، والقائل: ظنَّ وجوب الوفاء، فجعل اللام بمعنى على، وليس كذلك؛ لأن عهد الكافر لا يُعْتَدُّ به، وإنما الوضائع بمعنى تكاليف الزكاة، فهي وإن ثقلت على بعضهم, لهم باعتبار الأجر عليها، لكنَّ هذا مبني على تفسيره، وليس بمتعَيِّن، كما علم، "ولا تلطط" بضم المثناة الفوقية ثم اللام الساكنة ثم طاءان" بعدها الأولى، ثم طاءين "الأولى مكسورة، والثانية مجزومة"، فيه مسامحة؛ إذ الجزم صفة للفعل بتمامه، فالمراد: ساكنة "على النهي، أي: لاстр. 2670
تمنعها.
"ولا تلحد في الحياة" بضم المثناة الفوقية وإسكان اللام وكسر الحاء المهملة وآخره دال مهملة، أي: لا تمل عن الحق ما دمت حيًّا. قال بعضهم: كذا رواه القتيبي: لا وتلطط ولا تلحد على النهي للواحد، ولا وجه له؛ لأنه خطاب الجماعة، ورواه غيره: ما لم يكن عهد ولا موعد ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط في الزكاة وتلحد في الحياة. قال الحافظ أبو السعادات الجزري، وهو الوجه؛ لأنه خطاب للجماعة واقع على ما قبله.
الحواشي
(١) تمنعها".
قال ابن الأعرابي: لط الغريم إذا منعه حقَّه، وأصله من لطت الناقة فرجها بذنبها, إذا ضمته عليه، وقد أرادها الفحل، وفي شعر الأعشى في امرأته حين نشزت:
أخلفت الوعد ولطت بالذنب ... وهنّ شر غالب لمن غلب
"ولا تلحد في الحياة" بضم المثناة الفوقية، وإسكان اللام، وكسر الحاء المهملة، آخره دال مهملة" مجزوم، "أي: لا تمل عن الحق ما دمت حيًّا"، من ألحد إلحادًا، إذا جار وعدل عن الحق، وأصله مطلق العدول، ويقال: لحد قليلًا، "قال بعضهم: كذا رواه القتيبي" بضم القاف، وفتح الفوقية، وإسكان التحتية، وبالموحدة- عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري نسب إلى جده، "ولا تلطط، ولا تلحد" على النهي للواحد، ولا وجه له؛ لأنه خطاب الجماعة" المذكورين في قوله: "لكم يا بني نهد"، "ورواه غيره" عقب قوله: "وضائع الملك" , "ما لم يكن عهد ولا موعد، ولا تثاقل عن الصلاة، ولا تلطط"، بزنة تفعل، "في الزكاة، وتلحد في الحياة"، باسم المصدر، وشَدّ العين في الثلاث.
"قال الحافظ أبو السعادات الجزري"، وهو ابن الأثير في النهاية: "وهو" أي: المروي عن غير القتيبي، "الوجه" الواضح؛ "لأنه خطاب للجماعة واقع على ما قبله"، وتلك الرواية جاءت على غير أسلوبه، لتوجّه الخطاب الواحد من بينهم، فقياسه: ولا تلططوا ولا تلحدوا، ولذا ضبطه ابن رسلان: لا نلطط، ولا نلحد -بالنون فيهما, من باب: نهى الإنسان نفسه لينتهي غيره، ولكن قد أجيب رواية القتيبي؛ بأن الخطاب لمن تلقَّى الكلام من النبي ﷺ من بين جميع المخاطبين ابتداءً، ونظيره: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ ، حيث خوطب المتلقي بلفظ ذلك، ولم يقل: ذلكم، وتخصيص واحد من الحاضرين بخطاب النهي للتعريض بالباقين، والصَّوْن لهم عن توجه صيغة النهي إليهم، رجاء الانقياد للامتثال بألطف وجه، أو الخطاب لهم برمتهمстр. 2671
وقوله: "ولا تتثاقل عن الصلاة" أي: لا تتخلف.
"والوظيفة" الحق الواجب.
"والفريضة" أي: الهرمة المسنة، أي: لا تأخذ في الصدقات هذا الصنف, كما أنا لا نأخذ خيار المال.
"والفارض" -بالفاء والضاد المعجمة: المريضة.
"والفريش" -بفتح الفاء آخره شين معجمة- وهي من الإبل, كالنفساء من بنات آدم، أي: لكم خيار المال وشراره، ولنا وسطه.
الحواشي
(١) أولًا، ثم توجَّه لواحد في المجلس، فنهاه تعريضًا بهم، أو نهاهم نهي غيبة تنزيلًا لهم منزلة الغائبين، أي: لا تلطط ولا تلحد هي، والضمير لبني نهد، وبنون، وإن كان جمع مذكر سالم، لا يعود له ضمير المؤنث، ولا تلحقه التاء، فلا يقال: الزيدون قامت، ولا قامت الزيدون، إلّا أنه لما غُيِّرَ مفرده عند جمعه أشبه التكسير، فأُعْطِيَ حكمه، فجاز إلحاق التاء بفعله نحو: قامت البنون، ومنه: ﴿إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ ، فيجوز البنون قامت، وتقوم بتاء التأنيث، "وقوله: "لا تتثاقل"، بالجزم نهي للواحد، وفيه ما مَرَّ, "عن الصلاة"، أي: لا تتخلَّف" عنها وتتركها بجعل التناقل كناية عن ذلك، كأنَّ عليه ثقلًا يمنعه عن الحركة إليها، "والوظيفة" الحق الواجب، "والفريضة" أي: الهرمة المسنة لفرضها سنها، أي: قطعها له، أو لانقطاعها عن العمل، والانتفاع بها، "أي: لا تأخذ في الصدقات هذا الصنف، كما أنَّا لا نأخذ خيار المال والفارض -بالفاء والضاد المعجمة- المريضة" فهي لكم، لا نأخذها في الزكاة أيضًا، هكذا ضبطه البرهان الحلبي وغيره بالفاء، وضبطه التحاني بالعين مهملة بدل الفاء، وذكره الشمني أيضًا، وفسروه بالناقة التي يصيبها كسر ومرض، فهي باقية لأصحابها لا تؤخذ في الزكاة، وفي الغريبين: الفارض بالفاء، وقيل: بالعين, التي أصابها كسر، يقال: عرضت الناقة إذا أصابها آفة أو كسر، وبنو فلان أكالون للعوارض إذا لم ينحروا إلا ما أصابه مرض أو كسر، خوفًا أن يموت فلا ينتفعون به.
والعرب تعيِّر بأكله، "والفريش" -بفتح الفاء، وكسر الراء، وتحتية ساكنة، "آخره شين معجمة، وهي من الإبل" الحديثة العهد بالنتاج، "كالنفساء من بنات آدم، أي: لكم خيار المال"، كالفريش، لأنها لبون نفيسة، "و" لكم، "شراره"، كالفريضة والفارض، "ولنا وسطه" رفقًا بالفريقين، وقيل: الفريش ما لا يطيق حمل الأثقال من الإبل لصغره، يقال: فرش وفريش بمعنًى، وإن كان المشهور فرش، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ [الأنعام: ١٤٢] ، وعلى هذا،стр. 2672
"وذو العنان" بكسر العين- سير اللجام.
"والركوب" بفتح الراء- أي: الفرس الذلول.
"والضبيس" بفتح المعجمة وكسر الموحدة آخره مهملة- المهر العسر الصعب.
امتنَّ عليهم بترك الصدقة في الخيل جيدها ورديئها.
"ولا يمنع" بضم المثناة التحتية وفتح النون- سرحكم -بفتح السين المهملة وسكون الراء وبالحاء المهملة- ما سرح من المواشي، أي: لا يدخل عليكم أحد في مراعيكم.
"ولا يعضد طلحكم" أي: لا يقطع.
"ولا بحبس دركم" أي: لا تحبس ذوات الدر عن المرعى إلى أن تجتمع
الحواشي
(١) فالمعنى لا تؤخذ لحسنها، "وذو العنان" بكسر العين"، ونونين، بينهما ألف "سير اللجام، "والركوب" بفتح الراء، أي: الفرس الذلول"، أي: المذلَّل المركوب، قال تعالى: ﴿فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ﴾ [يس: ٧٢] ، ووصفه بذي العنان في محله، أي: لا تؤخذ الزكاة من الفرس المعَدّ لركوب صاحبه، "و" الفلوّ: "الضبيس" بفتح المعجمة، وكسر الموحدة، وسكون التحتية، "آخره" سين "مهملة: المهر العسر" الركوب، "الصعب" وهو من رجال كذلك، كأنه كنَّى به عن صغره، ولو عطف كان المراد به الحرون إلّا أنه وقع بلا عطف، "امتَنَّ عليهم بترك الصدقة في الخيل جيدها"، وهو ذو العنان الركوب "ورديئها"، وهو الغلوّ الضبيس، أي: أظهر المنَّة عليهم بذلك، وإلا فعدم زكاة الخيل إنما يقوله المصطفى بالوحي، " "ولا يمنع" -بضم المثناة التحتية، وفتح النون- "سركم" بفتح السين المهملة، وسكون الراء، وبالحاء المهملة، ما سرح من المواشي، أي: لا يدخل عليكم أحد في مراعيكم"، وأصل السرح: الماشية التي تسرح بالغداة للمرعى، والمراد: إن مطلق الماشية لا تمنع عن مرعاها، يقال: سرحت تسرح، إذا خرجت للمراعى، وفعله يتعدَّى ولا يتعدّى، فإذا رجعت، قيل: أراحت، قال تعالى: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: ٦] ، وهذا كقوله في كتابه للكندي: لا تعدل سارحتكم وفاردتكم من مرعى، إلا أن عبَّر فيه بالساحة لمشاكلة الفاردة، كما عَبَّر هنا بالسرح لمشاكلة قوله: "ولا يعضد طلحكم"، أي: لا يقطع" من عضده إذا قطعه، والمعنى: لا يقطع شجركم طلحًا أو غيره؛ لأنه إذا نهى عن قطع الطلح الذي لا ثمر له، فغيره أولى، وقد تقدَّم، "ولا يحبس دركم، أي: لا تحبس ذوات الدر عن المرعى إلى أن تجتمع الماشية، ثم تعد"، أي:стр. 2673
الماشية ثم تعد، أو أنَّ معناه أن لا نأخذها لما في ذلك من الأضرار.
"والإماق" -بالميم- أي: ما لم تضمروا الغيظ، والبكاء، مما يلزمكم من الصدقة، قاله في القاموس. وقال الزمخشري: المراد إضمار الكفر والعمل على ترك الاستبصار في دين الله، وفي رواية: الرماق -بالراء والميم- أي: النفاق، يقال: رامقته رماقًا، وهو أن تنظر إليه شزرًا نظر العداوة، يعني: ما لم تضق قلوبكم عن الحق، يقال: عيش رماق، أي: ضيق، وعيش رمق، ومرفق: أي ممسك الروح، والرمق: بقية الروح وآخر النفس.
"وتأكلوا الرباق" -بكسر الراء وبالموحدة المخففة- أي: إلا أن تنقضوا العهد، واستعار الأكل لنقض العهد؛ لأن البهيمة إذا أكلت الربق -وهو الحبل, يجعل فيه عرى وتشد به- خلصت من الرباط.
الحواشي
(١) بعدها الساعي، لما فيه من ضرر صاحبها بعدم رعيها ومنع درها عنه، والقصد: الرفق بمن تؤخذ منهم الزكاة بعدم حبسها، وروي: لا تحشر، أي: لا تجمع في مكان عند الساعي، لما فيه ضرر ربها, فهما بمعنًى، "أو أنَّ معناه: أن لا نأخذها لما في ذلك من الإضرار"، بأخذ الكرائم، "والإماق" بالميم الساكنة، بين همزتين، أولاهما مكسورة، والثانية ممدودة تليها قاف، وقد تخفف همزته- "أي: ما لم تضمروا الغيظ، والبكاء مما يلزمكم من الصدقة، قاله في القاموس"، وقال غيره: معناه الغدر والبغض.
"وقال الزمخشري" في الفائق: "المراد إضمار الكفر، والعمل على ترك الاستبصار في دين الله"، مع إظهار خلافه، فهو نفاق، "وفي رواية: الرماق -بالراء" المكسورة، "والميم"، وهي التي وجدت بخط عياض، واتفق عليها شراحه محشوه، أي: النفاق، "يقال: رامقته رماقًا، وهو أن تنظر إليه شزرًا" بمعجمتين، ثم راء، "نظر العداوة، يعني: ما لم تضق قلوبكم عن الحق، يقال: عيش رماق، أي: ضيق" عن مسك الرمق: بقية الروح، "وعيش رمق، ومرفق، أي: مسك الروح، والرمق بقية الروح وآخر النفس، "وتاكلوا الرباق" بكسر الراء، وبالموحدة المخففة، أي: إلّا أن تنقضوا العهد، واستعار الأكل لنقض العهد"، استعارة تصريحية أو تمثيلية، شبَّه ما يلزم من العهد بالرباق، واستعار الأكل لنقضه؛ "لأن البهيمة إذا أكلت الربق، وهو الحبل يجعل فيه عرى، وتشد به"، جملة معترضة، لبيان معنى الربق "خلصت من الرباط"، وما مصدرية ظرفية قيد لما قبله، أو الجميع ما تقدَّم، والمعنى: هذا أمر مقدَّم عليكم منا، ما لم تنقضوا العهد، وترجعوا عن الإسلام،стр. 2674
"والربوة" -بكسر الراء وفتحها وضمها- أي: الزيادة. يعني: من تقاعد عن إعطاء الزكاة فعليه الزيادة في الفريضة عقوبة له.
فانظر إلى هذا الدعاء والكتاب الذي انطبق على لغتهم، وجاد وزاد عليها في الجزالة والبداوة, أين هذا من كتابه ﷺ لأنس في الصدقة،
الحواشي
(١) فإن فعلتم، فعليكم ما على الكفرة، وهذا معنى حسن في ضمنه الترتيب؛ إذ المعنى ما لم تضمروا النفاق، ثم تظهروا نقض العهد، وقريب منه تفسيره بالغدر والعداوة؛ إذ إضمار ذلك نفاق، وأمَّا تفسير إضمار الرماق بإخفاء قطيع من الغنم عن الساعي، وذلك جناية تقتضي التضييق على ذي المواشي بحبسها عنهم، فهو متعلق على هذا بقوله: "لا حبس دركم"، وهو معنى صحيح لغة؛ إذ الرمق: القطيع من الغنم, فارسيّ معرَّب، قاله الجوهري, واعترض البرهان عليه, بأنه لم يره لغير الصحاح, وأخشى أن لا يكون أحد قاله قبله لا يليق، نعم المشهور في تفسيره ما مَرَّ.
"والربوة" بكسر الراء وفتحها وضمها" فهي مثلثة, والاقتصار على عضها تقصير، "أي: الزيادة، يعني: من تقاعد عن إعطاء الزكاة فعليه الزيادة في الفريضة عقوبةً له"، قاله ابن الأثير، وهو صادق، بأي: زيادة كانت.
وقال التجاني: معناه: يؤخذ منه الفرض، ويزاد مثله، كما في الصحيحين، بعث ﷺ عمر على الصدقة، فقيل: منع ابن جميل، وخالد بن الوليد، والعباس، فقال ﷺ : "ما ينقم ابن جميل إلّا أنه كان فقيرًا فأغناه الله، وأما خالد فإنكم تظلمونه، وقد احتبس أدراعه في سبيل الله, وأما العباس فهي عليه ومثلها معها"، وفي رواية البخاري: "فهي عليه صدقة، ومثلها معها"، أي: عليه صدقة واجبة تؤخذ منه, لا أنه يعطاها؛ لأنه لا يحل له الصدقة, انتهى باختصار, وفي ذا الحديث كلام يخرج عن المقصود، "فانظر" أي: أعرف وقف، بأيّ طريق كان "إلى هذا الدعاء" الذي دعا به لبني نهد، "والكتاب" الذي كتبه لهم، "الذي انطبق" اشتمل "على" موافقة "لغتهم"، من حيث المماثلة لها في غرابة الألفاظ، لا من حيث اشتماله على جميع الألفاظ التي يعرفونها لاستحالة ذلك، وأفرد ضمير انطبق كاللذين بعده، وهما جاد وزاد، والقياس التثنية باعتبار النوع؛ إذ هما نوع واحد وهو لغتهم، أو المراد: انطبق جاد وزاد كل من الدعاء والكتاب، "وجاد" أي: حسن في سبكه، وترتيب ألفاظه، وعدم الصعوبة في فهمه من حيث الأسلوب، فلم يخل بالفصاحة، "وزاد" فاق "عليها في الجزالة"، أي: حسن النظم والتأليف، وهي لغة، خلاف الركاكة "والبداوة"، أي: الوضوح، والظهور، فالعطف مغاير، ويحتمل أنه عطف علة على معلول، أي: جاد؛ لأنه زاد، والجاران والمجروران متعلقان بزاد، "أين هذا من كتابه ﷺ لأنس في الصدقة"، أي: شأنها، أي: الزكاة، وقد تقدَّم، وهو استفهام تعجبي، ولم يقل أين هو، إشارة إلىстр. 2675
وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار, إنهم أمّة واحدة دون الناس من قريش على رباعتهم، يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى، ويفكون عافيهم بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين أيديهم على من بقى عليهم، أو ابتغى دسيعة ظلم، وأن سلم المؤمنين واحد على سواء وعدل بينهم، وأن كل غازية غزت يعقب بعضهم
الحواشي
(١) ظهوره، حتى صار كالمحسوس الذي استحقَّ أن يشار إليه إشارة حسية، "وأين ذلك من كتابه بين قريش والأنصار, إنهم"، بكسر الهمزة، أي: الأنصار "أمّة واحدة دون الناس" حال من اسم إنّ "من قريش"، صفة لأمّة بعد صفة، أي: جزء منهم، كأبنائهم وإخوانهم على نحو: "أنت مني بمنزلة هارون من موسى"، يعني: إن الأنصار دون غيرهم من الناس طائفة من قريش، فهو مبالغة في اتحادهم معهم، حتى كأنهم من نسلهم، "على رباعتهم" بكسر الراء- أي: على استقامتهم، يريد أنَّهم على أمرهم الذي كانوا عليه، ورباعة الرجل شأنه وحاله التي هو رابع عليها، أي: ثابت مقيم، قاله في النهاية، وهو خبر ثانٍ لأن, يعني: إن الأنصار مع قريش باقون على حالهم التي كانوا عليها من الإنجاد والمودَّة، "يتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى"، يأتي بيانه، "ويفكون عافيهم" أي: أسيرهم؛ بأن يسعوا في خلاصه بمال، أو غيره، وكذا يخلصون من أصابه تعب، أو مشقَّة بحسب الطاقة "بالمعروف"؛ بحيث لا يرتكبون في ذلك محرمًا، بل يحافظون على إزالة تعب من أصابه مصيبة, مع رعاية قوانين الشرع.
"والقسط" بكسر القاف، اسم مصدر م أقسط إذا عدل، لا من قسط؛ لأن مصدره بالفتح, مشترك بين العدل والجور، والمراد هنا: العدل "بين المؤمنين، وأن المؤمنين المتقين أيديهم" قوتهم وسلطانهم بالقهر والغلبة، "على من بغى" تعدَّى "عليهم" وظلمهم، وقيد بالمتقين إشارةً إلى أن هذه حالة الكاملين، فمن اتصف بأصل الإيمان قد يرتكب الحرام، فيبغي ويخالف الحدود، فيمنع من ذلك، "أو ابتغى" طلب "دسيعة ظلم" بفتح الدال، وكسر السين المهملتين، فتحتية، فمهملة، ثم تاء التأنيث، أي: عظيمة من الظلم، فأضافه إليه على معنى من، ويجوز أن يراد بالدسيعة العطية، أي: ابتغى أن يدفع إليه عطية على وجه الظلم، أو أضافها للظلم؛ لأنها سبب الدفع، وقال أبو ذر: الدسيعة العطية، وهي ما يخرج من حلق البعير إذا رغا، فاستعاره هنا للعطية، وأراد به ما ينال من الظلم. ذكره في النور، "وإن سلم" بفتح السين وكسرها، يذكَّر ويؤنَّث- صلح "المؤمنين واحد على سواء، وعدل بينهم"، والمراد أن حالهم، وصفتهم حالة واحدة لا تختلف، بل هي على استقامة وعدل؛ بحيث لا يطلب أحد أن يتميز على غيره، "وإن كل" طائفة "غازية" اسم فاعل كراضية من غزا يغزو، وقصد العدوّ في بلاده، "غزت يعقب بعضهمстр. 2676
بعضًا، ومن اعتبط مؤمنًا قتلًا فهو قَوْد إلّا أن يرضى ولي المقتول، ومن ظلم وأَثِمَ فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأولاهم بهذه الصحيفة البر المحسن".
كذا روي مختصرًا من حديث ابن شهاب.
وقوله: "دسيعة ظلم": أي عظيمة من الظلم.
"ورباعتهم" أمرهم القديم الذي كانوا عليه.
"ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي:
الحواشي
(١) "بعضًا"، أي: يكون الغزو بينهم نوبًا، كما يأتي، "ومن اعتبط" -بعين مهملة- أي: ذبح "مؤمنًا" بلا جناية "قتلًا" مفعول مطلق؛ لأنه نوع منه، "فهو قَوْدٌ" جواب الشرط، وكان الظاهر أن يقال: يقتص منه، فأقيم السبب وهو القود، أي: الانقياد مقام السبب، أي: القصاص، قاله الطيبي، وفي النهاية، أي: قتله بلا جناية كانت منه ولا جريرة توجب قتله، فإن القاتل يُقَادُ به ويقتل، وكلُّ من مات بغير علة فقد اعتبط، ومات فلان عبطه أي: شابًّا صحيحًا.
وحديث أبي داود: "من قتل مؤمنًا فاعتبط بقتله, لم يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا" جعله الخطَّابي من ذلك، فقال: أي: قتله ظلمًا لا عن قصاص، ومقتضى تفسير غيره؛ أنه من الغبطة -بالغين المعجمة- وهي الفرح والسرور وحسن الحال؛ لأن القاتل يفرح بقتل خصمه، فإذا كان المقتول مؤمنًا وفرح بقتله, دخل في هذا الوعيد. انتهى ملخصًا، وهما روايتان في حديث أبي داود، كما في المنضدة، قائلًا: ورواية الإهمال أولى؛ لأنَّ القاتل ظلمًا عليه القَوْد هبه فرح بقتله أو لا. انتهى، فأمَّا حديثنا هذا فبالمهملة لا غير، "إلّا أن يرضى" بضم أوله, رباعي, فاعله هو, أي: القاتل، ومفعوله "ولي المقتول" بالعفو مجانًا، أو على مال، فلا قود على القاتل، ويجوز أن يرضى -بفتح أوله- ثلاثي، وفاعله ولي، كذا ذكر الضبطين في النور.
قال الطيبي: وهذا استثناء في الحقيقة من المسبب، "ومن ظلم وأثم فإنه لا يوتغ" بضم التحتية، وكسر الفوقية، وغين معجمة- أي: يهلك "إلا نفسه، وأَوْلَاهم بهذه الصحيفة البَرّ" التقيّ الصادق المطيع، "المحسن، كذا روي مختصرًا من حديث ابن شهاب" محمد الظهري، وذكره ابن إسحاق مطولًا في نحو ورقتين في مبحث الهجرة.
قال ابن سيد الناس: وأسنده ابن أبي خيثمة عن عمرو المزني، أن رسول الله ﷺ كتب كتابًا بين المهاجرين والأنصار، فذكره مطولًا بنحوه، "وقوله: "دسيعة ظلم"، أي: عظيمة من الظلم"، فالإضافة على معنى مِن، ومَرَّ قريبًا بسطه، "ورباعتهم" أمرهم القديم الذي كانوا عليه"، يقال القوم على رباعهم ورباعتهم، أي: استقامتهم، "ويتعاقلون بينهم معاقلهم الأولى" أي:стр. 2677
يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديات وإعطائها، وهو تفاعل من العقل، والمعاقل: الديّات، جمع معقلة، يقال: بنو فلان على معاقلهم التي كانوا عليها، أي: على مراتبهم وحالاتهم.
"ولا يوتغ" أي: لا يهلك.
"ويعقب بعضهم بعضًا" أي: يكون الغزو بينهم نوبًا, فإذا خرجت طائفة ثم عادت لم تكلف أن تعود ثانية حتى يعقبها غيرها.
وأين هذا اللين في القول، وقرب المأخذ في اللفظ على طريق الحاضرة وعرف الجمهور المشهور أيضًا من كتابه لذي المشعار الهمداني، لما لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك، فقال له مالك بن نمط: يا رسول الله، نصية.
الحواشي
(١) يكونون على ما كانوا عليه من أخذ الديّات وإعطائها، وهو تفاعل من العقل، والمعاقل: الديات, جمع معقلة" بضم القاف: الدية، كما في المختار، "يقال: بنو فلان على معاقلهم التي كانوا عليها، أي: على مراتبهم، وحالاتهم"، وهذا كله لفظ النهاية، "ولا يوتغ" أي: لا يهلك، يقال: وتغ وتغاو أوتغه غيره أهلكه، قاله أبو عبيد، "ويعقب بعضهم بعضًا"، أي: يكون الغزو بينهم نوبًا، فإذا خرجت طائفة ثم عادت، لم تكلف أن تعود ثانية حتى يعقبها غيرها"، بضم القاف، من باب: قتل، كما في المصباح، "وأين هذا اللين في القول، وقرب المأخذ في اللفظ على طريق الحاضرة، وعرف الجمهور المشهور"، استفهام تعجبي، "أيضًا من كتابه لذي المشعار" بكسر الميم، وإسكان الشين المعجمة، وعين مهملة، فألف فراء- كما صحَّحه الصغاني في الذيل قائلًا: لُقِّبَ بذلك لأنَّ المشعار موضع باليمن ينسب إليه، وتبعه في القاموس، فذكره في شعر -بالمعجمة بعدها مهملة.
وقال التلمساني: إنه بشين معجمة ومهملة وغين معجمة ومهملة، وهو أبو ثور مالك بن نمط، بفتحتين، "الهمداني" بفتح الهاء، وإسكان الميم، ودال مهملة- نسبة إلى شعب عظيم من قحطان، ثم الأرحبي -بفتح الهمزة، والحاء المهملة، بينهما راء ساكنة، ثم موحدة- إلى أرحب, بطن من همدان، ويقال له: اليامي -بتحتية، فألف، فميم، والخارقي، بمعجمة، وراء مكسورة- كان شاعرًا محسنًا، له في النبي ﷺ أبيات حسان، تقدَّمت في الوفود، وَهِمَ ابن إسحاق في قوله: مالك بن نمط، وأبو ثور، إلّا أن يكون من عطف الكنية على الاسم، "لما لقيه وفد همدان مقدمه من تبوك، فقال له مالك بن نمط"، من إقامة الظاهر مقام المضمر لبيان اسم ذي المشعار، والنمط في الأصل نوع من البسط، فهو علم منقول منه: "يا رسول الله نصية" بنون مفتوحة،стр. 2678
من همدان من كل حاضر وباد، أتوك على قلص نواج، متصلة بحبائل الإسلام، لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف, ويام لا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، ولا سوداء عنقفير، ما قام لعلع، وما جرى اليعفور بصلع.
فكتب لهم النبي ﷺ : "هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف خارف وأهل جناب الهضب وحفاف الرمل، مع وافدها ذي المشعار مالك بن النمط ومن أسلم من قومه، على أنّ لهم فراعها ووهاطها وعزازها، ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، يأكلون علافها، ويرعون عفاها، لنا من دفئهم وصرامهم ما سلموا بالميثاق والأمانة،
الحواشي
(١) وصاد مهملة مكسورة، وتحتية ثقيلة مفتوحة- أشراف "من همدان, من كل حاضر وباد"، صفة ثانية لنصية، أو حال، فيفيد أنَّ همدان متفرقة في محلات، ويدل على هذا قوله الآتي: نصية من كل حاضر وباد؛ حيث جمع بين نصية، وقوله: من إلخ ... ، فهو أظهر من جعله متعلقًا بقوله: "أتوك على قلص" بضمتين- نوق "نواج" بجيم- سراع, "متصلة بحبائل الإسلام, لا تأخذهم في الله لومة لائم، من مخلاف خارف، ويام لا ينقض عهدهم عن سنة" طريقة "ما حل" ساع بالنميمة والإفساد.
وفي رواية: شية -بمعجمة، وتحتية- أي: وشاية، ويأتي بسطه، "ولا سوداء عنقفير" براء آخره- أي: داهية شديدة, من إضافة الصفة للموصوف, "ما قام لعلع" جبل, "وما جرى اليعفور بصلع" بضم الفتح، مثقلًا، "فكتب لهم النبي ﷺ " أمر يكتب ما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم، "هذا كتاب من محمد رسول الله لمخلاف" بخاء معجمة.
قال في الفائق: هو لليمن كالرستاق لغيرهم، وفي المصباح: الرستاق معرب، ويستعمل في الناحية التي هي طرف الإقليم, والرزداق -بزاي ودال مهملة- "خارف وأهل جناب" بكسر الجيم، "الهضب" بفتح الهاء، وسكون المعجمة، وموحدة- جمع هضبة، مركَّب تركيب مزج، "وحفاف الرمل" بحاء مهملة مكسورة ففاءين بينهما ألف- أسماء بلادهم، كما ضبطه الشامي، "مع وافدها ذي المشعار مالك بن النمط"، بدل من وافدها، أي: مخلاف خارف، وما عطف عليه, "ومن أسلم من قومه على أن لهم فراعها" بالكسر "ووهاطها" بالكسر أيضًا, "وعزازها" بالفتح- كما يأتي، يعني: إنه ﷺ أقطعتهم ذلك "ما أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة"، أي: مدة إقامتهم على ذلك، "يأكلون علافها" بالكسر، "ويرعون عفاها" بالفتح، "لنا من دفئهم" بكسر فسكون وهمز، "وصرامهم" بالكسر، "وما سلموا" بشدِّ اللام، والعائد محذوف، أي: سلموه، أي: أعطوه من الزكاة المفروضة, "بالميثاق" العهد الذي أخذ عليهم، أو الإسلام, "والأمانة"، أي: كونهمстр. 2679
ولهم من الصدقة الثلب والناب والفصيل والفارض الداجن والكبش الحوري، وعليهم فيها الصالغ والقارح".
وقوله: نصية من كل حاضر وباد، قال ابن الأثير: النصية من ينتصي من القوم, أي: يختار من نواصيهم، وهم الرءوس والأشراف، ويقال للأشراف: نواص، كما يقال للأتباع أذناب.
وأتوك على قلص: بضم القاف واللام- جمع قلوص، وهي الناقة الشابّة. قال: ولا تزال قلوصًا حتى تصير نازلًا.
والنواج: السراع.
الحواشي
(١) مؤتمنين على أموالهم؛ لأن رب المال يصدق في الزكاة، فما موصول مبتدأ, خبره قوله: لنا, مقدَّم عليه، والباء في "بالميثاق" سببية, أي: لنا عليهم ما يعطونه من زكاة مواشيهم، ونمارهم بسبب الميثاق، ولا يبحث عن أموالهم، لأنّهم مؤتمنون، "ولهم من الصدقة الثلب" بكسر فسكون- الهرم, "والناب" الهرمة، "والفصيل" الصغير، "والفارض" بالفاء- المسن، "الداجن" التي تألف البيوت.
وفي رواية: والدواجن، بالعطف، يعني: إن هذه لا تؤخذ في الزكاة لكونها من شرارها، فتترك لهم، "والكبش الحوري"؛ لأنه من الخيار، فلا يؤخذ في الصدقة, "وعليهم فيها"، أي: الزكاة "الصالغ" بصاد ولام ومعجمة، ويقال: بسين؛ لأن كل صاد تبدل سينًا مع الغين، "والقارح" بقاف وراء ومهملة- من الخيل، يعني: إذا وجد عندهم هذا النوع يؤخذ منه مما ليس هرمًا، ولا معيبًا، ففيه حجة لمن قال بالزكاة في الخيل السائمة، وحمله المانعون على ما إذا كانت معدَّة للتجارة، جمعًا بينه وبين قوله ﷺ : "ليس على المسلم في عبده ولا في فرسه صدقة"، رواه الشيخان.
"وقوله: "نصية من كل حاضر وباد"، قال ابن الأثير" في النهاية: "النصية: من ينتصي من القوم، أي: يختار من نواصيهم، وهم الرءوس والأشراف، ويقال للأشراف: نواصٍ"؛ لعلوّهم على غيرهم، كالناصية، "كما يقال للأتباع: أذناب"، قال في الفائق ومثله في الوزن: السرية لمن يستري من العسكر، أي: يختار من سراتهم، "وأتوك على قلص -بضم القاف واللام" بعدها صاد مهملة، "جمع قلوص" بفتح القاف، "وهي الناقة الشابّة، قال: ولا تزال قلوصًا حتى تصير نازلًا" بموحدة وزاي- وهو ما تَمَّ له ثمان سنين ودخل في التاسعة من الإبل، وحينئذ يطلع نابه، وتكمل قوته، ثم يقال له بعد ذلك: بازل عام، وبازل عامين، "والنواج: السراع" جمع ناجية.стр. 2680
وقوله: متصلة بحبائل الإسلام, أي: عهوده وأسبابه.
وخارف: بالخاء المعجمة.
ويام -بالمثناة التحتية: قبيلتان.
ولا ينقض عهدهم عن سنة ماحل: أي: لا ينقض بسعي ساعٍ بالنميمة والإفساد، كما يقال: لا أفسد ما بيني وبينك بمذاهب الأشرار وطرقهم في الفساد.
والسنة: الطريقة، والسنن أيضًا.
والعنقفير -بفتح العين المهملة وسكون النون وتقديم القاف- الداهية, أي: لا ينقض عهدهم بسعي الواشي ولا بداهية تنزل.
ولعلع: جبل.
وما جرى اليعفور -بفتح التحتية،
الحواشي
(١) "وقوله: متصلة بحبائل الإسلام، أي: عهوده" مواثيقه "وأسبابه" طرقه الموصلة إليه، فهو عطف مغاير، "وخارف -بالخاء المعجمة" المفتوحة، والراء المكسورة، وفاء، "ويام -بالمثناة التحتية" فألف فميم، ويقال: أيام بهمزة "قبيلتان" من همدان، "ولا ينقض عهدهم عن سنة ماحل، أي: لا ينقض بسعي ساع بالنميمة والإفساد، كما يقال، لا أفسد ما بيني، وبينك بمذاهب الأشرار، وطرقهم في الفساد" عطف تفسير، "والسنة: الطريقة، والسنن أيضًا"، فقوله عن سنة -بالسين المهملة، بعدها نون- أي: طريقته، وهو إحدى روايتين.
قال في الفائق: وهي أشبه، وفي رواية: عن شية ماحل -بشين معجمة وتحتية- وهي الوشاية.
قال في النهاية: أي: من أجل وشى واشٍ, حذفت الواو وعوّضت الهاء كزنة. انتهى, "والعنقفير -بفتح العين المهملة، وسكون النون، وتقدّم القاف" على الفاء، بعدها تحتية، فراء: "الداهية، أي: لا ينقض عهدهم بسعي الواشي، ولا بداهية تنزل"، وإضافة السوداء إليها من إضافة الصفة للموصوف، أي: ولا ينقض عن داهية شديدة، "ولعلع" بلامين وعينين "جبل"، كانت به وقعة قال الشاعر:
لقد ذاق متاعًا يوم لعلع ... حسامًا إذا ما هَزَّ بالكف صمما
ذكره الجوهري، "وما جرى اليعفور -بفتح التحتية" وإسكان المهملة، وضم الفاء، فواو،стр. 2681
الخشف، وولد البقرة الوحشية، وقيل: هو تيس الظباء، والجمع: اليعافير، والياء زائدة.
ويصلح -بضم الصاد المهملة وتشديد اللام- الأرض التي لا نبات فيها.
وقوله ﵊:
"وأهل جناب الهضب" بكسر الجيم- اسم موضع.
"وحفاف الرمل" أسماء بلادهم.
"وفراعها" بكسر الفاء وبراء وعين مهملة- أي: ما علا من الجبال أو الأرض.
"ووهاطها" بكسر الواو، وبطاء مهملة- المواضع المطمئنة، واحدها وهط، وبه سمي الوهط، مال كان لعمرو بن العاص بالطائف. وقيل: الوهط: قرية بالطائف كان الكرم المذكور بها.
"وعزازها" بفتح العين المهملة.
الحواشي
(١) فراء، "الخشف" مثلث الخاء المعجمة، وسكون الشين المعجمة وبالفاء- ولد الظبي أوَّل ما يُولَد، أو أول سنة، أو الذي يقرب من ولادها، كما في القاموس، "وولد البقرة الوحشية"، واقتصر ابن سبع عليه، "وقيل: هو تيس الظباء، والجمع: اليعافير، والياء زائدة، وكذا الواو، إنما نَبَّه على الياء لئلَّا يتوهَّم وزنه فعلول، فأشار إلى أن وزنه يفعول، فالياء زائدة كالواو؛ لأن أصل الماء عفر فقط، "ويصلح -بضم الصاد المهملة" قبلها ياء خفض "وتشديد اللام- الأرض التي لا نبات فيها"، فالمراد أن عهدًا لم لا ينقض أصلًا، لأنَّ لعلعًا مقيم, واليعفور لا ينفك عن جريه بالأرض القفراء.
"وقوله ﵊: "وأهل جناب الهضب" بكسر الجيم- اسم موضع، "وحفاف الرمل" أسماء بلادهم، "وفراعها" بكسر الفاء وبراء وعين مهملة" جمع فرعة -بفتح، فسكون- "أي: ما علا من الجبال أو الأرض، "ووهاطها" بكسر الواو، وبطاء مهملة- المواضع المطمئنة، واحدها وهط" كسهم، وسهام، ومثله لابن سبع، وفي الصحاح.
قال الأصمعي: يقال لما اطمأنَّ من الأرض وهطة، وهي لغة في وهدة، والجمع وهط، ووهاط، "وبه سُمِّي الوهط مال" أي: أعناب، "كان لعمرو بن العاص" الصحابي "بالطائف" على ثلاثة أميال من وج، كان يعرشه على ألف ألف خشبة شراء، كل خشبة درهم، ذكره القاموس، "وقيل: الوهط قرية بالطائف كان الكرم المذكور بها، وعزازها -بفتح العين امهملة،стр. 2682
ثم زاءين مخفَّفَتين- ما صلب من الأرض واشتدَّ وخشن، وإنما يكون في أطرافها.
"وتأكلون علافها" بكسر العين المهملة وتخفيف اللام وبالفاء- جمع علف، وهو ما تأكله الماشية.
"وعفاءها" بفتح المهملة وتخفيف الفاء وبالمد- أي: المباح.
"ومن دفئهم" بكسر الدال المهملة وسكون الفاء وبالهمز- قال في المجمل: نتاج الإبل وألبانها والانتفاع بها.
"وصرامهم" بكسر الصاد المهملة وتخفيف الراء- أي: من نخلهم.
"والثلث" بكسر المثلثة واللام الساكنة وبباء موحدة- ما هرم.
الحواشي
(١) ثم زاءين مخففين- ما صلب من الأرض واشتدَّ وخشن"، مما لا ملك لأحد عليه، فيوطأ ويحرث، فيصير رخوًا، وإليه أشار بقوله: "وإنما يكون في أطرافها"، ومنه العز لصلابة جانبه، "وتأكلون علافها -بكسر العين المهملة، وتخفيف اللام، وبالفاء- جمع علف، وهو ما تأكله الماشية"، مثل: جمل وجمال، كما في النهاية، ففي قوله: تأكلون, مجاز الحذف، أي: تأكل ماشيتكم، فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه الذي هو الكاف، وعَبَّرَ عنها مع الميم بواو الضمير، أو مجاز لغوي بجعل تأكلون، بمعنى: تملكون، "وعفاءها" بفتح المهملة، وتخفيف الفاء، وبالمد- أي: المباح" الذي ليس لأحد فيه ملك، ولا أثر من عفا الشيء إذا اندرس، أو من عفا يعفو إذا خلص، ومنه الحديث: "أقطعهم ما كان عفا"، وقوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْف﴾ [الأعراف: ١٩٩] ، أو المراد به: الكلأ، سُمِّيَ بالعفا الذي هو المطر، كما يسمَّى بالسماء، وقال التجاني: روي عفاء -بكسر العين- جمع عفو، كجبل وجبال، وهو بمعنى الأوّل, والرعي للبهائم، ففيه ما مَرَّ، ولذا قال جاهل لأديب، أنت عندي كالأب -بشد الباء، فقال: فلذا تأكلني، ولو قال: ترعاني, كان ألطف للتورية من الرعي أو الرعية، كالأب بمعنى الولد والتبن، فعني أنه لجهله كالأنعام.
"ومن دفئهم" بكسر الدال المهملة وسكون الفاء، وبالهمز- قال في المحجل: نتاج الإبل وألبانها، والانتفاع بها"، وسماها دفئًا؛ لأنها يتخذ من أصوافها وأوبارها ما يستدفأ به، وفصله عمَّا قبله ملتفتًا من الخطاب إلى التكلم لشبه انقطاع بينهما؛ إذ ذاك فيما خصهم به من أرضهم، وما يخرج منها، وهذا مما خص به نفسه، ومن معه من مواشيهم, "وصرامهم" بكسر الصاد المهملة، وجوّز فتحها، "وتخفيف الراء- أي: من نخلهم"، أي: ما يصرم، أي: يقطع، وما يخرج منه، وهو التمر, "والثلث -بكسر المثلثة، واللام الساكنة، وبباء موحدة- ما هرم" بكسرстр. 2683
من ذكور الإبل وتكسَّرت أسنانه.
"والناب" بالنون والموحدة- الناقة الهرمة التي طال نابها.
"والفصيل" بالمهملة- الذي انفصل عن أمه.
"والفارض" بالفاء- المسنّ من الإبل.
"والداجن" بالمهملة والجيم- الدابّة التي تألف البيوت.
"والكبش الحوري" بالحاء المهملة ثم واو مفتوحتين فراء مكسورة- الذي في صوفه حمرة.
"والصالغ" بالصاد المهملة والغين المعجمة،
الحواشي
(١) الراء، "من ذكور الإبل، وتكسَّرت أسنانه"، فهو مخصوص بالذكور، والأنثى ثلبة، قاله الهروي، "والناب" بالنون والموحَّدة- الناقة الهرمة التي طال نابها"، فهو مثلث الثلب معنًى, إلا أنه مختَصّ بالنوق الإناث، فلا يقال للجمل ناب، بل أسنّ، وسميت نابًا؛ لأنها إذا هرمت طال نابها، "والفصيل -بالمهملة- الذي انفصل عن أمه" من أولاد النوق، وأنثاه فصيلة، والجمع فصال، وفصلان، وقيل: هو من أولاد البقر، والمعروف لغة الأوَّل، $"والفارض" بالفاء، والراء- المسنّ من الإبل"؛ لعله من البقرة، قال تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] .
قال الراغب: الفارض: المسنُّ من البقر، قيل: سُمِّيَ به لكونه فارضًا للأرض، أي: قاطعًا، أو فارضًا لما يحمل من الأحمال الشاقّة من الفرض، وهو القطع، وقيل: لأنَّ فريضة البقرة تبيع ومسنة، فالتبيع يجوز في حال دون حال، والمسنة يجوز بدلها في كل حال، فسميت المسنة فارضًا، فعلى هذا يكون اسمها إسلاميًّا انتهى، "والداجن" بالمهملة، والجيم- الدابة التي تألف البيوت"، ولا ترسل للمرعى، وكذا الراجن بالراء- كما في الصحاح، وعلى هذا، فالداجن غير الفارض، فينبغي عطفها كغيرها، وهو في غالب النسخ بلا عطف، اللهمَّ إلا أن يقال ما ذكر معناه الحقيقي، وهي هنا صفة مجرَّدة عن كونها شاة جعلت وصفًا للفارض، "والكبش الحوري" -بالحاء المهملة، ثم واو مفتوحتين، وقد تسكن الواو، "فراء مكسورة- الذي في صوفه حمرة"، منسوب إلى الحورة، وهي جلود تتخذ من الضأن، وقيل: ما دُبِغَ من الجلود بغير القرظ، وهو مما جاء على أصله، ولم يعل إعلال ناب، قاله ابن الأثير، وروي: الحواري بزيادة ألف، وكلاهما بمعنًى، وهو كبير الغنم، فلا يؤخذ في الزكاة؛ لأنه أنفسها، ويحتاج إليه للضراب.
"والصالغ" بالصاد المهملة، والغين المعجمة، وزعم أنه، بضاد معجمة، وعين مهملة،стр. 2684
من صلغت الشاة ونحوها: إذا تمت أسنانها.
"والقارح" بالقاف والراء والحاء المهملة- وهو من الخيل الذي دخل في السنة الخامسة.
وهذا من جنس كتابه لقطن ابن حارثة العليمي من كلب:
"هذا كتاب من محمد لعمائر كلب وأحلافها، ومن ظأره الإسلام من غيرهم من قطن بن حارثة العليمي، بإقام الصلاة لوقتها،
الحواشي
(١) وعزوه للنهاية غلط "من صلغت الشاة ونحوها، إذا تَمَّت أسنانها، "وذلك إذا دخلت في السادسة، وقيل: الخامسة، وقيل: السابعة، "والقارح" بالقاف، والراء، والحاء المهملة- وهو من الخيل الذي دخل في السنة الخامسة"، الذي في الفائق في السنة، وفي النهاية: الصالغ والقارح من البقر والغنم الذي كمل وانتهى سنه، وذلك في السنة السادسة، "وهذا من جنس كتابه لقطن" بفتح القاف، والطاء المهملة، ونون، "ابن حارثة" بحاء وراء مهملتين، "العليمي" بمهملة مصغَّر, نسبةً لبني عليم، "من كلب" هو عليم بن جناب بن كلب.
قال المررزباني في معجم الشعراء: وفد مع قومه على النبي ﷺ فأسلم، وأنشد النبي ﷺ من قوله:
رأيتك يا خير البرية كلها ... نبت نضارًا في الأرومة من كعب
أغر كان البدر سنة وجهه ... إذا ما بدا للناس في خلل العضب
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجها ... ونت اليتامى في السقاية والجدب
قال: فروي أنه ﷺ ردَّ عليه خبرًا، وكتب له كتابًا، قال أبو عمر: حديثه كثير الغريب, من رواية ابن شهاب، عن عروة، قال: وابن سعد يقول: حارثة بن قطن بدل قطن بن حارثة، ذكره في الإصابة، "هذا كتاب من محمد لعمائر كلب" جمع عمارة -بالفتح والكسر- أصغر من القبيلة، يقال للحيّ العظيم شعب -بفتح فسكون، ولما دونه قبيلة، ولما دونها عمارة -بالفتح؛ لاجتماعهم على بعضهم والتفافهم كالتفاف العمامة على الرأس، وبالكسر؛ لأن بهم عمارة الأرض، وما دون العمارة بطن، وما دونه فخذ، وما دونه فصيلة، "وأحلافها" بحاء مهملة- جمع حليف، كأشراف وشريف، أو جمع حلف بمعنى صديق، قال المجد: الحلف بالكسر: العهد بين القوم، والصداقة، والصديق يحلف لصاحبه، أن لا يعذر به، جمعه أحلاف، "ومن ظأره الإسلام" بظاء معجمة- كما يأتي "من غيرهم من قطن بن حارثة العليمي" حال من كتاب، أي: إن حامله قطن, "بإقام" أي: بطلب إقام "الصلاة لوقتها"، فالباء للملابسة، أو متعلق بمحذوف،стр. 2685
وإيتاء الزكاة بحقها في شدة عقدها ووفاء عهدها بمحضر من شهود المسلمين" وسمى جماعة منهم دحية بن خليفة الكلبي، "عليهم من الهمولة الراعية البساط الظئار في كل خمسين ناقة غير ذات عوار، والحمولة المائرة لهم لاغية، وفي الشوي الوري مسنة حامل أو حائل، وفيما سقى الجدول من العين المعين العشر،
الحواشي
(١) أي: أمر، "وإيتاء الزكاة بحقها" بأن يخرجها سالمة مما يخلّ بأدائها، بأن تشمل على الحقوق المطلوبة فيها، التي عوهد المسلمون عليها، فيوفوا بتلك العهود "في شدة عقدها" الذي عقده الله عليها، "ووفاء عهدها" يشبه عطف التفسير.
وفي القاموس: العقد الضمان والعهد, وفيه العهد الوصية، والتقدّم إلى المرء في الشيء، والوثق، واليمين، والحرمة، والأمان، والذمة، فيمكن أن يراد بالعقد العهد، وبالعهد الوصية، أي: على أدائها بطيب نفس، فهو مغاير، وخصَّ الزكاة بهذه الأوصاف المقتضية للتأكيد دون الصلاة، لما جُبِلَت النفوس عليه من عزة المال، والرغبة فيه "بمحضر" مصدر ميمي، أي: حضور، أو بمعنى القوم الحضور، "من شهود المسلمين، وسَمَّى" النبي ﷺ "جماعة منهم: دحية بن خليفة الكلبي"، وسعد بن عبادة، وعبد الله بن أنيس، كما عند ابن قتيبة وغيره، "عليهم" متعلق بمحذوف، أي: يجب عليهم "من الهمولة الراعية"، بالجر نعت, "البساط" بكسر الباء وضمها روايتان, جمع بسط بالكسر والضم وبضمتين، كما في القاموس، أي: التي معها أولادها، وهو بالخفض أيضًا على الصفة، ويروى بفتح الباء، أي: الأرض الواسعة، فهو منصوب بالراعية، أي: الهمولة التي ترعى الأرض الواسعة، أي: نباتها, "الظئار" بالظاء المعجمة: جمع ظئر، وهي المرضعة, بجره أيضًا على الصفة, "في كل خمسين ناقة"، بالرفع فاعل يجب المقدَّر، "غير ذات عوار" بفتح العين وضمها لغةً، أي: عيب، والمراد: بالناقة الحقة، ثم النعت بالهمولة الموصوفة بما ذكر ليس للتخصيص، لما علم في غير هذا الحديث من عموم الحكم لجميع أصناف الإبل، حتى لو تمحَّضت من بنات المخاض لوجبت فيها الزكاة، "والحمولة المائرة لهم لاغية، وفي الشوي الوري مسنة: حامل أو حائل"، هذا بظاهره يخالف ما في الفروع، إن الواجب في الغنم جذعة ضأن لها سنة، أو أجذعت مقدم أسنانها، أو ثنية معزلها سنتان، ويمكن حمل ما هنا عليه، ولعلَّ حكمة اقتصاره على زكاة الإبل والغنم أنها غالب أموالهم، وإلا فوجوب الزكاة في غيرها ثابت في غير هذا الحديث.
"وفيما سقى الجدول" بفتح الجيم وسكون الدال- النهر الصغير "من العين المعين" الظاهر الجاري على وجه الأرض بلا تعب، "العشر" مبتدأ خبره ما قبله، أو فاعل يجب, مقدار زادстр. 2686
وفي العثري شطره بقيمة الأمين, لا يزاد عليهم وظيفة ولا يفرق. عهد على ذلك الله ورسوله، وكتب ثابت بن قيس بن شماس".
وتفسير غريبه أن قوله:
"من ظأره الإسلام" بالظاء المعجمة والهمزة آخره هاء- أي: عطفه عليه وعليهم.
"في الهمولة" بفتح الهاء- هي التي ترعى بأنفسها, ولا تستعمل فعولة بمعنى مفعولة.
"والبساط" التي معها أولادها.
الحواشي
(١) في الفائق من ثمرها، ومما أخرجت أرضها، "وفي العثري" بفتح المهملة، والمثلثة- وقيل: بإسكانها"فسَّرها الجوهري بالزرع لا يسقيه إلا ماء المطر، وغيره مما سقى من النخل سيحًا، وهذا الواجب فيه العُشْر لا نصفه، فتعيِّن أن المراد به هنا نوع آخر لم يعرفه هؤلاء، يسقَى بنحو النضح لقوله: الواجب فيه، "شطره بقيمة الأمين" أي: الخراص، وفي لفظ الأوسط، أي: العدل, بأن يخرج من كل بقسطه، فإن عسر فالوسط، ولا يخرج رديء عن جيد، "لا يزاد عليهم" قدر غير ما بين في نصب الزكاة، فيصير "وظيفة" حقًّا لازمًا، "ولا يفرق" الحق الواجب، كأن يدفع المالك أجزاء من شياه لا تنقص جملتها عن مقدر الواجب، "عهد على ذلك الله ورسوله، وكتب ثابت بن قيس بن شماس" بالتشديد، الأنصاري، "وتفسير غريبه أن قوله: "من ظأره الإسلام" بالظاء المعجمة والهمزة" المفتوحة، يقال: ظأره كمنعه "آخره هاء، أي: عطفه عليه"، فالمعنى: هذا الكتاب لعمائر كلب، ومن جمعه الإسلام عليهم من غيرهم، " وعليهم في الهمولة -بفتح الهاء: هي التي ترعى بأنفسها"، بأن تكون سائمة في كلأٍ مباحٍ, عَبَّر عنه بذلك؛ لأنه لا مالك له يصدها عنه، "ولا تستعمل" في حرث، أو نضج، فإن استعملت، فلا زكاة فيها، وبه أخذ قوم "فعولة"، خبر مبتدأ محذوف، وهو وزن همولة فعولة، "بمعنى مفعولة"، أي: متروكة للرعي، لا تستعمل في نحو حرث، أي: لا بمعنى فاعلة.
"والبساط" التي معها أولادها، قال في النهاية: يروى -بفتح الباء، وكسرها، وضمها- قال الأزهري: هو بالكسر جمع بسط، وهي الناقة التي تركت، وولدها لا يمنع منها، ولا تنعطف على غيره، وبسط بمعنى مبسوطة، كالطحن والقطن، أي: بسطت على أولادها.
وقال القتيبي، والجوهري: هو بالضم جمع بسط أيضًا، كظئر وظؤار، فأمَّا بالفتح: فالأرض الواسعة، فإن صحّت به الرواية، فيكون المعنى في الهمولة التي ترعى الأرض الواسعة،стр. 2687
"والظئار" أن تعطف الناقة على غير ولدها.
"والحمولة المائرة لهم لاغية" يعني: إن الإبل التي تحمل عليها الميرة -وهي الطعام ونحوه مما يجلب للبيع- لا تؤخذ منها زكاة؛ لأنها عوامل.
"وفي الشوي" بفتح الشين المعجمة وكسر الواو والياء المشددة- اسم جمع للشاة.
"والوري" السمينة.
ومن هذا النمط كتابه ﷺ لوائل بن حجر -بتقديم الحاء المضمومة على الجيم الساكنة.
الحواشي
(١) وحينئذ تكون الظاء منصوبة انتهى، "والظئار" أن تعطف الناقة على غير ولدها"، فهو اسم جمع ظئر بمعنى مرضعة، وهو بكسر الظاء وضمها، كما في المصباح، "والحمولة" بفتح المهملة، "المائرة لهم لاغية" يعني: إن الإبل التي تحمل عليها الميرة" بكسر الميم، "وهي الطعام ونحوه، مما يجلب للبيع، لا تؤخذ منها زكاة؛ لأنها عوامل"، وبه قال قوم, "وفي الشوي" الأولى حذف في؛ لأن المفسّر ما بعده "بفتح الشين المعجمة، وكسر الواو، والياء المشددة- اسم جمع للشاة، "والوري" السمينة -بفتح الواو وكسر الراء وشد الياء.
"ومن هذا النمط كتابه ﷺ لوائل بن حجر، بتقديم الحاء المهملة المضمومة على الجيم الساكنة"، ابن ربيعة بن وائل بن يعمر، ويقال: ابن حجر بن سعد بن مسروق بن وائل بن النعمان بن ربيعة بن الحارث بن عوف بن عدي بن مالك بن شرحبيل بن مالك بن مرة بن حمير بن زيد الحضرمي، كانّ أبوه من أقيال اليمن، ووفد هو على النبي ﷺ ، واستقطعه أرضًا، فأقطعه إياها، وبعث معه معاوية ليسلمها له، فقال له: أردفني، فقال: لست من أرداف الملوك، فلمَّا استخلف معاوية قصده، فتلقاه وأكرمه. قال وائل: فوددت لو كنت حملته بين يدي.
قال ابن سعد: نزل الكوفة، وروى عن النبي ﷺ ، وعنه ابناه علقمة وعبد الجبار، وزوجته أم يحيى، ومولى لهم، وكليب بن شهاب، وآخرون، ومات في أوائل خلافة معاوية، وقال أبو نعيم: أصعده النبي ﷺ إليه على المنبر، وأقطعه، وكتب له عهدًا، وقال: "هذا وائل سيد الأقيال"، ثم نزل الكوفة وعقبه بها، وذكر ابن ظفر أنه كان له صنم من عقيق يعبده ويسجد له، فنام عنده في الظهيرة، فسمع صوتًا هائلًا، فأتاه فسجد له، فسمع هاتفًا يقول:
واعجبًا لوائل بن حجر ... يخال يدري، وهو ليس يدري
ماذا ترجى من نحيت صخر ... ليس بذي عرف ولا ذي نكرстр. 2688
إلى الأقيال العباهلة والأرواع المشابيب"، وذكر الفرائض فقال:
"في التبعة شاة لا مفوّرة الألياط ولا ضناك، وأنطوا الثبجة وفي السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصقعوه مائة واستوفضوه عامًا، ومن زنى مم ثيب فرجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدين، ولا غمة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام،
الحواشي
(١) ولا بذي نفع ولا ذي ضر ... لو كان ذا حجر أطاع أمري
فرفع رأسه، وقال: بماذا تأمرني؟ فقال:
ارحل إلى يثرب ذات النخل ... وسر إليها سير مستقل
فدن بدين الصائم المصلي ... محمد الرسول خير الرسل
ثم خَرَّ الصنم لوجهه، فقام إليه فجعله رفاتًا، ثم سار حتى أتى المدينة ودخل المسجد، فناداه النبي ﷺ ، وبسط له رداءه، وأجلسه معه، ثم صعد المنبر، وقال: "يا أيها الناس, هذا وائل بن حجر، أتاكم من أرض بعيدة، راغبًا في الإسلام"، فقال: يا رسول الله, بلغني ظهورك وأنا في ملك عظيم, فتركته واخترت دين الله، فقال: "صدقت, اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده"، وقع في الشفاء: نعته بالكندي، فقيل: غلط؛ إذ هو حضرمي، ورَدَّ بأنَّ ابن الجوزي، قال الحضرمي، أو الكندي انتهى، فلا مانع من كونه حضرميًّا كنديًّا "إلى الأقيال العباهلة"، أي: الملوك القار ملكهم، "والأرواع": الحسان الوجوه، وقيل: إنه جمع رائع، وهم الذين يروّعون الناس، أي: يخوفونهم بمنظرهم لجماله وهيآتهم، قاله ابن الأثير، قيل: الأوَّل أَوْلَى، وجمع فاعل على أفعال نادر جدًّا، ولكن ارتضى المبرد في الكامل الثاني، لما فيه من البلاغة، فإن زائد الحسن إذا رآه من له إدراك أدهشه وحيره، فيشبه الخائف الفزع.
"المشابيب": السادة الرؤساء، وروي: الأشباء جمع شبيب, كأخلاء وخليل، أو هم الرجال الذين وجوهم بيض وشعورهم سود، كما يقال في الحسناء: ذات الذوائب السود, شعرها يشب لونها، أي: يظهره ويحسنه، وقيل: المراد الأذكياء، "وذكر" ﷺ في هذا الكتاب "الفرائض، فقال": المشابيب من أهل حضرموت بإقام الصلاة المفروضة، وأداء الزكاة المعلومة عند محلها، أي: وقت وجوبها، "في التبعة شاة لا مفورة الألياط ولا ضناك" بالكسر.
وهذا بيان لبعض أنواع الزكاة المذكورة في قوله: وأداء الزكاة، "وأنطوا الثبجة، وفي السيوب الخمس، ومن زنى مم بكر فاصعقوه مائة" بالقاف وبالفاء، "واستوفضوه عامًا، ومن زنى مم ثيب، فضرجوه بالأضاميم، ولا توصيم في الدين ولا غمة في فرائض الله تعالى، وكل مسكر حرام"، أي: ما شأنه الإسكار ولو قطرةى، وإنما ذكر هذا؛ لأنهم سألوه، فقالوا: يا رسول اللهстр. 2689
ووائل بن حجر يترفَّل على الأقيال".
وفسَّر الأقيال -وهو بالقاف والمثناة التحتية -بالرؤساء الذين دون الملوك.
"والعباهلة" بالمهملة المفتوحة والموحدة- الذين أقروا على ملكهم لا يزالون.
"الأرواح" بفتح الهمزة وسكون الراء آخرة عين مهملة- جمع رائع، وهم ذوو الهيئات الحسان الوجوه.
"والمشابيب" بفتح الميم والشين والمعجمة
الحواشي
(١) إن شرابًا يصنع بأرضنا، يقال له: المزر والبتع، وأهل تلك الديار لهم به ولع، "ووائل بن حجر يترفّل على الأقيال"، يتأمَّر ويترأس، وهذا كقوله في كتاب آخر له، وقد وجَّهه إلى المهاجر: "من محمد رسول الله إلى المهاجرين أبو أمية: إن وائلا يستعير ويترفَّل على الأقيال؛ حيث كان من حضرموت" أي: هو مستعمل على الصدقات، وأمير على الأقيال، قال الشاعر:
إذا نحن رفلنا أمرأ ساد قومه ... وإن لم يكن من قبل ذلك يذكر
وقوله: ابن أبو أمية، كذا الرواية بحكاية أوّل أحواله وأشرافها، كما يقال: علي بن أبي طالب: وقريش، لا تغير الأب في الكنية، بل تجعله بالواو في أحواله الثلاثة، حكاه أبو زيد عن الأصمعي، "وفسَّر الأقيال، وهو بالقاف، والمثناة التحتية" جمع: قيل -بفتح القاف وشد الياء, أو فتح فسكون "بالرؤساء الذين دون الملوك" كالوزراء، وهو أحد أقوال, الثاني: إنهم الملوك مطلقًا, الثالث: ملوك حمير واليمن، سمي به؛ لأنه يقول ما يشاء فينفد، وفي النهاية: روي أنه كتب لوائل إليّ الأقوال، وفي رواية: الأقيال، فقيل: إنه من القيالة، وهي الأمارة، وقيل: من القول لنفوذ قوله وأمره، فأصله على هذا، قيل: بتشديد الياء على إعلال ميت، ولولاه لم يكن لقلب الواو ياء وجه، وأقوال على الأصل، وأقيال على لفظ، قيل: كما قيل: ريح وأرياح، والقياس أرواح، لكنه لم يرجع لأصله فرقًا بينه وبين جمع روح، "والعباهلة" بالمهملة المفتوحة، والموحدة- الذين أقروا على ملكهم لا يزالون" من عبهلت الإبل إذا تركتها ترعى متى شاءت, واحده عبهل، فالتاء لتأكيد الجمعية، كقشعم، وقشاعمة، أو جمع عبهول، وأصله عباهيل، حذفت الياء، وعوّض منها التاء، كما في فرازنة، وفرازين.
وفي كتاب تثقيف اللسان: العباهلة بموحَّدة- الذين لا يد لأحد عليهم، وبتحتية: السنان، وكلاهما مدح, "والأرواع" بفتح الهمزة، وسكون الراء، فواو، فألف، آخره عين مهملة- جمع رائع، وهم ذوو الهيئات: الحسان الوجوه، "والمشابيب" بفتح الميم، والشين المعجمة، وباءينстр. 2690
وباءين موحَّدتين بينهما مثناة تحتية ساكنة -السادة الرءوس، الحسان الوجوه.
"وفي التيعة" بكسر المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية وبالعين المهملة- أربعون من الغنم, وفي القاموس والنهاية: أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان.
"ولا مقورة" بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو.
"والألياط" بفتح الهمزة وسكون اللام آخرها طاء مهملة- أي: لا مسترخية الجلود لكونها هزيلة.
"ولا ضناك" بكسر المعجمة وتخفيف النون- ضدها, وهي الكثيرة اللحم.
"وأنطوا" بقطع الهمزة
الحواشي
(١) موحدتين، بينهما مثناة تحتية ساكنة: السادة الرءوس الحسان الوجوه"، فهم مع اتصافهم بالحسن متصفون بأنهم رؤساء، فلا يرد أنه مساو لمفهوم الأرواع، وقال غيره: المشابيب جمع مشبوب، وهو الأزهر الحسن اللون، قال ذو الرمة:
أنا الأروع المشبوب أضحى كأنه ... على الرحل مما منه السير أحمق
والمراد: السيد الطاهر الأزهر اللون المنير؛ كأنه وقد في وجهه سراج منير، وهو يجمع من الأروع، كما في البيت، فإن النار مما يروع ناظره، "وفي التيعة" بكسر المثناة الفوقية، وسكون المثناة التحتية، وبالعين المهملة- أربعون من الغنم" تفسير للتيعة، فالأولى إسقاط في، "وفي القاموس والنهاية": التيعة "أدنى ما تجب فيه الصدقة من الحيوان"، أي: غير البقر، فلا يرد اقتضاء هذا جزاء شاة عن ثلاثين من البقر، وليس كذلك، كما في أحاديث آخر، وقيل: التيعة الخمس من الإبل، وقيل: ما يأخذه الساعي من الزكاة، ولا يناسب هنا، "ولا مقوّرة" بضم الميم وفتح القاف، وتشديد الواو"، كذا ضبطه المصنف هنا، وشراح الشفاء إنما ضبطوه -بإسكان القاف، وفتح الواو الخفيفة، وراء مهملة ثقيلة- من الإقورار، كحمرة من الاحمرار، "والألياط" بفتح الهمزة، وسكون اللام"، بعدها تحتية، فألف، و"آخره طاء مهملة، أي: لا مسترخية الجلود لكونها هزيلة"، جمع ليط -بكسر اللام، وهو قشر العود, فاستعير للجلد, من لاطه يلوطه إذا ألصقه، وقيل: المقوَّرة المقطوعة، والمعني بها: الناقصة، فالتفاسير متقاربة، "ولا ضناك" بكسر المعجمة"، وفتحها، قاله الفارابي.
قال الصغاني: والصواب الكسر، "وتخفيف النون ضدها، وهي الكثيرة اللحم" السمينة، فلا نؤخذ لجودتها، وفي نسخة: المكتنزة اللحم -وهي بضم الميم، وسكون الكاف، وفتح الفوقية، وكسر النون، وفتح الزاي، وبالهاء- أي: الكثيرة اللحم، "وأنطوا" بقطع الهمزة، بعدهاстр. 2691
أي: أعطوا.
"والثبجة" بالمثلثة ثم موحَّدة ثم جيم مفتوحات، وقد تكسر الموحدة، أي: أعطوا الوسط في الصدقة لا من خيار المال ولا من رذالته.
"وفي السيوب" بضم المهملة والمثناة التحتية وواو وآخره موحدة- أي: الركاز، قاله الهروي، وقيل: المال المدفون في الجاهلية والمعدن.
"ومن زنى مم بكر" بكسر الراء بلا تنوين؛ لأن أصله من البكر، لكن أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميما، وهي ساكنة فأدغمت النون فيها، والمراد بالبكر الجنس،
الحواشي
(١) نون، "أي: أعطوا" بلغة اليمن، أو بني سعد، وقرئ شاذًّا: إنا أنطيناك، وروي في الدعاء: لا مانع لما أنطيت، "والثبجة" بالمثلثة، ثم الموحدة، ثم جيم مفتوحات" آخرها- للنقل من الاسمية للوصفية، "وقد تكسر الموحدة" مع خفة الجيم، كما أفاده التجاني، أما مع شدِّها ففيه نظر، كما قال البرهان، "أي: أعطوا الوسط في الصدقة، لا من خيار المال، ولا من رذالته" بفتح الراء، على تقدير مضاف، أي: من ذي رذالته، وبضمها بلا تقدير، فالرذالة بالضم ما انتُقِيَ جيده، كما في القاموس، "وفي السيوب" بضم المهملة، والمثناة التحتية، وواو، وآخره موحدة"، جمع سيب، "أي: الركاز، قاله الهروي"، بمهملة وكاف وزاي, بزِنَة كتاب، بمعنى: مركوز، وهو المال المدفون الجاهلي، من ركز الرمح إذا غرزه في الأرض وأقَرَّه، أو من الركز وهو الإخفاء، قال تعالى: ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا﴾ [مريم: ٩٨] ، أي: صوتًا خفيفًا، وسُمِّيَ سيبًا؛ لأنه عطية من الله تعالى؛ إذ السيب لغة العطاء، وقيل: هو الذهب والفضة المدني من تسيب، بمعنى: تكون من غير صاحب له، فكأنه مسيب، فأطلق على كل جزء منه سبب، فجمع، ثم أطلق عليه الركاز.
"وقيل": السيوب "المال المدفون في الجاهلية، والمعدن"، فهو على هذا أعمّ من الركاز؛ لإطلاقه على المعدن، فيشترك القولان في إطلاقه على المال المدفون في الجاهلية، ويختص الثاني بإطلاقه على المعدن، "ومن زنى مم بكر" بكسر الراء بلا تنوين؛ لأن أصله من البكر، لكنَّ أهل اليمن يبدلون لام التعريف ميمًا، وهي ساكنة، فأدغمت النون فيها"، وفي جواز الإدغام نظر، فإنه إذا كان الأصل أل، فهمزته همزة وصل، تثبت في الابتداء والخط، وتسقط في الدرج لفظًا، وثبوتها خطًّا فاصلًا بين النون واللام، فيمنع الإدغام، ويمكن الجواب بأن الألف حذفت تخفيفًا، كحذفها في بسم الله، فاتصلت النون، بالميم خطًّا ولفظًا فأدغمت؛ إذ لم يبق مانع من الإدغام، "والمراد بالبكر الجنس"؛ لأن بكر نكرة عامَّة لوقوعها في سياقстр. 2692
وقال ابن الأثير: أي: من بكر ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميمًا، أمَّا مع بكر فلأنَّ النون إذا سكنت قبل الباء فإنها تقلب ميمًا في النطق، نحو: عنبر وشنباء، وأمَّا مع غير الباء فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف. انتهى.
و"فاصقعوه" بهمزة وصل وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف وضم العين المهملة- أي: اضربوه.
"واستوفضوه" بهمزة وصل وكسر
الحواشي
(١) الشرط.
"وقال ابن الأثير: أي من بكر ومن ثيب، فقلبت النون الساكنة ميمًا، أمَّا مع بكر فلأنَّ النون إذا سكنت قبل الباء فإنها تقلب ميمًا في النطق"، سواء كان من كلمة "نحو عنبر وشنباء"، كحمراء، وهي المرأة التي كثر ماء أسنانها ورقيه وعذوبته، أو من كلمتين، نحو: من بكر، "وأمَّا مع غير الباء فإنها لغة يمانية، كما يبدلون الميم من لام التعريف"، نحو: ليس من أميرًا مصيام في امسفر، قال -أعني ابن الأثير: فإمَّا أن يكون ما نحن فيه من الثاني، وأصله من البكر، فحذفت نون من, فبكر غير منوّن، واستعمل البكر موضع الإبكار، والأشبه أن يكون نكرة منونة وأبدل نون من ميمًا. "انتهى" كلام ابن الأثير، واعترض بأن كون بكر بمعنى إبكار؛ لأجل مِن التبعيضية، فتقديره: من زنى من الإبكار، ويجوز: إنها لبيان الجنس، فبكر على أصلها، ومع هذا يحتمل أنه بمعنى الإبكار أيضًا؛ لأن في معنى العموم، ثم قلبت النون ميمًا على نهج الإقلاب التجريدي، لا يتأتَّى في قوله: "مم ثيب" فلذا قال الشمني أنه من باب الازدواج، والمشاكلة، كقولهم: ما قدم وحدث -بضمهما- مع أن حدث بالفتح.
وقال التجاني: قلبت النون ميمًا؛ لأنها تعاقبها كثيرًا، كقولهم: بنان وبنام، وقال الدلجى: بكر نكرة عامَّة، لوقوعها في سياق الشرط، فراؤها منونة، وأبدلت فيه نون من ميمًا، لكثرة استعمالها ذلك لفظًا، نحو: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ﴾ أنزلناه، من ماء كان فيه، سيما إذا كان بعدها باء، كما هنا، ولو كان معرفة، لقال بلغتهم: ومن زنى من امبكر، كما قال: ليس من امبر مصيام في امسفر، ومن الجارّة تبعيضية، أو بيانية، مفسّرة للاسم المبهم الشرطي، أي: ومن زنى من الإبكار، "وفاصقعوه -بهمزة وصل، وإسكان الصاد المهملة، وفتح القاف، وضم العين المهملة- أي: اضربوه"، ويقال: بالسين أيضًا من الصقع، وهو الضرب، وأصله على الرأس، وقيل: الضرب ببطن الكف، ونقل التلمساني أن بعض الشراح ضبطه، بالفاء بدل القاف، يقال: صفعت فلانًا أصفعه إذا ضربت قفاه، ورجل مصيفعاني يفعل به ذلك، "و "استوفضوه" بهمزة وصل، وكسرстр. 2693
الفاء وضمَّ الضاد المعجمة، أي: غربوه وانفوه.
و"فضرجوه" بالضاد المعجمة وتشديد الراء وبالجيم.
و"بالأضاميم" بفتح الهمزة والضاد المعجمة- أي: أدموه بالضرب بجماهير الحجارة.
و"لا توصيم" بصاد مهملة مكسورة- أي: لا كسل عن إقامة الحدود.
"ولا غمة" بضم الغين المعجمة وتشديد الميم- أي: لا تستر ولا تُخْفَى.
"ويترفّل" بتشديد الفاء المفتوحة- يتسوّد ويترأس، استعارة من ترفيل الثوب, وهو إسباغه وإسباله.
الحواشي
(١) الفاء، وضم الضاد المعجمة"، ثم واو ساكنة، بعدها الضمير، "أي: غربوه وانفوه، و "فضرجوه" بالضاد المعجمة" المفتوحة "وتشديد الراء" المكسورة، "وبالجيم" المضمومة- من التضريح، وهو القدمية، أي: ارجموه حتى يسيل دمه ويموت، قال:
إن بني ضرَّجوني بالدم
"وبالأضاميم" بفتح الهمزة، والضاد المعجمة" وميمين أولهما مكسورة، بينهما تحتية ساكنة، "أي: أدموه"، تفسير لضرّجوه "بالضرب بجماهير الحجارة"، تفسير للأضاميم, جمع إضمامة -بكسر الهمزة، أو أضموم بضمها، سميت به؛ لأنه يضمّ بعضها البعض، "ولا توصيم" في الدين "بصاد مهملة مكسورة"، تفعيل من الوصم، وهو العيب والعار، "أي": لا عار، و"لا كسل عن إقامة الحدود"، فلا تحابوا فيها أحدًا، وهذا بمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَهِ﴾ [النور: ٢] .
"ولا غمّة" في فرائض الله، "بضم الغين المعجمة، وتشديد الميم- أي: لا تستر ولا تخفى" بل تظهر، ويجهر بها إقامة، وإظهارًا لشعائر الدين، ففيه أن إظهار الفرائض أفضل، فإظهار الزكاة أفضل من إخفائها، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١] ، محمول على صدقة التطوّع، فإخفاؤها أفضل، وقيل: شامل للزكاة، وقيل: يستحب إخفاؤها إذا خاف الرياء ونحوه، وقيل: يختلف باختلاف الأحوال والزمان، وفي رواية: لا عمه -بفتح العين المهملة، والميم المخففة، والهاء- أي: لا حيرة ولا تردد فيها، وروي: ولا غمد -بكسر المعجمة، وسكون الميم، ودال مهملة- أي: لا ستر ولا خفاء, كتغمدنا لله برحمته، أي: سترنا بها، "ويترفَّل" بتشديد الفاء المفتوحة- يتسوّد، ويترأس استعارة من ترفيل الثوب، وهو إسباغه" تطويله، "وإسباله"، للفخر، والعظمة.стр. 2694
وقريب من هذا، كتابه ﷺ لأكيدر وأهل دومة الجندل، كما قدمته في مكاتبته ﵊.
وقال ﵊ في حديث عطية السعدي: "فإن اليد العليا هي المنطية والسفلى هي المنطاة" قال: فكلمنا رسول الله ﷺ بلغتنا.
الحواشي
(١) فاستعير أو جعل كناية، وهو أظهر لجعله رئيسًا عليهم محكمًا فيهم، وفي أخذ صدقاتهم؛ لأن الترفُّل للتعظيم, والرئيس والحاكم معظَّم، فجعل عبارة عن أنه ﷺ جعله واليًا على أمورهم، وقبض صدقاتهم، "وقريب من هذا كتابه ﷺ لأكيدر، وأهل دومة الجندل، كما قدمته في مكاتباته ﵊".
"وقال ﵊ في حديث عطية" ابن عروة، وقيل: ابن عمرو، وقيل: ابن سعد، وقيل: ابن قيس "السعدي"، قيل: هو من بني سعد بن بكر، وقيل: من بني جشم بن سعد، صحابي معروف، له أحاديث، نزل الشام، وجزم ابن حبان بأنه عطية بن عروة بن سعد. ووقع عند الطبراني والحاكم عطية بن سعد، وذكر المدائني عنه أنه كان ممن كلم النبي ﷺ في سبي هوازن، قاله في الإصابة وفي التقريب, له ثلاثة أحاديث، روى له أبو داود، والترمذي وابن ماجه، وأخرج ابن عبد البر، والحاكم من طريق عروة بن محمد بن عطية، قال: حدثني أبي أنَّ أباه حدَّثه أنه قدم على رسول الله ﷺ في ناس من بني سعد، قال: وأنا أصغرهم، فخلَّفوني في رحالهم، ثم أتوه ﷺ ، فقضى حوائجهم، ثم قال: "هل بقي منكم أحد"؟، قالوا: يا رسول الله, غلامًا خلفناه في رحالنا، فأمرهم أن يبعثوني إليه، فأتوا إلي، وقالوا: أجب رسول الله ﷺ ، فأتيته، فلمَّا رآني، قال: "ما الله مسئول ومنطي".
"قال: فكلمنا رسول الله ﷺ بلغتنا"، أي: بني سعد، وهي إبدال العين نونًا، ولا ينافيه القول، بأنها لغة يمانية؛ لجواز أنها لغة لهما، وفي رواية: فكلمني بلغتنا، ولا خلف؛ لأنه وجه إليه الكلام لنجابته، وقومه يسمعون، فيصح أن يقال: كلمنا وكلمني، أو النون للعظمة، إظهارًا لإنعام الله عليه بخطابه ﷺ له، ثم اليد العليا المعطية، والسفلى يد السائل الآخذة، وهي المعطاة، وقد فُسِّرَ بذلك في حديث آخر أنه ﷺ ، قال على المنبر، وهو يذكر الصدقة، والتعفّف عن المسألة: "اليد العليا خير من اليد السفلى، واليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة"، رواه الشيخان، والمنفقة -بنون وفاء وقاف، ويروى المتعففة -بعين وفاءين- التي لا تسأل أحدًا، وقيل: إنه تصحيف، ويروى: المنفعة -بشد الفاء، وقيل: "اليد العليا المعطية، والسائلة المانعة"، وقيل:стр. 2695
وقد كان هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه, أن يكلِّم كل ذي لغة بليغة بلغته, على اختلاف لغة العرب وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها، كان أحدهم لا يتجاوّز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه ﷺ إلّا بقوة إلهية وموهبة ربانية؛ لأنه بُعِثَ إلى الكافَّة طرًا، وإلى الناس سودًا وحمرًا، والكلام باللسان يقع في غاية البيان، ولا يوجد غالبًا متكلم بغير لغته إلا قاصرًا في الترجمة نازلًا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلّا نبينا وسيدنا محمدًا ﷺ كما تقدَّم، فإنه زاده الله تكريمًا وشرفًا, تكلم في كل لغة من لغة العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها،
الحواشي
(١) العليا يد الفقير، لتحصيلها الثواب لصاحب المال، ودفع البلاء عنه، واختار بعض الصوفية، قال ابن قتيبة: وما أرى هذا إلّا كلام قوم استحبوا السؤال وحسَّنوه، وكله مضمحِّل بعد التصريح بتفسيره في الصحيح، وإن قيل: إنه مدرج، "وقد كان هذا من خصائصه -صلوات الله وسلامه عليه"، وأبدل من اسم الإشارة قوله: "أن يكلّم كل ذي لغة بليغة بلغته على اختلاف لغة العرب"، فكان يعلمها كلها، "وتركيب ألفاظها وأساليب كلمها"، فلمَّا كان كلام من تقدَّم على هذا الحد، وبلاغتهم على هذا النمط، وأكثر استعمالهم هذه الألفاظ استعملها معهم، فاستعمالها مع من هي لغتهم لا يخلّ بالفصاحة، بل هو من أعلى طبقاتها، وإن كان فيها ما هو غريب وحشي بالنسبة لغيرهم.
وقد نَصَّ الجاحظ في كتاب البيان على أنَّ كلام البادية الوحشي فصيح بالنسبة لهم، وإن أوهم كلام أهل المعاني خلافه، وأنه يحل بالفصاحة، "كان أحدهم لا يتجاوز لغته، وإن سمعت لغة غيره، فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذلك منه ﷺ إلّا بقوة إلهية وموهبة ربانية؛ لأنه بعث إلى الكافَّة طرًا، وإلى الناس سودًا وحمرًا"، فعَلَّمه الله جميع اللغات، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، أي: لغتهم، فلمَّا بعثه للجميع علمه الجميع، "والكلام باللسان"، اللغة، "يقع في غاية البيان"، وقد قال تعالى: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤] فلو كان بغيرها احتاج إلى ترجمان، فقد لا يقع به البيان، "ولا يوجد غالبًا متكلم بغير لغته، إلًا قاصرًا في الترجمة، نازلًا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلّا نبينا وسيدنا محمدًا ﷺ ، كما تقدَّم، فإنه زاده الله تكريمًا وشرفًا، تكلم في كل لغة من لغة العرب"، بكلام "أفصح" حال، "وأنصع" بنون، وصاد، وعين مهملتين- أخلص "بلغاتها منها بلغة نفسها"، يعني: إنه أعرف بلغة العرب وأقدر عليها من أهلها، "وجدير" حقيق "به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى" بالضمстр. 2696
وجدير به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى البشرية المحمودية زيادة ومزية على الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس, ولا يدخل في تحقيقه إلباس.
وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيًّا قط إلّا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم, فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر.
وروي نحوه عن حديث علي بن أبي طالب ﵁.
الحواشي
(١) "البشرية المحمودة، زيادةً ومزيّة على الناس مع اختلاف الأصناف والأجناس، ما لا يضبطه قياس، ولا يدخل في تحقيقه إلباس" بموحدة وإشكال، "وأما صوته الشريف".
أي: صفته، فكان على غاية من الحسن والسعة، كما صرَّحت به الأحاديث لا حقيقته التي هي غرض يخرج من داخل الرئة؛ لأن الكلام في شمائله، ولذا أولنا في المبتدأ لا الخبر، ولا يردَّان كل حكم ورد على اسم، فهو على مدلوله إلّا لقرينة؛ لأن القرينة هنا صارفة عن إرادة الحقيقة، "فعن أنس قال": ظاهره أنه موقوف عليه؛ لكنه مرفوع حكمًا؛ إذ لا دخل فيه للرأي، "ما بعث الله نبيًّا قط إلا بعثه"، انظر ما نكتته، مع أنه يكفي إلّا "حسن الوجه، حسن الصوت"، ونبيًّا نكرة في سياق النفي، فعمومها شمولي، فوجه الإغياء في قوله: واستمرَّ ذلك في جميع الأنبياء "حتى بعث الله نبيكم"، إنه لما احتمل النفي العموم احتمالًا ظاهرًا، وعدمه مرجوحًا, قصد رفع الاحتمال المرجوح، واحتاج لقوله: "فبعثه حسن الوجه، حسن الصوت"؛ لأنه قد يتوهّم من عدم ظهور تمام حسنه، لحجبه بالجلال أنه دونهم، ولم ينبه في هذا الحديث على أنه أحسن منهم في الأمرين، مع أنه لواقع الجوار أن المقام مقام إثبات المساواة، ردًّا على زاعم أنه دونهم، وهذا من البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، واكتفاءً بما علم أنه إذا شارك غيره في شيء فاق عليه فيه، وهذا أحسن، وهذا كله بالنظر لهذا اللفظ الذي "رواه ابن عساكر"، وإلا فقد رواه الرمذي من حديث أنس نفسه بلفظ: ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا، فعلى المؤلف المؤاخذة في ترك الترمذي من وجهين: أحدهما: إن الحديث إذا كان في أحد الستة لا يعزى لغيرها، كما قال مغلطاي. ثانيهما: إن لفظه أصرح في الدلالة على المراد من لفظ ابن عساكر، "وروي نحوه من حديث علي بن أبي طالب ﵁".
قال الحافظ: وأمَّا قوله في حديث المعراج في يوسف: "فإذا أنا برجل حسن ما خلق الله،стр. 2697
وروي أنه كان إذا تكلَّم ريء كالنور يخرج من ثناياه.
وقد كان صوته ﵊ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في خدورهنّ. رواه البيهقي.
وقالت عائشة ﵂: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم, فجلس في مكانه، رواه أبو نعيم.
وقال عبد الرحمن بن معاذ
الحواشي
(١) قد فضل الناس بالحسن، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، رواه البيهقي والطبري وابن عائذ؛ ليحمل على أنَّ المراد غير النبي ﷺ ، ويؤيده القول بأنَّ المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، وقوله في رواية مسلم: "فإذا هو قد أعطي شطر الحسن" حمله ابن المنبر على أنَّ المراد أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ .
"وروي" عند الترمذي، والدارمي، والطبراني عن ابن عباس "أنه" ﷺ "كان" أفلج الثنيتين "إذا تكلّم" خبر ثانٍ لكان "ريء" بكسر الراء، بزنة قيل على الأفصح، ويقال: بضم الراء، وكسر الهمزة، وبني للمجهول إيماءً إلى أنَّ الرواية لا تختص بأحد دون أحد، ولذا لم يقل: إذا تكلَّم يخرج "كالنور"، أي: شعاع مثله، فالكاف، بمعنى مثل، فلا حاجة لتقدير شيء "يخرج من" بين "ثناياه"، إما من الثنايا نفسها، أو من داخل الفم، وطريقه من بينهما لمعجزة له، وهو نور حسيّ لا معنوي، والمراد: لفاظه بالقرآن أو السنة، كما زعم؛ لأنه خلاف المتبادر من قوله: ريء، وهو زائد على حسن الصوت، "وقد كان صوته ﵊ يبلغ حيث" أي: مكانًا "لا يبلغه صوت غيره"، فحيث هنا، بمعنى المكان مجرَّدة عن الظرفية.
"فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ " فعلا صوته "حتى أسمع العواتق" جمع عاتق، وهي الشابّة أوّل ما تدرك، وقيل: التي لم تبن من والديها، ولم تتزوج، وقد أدركت وشبّت, وتجمع أيضًا على عتق، كما في النهاية "في خدورهنَّ" جمع خدر، أي: ستر، ويطلق على البيت إن كان فيه امرأة، وإلّا فلا، "رواه البيهقي"، وخصَّهن بالذكر لبعدهنَّ واحتجابهنَّ في البيوت، فسماعهنَّ آية علوّ صوته زيادة على غيره، "وقالت عائشة ﵂: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر، فقال للناس: "اجلسوا" فسمعه عبد الله بن رواحة" الأنصاري "وهو في بني غنم" بمعجمة مفتوحة، فنون ساكنة، فميم- بطن من الخزرج بالمدينة، ونسخة تميم تحريف، "فجلس في مكانه" مبالغةً في امتثال أمره ﷺ ، مع أنه ليس مأمور بذلك؛ إذ قصده أمره الحاضرين للخطبة بالجلوس، "رواه أبو نعيم، وقال عبد الرحمن بن معاذ" بن عثمان بنстр. 2698
التيمي: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتحت أسماعنا -وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا- حتى إن كنَّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. رواه ابن سعد.
وعن أم هانيء قالت: كنَّا نسمع قراءة النبي ﷺ في جوف الليل عند الكعبة، وأنا على عريشي، رواه ابن ماجه.
وأما ضحكه ﵊، ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم،
الحواشي
(١) عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مُرَّة بن كعب بن لؤيّ القرشي "التيمي" بن عم طلحة بن عبد الله, قال البخاري وغيره: له صحبة، وعدَّه ابن سعد من مسلمة الفتح، "خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتحت" أي: فتح الله -كما في الرواية التالية "أسماعنا" حتى كنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا. الحديث، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأخرج البخاري عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "بمثل حصى الخذف فارموا"، "وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا"، بأن خلق فيها قوة سمع زيادة على معتادها، فكأنها كانت مغلقة ففتحت، فشبَّه الأسماع بأبواب مغلقة، وأثبت لها الفتح تخييلًا، فهو استعارة بالكناية تخييلية، "حتى" غاية, لقد رأى، فقويت حتى, "إن كنَّا" مخفَّفة من الثقيلة، بدليل اللام في "لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا، رواه ابن سعد" بهذا اللفظ، وإلّا فقد رواه بلفظ: ففتحت، بالبناء للمجهول, الأئمة لذين رأيت.
"وعن أم هانيء، قالت: كنا نسمع قراءة النبي ﷺ في جوف الليل عند الكعبة"، متعلق بقراءة: "وأنا على عريشي" أي: سريري، وحمله عليه أبلغ من سقف بيتي، كما هو أحد معاني العريش، كالعرش في القاموس أيضًا، فسماعها له، وهي على سريرها، داخل بيتها البعيد عن محل القراءة، دليل على قوته، "رواه ابن ماجه"، وفي الصحيحين عن البراء: قرأ ﷺ في العشاء: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] ، فلم أسمع صوتًا أحسن منه، وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جبير بن مطعم: كان ﷺ حسن النغمة، وفي حديث أم معبد: كان في صوته صحل. رواه ابن عساكر وغيره بفتح المهملتين، ولام- شبه البحة، وهي غلظ الصوت.
قال ابن الأثير: بالتحريك كالبحَّة، وأن لا يكون حادّ الصوت، وفي رواية: صهل -بهاء بدل الحاء- وهو قريب منه؛ لأنه صوت الفرس وهو يصهل بشدة وقوة، "وأمَّا ضحكه ﵊"، قال في القاموس: ضحك ضحكًا -بالفتح، وبالكسر، وبكسرتين- ككتف, "ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا" ضحكًا تامًّا؛ بحيث ينفتح فمه، "حتى أرى منه لهواته" غاية لضاحكًا، "إنما كان يتبسَّم".стр. 2699
أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك؛ بحيث يضحك ضحكًا تامًّا مقبلًا بكليته على الضحك.
واللهوات -بفتح اللام- جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.
وهذا لا ينافي ما في حديث أبي هريرة في قصة المواقِعِ أهلَه في رمضان، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. رواه البخاري
الحواشي
(١) قال المجد: بسم يبسم بسمًا، وابتسم، وتبسَّم، وهو أقل الضحك وأحسنه.
قال الكشَّاف: وكذلك ضحك الأنبياء لم يكن إلا تبسمًا. انتهى، وعليه، فهو من خواصِّه على الأمم دون الأنبياء، "أي: ما رأيته مستعجمًا من جهة الضحك"، أي: مطمئنًّا قاصدًا للضحك الذي يغلب وقوعه للناس؛ "بحيث يضحك ضحكًا تامًّا مقبلًا بكليته على الضحك، واللهوات -بفتح اللام" والهاء، والواو- "جمع لهاة" على الأصل.
وتجمع أيضًا على لهيات ولهى, مثل: حصاة وحصى وحصيات، كما في المصباح، "وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة" أي: الحلق، "من أقصى الفم، وهذا لا ينافي ما في حديث أبي هريرة، في قصة المواقع"، المجامع "أهله في" نهار "رمضان"، قيل: إنه سلمة بن صخر، رواه ابن أبي شيبة وابن الجارود، وجزم به عبد الغني، وانتُقِدَ بأنَّ هذا هو المظاهِر في رمضان، أتى أهله ليلًا, رأى خلخالها في القمر، وفي رواية ابن عبد البَرِّ: تسميته سلمان بن صخر البياضي، قال ابن عبد البر: وأظنّه وهمًا؛ لأن ذلك إنما هو المظاهر، أمَّا المجامع فأعرابي، فهما واقعتان، ففي قصة المجامع: أنه كان صائمًا، وقصة سلمان أنه كان ليلًا، كما عند الترمذي فافترقا، نعم اشتركا في قدر الكفّارة، وفي الإتيان بالتمر، وفي قول كلٍّ منهما أعل أفقر منَّا، وسبب ظنّ من قال: إن المحترق سلمان أو سلمة، أن ظهاره من امرأته كان في رمضان، وجامع ليلًا، ولفظ الصحيح عن أبي هريرة: جاء رجل فقال: يا رسول الله, هلكت، قال: "ما لك"؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها"؟ قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟، قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينًا"؟، قال: لا، فأتى ﷺ بتمر، فقال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال: على أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، "فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه"، وفي رواية: أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك"، رواه البخاري" في الصوم غيره، ومسلم وأصحاب السنن في الصوم: وإنما ضحك كذلك ﷺ تعجبًا من حال الرجل في كونه جاء أولًا هالكًَا محترقًا،стр. 2700
وهو بالجيم والذال المعجمة- أي: أضراسه, ولا تكاد تظهر إلّا عند المبالغة في الضحك، ولا منافاة لأنَّ عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة أخبر عمَّا شاهد، والمثبت مقدَّم على النافي.
وقد قال أهل اللغة: التبسُّم مبادي الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلّا فالضحك.
وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه التبسم، ويفتر
الحواشي
(١) كما في رواية: احترقت خائفًا على نفسه، راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلمّا وجد الرخصة طمع في أكل الكفَّارة، "وهو بالجيم، والذال المعجمة- أي: أضراسه" ظاهره حقيقة.
وقال السيوطي تبعًا للزمخشري: الوجه حمله على مبالغة مثله في الضحك من غير ظهورها حقيقةً، وهو أقيس، وقال ثعلب: المراد أنيابه, للتصريح في الرواية الأخرى، ورجَّحه السيوطي وغيره؛ بأنَّه لم يبلغ به الضحك إلى بدوِّ أضراسه، وقيل: النواجذ الأسنان بين الضرس والناب، وقيل: أربع من "الأضراس"، آخرها يسمَّى ضرس العقل؛ لأنه لا ينبت إلا بعد الحلم، "ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك"، فينافي قول عائشة: إنما كان يبتسم، "ولا منافاة؛ لأنَّ عائشة إنما نفت رؤيتها, وأبو هريرة أخبر عمَّا شاهد، والمثبت مقدَّم على النافي"؛ لأن معه زيادة علم, خصوصًا والنافي هنا إنما نفى رؤيته لها مطلقًا، "وقد قال أهل اللغة: التبسُّم مبادي الضحك"، أي: مقدماته، "والضحك انبساط الوجه" تهلله وتلألؤه، "حتى تظهر الأسنان من السرور" متعلق بانبساط، وكأنَّ المعنى: إذا تهلَّلَ وجهه لسرور قام به، انفتح فمه على الهيئة المعروفة، "فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلّا" يسمع من بعد، وهو بصوت "فالضحك"، فالفارق بين الثلاثة: أنَّ التبسم انفتاح الفم بلا صوت، والضحك انفتاحه مع صوت قليل، والقهقهة انفتاحه بصوت قوي.
"وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه"، أي: أكثره "التبسّم"، وقد يزيد عليه أحيانًا "ويفتر" بفتح الياء وسكون الفاء وفتح الفوقية وتشديد الراء- كما ضبطه شرَّاح الشفاء، وفي القاموس: افترَّ ضحك ضحكًا حسنًا، قال الحريري:
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
قال في النهاية: أي: يبتسم، ويكشر حتى تبدو أسنانه من غير قهقهة، وهو من فررت الدابةследующие страницы →