← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.

стр. 2696

وجدير به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى البشرية المحمودية زيادة ومزية على الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس, ولا يدخل في تحقيقه إلباس. وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيًّا قط إلّا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم, فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر. وروي نحوه عن حديث علي بن أبي طالب ﵁.

стр. 2697

وروي أنه كان إذا تكلَّم ريء كالنور يخرج من ثناياه. وقد كان صوته ﵊ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في خدورهنّ. رواه البيهقي. وقالت عائشة ﵂: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم, فجلس في مكانه، رواه أبو نعيم. وقال عبد الرحمن بن معاذ

стр. 2698

التيمي: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتحت أسماعنا -وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا- حتى إن كنَّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. رواه ابن سعد. وعن أم هانيء قالت: كنَّا نسمع قراءة النبي ﷺ في جوف الليل عند الكعبة، وأنا على عريشي، رواه ابن ماجه. وأما ضحكه ﵊، ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم،

стр. 2699

أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك؛ بحيث يضحك ضحكًا تامًّا مقبلًا بكليته على الضحك. واللهوات -بفتح اللام- جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم. وهذا لا ينافي ما في حديث أبي هريرة في قصة المواقِعِ أهلَه في رمضان، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. رواه البخاري

стр. 2700

وهو بالجيم والذال المعجمة- أي: أضراسه, ولا تكاد تظهر إلّا عند المبالغة في الضحك، ولا منافاة لأنَّ عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة أخبر عمَّا شاهد، والمثبت مقدَّم على النافي. وقد قال أهل اللغة: التبسُّم مبادي الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلّا فالضحك. وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه التبسم، ويفتر

стр. 2701

عن مثل حب الغمام، أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام: البرد. وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث: أنه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسّم، وربما زاد على ذلك فضحك. قال: والمكروه من ذلك إنما هو إكثار منه, أو الإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار. وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك. وقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب".

стр. 2702

وقال أبو هريرة: وإذا ضحك ﷺ يتلألأ في الجدر. رواه البزار والبيهقي، أي: يضيء في الجدر -بضم الجيم والدال- جمع جدار وهو الحائط, أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس عليها. وكان ﷺ إذا كان حديث عهد بجبريل لم يبتسم ضاحكًا حتى يرتفع عنه، بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتدَّ غضبه, وعلا صوته, كأنَّه منذر جيش, يقول: "صبحكم ومساكم" رواه مسلم. وكان بكاؤه ﵊ من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة, ولكن تدمع عيناه حتى ...

стр. 2703

تهملان، ويسمع لصدره أزيز، يبكي رحمة لميّت, وخوفًا على أمته وشفقة، ومن خشية الله، وعند سماع القرآن، وأحيانًا في صلاة الليل. قاله في الهدي النبوي. وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، ففي تاريخ البخاري ومصنَّف ابن أبي شيبة, عن يزيد بن الأصم: ما تثاءب النبي قط. لكن في رواية عند ابن أبي شيبة: ما تثاءب نبي قط. وأمَّا يده الشريفة ﷺ فقد وصفه غير واحد بأنَّه كان شثن الكفين كما سيأتي، أي غليظ أصابعهما،

стр. 2704

وبأنه عَبْل الذراعين رحب الكفَّين. وقد مسح ﷺ خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار، رواه مسلم. وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي: لقد

стр. 2705

كنت أصافح رسول الله ﷺ , أو يمسّ جلدي جلده، فأتعرَّفه بعد في يدي، وإنه لأطيب رائحة من المسك. وقال يزيد بن الأسود: ناولني رسول الله عليه وسلم- يده, فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحًا من المسك. رواه البيهقي. وعن المستورد بن شداد عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فأخذت بيده, فإذا هي ألين من الحرير وأبرد من الثلج. رواه الطبراني. ودخل ﷺ على سعد بن أبي وقاص يعوده بمكة وقد اشتكى، قال: فوضع يده على جبهتي فسمح وجهي وصدري وبطني، فما زلت يخيل إلي

стр. 2706

أني أجد برد يده على كبدي حتى الساعة، رواه. في البخاري من حديث أنس قال: ما مَسَسْتُ حريرًا ولا ديباجًا ألين من كَفِّ رسول الله ﷺ . وهو من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الديباج نوع من الحرير. قيل: وهذا الوصف في هذا الحديث يخالف ما وقع في حديث هند بن أبي هالة عند الترمذي في صفته ﷺ ، فإنَّ فيه -كما تقدَّم: كان شثن الكفين والقدمين، أي: غليظهما في خشونة، وهكذا وصفه عليُّ من عدة طرق عند الترمذي

стр. 2707

والحاكم وغيرهما، وكذا وصف عائشة له عند ابن أبي خيثمة. والجمع بينهما: إن المراد اللّين في الجلد, والغلظ في العظام، فتجتمع له نعومة البدن وقوته. وقال ابن بطال: كانت كفّه ﷺ ممتلئة لحمًا، غير أنها مع ضخامتها كانت لينة، كما في حديث أنس، قال وأمَّا قول الأصمعي: الشثن: غلظ الكف في خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذي فسَّره به الخليل أَوْلَى، قال: وعلى تسليم ما فسَّر به الأصمعي الشثن, يحتمل أن يكون أنس وصف حالتي كف النبي ﷺ , فكان إذا عمل بكفه في الجهاد أو في مهنة أهله، صار كفّه خشنًا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته من النعومة.

стр. 2708

وقال القاضي عياض: فسَّر أبو عبيدة الشثن بالغلظ مع القصر, وتعقّب بأنه ثبت في صفته ﵊ أنه كان سائل الأطراف. انتهى. ويؤيد كونها كانت لينةً قوله في رواية النعمان: كان سبط الكفين -بتقديم المهملة على الموحدة، فإنه موافق لوصفها باللين. والتحقيق في الشثن أنه الغلظ من غير قصر ولا خشونة. وقد نقل ابن خالويه: إن الأصمعي لما فسر الشثن بما مضى قيل له: إنه ورد في صفة النبي ﷺ أنه لَيِّن الكفَّين، فآلى

стр. 2709

على نفسه أن لا يفسِّر شيئًا في الحديث. انتهى. وفي حديث معاذ عند الطبراني والبزار: أردفني رسول الله ﷺ خلفه في سفر، فما مسَسَت شيئًَا قط ألين من جلده ﷺ . وأصيب عائذ بن عمرو في وجهه يوم حنين، فسال الدم على وجهه وصدره، فسلت النبي ﷺ الدم بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا له، فكان أثر يده ﵊ إلى منتهى ما مسح من صدره غُرَّة سائلة كغرة الفرس. رواه الحاكم وأبو نعيم وابن عساكر. وأخرج البخاري في تاريخه والبغويّ وابن منده في الصحابة من طريق صاعد بن العلاء بن بشر عن أبيه عن جدّه بشر بن معاوية: أنه قدم مع أبيه معاوية بن ثور على رسول الله ﷺ , فمسح رأسه ودعا له بالبركة

стр. 2710

فكانت في وجهه مسحة النبي ﷺ كالغرَّة, وكان لا يمسح شيئًا إلا برئ. ومسح ﷺ رأس مدلوك أبي سفيان, فكان ما مرت عليه يده أسود، وشاب ما سوى ذلك. رواه البخاري في تاريخه والبيهقي. وكذا وقع له ﵊ في رأس السائب

стр. 2711

رواه البغوي والبيهقي وابن منده. وأخرج البيهقي وصحَّحه، والترمذي وحسَّنه، عن أبي زيد الأنصاري قال: مسح ﵊ بيده على رأسي ولحيتي ثم قال: "اللهم جمّله"، قال: فبلغ بضعًا ومائة سنة وما في لحيته بياض. لقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات. ومسح ﵊ رأس حنظلة بن حذيم بيده وقال له: "بورك فيك،

стр. 2712

فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها, والبعير والإنسان به الورم، فيتفل في يده ويمسح بصلعته ويقول: بسم الله, على أثر يد رسول الله -صلى عليه وسلم- فيمسحه, ثم يمسح موضع الورم, فيذهب الورم. رواه أحمد والبخاري في التاريخ, وأبو يعلى وغيرهم. وقد جاء في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بياض إبطيه. فعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى رأيت بياض إبطيه.

стр. 2713

وقال الطبري: ومن خصائصه ﷺ أنَّ الإبط من جميع الناس متغيّر اللون غيره, إلا هو ﵊. ومثله للقرطبي وزاد: وإنه لا شعر عليه، لكن نازع فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد، وقال: إنَّه لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، قال: والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر. قال عبد الله بن أقرم -وقد صلى معه ﷺ : كنت أنظر إلى عفرة إبطيه. حسَّنه الترمذي. والعفرة: بياض ليس بالناصع كما قاله الهروي وغيره، وسيأتي مزيد لذلك في الخصائص إن شاء الله تعالى. وعن رجل من بني حريش قال: ضمَّني رسول الله ﷺ , فسال عليَّ من عرق إبطيه مثل ريح المسك. رواه البزار.

стр. 2714

ووصفه علي فقال: ذو مسربة، وفسِّر بخيط الشعر بين الصدر والسرة. وقال ابن أبي هالة: دقيق المسربة. وعند ابن سعد عن علي: طويل المسربة. وعند البيهقي: له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب, ليس على صدره ولا بطنه غيره. ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثْنَى بعضها على بعض. رواه الطيالسي والطبراني. وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة،

стр. 2715

رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين. وتقدَّم أن المشاش هي: رءوس العظام كالركبتين، ومفاض: أي: واسع البطن، وقيل: مستوي البطن مع الصدر. وخرَّج الإمام أحمد عن محرش الكعبي قال: اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة ليلًا، فنظرت إلى ظهره كأنَّه سبيكة فضة. وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري. أي: عريض الصدر، ووقع عند ابن سعد من حديث أبي هريرة: رحب الصدر. وأمَّا قلبه الشريف ﷺ ،

стр. 2716

فاعلم أنَّ القلب مضغة في الفؤاد معلَّقة بالنباط، فهو أخصّ من الفؤاد. قاله الواحدي، وسُمِّيَ به لتقلبه بالخواطر والعزوم، قال الشاعر: وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب وقال الزمخشري: مشتق من التقلُّب الذي هو المصدر لفرط تقلبه،

стр. 2717

ألا ترى إلى ما روى أبو موسى عن النبي ﷺ : "ومثل هذا القلب كمثل ريشة معلقة بفلاة يقلبها الريح بطنًا لظهر". قال: والفرق بينه وبين الفؤاد، أنَّ الفؤاد وسط القلب، سُمِّيَ به لتفؤده، أي: توفده. وفسَّر الجوهري القلب بالفؤاد, ثم فسَّر الفؤاد بالقلب. قال الزركشي: والأحسن قول غيره: الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبَّته وسويداؤه، ويؤيد الفرق قوله ﷺ : "ألين قلوبًا وأرقّ أفئدة"، وهو أَوْلَى من قول بعضهم: إنه كرّر لاختلاف اللفظ. وقال الراغب: يعبَّر بالقلب عن المعاني التي تختص به كالعلم والشجاعة. وقيل: حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك, وإلى سائر القوى من الشهوة والغضب ونحوهما. انتهى.

стр. 2718

قال بعض العلماء: ولقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه، وهو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، وإذا فسد قلبه فسد سائره، وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص الذي هو سر الله يودعه قلب من شاء من عباده، فأوّل قلب أودعه إليه قلب محمد ﷺ ؛ لأنه أوّل خلق, وصورته ﷺ آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أولهم وآخرهم. وقد جعل أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب، فمن تحقَّق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى لمحمد ﷺ جثمانية

стр. 2719

اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانيته آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه، وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على سِرِّ قلبه المقدَّس. ولما كان قلبه ﷺ أوسع قلب اطَّلع الله عليه -كما ورد في الخبر, كان هو الأَوْلَى أن يكون هو قلب العبد الذي يقول فيه تعالى: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن". ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين كان صدره يضيق، فاتسع قلبه لما انشرح صدره ووضع عنه وزره.

стр. 2720

ورفع له ذكره. وقد صحَّ أن جبريل ﵇ شقَّه واستخرج منه علقة, فقال له: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده في مكانه. قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره. رواه مسلم. وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة ثم استخرجت منه؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلابُدَّ منها، ونزعها أمر رباني طرأ بعد ذلك، قاله السبكي.

стр. 2721

وعند أحمد وصححه الحاكم: "ثم استخرجا قلبي فشقَّاه, فأخرجا منه علقتين سوداوين, فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج, فغسلا به جوفي, ثم قال: ائتني بماء برد, فغسلا قلبي, ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي, ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه, وختم عليه بخاتم النبوة".

стр. 2722

وفي رواية البيهقي: "إن ملكين جاءاني في صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد, فشرح أحدهما صدري، ومجّ الآخر بمنقاره فيه". وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، ما أوّل ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ قال: "إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج, إذا أنا برجلين فوق رأسي, يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فألصقاني لحلاوة القفا, ثم شقَّا بطني، وكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب, والآخر يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري -فيما أرى- مفلوقًا لا أجد له وجعًا، ثم قال: اشقق قلبه, فشقَّ قلبي، فقال: أخرج الغل والحسد، فأخرج شبه العلقة, فنبذ به, ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم أخرج

стр. 2723

ذرورًا كان معه فذر عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: اغد, فرجعت بما لم أغد به من رحمتي للصغير ورأفتي على الكبير". رواه عبد الله الإمام أحمد في زوائد المسند, وأبو نعيم وقال: تفرَّد به معاذ عن أبيه، وتفرَّد بذكر السن. وعند أبي نعيم في حديث يونس بن ميسرة: "فاستخرج حشوة جوفي فغسلها ثم ذرَّ عليه ذرورًا, ثم قال: قلب وكيع يعي ما وقع فيه، عينان تبصران, وأذنان تسمعان, وأنت محمد رسول الله المقفَّى الحاشر

стр. 2724

قلبك سليم, ولسانك صادق, ونفسك مطمئنة, وخلقك قيم, وأنت قثم". وهذا الشق روي أنه وقع له ﵊ مرات في حال طفولته إرهاصًا. وتقديم المعجزة على زمان البعثة جائز للإرهاص، ومثل في حق الرسول ﵊ كثير, وبه يجاب عن استشكال وقوع ذلك في حال طفولته؛ لأنه من العجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوة، قاله الرازي. والذي عليه أكثر أهل الأصول: اشتراط اقتران المعجزة بالدعوة, كما نبَّهت عليه في أوائل الكتاب، ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع. وهو المراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ، وقد قيل: المراد

стр. 2725

بالشرح في الآية: ما يرجع إلى المعرفة والطاعة, ثم ذكروا في ذلك وجوهًا منها: أنه لما بعث الأحمر والأسود من جني وإنسي, أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفتح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر, بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر, مشتغل بإداء ما كُلِّف. فإن قلت: لم قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: قلبك. وأجيب: بأنّ محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، لا جرم خصَّ ذلك الشرح بالصدر دون القلب. وقد قال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب, فإذا دخل مسلكًا أغار فيه, وأنزل جنده فيه, وبث فيه الهموم والغموم والحرص, فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن

стр. 2726

وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسَّر له القيام بأداء العبودية. وههنا دقيقة: قال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وقال لنبينا محمد ﷺ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أعطي بلا سؤال، ثم إنه تعالى نعته ﵊ فقال: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ فانظر إلى التفاوت، فإن شرح الصدر هو أن يصير قابلًا للنور، والسراج المنير هو الذي يقتَبَس منه النور فالفرق بينهما واضح. قال الدقاق: كان موسى ﵇ مريدًا؛ إذ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ونبينا ﷺ مراد؛ إذ قال الله له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ والله أعلم. وأما جماعه ﷺ , فقد كان يدور

стр. 2727

على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار, وهن إحدى عشرة،

стр. 2728

قال الراوي: قلت لأنس: أوَكَان يطيقه؟ قال: كنَّا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. رواه البخاري. وعند الإسماعيلي عن معاذ: قوَّة أربعين, زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة.

стр. 2729

وعن أنس مرفوعًا: "يعطي المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع"، قلت: يا رسول الله، أويطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوَّة مائة". قال الترمذي: صحيح غريب, لا نعرفه من حديث قتادة إلّا من حديث عمران القطان. فإذا ضربنا أربعين في مائة بلغت أربعة آلاف، وبهذا يندفع ما استشكل من كونه ﷺ أوتي قوة أربعين فقط, وسليمان ﵇ قوة مائة رجل أو ألف على ما ورد. وذكر ابن العربي: إنه كان له ﷺ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، وكان له في الأكل القناعة، ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية, كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية،

стр. 2730

حتى يكون حاله كاملًا في الدارين. انتهى. وطاف ﵊ على نسائه التسع ليلة. رواه ابن سعد. وروي أنه ﷺ قال: "أتاني جبريل بقدر فأكلت منها, فأعطيت قوة أربعين رجلًا في الجماع" رواه ابن سعد. حدثنا عبيد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم مرسلًا, وروي من حديث أبي هريرة: شكا رسول الله ﷺ إلى جبريل قلة الجماع فتبسَّم

стр. 2731

جبريل حتى تلألأ مجلس رسول الله ﷺ من بريق ثنايا جبريل, فقال له: أين أنت من أكل الهريسة, فإن فيه قوة أربعين رجلًا. ومن حديث حذيفة بلفظ: "أطعمني جبريل الهريسة أَشُدُّ بها ظهري وأتقوَّى بها على الصلاة". رواه الدارقطني. وروي من حديث جابر بن سمرة وابن عباس وغيرهم. وكلها أحاديث واهية. بل صرَّح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه: رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة, بأنه موضوع. وروي أنه ﵊ أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا من أهل الجنة،

стр. 2732

رواه الحارث بن أبي أسامة. وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام, ذكر هنا للمناسبة من حيث أنَّ الجماع كما يكون يقظة يكون في النوم، فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان، رواه الطبراني. وأمَّا قدمه الشريف ﷺ , فقد وصفه غير واحد بأنَّه كان شثن القدمين، أي: غليظ أصابعهما. رواه الترمذي وغيره. وعن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله ﷺ , فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه، رواه أحمد والطبراني. وعن جابر بن سمرة قال: كانت خنصر رسول الله ﷺ من رجله

стр. 2733

متظاهرة، رواه البيهقي. وقد اشتُهِرَ على الألسنة أنَّ سبابة النبي ﷺ كانت أطول من الوسطى. قال الحافظ بن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه. انتهى. وقال شيخنا -في المقاصد الحسنة: وسلف جمهورهم الكمال الدميري. وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. وعبارته: "كذا رواه ابن هارون عن عبد الله بن مقسم, عن سارة ابنة مقسم, أنها سمعت ميمونة ابنة كردم, تخبر أنها رأت أصابع رسول الله ﷺ كذلك" فضمَّ ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كَوْن الوسطى من كل أطول من

стр. 2734

السبابة، وعين اليد منه ﷺ لذلك بناءً على أن القصد ذكر وصفٍ اختُصَّ به ﷺ عن غيره. ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث يزيد بن هارون المذكور مقيّد بالرجل، ولفظه -كما قدمته: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه. وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل من طريق يزيد ولفظها: رأيت رسول الله ﷺ بمكَّة وهو على ناقته وأنا مع أبي، فدنا منه أبي, فأخذ بقدمه فأقَرَّ له رسول الله ﷺ , قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.

стр. 2735

وعن أبي هريرة أنَّه ﷺ كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص. رواه البيهقي. وعن أبي أمامة الباهلي قال: كان النبي ﷺ لا أخمص له, يطأ على قدمه كلها. رواه ابن عساكر. وقال ابن أبي هالة: خمصان الأخمصين، مسيح القدمين.
следующие страницы →