Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2696–2735 · переход к 2701.
стр. 2696
وجدير به ذلك، فقد أوتي في سائر القوى البشرية المحمودية زيادة ومزية على الناس، مع اختلاف الأصناف والأجناس ما لا يضبطه قياس, ولا يدخل في تحقيقه إلباس.
وأما صوته الشريف، فعن أنس قال: ما بعث الله نبيًّا قط إلّا بعثه حسن الوجه حسن الصوت، حتى بعث الله نبيكم, فبعثه حسن الوجه حسن الصوت، رواه ابن عساكر.
وروي نحوه عن حديث علي بن أبي طالب ﵁.
الحواشي
(١) "البشرية المحمودة، زيادةً ومزيّة على الناس مع اختلاف الأصناف والأجناس، ما لا يضبطه قياس، ولا يدخل في تحقيقه إلباس" بموحدة وإشكال، "وأما صوته الشريف".
أي: صفته، فكان على غاية من الحسن والسعة، كما صرَّحت به الأحاديث لا حقيقته التي هي غرض يخرج من داخل الرئة؛ لأن الكلام في شمائله، ولذا أولنا في المبتدأ لا الخبر، ولا يردَّان كل حكم ورد على اسم، فهو على مدلوله إلّا لقرينة؛ لأن القرينة هنا صارفة عن إرادة الحقيقة، "فعن أنس قال": ظاهره أنه موقوف عليه؛ لكنه مرفوع حكمًا؛ إذ لا دخل فيه للرأي، "ما بعث الله نبيًّا قط إلا بعثه"، انظر ما نكتته، مع أنه يكفي إلّا "حسن الوجه، حسن الصوت"، ونبيًّا نكرة في سياق النفي، فعمومها شمولي، فوجه الإغياء في قوله: واستمرَّ ذلك في جميع الأنبياء "حتى بعث الله نبيكم"، إنه لما احتمل النفي العموم احتمالًا ظاهرًا، وعدمه مرجوحًا, قصد رفع الاحتمال المرجوح، واحتاج لقوله: "فبعثه حسن الوجه، حسن الصوت"؛ لأنه قد يتوهّم من عدم ظهور تمام حسنه، لحجبه بالجلال أنه دونهم، ولم ينبه في هذا الحديث على أنه أحسن منهم في الأمرين، مع أنه لواقع الجوار أن المقام مقام إثبات المساواة، ردًّا على زاعم أنه دونهم، وهذا من البلاغة التي هي مطابقة الكلام لمقتضى الحال، واكتفاءً بما علم أنه إذا شارك غيره في شيء فاق عليه فيه، وهذا أحسن، وهذا كله بالنظر لهذا اللفظ الذي "رواه ابن عساكر"، وإلا فقد رواه الرمذي من حديث أنس نفسه بلفظ: ما بعث الله نبيًّا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا، فعلى المؤلف المؤاخذة في ترك الترمذي من وجهين: أحدهما: إن الحديث إذا كان في أحد الستة لا يعزى لغيرها، كما قال مغلطاي. ثانيهما: إن لفظه أصرح في الدلالة على المراد من لفظ ابن عساكر، "وروي نحوه من حديث علي بن أبي طالب ﵁".
قال الحافظ: وأمَّا قوله في حديث المعراج في يوسف: "فإذا أنا برجل حسن ما خلق الله،стр. 2697
وروي أنه كان إذا تكلَّم ريء كالنور يخرج من ثناياه.
وقد كان صوته ﵊ يبلغ حيث لا يبلغه صوت غيره. فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ حتى أسمع العواتق في خدورهنّ. رواه البيهقي.
وقالت عائشة ﵂: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر فقال للناس: اجلسوا، فسمعه عبد الله بن رواحة وهو في بني غنم, فجلس في مكانه، رواه أبو نعيم.
وقال عبد الرحمن بن معاذ
الحواشي
(١) قد فضل الناس بالحسن، كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، رواه البيهقي والطبري وابن عائذ؛ ليحمل على أنَّ المراد غير النبي ﷺ ، ويؤيده القول بأنَّ المتكلم لا يدخل في عموم خطابه، وقوله في رواية مسلم: "فإذا هو قد أعطي شطر الحسن" حمله ابن المنبر على أنَّ المراد أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ .
"وروي" عند الترمذي، والدارمي، والطبراني عن ابن عباس "أنه" ﷺ "كان" أفلج الثنيتين "إذا تكلّم" خبر ثانٍ لكان "ريء" بكسر الراء، بزنة قيل على الأفصح، ويقال: بضم الراء، وكسر الهمزة، وبني للمجهول إيماءً إلى أنَّ الرواية لا تختص بأحد دون أحد، ولذا لم يقل: إذا تكلَّم يخرج "كالنور"، أي: شعاع مثله، فالكاف، بمعنى مثل، فلا حاجة لتقدير شيء "يخرج من" بين "ثناياه"، إما من الثنايا نفسها، أو من داخل الفم، وطريقه من بينهما لمعجزة له، وهو نور حسيّ لا معنوي، والمراد: لفاظه بالقرآن أو السنة، كما زعم؛ لأنه خلاف المتبادر من قوله: ريء، وهو زائد على حسن الصوت، "وقد كان صوته ﵊ يبلغ حيث" أي: مكانًا "لا يبلغه صوت غيره"، فحيث هنا، بمعنى المكان مجرَّدة عن الظرفية.
"فعن البراء قال: خطبنا رسول الله ﷺ " فعلا صوته "حتى أسمع العواتق" جمع عاتق، وهي الشابّة أوّل ما تدرك، وقيل: التي لم تبن من والديها، ولم تتزوج، وقد أدركت وشبّت, وتجمع أيضًا على عتق، كما في النهاية "في خدورهنَّ" جمع خدر، أي: ستر، ويطلق على البيت إن كان فيه امرأة، وإلّا فلا، "رواه البيهقي"، وخصَّهن بالذكر لبعدهنَّ واحتجابهنَّ في البيوت، فسماعهنَّ آية علوّ صوته زيادة على غيره، "وقالت عائشة ﵂: جلس رسول الله ﷺ يوم الجمعة على المنبر، فقال للناس: "اجلسوا" فسمعه عبد الله بن رواحة" الأنصاري "وهو في بني غنم" بمعجمة مفتوحة، فنون ساكنة، فميم- بطن من الخزرج بالمدينة، ونسخة تميم تحريف، "فجلس في مكانه" مبالغةً في امتثال أمره ﷺ ، مع أنه ليس مأمور بذلك؛ إذ قصده أمره الحاضرين للخطبة بالجلوس، "رواه أبو نعيم، وقال عبد الرحمن بن معاذ" بن عثمان بنстр. 2698
التيمي: خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتحت أسماعنا -وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا- حتى إن كنَّا لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا. رواه ابن سعد.
وعن أم هانيء قالت: كنَّا نسمع قراءة النبي ﷺ في جوف الليل عند الكعبة، وأنا على عريشي، رواه ابن ماجه.
وأما ضحكه ﵊، ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا حتى أرى منه لهواته، إنما كان يبتسم،
الحواشي
(١) عمرو بن كعب بن سعد بن تميم بن مُرَّة بن كعب بن لؤيّ القرشي "التيمي" بن عم طلحة بن عبد الله, قال البخاري وغيره: له صحبة، وعدَّه ابن سعد من مسلمة الفتح، "خطبنا رسول الله ﷺ بمنى، ففتحت" أي: فتح الله -كما في الرواية التالية "أسماعنا" حتى كنَّا نسمع ما يقول ونحن في منازلنا. الحديث، أخرجه أحمد وأبو داود والنسائي، وأخرج البخاري عنه، قال: قال رسول الله ﷺ : "بمثل حصى الخذف فارموا"، "وفي لفظ: ففتح الله أسماعنا"، بأن خلق فيها قوة سمع زيادة على معتادها، فكأنها كانت مغلقة ففتحت، فشبَّه الأسماع بأبواب مغلقة، وأثبت لها الفتح تخييلًا، فهو استعارة بالكناية تخييلية، "حتى" غاية, لقد رأى، فقويت حتى, "إن كنَّا" مخفَّفة من الثقيلة، بدليل اللام في "لنسمع ما يقول ونحن في منازلنا، رواه ابن سعد" بهذا اللفظ، وإلّا فقد رواه بلفظ: ففتحت، بالبناء للمجهول, الأئمة لذين رأيت.
"وعن أم هانيء، قالت: كنا نسمع قراءة النبي ﷺ في جوف الليل عند الكعبة"، متعلق بقراءة: "وأنا على عريشي" أي: سريري، وحمله عليه أبلغ من سقف بيتي، كما هو أحد معاني العريش، كالعرش في القاموس أيضًا، فسماعها له، وهي على سريرها، داخل بيتها البعيد عن محل القراءة، دليل على قوته، "رواه ابن ماجه"، وفي الصحيحين عن البراء: قرأ ﷺ في العشاء: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ [التين: ١] ، فلم أسمع صوتًا أحسن منه، وروى أبو الحسن بن الضحاك عن جبير بن مطعم: كان ﷺ حسن النغمة، وفي حديث أم معبد: كان في صوته صحل. رواه ابن عساكر وغيره بفتح المهملتين، ولام- شبه البحة، وهي غلظ الصوت.
قال ابن الأثير: بالتحريك كالبحَّة، وأن لا يكون حادّ الصوت، وفي رواية: صهل -بهاء بدل الحاء- وهو قريب منه؛ لأنه صوت الفرس وهو يصهل بشدة وقوة، "وأمَّا ضحكه ﵊"، قال في القاموس: ضحك ضحكًا -بالفتح، وبالكسر، وبكسرتين- ككتف, "ففي البخاري عن عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ مستجمعًا قط ضاحكًا" ضحكًا تامًّا؛ بحيث ينفتح فمه، "حتى أرى منه لهواته" غاية لضاحكًا، "إنما كان يتبسَّم".стр. 2699
أي: ما رأيته مستجمعًا من جهة الضحك؛ بحيث يضحك ضحكًا تامًّا مقبلًا بكليته على الضحك.
واللهوات -بفتح اللام- جمع لهاة، وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة من أقصى الفم.
وهذا لا ينافي ما في حديث أبي هريرة في قصة المواقِعِ أهلَه في رمضان، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه. رواه البخاري
الحواشي
(١) قال المجد: بسم يبسم بسمًا، وابتسم، وتبسَّم، وهو أقل الضحك وأحسنه.
قال الكشَّاف: وكذلك ضحك الأنبياء لم يكن إلا تبسمًا. انتهى، وعليه، فهو من خواصِّه على الأمم دون الأنبياء، "أي: ما رأيته مستعجمًا من جهة الضحك"، أي: مطمئنًّا قاصدًا للضحك الذي يغلب وقوعه للناس؛ "بحيث يضحك ضحكًا تامًّا مقبلًا بكليته على الضحك، واللهوات -بفتح اللام" والهاء، والواو- "جمع لهاة" على الأصل.
وتجمع أيضًا على لهيات ولهى, مثل: حصاة وحصى وحصيات، كما في المصباح، "وهي اللحمة التي بأعلى الحنجرة" أي: الحلق، "من أقصى الفم، وهذا لا ينافي ما في حديث أبي هريرة، في قصة المواقع"، المجامع "أهله في" نهار "رمضان"، قيل: إنه سلمة بن صخر، رواه ابن أبي شيبة وابن الجارود، وجزم به عبد الغني، وانتُقِدَ بأنَّ هذا هو المظاهِر في رمضان، أتى أهله ليلًا, رأى خلخالها في القمر، وفي رواية ابن عبد البَرِّ: تسميته سلمان بن صخر البياضي، قال ابن عبد البر: وأظنّه وهمًا؛ لأن ذلك إنما هو المظاهر، أمَّا المجامع فأعرابي، فهما واقعتان، ففي قصة المجامع: أنه كان صائمًا، وقصة سلمان أنه كان ليلًا، كما عند الترمذي فافترقا، نعم اشتركا في قدر الكفّارة، وفي الإتيان بالتمر، وفي قول كلٍّ منهما أعل أفقر منَّا، وسبب ظنّ من قال: إن المحترق سلمان أو سلمة، أن ظهاره من امرأته كان في رمضان، وجامع ليلًا، ولفظ الصحيح عن أبي هريرة: جاء رجل فقال: يا رسول الله, هلكت، قال: "ما لك"؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم، فقال ﷺ : "هل تجد رقبة تعتقها"؟ قال: لا، قال: "فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين"؟، قال: لا، قال: "فهل تجد إطعام ستين مسكينًا"؟، قال: لا، فأتى ﷺ بتمر، فقال: "خذ هذا فتصدق به"، فقال: على أفقر مني يا رسول الله، فوالله ما بين لابتيها أهل بيت أفقر من أهل بيتي، "فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه"، وفي رواية: أنيابه، ثم قال: "أطعمه أهلك"، رواه البخاري" في الصوم غيره، ومسلم وأصحاب السنن في الصوم: وإنما ضحك كذلك ﷺ تعجبًا من حال الرجل في كونه جاء أولًا هالكًَا محترقًا،стр. 2700
وهو بالجيم والذال المعجمة- أي: أضراسه, ولا تكاد تظهر إلّا عند المبالغة في الضحك، ولا منافاة لأنَّ عائشة إنما نفت رؤيتها، وأبو هريرة أخبر عمَّا شاهد، والمثبت مقدَّم على النافي.
وقد قال أهل اللغة: التبسُّم مبادي الضحك، والضحك: انبساط الوجه حتى تظهر الأسنان من السرور، فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلّا فالضحك.
وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه التبسم، ويفتر
الحواشي
(١) كما في رواية: احترقت خائفًا على نفسه، راغبًا في فدائها مهما أمكنه، فلمّا وجد الرخصة طمع في أكل الكفَّارة، "وهو بالجيم، والذال المعجمة- أي: أضراسه" ظاهره حقيقة.
وقال السيوطي تبعًا للزمخشري: الوجه حمله على مبالغة مثله في الضحك من غير ظهورها حقيقةً، وهو أقيس، وقال ثعلب: المراد أنيابه, للتصريح في الرواية الأخرى، ورجَّحه السيوطي وغيره؛ بأنَّه لم يبلغ به الضحك إلى بدوِّ أضراسه، وقيل: النواجذ الأسنان بين الضرس والناب، وقيل: أربع من "الأضراس"، آخرها يسمَّى ضرس العقل؛ لأنه لا ينبت إلا بعد الحلم، "ولا تكاد تظهر إلا عند المبالغة في الضحك"، فينافي قول عائشة: إنما كان يبتسم، "ولا منافاة؛ لأنَّ عائشة إنما نفت رؤيتها, وأبو هريرة أخبر عمَّا شاهد، والمثبت مقدَّم على النافي"؛ لأن معه زيادة علم, خصوصًا والنافي هنا إنما نفى رؤيته لها مطلقًا، "وقد قال أهل اللغة: التبسُّم مبادي الضحك"، أي: مقدماته، "والضحك انبساط الوجه" تهلله وتلألؤه، "حتى تظهر الأسنان من السرور" متعلق بانبساط، وكأنَّ المعنى: إذا تهلَّلَ وجهه لسرور قام به، انفتح فمه على الهيئة المعروفة، "فإن كان بصوت وكان بحيث يسمع من بعيد فهو القهقهة، وإلّا" يسمع من بعد، وهو بصوت "فالضحك"، فالفارق بين الثلاثة: أنَّ التبسم انفتاح الفم بلا صوت، والضحك انفتاحه مع صوت قليل، والقهقهة انفتاحه بصوت قوي.
"وقال ابن أبي هالة: جلّ ضحكه"، أي: أكثره "التبسّم"، وقد يزيد عليه أحيانًا "ويفتر" بفتح الياء وسكون الفاء وفتح الفوقية وتشديد الراء- كما ضبطه شرَّاح الشفاء، وفي القاموس: افترَّ ضحك ضحكًا حسنًا، قال الحريري:
يفتر عن لؤلؤ رطب وعن برد ... وعن أقاح وعن طلع وعن حبب
قال في النهاية: أي: يبتسم، ويكشر حتى تبدو أسنانه من غير قهقهة، وهو من فررت الدابةстр. 2701
عن مثل حب الغمام، أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام: البرد.
وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث: أنه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسّم، وربما زاد على ذلك فضحك. قال: والمكروه من ذلك إنما هو إكثار منه, أو الإفراط فيه؛ لأنه يذهب الوقار.
وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك.
وقد روى البخاري في الأدب المفرد وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "لا تكثر الضحك فإن كثرة الضحك تميت القلب".
الحواشي
(١) أفرها فرًا، إذا كشفت شفتها لتعرف سنها، وافتر يفتر افتعل منه, انتهى. فقول الشامي -بضم الفوقية- سبق قلم أو من النساخ، "عن مثل حب الغمام" متعلق بيفتر، "أي: يبدي أسنانه ضاحكًا، وحب الغمام" السحاب واحده غمامة، كسحابة "البرد" بفتحتين- الجامد المعروف، لا قطر الماء كما توهّم؛ لأنه مع عدم مناسبته لا يسمّى حبًّا؛ إذ الحب الجامد لا السائل, شبَّه به أسنانه في صفاته وبياضه، ولمعانه، ورطوبته، دون جريه, حتى يقال: إنه كنوع منه.
"وقال الحافظ بن حجر: والذي يظهر من مجموع الأحاديث، أنه ﷺ كان في معظم أحواله لا يزيد على التبسم, ربما زاد على ذلك فضحك"، وظاهره أنه لم يقهقه البتة.
"قال: والمكروه من ذلك إنما هو إكثار منه، أو الإفراد فيه؛ لأنه يذهب الوقار" الحلم والرزانة والعظمة، وهذا جواب عمَّا يقال: صرَّح الفقهاء بكراهة الضحك، وقد فعله ﷺ .
"وقال ابن بطال: والذي ينبغي أن يقتدى به من أفعاله ما واظب عليه من ذلك" وهو التبسم، فيقتصر عليه، وضحكه لبيان أنه ليس بحرام "وقد روى البخاري في" كتاب "الأدب المفرد" الذي أفرده بالتأليف، احترازًا عن كتاب الأدب من صحيحه، "وابن ماجه عن أبي هريرة رفعه: "لا تكثر الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب"؛ إذ هي تورّث قسوته، وهي مقضية إلى الغفلة، وليس موته إلّا لغفلة، قاله الطيبي.
وقال الغزالي: كثرة الضحك والفرح بالدنيا سمّ قاتل يسري إلى العروق، فيُخْرِج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال القيامة، هذا هو موت القلب، وزاد الطبراني من حديث أبي ذر: وتذهب بنور الوجه، أي: إشراقه وضيائه، وقال الماوردي: اعتياد الضحك شاغل عن النظر في الأمور المهمة، مذهل عن الفكر في النوائب الملمّة، وليس لمن أكثر منه هيبة ولا وقار، ولا لمن وسم به خطر ولا مقدار.стр. 2702
وقال أبو هريرة: وإذا ضحك ﷺ يتلألأ في الجدر. رواه البزار والبيهقي، أي: يضيء في الجدر -بضم الجيم والدال- جمع جدار وهو الحائط, أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس عليها.
وكان ﷺ إذا كان حديث عهد بجبريل لم يبتسم ضاحكًا حتى يرتفع عنه، بل كان إذا خطب أو ذكر الساعة اشتدَّ غضبه, وعلا صوته, كأنَّه منذر جيش, يقول: "صبحكم ومساكم" رواه مسلم.
وكان بكاؤه ﵊ من جنس ضحكه، لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة, ولكن تدمع عيناه حتى ...
الحواشي
(١) "وقال أبو هريرة" في حديث: "وإذا ضحك ﷺ يتلألأ في الجدر. رواه البزار والبيهقي، أي: يضيء" تفسير يتلألأ "في الجدر -بضم الجيم والدال- جمع جدار، وهو الحائط، أي: يشرق نوره عليها إشراقًا كإشراق الشمس عليها، وكان ﷺ إذا كان حديث" قريب "عهد بجبريل لم يبتسم ضاحكًا، حتى يرتفع عنه" بحيث لا يراه إعظامًا له بترك الاشتغال بشيء يشغله عنه، أو اعتبارًا، وتفكر فيما فيما أتاه به، "بل" انتقالية، "كان إذا خطب" وعظ "أو ذكر الساعة" القيامة "اشتدَّ غضبه" لله على من خالف زواجره.
قال القاضي عياض: يغني بشدته أن صفته صفة الغضبان، وهذا شأن المنذر المخوف، ويحتمل أنه نهي خولف فيه شرعه، وهكذا تكون صفة الواعظ مطابقة لما يتكلم به. قال النووي: أو كان عند إنذاره أمرًا عظيمًا. زاد في رواية: واحمرَّت عيناه، "وعلا صوته"، أي: رفعه ليؤثِّر وعظه في خواطر الحاضرين حتى "كأنه منذر" محذر "جيش" أي: كمن ينذر قومًا ن جيش عظيم قصدوا الإغارة عليهم، فإن المنذر المعلم يعرف القوم بما يدهمهم من عدو أو غيره، وهو المخوف حال كونه "يقول: "صبَّحكم" بفتح الصاد، والباء المشدَّدة- أي: أتاكم الجيش وقت الصباح، "ومسَّاكم" بالفتح مثقلًا- أتاكم وقت المساء.
قال الطيبي: شبَّه حاله في إنذاره وخطبته بقرب يوم القيامة، وتهالك الناس فيما يرد بهم بحال من ينذر قومه عند غفلتهم بجيش قريب منهم، ويقصد الإحاطة بهم بغتة؛ بحيث لا يفوته منهم أحد، فكما أن المنذر يرفع صوته، وتحمرّ عيناه، ويشتدّ غضبه على تغافلهم؛ فكذا حاله ﷺ عند الإنذار، وفيه أنّه يسنّ للخطيب تفخيم أمر الخطبة، ورفع صوته، وتحرك كلامه، ويكون مطابقًا لما يتكلم به من ترغيب وترهيب، "رواه مسلم" من حديث جابر بن سمرة"؛ "وكان بكاؤه ﵊" وقياس ما مَرَّ أن يقول: وأما بكاؤه فكان "من جنس ضحكه, لم يكن بشهيق ورفع صوت، كما لم يكن ضحكه بقهقهة، ولكن تدمع عيناه حتىстр. 2703
تهملان، ويسمع لصدره أزيز، يبكي رحمة لميّت, وخوفًا على أمته وشفقة، ومن خشية الله، وعند سماع القرآن، وأحيانًا في صلاة الليل. قاله في الهدي النبوي.
وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب، ففي تاريخ البخاري ومصنَّف ابن أبي شيبة, عن يزيد بن الأصم: ما تثاءب النبي قط. لكن في رواية عند ابن أبي شيبة: ما تثاءب نبي قط.
وأمَّا يده الشريفة ﷺ فقد وصفه غير واحد بأنَّه كان شثن الكفين كما سيأتي، أي غليظ أصابعهما،
الحواشي
(١) تهملان" بضم الميم- يسيل دمعهما، وإثبات النون مع حتى قليل، نحو: أن تقرآن على أسماء، أو على حذف المبتدأ، أي: إنهما تهملان، أو هما تهملان، فحتَّى ابتدائية, نحو: حتى ماء دجلة، أشكل "ويسمع لصدره أزيز" بزاءين منقوطتين- أي: صوت، وأصله غليان القدر "يبكي رحمةً لميت" استئناف بياني، كأنه قيل: لم كان يبكي، فأجيب بأنَّه رحمة لميت، "وخوفًا على أمته وشفقة" عليهم, "ومن خشية الله، وعند سماع القرآن، وأحيانًا في صلاة الليل. قاله في الهدي النبوي، وقد حفظه الله تعالى من التثاؤب"، لأنه يكره، وذِكْرُه لأن كلامه في شمائله، ومنها عدم التثاؤب بخلاف غيره، فليس ذكره استطرادًا لمضادته للضحك، وفي المصباح: تثاءب -بالهمز- تثاؤبًا، وزان تقاتل تقاتلًا، قيل: هي فترة تعتري الشخص، فيفتح عندها فمه، وتثاوب -بالواو- عامّي، "ففي تاريخ البخاري، ومصنَّف ابن أبي شيبة عن يزيد" بتحتية وزاي "ابن الأصمّ"، واسمه: عمرو بن عبيد البكائي -بفتح الموحدة والتديد- الكوفيّ, ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، ثقة، مات سنة ثلاث ومائة، "ما تثاءب النبي قط"؛ لأنه من الشيطان، وفي البخاري مرفوعًا: "إن الله يحب العطاس، ويكره التثاؤب"، ثم أل في النبي عهدية، أي: نبينا ﷺ ، فيفيد اختصاصه, "لكن في رواية" من مرسل يزيد المذكور، "عند ابن أبي شيبة: ما تثاءب نبي قط"، وهذا يعمّ الجميع، فهو من خصائصه على الأمم، لا على الأنبياء.
"وأمَّا يده الشريفة ﷺ " أي: صفة يديه معًا؛ لأن إضافة المفرد إلى المعرفة تفيد العموم، وهي من المنكب إلى أطراف الأصابع، واليد والكف أيضًا، والظاهر إرادة الإطلاقين هنا معًا، لما يأتي من رؤية بياض إبطيه، "فقد وصفه" أي: النبي ﷺ ، لا اليد؛ لأنها مؤنثة، "غير واحد، بأنه كان شثن الكفين" بفتح الشين المعجمة، وإسكان المثلثة- كما ضبطه جمع منهم المصنف، ووقع للسيوطي في زهر الخمائل -بمثناة فوقية- ولعله سهو، فإن اللغويين وأصحاب الغريب إنما ذكروه في الشين مع المثلثة, من أصرحهم الهروي؛ حيث قال: باب الشين مع الثاء, وذكر فيه الحديث، وذكر قبله الشين مع التأويل، ولم يذكر فيه، "كما سيأتي، أي: غليظ أصابعهما"،стр. 2704
وبأنه عَبْل الذراعين رحب الكفَّين.
وقد مسح ﷺ خد جابر بن سمرة قال: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار، رواه مسلم.
وفي حديث وائل بن حجر عند الطبراني والبيهقي: لقد
الحواشي
(١) وذلك جمال في الرجال؛ لأنه أشد لقبضهم، ويذمّ في النساء، وفُسِّرَ أيضًا في النهاية وغيرها بغلظ الأنامل بلا قصر، والأنامل عقد الأصابع، فلا منافاة، نعم على تخصيص الأنامل برءوس الأصابع يتنافيان، "وبأنه عبل" بفتح العين وسكون الموحدة تليها للام- أي: قويّ "الذراعين" ضخمهما, تثنية ذراع، وهو ما بين مفصل الكف والمرفق، أو من المرفق إلى أطراف الأصابع، كذا ضبطه بعضهم، بإسكان الباء، فإن كان الرواية، وإلّا، ففيه أيضًا كسر الباء بزنة فرخ "رحب" بفتح فسكون، "الكفين"، أي: واسعهما.
قال ابن الأثير: يكنّون بذلك عن السخاء والكرم. وقال التجاني، أي: كبيرهما، وهو على ظاهره من كبر الجوارح؛ لدلالته على كمال الخلق, بخلاف صغرهما.
قال: والحق أنَّه إن كان في بيان الخلق -بالفتح- فلا مناسبة للكناية، أو الخللق -بالضم- فله مناسبة، وقال غيره: رحبهما حسًّا ومعنًى، وقصره على الحقيقة، أو جعله كناية فقط تقصيرًا، لكن هذا وإن كان حسنًا لا يناسب المقام؛ لأن الكلام مسوق لبيان صفاته الصورية، إلّا أن يقال: الكناية لا تنافي إرادة المعنى، "وقد مسح ﷺ خَدَّ جابر بن سمرة" تأنيسًا وشفقة وتبريكًا، قال جابر: صليت مع النبي ﷺ ، وأنا معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدَّيْ أحدهم واحدًا واحدًا، "قال": وأمَّا أنا فمسح خدي، "فوجدت"، أي: أحسست "ليده"، أي: كفّه وما قاربها "بردًا" حقيقيًّا؛ لرواية: أبرد من الثلج، لا لعارض مَسّ ماء، وهذا ممدوح عند العرب، لا سما في الزمن الحار، ولا بعد في أنه خاص به مع كمال حرارته الغريزية، وقيل: هو عبارة عن لين كفة ورطوبته، والأقرب أنه بمعنى الراحة واللذة والطيب.
قال في النهاية: كل محبوب عندهم بارد، وبرد الظل طيب العيش، والغنيمة الباردة الهنية، "وريحًا, كأنما أخرجها" أي: اليد؛ لأنها مؤنثة "من جؤنة عطار" بضم الجيم، وسكون الهمزة- ويقال: بواو ساكنة، تليها نون، وهاء تأنيث- شبه صندوق صغير مغشَّى بجلد، وزند مستدير يضع العطار فيها عطره، وهو كل ما طابت رائحته، أي: كان ريحها ريح ما أخرج من جؤنة العطار مضمخًا بالعطر، والجملة صفة ريحًا أو مستأنفة، "رواه مسلم" في الصحيح، "وفي حديث وائل بن حجر" بمهملة مضمومة فجيم ساكنة- الحضرمي "عند الطبراني، والبيهقي: لقدстр. 2705
كنت أصافح رسول الله ﷺ , أو يمسّ جلدي جلده، فأتعرَّفه بعد في يدي، وإنه لأطيب رائحة من المسك.
وقال يزيد بن الأسود: ناولني رسول الله عليه وسلم- يده, فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب ريحًا من المسك. رواه البيهقي.
وعن المستورد بن شداد عن أبيه قال: أتيت النبي ﷺ فأخذت بيده, فإذا هي ألين من الحرير وأبرد من الثلج. رواه الطبراني.
ودخل ﷺ على سعد بن أبي وقاص يعوده بمكة وقد اشتكى، قال: فوضع يده على جبهتي فسمح وجهي وصدري وبطني، فما زلت يخيل إلي
الحواشي
(١) كنت أصافح رسول الله ﷺ ، أو يمسّ جلدي جلده" أو للتنويع لا للشك، فهو إخبار عن حالتين، "فأتعرَّفه بعد في يدي"، أي: فأعرف أثره بعد مفارقته لي، "وأنه لأطيب رائحة من المسك".
قال القاموس: تعرَّفت ما عندك، تطلَّبته حتى عرفته، "وقال يزيد": بتحتية وزاي، "ابن الأسود" بن سلمة بن حجر بن وهب الكندي، صحابي ابن صحابي، قال ابن الكلبي: وفد به أبوه على النبي ﷺ , وهو غلام، فدعا له. استدركه ابن فتحون، ذكره في الإصابة، "ناولني رسول الله ﷺ يده، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك، رواه البيهقي"، وفيه كسابقه ولاحقه, إشارة إلى كمال الأعضاء النبوية حسًّا ومعنًى، "وعن المستورد" بضم الميم، وسكون السين المهملة وفتح الفوقية وكسر الراء وبالدال المهملتين- "ابن شداد" بن عمر القرشي الفهري، صاحبيّ حجازي، نزل الكوفة، ثم مصر، وشهد فتحها، واختط بها، وتوفي بالإسكندرية سنة خمس وأربعين، ويقال: اسم أبيه سلامة، وهو تغيير، والصواب شدَّاد، كما في كتاب ابن يونس, أفاده الإصابة "عن أبيه" شدَّاد بن عمرو بن حسل بن لاحب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محار بن فهر القرشي، الفهري الصحابي، "قال: أتيت النبي ﷺ ، فأخذت بيده، فإذا هي ألين من الحرير، وأبرد من الثلج، رواه الطبراني" بإسناد على شرط الصحيح، قاله الحافظ: "ودخل ﷺ على سعد بن أبي وقاص" مالك القرشي الزهري، أحد العشرة، "يعوده بمكة" في حجة الوداع، "وقد اشتكى" من مرض، أشرف معه على الموت، فاستأذنه في التصدّق بثلثي ماله أو بشطره فأبى، فقال: فالثلث، قال: "الثلث، والثلث كثير"، الحديث في الصحيح.
"قال: فوضع يده على جبهتي، فمسح وجهي وصدري وبطني، فما زلت يخيل إليّ"،стр. 2706
أني أجد برد يده على كبدي حتى الساعة، رواه.
في البخاري من حديث أنس قال: ما مَسَسْتُ حريرًا ولا ديباجًا ألين من كَفِّ رسول الله ﷺ . وهو من باب عطف الخاص على العام؛ لأن الديباج نوع من الحرير.
قيل: وهذا الوصف في هذا الحديث يخالف ما وقع في حديث هند بن أبي هالة عند الترمذي في صفته ﷺ ، فإنَّ فيه -كما تقدَّم: كان شثن الكفين والقدمين، أي: غليظهما في خشونة، وهكذا وصفه عليُّ من عدة طرق عند الترمذي
الحواشي
(١) أي: يقع في وهمي "أني أجد" أي: وجود "برد يده على كبدي حتى الساعة، رواه" كذا في نسخة، وبعدها بياض، وفي الشامي: وقد رواه الإمام أحمد من حديث سعد، ويقع في نسخة: رواه البخاري، وهي خطأ؛ إذ البخاري إنما روى في الجنائز والوصايا وحجة الوداع أصل الحديث بدون تلك الزيادة التي هي: فوضع يده إلى آخره، والله أعلم.
"وفي البخاري" في صفة النبي ﷺ "من حديث أنس قال: ما مسست"، قال الحافظ وغيره: بمهملتين: الأولى مكسورة ويجوز فتحها، والثانية ساكنة، "حريرًا، ولا ديباجًا" بكسر المهملة، وحُكِيَ فتحها، وقال أبو عبيد: الفتح مولّد، أي: ليس بعربي، "ألْيَن من كفِّ رسول الله ﷺ "، ولا شممت ريحًا قط، أو عرفًا قط أطيب من ريح أو عرف النبي ﷺ . هذا بقية الحديث عند البخاري، وأخرجه مسلم بنحوه, وشممت -بكسر الميم الأولى وتفتح، وإسكان الثانية، وعرف -بفتح المهملة، وسكون الراء، بعدها فاء- وهو شكّ من الراوي يدل عليه قوله: أطيب من ريح أو عرف، وهو الريح الطيب، ووقع في بعض الروايات -بفتح الراء، وبالقاف- وأو على هذا للتنويع الأوّل هو المعروف، فقد رواه البخاري في الصوم عن أنس: ما شممت مسكة ولا عنبرة أطيب رائحة من ريح رسول الله ﷺ ، "وهو" أي: قوله: ولا ديباجًا "من باب عطف الخاصّ على العام؛ لأن الديباج نوع من" ثياب "الحرير"، أي: كله حرير على ظاهره، كظاهر قول النهاية: الديباج -بكسر الدال- الثياب المتَّخذة من الإبريسم، فارسي معرّب، وقد تفتح داله، ويجمع على ديابيج -بالياء- أي: التحتية، ودبابيج -بالباء، أي: الموحدة، وفي المصباح: الديباج: ثوب سداه، ولحمته إبريسم، "قيل: وهذا الوصف"، أي: كونه ألين من الحرير "في هذا الحديث، يخالف ما وقع في حديث هند بن أبي هالة عند الترمذي في صفته ﷺ ، فإن فيه -كما تقدم: كان شثن الكفين والقدمين، أي: غليظهما في خشونة، وهكذا وصفه علي"، كما ورد عنه "من عدة طرق"، فهو صلة محذوف "عند الترمذي والحاكم وغيرهما" كابن أبي خيثمة، "وكذا وصف عائشة له عند ابن أبي خيثمة" زهير بن حرب،стр. 2707
والحاكم وغيرهما، وكذا وصف عائشة له عند ابن أبي خيثمة.
والجمع بينهما: إن المراد اللّين في الجلد, والغلظ في العظام، فتجتمع له نعومة البدن وقوته.
وقال ابن بطال: كانت كفّه ﷺ ممتلئة لحمًا، غير أنها مع ضخامتها كانت لينة، كما في حديث أنس، قال وأمَّا قول الأصمعي: الشثن: غلظ الكف في خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة، والذي فسَّره به الخليل أَوْلَى، قال: وعلى تسليم ما فسَّر به الأصمعي الشثن, يحتمل أن يكون أنس وصف حالتي كف النبي ﷺ , فكان إذا عمل بكفه في الجهاد أو في مهنة أهله، صار كفّه خشنًا للعارض المذكور، وإذا ترك ذلك رجع كفه إلى أصل جبلته من النعومة.
الحواشي
(١) "والجمع بينهما" كما في الفتح، أي: بين اللين المصرِّح به أنس، والغلظ الذي تضمَّنه شثن في حديث الجماعة على ما فسَّره به، "أن المراد: اللين في الجلد، والغلظ في العظام"، فلا تنافي، وكلاهما متعلق بمحذوف، أي: المراد باللين: اللين في الجلد، وبالغلظ في العظام، "فتجتمع له نعمة البدن وقوته"، لكن هذا الجمع لا يدفع التعارض بين وصف جلده باللين والخشونة، وإنما يدفع التعارض بين اللين والغلظ مع أنه لا يرد؛ إذ مفهوم اللين لا يعارض مفهوم الغلظ.
"وقال ابن بطال: كانت كفّه ﷺ ممتلئة لحمًا، غير إنها مع ضخامتها" الذي هو معنى الشثن "كانت لينة، كما في حديث أنس" المذكور، "قال: وأما قول" أبي سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن الأصمع "الأصمعي" بفتح الهمزة، وسكون الصاد المهملة، وفتح الميم وعين مهملة- نسبة إلى جدّه أصمع المذكور الباهلي، ثم البصري، إمام ثقة, صدوق سني، روى له أبو داود والترمذي، مات سنة خمس أو ست أو سبع عشرة ومائتين بالبصرة، عن ثمان وثمانين سنة، "الشثن: غلظ الكف في خشونة، فلم يوافق على تفسيره بالخشونة"، وإن تبعه عليه الجوهري والمجد وغيرهما؛ لأنه لا يليق هنا لمنابذته، لما صحَّ من لين كفِّه ﷺ ، "والذي فسَّره به الخليل"، من أنه غلظ الأصابع، وأنه جمال في الرجال؛ لدلالته على الشدة "أَوْلَى" بالقبول؛ لأن الغلظ لا ينافي النعومة.
"قال" ابن بطال: "وعلى تسليم ما فسَّر به الأصمعي الشثن، يحتمل أن يكون أنس وصف حالتي كَفّ النبي ﷺ ، فكان إذا عمل بكفِّه في الجهاد، أو في مهنة أهله صار كفّه خشنًا للعارض المذكور"، فيحمل عليه قول أنس في الصحيح: كان شثن القدمين والكفين بناءًстр. 2708
وقال القاضي عياض: فسَّر أبو عبيدة الشثن بالغلظ مع القصر, وتعقّب بأنه ثبت في صفته ﵊ أنه كان سائل الأطراف. انتهى.
ويؤيد كونها كانت لينةً قوله في رواية النعمان: كان سبط الكفين -بتقديم المهملة على الموحدة، فإنه موافق لوصفها باللين.
والتحقيق في الشثن أنه الغلظ من غير قصر ولا خشونة. وقد نقل ابن خالويه: إن الأصمعي لما فسر الشثن بما مضى قيل له: إنه ورد في صفة النبي ﷺ أنه لَيِّن الكفَّين، فآلى
الحواشي
(١) على تفسيره بالخشونة، و"إذا ترك ذلك رجع كفّه إلى أصل جبلته" طبيعته التي خُلِقَ عليها، وفي نسخة: خلقته، "من النعومة"، وعليه يحمل قول أنس: إنها أَلْيَن من الحرير، فلا تخالف بين حديثيه.
"وقال القاضي عياض: فسَّر أبو عبيدة الشثن بالغلظ مع القصر، وتعقّب بأنه ثبت في صفته ﵊" عند الترمذي وغيره، من حديث هند بن أبي هالة، "أنه كان سائل الأطراف" بسين مهملة ولام- ممتد الأصابع، طويلها طولًا معتدلًا بين الإفراط والتفريط، من غير تكسّر جلد ولا تشنج، بل كانت مستوية مستقيمة، وذلك مما يتمدح به، قال النابغة:
يهزون أرماحًا طوالًا متونها ... بأيد طوال عاريات الأشادح
وقد وقع حديث هند بالشك، هل قاله بالسين المهملة، أو شائل بالمعجمة، أي: مرتفعها، وهو قريب من سائل, من قولهم: شالت الميزان: ارتفعت إحدى كفتيه، والمعنى: كان مرتفع الأصابع بلا احديداب ولا انقباض، وقال ابن الأنباري: روي سائل، وسائن -بالنون، وهما بمعنى, تبدَّل اللام من النون، ولم يتعرض أصحاب الغريب لشائل -بمعجمة، لكنه مستقيم على قانون العربية -كا عُلِمَ، ومقصود الكلمة كما قال الزمخشري: إنها ليست معتقدة "انتهى" كلام عياض، "ويؤكد كونها كانت لينةً قوله في رواية النعمان: كان سبط الكفين -بتقديم المهملة" المفتوحة "على الموحدة" الساكنة، وحكي كسرها وفتحها وطاء مهملة- أي: ممتدهما بلا تعقيد ولا نتوّ، لكن هذه اللغات في الوصف، أما المصدر فبالفتح لا غير، "فإنه موافق لوصفها باللين" في المعنى، "والتحقيق في الشثن أنَّه الغلظ من غير قصر ولا خشونة"، كما فسَّره به الخليل ومن تبعه.
"وقد نقل ابن خالويه: إن الأصمعي لما فسَّر الشثن بما مضى" من الغلظ مع الخشونة، "قيل له: إنه ورد في صفة النبي ﷺ ، أنه لَيِّنُ الكف"، فلا يصح تفسيرك بالخشونة، "فآلى":стр. 2709
على نفسه أن لا يفسِّر شيئًا في الحديث. انتهى.
وفي حديث معاذ عند الطبراني والبزار: أردفني رسول الله ﷺ خلفه في سفر، فما مسَسَت شيئًَا قط ألين من جلده ﷺ .
وأصيب عائذ بن عمرو في وجهه يوم حنين، فسال الدم على وجهه وصدره، فسلت النبي ﷺ الدم بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا له، فكان أثر يده ﵊ إلى منتهى ما مسح من صدره غُرَّة سائلة كغرة الفرس. رواه الحاكم وأبو نعيم وابن عساكر.
وأخرج البخاري في تاريخه والبغويّ وابن منده في الصحابة من طريق صاعد بن العلاء بن بشر عن أبيه عن جدّه بشر بن معاوية: أنه قدم مع أبيه معاوية بن ثور على رسول الله ﷺ , فمسح رأسه ودعا له بالبركة
الحواشي
(١) حلف "على نفسه أن لا يفسر شيئًا في الحديث" خوفًا من أن يفسره بخلاف معناه في الواقع "انتهى"، وهذا من قوة دينه ﵀.
"وفي حديث معاذ" بن جبل "عند الطبراني والبزار: أردفني رسول الله ﷺ خلفه في سفر، فمَا مسست شيئًا قط أَلْيَن من جلده ﷺ "، وهذا شامل للكفَّين وغيرهما، "وأصيب عائذ" بتحتية وذال معجمة "ابن عمرو" بن هلال بن عبيد بن يزيد المزني, صحابي بايع تحت الشجرة, ابن صحابي، وسكن البصرة، وبها مات سنة إحدى وستين "في وجهه يوم حنين، فسال الدم على وجهه وصدره، فسلت النبي ﷺ الدم"، أي: أزاله "بيده عن وجهه وصدره، ثم دعا له، فكان أثر يده ﵊ إلى منتهى ما مسح من صدره غرَّة" بياضًا "سائلة كغرة الفرس، رواه الحاكم وأبو نعيم وابن عساكر، وأخرج البخاري في تاريخه، والبغوي" أبو القاسم من طريق عمران بن ماعز.
قال البغوي: وهو مجهول، "وابن منده" كلاهما "في" معرفة "الصحابة، من طريق صاعد بن العلاء بن بشر"، كما بَيِّنَه الإصابة، خلاف ما أوهمه المصنف؛ أنَّ الكل من طريق صاعد، "عن أبيه، عن جده بشر" بكسر الموحدة ومعجمة- صحابي، عداده في أهل الحجاز، "ابن معاوية؛ أنه قدم مع أيه معاوية بن ثور" بن معاوية بن عبادة -بكسر العين- ابن البكاء، واسمه: ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري البكائي، "على رسول الله ﷺ ، فمسح رأسه"، لفظ رواية المذكورين، كما في الإصابة، فمسح رأس بشر، "ودعا له بالبركة"، وذلك بطلب أبيه، فروىстр. 2710
فكانت في وجهه مسحة النبي ﷺ كالغرَّة, وكان لا يمسح شيئًا إلا برئ.
ومسح ﷺ رأس مدلوك أبي سفيان, فكان ما مرت عليه يده أسود، وشاب ما سوى ذلك. رواه البخاري في تاريخه والبيهقي.
وكذا وقع له ﵊ في رأس السائب
الحواشي
(١) ابن شاهين، وثابت في الدلائل: قدم معاوية بن ثور على النبي ﷺ ، وهو شيخ كبير، ومعه ابن له يقال له بشرًا، فقال: يا رسول الله, امسح وجه ابني هذا، ففعل، فذكر الحديث، وفيه، فقال محمد بن بشر بن معاوية:
وأبي الذي مسح النبي بوجهه ... ودعا له بالخير والبركات
فأفادت الروايتان أنَّ المسح وقع في الرأس والوجه معًا، فلا غبار على قوله: "فكانت في وجهه مسحة النبي"، أي: أثر مسحته " ﷺ كالغرَّة" البياض، "وكان لا يمسح شيئًا إلّا بَرِئَ ببركة اليد الميمونة، قال ابن منده: لا نعرفه إلّا من هذا الوجه، وانتقده الإصابة؛ بأن له طريقًا أخرى عند أبي نعيم بإسناد مجهول، وأخرى عند ابن شاهين بإسناد منقطع، وذكر ابن منده بهذا السند قال: وكتب النبي ﷺ لمعاوية كتابا، ووهب له من صدقة عامة، فلمَّا رجع معاوية إلى منزله، قال: إنما أنا هامة اليوم أو غد، ولي مال كثير، وإنما لي ابنان، فرجع فقال: يا رسول الله خذها مني، فضعها حيث ترى من مكابدة العدو، فإني موسِرٌ، فقال: "أصبت يا معاوية"، فقلبها منه، "ومسح ﷺ رأس مدلولك" بميم فدال مهملة فلام فواو فكاف- علم "أبي سفيان"، كنيته: الفزاري، مولاهم، صحابي، نزل الشام، وذكره البرديجي في الأسماء المفرَدة من الصحابة، "فكان ما مرت عليه يده أسود، وشاب ما سوى ذلك، رواه البخاري في تاريخه، والبيهقي"، وابن سعد، والبغوي، والطبراني من طريق مطر بن العلاء الفزاري، حدثتني عمَّتي آمنة أو أميَّة بنت أبي الشعثاء، وقطبة مولاهم، قالا: سمعنا أبا سفيان مدلوكًا يقول: ذهبت مع مولاي إلى النبي ﷺ فأسلمت، فدعا بالبركة، ومسح رأسي بيده، قالت: فكان مقدم رأس أبي سفيان أسود، ما مسَّته يد النبي ﷺ ، وسائره أبيض. وأخرجه ابن منده، وأبو نعيم من وجه آخر عن مطر، فقال: عن مدلوك أبي سفيان، وقال: عن آمنة -بالنون، ولم يشك، كما في الإصابة.
"وكذا وقع له ﵊ في رأس السائب" بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، أو الأزدي، وقيل: في نسبه غير ذلك, له ولأبيه صحبة، وفي البخاري عنه: حجَّ أبي مع النبي ﷺ ، وأنا ابن ست سنين. وهو عند ابن شاهين بلفظ: حج بي أبي، روى عن النبي ﷺ أحاديث، وعن أبيه، وعمر، وعثمان، وجماعة من الصحابة، وعنه الزهري، وآخرون، واستعمله عمرстр. 2711
رواه البغوي والبيهقي وابن منده.
وأخرج البيهقي وصحَّحه، والترمذي وحسَّنه، عن أبي زيد الأنصاري قال: مسح ﵊ بيده على رأسي ولحيتي ثم قال: "اللهم جمّله"، قال: فبلغ بضعًا ومائة سنة وما في لحيته بياض. لقد كان منبسط الوجه ولم ينقبض وجهه حتى مات.
ومسح ﵊ رأس حنظلة بن حذيم بيده وقال له: "بورك فيك،
الحواشي
(١) على سوق المدينة، ومات سنة اثنتين وثمانين، وقيل: بعد التسعين, سنة إحدى أو أربع، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة في قول, "رواه البغوي والبيهقي وابن منده" عنه: أنَّ المصطفى مسح رأسه، فما مسَّته يده لم يشب, وشاب ما عداه، وأصله في الصحيحين عنه, أنَّ خالته ذهبت به وهو وَجِعٌ، فمسح النبي ﷺ رأسه، ودعا له وتوضأ، وشرب من وضوئه، ونظر إلى خاتم النبوة، "وأخرج البيهقي وصحَّحه، والترمذي وحسَّنه" من طريق علياء بن أحمر، "عن أبي زيد الأنصاري".
الخزرجي, اسمه: عمرو بن أخطب بن رفاعة، مشهور بكنيته، غزا مع النبي ﷺ ثلاث عشرة غزوة، ونزل البصرة, له في مسلم والسنن، "قال: مسح ﵊ بيده على رأسي ولحيتي، ثم قال: "اللهمَّ جَمِّله"، قال" الراوي عنه وهو علباء -بكسر المهملة، وسكون اللام، بعدها موحدة: "فبلغ بضعًا ومائة سنة، وما في لحيته بياض" ببركة اليد الميمونة، "ولقد كان منبسط الوجه، ولم ينقبض وجهه حتى مات" ببركة الدعوة المجابة.
وفي رواية لأحمد، عن أبي نهيك، حدثني أبو زيد قال: استسقى رسول الله ﷺ ماء، فأتيته بقدح فيه ماء، فكانت فيه شعرة، فأخذتها، فقال: "اللهمَّ جمِّله"، قال: فرأيته ابن أربع وتسعين سنة، ليس في لحيته شعرة بيضاء. صحَّحَه الحاكم وابن حبان، "ومسح ﵊ رأس حنظلة بن حذيم" بكسر الحاء المهملة وسكون المعجمة وفتح التحتية وميم- ابن حنيفة -بفتح المهملة- ابن جبير بن بكر بن حجر بن معد بن ثعلبة بن زيد مناة بن تميم التميمي، ويقال: الأسدي أسد خزيمة، ويقال له: المالكي، ومالك بطن من أسد بن خزيمة، له ولأبيه وجَدّه صحبة، "بيده، قال له: "بورك فيك" لفظ رواية أحمد: "بارك الله فيك"، أو قال: بورك فيك -بالشك، ولفظ الحديث من أوله، قال الإما أحمد: حدَّثنا أبو سعيد مولى بني هاشم، حدَّثنا الذيال بن عبيد، سمعت جدي حنظلة بن حذيم، حدثني أبي أنَّ جدي حنيفة، قال لحذيم: اجمع لي بنيّ، فأوصاهم فقال: إن ليتيمي الذي في حجري مائة من الإبل، فقال حميد: يا أبت!стр. 2712
فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها, والبعير والإنسان به الورم، فيتفل في يده ويمسح بصلعته ويقول: بسم الله, على أثر يد رسول الله -صلى عليه وسلم- فيمسحه, ثم يمسح موضع الورم, فيذهب الورم. رواه أحمد والبخاري في التاريخ, وأبو يعلى وغيرهم.
وقد جاء في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة بياض إبطيه.
فعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء حتى رأيت بياض إبطيه.
الحواشي
(١) سمعت بنيك يقولون: إنما تقر بهذا لتقر عين أبينا، فإذا مات رجعنا، فجاء حنيفة، وحذيم، ومعهما، ومعهم حنظلة، وهو غلام رديف أبيه، فقص على النبي ﷺ قصته، فغضب ﷺ ، فجثا على ركبتيه، وقال له: "لا لا, الصدقة خمس"، وإلّا فعشر، وإلّا فعشرون، وإلّا، فثلاثون، فإن كثرت فأربعون.
قال: فودعوه، ومع اليتيم هراوة، فقال ﷺ : "عظمت هذه هراوة يتيم"، فقال حذيم: إن لي بنين ذوي لحاء، وإن هذا أصغرهم -يعني حنظلة- فادع لله له، فمسح رأسه، وقال: "بارك الله فيك"، أو قال: "بورك فيك"، قال الذيال: "فكان يؤتى بالشاة الوارم ضرعها، والبعير والإنسان به الورم، فيتفل" بضم الفاء وكسرها "في يده"، أي: يد نفسه، "ويمسح بصلعته" بفتح اللام، وإسكانها لغة, أباها الحداق موضع الصلع، وهو انحسار الشعر على مقدم الرأس، أو يضع يده على رأس موضع كفه ﷺ ، "ويقول: "بسم الله، على أثر يد رسول الله ﷺ ، فيمسحه، ثم يمسح موضع الورم، فيذهب الورم. رواه أحمد, والبخاري في التاريخ، وأبو يعلى، وغيرهم"، كالطبراني، ويعقوب بن سفيان.
ورواه الحسن بن سفيان من وجه آخر عن الذيّال، وزاد أنَّ اسم اليتيم: ضرار بن قطبة، وأنه كان شبه المحتلم، وأخرج هو والباوردي وابن السكن عن الذيال: سمعت جدي حنظلة, سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يتم بعد احتلام، ولا تصلي جارية إذا هي حاضت"، والذيال -بذال معجمة وتحتية فألف فلام- ابن عبيد بن حنظلة، تفرَّد بالرواية عن جده، "وقد جاء في عدة أحاديث عن جماعة من الصحابة، بياض إبطيه"، قال الحافظ: واختُلِفَ في المراد بذلك، فقيل: لم يكن تحتها شعر، فكانا كَلَوْنِ جسده، ثم قيل: لم يكن تحت إبطيه شعر البتة، وقيل: كان لدوام تعاهده له لا يبقى فيه شعر، وعند مسلم في حديث: حتى رأينا عفرة إبطيه، ولا تنافي بينهما؛ لأن الأعفر ما بياضه ليس بالناصع، وهذا شأن المغابن، يكون لها في البياض دون بقية الجسد. انتهى، "فعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ يرفع يديه في الدعاء"، أي: في الاستسقاء، "حتى رأيت بياض إبطيه"، فلا ينافي قول أنس: كان لا يرفع يديه في شيء منстр. 2713
وقال الطبري: ومن خصائصه ﷺ أنَّ الإبط من جميع الناس متغيّر اللون غيره, إلا هو ﵊. ومثله للقرطبي وزاد: وإنه لا شعر عليه، لكن نازع فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد، وقال: إنَّه لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، قال: والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه أن لا يكون له شعر. قال عبد الله بن أقرم -وقد صلى معه ﷺ : كنت أنظر إلى عفرة إبطيه. حسَّنه الترمذي. والعفرة: بياض ليس بالناصع كما قاله الهروي وغيره، وسيأتي مزيد لذلك في الخصائص إن شاء الله تعالى.
وعن رجل من بني حريش قال: ضمَّني رسول الله ﷺ , فسال عليَّ من عرق إبطيه مثل ريح المسك. رواه البزار.
الحواشي
(١) دعائه، إلّا في الاستسقاء، فإنه كان يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، متفق عليه.
"وقال الطبري: ومن خصائصه ﷺ أنّ الإبط من جميع الناس متغيّر اللون غيره" بالجر نعت للناس، "إلّا هو ﵊، ومثله للقرطبي، وزاد: وإنه لا شعر عليه، لكن نازع فيه صاحب شرح تقريب الأسانيد" للنووي، وهو العلامة ولي الدين القراتي, الحافظ ابن الحافظ، "وقال: إنه لم يثبت ذلك"، أي: إنه لا شعر عليه "بوجهٍ من الوجوه، قال: والخصائص لا تثبت بالاحتمال"، وإنما تثبت بالنص الصحيح الصريح، "ولا يلزم من ذكر أنس وغيره"، كعبد الله بن مالك بن بجينة، "بياض إبطيه, أن لا يكون له شعر"؛ لاحتمال أنه كان يديم تعاهده، وقد علَّله ابن العراقي نفسه بقوله: فإن الشعر إذا نتف بقي المكان بيض، وإن بقي فيه آثار الشعر، "وقال عبد الله بن أقرم" بفتح الهمزة والراء بينهما قاف ساكنة آخر ميم- ابن زيد الخزاعي، أبي معبد، صحابي، مقلّ، له حديثان، "وقد صلى معه ﷺ : كنت أنظر إلى عفرة إبطيه. حسَّنه الترمذي، والعفرة" بضم المهملة، وإسكان الفاء "بياض ليس بالناصع، كما قاله الهروي وغيره" كابن الأثير، "وسيأتي مزيد" قليل "لذلك في الخصائص -إن شاء الله تعالى"، وهو نقل قول العراقي: وهذا -أي: حديث ابن أقرم- يدل على أن أثر الشعر هو الذي جعل المكان أعفر، وإلّا فلو كان خاليًا عن نبات الشعر جملةً لم يكن أعفر، نعم الذي نعتقده أنّه لم يكن لإبطه رائحة كريهة. انتهى.
وقد يمنع دلالته على ما قال بما تقدَّم عن الحافظ، أنَّ شأن المغابن كونها أقلّ بياضًا من باقي الجسد، "وعن رجل" لم يسمّ "من بني حريش" بفتح المهملة وكسر الراء وإسكان التحتية وشين معجمة- بطن من الأنصار "قال: ضمَّني رسول الله ﷺ ، فسال عليَّ من عرق إبطيه مثل ريح المسك، رواه البزار"، وهو صريح في اختصاصه، بطيب رائحة إبطيه دون الناس،стр. 2714
ووصفه علي فقال: ذو مسربة، وفسِّر بخيط الشعر بين الصدر والسرة.
وقال ابن أبي هالة: دقيق المسربة.
وعند ابن سعد عن علي: طويل المسربة.
وعند البيهقي: له شعرات من لبته إلى سرته تجري كالقضيب, ليس على صدره ولا بطنه غيره.
ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ إلّا ذكرت القراطيس المثْنَى بعضها على بعض. رواه الطيالسي والطبراني.
وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أبيض كأنما صيغ من فضة،
الحواشي
(١) "ووصفه عليّ" عند الترمذي، "فقال: ذو مسربة" بفتح الميم، وإسكان السين، وضم الراء، وفتحها، وموحدة، وهاء، والتنوين للتعظيم، فهو كقوله الآتي: طويل المسربة، "وفسِّر بخيط الشعر بين الصدر والسرة"، وفي المصباح: شعر الصدر يأخذ إلى العانة، وفي القاموس: شعر وسط الصدر إلى البطن، "وقال ابن أبي هالة: دقيق" بالدال، وفي رواية بالراء: "المسربة"، ووصفها بالدقة للمبالغة؛ إذ هي الشعر الدقيق، "وعند ابن سعد"، وكذا الترمذي في الشمائل، "عن علي: طويل المسربة"، فأفاد الحديثان أنها دقيقة طويلة، "وعند البيهقي له شعرات من لبته" بفتح اللام "إلى سرَّته, تجري كالقضيب" الغصن أو العود، أو السيف اللطيف الرقيق، "ليس على صدره ولا بطنه غيره"، الضمير للشعرات، ذكره لقوله: كالقضيب، "ووصفت بطنه أم هانئ فقالت: ما رأيت بطن رسول الله ﷺ ، إلّا ذكرت القراطيس المثْنَى بعضها على بعض"، ولعلَّ رؤيتها بطنه قبل تحريم رؤية الأجنبية للأجنبي؛ إذ هو ﷺ ابن عمها، أو قبل البعثة، فلا يشكل على قول مالك: ترى الأجنبية من الأجنبي ما يراه من محرمة، وهو الوجه والأطراف، ولا على قول الشافعي: لا ترى منه شيئًا، ولا الوجه والأطراف، "رواه الطيالسي" أبو داود سليمان بن داود بن الجارود, الحافظ المشهور، "والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب, "وقال أبو هريرة: كان رسول الله ﷺ أبيض كأنما صيغ" من الصوغ بمعنى الإيجاد، أي: خُلِقَ "من فضة"، قال الجوهري والمجد: صاغ الله فلانًا صيغة حسنة خَلَقَه، وقال الزمخشري: من المجاز: فلان حسن الصيغة وهي الخلقة، وصاغه الله صيغة حسنة، وفلان من صيغة كريمة: من أصل كريم، انتهى.
وهذا باعتبار ما كان يعلو بياضه من الإضاءة ولمعان الأنوار والبريق الساطع، فلا ينافي ما ورد أنه كان مشربًّا بحمرة، وآثره لتضمنه نعته بتناسب التركيب وتماسك الأجزاء، فلا اتجاهстр. 2715
رجل الشعر، مفاض البطن، عظيم مشاش المنكبين.
وتقدَّم أن المشاش هي: رءوس العظام كالركبتين، ومفاض: أي: واسع البطن، وقيل: مستوي البطن مع الصدر.
وخرَّج الإمام أحمد عن محرش الكعبي قال: اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة ليلًا، فنظرت إلى ظهره كأنَّه سبيكة فضة.
وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري. أي: عريض الصدر، ووقع عند ابن سعد من حديث أبي هريرة: رحب الصدر.
وأمَّا قلبه الشريف ﷺ ،
الحواشي
(١) لجعله من الصوغ، بمعنى: سبك الفضة, "رجل الشعر" بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها وسكونها- كما في المفهم، أي: مسرح الشعر، أو ما فيه تثن قليل، أو لم يكن شديد الجعود ولا السبوطة، بل بينهما، قال القرطبي: كان شعره مثل خلقته مسرجًا، وهذا الحديث إلى هنا رواه الترمذي في الشمائل عنه، وزاد في رواية غيره: "مفاض البطن" بالفاء والضاد المعجمة- كما قاله الهروي وغيره، "عظيم مشاش المنكبين، وتقدَّم أن المشاش" بضم الميم، ومعجمتين "هي رءوس العظام؛ كالركبتين، ومفاض، أي: واسع البطن، وقيل" معناه "مستوي البطن مع الصدر"، وجزم به الهروي، وحكى ابن الأثير القولين، "وخرَّج الإمام أحمد عن مُحَرّش" بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر الراء الثقيلة، ومعجمة- ضبطه ابن ماكولا تبعًا لهشام بن يوسف، ويحيى بن معين، ويقال: بسكون الحاء المهملة وفتح الراء، وصوَّبه ابن السكن تبعًا لابن المديني، كما في الإصابة، وزاد في التبصير: وقال ابن سعد: مخرّش -بالخاء المعجمة، وقال بعضهم: مهملة، وقال الزمخشري: الصواب بالخاء المعجمة، انتهى.
وفي الجامع لابن الأثير، ويقال: محرش -بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الراء مخففة وشين معجمة- قال في الإصابة، وهو ابن سويد بن عبد الله بن مرة الخزاعي، "الكعبي"، عداده في أهل مكة وقيل: إنه ابن عبد الله، انتهى.
"قال: اعتمر النبي ﷺ من الجعرانة ليلًا، فنظرت إلى ظهره كأنَّه سبيكة فضة"، فاعتمر وأصبح بها كبائت، هذا بقية الحديث، وأخرجه أبو داود والنسائي، والترمذي بإسناد حسن، قال الترمذي: ولا يعرف له غيره، "وكان ﷺ بعيد ما بين المنكبين. رواه البخاري" عن البراء بن عازب في حديث، "أي: عريض الصدر" لفظ الفتح، وتبعه المصنف في شرحه، أي: عريض أعلى الظهر، "ووقع عند ابن سعد من حديث أبي هريرة: رحب الصدر"، أي واسعه، "وأما قلبه الشريف"، أي: صفته ﷺ ، فقد ثبت له من الكمال، كالشق وشرح الصدر. وغير ذلك, ما لمстр. 2716
فاعلم أنَّ القلب مضغة في الفؤاد معلَّقة بالنباط، فهو أخصّ من الفؤاد. قاله الواحدي، وسُمِّيَ به لتقلبه بالخواطر والعزوم، قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلب
وقال الزمخشري: مشتق من التقلُّب الذي هو المصدر لفرط تقلبه،
الحواشي
(١) يثبت لغيره، فجواب أمَّا محذوف، وإذا أردت معرفة القلب من حيث هو، وموضعه، "فاعلم"، فالفاء فصيحة في جواب شرط مقدّر، وصدَّر هذا المبحث بمقدمة كلية عنونها بالأمر بالعلم، تنبيهًا على جلالة ما فيه من الأبحاث دون بقية الجوارح، "إن القلب مضغة" بميم، ومعجمة- وفي نسخة: بضعة -بموحدة مثلثة، ومعجمة، ومهملة- وهما بمعنى قطعة, "في الفؤاد، معلقة بالنباط" بكسر النون- عرق متصل بالقلب، كما في المصباح، "فهو أخصّ من الفؤاد"، أي: أشرف منه؛ لأنه قصد به حفظ القلب، فالقلب المقصود، وليس المراد الأخصّ المقابل للأعمّ؛ لأنه بعض أفراد العام، ولا يستقيم على ما ذكره المقتضي تباينهما ضرورة تباين الظرف لمظروفه في متعددات، لا في شيء واحد، "قاله الواحدي، وسمي به لتقلبه بالخواطر"، أي: ما يعرض له من أوّل أحواله قبل التصميم عليه، فشمل الأربع التي قبل العزم، الخاطر والهاجس وحديث النفس والهمّ، بدليل مقابلته بقوله: "والعزوم" بالجمع على أمر واحد؛ لأدلة مختلفة كان يتردَّد في أمر، ويظهر له صواب فيصمم عليه، ثم يظهر له خلافه فيعزم عليه، ويعرض عن الأوَّل، وهكذا، كما يقع للمجتهدين، أو المراد: العزم على أمور متباينة يتعلّق بها نظره؛ ليفعلها في أوقات مختلفة، فالجمع باعتبار أفراد العزوم في متعددات، لا في شيء واحد، "قال الشاعر:
وما سمي الإنسان إلا لنسيه
بكسر النون- كما في القاموس، بناءً على قول الكوفيين، مشتَقّ من النسيان, فالهمزة زائدة، فوزنه: أفعان على النقص، وفي نسخة: لأنسه على قول البصريين، من الأنس، فالهمزة أصل، ووزنه فعلان، واتفقوا على زيادة النون الأخيرة، "ولا القلب، إلّا أنه" بفتح الهمزة- بتقدير اللام، أي: لأنه "يتقلّب"، فهذا سبب التسمية دون ملاحظة اشتقاق من شيء؛ إذ لا يلزم من حكمة التسمية اشتقاقه من مصدرها، كتسمية الوالد الذي فيه حمرة أحمر، فلذا عقبه بالنص عليه بقوله.
"وقال الزمخشري: مشتَقٌّ من التقلُّب الذي هو المصدر"، فرُوعِيَ فيه أخذه منه للمناسبة بينهما، أي: إنه اعتبر لتسمية المضغة قلبًا، ووجود التقلّب في مسمّاه، لا أنه جزء من مدلوله؛ بحيث ينتفي بانتفائه، ولا يلزم منه تسمية كل متقلب قلبًا؛ لأن الاشتقاق قد يختص ببعض الأشياء كالقارورة، وقد يطَّرِد, كاسم الفاعل "لفرط تقلبه"، أي: تنقّله مع حركته نفسه، أي: اضطرابه عند رجفه مثلًا، أو المراد تنقله من خاطر لآخر مع بقاء ذاته, والأوّل أظهر لمخالفته لما قلبه فيстр. 2717
ألا ترى إلى ما روى أبو موسى عن النبي ﷺ : "ومثل هذا القلب كمثل ريشة معلقة بفلاة يقلبها الريح بطنًا لظهر".
قال: والفرق بينه وبين الفؤاد، أنَّ الفؤاد وسط القلب، سُمِّيَ به لتفؤده، أي: توفده.
وفسَّر الجوهري القلب بالفؤاد, ثم فسَّر الفؤاد بالقلب.
قال الزركشي: والأحسن قول غيره: الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبَّته وسويداؤه، ويؤيد الفرق قوله ﷺ : "ألين قلوبًا وأرقّ أفئدة"، وهو أَوْلَى من قول بعضهم: إنه كرّر لاختلاف اللفظ.
وقال الراغب: يعبَّر بالقلب عن المعاني التي تختص به كالعلم والشجاعة.
وقيل: حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧] ، وحيثما ذكر الصدر فإشارة إلى ذلك, وإلى سائر القوى من الشهوة والغضب ونحوهما. انتهى.
الحواشي
(١) أمرين، وهو ظاهر الحديث أيضًا، بخلاف الثاني, فمغاير لما قبله في واحد وهو الاشتقاق، "ألا ترى إلى ما روى أبو موسى"، عبد الله بن قيس الأشعري، "عن النبي ﷺ : "ومثل هذا القلب كمثل ريشة معلقة بفلاة، يقلبها الريح بطنًا لظهر"، قال: والفرق بينه وبين الفؤاد أنَّ الفؤاد وسط القلب, سُمِّيَ به لتفؤده" بالهمز- كما في القاموس، "أي: توفده"، زاد القاموس: وتحركه، "وفسر الجوهري القلب بالفؤاد، ثم فسَّر الفؤاد بالقلب" فجعلهما مترادفين.
"قال الزركشي: والأحسن قول غيره: الفؤاد غشاء القلب، والقلب حبَّته وسويداؤه" عطف تفسير, الجوهري: سواد القلب حبته، وكذا أسوده، وسويداؤه، وفي كفاية المتحّفظ: سويداء القلب علقة سوداء في وسط القلب، يقال للرجل: اجعل ذلك في سويداء قلبك، "ويؤيّد الفرق قوله ﷺ : "أتاكم أهل اليمن أَلْيَن قلوبًا وأرق أفئدة"، حيث وصف القلوب باللين، والأفئدة بالرِّقَّة، ومرت فيه مباحث نفيسة، "وهو أوْلَى من قول بعضهم: إنه كرَّر" في الحديث "لاختلاف اللفظ"، وإن كانا بمعنى واحد، "وقال الراغب: يعبَّر بالقلب عن المعاني التي تختص به؛ كالعلم والشجاعة، وقيل" مما نقل عن بعض الحكماء، "حيثما ذكر الله القلب فإشارة إلى العقل والعلم؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى﴾ " عظة " ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ " عقل وعلم، "وحيثما ذكر الصدر، فإشارة إلى ذلك" المذكور من العقل والعلم، "وإلى سائر القوى" التي في الصدر، من الشهوة والغضب، ونحوهما، انتهى".стр. 2718
قال بعض العلماء: ولقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه، وهو أصل وجوده، إذا صلح قلبه صلح سائره، وإذا فسد قلبه فسد سائره، وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص الذي هو سر الله يودعه قلب من شاء من عباده، فأوّل قلب أودعه إليه قلب محمد ﷺ ؛ لأنه أوّل خلق, وصورته ﷺ آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أولهم وآخرهم.
وقد جعل أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب، فمن تحقَّق قلبه بسر الله اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله، ولذلك جعل الله تعالى لمحمد ﷺ جثمانية
الحواشي
(١) وفي تمريضه عدم ارتضائه، وفي البيضاوي: ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ ، أي: قلب واعٍ يتفكَّر في حقائقه، "قال بعض العلماء: ولقد خلق الله تعالى الإنسان، وجعل له قلبًا يعقل عنه"، أي: يدرك الإنسان إدراكًا ناشئًا عن تصرّف القلب، ففاعل يعقل الإنسان, وعنه متعلّق بمقدر فسَقَط، ما عساه يقال: الأَوْلَى أن يقول به لا عنه؛ لأنه مبني على أن فاعل يعقل القلب، "وهو أصل" أي: سبب وجوده" على الحالة المأمور بها، "إذا صلح" بضم اللام، وفتحها "قلبه صلح سائره"، وحسنت حاله، واعتدَّ بوجوده، فكأنه أحياه من العدم، "وإذا فسد قلبه فسد سائره"، وفسدت أحواله، وكأنه مات، وإليه أشار في حديث: "ألا وأن في لجسد مضغة؛ إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجد كله, ألا وهي القلب"، "وجعل سبحانه القلوب محل السر والإخلاص الذي هو سِرّ الله يودعه قلب من شاء من عباده، فأوّل قلب أودعه إليه قلب محمد ﷺ ؛ لأنه أول خلق"، أي: مخلوق، "وصورته ﷺ آخر صورة ظهرت من صور الأنبياء، فهو أوّلهم"، أي: المتقدِّم عليهم بوجود صورته النورية قبل خلق الأشياء كلها، "وآخرهم" ظهورًا لهذا العالم؛ إذ لا نبي بعده، "وقد جعل الله أخلاق القلوب للنفوس أعلامًا على أسرار القلوب، فمن تحقَّق قلبه بسر الله"، أي: من أودع الله تعالى سره في قلبه، بحيث يكون منقادًا، باطنًا لأوامره، متباعدًا عن نواهيه، "اتسعت أخلاقه لجميع خلق الله"، فيعاملهم برفق ولينٍ على مقتضى الحال، فيعامل كل إنسان بما يليق بحاله بغاية الرفق، حتى العصاة ينهاهم عن معصيتهم ببيان ما يضرهم وما ينفعهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] الآية، فإذا لم يفد في كفهم عن المعاصي إلّا الزجر الشديد، عاملهم به، وأقام عليهم الحدود ليكفهم عن العود إلى ما صدر منهم، وذلك من سعة الخلق؛ لأنه نفع لهم، بل قتال الكفار والبغاة من سعة الخلق.
"ولذلك جعل الله تعالى لمحمد ﷺ جثمانية" بضم الجيم، وإسكان المثلثة- أي:стр. 2719
اختص بها من بين سائر العالمين، فتكون علامات اختصاص جثمانيته آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه، وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على سِرِّ قلبه المقدَّس. ولما كان قلبه ﷺ أوسع قلب اطَّلع الله عليه -كما ورد في الخبر, كان هو الأَوْلَى أن يكون هو قلب العبد الذي يقول فيه تعالى: "ما وسعني أرضي ولا سمائي ووسعني قلب عبدي المؤمن".
ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين كان صدره يضيق، فاتسع قلبه لما انشرح صدره ووضع عنه وزره.
الحواشي
(١) جسمًا، على تفسير أبي زيد، وقال الأصمعي: الجثمان هو الشخص، كما في المصباح، "اختُصّ بها من بين سائر العالمين"، فلا يكون لغيره جثمانية تماثل جثمانيته في شيء من الصفات المختصة بها، والياء في جثمانية للمبالغة لا النسبة؛ إذ المنسوب غير المنسوب إليه، ولا يظهر التغاير هنا بينهما، "فتكون علامات اختصاص جثمانيته" جسمه أو شخصه، "آيات دالة على أحوال نفسه الشريفة وعظيم خلقه" بالضم، "وتكون علامات عظيم أخلاقه آيات على سِرّ قلبه المقدَّس" المطهر، "ولما كان قلبه ﷺ أوسع قلب, اطَّلع الله عليه -كما ورد في الخبر، كان هو الأَوْلَى أن يكون هو قلب العبد الذي يقول فيه تعالى: "ما وسعني أرضي ولا سمائي، ووسعني قلب عبدي المؤمن".
ذكره الغزالي في الإحياء بزيادة: اللين، الوادع، قال الحافظ العراقي في تخريجه: لم أر له أصلًا، وقال ابن تيمية: هو مذكور في الإسرئيليات، وليس له إسناد معروف عن النبي ﷺ ، ومعناه: وسع قلبه الإيمان بي، ومحبتي ومعرفتي، وإلّا فمن قال: إن الله يحلّ في قلوب الناس فهو أكفر من النصارى الذين خصوا ذلك بالمسيح وحده، قال السخاوي: وكأنَّه أشار بما في الإسرائيليات إلى ما أخرجه أحمد في الزهد، عن وهب بن منبه، قال: إن الله فتح السماوات لحزقيل حتى نظر إلى العرش، فقال حزقيل: سبحانك ما أعظمك يا رب، فقال الله: إن السماوات والأرض ضعفن عن أن يسعنني، ووسعني قلب المؤمن الوادع اللين، ورأيت بخط ابن الزركشي: سمعت بعض العلماء يقول: حديث ما وسعني.. إلخ، باطل, من وضع الملاحدة، قلت: وقد روى الطبراني عن أبي عتبة الخولاني رفعه: "إن لله آنية من أهل الأرض، وآنية ربكم قلوب عباده الصالحين، وأحبها إليه ألينها وأرقّها"، وفيه بقية بن الوليد, مدلِّس, لكنه صرَّح بالتحديث أ. هـ، "ولما كان كماله قبل الإسراء بمنزلة سائر النبيين، كان صدره يضيق"، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ﴾ من الشرك والطعن في القرآن، والاستهزاء بك، "فاتسع قلبه، لما انشرح صدره، ووضع" حَطّ "عنه وزره" إن كان له وزر، وقيل غير ذلك،стр. 2720
ورفع له ذكره.
وقد صحَّ أن جبريل ﵇ شقَّه واستخرج منه علقة, فقال له: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه فأعاده في مكانه. قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره. رواه مسلم.
وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة ثم استخرجت منه؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلابُدَّ منها، ونزعها أمر رباني طرأ بعد ذلك، قاله السبكي.
الحواشي
(١) كما يأتي للمصنف، "ورفع له ذكره"، فلا يذكر الله ألا ويذكر معه، وهذا صريح في أنَّ هذه الأحوال؛ إنما حصلت له بعد الإسراء، وإن نزل: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بعده، وقد نَصَّ المفسِّرون على أنها مكية، وهو محتمل لنزولها بعد الإسراء وقبله، "وقد صحَّ أن جبريل ﵇ شَقَّه"، أي: قلبه، "واستخرج منه علقة"، وفي رواية: مضغة سوداء فرمي بها، ولا تنافي، فقد تكون العلقة لكبرها تشبه المضغة، "فقال له: هذا حَظّ الشيطان منك"، أي: هذا هو الموضع الذي يتوصّل الشيطان منه إلى وسوسة الناس، ولا ينافيه قوله: منك؛ لجواز تقدير مضاف، أي: من مثلك من بني آدم، كذلك تكلفه شيخنا، ولا حاجة له مع التصريح بنزعها منه؛ وأنه في حالة الطفولية، وهو يلعب مع الغلمان، كما في مسلم، "ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، فأعاده في مكانه، قال أنس" راوي الحديث: "فلقد كنت أرى أثر المخيط" بكسر الميم- ما يخاط به "في صدره"، وظاهره أنه بآلة، وإنَّ الشق كذلك بآلة، ويدل له قول الملك في حديث أبي ذر: خَطّ بطنه فخاطه، وفي حديث عتبة: حصه فحاصه، وقد وقع السؤال عن ذلك، ولم يجب عنه أحد، ولم أر من تعرّض له بعد التتبع، وأمَّا قوله: فأتيت بالسكينة فوضعت في صدري، فالصواب كما قال ابن دحية: تخفيف السكينة، لذكرها بعد شق البطن خلافًا للخطابي، ذكره الشامي "رواه مسلم".
وكذا الإمام أحمد عن أنس، "وإنما خلقت هذه العلقة في ذاته الكريمة، ثم استخرجت منه؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية" التي اقتضت الحكمة وجودها في الإنسان، وإن لم يحصل بعدمها نقص في صورته ظاهرًا، "فخلقها تكملة للخلق الإنساني فلابُدَّ منها، ونزعها أمر رباني طرأ بعد ذلك" الخلق، فإخراجها بعد خلقها دَلَّ على مزيد الرفعة وعظيم الاعتناء والرعاية من خلقه بدونها، "قاله السبكي" جوابًا لمن سأله عن حكمة ذلك، وقال غيره: لو خلق سليمًا منها لم يكن للآدميين اطِّلاع على حقيقته، فأظهره الله على يد جبريل ليتحقَّقوا كمالстр. 2721
وعند أحمد وصححه الحاكم: "ثم استخرجا قلبي فشقَّاه, فأخرجا منه علقتين سوداوين, فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء وثلج, فغسلا به جوفي, ثم قال: ائتني بماء برد, فغسلا قلبي, ثم قال: ائتني بالسكينة فذراها في قلبي, ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه فحاصه, وختم عليه بخاتم النبوة".
الحواشي
(١) باطنه، كما برز لهم مكمل الظاهر، "وعند أحمد، وصحَّحه الحاكم" من حديث عتبة بن عبد، عن النبي ﷺ ، قال: "كانت حاضنتي من بني سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابنٍ لها في بهم لنا، ولم نأخذ معنا زادًا، فقلت: يا أخي, اذهب فأتنا بزاد من عند أمِّنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل إلي طيران كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو، قال: نعم، فأقبلا يبتدراني، فأخذاني، فبطحاني للقفا، فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقتين سوداوين"!.
قال الشامي: إحداهما محلّ غمز الشيطان، والأخرى منشأ الدم الذي قد يحصل منه أضرار في البدن، وعلى هذا، فلا حاجة لما أجيب به عن حديث العلقتين، باحتمال أنها علقة واحدة انقسمت عند خروجها قسمين، فسمِّي كل جزء منهما علقة مجازًا، "فقال أحدهما لصاحبه: "ائتني بماء وثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد" بفتحتين- أي: مطر، وهو حب الغمام، "فغسلا قلبي"، قال السهيلي: حكمة ذلك ما يشعر به من ثلج اليقين وبرده على الفؤاد، ولذا حصل له اليقين بالأمر الذي يراد به بواحدنية ره، "ثم قال: ائتني بالسكينة" بالتخفيف, "فذراها" بذال معجمة- بثَّاها "في قلبي"، وفي حديث أبي ذر عند البزار، وغيره، وصحَّحه الضياء: "ثم دعا بسكينة، كأنها برهرهة بيضاء، فأدخلت قلبي"، قال السهيلي: البرهرهة بصيص البشرة، وزعم الخطابي أنه أراد بها سكينة بيضاء صافية، الحديد متمسكًا بأنه عثر على رواية فيها: "فدعا بسكينة كأنها درهمة بيضاء"، قال ابن الأنباري: هي السكينة المعوجّة الرأس التي تسميها العامّة المنجل -بالجيم, قال ابن دحية.
والصواب: السكينة بالتخفيف؛ لذكرها بعد شق البطن، فإنما عني بها فعيلة، من السكون والطمأنينة، وهي أكثر ما تأتي في القرآن، "ثم قال أحدهما لصاحبه: حصه" بحاء مهملة مضمومة، بعدها صاد مهملة- أي: خطه, "فحاصه"، أي: خاطه, يقال: حاص الثوب يحوصه حوصًا إذا خاطه، وهذا لفظ رواية عتبة بن عبد، وفي رواية أبي ذر: "خطه فخاطه" بالخاء المعجمة- نقل فيهما، فما في نسخ هنا، بالخاء المعجمة، نقل بالمعنى، "وختم عليه بخاتم النبوة"، وتقدَّم الكلام فيه مستوفي بالمقصد الأول.стр. 2722
وفي رواية البيهقي: "إن ملكين جاءاني في صورة كركيين معهما ثلج وبرد وماء بارد, فشرح أحدهما صدري، ومجّ الآخر بمنقاره فيه".
وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله، ما أوّل ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ قال: "إني لفي صحراء أمشي ابن عشر حجج, إذا أنا برجلين فوق رأسي, يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني فألصقاني لحلاوة القفا, ثم شقَّا بطني، وكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب, والآخر يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره، فإذا صدري -فيما أرى- مفلوقًا لا أجد له وجعًا، ثم قال: اشقق قلبه, فشقَّ قلبي، فقال: أخرج الغل والحسد، فأخرج شبه العلقة, فنبذ به, ثم قال: أدخل الرأفة والرحمة قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم أخرج
الحواشي
(١) "وفي رواية البيهقي"، عن يحيى بن جعدة مرسلًا يرفعه "إن ملكين" هما: جبريل وميكائيل, "جاءاني في صورة كركيين"، وسبق في حديث عتبة: كأنهما نسران، وهو أصحّ, "معهما ثلج وبرد " بفتحتين، "وماء بارد، فشرح أحدهما" , لفظ رواية البيهقي: فشق أحدهما بمنقاره "صدري، ومجَّ الآخر بمنقاره فيه"، فغسله، فإن صحت هذه الرواية، أفادت آلة الشق في هذه المرة، لكن قال السهيلي: هي رواية غريبة ذكرها يونس عن ابن إسحاق، "وعن أبي هريرة أنه قال: يا رسول الله, ما أوّل ما ابتدئت به من أمر النبوة؟ قال: "إني لي صحراء أمشي" حال كوني، "ابن" فهو بالنصب, وبالرفع خبر مبتدأ، أي: وأنا ابن "عشر حجج"، أي: سنين, "إذا أنا برجلين" أي: ملكين في صفة رجلين، وهما: جبريل وميكائيل, "فوق رأسي، يقول أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأخذاني، فألصقاني"، بالهمز، وفي نسخة: لصقاني بدونه، لكنه إنما يتعدَّى بالهمزة، قال المصباح: لصق الشيء من باب تعب، مثل لزق, يتعدَّى بالهمز فيقال: ألصقته، وفي نسخة: فألقياني "لحلاوة القفا" مثلث الحاء، وهو وسطه، "ثم شقَّا بطني، وكان أحدهما يختلف بالماء في طست من ذهب، والآخر يغسل جوفي، فقال أحدهما لصاحبه: افلق صدره"، بكسر الهمزة واللام، من باب ضرب، "فإذا صدري فيما أرى" نظر، "مفلوقًا لا أجد له وجعًا".
زاد في رواية: ولا دمًا، "ثم قال: اشقق قلبه، فشقَّ قلبي، فقال: أخرج الغلَّ" بالكسر، الحقد "والحسد" منه، "فأخرج شبه العلقة، فنبذ به، ثم قال: أدخل الرأفة"، أرق الرحمة، قاله الهروي وغيره، "والرحمة" رقة القلب، وعطفه "قلبه، فأدخل شيئًا كهيئة الفضة، ثم أخرجстр. 2723
ذرورًا كان معه فذر عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: اغد, فرجعت بما لم أغد به من رحمتي للصغير ورأفتي على الكبير". رواه عبد الله الإمام أحمد في زوائد المسند, وأبو نعيم وقال: تفرَّد به معاذ عن أبيه، وتفرَّد بذكر السن.
وعند أبي نعيم في حديث يونس بن ميسرة: "فاستخرج حشوة جوفي فغسلها ثم ذرَّ عليه ذرورًا, ثم قال: قلب وكيع يعي ما وقع فيه، عينان تبصران, وأذنان تسمعان, وأنت محمد رسول الله المقفَّى الحاشر
الحواشي
(١) ذرورًا" بمعجمة- نوع من الطيب، "كان معه، فذَرَّ عليه، ثم نقر إبهامي، ثم قال: اغد"، وأسلم، كما في الرواية، "فرجعت لما لم أغد به من رحمتي للصغير، ورأفتي على الكبير"، والحكمة في هذا الشق أن العشر قريب من سن التكليف، فشق قلبه وقدّس حتى لا يتلبس بشيء مما يعاب على الرجال، لكن هل كان في هذه المرة بختم لم أقف عليه في شيء من الأحاديث، وأمَّا المرات الثلاث، ففي كل مرة منها بختم، كما هو مقتضى الأحاديث، قاله الشامي: "رواه عبد الله، الإمام أحمد في زوائد المسند" لأبيه، أي: الأحاديث التي رواها من غير أبيه في مسنده، "وأبو نعيم، وقال: تفرَّد به معاذ" بن هشام الدستوائي، البصري، صدوق، مات سنة مائتين "عن أبيه" هشام بن أبي عبد الله الدستوائي -بفتح الدال، وسكون السين المهملتين، وفتح الفوقية، والمد- ثبت من رجال الجميع، مات سنة أربع وخمسين ومائة، "وتفرَّد بذكر السن"، أي: قوله: "ابن عشر حجج"، ولكن تفرَّده لا يضر؛ لأنه ثقة كبقية رجاله، وقد صحَّحه ابن حبان والحاكم، والضياء في المختارة، فإن ورد كيف يجعل ﷺ النبوة ما وقع له في هذا السن، وإنما كانت بعد الأربعين، أجيب باحتمال أنَّه لما رأى هذه الحالة العجيبة في صغره، علم أنه يكون له شأن، واطمأنَّ بما يرد عليه، فلمَّا جاءه الوحي علم أن ذلك كان من الله، لا سبيل للشيطان فيه.
"وعند أبي نعيم في حديث يونس بن ميسرة" بن حلبس -بمهملتين في طرفيه، وموحدة- وزن جعفر، وقد ينسب لجده, ثقة عابد معمر, من الثالثة، أي: الوسطى من التابعين، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، كما في التقريب، قال: قال رسول الله ﷺ : "أتاني ملك بطست من ذهب، فشقَّ بطني, فاستخرج حشوة" بضم الحاء وكسرها- أمعاء "جوفي، فغلسها، ثم ذَرَّ عليها ذرورًا، ثم قال: قلب وكيع" واعٍ، أي: متين محكم، ومنه قولهم: سقاء وكيع, إذا كان محكم الخرز، قاله في النهاية، "يعي ما وقع فيه"، متعلّق بوقع، و "عينان" مبتدأ حذف خبره، أي: له أو فيه، خبر مقدَّم مبتدؤه عينان "تبصران، وأذنان تسمعان"، والجملة صفة ثانية لقوله: قلب؛ كالسبب للأولى التي هي كونه يحفظ ما وقع فيه، "وأنت محمد رسول الله المقفَّى الحاشر"، تقدَّما فيстр. 2724
قلبك سليم, ولسانك صادق, ونفسك مطمئنة, وخلقك قيم, وأنت قثم".
وهذا الشق روي أنه وقع له ﵊ مرات في حال طفولته إرهاصًا. وتقديم المعجزة على زمان البعثة جائز للإرهاص، ومثل في حق الرسول ﵊ كثير, وبه يجاب عن استشكال وقوع ذلك في حال طفولته؛ لأنه من العجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوة، قاله الرازي.
والذي عليه أكثر أهل الأصول: اشتراط اقتران المعجزة بالدعوة, كما نبَّهت عليه في أوائل الكتاب، ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع.
وهو المراد بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] ، وقد قيل: المراد
الحواشي
(١) أسمائه الشريفة، "قلبك سليم، ولسانك صادق، ونفسك مطمئنة، وخلقك قيم، وأنت قثم" بضم القاف، وفتح المثلثة- ومنع الصرف للعلمية والعدل التقديري عن قاثم، ومَرَّ في الأسماء، "وهذا الشق روي أنه وقع له ﵊ مرات" أربعًا، الأُولَى: في بني سعد بن بكر، وهو ابن أربع سنين عند حليمة، والثانية: وهو ابن عشر، والثالثة: عند البعثة، والرابعة: عند المعراج، وروي خامسة ولا تثبت، كما ذكره المصنف في المقصد الأول كغيره، فقوله: "في حال طفوليته" ظرف لمقدر، لا لمرات، أي: بعضها في حال طفوليته، وهو الأولى والثانية، "إرهاصًا" تقوية، وتأسيسًا للنبوة، "وتقديم المعجزة"، أي: الأمر الخارق للعادة.
"على زمان البعثة جائز للإرهاص"، كذا أوّله شيخنا قائلًا: لما يأتي أن الراجح اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى، وفيه أنَّ هذا كلام الرازي، وهو ماشٍ على غير الراجح، فلا معنى لردِّه إليه، "ومثل هذا في حق الرسول ﵊ كثير، وبه يجاب عن استشكال وقوع ذلك في حال طفوليته؛ لأنه من المعجزات، ولا يجوز أن تتقدم على النبوة، قاله الرازي": الإمام فخر الدين، "والذي عليه أكثر أهل الأصول, اشتراط اقتران المعجزة بالدعوى"، اعتراض على قوله من المعجزات، فالخوارق الواقعة قبل الرسالة إنما هي كرامات، والأنبياء قبل النبوة لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز ظهورها عليهم، وتسمَّى إرهاصًا، وبقي عليه كيف يجمع بين إرهاص ومعجزة، مع تغاير الموضوعين؛ لأن مذهبه تسمية الكل معجزة، وإن ما قبل النبوة يسمَّى إرهاصًا أيضًا، كما يسمَّى معجزة، "كما نبَّهت عليه في أوائل الكتاب" في قصة الفيل، "ويأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في المقصد الرابع، وهو"، أي: شق صدره الشريف، "المراد بقوله" تعالى: " ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ " [الإنشراح: ١] ، وقد قيل: المراد بالشرحстр. 2725
بالشرح في الآية: ما يرجع إلى المعرفة والطاعة, ثم ذكروا في ذلك وجوهًا منها: أنه لما بعث الأحمر والأسود من جني وإنسي, أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفتح صدره حتى اتسع لجميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر, بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر, مشتغل بإداء ما كُلِّف.
فإن قلت: لم قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ولم يقل: قلبك.
وأجيب: بأنّ محل الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح، لا جرم خصَّ ذلك الشرح بالصدر دون القلب.
وقد قال محمد بن علي الترمذي: القلب محل العقل والمعرفة، وهو الذي يقصده الشيطان، يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب, فإذا دخل مسلكًا أغار فيه, وأنزل جنده فيه, وبث فيه الهموم والغموم والحرص, فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة، ولا للإسلام حلاوة، وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن
الحواشي
(١) في الآية: ما يرجع إلى المعرفة والطاعة"، فكأنه قيل: ألم نفتح ونوسع ونليّن قلبك بالإيمان والنبوة والعلم، والحكمة، وبهذا جزم البغوي.
"ثم ذكروا في ذلك وجوهًا منها: أنه لما بعث الأحمر والأسود"، كما في الحديث، فقيل: المراد العرب والعجم، وقيل: الإنس والجن، وعليه جرى في قوله: "من جنىّ وإنسي, أخرج تعالى عن قلبه جميع الهموم، وانفتح صدره حتى اتَّسع جميع المهمات، فلا يقلق ولا يضجر، بل هو في حالتي البؤس والفرح منشرح الصدر، مشتغل بأداء ما كُلِّف، فإن قلت: لم قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، ولم يقل: قلبك" مع إن الشرح، أي: الشق وقع فيه، "أجيب بأن محلّ الوسوسة الصدر، كما قال تعالى: ﴿يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ﴾ [الناس: ٥] فإزالة تلك الوسوسة وإبدالها بدواعي الخير هي الشرح" الحقيقي، "لا جرم" حقًّا، "خص ذلك الشرح بالصدر دون القلب، وقد قال محمد بن علي" الحكيم، "الترمذي"، الحافظ، الزاهد، الواعظ، صاحب التصانيف: "القلب محل العقل والمعرفة"، كما عليه جماهير العلماء والأئمة، خلافًا لمن قال: محله الرأس، كالفلاسفة وبعض الأئمة، "وهو الذي يقصده الشيطان، يجيء إلى الصدر الذي هو حصن القلب، فإذا دخل مسلكًا أغار فيه، وأنزل جنده فيه، وبثَّ فيه الهموم والغموم والحرص، فيضيق القلب حينئذ، ولا يجد للطاعة لذة" إذا أتى بها، "ولا للإسلام حلاوة"، كما يجد ذلك الصديقون المتمكنون، "وإذا طرد العدو في الابتداء حصل الأمن، وزالстр. 2726
وزال الضيق وانشرح الصدر وتيسَّر له القيام بأداء العبودية.
وههنا دقيقة:
قال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ [طه: ٢٥] وقال لنبينا محمد ﷺ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أعطي بلا سؤال، ثم إنه تعالى نعته ﵊ فقال: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ فانظر إلى التفاوت، فإن شرح الصدر هو أن يصير قابلًا للنور، والسراج المنير هو الذي يقتَبَس منه النور فالفرق بينهما واضح.
قال الدقاق: كان موسى ﵇ مريدًا؛ إذ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ونبينا ﷺ مراد؛ إذ قال الله له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ والله أعلم.
وأما جماعه ﷺ , فقد كان يدور
الحواشي
(١) الضيق، وانشرح الصدر"، اتسع، "وتيسَّر له القيام بأداء العبودية"، ووجد لذَّة الطاعة وحلاوة الإيمان، "وههنا دقيقة" نكتة لطيفة من الدقة، خلاف الغلظ، قال تعالى حكاية عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ، وقال لنبينا محمد ﷺ : ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ أعطي بلا سؤال".
قال الزمخشري: استفهم عن انتفاء الشرح على وجه الإنكار مبالغةً في إثبات الشرح وإيجابه، فكأنه قيل: شرحنا لك صدرك، ولذا عطف عليه، ووضعنا اعتبارًا للمعنى، قال الطيبي: أي: أنكر عدم الشرح، فإذا أنكر ذلك ثبت الشرح؛ لأن الهمز للإنكار، والإنكار نفي، والنفي إذا دخل على النفي عادا ثباتًا، ولا يجوز جعل الهمزة للتقرير. انتهى، أي: لأنَّ التقرير سؤال مجرد؛ إذ هو حمل المخاطب على الاعتراف بأمر استقرَّ عنده ثبوته أو نفيه، فلا يحسن عطف: ووضعنا عليه، "ثم إنه تعالى نعته ﵊ فقال: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] ، فانظر إلى التفاوت" بين مقامي موسى ومحمد -صلى الله وسلم عليهما، "فإن شرح الصدر هو أن يصير قابلًا للنور، والسراج المنير هو الذي يقتَبَس منه النور"، فهو أعلى، "فالفرق بينهما واضح".
"قال الدقاق" أبو علي: "كان موسى ﵇ مريدًا؛ إذ قال: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي﴾ ، ونبينا ﷺ مرادًا؛ إذ قال الله له: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، وفرق بين المراد والمريد، "والله أعلم، وأما جماعه ﷺ "، أي: قدرته عليه، فكانت إلى الغاية، ودليله قوله: "فقد كان يدور" فالجواب محذوف، والفاء للتعليل، أو إنه نفس الجواب، باعتبار ما دلَّ عليه من ثبوت غاية القوة له.стр. 2727
على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار, وهن إحدى عشرة،
الحواشي
(١) وقد ذكروا الوجهين في نحو قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الأنعام: ٥٤] ، ويدور كناية عن الجماع، من دار على كذا وطاف به, إذا مشى حوله، وفي رواية: يطوف "على نسائه"، أي: يجامعهنّ في غسل واحد، كما أخرجه الترمذي وقال: حسن صحيح، وروى أبو داود والنسائي، عن أبي رافع، أنه ﷺ طاف ذات يوم على نسائه، يغتسل عند هذه، وعند هذه، فقلت: يا رسول الله, ألا تجعله غسلًا واحدًا؟ فقال: "هذا أزكى، وأطيب وأطهر"، وأجمعوا على أنَّ الغسل بينهما لا يجب، وفي استحباب الوضوء وعدمه ووجوبه أقوال, الجمهور على الاستحباب؛ لقوله ﷺ : "إذا أتى أحدكم أهله، ثم أراد أن يعود، فليتوضأ بينهما وضوءًا" رواه مسلم. زاد ابن خزيمة: "فإنه أنشط للعود"، ففه أنَّ الأمر ندب، ويدل له أيضًا قول عائشة: كان ﷺ يجامع، ثم يعود، ولا يتوضأ. رواه الطحاوي، ثم اختلفوا هل المراد الوضوء اللغوي، وهو غسل الفرج؟، لأنَّ في رواية: "فليغسل فرجه"، أو الحقيقي لما عند ابن خزيمة: "فليتوأ وضوءًا للصلاة" , "في الساعة الواحدة" المراد بها: قدر من الزمان، لا ما اصطلح عليه أصحاب الهيئة، قاله الحافظ، وتبعه العيني، وهو الظاهر: كما في ساعة الجمعة؛ لأن ذلك غير متعارف عندهم، ويحتمل أن يراد بها ما يتعارفه الناس، قاله بعض الشراح، وكأنَّه أراد بالناس العامَّة في تقليل الساعة، كقولهم: جاء وراح في ساعة، ومغايرته لما قبله, تقليلها عن قدر من الزمان "من الليل والنهار"، الواو بمعنى أو, جزم به الكرماني، ويحتمل أنها على بابها، بأن تكون تلك الساعة جزأ من آخر أحدهما، وجزأ من أول الآخر، قاله الحافظ، قال بعضهم: نعم, يحتمل ذلك، لكنَّه تكلف بعيد جدًّا، انتهى.
"وهنَّ إحدى عشرة" كذا في رواية هشام الدستوائي عن قتادة، عن أنس، وفي رواية سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس في البخاري أيضًا: تسع نسوة، وجمع ابن حبَّان، فحمل ذلك على حالتين، لكنه وَهِمَ في قوله: كانت الأولى أوّل قدومه المدينة؛ حيث كان تحته تسع نسوة، والحالة الثانية في آخر الأمر؛ حيث اجتمع عنده إحدى عشرة امرأة، وموضع الوهم أنه لما قدم المدينة لم يكن تحته سوى سودة، ثم دخل على عائشة، ثم تزوّج أم سلمة، وحفصة، وزينب بنت خزيمة في الثالثة والرابعة، ثم زينب بنت جحش في الخامسة، ثم جويرية في السادسة، ثم صفية وأم حبيبة وميمونة في السابعة، واختلف في أنّ ريحانة زوجة، أو أمة وماتت قبله سنة عشر عند الأكثر، وزينب بنت خزيمة مكثت عنده شهرين أو ثلاثة وماتت, قاله ابن عبد البر، فلم يجتمع عنده أكثر من تسع زوجات، مع أنَّ سودة كانت وهبت يومها لعائشة، فرجحت رواية سعيد، لكن تحمل رواية هشام على أنه ضمّ مارية وريحانة إليهنَّ، وأطلق عليهنстр. 2728
قال الراوي: قلت لأنس: أوَكَان يطيقه؟ قال: كنَّا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين. رواه البخاري.
وعند الإسماعيلي عن معاذ: قوَّة أربعين, زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة.
الحواشي
(١) لفظ نسائه تغليبًا، وبه استدلَّ ابن التين لقول مالك بلزوم الظهار من الإماء؛ لإطلاقه على الجميع لفظ نسائه، وتعقّب بأنه تغليب، فلا حجَّة فيه للمدعي، واستدلَّ به ابن المغير على جواز وطء الحرة بعد الأمة، من غير غسل بينهما ولا غيره، والمنقول عن مالك أنَّه يتأكد الاستحباب في هذه الصورة، يمكن أن ذلك وقع لبيان الجواز، فلا يدل على عدم الاستحباب.
واستدلَّ به البخاري في كتاب النكاح على استحباب الاستكثار من النساء، وأشار فيه إلى أنَّ القسم لم يكن واجبًا عليه، وهو قول طوائف من العلماء، وقال الأكثر بوجوبه، فاحتاجوا للجواب، بأنَّه كان برضا صاحبة النوبة، كما استأذنهنَّ أن يمرَّض في بيت عائشة، وباحتمال أنَّ ذلك كان يقع عند استيفاء القسمة، ثم يستأنفها، أو عند إقباله من سفر، أو قبل وجوب القسم عليه.
وأغرب ابن العربي، قال: خص الله نبيه بأشياء منها: إنه أعطاه ساعة في كل يوم، لا يكون لأزواجه فيها حق، حتى يدخل على جميعهنّ، فيفعل ما يريد، ثم يستقر عند من لها النوبة، وكانت تلك الساعة بعد العصر، فإن اشتغل عنها كانت بعد المغرب، ويحتاج إلى ثبوت ما ذكر مفصلًا، قاله في فتح الباري.
"قال الراوي": لهذا الحديث، وهو قتادة بن دعامة الأكمة المفسر: "قلت لأنس، أوَكَان يطيقه" بفتح الواو، وهو مقول قتادة، والهمزة للاستفهام، قاله الحافظ, والواو عاطفة على مقدَّر، أي: أكان يفعل ذلك، ويطيق الدوران، "قال" أنس: "كنا" معشر الصحابة "نتحدث أنه" ﷺ "أعطي"، بضم الهمزة وكسر الطاء، وفتح الياء "قوة ثلاثين" رجلًا، فمميز ثلاثين محذوف، ولعلَّ تحدثهم بذلك الخبر بلغهم عنه "رواه البخاري" في الغسل, حدَّثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن قتادة، قال: حدثنا أنس، قال: كان النبي يدور، فذكره "وعند الإسماعيلي" في مستخرجه، "عن معاذ" هشام الدستوائي، عن أبيه، عن قتادة عن أنس: "قوة أربعين" بدل ثلاثين.
قال الحافظ: وهي شاذَّة من هذا الوجه، لكن في مراسيل طاوس مثل ذلك، وزاد في الجماع، وفي صفة الجنة، لأبي نعيم من طريق مجاهد مثله، و"زاد أبو نعيم عن مجاهد: كل رجل من رجال أهل الجنة"، وعنده أيضًا من حديث عبد الله بن عمرو، رفعه: "أعطيت قوة أربعينстр. 2729
وعن أنس مرفوعًا: "يعطي المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع"، قلت: يا رسول الله، أويطيق ذلك؟ قال: "يعطى قوَّة مائة". قال الترمذي: صحيح غريب, لا نعرفه من حديث قتادة إلّا من حديث عمران القطان.
فإذا ضربنا أربعين في مائة بلغت أربعة آلاف، وبهذا يندفع ما استشكل من كونه ﷺ أوتي قوة أربعين فقط, وسليمان ﵇ قوة مائة رجل أو ألف على ما ورد.
وذكر ابن العربي: إنه كان له ﷺ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، وكان له في الأكل القناعة، ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية, كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية،
الحواشي
(١) في البطش والجماع"، وعن أنس مرفوعًا: "يعطى المؤمن في الجنة قوة كذا وكذا في الجماع"، قلت: يا رسول الله، أويطيق ذلك؟ " استفهام تعجبي, استعظم ذلك عليهم، أو حقيقي بتقدير، بلا كلفة أم يتكلفه، "قال: "يعطى" كل واحد من أهل الجنة "قوة مائة" رجل من أهل الدنيا، وهو ظاهر في استوائهم في ذلك، وعند أحمد، والنسائي وصحَّحه الحاكم عن زيد بن أرقم، رفعه: "إن الرجل من أهل الجنة ليعطى قوة مائة في الأكل، والشرب، والجماع، والشهوة".
"قال الترمذي: صحيح غريب"، لا ينافي الصحة؛ لأن الغرابة من حيث تفرّد راويه، كما أفاده بقوله: "لا نعرفه من حديث قتادة" ابن دعامة بن قتادة اسدوسي البصري، ثقة ثبت, من رجال الجميع، يقال: ولد أكمه, مات سنة بضع عشرة ومائة، "إلا من حديث عمران القطان"، البصري، صدوق، يهم، روى له أصحاب السنن، ومات بين الستين والسبعين بعد المائة، "فإذا ضربنا أربعين في مائة بلغت أربعة آلاف، وبهذا يندفع ما استشكل من كونه ﷺ أوتي قوة أربعين فقط، وسليمان ﵇ قوة مائة رجل، أو ألف على ما ورد"، فإن مثال الإشكال حملهما على رجال الدنيا، وليس كذلك، بل ما ورد في سليمان محمول على رجال الجنة، كما ورد، وذلك بأربعة آلاف، فقد زاد على سليمان بكثير، فطاخ الإشكال.
"وذكر ابن العربي، أنَّه كان له ﷺ القوة الظاهرة على الخلق في الوطء، وكان له في الأكل القناعة"، فأكثر أكله بلغة؛ "ليجمع الله له الفضيلتين في الأمور الاعتبارية"، أي: التي تعتبرها العامة، ويعتنون بشأنها، وتعدّها صفة كمال، وليس المراد الاعتبار اللغوي وهو الاختيار والامتحان، والاتعاظ، والتذكر، والاعتداد بالشيء في ترتب الحكم عليه، وتطلق عند النحاة على خلاف الحقيقة، كالجنس، والفصل، والنوع، فلا معنى لشيء من ذلك هنا، وفي نسخة: الاعتيادية -بتحتية ودال مهملة، أي: المعتادة، "كما جمع له الفضيلتين في الأمور الشرعية"،стр. 2730
حتى يكون حاله كاملًا في الدارين. انتهى.
وطاف ﵊ على نسائه التسع ليلة. رواه ابن سعد.
وروي أنه ﷺ قال: "أتاني جبريل بقدر فأكلت منها, فأعطيت قوة أربعين رجلًا في الجماع" رواه ابن سعد. حدثنا عبيد الله بن موسى عن أسامة بن زيد عن صفوان بن سليم مرسلًا, وروي من حديث أبي هريرة: شكا رسول الله ﷺ إلى جبريل قلة الجماع فتبسَّم
الحواشي
(١) وهما ما شارك أمته فيه، وما خُصَّ به من الأحكام، وكل ما يقربه إلى الله، مما لم يطلع عليه أحد من الخلق، "حتى يكون حاله كاملًا في الدارين، انتهى".
كلام ابن العربي: "وطاف ﵊ على نسائه التسع ليلة"، وفي نسخة: في ليلة، "رواه ابن سعد"، وهي من جملة ما شمله حديث أنس، "وروي أنه ﷺ قال: "أتاني جبريل بقدر" بكسر فسكون- إناء يطبخ فيه، وهي مؤنَّثة، وتصغيرها قدير بلا هاء، على غير قياس، قاله الجوهري. "فأكلت منها" بإذن؛ إذ وضع الطعام إذن، وظاهره أنه من الجنة، ولا مانع أن طعامها يخرج إلى الدنيا، لكنَّه يسلب الخصوصية في حق غير نبينا، "فأعطيت قوة" أي: قدرة "أربعين" , فهي صفة الاقتدار على الشيء، وهي من أعلى صفات الكمال، قال تعالى في جبريل: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ "رجلًا"، تمييز أربعين، وفي رواية: حذفه، أي: من رجال الجنة، كما مَرًَّ, "في الجماع" قيد به؛ ليدل على أولوية القوة في غيره؛ إذ هو محل العجز غالبًا، وخصوصًا عند الكبر، ولم يتعرّض في هذا الحديث لجنس المأكول الذي في القدر، وهو هريسة إن سلم الآتي من الوضع، وإلا، فلا يعلم ما في القدر، "رواه ابن سعد" في طبقاته، فقال: "حدثنا عبيد الله" بضم العين، "ابن موسى"، بن باذام العبسي -بموحدة- أبو محمد، ثقة، كان يتشيع، روى له الستة, "عن أسامة بن زيد" الليثي، مولاهم، المدني، صدوق, يهم, روي له مسلم والأربعة، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة، وهو ابن بضع وسبعين سنة، "عن صفوان بن سليم" بضم السين، المدني، أبي عبد الله الزهري، مولاهم التابعي الصغير، ثقة، مفت عابد، رمي بالقدر روى له الأئمة الستة، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وله اثنتان وسبعون سنة، قيل: لم يضع جنبه الأرض أربعين سنة حتى نقبت جبهته من السجود، "مرسلًا"، ووصله أبو نعيم، والديلمي، عن صفوان، هذا, عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة رفعه، لكن فيه سفيان بن وكيع، قال أبو زرعة الرازي: كان يُتَّهم بالكذب، وأورده ابن الجوزي في الموضوع، ونوزع بأن له شواهد، فلهذا اقتصر المصنف على رواية إرساله لصحة سنده.
"وروي من حديث أبي هريرة، شكا رسول الله ﷺ إلى جبريل قلة الجماع، فتبسَّمстр. 2731
جبريل حتى تلألأ مجلس رسول الله ﷺ من بريق ثنايا جبريل, فقال له: أين أنت من أكل الهريسة, فإن فيه قوة أربعين رجلًا.
ومن حديث حذيفة بلفظ: "أطعمني جبريل الهريسة أَشُدُّ بها ظهري وأتقوَّى بها على الصلاة". رواه الدارقطني.
وروي من حديث جابر بن سمرة وابن عباس وغيرهم.
وكلها أحاديث واهية. بل صرَّح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه: رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة, بأنه موضوع.
وروي أنه ﵊ أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا من أهل الجنة،
الحواشي
(١) جبريل حتى تلألأ"، أي: امتلأ بالنور "مجلس رسول الله ﷺ ، من بريق"، أي: لمعان "ثنايا جبريل، فقال له: أين أنت من أكل الهريسة، فإن فيه"، أي: الأكل بمعنى المأكول، والهريسة بدل منه، وفي نسخة: فإن فيها، أي: الهريسة "قوة أربعين رجلًا"، وأخذ من هذا وما أشبهه أنه يستحب للرجل تناول ما يقوي شهوته لاستكثار الوقاع، كالأدوية المقوية للمعدة لتعظم شهوتها للطعام، وكالأدوية المثيرة للشهوة، وردَّه الغزالي؛ بأنه ﷺ إنما فعله؛ لأنه كان عنده من النساء عدد كثير، ويحرم على غيره نكاحهنّ إن طلقهنّ، أو مات عنهنّ، فكان طلبه القوة لهذا المعنى، لا للتنعم والتلذذ، مع أنه لا يشغل قلبه عن ربه شيء، فلا تقاس الملائكة بالحدادين، قال: وما مثال من يفعل ما يعظم شهوته إلا كمن بلي بسباع ضارية، وبهائم عادية، فتنام عنه أحيانًا، فيحتال لإثارتها، وتهييجها، ثم يشتعل بعلاجها وإصلاحها، فإن شهوة الطعام والوقاع على التحقيق آلام يراد التخلص منها أ. هـ.
"ومن حديث حذيفة بلفظ: "أطعمني جبريل الهريسة"، وهي ما يجعل من قمح ولحم يطبخان معًا، "أشد بها ظهري"، زاد الطبراني: لقيام الليل, ""وأتقوَّى بها على الصلاة"، رواه الدارقطني"، والطبراني، وفيه محمد بن الحجاج اللخمي، هو الذي وضع هذا الحديث، ذكره المصنف في الفصل الثالث من ذا المقصد، "وروي من حديث جابر بن سمرة، وابن عباس، وغيرهم" بالجمع، على أن أقلَّه اثنان، أو بالنظر لعوده للمذكورين قبل ذين، أعني: أبا هريرة وحذيفة، "وكلها أحاديث واهية"، ولذا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، "بل صرَّح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه: رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة، بأنه موضوع"، متعلق بصرَّح، "وروي أنه ﵊ أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا من أهل الجنة"، وعليه، فتزيد قوّته على أربعة آلاف ولم يبيِّن قدر الزائد؛ إذ البضع من ثلاثة لعشرة، وفيه تقوية لمذهبстр. 2732
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام, ذكر هنا للمناسبة من حيث أنَّ الجماع كما يكون يقظة يكون في النوم، فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان، رواه الطبراني.
وأمَّا قدمه الشريف ﷺ , فقد وصفه غير واحد بأنَّه كان شثن القدمين، أي: غليظ أصابعهما. رواه الترمذي وغيره.
وعن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله ﷺ , فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه، رواه أحمد والطبراني.
وعن جابر بن سمرة قال: كانت خنصر رسول الله ﷺ من رجله
الحواشي
(١) بعض مشايخ اللغة، في استعمال البضع فيما زاد على عشرين. "رواه الحارث بن أبي أسامة" في مسنده، "وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام، ذكر هنا للمناسبة من حيث أن الجماع كما يكون يقظة يكون في النوم"، لكن جماع الأنبياء إنما هو يقظة، "فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبيّ قط"؛ لأنه من تلاعب الشيطان، ولا سلطان له عليهم، ولذا قال: "وإنما الاحتلام من الشيطان, رواه الطبراني" موقوفًا، وحكمه الرفع، "وأما قدمه الشريف ﷺ "، أي: صفته، "فقد وصفه غير واحد، "كعلي، وهند، وأنس، وضمير، وصفه للنبي لقوله: "بأنه كان شثن" بفتح المعجمة، وإسكان المثلثة، ونون "القدمين، أي: غليظ أصابعهما" مع غاية النعومة، "رواه الترمذي، وغيره".
ولا يرجع ضميره للقدم؛ إذ يصير المعنى: وصفوا القدم بأنه كان شثن القدمين، وهذا باطل، وفي رواية: ضخم القدمين، وأخرى: منهوس العقب، وتقدما في كلام المصنّف، وقدمنا أنه يروى منهوس بالإهمال والإعجام، "وعن ميمونة بنت كردم" بفتح الكاف، وسكون الراء، وفتح الدال، المهملة- بزنة جعفر الثقفية، صحابية صغيرة، لها حديث, ابنة صحابيّ, حديثها عند أهل الطائف، لا عند أهل البصرة كما ادَّعى ابن عبد البر, نبه عليه في الإصاب، إلّا أن يجاب بأن مراده يزيد بن هارون، راويه عن أهل الطائف؛ لأنه بصري واسطي، كما يأتي، وأصحاب الحديث يقولون: لم يرَ، وهذا غير أهل البصرة، ويريدون واحدًا من أهلها، كما في الألفية، "قالت: رأيت رسول الله ﷺ ، فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة"، بدل من أصبع، أي: ما نسيت طول كل أصبع من أصبعي قدميه السبابتين "على سائر"، أي: باقي "أصابعه، رواه أحمد والطبراني" في حديث طويل، "وعن جابر بن سمرة، قال: كانت خنصر" بالكسر "رسول الله ﷺ من رجلهстр. 2733
متظاهرة، رواه البيهقي.
وقد اشتُهِرَ على الألسنة أنَّ سبابة النبي ﷺ كانت أطول من الوسطى. قال الحافظ بن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه. انتهى.
وقال شيخنا -في المقاصد الحسنة: وسلف جمهورهم الكمال الدميري. وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. وعبارته: "كذا رواه ابن هارون عن عبد الله بن مقسم, عن سارة ابنة مقسم, أنها سمعت ميمونة ابنة كردم, تخبر أنها رأت أصابع رسول الله ﷺ كذلك" فضمَّ ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كَوْن الوسطى من كل أطول من
الحواشي
(١) متظاهرة"، أي: زائدة في الطول على الظاهر، ويحتمل في الغلظ، على ما يليها من الأصابع، فتكون مرتفعة عنها بارزة، "رواه البيهقي".
وفي سنده سلمة بن حفص السعدي، قال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحلّ الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وحديثه هذا باطل لا أصل له، ورسول الله ﷺ كان معتدل الخلق، "وقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبي"، أي: سبابة اليد منه " ﷺ ، كانت أطول من الوسطى"، وذكره القرطبي وغيره، "قال الحافظ بن حجر" لما سُئِلَ عنه: "وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه أ. هـ".
فإطلاق السبابة على الأصبع التي تلي إبهام الرجل مجاز، علاقته المجاورة لإبهام الرجل؛ لأنها لغة الإصبع التالية لإبهام اليد؛ لأنه يشار بها عند السب، "وقال شيخنا" السخاوي "في المقاصد الحسنة": حديث سبابة النبي ﷺ ، وأنها كانت أطول من الوسطى، اشتُهِرَ هذا على الألسنة كثيرًا، "وسلف جمهورهم"، أي: القائلين بطول سبابة يده "الكمال الدميري، وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة وعبارته" أي: الدميري.
"كذا رواه" يزيد "بن هارون" السلمي، مولاهم البصري الواسطي، ثقة متقن عابد، روى له الستة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين, "عن عبد الله" بن يزيد "بن مقسم"، فنُسِبَ إلى جده -بكسر الميم وسكون القاف، وفتح المهملة- ابن ضبة الثقفي، مولاهم البصري, أصله من الطائف، صدوق ثقة.
روى له أبو داود حديثًا واحدًا، قال في الإصابة: ومنهم من أسقط عبد الله، وقال عن يزيد بن مقسم، "عن" عمته "سارة ابنة مقسم" الثقفية، لا تعرف, من الرابعة، كما في التقريب "إنها سمعت ميمونة ابنة كردم، تخبر أنها رأت أصابع رسول الله ﷺ كذلك"، أي: السبابة أطول من الوسطى، "فضمَّ ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كون الوسطى من كلٍّ أطول منстр. 2734
السبابة، وعين اليد منه ﷺ لذلك بناءً على أن القصد ذكر وصفٍ اختُصَّ به ﷺ عن غيره.
ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث يزيد بن هارون المذكور مقيّد بالرجل، ولفظه -كما قدمته: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل من طريق يزيد ولفظها: رأيت رسول الله ﷺ بمكَّة وهو على ناقته وأنا مع أبي، فدنا منه أبي, فأخذ بقدمه فأقَرَّ له رسول الله ﷺ , قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
الحواشي
(١) السبابة، وعين اليد منه ﷺ لذلك"، فأنتج له كونه أطول من الوسطى على فهمه، "بناءً على أنَّ القصد ذكر وصف اختص به ﷺ عن غيره"، مع أنَّه ليس بمراد، إنما المراد صفة أصابعه مطلقًا، قال شيخنا: وعلى هذا، فما حكمة تخصيصها طول سبابة رجله بالذكر؟ فإن كان المراد مساواتها لغيرها من الأصابع، فلا فائدة في ذكرها، وإن كان المراد أنها تزيد طولًا على سبابة غيره، كان ذكر طولها من الوصف المختَصِّ به ﷺ ، "ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد، من حديث يزيد بن هارون المذكور" بسنده "مقيّد بالرِّجْلِ، ولفظه كما قدمته قريبًا: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه"، فيحمل المطلق على المقيد.
"وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل النبوية، من طريق يزيد" ابن هارون المذكور سنده عند ميمونة، "ولفظها: رأيت رسول الله ﷺ بمكة" في حجة الوداع "وهو على اقته، وأنا مع أبي"، وبيد رسول الله ﷺ درة كدرة الكتاب، "فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه فأقرّ"، أي أثبت "له" قدمه "رسول الله ﷺ " في مكانها حتى يتمكَّن من رؤيتها، "قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه", إلى هنا ما نقله من المقاصد، وقال عَقِبَه: ولا يمنع ذكرها لذلك مشاركة غيره من الناس له ﷺ في ذلك؛ إذ لا مانع أن يقال: رأيت فلانًا أبيض أو أسمر، مع العلم بمشاركة غيره له، ويجوز أن يكون التفاوت بكونه زائد الظهور؛ إذ الناس فيه متفاوتون، وكذا لا يمنع منه كون السبابة في اليد خاصة؛ لأن تسميتها فيها حقيقة، وفي القدم لاشتراكها معها في التوسُّط بين الإبهام والوسطى أ. هـ.
هذا وقد اشتُهِرَ في المدائح قديمًا وحديثًا، أنَّ النبي ﷺ كان إذا مشى على الصخر غاصت قدماه فيه وأثَّرت، وأنكره السيوطي وقال: لم أقف له على أصل ولا سند، ولا رأيت مَنْ خَرَّجه في شيء من كتب الحديث، وكذا أنكره غيره، لكن المصنّف ذكر في الخصائص، فيстр. 2735
وعن أبي هريرة أنَّه ﷺ كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص. رواه البيهقي.
وعن أبي أمامة الباهلي قال: كان النبي ﷺ لا أخمص له, يطأ على قدمه كلها. رواه ابن عساكر.
وقال ابن أبي هالة: خمصان الأخمصين، مسيح القدمين.
الحواشي
(١) بعض نسخه تقويته بما حاصله، أنَّه ما خص نبي بمعجزة أو كرامة، إلّا ولنبينا مثلها، وأثر قدمي إبراهيم بالمقام، بمكة متواتر، وفيه يقول أبو طالب:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير فاعل
وفي البخاري، حديث تأثير ضرب موسى في الحجر ستًّا أو سبعًا؛ إذ فَرَّ بثوبه حين اغتسل أ. هـ، إلّا أن مثل هذا لا يدفع إنكار وروده، والمثلية التي لنبينا إمَّا من جنسها، أو بغيرها أعلى، أو مساوٍ، كما نصوا عليه، "وعن أبي هريرة أنه ﷺ : كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس له أخمص"، بزنة أحمر، أي: انخفاض باطن قدم, بل كانت قدمه مستوية، فالأخمص من باطن القدم ما لم يصب الأرض عند المشي، كما يأتي "رواه البيهقي" والبزار، وعبد الرزاق، "وعن أبي أمامة الباهلي قال: كان النبي ﷺ لا أخمص له"، ولذلك "يطأ على قدمه كلها، رواه ابن عساكر، وقال ابن أبي هالة: خمصان" بضم الخاء المعجمة وفتحها وسكون الميم- كما قاله الصغاني وغيره، لا بفتح الميم، كما يوهمه القاموس، والاقتصار على ضمِّ الخاء قصور "الأخمصين" تثنية أخمص، سمي به لضموره، وخوله في الرجل، قال الزمخشري: يريد أنهما مرتفعان عن الأرض، ليس بالأرح الذي يمسها أخمصاه أ. هـ.
وهذا كما قال البرهان الحلبي في شرح الشفاء: مناف لقوله: "مسيح" بفتح الميم، وكسر المهملة، وإسكان التحتية، ومهملة, "القدمين"، أي: أمسلهما، ولذا قال: ينبو عنهما الماء، ومنابذ لقول أبي هريرة، وأبي أمامة: لا أخمص له، ويمكن الجمع باحتمال أنه في أوّل أمره كان له أخمص، لما لم يكن جسده ممتلئًا باللحم، ثم لما امتلأ باللحم استوت قدمه، فلمّ يضر بها خمص، وقد يؤيد ذلك أن الإثبات رواية ابن أبي هالة, وهو ربيبه وتربيته، فقد يكون إخباره عن أوّل أمره، والنفي رواية أبي هريرة، وهو متأخِّر؛ لأنه إنما جاء سنة سبع من الهجرة، عام خيبر، وكذا أبو أمامة، من الأنصار, أسلم بالمدينة؛ وكان المصطفى قد أسنّ، فهو إخبار عن آخر أمره، وقد جمع أيضًا بأن مرادًا لنا في سلب نفي الاعتدال فيمن أثبته، أراد أن في قدميه خمصًا يسيرًا، ومن نفاه نفى شدته، وهذا قد يؤيده جمع هند بين أخمص، ومسيح، فأتى به عقبه؛ ليبيِّنَследующие страницы →