Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2731–2770 · переход к 2736.
стр. 2731
جبريل حتى تلألأ مجلس رسول الله ﷺ من بريق ثنايا جبريل, فقال له: أين أنت من أكل الهريسة, فإن فيه قوة أربعين رجلًا.
ومن حديث حذيفة بلفظ: "أطعمني جبريل الهريسة أَشُدُّ بها ظهري وأتقوَّى بها على الصلاة". رواه الدارقطني.
وروي من حديث جابر بن سمرة وابن عباس وغيرهم.
وكلها أحاديث واهية. بل صرَّح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه: رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة, بأنه موضوع.
وروي أنه ﵊ أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا من أهل الجنة،
الحواشي
(١) جبريل حتى تلألأ"، أي: امتلأ بالنور "مجلس رسول الله ﷺ ، من بريق"، أي: لمعان "ثنايا جبريل، فقال له: أين أنت من أكل الهريسة، فإن فيه"، أي: الأكل بمعنى المأكول، والهريسة بدل منه، وفي نسخة: فإن فيها، أي: الهريسة "قوة أربعين رجلًا"، وأخذ من هذا وما أشبهه أنه يستحب للرجل تناول ما يقوي شهوته لاستكثار الوقاع، كالأدوية المقوية للمعدة لتعظم شهوتها للطعام، وكالأدوية المثيرة للشهوة، وردَّه الغزالي؛ بأنه ﷺ إنما فعله؛ لأنه كان عنده من النساء عدد كثير، ويحرم على غيره نكاحهنّ إن طلقهنّ، أو مات عنهنّ، فكان طلبه القوة لهذا المعنى، لا للتنعم والتلذذ، مع أنه لا يشغل قلبه عن ربه شيء، فلا تقاس الملائكة بالحدادين، قال: وما مثال من يفعل ما يعظم شهوته إلا كمن بلي بسباع ضارية، وبهائم عادية، فتنام عنه أحيانًا، فيحتال لإثارتها، وتهييجها، ثم يشتعل بعلاجها وإصلاحها، فإن شهوة الطعام والوقاع على التحقيق آلام يراد التخلص منها أ. هـ.
"ومن حديث حذيفة بلفظ: "أطعمني جبريل الهريسة"، وهي ما يجعل من قمح ولحم يطبخان معًا، "أشد بها ظهري"، زاد الطبراني: لقيام الليل, ""وأتقوَّى بها على الصلاة"، رواه الدارقطني"، والطبراني، وفيه محمد بن الحجاج اللخمي، هو الذي وضع هذا الحديث، ذكره المصنف في الفصل الثالث من ذا المقصد، "وروي من حديث جابر بن سمرة، وابن عباس، وغيرهم" بالجمع، على أن أقلَّه اثنان، أو بالنظر لعوده للمذكورين قبل ذين، أعني: أبا هريرة وحذيفة، "وكلها أحاديث واهية"، ولذا أوردها ابن الجوزي في الموضوعات، "بل صرَّح الحافظ بن ناصر الدين في جزء له سماه: رفع الدسيسة بوضع حديث الهريسة، بأنه موضوع"، متعلق بصرَّح، "وروي أنه ﵊ أعطي قوة بضع وأربعين رجلًا من أهل الجنة"، وعليه، فتزيد قوّته على أربعة آلاف ولم يبيِّن قدر الزائد؛ إذ البضع من ثلاثة لعشرة، وفيه تقوية لمذهبстр. 2732
رواه الحارث بن أبي أسامة.
وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام, ذكر هنا للمناسبة من حيث أنَّ الجماع كما يكون يقظة يكون في النوم، فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان، رواه الطبراني.
وأمَّا قدمه الشريف ﷺ , فقد وصفه غير واحد بأنَّه كان شثن القدمين، أي: غليظ أصابعهما. رواه الترمذي وغيره.
وعن ميمونة بنت كردم قالت: رأيت رسول الله ﷺ , فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة على سائر أصابعه، رواه أحمد والطبراني.
وعن جابر بن سمرة قال: كانت خنصر رسول الله ﷺ من رجله
الحواشي
(١) بعض مشايخ اللغة، في استعمال البضع فيما زاد على عشرين. "رواه الحارث بن أبي أسامة" في مسنده، "وقد حفظه الله تعالى من الاحتلام، ذكر هنا للمناسبة من حيث أن الجماع كما يكون يقظة يكون في النوم"، لكن جماع الأنبياء إنما هو يقظة، "فعن ابن عباس قال: ما احتلم نبيّ قط"؛ لأنه من تلاعب الشيطان، ولا سلطان له عليهم، ولذا قال: "وإنما الاحتلام من الشيطان, رواه الطبراني" موقوفًا، وحكمه الرفع، "وأما قدمه الشريف ﷺ "، أي: صفته، "فقد وصفه غير واحد، "كعلي، وهند، وأنس، وضمير، وصفه للنبي لقوله: "بأنه كان شثن" بفتح المعجمة، وإسكان المثلثة، ونون "القدمين، أي: غليظ أصابعهما" مع غاية النعومة، "رواه الترمذي، وغيره".
ولا يرجع ضميره للقدم؛ إذ يصير المعنى: وصفوا القدم بأنه كان شثن القدمين، وهذا باطل، وفي رواية: ضخم القدمين، وأخرى: منهوس العقب، وتقدما في كلام المصنّف، وقدمنا أنه يروى منهوس بالإهمال والإعجام، "وعن ميمونة بنت كردم" بفتح الكاف، وسكون الراء، وفتح الدال، المهملة- بزنة جعفر الثقفية، صحابية صغيرة، لها حديث, ابنة صحابيّ, حديثها عند أهل الطائف، لا عند أهل البصرة كما ادَّعى ابن عبد البر, نبه عليه في الإصاب، إلّا أن يجاب بأن مراده يزيد بن هارون، راويه عن أهل الطائف؛ لأنه بصري واسطي، كما يأتي، وأصحاب الحديث يقولون: لم يرَ، وهذا غير أهل البصرة، ويريدون واحدًا من أهلها، كما في الألفية، "قالت: رأيت رسول الله ﷺ ، فما نسيت طول أصبع قدميه السبابة"، بدل من أصبع، أي: ما نسيت طول كل أصبع من أصبعي قدميه السبابتين "على سائر"، أي: باقي "أصابعه، رواه أحمد والطبراني" في حديث طويل، "وعن جابر بن سمرة، قال: كانت خنصر" بالكسر "رسول الله ﷺ من رجلهстр. 2733
متظاهرة، رواه البيهقي.
وقد اشتُهِرَ على الألسنة أنَّ سبابة النبي ﷺ كانت أطول من الوسطى. قال الحافظ بن حجر: وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه. انتهى.
وقال شيخنا -في المقاصد الحسنة: وسلف جمهورهم الكمال الدميري. وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة. وعبارته: "كذا رواه ابن هارون عن عبد الله بن مقسم, عن سارة ابنة مقسم, أنها سمعت ميمونة ابنة كردم, تخبر أنها رأت أصابع رسول الله ﷺ كذلك" فضمَّ ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كَوْن الوسطى من كل أطول من
الحواشي
(١) متظاهرة"، أي: زائدة في الطول على الظاهر، ويحتمل في الغلظ، على ما يليها من الأصابع، فتكون مرتفعة عنها بارزة، "رواه البيهقي".
وفي سنده سلمة بن حفص السعدي، قال ابن حبان: كان يضع الحديث، لا يحلّ الاحتجاج به ولا الرواية عنه، وحديثه هذا باطل لا أصل له، ورسول الله ﷺ كان معتدل الخلق، "وقد اشتهر على الألسنة أن سبابة النبي"، أي: سبابة اليد منه " ﷺ ، كانت أطول من الوسطى"، وذكره القرطبي وغيره، "قال الحافظ بن حجر" لما سُئِلَ عنه: "وهو غلط ممن قاله، وإنما ذلك في أصابع رجليه أ. هـ".
فإطلاق السبابة على الأصبع التي تلي إبهام الرجل مجاز، علاقته المجاورة لإبهام الرجل؛ لأنها لغة الإصبع التالية لإبهام اليد؛ لأنه يشار بها عند السب، "وقال شيخنا" السخاوي "في المقاصد الحسنة": حديث سبابة النبي ﷺ ، وأنها كانت أطول من الوسطى، اشتُهِرَ هذا على الألسنة كثيرًا، "وسلف جمهورهم"، أي: القائلين بطول سبابة يده "الكمال الدميري، وهو خطأ نشأ عن اعتماد رواية مطلقة وعبارته" أي: الدميري.
"كذا رواه" يزيد "بن هارون" السلمي، مولاهم البصري الواسطي، ثقة متقن عابد، روى له الستة، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين, "عن عبد الله" بن يزيد "بن مقسم"، فنُسِبَ إلى جده -بكسر الميم وسكون القاف، وفتح المهملة- ابن ضبة الثقفي، مولاهم البصري, أصله من الطائف، صدوق ثقة.
روى له أبو داود حديثًا واحدًا، قال في الإصابة: ومنهم من أسقط عبد الله، وقال عن يزيد بن مقسم، "عن" عمته "سارة ابنة مقسم" الثقفية، لا تعرف, من الرابعة، كما في التقريب "إنها سمعت ميمونة ابنة كردم، تخبر أنها رأت أصابع رسول الله ﷺ كذلك"، أي: السبابة أطول من الوسطى، "فضمَّ ما وقع فيها من إطلاق الأصابع إلى كون الوسطى من كلٍّ أطول منстр. 2734
السبابة، وعين اليد منه ﷺ لذلك بناءً على أن القصد ذكر وصفٍ اختُصَّ به ﷺ عن غيره.
ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد من حديث يزيد بن هارون المذكور مقيّد بالرجل، ولفظه -كما قدمته: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل من طريق يزيد ولفظها: رأيت رسول الله ﷺ بمكَّة وهو على ناقته وأنا مع أبي، فدنا منه أبي, فأخذ بقدمه فأقَرَّ له رسول الله ﷺ , قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه.
الحواشي
(١) السبابة، وعين اليد منه ﷺ لذلك"، فأنتج له كونه أطول من الوسطى على فهمه، "بناءً على أنَّ القصد ذكر وصف اختص به ﷺ عن غيره"، مع أنَّه ليس بمراد، إنما المراد صفة أصابعه مطلقًا، قال شيخنا: وعلى هذا، فما حكمة تخصيصها طول سبابة رجله بالذكر؟ فإن كان المراد مساواتها لغيرها من الأصابع، فلا فائدة في ذكرها، وإن كان المراد أنها تزيد طولًا على سبابة غيره، كان ذكر طولها من الوصف المختَصِّ به ﷺ ، "ولكن الحديث في مسند الإمام أحمد، من حديث يزيد بن هارون المذكور" بسنده "مقيّد بالرِّجْلِ، ولفظه كما قدمته قريبًا: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه"، فيحمل المطلق على المقيد.
"وهو عند البيهقي أيضًا في الدلائل النبوية، من طريق يزيد" ابن هارون المذكور سنده عند ميمونة، "ولفظها: رأيت رسول الله ﷺ بمكة" في حجة الوداع "وهو على اقته، وأنا مع أبي"، وبيد رسول الله ﷺ درة كدرة الكتاب، "فدنا منه أبي، فأخذ بقدمه فأقرّ"، أي أثبت "له" قدمه "رسول الله ﷺ " في مكانها حتى يتمكَّن من رؤيتها، "قالت: فما نسيت طول أصبع قدمه السبابة على سائر أصابعه", إلى هنا ما نقله من المقاصد، وقال عَقِبَه: ولا يمنع ذكرها لذلك مشاركة غيره من الناس له ﷺ في ذلك؛ إذ لا مانع أن يقال: رأيت فلانًا أبيض أو أسمر، مع العلم بمشاركة غيره له، ويجوز أن يكون التفاوت بكونه زائد الظهور؛ إذ الناس فيه متفاوتون، وكذا لا يمنع منه كون السبابة في اليد خاصة؛ لأن تسميتها فيها حقيقة، وفي القدم لاشتراكها معها في التوسُّط بين الإبهام والوسطى أ. هـ.
هذا وقد اشتُهِرَ في المدائح قديمًا وحديثًا، أنَّ النبي ﷺ كان إذا مشى على الصخر غاصت قدماه فيه وأثَّرت، وأنكره السيوطي وقال: لم أقف له على أصل ولا سند، ولا رأيت مَنْ خَرَّجه في شيء من كتب الحديث، وكذا أنكره غيره، لكن المصنّف ذكر في الخصائص، فيстр. 2735
وعن أبي هريرة أنَّه ﷺ كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها ليس له أخمص. رواه البيهقي.
وعن أبي أمامة الباهلي قال: كان النبي ﷺ لا أخمص له, يطأ على قدمه كلها. رواه ابن عساكر.
وقال ابن أبي هالة: خمصان الأخمصين، مسيح القدمين.
الحواشي
(١) بعض نسخه تقويته بما حاصله، أنَّه ما خص نبي بمعجزة أو كرامة، إلّا ولنبينا مثلها، وأثر قدمي إبراهيم بالمقام، بمكة متواتر، وفيه يقول أبو طالب:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير فاعل
وفي البخاري، حديث تأثير ضرب موسى في الحجر ستًّا أو سبعًا؛ إذ فَرَّ بثوبه حين اغتسل أ. هـ، إلّا أن مثل هذا لا يدفع إنكار وروده، والمثلية التي لنبينا إمَّا من جنسها، أو بغيرها أعلى، أو مساوٍ، كما نصوا عليه، "وعن أبي هريرة أنه ﷺ : كان إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها، ليس له أخمص"، بزنة أحمر، أي: انخفاض باطن قدم, بل كانت قدمه مستوية، فالأخمص من باطن القدم ما لم يصب الأرض عند المشي، كما يأتي "رواه البيهقي" والبزار، وعبد الرزاق، "وعن أبي أمامة الباهلي قال: كان النبي ﷺ لا أخمص له"، ولذلك "يطأ على قدمه كلها، رواه ابن عساكر، وقال ابن أبي هالة: خمصان" بضم الخاء المعجمة وفتحها وسكون الميم- كما قاله الصغاني وغيره، لا بفتح الميم، كما يوهمه القاموس، والاقتصار على ضمِّ الخاء قصور "الأخمصين" تثنية أخمص، سمي به لضموره، وخوله في الرجل، قال الزمخشري: يريد أنهما مرتفعان عن الأرض، ليس بالأرح الذي يمسها أخمصاه أ. هـ.
وهذا كما قال البرهان الحلبي في شرح الشفاء: مناف لقوله: "مسيح" بفتح الميم، وكسر المهملة، وإسكان التحتية، ومهملة, "القدمين"، أي: أمسلهما، ولذا قال: ينبو عنهما الماء، ومنابذ لقول أبي هريرة، وأبي أمامة: لا أخمص له، ويمكن الجمع باحتمال أنه في أوّل أمره كان له أخمص، لما لم يكن جسده ممتلئًا باللحم، ثم لما امتلأ باللحم استوت قدمه، فلمّ يضر بها خمص، وقد يؤيد ذلك أن الإثبات رواية ابن أبي هالة, وهو ربيبه وتربيته، فقد يكون إخباره عن أوّل أمره، والنفي رواية أبي هريرة، وهو متأخِّر؛ لأنه إنما جاء سنة سبع من الهجرة، عام خيبر، وكذا أبو أمامة، من الأنصار, أسلم بالمدينة؛ وكان المصطفى قد أسنّ، فهو إخبار عن آخر أمره، وقد جمع أيضًا بأن مرادًا لنا في سلب نفي الاعتدال فيمن أثبته، أراد أن في قدميه خمصًا يسيرًا، ومن نفاه نفى شدته، وهذا قد يؤيده جمع هند بين أخمص، ومسيح، فأتى به عقبه؛ ليبيِّنَстр. 2736
قال ابن الأثير: الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء. والخمصان: البالغ منه، أي: إن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض.
وسُئِلَ ابن الأعرابي عنه فقال: إذا كان خمص الأخمص بقدر لم يرتفع جدًّا، ولم يستو أسفل القدم جدًّا, فهو أحسن ما يكون، وإذا استوى أو ارتفع جدًّا فهو ذم، فيكون المعنى: إن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأوّل.
ووقع في حديث أبي هريرة: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلِّها ليس له أخمص.
وقوله: مسيح القدمين, أي: ملساوان لينتان ليس فيهما تكسُّر ولا شقاق،
الحواشي
(١) أنَّ الخمصة فيه قليلة جدًّا.
"قال ابن الأثير: الأخمص من القدم: الموضع الذي لا يلصق بالأرض منها عند الوطء"، أي: المشيء، يقال منه: خمص القدم خمصًا، من باب تعب، فالرجل أخمص، والمرأة خمصاء، والجمع خمص؛ مثل أحمر وحمراء وحمر؛ لأنه صفة، "والخمصان البالغ منه، أي: إن ذلك الموضع من أسفل قدميه شديد التجافي عن الأرض" فجعله كليل أليل، واعترض بأن ذلك لا يناسب قوله بعده: مسيح القدمين، فالأحسن أنه لم يرد المبالغة في ارتفاعه، بل أتى به لبيان أنه مرتفع فقط، وهذا معنى قوله: "وسئل ابن الأعرابي"، الإمام، الحافظ، الزاهد، أبو سعيد أحمد بن محمد بن زياد البصري، صاحب التصانيف: سمع أبا داود وخلقًا, عمل لهم معجمًا، وعنه ابن منده وغيره، وكان ثقة ثبتًا عارفًا ربانيًّا، مات سنة أربع وثلاثمائة, "عنه"، أي: عن معناه، "فقال: إذا كان خمص" بكسر الميم "الأخمص"، أي: مرتفعة "بقدر لم يرتفع جدًّا، ولم يستو أسفل القدم جدًّا، فهو أحسن ما يكون" لاعتداله، "وإذا استوى" جدًّا، "أو ارتفع جدًّا، فهو ذم، فيكون المعنى: إن أخمصه معتدل الخمص بخلاف الأوّل"، فلا يكون معتدلًا، فلا يحمل عليه الحديث، لما ورد في صفته ﷺ أنه معتدل الخلق، "ووقع في حديث أبي هريرة: إذا وطئ" مشى بقدمه "وطئ بكلها"، ليس له أخمص"، وذلك منافٍ لحديث هند, إلا أن يحمل على نفي الاعتدال فيجتمعان، أو على وقتين كما مَرَّ.
"وقوله: مسيح القدمين، أي" هما "ملساوان ليِّنَتَان، ليس فيهما تكسُّر"، أي: انخفاض لبعض الأجزاء وارتفاع لبعضها, مأخوذ من قولهم -كما في الصحاح: أرض ذات كسور، أي: صعود وهبوط، "ولا شقاق" بضم المعجمة- كغراب، وهو لغة: داء يصيب أرساغ الدواب، وماстр. 2737
فإذا أصابهما الماء نبا عنهما كما قاله ابن أبي هالة: ينبو عنهما الماء، وهو معنى حديث أبي هريرة.
وعن عبد الله بن بريدة قال: كان ﷺ أحسن البشر قدمًا. رواه ابن سعد.
وأما طوله ﷺ , فقال علي: كان ﷺ لا قصير ولا طويل، وهو إلى الطول أقرب. رواه البيهقي. وعنه: كان رسول الله ﷺ ليس بالذاهب طولًا، وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم. رواه عبد الله بن الإمام أحمد.
وعن أبي هريرة قال: كان رسول الله ﷺ ربعة
الحواشي
(١) بين الحافر وطرف الساق، فأطلق مجازًا على تشقق القدم، "فإذا أصابهما الماء نبا عنهما" انحدر سريعًا، ولا يقف لملاستهما، "كما قاله ابن أبي هالة" عقب مسيح القدمين: "ينبو عنهما الماء"، أي: يرتفع، والمراد به: مفارقة الماء وانصبابه مجازًا، "وهو معنى حديث أبي هريرة" المذكور؛ لأن المراد من وطئه بكلِّها استواء أجزائها بلا ارتفاع ولا انخفاض، "وعن عبد الله بن بريدة" بن الحصيب الأسلمي المروزي، قاضيها، تابعي ثقة، روى له الستة، مات سنة خمس عشرة ومائة، وله مائة سنة، "كان ﷺ أحسن البشر قدمًا. رواه ابن سعد" في طبقاته، وهو يؤيد تفسير ابن الأعرابي، الأخمص بالمعتدل، والله أعلم.
"وأما طوله ﷺ ، فقال علي" في بيانه، فهو الجواب؛ لأنه دالٌّ على نفس المراد، فلا حاجة هنا لجعله محذوفًا، أي: فكان معتدلًا؛ لقول علي: "كان ﷺ لا" هو "قصير، ولا" هو "طويل"، فهو خبر مبتدأ محذوف، كقوله تعالى: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ﴾ [البقرة: ٦٨] ، "وهو إلى الطول أقرب" نفي به تُوهِّم أنه بينهما على السواء، أو إلى القصر أقرب، "رواه البيهقي"، ورواه الترمذي في الشمائل عن علي بلفظ: لم يكن بالطويل ولا بالقصير. وهو عنده أيضًا عن أنس، "وعنه"، أي علي: "كان رسول الله ﷺ ليس بالذاهب"، أي: المفرط "طولًا، وفوق الربعة إذا جامع القوم غمرهم" بفتح المعجمة، والميم- أي: زاد عليهم في الطول، فكان فوق كل من معه من غمر الماء، إذا علا، وهل بأحداث الله له طولًا حقيقة حينئذ، ولا مانع منه، أو أن ذلك يرى في أعين الناظرين فقط، وجسده باقٍ على أصل خلقته، على حَدِّ قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] ، وهذا هو الظاهر، فهو مثل تطور الولي، وذلك كي لا يتطاول عليه أحد صورة، كما لا يتطاول معنًى، فمثل ارتفاعه المعنوي في عين الناظر، فرآه رفعة حسية، وهذا من معجزاته، "رواه عبد الله بن الإمام أحمد" بن حنبل الحافظ، ابن الحافظ.
"وعن أبي هريرة: كان رسول الله ﷺ ربعة" بفتح فسكون وقد تحرَّك, والجمع ربعات،стр. 2738
وهو إلى الطول أقرب. رواه البزار.
وقوله: ربعة, أي: مربوعًا، والتأنيث باعتبار النفس. وقد فسِّر في الحديث الآتي بأنه ليس بالطويل البائن ولا بالقصير، والمراد بالطويل البائن: المفرط في الطويل مع اضطراب القامة.
وقال ابن أبي هالة: أطول من المربوع وأقصر من المشذوب -وهو بمعجمتين مفتوحتين ثانيتهما مشددة- أي: البائن الطول في نحافة، وهو مثل قوله في الحديث الآخر:
الحواشي
(١) بالسكون، وتحريكه شاذ، كما في القاموس؛ لأن فعلة إذا كان صفة لا يُحَرَّك في الجمع، وإنما يُحَرَّك إذا كان اسمًا، ولم يكن موضع العين واوًا وياءً؛ كجوزة وبيضة، فيقال في الجمع: جوازات وبيضات، وربما سُمِعَ التحريك هنا، وهو لغة هذيل، "وهو إلى الطول أقرب. رواه البزار"، وكذا وصفه أنس وعلي؛ بأنه كان ربعة، رواه الترمذي وغيره، "وقوله: ربعة, أي: مربوعة"، كما عَبَّر به البراء بن عازب فقال: كان رجلًا مربوعًا. رواه الترمذي، والبخاري، ومسلم، والأحاديث يفسِّر بعضها بعضًا، فالمربوع يرادف الربعة، كالربع على مفاد القاموس وغيره، فليس مراد المصنّف أنه في الأصل بمعنى المصدر، ثم استعمل بمعنى المفعول، بل مجرَّد الإيضاح، "والتأنيث باعتبار النفس"، يقال: رجل ربعة وامرأة ربعة, كما في الفتح، أي: وإلا فالأصل تجرده من الهاء، قال بعض: ويمكن جعل التاء مما بنيت عليه الكلمة، فلا حاجة إلى تقدير نفس أو نسمة؛ إذ ليست للتأنيث، "وقد فسِّر في الحديث الآتي" قريبًا عن عائشة، "بأنه ليس بالطويل البائن" بالهمز- اسم فاعل من بان، فهو بائن, بقلب الياء همزة، لوقوعها بعد ألف زائدة، ولذا قال شرَّاح الشمائل وغيرهم: جعله بالياء، وهو لوجوب اعتلال اسم فاعل اعتلَّ فعله، "ولا بالقصير"، أي: البائن، كما في رواية، "والمراد بالطويل البائن: المفرط في الطول مع اضطراب القامة"، أي: مع رخاوة لها.
"وقال ابن أبي هالة: أطول من المربوع" عند إمعان النظر وتحقيق التأمّل، فهذا بحسب الواقع، والمراد بكونه ربعة فيما مَرَّ, كونه كذلك في مبادئ النظر، فهو بحسب الظاهر، ولا ريب أنَّ القرب من الطول في القامة أحسن وألطف، "وأقصر من المشذب -وهو بمعجمتين مفتوحتين ثانيتهما مشددة"، اسم مفعول، ثم موحَّدة، "أي: البائن الطول في نحافة"، كذا في النهاية وفي القاموس: المشذّب كمعظّم: الطويل الحسن الخلق، كالشوذب، وهذا أبلغ من قوله: لم يكن بالطويل البائن؛ لأنه ينفي الطول، ويفيد حسن الخلق، وقراءة المشذب -اسم فاعل- لا تساعده اللغة، "وهو مثل قوله" أي: علي بن أبي طالب "في الحديث الآخر" عند الترمذي، قال: كانстр. 2739
لم يكن بالطويل الممغط -وهو بتشديد الميم الثانية- المتناهي في الطول. وأمغط النهار إذا امتدَّ، ومغطت الحبل إذا مددته، وأصله: منمغط, والنون للمطاوعة, فقلبت ميمًا وأدغمت في الميم، ويقال: بالعين المهملة بمعناه.
وعن عائشة قالت: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل البائن ولا بالقصير المتردد، وكان ينسب إلى الربعة إذا مشى وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول إلّا طاله ﷺ , ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه نسب
الحواشي
(١) علي إذا وصف رسول الله ﷺ قال: "لم يكن بالطويل الممغط" ولا بالقصير المتردد، وكان ربعة من القوم، "وهو بتشديد الميم الثانية" وكسر الغين المعجمة وطاء مهملة- اسم فاعل "المتناهي في الطول، وأمغط النهار إذا امتدَّ، ومغطت الحبل إذا مددته"، وكل ما يمتد بالمد يطول ويرق، فالمراد نفي الطول البائن وقلة اللحم، "وأصله: منمغط" بنون ساكنة فميم مفتوحة، "والنون للمطاوعة فقلبت ميمًا وأدغمت في الميم"، فصار الموجود لفظًا ميمًا مشددًا، وهذا لفظ النهاية، لكن يرد عليه أن النون الساكنة إذا اجتمعت مع ميم في كلمة لا يجوز إدغامها، كقولهم: ناقة زنماء -بالزاي بلا إدغام، أي: قطع بعض أذنها وتُرِكَ معلقًا، إشارة إلى أنها كريمة، "ويقال بالعين المهملة، بمعناه"، وعليهما: هو اسم فاعل من انمغط، وفي جامع الأصول: المحدثون يشدِّدون الغين، فعليه هو اسم مفعول من التمغيط، ولا يقدح فيه اشتهار اسم الفاعل، فقد يكون الاشتهار طارئًا.
"وعن عائشة الت: لم يكن رسول الله ﷺ بالطويل البائن" بالموحدة, قال في فتح الباري: اسم فاعل من بان، أي: ظهر على غيره أو فارق من سواه، وقال في النهاية: أي: المفرط طولًا الذي بعد عن قدر الرجال، وقد تقدَّم ذلك، وهو إشارة إلى احتمال أنه من بان إذا ظهر، أو بان إذا بعد وفارق، وسُمِّيَ فاحش الطول بائنًا؛ لأنَّ من رآه تصوّر أن كلًّا من أعضائه بائن عن الآخر، أو ظاهر على غيره، أو مفارقه طولًا وقامة، "ولا بالقصير المتردد": المتناهي في القصر، كأنه تردد بعض خلقه على بعض، وتداخلت أجزاؤه، كما في النهاية، "وكان ينسب إلى الربعة" بأن يوصف بها، فيقال: هو ربعة لقربه منها، "إذا مشى وحده" فهو من نسبة الجزئي إلى كلية، واستأنفت جوابًا لسؤال نشأ من مفهوم وحده, قولها: "ولم يكن على حالٍ يماشيه أحد من الناس، ينسب إلى الطول إلّا طاله"، أي: زاد في الطول " ﷺ ، ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما" يزيد عليهما طولًا إكرامًا من الله, حتى لا يزيد أحد عليه صورة، "فإذا فارقاه نسبстр. 2740
رسول الله ﷺ إلى الربعة، رواه ابن عساكر والبيهقي.
وزاد ابن سبع في الخصائص: إنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين.
ووصفه ابن أبي هالة بأنه بادن متماسك، أي: معتدل الخلق، كأن أعضاءه يمسك بعضها بعضًا.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ إلى الربعة، رواه ابن عساكر والبيهقي"، وابن أبي خيثمة، كما مَرَّ، "وزاد ابن سبع في الخصائص"، ورزين: "إنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين"، وحكمته ما رأيت، ودليله قول علي: إذا جامع القوم غمرهم؛ إذ هو شامل للمشي والجلوس، فقصر من توقّف فيه بأنه لم يره إلا في كلام رزين وكلام الناقلين عنه.
"ووصفه ابن أبي هالة بأنه" معتدل الخلق، "بادن" ضخم البدن، لا مطلقًا، بل بالنسبة لما سبق من كونه شثن الكفين والقدمين، جليل المشاش والكتد، ولما كانت البدانة, قد تكون من الأعضاء، وقد تكون من كثرة اللحم والسمن المفرط المواجب لرخاوة البدن، وهو مذموم، أردفه بما ينفي ذلك، فقال: "متماسك" صريح، تصرف المصنف أنهما بالرفع، وهو في الشمائل بلا ألف، فقال بعض شراحها: ما قبله منصوب، ومن بادن إلى آخر الحديث بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو، والجملة مستأنفة، أو في محل نصب خبر لكان بعد خبر؛ إذ أوّل الحديث: كان فخمًا مفخمًا، لكن الظاهر من حيث العربية النصب، بل قال: بعض لا حجة في رسمه في الشمائل بلا ألف على الرفع بل هو منصوب، على طريقة جمع من أصحاب الحديث، يكتبون المنصوب بصورة المرفوع اكتفاءً بالحركة، ويقرؤنه بالنصب، وقد نقله ابن الأثير في الجامع عن الشمائل بادانًا متماسكًا، بنصبهما أ. هـ.
وكذا أخرجه عياض في الشفاء من طريق الترمذي، وكذا نقله عن الشمائل السيوطي في جامعه، بنصبهما، "أي: معتدل الخلق، كأن أعضاؤه يمسك بعضها بعضًا" من غير ترجرج، وقيل معناه: ليس بمسترخي البدن، واستشكل كونه بانًا بما في رواية البيهقي، ضرب اللحم، قال البغوي: يريد أنه ليس بناحل ومنتفخ، وفي المقتفى: شحم بين شحمين، لا ناحل ولا مطهم، والبادن: الجسيم أو كثير اللحم، وأجيب بأنه لم يرد بضرب القلة، بل الخفة لتماسكه، وبأنَّ القلة والكثرة والخفة والتوسط من الأمور النسبية المتفاوتة، فحيث قيل: بادن, أريد عدم النحول والهزال، وحيث قيل: قليل أو خفيف أو متوسط، أريد عدم السمن التامّ، فهو المنفي، والمثبت عدم النحول، وبأنه كان نحيفًا، فلمَّا أسنَّ بدن، لما في مسلم عن عائشة: فلما أسنّ،стр. 2741
وأما شعره الشريف ﷺ ، فعن قتادة قال: سألت أنسًا عن شعر رسول الله ﷺ , فقال: شعر بين شعرين، لا رَجِل ولا سبط ولا جعد قطط, كان بين أذنيه وعاتقه.
وفي رواية للشيخين: كان رجلًا ليس بالسبط ولا الجعد.
الحواشي
(١) وكثر لحمه سابقته فسبقتُه. قال بعض المحققين: والحق أنه لم يكن سمينًا قط، ولا نحيفًا قط، غير أنَّ في الآخرة كان أكثر لحمًا، فغايته أن يراد بالبدانة قدر آخر كان أزيد بالخفّة ما دون ذلك، "وأمَّا شعره"، بسكون العين: جمعه شعور، كفلس وفلوس، وبفتحها, جمعه أشعار؛ كسبب وأسباب، وجمع تشبيهًا لاسم الجنس بالمفرد وهو مذكور, واحداته شعرة, "الشريف ﷺ "، أي: صفته في الرأس وغيره، وأمَّا صفة الرأس: فهو أوّل ما بدأ به المصنف من شمائله، فلا نسوّد وجه الطرس بنقله عن غيره.
"فعن قتادة" بن دعامة -بكسر الدال- الأكمه المفسر، السدوسي التابعي الشهير، "قال: سألت أنسًا عن شعر رسول الله ﷺ فقال: شعر بين شعرين"، أي: بين نوعين من الشعر, هما: الجعد والسبط، أي: بين الجعودة والسبوطة، كما يأتي, "لا رَجِل" بفتح الراء وكسر الجيم وفتحها، وسكونها، كما في المفهم، وزاد غيره: وضمها، "ولا سبط" بفتح فكسر وسكون أو فتحتين- أي مسترسل لا يتكسّر منه شيء، كشعر الهنود، "ولا جعد" بفتح الجيم وسكون المهملة- أي: منقبض يتجعد ويتكسّر؛ كشعر الحبش والزنج، "قطط" بفتحتين- كجسد على الأشهر، ويجوز كسر ثانيه، والجعد يَرِدُ بمعنى: الجواد والكريم والبخيل واللئيم، ومقابل السبط يوصف بقطط في الكل، فهو لا يعين المراد، فلذا وقع مقابلًا لسبط، والمراد: إن شعره ليس نهاية في الجعودة، وهي تكسره الشديد، ولا في السبوطة، وهي عدم تكسره وتثنيه بالكلية، بل كان وسطًا بينهما، وخير الأمور أوساطها.
قال الزمخشري: الغالب على العرب جعودة الشعر، وعلى العجم سبوطته، فقد أحسن الله تعالى برسوله الشمائل، وجمع فيه ما تفرّق في الطوائف من الفضائل أ. هـ.
ثم المراد بقوله: لا رجل, نفي شدة استرسال الشعر، بدليل قوله: "كان بين أذنيه" بالتثنية، "وعاتقه" بالإفراد، فلا ينافي إثباته في قوله: "وفي رواية للشيخين" وغيرهما عن قتادة، سألت أنس بن مالك عن شعر رسول الله ﷺ , لفظ البخاري ولفظ مسلم: قلت لأنس بن مالك: كيف شعر رسول الله ﷺ ، فقال: "كان" شعر رسول الله ﷺ لفظ خ، ولفظ م، فقال: كان شعرًا "رجلًا ليس بالسبط"، أي: المنبسط المسترسل، "ولا الجعد"، أي: الشديد التكسر، بل فيه تكسر يسير، فهو بينهما، قال المصنف: فقوله: ليس إلخ ... ، كالتفسير لسابقه أ. هـ.стр. 2742
بين أذنيه وعاتقه.
وفي أخرى: إلى أنصاف أذنيه. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن عائشة قالت: كنت أغتسل أنا والنبي ﷺ من إناء واحد، وكان له شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي وأبو داود.
الحواشي
(١) فهو المراد بالإثبات، فلا ينافي النفي، وكان "بين أذنيه وعاتقه" بالتثنية في الأوّل والإفراد في الثاني، أي: فليس فيه شدة ارتفاع ولا شدة استرسال، وفي رواية للشيخين عن قتادة عن أنس: كان يضرب شعره منكبيه، وللبخاري أيضًا: كان يضرب رأس النبي ﷺ منكبيه، "وفي أخرى" من حديث حميد عن أنس قال: كان شعر رسول الله ﷺ "إلى أنصاف أذنيه" جمع نِصف، أريد به ما فوق الواحد، أو أراد بالنصف مطلق البعض، وذلك البعض متعدد أكثر من اثنين؛ لأنه تارة إلى نصف الأذن، وتارة إلى دونه، وأخرى إلى فوقه، "رواه البخاري" في كتاب اللباس والزينة، "ومسلم" في صفة النبي، "وأبو داود والنسائي"، والترمذي في الشمائل، "وعن عائشة قالت: كنت أغتسل" أفادت الحكاية الماضية بصيغة المضارع استحضارًا للصورة الماضية، وإشارة إلى تكرره واستمراره، أي: اغتسلت متكررًا "أنا والنبي ﷺ " برفع النبي عطفًا على الضمير المرفوع، ولذا أبرز, وجاز مع أن المضارع المبدوء بالهمزة لا يرفع الاسم الظاهر؛ لأنه تابع، فيغتفر فيه ما لا يغتفر في غيره، أو غلب المتكلم على الغائب، كما غلب في قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [الأعراف: ١٩] ، المخاطب على الغائب؛ لأن آدم أصل, وزوجه تبع، وهنا لأنَّ النساء محل الشهوة، وحاملات على الغسل، فكأنهن أصل، أو لأنَّ الأصل إخبار الشخص عن نفسه، أو لاحتمال أنَّ الماء معدًّا لغسلها، وشاركها المصطفى، أو من عطف الجمل بتقدير عامل، أي: ويغتسل معي، كما قيل في: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وبالنصب على أنه مفعول معه, "من إناء واحد" زاد في رواية: من جنابة, "وكان له شعر فوق الجمة" بضم الجيم وشد الميم, "ودون الوفرة" بفتح الواو، وسكون الفاء "رواه الترمذي" في جامعه وشمائله بهذا اللفظ، "وأبو داود" في سننه، وكذا ابن ماجه بلفظ: فوق الوفرة دون الجمة، كما بَيَّنَه الحافظ العراقي في شرح الترمذي قائلًا: ورايتهما هي الموافقة لكلام أهل اللغة، إلّا أن تئول رواية الترمذي، وذلك أنه قد يراد بقوله: دون, النسبة إلى القلة والكثرة، وقد يراد بالنسبة إلى محل وصول الشعر، ورواية الترمذي محمولة على هذا التأويل، أي: إن شعره كان فوق الجمة، أي: أرفع في المحل، فعلى هذا يكون شعره لمة، وهو ما بين الوفرة والجمة، وتكون رواية أبي داود وابن ماجه معناها: كان شعره فوق الوافرة، أي: أكبر من الوفرة، ودونстр. 2743
والوفرة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن.
وقال ابن أبي هالة أيضًا: كان رجل الشعر -وهو بفتح الراء وكسر الجيم- أي: يتكسر قليلًا، بخلاف السبط والجعد- إن انفرقت عقيقته فرقها وإلّا فلا، يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفره.
والعقيقة -بالقاف: شعر رأسه الشريف،
الحواشي
(١) الجمة، أي: في الكثرة، وعلى هذا، فلا تعارض بين الروايتين، فروى كلّ راوٍ ما فهمه من الفوق والدون، قال تلميذه الحافظ ابن حجر: وهو جمع جيد، لولا أنَّ مخرج الحديث متحد، وأجاب المصنف بأن إحدى الروايتين نُقِلَ بالمعنى، ولا يضره اتحاد المخرج لاحتمال أنه وقع ممن دونه أ. هـ.
ونحو قول بعضهم: مآل الروايتين على هذا التقدير متحد معنًى، والتفاوت بينهما إنما هو في العبارة، ولا يقدح فيه اتحاد المخرج، وهو عائشة؛ لأن دونها أدَّى معنى العبارتين، هذا وقد يستعمل أحد اللفظين المتقاربين مكان الآخر، كما سبق في أفلج الثنيتين؛ حيث قالوا: الفلج يستعمل مكان الفرق، فكذا يقال هنا. أ. هـ.
وبهذا علمت شدة تسمّح المصنف في العزو، "والوفرة: الشعر الواصل إلى شحمة الأذن"، ويأتي قريبًا تفسيرها بذلك أيضًا، وبيان الجمة واللمة، "وقال ابن أبي هالة أيضًا: كان رجل الشعر" لفظ. كان لم يقع في لفظه، وإنما أتى به المصنف ليبين أن رجل منصوب؛ لأنه خبر بعد خبر؛ إذ أوّل الحديث: كان رسول الله ﷺ فخمًا مفخمًا, إلى أن قال: رجل الشعر، "وهو بفتح الراء وكسر الجيم" لعله الأشهر، أو الرواية، وإلا فقد قال القرطبي في المفهم: وفتحها وسكونها- ثلاث لغات، زاد بعضها وضمها، كما مَرَّ، ومقتضاه: إنها بمعنى واحد، وفي المصباح: رجل الشعر رجلًا، من باب تعب تعبًا، فهو رجل -بالكسر والسكون- ومفاده: إن المصدر بفتحتين، والوصف على فعل -بكسر فسكون تخفيف، "أي: يتكسّر قليلًا بخلاف السبط" الذي لا يتكسّر شيء منه، "والجعد" المتكسّر "إن انفرقت عقيقته" من جملة قول هند, فَصَّله بضبط رجل، ومعناه: "فرقها" بالتخفيف، أي: جعل شعره نصفين: نصفًا عن اليمين، ونصفًا عن اليسار، قيل: بالمشط، وقيل: بذاته، "وإلّا" تنفرق، بل كانت مختلطة متلاصقة، لا تقبل الفرق، بلا ترجيل، "فلا" يفرقها، بل يتركها على حالها معقوصة، أي: وفرة واحدة، وحينئذ فقد "يجاوز شعره شحمة أذنه إذا هو وفّره"، أي: جعله وفرة، أي: مجموعًا، وفي نسخ: وفر بلا هاء.
قال المزيّ: والمعروف رواية -بالهاء، "والعقيقة -بالقاف: شعر رأسه الشريف" من العق، وهو في الأصل، القطع والشق، ولذا سميت الذبيحة للمولود يوم سابعه عقيقة، لشقّ حلقها،стр. 2744
يعني: إن انفرقت بنفسها فرقها, وإلا فتركها معقوصة، ويروى: إن انفرقت عقيصته -بالصاد المهملة- وهي الشعر المعقوص.
وعن ابن عباس, أن رسول الله ﷺ كان يسدل شعره، وكان المشركون يفرقون رءوسهم، وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم، وكان يحب موافقة أهل الكتاب فيما لم يؤمر فيه بشيء،
الحواشي
(١) والشعر الخارج على رأس المولود من بطن أمه عقيقة؛ لأنه يحلق، ثم قيل للشعر النابت بعد ذلك عقيقة، لأنه منها، ونباته من أصولها، فهو مجاز مرسل، أو لأنه شبيه بها، فاستعارة، "يعني: إن انفرقت بنفسها فرقها وإلّا، فتركها معقوصة"، قاله القاضي عياض، ونحوه قول ابن الأثير، وإلّا تركها على حالها، ولم يفرّقها، وهو بناءً على أن، وإلّا، فلا كلام تامّ، وكذلك ما بعده، وإنه متعلق بمقدّر، كما أشرنا إليه، ومنهم من جعله كله كلامًا واحدًا، وفسَّره تارة بأنه لا يجاوز شحمة أذنه إذا ترك الفرق؛ فقوله: إذا هو وفَّره بيان لقوله: وإلّا, وأخرى: بأنه إن انفرق لا يجاوز في وقت توفير الشعر، قال: وبه يجمع بين مختلف الروايات في أنَّ شعره وفرة، أو جمة، فيقال: ذلك باختلاف أزمنة عدم الفرق والفرق، "ويروى إن انفرقت عقيصته -بالصاد المهملة- وهو الشعر المعقوص"، وهو نحو من المضفور، وأصل العقص الليّ، وإدخال أطراف في أصوله, والمشهور عقيقته، أي: بالقافين؛ لأنه لم يقعص شعره، قاله في النهاية، وبه ردَّ قول بعضهم رواية الصاد أولى، وقيل العقيقة: الشعر الذي مع المولود، فإن نبت بعد حلقه لم يسمّ عقيقة، واستبعده الزمخشري باقتضائه: إن شعر المصطفى كان شعر لولادة وتركه، وعدم حلقه يوم السابع، وعدم ذبح شاة، وإطعامها عيب عند العرب وشح، وأجيب بأنه من إرهاصاته؛ حيث لم يمكِّن الله قومه أن يذبحوا له باسم اللات والعزّى، ويؤيده قول النووي في التهذيب: إنه ﷺ عقَّ عن نفسه بعد النبوة أ. هـ.
"وعن ابن عباس أن رسول الله ﷺ كان يسدل" بفتح أوله، وسكون السين، وكسر الدال المهلمتين، ويجوز ضم الدال، قاله الحافظ وغيره، وبالضم ضبطه الدمياطي في حاشية الصحيح، والمنذري في حاشية السنن، فاستفدنا أنَّ الرواية بالوجهين، "شعره"، أي: يترك شعر ناصيته على جبهته، لما في رواية للشيخين: سدل النبي ﷺ ناصيته، وإلّا فالسدل لغةً لا يخص الناصية، بل هو إرخاء الشعر وهو الأشهر, ومشددًا، "رءوسهم"، أي: شعر رءوسهم، "وكان أهل الكتاب يسدلون رءوسهم"، وفي رواية: أشعارهم، "وكان يحب موافقة أهل الكتاب" اليهود، حين كان عبَّاد الأوثان كثيرًا، "فيما لم يؤمر فيه بشيء"، أي: فيما لم يخالفه شرعه إيجابًا، أو ندبًا، وقصره علىстр. 2745
ثم فرق ﷺ رأسه. رواه الترمذي في الشمائل. وفي صحيح مسلم نحوه.
وسدل الشعر إرساله، والمراد هنا: إرساله على الجبين واتخاذه كالقصة.
وأما الفرق: فهو فرق الشعر بعضه من بعض.
قال العلماء: والفرق سنة؛ لأنه الذي رجع إليه ﷺ ، والصحيح جواز الفرق والسدل، لكن الفرق أفضل.
الحواشي
(١) الوجوب تقصيرًا، أو لم ينزل عليه فيه وحي، أو فيما لم يطلب منه وجوبًا أو ندبًا، "ثم فرق" بفتح الفاء، والراء- روي مخففًا ومثقلًا " ﷺ رأسه"، أي: ألقى شعره إلى جانبي رأسه، فلم ينزل منه شيئًا على جبهته، وإنما أحبَّ موافقتهم لتمسّكهم في زمانه ببقايا شرائع الرسل، والمشركون وثنيون، لا مستند لهم إلّا ما وجدوا عليه آباءهم. قال الحافظ: فكانت موافقتهم أحبّ إليه من موافقة عباد الأوثان، فلما أسلم غالبهم، أحبَّ حينئذ مخالفة أهل الكتاب. انتهى.
قال النووي وغيره: أو كان لاستئلافهم، كما تألَّفَهم باستقبال قبلتهم، وتوقَّف فيه بأن المشركين أولى بالتأليف، وردَّ بأنه قد حرص أولًا على تألُّفهم، ولم يأل جهدًا في ذلك، وكلما زاد زادوا نفورًا، فأحبَّ تأليف أهل الكتاب؛ ليجعلهم عونًا على قتال الآبين من عبدة الأوثان، وقال القرطبي: حبه لموافقتهم كان أولًا, في الوقت الذي كان يستقبل قبلتهم ليتألَّفهم، حتى يصغوا إلى ما جاء به، فلمَّا غلبت عليهم الشقوة, ولم ينفع فيهم ذلك, أمر بمخالفتهم في أمور كثيرة، كقوله: "إن اليهود والنصارى لا يصبغون فخالوفهم" أ. هـ.
"رواه الترمذي في الشمائل، وفي صحيح مسلم نحوه"، والبخاري في الصفة انبوية، واللباس بنحوه، ورواه في الهجرة بلفظ الشمائل، خلافًا لإيهام المصنف، وكذا رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه "وسدل" بفتح فسكون- مصدر سدل، كقتل "الشعر: إرساله"، ولا يقال: أسدل بالألف، "والمراد هنا إرساله على الجبين، واتخاذه كالقصة" بضم القاف وصاد مهملة- وهي شعر الناصية، يقص حول الجبهة، والمراد أنه كان يتركه على حاله، يشبه الشعر المقصوص، "وأمَّا الفرق: فهو فرق الشعر بعضه من بعض"، ولأبي داود، عن عائشة، قالت: أنا فرقت لرسول الله ﷺ رأسه، أي: شعر رأسه عن يافوخه.
"قال العلماء: والفرق سنة؛ لأنه الذي رجع إليه ﷺ ، والصحيح جواز الفرق والسدل" معًا، "ولكن الفرق أفضل" فقط؛ لأنه الذي رجع إليه، فكأنه ظهر الشرع به، لكن لا وجوبًا؛ لأن من الصحب من سدل بعد ذلك، فلو كان الفرق واجبًا ما سدلوا، وزَعْم نسخه يحتاج لبيان ناسخه، وتأخّره عن المنسوخ على أنه لو نسخ ما صار إليه كثير من الصحابة، ولذا قالстр. 2746
وعن عائشة: كان له ﷺ شعر فوق الجمة ودون الوفرة. رواه الترمذي.
وفي حديث أنس كان إلى أذنيه، وفي حديث البراء: يضرب منكبيه. وفي حديث أبي رمثة: يبلغ إلى كتفيه أو منكبيه.
وفي رواية: ما رأيت من ذي لمة أحسن منه.
والجمة: هي الشعر الذي نزل إلى المنكبين. والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين،
الحواشي
(١) القرطبي: توهم النسخ لا يلتفت إليه أصلًا لإمكان الجمع، قال: وهذا على تسليم أنّ حبه موافقتهم، ومخالفتهم حكم شرعي، فإنه يحتمل كونه مصلحة، وحديث هند: إن انفرقت عقيقته فرقها، وإلا تركها، يدل على أنه غالب أحواله؛ لأنه ذكر مع أوصافه الدائمة، وحليته التي كان موصوفًا بها، فالصواب أنّ الفرق مستحب لا واجب. أهـ.
وقال الحافظ: حديث هند محمول على ما كان أولًا، لما بينه حديث ابن عباس أهـ.
قيل: ويحتمل أنَّ رجوعه للفرق باجتهاد، وحكمته أنه أنظف وأبعد عن السرف في غسله، وعن مشابهة النساء، "وعن عائشة: كان له ﷺ شعر فوق الجمة، ودون الوفرة. رواه الترمذي"، وقد مَرَّ قريبًا تامًّا، وكأنَّه أعاد المقصود هنا لمغايرته لما بعده، وذكر الجمع بينهما، لكنه لو اقتصر على هذا كفاه عن السابق، واندفع عنه اعتراض عزوه لأبي داود، مع أنَّه ليس لفظه كما مَرَّ، "وفي حديث أنس" عند البخاري ومسلم وغيرهما؛ "كان إلى" أنصاف "أذنيه، في حديث البراء" عند الشيخين وغيرهما: "يضرب منكبيه، أي: يصل إليهما، كنِّي بالضرب عن الوصول، وكذا في حديث أنس في الصحيحين "في حديث أبي رمثة" بكسر الراء وسكون الميم، ومثلثة- البلوى، ويقال: التيمي من تيم الرباب -بفتح الراء كما في الفتح، وكسرها كما في الصحاح، ويقال: التميمي، ويقال: هما اثنان، واسمه: رفاعة بن يثربي، وبه جزم الترمذي وهما بمهملتين بينهما فاء وألف، ويقال: يثربي بن رفاعة، وبه جزم الطبراني، ويقال: عمارة بن يثربي، ويقال عكسه، وقيل: يثربي بن عوف، وجزم غير واحد بأن اسمه حيّان بمثناة تحتية، وقيل: حبيب بن حيان، وقيل: جندب، وقيل: خشخاش، صحابي شهير.
قال ابن سعد: مات بإفريقية، "يبلغ إلى كتفيه أو منكبيه" بالشك، "وفي رواية" عن البراء بن عازب عند الترمذي وغيره، "ما رأيت من ذي لمة" بزيادة من تأكيد النفي, والنص على استغراق جميع الأفراد، أو هي بيانية، أي: أحدًا من صاحب لمة -بكسر اللام وشد الميم "أحسن منه"، ولا مساوٍ له على مفاد النفي عرفًا، "والجمة" بضم الجيم وشد الميم، "هي الشعر الذي نزل إلى المنكبين، والوفرة: ما نزل إلى شحمة الأذنين"، سُمِّيَ بذلك؛ لأنه وقعстр. 2747
واللمة: التي لمت بين المنكبين.
قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات: إن ما يلي الأذن هو الذي يبلغ شحمة أذنيه، وما خلفه هو الذي يضرب منكبيه. وقال: قيل: بل ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب, وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك.
وعن أم هانئ بنت أبي طالب قالت: قدم رسول الله ﷺ علينا مكة قدمة
الحواشي
(١) على الأذن، أي: ثم عليها واجتمع.
"واللمة التي لمت" أي: نزلت "بين المنكبين"، وأنَّث باعتبار أنها حملة من الشعر، وجمعها لمام ولمم, سميت بذلك لإلمامها بهما؛ إذ هي الشعر المتجاوز شحمة الأذن مع الوصول إلى المنكب، أو المتجاوز مطلقًا، أو المتجاوز بلا وصول إلى المنكب، فإذا وصله صار جمة، أقوال. لكن قال الحافظ العراقي: ورد في شعره ﷺ ثلاثة أوصاف: جمة، ووفرة، ولمة، فالوفرة ما بلغ شحمة الأذن، واللمّة ما نزل عن شحمة الأذن، والجمة ما نزل عن ذلك إلى المنكبين، هذا قول جمهور أهل اللغة, وهو الذي ذكره صاحب المحكم والنهاية والمشارق وغيرهم، واختلف فيه كلام الجوهري، فذكره على الصواب في مادة لمم، فقال: واللمة -بالكسر: الشعر المتجاوز شحمة الأذن، فإذا بلغت المنكبين فهي جمة، وخالف ذلك في مادة وفر، فقال: والوفرة إلى شحمة الأذن ثم الجمة، ثم اللمة التي ألمت بالمنكبين، وما قاله في باب الميم هو الصواب الموافق لقول غيره من أهل اللغة.
"قال القاضي عياض: والجمع بين هذه الروايات أنَّ ما يلي الأذن هو الذي يبلع شحمة أذنيه، وما خلفه هو الذي يضرب" يبلغ "منكبيه"، فلا تنافي بين روايتي شحمة أذنيه ومنكبيه، "وقال" عياض أيضًا: "قيل" في الجمع "بل ذلك لاختلاف الأوقات، فإذا غفل عن تقصيرها بلغت المنكب، وإذا قصرها كانت إلى أنصاف الأذنين، فكانت تطول وتقصر بحسب ذلك" ورد الجمع الأوّل بأن من وصف شعره إنما أراد مجموعه أو معظمه، لا كل قطعة منه، لكن لا ضير فيه لحصول الجمع به، وقد مشى على نحوه الداودي، وتبعه ابن التين فقال: المراد أنَّ معظم شعره كان عند شحمة أذنه، وما استرسل منه متصل إلى المنكب، قال الحافظ: قول هند بن أبي هالة: إذا هو وفَّره، أي: جعله وفرة، فهذا القيد يؤيد هذا الجمع.
"وعن أم هانئ" بكسر النون وهمز آخره، وتسهل- فاختة، أو عاتكة، أو هند "بنت أبي طالب" شقيقة علي، وعاشت بعده، "قالت: قدم رسول الله ﷺ علينا مكة قدمة" بفتح القاف،стр. 2748
وله أربع غدائر. رواه الترمذي في الشمائل, والغدائر -بالغين المعجمة والدال المهملة: هي الذوائب، واحدتها غديرة.
وفي مسلم عن أنس، كان في لحيته ﵊ شعرات بيض. وفي رواية له عنده:
الحواشي
(١) وسكون الدال، المرة الواحدة من القدوم، أي: مرة من قدومه، وبعض الروايات يدل على أنه في فتح مكة؛ لأنه اغتسل وصلى الضحى في بيتها, وكانت له قدمات أربع بمكة بعد الهجرة، قدمة عمرة القضاء والفتح، وعمرة الجعرانة، وحجة الوداع، "وله أربع غدائر"؛ ليخرج الأذن اليمنى من بين غديرتين يكتنفانها، ويخرج الأذن اليسرى من بين غديرتين يكتنفانها، تخرج الأذنان ببياضهما من بين تلك الغدائر، كأنَّها توقد الكواكب الدرية بين سواد شعره، قاله ابن أبي خيثمة: "رواه الترمذي في الشمائل، والغدائر -بالغين المعجمة، والدال المهملة: هي الذوائب" بذال معجمة، "واحدتها غديرة" وروى الترمذي أيضًا عن أم هانئ: رأيت رسول الله ﷺ ذا ضفائر أربع، جمع ضفيرة، وهي العقيصة، قاله الجوهري، فالغدائر أعمّ، كما قاله السيوطي وغيره، فيحتمل أن تكون رأته في وقت آخر، أو حين قدم عليها مكة، تكون أرادت بالضفائر المعنى الذي أرادته بالغدائر وإن اختلفا لغة، ويؤيده اتحاد طريقي الحديثين إليهما؛ إذ كلاهما من رواية ابن أبي نجيح، عن مجاهد عنها، وكلاهما يدل للجمع، ولذا قال بعض شراح المصابيح: لم يحلق ﷺ رأسه في سني الهجرة إلا عام الحديبية، ثم عام القضاء، ثم في حجة الوداع، فليعتبر الطول والقصر منه بالمسافات الواقعة منه في تلك الأزمنة، وأقصرها ما كان في حجة الوداع، فإنه توفي بعدها بثلاثة أشهر، ثم ذكر المصنف شيبه ﷺ ، ولم يترجم له؛ لأنه من جملة الشعر الذي الكلام فيه، فقال: "وفي مسلم عن أنس" من حديث ابن سيرين: سألت أنس بن مالك: هل كان رسول الله ﷺ يخضب؟ فقال: لم يبلغ الخضاب.
"كان في لحيته ﵊ شعرات بيض"، مقتضاه أنها عشرة فقط أو أقل؛ إذ شعرات جمع قلة من جموع السلامة، وهي لا تزيد على عشرة، فيشكل بما يأتي عنه كان في رأسه ولحيته سبعة عشر، أو ثمانية عشر، وكون العشرة في خصوص اللحية يحتاج لدليل، فيمكن أنه استعمل جمع القلة فيما فوقها مجازًا، لكن لا دليل على ما فوقها؛ إذ الآتي في الرأس واللحية معًا، والذي يظهر لي حمل ما أفاده شعرات على ظاهره، من أنها عشرة أو أقل، ويؤيده ما عند أبي نعيم، عن عائشة: كان أكثر شيب رسول الله ﷺ في الرأس، "وفي رواية له" لمسلم، وفي نسخة "عنده" أي: مسلم من وجه آخر عن ابن سيرين، سألت أنسًا: أخضب ﷺ ،стр. 2749
لم ير من الشيب إلّا قليلًا، وفي أخرى له أيضًا: لو شئت أن أعد شمطات كنّ في رأسه ولم يخضب. وعنده أيضًا: لم يخضب ﵊, إنما كان البياض في عنفقته وفي الصدغين وفي الرأس نبذ -بضم النون وفتح الباء الموحدة وبفتح النون وإسكان الموحدة, أي: شعرات متفرقة.
وفي رواية أخرى: ما شانه الله ببيضاء.
الحواشي
(١) قال: إنه "لم يرَ من الشيب إلّا قليلًا، وفي أخرى له أيضًا" عن ثابت قال: سُئِلَ أنس عن خضاب النبي ﷺ ، فقال: "لو شئت أن أعدّ شمطات كنَّ في رأسه" فعلت, هكذا ثبت في مسلم جواب لو، وهو قوله: فعلت، فحذفه المصنّف اختصارًا، أو سقط من قلمه، أو نساخه ولم يره, من قال جوابه محذوف لظهوره، أي: لعددتها ولقلتها، "ولم يخضب" قاله بحسب علمه، لما يأتي، "وعنده" أي مسلم "أيضًا" عن قتادة عن أنس: "لم يخضب ﵊, إنما كان البياض في عنفقته" بفتح العين- ما بين الشفة السفلى والذقن، سواء كان عليها شعر أم لا، فيقدر مضاف، أي: شعر، وقيل: هي الشعر النابت تحت الشفة السفلى، فلا تقدير، "وفي الصدغين" بضم الصاد، وإسكان الدال المهملتين، ومعجمة- ما بين الأذن والعين، ويقال ذلك للشعر المتدلي من الرأس في ذلك المكان، كما في الفتح وغيره، قال المصنّف: على الشمائل، والثاني: وهو المراد هنا؛ إذ هو من إطلاق المحلّ وإرادة الحال.
"وفي الرأس نبذ -بضم النون، وفتح الباء الموحدة" وذال معجمة- نبذة؛ كغرف وغرفة "وبفتح النون، وإسكان الموحدة" جمع نبذة -بفتح فسكون؛ كتمر وتمرة، "أي: شعرات متفرقة"، وبرواية مسلم هذه جمع الحافظ بين رواية البخاري، ع عبد الله بن يسر: كان في عنفقته شعرات بيض، وروايته عن قتادة: سألت أنسًا هل خضَّب النبي ﷺ ؟ قال: لا, إنما كان شيء في صدغيه، قال: وعرف من مجموع ذلك أنَّ الذي شاب من عنفقته أكثر مما شاب من غيرها، قال المصنف في شرح الشمائل: ولم يظهر لي وجه الجمع بما ذكر، وروى أبو نعيم عن عائشة: كان أكثر شيب رسول الله ﷺ في الرأس في فودي رأسه، وكان أكثر شيبه في لحيته حول الذقن، وكان شيبه كأنه خيوط الفضة يتلألأ بين سواد الشعر، فإذا مسَّه بصفرة، وكان كثيرًا ما يفعل ذلك, صار كأنه خيوط الذهب.
"وفي رواية أخرى" عند مسلم أيضًا، من رواية أبي إياس عن أنس، إنه سُئِلَ عن شيب النبي ﷺ ، قال: "ما شانه الله ببيضاء"، قال الحافظ: هذا محمول على أن تلك الشعرات البيض لم يتغيّر بها شيء من حسنه ﷺ ، وقد أنكر أحمد إنكار أنس أنه خضّب، وذكر حديث ابن عمر أنه رآه يخضب بالصفرة، وهو في الصحيح، ووافق مالك أنسًا على إنكار الخضاب،стр. 2750
قال الشيخ عبد الجليل في شعب الإيمان، فيما حكاه عنه الفاكهاني: إنما كان كذلك لأنَّ النساء يكرهن الشيب غالبًا، ومن كره من النبي ﷺ شيئًا كفر.
وقال في النهاية: قد تكرَّر في الحديث جعل الشيب ههنا عيبًا وليس بعيب، فإنه قد جاء في الحديث: إنه وقار وأنه نور،
الحواشي
(١) وتأوَّل ما ورد في ذلك أ. هـ.
"قال الشيخ عبد الجليل" القصري "في شعب الإيمان، فيما حكاه عنه" عمر بن علي بن سالم، بن صدقة اللخمي، الشهير بتاج الدين "الفاكهاني" أبو حفص الإسكندري، الفقيه المالكي، المتفنّن في الحديث والفقه والأصول والعربية والأدب, والدين المتين, والصلاح الوافر، والتصانيف العظيمة، وحج مرارًا، وُلِدَ بالإسكندرية سنة أربع، أو ست وخمسين وستمائة، وبها مات سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، "إنما كان" المصطفى "كذلك"، أي: قليل الشيب؛ "لأن النساء يكرهن الشيب غالبًا"، كما قيل:
رأين الغواني الشيب لاح بعارضي ... فأعرضن عني بالخدود النواضر
وقل:
فإن تسألوني بالنساء فإنني ... خبير بأدواء النساء طبيب
إذا شاب رأس المرء أو قلّ ماله ... فليس له من ودهن نصيب
وقال:
لو رأى الله أن في الشيب خيرًا ... جاورته الأبرار في الخلد شيبًا
"ومن كره من النبي ﷺ شيئًا كفر"، وهو كان كثير النساء، فرحمهنَّ الله تعالى بعدم شيبه؛ ولأن فيه إزالة لبهجة الشباب ورونقه، وإلحاقه بالشيوخ الذين يكون الشيب فيهم عيبًا، لدلالته على الضعف، ومفارقة قوة الشباب والنشاط، "وقال في النهاية: قد تكرر في الحديث جعل الشيب ههنا عيبًا" في نحو قوله: ما شانه، "وليس بعيب" في نفس الأمر، "فإنه قد جاء في الحديث: أنه وقار، وأنه نور"، أخرج أبو داود عن ابن عمر مرفوعًا: "لا تنتفوا الشيب، لأنه نور الإسلام، ما من مسلم يشيب شيبة في الإسلام إلا كانت له نورًا يوم القيامة"، وروى الترمذي والنسائي، عن كعب ابن مرة مرفوعًا "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة"، زاد الحاكم في كتاب الكنى، عن أم سليم: "ما لم يغيّرها"، وأخرج البيهقي، عن ابن عمر مرفوعًا: "الشيب نور المؤمن، لا يشيب رجل شيبة في الإسلام إلّا كانت له بكل شيبة حسنة، ورفع بها درجة"، وروى ابن عساكر عن أنس مرفوعًا: "الشيب نور, من خلع الشيب فقد خلع نور الإسلام"، وللديلمي عن أنس رفعه: "أيما رجل نتفق شعرة بيضاء متعمدًا، صارت رمحًا يوم القيامة يطعن به"،стр. 2751
والشيب ممدوح، وذلك عجيب منه, لا سيما في حق النبي ﷺ .
ويمكن أن يجمع بينهما: ووجه الجمع أنه ﷺ لما رأى أبا قحافة ورأسه كالثغامة، أمرهم بتغييره وكرهه، ولذلك قال: "غيروا الشيب"، فلما علم أنس ذلك من عادته قال: ما شانه الله ببيضاء, بناءً على هذا القول, وحملًا له على هذا الرأي. ولم يسمع الحديث الآخر، ولعلَّ أحدهما ناسخ للآخر. انتهى.
وفي رواية أبي جحيفة عنده، قال: رأيت رسول الله ﷺ وهذه منه بيضاء, ووضع الراوي بعض أصابعه على عنفقته.
الحواشي
(١) وعند ابن سعد أن حجامًا أخذ من شاربه ﷺ ، فرأى شيبة في لحيته، فأهوى إليها، فأمسك ﷺ بيده، وقال: "من شاب شيبة في الإسلام كانت له نورًا يوم القيامة".
"والشيب ممدوح" لهذه الأحاديث وغيرها، "وذلك" أي: جعله عيبًا "عجيب منه"، أي: من أنس ﵁، "لا سيما في حق النبي ﷺ ، ويمكن أن يجمع بينهما، ووجه الجمع أنه ﷺ لما رأى أبا قحافة" بضم القاف ومهملة وفاء- عثمان والد الصديق، "ورأسه كالثغامة"، بمثلثة ومعجمة- مفرد ثغام؛ كسحاب, نبت يكون بالجبال غالبًا, إذا يبس يشبّه به الشيب، "أمرهم بتغييره وكرهه، ولذلك قال: "غيروا الشيب"، فلمَّا علم أنس ذلك من عادته، قال: ما شانه الله ببيضاء بناءً على هذا القول، وحملًا له على هذا الرأي"، وهو كراهة الشيب وطلب تغييره، وتقدَّم عن الحافظ حمله على أنه لم يغير شيئًا من حسنه، وهو أحسن من هذا، "ولم يسمع الحديث الآخر"، أي: جنسه المادح للشيب، وفي هذا النفي نظر؛ لأن أنسًا قد روى بعد أحاديث مدحه، كما رأيت، "ولعلَّ أحدهما ناسخ للآخر أ. هـ".
كلام النهاية: وفي ترجيه شيء؛ إذ لا يثبت النسخ إلّا بمعرفة التاريخ، "وفي رواية أبي جحيفة" بجيم فحاء مهملة، ففاء مصغر- وهب بن عبد الله السوائي -بضم المهملة، وخفة الواو، والمد، والهمز- من بني سواء بن عامر بن صعصعة، الكوفي، ويقال: اسم أبيه وهب أيضًا، صحابي مشهور بكنيته، وصحب عليًّا، وكان يحبه، ويسميه: وهب الخير، وجعله على بيت المال، وفي الفتح: كان يقال له أيضًا وهب الله، ووهب الخير، مات سنة أربعين وسبعين، "عنده"، أي: عند مسلم من طريق أبي خيثمة، وهو زهير بن حرب، عن أبي إسحاق, عن أبي جحيفة "قال: رأيت رسول الله ﷺ ، وهذه منه بيضاء، ووضع الراوي" لفظ مسلم، ووضع زهير "بعض أصابعه على عنفقته"، وفي رواية الإسماعيلي، عنه: رأيت النبي ﷺ شابت عنفقته. وفي البخاري عنه: رأيت النبي، ورأيت بياضًا تحت شفته السفلى، العنفقة.стр. 2752
وفي حديث أنس عند البيهقي: ما شانه الله بالشيب، ما كان في رأسه ولحيته إلّا سبع عشرة أو ثمان عشرة شعرة بيضاء.
وعن أبي جحيفة: كان أبيض قد شمط. رواه البخاري.
وفي الصحيحين: عن ابن عمر, أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة.
الحواشي
(١) "وفي حديث أنس عند البيهقي: ما شانه الله"، أي: عابه "بالشيب"، والشين ضد الزين، وبابه باع، كما في المختار: "ما كان في رأسه ولحيته"، أراد بها ما قابل الرأس، فيشمل العنفقة والصدغين، فلا ينافي ما مَرَّ عنه عند مسلم، "إلّا سبع عشرة، أو ثمان عشرة شعرة بيضاء"، وعن أنس أيضًا: ما عددت في رأس رسول الله ﷺ ولحيته إلّا أربع عشرة شعره بيضاء، رواه الترمذي وغيره، وجمع بينهما؛ بأن إخباره اختلف باختلاف الأزمان، وبأن هذا إخبار عن عدِّه، وذاك إخبار عن الواقع، فهو لم يعد إلا أربع عشرة، وهو في الواقع سبعة عشر، أو ثمانية عشر، وردَّ بأن ما في الواقع يتوقف على العد، فلا يصح الجمع، نعم لو وقع الظن والتخمين موضع الواقع، لكان له وقع، وحصل به الجمع، ويجاب بأن كونه الواقع من حيث ثبوته عند أنس من غير، لا بعده هو، فالجمع صحيح، وروى ابن أبي خيثمة, عن أبي بكر بن عياش، قلت لربيعة: جالست أنسًا؟ قال: نعم، وسمعته يقول: شاب ﷺ عشرين شعرة ههنا -يعني العنفقة، والجمع بينهما ما مَرَّ عند الحافظ: أنَّ ما شاب من عنفقة أكثر مما شاب في غيرها، كما دلَّ عليه مجموع الروايات، قال: وقول أنس لما سأله قتادة: هل خضّب؟ إنما كان شيء في صدغيه، أراد أنه لم يكن في شعره ما يحتاج إلى الخضاب، كما صرَّح به في روايات مسلم السابقة.
"وعن أبي جحيفة: كان أبيض قد شمط" بفتح المعجمة، وكسر الميم- أي: خالط البياض سواد شعره، فالرجل أشمط، والمرأة شمطاء، والاسم الشمط -بفتحتين، وفي اختصاصه بالرأس وعمومه فيه، وفي اللحية قولان في اللغة، قال الحافظ: وقد بَيِّنَ في الرواية التي تلي هذه، أي: في البخاري عن أبي جحيفة: رأيت النبي ﷺ ، ورأيت بياضًا من تحت شفته السفلى -العنفقة، إن موضع الشمط كان في العنفقة، ويؤيده حديث عبد الله بن بسر المذكور بعده، ولمسلم عن أبي جحيفة: رأيت رسول الله ﷺ ، وهذه منه بيضاء، وأشار إلى عنفقته أ. هـ.
"ورواه البخاري" في الصفة النبوية، "وفي الصحيحين" البخاري في الوضوء واللباس، ومسلم في الحج، "عن ابن عمر" في حديث: "أنه رأى النبي ﷺ يصبغ".
قال الحافظ: بضم الموحدة، وحكي فتحها، وكسرها، "بالصفرة" ثيابه لما في أبي داود، كان يصبغ بالورس والزغفران حتى عمامته، وقيل: شعره، لما في السنن أيضًا، أنه كان يصفّرстр. 2753
وعن ابن عمر: إنما كان شيبه ﷺ نحو من عشرين شعرة بيضاء، رواه الترمذي.
وروى أيضًا عن ابن عباس, قال أبو بكر: يا رسول الله, قد شبت
الحواشي
(١) بهما لحيته، ورجَّح عياض الأوَّل، وأجيب عن دليل الثاني باحتمال أنه كان مما يتطيّب به، لا أنه كان يصبغ بها، وذكر بعض أن الخضاب بالأصفر محبوب؛ لأنه مدح بقوله: ﴿تَسُرُّ النَّاظِرِينَ﴾ ، ونقل عن ابن عباس، من طلب حاجة بنعل أصفر قضيت؛ لأن حاجة بني إسرائيل قضيت بجلد أصفر، فينبغي جعل النعل صفراء، "وعن ابن عمر" عبد الله, هكذا في نسخ، وهو الصواب الواقع في الترمذي، فما في نسخ من حذف ابن لا يعوّل عليه، "إنما كان شيبه ﷺ نحوًا"، أي: قريبًا "من عشرين شعرة بيضاء"، بمعنى: إنه لا يبلغ العشرين، فهو كقول أنس: سبع عشرة، أو ثمان عشرة، "رواه الترمذي"، ولا ينافيه قول أنس أيضًا: ما عددت في رأسه ولحيته إلا أربع عشرة؛ لأنها نحو العشرين، لكونها أكثر من نصفها، لكن توقف عصام فيه، بأن لا دلالة لنحو الشيء على القرب منه، ووهموه، وأجاب عنه شيخنا بأنَّ مراده: لا دلالة على القرب من الكمال جدًّا، كتسعة عشر, بالنسبة إلى العشرين؛ إذ نحو الشيء ما زاد على نصفه، فيصدق بأحد عشر، كما يصدق بما زاد عليها إلى تسعة عشر، وخصوص المراد من هذا لا دلالة عليه، ولا ينافيه أيضًا قول عبد الله بن بسر: كان في عنفقته شعرات بيض. رواه البخاري، وهو من أفراده وثلاثياته، ومقتضاه: إنه لا يزيد على عشر، لا يراده بصيغة جمع القلة؛ لأنه خص ذلك بعنفقته، فيحمل الزائد على ذلك في غيرها، كما أفاده الحافظ.
وروى الحاكم في المستدرك، من طريق عبد الله بن محمد بن عقيل، عن أنس قال: لو عددت ما أقبل من شيبة في رأسه ولحيته ما كنت أزيد على إحدى عشرة شيبة، وجمع العلَّامة البلقيني بين هذه الروايات؛ بأنها تدل على أن شعراته البيض لم تبلغ عشرين، والرواية الثانية: إن ما دونها كان سبع عشرة, فتكون العشرة على عنفقته، والزاد عليها في بقية لحيته؛ لأنه قال في الثالثة: لم يكن في لحيته عشرون شعرة بيضاء، واللحية تشمل العنفقة وغيرها، وتكون العشرة على العنفقة؛ لحديث عبد الله بن بسر، والبقية بالأحاديث الأخر في بقية لحيته، وإشارة حميد إلى أنَّ في عنفقته سبع عشرة لا تفهم من نفس الحديث، وأمَّا الرواية الرابعة: فلا تنافي كون العشرة على العنفقة، والواحد على غيرها، وهذا الموضع موضع تأمل أ. هـ.
وكيف هذا مع قوله في الرابعة: في رأسه ولحيته, "وروى" الترمذي "أيضًا" من طريق عكرمة "عن ابن عباس" قال: "قال أبو بكر" الصديق: "يا رسول الله، قد شبت"، أي: ظهر فيكстр. 2754
قال: "شيبتني هود والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، إذ الشمس كورت".
وفي حديث جابر
الحواشي
(١) أثر الشيب والضعف، مع أنَّ مزاجك اعتدلت فيه الطبائع، واعتدالها يستلزم عدم الشيب، "قال: "شيبتني هود"، روي بالصرف أي: سورة هود, وبتركه على أنه عَلَم على السورة، ولا ينافي ذلك حديث أنس: أنه لم يبلغ الشيب؛ لأن مقصوده نفي احتياجه إلى الخضاب الذي سئل عنه؛ إذ الروايات الصحيحة صريحة في أنَّ ظهور الشيب في رأسه ولحيته لم يبلغ مبلغًا يحكم عليه بالشيب، "والواقعة والمرسلات، وعم يتساءلون، وإذا الشمس كورت"، زاد الطبراني: والحاقة، وابن مردويه: وهل أتاك حديث الغاشية، وابن سعد: والقارعة، وسأل سائل، وفي رواية: واقتربت الساعة، وإسناد الشيب إلى السور، والمؤثر هو الله، إسناد إلى السبب، فهو مجاز عقلي، أو تنزيلًا للأسباب منزلة المؤثر، فالإسناد حقيقي، ولا ينافي أن التنزيل يقتضي التجوّز في المسند إليه، وروى ابن سعد أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أنا أكبر منك مولدًا، وأنت خير مني وأفضل، فقال: " شيبتني هود وأخواتها، وما فعل بالأمم قبلي"، ووجه تشييب هود وأخواتها: اشتمالها على بيان أحوال السعداء والأشقياء، وأهوال القيامة، وما يتعسر، بل يتعذّر مراعاته على غير النفوس القدسية، كالأمر بالاستقامة، كما أمر الذي لا يمكن لأمثالنا، وغير ذلك مما يوجب استيلاء سلطان الخوف، لا سيما على أمته؛ لعظيم رأفته بهم ورحمته، ودوام الفكر فيما يصلحهم، وتتابع الغمّ فيما ينوبهم أو يصدر عنهم، واشتغال قلبه وبدنه وخاطره فيما فُعِلَ بالأمم الماضيين، وذلك كله يستلزم ضعف الحرارة الغريزية، وبها يسرع الشيب، ويظهر قبل أوانه، لكن لما كان عنده ﷺ من شرح الصدر، وتزاحم أنوار اليقين على قلبه ما يسليه، لم يستول ذلك إلا على قدر يسير من شعره الشريف؛ ليكون فيه مظهر الجلال والجمال، ويستبين أن جماله غالب على جلاله، ووجه تقديم هود: إن كانت الواو لا ترتب، إلّا أنَّ تقديم الذكر لا يخلو عن حكمة، قوله تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ ، فأمرهم بأعلى المراتب، ولا يستطيعها إلّا النادر، ولذا لم يذكر "شورى"؛ لأنه المأمور فيها وحده، بخلاف "هود"، وقد علم أنهم، لا يقومون بهذا الأمر الخطر كما يجب, فاهتمَّ بحالهم, وملاحظة عاقبة أمرهم, أو أنه أوّل ما سمعه في هود, وقول بعضهم كان وجه تخصيص هذه الصورة بالذكر، مع أن في بعض السور غيرها ما يفي بها وزيادة, أنه ﷺ حال إخباره بذلك لم يكن أنزل عليه مما يشتمل على ما مَرَّ غيرها فيه، أنه ليس في القرآن الأمر بالاستقامة، وهو من تاب معه، إلّا في "هود"، إلّا أن يكون مراده غيرها، فقد تسلم نكتته، "وفي حديث جابر" أي: ابن سمرة.
وكان الأولى زيادته؛ لأنه عند الإطلاق: ابن عبد الله، لكنه استغنى عن ذلك بإحالته علىстр. 2755
عنده: لم يكن في رأسه ﷺ شيب إلّا شعرات في مفرق رأسه, إذا ادَّهن واراهنَّ الدهن.
وفي رواية البيهقي: كان أسود اللحية حسن الشعر.
واختلف العلماء: هل خضب ﵊ أم لا؟
قال القاضي عياض: منعه الأكثرون, وهو مذهب مالك.
الحواشي
(١) الترمذي، بقوله "عنده"؛ إذ هو عنده عن سماك بن جرب، قال: قيل لجابر بن سمرة: أكان في رأس رسول الله ﷺ شيب؟ قال: "لم يكن في رأسه ﷺ شيب"، أي: بياض شعر أو شعر أبيض، "إلّا شعرات" قليلة معدودة، لا تزيد على عشر, بدليل جمع القلة "في مفرق" بفتح الراء وكسرها، "رأسه"، أي: مقدمة، لرواية مسلم: قد شمط مقدم رأسه، أو محلّ المفرق منه، وهو وسط الرأس، كما في الصحاح، "إذا ادَّهن، واراهنَّ الدهن" بالفتح والضم- أي: سترهنَّ وغيَّبَهنَّ، وجعلهنَّ مخفيات؛ بحيث لا ترى إلا بدقة نظر لجمعة الشعر، والخلطة بالطيب، وقال القرطبي: المراد أنه كان إذا تطيّب يكون فيه دهن، فيه صفرة تخفي شيبه، وهذا الحديث أخرجه مسلم، والنسائي، عن ابن سمرة، بنحوه، كما يأتي، "وفي رواية البيهقي: كان أسود اللحية حسن الشعر"، أي: ليس بجعد، ولا قطط، "واختلف العلماء" في جواب قول السائل، "هل خضب ﵊ أم لا؟ "، ومثاره اختلاف الرواية في ذلك، فأنكره أنس، وأثبته ابن عمر، كما مَرَّ، وأبو رمثة قال: أتيت النبي ﷺ بردان أخضران، وله شعر قد علاه الشيب، وشيبه أحمر مخضوب بالحنا. رواه الحاكم، وأصحاب السنن، وسُئِلَ أبو هريرة: هل خضب ﷺ ؟ قال: نعم. رواه الترمذي، وغيره، وفي الباب غيرهم.
"قال القاضي عياض: منعه الأكثرون، وهو مذهب مالك"، فوافق أنسًا على الإنكار، وتأوَّل حديث ابن عمر بحمله على الثياب لا الشعر، وأحاديث غيره إن صحَّت على أن تلونه من الطيب لا من الصبغ، لما في البخاري وغيره، قال ربيعة: فرأيت شعرًا من شعره ﷺ ، فإذا هو أحمر، فسألت، فقيل: أحمر من الطيب، قال الحافظ: لم أعرف المسئول المجيب بذلك، إلّا أنَّ الحاكم روى أنَّ عمر بن عبد العزيز قال لأنس: هل خضَّب النبي ﷺ ؟ فإني رأيت شعرًا من شعره قد لوّن، فقال: إنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب به شعره، فهو الذي غيِّر لونه، فيحتمل أن يكون ربيع سأل أنسًا عن ذلك، فأجابه، ووقع في رجال مالك للدارقطني، والغرائب له، عن أبي هريرة قال: لما مات رسول الله ﷺ ، خضب من كان عنده شيء من شعره، ليكون أبقى لها، فإن ثبت هذا استقام إنكار أنس، ويقبل ما أثبته سواه التأويل، انتهى.стр. 2756
وقال النووي: المختار أنَّه صبغ في وقت, وترك في معظم الأوقات، فأخبر كلٌّ بما رأى وهو صادق، قال: وهذا التأويل كالمتعين؛ لحديث ابن عمر في الصحيحين: ولا يمكن تركه ولا تأويل له. وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه, فالجمع بينهما أنه رأى شيبًا يسيرًا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير, ومن نفاه أراد أنه لم يكثر فيه، كما قال في الرواية الأخرى: لم ير الشيب إلّا قليلًا، انتهى.
وعن جابر بن سمرة قال: كان ﷺ قد شمط مقدم رأسه ولحيته،
الحواشي
(١) "وقال النووي: المختار أنه صبغ" شعره حقيقةً؛ لأن التأويل خلاف الأصل "في وقت، وترك في معظم الأوقات، فأخبر كلٌّ بما رأى، وهو صادق"، وغاية ما يفيده هذا عدم الحرمة؛ لأنه يفعل المكروه في حق غيره لبيان الجواز، فلا يصح استدلال الشافعية به على قولهم: الخضاب بغير سواد سنة، فيحمل حديث من أثبت الخضاب على أنه فعله لإرادة بيان الجواز، ولم يواظب عليه، ويحمل نفي أنس على غلبة الشيب، حتى يحتاج إلى خضابه، ولم يتَّفق أنه رآه وهو يخضب، كما في الفتح, وما رواه الترمذي، عن أنس: رأيت شعر رسول الله ﷺ مخضوبًا، فقد حكم الحفَّاظ بأنه شاذّ، وبينوا أوجه الشذوذ، فلا يقاوم ما في الصحيحين عنه من طرق كثيرة، أنه لم يخضّب، وعلى تقدير الصحة، جمع بأن الشعر لما تغيّر بكثرة الطيب سماه مخضوبًا، وبأنه أراد بالنفي أكثر أحواله، وبالإثبات إن صحَّ عنه أقلّها، "قال: وهذا التأويل كالمتعين؛ لحديث ابن عمر في الصحيحين" السابق قريبًا, أنه رأى النبي ﷺ يصبغ بالصفرة، "ولا يمكن تركه" لصحته، "ولا تأويل له" فيه نظر؛ إذ هو في نفسه محتمل للثياب والشعر، ثم قد ورد ما يعين الأول، وهو ما في سنن أبي داود، عن ابن عمر نفسه، كان يصبغ ﷺ بالورس والزعفران حتى عمامته، ولذا رجَّحه عياض.
"وأما اختلاف الرواية في قدر شيبه" المناسب لجمعه، أن يقول في أصل شيبه، أي: إثباته ونفيه، أمَّا لفظ قدر: فيقتضي الاتفاق على وجوده، والأمر بخلافه، إلّا أن يقال: لفظ قدر ينتهي إلى العدم، "فالجمع بينهما" أي: بين رواية الشيب وعدمه، وإن اشتمل على عدة أحاديث، "أنه"، أي: جنس الراوي، "رأى شيبًا" أي: بياضًا "يسيرًا، فمن أثبت شيبه أخبر عن ذلك اليسير، ومن نفاه" أي: الشيب "أراد أنه لم يكثر فيه، كما قال في الرواية الأخرى: لم ير من الشيب إلا قليلًا، انتهى" كلام النووي. "وعن جابر بن سمرة"، وقد سئل عن شيبه ﷺ "فقال: كان ﷺ قد شمط" بفتح المعجمة، وكسر الميم، "مقدم رأسه ولحيته" بالجر، أي: ومقدم لحيته، أي: خالط سوادهما بياض، وإطلاق الشمط على بياض اللحية حقيقي، كما في المغرب عن الليث،стр. 2757
وكان إذا ادَّهن لم يتبيّن، فإذا شعث رأسه تبيِّن, وكان كثير شعر اللحية. رواه مسلم والنسائي.
وعن أنس: كان ﷺ يكثر دهن رأسه وتسريح لحيته. رواه البغوي في شرح السنة.
الحواشي
(١) وجزم به الشامي، مجاز على ما في الصحاح والقاموس من تخصيصه بالرأس، "وكان إذا ادَّهن لم يتبيّن" شيبه؛ لالتباس البياض ببريق الشعر من الدهن، وفي رواية الترمذي: كان إذا دهن رأسه لم ير منه شيب، وإذا لم يدهن ريء منه، قال المصنف: كذا وقع في أصل سماعنا: دهن من الثلاثي المجرد، وكذا لم يدهن، وفي رواية: أدهن من باب الافتعال، وكذا لم يدهن، وعلى التقديرين يكون رأسه مفعولًا، لكن في المغرب: دهن رأسه وشاربه، إذا طلاه بالدهن، وادَّهن على افتعل إذا تولى ذلك بنفسه، من غير ذلك المفعول، "فإذا شعث رأسه" بعدم الإدهان "تبيّن" شيبه؛ لتفرق شعره، فيصير شيبه مرئيًّا.
"وكان كثير شعر اللحية. رواه مسلم والنسائي"، وهو صريح في قلة شيبه أيضًا، كغيره من الأحاديث، "وعن أنس" قال: "كان ﷺ يكثر دهن رأسه" بفتح الدال- مصدر بمعنى استعمال الدهن -بالضم- وهو ما يدهن به من زيت وغيره، وجمعه: دهان -بالكسر، وادَّهن على افتعل, تطلى بالدهن، كما في المصباح، كغيره، "وتسريح لحيته" عطف على دهن، لا على رأسه، كما وهم، "رواه البغوي في شرح السنة"، وأبعد المصنف النجعة، فقد رواه الترمذي في جامعه، وشمائله من طريق الربيع بن صبيح، عن يزيد بن أبان -هو الرقاشي، عن أنس به, بزيادة: ويكثر القناع، حتى كان ثوبه ثوب زيات، ومعناه: إنه يكثر دهن رأسه ويتقنع، فكأنَّ الموضع الذي يصيبه رأسه من ثوبه ثوب زيات.
قال الحافظ -الشمس بن الجزري: الربيع بن صبيح له مناكير، منها هذا الخبر، فإنه ﷺ كان أنظف الناس ثوبًا، وأحسنهم هيئة، وقد قال: " أصلحوا ثيابكم حتى تكونوا كالشامة في الناس"، وأنكر على من رآه وسخ الثوب، وقال: "أما كان يجد هذا ما يغسل به ثوبه" انتهى.
وتعقّب بأن الربيع لم ينفرد به، بل تابعه عمر بن حفص العبدي، عن يزيد، عن أبان, كان النبي ﷺ يكثر التقنّع بثوبه, حتى كأنَّ ثوبه ثوب زيات أو دهان، أخرجه ابن سعد، وإصابة الدهن لحاشية ثوبه إنما كان أحيانًا، وإذا وقع غسله، وذلك لا ينافي كونه أنظف الناس ثوبًا.
وقال الحافظ العراقي في شرح الترمذي: هذا الحديث إسناده ضعيف، لكن له شواهد, منهم في الخلعيات عن سهل بن سعد، كان ﷺ يكثر دهن رأسه، وتسريح لحيته بالماء، ومنها: فيстр. 2758
قد وصفه ﵊ ابن أبي هالة بأنَّه كان موصول ما بين اللبة والسرة بشعر يجري كالخط عاري الثديين مما سوى ذلك، أشعر الذراعين والمنكبين وأعالي الصدر.
الحواشي
(١) سنن البيهقي، عن أبي سعيد: كان لا يفارق مصلاه سواكه ومشطه، وكان يكثر تسريح لحيته. وإسناده ضعيف، وإكثاره ذلك إنما كان في وقتٍ دون وقت؛ لنهيه عن الادّهان إلّا غبًّا في عدة أحاديث، "وقد وصفه ﵊ ابن أبي هالة؛ بأنه كان موصول ما بين اللبة" بفتح اللام، والموحدة الثقيلة- وهي المنحر، أو النقرة التي فوق الصدر، أو موضع القلادة منه، وقال ابن قتيبة: هي التطامن الذي فوق الصدر، وأسفل الحلق بين الترقوتين، وفيها تنحر الإبل، والقول بأنها الفقرة التي في الحلق غلط، "والسرة" بضم المهملة- ما بقي بعد القطع، والمقطوع سر بلا تاء.
قال الجوهري: تقول: عرفت ذلك قبل أن يقطع سرك، ولا تقل سرتك؛ لأن السرة لا تقطع، وإنما هي الموضع الذي قُطِعَ منه السر -بالضم، وما موصول، وموصول مضاف لما بعده إضافة الصفة لمعمولها، والمعنى: وصل الذي بين لبته وسرته "بشعر" متعلق بموصول, "يجري" يمتدّ, شبِّه بجريان الماء، وهو امتداده في سيلانه، "كالخط" واحد الخطوط، وهو الطريقة المستقيمة في الشيء، والخط الطريق، وغالبه الاستقامة والاستواء، فشبِّه بالاستواء، وفي الاصطلاح: ما وصل بين نقطتين متقابلتين، أو ما وجد فيه ثلاث نقط على سمت واحد، وأقصر خط وصل بين نقطتين، فكأنه جعل اللبة نقطة، والسرة نقطة، والشعر الرقيق بينهما خطًّا لاتصاله، والأوّل أعرف وأشهر، وروي: كالخيط, والأول أبلغ في التشبيه، وهذا معنى دقيق المسرية المتقدّم في وصف هند، "عاري الثديين" بفتح أوله ويضم- بقلة, أي: لم يكن عليهما شعر، وفي رواية: الثندوتين -بمثلثة ونون- وهما بمعنًى, قال ابن الأثير: هما للرجل كالثديين للمرأة، فمن ضمَّ الثاء همز، ومن فتحها لم يهمز, انتهى. وقيل: لم يكن عليهما لحم ناتئ عن البدن، لما يأتي أنه أشعر أعالي الصدر، وفيه نظر؛ لأنه لم يذكر فيه أنّ على ثدييه شعرًا، وأيضًا هو خلاف الظاهر المتبادر، قال المصنف: وأيضًا يتعطل قوله: والبطن، "مما سوى ذلك".
وفي رواية: ما سوى ذلك, أي: ليس فيهما شعر غيره، فهو قيد للثديين والبطن، إلّا أنه بالنسبة لها للاحتراز، وللثديين ليس للتحرّز عن الخط، بل لأنه لو كان لكان سواه، ورواية: مما -بميمين- أقرب وأنسب، وما موصولة، وفي رواية: ما سوى ذين، وهي أيضًا أظهر, "أشعر"، أي: كثير شعر "الذراعين، والمنكبين، وأعالي" جمع أعلى, "الصدر"، أي: كان على هذه الثلاثةстр. 2759
وعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ والحلاق يحلقه, وأطاف به أصحابه, فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل. رواه مسلم. وستأتي إن شاء الله تعالى قصة حلق رأسه الشريف في حجة الوداع.
ولم يروَ أنه ﵊ حلق رأسه الشريف في غير نسك حج أو عمرة فيما علمته، فتبقية الشعر في الرأس سنة, ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن لم يستطع التبقية يباح له إزالته.
وقد رأيت بمكة المشرَّفة في ذي القعدة سنة سبع وتسعين وثمانمائة شعرة عند الشيخ أبي حامد المرشدي، شاع وذاع أنها من شعره ﷺ ، زرتها صحبة المقام المقري خليل العباسي, وإلى الله إحسانه عليه.
وعن محمد بن سيرين
الحواشي
(١) شعر غزير, هذا من تتمة الصفتين المارَّتين، وأشعر ضد أجرد، وهو أفعل صفة، لا أفعل تفضيل، "وعن أنس قال: رأيت رسول الله ﷺ " في حجة الوداع، "والحلاق" معمر بن عبد الله، كما ذكره البخاري، وقيل: خراش بن أمية -بمعجمتين- والصحيح الأوّل، فإن خراشًا كان الحلاق بالحديبية، "يحلقه" بكسر اللام، "وأطاف به أصحابه" داروا حواله، "فما يريدون أن تقع شعرة إلّا في يد رجل" تيمنًا وتبركًا "رواه مسلم"، وفي الصحيحين عن أنس أنه ﷺ ، لما حلق رأسه، كان أبو طلحة أوّل من أخذ من شعره، "وستأتي إن شاء الله تعالى قصة حلق رأسه الشريف في حجة الوداع"، من المقصد التاسع، "ولم يروَ أنه ﵊ حلق رأسه الشريف في غير نسك حجٍ أو عمرة" بدل من نسك، "فيما علمته"، وبه جزم ابن القيم، فقال: لم يحلق رأسه إلا أربع مرات, وقال العراقي في سيرته:
يحلق رأسه لأجل النسك ... وربما قصره في نسك
وقد رووا لا توضع النواصي ... إلا لأجل النسك المحاصي
"فتبقية الشعر في الرأس سنَّة، ومنكرها مع علمه يجب تأديبه، ومن لم يستطع التبقية يباح له إزالته"، ولفقهائنا كلام طويل في ذلك، "وقد رأيت مكَّة المشرفة, في ذي القعدة، سنة سبع وتسعين وثمانمائة, شعرة عند الشيخ أبي حامد المرشدي، شاع وذاع أنها من شعره ﷺ , زرتها، صحبة المقام المقري خليل العباسي، وإلى الله إحسانه عليه"، وذكر هذا كسابقه، وإن لم يكن من شمائله، لبيان تبرك الناس قديمًا وحديثًا بأثاره، فله مناسبة ما في شمائله، وكذا قوله: "وعن محمد بن سيرين" الأنصاري مولاهم البصري، ثقة ثبت، تابعي عابد, كبير القدر،стр. 2760
قال: قلت لعبيدة، عندنا من شعر النبي ﷺ ، أصبناه من قِبَلِ أنس أو من قِبَلِ أهل أنس، فقال: لأن تكون عندي شعرة منه أحب إليّ من الدنيا وما فيها. رواه البخاري.
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، أنه ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها
الحواشي
(١) كان لا يرى الرواية بالمعنى، مات سنة عشر ومائة، "قال: قلت لعبيدة" بفتح العين، وكسر الموحدة، آخره هاء- ابن عمرو بن قيس السلماني -بفتح، فسكون- ويقال: بفتحتين- المرادي أبي عمرو الكوفين التابعي، الكبير المخضرم، الثبت, الفقيه، أسلم قبل وفاة المصطفى ولم يره، ومات سنة اثنتين وسبعين أو بعدها، والصحيح أنَّه مات قبل سنة سبعين، "عندنا" شيء "من شعر النبي ﷺ أصبناه" أي: حصل لنا "من قِبَلِ" بكسر القاف، وفتح الموحدة- أي: من جهة "أنس، أو من قِبَلِ أهل أنس" بن مالك، ووجه حصوله لمحمد بن سيرين والده، كان مولى أنس، وأنس ربيب أبي طلحة، وكان أوّل من أخذ من شعره، كما في الصحيح "فقال" عبيدة: "لأن تكون عندي شعرة" واحدة "منه، أحب إليّ من الدنيا وما فيها" من متاعها، وللإسماعيلي: أحبّ إلي من كل صفراء وبيضاء. ولام لأنّ لام ابتداء للتأكيد، وأنّ مصدرية، أي: كون شعرة، وأحبّ خبر، فتكون ناقصة، ويحتمل أنها تامّة "رواه البخاري" في كتاب الوضوء.
"وعن عمرو بن شعيب" ابن محمد بن عبد الله، بن عمرو بن العاص، "عن أبيه" شعيب "عن جده"، أي: شعيب، وهو عبد الله الصحابي، "أنه ﷺ كان يأخذ من لحيته من عرضها وطولها"، بالسوية، كما في الرواية، لتقرب من التدوير من جميع الجوانب؛ لأن الاعتدال محبوب، والطول المفرط، قد يشوّه الخلق، ويطلق ألسنة المغتابين، ففعل ذلك مندوب، ما لم ينته تقصيص اللحية، وجعلها طاقات فيكره، وكان بعض السلف يقبض على لحيته، فيأخذ ما تحت القبضة، وقال النخعي: عجبت لعاقل كيف لا يأخذ من لحيته، فيجعلها بين لحيتين، فإن التوسّط في كل شيء حسن، ولذا قيل: كلما طالت اللحية تشمّر العقل، ففعل ذلك إذا لم يقصد الزينة والتحسين لنحو النساء سنّة، كما عليه جمع, منهم: عياض وغيره، واختار النووي: كونها بحالها مطلقًا، ثم لا ينافي في فعله ﷺ قوله: "اعفوا اللحى"؛ لأنه في الأخذ منها لغير حاجة، أو لنحو تزين، وهذا فيما احتيج إليه لتشعث أو إفراط، طول يتأذَّى به، وقال الطيبي: المنهي عنه قصها كالأعاجم، أو وصلها كذنب الحمار، وقال الحافظ: المنهي عنه الاستئصال، أو ما قاربه بخلاف الأخذ المذكور.
لطيفة: قال الحسن بن المثنَّى: إذا رأيت رجلًا له لحية طويلة، ولم يتخذ لحية بينстр. 2761
رواه الترمذي وقال: حديث غريب.
وأخرج الترمذي عن ابن عباس وحسَّنه قال: كان النبي ﷺ يقصّ شاربه.
وعنده من حديث زيد بن أرقم قال: قال النبي ﷺ : "من لم يأخذ من شاربه فليس منا".
وفي الصحيحين: حديث: "خالفوا المشركين, وفِّروا
الحواشي
(١) لحيتين، كان في عقله شيء، وجلس المأمون مع أصحابه مشرفًا على دجلة، فقال المأمون: ما طالت لحية إنسان قط إلّا ونقص من عقله بقدر ما طال منها، وما رأيت عاقلًا قط طويل اللحية، فقال بعض الجلساء: ولا يرد على أمير المؤمنين، أنه قد يكون في طولها عقل، فأقبل رجل كبير اللحية، حسن الهيئة، فأخر الثياب، فقال المأمون: ما تقولون فيه؟ فقال بعضهم: يجب كونه قاضيًا، فأمر بإحضاره، فوقف، فسلّم، فأجاد، فأجلسه المأمون واستنطقه، فأحسن، فقال المأمون: ما اسمك؟ فقال: أبو حمدويه، والكنية علوية، فضحك المأمون، وغمز جلساءه، ثم قال: ما صنعتك؟، قال: فقيه أجيد المسائل، قال: ما تقول فيمن اشترى شاة، فلمَّا تسلمها خرج من إستها بعرة، ففقأت عين رجل، فعلى من الدية؟، قال: على البائع دون المشتري؛ لأنه لما باعها لم يشترط أنَّ في إستها منجنيقًا، فضحك المأمون حتى استلقى على قفاه، وأنشد:
ما أحد طالت له لحية ... فزادت اللحية في هيئته
إلّا وما ينقص من عقله ... أكثر مما زادني لحيته
"رواه الترمذي" في الاستئذان، "وقال: حديث غريب"، وفيه عمرو بن هارون البلخي، قال الذهبي: ضعّفوه، "وأخرج الترمذي".
"عن ابن عباس، وحسَّنه" الترمذي, "قال" ابن عباس: "كان النبي ﷺ يقص شاربه" في أيّ وقت احتاج إليه، من غير تقييد بيوم، كما أفاده هذا الحديث الحسن، وحديث التقييد بالجمعة ضعيف، كما يأتي "وعنده"، أي: الترمذي أيضًا في الاستئذان، وقال: حسن صحيح، والنسائي في الطهارة، والإمام أحمد "من حديث زيد بن أرقم قال: قال النبي ﷺ : "من لم يأخذ من شاربه" ما طال حتى تبين الشفة بيانًا ظاهرًا، "فليس منَّا"، أي: ليس على طريقتنا الإسلامية لندب ذلك مؤكدًا، فتاركه متهاون بالسنة، هذا مذهب الجمهور، وأخذ جمع بظاهره فأوجبوا قصه.
وروى أحمد عن رجل من الصحابة رفعه: "من لم يحلق عانته، ويقلّم أظفاره، ويجز شاربه، فليس منا" وحسَّنه بعض الحفاظ لشواهده، فلا يخالف قوله -العراقي: هذا لا يثبت، وفيه ابن لهيعة، "وفي الصحيحين" عن ابن عمر حديث "خالفوا المشركين" في زيهم "وفروا" بشدстр. 2762
اللحى وأحفوا الشوارب".
واختلف في قص الشارب وحلقه, أيهما أفضل, ففي الموطأ: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة، وعن ابن عبد الحكم عن مالك قال: ويحفى الشارب ويعفى اللحى، وليس إحفاء الشارب حلقه، وأرى تأديب من حلق شاربه.
وعن أشهب أنَّ حلقه بدعة, قال: وأرى أن يوجع ضربًا من فعله.
وقال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو طرف الشفة ولا يحفّه من أصله.
الحواشي
(١) الفاء، من التوفير, "اللحى"، أي: اتركوها وافرة لتكثر وتغزر، ولا تتعرضوا لها، وفي رواية: "أوفوا اللحى" أي: اتركوها وافية، وأخرى: أرجئوا -بالجيم والهمز، أي: أخروا، وأخرى: بالخاء المعجمة بلا همز، أي: أطيلوا.
قال النووي: وكل هذه الروايات بمعنى واحد، واللحى -بكسر اللام، وحُكِيَ ضمها، وبالقصر والمد جمع لحية بالكسر فقط، اسم لما ينبت على الخدين والذقن، "وأحفوا الشوارب"، قال النووي: بقطع الهمزة ووصلها من: أحفاه وحفاه: استأصله، وقال الزركشي: بألف قطع رباعي أشهر وأكثر، وهو المبالغة في استقصائه، ومنه أحفى في المسألة إذا أكثر، وقال القاضي عياض: من الإحفاء، وأصله الاستقصاء في أخذ الشارب، في معناه: أنهكوا الشوارب في الرواية الأخرى؛ والمراد: بالغوا في قص ما طال منها حتى تبين الشفة بيانًا ظاهرًا استحبابًا، وقيل: وجوبًا، "واختُلِفَ في قص الشارب وحلقه أيهما أفضل"، قال عياض: ذهب كثير من السلف إلى استيعاب الشارب وحلقه، لظاهر قوله ﷺ : "أحفوا وانهكوا"، وهو قول الكوفيين، وذهب كثير منهم إلى منع الحلق، قاله مالك، "ففي الموطّأ: يؤخذ من الشارب حتى يبدو طرف الشفة"، أي: يظهر ظهورًا واضحًا.
"وعن ابن عبد الحكم عن مالك، قال: ويحفى الشارب، ويعفى اللحى, وليس إحفاء الشارب حلقه"، بل أخذ ما طال عن الشفة بقصٍّ ونحوه؛ بحيث ل يؤذي الآكل، ولا يجتمع فيه الوسخ، قال القرطبي: "وأرى تأديب من حلق شاربه" لما فيه من التشبيه بالمجوس، "وعن أشهب" عن مالك، كما في التمهيد: "إن حلقه بدعة" لذلك "قال: وأرى أن يوجع ضربًا من فعله" نائب فاعل يوجع، "وقال النووي: المختار في قص الشارب أنه يقصه حتى يبدو" يظهر "طرف الشفة؛ ولا يحفّه من أصله"، قال -أعني النووي: وأما رواية: أحفوا، فمعناه: أزيلوا ما طال على الشفتين، قال ابن دقيق العيد: لا أدري هل نقله عن مذهب الشافعي، أو قاله اختيارًا منهстр. 2763
وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وكان المزني خال والربيع يحفيان شاربهما.
وأمَّا أبو حنيفة وصاحباه: فمذهبهم في شعر الرأس والشارب أن الإحفاء أفضل من التقصير.
وأما أحمد: فقال الأثرم: رأيته يحفي شاربه شديدًا.
الحواشي
(١) لمذهب مالك أ. هـ.
لكن سبق النووي الغزالي، فقال في معنى الحديث: أي: اجعلوها حفاف الشفة، أي: حولها، وحفاف الشيء حوله ومنه، ﴿وَتَرَى الْمَلائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ﴾ ، "وقال الطحاوي: لم نجد عن الشافعي شيئًا منصوصًا في هذا، وكان" أصحابه الذين رأيناهم، منهم "المزني خال" الطحاوي، "والربيع, يحفيان شاربهما"، قال: وما أظنهم أخذوا ذلك إلّا عنه، "وأما أبو حنيفة وصاحباه" لفظ الطحاوي: وأصحابه"، فمذهبهم في شعر الرأس والشارب أنَّ الإحفاء"، أي: الإزالة بالكلية "أفضل من التقصير"، قال -أعني الطحاوي: وخالف مالك، "وأمَّا أحمد: فقال الأثرم" بمثلثة- أبو بكر أحمد بن محمد بن هانئ البغدادي، الفقيه، الحافظ، الثقة، المصنف، روى عنه النسائي، ومات سنة ثلاث وسبعين ومائتين: "رأيته يحفي شاربه شديدًا"، ونَصَّ على أنه أَوْلَى من القص. قال في فتح الباري: وذهب ابن جرير إلى التخيير، فإنه لما حكي قول مالك وقول الكوفيين، ونقل عن أهل اللغة أنَّ الأحفاء الاستئصال، قال: دلّت السنة على الأمرين، ولا تعارض, فالقص يدل على أخذ البعض، والإحفاء يدل على أخذ الكل، فكلاهما ثابت، فيخير فيما شاء.
قال الحافظ: فيؤخذ من قول الطبري: ثبوت الأمرين معًا في الأحاديث، فأمَّا الاقتصار على القص، ففي حديث المغيرة: ضفت النبي ﷺ ، وكان شاربي وفيّ, فقصه على سواك، رواه أبو دواد، رواه البيهقي بلفظ: فوضع السواك تحت الشارب، وقص عليه، وأخرج البزار عن عائشة: إن النبي ﷺ أبصر رجلًا شاربه طويل، فقال: ائتوني بمقص وسواك، فجعل السواك على طرفه، ثم أخذ ما جاوزه. والبيهقي، والطبراني، عن شرحبيل بن مسلم الخولاني: رأيت خمسة من الصحابة يقصون شواربهم: أبو أمامة الباهلي، والمقدام بن معد يكرب، وعتبة بن عون السلمي، والحجاج بن عامر الثمالي، وعبد الله بن بسر. وأمَّا الإحفاء: فأخرج الطبراني، والبيهقي، عن عبد الله بن أبي رافع، رأيت أبا سعيد الخدري، وجابر بن عبد الله؛ وابن عمر، ورافع بن خديج، وأبا سعيد الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبا رافع، ينهكون شواربهم كالحلق. وأخرج الطبراني عن عروة وسالم والقاسم وأبا سلمة أنهم كانوا يحلقون شواربهم. انتهى.стр. 2764
واختلف في كيفية قَصّ الشارب، هل يقص طرفاه أيضًا، وهما المسميان بالسبالين, أم يترك السبالان كما يفعله كثير من الناس؟
قال الغزالي في الإحياء: لا بأس بترك سباليه, وهما طرفا الشارب. فعل ذلك عمر ﵁ وغيره؛ لأن ذلك لا يستر الفم, ولا تبقى فيه غمرة الطعام؛ إذ لا يصل إليه. انتهى.
وروى أبو داود عن جابر: كنا نحفي السبال إلّا في حجّة أو عمرة.
وكره بعضهم إبقاءهه لما فيه من الشبه بالأعاجم بل بالمجوس وأهل الكتاب، وهو أَوْلَى بالصواب لما رواه ابن حبان في صحيحه من حديث ابن عمر قال: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس فقال: "إنهم يوفِّرون سبالهم ويحلقون لحاهم فخالفوهم"، فكان يجز سباله كما تجز الشاة أو البعير.
الحواشي
(١) "واختلف في كيفية قص الشارب، هل يقص طرفاه أيضًا، وهما المسميان بالسبالين، أم يترك السبالان، كما يفعله كثير من الناس؟، فقيل: بجواز إبقائهما، وقيل: بكراهته، "قال الغزالي في الإحياء: لا بأس بترك سباليه، وهما طرفا الشارب"، أي: المراد بهما هنا ذلك، وإن كان أحد أقوال حكاها المجد، فقال: السبلة -محركة- الدائرة في وسط الشفة العليا، أو ما على الشارب من الشعر، أو طرفه، أو مجتمع الشاربين، أو ما على الذقن إلى طرف اللحية، كلها أو مقدمها خاصة, جمعه سبال، انتهى.
"فعل ذلك عمر ﵁ وغيره؛ لأن ذلك لا يستر الفم، ولا تبقى فيه غمرة" زهومة "الطعام؛ إذ لا يصل إليه. انتهى".
"وروى أبو داود عن جابر: كنَّا نحفي" نزيل "السبال"، فهو بحاء مهملة، وفي نسخة: نعفي -بعين مهملة، وهي تصحيف؛ لأن الإعفاء بالعين: الإبقاء، فلا يصحّ الاستثناء بقوله: "إلّا في حجة أو عمرة"، لوجوب ترك إزالة الشعر، "و" لذا "كره بعضهم إبقاءه، لما فيه من الشبه بالأعاجم"، وقد قال عمر: إياكم وزي الأعاجم. وقال مالك: أميتوا سنة الجم وأحيوا سنة العرب. "بل بالمجوس وأهل الكتاب، وهو أَوْلَى بالصواب"، وفعل عمر إن صح؛ لعله لم يبلغه النهي، "لما رواه ابن حبان في صحيحه"، والطبراني، والبيهقي "من حديث" ميمون بن مهران، عن "ابن عمر قال: ذُكِرَ لرسول الله ﷺ المجوس، فقال: "إنهم يوفِّرون" من التوفير وهو الترك، أي: يتركون "سبالهم"، بلا إزالة، "ويحلقون لحاهم، فخالفوهم"، قال ميمون ابن مهران: "فكان" ابن عمر "يجز" بضم الجيم، وزاي "سباله، كما تجز الشاة أو البعير"، مبالغةً في إزالته، امتثالًاстр. 2765
وروى أحمد في مسنده في أثناء حديثٍ لأبي أمامة: فقلنا يا رسول الله، فإن أهل الكتاب يقصون عثانينهم ويوفِّرون سبالهم, فقال: "قصوا سبالكم ووفَِّروا عثانينكم وخالفوهم أهل الكتاب"، والعثانين -بالعين المهملة والثاء المثلثة وتكرار النون- جمع عثنون, وهو اللحية, قاله في شرح تقريب الأسانيد.
وأما العانة: ففي حديث أنس, أن النبي ﷺ كان لا يتنوّر، ولكن سنده ضعيف. وروى ابن ماجه والبيهقي، ورجاله ثقات، ولكن أعلّ بالإرسال, وأنكر أحمد صحته من حديث أم سلمة أنَّ النبي ﷺ كان إذا طلى بدأ بعانته فطلاها بالنورة وسائر جسده
الحواشي
(١) لأمره ﷺ .
"وروى أحمد في مسنده في أثناء حديث لأبي أمامة"، صدي بن عجلان الباهلي، "فقلنا: يا رسول الله، فإنَّ أهل الكتاب يقصون عثانينهم، ويوفِّرون سبالهم، فقال: "قصوا سبالكم، ووفِّروا عثانينكم، وخالفوا أهل الكتاب" النصارى واليهود، "والعثانين -بالعين المهملة" المفتوحة "والثاء المثلثة، وتكرار النون"، أي: بنونين بينهما تحتية، "جمع عثنون" بضم العين، "وهو اللحية، قاله في شرح تقريب الأسانيد"، وفي القاموس: العثنون: اللحية، أو ما فضل منها بعد العارضين، ونبت على الذقن، وتحته سفلًا أو هو طولها، الجمع: عثانين، انتهى.
"وأمَّا العانة" أي: عانته ﷺ , أي: ما كان يعله فيها، فقيل: كان يحلقها، وقيل: يزيلها بالنورة، فهي اسم للشعر النابت فوق ذكر الرجل وفرج المرأة، وهو قول ابن الأعرابي؛ ويعقوب بن السكيت، وقال الأزهري وجماعة: هي منبت الشعر على الفرجين لا الشعر نفسه، واسمه: الإسب -بكسر الهمزة وسكون المهملة، وقال الجوهري: هي شعر الركب، "ففي حديث أنس: إن النبي ﷺ كان لا يتنوّر"، أي: لا يطلي بالنورة -بضم النون- حجر الكلس، ثم غلبت على أخلاط تضاف إلى الكلس، من زرنيخ وغيره، وتستعمل لإزالة الشعر، وتنوّر: أطلي بالنورة، ونوّرته طليته بها، قيل: عربية، وقيل: معربة، قال الشاعر:
فابعث عليهم سنة قاشوره ... تحتلق المال كحلق النورة
ذكره المصباح، "ولكن سنده ضعيف"، كما جزم به غير واحد وتتمته: وكان إذا كثر شعره حلقه، "وروى ابن ماجه والبيهقي، ورجاله ثقات، ولكن أُعِلَّ بالإرسال"، أي: الانقطاع، "وأنكر أحمد صحته من حديث أم سلمة، أنَّ النبي ﷺ كان إذا طلى بدأ بعانته"، أي: بطليها، وبين ما كان يصلي به فقال: "فطلاها بالنورة"؛ إذ الطلاء كل ما يطل به، "و" طلى "سائر"، أي: باقي "جسده" من كل ما فيه شعر يحتاج لإزالته، فشمل الذراعين ولا ينافيه قول هند: أشعر الذراعين،стр. 2766
أهله.
وأما الحديث الذي يروى أنَّ النبي ﷺ دخل حمام الجحفة، فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث, كما قاله الحافظ ابن كثير، بل لم يتعرّف العرب الحمام ببلادهم إلّا بعد موته ﵊.
وأخرج البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة.
الحواشي
(١) لأنَّ معناه أن شعرهما يكثر ويطول، فيزيله بالنورة, "أهله" نساؤه -بالرفع فاعل، وروى الخرائطي عن أمّ سلمة، أنّ النبي ﷺ كان ينوّره الرجل، فإذا بلغ مراقه تولّى هو ذلك.
قال ابن القيم: ورد في النورة أحاديث، هذا أمثلها, وقال السيوطي: هو مثبت وأجود إسنادًا من حديث النفي، فيقدَّم عليه، واستعمالها مباح لا مكروه، إلّا أنه يتوقّف في كونه سنّة، لاحتياجه إلى ثبوت الأمر به، كحلق العانة ونتف الإبط، وفعله وإن دلّ على السنية، فقد يقال: هذا من الأمور العادية التي لا يدل فعله لها على سنيّة، وقد يقال: إنما فعله بيانًا للجواز ككل مباح، وقد يقال: إنها سُنَّة، ومحله كله ما لم يقصد اتباع النبي ﷺ في فعله، وإلّا فهو مأجور آتٍ بالسنة, انتهى.
"وأمَّا الحديث الذي يروى أنَّ النبي ﷺ دخل حمام الجحفة" وتنوّر فيه, وهي بالضم، ميقات أهل الشام، وكانت قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلًا من مكة، كما في القاموس، "فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، كما قاله الحافظ ابن كثير: بل لم تعرف العرب الحمام ببلادهم إلا بعد موته ﵊"، وما ذكره الديلي بلا سند عن ابن عمر، أنه ﷺ قال لأبي بكر وعمر: "طاب حمامكما"، فمحمول إن صحّ على الماء المسخَّن خاصَّة من عين ونحوها، وكذا كل ما جاء فيه ذكر الحمّام، قاله السخاوي: وأورد عليه ما رواه الخرائطي، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن عساكر، عن محمد بن زياد الإلهاني، قال: كان ثوبان جارًا لي، وكان يدخل الحمام فقلت: وأنت صاحب رسول الله تدخل الحمام؟، فقال: كان ﷺ يدخل الحمام, فهذا يمتنع تأويله بما قال؛ إذ لا ينكر محمد بن زياد استعمال المسخّن على ثوبان، ولكن إسناده ضعيف جدًّا، "وأخرج البيهقي من مرسل أبي جعفر" محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، "الباقر" صفة لأبيه لقب به؛ لأنه بقر العلم، أي: شقه، فعرف أصله وخفيّه، "قال: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة"، قبل الرواح إلى الصلاة، كما في خبر أبي هريرة.стр. 2767
وله شاهد موصول من حديث أبي هريرة, لكنَّ سنده ضعيف, أخرجه البيهقي أيضًا في الشعب.
وسُئِلَ عنه أحمد فقال: يسن يوم الجمعة قبل الزوال, وعنه: يوم الخميس، وعنه: يتخير.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: هذا هو المعتمد، أنه يستحب كيفما احتاج إليه، قال: ولم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وكذا لم يثبت في كيفيته شيء، ولا في تعيين يوم له عن النبي ﷺ .
الحواشي
(١) وإلى هذا ذهب الشافعية، والمالكية؛ حيث يذكرون استحباب تحسين الهيئة يوم الجمعة، كقلم ظفر، وقص شارب، واستحدادٍ إن احتاج إلى ذلك، لنحو هذا الحديث، وإن كان مرسلًا، "و" لكن "له شاهد موصول من حديث أبي هريرة؛ لكن سنده ضعيف، أخرجه البيهقي أيضًا في الشعب"، عن أبي هريرة، أنه ﷺ كان يقلّم أظفاره، ويقصّ شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى الصلاة؛ قال البيهقي عقبه: قال الإمام أحمد: في هذا الإسناد من يُجْهَل. انتهى، لكن يشهد له أيضًا ما رواه الطبراني في الأوسط, والبزار، عن أبي هريرة: من قَلَّمَ أظفاره يوم الجمعة وقي من السوء إلى مثلها. "وسُئِلَ عنه"، أي: عن حكم استحباب الأخذ من الظفر والشارب، أي: وقت "أحمد فقال: يسنّ يوم الجمعة قبل الزوال"؛ لهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فبعضها يقوي بعضًا، "وعنه يوم الخميس"؛ لحديث علي رفعه: "قصّ الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة يوم الخميس, والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة".
رواه الطبراني، وخبر أبي هريرة مرفوعًا: "من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى، والبرص والجنون، فليقلّم أظفاره يوم الخميس بعد العصر، وليبدأ بخنصر اليسرى"، رواه الديلمي وهما واهيان، وفي مسلسلات جعفر المستغفري الحفاظ بإسناد مجهول، عن علي: رأيت النبي ﷺ يقلم أظفاره يوم الخميس، "وعنه يتخيّر" في فعل ذلك أيّ وقت احتاج له، ولا يتقيّد بيوم.
"قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: هذا"، أي: التخيير بين جميع لأزمنة "هو المعتمد"، ولما أوهم ذكر اسم الإشارة, إن المراد التخيير بين الجمعة والخميس، لذكرها عقبهما دفع ذلك، بقوله: "إنه يستحب كيفما احتاج إليه"، وكان الأَوْلَى أن يقول: والمعتمد أنه يستحب, بإسقاط هذا هو.
"قال: ولم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث"، أي: إنها ضعيفة جدًّا، "وكذا لم يثبت في كيفيته"، أي: صفة قصه "شيء، ولا في تعيين يوم له عن النبي ﷺ "стр. 2768
وما يعزى من النظم في ذلك لعلي ﵁, ثم لشيخ الإسلام ابن حجر, قال شيخنا: إنه باطل.
والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلابس الأصبع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول
الحواشي
(١) شيء، قال السيوطي: وبالجملة، فأرجحها نقلًا ودليلًا يوم الجمعة، والأخبار الواردة فيه ليست بواهية جدًّا, بل فيها متمسك خصوصًا الأوّل، وقد اعتضد بشواهد، مع أنَّ الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال؛ "وما يعزي من النظم في ذلك لعلي ﵁"، وهو:
ابدأ بيمناك وبالخنصر ... في قص أظفارك واستبصر
وثن بالوسطى وثلث كما ... قد قيل بالإبهام والبنصر
واختمه في الكف بسبابة ... في اليد والرجل ولا تمتر
وفي اليد اليسرى بإبهامها ... والإصبع الوسطى وبالخنصر
وبعد سبابتها بنصر ... فإنها خاتمة الأيسر
قال السخاوي: وكذب القائل، أي: الناسب هذا النظم لعلي -كرَّم الله وجهه، "ثم لشيخ الإسلام ابن حجر" الحافظ، "قال شيخنا" السخاوي: إنه باطل"، قال: ونَصّ ما عزي له, وحاشاه من ذلك:
في قص فرك يوم السبت آكله ... تبدو وفيما يليه تذهب البركة
وعالم أفاضل يبدو بتلوهما ... وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكة
ويورّث السوء في الأخلاق رابعها ... وفي الخميس الغنى يأتي لمن سلكه
والعمر والرزق زيدًا في عروبتها ... عن النبي روينا فاقتفي نسكه
وقال السيوطي: هذا مفترى عليه، بل في مسند الفردوس بسند واهٍ، عن أبي هريرة مرفوعًا: من قلَّم أظافره يوم السبت خرج منه الدواء، ودخل فيه الشفاء، ومن قلّم أظافره يوم الأحد خرج منه الفاقة، ودخل فيه الغنى، ومن قلَّمها يوم الاثنين خرج منه الجنون، ودخلت فيه الصحة، ويوم الثلاثاء خرج منه المرض، ودخل فيه الشفاء؛ ويوم الأربعاء خرج منه الوسواس والخوف، ودخل فيه الأمن والشفاء، ويوم الخميس خرج منه الجذام، ودخلت فيه العافية، ويوم الجمعة دخلت فيه الرحمة، وخرجت منه الذنوب. قال: وأثار البطلان لائحة عليه. انتهى.
"والمراد" مما يأخذه من الأظفار "إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر"، وإنما استحبّ، "لأنَّ الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حدٍّ يمنع من وصولстр. 2769
الماء فيما يجب غسله في الطهارة. وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين: فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذ لا يصحّ، وقطع الغزالي في الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة: كان ﷺ لا يفارق سواكه ولا مشطه, وكان ينظر في المرآة إذا سرَّح لحيته.
وعن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة, ثلاثة في هذه, وثلاثة في هذه. رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد ولفظه: كان يكتحل بالإثمد
الحواشي
(١) الماء؛ فيما يجب غسله في الطهارة، وقد حكى أصحاب الشافعي"، أي: مقلد ومذهبه "فيه وجهين: فقطع المتولي" بضم الميم، وفتح الفوقية، والواو، فلام مكسورة "بأن الوضوء حينئذ لا يصح"، وهو المعتمد "وقطع الغزالي في الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك"؛ إذ أصله الندب، "وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة، كان ﷺ لا يفارق سواكه ولا مشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته"، ومناسبة ذكر الحديث في مبحث الشعر ظاهرة؛ إذ المشط والمرآة كل آلة لتنظيفه، وأما السواك فوقع في الحديث، وعادة العلماء يذكرون الحديث بتمامه، وإن كان غرضهم منه لفظة واحدة، فلا تتعسف فتقول: ذكره لمناسبته له، في أنّ كلًّا آلة للتنظيف، "وعن ابن عباس: إن النبي ﷺ كانت له مكحلة" بضم أوله وثالثه- من النوادر الواردة -بالضم، وقياسها الكسر؛ لأنها اسم آلة، "يكتحل منها كل ليلة"، حكمة كونه ليلًا أنه أبقى في العين، وأمكن في السراية إلى طبقاتها.
"ثلاثة" متوالية "في هذه"، أي: اليمنى, "وثلاثة" كذلك "في هذه"، أي: اليسرى، وحكمة التثليث توسطه بين الإقلال والإكثار، وخير الأمور أوساطها، وأيضًا فإنه كان يحب الإيتار مع التعدد، وأقلّ مراتب الأعداد التي فيها الإيتار ثلاثة. قال الحافظ العراقي: ليس في الحديث تعرّض للابتداء بالعين اليمنى، وهو مستحب؛ لأنه كان يحب التيمُّن في شأنه كله، وهل تحصل سنة اليمنى باكتحاله فيها مرة، ثم اليسرى مرة، ثم يفعل ذلك ثانيًا وثالثًا، أو لا تحصل إلّا بتقديم المرات الثلاث في الأول, الظاهر الثاني, قياسًا على العضوين المتماثلين في الوضوء، ويحتمل حصولها بالأوّل كالمضمضة والاستنشاق على بعض الصور المعروفة في الجمع والتفرقة.
"رواه ابن ماجه والترمذي" بهذا اللفظ، "و" رواه "أحمد، ولفظه: كان يكتحل بالإثمد"،стр. 2770
كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال.
وروى النسائي والبخاري في تاريخه, عن محمد بن علي قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يتطيّب؟ قالت: نعم، بذكارة الطيب، المسك والعنبر.
وأما مشيه ﵊, فعن علي قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفَّا تكفيًا،
الحواشي
(١) بكسر الهمزة، والميم بينهما مثلثة ساكنة: حجر الكحل المعدني المعروف، قال في التهذيب وغيره: ويقال: إنه معرَّب, ومعدنه بالمشرق، وهو أسود يضرب إلى حمرة، "كل ليلة قبل أن ينام"، والظاهر كما قال المصنف أنه كان بعد العشاء، "وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال" جمع ميل، وهو المرود، ويقال له: المكحل والمكحال, بزنة مفتح ومفتاح، ثم هذا الخبر يخالفه خبر ابن عمر، كان ﷺ إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة مراود، والأخرى مردودين، يجعل ذلك وترًا، رواه الطبراني، وخبر أنس: كان ﷺ يكتحل في اليمنى ثنتين، وفي اليسرى ثنتين، وواحدة بينهما.
قال ابن سيرين: هكذا الحديث، وأنا أحب أن يكون في هذه ثلاثًا، وفي هذه ثلاثًا، وواحدة بينهما، رواه ابن عدي. وحديث: من اكتحل فليوتر، فيه قولان، أحدهما: كون الإيتار في كل واحدة منهما، الثاني: كونه في مجموعهما، قال الحافظ: والأرجح الأوّل "وروى النسائي، والبخاري في تاريخه, عن محمد بن علي، قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يتطيّب"؟ وجه السؤال: إن رائحته طيبة وإن لم يمسّ طيبًا، "قالت: نعم بذكارة الطيب"، بكسر الذال المعجمة- ما يصلح للرجال "المسك والعنبر" بدل، أو عطف بيان؛ إذ الذكارة -بالكسر- جمع ذكر -بفتحتين- ما يصلح للرجال، وهو ما لا لون له، كالمسك والعنبر والعود والكافور.
والذكورة مثله، ومنه الحديث: كانوا يكرهون المؤنّث من الطيب، ولا يرون بذكورته بأسًا، والمؤنث طيب النساء كالخلوط والزعفران، كما في النهاية، ووجه إدخال هذا الحديث في الشعر: أنَّ التطيب يشمل تطييب الشعر؛ "وأما مشيه ﵊، فعن علي" هو نفس الجواب، لكن بتقدير رابط، أي: فورد، أو الجواب محذوف، أي: ففيه أخبار، وإذا أردت معرفتها، فعن علي كذا، وما بعده عطف عليه في المعنى، والأحسن الأوّل "قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفّا تكفيًا" بكاف وفاء، روي بهمز ودونه تخفيفًا، قاله العراقي. وقال النووي: زعم كثير أن أكثر ما يروى بلا همز، وليس كما قالوا, ومآلهما واحد، وهو يرد قول النور بشتّى الرواية المعتدّ بها بلا همز أ. هـ.следующие страницы →