Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2766–2805 · переход к 2771.
стр. 2766
أهله.
وأما الحديث الذي يروى أنَّ النبي ﷺ دخل حمام الجحفة، فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث, كما قاله الحافظ ابن كثير، بل لم يتعرّف العرب الحمام ببلادهم إلّا بعد موته ﵊.
وأخرج البيهقي من مرسل أبي جعفر الباقر قال: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة.
الحواشي
(١) لأنَّ معناه أن شعرهما يكثر ويطول، فيزيله بالنورة, "أهله" نساؤه -بالرفع فاعل، وروى الخرائطي عن أمّ سلمة، أنّ النبي ﷺ كان ينوّره الرجل، فإذا بلغ مراقه تولّى هو ذلك.
قال ابن القيم: ورد في النورة أحاديث، هذا أمثلها, وقال السيوطي: هو مثبت وأجود إسنادًا من حديث النفي، فيقدَّم عليه، واستعمالها مباح لا مكروه، إلّا أنه يتوقّف في كونه سنّة، لاحتياجه إلى ثبوت الأمر به، كحلق العانة ونتف الإبط، وفعله وإن دلّ على السنية، فقد يقال: هذا من الأمور العادية التي لا يدل فعله لها على سنيّة، وقد يقال: إنما فعله بيانًا للجواز ككل مباح، وقد يقال: إنها سُنَّة، ومحله كله ما لم يقصد اتباع النبي ﷺ في فعله، وإلّا فهو مأجور آتٍ بالسنة, انتهى.
"وأمَّا الحديث الذي يروى أنَّ النبي ﷺ دخل حمام الجحفة" وتنوّر فيه, وهي بالضم، ميقات أهل الشام، وكانت قرية جامعة على اثنين وثمانين ميلًا من مكة، كما في القاموس، "فموضوع باتفاق أهل المعرفة بالحديث، كما قاله الحافظ ابن كثير: بل لم تعرف العرب الحمام ببلادهم إلا بعد موته ﵊"، وما ذكره الديلي بلا سند عن ابن عمر، أنه ﷺ قال لأبي بكر وعمر: "طاب حمامكما"، فمحمول إن صحّ على الماء المسخَّن خاصَّة من عين ونحوها، وكذا كل ما جاء فيه ذكر الحمّام، قاله السخاوي: وأورد عليه ما رواه الخرائطي، ويعقوب بن سفيان في تاريخه، وابن عساكر، عن محمد بن زياد الإلهاني، قال: كان ثوبان جارًا لي، وكان يدخل الحمام فقلت: وأنت صاحب رسول الله تدخل الحمام؟، فقال: كان ﷺ يدخل الحمام, فهذا يمتنع تأويله بما قال؛ إذ لا ينكر محمد بن زياد استعمال المسخّن على ثوبان، ولكن إسناده ضعيف جدًّا، "وأخرج البيهقي من مرسل أبي جعفر" محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، "الباقر" صفة لأبيه لقب به؛ لأنه بقر العلم، أي: شقه، فعرف أصله وخفيّه، "قال: كان رسول الله ﷺ يستحب أن يأخذ من أظفاره وشاربه يوم الجمعة"، قبل الرواح إلى الصلاة، كما في خبر أبي هريرة.стр. 2767
وله شاهد موصول من حديث أبي هريرة, لكنَّ سنده ضعيف, أخرجه البيهقي أيضًا في الشعب.
وسُئِلَ عنه أحمد فقال: يسن يوم الجمعة قبل الزوال, وعنه: يوم الخميس، وعنه: يتخير.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: هذا هو المعتمد، أنه يستحب كيفما احتاج إليه، قال: ولم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث، وكذا لم يثبت في كيفيته شيء، ولا في تعيين يوم له عن النبي ﷺ .
الحواشي
(١) وإلى هذا ذهب الشافعية، والمالكية؛ حيث يذكرون استحباب تحسين الهيئة يوم الجمعة، كقلم ظفر، وقص شارب، واستحدادٍ إن احتاج إلى ذلك، لنحو هذا الحديث، وإن كان مرسلًا، "و" لكن "له شاهد موصول من حديث أبي هريرة؛ لكن سنده ضعيف، أخرجه البيهقي أيضًا في الشعب"، عن أبي هريرة، أنه ﷺ كان يقلّم أظفاره، ويقصّ شاربه يوم الجمعة، قبل أن يروح إلى الصلاة؛ قال البيهقي عقبه: قال الإمام أحمد: في هذا الإسناد من يُجْهَل. انتهى، لكن يشهد له أيضًا ما رواه الطبراني في الأوسط, والبزار، عن أبي هريرة: من قَلَّمَ أظفاره يوم الجمعة وقي من السوء إلى مثلها. "وسُئِلَ عنه"، أي: عن حكم استحباب الأخذ من الظفر والشارب، أي: وقت "أحمد فقال: يسنّ يوم الجمعة قبل الزوال"؛ لهذه الأحاديث وإن كانت ضعيفة، فبعضها يقوي بعضًا، "وعنه يوم الخميس"؛ لحديث علي رفعه: "قصّ الظفر، ونتف الإبط، وحلق العانة يوم الخميس, والغسل والطيب واللباس يوم الجمعة".
رواه الطبراني، وخبر أبي هريرة مرفوعًا: "من أراد أن يأمن الفقر، وشكاية العمى، والبرص والجنون، فليقلّم أظفاره يوم الخميس بعد العصر، وليبدأ بخنصر اليسرى"، رواه الديلمي وهما واهيان، وفي مسلسلات جعفر المستغفري الحفاظ بإسناد مجهول، عن علي: رأيت النبي ﷺ يقلم أظفاره يوم الخميس، "وعنه يتخيّر" في فعل ذلك أيّ وقت احتاج له، ولا يتقيّد بيوم.
"قال الحافظ أبو الفضل بن حجر: هذا"، أي: التخيير بين جميع لأزمنة "هو المعتمد"، ولما أوهم ذكر اسم الإشارة, إن المراد التخيير بين الجمعة والخميس، لذكرها عقبهما دفع ذلك، بقوله: "إنه يستحب كيفما احتاج إليه"، وكان الأَوْلَى أن يقول: والمعتمد أنه يستحب, بإسقاط هذا هو.
"قال: ولم يثبت في استحباب قص الظفر يوم الخميس حديث"، أي: إنها ضعيفة جدًّا، "وكذا لم يثبت في كيفيته"، أي: صفة قصه "شيء، ولا في تعيين يوم له عن النبي ﷺ "стр. 2768
وما يعزى من النظم في ذلك لعلي ﵁, ثم لشيخ الإسلام ابن حجر, قال شيخنا: إنه باطل.
والمراد: إزالة ما يزيد على ما يلابس الأصبع من الظفر؛ لأن الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حد يمنع من وصول
الحواشي
(١) شيء، قال السيوطي: وبالجملة، فأرجحها نقلًا ودليلًا يوم الجمعة، والأخبار الواردة فيه ليست بواهية جدًّا, بل فيها متمسك خصوصًا الأوّل، وقد اعتضد بشواهد، مع أنَّ الضعيف يعمل به في فضائل الأعمال؛ "وما يعزي من النظم في ذلك لعلي ﵁"، وهو:
ابدأ بيمناك وبالخنصر ... في قص أظفارك واستبصر
وثن بالوسطى وثلث كما ... قد قيل بالإبهام والبنصر
واختمه في الكف بسبابة ... في اليد والرجل ولا تمتر
وفي اليد اليسرى بإبهامها ... والإصبع الوسطى وبالخنصر
وبعد سبابتها بنصر ... فإنها خاتمة الأيسر
قال السخاوي: وكذب القائل، أي: الناسب هذا النظم لعلي -كرَّم الله وجهه، "ثم لشيخ الإسلام ابن حجر" الحافظ، "قال شيخنا" السخاوي: إنه باطل"، قال: ونَصّ ما عزي له, وحاشاه من ذلك:
في قص فرك يوم السبت آكله ... تبدو وفيما يليه تذهب البركة
وعالم أفاضل يبدو بتلوهما ... وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكة
ويورّث السوء في الأخلاق رابعها ... وفي الخميس الغنى يأتي لمن سلكه
والعمر والرزق زيدًا في عروبتها ... عن النبي روينا فاقتفي نسكه
وقال السيوطي: هذا مفترى عليه، بل في مسند الفردوس بسند واهٍ، عن أبي هريرة مرفوعًا: من قلَّم أظافره يوم السبت خرج منه الدواء، ودخل فيه الشفاء، ومن قلّم أظافره يوم الأحد خرج منه الفاقة، ودخل فيه الغنى، ومن قلَّمها يوم الاثنين خرج منه الجنون، ودخلت فيه الصحة، ويوم الثلاثاء خرج منه المرض، ودخل فيه الشفاء؛ ويوم الأربعاء خرج منه الوسواس والخوف، ودخل فيه الأمن والشفاء، ويوم الخميس خرج منه الجذام، ودخلت فيه العافية، ويوم الجمعة دخلت فيه الرحمة، وخرجت منه الذنوب. قال: وأثار البطلان لائحة عليه. انتهى.
"والمراد" مما يأخذه من الأظفار "إزالة ما يزيد على ما يلابس رأس الأصبع من الظفر"، وإنما استحبّ، "لأنَّ الوسخ يجتمع فيه فيستقذر، وقد ينتهي إلى حدٍّ يمنع من وصولстр. 2769
الماء فيما يجب غسله في الطهارة. وقد حكى أصحاب الشافعي فيه وجهين: فقطع المتولي بأن الوضوء حينئذ لا يصحّ، وقطع الغزالي في الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك.
وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة: كان ﷺ لا يفارق سواكه ولا مشطه, وكان ينظر في المرآة إذا سرَّح لحيته.
وعن ابن عباس أنَّ النبي ﷺ كانت له مكحلة يكتحل منها كل ليلة, ثلاثة في هذه, وثلاثة في هذه. رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد ولفظه: كان يكتحل بالإثمد
الحواشي
(١) الماء؛ فيما يجب غسله في الطهارة، وقد حكى أصحاب الشافعي"، أي: مقلد ومذهبه "فيه وجهين: فقطع المتولي" بضم الميم، وفتح الفوقية، والواو، فلام مكسورة "بأن الوضوء حينئذ لا يصح"، وهو المعتمد "وقطع الغزالي في الإحياء بأنه يعفى عن مثل ذلك"؛ إذ أصله الندب، "وأخرج الطبراني في الأوسط عن عائشة، كان ﷺ لا يفارق سواكه ولا مشطه، وكان ينظر في المرآة إذا سرح لحيته"، ومناسبة ذكر الحديث في مبحث الشعر ظاهرة؛ إذ المشط والمرآة كل آلة لتنظيفه، وأما السواك فوقع في الحديث، وعادة العلماء يذكرون الحديث بتمامه، وإن كان غرضهم منه لفظة واحدة، فلا تتعسف فتقول: ذكره لمناسبته له، في أنّ كلًّا آلة للتنظيف، "وعن ابن عباس: إن النبي ﷺ كانت له مكحلة" بضم أوله وثالثه- من النوادر الواردة -بالضم، وقياسها الكسر؛ لأنها اسم آلة، "يكتحل منها كل ليلة"، حكمة كونه ليلًا أنه أبقى في العين، وأمكن في السراية إلى طبقاتها.
"ثلاثة" متوالية "في هذه"، أي: اليمنى, "وثلاثة" كذلك "في هذه"، أي: اليسرى، وحكمة التثليث توسطه بين الإقلال والإكثار، وخير الأمور أوساطها، وأيضًا فإنه كان يحب الإيتار مع التعدد، وأقلّ مراتب الأعداد التي فيها الإيتار ثلاثة. قال الحافظ العراقي: ليس في الحديث تعرّض للابتداء بالعين اليمنى، وهو مستحب؛ لأنه كان يحب التيمُّن في شأنه كله، وهل تحصل سنة اليمنى باكتحاله فيها مرة، ثم اليسرى مرة، ثم يفعل ذلك ثانيًا وثالثًا، أو لا تحصل إلّا بتقديم المرات الثلاث في الأول, الظاهر الثاني, قياسًا على العضوين المتماثلين في الوضوء، ويحتمل حصولها بالأوّل كالمضمضة والاستنشاق على بعض الصور المعروفة في الجمع والتفرقة.
"رواه ابن ماجه والترمذي" بهذا اللفظ، "و" رواه "أحمد، ولفظه: كان يكتحل بالإثمد"،стр. 2770
كل ليلة قبل أن ينام، وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال.
وروى النسائي والبخاري في تاريخه, عن محمد بن علي قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يتطيّب؟ قالت: نعم، بذكارة الطيب، المسك والعنبر.
وأما مشيه ﵊, فعن علي قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفَّا تكفيًا،
الحواشي
(١) بكسر الهمزة، والميم بينهما مثلثة ساكنة: حجر الكحل المعدني المعروف، قال في التهذيب وغيره: ويقال: إنه معرَّب, ومعدنه بالمشرق، وهو أسود يضرب إلى حمرة، "كل ليلة قبل أن ينام"، والظاهر كما قال المصنف أنه كان بعد العشاء، "وكان يكتحل في كل عين ثلاثة أميال" جمع ميل، وهو المرود، ويقال له: المكحل والمكحال, بزنة مفتح ومفتاح، ثم هذا الخبر يخالفه خبر ابن عمر، كان ﷺ إذا اكتحل يجعل في اليمنى ثلاثة مراود، والأخرى مردودين، يجعل ذلك وترًا، رواه الطبراني، وخبر أنس: كان ﷺ يكتحل في اليمنى ثنتين، وفي اليسرى ثنتين، وواحدة بينهما.
قال ابن سيرين: هكذا الحديث، وأنا أحب أن يكون في هذه ثلاثًا، وفي هذه ثلاثًا، وواحدة بينهما، رواه ابن عدي. وحديث: من اكتحل فليوتر، فيه قولان، أحدهما: كون الإيتار في كل واحدة منهما، الثاني: كونه في مجموعهما، قال الحافظ: والأرجح الأوّل "وروى النسائي، والبخاري في تاريخه, عن محمد بن علي، قال: سألت عائشة: أكان النبي ﷺ يتطيّب"؟ وجه السؤال: إن رائحته طيبة وإن لم يمسّ طيبًا، "قالت: نعم بذكارة الطيب"، بكسر الذال المعجمة- ما يصلح للرجال "المسك والعنبر" بدل، أو عطف بيان؛ إذ الذكارة -بالكسر- جمع ذكر -بفتحتين- ما يصلح للرجال، وهو ما لا لون له، كالمسك والعنبر والعود والكافور.
والذكورة مثله، ومنه الحديث: كانوا يكرهون المؤنّث من الطيب، ولا يرون بذكورته بأسًا، والمؤنث طيب النساء كالخلوط والزعفران، كما في النهاية، ووجه إدخال هذا الحديث في الشعر: أنَّ التطيب يشمل تطييب الشعر؛ "وأما مشيه ﵊، فعن علي" هو نفس الجواب، لكن بتقدير رابط، أي: فورد، أو الجواب محذوف، أي: ففيه أخبار، وإذا أردت معرفتها، فعن علي كذا، وما بعده عطف عليه في المعنى، والأحسن الأوّل "قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفّا تكفيًا" بكاف وفاء، روي بهمز ودونه تخفيفًا، قاله العراقي. وقال النووي: زعم كثير أن أكثر ما يروى بلا همز، وليس كما قالوا, ومآلهما واحد، وهو يرد قول النور بشتّى الرواية المعتدّ بها بلا همز أ. هـ.стр. 2771
كأنما ينحطّ من صبب. رواه الترمذي وصحَّحه البيهقي. والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي.
وعند البزار من حديث أبي هريرة: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها.
وعند الترمذي في الشمائل من حديثه: وما رأيت أحدًا أسرع في مشيه من رسول الله ﷺ , كأنَّما الأرض تطوى له،
الحواشي
(١) قال في النهاية، أي: تمايل إلى قدّام، هكذا روي غير مهموز، والأصل الهمز، وبعضهم يرويه مهموزًا؛ لأنه مصدر تفعَّل من الصحيح، كتقدَّم تقدمًا، وتكفَّأ تكفؤًا، والهمزة حرف صحيح، فإذا اعتلّ انكسرت عين المستقبل منه، نحو: تخفى تخفيفًا، وتسمَّى تسميًا، فإذا خفِّفت الهمزة التحقت بالمعتلّ، فصار تكفيًا بالكسر, انتهى.
أي: يسرع المشي؛ كأنه يميل بين يديه من سرعة مشيه، كما تتكفأ السفينة في جريها، ويؤيده قوله: "كأنما ينحطّ" وفي رواية: كأنما يهوي "من صبب"، أي: منحدر من الأرض، أي: كأنما ينزل في موضع منحدر، وهو حال من فاعل تكفأ, مبالغة في التكفي والتثبت في مشيه، "رواه الترمذي، وصحَّحه البيهقي"، ورواه الترمذي أيضًا عن أنس في حديث، "والتكفؤ: الميل إلى سنن المشي" مثلث السين، وبضمتين- نهجه وجهته, كما في القاموس، وهذا التفسير قطع به الأزهري، مخطئًا تفسير شمر يتمايل يمينًا وشمالًا كالسفينة بأنَّه من الخيلاء، وتكفؤ السفينة تمايلها على سمتها الذي يقصد، ويرده قوله: كأنما ينحطّ إلخ، فإنه مفسّر له، وقال الكسائي: أكفأت الإناء وكفأته, إذا كبيته، وأكفأته إذا أملته، ومنه الحديث، أي: تمايل إلى قدام، كما تتكفأ السفينة في جريها. انتهى.
وأجاب القاضي عياض؛ بأنَّ التمايل يمينًا وشمالًا إنما يذمّ بالقصد، لا إن كان خلقة، كالغصن، وهو حسن صواب، وأمَّا حمله على سرعة انطواء الأرض تحت قدميه فخلاف الظاهر، "وعند البزار من حديث أبي هريرة: إذا وطئ بقدمه وطئ بكلها"؛ ليس له أخمص، ومَرَّ هذا الحديث، وأعاده هنا لبيان صفة المشي، "وعند الترمذي في الشمائل من حديثه" أي: أبي هريرة: ما رأيت أحد أحسن من رسول الله ﷺ ، كأنَّ الشمس تجري في وجهه، "وما رأيت أحدًا أسرع في مشيه"، كذا في نسخ من الشمائل بصيغة المصدر، وهي أظهر؛ لأنه الذي يتَّصف بالسرعة والبطء، وفي نسخ: مشيته -بكسر فسكون- أي: كيفية مشيه، قال المصنف: ومعناهما متقارب، والمراد: مشيه المعتاد دون إسراع, "من رسول الله ﷺ , كأنما الأرض تطوى" تجمع وتجعل مطوية تحت قدميه، مع كونه على غاية من التأنِّي وعدم العجلة "له"، لا لمن يماشيه،стр. 2772
إنا لنجهد أنفسنا وأنه لغير مكترث.
وعند يزيد بن مرثد قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى أسرع حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه: رواه ابن سعد.
وروي أنه كان إذا مشى مشى مجتمعًا, أي: قوي الأعضاء غير مسترخٍ في المشي.
وقال علي: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلع.
الحواشي
(١) وأوضحه بقوله: "إنا لنجهد" بفتح النون وضمها، من جَهد كمنع, وأجهد، أي: نتعب "أنفسنا"، ونوقعها في المشقَّة والتعب، أو نحمِّلها في السير فوق طاقتها، ولم يقل: يجهدنا؛ لأنه لم يقصده, إنما هو طبعه، "وأنه" حال من الفاعل "لغير مكترث"، أي: مبالٍ بجهدنا أو غير مسرعٍ؛ بحيث تلحقه مشقة، فكان يمشي على هينته، ويقطع ما نقطع بالجهد من غير جهد، واستعمال مكترث في النفي هو الأغلب؛ وفي الإثبات قليل شاذّ، وعن أبي هريرة: كنت معه ﷺ في جنازة، فكنت إذا مشيت سبقني، فالتفتُّ إلى رجل بجنبي، فقلت: تطوى له الأرض وخليل إبراهيم. رواه أحمد وابن سعد، فأقسم أبو هريرة لما رآه من قطعه للمسافة مع تأنّيه في المشي، وجهد غيره فيه، "وعند يزيد" بتحتية وزاي "ابن مرثد" بفتح الميم والمثلثة, بينهما راء ساكنة ثم مهملة- أبي عثمان الهمداني الصنعاني، من صنعاء دمشق، ثقة, من أواسط التابعين، وله مراسيل.
"قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى أسرع"، قال الزمخشري: أراد السرعة المرتفعة عن دبيب المتماوت، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ [لقمان: ١٩] ، أي: أعدل فيه حتى يكون مشيًا بين مشيين، لا يدب دبيب المتماوتين، ولا يثب وثب الشياطين. انتهى. "حتى يهرول" أي: يسرع في المشي دون الخبب، "الرجل وراءه" قال الجوهري: الهرولة ضَرْبٌ من العَدْوِ, وهو بين المشي والعَدْوِ، "فلا يدركه" مع أنه على غاية من الهون والتأني وعدم العجلة، ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ "رواه ابن سعد" في الطبقات، "وروي أنه كان إذا مشى مشى مجتمعًا، أي: قوي الأعضاء غير مسترخٍ في المشي"، وعند ابن عساكر: عن ابن عباس، كان يمشي مشيًا يعرف فيه أنه ليس بعاجز ولا كسلان، "وقال علي" فيما رواه الترمذي: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تقلع"، أي: رفع رجليه رفعًا بائنًا، متداركًا إحداهما بالأخرى، مشية أهل الجلادة، يريدان مشيه مثل مشي القلَعة -بفتح اللام، وهي القطعة العظيمة من السحاب، وفي حديث علي هذا أيضًا تلوه: كأنما ينحَطّ من صبب.стр. 2773
وقال ابن أبي هالة: إذا زال زال تقلعًا، يخطو تكفيًا، ويمشي هونًا، ذريع المشية إذا مشى, كأنما ينحط من صبب، وفي رواية: إذا زال زال قلعًا -بالفتح والضم، ثم الفتح- هو مصدر بمعنى الفاعل, أي: لا يزول قالعًا لرجله من الأرض، وهو بالضم, إمَّا مصدر أو اسم, وهو بمعنى الفتح.
الحواشي
(١) "وقال ابن أبي هالة: إذا زال" أي: ذهب وفارق، يقال: زال يزول زوالًا، فارق طريقته أو مكانه جانحًا عنه، ذكره الراغب، "زال تقلعًا" بقاف ومهملة، وهو في الأصل انتزاع الشيء من أصله, أو تحويله عن محله، وكلاهما صالح هنا، أي: ينزع رجله عن الأرض، أو يحولها عن محلها بقوة, وحينئذٍ فضمير زال عائد إلى النبي ﷺ ، وتعسف من رجعه للماء في قوله قبله: ينبو عنهما الماء، "يخطو" يمشي "تكفيًا" جملة مؤكدة لمعنى زال تقلعًا، "ويمشي" تفتن، فعبَّر عن المشي بعبارتين؛ كراهة تكرار لفظه، أو هو تتميم لبيان صفة مشيه، ويمشي "هونًا" حال أو صفة ليمشي, بمعنى هينًا أو مشيًا هينًا، إلا أن في وضع المصدر موضع الصفة مبالغة، والهون الرفق واللين، ومنه خبر: أحبب حبيبك هونًا، وخبر: المؤمنون هينون لينون، وفي المثل: إذا عزَّ أخوك فهن، وإذا عاسر فياسر، والمراد: برفق وسكينة وتثبت ووقار، وحلم وأناة، وعفاف وتواضع، فلا يضرب بقدمه الأرض، ولا يخفق بنعله بطرًا، ولذا كره بعض العلماء الركوب في الأسواق، قاله في الكشاف. لا يقال شأن الصفة تمييز الموصوف عن غيره، فكيف وصفه بما يشاركه فيه خواص أمته.
قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] ؛ لأنَّ المراد أنه أثبت منهم في ذلك، وأكثر وقارًا ورفقًا، وسكينة، "ذريع المشية" بالكسر- خلقة، أي: مع كون مشيه هونًا خطاه واسعة كأنما الأرض تطوى له، "إذا مشى" ظرف لما قبل، أو لقوله: "كأنما ينحط" ينزل "من صبب"، أي: محل منحدر، "وفي رواية" في حديث ابن أبي هالة: "إذا زال زال قلعًا" بالنصب حال أو مصدر، "بالفتح" للقاف، "والضم" لها مع إسكان اللام فيهما هذا ظاهره، وفي القاموس: إن الفتح إنما هو مع فتح اللام، "ثم الفتح هو مصدر بمعنى الفاعل"، أي: قالع، "أي: لا يزول"، كذا النسخ, والصواب كما في النهاية: حذف لا؛ إذ المعنى عليه، أي: يزول "قالعًا لرجله على الأرض، وهو بالضم إما مصدر، أو اسم" لمصدر، "وهو بمعنى الفتح" وهذا كله لفظ النهاية وفي القاموس، روي هذا الحديث بالضم بالتحريك، وككتف، أي: إذا مشى يرفع رجليه رفعًا بائنًا، أي: لا يمشي اختيالًا وتنعمًا, انتهى.
والمفهوم منه: إن القلع رفعهما رفعًا ظاهرًا؛ بحيث لا يفهم منه الاختيال والتنعم، وجعله مصدرًا بمعنى الفاعل، يفيد إن كان يمشي في حالة كونه قالعًا لرجليه من الأرض؛ وكان المعنىстр. 2774
وقال الهروي: قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الأنباري: قلعًا -بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهري، وهو كما جاء في حديث آخر: كأنما ينحط من صبب، والانحدار من الصبب والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض.
أراد: إنه كان يستعمل التثبت ولا يتبين منه استعجال ومبادرة شديدة.
وذريع المشية: أي: واسع الخطوة, قاله ابن الأثير.
وقال ابن القيم: التقلُّع الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحَطّ في الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمّة والشجاعة، وهي أعدل المشيات وأروحها للأعضاء، فكثير
الحواشي
(١) إنه لا يجرَّهما في حال مشيه، وهذا بمجرِّده لا يفهم منه الرفع الظاهر؛ بحيث ينفي عنه ما هو صورة اختيال وتنعُّم، إلّا أن يحمل على أنه كان يقلعهما قلعًا تامًّا؛ فيساوي كلام القاموس، قاله شيخنا إملاءً، "وقال الهروي" في كتاب غريبي القرآن والحديث: "قرأت هذا الحرف في كتاب غريب الحديث لابن الأنباري" بفتح الهمزة، وإسكان النون- نسبة إلى الأنبار بالعراق، "قلعًا -بفتح القاف وكسر اللام، وكذلك قرأته بخط الأزهري، وهو كما جاء في حديث آخر، كأنما ينحط من صبب, والانحدار من الصبب" والتكفؤ إلى قدام، "والتقلع من الأرض قريب بعضه من بعض؛ أراد" ابن أبي هالة "أنه ﷺ كان يستعمل التثبت"، أي: يفعل ما يؤدي إليه، وهو التثبيت بوزن التفعيل؛ إذ هو الذي كان يفعله، فينشأ عن التثبت بزنة تفعُّل، وفي نسخة: التثبيت كالتفعيل وهي واضحة؛ "ولا يتبين منه استعجال ومبادرة شديدة"، ألَا تراه يقول: يمشي هونًا ويخط تكفؤًا. إلى هنا كلام الهروي.
"وذريع المشية، أي: واسع الخطوة" بضم المعجمة- ما بين القدمين، "قاله": أي: ما ذكره من أوّل قوله بالفتح إلى هنا، مفرقًا في أماكنه "ابن الأثير" في النهاية، إلّا أنه إنما عبَّر بالخطا بالجمع, ونحوه قول الراغب: الذريع الواسع، يقال: فرس ذريع، واسع الخطو، وفي المصباح: الذريع السرع وزنًا ومعنًى، ولا تدافع بين الهون الذي هو عدم العجلة، وبين الانحدار والتقلّع الذي هو السرعة؛ لأن معنى الهون أنه لا يعجل في مشيه، ولا يسعى عن قصد إلا في حادث أو مهم، والانحدار والتقلّع مشيه الخلقي، كذا قال بعضهم.
"وقال ابن القيم: التقلع: الارتفاع من الأرض بجملته، كحال المنحَطّ في الصبب، وهي مشية أولي العزم والهمة والشجاعة، وهي أعدل المشيات، وأروحها للأعضاء؛ فكثير من الناس"стр. 2775
من الناس يمشي قطعة واحدة كأنَّه خشبة محمولة، فهي مشية مذمومة، وإمَّا أن يمشي بانزعاج مشي الجمل الأهوج وهي مشية مذمومة، وهي علامة خِفّة عقل صاحبها, ولا سيما إن أكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا.
وفي بعض المسانيد: إن المشاة شكوا إلى رسول الله ﷺ من المشي في حجة الوداع فقال: استعينوا بالنسلان, وهو العدو الخفيف الذي لا يزعج الماشي.
وأما مشيه ﵊ مع أصحابه، فكانوا يمشون بين يديه وهو خلفهم، ويقول: "خلوا ظهري للملائكة" أمامه, وتركوا ظهره للملائكة، وهو معنى قول القائل: وكان يسوق أصحابه
الحواشي
(١) إمَّا "يمشي قطعة واحدة كأنه خشبة محمولة، فهي مشية مذمومة"، ودليل تقدير ما قوله, "وإمَّا أن يمشي بانزعاج مشي الجمل الأهوج" الطائش السريع في مشيه؛ "وهي مشية مذمومة، وهي علامة خِفَّة عقل صاحبها، ولا سيما إن أكثر الالتفات حال مشيه يمينًا وشمالًا" ولذا قال هند تلو قوله: كأنما ينحط من صبب، وإذا التفت التفت جميعًا، أي: لا يسارق النظر, ولا يلوي عنقه يمنة ولا يسرة. وروى الحاكم عن جابر, كان ﷺ إذا مشى لم يلتفت. "وفي بعض المسانيد: إن المشاة شكو إلى رسول الله ﷺ من المشي في حجة الوداع، فقال: "استعينوا بالنسلان" بفتح النون والسين المهملة واللام، "وهو العدو" الإسرا "الخفيف الذي لا يزعج الماشي"، وكأنَّه تفسير مراد وإلّا فالنسلان لغةً الإسراع بلا قيد، ومنه ﴿إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١] "وأمَّا مشيه ﵊ مع أصحابه"، أي: مع قصده مشيهم معه, فلا ينافي أنَّه قدم قوله: حتى يهرول الرجل وراءه فلا يدركه, وإنا لنجهد أنفسنا وهو غير مكترث؛ لأنه بلا قصد أو أعم، "فكانوا يمشون بين يديه، وهو خلفهم، ويقول: "خلوا ظهري للملائكة"؛ لأنهم يحرسونه من أعدائه، قاله أبو نعيم: ولا ينافيه ﴿يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ ؛ لأنه إن كان قبل نزولها فظاهر، وإلّا فمن عصمة الله تعالى له أن يوكّل به جنده من الملأ الأعلى إظهار الشرفة، وفي المستدرك عن جابر: كان إذا مشى مشى أصحابه "أمامه, وتركوا ظهره للملائكة، وهو معنى قول القائل: وكان يسوق أصحابه" يقدمهم بين يديه ويمشي خلفهم، كأنه يسوقهم؛ لأن هذا شأن الراعي، أو لأنَّ من كمال التواضع أن لا يدع أحدًا يمشي خلفه، أو ليختبر حالهم، وينظر إليهم حال تصرفهم في معاشهم، وملاحظتهم لنظرائهم، فيربي من يستحق التربية، ويكمل من يحتاج إلى التكميل، ويعاتب من يستحق العتب، ويؤدّب من يستحقه، وهذا شأن الولي مع المولى عليه، أو ليخلي ظهره للملائكة، احتمالات لا مانع من إرادة جميعها، قال النووي: وإنما تقدمهم في قصة جابر،стр. 2776
ويماشيهم فرادى وجماعة.
ومشى ﵊ في بعض غزواته مرة, فانجرحت أصبعه وسال منها الدم, فقال: "هل أنت إلّا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت". رواه أبو داود.
ولم يكن له ﷺ ظل في شمس ولا قمر. رواه الترمذي الحكيم عن ذكوا
الحواشي
(١) لأنه دعاهم إليه، فجاءوا تبعًا له، كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهما؛ وفي حديث هند: يسوق أصحابه، ويبدأ من لقيه بالسلام. وفي رواية: ينس أصحابه -بنون ومهملة- أي: يسوق كما في الفائق، "ويماشيهم فرادى وجماعة، ومشى ﵊ في بعض غزواته"، قيل: هي غزوة أحد "مرَّة، فانجرحت أصبعه" هي مؤنثة؛ ولذا قال: انجرحت، وقد تذكّر، وفيها لغات عشرة، جمعها القائل:
وهمز أنملة ثلث وثالثه ... والتسع في أصبع واختم بأصبوع
"وسال منها الدم، فقال" منشدًا قول ابن رواحة، كما عند ابن أبي الدنيا، والوليد بن الوليد، كما عند الواقدي: "هل" أي: ما "أنت إلا أصبع دميت" بفتح فكسر- خاطبها على سبيل الاستعارة أو الحقيقة معجزة له، تسلية لها وتخفيفًا لما أصابها، أي: تثبتي وهوني عليك، فإن ما لقيتيه ليس قطعًا لا هلاكًا، "وفي سبيل الله"، أي: قتال أعدائه؛ لإعلاء كلمته ونصرة دينه "ما لقيت" فلا تحزني، بل افرحي، وما موصولٌ حذف عائده، أو استفهامية، وإن كان الاستفهام له صدر الكلام لأنَّ الأصل: وما لقيت في سبيل الله، أو نافية، أي: ما لقيت شيئًا في سبيل الله, تحقيرًا لما لقيته وتمنيًا لما زاد، "رواه أبو داود"، والترمذي من حديث جندب البجلي، وتقدَّم أن الممتنع عليه ﷺ إنشاء الشعر لا إنشاده، فلا وجه لزعم أن هذه الرواية مع شهرتها غفلة، وأن الرواية بصيغة الغيبة، حتى لا يكون موزونًا، أو أنه جاء بلا قصد وشرط تسميته شعر، القصد إلى أنه شعر، ولذا جاء بعض الموزون في القرآن، نحو: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] ، ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ [سبأ: ١٣] ، فليس بشعر؛ لأنه لم يقصد به الشعر، وإن كان على زنته، وغير ذلك من الأجوبة المعلوم، "ولم يكن له ﷺ ظلّ في شمس ولا قمر"؛ لأنه كان نورًا، كما قال ابن سبع، وقال رزين: الغلبة أنواره، قيل: وحكمة ذلك صيانته عن أن يطأ كافر على ظله، وإطلاق الظل على القمر مجاز؛ لأنه إنما يقال له ظلمة القمر ونوره، وفي المختار: ظل الليل سواده، وهو استعارة؛ لأن الظل حقيقة ضوء شعاع الشمس دون السواد، فإذا لم يكن ضوء فهو ظلمة لا ظلّ، "رواه الترمذي الحكيم عن ذكوان"، أبيстр. 2777
وقال ابن سبع: كان ﷺ نورًا، فكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل. قال غيره: ويشهد له قوله ﷺ في دعائه: "واجعلني نورًا".
وأما لونه الشريف الأزهر ﷺ , فقد وصفه جمهور أصحابه بالبياض، منهم: أبو بكر وعمر وعلي وأبو جحيفة وابن عمر وابن عباس وابن أبي هالة والحسن بن علي وأبو الطفيل ومحرش الكعبي وابن مسعود والبراء بن عازب، وعائشة، وأنس في إحدى الروايتين عنه.
فأما أبو جحيفة فقال: كان أبيض. رواه البخاري. وأمَّا أبو الطفيل فقال: كان أبيض مليحًا. رواه الترمذي في الشمائل، وفي رواية مسلم:
الحواشي
(١) صالح السمان، الزيات المدني، أو أبي عمر، والمدني مولى عائشة، وكلّ منهما ثقة من التابعين، فهو مرسل, لكن روى ابن المبارك وابن الجوزي، عن ابن عباس: لم يكن للنبي ﷺ ظل، ولم يقم مع الشمس قط إلا غلب ضوؤه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوء السراج، "وقال ابن سبع: كان ﷺ نورًا، فكان إذا مشى في الشمس أو القمر لا يظهر له ظل"؛ لأن النور لا ظلَّ له، "قال غيره: ويشهد له قوله ﷺ في دعائه" لما سأل الله تعالى أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورًا. ختم بقوله: "واجعلني نورًا"، أي: والنور لا ظل له، وبه يتمّ الاستشهاد.
"وأما لونه الشريف الأزهر ﷺ ، فقد وصفه جمهور أصحابه" الواصفين له "بالبياض، منهم: أبو بكر" الصديق، "وعمر" الفاروق، "وعلي وأبو جحيفة" بجيم، ومهملة، وفاء- مصغرة, وهب بن بد الله، "وابن عمر" بن الخطاب، "وابن عباس، وابن أبي هالة، والحسن بن علي، وأبو الطفيل" عامر بن واثلة، "ومحرش الكعبي" بضم الميم، وفتح الحاء، وكسر الراء، الثقيلة، وشين معجمة، "وابن مسعود، والبراء بن عازب، وعائشة، وأنس في إحدى الروايتين عنه" وهي رواية أصحابه عنه، ما عدا حميدًا فقال: أسمر اللون. قال الحافظ العراقي: انفرد بها حميد عن أنس، ورواه غيره من الرواة عنه، فقال: أزهر اللون، فهؤلاء خمسة عشر صحابيًّا وصفوه بالبياض، وكذا وصفه به أبو هريرة -كما قدَّم المصنف، وسعد بن أبي وقاص، "فأمَّا أبو جحيفة فقال: كان أبيض. رواه البخاري" في الصفة النبوية.
"وأما أبو الطفيل فقال: كان أبيض مليحًا" مقصدًا. هذا بقية حديثه الذي "رواه الترمذي في الشمائل"، من طريق يزيد بن هارون، عن سعيد الجريري، عن أبي الطفيل، وبهذا اللفظ رواه مسلم في الصحيح من طريق عبد الأعلى، عن الجريري عنه, من فالعز ولمسلم أحق خصوصًا، وقد أوهم أن مسلمًا لم يروه بهذا اللفظ، بقوله: "وفي رواية مسلم" من طريق خالد بن عبد الله،стр. 2778
كان أبيض مليح الوجه. وفي رواية عنه للطبراني: ما أنسى شدة بياض وجهه مع شدة سواد شعره. وفي شعر أبي طالب:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
وقال علي: أبيض مشرب. والمشرب: هو الذي في بياضه حمرة، كما قال في الرواية الأخرى: أبيض مشرب بحمرة، وبه فسّر قول أنس في صحيح مسلم: أزهر اللون.
وفي النسائي من حديث أبي هريرة: بينا النبي ﷺ جالس بين أصحابه جاء
الحواشي
(١) عن الجريري، عن أبي الطفيل: "كان أبيض مليح الوجه", أي: حسنه, من ملح فهو مليح، ومقصدًا -بشد المهملة المفتوحة- اسم المفعول، أي: متوسطًا بين الطول والقصر، أو بين الجسامة والنحافة، أو أن جميع أوصافه في نهاية من التوسط، كأنَّ خلقه نجى به القصد، "وفي رواية عنه" أي: أبي الطفيل "للطبراني: ما أنسى شدة بياض وجهه، مع شدة سواد شعره، وفي شعر أبي طالب" في قصيدته الطويلة التي قالها، لما تمالأت قريش على النبي ﷺ ، وقدّم المصنف أبياتًا منها، "وأبيض" بالنصب, عطفًا على قوله في البيت قبله:
وما ترك قوم لا أبا لك سيدًا ... يحوط الذمار غير ذرب مواكل
لا مجرور بربَّ كما زعم، وفي رواية بالرفع, أي: هو أبيض "يستسقى الغمام بوجهه"، قاله ن مشاهدة لذلك مرتين، كما مَرَّ، لا لما رأى في وجهه من مخايل ذلك، وإن لم يشاهده، كما أبداه بعضهم احتمالًا، وجزم به آخر، فإنه عجب "ثمال اليتامى" بكسر المثلثة، وخفة الميم- هو العماد والملجأ، والمطعم والمغيث والمعين، والكافي, "عصمة للأرامل" أي: يمنعهم ما يضرهم, جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها، "وقال: على أبيض مشرب" بصيغة اسم المفعول مخففًا ومثقلًا روايتان، "والمشرب هو الذي في بياضه حمرة"، أي: إنه المراد هنا "كما قال" علي "في الرواية الأخرى" عند الترمذي والبيهقي: "أبيض مشرب بحمرة"، والروايات يفسّر بعضها بعضًا، خصوصًا مع اتحاد المخرج، وإن كان الإشراب -كما في الصحاح وغيره: خلط لون بلون، كأنَّ أحد اللونين سقي بالآخر، يقال: مشرب -بالتخفيف، فإذا شدّد كان للتكثير والمبالغة، فهو هنا للمبالغة في البياض على رواية التشديد، "وبه فسّر قول أنس في صحيح مسلم"، وكذا البخاري في الصفة النبوية: "أزهر اللون"، أي: أبيض مشرب بحمرة، وقد وقع ذلك صريحًا في حديث أنس من وجه آخر عند مسلم، "وفي النسائي، من حديث أبي هريرة: بينا النبي ﷺ جالس"، أي: بين أوقات جلوسه "بين أصحابه"؛ لأن بين، إنماстр. 2779
رجل فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقالوا: هذا الأمغر المرتفق.
والأمغر: المشرب بحمرة, والمرتفق: المتكئ على مرفقه.
وفي البخاري من حديث أنس: ليس بأبيض أمهق.
قال الحافظ بن حجر: ووقع عند الداودي تبعًا لرواية المروزي: أمهق ليس بأبيض. وفي رواية عند ابن أبي حاتم وغيره: أسمر.
واستشكله بعضهم وقال: إن غالب هذه الروايات متدافع، وبعضها ممكن الجمع؛ كالأبيض مع رواية المشرب بالحمرة والأزهر، وبعضها غير ممكن الجمع؛ كالأبيض الشديد الوضح مع الأسمر.
واعترض الداودي رواية: أمهق ليس بأبيض, وهي التي وقعت عنده تبعًا لرواية المروزي.
الحواشي
(١) تضاف لمتعدد "جاء رجل" هو ضمام بن ثعلبة، "فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ " نسبه إلى جده لشهرته به، "فقالوا: هذا الأمغر" بميم وغين معجمة وراء, "المرتفق" وفي رواية الصحيح، فقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ، "والأمغر: المشرب بحمرة، والمرتفق: المتكئ على مرفقه"، قال الليث: الأمغر الذي في وجهه حمرة في بياض صافٍ.
"وفي البخاري" ومسلم، كلاهما "من حديث" ربيعة، عن "أنس": أزهر اللون "ليس بأبيض أمهق" بفتح الهمزة والهاء بينهما ميم ساكنة- أي: شديد البياض كلون الجص، ولا آدم، كما في الصحيحين، بالمد أي: شارح البخاري "تبعًا لرواية المروزي" أبي زيد محمد بن أحمد، الفقيه، أحد رواة البخاري عن الفربري: "أمهق ليس بأبيض"، وهي مقلوبة, أولها وجه -كما يأتي، "وفي رواية عند ابن أبي حاتم، وغيره: أسمر، واستشكله بعضهم، وقال: إن غالب هذه الروايات متدافع، وبعضها ممكن الجمع، كالأبيض مع رواية المشرب بالحمرة والأزهر"، فيجمع بينها بحمل أبيض على ما خالطه حمرة، وكذا أزهر، ويبقى المشرب بحمرة على ظاهره، "وبعضها غير ممكن الجمع؛ كالأبيض الشديد الوضح" بفتحتين- أي: الخالص المنكشف البياض، "مع الأسمر"، وهذا وقع في زيادات عبد الله بن أحمد في المسند عن علي: أبيض شديد الوضح، ومخالفته لقول أنس: ليس بأبيض أمهق واضحة، قال الحافظ: ويمكن الجمع بحمل رواية علي على ما تحت الثياب مما لا يلاقي الشمس، "واعترض الداودي رواية أمهق: ليس بأبيض، وهي التي وقعت عنده" في شرحه، "تبعًا لرواية المروزي"؛ لأن المهق شدةстр. 2780
وقال القاضي عياض: إنها وهم. قال: وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا الآدم، ليس بصواب.
قال الحافظ بن حجر: هذا ليس بجيد؛ لأن المراد أنه ليس بالأبيض الشديد البياض, ولا بالآدم الشديد الأدمة، وإنما يخالط بياضه الحمرة، والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر، ولهذا جاء في حديث أنس عند أحمد والبزار وابن منده بإسناد صحيح, أن النبي ﷺ كان أسمر اللون، وأخرجه البيهقي في الدلائل من وجه آخر عن أنس، فذكر الصفة النبوية فقال: كان النبي ﷺ أبيض بياضه إلى السمرة.
وفي حديث ابن عباس في صفته ﷺ : رجل بين رجلين, جسمه ولحمه، أحمر إلى البياض. أخرجه أحمد.
وقد تبيّن من مجموع الروايات أن المراد بالسمرة الحمرة التي تخالط
الحواشي
(١) البياض؛ بحيث لا يخالطه حمرة، فيصير المعنى: أبيض ليس بأبيض، "و" لذا "قال القاضي عياض: إنها" أي: هذه الرواية "وهم" غلط؛ "قال: وكذلك رواية من روى أنه ليس بالأبيض ولا الآدم" بالمد، "ليس بصواب, قال الحافظ ابن حجر: هذا" الثاني "ليس بجيد؛ لأن المراد أنَّه ليس بالأبيض الشديد البياض"، بدليل وصفه في الرواية الثانية بأمهق، "ولا بالآدم الشديد الأدمة" بالضم- السمرة، "وإنما يخالط بياضه" مفعول "الحمرة" فاعل؛ لأن بياضه هو الأصل الكثير, والحمرة شيء قليل تخالطه، "والعرب قد تطلق على كل من كان كذلك أسمر"، هذا إنما يتم أن ثبت هذا الإطلاق بشاهد من كلامهم, وأتى به، كذا قيل، وفيه: إن من حفظ حجة، "ولهذا جاء في حديث أنس عند أحمد، والبزار، وابن منده، بإسناد صحيح، أن النبي ﷺ كان أسمر اللون"، لكن وإن صحَّ إسناده, فقد أعلَّه الحافظ العراقي بالشذوذ، فقال: هذه اللفظة انفرد بها حميد عن أنس، ورواه غيره من الرواة عنه بلفظ: أزهر اللون، ثم نظرنا من روى صفة لونه ﷺ غير أنس، فكلهم وصفوه بالبياض، وهم خمسة عشر صحابيًّا، انتهى.
"وأخرجه البيهقي في الدلائل، وجه آخر عن أنس" بلفظ آخر، "فذكر الصفة النبوية، فقال: كان النبي ﷺ أبيض، بياضه إلى السمرة"، أي: يميل إليها, بمعنى: أن فيه حمرة قليلة، "وفي حديث ابن عباس في صفته ﷺ : رجل بين رجلين"، أي: ليس بالطويل ولا القصير، "جسمه, ولحمه أحمر"، أسقط من الفتح, وفي لفظ: أسمر "إلى البياض. أخرجه أحمد" وسنده حسن، كما في الفتح "وقد تبيّن من مجموع الروايات أنَّ المراد بالسمرة الحمرة التي تخالطстр. 2781
البياض، وأن المراد بالبياض المثبت ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمهق، وبهذا تبيّن أن رواية المروزي: بأمهق, ليس بأبيض, مقلوبة, على أنه يمكن توجيهها بأن المراد بالأمهق: الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية، ولا سمرته ولا حمرته، فقد نقل عن رؤبة: إن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتمّ على تقدير ثبوت الرواية، وقد تقدَّم في حديث أبي جحيفة إطلاق كونه كان أبيض، وكذا في حديث أبي الطفيل عند مسلم والترمذي.
وفي حديث سراقة, عند ابن إسحاق: فجعلت أنظر إلى ساقه كأنها جمارة. ولأحمد من حديث محرش الكعبي في عمرة الجعرانة قال: فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة. وعن سعيد بن المسيب أنه سمع أبا هريرة يصف النبي ﷺ فقال: كان شديد البياض. أخرجه
الحواشي
(١) البياض، وأنّ المراد بالبياض المثبت ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، وهو الذي تكره العرب لونه وتسميه أمهق، وبهذا تبيّن أن رواية المروزي: ليس بأبيض, مقلوبة"، والأصل: أبيض ليس بأمهق، "على أنه يمكن توجيهها؛ بأنَّ المراد بالأمهق: الأخضر اللون الذي ليس بياضه في الغاية، ولا سمرته" في الغاية، "ولا حمرته" في الغاية، فحذفت فيهما اكتفاءً بالأول.
"فقد نقل عن رؤبة" بن العجاج, واسمه: عبد الله بن رؤبة بن لبيد التميمي، مخضرم، شاعر إسلامي هو وأبوه, له حديث واحد في الحداء، ولم يكن بروايته بأس، قاله ابن عدي: وقال النسائي: ليس بقوي في الحديث، وقال لأبيه: أنا أشعر منك، قال: وكيف؟ قال لأنّي شاعر بن شاعر، وأنت شاعر ابن مفحم، مات سنة خمس وأربعين ومائة؛ "إن المهق خضرة الماء، فهذا التوجيه يتم على تقدير ثبوت الرواية"، لكنها لم تثبت لشذوذها بمخالفتها لرواية الجماعة، فلا يتم التوجيه، "وقد تقدّم في حديث أبي جحيفة، إطلاق كونه كان أبيض؛ وكذا في حديث أبي الطفيل عد مسلم، والترمذي" وتقدَّم أيضًا في شعر أبي طالب، "وفي حديث سراقة" المدلجي، "عند ابن إسحاق: فجعلت أنظر إلى ساقه"، ما بين الركبة والقدم, مؤنَّثة، ولذا قال: "كأنها جمارة" قلب النخلة، ومنه يخرج التمر والسعف، وتموت بقطعه.
"ولأحمد من حديث محرش الكعبي في عمرة الجعرانة قال: فنظرت إلى ظهره كأنَّه سبيكة فضة، وعن سعيد بن المسيب" بكسر الياء وفتحها, "إنه سمع أبا هريرة يصف النبي ﷺ فقال: كان شديد البياض" ومَرَّ قوله أيضًا: كان أبيض كأنما صيغ من فضة "أخرجهстр. 2782
يعقوب بن سفيان والبزار بإسناد قوي. ويجمع بينهما بما تقدّم.
وقال البيهقي: يقال: إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة منه ما ضحا للشمس والريح كالوجه والعنق, وأمَّا ما تحت الثياب فهو الأزهر الأبيض. انتهى.
وهذا ذكره ابن أبي خيثمة عقب حديث عائشة في صفته ﷺ بأبسط من هذا, وزاد: ولونه الذي لا شك فيه الأبيض الأزهر. انتهى.
وتعقّب بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنسًا لا يخفى عليه أمره حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، ولم يكن ﵊ ملازمًا للشمس، نعم لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه في وقت غيِّرته الشمس لأمكن، فالأَوْلَى حمل السمرة في رواية أنس على الحمرة التي تخالط البياض كما قدمته.
تنبيه: في الشفاء حكاية أحمد بن أبي سليمان صاحب عن سحنون: من قال أن النبي ﷺ كان أسود يقتل. انتهى.
الحواشي
(١) يعقوب بن سفيان" الحافظ أبو يوسف الفسوي -بالفاء، "والبزار، بإسناد قوي، ويجمع بينهما بما تقدَّم" من قوله: المراد بالبياض المثبت: ما تخالطه الحمرة، والمنفي ما لا تخالطه، "وقال البيهقي" في الجمع بينهما "يقال: إن المشرب منه بحمرة وإلى السمرة منه ما ضحا" ظهر "للشمس والريح، كالوجه والعنق، وأمَّا ما تحت الثياب فهو الأزهر الأبيض. انتهى".
"وهذا ذكره" الحافظ أحمد "بن أبي خيثمة، عقب حديث عائشة في صفته ﷺ بأبسط من هذا، وزاد: ولونه الذي لا شكَّ فيه الأبيض الأزهر. انتهى" كلام الحافظ في الفتح "وتعقّب"، وفي نسخة: ضعَّف "بعضهم قول من قال: إنما وصف بالسمرة ما كانت الشمس تصيب منه، بأن أنسًا لا يخفى عليه أمره" شأنه وحاله، "حتى يصفه بغير صفته اللازمة له لقربه منه، ولم يكن ﵊ ملازمًا للشمس، نعم, لو وصفه بذلك بعض القادمين ممن صادفه في وقتٍ غيِّرته الشمس لأمكن، فالأَوْلَى حمل السمرة في رواية أنس على الحمرة التي تخالط البياض كما قدمته"، أي: وهي في جميع بدنه؛ لقول ابن عباس: جسمه ولحمه أحمر إلى البياض "تنبيه: في الشفاء حكاية أحمد بن أبي سليمان" القيرواني، والفقيه، المتوفى سنة سبع وثمانين ومائتين، "صاحب عن سحنون" وهو أحد السبعة الذين كانوا بإفريقية في وقت واحد, من رواة سحنون "من قال أنَّ النبي ﷺ كان أسود يقتل، انتهى".стр. 2783
وهذا يقتضي أن مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل. وليس كذلك، بل لا بد من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك. كما في مسألتنا هذه, فإن الأسود لون مفضول.
وأما طيب ريحه وعرقه وفضلاته ﵊, فقد كانت الرائحة الطيبة صفته ﷺ وإن لم يمس طيبًا.
وروينا عن أنس: ما شممت ريحًا قط
الحواشي
(١) "وهذا يقتضي أنَّ مجرد الكذب عليه في صفة من صفاته كفر يوجب القتل، وليس كذلك، بل لابُدَّ من ضميمة ما يشعر بنقص في ذلك، كما في مسألتنا هذه، فإن الأسود لون مفضول" لكن هذا اعتراض عجيب من شافعي بمذهبه على مالكي حاكٍ لمذهب مالك، فمذهبه أنَّ من غيِّر صفته، كما لو قال قصيرًا أو أسودًا يقتل، وإن ظهر أنه لم يرد ذمَّه لجهلٍ أو سكر أو تهور، كما في المختصر، "وأما طيب ريحه وعرقه"، لونًا وريحًا وكثرةً، "وفضلاته" برفعهما عطفًا على طيب، وجرهما على ريح، والأول أظهر لذكره لون العرق وكثرته، وابتلاع الأرض بوله وغائطه، وعدم اطّلاع أحدٌ عليهما؛ فلم يقتصر على طيب ريحها منه "﵊"، وجواب أمَّا محذوف، أي: فكانت أحوالها وصفاتها خارقة للعادة، وإذا أردت معرفة ذلك، "فقد كانت الرائحة الطيبة صفته ﷺ "، ويحتمل أن هذا جواب، أمَّا لكن ليس في الخبر ضمير يربطه بالمبتدأ؛ إذ المبتدأ طيبٌ المضاف لريحٍ المضاف لضمير المصطفى، وضمير صفته لنفسه ﵇، لا لطيب الواقع مبتدأ, نعم في الخبر ضمير يعود على المضاف إلى المضاف إلى المبتدأ، فإن اكتفى بذلك فلا إشكال، ولكن الأَوْلَى أن الجواب محذوف، قرره شيخنا، "وإن لم يمس طيبًا"، ومع هذا كان يستعمل الطيب في أكثر أوقاته مبالغة في طيب ريحه، لملاقاة الملائكة وأخذ الوحي ومجالسة المسلمين، قاله النووي: ولأنّه حُبِّبَ إلي، كما قال: "حُبِّبَ إليَّ من نياكم النساء والطيب".
وروى ابن مردويه عن أنس: كان ﷺ منذ أسري به ريحه ريح عروس، وأطيب من ريح عروس، ولا دلالة فيه على أنّ مبدأ طيب ريح جسده من ليلة الإسراء -كما زعم؛ إذ ريح عروس أخص من مطلق رائحة طيبة، فلا ينافي أنه طيب الرائحة من حين وُلِدَ، كما رواه أبو نعيم والخطيب، أن أمه آمنة لما ولدته قالت: ثم نظرت إليه؛ فإذا هو كالقمر ليلة البدر، ريحه يسطع كالمسك الأذفر، "وروينا عن أنس: ما شممت ريحًا قط"، أي: لطيب أو طيبًا؛ إذ الريح المطلق من الأوصاف التي لا تقوم بذاتها، بل شمه لا يتصور، والمعنى: إنه شم روائح طيبة، وريحстр. 2784
ولا مسكًا ولا عنبرًا أطيب من ريح رسول الله ﷺ . الحديث رواه الإمام أحمد.
وفي رواية البخاري: ولا شممت مسكة ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي ﷺ .
وفي رواية الترمذي: ولا شممت مسكًا قط ولا عطرًا كان أطيب من عرق رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) المصطفى أطيب منها؛ لأن النفي إذا كان على مقيّد توجَّه النفي إلى قيده، "ولا مسكًا" بكسر الميم- والمشهور أنه دم يتجمّد في خارج سرة ظباء معينة، في أماكن مخصوصة، وينقل بحكمة الحكيم أطيب الطيب، وفي الحديث: "أطيب الطيب المسك" رواه مسلم وغيره، "ولا عنبرًا" بنون فموحدة- روث دابّة بحرية، أو نبع عين فيه, ويؤنّث، "أطيب من ريح رسول الله ﷺ "، وهما من عطف الخاص على العام؛ إذ المراد رائحة المسك والعنبر، وهي من أفراد ما قبلها لا ذاتهما، "الحديث رواه الإمام أحمد" في المسند، "وفي رواية البخاري" في كتاب الصيام، من طريق حميد، ومسلم في الصفة النبوية من طريق ثابت، كلاهما عن أنس في آخر حديث: "ولا شممت مسكة" قطعة من مسك، "ولا عنبرة" قال الحافظ: ضبط بسكون النون، بعدها موحدة، وبكسر الموحدة، بعدها تحتانية، والأوّل معروف، والثاني طيب معمول من أخلاطٍ يجمعها الزعفران، وقيل: هو الزعفران نفسه، ووقع عند البيهقي: ولا عنبرًا ولا عبيرًا، ذكرهما جميعًا أ. هـ.
وفسَّر المصنف عنبرة -بنون ساكنة، فموحدة مفتوحة: قطعة من العنبر المعروف، "أطيب من رائحة"، وللكشميهني: من ريح "النبي ﷺ "، وإذا أودع الله بعض الحيوان محاسن بعض المشمومات كالمسك من الغزال، والزباد من الهرة، فلا بدع في أن يدع في أشرف خلقه ما هو أطيب من ذلك، من نفس خلقته، "وفي رواية الترمذي" من حديث ثابت، عن أنس في حديث: "ولا شممت مسكًا قط، ولا عطرًا" بكسر العين- الطيب, جمعه عطور، فهو عطف عام على خاص، كرواية: ولا شيئًا "كان أطيب من عرق" بفتح العين والراء- رشح بدن "رسول الله ﷺ "، وفي رواية: عرف -بفتح العين، وسكون الراء، وبالفاء- وهو الريح الطيب.
قال المصنّف: على الشمائل، وكلاهما صحيح، لكنّ معظم الطرق يؤيد الأوّل، يعني: ريحه أطيب مماسة من أنواع الروائح، فلا يرد أن نفي الشم لا يدل على الأطيبية، وهو المقصود على أنّه قد يراد بنفي العلم نفي المعلوم، والمراد حال ريحه الذاتية لا المكتسبة، كما هو المتبادر من ترجيح بعض على بعض، ولو أريد المكتسبة لم يكن فيه كمال مدح، بل لا تصحстр. 2785
وقوله: شممت -بكسر الميم الأولى وسكون الثانية.
وعن أم عاصم امرأة عتبة بن فرقد السلمي قالت: كنَّا عند عتبة أربع نسوة، فما منَّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطيب لتكون أطيب من صاحبتها، وما يمسّ عتبة الطيب إلّا أن يمس دهنًا يمسح له لحيته, ولهو أطيب ريحًا منه، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحًا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يومًا: إنا لنجتهد في الطيب، ولأنت أطيب ريحًا منَّا, فممَّ ذلك؟ قال: أخذني الشرى على عهد رسول الله ﷺ فأتيته, فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرَّد، فتجردت عن ثوبي وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي، فنفث في يده ثم مسح ظهري وبطني بيده، فعبق بي هذا الطيب من يومئذ
الحواشي
(١) إرادته وحده، "وقوله: شممت -بكسر الميم الأولى وسكون الثانية"، وحكى الفراء فتح الأولى, وبه ردَّ زعم ابن درستويه أنها من خطأ العامة، ومضارع المكسور أشِم -بفتح الشين، والمفتوح اسم بضمها، "وعن أم عاصم امرأة عتبة" بضم المهملة، وسكون الفوقية، "ابن فرقد" بفتح الفاء، والقاف بينهما راء ساكنة- ابن يربوع بن حبيب بن مالك بن أسعد بن رفاعة، "السلمي".
وقال ابن سعد: يربوع هو فرقد، شهد خيبر، وقسم له منها، فكان يعطيه لبني أخواله عامًا، ولبني أعمامه عامًا، وغزا مع النبي ﷺ غزوتين، وولّاه عمر في الفتوح، ففتح الموصل سنة ثمان عشرة مع عياض بن غنم، ونزل بعد ذلك الكوفة، ومات بها، ذكره في الإصابة، "قالت: كنا عند عتبة" حال من "أربع نسوة"؛ لأنه في الأصل صفة لها، فلمَّا قدِّم أعرب حالًا، وأربع خبر كان، "فما منَّا امرأة إلّا وهي تجتهد في الطيب" أي: في تحصيل أحسنه واستعماله، "لتكون أطيب من صاحبتها"، كما هو شأن الضرائر، "وما يمسّ عتبة الطيب إلّا أن يمس دهنًا" مطيبًا "يمسح به لحيته، ولهو أطيب ريحًا منه، وكان إذا خرج إلى الناس قالوا: ما شممنا ريحًا أطيب من ريح عتبة، فقلت له يومًا: إنا لنجتهد في الطيب، ولأنت أطيب ريحًا منَّا، فممَّ"، أي: من أي سبب "ذلك" الوصف الذي ثبت لك، "قال: أخذني الشرى" بثور صغار حمر، حكاكة مكربة تحدث دفعة غالبًا، وتشتد ليلًا لبخارٍ حارٍّ يثور في البدن دفعة، كما في القاموس، "على عهد رسول الله ﷺ ، فأتيته، فشكوت ذلك إليه، فأمرني أن أتجرَّد، فتجردت عن ثوبي، وقعدت بين يديه، وألقيت ثوبي على فرجي" وما حوله, اقتصر عليه لكونه أفحش، ويحتمل خلافه، "فنفث في يده، ثم مسح ظهري وبطني بيديه فعبق" بفتح الباء- أي: لزق "بي هذا الطيب من يومئذ".стр. 2786
رواه الطبراني في معجمه الصغير.
وروى أبو يعلى والطبراني قصة الذي استعان بالنبي ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة, فسلت له فيها من عرقه، وقال: "مرها فلتطيب به"، فكانت إذا تطيبت به شمّ أهل المدينة ذلك الطيب فسمّوا: بيت المطيبين.
وقال جابر بن عبد الله: كان في رسول الله ﷺ خصال: لم يكن في طريق فيتبعه أحد إلّا عرف أنه سلكه من طيب عرقه وعرفه، ولم يكن يمر بحجر إلّا سجد له. رواه الدرامي والبيهقي وأبو نعيم. ولله در من قال:
الحواشي
(١) "رواه الطبراني في معجمه الصغير" والكبير أيضًا، كما في الإصابة، وقدَّم المصنف بعض الحديث في ريقه الشريف، "وروى أبو يعلى والطبراني" من حديث أبي هريرة "قصة" مفعول روى، وفي نسخة بزيادة في، فمفعول روى محذوف، أي: ما فيه طيب عرقه "الذي استعان بالنبي ﷺ على تجهيز ابنته، فلم يكن عنده شيء، فاستدعاه بقارورة"، أي: طلبها من الرجل، "فسلت له فيها من عرقه" أي: بعضه، "وقال: "مرها فلتطيب به"، وهذا الحديث ذكره بالمعنى تبعًا للفتح، ولفظ أبي يعلى والطبراني عن أبي هريرة: جاء رجل فقال: يا رسول الله ﷺ , إني زوَّجت ابنتي، وأنا أحب أن تعينني بشيء، قال: "ما عندي شيء، ولكن إذا كان غدًا فأتني بقارورة واسعة الرأس، وعود شجرة، وآية ما بيني وبينك أن أجيف ناحية الباب"، فلمَّا كان من الغد أتاه بذلك؛ فجعل النبي ﷺ يسلت العرق عن ذراعيه، حتى امتلأت القارورة، فقال: "خذها وأمر ابنتك أن تغمس هذا العود في القارورة فتطيب به"، "فكانت إذا تطيبت به شمّ أهل المدينة" كلهم "ذلك الطيب"، وإن بعدوا عن دارها، هذا ظاهره، ولا مانع؛ إذ هو أمر خارق، "فسمّوا: بيت المطيبين".
قال الذهبي: حديث منكر، أي: ضعيف، "وقال جابر بن عبد الله" ﵄: "كان في رسول الله ﷺ خصال" خارقة للعادة، منها: إنه "لم يكن" يمر "في طريق فيتبعه" بالرفع، أي: يأتي بعد ذهابه منه، لا يمشي تابعًا له، وهو بالتخفيف والتشديد، ويجوز نصبه، أي: يمشي بعده بزمان قليل، فالفاء للتعقيب، "أحد" فاعل يتبع على حال من الأحوال، "إلّا" على حال "عرف أنه" ﷺ "سلكه"، أي: دخل الطريق ومَرَّ فيه، "من طيب عرقه" بالقاف، "وعرفه" بالفاء- ريحه الطيب، والضمير للعرق -بالقاف- فهو كالتفسير لما قبله، أو للنبي ﷺ ، فيفيد طيب ريح بدنه، وإن لم يعرق، فهو دليل لقوله في الترجمة: الرائحة الطيبة صفة، وإن لم يمس طيبًا، "ولم يكن يمر بحجر إلّا سجد له"، أي: تحرك حتى كأنه سجد، "رواه الدارمي والبيهقي وأبو نعيم، ولله درстр. 2787
ولو أن ركبًا يمموك لقادهم ... نسيمك حتى يستدل به الركب
وعن أنس قال: كان رسول ﷺ إذا مَرَّ في طريق من طرق المدينة وجدوا منه رائحة الطيب وقالوا: مَرَّ رسول الله ﷺ من هذا الطريق. رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح. وما أحسن قول من قال:
يروح على غير الطريق التي غدا ... عليها فلا ينهى علاه نهاته
تنفسه في الوقت أنفاس عطره ... فمن طيبه طالبت له طرقاته
تروح له الأرواح حيث تنسمت ... لها سحرًا من حبه نسماته
الحواشي
(١) من قال: ولو أن ركبًا يمَّموك" قصدوك "لقادهم" أي: دلهم "نسيمك" أي: رائحة بدنك "حتى يستدل به الركب"، فشبَّه الدلالة بأخذ قياد الدابة والمشي أمامها، فهو استعارة تبعية، "وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ إذا مَرَّ في طريق من طرق المدينة وجدوا منه" أي: الطريق "رائحة الطيب" على أثره، على ظاهر قول جابر قبله، فيتبعه أحد، "وقالوا: مَرَّ رسول الله ﷺ من هذا الطريق"؛ لأن القلب الطاهر الحي يشم منه رائحة الطيب، كما أن القلب الخبيث الميت يشم منه رائحة النتن؛ لأن نتن القلب والروح يتصل بباطن البدن أكثر من ظاهره، والعرق يفيض من الباطن، فالنفس الطيبة يقوى طيبها، ويفوح عرف عرقها، حتى يبدو على الجسد، والخبيثة بضدها، كذا قال بعضهم: "رواه أبو يعلى والبزار بإسناد صحيح، وما أحسن قول من قال" في هذا المعنى:
يروح على غير الطريق التي غدا ... عليها فلا ينهى علاه نهاته
تنفسه في الوقت أنفاس عطره ... فمن طيبه طابت له طرقاته
تروح له الأرواح حيث تنسمت ... له سحرا من حبه نسماته
عن عائشة: كنت قاعدة أغزل والنبي ﷺ يخصف نعله، فجعل جبينه يعرق، وجعل عرقه يتولّد نورًا، فبهت, فقال: "ما لك بهتِّ"؟، قلت: جعل جبينك يعرق، وجعل عرقك يتولد نورًا، ولو رآك أبو كبير الهذلي لعلم أنك أحق بشعره؛ حيث يقول:
ومبرًا من كل غبر حيضة ... وفساد مرضعة وداء مغيل
وإذا نظرت إلى أسرة وجهه ... برقت بروق العارض المتهلل
رواه ابن عساكر، وأبو نعيم، والخطيب بسند حسن، وأبو كبير -بموحدة- عامر بن الحليس -بمهملتين- مصغَّر، وقيل: ابن جمرة, وراء, جاهلي، وغبر -بمعجمة وموحدة وراء بلا نقط، أي: بقية, وحيضة -بكسر الحاء، أي: لم تحمل به في بقية الحيض، ولا حملت عليه في حالة رضاعه، فيفسد رضاعه، والمغيل بوزن مكرم بالكسر، من الغيل، بفتح المعجمة، وسكونстр. 2788
وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا وأنورهم لونًا، لم يصفه واصف قط إلا شبَّه وجهه بالقمر ليلة البدر, وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، وأطيب من المسك الأذفر. رواه أبو نعيم.
وعن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ فقَالَ عندنا، فعرق, وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ ﷺ فقال: "يا أم سليم ما هذا الذي تصنعين"؟ قالت: هذا عرقك نجعله لطيبنا، وهو أطيب الطيب. رواه مسلم.
وفي رواية كان ﷺ
الحواشي
(١) التحتية، وهي أن ترضعه وهي حامل، هكذا ضبطه جمع, منهم: السيوطي، "وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وجهًا، وأنورهم لونًا"؛ لأنه أبيض مشرب بحمرة، "لم يصفه واصف قط إلّا شبه وجهه بالقمر ليلة البدر، وكان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ" في البياض والصفاء، ففي مسلم عن أنس, كان ﷺ أزهر اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا مشى تكفأ، فليس المراد المثلية في التحدر، "وأطيب من المسك الأذفر" بذال معجمة، أي: طيب الريح، ويقع على الكريه، ويفرق بينهما بما يضاف إليه، ويوصف به, وأما بدال مهملة، فخصَّ بالنتن "رواه أبو نعيم" وغيره.
"وعن أنس قال: دخل علينا رسول الله ﷺ فقَالَ عندنا"، أي: قام وقت القائلة، وهي نصف النهار، والغالب فيه الحر، "فعرق" بكسر الراء، "وجاءت أمي" أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصاري، يقال اسمها: سهلة، أو رميلة أو رميثة أو مليكة، أو أنيقة، وهي الغميصاء -بضم الغين المعجمة- أو الرميصاء -بالراء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان، "بقارورة، فجعلت تسلت" بضم اللام- تمسح "العرق", وتجعله "فيها" أي: القارورة.
قال القاضي عياض: كانت مَحْرَم له من قِبَل الرضاع، ففيه جواز الخلوة مع المحارم، قال الأبي: علمت طيب نفسه بذلك، وإلا فالقرابة لا تبيح القدوم على ذلك، وقال شيخنا: يجوز أن سلتها بآلة، فلا تمس جسده الشريف، والعرق هنا اسم عين؛ لأنه الذي يؤخذ، فيكون مشتركًا بين المصدر والعين، أو أنه حقيقة في المصدر, مجاز في غيره، "فاستيقظ ﷺ فقال: "يا أم سليم, ما هذا الذي تصنعين"؟ قالت: هذا عرقك"، خبر موطئ لقولها: "نجعله لطيبنا"، ولفظ مسلم: في طيبنا، "وهو أطيب الطيب"، قال الأبي: وكانت رائحة العرق أخص من رائحة البدن، كما يوجد في ضد طيب الرائحة، فإن ذا الرائحة الكريهة, هي منه في حالة العرق أكره منها في حالة عدم العرق، "رواه مسلم" عن ثابت عن أنس.
"وفي رواية" لمسلم من طريق إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، "كان ﷺ -стр. 2789
يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال فجاء ذات يوم فنام, فأتيت فقيل لها: هذا النبي ﷺ نائم في بيتك على فراشك, قال: فجاءت وقد عرق واستنقع عرقه على قطعة أديم على الفراش، ففتحت عتيدتها فجعلت تنسف ذلك العرق فتعصره في قواريرها، ففزع ﷺ فقال: "ما تصنعين يا أم سليم"؟ قالت: يا رسول الله, نرجو بركة لصبيانننا، قال: "أصبت".
والعتيدة: كالصندوق الصغير الذي تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها.
وأما ما روي أن الورد خلق من عرقه ﷺ ومن عرق البراق, فقال شيخنا في الأحاديث المشتهرة: قال النووي: لا يصح. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: إنه موضوع
الحواشي
(١) يدخل بيت أم سليم، فينام على فراشها وليست فيه"؛ لعلمه برضاها وفرحها به، "قال: فجاء ذات يوم، فنام" على فراشها، "فأتيت، فقيل لها", وفي نسخة: أما -بفتحتين- افتتاح كلام، "هذا النبي ﷺ نائم في بيتك على فراشك، قال: فجاءت وقد عرق واستنقع"، أي: سال وسقط "عرقه على قطعة أديم" جلد، كان نائمًا عليها "على الفراش، ففتحت عتيدتها" بفتح المهملة، بعدها فوقية، فتحتية، فمهملة، "فجعلت تنشف ذلك العرق، فتعصره في قواريرها، ففزع ﷺ ، فقال: "ما تصنعين يا أم سليم"؟، قالت: يا رسول الله, نرجو بركة لصبياننا، قال: "أصبت" والعتيدة كالصندوق" بفتح الصاد وضمها، "الصغير الذي تترك فيه المرأة ما يعز عليها من متاعها"؛ قاله النوي. وقال القاضي عياض: هي حقة للمرأة تعدها للطيب، وفي العين: العتاد ما يُعَدّ للأمر، وفرس عتيد، أي معد للركوب، ومنه عتيدة الطيب، وفي مسلم أيضًا عقب هذين الحديثين، من طريق أبي قلابة عن أنس.
عن أم سليم, أن النبي ﷺ كان يأتيها فيقيل عندها، فتبسط له نطعًا فيقيل عليه، وكان كثير العرق، فكانت تجمع عرقه، فتجعله في الطيب والقوارير، فقال النبي ﷺ : "يا أم سليم ما هذا"؟ قالت: عرقك أذوف به طيبي.
قال القاضي عياض: ضبطناه عن الأكثر أذوف -بذال معجمة- ومعناه: أخلط، وهو للطبري -بمهملة- ومعناه أيضًا: أخلط، "وأمَّا ما روي أن الورد خلق" صنف منه وهو الأبيض، "من عرقه ﷺ "، وخلق صنف منه، وهو الأصفر "من عرق البراق" بضم الموحدة- كذا في نسخة -بالواو، وفي نسخة: أو من عرق البراق، بأو للتنويع, بدليل بقية العبارة، لا للشك "فقال شيخنا" السخاوي في المقاصد الحسنة "في الأحاديث المشهورة" على الألسنة، "قال النووي: لا يصح"، وهذا محتمل للضعف والوضع، وهو المراد "و" لذا "قال شيخ الإسلام ابن حجر" الحافظ: "إنهстр. 2790
وسبقه لذلك ابن عساكر، وهو في مسند الفردوس لفظ: الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، والورد الأحمر خلق من عرق جبريل، والورد الأصفر خلق من عرق البراق. رواه من طريق مكي بن بندار الزنجاني. قال: حدثنا الحسين بن علي بن عبد الواحد القرشي، حدثنا هشام بن عمار عن الزهري عن أنس به مرفوعًا, ثم قال: قال أبو مسعود: حدَّث به أبو عبد الله الحاكم عن رجل عن مكي. ومكي تفرَّد به انتهى. ورواه أبو الحسين بن فارس اللغوي في كتاب "الريحان والراح" له, عن مكي به. ومكي ممن اتهمه الدارقطني بالوضع، وله طريق أخرى, رواه أبو الفرج النهرواني في الخامس والتسعين من "الجليس الصالح" له, من طريق محمد بن عنبسة بن حمّاد قال: حدثني أبي, عن جعفر بن سليمان, عن مالك بن دينار
الحواشي
(١) موضوع، وسبقه لذلك ابن عساكر" حافظ الشام، فقال: هذا حديث موضوع, وضعه من لا علم عنده، "وهو في مسند الفردوس لفظ: الورد الأبيض خلق من عرقي ليلة المعراج، والورد الأحمر خلق من عرق جبريل، والورد الأصفر خلق من عرق البراق. رواه من طريق مكي بن بندار"، بموحدة فنون، "الزنجاني، قال: حدثنا الحسين بن علي بن عبد الواحد القرشي" المقدسي.
قال بعضهم: هو الذي وضع هذا الحديث، قال: "حدَّثنا هشام بن عمَّار" السلمي، الدمشقي، صدوق كبر فصار يتلقّن، فحديثه القديم أصحّ، مات سنة خمس وأربعين ومائتين، وله اثنتان وتسعون سنة؛ "عن الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب، "عن أنس به مرفوعًا، ثم قال" الديلمي صاحب مسند الفردوس: "قال أبو مسعود" الدمشقي إبراهيم بن محمد الحافظ: مات كهلًا في رجب سنة أربعمائة، "حدّث به أبو عبد الله الحاكم، عن رجل، عن مكي، ومكي تفرّد به أ. هـ".
"ورواه أبو الحسين" أحمد "ابن فارس" الرازي، الفقيه المالكي، الإمام في علوم شتَّى، خصوصًا اللغة، فإنه أتقنها فغلبت عليه، فلذا نُسِبَ "اللغوي"، صاحب المصنفات، مات في سنة تسعين وثلثمائة أو قبلها، "في كتاب الريحان والراح, له عن مكي به, ومكي ممن اتهمه الدارقطني بالوضع"، فروايته كعدمها، " وله طريق أخرى، رواه" أي: الطريق, يذكر ويؤنث "أبو الفرج النهرواني، في الخامس والتسعين من" كتاب "الجليس الصالح، له من طريق محمد بن عنبسة بن حمّاد، قال: حدثني أبي" عنبسة -بفتح المهملة، ثم نون ساكنة، ثم موحدة، ومهملة مفتوحتين، "عن جعفر بن سليمان" الضبعي -بضم الصاد المعجمة، وفتح الموحدة، أبي سليمان البصري، صدوق زاهد, لكنّه كان يتشيّع، مات سنة ثمان وسبعين ومائة، "عن مالك بن دينار"стр. 2791
عن أنس رفعه: لما عُرِجَ بي إلى السماء بكت الأرض من بعدي, فنبت اللصف من نباتها، فلمّا أن رجعت قطر من عرقي على الأرض فنبت ورد أحمر، ألا من أراد أن يشمّ رائحتي فليشمّ الورد الأحمر. ثم قال أبو الفرج: اللصف: الكبر، قال: وما أتى به هذا الخبر فهو اليسير من كثير مما أكرم الله به نبيه ودل على فضله ورفيع منزلته. قال: وقد روينا معناه من طرق, لكن اختصرنا منها هذا فذكرناه, وإنما ذكرته ليعلم.
وعن جابر بن سمرة أنه ﷺ مسح خده، قال جابر: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار. قال غيره: مسَّها بطيب أو لم يمسها يصافح.
الحواشي
(١) البصري الزاهد، أبي يحيى، صدوق عابد، مات سنة ثلاثين ومائة أو نحوها، "عن أنس، رفعه: "لما عرج بي إلى السماء، بكت الأرض من بعدي، فنبت اللصف من نباتها، فلمَّا أن رجعت, قَطَر من عرقي على الأرض، فنبت ورد أحمر؛ ألا من أراد أن يشمَّ رائحتي فليشم الورد الأحمر"، ثم قال أبو الفرج: اللصف الكبر", وفي القاموس: اللصف -محركة- الإصف، أو اذن الأرنب، ورقة كورق لسان الحمل، وأدق وأحسن, زهره أزرق فيه بياض، وله أصل ذو شعب، إذا قلع وحكّ به الوجه حمَّره وحسَّنه، "قال" أبو الفرج تقوية لهذا الخبر؛ لئلّا ينكر من جهله العقل: "وما أتى به هذا الخبر فهو اليسير من كثير ما أكرم الله به نبيه، ودلَّ على فضله ورفيع منزلته، قال: وقد روينا معناه من طرق، لكن اختصرنا منها هذا، فذكرناه. انتهى" كلام شيخه السخاوي، وزاد على ما هنا ما لفظه: لأبي الحسين بن فارس أيضًا، مما عزاه لهشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة مرفوعًا، من أراد أن يشمَّ رائحتي فليشم الورد الأحمر، "وإنما ذكرته ليعلم" أنه موضوع فيترك، ولا يذكر إلّا مع بيان أنه موضوع "و" روى مسلم "عن جابر بن سمرة" قال: صليت مع رسول الله ﷺ صلاة الأولى، ثم خرج إلى أهله، وخرجت معه، فاستقبله ولدان، فجعل يمسح خدَّي أحدهم واحدًا واحدًا، قال: وأمَّا أنا فمسح خدي. فذكره بمعناه، فقال: "أنه ﷺ : مسح خده، قال جابر: فوجدت ليده بردًا وريحًا كأنما أخرجها من جؤنة عطار" بين صفة الريح دون البرد، وقال يزيد بن الأسد: ناولني رسول الله ﷺ يده، فإذا هي أبرد من الثلج، وأطيب ريحًا من المسك.
رواه البيهقي كما قدَّمه المصنف، كحديث جابر في يده الشريفة، "قال غيره" غير ابن سمرة، وهو عائشة، فيما رواه أبو نعيم، والبيهقي بإسناد ضعيف، عنها في حديث: وكانت كفه ألين من الحرير، وكان كفه كف عطار، "مسّها بطيب أو لم يمسها"، أي: الكف، وفيه قلب؛ إذ الظاهر مسّ بها طيبًا، أم لا، وهو إشارة إلى أن طيبه ذاتي, "يصافح" أي: يمس النبي ﷺ -стр. 2792
المصافح فيظل يومه يجد ريحها، ويضع يده على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان ريحها.
وجؤنة العطار -بضم الجيم وهمزة بعدها، ويجوز تخفيفها واوًا: سليلة مستديرة مغشاة أدمًا.
وقد ورد مما عزاه القاضي عياض للإخباريين, ومن ألف في الشمائل الكريمة, أنه ﷺ كان إذا أراد أن يتغوَّط
الحواشي
(١) بصفحة يده "المصافح" بفتح الفاء والنصب- مفعول، وهو من يريد مصافحته، وفي رواية: يصافحه المصافح -بكسر الفاء والرفع- فاعل، "فيظل" بفتح الظاء المعجمة "يومه" منصوب على الظرفية، ولا توكيد فيه ولا تجريد؛ لدلالته على الاستغراق, "يجد ريحها" الطيبة طيبًا خلقيًّا خصَّه لله به معجزة وتكرمة، فالإضافة عهدية، وقدَّم المصنف أيضًا في اليد الشريفة قولَ وائل بن حجر عند الطبراني: كنت أصافح رسول الله ﷺ ، أو يمس جلدي جلده، فأتعرّفه بعد في يدي، وإنه لأطيب من ريح المسك، وهذا صادق ببقائه أكثر من يوم؛ لأنه لم يقيد التعرف بزمن، وعجيب نقل ما قدمه المصنف قريبًا من كلام غيره، "ويضع يده على رأس الصبي" أيّ صبي كان، لا معين، "فيعرف من بين الصبيان بريحها"؛ لشدة فوحه، أي: برائحتها الحاصلة بمسّه، والفاء للسببية, أي: يعرف أن النبي مسَّه، فيميز من بينهم.
وفي رواية: لريحها -باللام، والتعليلية- ومعناهما واحد، وفي رواية: من ريحها، ويحتمل أن ذلك في يومه، وأنه يستمرّ مدة طويلة، ثم المصنف تابع لعياض، ولفظ عائشة: ويضعها على رأس الصبي فيعرف من بين الصبيان أنه مسح على رأسه، "وجؤنة العطار -بضم الجيم، وهمزة بعدها، ويجوز تخفيفها" بإبدالها "واوًا- سليلة مستديرة مغشاة أدمًا" جلدًا، نقله عياض عن صاحب العين، وقال قبله: إنها كالسفط يجعل فيها العطار متاعه، "وقد ورد مما عزاه القاضي عياض للإخباريين" جمع إخباري، نسبة للخبر، وهو ما ينقل ويتحدث به، وجمعه أخبار، فقياس النسبة خبريّ، برد الجمع إلى مفرده، لكنَّه لما اشتهر فصار اسمًا لكل ما ينقل ويتحدث به، التَحَقَ بالعَلَم، فنسب إلى لفظه، "ومن ألف في الشمائل الكريمة" عطف خاص على خاص، أو مباين، وهو الظاهر؛ إذ الإخباريون الناقلون للأخبار كيف اتفق، ومقصود المؤلفين في الشمائل: بيان شمائله فقط, فهم قسم مستقل، لكن لفظ الشفاء: وحكى بعض المعتنين بأخباره وشمائله "أنه ﷺ كان إذا أراد أن يتغوَّطَ" أي: يأتي الغائط، وهو المكان المنخفض من الأرض على عادتهم في البراز؛ لأنه أستر، قال تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: ٦]стр. 2793
انشقَّت الأرض وابتلعت بوله وغائطه, وفاحت لذلك رائحة طيبة. قال غيره: ولم يطَّلع على ما يخرج منه بشر قط.
وأسند محمد بن سعد كاتب الواقدي -كما هو في بعض نسخ الشفاء: وقالوا: إنه ليس من الرواية, ولا من حواشي أصل ابن جبير, بل من حواشي غيره- عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : إنك تأتي الخلاء فلا نرى منك شيئًا من الأذى, فقال: "يا
الحواشي
(١) ثم كنِّي به عمَّا يقع فيه تسمية للحال باسم المحل، تحاشيًا عن لفظ العذرة، فإن قيل: فغائط اسم عين, فلا يشتق منه فعل عند البصريين، بل من المصدر، أجيب بأنه يقدر له مصدر؛ كالغوط، أو يشتق الفعل من المزيد، كالتغوّط "انشقت الأرض وابتلعت بوله وغائطه، وفاحت لذلك رائحة طيبة"، ولما لم يلزم من الابتلاع انطباقها عليه؛ بحيث لا يرى لجواز انشقاقها دون انطباق، احتاج قوله.
"قال غيره: ولم يطلع على ما يخرج منه بشر قط" ظاهره يعم البول، ولا ينافي رؤية أم أيمن وغيرها للبول، وقول المقدسي: فقد شاهده غير واحد؛ لحمل ما هنا على البول على الأرض، والآتي على ما إذا بال في إناء، كما هو صريح الكلامين، فلا خلاف، وهذا أَوْلَى من حمله على البول مع الغائط لا وحده، ولو على الأرض؛ لاحتياجه لدليل عليه لإخراجه عن ظاهره، "وأسند محمد بن سعد" بن منيع الهاشمي، مولاهم البصري، نزيل بغداد، صدوق حافظ، مات سنة ثلاثين ومائتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة، ويعرف بأنه "كاتب الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أبو عبد الله، المدني الحافظ، المتروك مع سعة علمه, مات كما في الديباج وغيره ليلة الاثنين لإحدى عشرة ليلة خلت من ذي الحجة، سنة سبع ومائتين، وهو ابن ثمان وسبين سنة، فسقط بعض الكلام على من قال: مات في ذي الحجة سنة إحدى عشرة؛ إذ لم يقله أحد، "كما هو في بعض نسخ الشفاء، وقالوا: إنه ليس من الرواية" عن عياض، "ولا من حواشي أصل" أي: نسخة "ابن جبير، بل من حواشي غيره"، فأدخلوها في متن الشفاء، ولكن عزوه صحيح لابن سعد، قال في طبقاته: أنبأنا إسماعيل بن أبان الوراق، أنبأنا عنبسة بن عبد الرحمن التشيري، عن محمد بن زاذان، عن أم سعد.
"عن عائشة ﵂ أنها قالت للنبي ﷺ : إنك تأتي الخلاء" بالمد، أي: المكان الخالي البعيد عن البيوت؛ لأنهم كانوا قبل وضع المراحيض فيها يأتونه لقضاء الحاجة، ثم عبَّر به بعد ذلك عن محل التغوّط مطلقًا، ثم صار عرفًا اسمًا للبناء المعد لذلك، "فلا نرى منك شيئًا من الأذى"، بالمعجمة والقصر، وأصله: الضرر، ثم أريد به ما يكره، فالمراد به هنا الغائط، "فقال:стр. 2794
عائشة, وما علمت أن الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء فلا يرى منه شيء". انتهى.
وفي الشفاء لابن سبع عن بعض الصحابة قال: صحبته ﷺ في سفر, فلمَّا أراد قضاء الحاجة تأمَّلته وقد دخل مكانًا فقضى حاجته، فدخلت الموضع الذي خرج منه فلم أر له أثر غائط ولا بول، ورأيت في ذلك الموضع ثلاثة أحجار فأخذتهنَّ, فوجدت لهنَّ رائحة طيبة وعطرًا.
قلت: وقد سُئِلَ الحافظ عبد الغني المقدسي: هل روي أنه ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال: قد روي ذلك من وجه غريب،
الحواشي
(١) "يا عائشة" قلت ذلك، "وما علمتِ أن الأرض تبتلع" تفتعل من البلع، وضبطه التلمساني، تبلع من بلع، كعلم يعلم، أي: يخفي "ما يخرج من الأنبياء" بحيث يغيب فيها، "فلا يرى منه شيء" تفسير للمراد من البلع وتأكيد؛ إذ هو إدخال الطعام والشراب في الحنجرة والمريء، فاستُعِيرَ لمطلق الإخفاء؛ كقوله تعالى: ﴿يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ [هود: ٤٤] ، أو هو بيان لحكمته، فليس بمستدرك كما توهم، قيل: وحكمة إخفائه مع طيبه وعدم استقذاره، عدم الإذكار لمحله الخارج منه، أو لتتبرك الأرض به، وينبغي ستره؛ لأنه من المروءة؛ لأنه يخشى من أخذ الناس له، "انتهى" ما أسنده ابن سعد، ورجاله ثقات، إلّا محمد بن زاذان المدني فمتروك, كما في التقريب، لكن له شواه يأتي بعضها، "وفي الشفاء"، أي: كتاب شفاء الصدور "لابن سبع" بسكون الباء، بلفظ العدد، وقد تضم، كما في التبصير، "عن بعض الصحابة قال: صحبته ﷺ في سفر, فلمَّا أراد قضاء الحاجة تأملته، وقد دخل مكانًا فقضى حاجته، فدخلت الموضع الذي خرج منه، فلم أر له أثر غائط ولا بول، ورأيت في ذلك الموضع ثلاثة أحجار فأخذتهنَّ، فوجدت لهنَّ رائحة طيبة وعطرًا" بكسر العين- طيبًا, معطوف على لهنّ لا على رائحة، فالمعنى: وجدتهن عطرًا، أي: كالعطر مبالغة، كأن عينهنَّ انقلبت من الحجرية إلى العطرية، ويدل لذلك أنَّ بقية ذا الخبر, كما في التلمساني: فكنت إذا جئت يوم الجمعة المسجد أخذتهنَّ في كمي، فتغلب رائحتهنّ رائحة من تطيب وتعطر, "قلت": من المصنف لا من تتمة كلام صاحب الشفاء كما زعم؛ لأن ابن سبع متقدّم على المقدسي بزمان، فلا ينقل عنه، "وقد سئل الحافظ عبد الغني" بن عبد الواحد بن سرور "المقدسي"، ثم الدمشقي، الإمام، محدث الإسلام، تقي الدين الحنبلي، صاحب التصانيف، غزير الحفظ والإتقان، قيِّم بجميع فنون الحديث، وَرِع كثير العبادة، يأمر بالمعروف وينهي عن المنكر، لا تأخذه في الله لومة لائم، ونزل مصر في آخر عمره، وبها مات سنة ستمائة، وله تسع وخمسون سنة، "هل روي أنه ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟ فقال" مجيبًا، "قد روي ذلك من وجه غريب" أي: ضعيف، "والظاهر المنقول"стр. 2795
والظاهر المنقول يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا ذكره، وأمَّا البول فقد شاهده غير واحد, وشربته أم أيمن. انتهى.
لكن قال البيهقي: وأمَّا الحديث الذي أخبرنا به أبو الحسين بن بشران, أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار قال: حدثنا زيد بن إسماعيل الصائغ قال: حدثنا حسين بن علوان عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ إذا دخل الغائط دخلت في أثره فلا أرى شيئًا إلّا أني كنت أشمَّ رائحة الطيب، فذكرت ذلك له فقال: "يا عائشة, أما علمت أن أجسادنا تنبت على أرواح أهل الجنة وما خرج منها ابتلعته الأرض".
فهذا من موضوعات الحسين بن علوان، لا ينبغي ذكره إلّا لبيان أنه موضوع, ففي الأحاديث الصحيحة والمشهورة في معجزاته كفاية عن كذب ابن علوان. انتهى.
لكن للحديث طرق غير طريق ابن علوان:
الحواشي
(١) عن أحوال المصطفى، "يؤيده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنه رآه ولا ذكره"، فلو لم تبلعه الأرض لرؤي في بعض الأوقات، "وأمَّا البول فقد شاهده غير واحد، وشربته أم أيمن"، قسيم لما فهم من بلع الأرض غائطه، "انتهى".
جواب عبد الغني، "لكن قال البيهقي: وأمَّا الحديث الذي أخبرنا به أبو الحسين بن بشران" بكسر الموحدة، وإسكان المعجمة، ثقة، مشهور، من شيوخ البيهقي، "أخبرنا إسماعيل بن محمد الصفار"، قال في اللسان: ثقة مشهور، أخطأ ابن حزم حيث جهَّله، "قال: حدَّثنا زيد بن إسماعيل الصائغ، قال: حدثنا حسين بن علوان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان النبي ﷺ ، إذا دخل الغائط"، أي: المكان الذي يريد قضاء الحاجة فيه، "دخلت في أثره، فلا أرى شيئًا، إلّا أني كنت أشمّ رائحة الطيب، فذكرت ذلك له، فقال: "يا عائشة, أما علمت أنَّ أجسادنا" معاشر الأنبياء "تنبت" أي: تخلق وتوجد "على" صفة "أرواح أهل الجنة، وما خرج منها ابتلعته الأرض، فهذا من موضوعات الحسين بن علوان، لا ينبغي ذكره إلا لبيان أنه موضوع، ففي الأحاديث الصحيحة، والمشهورة في معجزاته، كفاية عن كذب ابن علوان، انتهى".
إذ فيها ما هو أجلّ من ذلك بكثير، "لكن للحديث طرق غير طريق ابن علوان"، فلا ينبغيстр. 2796
فعند الدارقطني في الأفراد: حدثنا محمد بن سليمان الباهلي, أنبأنا محمد بن حسَّان الأموي، أنبأنا عبدة بن سلميان, عن هشام بن عروة, عن أبيه, عن عائشة قالت: يا رسول الله، إني أراك تدخل الخلاء ثم يأتي الذي بعدك فلا يرى لما يخرج منك أثرًا، فقال: "يا عائشة, أما علمت أنَّ الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء"، ومحمد بن حسان بغدادي ثقة، وعبدة من رجال الصحيح, وله طريق أخرى عند ابن سعد، وأخرى عند الحاكم في مستدركه.
وروي أنَّه كان يتبرك ببوله ودمه ﷺ .
الحواشي
(١) دعوى وضعه مع وجودها، "فعند الدارقطني في" كتاب "الأفراد" بفتح الهمزة "حدَّثنا محمد بن سليمان، الباهلي" النعماني، قال تلميذه الدارقطني: وكان من الثقات، قال: "أنبأنا محمد بن حسَّان الأموي" بفتح الهمزة وضمها، البغدادي، قال: "أنبأنا عبدة" بفتح العين، وإسكان الموحدة، فدال فهاء، "ابن سليمان" الكلابي, أبو محمد الكوفي، يقال: اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، مات سنة سبع وثمانين ومائة، وقيل بعدها, روى له الأئمة الستة، "عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: يا رسول الله, إني أراك تدخل الخلاء، ثم يأتي الذي بعدك، فلا يرى لما يخرج منك أثرًا، فقال: "يا عائشة, أما علمت أن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء" بولًا أو غائطًا على ظاهر عمومه كما مَرَّ، وهو من خصائص نبينا على الأمم، "ومحمد بن حسان بغدادي ثقة" صالح، "وعبدة من رجال الصحيح"، ولذا قال السيوطي: هذا سند ثابت، وهو أقوى طرق هذا الحديث، انتهى.
فقد تابع عبدة حسين بن علوان في روايته، عن هشام، وتابعه أيضًا أرطأة بن قيس الأسدي عن هشام, أخرجه أبو بكر الشافعي، وهي متابعة تامّة، فكيف يكون موضوعًا، "وله طريق أخرى عند ابن سعد"، تقدمت قريبًا، وأنَّ رجاله ثقات، إلا ابن زاذان، "وأخرى عند الحاكم في مستدركه" قال: أخبرني مخلد بن جعفر، نبأنا محمد بن جرير, نبأنا موسى بن عبد الرحمن المسروقي، نبأنا إبراهيم بن سعد، نبأنا المنهال بن عبد الله، عمَّن ذكره عن ليلى مولاة عائشة، عنها، وله طريق أخرى عند أبي نعيم، وأخرى عند أبي بكر الشافعي، فقول البيهقي: إنه موضوع, محمول على أنه لم يطَّلع على هذه الطرق؛ إذ يتعذّر معها دعوى الوضع، أو على أنه خاص بالطريق التي ذكرها دون البقية، أو على خصوص لفظه، والأظهر بل المتعيّن الأول، "وروي أنه كان يتبرك ببوله ودمه ﷺ "، أي: بشربهما، كما هو المروي، وإن شمل لفظه هنا الإدهان ونحوه، وأتى بصيغة التمريض نظرًا إلى أن كل فرد منها مقالًا، فلا يرد عليه أن بعضها يعتضدстр. 2797
فروى ابن حبان في "الضعفاء" عن ابن عباس قال: حجم النبي ﷺ غلام لبعض قريش، فلمَّا فرغ من حجامته أخذ الدم فذهب به من وراء الحائط، فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير أحدًا، فحسا دمه حتى فرغ, ثم أقبل فنظر في وجهه فقال: "ويحك ما صنعت"؟ فقلت: غيبته من وراء الحائط، قال ابن عيينة: قلت: يا رسول الله, نفست على دمك أن أهريقه في الأرض, فهو في بطني, فقال: "اذهب فقد أحرزت نفسك من النار".
وفي سنن أبي سعيد بن منصور من طريق عمرو بن السائب
الحواشي
(١) لبعض؛ لأنه بالنظر إلى المجموع، ولا يرد أن حديث شرب المرأة بوله صحيح؛ لأنَّها شربته للعطش غير عالمة أنه بوله، فلم تقصد التبرك، "فروى ابن حبان في" كتاب "الضعفاء، عن ابن عباس قال: حجم النبي ﷺ غلام لبعض قريش، فلمَّا فرغ من حجامته أخذ الدم، فذهب به من وراء الحائط"، الظاهر أنَّ وراء هنا بمعنى قدام، كما هو أحد إطلاقها، يعني: إنه ذهب بالدم إلى جهة الحائط؛ بحيث صار قدامها لا تخطاها؛ بحيث صارت خلفه، "فنظر يمينًا وشمالًا فلم ير أحدًا، فحسا دمه"، بفاء العطف على ما قبله، وفي نسخة: تحسى، والأولى أظهر، "حتى فرغ" أي: من شربه شيئًا فشيئًا إلى فراغه، "ثم أقبل، فنظر" ﷺ "في وجهه، فقال: "ويحك ما صنعت"؟، والظاهر أن ابن عباس حمله عن الغلام بقوله: "فقلت: غيبته" في جوفي "من وراء الحائط"، فليس كذبًا، "قال ابن عيينة" تفرَّس فيه، أو ألهم أنه شربه، فسأله ثانيًا، أو المراد: في أيّ مكان من ورء الحائط، فلا يرد أنه لا فائدة في السؤال الثاني، "قلت: يا رسول الله, نفست" بكسر الفاء- ضننت "على دمك أن أهريقه في الأرض، فهو في بطني"، قال في القاموس: نفس به كفرح ضنَّ، وعليه بخير جسده، وعليه الشيء نفاسة، لم يره أهلًا له، والظاهر صحة الثلاثة، فالأوّل تكون على بمعنى الباء، والثاني فيه حذف المفعول وهو جائز، أن نفست الأرض على دمك، أي: حسدتها، والثالث: لم أر دمك أهلًا لإراقته في الأرض لعظمته، قرَّره شيخنا، "فقال" ﷺ : "اذهب، فقد أحرزت نفسك من النار"؛ لأن دمه لا تمسه النار، وقد مازج لحمه ودمه، "وفي سنن أبي سعيد" بكسر العين "ابن منصور" بن شعبة، أبي عثمان الخراساني، نزيل مكة، حافظ ثقة مصنّف, روى عن مالك والليث وابن عيينة وخلق، وعنه: الإمام أحمد، وقال: إنه من أهل الفضل والصدق، ومسلم وأبو داود، وأبو حاتم وقال: إنه من المتقنين الأثبات، وخلق سواهم, صنَّف السنن بمكة، وبها مات سنة سبع وعشرين ومائتين "من طريق عمرو" بفتح العين.
قال الحافظ: وصوابه: عمر -بضمها "ابن السائب" ابن أبي راشد المصري، مولى بنيстр. 2798
أنه بلغه أن مالكًا والد أبي سعيد الخدري لما جُرِحَ النبي ﷺ مَصَّ جرحه حتى أنقاه ولاح أبيض فقال: "مجه"، فقال: والله لا أمجه أبدًا، ثم ازدرده فقال النبي ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا" فاستشهد.
وأخرج البزار والطبراني والحاكم والبيهقي وأبو نعيم في الحلية، من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير عن أبيه قال: احتجم رسول الله ﷺ , فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة، وقال: "اذهب يا عبد الله فغيبه" , وفي رواية: "اذهب بهذا الدم فواره حيث لا يراه أحد" فذهبت فشربته, ثم أتيته ﷺ , فقال: "ما صنعت"؟ قلت: غيبته، قال: "لعلك شربته" قلت: شربته، وفي رواية قلت: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافٍ عن الناس، قال: "لعلك شربته"؟ قلت: شربته، فقال: "ويل لك من الناس وويل للناس منك"
الحواشي
(١) زهرة، أبو عمرو، صدوق، فقيه, مات سنة أربع وثلاثين ومائة، "أنه بلغه"، والبلاغ من أقسام الضعيف، "إن مالكًا" هو ابن سنان "والد أبي سعيد الخدري، لما جُرِحَ النبي ﷺ " في وجهه يوم أحد، "مَصَّ جرحه حتى أنقاه" بنون وقاف، "ولاح"، ظهر بعد المص محل الجرح "أبيض، فقال: "مجه"، فقال: والله" وفي نسخة: لا والله "لا أمجه أبدًا، ثم ازدرده" ابتلعه، "فقال النبي ﷺ : "من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا"، فاستشهد" يومئذ بأحد، فظهر صدق قوله أنه من أهل الجنة، وروى سعيد بن منصور أيضًا، أنه ﷺ قال: "من سره أن ينظر إلى رجل خالط دمي دمه فلينظر إلى مالك بن سنان"، "وأخرج البزار والطبراني والحاكم والبيهقي، وأبو نعيم في الحلية, من حديث عامر بن عبد الله بن الزبير" الأسدي، أبي الحارث المدني، التابعي الثقة العابد، مات سنة إحدى وعشرين ومائة، روى له الستة، "عن أبيه، قال: احتجم رسول الله ﷺ ، فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة، وقال: "اذهب يا عبد الله فغيبه".
"وفي رواية: "اذهب بهذا الدم فواره حيث لا يراه أحد"، فذهبت فشربته، ثم أتيته ﷺ ، فقال: "ما صنعت"؟ أي: بالدم، "قلت: غيبته، قال: "لعلك شربته"، قلت: شربته، وفي رواية، قلت: جعلته في أخفى مكان ظننت أنه خافٍ عن الناس"، وفي هذا مزيد حذقه ﵁، مع صغر سنِّه، فإنه ولد سنة الهجرة، وكان أوّل مولود للمهاجرين "قال: "لعلك شربته"، قلت: شربته قال: "ويل" للتحسّر والتألم "لك من الناس" إشارة إلى محاصرته وتعذيبه وقتله وصلبه على يد الحجَّاج، "وويل للناس منك" لما أصابهم من حربه، ومحاصرة مكة بسببه، وقتل من قتل، وما أصاب أمه وأهله من المصائب، وما لحق قاتليه من الإثم العظيم، وتخريب الكعبة، فهوстр. 2799
وفي رواية: فقال له رسول الله ﷺ : "فما حملك على ذلك" قال: علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم فشربته لذلك، فقال: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك".
وعند الدارقطني من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه، وفيه: $"ولا تمسك النار".......................
الحواشي
(١) بيان لما تسبَّب عن شرب دمه، فإن بضعة من النبوة نورانية قوت قلبه، حتى زادت شجاعته وعلت همته عن الانقياد لغيره ممن لا يستحق إمارة فضلًا عن الخلافة، وزعم أنه إشارة إلى ما يلحقه من قدح الجهلة فيه بسبب شرب الدم، مما لا ينبغي ذكره وسقوطه مغنٍ عن رده، "وفي رواية: فقال له رسول الله ﷺ : "فما حملك على ذلك"؟، قال: علمت أن دمك لا تصيبه نار جهنم، فشربته لذلك. فقال: "ويل لك من الناس، وويل للناس منك"، وقد سُئِلَ الحافظ ابن حجر عن الحكمة في تنوع القول لابن الزبير ومالك ابن سنان مع اتحاد السبب، فأجاب؛ بأنَّ ابن الزبير شرب دم الحجامة، وهو قدر كثير يحصل به الاغتذاء، وقوة جذب المحجمة تجلبه من سائر العروق، أو كثير منها.
فعلم ﷺ أنه يسري في جميع جسده، فتكتسب جميع أعضائه منه قوى من قوى النبي ﷺ ، فتورثه غاية قوة البدن والقلب، وتكسبه نهاية الشهامة والشجاعة، فلا ينقاد لمن هو دونه بعد ضعف العدل، وقلة ناصره، وتمكُّن الظلمة، وكثرة أعوانهم، فحصل له ما أشار إليه ﷺ ، من تلك الحروب الهائلة التي تنتهك بها حرمته الناشئة من حرمته ﷺ ، وحرمة البيت العتيق، فقيل له: ويل له؛ لقتله وانتهاك حرمته، وويل لهم؛ لظلمهم وتعديهم عليه، وتسفيههم، وأما مالك: فازدرد ما مصّه من الجرح الذي في وجهه ﷺ ، وهو أقلّ من دم الحجامة، وكأنَّه علم أنه يستشهد في ذلك اليوم، فلم يبق له من أحوال الدنيا ما يخبره به، فأعلمه بالأهمّ له مما يتلقاه من أنواع مسرَّات الجنان، انتهى.
ولا عطر بعد عروس، وحاصله: إنه اقتصر لمالك على التبشير بالجنة أنه لا تصيبه النار؛ لعدم بقاء شيء له من الدنيا، بخلاف ابن الزبير، فأخبره بما يقع له في الدنيا على سبيل الإشارة، كما أشار له أيضًا بأنه من أهل الجنة بقوله: "لا تمسك النار"، فزعم أن مقتضاه أنه لم يخاطب بهذا ابن الزبير بل مالكًا, ساقط إذ محط الفرق إنما هو قوله: ويل إلخ ... ، وكيف يتوهّم أنه لم يخاطب به ابن الزبير، "و" قد ورد "عند الدارقطني، من حديث أسماء بنت أبي بكر نحوه، وفيه: "ولا تمسَّك النار"، فهل يظن بالحافظ أنه لم ير الدارقطني، وهو من جملة مروياته على شيوخ عدة، ولفظ الدارقطني في السنن عن أسماء، قالت: احتجم ﷺ ، فدفع دمه لابني، فشربه، فأتاه جبريل، فأخبره، فقال: "ما صنعت"، قال: كرهت أن أصبّ دمك، فقال ﷺ : "لا تمسك النار"،стр. 2800
وفي كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون: إنه لما شرب دمه ﷺ تضوّع فمه مسكًا، وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صُلِبَ ﵁.
وأخرج الحسن بن سفيان في مسنده, والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم من حديث أبي مالك النخعي, عن الأسود بن قيس, عن نبيح العنزي, عن أم أيمن قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها وأنا لا أشعر، فلمَّا أصبح النبي ﷺ قال: "يا أم أيمن, قومي
الحواشي
(١) ومسح على رأسه، وقال: "ويل للناس منك، وويل لك من الناس" , "وفي كتاب الجوهر المكنون في ذكر القبائل والبطون: إنه"، أي: ابن الزبير، "لما شرب دمه ﷺ تضوّع" أي: فاح "فمه مسكًا" تمييز، قال الجوهري: وضاع المسك وتضوّع وتضيّع، أي: تحرَّك فانتشرت رائحته، قال:
تضوّع مسكًا بطن نعمان إذ مشت ... به زينب في نسوة عطرات
ثم قال: وتضيع المسك لغةً في تضوّع، أي: فاح، "وبقيت رائحته موجودة في فمه إلى أن صلب" بعد قتله "﵁" سنة ثلاث وسبعين، وكانت خلافته تسع سنين، قال الإمام مالك: وكان أحق بها من عبد الملك وأبيه مروان، "وأخرج الحسن بن سفيان" بن عامر الفسوي -بالفاء- إلى فسا من بلاد فارس، الحافظ الإمام، لقي إسحاق وابن معين، ومات سنة ثلاث ومائتين، وقد جاوز التسعين، "في مسنده" وهو كبير، "والحاكم والدارقطني والطبراني وأبو نعيم, من حديث أبي مالك النخعي" الواسطي, اسمه: عبد الملك, وقيل: عبادة بن الحسين، ويقال له: ابن ذر, متروك، من السابعة, روى له ابن ماجه، كما في التقريب، "عن الأسود بن قيس" العبدي، ويقال: العجلي، الكوفي، يكنَّى أبا قيس، تابعي صغير، ثقة، "عن نبيح" بضم النون، وموحدة، ومهملة- مصغر, ابن عبد الله، "العنزي" بفتح المهملة والنون ثم زاي- نسبة إلى عنزة بن أسد, أبي عمر، والكوفي، مقبول من الطبقة الوسطى من التابعين، "عن أم أيمن، قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل" من ظرفية بمعنى في, لا زائدة، وقد عدَّه من معانيها الكوفيون وابن مالك، وأنشدوا:
غسى سائل ذو حاجة إن منعته ... من اليوم سؤلانا له بعد في غد
وقال تعالى: ﴿نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] أي: فيه, "إلى فخارة" جرة "في جانب البيت، فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة"، قيل: المعروف لغةً عطشى، فهذا سماعي على خلاف القياس، كألفاظ جاءت على فعلان وفعلانة، فيصرف فعلان؛ لأن شرط منع صرفه وجود فعلى، أو فقد فعلانة، وفي القاموس أن عطشانة لغة في عطشى، "فشربتстр. 2801
"فأهريقي ما في تلك الفخارة"، فقلت: قد والله شربت ما فيها, قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أما والله لا يبجعن بطنك أبدًا".
وعن ابن جريج قال: أخبرت أنَّ النبي ﷺ كان يبول في قدحٍ من عيدان, ثم يوضع تحت سريره, فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء, فقال لامرأة يقال لها بركة, كانت تخدم أم حبيبة, جاءت معها من أرض الحبشة: "أين البول الذي كان في القدح"؟ قالت: شربته. قال: "صحة
الحواشي
(١) ما فيها، وأنا لا أشعر" أنه بول لطيب رائحته، فلمَّا أصبح النبي ﷺ قال: "يا أم أيمن, قومي فأهريقي" بفتح الهمزة- من أهرق، أي: صبي "ما في تلك الفخارة"، فقلت: قد والله شربت ما فيها"، أقسمت عليه تأكيدًا، "قالت: فضحك سول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أَمَا" بالفتح وخفة الميم "والله، لا يبجعن" بالباء الموحدة، والجيم- كذا قال السيوطي في المناهل، لكنه لا يناسب قول القاموس: بجعه -بالجيم- قطعه بالسيف؛ لأن ما هنا من الوجع، أي: المرض، وصرَّح المجد بأنه يقال: يوجع -بالواو وييجع -بالياء- فهو بتحتيتين أولاهما مفتوحة ومكسورة، أي: لا يصيب "بطنك" وجع "أبدًا"، وعن" عبد الملك بن عبد العزيز "بن جريج" بجيمين أولاهما مضمومة- الأموي, مولاهم المكي، ثقة فاضل فقيه، روى له الستة، وكان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين ومائة أو بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل: جاوز المائة، ولم يثبت, "قال: أُخْبِرْتُ أنَّ النبي ﷺ كان يبول في قدحٍ من عيدان" بفتح المهملة وإسكان التحتية ومهملة مفتوحة- جمع عيدانة -بالهاء، وهو الطوال من النخل، كما ضبطه جمع, منهم: المجد، وجوّز التلمساني كسر العين، على أنه جمع عود، وهو مخالف لهم، قال الشاعر:
إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالريم
"ثم يوضع تحت سريره"، فإن قيل: ما الحاجة لوضعه مع أن الأرض تبتلعه فلا يُرَى له أثر، أجيب بأنه ﷺ كان يكره الخروج ليلًا من بيته وهو مصلي نافلته، ومحلّ نزول الوحي والملائكة، فلا يليق أن يمسَّ باطنه وظاهره شيء من الفضلات، وإن ظاهره تعظيمًا لعبادة ربه وتأدبًا، لم لا ينافيه قوله ﷺ : "لا ينقع بول في طشت في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول مستنقع"، رواه الطبراني بسندٍ حسن عن ابن عمر، لإمكان حمله على الفعل بلا ضرورة، أو على تركه في الإناء مدة بحيث ينشر به الإناء، كما يشعر به ينقع ومستنقع, ومدة تركه ﷺ كانت يسيرة، "فجاء، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها بركة, كانت تخدم أم حبيبة" بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، "جاءت معها من أرض الحبشة: "أين البول الذي كان في القدح"؟ قالت: شربته، قال: "صحة" بكسر الصاد، والنصب- أي: جعله الله صحة، أو الرفع، أي:стр. 2802
يا أم يوسف" فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه. رواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة.
وصحَّح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين, وقد وضح أن بركة أمّ يوسف غير بركة أم أيمن،
الحواشي
(١) ما شربتيه صحَّة، أي: سبب لها، وفيه أن قول ذلك مستحب للشارب، ويقاس عليه الأكل، وحكمته أنه يخشى منهما السقم ونحوه، كما قيل:
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
"يا أم يوسف" فما مرضت قط حتى كان" أي: وجد "مرضها الذي ماتت فيه"، وهذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج، أخبرت إلخ ...
و"رواه أبو داود" متصلًا "عن ابن جريج عن حكيمة" بضم الحاء المهملة وفتح الكاف- مصغَّر، كما في التبصير، وغيره تابعية، وفي الإصابة عن أبي نعيم: لم يرو عنها إلّا ابن جريج، واسم والدها: حكيم، "عن أمها أميمة" بضم الألف، وميمين، بينهما تحتية- مصغَّر، قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عيدان يبول فيه، الحديث. وأبوها اسمه بجاد -بكسر الموحدة، والجيم- ابن عبد الله بن عمير بن الحارث بن جارية بن سعد، بن تيم بن مرة، القرشية التيمية، ويقال: أميمة بنت عبد الله بن بجاد، إلى آخره، صحابية من المبايعات، روت عن النبي ﷺ ، وعنها محمد بن المنكدر، وبنتها حكيمة، واشتهرت بأمِّها، ولذا قال: "بنت رقيقة" بضم الراء، وقافين- مصغَّر، وهي بنت خويلد بن أسد، أخت خديجة أم المؤمنين، قال أبو عمر: كانت بنتها أميمة من المبايعات، وهي خالة فاطمة الزهراء، وردَّه ابن الأثير بأنها بنت خالتها؛ لأن خويلد والد خديجة هو والد رقيقة لا أميمة، قال في الإصابة: هذا يصح على قول من قال: إنها رقيقة بنت أسد بن عبد العزَّى، ومن ثَمَّ قال المستغفري: هي عمة خديجة بنت خويلد، وترجم في الإصابة تلو هذه: أميمة بنت رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم، بن عبد مناف، وهي أخت مخرمة بن نوفل لأمه، وأمها رقيقة، صاحبة الرؤيا في استقاء عبد المطلب، فرَّق أبو نعيم تبعًا للطبراني بينها وبين التي قبلها، وأخرج في ترجمة هذه حديث ابن جريج فذكره، ثم قال: وأمَّا ابن السكن فجعلهما واحدة، ثم ترجم: رقيقة بنت أبي صيفي، فنسبها كما رأيت، وقال: ذكرها الطبراني والمستغفري في الصحابة، وقال أبو نعيم: ما أراها أدركت الإسلام، انتهى.
فليتأمَّل، ثم أشار المصنف إلى الخلاف، في أن شاربة بوله ﷺ امرأة واحدة، أو امرأتان، بقوله: "وصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لأمرأتين" إحداهما أم أيمن، والثانية بركة أم يوسف، وزعم أن أحداهما أميمة وَهْمٌ؛ لأنها رواية فقط، كما علمت، "وقد وضح" بفتح الضاد- كوعدстр. 2803
وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني.
وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ . قال النووي في شرح المهذّب: واستدلَّ من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين: أنَّ أبا طيبة الحجام حجمه ﷺ وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأنَّ امرأة شربت بوله ﷺ فلم ينكر عليها. وحديث أبي طيبة ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني, قال: وهو حديث حسن صحيح،
الحواشي
(١) انكشف وظهر، "أنَّ بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن"؛ لأن أم يوسف كانت تخدم أم حبيبة، وجاءت معها من الحبشة، وأم أيمن هي مولاته ﷺ ، وحاضنته، وهي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، "وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام" السراج "البلقيني"، خلافًا لدعوى ابن السكن أنَّ بركة خادمة أم حبيبة كانت تكنَّى أيضًا أم أيمن، فالقصتان لها، وخلافًا لخلط أبي عمر: خادمة أم حبيبة بأم أيمن، فأخرج في ترجمتها حديث ابن جريج عن حكيمة عن أميمة، ثم قال: أظنَّ بركة هذه أم أيمن. قال في الإصابة: وحمله على ذلك ما ذكره هو في صدر ترجمة بركة أم أيمن، أنها هاجرت الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، وفي هجرتها إلى الحبشة نظر، فإنها كانت تخدم النبي ﷺ ، وزوجها مولاه زيدًا، وزيد لم يهاجر إلى الحبشة، ولا أح من خدمه ﷺ ؛ إذ ذاك، فظهر أن بركة الحبشية غير أم أيمن وإن وافقتها في الاسم، ثم إن بعض المغاربة جوّز أنَّ بركة الحبشية هي بركة بنت يسار، مولاة أبي سفيان بن حرب, المهاجرة إلى الحبشة مع زوجها قيس بن عبد الله الأسدي، وليس كما ظنّ، فإن بركة بنت يسار من حلفاء بني عبد الدار، وأصلها من كندة، وليست حبشية، وإن اشتركتا في كونهما كانتا في أرض الحبشة مع المهاجرين، انتهى.
"وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ "؛ لأنه لم يأمر واحدًا منهم يغسل فمه، ولا نهاه عن عودة، قاله عياض. "قال النووي في شرح المهذّب: واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين، أن أبا طيبة الحجَّام حجمه ﷺ ، وشرب دمه، ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله ﷺ ، فلم ينكر عليها"، قال عياض: وشاهد هذا أنه ﷺ لم يكن منه شيء يكره، ولا غير طيب، "وحديث أبي طيبة ضعيف" أي: شربه الدم، وإلّا فحجامته للنبي ﷺ في الصحيحين من حديث أنس، وجابر، وغيرهما، "وحديث شرب المرأة البول صحيح"، يعني: أم أيمن؛ لأنها التي "رواه الدارقطني" أنها شربت بوله، كما مَرَّ قريبًا، "قال: وهو حديث حسن صحيح"، نحوه قول عياض في الشفاء: حديث المرأة التي شربت بوله ﷺ صحيح, ألزم الدارقطني مسلمًا والبخاري إخراجه في الصحيح. انتهى، لكن تعقب بأنстр. 2804
كافٍ في الاحتجاج لكلّ الفضلات قياسًا، ثم قال: إن القاضي حسينًا قال بطهارة الجميع. انتهى.
وبهذا قال أبو حنيفة، كما قاله العيني.
وأبو طيبة -بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وباء موحدة- نافع الحجام, مولى محيصة -بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة تحت وكسرها- هو ابن مسعود الأنصاري.
وقال شيخ الإسلام ابن حجر: قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته ﷺ , وعدَّ الأئمة ذلك من خصوصياته. انتهى.
الحواشي
(١) الدارقطني، قال في علله: أنه مضطرب, جاء عن أبي مالك النخعي وهو ضعيف، وذلك "كافٍ في الاحتجاج لكل الفضلات قياسًا، ثم قال" النووي: "إن القاضي حسينًا قال بطهارة الجميع، انتهى".
أي: جميع فضلاته، وبه جزم البغوي وغيره، واختاره كثير من متأخري الشافعية، وصحَّحه السبكي، والبارزي والزركشي وابن الرفعة والبلقيني والقاياتي، قال الرملي: وهو المعتمد خلافًا لما صحَّحه الرافعي، وتبعه النووي: إن حكمهما منه كغيره، وحمل الأخبار على التداوي، وردَّ بحديث: "لن يجعل الله شفاء أمتي فيما حُرِّمَ عليها"، وحمل تنزهه ﷺ منها على الاستحباب ومزيد النظافة، "وبهذا قال أبو حنيفة كما قاله العيني"، وقطع به ابن العربي من المالكية، وعمَّمه بعض متأخريهم في جميع الأنبياء، وفي الشفاء: قال قوم بطهارة الحدثين منه ﷺ ، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وحكى القولين عن العلماء ابن سابق المالكي "وأبو طيبة -بفتح الطاء المهملة، وسكون الياء المثناة تحت، وباء موحدة" مفتوحة "نافع الحجام"، كما ثبت في مسند أحمد وغيره، عن محيصة بن مسعود, أنه كان له غلام حجّام، يقال له: نافع أبو طيبة, فسأل النبي ﷺ عن خراجه، فقال: إعلفه الناضح الحديث، فقول العسكري: قيل: اسمه نافع ولا يصح, ولا يعرف اسمه, ساقط، ويقال: اسمه ميسرة، وذكره البغوي عن أحمد بن عبيد بن أبي طيبة، أنه سئل عن اسم جده، فقال: ميسرة. ويقال: اسمه دينار, حكاه ابن عبد البر، ولا يصح، فقد ذكر الحاكم أبو أحمد، أنَّ دينار الحجام آخر, تابعي، وأخرج ابن منده حديث لدينار الحجّام عن أبي طيبة، ذكره في الإصابة "مولى محيصة -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد المثناة تحت، وكسرها- هو ابن مسعود الأنصاري"، فإذا بهذا أنَّ أبا طيبة غير الغلام المار؛ لأنه غلام لبعض قريش، "وقال شيخ الإسلام ابن حجر" الحافظ: "قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته ﷺ ، وعدَّ الأئمة ذلك من خصوصياته انتهى".стр. 2805
قال بعضهم: وكان السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين حين غسلا جوفه, والله أعلم.
وأمَّا سيرته ﷺ في البراز، ففي حديث عائشة عند أبي عوانة في صحيحه والحاكم: ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن.
وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة
الحواشي
(١) قال الزركشي: وينبغي طرد الطهارة في فضلات سائر الأنبياء، ونازعه الجوجري في ذلك، لكن يؤيده حديث: "إن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء"، من حديث "إن أجسادهم ثبتت على أرواح أهل الجنة"، "قال بعضهم: وكان السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين حين غسلا جوفه" في المرة الأولى عند مرضعته حليمة، أو وهو ابن عشر، أو حين البلوغ، أو ليلة الإسراء، فعلى الأول يكون ذلك ثبت له من ابتداء طفوليته، "والله أعلم" بالحق في ذلك، "وأما سيرته ﷺ " أي حالته وهيئته التي كان يتلبّس بها "في البراز" بفتح الموحدة- اسم للفضاء الواسع، كنّوا به عن الحاجة كما كنّوا بالخلاء؛ لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: وأكثر الرواة يكسرون الباء، وهو غلط؛ لأنه مصدر بارزت الرجل مبارزة وبرازًا, إلّا معنى القضاء، وردّه النووي؛ بأنَّ الظاهر بل الصواب الكسر.
قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة: البراز -بالكسر- ثقل الغذاء وهو الغائط، وأكثر الرواة عليه، فتعيّن المصير إليه؛ ولأن المعنى عليه ظاهر, ولا يظهر معنى الفضاء الواسع هنا إلا بكلفة, انتهى. أي: بجعله مجازًا علاقته المجاورة، أو من تسمية الحال باسم المحلّ لخروجه فيه، وذكر المصباح أن كسر الباء في الفضاء لغةً قليلة، ثم جواب أما محذوف, أشير إلى بعضه بقوله: "ففي حديث عائشة" أو هو وما بعده نفس الجواب, وهو أولى "عند أبي عوانة" الحافظ، يعقوب ابن إسحاق الأسفرايني، النيسابوري, ثقة ثبت جليل، طاف الدنيا, وعني بالحديث، مات سنة ست عشرة وثلثمائة، "في صحيحه" المخرج على مسلم، وله فيه زيادات عدة، "والحاكم" محمد بن عبد الله، الحافظ المشهور، قالت: "ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن"، يطلق على بعضه كما يطلق على كله، فشمل أوّل ما نزل، فكأنها قالت: منذ نبئ، ولا يشكل بأنها لم تولد حينئذ؛ لجواز أنه بلغها ذلك فأخبرت به، ولا يرد ما شاهده حذيفة من بوله قائما؛ لأنه في غير البيوت، أو لبيان الجواز، ولم تشاهده عائشة، فأخبرت بما شاهدت، وكأنها قاست عليه ما لم تشاهده، وقد روى الترمذي والنسائي عنها: من حدَّثكم أن رسول الله ﷺ ، كان يبول قائمًا فلا تصدقوه, ما كان يبول إلا قاعدًا، ولفظ النسائي: إلا جالسًا، وحمل على من اعتقد أنه عادته، "وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة" بفتح المهملتين، ثم نون،следующие страницы →