Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.
стр. 2801
"فأهريقي ما في تلك الفخارة"، فقلت: قد والله شربت ما فيها, قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أما والله لا يبجعن بطنك أبدًا".
وعن ابن جريج قال: أخبرت أنَّ النبي ﷺ كان يبول في قدحٍ من عيدان, ثم يوضع تحت سريره, فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء, فقال لامرأة يقال لها بركة, كانت تخدم أم حبيبة, جاءت معها من أرض الحبشة: "أين البول الذي كان في القدح"؟ قالت: شربته. قال: "صحة
الحواشي
(١) ما فيها، وأنا لا أشعر" أنه بول لطيب رائحته، فلمَّا أصبح النبي ﷺ قال: "يا أم أيمن, قومي فأهريقي" بفتح الهمزة- من أهرق، أي: صبي "ما في تلك الفخارة"، فقلت: قد والله شربت ما فيها"، أقسمت عليه تأكيدًا، "قالت: فضحك سول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أَمَا" بالفتح وخفة الميم "والله، لا يبجعن" بالباء الموحدة، والجيم- كذا قال السيوطي في المناهل، لكنه لا يناسب قول القاموس: بجعه -بالجيم- قطعه بالسيف؛ لأن ما هنا من الوجع، أي: المرض، وصرَّح المجد بأنه يقال: يوجع -بالواو وييجع -بالياء- فهو بتحتيتين أولاهما مفتوحة ومكسورة، أي: لا يصيب "بطنك" وجع "أبدًا"، وعن" عبد الملك بن عبد العزيز "بن جريج" بجيمين أولاهما مضمومة- الأموي, مولاهم المكي، ثقة فاضل فقيه، روى له الستة، وكان يدلس ويرسل، مات سنة خمسين ومائة أو بعدها، وقد جاوز التسعين، وقيل: جاوز المائة، ولم يثبت, "قال: أُخْبِرْتُ أنَّ النبي ﷺ كان يبول في قدحٍ من عيدان" بفتح المهملة وإسكان التحتية ومهملة مفتوحة- جمع عيدانة -بالهاء، وهو الطوال من النخل، كما ضبطه جمع, منهم: المجد، وجوّز التلمساني كسر العين، على أنه جمع عود، وهو مخالف لهم، قال الشاعر:
إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولم يعبأن بالريم
"ثم يوضع تحت سريره"، فإن قيل: ما الحاجة لوضعه مع أن الأرض تبتلعه فلا يُرَى له أثر، أجيب بأنه ﷺ كان يكره الخروج ليلًا من بيته وهو مصلي نافلته، ومحلّ نزول الوحي والملائكة، فلا يليق أن يمسَّ باطنه وظاهره شيء من الفضلات، وإن ظاهره تعظيمًا لعبادة ربه وتأدبًا، لم لا ينافيه قوله ﷺ : "لا ينقع بول في طشت في البيت، فإن الملائكة لا تدخل بيتًا فيه بول مستنقع"، رواه الطبراني بسندٍ حسن عن ابن عمر، لإمكان حمله على الفعل بلا ضرورة، أو على تركه في الإناء مدة بحيث ينشر به الإناء، كما يشعر به ينقع ومستنقع, ومدة تركه ﷺ كانت يسيرة، "فجاء، فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها بركة, كانت تخدم أم حبيبة" بنت أبي سفيان، أم المؤمنين، "جاءت معها من أرض الحبشة: "أين البول الذي كان في القدح"؟ قالت: شربته، قال: "صحة" بكسر الصاد، والنصب- أي: جعله الله صحة، أو الرفع، أي:стр. 2802
يا أم يوسف" فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه. رواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة.
وصحَّح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين, وقد وضح أن بركة أمّ يوسف غير بركة أم أيمن،
الحواشي
(١) ما شربتيه صحَّة، أي: سبب لها، وفيه أن قول ذلك مستحب للشارب، ويقاس عليه الأكل، وحكمته أنه يخشى منهما السقم ونحوه، كما قيل:
فإن الداء أكثر ما تراه ... يكون من الطعام أو الشراب
"يا أم يوسف" فما مرضت قط حتى كان" أي: وجد "مرضها الذي ماتت فيه"، وهذا الحديث رواه عبد الرزاق في مصنفه عن ابن جريج، أخبرت إلخ ...
و"رواه أبو داود" متصلًا "عن ابن جريج عن حكيمة" بضم الحاء المهملة وفتح الكاف- مصغَّر، كما في التبصير، وغيره تابعية، وفي الإصابة عن أبي نعيم: لم يرو عنها إلّا ابن جريج، واسم والدها: حكيم، "عن أمها أميمة" بضم الألف، وميمين، بينهما تحتية- مصغَّر، قالت: كان للنبي ﷺ قدح من عيدان يبول فيه، الحديث. وأبوها اسمه بجاد -بكسر الموحدة، والجيم- ابن عبد الله بن عمير بن الحارث بن جارية بن سعد، بن تيم بن مرة، القرشية التيمية، ويقال: أميمة بنت عبد الله بن بجاد، إلى آخره، صحابية من المبايعات، روت عن النبي ﷺ ، وعنها محمد بن المنكدر، وبنتها حكيمة، واشتهرت بأمِّها، ولذا قال: "بنت رقيقة" بضم الراء، وقافين- مصغَّر، وهي بنت خويلد بن أسد، أخت خديجة أم المؤمنين، قال أبو عمر: كانت بنتها أميمة من المبايعات، وهي خالة فاطمة الزهراء، وردَّه ابن الأثير بأنها بنت خالتها؛ لأن خويلد والد خديجة هو والد رقيقة لا أميمة، قال في الإصابة: هذا يصح على قول من قال: إنها رقيقة بنت أسد بن عبد العزَّى، ومن ثَمَّ قال المستغفري: هي عمة خديجة بنت خويلد، وترجم في الإصابة تلو هذه: أميمة بنت رقيقة بنت أبي صيفي بن هاشم، بن عبد مناف، وهي أخت مخرمة بن نوفل لأمه، وأمها رقيقة، صاحبة الرؤيا في استقاء عبد المطلب، فرَّق أبو نعيم تبعًا للطبراني بينها وبين التي قبلها، وأخرج في ترجمة هذه حديث ابن جريج فذكره، ثم قال: وأمَّا ابن السكن فجعلهما واحدة، ثم ترجم: رقيقة بنت أبي صيفي، فنسبها كما رأيت، وقال: ذكرها الطبراني والمستغفري في الصحابة، وقال أبو نعيم: ما أراها أدركت الإسلام، انتهى.
فليتأمَّل، ثم أشار المصنف إلى الخلاف، في أن شاربة بوله ﷺ امرأة واحدة، أو امرأتان، بقوله: "وصحح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لأمرأتين" إحداهما أم أيمن، والثانية بركة أم يوسف، وزعم أن أحداهما أميمة وَهْمٌ؛ لأنها رواية فقط، كما علمت، "وقد وضح" بفتح الضاد- كوعدстр. 2803
وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني.
وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ . قال النووي في شرح المهذّب: واستدلَّ من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين: أنَّ أبا طيبة الحجام حجمه ﷺ وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأنَّ امرأة شربت بوله ﷺ فلم ينكر عليها. وحديث أبي طيبة ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني, قال: وهو حديث حسن صحيح،
الحواشي
(١) انكشف وظهر، "أنَّ بركة أم يوسف غير بركة أم أيمن"؛ لأن أم يوسف كانت تخدم أم حبيبة، وجاءت معها من الحبشة، وأم أيمن هي مولاته ﷺ ، وحاضنته، وهي بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن النعمان، "وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام" السراج "البلقيني"، خلافًا لدعوى ابن السكن أنَّ بركة خادمة أم حبيبة كانت تكنَّى أيضًا أم أيمن، فالقصتان لها، وخلافًا لخلط أبي عمر: خادمة أم حبيبة بأم أيمن، فأخرج في ترجمتها حديث ابن جريج عن حكيمة عن أميمة، ثم قال: أظنَّ بركة هذه أم أيمن. قال في الإصابة: وحمله على ذلك ما ذكره هو في صدر ترجمة بركة أم أيمن، أنها هاجرت الهجرتين إلى الحبشة وإلى المدينة، وفي هجرتها إلى الحبشة نظر، فإنها كانت تخدم النبي ﷺ ، وزوجها مولاه زيدًا، وزيد لم يهاجر إلى الحبشة، ولا أح من خدمه ﷺ ؛ إذ ذاك، فظهر أن بركة الحبشية غير أم أيمن وإن وافقتها في الاسم، ثم إن بعض المغاربة جوّز أنَّ بركة الحبشية هي بركة بنت يسار، مولاة أبي سفيان بن حرب, المهاجرة إلى الحبشة مع زوجها قيس بن عبد الله الأسدي، وليس كما ظنّ، فإن بركة بنت يسار من حلفاء بني عبد الدار، وأصلها من كندة، وليست حبشية، وإن اشتركتا في كونهما كانتا في أرض الحبشة مع المهاجرين، انتهى.
"وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ "؛ لأنه لم يأمر واحدًا منهم يغسل فمه، ولا نهاه عن عودة، قاله عياض. "قال النووي في شرح المهذّب: واستدل من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين، أن أبا طيبة الحجَّام حجمه ﷺ ، وشرب دمه، ولم ينكر عليه، وأن امرأة شربت بوله ﷺ ، فلم ينكر عليها"، قال عياض: وشاهد هذا أنه ﷺ لم يكن منه شيء يكره، ولا غير طيب، "وحديث أبي طيبة ضعيف" أي: شربه الدم، وإلّا فحجامته للنبي ﷺ في الصحيحين من حديث أنس، وجابر، وغيرهما، "وحديث شرب المرأة البول صحيح"، يعني: أم أيمن؛ لأنها التي "رواه الدارقطني" أنها شربت بوله، كما مَرَّ قريبًا، "قال: وهو حديث حسن صحيح"، نحوه قول عياض في الشفاء: حديث المرأة التي شربت بوله ﷺ صحيح, ألزم الدارقطني مسلمًا والبخاري إخراجه في الصحيح. انتهى، لكن تعقب بأنстр. 2804
كافٍ في الاحتجاج لكلّ الفضلات قياسًا، ثم قال: إن القاضي حسينًا قال بطهارة الجميع. انتهى.
وبهذا قال أبو حنيفة، كما قاله العيني.
وأبو طيبة -بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وباء موحدة- نافع الحجام, مولى محيصة -بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة تحت وكسرها- هو ابن مسعود الأنصاري.
وقال شيخ الإسلام ابن حجر: قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته ﷺ , وعدَّ الأئمة ذلك من خصوصياته. انتهى.
الحواشي
(١) الدارقطني، قال في علله: أنه مضطرب, جاء عن أبي مالك النخعي وهو ضعيف، وذلك "كافٍ في الاحتجاج لكل الفضلات قياسًا، ثم قال" النووي: "إن القاضي حسينًا قال بطهارة الجميع، انتهى".
أي: جميع فضلاته، وبه جزم البغوي وغيره، واختاره كثير من متأخري الشافعية، وصحَّحه السبكي، والبارزي والزركشي وابن الرفعة والبلقيني والقاياتي، قال الرملي: وهو المعتمد خلافًا لما صحَّحه الرافعي، وتبعه النووي: إن حكمهما منه كغيره، وحمل الأخبار على التداوي، وردَّ بحديث: "لن يجعل الله شفاء أمتي فيما حُرِّمَ عليها"، وحمل تنزهه ﷺ منها على الاستحباب ومزيد النظافة، "وبهذا قال أبو حنيفة كما قاله العيني"، وقطع به ابن العربي من المالكية، وعمَّمه بعض متأخريهم في جميع الأنبياء، وفي الشفاء: قال قوم بطهارة الحدثين منه ﷺ ، وهو قول بعض أصحاب الشافعي، وحكى القولين عن العلماء ابن سابق المالكي "وأبو طيبة -بفتح الطاء المهملة، وسكون الياء المثناة تحت، وباء موحدة" مفتوحة "نافع الحجام"، كما ثبت في مسند أحمد وغيره، عن محيصة بن مسعود, أنه كان له غلام حجّام، يقال له: نافع أبو طيبة, فسأل النبي ﷺ عن خراجه، فقال: إعلفه الناضح الحديث، فقول العسكري: قيل: اسمه نافع ولا يصح, ولا يعرف اسمه, ساقط، ويقال: اسمه ميسرة، وذكره البغوي عن أحمد بن عبيد بن أبي طيبة، أنه سئل عن اسم جده، فقال: ميسرة. ويقال: اسمه دينار, حكاه ابن عبد البر، ولا يصح، فقد ذكر الحاكم أبو أحمد، أنَّ دينار الحجام آخر, تابعي، وأخرج ابن منده حديث لدينار الحجّام عن أبي طيبة، ذكره في الإصابة "مولى محيصة -بضم الميم، وفتح المهملة، وتشديد المثناة تحت، وكسرها- هو ابن مسعود الأنصاري"، فإذا بهذا أنَّ أبا طيبة غير الغلام المار؛ لأنه غلام لبعض قريش، "وقال شيخ الإسلام ابن حجر" الحافظ: "قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته ﷺ ، وعدَّ الأئمة ذلك من خصوصياته انتهى".стр. 2805
قال بعضهم: وكان السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين حين غسلا جوفه, والله أعلم.
وأمَّا سيرته ﷺ في البراز، ففي حديث عائشة عند أبي عوانة في صحيحه والحاكم: ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن.
وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة
الحواشي
(١) قال الزركشي: وينبغي طرد الطهارة في فضلات سائر الأنبياء، ونازعه الجوجري في ذلك، لكن يؤيده حديث: "إن الله أمر الأرض أن تبتلع ما يخرج من الأنبياء"، من حديث "إن أجسادهم ثبتت على أرواح أهل الجنة"، "قال بعضهم: وكان السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين حين غسلا جوفه" في المرة الأولى عند مرضعته حليمة، أو وهو ابن عشر، أو حين البلوغ، أو ليلة الإسراء، فعلى الأول يكون ذلك ثبت له من ابتداء طفوليته، "والله أعلم" بالحق في ذلك، "وأما سيرته ﷺ " أي حالته وهيئته التي كان يتلبّس بها "في البراز" بفتح الموحدة- اسم للفضاء الواسع، كنّوا به عن الحاجة كما كنّوا بالخلاء؛ لأنهم كانوا يتبرَّزون في الأمكنة الخالية من الناس، قال الخطابي: وأكثر الرواة يكسرون الباء، وهو غلط؛ لأنه مصدر بارزت الرجل مبارزة وبرازًا, إلّا معنى القضاء، وردّه النووي؛ بأنَّ الظاهر بل الصواب الكسر.
قال الجوهري وغيره من أئمة اللغة: البراز -بالكسر- ثقل الغذاء وهو الغائط، وأكثر الرواة عليه، فتعيّن المصير إليه؛ ولأن المعنى عليه ظاهر, ولا يظهر معنى الفضاء الواسع هنا إلا بكلفة, انتهى. أي: بجعله مجازًا علاقته المجاورة، أو من تسمية الحال باسم المحلّ لخروجه فيه، وذكر المصباح أن كسر الباء في الفضاء لغةً قليلة، ثم جواب أما محذوف, أشير إلى بعضه بقوله: "ففي حديث عائشة" أو هو وما بعده نفس الجواب, وهو أولى "عند أبي عوانة" الحافظ، يعقوب ابن إسحاق الأسفرايني، النيسابوري, ثقة ثبت جليل، طاف الدنيا, وعني بالحديث، مات سنة ست عشرة وثلثمائة، "في صحيحه" المخرج على مسلم، وله فيه زيادات عدة، "والحاكم" محمد بن عبد الله، الحافظ المشهور، قالت: "ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن"، يطلق على بعضه كما يطلق على كله، فشمل أوّل ما نزل، فكأنها قالت: منذ نبئ، ولا يشكل بأنها لم تولد حينئذ؛ لجواز أنه بلغها ذلك فأخبرت به، ولا يرد ما شاهده حذيفة من بوله قائما؛ لأنه في غير البيوت، أو لبيان الجواز، ولم تشاهده عائشة، فأخبرت بما شاهدت، وكأنها قاست عليه ما لم تشاهده، وقد روى الترمذي والنسائي عنها: من حدَّثكم أن رسول الله ﷺ ، كان يبول قائمًا فلا تصدقوه, ما كان يبول إلا قاعدًا، ولفظ النسائي: إلا جالسًا، وحمل على من اعتقد أنه عادته، "وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة" بفتح المهملتين، ثم نون،стр. 2806
عند النسائي وابن ماجه: أنه ﷺ بال جالسًا، فقالوا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة.
وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا، ويؤيده ما في حديث عبد الرحمن هذا, وفيه دلالة على أنه كان يخالفهم في ذلك, فيقعد لكونه أستر وأبعد من مماسّة البول.
وقال حذيفة: أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم فبال قائمًا ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ
الحواشي
(١) وهو ابن المطاع بن عبد الله، أخو شرحبيل بن حسنة، وهي أمهما، قال الترمذي: يقال: إنهما أخوان، وأنكره العسكري تبعًا لابن أبي خيثمة.
روى عبد الرحمن عن المصطفى، وعنه زيد بن وهب، وذكر مسلم والأزدي والحاكم؛ أنه تفرَّد بالرواية عنه، ويرد عليهم أنَّ في الطبراني الكبير حديثًا من طريق أبي طارق عنه، قاله في الإصابة "عند النسائي، وابن ماجه"، وصحّحه الدارقطني وغيره؛ "أنه ﷺ بال جالسًا" مخالفًا لعادة العرب، "فقالوا" متعجبين: "انظروا إليه يبول كما تبول المرأة"، ولعلَّ قائليه ليسوا مسلمين؛ إذ محافظة الصحابة على فعله واقتداؤهم به معلوم، "وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا"، ألا تراه يقول في حديث عبد الرحمن بن حسنة: يبول كما تبول المرأة. هذا بقية ما حكاه ابن ماجه، كما في الفتح، فما أوهمه قوله: "ويؤيده ما في حديث عبد الرحمن هذا"، من تعجبهم من بوله جالسًا؛ أنه من عنده ليس بمراد، "وفيه دلالة على أنه" ﷺ "كان يخالفهم في ذلك، فيقعد لكونه أستر, وأبعد من مماسّة البول"؛ إذ القيام يخشى منه إصابة القدمين ونحوهما برشاش البول.
"وقال حذيفة" بن اليمان، الصحابي ابن الصحابي: "أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم"، وفي رواية: بطيحة قوم، وهي المكان الواسع، "فبال قائمًا، ثم دعاء بماء فجئته بماء فتوضأ" وفي مسلم، فتنحيت، فقال: "ادن" فدنوت حتى قمت عند عقبيه. ولأحمد: أتى سباطة قوم فتباعدت، فأدناني حتى صرت قريبًا من عقيبة، فبال قائمًا، ودعا بماء فتوضأ، ومسح على خفَّيه، وكذا زاد مسلم وغيره فيه ذكر المسح على الخفين.
"رواه البخاري"، ومسلم، وأصحاب السنن وغيرهم، وفي الصحيح أيضًا عن حذيفة: رأيتني أنا والنبي ﷺ نتماشى، فأتى سباطة قوم خلف حائط، فقام كما يقوم أحدكم فبال، فانتبذت منه، فأشار إليّ فجئت، فقمت عند عقبيه حتى فرغ. وفيه أيضًا: كان أبو موسى الأشعري يشددстр. 2807
رواه البخاري. وفي رواية غيره: بال قائمًا ففحج رجليه، أي: فرقهما وباعد ما بينهما.
والسباطة -المهملة وبعدها موحدة- هي المزبلة والكناسة, تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدّ منها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة. وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح في رواية أبي عوانة في صحيحه
الحواشي
(١) في البول، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب البول ثوب أحدهم قرضه، فقال حذيفة: ليته أمسك, أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم، فبال قائمًا، "وفي رواية غيره: بال قائمًا ففحج"، بفاءين وحاء مهملة مفتوحات، وجيم، "رجليه، أي: فرَّقهما وباعد ما بينهما"، وهذه حالته وإن بال جالسًا، قال أبو موسى: رأيت رسول الله ﷺ يبول قاعدًا، قد جافى بين فخذيه، حتى جعلت أرثي له من طول الجلوس.
رواه الطبراني، وقال ابن عباس: عدل ﷺ إلى الشعب، فبال حتى أني أرثي له من وركيه، رواه ابن ماجه "والسباطة" بضم السين "المهملة، وبعدها موحدة"، فألف فطاء مهملة فتاء تأنيث، "هي المزبلة" بفتح الباء، والضم لغةً, موضع الزبل، كما في المصباح "والكناسة" الواو بمعنى أو وبها عبَّر المصنّف في شرح البخاري، وحكي ابن الأثير القولين فقال: السباطة الموضع الذي يرمى فيه السراب والأوساخ وما يكنس من المنازل، وقيل: هي الكناسة نفسها, انتهى.
وجزم الجوهري، والمجد بالثاني، "تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها"، أي: محلًّا يرتفقون به، قال في القاموس: الرفق -بالكسر- ما استعين به، واللطف رفق به، وعليه مثلثة رفقًا ومرفقًا، كمجلس ومقعد ومنبر، ثم قال: ومرافق الدار مصاب الماء ونحوها؛ ومثله في صحاح الجوهري: وصريحهما أن اللغتين في المعنيين، وفي المصباح: المرفق ما ارتفقت به -بفتح الميم، وكسر الفاء، وعكسه لغتان، وأما مرفق الدار، كالمطبخ والكنيف ونحوه, فبكسر الميم، وفتح الفاء لا غير, على التشبيه باسم الآلة، "وتكون في الغالب سهلة لا يرتدّ منها البول على البائل"، فلذا بال عليها، "وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك، لأنها لا تخلو عن النجاسة"، وهي لا تملك، "وبهذا" أي: كونها سهلة, لا يرتدّ منها البول "يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار، ففيه إضرار"، وهو قد قال: "لا ضرر ولا ضرار"، ووجه الدفع: إنها لسهولتها تشرب البول الحاصل بها، فلا يصل إلى الجدار، "أو نقول" في الجواب: "إنما بال فوق السباطة" بوسطها، "لا في أصل الجدار" الذي نشأ الإشكال منه، "وهو صريح في رواية أبي عوانة فيстр. 2808
وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره, أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرّف في مال أمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى, لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ .
قال الحافظ ابن حجر: وأما مخالفته ﷺ لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار، فقد قيل فيه: إنه ﷺ كان مشغولًا بمصالح المسلمين، ولعلّه طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول, فلو أبعد لتضرَّر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه، أو لعله فعله
الحواشي
(١) صحيحه"، فيحمل عليه؛ لأن الروايات تبيّن بعضها، "وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره"، كإمارة دلّت على ذلك، "أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم", فيما دعاهم إليه، ودعتهم أنفسهم إلى خلافه "وأموالهم؛ وهذا"، أي: التعليل بجواز التصرف.
"وإن كان صحيح المعنى, لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ " أي: إنه عاملهم بما يتخيل أنّ فيه أذى؛ وإن جاز له ورضوا به، "قال الحافظ ابن حجر" في الفتح أيضًا: إذ الذي قبله من أوّل قوله والسباطة فيه أيضًا، ثم قال بعد قليل جواب سؤال، تقديره: لم خالف عادته من الإبعاد، وبال على السباطة القريبة من الناس، "وأما مخالفته ﷺ لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة، عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار"؛ بحيث لا يراه أحد، لما روى أبو داود وابن ماجه؛ والحاكم في علومه, عن بلال بن الحارث وغيره، كان ﷺ إذا انطلق لحاجته تباعد حتى لا يراه أحد. وروى ابن جرير وغيره بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كان ﷺ يذهب لحاجته إلى المغمس. قال نافع: وهو نحو ميلين من مكة، وفي القاموس: المغمس كمعظم ومحدث، وهو مبالغة في الإبعاد واستعمال الأدب، فلا ينافي في أنَّ المستحب يحصل بما دون ميلين، "فقد قيل فيه" أي: وجه مخالفته لعادته، "إنه ﷺ كان مشغولًا بمصالح المسلمين، ولعلّه" في الفتح فلعله -بالفاء, "طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول، فلوّ أبعد لتضرَّر" بحبس البول إلى وصوله للمكان البعيد، "واستدنى حذيفة" أي: طلب قربه منه، "ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه" أي: يرى شخصه ﷺ مع وجود مانع رؤية عورته، ولفظ الفتح: من لعله يمر به، وكان قدّامه مستورًا بالحائط، "أو لعله فعله"، أي: الستر "لبيانстр. 2809
لبيان الجواز, ثم هو في البول, وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشّف، والغرض من الإبعاد التستر, وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر.
وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة, فانتهى إلى سباطة قوم فقال: "يا حذيفة, استرني" فذكر الحديث. وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة.
وقيل: إنما بال قائمًا لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر ﵁ قال: البول قائمًا أحصن للدبر.
وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد: إن العرب
الحواشي
(١) الجواز، ثم هو"، أي: الستر "في البول، وهو أخفّ من الغائط؛ لاحتياجه إلى زيادة تكشّف"، أسقط من الفتح: ولما يقترن به من الرائحة, وإسقاطه حسن؛ إذ لم يكن لغائطه رائحة كريهة، كما مَرَّ، "والغرض من الإبعاد التستر، وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر" إن كان طوله ثلثي ذراع؛ وقرب منه بأن كان ما بينهما ثلاثة أذرع فأقلّ، والساتر تعرض المقعدة.
"وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك" الخطمي، له أحاديث أخرجها الدارقطني، والطبراني وغيرهما، مدارها على الفضل بن مختار، وهو ضعيف جدًّا، قاله في الإصابة وفي التقريب، زعم عبد الحق أن النسائي أخرج له حديثًا في السرقة، وتعقّب ذلك ابن القطان، "قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك" أي: طرق "المدينة، فانتهى إلى سباطة قوم، فقال: "يا حذيفة استرني"، فذكر الحديث"، وهو: فدنوت حتى قمت عند عقبه، فبال قائمًا، "وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة"، وهي قربه من القوم، وجلوسه في مظنّة المارة عليه؛ مع أمره له بذلك، قال في الفتح: وكان حذيفة لما وقف خلفه عند عقبه استدبره, وظهر أيضًا أن ذلك كان في الحضر، لا في السفر، ويستفاد من هذا دفع أشد المفسدتين بأخفهما، والإتيان بأعظم المصلحتين إذا لم يمكنا معًا، وبيانه أنه ﷺ كان يطيل الجلوس لمصالح الأمة، ويكثر من زيارة أصحابه وعيادتهم، فلمَّا حصره البول وهو في بعض تلك الحالات، لم يؤخره حتى يبعد كعادته، لم يترتّب على تأخيره من الضرر، فراعى أهم الأمرين، وقدَّم المصلحة في تقريب حذيفة منه ليستره من المارة، على مصلحة تأخره عنه؛ إذ لم يمكن جمعهما، "وقيل: إنما بال قائمًا؛ لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر ﵁ قال: البول قائمًا أحصن للدبر" من خروج الريح منه، "وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد: إن العربстр. 2810
كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك, فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: إنما بال ﷺ قائمًا لجرح كان بمأبضه.
والمأبض -بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة- باطن الركبة.
فكأنه لم يتمكّن لأجله من القعود، ولو صحَّ هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدّم, لكن ضعَّفه الدارقطني والبيهقي.
والأظهر: إنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكأنَّ أكثر أحواله البول عن قعود.
وقيل: إن البول عن قيام منسوخ, واستدل عليه بحديث عائشة المتقدّم. والصواب: إنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند على علمها, فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت فلم تطَّلع هي عليه،
الحواشي
(١) كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك، فلعله كان به" وجع صلب -بضم، فسكون، وبضمتين- عظام الظهر، وفي القاموس: عظم من لدن الكاهل إلى العجب.
"وروى الحاكم، والبيهقي من حديث أبي هريرة، قال: إنما بال ﷺ قائمًا لجرح كان بمأبضه، والمأبض -بهمزة ساكنة بعدها موحدة" مكسورة، "ثم" ضاد "معجمة- باطن الركبة، فكأنَّه لم يتمكّن لأجله من القعود، ولو صحَّ هذا الحديث لكان فيه غنًى عن جميع ما تقدَّم"؛ لأنه نصٌّ وما تقدَّم احتمالات، "لكن ضعَّفه الدارقطني والبيهقي، والأظهر أنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكان أكثر أحواله البول عن قعود"، وقول ابن القيم الصحيح: إنه إنما فعله تنزيهًا وبعدًا من إصابة البول, فيه نظر، بل البول قائمًا في المكان الصلب مما ينجس القدمين بالرشاش، "وقيل: إن البول عن قيام منسوخ؛ واستدلّ عليه بحديث عائشة المتقدّم": ما بال قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. وهذا زعمه أبو عوانة وابن شاهين، واستدلا بهذا وبحديثها أيضًا: مَنْ حدَّثكم أنه كان يبول قائمًا فلا تصدقوه، ما كان يبول قاعدًا، "والصواب أنه غير منسوخ"؛ إذ لا دليل على نسخه، "والجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها، فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت فلم تطَّلع هي عليه".
"وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وهو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش"، وقد بينا أن ذلك كان بالمدينة، فتضمَّن الرد على ما نفته عائشة؛ من أنَّ ذلك لم يقع بعد نزول القرآن، وقد ثبت عن عمر، وعلي، وزيد بن ثابت، وغيرهم؛ أنهم بالوا قيامًا، وهو دالّ على الجواز من غير كراهة إذا أُمِنَ الرشاش، ولم يثبت عن النبي ﷺ في النهي شيء، كما بينته فيстр. 2811
وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وهو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش.
وكان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". رواه البخاري من حديث أنس.
والخبث -بضم المعجمة والموحدة- ومراده: ذكران الشياطين وإناثهم.
الحواشي
(١) أوائل شرح الترمذي، قاله في فتح الباري، "وكان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء"، قال ابن الحاجب وغيره: منصوب على الظرف؛ لأن دخل من الأفعال اللازمة؛ بدليل أن مصدره على فعول، وما كان كذلك فهو لازم؛ ولأنه نقيض خرج وهو لازم, فيكون هو أيضًا كذلك، واختار قوم أنه مفعول به، وعن سيبويه أنه منصوب بإسقاط الخافض، وجعله الحريري من الأفعال المتعدية تارة بنفسها، وتارة بحرف الجر.
"قال: "اللهمَّ إني أعوذ"، أي: ألوذ وألتجئ "بك من الخبث"، جمع خبيث: ذكران الشياطين، "والخبائث" إناثهم, جمع خبيثة، وخصَّ بذلك حال الخلاء؛ لأن الشياطين يحضرون الأخلية، وهي مواضع يهجر فيها ذكر الله، فقدَّم لها الاستعاذة احترازًا منهم، وقال ﷺ : "إن هذه الحشوش محتضرة، فإذا أتى أحدكم الخلاء فليقل: أعوذ بالله من الخبث والخبائث".
رواه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وصحّحه الحاكم، وابن حبان، عن زيد بن أرقم، ومحتضرة، أي: تحضرها الشياطين، والحشوش -بضم الحاء وشينين معجمتين- المراحيض والكنف، "رواه البخاري من حديث" آدم، عن شعبة، عن عبد العزيز، عن "أنس" بلفظ: كان إذا دخل الخلاء إلخ ... ، ثم قال: وقال غندر عن شعبة: إذا أتى الخلاء، وقال سعيد بن زيد: حدَّثنا عبد العزيز: إذا أراد أن يدخل, انتهى. فبينت هذه الرواية المراد، فإذا قتصر عليها المصنف، لكنه أوهم أن البخاري رواها مسندة, مع أنه إنما رواها تعليقًا كما رأيت، نعم وصلها في كتاب الأدب المفرد له، وهذه الروايات وإن اختلف لفظها، فمعناها متقارب، يرجع إلى معنًى واحد، هو ما صرّحت به الرواية الثالثة، وهو في الأمكنة المعدَّة لذلك بقرينة الدخول، ولذا قال ابن بطال: رواية إذا أتى أعمَّ لشمولها انتهى.
"والخبث -بضم المعجمة و" ضم "الموحدة، ومرداه: ذكران الشياطين" بالخبث جمع خبيث، "وإناثهم" بالخبائث جمع خبيثة، قاله ابن حبان، والخطابي، وزاد أن عامَّة أصحاب الحديث يقولونه، ساكن الباء، وهو غلط، والصواب: ضمها, واتفق من بعد الخطابي على أنه الغلط، منهم النووي والتوربشتي؛ لأن الخبيث إذا جمع يجوز تسكين بائه للتخفيف؛ وهذاстр. 2812
وقد كان ﵊ يستعيذ إظهارًا للعبودية، ويجهر بذلك للتعليم، وهل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدَّة لذلك؛ لكونها حضرة الشياطين، أو يعم؟ الأصح الثاني.
ويقول ذلك قبيل الدخول في الأمكنة، وأمَّا في غيرها فيقوله في أوّل الشروع؛ كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، فلو نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه.
الحواشي
(١) مستفيض، لا يسع أحدًا مخالفته، إلّا أن يزعم أن ترك التخفيف أَوْلَى، لئلّا يشتبه بالمصدر، لكن صرح جماعة من أهل المعرفة بالعربية، منهم أبو عبيدة، بأن الباء هنا ساكنة.
وقال ابن دقيق العيد: لا ينبغي أن يعد هذا غلطًا؛ لأن فعلًا -بضم الفاء والعين- تخفف عينه قياسًا، قال: ولا يتعيّن أن المراد بالخبث -بالسكون- ما لا يناسب المعنى، بل بمعناه، وهو بضمّها نعم حمله، وهو ساكن على ما لا يناسب غلط في الحمل، لا في اللفظ, انتهى.
وقد أشار البخاري إلى أنه روي بالوجهين، فقال بعدما روى الحديث: ويقال الخبث، قال الحافظ: إي بإسكان الموحدة، فإن كانت مخفَّفة عن الحركة فتقدم توجيهه، وإن كانت بمعنى المفرد فمعناه كما قال ابن الأعرابي: المكروه، فإن كان من الكلام فالشتم، ومن الملل فالكفر، ومن الطعام فالحرام، ومن الشراب فالضارّ؛ وعلى هذا, فالمراد بالخبائث المعاصي، أو مطلق الأفعال المذمومة، ليحصل التناسب، ولذا وقع في رواية الترمذي وغيره، "أعوذ بالله من الخبث والخبث والخبائث" الأوّل بإسكان مع الإفراد، والثاني بالتحريك مع الجمع، أي: من الشيء المكروه، ومن الشيء الذموم، ومن ذكر أن الشياطين وإناثهم, انتهى.
وفي المصباح: "من الخبث والخبائث" بضم الباء والإسكان- جائز على لغة تميم، قيل: ذكر أن الشياطين وإناثهم، وقيل: من الكفر والمعاصي، "وقد كان ﵊ يستعيذ إظهارًا للعبودية"، وإلّا فهو معصوم من الشيطان كسائر الأنبياء، "ويجهر بذلك للتعليم" لغيره؛ "وهل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدَّة لذلك؛ لكونها حضرة الشياطين"، كما ورد في حديث زيد بن أرقم، في السنن، "أو يعم"، أي: يشمل ما لو بال في إناء مثلًا في جانب البيت, "الأصحّ الثاني"، ما لم يشعر في قضاء الحاجة، "ويقول ذلك قبيل الدخول في الأمكنة، وأمَّا في غيرها فيقوله في أول الشروع؛ كتشمير ثيابه مثلًا"، وكإرادة تقديم الرجل، "وهذا مذهب الجمهور" المانعين ذكر الله في تلك الحالة, قائلين: "فلو نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه"، ومن يجيز مطلقًا، لا يحتاج إلى تفصيل، وقد روى المعمري -بفتح الميمين بينهما مهملة ساكنة- هذا الحديث بلفظ الأمر، قال: "إذا دخلتم الخلاء فقولوا: بسم الله، أعوذ بالله من الخبث والخبائث"،стр. 2813
وعن أنس: كان ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنوا من الأرض. رواه الترمذي وأبو داود والدارمي.
وعن عائشة قالت: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك"، رواه الترمذي وابن ماجه.
وعن أنس: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى
الحواشي
(١) قال الحافظ: وإسناده على شرط مسلم، وفيه زيادة التسمية، ولم أرها في غير هذه الرواية, انتهى.
وظاهره: تأخير التعوّذ عن البسملة، وبه صرَّح جماعة؛ لأنه ليس للقراءة، قاله النووي. "وعن أنس: كان ﷺ إذا أراد الحاجة" أي: القعود لبول أو غائط، "لم يرفع ثوبه" عن عورته، ولفظ أبي داود: حال قيامه، أي: بل يصبر "حتى يدنو" يقرب "من الأرض"؛ فإذا دنا منها رفعه شيئًا فشيئًا، وهذا أدب مستَحَب اتفاقًا، ومحله ما لم يخف تنجس ثوبه، وإلّا رفع بقدر حاجته؛ "رواه الترمذي وأبو داود" في الطهارة "و" شيخهما "الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن، أبو محمد السمرقندي، الحافظ، أحد الأعلام، مات سنة خمس وخمسين ومائتين، وله خمس وسبعون سنة، ثم هذا الحديث ضعيف من جميع طرقه، كما قاله الولي العراقي، وعبد الحق وغيرهما.
"وعن عائشة قالت: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء"، وفي رواية: من الغائط، "قال" عقبه؛ بحيث ينسب إليه عرفًا، "غفرانك"، بالنصب, تقدير: أسألك غفرانك, الذي يليق إضافته إليك لما له من الكمال والجمال، عمَّا قصرت فيه حال الخلاء من ترك الذكر، وما هو نتيجة الإسراع إلى الطعام، وقضاء الشهوات، ولا يرد أنه مأمور بترك الذكر حينئذ، فلا حاجة إلى الاستغفار؛ لأن سببه من قبله، فأمر بالاستغفار مما تسبب فيه، أو سأل مغفرة عجزه عن شكر تلك النعمة؛ حيث أطعم، ثم هضم، ثم جلب منفعته ودفع مضرته، وسهل خروجه، فرأى شكره قاصرًا عن بلوغ هذه النعم، ففزع إلى الاستغفار، والمراد بالغفران: إزالة الذنب وإسقاطه، ويستحب قول: غفرانك, لقاضي الحاجة، سواء كان في صحراء أو بنيان؛ مرة واحدة على ظاهر الحديث، وقيل: مرتين، وقيل: ثلاثًا، "رواه الترمذي، وابن ماجه" وأبو داود، والنسائي، والإمام أحمد، والبخاري في الأدب المفرد, وعنه رواه الترمذي وصحَّحه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، وابن الجارود، وغيرهم، فقول الترمذي: غريب، لا نعرفه إلا من حديث عائشة، هذا مراده: لا نعرفه من وجهٍ صحيح إلّا من حديثها, وغيره من أذكار الخروج ضعيف، فهو كقول أبي حاتم: حديث عائشة أصحّ ما في الباب، والغرابة بمعنى الفردية، فتجامع الصحة، فليس مراده نفيها، كما فهمه مغلطاي واعترضه، "وعن أنس: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء، قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى"، بهضمهстр. 2814
وعافاني". رواه ابن ماجه.
وقال ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا"،
الحواشي
(١) وتسهيل خروجه، "وعافاني" منه، أي: من احتباس ما يؤذي بدني ويضعف قوتي، ولابن أبي شيبة، والدارقطني من مرسل طاوس: إذا خرج أحدكم من الخلاء، فليقل: "الحمد لله الذي أخرج عني ما يؤذنني، وأمسك علي ما ينفعني"، وفي رواية: "الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى علي قوته، وأذهب عني أذاه"، "رواه ابن ماجه" بإسناد ضعيف، كما قاله المنذري، ومغلطاي وغيرهما، ورواه النسائي من حديث أبي ذر، وقال: مضطرب غير قوي.
وقال الدارقطني حديث محفوظ.
وروى ابن السني بسند ضعيف عن أنس: كان إذا خرج من الغائط قال: "الحمد لله الذي أحسن بي في أوله وآخره"، "وقال ﷺ : "إذا أتى" أي: جاء "أحدكم الغائط، فلا يستقبل القبلة" بكسر اللام- على النهي، وبضمها، على النفي، "ولا يولها ظهره" جزم بحذف الياء على النهي، أي: لا يجعلها مقابل ظهره، قاله المصنف والكرماني وغيرهما، وهو صريح في أنَّ الرواية جاءت في يستقبل بالوجهين، وفي يولها بالجزم فقط، لكن جزم الحافظ بكسر اللام؛ لأن لا ناهية، واللام في القبلة للعهد، أي: الكعبة, انتهى.
ولذا قال شيخنا: مجزوم، بلا الناهية، حرك بالكسر لالتقاء الساكنين، وليس خبرًا بمعنى النهي لعطف، ولا يولها, عليه مجزومًا.
قال الحافظ: زاد مسلم: "ولا يستدبرها ببول أو بغائط"، والغائط الثاني غير الأول، أطلق على الخارج من الدبر مجازًا من إطلاق اسم المحلّ على الحال كراهية لذكره بصريح اسمه، وحصل من ذلك جناس تام، والظاهر من قوله: "ببول، أو غائط" اختصاص النهي بخروج الخارج من العورة، ويكون مثاره إكرام القبلة عن المواجهة بالنجاسة، ويؤيده قوله في حديث جابر: "إذا أهرقنا الماء"، وقيل مثاره كشف العورة، وعلى هذا، فيطرد في كل حالة تكشف فيها العورة، كالوطء، وقد نقله ابن شاس المالكي قولًا في مذهبه، وكان قائله تمسك برواية الموطأ: "لا تستقبلوا القبلة بفروجكم"، ولكنها محمولة على قضاء الحاجة جمعًا بين الروايتين، "شرقوا، أو غربوا"، أي: خذوا في ناحية المشرق، أو المغرب؛ وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب، وهو لأهل المدينة، ومن كانت قبلتهم على سمتهم، أمَّا من قبلتهم إلى المشرق أو المغرب، فينحرف إلى جهة الجنوب أو الشمال، قال الحافظ ولي الدين: ضبطناه في سنن أبي داود: وغربو -بلا ألف، وفي بقية الكتب الستة بإثبات الألف، ونقله النووي عن بعض نسخ أبي داود، وكذا رأيته فيстр. 2815
رواه البخاري من حديث أبي أيوب الأنصاري.
وهذا في الصحراء، أما في البنيان فلا، لما روي عن ابن عمر: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام. رواه الشيخان.
الحواشي
(١) مختصر السنن للمنذري بإثباتها، ولعله من الناسخ، وكلاهما صحيح.
"رواه البخاري" ومسلم، وأصحاب السنن "من حديث أبي أيوب" خالد بن زيد بن كليب "الأنصاري"، البدري، من كبار الصحابة، "وهذا" النهي محله "في الصحراء، أمَّا في البنيان فلا" يمنع الاستقبال، "لما روى" في التعبير به شيء؛ إذ هو فيما شك فيه، وهذا في الصحيحين، "عن ابن عمر" قال: "ارتقيت"، أي: صعدت "فوق بيت"، وفي رواية: فوق ظهر بيت "حفصة"، زاد مسلم: أختي، ولابن خزيمة: دخلت على حفصة بنت عمر، فصعدت ظهر البيت، وأضافه إليها؛ باعتبار أنه البيت الذي أسكنها فيه النبي ﷺ ، وبقي في يدها إلى أن ماتت، فورث عنها، وفي رواية: على ظهر بيت لنا، وأخرى: على ظهر بيتنا، وإضافته إليه مجازًا؛ لأنها أخته، أو باعتبار ما آل إليه الحال؛ لأنه ورث حفصة دون أخوته؛ لأنها شقيقته، ولم تترك من يحجبه عن الاستيعاب، "لبعض حاجتي"، أي: لأمر اقتضى رقيه، ولم يبينه لعدم الاحتياج إليه في بيان المقصود هنا.
"فرأيت رسول الله ﷺ " حال كونه "يقضي حاجته"، وحال كونه "مستدبر القبلة، مستقبل الشام"، وفي رواية: بيت المقدس، والمعنى واحد؛ لأنهما في جهة واحدة، وسقط في رواية: مستدبر القبلة؛ لأن ذلك من لازم من مستقبل الشام بالمدينة، وذكرت في هذه الرواية للتأكيد والتصريح به، ثم لا يرد أن شرط الحال كونها نكرة، ومستدبر مضاف، فتعرف بالإضافة؛ لأنها لفظية, وهي لا تفيد التعريف، ولم يقصد ابن عمر الإشراف على النبي ﷺ في تلك الحالة، وإنما صعد السطح لضرورة، فحانت منه التفاتة، كما في رواية البيهقي، فلمَّا رآه بلا قصد أحب أن لا يخليها من فائدة، بحفظ هذا الحكم الشرعي، وكأنَّه إنما رآه من جهة ظهره، حتى ساغ له تأمل الكيفية المذكورة، من غير محذور، ودلَّ ذلك على شدة حرصه على تتبُّع أحواله ﷺ ليتبعها، وكذا كان ﵁، "رواه الشيخان", إن ناسًا يقولون: إذا قعدت على حاجتك فلا تستقبل القبلة ولا بيت المقدس، فقال ابن عمر: ارتقيت، فذكره، وادَّعى الخطابي الإجماع على عدم تحريم استقبال بيت المقدس لمن استدبر في استقباله الكعبة, وفيه نظر، فقد قال قوم، منهم: النخعي، وابن سيرين، بالتحريم عملًا بحديث معقل الأسدي، قال: نهى رسول الله ﷺ أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط. رواه أبو داود وغيره، وهو حديث ضعيف؛ لأن فيه راويًاстр. 2816
وأما حديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن خزيمة، ولفظه عند أحمد: كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء. قال جابر: ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة، فقال في فتح الباري:
الحقّ أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمه، بل هو محمول على أنه رآه في بناءٍ أو نحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر. ودعوى خصوصية ذلك بالنبي ﷺ لا دليل عليها؛ إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال.
ومذهب الجمهور وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق: التفريق بين البنيان والصحراء، وهذا أعدل الأقوال؛ لإعمال جميع الأدلة.
وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد،
الحواشي
(١) مجهول الحال، وعلى تقدير صحته، فالمراد بذلك أهل المدينة؛ ومَنْ على سمتها؛ لأن استقبالهم بيت المقدس يستلزم استدبارهم الكعبة، فالعلة استدبار الكعبة لا استبدبار بيت المقدس، قاله الحافظ.
"وأمَّا حديث جابر عند أحمد، وأبي داود، وابن خزيمة" وغيرهم، "ولفظه عند أحمد: كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة" أي: الكعبة، "أو نستقبلها بفروجنا، إذا أهرقنا الماء، قال جابر: ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة، فقال في فتح الباري": في شرح حديث أبي أيوب: "الحق أنه ليس بناسخٍ لحديث النهي، خلافًا لمن زعمه"؛ إذ لا دليل على النسخ، ومجرَّد رؤيته يفعل خلاف النهي لا يدل عليه، وكان زاعمه قصد به دفع المعارضة، ولذا أضرب، فقال: "بل" الجمع بينهما ممكن، بلا دعوى نسخ؛ إذ "هو محمول على أنه رآه في بناء أو نحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ ، لمبالغته في الستر"؛ ورؤية ابن عمر له كانت عن غير قصد، وكذا رؤية جابر، هكذا في الفتح قبل قوله: "ودعوى خصوصية ذلك" أي: استقبال القبلة حال البول "بالنبي ﷺ ، لا دليل عليها؛ إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال"، بل بالنص الصريح، وقد أمكن الجمع بدون دعوى الخصوصية، "ومذهب الجمهور وهو مذهب مالك؛ والشافعي، وإسحاق" بن راهويه، أحد الأئمة الذين دوّنت مذاهبهم: "التفريق بين البنيان"، فيجوز لحديث ابن عمر الصريح في جواز الاستدبار, وحديث جابر الدال على جواز الاستقبال، "و" بين "الصحراء"، فيمنع لحديث أبي أيوب، "وهذا أعدل الأقوال؛ لإعماله جميع الأدلة" بخلاف غيره، ففيه إلغاء أحدها، وقد تقرَّر عند الفقاء والمحدثين والأصوليين؛ أنه متى أمكن الجمع بين الدليلين جمع، "وقال قوم بالتحريم مطلقًا" في صحراء أو بنيان، "وهو المشهور عن أبيстр. 2817
ورجَّحه من المالكية ابن العربي, وحجتهم أن النهي مقدَّم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر المتقدّم.
وقال قوم بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة وعروة بن الزبير وربيعة، محتجين بأن الأحاديث تعارضت, فلنرجع إلى أصل الإباحة.
وفي البخاري عن أنس, كان ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام،
الحواشي
(١) حنيفة، وأحمد"، وقال به أبو نور صاحب الشافعي، "ورجّحه من المالكية ابن العربي"، ومن الظاهرية ابن حزم، "وحجّتهم أن النهي" في حديث أبي أيوب "مقدَّم على الإباحة" التي دل عليها حديث ابن عمر، "ولم يصحّحوا حديث جابر المتقدم" الصريح في النهي، ولكن قد صححه ابن خزيمة وابن حبان.
"وقال قوم بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة، وعروة بن الزبير، وربيعة" بن أبي عبد الرحمن، وداود، "محتجّين بأن الأحاديث تعارضت، فلنرجع إلى أصل الإباحة"، ويردّ عليهم: إن محل ذلك ما لم يمكن الجمع، وقال قوم بجواز الاستدبار دون الاستقبال، حُكِيَ عن أبي حنيفة وأحمد, وتمسَّكوا بحديث ابن عمر، فخصَّصوا به عموم حديث أبي أيوب، ولم يصحّحوا حديث جابر، ولم يلحقوا الاستقبال بالاستدبار قياسًا؛ لأنه لا يصح، وقيل بجواز الاستدبار في البنيان فقط؛ لحديث ابن عمر، وهو قول أبي يوسف، وقيل بعموم التحريم حتى القبلة المنسوخة، وقيل: يختص التحريم بأهل المدينة ومَنْ على سمتها، أما مَنْ قبلته المشرق أو المغرب، فيجوز له الاستدبار والاستقبال مطلقًا؛ لعموم وله: "شرقوا أو غربوا"، "وفي البخاري، عن أنس, كان ﷺ إذا خرج" من بيته، أو من بين الناس "لحاجته"، أي: البول أو الغائط، ولفظ: كان, يشعر بالتكرار والاستمرار، "أجيء أنا وغلام"، زاد في رواية للبخاري منّا، أي: من الأنصار؛ وبه صرَّح الإسماعيلي، ولمسلم: نحوي، أي: مقارب لي في السن، والغلام هو المترعرع، قاله أبو عبيد، وفي المحكم: من لدن الفطام إلى سبع سنين، وفي الأساس: الغلام الصغير إلى حد الالتحاء، فإن قيل له بعده غلام فمجاز، قيل: الغلام ابن مسعود؛ لقول أبي الدرداء، لعلقمة بن قيس: أليس فيكم صاحب النعلين والطهور والوساد -يعني: ابن مسعود- الحديث في الصحيح، فيكون أنس سماه غلامًا مجازًا، ويكون معنى قوله: منا، أي: من الصحابة، أو من خدمه ﷺ ؛ وقوله في رواية الإسماعيلي: من الأنصار؛ لعلها من تصرُّف الراوي، رأى في الرواية منا، فحملها على القبيلة، فرواها بالمعنى، أو لأنَّ إطلاق الأنصار على جميع الصحابة سائغ، وإن خصه العرف بالأوس والخزرج؛ لكن يبعده رواية مسلم: غلام نحوي، فوصفه بالصغر، ويحتمل أنه أبو هريرة، فعنه, كان النبي ﷺ ، إذا أتى الخلاء أتيته بماء في ركوة فاستنجى؛ ويؤيّد ما رواه البخاري في ذكرстр. 2818
ومعنا إداوة من ماء -يعني: يستنجي به. وفي رواية مسلم عنه: فخرج علينا وقد استنجى بالماء.
وعن أبي هريرة قال: اتبعت النبي ﷺ , وخرج لحاجته, فقال: "ابغني أحجارًا أستنفض بها
الحواشي
(١) الجن عن أبي هريرة، أنَّه كان يحمل مع النبي ﷺ الإداوة لوضوئه وحاجته، ويكون المراد بقول أنس: نحوي، أي: في الحال، لقرب عهده بالإسلام, ويحتمل أنه جابر؛ ففي مسلم أنه ﷺ انطلق لحاجته, فاتبعه جابر بإداوة، ولا سيما وجابر أنصاري، ووقع للإسماعيلي في روايته: فاتبعته وأنا غلام -بتقديم الواو- فتكون حالية، لكن تعقَّبها الإسماعيلي بأن الصحيح: أنا وغلام بواو العطف، "ومعنا إداوة" بكسر الهمزة- إناء صغير من جلد مملوءة "من ماء"، وورد أنَّ إذا للاستقبال وخرج للمضي، فلا يصح هنا؛ إذ الخروج قد وقع؛ وأجيب بأنَّ إذا هنا لمجرد الظرفية، فالمعنى: تبعته حين خرج، أو هو حكايةً للحال الماضية، "يعني: يستنجي به".
زعم الأصيلي أنَّ قائل ذلك هشام بن عبد الملك، شيخ البخاري، فيه، وقد رواه بعده عن شيخه سليمان بن حرب، فقال: يستنجي بالماء، ورواه عن محمد بن جعفر بلفظ: إذ تبرز لحاجته أتيته بماء فيغسل به، "وفي رواية مسلم، عنه" أنس "فخرج" النبي ﷺ "علينا، وقد استنجي بالماء"، وللإسماعيلي: فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي ﷺ ، قال الحافظ: فبان بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس، لا من قول هشام، كما ادَّعى الأصيلي، وأنه يحتمل أن الماء لوضوئه، فقد انتفى هذا الاحتمال بهذه الروايات، وهي تَرُدّ أيضًا زعم أبي عبد الملك البوني: إن قوله: يستنجي بالماء، مدرج من قول عطاء، راويه عن أنس، "وعن أبي هريرة قال: اتبعت النبي" بتشديد المثناة، أي: سرت وراءه " ﷺ , و" قد "خرج لحاجته"، جملة وقعت حالًا، فلابُدَّ فيها من قد ظاهرة أو مقدرة، قاله المصنف. فظاهره أن لفظ: قد, لم يقع في رواية، فما في نسخ هنا من زيادتها لا يعتمد، وأسقط الراوية: كان لا يلتفت وراءه، فدنوت منه. زاد الإسماعيلي: أستأنس وأتنحنح، فقال: "من هذا"؟ فقلت: أبو هريرة، "فقال: "ابغني" بهمزة وصل ثلاثي، أي: اطلب لي، يقال: بغيتك الشيء، أي: طلبته لك، وبهمزة قطع إذا كان من المزيد، أي: أعني على الطلب، يقال: أبغيك الشيء، أي: أعنتك على طلبه؛ وهما روايتان.
قال الحافظ: والوصل أليق بالسياق، ويؤيده رواية الإسماعيلي: "آتني"، وفي رواية: أبغ لي -بهمزة قطع، ولام بعد المعجمة بدل النون، "أحجارًا" مفعول ثان، لأبغني، أو آتني من آتاه بالمد أعطاه، والمعنى هنا ناولني أحجارًا "استنفض بها" بفاء مكسورة وضاد معجمة، مجزومстр. 2819
ولا تأتني بعظم ولا روث"، فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه, فلما قضى حاجته أتبعه بهنَّ.
الحواشي
(١) جواب الأمر، ويجوز الرفع على الاستنئاف، قال القزاز: استفعل من النفض، وهو أن يهزَّ الشيء ليطير غبره، قال: وهذا موضع أستنظف، أي: بتقديم الظاء المشالة على الفاء، ولكن كذا روي، ورَدَّه الحافظ؛ بأن الرواية صواب، ففي القاموس استنفضه: استخرجه، وبالحجر استنجى، وهو مأخوذ من كلام الطرزي، قال: الاستنفاض الاستخراج؛ ويكنَّى به عن الاستنجاء، ومن رواه بالقاف، والصاد المهملة، فقد صحَّف، وللإسماعيلي بدل استنفض استنجى، وكأنَّها المراد بقوله في رواية البخاري، أو نحوه، ويكون التردد من بعض رواته انتهى.
وأو نحوه بالنصب مفعول، قال: أي: قال نحو هذا اللفظ، فلا يرد أنّ قال إنما تنصب الجمل ونحوه مفردًا؛ لأنه وإن كان مفردًا لكنه في معنى الجملة، كقلت قصيدة، "ولا تأتني" بالجزم، بحذف الياء على النهي، للكشميهني بإثبات الياء على النفي.
وفي رواية: لا تأتي "بعظم ولا روث"؛ لأنهما مطعومان للجن، كما في البخاري، وفي المبعث أن أبا هريرة، قال للنبي ﷺ , لما أن فرغ, ما بال العظم والروث، قال: "هما من طعام الجن"، فظاهر هذا التعليل اختصاص المنع بهما، نعم يلحق بهما جميع مطعومات الآدميين بالأَوْلَى، وكذا المحترمات، كأوراق كتب العلم, وكأنه ﷺ خشي أن يفهم أبو هريرة له من قوله استنجى، أنّ كل ما يزيل الأثر كافٍ، ولا اختصاص لذلك بالأحجار، فنبهه باقتصاره في النهي على العظم والروث، أنَّ ما سواهما يجزئ، ولو اختص ذلك بالأحجار، كما يقول بعض الحنابلة والظاهرية: لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنًى، وإنما خص الأحجار بالذكر لكثرة وجودها، ومن قال: علة النهي عن الروث نجاسته, ألحق به كل نجس ومتنجس، وعن العظم كونه لزجًا، لا يزيل إزالة تامّة، الحق به كل ما في معناه، كالزجاج الأملس، ويؤيده ما رواه الدارقطني، وصحّحه عن أبي هريرة أن النبي ﷺ نهى أن نستنجي بروث، أو عظم، وقال: "أنهما لا يطهران"، "فأتيته بأحجار بطرف"، أي: في طرف "ثيابي، فوضعتها إلى جنبه"، أسقط من رواية البخاري، وأعرضت عنه, كذا في أكثر الروايات، وللكشميهني: واعترضت -بزيادة مثناة بعد العين، والمعنى متقارب، "فلمَّا قضى حاجته أتبعه" بهمزة قطع، أي: ألحقه "بهنّ"، أي: أتبع المحل بالأحجار، وكنَّى بذلك عن الاستنجاء، وقضيته أنه لم يتبعها بالماء، ولا يخالفه قول عائشة: ما رأيت رسول الله ﷺ خرج من غائط الأمس ماء. رواه ابن ماجه.
وفي رواية له أيضًا، عنها: كان يغسل مقعدته ثلاثًا؛ لأنه إخبار عمَّا رأته، فلا ينافي رؤية غيرها الاقتصار على الأحجار، ويحتمل أنه استنجى بالماء بعد الأحجار، قال الحافظ: وفيстр. 2820
وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده, فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس". رواه البخاري.
وفي حديث سلمان عند مسلم مرفوعًا: "لا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة
الحواشي
(١) الحديث جواز اتباع السادات، وإن لم يأمروا بذلك، واستخدام الإمام بعض رعيته، والإعراض عن قاضي الحاجة، والإعانة على إحضار ما يستنجي، وإعداده عنده، كي لا يحتاج إلى طلبه بعد الفراغ، فلا يأمن التلويث، "وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط"، أي: الأرض المطمئنة لقضاء الحاجة، فالمراد به معناه اللغوي، "فأمرني أن آتيته بثلاثة أحجار، فوجدت"، أي: أصبت "حجرين، والتمست"، أي: طلبت الحجر "الثالث، فلم أجده"، بالضمير المنصوب، أي: الحجر الثالث، وفي رواية: بحذف الضمير، "فأخذت روثة" زاد في رواية ابن خزيمة: وكانت روثة حمار، ونقل التيمي أن الروث مختص بما يكون من الخيل والبغال والحمير؛ "فأتيته بها, فأخذ الحجرين، وألقى الروثة، وقال: "هذا ركس" بكسر الراء، وإسكان الكاف- قيل لغة في رجس -بالجيم، ويدل عليه رواية ابن ماجه، وابن خزيمة -بالجيم, ويؤيده أيضًا رواية الترمذي: "هذا ركس" يعني: نجسًا، وقيل: الرجس: الرجع، رد من حالة الطهارة إلى حالة النجاسة، قاله الخطابي وغيره، والأَوْلَى أن يقال: رد من حالة الطعام إلى حالة الروث.
قال ابن بطال: لم أجد هذا الحرف في اللغة، يعني: الركس -بالكاف، وتعقَّبه أبو عبد الملك بأن معناه الردّ، كما قال تعالى: ﴿أُرْكِسُوا فِيهَا﴾ [النساء: ٩١] ، أي: ردوا، فكأنه قال: هذا رد عليك، انتهى.
ولو ثبت ما قاله، لكان بفتح الراء، يقال: أركسه ركسًا إذ ردَّه، وأغرب النسائي فقال عقب هذا الحديث: الركس طعام الجن، وهذا إن ثبت لغة، فهو يزيح الإشكال، قاله الحافظ، وذكر اسم الإشارة الراجع للروثة؛ باعتبار تذكير الخبر كقوله تعالى: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ [الأنعام: ٧٦، ٧٧] ، وفي رواية: هذه ركس على الأصل، ووجه إتيانه بالروثة مع أمره بالأحجار: أنه قاسها على الحجر بجامع الجمود، فقطع ﷺ قياسه بالفرق، أو بإبداء المانع بقوله: "هذا ركس"، وإن كان قياسه لضرورة عدم المنصوص عليه؛ "رواه"، أي: المذكور من حديثي أبي هريرة، وابن مسعود "البخاري" في الطهارة وغيرها، ويقع في كثير من نسخ المصنف سقوط: وقال: "هذا ركس" , في بعضها ثبوتها، وهو أحسن؛ إذ هي في البخاري، "وفي حديث سليمان" الفارسي، "عند مسلم مرفوعًا"، بمعنى، قال ﷺ : "لا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة أحجار"؛ فنهيه وافق أمره لابنстр. 2821
أحجار.
وقد أخذ الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث بهذا، فاشترطوا أن لا ينقص عن الثلاثة, مع مراعاة الإنقاء, وإذا لم يحصل بها فتزاد حتى تنقى. ويستحبّ حينئذ الإيتار؛ لقوله -عليه والصلاة والسلام: "من استجمر فليوتر". وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد، قال: "ومن لا فلا حرج"، قال الخطابي: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلمَّا اشترط العدد لفظًا وعلم الإنقاء فيه معنًى, دلَّ على إيجاب الأمرين. ونظيره: العدة بالأقراء، فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد. وقال الطحاوي: لو كان العدد مشترطًا لطلب ﵊ حجرًا ثالثًا. وغفل ﵀ عمَّا أخرجه في مسنده من طريق معمر
الحواشي
(١) مسعود، أن يأتيه بثلاثة، "وقد أخذ الشافعي وأحمد، وأصحاب الحديث بهذا" المذكور من النهي والأمر، "فاشترطوا أن لا ينقص عن الثلاثة، مع مراعاة الإنقاء, وإذا لم يحصل بها فتزاد حتى تنقى، ويستحبّ حينئذ الإيتار؛ لقوله ﵊: "من استجمر فليوتر"، فالأمر للندب، "وليس بواجب لزيادة في أبي داود" وابن ماجه "حسنة الإسناد"، وصحَّحه ابن حبان، "قال" عقب قوله: "فليوتر, من فعل فقد أحسن، ومن لا فلا حرج" عليه في عدم الإيتار، وبهذا أخذ مالك، وأبو حنيفة؛ وداود، ومن وافقهم في أن الإيتار مستحب فقط، لا شرط، ولا يخالفه حديث سلمان في النهي، لحمله على الكمال، وكذا أمره لابن مسعود، لا لأنه شرط كما زعم المخالف لتصريحه في هذه الرواية: بأن الأمر ليس للوجوب، وبه حصل الجمع بين الأدلة، وحمله على الزائد على الثلاث أن لم تنق تحكم.
"قال الخطابي" منتصرًا لمذهب: "لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة"، وفيه أنه لم يخل عنها؛ إذ المستحب فائدة، "فلمَّا اشترط العدد لفظًا، وعلم الإنقاء فيه معنًى, دل على إيجاب الأمرين" العدد والإنقاء؛ فإن حصل بالثلاث والأزيد "ونظيره العدة بالأقراء، فإن العدد مشترط، ولو تحققت براءة لرحم بقرء واحد"، وهذا ممنوع، وسنده أنَّ في العدة ضربًا من التعبّد، "وقال الطحاوي" تأييدًا لمذهبه: "لو كان العدد مشترطًا لطلب ﵊ حجرًا ثالثًا، وغفل ﵀" مع كونه من كبار الحفاظ، "عمَّا أخرجه أحمد في مسنده من طريق معمر" ابن راشد الأزدي، مولاهم البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت, من رجال الجميع، مات سنة أربع وخمسين ومائة، وهو ابن ثمان وخمسين سنة، عن أبي إسحاق، عمرو بنстр. 2822
عن ابن مسعود في هذا الحديث، فإن فيه: فألقى الروثة وقال: "إنها ركس ائتني بحجر"، ورجاله ثقات أثبات. واستدلال الطحاوي فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاثة: أن يمسح بها ثلاثة مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. انتهى ملخصًا من فتح الباري.
الحواشي
(١) عبد الله السبيعي، عن علقمة؛ "عن ابن مسعود"، فسقط من المصنف راويان عند أحمد، مذكوران في الفتح، وهو من التلخيص المخلّ؛ إذ معمر لم يدرك ابن مسعود "في هذا الحديث، فإن فيه: فألقى الروثة، وقال: "إنها ركس ائتني بحجر"؛ وفي رواية: "ائتني بغيرها"، "ورجاله ثقات إثبات" روى لهم الشيخان زاد الحافظ: وقد تابع معمرًا عليه أبو شيبة الواسطي، وهو ضعيف، أخرجه الدارقطني، وتابعهما عمَّار بن زريق أحد الثقات؛ عن أبي إسحاق، وقد قيل: إن أبا إسحاق لم يسمع من علقمة، لكن أثبت سماعه منه لهذا الكرابيسي، وعلى تقدير أنه أرسله عنه، فالمرسل حجّة عند المخالفين، وعندنا أيضًا إذا اعتضد.
"واستدلال الطحاوي" على تقدير أنه لم يأخذ إلّا الحجرين، "فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون اكتفى" بالأمر الأول، في طلب الثلاثة, فلم يجدد الأمر بطلب الثالث، كما في الفتح قائلًا: أو اكتفى "بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاثة أن يمسح بها ثلاث مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد" والدليل على صحته، أنَّه لو مسح بطرف واحد ورماه، ثم جاء آخر فمسح بطرفه الآخر؛ لأجزأهما بلا خلاف "انتهى. ملخصًا من فتح الباري" وزاد وقال أبو الحسن بن القصار المالكي: روي أنه أتاه بثالث, لكن لا يصح، ولو صحَّ فالاستدلال به لمن لا يشترط الثلاثة قائم؛ لأنه اقتصر في الموضعين على ثلاثة, فحصل لك منهما أقلّ من الثلاثة، وفيه نظر أيضًا؛ لأن الزيادة ثابتة كما قدمنا؛ وكأنه إنما وقف على الطريق التي عند الدارقطني فقط، ثم يحتمل أنه لم يخرج منه شيء إلّا من سبيل واحد، وعلى تقدير أنه خرج منهما, فيحتمل أنه اكتفى للقبل بالمسح في الأرض وللدبر بالثلاث؛ أو مسح من كلّ منهما بطرفين، وأمَّا استدلالهم على عدم اشتراط العدد بالقياس على مسح الرأس، ففاسد الاعتبار؛ لأنه في مقابلة النص الصريح، كما تقدَّم من حديث أبي هريرة وسلمان, انتهى.
ولا فساد لحمل النص على الكمال والله أعلم.стр. 2823
الفهرس:
٣ مكاتبة ﵊ إلى الملوك وغيرهم
٦٢ رسله ﷺ
٧٠ الفصل السابع: في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه
٨٥ الفصل الثامن: في الآت حروبه ﵊؛ كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه
٩٣ تكميل
٩٧ الفصل التاسع: في ذكر خيله ولقاحه ودوابه
١١٣ الفصل العاشر: في ذكر من وفد عليه ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه
١١٤ الوفد الأول: وفد هوازن
١٢٠ الوفد الثاني: وفد ثقيف
١٢٩ الوفد الثالث: وفد بني عامر
١٣٣ الوفد الرابع: وفد عبد القيس
١٤٦ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة
١٥٧ الوفد السادس: وفد طيء
١٦٠ الوفد السابع: وفد كنده
١٦٣ الوفد الثامن: وفد الأشعريين
١٦٩ الوفد التاسع: قدوم صرد بن عبد الله الأزدي
١٧١ الوفد العاشر: بني الحارث بن كعب
١٧٣ الوفد الحادي عشر: وفد همدان
١٧٨ الوفد الثاني عشر: وفد مزينة
١٧٩ الوفد الثالث عشر: وفد دوس
١٨٦ الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران
١٩١ الوفد الخامس عشر: فروة بن عمرو الجذامي
١٩٢ الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة
١٩٩ الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه
٢٠٢ الوفد الثامن عشر: وفد تجيب
٢٠٤ الوفد التاسع عشر: وفد بني سعد هذيم
стр. 2824
٢٠٦ الوفد العشرون: وفد بني فزارة
٢١١ الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد
٢١٣ الوفد الثاني والعشرون: وفد بهراء
٢١٥ الوفد الثالث والعشرون: وفد عذرة
٢١٦ الوفد الرابع والعشرون: وفد بلي
٢١٧ الوفد الخامس والعشرون: وفد بني مرة
٢١٨ الوفد السادس والعشرون: وفد خولان
٢١٩ الوفد السابع والعشرون: وفد محارب
٢٢٠ الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء
٢٢٣ الوفد التاسع والعشرون: وفد عسان
٢٢٣ الوفد الثلاثون: وفد سليمان
٢٢٤ الوفد الحادي والثلاثون: وفد بني عبس
٢٢٥ الوفد الثاني والثلاثون: وفد غامد
٢٢٦ الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد
٢٣٠ الوفع الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق
٢٣٣ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع
٢٣٨ المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به
٢٣٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته -صلى الله عليه وسلم
стр. 2825
المجلد السادس
تابع المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكيِّة وشرَّفه به من الأوصاف المرضية
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تابع المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى
الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكيِّة وشرَّفه به من الأوصاف المرضية
اعلم أن الأخلاق جمع خلق -بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها.
قال الراغب: الخلق والخُلق -بالفتح وبالضم- في الأصل بمعنى واحد، كالشَرب والشُرب, لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخُصَّ الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. انتهى.
وقد اختلف: هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب؟
وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث....
الحواشي
(١) الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية
"الفصل الثاني": من المقصد الثالث "فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية" الصالحة النامية، وجمع الأخلاق باعتبار الثمرات الناشئة عن الخلق من الأوصاف الحميدة، كبشاشة واحتمال أذى وعدم المجازاة بالسيئة، فلا يرد أن كونه جبلة في الإنسان يقتضي اتحاده أو بناء على تعدده؛ كما صار إليه كثير "وشرفه به من الأوصاف المرضية،" بمعنى الأخلاق الزكية على أن المراد بها الثمرات.
"اعلم أن الأخلاق جمع خلق -بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها" تخفيفًا, فالضم الأصل, لكن سوَّى بينهما في النهاية "قال الراغب: الخلق والخلق بالفتح" للأول، "وبالضم" للثاني "في الأصل، بمعنى واحد كالشرب" بالفتح "والشرب" بالضم"، "لكن خصَّ" في الاستعمال وإن أطلق بالاشتراك على كلٍّ منهما؛ "الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخص الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدرجة بالبصيرة انتهى".
وفي النهاية: الخلق -بضم اللام وسكونها- الدين والطبع والسجية, وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة، وهي نفسه وأوصافه ومعانيها المختصة بها، بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها؛ ولها أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة، أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة، "وقد اختلف هل حسن الخلق غريزة" بمعجمة فراء فتحتية فزاي منقوطة. أي: طبيعة؛ ", أو مكتسب، وتمسَّك من قال بأنه غريزة بحديثстр. 2826
ابن مسعود: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم. الحديث رواه البخاري.
وقال القرطبي: الخلق جبلة في نوع الإنسان, وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمودًا, وإلّا فهو المأموم بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودًا، وكذلك إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى.
وقد وقع في حديث الأشجّ..................
الحواشي
(١) ابن مسعود" عن النبي ﷺ قال: "إن الله قسم بينكم أخلاقكم" فأعطى بعضًا خلقًا حسنًا، وبعضًا خلقًا سيئًا، وفاوت في مراتبهما؛ "كما قسم" بينكم "أرزاقكم" فوسَّع على بعض، وضيِّقَ على بعض "الحديث رواه البخاري في الأدب المفرد كما عزاه له جمع، منهم المصنف على البخاري, خلافًا لما يوهمه إطلاقه هنا، أنه رواه في الصحيح, "وقال القرطبي: الخلق جبله" -بكسر الجيم والباء وشد اللام. طبيعة، وخلقة وغريزة وسجية، بمعنى واحد كما في المصباح، "في نوع الإنسان" أي أفراد النوع, " وهم في ذلك متفاوتون" إذ النوع حقيقة واحدة لا تكثر فيها ولا تعدد، واختلافهم فيها باعتبار أن منهم من جبلت طبيعته على محبَّة الأفعال الحسنة، ومنهم من طبيعته على خلاف ذلك.
وإليه أشار بقوله: "فمن غلب عليه شيء" حسن لاختلافها حسنًا وغيره؛ "منها" أي: من الصفات التي هي ثمرات الجبلة الموصوفة، بالحسن "كان محمودًا", ولا يرد عليه أن الجبلة شيء واحد فلا يتَّصف بغلبة ولا دونها، لما قلنا المراد بها الصفات لا نفس الطبيعة، "وإلّا" يغلب عليه شيء بأن غلبت عليه صفات الذم, أو استوى فيها الأمران, "فهو المأمور" بالأحاديث الدالة على طلب تحسين الخلق, وذلك "بالمجاهدة فيه، حتى يصير محمودًا" فيمكن اكتساب حسن الخلق، "وكذلك إن كان" الخلق "ضعيفًا فيرتاض صاحبه" أي: يسعى في تذليله؛ بتعويده الصفات الحميدة شيئً فشيئًا "حتى يقوى" يعني: أن الحسن مقول بالتشكيك، فمن غلب عليه الحسن الكامل لا يحتاج إلى علاج، ومن غلب عليه صفات الذم احتاج إلى علاج قوي؛ ومن كان فيه أصل الحسن احتاج إلى رياضة ليحصل له قوة في الصفة التي تلبس بها، هكذا أملاني شيخنا ﵀، "وقد وقع في حديث الأشج" بمعجمة وجيم. سمي به لأثر كان في وجهه، واسمه المنذر بن عائذ -بمعجمة فتحتية فمعجمة. على الصحيح المشهور؛ الذي قاله ابن عبد البر: والأكثر وقيل اسمه المنذر بن الحرث بن زياد بن عصر -بفتح العين والصاد المهملتين ثم راء. ابن عوف، وقيل المنذر بن عامر, وقيل: ابن عبيد, وقيل: اسمه عائذ بن المنذر، وقيل: عبد الله بنстр. 2827
أنه ﷺ قال له: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: "الحلم والأناة"، قال: يا رسول الله قديمًا كان فيَّ أو حديثًا؟ قال: "قديمًا"، قال: الحمد لله الذي جبلني على خِلَّتين يحبهما الله. رواه أحمد والنسائي وصحَّحَه ابن حبان.
فترديد السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي وما هو مكتسب, وقد كان ﷺ يقول: "اللهم كما حسَّنت خَلْقِي فحَسِّن خُلُقِي".......
الحواشي
(١) عوف. "أنه ﷺ قال له: "إن فيك خصلتين" تثنية خصلة، وفي رواية لخلِّتين وهما بمعنى "يحبهما الله".
زاد في رواية ورسوله "الحلم" العقل أو تأخير مكافأة الظالم أو العفو عنه، أو غير ذلك "والأناة" بالقصر بزنة فتاة: التثبت وعدم العجلة، وذلك إن وفد عبد القيس بادروا إلى النبي ﷺ بثياب سفرهم, وأقام الأشج في رحالهم، فجمعها وعقل ناقته, ولبس أحسن ثيابه, ثم أقبل إلى النبي، فقر به ﷺ وأجلسه إلى جانبه, وقال: "تبايعون على أنفسكم وقومكم"؟ فقال القوم: نعم. فقال الأشج: يا رسول الله! إنك لن تزاول الرجل على شيء أشد عليه من دينه، نبايعك على أنفسنا ونرسل من يدعوهم، فمن اتبعنا كان منا، ون أبَى قاتلناه. قال: "صدقت, إن فيك" إلخ.
قال عياض: فالأناة: تربصه حتى نظر في مصالحه ولم يعجل، والحلم: هذا القول الذي قاله، الدال على صحة عقله، وجودة نظره للعواقب، "قال: يا رسول الله, قديمًا كان" المذكور من الخصلتين، هكذا في نسخ بالأفراد، ومثلها بخط الشامي، وفي بعضها كانا بالتثنية، لكن المناسب كانتا "فِيَّ، أو حديثًا، قال: قديمًا. قال: الحمد لله الذي جبلني على خلتين" تثنية خلة، وهي الخصلة، كما في النسخ الصحيحة، وخط الشامي، وهو موافق لقول المصطفى، خلتين لفظًا ومعنًى، وعلى رواية الخصلتين، يكون عدل عن لفظه إلى معناه قرارًا من توارد الألفاظ، وأن بين مخاطبين، فما في نسخ على خلقين لا يناسب قوله خصلتين، إلّا بحملهما على غير معنى الخلق. "يحبهما الله" زاد في رواية ورسوله "رواه أحمد، والنسائي، وصححه ابن حبان", وهو في مسلم، والترمذي من حديث ابن عباس, وتقدَّمت القصة مبسوطة في الوفود. "فترديد السؤال، وتقريره عليه" بقوله: قديمًا، "يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي، وما هو مكتسب"؛ لأنه ﷺ أقرَّه على سؤاله، وأجابه بقوله: قديمًا. قال ابن حجر وغيره: وهذا هو الحق، قال شيخنا: وهو جميع بين القولين لا ثالث، "وقد كان ﷺ " إذا نظر في المرآة "يقول: "اللهم كما حسَّنت" وفي رواية أحسنت، "خَلْقِي" بالفتح "فحسِّن خُلُقِي" بالضم، لأقوى على أثقال الخلق، وأتحقق بتحقق العبودية، والرضا بالعدل ومشاهدة الربوبية، قال الطيبي: يحتمل أنстр. 2828
أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وعند مسلم في حديث دعاه الافتتاح: واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت.
ولما اجتمع فيه ﷺ من صفات الكمال ما لا يحيط به جدولًا يحصره عد، أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وكلمة "على" للاستعلاء, فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق ومستولٍ عليها.
والخلق: ملكة نفسانية يسهل على المتَّصِف بها الإتيان بالأفعال الجميلة
الحواشي
(١) يريد طلب الكمال، وإتمام النعمة عليه، بإكمال دينه، وأن يكون طلب المزيد والثبات على ما كان "أخرجه أحمد، وصححه ابن حبان" من حديث عبد الله بن مسعود، ورواته ثقات.
قال شيخنا: ففيه دليل على أن حسن الخلق قد يتجدَّد ويحصل، بعد أن لم يكن، وقال غيره: تمسك به من قال: حسن الخلق غريزي لا مكتسب. والمختار أن أصول الأخلاق غرائز، والتفاوت في الثمرات، وهو الذي به التكليف، "وعند مسلم في حديث: دعاء الافتتاح، واهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت" وهو يدل أيضًا على أنها قد تكتسب، "ولما اجتمع فيه ﷺ من صفات الكمال ما لا يحيط به جدولًا، يحصره عدَّ أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم، فقال مقسمًا: ﴿نْ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ، مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ، وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ، "وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] الآية" لتحمُّلك من قومك ما لا يتحمَّله أمثالك، وقالت عائشة: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ ، ما دعاه أحد من أصحابه، ولا من أهل بيته إلّا قال: "لبيك"، فلذلك، أنزل الله تعالى ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم/ ٤] الآية، رواه ابن مردويه، وأبو نعيم بسند واهٍ، "وكلمة على للاستعلاء، فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق ومستول عليها" أي: متمكِّن من الجري على مقتضاها، ببذل المعروف، واحتمال الأذى، وعدم الانتقام، فأشبه في تمكُّنه من ذلك المستعلي على الشيء المستقر عليه, فهو استعارة تبعية لجريانها في الحرف، "والخلق ملكة نفسانية، يسهل على المتَّصف بها الإتيان بالأفعال الجميلة" كأنَّ هذا تعريف للخلق الحسن، المرضي شرعًا وعرفًا، فلا يشكل بأن الخلق قد يكون حسنًا، وقد يكون قبيحًا، ولذا جاء ذم الخلق في أحاديث كثيرة، ولذا اعترض عليه بأن هذا التعريف ليس بصواب؛ إذ الناشئ عن الجبلَّة يكون جميلًا تارة، وقبيحًا أخرى، وما ذكره إنما هو تعريف للخلق الحسن لا لمطلق الخلق، فكأنه لم يقف على قول الراغب حد الخلق حال للإنسان، داعية إلى الفعل من غير فكر ولا روية، ولا قولстр. 2829
وقد وصف الله تعالى نبيه بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم, فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ووصفه بما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدةكمالها من جنس أرواح الملائكة.
قال الحليمي: وإنما وصف خلقه بالعِظَم، مع أنَّ الغالب وصف الخلق بالكرم؛ لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خلقه ﷺ مقصورًا على ذلك، بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بهم، شديدًا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبًا.........................
الحواشي
(١) الغزالي: هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال بسهولة، من غير احتياج إلى فكر ورويِّة، فإن صدر عن الهيئة أفعال جميلة محمودة عقلًا وشرعًا سُمِّيَت خلقًا حسنًا، وإن صدر عنها أفعال قبيحة سُمِّيَت خلقًا سيئًا، وأجيب بأنه لم يدع حصر ما ينشأ عنها في الجميل، ورده شيخنا بأن حق التعريف أن يكون جامعًا مانعًا، والاعترا بالنظر، لهذا قال: والأحسن في الجواب؛ أنه قد يراد بالتعاريف تعريف بعض الأنواع، لتميزه عن غيره بصفة, حتى صار كأنه حقيقة في ذلك الشيء، وتنزيل غيره منزلة العدم، وهو هنا الخلق الحسن؛ إذ غيره لا اعتبار به.
"وقد وصف الله تعالى نبيه بما" أي: بكمال "يرجع إلى قوته العلمية، بأنه" أي: ذلك الكمال "عظيم" والمعنى وصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوته العلمية، "فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ [النساء: ١١٣] الآية" من الأحكام والغيب، "وكان فضل الله" بذلك وبغيره "عليك عظيمًا"؛ إذ لا فضل أعظم من النبوة، "ووصفه بما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] الآية، فدلَّ مجموع هاتين الآيتين على أنَّ روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدة كمالها من جنس أرواح الملائكة"؛ إذ أعطاهم الله قوة في العمل لا تصل إليها البشر، وفي العلم ما يصلون به إلى معرفة حقائق الأمور في اللوح المحفوظ، أو الإلهام والعلم الضروري بمعرفة الأمور على ما هي به في الواقع، وكذلك كان ﷺ . "قال الحليمي: وإنما وصف خلقه بالعِظَم، مع أنّ الغالب وصف الخلق بالكرم؛ لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة" -بدال مهملة مفتوحة، ومثلثة- السهولة واللين، كما في النهاية وغيرها، وهو عطف مباين؛ إذ السماحة كثرة العطاء، والدماثة أعمّ، "ولم يكن خلقه ﷺ مقصورًا على ذلك" المذكور من السماحة والدماثة، "بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بهم، شديدًا قويًّا على الكفار، غليظًا عليهم مهيبًا" بزنة مبيع، اسم مفعولстр. 2830
في صدور الأعداء، منصورًا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفه بالعِظَم أولى ليشمل الإنعام والانتقام.
وقال الجنيد: وإنما كان خلقه ﷺ عظيمًا؛ لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى.
وقيل: لأنه ﵊ عاشر الخلق بخلقه، وباينهم بقلبه.
وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال ﵊ فيما رواه الطبراني في الأوسط بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسي -وهو ضعيف- عن جابر بن عبد الله: إن.......
الحواشي
(١) من هاب "في صدور الأعداء، منصورًا بالرعب منهم" حال من الأعداء "على مسيرة شهر"، كما ورد في الحديث، لأنه لم يكن بينه وبين أعدائه حينئذ أكثر من شهر من كل جهة، "فكان وصفه بالعِظَم" دون الكرم "أولى؛ ليشمل الإنعام والانتقام".
"وقال الجنيد"، أبو القاسم بن محمد, النهاوندي الأصل، البغدادي المنشأ، القواريري الزجاج، نسبة لحرفة أبيه، سيد الطائفة، مرجع أهل السلوك، تفقه على أبي ثور، وكان يفتي بحضرته وهو ابن عشرين سنة، ورزق من القبول وصواب القول ما لم يقع لغيره، كان إذا مرَّ ببغدد وقف الناس له صفوفًا، وكانت الكتبة تحضر مجلسه لألفاظه، والفقهاء لتقريره، والفلاسفة لدقة نظره، والمتكلمون لتحقيقه، والصوفية لإشارته وحقائقه، مات ببغداد سنة تسع أو ثمان وتسعين ومائتين، وحزر من صلى عليه، فكانوا نحو ستين ألفًا. "وإنما كان خلقه ﷺ عظيمًا؛ لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى" أي: سوى الاشتغال بامتثال أمره ونهيه، وتعظيمه, بالإقبال بجملته على عبادته، فلا يقبل على غيره طرفة عين. "وقيل: لأنه ﵊ عاشر الخَلْقَ بخُلُقه" فكان يتكلم معهم في أمور دنياهم، من مزيد تلطفه بهم، وإن اقتضى الحال المزاح مازحهم، ولا يقول إلّا حقًّا كما قال زيد بن ثابت: كنت جار النبي ﷺ ، وكنا إذ ذكرنا الدنيا ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا. رواه البيهقي.
"وباينهم بقلبه"؛ إذ هو مقبل على الله، منزه عمَّا يشغل سرّه عنه، متبتل إليه بشراشره، "وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال ﵊ فيما رواه الطبراني في الأوسط" على الصواب، وعزاه الديلمي لأحمد عن معاذ، وما رأيته فيه، إنما فيه حديث أبي هريرة الآتي, أفاده السخاوي "بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسي -وهو ضعيف- عن جابر بنстр. 2831
الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال. وفي رواية مالك في الموطأ بلاغًا: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق".
فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ ، فإنه أُدِّب بالقرآن، كما قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن.
قال بعض العارفين: وقد علم أن القرآن فيه المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله, والراسخون في العلم يقولون آمنا به، أي: أقررناه في نصابه,..............................................
الحواشي
(١) عبد الله "إن الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال" ولكنَّه، وإن كان ضعيفا رواية، فله شواهد، كما أفاده بقوله: "وفي رواية مالك في الموطأ بلاغًا" أي: أنه قال: بلغني أنَّ النبي ﷺ قال: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" والبلاغ، وإن كان من أقسام الضعيف، إلّا أن بلاغات الإمام ليست منه؛ لأنها تتبعت كلها، فوجدت صحيحة أو حسنة، ولذا قال ابن عبد البر: على الموطأ: هو متَّصل من وجوه صحاحٍ عن أبي هريرة وغيره، منها ما أخرجه أحمد والخرائطي، برجال الصحيح عن أبي هريرة، رفعه بلفظ صالح، وأخرجه البزار من هذا الوجه، بلفظ الموطأ، وفي رواية "لأتمم حسن الأخلاق"، وحسن الخلق: اختيار الفضائل وترك الرذائل.
"فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ ، فإنه أُدِّب بالقرآن، كما قالت عائشة ﵂ فيما رواه مسلم وغيره: "كان خلقه القرآن" يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ابن الأثير: أي كان متمسكا بآدابه وأوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن. وقال البيضاوي: أي جميع ما حصل في القرآن، فإن كل ما استحصنه، وأثنى عليه، ودعا إليه قد تحلَّى به، وكل ما استهجنه، ونهى عنه, تجنبه وتخلَّى عنه، فكان القرآن بيان خلقه، وفي الديباج معناه العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدُّب بآدابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه, وتدبره وحسن تلاوته. انتهى.
وهي متقاربة، ثم هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، عنها بهذا اللفظ، وزيادة يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه، ورواه ابن أبي شيبة وغيره، أن عائشة سُئِلَت عن خلقه ﷺ فقالت: كان أحسن الناس خلقًا، كان خلقه القرآن؛ يرضى لرضاه، ويغضب لغضبه، لم يكن فاحشًا ولا متفحشًا، ولا صخَّابا في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويصفح، ثم قالت: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] الآية، إلى العشر، فقرأ السائل، فقالت: هكذا كان خلقه ﷺ . "قال بعض العارفين: وقد عُلِمَ أن القرآن فيه المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلّا الله، والراسخون في العلم" مبتدأ خبره، "يقولون آمنَّا به، أي: أقررناه في نصابه" أي: أصله،стр. 2832
وأقررنا به من خلف حجابه، وتقلدنا سيف الحجة به ولكن في قرابه:
وما كونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تحس الأنامل
وقال صاحب عوارف المعارف: ولا يبعد أن قول عائشة ﵂: كان خلقه القرآن. فيه رمز غامض، وإيماء إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقًا بأخلاق الله تعالى, فعبَّرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن استحياءً من سبحات الجلال وسترًا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها، انتهى.
الحواشي
(١) بحيث لا نتكلم فيه بشيء، "وأقررنا:" اعترفنا "به من خلف حجابه" لعدم قدرتنا على كشفه، والمراد بالحجاب: ما يمنع حمل المتشابه على ظاهره، كاستحالة إطلاقه على الله، يعني: آمنا به مع اعترافنا بإشكاله علينا، "وتلقدنا سيف الحجة به ولكن في قرابه" أي: احتججنا به مع عدم العلم بالمراد منه:
وما كونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تحس الأنامل
يعني: إنه لا يُدْرَكُ معناه لشدة خفائه؛ بحيث أشبه من الموجودات ما لا يدرَك بالبصر، لدقته وخفائه، ولا تدرك صفته بمس الأنامل لذلك أيضًا. "وقال صاحب عوارف المعارف" العارف، العلامة عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السهروردي -بضم المهملة، وسكون الهاء، وضم الراء، وفتح الواو، وسكون الراء الثانية، ودل مهملة- نسبةً إلى سهرورد بلد عند زنجان. الإمام الورع، الزهد الفقيه الشافعي، ولد سنة تسع وثلاثين وخمسمائة، وأخذ عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف، ثم لازم الخلوة والصوم والذكر، ثم تكلَّم على الناس لما أسنَّ، ووصل إلى الله به خلق كثير، وتاب على يديه كثير من العصاة، وكُفَّ، وأقعدَ، وما أخلَّ بذكر ولا حضور، جمع ولازم الحج، فكانت محفَّته تحمل على الأعناق من العراق إلى البيت الحرام، ومات ببغداد مستهَلّ محرم، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة، "ولا يبعد أن قول عائشة ﵂: كان خلقه القرآن، فيه رمز غامض" خفي "وإيماء" إشارة إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت" استحيت "الحضرة الإلهية، أن تقول: كان متخلقًا بأخلاق الله تعالى، فعبَّرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن، استحياء من سبحات" بضم السين "الجلال" إضافة بيانية، قال المصباح: السبحات التي في الحديث جلال الله وعظمته ونوره وبهائه، "وسترًا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها، وكمال أدبها، انتهى".стр. 2833
فكما أن معاني القرآن لا تتناهى, فكذلك أوصافه الجميلة الدالة على خلقه العظيم لا تتناهى؛ إذ في كل حالة من أحواله يتجدَّد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم, وما يفيضه الله تعالى عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فإذًا التعرُّض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرّض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته.
قال الحرالي -وهو كما في القاموس -بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه: علي بن أحمد بن الحسين، ذو التصانيف المشهورة: ولما كان عرفان قلبه ﵊ بربه -كما قال: بربي عرفت كل شيء، كانت أخلاقه أعظم خلق، فكذلك بعثه الله إلى الناس كلهم، ولم يقصر رسالته على الإنس حتى عمَّت الجن، ولم يقصرها على الثقلين حتى عمَّت جميع العالمين. فكل من كان الله ربه فمحمد رسوله، فكما أنَّ الربوبية نعم العالمين, فالخلق المحمدي يشمل جميع العالمين. انتهى.
الحواشي
(١) فكما أن معاني القرآن لا تتناهى، فكذلك أوصافه الجميلة، الدالة على خلقه العظيم لا تتناهى؛ إذ في كل حالة من أحواله يتجدد له من مكارم الأخلاق، ومحاسن الشيم" جمع شيمة -مثل سدرة وسِدَر- الغريزة، والطبيعة، والجبلة، وهي التي خلق الإنسان عليها، قاله المصباح، "وما يفيضه الله تعالى عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى، فأذن التعرض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة، تعرّض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته، قال الحرالي، وهو كما في القاموس" في فصل الحاء المهملة من باب اللام، "بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه على" لفظ القامّوس حر، آلة مشددة اللام، بلد بالمغرب، أو قبيلة بالبربر، منه الحسن بن علي، "بن أحمد بن الحسن" الحر، إلى "ذو التصانيف المشهورة، ولما كان عرفان قلبه -عليه الصلاة والسلا- بربه كما قال: "بربي عرفت كل شيء"، كانت أخلاقه أعظم خلق، فلذلك بعثه الله إلى الناس كلهم، ولم يقصر رسالته على الأنس، حتى عمت الجن" إجماعًا، "ولم يقصرها على الثقلين" الإنس والجن، "حتى عمَّت جميع العالمين" على ظاهر قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] الآية، وقوله ﷺ : "وبعثت إلى الخلق كافَّة" رواه مسلم.
"فكل من كان الله ربه فمحمد رسوله، فكما أن الربوبية تعم العالمين، فالخلق المحمدي يشمل جميع العالمين، انتهى".стр. 2834
وهذا مصير منه إلى أنه ﷺ قد أرسل إلى الملائكة أيضًا، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى -إن شاء الله تعالى وهو المستعان.
وكان ﷺ مجبولًا على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكية النقية، لم يحصل له ذلك برياضة نفس، بل بجود إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى والمقام الأسنى.
وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمالُ العقل؛ لأن به تقتبس الفضائل وتجتنب الرذائل،.............................................
الحواشي
(١) وهذا مصير منه إلى أنه ﷺ قد أرسل إلى الملائكة أيضًا" كما اختاره كثيرون، بل قوله، فكل من كان الله إلخ ... " يفيد أنه مرسل لسائر الحيوانات والجمادات، فإن الكل مربوب له تعالى، ويصدق عليه قوله: فمحمد رسوله؛ إذ معناه مرسل إليه، "وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى إن شاء الله تعالى" في الخصائص، "وهو المستعان", ولما قدم أن الخلق غريزي ومكتسب، استشعر سؤال سائل عن خلق المصطفى، من أيهما، فاستأنف قاصدًا زيادة الإيضاح، وإن قدَّم ما يفيده قوله: "وكان ﷺ مجبولًا" مطبوعًا "على الأخلاق الكريمة" الحميدة، صفة مخصصة لما عُلِمَ أنها حميدة، وضدها، ووصفها بالكريمة؛ لأنه الغالب، ولذا احتيج للجواب عن الآية، كما مرَّ "في أصل خلقته الزكية النقية"، فلا يحتاج إلى الاكتسابات المتكلفة لتحسين الخلق، ولا ينافيه طلبه تحسين خلقه؛ لأن القصد به إظهار العبودية، وتعليم الأمة، وطلب الزيادة؛ لأن الكمال يقبل الكمال "لم يحصل له ذلك برياضة" أي: تذليل وتعويد "نفس" ما فيه ليت وسهولة.
وهذه صفة كاشفة لقوله مجبولًا، "بل بجود إلهي، ولهذا" أي: كونها لم تحصل برياضة، "لم تزل تشرق" تضيء, أي: تزداد كمال "أنوار المعارف" أي: العلوم والإضافة حقيقة بحمل المعارف على العلوم، والأنوار على مآثرها، أو بيانية، أي: أنوار هي المعارف أي: العلوم، "في قلبه حتى وصل إلى الغاية" أي: المرتبة، وتكون عليا وسفلى، فلذا وصفها بقوله: "القصوى" فلا يرد أن الغاية النهاية، ولا تنقسم، فلا يصح الوصف، "والمقام الأسنى" الأرفع من كل مقام، عطف تفسير للإشارة إلى بلوغه في ذا الكمال أعلى رتبة، "وأصل هذه الخصال الحميدة، والمواهب" جمع موهبة -بكسر الهاء: العطية بلا عوض، وكان المراد من عطفها على الخصال؛ أنها حصلت بلا كسب ولا تعب، "المجيدة" أي: العزيزة الشريفة، "كمال العقل؛ لأن به" لا بغيره "تقتبس" تؤخذ، أي: تكتسب "الفضائل" فقدم به على العامل ليفيد الاختصاص،стр. 2835
فالعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان. قال بعضهم: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر.
وأما ما روي: إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي. قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع باتفاق. انتهى.
وفي زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على..........................................
الحواشي
(١) "و" كذلك به "تجتنب الرذائل"، الأمور الردية، جمع رذيلة ضد الفضيلة، "فالعقل لسان الروح"، أي: إنه لها بمنزلة اللسان للإنسان، والروح عند أهل السنة: النفس الناطقة المستعدة للبيان وفهم الخطاب، ولا تفنى بفناء الجسد، فكما أنَّ الإنسان الذي لا لسان له أصلًا لا يمكنه التكلُّم بشيء، فكذلك من لا عقل له لا يحسن شيئًا من أنواع التصرُّفات التي يريد فعلها أو تركها، ومن له عقل تمكَّن من بيان مراده، وأمكنه التأمُّل فيما يريد فعله، فيختار الحسن، ويدع القبيح.
"وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب" فصلاح الروح بصلاح البصيرة، كما أن صلاح الجسد بصلاح القلب، كما في الحديث، "والعقل بمثابة اللسان" للروح، وصلاحها وفسادها بصلاح البصيرة، التي هي لها كالقلب، فاللسان مترجم في الحقيقة عمَّا في القلب؛ لأن إصلاح الروح وفسادها تابع للبصيرة، "قال بعضهم: لكل شيء جوهر" أي: أصل جُبِلَ عليه، "وجوهر الإنسان" الذي طُبِعَ عليه "العقل، وجوهر" أصل, "العل" الذي يتمكَّن معه من امتثال الأمر واجتناب النهي, "الصبر" على المكاره، فيخالف نفسه لما فيه صلاح يوافق الشرع، بفعل الأمر، وترك النهي، كما أشير إليه بحديث "حُفَّت الجنة بالمكاره"، ولما استدلَّ على كمال العقل بأمور عقلية، استشعر قول سائل لم لا تستدل بالحديث، فأجابه بالإشارة إلى أنه لا حجة فيه، فقال: "وأما ما روي أنَّ الله لما خلق العقل قال له: أقبل، فأقبل، ثم قال له: أدبر، فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أشرف منك، فبك" أي: بسببك "آخذ" من جنى، "وبك أعطي" من اتَّقى؛ لأنَّك سبب للطاعة والعصيان، وإنك أشرف ما يكتسب بك الخير والشر، "فقال ابن تيمية" العلامة، الإمام، الحافظ، الناقد، الفقيه الحنبلي، أحمد أبو العباس، تقي الدين بن عبد الحليم بن مجد الدين عبد السلام بن عبد الله الحراني، أحد الأعلام الأذكياء الزهَّاد، ألَّف ثلثمائة مجلد، مات سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، ووُلِدَ سنة إحدى وستين وستمائة، "وتبعه غيره" كالزركشي، "أنه كذب موضوع باتفاق. انتهى".
ولكن فيه نظر؛ لأن له أصلًا صالحًا، "في زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على" كتابстр. 2836
"الزهد" لأبيه, عن علي بن مسلم, عن سيار بن حاتم -وهو ممن ضعَّفه غير واحد, وكان جمَّاعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل. قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري، مرسلًا: لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر, فقال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بل آخذ وبك أعطي.
وأخرجه داود بن......................................................
الحواشي
(١) "الزهد، لأبيه، عن" شيخه "علي بن مسلم، بن سعيد الطوسي، نزيل بغداد، ثقة، روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، "عن سيار" بفتح السين المهملة، والتحتانية المثقلة، "ابن حاتم" العنزي، بفتح المهملة، والنون، ثم زاي، أبي سلمة البصري مات سنة مائتين، أو قبلها بسنة، "وهو ممن ضعَّفه غير واحد" كالقواريري والأزدي, ولكن احتج به الترمذي والنسائي على تفنُّنه في الرجال، وابن ماجه، ووثَّقه ابن حبان.
وقال الذهبي: صالح الحديث، والحافظ، صدوق له أوهام، وقال الحاكم: كان سيار عابد عصره، وقد أكثر عند أحمد بن حنبل، "وكان جمَّاعًا" كثير الجمع "للرقائق" صحيحة أم لا، "وقال القواريري" بفتح القاف، والواو، فألف، فراءين بينهما تحتية، نسبة إلى عمل القوارير، أو بيعها عبيد الله بن عمر بن ميسرة البصري، نزيل بغداد، الحافظ، الثقة، الثبت، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين على الأصح، وله خمس وثمانون سنة؛ "إنه لم يكن له عقل" كان معي في الدكان، قيل للقواريري: أتتهمه، قال: لا. وقال الأزدي: عنده مناكير لفظ الزوائد لابن أحمد، حدثنا علي ب مسلم, حدثنا سيار بن حاتم: "قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي" بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، أبو سليمان البصري، صدوق زاهد, لكنه كان يتشيع، روى له مسلم وأصحاب السنن، والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمان وسبعين ومائة "قال: حدثنا مالك بن دينار" البصري، الزاهد، أبو يحيى، صدوق، عابد، روى له الأربعة، وعلق له البخاري، مات سنة ثلاثين ومائة أو نحوها: "عن الحسن البصري" يرفعه "مرسلًا، لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: ما خلقت خلقًا أحبَّ إلي منك، بك آخذ وبك أعطي" قال السيوطي: هذا مرسل جيد الإسناد، وهو في معجم الطبراني الأوسط، موصول من حديث أبي أمامة، ومن حديث أبي هريرة بإسنادين ضعيفين. انتهى.
وهو كلام محقَّق في الفن؛ إذ سيار مختلف في توثيقه وتضعيفه، فحديثه جيد، ومنهم من يقول: حسن، فلا عبرة بقول الشامي: هذا من الأحاديث الواهية لا الضعيفة، "وأخرجه داود بنстр. 2837
المحبر في كتاب العقل له، وابن المحبر كذاب.
فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر: والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل.
ولأبي الشيخ عن قرة بن إياس المزني رفعه: الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم.
وقد اختلف في ماهية العقل......................................................
الحواشي
(١) المحبر" بمهملة، وموحَّدة مشددة مفتوحة. ابن قَحذم -بفتح القاف، وسكون المهملة، وفتح المعجمة، الثقفي، البكراوي أبو سليمان البصري، نزيل بغداد, متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات من التاسعة، مات سنة ست وخمسين ومائتين، روى له ابن ماجه، ذكره الحافظ في التقريب، "في كتاب العقل له" فقال: حدثنا صالح المري، عن الحسن به بزيادة، ولا أكرم علي منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد، والباقي مثله، "وابن المحبر كذاب" ولذا تركوه، ومن العجب إيماء الشارح للاعتراض على المصنف، بأن الذي في اللب واللباب المحبري، نسبة إلى كتاب المحبر الذي جمعه محمد بن حبيب، فيقال لمصنفه المحبر. انتهى.
إذ كتاب العقل غير كتاب المحبر، والمحبر هنا علم على أبي داود، وذاك لقب لمحمد، وهما شخصان وكتابان، "فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر، والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل", وهذا أيضًا يؤذن بثبوت حديث العقل، فأين الاتفاق على وضعه؟، "ولأبي الشيخ" عبد الله، بن محمد الحفظ، "عن قرة، بن إياس"، بن هلال "المزني"، أبي معاوية الصحابي، نزيل البصرة، له أحاديث في السنن وغيرها، مات سنة أربع وستين، "رفعه: الناس يعملون الخير، وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم", فقد يجتهد الإنسان في الخير، ويداخله رياء أو نحوه، فينفي ثوابه، أو ينقص، وذلك ناشئ من فساد العقل، فكامله يحترز عن ذلك, ويسعى في تحصيله على أتم حال، ولو بمشقة، "وقد اختلف في ماهية العقل" من عقل البعير: منعه بالعقال عن القيام، أو من الحجر المنع؛ لأنه يعقل صاحبه ويمنعه عن الخطأ ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ، وقد تظرَّف في التلميح لأصله القائل:
قد عقلنا والعقل أي وثاق ... وصبرنا والصبر مر المذاق
ومحله القلب عند جمهور أهل الشرع، كالأئمة الثلاثة، لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ الآية، وقوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهيстр. 2838
اختلافًا طويلًا يطول استقصاؤه. وفي القاموس ومن خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وبشرِّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوّة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعانٍ مجتمعة في الذهن تكون بمقدِّمات تثبت بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته, والحق أنه روحاني به تدرك النفوس العلومَ الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى.
وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا............................................................
الحواشي
(١) القلب والدماغ"، له تابع؛ إذ هو من جملة الجسد، وقال علي: العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة، رواه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي، بسند جيد، وذهب الحنفية، وابن الماجشون، وأكثر الفلاسفة إلى أنه في الدماغ؛ لأنه إذا فسد فسد العقل، وأجيب، بأن الله أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ مع أنه ليس فيه، ولا امتناع في هذا، "اختلافًا طويلًا يطول استقصاؤه" بدليله، وتعليله، "وفي القاموس، ومن خط مؤلفه" المجد الشيرازي، "نقلت العقل العلم" مطلقًا أي: مطلق الإدراك، بلا اعتبار تعلُّقه بمعلوم دون آخر، "أو" هو العلم, "بصفات الأشياء من حسنها، وقبحها، وكمالها، ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين، وبشرّ الشرين، أو يطلق لأمور" أو إشارة للخلاف، فكأنه قال: اختلف في العقل هل هو العلم، أو غيره، وعلى أنه العلم، فقيل مطلقًا، وقيل بصفات إلخ.....................
وعلى أنه غير العلم، فهو مشترك يطلق لأمور "لقوة بها، يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعان مجتمعة في الذهن، تكون بمقدمات تثبت بها الأغراض، والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته، والحق أنه نور "روحاني" بضم الراء، ما فيه روح، وكذلك النسبة إلى الملك والجن، والجمع روحانيون، كما في القاموس، "به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد" أي: كونه جنينًا في بطن أمه، "ثمَّ لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ، انتهى" كلام القاموس. وليس فيه بيان أيّ وقت يخلق العقل فيه، فإنه قال في باب النون: الجنين الولد في البطن، جمعه أجنة، وفي المصباح: وصف له ما دام في بطن أمه، ومفادهما وصفه به من أول خلقه، "وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية" أي: المرتبة "القصوى" التي لا مرتبة فوقها، فلا يردان الغاية النهاية، فلا توصف بالقصوى؛ إذ لا تتصف النهاية بالبعد تارة، والقرب تارة، والقرب أخرى، "التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا كانت معارفه" علومهстр. 2839
كانت معارفة عظيمة, وخصائصه جسيمة، حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبة لديه، وكلَّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبوديته.
قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أنَّ الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبَّة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، وأن محمد ﷺ أرجح الناس عقلًا وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر.
وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي ﷺ , وجزء في سائر المؤمنين، ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد،....................................................
الحواشي
(١) بالأشياء، "عظيمة" لمطابقتها للواقع دائمًا، بلا خلل فيها، ولا ميل عن الحق، "وخصائصه جسيمة" أي: عظيمة، فغاير كراهية لتكرر اللفظ "حارت العقول" لم تدر وجه الصواب "في بعض فيض ما أفاضه، من غيبه لديه، وكلَّت" تَعِبَت "الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك، وقد امتلأ قلبه وباطنه إيمانًا وحكمة حين شُقَّ صدره، فأعطي ما لم يعط غيره، فالمفعول محذوف، "وفاض على جسده المكرَّم ما وهبه" مفعول لفاض لا لامتلأ، لأنه إنما يتعدَّى بحرف الجر، فمفعوله محذوف، كما قدرت، وفي نسخ، لما بلام التعليل، لامتلأ، وفاض، أي: وفاض آثار ذلك على جسده، لم وهبه الله، "من أسرار إلهيته، ومعرفة ربوبيته، وتحقق عبوديته".
"قال وهب بن منبه" -بضم الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة- ابن كامل اليماني، التابعي، الثقة، روى له الشيخان وغيرهما: "قرأت في أحد وسبعين كتابا" من الكتب القديمة، وكان خبرها، "فوجدت في جميعها، أنَّ الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل, في جنب عقله ﷺ ، إلّا كحبة رمل بين رمل" كائن، أو الذي هو "من جميع رمال الدنيا" فالبينية تكون بين يسيرين، والمنسوب إليه جميع الرمال، "وأن محمدًا ﷺ أرجح الناس عقلًا، وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر" وقال ابن عباس: أفضل الناس، أعقل الناس، وذلك نبيكم ﷺ ، رواه داود بن المحبر، وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي ﷺ ، وجزء في سائر المؤمنين" من أمته وغيرهم، "ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب، الذين هم كالوحش الشارد" النافرстр. 2840
والطبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، ولما كان عقله ﵊ أوسع العقول, لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعًا لا يضيق على شيء.
فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم في الحلم والعفو مع القدرة, وصبره ﵊ على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه على الكافرين المقاتلين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد بحيث كُسِرت رباعيته، وشُجَّ وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شَقَّ ذلك على أصحابه شديدًا،.........................................................
الحواشي
(١) الناد "والطبع المتنافر المتباعد، و" تأمل "كيف ساسهم" ملكهم بحسن تصرفه فيهم، واستجلاب قلوبهم، "واحتمل جفاهم" غلظتهم، وفظاظتهم، "وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم، وآباءهم، وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطائهم" جمع وطن مكانهم ومقرّهم، "وأحباءهم من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين" جواب قوله: ومن تأمل إلخ ...
"ولما كان عقله ﵊ أوسع العقول، لا جرم" أي: حقًّا "اتسعت أخلاق نفسه الكريمة، اتساعًا لا يضيق عن شيء", ولا جرم في الأصل بمعنى لا بُدَّ ولا محالة، ثم كثرت، فحولت إلى معنى القسم، وصارت بمعنى حقًّا، ولذا تجاب باللام نحو لا جرم، ولا فعلنَّ، قاله الفراء، كما في المصباح، "فمن ذلك اتساع خلقه العظيم، في الحلم والعفو مع القدرة، وصبره ﵊ على ما يكره، وحسبك" أي: يكفيك في الدلالة على كماله في ذلك، "صبره وعفوه على الكافرين، المقاتلين، المحاربين له في أشد ما نالوه به" متعلق بقوله: صبره وعفوه، "من الجراح والجهد، بحيث كسرت رباعيته" اليمني السفلى -بفتح الراء، وخفة الموحدة- السن التي تلي التثنية، من كل جانب وللإنسان، أربع رباعيات، وكان الذي كسرها عتبة بن أبي وقاص، وجرح شفته السفلى، "وشج وجهه" شجه عبد الله بن قميئة "يوم أحد" حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، فصار ينشفه، ويقول: "لو وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء"، "حتَّى شق ذلك على أصحابه شديدًا" غاية لقولهследующие страницы →