← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2801–2840 · переход к 2806.

стр. 2801

"فأهريقي ما في تلك الفخارة"، فقلت: قد والله شربت ما فيها, قالت: فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "أما والله لا يبجعن بطنك أبدًا". وعن ابن جريج قال: أخبرت أنَّ النبي ﷺ كان يبول في قدحٍ من عيدان, ثم يوضع تحت سريره, فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء, فقال لامرأة يقال لها بركة, كانت تخدم أم حبيبة, جاءت معها من أرض الحبشة: "أين البول الذي كان في القدح"؟ قالت: شربته. قال: "صحة

стр. 2802

يا أم يوسف" فما مرضت قط حتى كان مرضها الذي ماتت فيه. رواه أبو داود عن ابن جريج عن حكيمة عن أمها أميمة بنت رقيقة. وصحَّح ابن دحية أنهما قصتان وقعتا لامرأتين, وقد وضح أن بركة أمّ يوسف غير بركة أم أيمن،

стр. 2803

وهو الذي ذهب إليه شيخ الإسلام البلقيني. وفي هذه الأحاديث دلالة على طهارة بوله ودمه ﷺ . قال النووي في شرح المهذّب: واستدلَّ من قال بطهارتهما بالحديثين المعروفين: أنَّ أبا طيبة الحجام حجمه ﷺ وشرب دمه ولم ينكر عليه، وأنَّ امرأة شربت بوله ﷺ فلم ينكر عليها. وحديث أبي طيبة ضعيف، وحديث شرب المرأة البول صحيح رواه الدارقطني, قال: وهو حديث حسن صحيح،

стр. 2804

كافٍ في الاحتجاج لكلّ الفضلات قياسًا، ثم قال: إن القاضي حسينًا قال بطهارة الجميع. انتهى. وبهذا قال أبو حنيفة، كما قاله العيني. وأبو طيبة -بفتح الطاء المهملة وسكون الياء المثناة تحت وباء موحدة- نافع الحجام, مولى محيصة -بضم الميم وفتح المهملة وتشديد المثناة تحت وكسرها- هو ابن مسعود الأنصاري. وقال شيخ الإسلام ابن حجر: قد تكاثرت الأدلة على طهارة فضلاته ﷺ , وعدَّ الأئمة ذلك من خصوصياته. انتهى.

стр. 2805

قال بعضهم: وكان السر في ذلك ما روي من صنيع الملكين حين غسلا جوفه, والله أعلم. وأمَّا سيرته ﷺ في البراز، ففي حديث عائشة عند أبي عوانة في صحيحه والحاكم: ما بال رسول الله ﷺ قائمًا منذ أنزل عليه القرآن. وفي حديث عبد الرحمن بن حسنة

стр. 2806

عند النسائي وابن ماجه: أنه ﷺ بال جالسًا، فقالوا: انظروا إليه يبول كما تبول المرأة. وحكى ابن ماجه عن بعض مشايخه أنه قال: كان من شأن العرب البول قائمًا، ويؤيده ما في حديث عبد الرحمن هذا, وفيه دلالة على أنه كان يخالفهم في ذلك, فيقعد لكونه أستر وأبعد من مماسّة البول. وقال حذيفة: أتى رسول الله ﷺ سباطة قوم فبال قائمًا ثم دعا بماء فجئته بماء فتوضأ

стр. 2807

رواه البخاري. وفي رواية غيره: بال قائمًا ففحج رجليه، أي: فرقهما وباعد ما بينهما. والسباطة -المهملة وبعدها موحدة- هي المزبلة والكناسة, تكون بفناء الدور مرفقًا لأهلها، وتكون في الغالب سهلة لا يرتدّ منها البول على البائل، وإضافتها إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك؛ لأنها لا تخلو عن النجاسة. وبهذا يندفع إيراد من استشكله لكون البول يوهي الجدار ففيه إضرار، أو نقول: إنما بال فوق السباطة لا في أصل الجدار، وهو صريح في رواية أبي عوانة في صحيحه

стр. 2808

وقيل: يحتمل أن يكون علم إذنهم في ذلك بالتصريح أو غيره, أو لكونه مما يتسامح الناس به، أو لعلمه بإيثارهم إياه بذلك، أو لكونه يجوز له التصرّف في مال أمته دون غيره؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم، وهذا وإن كان صحيح المعنى, لكن لم يعهد ذلك من سيرته ومكارم أخلاقه ﷺ . قال الحافظ ابن حجر: وأما مخالفته ﷺ لما عرف من عادته من الإبعاد عند قضاء الحاجة عن الطرق المسلوكة وعن أعين النظار، فقد قيل فيه: إنه ﷺ كان مشغولًا بمصالح المسلمين، ولعلّه طال عليه المجلس حتى احتاج إلى البول, فلو أبعد لتضرَّر، واستدنى حذيفة ليستره من خلفه عن رؤية من لعله يراه، أو لعله فعله

стр. 2809

لبيان الجواز, ثم هو في البول, وهو أخف من الغائط لاحتياجه إلى زيادة تكشّف، والغرض من الإبعاد التستر, وهو يحصل بإرخاء الذيل والدنو من الساتر. وروى الطبراني من حديث عصمة بن مالك قال: خرج علينا رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة, فانتهى إلى سباطة قوم فقال: "يا حذيفة, استرني" فذكر الحديث. وظهر منه الحكمة في إدنائه حذيفة في تلك الحالة. وقيل: إنما بال قائمًا لأنها حالة يؤمن معها خروج الريح بصوت، ففعل ذلك لكونه قريبًا من الديار، ويؤيده ما رواه عبد الرزاق عن عمر ﵁ قال: البول قائمًا أحصن للدبر. وقيل: السبب في ذلك ما روي عن الشافعي وأحمد: إن العرب

стр. 2810

كانت تستشفي لوجع الصلب بذلك, فلعله كان به. وروى الحاكم والبيهقي من حديث أبي هريرة قال: إنما بال ﷺ قائمًا لجرح كان بمأبضه. والمأبض -بهمزة ساكنة بعدها موحدة ثم معجمة- باطن الركبة. فكأنه لم يتمكّن لأجله من القعود، ولو صحَّ هذا الحديث لكان فيه غنى عن جميع ما تقدّم, لكن ضعَّفه الدارقطني والبيهقي. والأظهر: إنه فعل ذلك لبيان الجواز، وكأنَّ أكثر أحواله البول عن قعود. وقيل: إن البول عن قيام منسوخ, واستدل عليه بحديث عائشة المتقدّم. والصواب: إنه غير منسوخ، والجواب عن حديث عائشة أنه مستند على علمها, فيحمل على ما وقع منه في البيوت، وأما غير البيوت فلم تطَّلع هي عليه،

стр. 2811

وقد حفظه حذيفة، وهو من كبار الصحابة، وهو جائز من غير كراهة إذا أمن الرشاش. وكان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء قال: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث". رواه البخاري من حديث أنس. والخبث -بضم المعجمة والموحدة- ومراده: ذكران الشياطين وإناثهم.

стр. 2812

وقد كان ﵊ يستعيذ إظهارًا للعبودية، ويجهر بذلك للتعليم، وهل يختص هذا الذكر بالأبنية المعدَّة لذلك؛ لكونها حضرة الشياطين، أو يعم؟ الأصح الثاني. ويقول ذلك قبيل الدخول في الأمكنة، وأمَّا في غيرها فيقوله في أوّل الشروع؛ كتشمير ثيابه مثلًا، وهذا مذهب الجمهور، فلو نسي يستعيذ بقلبه لا بلسانه.

стр. 2813

وعن أنس: كان ﷺ إذا أراد الحاجة لم يرفع ثوبه حتى يدنوا من الأرض. رواه الترمذي وأبو داود والدارمي. وعن عائشة قالت: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "غفرانك"، رواه الترمذي وابن ماجه. وعن أنس: كان ﷺ إذا خرج من الخلاء قال: "الحمد لله الذي أذهب عني الأذى

стр. 2814

وعافاني". رواه ابن ماجه. وقال ﷺ : "إذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يولها ظهره، شرقوا أو غربوا"،

стр. 2815

رواه البخاري من حديث أبي أيوب الأنصاري. وهذا في الصحراء، أما في البنيان فلا، لما روي عن ابن عمر: ارتقيت فوق بيت حفصة لبعض حاجتي، فرأيت رسول الله ﷺ يقضي حاجته مستدبر القبلة مستقبل الشام. رواه الشيخان.

стр. 2816

وأما حديث جابر عند أحمد وأبي داود وابن خزيمة، ولفظه عند أحمد: كان رسول الله ﷺ ينهانا أن نستدبر القبلة أو نستقبلها بفروجنا إذا أهرقنا الماء. قال جابر: ثم رأيته قبل موته بعام مستقبل القبلة، فقال في فتح الباري: الحقّ أنه ليس بناسخ لحديث النهي خلافًا لمن زعمه، بل هو محمول على أنه رآه في بناءٍ أو نحوه؛ لأن ذلك هو المعهود من حاله ﷺ لمبالغته في التستر. ودعوى خصوصية ذلك بالنبي ﷺ لا دليل عليها؛ إذ الخصائص لا تثبت بالاحتمال. ومذهب الجمهور وهو مذهب مالك والشافعي وإسحاق: التفريق بين البنيان والصحراء، وهذا أعدل الأقوال؛ لإعمال جميع الأدلة. وقال قوم بالتحريم مطلقًا، وهو المشهور عن أبي حنيفة وأحمد،

стр. 2817

ورجَّحه من المالكية ابن العربي, وحجتهم أن النهي مقدَّم على الإباحة، ولم يصححوا حديث جابر المتقدّم. وقال قوم بالجواز مطلقًا، وهو قول عائشة وعروة بن الزبير وربيعة، محتجين بأن الأحاديث تعارضت, فلنرجع إلى أصل الإباحة. وفي البخاري عن أنس, كان ﷺ إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام،

стр. 2818

ومعنا إداوة من ماء -يعني: يستنجي به. وفي رواية مسلم عنه: فخرج علينا وقد استنجى بالماء. وعن أبي هريرة قال: اتبعت النبي ﷺ , وخرج لحاجته, فقال: "ابغني أحجارًا أستنفض بها

стр. 2819

ولا تأتني بعظم ولا روث"، فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه, فلما قضى حاجته أتبعه بهنَّ.

стр. 2820

وعن عبد الله بن مسعود قال: أتى النبي ﷺ الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار، فوجدت حجرين والتمست الثالث فلم أجده, فأخذت روثة فأتيته بها، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: "هذا ركس". رواه البخاري. وفي حديث سلمان عند مسلم مرفوعًا: "لا يستنج أحدكم بأقل من ثلاثة

стр. 2821

أحجار. وقد أخذ الشافعي وأحمد وأصحاب الحديث بهذا، فاشترطوا أن لا ينقص عن الثلاثة, مع مراعاة الإنقاء, وإذا لم يحصل بها فتزاد حتى تنقى. ويستحبّ حينئذ الإيتار؛ لقوله -عليه والصلاة والسلام: "من استجمر فليوتر". وليس بواجب لزيادة في أبي داود حسنة الإسناد، قال: "ومن لا فلا حرج"، قال الخطابي: لو كان القصد الإنقاء فقط لخلا اشتراط العدد عن الفائدة، فلمَّا اشترط العدد لفظًا وعلم الإنقاء فيه معنًى, دلَّ على إيجاب الأمرين. ونظيره: العدة بالأقراء، فإن العدد مشترط ولو تحققت براءة الرحم بقرء واحد. وقال الطحاوي: لو كان العدد مشترطًا لطلب ﵊ حجرًا ثالثًا. وغفل ﵀ عمَّا أخرجه في مسنده من طريق معمر

стр. 2822

عن ابن مسعود في هذا الحديث، فإن فيه: فألقى الروثة وقال: "إنها ركس ائتني بحجر"، ورجاله ثقات أثبات. واستدلال الطحاوي فيه نظر؛ لاحتمال أن يكون اكتفى بطرف أحدهما عن الثالث؛ لأن المقصود بالثلاثة: أن يمسح بها ثلاثة مسحات، وذلك حاصل ولو بواحد. انتهى ملخصًا من فتح الباري.

стр. 2823

الفهرس: ٣ مكاتبة ﵊ إلى الملوك وغيرهم ٦٢ رسله ﷺ ٧٠ الفصل السابع: في مؤذنيه وخطبائه وحدائه وشعرائه ٨٥ الفصل الثامن: في الآت حروبه ﵊؛ كدروعه وأقواسه ومنطقته وأتراسه ٩٣ تكميل ٩٧ الفصل التاسع: في ذكر خيله ولقاحه ودوابه ١١٣ الفصل العاشر: في ذكر من وفد عليه ﷺ وزاده فضلًا وشرفًا لديه ١١٤ الوفد الأول: وفد هوازن ١٢٠ الوفد الثاني: وفد ثقيف ١٢٩ الوفد الثالث: وفد بني عامر ١٣٣ الوفد الرابع: وفد عبد القيس ١٤٦ الوفد الخامس: وفد بني حنيفة ١٥٧ الوفد السادس: وفد طيء ١٦٠ الوفد السابع: وفد كنده ١٦٣ الوفد الثامن: وفد الأشعريين ١٦٩ الوفد التاسع: قدوم صرد بن عبد الله الأزدي ١٧١ الوفد العاشر: بني الحارث بن كعب ١٧٣ الوفد الحادي عشر: وفد همدان ١٧٨ الوفد الثاني عشر: وفد مزينة ١٧٩ الوفد الثالث عشر: وفد دوس ١٨٦ الوفد الرابع عشر: وفد نصارى نجران ١٩١ الوفد الخامس عشر: فروة بن عمرو الجذامي ١٩٢ الوفد السادس عشر: قدوم ضمام بن ثعلبة ١٩٩ الوفد السابع عشر: وفد طارق بن عبد الله وقومه ٢٠٢ الوفد الثامن عشر: وفد تجيب ٢٠٤ الوفد التاسع عشر: وفد بني سعد هذيم

стр. 2824

٢٠٦ الوفد العشرون: وفد بني فزارة ٢١١ الوفد الحادي والعشرون: وفد بني أسد ٢١٣ الوفد الثاني والعشرون: وفد بهراء ٢١٥ الوفد الثالث والعشرون: وفد عذرة ٢١٦ الوفد الرابع والعشرون: وفد بلي ٢١٧ الوفد الخامس والعشرون: وفد بني مرة ٢١٨ الوفد السادس والعشرون: وفد خولان ٢١٩ الوفد السابع والعشرون: وفد محارب ٢٢٠ الوفد الثامن والعشرون: وفد صداء ٢٢٣ الوفد التاسع والعشرون: وفد عسان ٢٢٣ الوفد الثلاثون: وفد سليمان ٢٢٤ الوفد الحادي والثلاثون: وفد بني عبس ٢٢٥ الوفد الثاني والثلاثون: وفد غامد ٢٢٦ الوفد الثالث والثلاثون: وفد الأزد ٢٣٠ الوفع الرابع والثلاثون: وفد بني المنتفق ٢٣٣ الوفد الخامس والثلاثون: وفد النخع ٢٣٨ المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى به ٢٣٨ الفصل الأول: في كمال خلقته وجمال صورته -صلى الله عليه وسلم

стр. 2825

المجلد السادس تابع المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكيِّة وشرَّفه به من الأوصاف المرضية ... بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تابع المقصد الثالث: فيما فضله الله تعالى الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكيِّة وشرَّفه به من الأوصاف المرضية اعلم أن الأخلاق جمع خلق -بضم الخاء واللام ويجوز إسكانها. قال الراغب: الخلق والخُلق -بالفتح وبالضم- في الأصل بمعنى واحد، كالشَرب والشُرب, لكن خص الخلق الذي بالفتح بالهيئات والصور المدركة بالبصر، وخُصَّ الخلق الذي بالضم بالقوى والسجايا المدركة بالبصيرة. انتهى. وقد اختلف: هل حسن الخلق غريزة أو مكتسب؟ وتمسك من قال بأنه غريزة بحديث....

стр. 2826

ابن مسعود: إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم. الحديث رواه البخاري. وقال القرطبي: الخلق جبلة في نوع الإنسان, وهم في ذلك متفاوتون، فمن غلب عليه شيء منها كان محمودًا, وإلّا فهو المأموم بالمجاهدة فيه حتى يصير محمودًا، وكذلك إن كان ضعيفًا فيرتاض صاحبه حتى يقوى. وقد وقع في حديث الأشجّ..................

стр. 2827

أنه ﷺ قال له: إن فيك لخصلتين يحبهما الله: "الحلم والأناة"، قال: يا رسول الله قديمًا كان فيَّ أو حديثًا؟ قال: "قديمًا"، قال: الحمد لله الذي جبلني على خِلَّتين يحبهما الله. رواه أحمد والنسائي وصحَّحَه ابن حبان. فترديد السؤال وتقريره عليه يشعر بأن في الخلق ما هو جبلي وما هو مكتسب, وقد كان ﷺ يقول: "اللهم كما حسَّنت خَلْقِي فحَسِّن خُلُقِي".......

стр. 2828

أخرجه أحمد وصححه ابن حبان، وعند مسلم في حديث دعاه الافتتاح: واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت. ولما اجتمع فيه ﷺ من صفات الكمال ما لا يحيط به جدولًا يحصره عد، أثنى الله تعالى عليه في كتابه الكريم فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] ، وكلمة "على" للاستعلاء, فدلَّ اللفظ على أنه مستعلٍ على هذه الأخلاق ومستولٍ عليها. والخلق: ملكة نفسانية يسهل على المتَّصِف بها الإتيان بالأفعال الجميلة

стр. 2829

وقد وصف الله تعالى نبيه بما يرجع إلى قوته العلمية بأنه عظيم, فقال: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: ١١٣] ووصفه بما يرجع إلى قوته العملية بأنه عظيم، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ . فدل مجموع هاتين الآيتين على أن روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة، كأنها لقوتها وشدةكمالها من جنس أرواح الملائكة. قال الحليمي: وإنما وصف خلقه بالعِظَم، مع أنَّ الغالب وصف الخلق بالكرم؛ لأن كرم الخلق يراد به السماحة والدماثة، ولم يكن خلقه ﷺ مقصورًا على ذلك، بل كان رحيمًا بالمؤمنين، رفيقًا بهم، شديدًا على الكفار، غليظا عليهم، مهيبًا.........................

стр. 2830

في صدور الأعداء، منصورًا بالرعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفه بالعِظَم أولى ليشمل الإنعام والانتقام. وقال الجنيد: وإنما كان خلقه ﷺ عظيمًا؛ لأنه لم يكن له همة سوى الله تعالى. وقيل: لأنه ﵊ عاشر الخلق بخلقه، وباينهم بقلبه. وقيل: لاجتماع مكارم الأخلاق فيه، قال ﵊ فيما رواه الطبراني في الأوسط بسند فيه عمر بن إبراهيم المقدسي -وهو ضعيف- عن جابر بن عبد الله: إن.......

стр. 2831

الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق وكمال محاسن الأفعال. وفي رواية مالك في الموطأ بلاغًا: "بعثت لأتمم مكارم الأخلاق". فجميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ ، فإنه أُدِّب بالقرآن، كما قالت عائشة ﵂: كان خلقه القرآن. قال بعض العارفين: وقد علم أن القرآن فيه المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله, والراسخون في العلم يقولون آمنا به، أي: أقررناه في نصابه,..............................................

стр. 2832

وأقررنا به من خلف حجابه، وتقلدنا سيف الحجة به ولكن في قرابه: وما كونه مما تحصل مقلة ... ولا حده مما تحس الأنامل وقال صاحب عوارف المعارف: ولا يبعد أن قول عائشة ﵂: كان خلقه القرآن. فيه رمز غامض، وإيماء إلى الأخلاق الربانية، فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول: كان متخلقًا بأخلاق الله تعالى, فعبَّرت عن المعنى بقولها: كان خلقه القرآن استحياءً من سبحات الجلال وسترًا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها، انتهى.

стр. 2833

فكما أن معاني القرآن لا تتناهى, فكذلك أوصافه الجميلة الدالة على خلقه العظيم لا تتناهى؛ إذ في كل حالة من أحواله يتجدَّد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم, وما يفيضه الله تعالى عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى. فإذًا التعرُّض لحصر جزئيات أخلاقه الحميدة تعرّض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته. قال الحرالي -وهو كما في القاموس -بتشديد اللام، نسبة إلى قبيلة بالبربر، واسمه: علي بن أحمد بن الحسين، ذو التصانيف المشهورة: ولما كان عرفان قلبه ﵊ بربه -كما قال: بربي عرفت كل شيء، كانت أخلاقه أعظم خلق، فكذلك بعثه الله إلى الناس كلهم، ولم يقصر رسالته على الإنس حتى عمَّت الجن، ولم يقصرها على الثقلين حتى عمَّت جميع العالمين. فكل من كان الله ربه فمحمد رسوله، فكما أنَّ الربوبية نعم العالمين, فالخلق المحمدي يشمل جميع العالمين. انتهى.

стр. 2834

وهذا مصير منه إلى أنه ﷺ قد أرسل إلى الملائكة أيضًا، وسيأتي الكلام على ذلك مستوفى -إن شاء الله تعالى وهو المستعان. وكان ﷺ مجبولًا على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكية النقية، لم يحصل له ذلك برياضة نفس، بل بجود إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى والمقام الأسنى. وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمالُ العقل؛ لأن به تقتبس الفضائل وتجتنب الرذائل،.............................................

стр. 2835

فالعقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان. قال بعضهم: لكل شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر. وأما ما روي: إن الله لما خلق العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقًا أشرف منك، فبك آخذ وبك أعطي. قال ابن تيمية وتبعه غيره: إنه كذب موضوع باتفاق. انتهى. وفي زوائد عبد الله بن الإمام أحمد على..........................................

стр. 2836

"الزهد" لأبيه, عن علي بن مسلم, عن سيار بن حاتم -وهو ممن ضعَّفه غير واحد, وكان جمَّاعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل. قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري، مرسلًا: لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر, فقال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بل آخذ وبك أعطي. وأخرجه داود بن......................................................

стр. 2837

المحبر في كتاب العقل له، وابن المحبر كذاب. فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر: والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل. ولأبي الشيخ عن قرة بن إياس المزني رفعه: الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم. وقد اختلف في ماهية العقل......................................................

стр. 2838

اختلافًا طويلًا يطول استقصاؤه. وفي القاموس ومن خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وبشرِّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوّة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعانٍ مجتمعة في الذهن تكون بمقدِّمات تثبت بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته, والحق أنه روحاني به تدرك النفوس العلومَ الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى. وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا............................................................

стр. 2839

كانت معارفة عظيمة, وخصائصه جسيمة، حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبة لديه، وكلَّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبوديته. قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أنَّ الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبَّة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، وأن محمد ﷺ أرجح الناس عقلًا وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر. وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي ﷺ , وجزء في سائر المؤمنين، ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد،....................................................

стр. 2840

والطبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، ولما كان عقله ﵊ أوسع العقول, لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعًا لا يضيق على شيء. فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم في الحلم والعفو مع القدرة, وصبره ﵊ على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه على الكافرين المقاتلين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد بحيث كُسِرت رباعيته، وشُجَّ وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شَقَّ ذلك على أصحابه شديدًا،.........................................................
следующие страницы →