← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.

стр. 2836

"الزهد" لأبيه, عن علي بن مسلم, عن سيار بن حاتم -وهو ممن ضعَّفه غير واحد, وكان جمَّاعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل. قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري، مرسلًا: لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر, فقال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بل آخذ وبك أعطي. وأخرجه داود بن......................................................

стр. 2837

المحبر في كتاب العقل له، وابن المحبر كذاب. فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر: والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل. ولأبي الشيخ عن قرة بن إياس المزني رفعه: الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم. وقد اختلف في ماهية العقل......................................................

стр. 2838

اختلافًا طويلًا يطول استقصاؤه. وفي القاموس ومن خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وبشرِّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوّة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعانٍ مجتمعة في الذهن تكون بمقدِّمات تثبت بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته, والحق أنه روحاني به تدرك النفوس العلومَ الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى. وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا............................................................

стр. 2839

كانت معارفة عظيمة, وخصائصه جسيمة، حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبة لديه، وكلَّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبوديته. قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أنَّ الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبَّة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، وأن محمد ﷺ أرجح الناس عقلًا وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر. وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي ﷺ , وجزء في سائر المؤمنين، ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد،....................................................

стр. 2840

والطبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، ولما كان عقله ﵊ أوسع العقول, لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعًا لا يضيق على شيء. فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم في الحلم والعفو مع القدرة, وصبره ﵊ على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه على الكافرين المقاتلين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد بحيث كُسِرت رباعيته، وشُجَّ وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شَقَّ ذلك على أصحابه شديدًا،.........................................................

стр. 2841

وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: "إني لم أبعث لعانًا، ولكني بعثت داعيًا ورحمة، فقال: اللهم اغفر لقومي، أو اهد قومي فإنهم لا يعلمون". قال ابن حبان: أي: اللهم اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي, لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقًا؛ إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا كلهم. كذا قال ﵀. وقد روي عن عمر أنه قال في بعض كلامه:........................

стр. 2842

بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وُطِئَ ظهرك وأُدْمِيَ وجهك وكسرت رباعيتك, فأبيت أن تقول إلّا خيرًا فقلت: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون". وههنا دقيقة وهي أنه ﵊ لما شجَّ وجهه عفا وقال: اللهم اهد قومي، وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: "اللهم املأ بطونهم نارًا"، فتَحَمَّل الشجَّة الحاصلة في وجهه الشريف، وما تحمَّل الشجة الحاصلة في وجه دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجَّح حق خالقه على حقه. واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على

стр. 2843

التألم بما يفعل بها، ولهذا شقَّ عليه ﷺ نسبته إلى الجور في القسمة، لكنه ﵊ حلم على القائل وصبر لِمَا علم من جزيل ثواب الصابر, وأن الله يأجره بغير حساب. وصبره ﵊ على الأذى إنما هو فيما كان في حق نفسه، وأما إذا كان لله فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة, كما قال له تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .....................................

стр. 2844

وقد وقع له ﵊ أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة ﷺ . وقد روى الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي عن زيد بن سعنة -بالمهملة والنون المفتوحتين- كما قيده به عبد الغني وذكره الداقطني, وبالمثناة التحتية، ثبت في الشفاء وصحح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذي ذكره ابن إسحاق، وهو كما قاله النووي: أجلّ أحبار اليهود الذين أسلموا -أنه قال: لم يبق من علامات النبوة شيء إلّا وقد عرفته........

стр. 2845

في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرًا إلى أجلٍ, فأعطيته الثمن، فلمَّا كان قبل مجيء الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته, فأخذت بمجامع قميصه وردائه على عنقه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فقال عمر: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع, فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر

стр. 2846

إلى عمر بسكون وتؤدة وتبسم ثم قال: "أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا مكان ما رعته"، ففعل، فقلت يا عمر: كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلّا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما، فأشهد أني قد رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا. وعن أبي هريرة قال: حدثنا رسول الله ﷺ يومًا ثم قام، فقمنا حين قام, فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فجذبه بردائه........................................................

стр. 2847

فحمر رقبته، وكان رداء خشنًا، فالتفتّ إليه, فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك، فقال له ﷺ : "لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني"، كل ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أقيدها، فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلًا فقال له: احمل له على بعيريه هذين, على بعير تمرًا وعلى الآخر شعيرًا. رواه أبو داود. ورواه البخاري من حديث أنس بلفظ: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد

стр. 2848

نجراني غليظ الحاشية, فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتقه وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد, مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء. وفي هذا بيان حلمه ﵊, وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام. وعن عائشة وقد سُئِلَت عن خلقه ﷺ : لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا..............................................................

стр. 2849

ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه الترمذي، أي: لم يكن الفحش له خلقًا ولا مكتسبًا. وفي البخاري من حديث ابن عمرو: لم يكن ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وفي رواية له من حديث أنس بن مالك قال: لم يكن النبي ﷺ سبَّابًا ولا فاحشًا ولا لعّانًا.

стр. 2850

والفحش: كل ما خرج من مقداره حتى يستقبح، ويدخل في القول والفعل والصفة، لكن استعماله في القول أكثر. والمتفحّش -بالتشديد: الذي يتعمَّد ذلك ويكثر منه ويتكلفه. وعن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ ، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلمَّا جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلمَّا انطلق الرجل قالت له عائشة:

стр. 2851

يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال ﷺ : "يا عائشة، متى عهدتيني فحاشًا، إن شرَّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" رواه البخاري. قال ابن بطال: هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. ..............

стр. 2852

وكذا فسره به القاضي عياض والقرطبي والنووي. وأخرج عبد الغني من طريق أبي عامر الخزاعي، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبي ﷺ صوته قال: "بئس أخو العشيرة". الحديث. والمراد بالعشيرة: الجماعة أو القبيلة، وإنما تطلق ﷺ في وجهه تألفًا ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم.

стр. 2853

وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علمًا وأدبًا، وليس قوله ﵊ في أمته بالأمور التي يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه ﷺ أن يبيِّن ذلك ويفصح به، وأن يعرِّف الناس أمرهم, فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة, ولكنَّه لما جبل عليه من الكرم, وأعطيه من حسن الخلق, أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله, وفي مدارته ليسلموا من شره وغائلته.

стр. 2854

وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك, مع جواز مداراتهم اتقاءً لشرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله. ثم قال تبعًا للقاضي حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة، أنَّ المداراة بدل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا, وهي مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال ولله الحمد.

стр. 2855

وقال القاضي عياض: لم يكن عيينة -والله أعلم- حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحًا، فأراد النبي ﷺ أن يبين ذلك لئلَّا يغترَّ به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي ﷺ وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النبوة، وأما الأنة القول بعد أن دخل, فعلى سبيل الاستئلاف, وفي فتح الباري: إن عيينة ارتدَّ في زمن الصديق وحارب, ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر. انتهى.

стр. 2856

وما انتقم ﷺ لنفسه. رواه البخاري. فإن قلت: قد صح أنه ﷺ أمر بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه ﷺ , وهذا ينافي قوله: وما انتقم لنفسه. فالجواب: إنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله. وقيل: أراد أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه. وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يخص بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه. وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن..................................

стр. 2857

الزهري مطولًا، وأوَّله: ما لعن رسول الله ﷺ مسلمًا بذكر -أي: بصريح اسمه- وما ضرب بيده شيئًا قط إلّا أن يضرب في سبيل الله، ولا سُئِلَ شيئًا قط فمنعه إلّا أن يسئل مأثمًا، ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تُنْتَهَكَ حرمات الله فيكون لله ينتقم. الحديث. ومما روي من اتساع خلقه وحلمه ﷺ ، اتساع خلقه للطائفة المنافقين الذين كانوا يؤذونه إذا غاب ويتملَّقون له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية. وكان ﷺ كُلَّمَا أذن له في التشديد عليهم فتح لهم بابًا من الرحمة، فكان يستغفر لهم ويدعو لهم، حتى أنزل الله عليه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﵊: "خيَّرَنِي ربي فاخترت أن أستغفر لهم"،..............................

стр. 2858

ولما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﷺ : "لأزيدنَّ على السبعين". وأمر ولد الذي تولى كبر النفاق والأذى منهم ببر أبيه، ولما مات كفَّنه في ثوب خلعه عن بدنه وصلّى عليه،..........

стр. 2859

هذا وعمر بن الخطاب -رضي الله تعالى- عنه يجذبه بثوبه ويقول: يا رسول الله, أتصلي على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر وقال: "إليك عنِّي يا عمر". فخالف مؤمنًا وليًّا في حق منافق عدو، وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحراني. وقال النووي: قيل: إنما أعطاه قميصه وكفَّنه فيه تطييبًا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيًّا صالحًا. وقد سأل ذلك فأجابه إليه، وقيل: مكافأة لعبد الله المنافق الميت؛ لأنه كان ألبس العباس حين أُسِرَ يوم بدر قميصًا. وفي ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاقه ﷺ ، فقد علم ما كان......

стр. 2860

من هذا المنافق من الإيذاء له، وقابله بالحسنى, فألبسه قميصه كفنًا, وصلَّى عليه واستغفر له. من ذلك أنه ﵊ لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره. وعفا عن اليهودية التي سمَّته في الشاة على الصحيح من الرواية. والله يرحم القائل: وما الفضل إلا خاتم..............

стр. 2861

................... أنت فصه وعفوك نقش الفص فاختم به عذري ومن ذلك إشفاقه ﷺ على أهل الكبائر من أمته، وأمره إياهم بالستر، فقال: "من بلي بهذه القاذورات -يعني المحرمات- فليستتر". وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود ويترحَّموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه ولعنوه، فقال: "قولوا: اللهم اغفر له، اللهمَّ ارحمه".

стр. 2862

وقال لهم في رجل كان كثيرًا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة فقال: "لا تلعنوه فإنه يحب الله رسوله". فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله، وإنما ينظر الله إلى القلوب -طهَّر الله قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا. ومن ذلك ما رواه الدارقطني من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها. ومن ذلك اتساع خلقه..................................................

стр. 2863

في شريف تواضعه وآدابه وحسن عشرته مع أهله وخدمه وأصحابه. قال بعضهم: اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلّا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه، فعند ذلك تذوب النفس، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب، فتَلِينُ وتنطبع للحق والخلق بِمَحْوِ آثارها وسكون وهَجِهَا وغُبَارِها. وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا ﷺ في أوطان القرب، وحسبك من تواضعه ﵊ أن خَيَّره ربه بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا،.......................................

стр. 2864

فأعطاه الله بتواضعه أن جعله أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع، وأول مشفَّع، فلم يأكل متكئًا بعد ذلك حتى فارق الدنيا, وقد قال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" رواه الترمذي. ومن تواضعه ﵊ أنَّه كان لا ينهر خادمًا، روينا في كتاب الترمذي عن أنس قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين،..............

стр. 2865

فما قال لي أفٍّ قط, ولا قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟ وكذلك كان النبي ﷺ مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحد قط، وهذا أمر لا تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربَّانية. وفي رواية مسلم: ما رأيت أحد أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ . وقالت عائشة: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط، ولا ضرب امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله،.............................

стр. 2866

وما نيل منه شيء فينتقم من صاحبه إلّا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. رواه مسلم. وسئلت عائشة: كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا في بيته؟ قالت: كان ألين الناس، بسَّامًا ضحَّاكًا، لم ير قط مادًّا رجليه بين أصحابه. وعنها: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ , ما دعاه أحد من أصحابه إلّا قال: لبيك. رواه. وعند أحمد وابن سعد وصحَّحَه ابن حبان عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخيط ثوبه ويخصف -بكسر- نعله، وفي رواية لأحمد: ويرفع دلوه، وعنده أيضا: يغلي

стр. 2867

ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه. وهذا يتعيِّن حمله على أوقات, فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة. وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، وركب يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف. رواه الترمذي. وعن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله ﷺ , فلما أراد الانصراف قرَّب له سعد حمارًا وطأ عليه بقطيفة، وركب رسول الله ﷺ , ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول الله ﷺ ،.......................................

стр. 2868

قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ : "اركب"، فأبيت، فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف". وفي رواية أخرى: "اركب أمامي فصاحب الدابَّة أَوْلَى بمقدمها"، رواه أبو داود وغيره. وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من خيبر، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول الله ﷺ رديف رسول الله ﷺ ؛ إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة، فقال ﷺ : "إنها أمكم"، فشددت الرحل، وركب رسول الله ﷺ . الحديث. والمرأة: صفية، والردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه. وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا آخرة

стр. 2869

الرحل. وقد ركب ﷺ على حمار على إكاف, عليه قطيفة فذكيه, أردف أسامة وراءه. ولما قدم ﵊ مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فحمل واحدًا بين يديه، وآخر خلفه. وقال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ مكة وقد حمل قثم بين يديه والفضل خلفه، أو قثم والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه. رواه البخاري. وذكر المحب الطبريّ في مختصر السيرة النبوية له، أنه ﷺ ركب حمارًا عريًا إلى قبا وأبو هريرة معه, قال: "يا أبا هريرة أأحملك؟ " قال: ما شئت يا رسول الله, فقال: "اركب" , فلم يقدر, فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر, فاستمسك برسول الله ﷺ , فوقعا جميعًا. ثم ركب ﷺ , ثم قال: "يا أبا هريرة, أأحملك؟ " قال: ما

стр. 2870

شئت يا................................................................................................................................... رسول الله، فقال: "اركب"، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلَّق برسول الله ﷺ فوقعا جميعًا، فقال: "يا أبا هريرة أأحملك؟ " فقال: لا والذي بعثك بالحق لأرميتك ثالثًا. وذكر المحب الطبري أيضًا: أنه ﵊ كان في سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة, فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله، عليَّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، علي طبخها، فقال رسول الله ﷺ : "علي جمع الحطب"، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: "فقد علمت أنكم تكفوني ولكن أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى. ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبُّع، نعم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف

стр. 2871

لأبي اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه....... قال: كنت مع النبي ﷺ في الطواف, فانقطعت شسعه, فقلت: يا رسول الله, ناولني أصلحه، فقال: "هذه أثرة ولا أحب الأثرة". والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: والاستئثار وهو الانفراد بالشيء. قال: وكأنه كره ﷺ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم, فيكون له بمثابة الخادم, ويكون له ﷺ ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك ﷺ لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه. ويؤيده ما روي أنه ﷺ أراد أن يمتهن نفسه في شيء, فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: "قد علمت أنكم تكفوني, ولكن أكره أن أتميز عليكم, فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى. ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشهورة حكى ذلك.

стр. 2872

وعن أبي قتادة: وَفَدَ وَفْدُ النجاشي، فقام النبي ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نحن نكفيك، قال: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم"، ذكره في الشفاء. وفي البخاري عن أنس: كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: كلّا والذي لا إله غيره لا نعطيكم وقد أعطانيها -أو كما قال, والنبي ﷺ يقول: "لك كذا"، وتقول كلا................

стр. 2873

والله، حتى أعطاها -حسبت أنه قال- عشر أمثاله. أو كما قال. وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤيدة وتمليكًا لأصل الرقبة، وأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك, فلاطفها, وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبره ﷺ . وجاءته ﷺ امرأة في عقلها شيء، فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: "اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك" , وفي رواية سلم: "حتى أقضي حاجتك،.............

стр. 2874

فخلا معها في بعض الطريق حتى فرغت من حاجتها. ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه ﷺ . وقال عبد الله بن أبي الحمساء -بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة وبالسين المهملة في آخره وهمزة ممدودة: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت, فذكرته بعد ثلاث, فإذا هو في مكانه, فقال: "لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" رواه أبو داود. وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان ﵊ لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. رواه النسائي.

стр. 2875

وفي رواية البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وعند أيضا: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت. والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد. وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة؛ وحيث عمَّم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، أي: كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي: من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرُّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدتها في تلك الحالة لساعدها على ذلك، وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ . ودخل الحسن وهو يصلي قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في...............................................
следующие страницы →