Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
"الزهد" لأبيه, عن علي بن مسلم, عن سيار بن حاتم -وهو ممن ضعَّفه غير واحد, وكان جمَّاعًا للرقائق، وقال القواريري: إنه لم يكن له عقل. قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي قال: حدثنا مالك بن دينار عن الحسن البصري، مرسلًا: لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر, فقال: ما خلقت خلقًا أحب إليّ منك، بل آخذ وبك أعطي.
وأخرجه داود بن......................................................
الحواشي
(١) "الزهد، لأبيه، عن" شيخه "علي بن مسلم، بن سعيد الطوسي، نزيل بغداد، ثقة، روى عنه البخاري، وأبو داود، والنسائي، مات سنة ثلاث وخمسين ومائتين، "عن سيار" بفتح السين المهملة، والتحتانية المثقلة، "ابن حاتم" العنزي، بفتح المهملة، والنون، ثم زاي، أبي سلمة البصري مات سنة مائتين، أو قبلها بسنة، "وهو ممن ضعَّفه غير واحد" كالقواريري والأزدي, ولكن احتج به الترمذي والنسائي على تفنُّنه في الرجال، وابن ماجه، ووثَّقه ابن حبان.
وقال الذهبي: صالح الحديث، والحافظ، صدوق له أوهام، وقال الحاكم: كان سيار عابد عصره، وقد أكثر عند أحمد بن حنبل، "وكان جمَّاعًا" كثير الجمع "للرقائق" صحيحة أم لا، "وقال القواريري" بفتح القاف، والواو، فألف، فراءين بينهما تحتية، نسبة إلى عمل القوارير، أو بيعها عبيد الله بن عمر بن ميسرة البصري، نزيل بغداد، الحافظ، الثقة، الثبت، روى عنه البخاري ومسلم وأبو داود وغيرهم، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين على الأصح، وله خمس وثمانون سنة؛ "إنه لم يكن له عقل" كان معي في الدكان، قيل للقواريري: أتتهمه، قال: لا. وقال الأزدي: عنده مناكير لفظ الزوائد لابن أحمد، حدثنا علي ب مسلم, حدثنا سيار بن حاتم: "قال: حدثنا جعفر بن سليمان الضبعي" بضم الضاد المعجمة، وفتح الموحدة، أبو سليمان البصري، صدوق زاهد, لكنه كان يتشيع، روى له مسلم وأصحاب السنن، والبخاري في التاريخ، مات سنة ثمان وسبعين ومائة "قال: حدثنا مالك بن دينار" البصري، الزاهد، أبو يحيى، صدوق، عابد، روى له الأربعة، وعلق له البخاري، مات سنة ثلاثين ومائة أو نحوها: "عن الحسن البصري" يرفعه "مرسلًا، لما خلق الله العقل قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، فقال: ما خلقت خلقًا أحبَّ إلي منك، بك آخذ وبك أعطي" قال السيوطي: هذا مرسل جيد الإسناد، وهو في معجم الطبراني الأوسط، موصول من حديث أبي أمامة، ومن حديث أبي هريرة بإسنادين ضعيفين. انتهى.
وهو كلام محقَّق في الفن؛ إذ سيار مختلف في توثيقه وتضعيفه، فحديثه جيد، ومنهم من يقول: حسن، فلا عبرة بقول الشامي: هذا من الأحاديث الواهية لا الضعيفة، "وأخرجه داود بنстр. 2837
المحبر في كتاب العقل له، وابن المحبر كذاب.
فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر: والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل.
ولأبي الشيخ عن قرة بن إياس المزني رفعه: الناس يعملون الخير وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم.
وقد اختلف في ماهية العقل......................................................
الحواشي
(١) المحبر" بمهملة، وموحَّدة مشددة مفتوحة. ابن قَحذم -بفتح القاف، وسكون المهملة، وفتح المعجمة، الثقفي، البكراوي أبو سليمان البصري، نزيل بغداد, متروك، وأكثر كتاب العقل الذي صنفه موضوعات من التاسعة، مات سنة ست وخمسين ومائتين، روى له ابن ماجه، ذكره الحافظ في التقريب، "في كتاب العقل له" فقال: حدثنا صالح المري، عن الحسن به بزيادة، ولا أكرم علي منك، لأني بك أعرف، وبك أعبد، والباقي مثله، "وابن المحبر كذاب" ولذا تركوه، ومن العجب إيماء الشارح للاعتراض على المصنف، بأن الذي في اللب واللباب المحبري، نسبة إلى كتاب المحبر الذي جمعه محمد بن حبيب، فيقال لمصنفه المحبر. انتهى.
إذ كتاب العقل غير كتاب المحبر، والمحبر هنا علم على أبي داود، وذاك لقب لمحمد، وهما شخصان وكتابان، "فإن الحافظ أبو الفضل بن حجر، والوارد في أول ما خلق الله، حديث أول ما خلق الله القلم، وهو أثبت من حديث العقل", وهذا أيضًا يؤذن بثبوت حديث العقل، فأين الاتفاق على وضعه؟، "ولأبي الشيخ" عبد الله، بن محمد الحفظ، "عن قرة، بن إياس"، بن هلال "المزني"، أبي معاوية الصحابي، نزيل البصرة، له أحاديث في السنن وغيرها، مات سنة أربع وستين، "رفعه: الناس يعملون الخير، وإنما يعطون أجورهم على قدر عقولهم", فقد يجتهد الإنسان في الخير، ويداخله رياء أو نحوه، فينفي ثوابه، أو ينقص، وذلك ناشئ من فساد العقل، فكامله يحترز عن ذلك, ويسعى في تحصيله على أتم حال، ولو بمشقة، "وقد اختلف في ماهية العقل" من عقل البعير: منعه بالعقال عن القيام، أو من الحجر المنع؛ لأنه يعقل صاحبه ويمنعه عن الخطأ ﴿هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ﴾ ، وقد تظرَّف في التلميح لأصله القائل:
قد عقلنا والعقل أي وثاق ... وصبرنا والصبر مر المذاق
ومحله القلب عند جمهور أهل الشرع، كالأئمة الثلاثة، لقوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ الآية، وقوله ﷺ : "ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهيстр. 2838
اختلافًا طويلًا يطول استقصاؤه. وفي القاموس ومن خط مؤلفه نقلت: العقل العلم، أو بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين وبشرِّ الشرين، أو يطلق لأمور لقوّة بها يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعانٍ مجتمعة في الذهن تكون بمقدِّمات تثبت بها الأغراض والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته, والحق أنه روحاني به تدرك النفوس العلومَ الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد، ثم لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ. انتهى.
وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا............................................................
الحواشي
(١) القلب والدماغ"، له تابع؛ إذ هو من جملة الجسد، وقال علي: العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنفس في الرئة، رواه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي، بسند جيد، وذهب الحنفية، وابن الماجشون، وأكثر الفلاسفة إلى أنه في الدماغ؛ لأنه إذا فسد فسد العقل، وأجيب، بأن الله أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ مع أنه ليس فيه، ولا امتناع في هذا، "اختلافًا طويلًا يطول استقصاؤه" بدليله، وتعليله، "وفي القاموس، ومن خط مؤلفه" المجد الشيرازي، "نقلت العقل العلم" مطلقًا أي: مطلق الإدراك، بلا اعتبار تعلُّقه بمعلوم دون آخر، "أو" هو العلم, "بصفات الأشياء من حسنها، وقبحها، وكمالها، ونقصانها، أو العلم بخير الخيرين، وبشرّ الشرين، أو يطلق لأمور" أو إشارة للخلاف، فكأنه قال: اختلف في العقل هل هو العلم، أو غيره، وعلى أنه العلم، فقيل مطلقًا، وقيل بصفات إلخ.....................
وعلى أنه غير العلم، فهو مشترك يطلق لأمور "لقوة بها، يكون التمييز بين القبيح والحسن، ولمعان مجتمعة في الذهن، تكون بمقدمات تثبت بها الأغراض، والمصالح، ولهيئة محمودة للإنسان في حركاته وكلماته، والحق أنه نور "روحاني" بضم الراء، ما فيه روح، وكذلك النسبة إلى الملك والجن، والجمع روحانيون، كما في القاموس، "به تدرك النفوس العلوم الضرورية والنظرية، وابتداء وجوده عند اجتنان الولد" أي: كونه جنينًا في بطن أمه، "ثمَّ لا يزال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ، انتهى" كلام القاموس. وليس فيه بيان أيّ وقت يخلق العقل فيه، فإنه قال في باب النون: الجنين الولد في البطن، جمعه أجنة، وفي المصباح: وصف له ما دام في بطن أمه، ومفادهما وصفه به من أول خلقه، "وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية" أي: المرتبة "القصوى" التي لا مرتبة فوقها، فلا يردان الغاية النهاية، فلا توصف بالقصوى؛ إذ لا تتصف النهاية بالبعد تارة، والقرب تارة، والقرب أخرى، "التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا كانت معارفه" علومهстр. 2839
كانت معارفة عظيمة, وخصائصه جسيمة، حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبة لديه، وكلَّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرم ما وهبه من أسرار إلهيته ومعرفة ربوبيته وتحقق عبوديته.
قال وهب بن منبه: قرأت في أحد وسبعين كتابًا، فوجدت في جميعها أنَّ الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلا كحبَّة رمل بين رمل من جميع رمال الدنيا، وأن محمد ﷺ أرجح الناس عقلًا وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر.
وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي ﷺ , وجزء في سائر المؤمنين، ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب الذين هم كالوحش الشارد،....................................................
الحواشي
(١) بالأشياء، "عظيمة" لمطابقتها للواقع دائمًا، بلا خلل فيها، ولا ميل عن الحق، "وخصائصه جسيمة" أي: عظيمة، فغاير كراهية لتكرر اللفظ "حارت العقول" لم تدر وجه الصواب "في بعض فيض ما أفاضه، من غيبه لديه، وكلَّت" تَعِبَت "الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك، وقد امتلأ قلبه وباطنه إيمانًا وحكمة حين شُقَّ صدره، فأعطي ما لم يعط غيره، فالمفعول محذوف، "وفاض على جسده المكرَّم ما وهبه" مفعول لفاض لا لامتلأ، لأنه إنما يتعدَّى بحرف الجر، فمفعوله محذوف، كما قدرت، وفي نسخ، لما بلام التعليل، لامتلأ، وفاض، أي: وفاض آثار ذلك على جسده، لم وهبه الله، "من أسرار إلهيته، ومعرفة ربوبيته، وتحقق عبوديته".
"قال وهب بن منبه" -بضم الميم، وفتح النون، وكسر الموحدة- ابن كامل اليماني، التابعي، الثقة، روى له الشيخان وغيرهما: "قرأت في أحد وسبعين كتابا" من الكتب القديمة، وكان خبرها، "فوجدت في جميعها، أنَّ الله تعالى لم يعط جميع الناس من بدء الدنيا إلى انقضائها من العقل, في جنب عقله ﷺ ، إلّا كحبة رمل بين رمل" كائن، أو الذي هو "من جميع رمال الدنيا" فالبينية تكون بين يسيرين، والمنسوب إليه جميع الرمال، "وأن محمدًا ﷺ أرجح الناس عقلًا، وأفضلهم رأيًا. رواه أبو نعيم في الحلية، وابن عساكر" وقال ابن عباس: أفضل الناس، أعقل الناس، وذلك نبيكم ﷺ ، رواه داود بن المحبر، وعن بعضهم مما هو في عوارف المعارف: اللب والعقل مائة جزء، تسعة وتسعون في النبي ﷺ ، وجزء في سائر المؤمنين" من أمته وغيرهم، "ومن تأمَّل حسن تدبيره للعرب، الذين هم كالوحش الشارد" النافرстр. 2840
والطبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحباءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين، ولما كان عقله ﵊ أوسع العقول, لا جرم اتسعت أخلاق نفسه الكريمة اتساعًا لا يضيق على شيء.
فمن ذلك: اتساع خلقه العظيم في الحلم والعفو مع القدرة, وصبره ﵊ على ما يكره، وحسبك صبره وعفوه على الكافرين المقاتلين المحاربين له في أشد ما نالوه به من الجراح والجهد بحيث كُسِرت رباعيته، وشُجَّ وجهه يوم أحد، حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، حتى شَقَّ ذلك على أصحابه شديدًا،.........................................................
الحواشي
(١) الناد "والطبع المتنافر المتباعد، و" تأمل "كيف ساسهم" ملكهم بحسن تصرفه فيهم، واستجلاب قلوبهم، "واحتمل جفاهم" غلظتهم، وفظاظتهم، "وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم، وآباءهم، وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطائهم" جمع وطن مكانهم ومقرّهم، "وأحباءهم من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلم منها سير الماضين، تحقق أنه أعقل العالمين" جواب قوله: ومن تأمل إلخ ...
"ولما كان عقله ﵊ أوسع العقول، لا جرم" أي: حقًّا "اتسعت أخلاق نفسه الكريمة، اتساعًا لا يضيق عن شيء", ولا جرم في الأصل بمعنى لا بُدَّ ولا محالة، ثم كثرت، فحولت إلى معنى القسم، وصارت بمعنى حقًّا، ولذا تجاب باللام نحو لا جرم، ولا فعلنَّ، قاله الفراء، كما في المصباح، "فمن ذلك اتساع خلقه العظيم، في الحلم والعفو مع القدرة، وصبره ﵊ على ما يكره، وحسبك" أي: يكفيك في الدلالة على كماله في ذلك، "صبره وعفوه على الكافرين، المقاتلين، المحاربين له في أشد ما نالوه به" متعلق بقوله: صبره وعفوه، "من الجراح والجهد، بحيث كسرت رباعيته" اليمني السفلى -بفتح الراء، وخفة الموحدة- السن التي تلي التثنية، من كل جانب وللإنسان، أربع رباعيات، وكان الذي كسرها عتبة بن أبي وقاص، وجرح شفته السفلى، "وشج وجهه" شجه عبد الله بن قميئة "يوم أحد" حتى صار الدم يسيل على وجهه الشريف، فصار ينشفه، ويقول: "لو وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السماء"، "حتَّى شق ذلك على أصحابه شديدًا" غاية لقولهстр. 2841
وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: "إني لم أبعث لعانًا، ولكني بعثت داعيًا ورحمة، فقال: اللهم اغفر لقومي، أو اهد قومي فإنهم لا يعلمون".
قال ابن حبان: أي: اللهم اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي, لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقًا؛ إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا كلهم. كذا قال ﵀.
وقد روي عن عمر أنه قال في بعض كلامه:........................
الحواشي
(١) يسيل، "وقالوا: لو دعوت عليهم" لأجبت، أو للتمني، "فقال: إني لم أبعث لعانًا" مبالغًا في اللعن، أي: الإبعاد عن الرحمة، والمراد نفي أصل الفعل، نحو ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ﴾ ، يعني: لو دعوت عليهم لبعدوا عن رحمة الله، ولصرت قاطعًا عن الخبر، مع إني لم أبعث بهذا "ولكني بعثت داعيًا ورحمة" لمن أراد الله إخراجه من الكفر إلى الإيمان، أو لأقرِّب الناس إلى الله وإلى رحمته، لا لأُبعدهم عنها، فاللعن منافٍ لحالي، فكيف ألعن، ثم لم يكتف بذلك حتى سأل الله لهم الغفران، أو الهداية، "فقال: "اللهم اغفر لقومي" بإضافتهم إليه إظهارًا، لسبب شفقته عليهم، فإن الطبع البشري يقتضي الحنوَّ على القرابة بأي حال، ولأجل أن يبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإيمان، "أو أهد قومي" ليست أو للشك، بل إشارة لتنويع الرواية، أي: إن في رواية اغفر، وأخرى اهد، ثم اعتذر عنهم بالجهل، بقوله: "فإنهم لا يعلمون" أنَّ ما جئت به هو الحق، ولم يقل: يجهلون تحسينًا للعبارة، ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، مع أنه إنما هو جهل حكمي، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البينات عذر، لكنّه تضرع إلى الله أن يمهلهم حتى يكون منهم، أو من ذريتهم مؤمنون، وقد حقق الله رجاءه واستشكلت رواية اغفر بقوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ ، فإنها وإن كانت خاصة السبب، فهي عامَّة في حق كل مشرك، وأجيب بأنه أراد الدعاء لهم بالتوبة من الشرك، حتى يغفر لهم بدليل رواية اهد، وأراد مغفرةً تصرف عنهم عقوبة الدنيا من نحو: خسف ومسخ، قاله السهيلي، واستشكلت الروايتان معًا بأن دعاءه مقبول، ولم يسلم جميعهم، وجوابه قوله: "قال ابن حبان: أي: "اللهم اغفر لهم ذنبهم في شج وجهي"، لا أنه أراد الدعاء لهم بالمغفرة مطلقًا؛ إذ لو كان كذلك لأجيب، ولو أجيب لأسلموا كلهم، كذا قال ﵀" تبرأ منه، لاحتمال حمل دعائه لهم على المجموع، لا كل فرد، أي: اغفر لجنس، أو لبعض قومي، أو أراد غير الشرك، أو صرف عقوبة الدنيا، فنفيه، وتعليله مع هذه الاحتمالات لا ينهض, "وقد روي عن عمر" مما ساقه في الشفاء، وقال السيوطي: لا نعرف عن عمر في شيء في كتب الحديث "أنه قال في بعض كلامه" الذي بكى به النبي ﷺ بعد موته، وهو دليل على ظهور حلمه بين صحبهстр. 2842
بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ [نوح: ٢٦] الآية. ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا، فلقد وُطِئَ ظهرك وأُدْمِيَ وجهك وكسرت رباعيتك, فأبيت أن تقول إلّا خيرًا فقلت: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون".
وههنا دقيقة وهي أنه ﵊ لما شجَّ وجهه عفا وقال: اللهم اهد قومي، وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق قال: "اللهم املأ بطونهم نارًا"، فتَحَمَّل الشجَّة الحاصلة في وجهه الشريف، وما تحمَّل الشجة الحاصلة في وجه دينه، فإن وجه الدين هو الصلاة، فرجَّح حق خالقه على حقه.
واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس، وقد جبل الله تعالى النفس على
الحواشي
(١) حتى عرفوه ووصفوه به، "بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه، فقال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ﴾ وإنما قال: هذا لأنه مشربه مشرب نوح، كما شبهه النبي ﷺ به في أسارى بدر، "ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا من عند آخرنا" أي: من أولنا إلى آخرنا, أي: جميعًا, وعند زائدة: ومن بمعنى إلى، أو كناية عن هلاك الجميع؛ إذ لا يكون الهلاك عند آخرهم إلّا إذا شملهم جميعًا، ولو دعوتها ما لمت، "فلقد وطئ ظهرك، وأدمي وجهك، وكُسِرَت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرًا، فقلت: اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" إن ما جئت به هو الحق، وهم عُبَّاد أوثان، فلا يرد الذين آتيناهم الكتاب، يعرفونه كما يعرفون أبناءهم، على أن المراد علماء أهل اكتاب، كما في البيضاوي.
"وههنا دقيقة هي" أنَّ حلمه وعفوه، إنما هو فيما يتعلَّق بنفسه الشريف، وذلك "أنه ﵊، لما شج وجهه عفا، وقال: "اللهم اهد قومي"، وحين شغلوه عن الصلاة يوم الخندق، قال: "اللهم املأ بطونهم نارًا" لفظ الصحيحين "ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس"، "فتحمل الشجة الحاصلة في وجهه الشريف، وما تحمل الشجة الحاصلة في وجه دينه، فإن وجهه الدين هو الصلاة، فرجَّح حق خالقه على حقه" كما هو عادته، "واعلم أن الصبر على الأذى جهاد النفس" حصر المبتدأ في الخبر، فأفاد الحصر، في نسخة للنفس بلام، وحذفها أبلغ في الحصر، والمراد به المبالغة، كأنه جعل جهادها، إنما هو الصبر على الأذى، فغيره ليس جهادًا لها، فلا يرد عليه أنهم عدوا من جهادها أشياء كثيرة، غير الصبر، "وقد جبل الله تعالى النفس على التألم بما يفعل بها" والتألم سببстр. 2843
التألم بما يفعل بها، ولهذا شقَّ عليه ﷺ نسبته إلى الجور في القسمة، لكنه ﵊ حلم على القائل وصبر لِمَا علم من جزيل ثواب الصابر, وأن الله يأجره بغير حساب.
وصبره ﵊ على الأذى إنما هو فيما كان في حق نفسه، وأما إذا كان لله فإنه يمتثل فيه أمر الله من الشدة, كما قال له تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٧٣] .....................................
الحواشي
(١) للانتقام من المؤلم، ومع ذلك، فهو ﷺ لكمال حلمه تحمَّله من فاعله فلم ينتقم منه، "ولهذا شقَّ عليه ﷺ نسبته إلى الجور في القسمة" يوم حنين آثر ناسًا فيها ليؤلفهم، فقال رجل: والله إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فأخبره ابن مسعود، فتغيِّر وجهه، ثم قال: "فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله"، ثم قال: "يرحم الله موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
رواه مسلم والبخاري، عن ابن مسعو، وسمَّى الواقدي، الرجل القائل: معتب بن قشير المنافق، وعند أبي الشيخ وغيره، عن جابر، أنه ﷺ جعل يقبض يوم حنين من فضة في ثوب بلال، ويفرقها، فقال له رجل: يا نبي الله, أعدل، فقال: "ويحك, من يعدل إذ أنا لم أعدل؟ قد خبت، وخسرت إن كنت لا أعدل"، فقال عمر: ألا أضرب عنقه؟، فإنه منافق, فقال: "معاذ الله أن تتحدث الناس أني أقتل أصحابي"، "لكنه ﵊ حَلُم" -بفتح فضم- صفح وستر "على القائل، وصبر" عطف جزء على كل صرح به؛ لأنه مقصودة هنا بالثناء على النبي ﷺ ، وفي الشامية الحلم حالة توقير، وثبات في الأمور، وتصبّر على الأذى، لا يستَفز صاحبه الغضب عند الأسباب المحركة له، ولا يحمله على الانتقام، وهو شعار العقلاء، "لما علم من جزيل ثواب الصابر" من إضافة الصفة للموصوف، أي: ثواب جزيل معَدٌّ للصابر، "وإن الله يأجره" بضم الجيم، وكسرها، "بغير حساب" تفسير لثواب الصابر الجزيل؛ إذ الثواب العطاء بلا حساب، "وصبره ﵊" استئناف في جواب سؤال، أكان صبره في سائر الأحوال، أم يختلف باختلافها؟، فأجاب بأنه يختلف، فصبره "على الأذى، إنما هو فيما كان في حق نفسه، وأما إذا كان لله، فإنه يمتثل فيه أمر الله" لم يقل، فإنه لا يصبر عليه، إشارة إلى أن انتهاك حرماته تارة، كانت تفعل على وجه، لا يفيد معه الشدة، وتارة بخلاف ذلك "من الشدة" بالكسر، اسم من الاشتداد، أي: يفعل ما أمر به، وإن كان فيه تشديد على مستحقه، لكن بعد المبالغة في الرفق، كما في البيضاوي، "كما قال تعالى" مثال للأمر بالشدة، لا لنفسها ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ﴾ بالسيف، "والمنافقين" باللسان والحجة، ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ بالانتهارстр. 2844
وقد وقع له ﵊ أنه غضب لأسباب مختلفة مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة ﷺ .
وقد روى الطبراني وابن حبان والحاكم والبيهقي عن زيد بن سعنة -بالمهملة والنون المفتوحتين- كما قيده به عبد الغني وذكره الداقطني, وبالمثناة التحتية، ثبت في الشفاء وصحح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذي ذكره ابن إسحاق، وهو كما قاله النووي: أجلّ أحبار اليهود الذين أسلموا -أنه قال:
لم يبق من علامات النبوة شيء إلّا وقد عرفته........
الحواشي
(١) والمقت، وفي البيضاوي واستعمل الخشونة فيما تجاهدهم، إذا بلغ الرفق مداة، أي: غايته، "وقد وقع له ﵊ أنه غضب لأسباب مختلفة، مرجعها إلى أن ذلك كان في أمر الله تعالى، وأظهر الغضب فيها؛ ليكون أوكد في الزجر، فصبره وعفوه إنما كان فيما يتعلق بنفسه الشريفة ﷺ " أتى بهذا مع أنه قدَّمه لزيادة، وعفوه؛ إذ الصبر لا يستلزم العفو "وقد روى الطبراني، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، وأبو الشيخ في كتاب الأخلاق النبوية وغيرهم، برجال ثقات، عن عبد الله بن سلام "عن زيد بن سعنة، بالمهملة" أي: السين، "والنون المفتوحتين" والعين ساكنة، كما في التبصير وغيره، وصرَّح النووي بأن، السين مفتوحة، وأن بعضهم ضمها، وهو غريب، ووقع في الشامية ضبطه، بفتح العين، "كما قيَّده به عبد الغني" الحافظ، "وذكره الدارقطني، وبالمثناة التحتية" بدل النون، "ثبت في الشفاء، وصحَّح عليه مؤلفه بخطه، وهو الذي ذكره ابن إسحاق" وحكى ابن عبد البر وغيره الوجهين، قال ابن عبد البر: والنون أكثر، واقتصر الجمهور على النون، قال الذهي: وهو أصح، "وهو كما قاله النووي أجلّ" بجيم ولام، كذا في النسخ، والذي في تهذيب النووي أحد -بحاء ودال مهملتين، "أحبار اليهود الذين أسلموا" وأكثرهم علمًا، ومالًا, أسلم وحسن إسلامه، وشهد معه ﷺ مشاهد كثيرة، وتوفي في غزوة تبوك، مقبلًا إلى المدينة. انتهى.
فكأنَّ المصنف غَيِّرَ أحدّ بأجلّ؛ لأن قوله: أكثرهم علمًا ومالًا, يفيد أنه أجلهم، ثم يرد على هذا ابن سلام؛ إذ ظاهر الأحاديث أنه أجلّ المسلمين من اليهود، إلّا أن تكون الجلالة باعتبار مجموع العلم والمال، "أنه قال: لم يبق من علامات النبوة شيء" وفي رواية عند ابن سعد: ما بقي شيء من نعت محمد في التوراة إلّا وقد عرفته" أي: شاهدته، ويروى: عرفْتُها، باعتبار أنстр. 2845
في وجه محمد حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما منه: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا. فكنت أتلطف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرًا إلى أجلٍ, فأعطيته الثمن، فلمَّا كان قبل مجيء الأجل بيومين أو ثلاثة أتيته, فأخذت بمجامع قميصه وردائه على عنقه، ونظرت إليه بوجه غليظ ثم قلت: ألا تقضيني يا محمد حقي، فوالله إنكم يا بني عبد المطلب مطل، فقال عمر: أي عدو الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع, فوالله لولا ما أحاذر فوته لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظر
الحواشي
(١) الشيء بمعنى العلامة، "في وجه محمد حين نظرت إليه إلّا اثنتين" في رواية: إلّا خصلتين، "لم أخبرهما" -بفتح الهمزة، وإسكان الخاء، وضم الباء- أي: لم أعلمهما "منه" على حقيقتهما؛ إذ علمهما لا يكون بالمشاهدة، بل بالاختيار، "يسبق حلمه جهله" مقابل الحلم من الغضب والانتقام، من آذاه، قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فالمراد أن حلمه يغلب حِدَّته، كقوله: سبقت رحمتي غبي، فليس الجهل هنا مقابل العلم، وهو عدم إدراك الشيء، أو إدراكه على خلاف ما هو عليه، كما توهَّمه من لم يعرف لغة العرب؛ حيث قال: لو كان له جهل نحو: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ الآية، وهذه إحدى الخصلتين، "و" الثانية "لا تزيده شدة الجهل"، أي: جهل غيره، أي: سفاهته "عليه" وأذيته "إلا حلمًا", فكلما زادت واشتدت، زاد حلمه ﷺ ، "فكنت أتلطف" أتخشَّع، وأترفَّق "له" توصلًا "لأن أخالطه، فأعرف حلمه وجهله، فابتعت" أي: اشتريت "منه تمرًا إلى أَجَلْ" وفي رواية أبي نعيم: وأعطاه زيد بن سعنة قبل إسلامه ثمانين مثقالًا ذهبًا، في تمر معلوم إلى أجل معلوم، "فأعطيته الثمن، فلمَّا كان قبل مجيء الأجل بيومين، أو ثلاثة" وفي رواية أبي نعيم بيوم، أو يومين، "أتيته، فأخذت بمجامع" جمع مجمع، كمقعد ومنزل، موضع الاجتماع، كما في القاموس وغيره، أي: بما اجتمع من "قميصه وردائه على عنقه، ونظرت إليه بوجه غليظ" أي: عابس مقطب، "ثم قلت: ألَا تقضيني يا محمد حقي؟ فوالله أنكم يابني عبد المطلب مطل" بضم الميم، والطاء جمع ماطل، أي: تمتنعون من أداء الحق، وتسوفون بالوعد مرة بعد أخرى، "فقال عمر" في رواية أبي نعيم: فنظر إليه عمر وعيناه تدوران في وجهه، كالفلك المستدير، فقال: "أي عدو الله أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع؟ " زاد أبو نعيم، وتفعل به ما أرى، "فوالله لولا ما أحاذر" بمعنى أحذر، أي: شيء أخاف "فوته" من بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه.
وفي رواية أبي نعيم: لولا ما أحاذر قومك لضربت بسيفي رأسك، ورسول الله ﷺ ينظرстр. 2846
إلى عمر بسكون وتؤدة وتبسم ثم قال: "أنا وهو كنا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر، أن تأمرني بحسن الأداء، وتأمره بحسن التباعة، اذهب به يا عمر فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا مكان ما رعته"، ففعل، فقلت يا عمر: كل علامات النبوة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلّا اثنتين لم أخبرهما: يسبق حلمه جهله، ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما، فأشهد أني قد رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا وبمحمد ﷺ نبيًّا.
وعن أبي هريرة قال: حدثنا رسول الله ﷺ يومًا ثم قام، فقمنا حين قام, فنظرنا إلى أعرابي قد أدركه فجذبه بردائه........................................................
الحواشي
(١) إلى عمر، بسكون" ضد الحركة، "وتؤدة" التأنِّي فتغايرا مفهومًا لا ما صدقا، "وتبسم" من مقالهما لشدة حلمه، ولعله كوشف بمراد ابن سعنة، وأن عمر لو كشف له لم يصعب عليه ذلك، "ثم قال: "أنا وهو" أي: صاحب الحق "كنا أحوج إلى غير هذا" الذي قلته "منك يا عمر", وأبدل منه قوله: "أن تأمرني بحسن الأداء" أي: وفاء ما علي، "وتأمره بحسن التباعة" -بالكسر- المطالبة بالحق، وفي الشفاء تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي، ثم قال: لقد بقي من أجله ثلاث أهـ.
فتكرَّم ﷺ فعجَّلها قبل الأجل وزيادة، فقال: "اذهب به يا عمر، فاقضه حقه وزده عشرين صاعًا مكان ما رعته؟ " فزعته، وما مصدريته، أي: في مقابلة روعك له، "ففعل" ذلك عمر، قال زيد: "فقلت يا عمر، كل علامات النبوة، قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حين نظرت إليه إلا اثنتين لم أخبرهما" أي: لم أعلمهما، "يسبق حلمه" ثباته، وصفحه وصبره "جهله" حدته، فلا ينتقم، "ولا تزيده شدة الجهل عليه إلا حلمًا، فقد اختبرتهما" أي: صاحبهما؛ إذ الاختبار الامتحان، وهو لم يختبر الخصلتين، والمذكور بخط الشامي خبرتهما، بلا ألف، أي: علمتهما منه بما رأيت من فعله ﷺ , "فاشهد" يا عمر "أني، قد رضيت بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد ﷺ نبيًّا".
وفي رواية: وما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلّا أني كنت رأيت صفاته التي في التوراة كلها، إلا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم، فوجدته على ما وصف في التوراة، وإني أشهدك أنَّ هذا التمر، وشطر مالي في فقراء المسلمين، وأسلم أهل بيته كلهم، إلّا شيخًا غلبت عليه الشقوة، "وعن أبي هريرة قال: حدثنا رسول الله ﷺ يومًا، ثم قام، فقمنا حين قام، فنظرنا إلى أعرابي" لم يسم، "قد أدركه، فجذبه" وفي رواية، فجبذه، وهما لغتان صحيحتان "بردائه"стр. 2847
فحمر رقبته، وكان رداء خشنًا، فالتفتّ إليه, فقال له الأعرابي: احملني على بعيري هذين، فإنك لا تحملني من مالك ولا مال أبيك، فقال له ﷺ : "لا، وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني"، كل ذلك يقول له الأعرابي: والله لا أقيدها، فذكر الحديث، قال: ثم دعا رجلًا فقال له: احمل له على بعيريه هذين, على بعير تمرًا وعلى الآخر شعيرًا. رواه أبو داود.
ورواه البخاري من حديث أنس بلفظ: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد
الحواشي
(١) زاد في رواية: جبذة شديدة، "فحمَّر رقبته" براء بعد الميم، من التحمير، وفي نسخ فحمّ, بلا راء، أي: أثر فيها أثرًا غير لونها، كتأثير الحمى، وهو بالبناء للفاعل والمفعول، كما يفيده القاموس؛ وهذا إن ثبت رواية بلا راء، وإلّا فالذي في خط الشامي بالراء، "وكان رداءً خشنًا" بيان لسبب تحميره لرقبته، "فالتفت" ﷺ "إليه" إلى الأعرابي، "فقال له الأعرابي: احملني" نسب الجمل إليه تنزيلًا لحمل ما يصل إليه، منزلة حمله لعود نفعه إليه، "على بعيري هذين" أي: حمّلهما إليّ طعامًا, زاد في رواية البيهقي: من مال الله الذي عندك، "فإنك لا تحملني من مالك، ولا من مال أبيك، فقال له ﷺ : "لا" أحملك من مالي، ولا مال أبي، وفي رواية البيهقي، فسكت، ثم قال: "المال مال الله، وأنا عبده"، أي: أتصرف فيه بإذنه، وأعطي من يأمرني بإعطائه، فردَّ عليه بألطف رد، "وأستغفر الله، لا وأستغفر الله، لا وأستغفر الله" ثلاث مرات، "لا أحملك حتى تقيدني من جبذتك التي جبذتني" أي: تمكنني من القود من نفسك، فأفعل معك مثل ما فعلت معي من جذب ردائي، أطلق القود، وهو القصاص مجازًا، على مطلق المجازاة، أي: حتى تجازي على ترك أدبك، أو تعزر بما يليق بك، وفي رواية البيهقي: ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي، فعبَّر بإعرابي إشارة إلى عذره، لما فيه من غلظ الأعراب وجفائهم، "كل ذلك يقول له الأعرابي: والله، لا أقيدها، فذكر الحديث" وهو قال: لم قال، لأنك لا تكافئ بالسيئة السيئة، فضحك النبي ﷺ أي: سرورًا بما رآه من حسن ظنه به، وأنه لم يفعل ذلك، تنقيصًا له، وتطمينًا لقلبه، إذا بدأ المسرة بمقالته، وهذا يقتضي أنه كان مسلمًا، غير أنه فيه جفاء البادية، "قال: ثم دعا رجلا" هو عمر، كما في رواية، "فقال له: "احمل له على بعيريه هذين، على بعير تمرًا، وعلى الآخر شعيرًا"، "رواه أبو داود" في سننه، "ورواه البخاري" في الخمس، واللباس، والأدب، ومسلم، كلاهما "من حديث أنس" بن مالك "بلفظ: كنت أمشي مع النبي ﷺ وعليه برد" -بضم الموحدة، وسكون الراء- نوع من الثياب، وفيстр. 2848
نجراني غليظ الحاشية, فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتقه وقد أثرت فيه حاشية البرد من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد, مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك ثم أمر له بعطاء.
وفي هذا بيان حلمه ﵊, وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألفه على الإسلام.
وعن عائشة وقد سُئِلَت عن خلقه ﷺ : لم يكن النبي ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا..............................................................
الحواشي
(١) رواية مسلم، عليه رداء "نجراني" بنون مفتوحة، فجيم ساكنة، فراء مفتوحة، فألف، فنون، نسبة إلى بلدة بين الحجاز واليمن، وهي إليه أقرب، فلذا يقال: بلدة باليمن "غليظ الحاشية" أي: الجانب، فأدركه أعرابي" قال الحافظ: لم أقف على تسميته، "فجبذ" بتقديم الباء على الذال المعجمة "بردائه".
قال الزركشي: صوابه ببرده لقوله أولًا: عليه برد، وهو لا يسمَّى رداء، وردَّه الدماميني بأنه لا مانع أنه ارتدى بالبرد، فأطلق عليه رداء بهذا الاعتبار، وفي رواية مسلم رداءه، "جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة" جانب "عاتقه" ما بين العنق والكتف، أو موضع الرداء من المنكب، "وقد أثرت فيه حاشية البرد، من شدة جبذته" وفي رواية مسلم، وانشق البرد، وذهبت حاشيته في عنقه، "ثم قال: يا محمد" قبل تحريم ندائه باسمه، أو لقرب عهد الأعرابي بالإسلام، فلم يتفقَّه في الدين، وفي طبعه الغلظة والجفاء، وإلا فطلبه العطاء من مال الله، يدل على أنه مسلم "مر لي", ولمسلم: أعطني "من مال الله، الذي عندك، فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء" هو تحميل بعيريه، كما في حديث أبي هريرة الذي قبله، "وفي هذا بيان حلمه ﵊، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء" بالمد خلاف البر، "من يريد تألفه على الإسلام" وسياق الحديث كما قيل يقتضي أنه من المسلمين المؤلفة قلوبهم.
"وعن عائشة، وقد سئلت عن خلقه ﷺ " قالت: "لم يكن النبي ﷺ فاحشًا" إذا فحش في أقواله وأفعاله وصفاته، "ولا متفحشًا" متكلف الفحش في ذلك، أي: لم يقم به فحش طبعًا، ولا تكلفًا فهمًا, غير أن من هذه الجهة، إذا الصفة القائمة بالموصوف طبعًا غير القائمة به تطبعًا، ولذا سلّط النفي على كل منهما، فهو من بديع الكلام، وإن صدق أن كل متفحش فاحش، فلا يرد أن نفي الأعمّ يستلزم نفي الأخص، وأسقط من الرواية، ولا سخَّابًا في الأسواق، رويстр. 2849
ولا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح. رواه الترمذي، أي: لم يكن الفحش له خلقًا ولا مكتسبًا.
وفي البخاري من حديث ابن عمرو: لم يكن ﷺ فاحشًا ولا متفحشًا، وفي رواية له من حديث أنس بن مالك قال: لم يكن النبي ﷺ سبَّابًا ولا فاحشًا ولا لعّانًا.
الحواشي
(١) بسين مهملة، أي: مرتفع الصوت، وروي -بصاد- وهو الضجر واضطراب الصوت للخصام، وإذا لم يكن في الأسواق كذلك, فغيرها أَوْلى، ثم لا يرد أن سخابًا، للتكثير، وهو للمبالغة، فلا يلزم منه نفي أصل الفعل، لأن هذا من المفهوم، ولا يكفي هنا لوروده في سياق المدح، ولا يكفي فيه مثل ذلك، "ولا يجزي" بزنة يرمي "بالسيئة" السيئة؛ لأن خلقه القرآن، وفيه جزاء سيئة سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح فأجره على الله، "ولكن" استدراك على ما قد يتوهَّم أن ترك الجزاء عجز، فصرَّحت بأنه مع القدرة، فقالت: "يعفو" عن الجاني، فلا يذكر له شيئًا من جنايته، "ويصفح" يظهر له أنه لم يطَّلع عليها، أو يعفو باطنًا، ويصفح يعرض ظاهرًا، وذلك منه طبقًا وامتثالًا لقوله تعالى ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] الآية.
"رواه الترمذي" في جامعه وشمائله برجال ثقات، "أي: لم يكن الفحش له خلقًا" طبعًا, تفسير لقولها: فاحشًا، "ولا مكتسبًا" بيان لقولها متفحشًا، "وفي البخاري" في الصفة النبوية؛ والأدب، ومسلم في الأدب، ومسلم في الفضائل، والترمذي في البر، "من حديث ابن عمرو" -بفتح العين- ابن العاص.
وفي رواية مسلم عن مسروق: دخلنا على عبد الله بن عمرو، حين قدم مع معاوية الكوفة، فكر رسول الله ﷺ فقال: "لم يكن النبي ﷺ فاحشًا، ولا متفحشًا" فتوارد عبد الله مع عائشة على نفي الصفتين، دليل ظاهر على أن ذلك جبلته مع الأهل والأجانب؛ وبقية حديث عبد الله، وكان يقول: "إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا"، لفظ البخاري، ولفظ مسلم، قال مسلم، قال: وقال رسول الله ﷺ : "إن من خياركم أحسنكم أخلاقًا"، "وفي رواية له" للبخاري أيضًا في الأدب، "من حديث أنس بن مالك، قال: لم يكن النبي ﷺ سبابًا" بشد الموحَّدة، "ولا فاحشًا" رواية أبي ذر، ورواه غيره فحاشًا بالتثقيل، "ولا لعّانًا" بشد العين.
قال الكرماني: يحتمل تعلق السب بالنسب، كالقذف والفحش، بالحسب واللعن بالآخرة؛ لأنها البعد عن رحمة الله، ثم إن المراد نفي الثلاثة من أصلها؛ لأن فعالًا قد لا يراد به التكثير، بل أصل الفعل، أو المراد لم يكن بذي سب، ولا فحش، ولا لعن، ويؤيده رواية فاحشًا، فهوстр. 2850
والفحش: كل ما خرج من مقداره حتى يستقبح، ويدخل في القول والفعل والصفة، لكن استعماله في القول أكثر. والمتفحّش -بالتشديد: الذي يتعمَّد ذلك ويكثر منه ويتكلفه.
وعن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ ، فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة، فلمَّا جلس تطلق النبي ﷺ في وجهه وانبسط إليه، فلمَّا انطلق الرجل قالت له عائشة:
الحواشي
(١) كقول امرئ القيس:
وليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبال
فلا يرد أن المصطفى ليس فيه قليل ولا كثير مما ذكر, وبقية الحديث في البخاري، كان يقول: لأجدنا عند المعتبة ماله تربت جبينه -فتح الميم، وسكون المهملة، وفتح الفوقية، وكسرها، فموحدة- مصدر عتب، وهو خطاب الإدلال، ومذاكرة الموجدة، وتربت جبينه: كلمة جرت على لسان العرب، لا يريدون حقيقتها، أو دعاء له بالطاعة، أي: يصلي، فيتترب جبينه، أو عليه بأن تسقط رأسه على الأرض من جهة جبينه، "والفحش كل ما خرج عن مقداره حتى يستقبح، ويدخل فيه القول" وهو الزيادة على الحد في الكلام السيء، "والفعل والصفة" كذلك, "لكن استعماله في القول أكثر، والمتفحش -بالتشديد: الذي يتعمَّد ذلك، ويكثر منه، ويتكلفه"، فالمراد قريبًا: لم يكن الفحش خلقًا له، ولا مكتسبًا.
"وعن عائشة ﵂ أن رجلًا استأذن على النبي ﷺ " زاد في رواية: وأنا عنده، "فلما رآه" علمه بأن أخبر أنه فلان، أو بصر به، أي: فأذن له، فلمَّا رآه حين فتح الباب، "قال": بئس أخو العشيرة" أي: الواحد منها، يقال: هو أخو تميم، أي: واحد منهم، "وبئس ابن العشيرة" بمعنى ما قبله جاء به زيادة في ذمّه, هكذا رواه البخاري، بالواو، وكذا مسلم، لكنه عبَّر بالقوم، فقال: أخو القوم, وبئس ابن القوم، قال الحافظ: وهي بالمعنى، ورواه الترمذي، والبخاري في موضع آخر: بئس ابن العشيرة، أو أخو العشيرة بالشكّ، "فلمَّا جلس تطلَّق" -بفوقية، فطاء مهملة، فلا ثقيلة، فقاف مفتوحات- قال في الفتح: أي: أبدى له طلاقة وجهه، وفي رواية: بشَّ "النبي ﷺ في وجهه، وانبسط إليه" أظهر البشر والسرور بحضوره، وهذه صفة تقوم بالذات، لا دلالة لها لغة على أنه خاطبه، لكن في رواية للبخاري في محل ثان: فلما دخل أَلَانَ له الكلام، وفي رواية الترمذي، ثم أذن له، فأَلَانَ له القول، فهو قد فعل معه الأمرين، وهما عرفًا متلازمان.
"فلما انطلق الرجل، قالت له عائشة" مستفهمة، وفيه التفات، وفي رواية الترمذي،стр. 2851
يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له: كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه. فقال ﷺ : "يا عائشة، متى عهدتيني فحاشًا، إن شرَّ الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره" رواه البخاري.
قال ابن بطال: هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق المطاع. ..............
الحواشي
(١) والبخاري أيضًا، فلما خرج، قلت: "يا رسول الله، حين رأيت الرجل قلت له" أي: لأجله، وفي شأنه لا أنه خاطبه لفساد المعنى "كذا وكذا ثم تطلقت" سهلت، وانبسطت "في وجهه" يقال: وجه طلق وطليق، أي: مسترسل منبسط غير عبوس، فقوله: "وانبسطت إليه" عطف تفسير، أو معناه: ملت إليه، فهل تاب وصلح حاله بين ما قلت، وبين حضوره عندك، أو لمخالفتك بين الغيبة والحضور؟ حكمة، فهو استفهام، أو تعجب من عدم التسوية، لتقف على الحكمة، "فقال ﷺ : "يا عائشة متى عهدتيني؟ " كذا في النسخ بزيادة الياء للإشباع، فإن التاء فاعل، والياء الأخيرة مفعول، فزيادة الياء بين التاء والنون، لا معنى لها سوى الإشباع، والذي في البخاري عهدتني -بفوقية مكسورة، فنون، وكذا نقله عنه في جامع الأصول وغيره، فلعل زيادتها من النسَّاخ؛ إذ لم ينبه المصنف في شرحه، مع استيعابه لجميع الروايات التي روى البخاري بها غالبًا على أنه روي بثبوت الياء، وكذا الكرماني، والحافظ، وغيرهم "فحاشًا" بالتشديد، أي: ذا فحش, وما ربك بظلام، كما سبق.
الكشميهني فاحشًا، "إن شر الناس" استئنافًا، كالتعليل لترك مواجهته، بما ذكر في غيبته، وبيان لوجه الحكمة التي سألتها عائشة، قال العلائي وغيره: ويحتمل أنه علل به مداراته لعموم الناس، وهذا وغيره؛ وأنه ليس فحاشًا، بل شأنه إكرام وإحسان العشرة، وتحمُّل الأذى لما يترتب على ذلك من جموم الفوائد، وعموم العوائد، ثم المعنى على من، ففي رواية الترمذي: "إن من شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة، من تركه الناس اتِّقاء شره" أي: قبيح كلامه، وفي رواية للبخاري وغيره "اتقاء فحشه"، أي لأجل اتقاء قبيح قوله وفعله، أو لأجل اتقاء مجاوزته الحد الشرعي، قولًا، أو فعلًا" "رواه البخاري" ومسلم، وأبو داود، ثلاثتهم في الأدب، والترمذي في البر، في جامعه وفي شمائله، "قال ابن بطال، هذا الرجل هو عيينة بن حصن" بكسر، فسكون، "ابن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق" فاسد العقل، "المطاع" لأنه كان يتبعه من قومه عشرة آلاف قناة، لا يسألونه أين يريد؟ ومن حمقه أن دخل على النبي ﷺ وعائشة عنده قبل نزول الحجاب، فقال: من هذه؟ قال: "عائشة"، قال: ألا أنزل لك عن أم البنين؟ فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟ , فقال ﷺ : هذا الأحمق المطاع، يعني في قومه،стр. 2852
وكذا فسره به القاضي عياض والقرطبي والنووي.
وأخرج عبد الغني من طريق أبي عامر الخزاعي، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع النبي ﷺ صوته قال: "بئس أخو العشيرة". الحديث.
والمراد بالعشيرة: الجماعة أو القبيلة، وإنما تطلق ﷺ في وجهه تألفًا ليسلم قومه، لأنه كان رئيسهم.
الحواشي
(١) رواه سعيد بن منصور.
وروى الحارث ابن أبي أسامة هذا الحديث مرسلًا، وفيه: "أنه منافق أداريه نفاقه، وأخشى أن يفسد على غيره"، "وكذا فسَّره به القاضي عياض والقرطبي، والنووي" جازمين بذلك؛ ونقله ابن التين عن الداودي، لكن احتمالًا جزمًا، وأخرجه عبد الغني بن سعيد في المبهمات، عن مالك بلاغًا، وابن بشكوال من طريق الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير؛ أن عيينة استأذن، فذكره مرسلًا، "وأخرج عبد الغني بن سعيد "من طريق أبي عامر الخزاعي" كذا في النسخ، وصوابه الخزاز. قال في التقريب: صالح بن رستم المزني، مولاهم أبو عامر الخزاز، بمعجمات البصري، صدوق، كثير الخطأ، مات سنة اثنتين وخمسين ومائة، "عن عائشة، قالت: جاء مخرمة بن نوفل" القرشي، الزهري، صحابي شهير من مسلمة الفتح، وكان له سن عالية، وعلم بالنسب، فكان يؤخذ عنه، وعلم بأنصاب الحرم، فبعثه عمر فيمن بعثه لتحديدها، ومات سنة أربع، أو خمس وخمسين، عن مائة وخمس عشرة سنة، "يستأذن، فلما سمع النبي (ص) صوته، قال: "بئس أخو العشيرة" الحديث" السابق.
قال الحافظ: فيحمل على التعدد، وقد حكى المنذري القولين، فقال: هو عيينة، وقيل مخرمة، وهو الراجح انتهى.
وتُعقِّب بأن حديث تسميته عيينة صحيح، وإن كان مرسلًا، وخبر تسميته مخرمة، فيه أبو يزيد المدني، وفيه كلام، وأبو عامر صالح بن رستم؛ ضعَّفه ابن معين، وأبو حاتم، ولذا قال الخطيب، وعياض وغيرهما: الصحيح أنه عيينة، قالوا: ويبعد أن يقول ﷺ في حق مخرمة ما قال؛ لأنه كان من خيار الصحابة، "والمراد العشيرة: الجماعة" من الناس، لا واحد لها من لفظها، كما في المصباح، "أو القبيلة" قاله عياض، وقال غيره: العشيرة؛ الأدنى إلى الرجل من أهله، وهم ولد أبيه وجده، انتهى.
لإطلاق العشيرة لغة على القبيلة، وعلى بني الأب الأقربين، كما في القاموس، فلها ثلاث إطلاقات، "وإنما تطلّق ﷺ في وجهه، تألفًا ليسلم قومه؛ لأنه كان رئيسهم" فهو أصل فيстр. 2853
وقد جمع هذا الحديث كما قاله الخطابي علمًا وأدبًا، وليس قوله ﵊ في أمته بالأمور التي يسمهم بها ويضيفها إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه ﷺ أن يبيِّن ذلك ويفصح به، وأن يعرِّف الناس أمرهم, فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة, ولكنَّه لما جبل عليه من الكرم, وأعطيه من حسن الخلق, أظهر له البشاشة ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله, وفي مدارته ليسلموا من شره وغائلته.
الحواشي
(١) طلب المداراة، إذا ترتَّب عليها جلب نفع، أو دفع ضرر، وإلّا ذمَّت، فما كل جانٍ يعزر، ولا كل ذنب يغفر، قال:
ووضع الندى في موضع السيف في العدا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى
"وقد جمع هذا الحديث، كما قاله الخطابي علمًا" ومنه الإخبار بأن من ترك لاتقاء شره من شر الناس، ولذا أخذ منه؛ أن ملازمة الشخص الشر والفحش، حتى يخشاه الناس لشره من الكبائر، "وأدبًا" وهو عدم المواجهة بالذم، وإن كان حقًّا، والداراة وغير ذلك، "وليس قوله ﵊ في أمته بالأمور التي يسمهم" بفتح، فكشَّر، أي: يصفهم "بها" سماه وسما، وهو العلامة، باعتبار أنه يصير كالعلامة التي تميزهم عن غيرهم، "ويضيفها" ينسبها "إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك" غيبة "من بعضهم في بعض، بل الواجب عليه ﷺ أن يبيِّن ذلك، ويفصح به، وأن يعرف الناس أمرهم، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة", وليس ذا خاصًّا به، بل ذلك على أمته أيضًا؛ إذ هو إحدى المسائل المذكورة في قوله:
تظلم واستغث واستفت حذر ... وعرف بدعة فسق المجاهر
"ولكنه، لما جبل عليه من الكرم، وأعطيه من حسن الخلق، أظهر له البشاشة، ولم يجبهه بالمكروه، لتقتدي به أمته في اتقاء شر من هذا سبيله" وذلك عذر مسقط للوجوب عن الأمة لا عنه ﷺ ، فلا يسقط وجوب أمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر، خشية العاقبة لقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ [المائدة: ٦٧] الآية، فلعلَّ حكمة تركه هنا ما علمه أنَّ طلاقة الوجه مع هذا ونحوه سبب لإيمانه وإيمان قومه، فترك التشديد عليهم إنما هو للمصلحة العامة التي اقتضت ذلك؛ "وفي مداراته ليسلموا من شره وعائلته" عطف مرادف، فالغائلة لغةً الشر، واعترض بأن ظاهر كلامه أن هذا من الخصائص، وليس كذلك، بل كل من اطّلع من حال شخص على شيء، وخشي أن غيره يغتر؛ بجميل ظاهره، فيقع في محذورٍ ما، فعليه أن يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدًا نصيحته، وإنما الذي يمكن أن يختص به النبي ﷺ ، أن يكشف لهстр. 2854
وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلن بالفسق أو الفحش ونحو ذلك, مع جواز مداراتهم اتقاءً لشرهم ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله.
ثم قال تبعًا للقاضي حسين: والفرق بين المداراة والمداهنة، أنَّ المداراة بدل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين أو هما معًا, وهي مباحة وربما استحسنت، والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا، والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته والرفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإن قوله فيه حق، وفعله معه حسن عشرة، فيزول مع هذا التقرير الإشكال ولله الحمد.
الحواشي
(١) عن حال من يغتر بشخص من غير أن يطَّلع المغتر على حاله، فيذم الشخص بحضرته ليجتنبه المغتر، ليكون نصيحة بخلاف غيره ﷺ ، فإن جواز ذمه للشخص يتوقف على تحقق الأمر بالقول أو الفعل ممن يريد نصحه.
"وقال القرطبي: فيه جواز غيبة المعلق بالفسق، أو الفحش، ونحو ذلك" من الجور في الحكم والدعاء إلى البدعة، "مع جواز مداراتهم اتقاءً لشرهم، ما لم يؤد ذلك إلى المداهنة في دين الله", وهي معاشرة المعلن بالفسق، وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه باللسان، ولا بالقلب، "ثم قال" القرطبي: "تبعًا للقاضي حسين، والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا، أو الدين، أو هما معا" ومن البذل لين الكلام، وترك الإغلاظ في القول، والرفق بالجاهل في التعليم، والفاسق في النهي عن فعله، وترك الإغلاظ عليه؛ حيث لم يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف حتى يرتدع عما هو مرتكبه، "وهي مباحة، وربما استحسنت" فكانت مستحبة، أو واجبة للديلمي في الفردوس، عن عائشة مرفوعًا: "إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض"، ولابن عدي، والطبراني، عن جابر رفعه: "مداراة الناس صدقة"، وفي حديث أبي هريرة: "رأس العقل بعد الإيمان بالله؛ مداراة الناس، أخرجه البيهقي، بسند ضعيف، وعزاه في فتح الباري للبزار وتعقبه السخاوي؛ بأن لفظ البزار التودد إلى الناس.
"والمداهنة بذل الدين لصلاح الدنيا؛ والنبي ﷺ إنما بذل له من دنياه حسن عشرته، والرفق في مكالمته", وليس ذلك من بذل الدين في شيء، "ومع ذلك، فلم يمدحه بقولٍ, فلم يناقض قوله فعله؛ فإن قوله فيه" بئس ابن العشيرة، "حق وفعله معه حسن، عشرة فيزول مع هذا التقرير الإشكال" الذي هو أن النصيحة فرض، وطلاقه الوجه، والأنة القول يستلزمان الترك، وحاصل جوابه أن الفرض سقط لعارض، "ولله الحمد" على فهم ما ظاهره يشكل علينا، ففهمهстр. 2855
وقال القاضي عياض: لم يكن عيينة -والله أعلم- حينئذ أسلم، فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم ولم يكن إسلامه ناصحًا، فأراد النبي ﷺ أن يبين ذلك لئلَّا يغترَّ به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي ﷺ وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النبوة، وأما الأنة القول بعد أن دخل, فعلى سبيل الاستئلاف, وفي فتح الباري: إن عيينة ارتدَّ في زمن الصديق وحارب, ثم رجع وأسلم وحضر بعض الفتوح في عهد عمر. انتهى.
الحواشي
(١) من النعم، "وقال القاضي عياض: لم يكن عيينة والله أعلم حينئذ أسلم"؛ لأنه أسلم قبل فتح مكة، وشهدها وحنينًا والطائف، وكان من المؤلَّفة، ولم يصح له رواية، قال ابن السكن: وأخرج في ترجمته هو وقاسم بن ثابت في الدلائل، عن عيينة بن حصن، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى أجَّر نفسه بعفة فرجه وشبع بطنه" الحديث.
"فلم يكن القول فيه غيبة، أو كان أسلم، ولم يكن إسلامه ناصحًا" بل كان من المؤلَّفة الذين أعطوا من غنائم حنين، "فأراد النبي ﷺ أن يبيِّنَ ذلك؛ لئلَّا يغترَّ به من لم يعرف باطنه، وقد كانت منه في حياة النبي ﷺ وبعده أمور تدل على ضعف إيمانه" كدخوله على المصطفى بلا إذن، فقال له: "اخرج فاستأذن"، فقال: إنها يمين عليَّ أن لا أستأذن على مضري، وقوله: لعمر في خلافته ما تعطي الجزل، ولا تقسم بالعدل، فغضب، فقال له الجد بن قيس: إن الله يقول: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية، فتركه، ودخل على عثمان، فأغلظ له، فقال عثمان: لو كان عمر ما قدمت عليه، "فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النبوة، وأمَّا الأنة، القول بعد أن دخل" على المصطفى، في المحل الذي كان فيه؛ "فعلى سبيل الاستئلاف، وفي فتح الباري أن عيينة ارتدَّ في زمن الصديق، وحارب" وبايع طلحة، قال بعضهم: فجيء به إلى الصديق أسيرًا، فكان الصبيان يصيحون به في أزقَّة المدينة، هذ الذي خرج من الدين، فيقول: عمكم لم يدخل حتى خرج، "ثم رجع، وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر أ. هـ".
وفي الإصابة: قرأت في كتاب الأم للشافعي، في كتاب الزكاة، أنَّ عمر قتل عيينة على الردة، ولم أر من ذكر ذلك غيره، فإن كان محفوظًا، فلا يذكر عيينة في الصحابة؛ لكن يحتمل أن يكون أمر بقتله، فبادر إلى الإسلام، فعاش إلى خلافة عثمان، وفيها أيضًا ترجمة طليحة نقلًا عن الأم، أنَّ عمر قتلهما على الردة، فراجعت في ذلك جلال الدين البلقيني، فاستغربه،стр. 2856
وما انتقم ﷺ لنفسه. رواه البخاري.
فإن قلت: قد صح أنه ﷺ أمر بقتل عقبة بن أبي معيط وعبد الله بن خطل وغيرهما ممن كان يؤذيه ﷺ , وهذا ينافي قوله: وما انتقم لنفسه.
فالجواب: إنهم كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله.
وقيل: أراد أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه، وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه.
وحمل الداودي عدم الانتقام على ما يخص بالمال، وأما العرض فقد اقتص ممن نال منه.
وقد أخرج الحاكم هذا الحديث من طريق معمر عن..................................
الحواشي
(١) وقال: لعله قبلهما، بالباء الموحدة.
وقال القرطبي: في هذا الحديث إشارة، إلى أن عيينة خُتِمَ له بسوء؛ لأنه ﷺ ذمَّه، وأخبر بأنَّ من كان كذلك كان شر الناس، وردَّه الحافظ بأن الحديث ورد بلفظ العموم، وشرط من اتصف بالصفة المذكورة أن يموت على ذلك، وقد ارتدَّ عيينة، ثم أسلم كما مرَّ. انتهى.
"وما انتقم ﷺ لنفسه" خاصة، "رواه البخاري" ومسلم، وأبو داود في حديث عن عائشة، قالت: ما خُيِّرَ رسول الله ﷺ بين أمرين إلّا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه، وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه إلّا أن تنتهك حرمة الله فينقتم لله، "فإن قلت: قد صح أنه ﷺ أمر بقتل عقبة" بالقاف، "ابن أبي معيط" بعد أسره يوم بدر، "وعبد الله بن خطل" بمعجمه، فمهملة مفتوحتين، يوم فتح مكة "وغيرهما، ممن كان يؤذيه ﷺ , وهذا ينافي قوله" أي: الراوي، وهو عائشة، "وما انتقم لنفسه، فالجواب أنهم، كانوا مع ذلك ينتهكون حرمات الله" فقتلهم لذلك لا لنفسه، "وقيل: أراد" الشخص الراوي عائشة، "أنه لا ينتقم إذا أوذي في غير السبب الذي يخرج إلى الكفر، كما عفا عن الأعرابي الذي جفا في رفع صوته عليه؛ وعن الآخر الذي جبذ بردائه حتى أثر في كتفه" ومرَّ حديثه قريبًا، "وحمل الداودي" أحمد بن نصر، شارح البخاري، "عدم الانتقام على ما يختص بالمال، قال: وأما العرض، فقد اقتص ممن نال منه" قال: واقتص ممن لده في مرضه بعد نهيه عن ذلك، بأن أمر بلدهم، مع أنهم كانوا في ذلك، تأولوا أنه إنما نهاهم على عادة البشرية من كراهة النفس للدواء.
قال في الفتح: كذا قال: "وقد أخرج الحاكم هذا الحديث، من طريق معمر عنстр. 2857
الزهري مطولًا، وأوَّله: ما لعن رسول الله ﷺ مسلمًا بذكر -أي: بصريح اسمه- وما ضرب بيده شيئًا قط إلّا أن يضرب في سبيل الله، ولا سُئِلَ شيئًا قط فمنعه إلّا أن يسئل مأثمًا، ولا انتقم لنفسه من شيء إلا أن تُنْتَهَكَ حرمات الله فيكون لله ينتقم. الحديث.
ومما روي من اتساع خلقه وحلمه ﷺ ، اتساع خلقه للطائفة المنافقين الذين كانوا يؤذونه إذا غاب ويتملَّقون له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية حتى تؤيدها العناية الربانية.
وكان ﷺ كُلَّمَا أذن له في التشديد عليهم فتح لهم بابًا من الرحمة، فكان يستغفر لهم ويدعو لهم، حتى أنزل الله عليه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﵊: "خيَّرَنِي ربي فاخترت أن أستغفر لهم"،..............................
الحواشي
(١) الزهري" بهذا الإسناد، كما في الفتح، أي: بإسناد الزهري، وهو عروة عن عائشة مرسل، كما يوهمه تصرف المصنف، "مطولًا، وأوَّله ما لعن رسول الله ﷺ مسلمًا يذكر، أي: بصريح تفسير لذكر "اسمه، وما ضرب بيده شيئًا قط" آدميًّا، ولا غيره، كما يأتي "إلّا أن يضرب في سبيل الله" فيضرب أن احتاج، "ولا سُئِلَ شيئًا قط فمنعه" بل يعطيه إن كان عنده وإلّا وعد، "إلّا أن يسأل مأثمًا" مصدر ميمي، بمعنى إثما، أي: ما فيه إثم من قول، أو فعل، "ولا انتقم لنفسه من شيء إلَّا أن تنتهك" -بضم الفوقية، وسكون النون، وفتح الفوقية- والهاء، أي: لكن إذا انتهكت "حرمات الله، فيكون لله ينتقم" لا لنفسه، ممن ارتكب تلك الحرمة، "الحديث" زاد في الفتح، وهذا السياق.
سوى صدر الحديث عند مسلم، من طريق هشام، عن أبيه، عن عائشة، وأخرجه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، وفيه: "ما انتقم لنفسه إلّا أن تنتهك حرمة الله، فإن انتهكت حرمة الله كان أشد الناس غضبًا لله، "ومما روي من اتساع خلقه وحلمه ﷺ ، اتساع خلقه لطائفة المنافقين" قال ابن عباس: كان المنافقون من الرجال ثلاثمائة، ومن النساء مائة وسبعين، "الذين كانوا يؤذونه، إذا غاب يتملقون" ويتوددون "له إذا حضر، وذلك مما تنفر منه النفوس البشرية، حتى تؤيدها العناية الربانية؛ وكان ﷺ كلما أذن له في التشديد عليهم، فتح لهم بابًا من الرحمة" لأنه رحمة، "فكان يستغفر لهم، ويدعو لهم، حتى أنزل الله عليه: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، فقال ﵊: "خَيَّرَني ربي" بين الاستغفار وتركه، "فاخترت أن أستغفر لهم" واستشكل فهم التخيير في الآية؛ لأن المراد بهذا العدد، أنстр. 2858
ولما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] فقال ﷺ : "لأزيدنَّ على السبعين".
وأمر ولد الذي تولى كبر النفاق والأذى منهم ببر أبيه، ولما مات كفَّنه في ثوب خلعه عن بدنه وصلّى عليه،..........
الحواشي
(١) الاستغفار ولو كثر لا يفيد حتى أقدم جماعة؛ كالغزالي، وإمام الحرمين، والباقلاني، والداودي، فطعنوا في صحته؛ مع كثرة طرقه، واتفاق الشيخين، وسائر الذين خرَّجوا الصحيح على صحته، وذلك ينادي على الجماعة بعدم معرفة الحديث، وقلة الاطلاع على طرقه، وأجيب بأجوبة، أجودها: إن النهي عن الاستغفار لمن مات مشركًا، لا يستلزم النهي عنه لمن مات مظهرًا للإسلام، لاحتمال كونه صحيحًا، ولا ينافيه بقية الآية؛ لجواز أن الذي نزل أولًا إلى قوله: ﴿فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية، بدليل تمسكه ﷺ به, وقوله: "إنما خَيَّرَنِي الله" تمسكًا بالظاهر على ما هو المشروع في الأحكام، حتى يقوم الدليل الصارف عن ذلك، فكشف الله الغطاء بعد ذلك، وقال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ الآية، وبهذا يرتفع الإشكال، وتقدم بسط هذا في المقصد الأول.
"ولما قال تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية. فقال" جواب، لما دخلت عليه الفاء على قوله ﷺ : "لأزيدنَّ على السبعين" وفي رواية: "فوالله لأزيدنَّ"، وأخرى "فأنا أستغفر سبعين سبعين"، وهي وإن كانت مراسيل يقوي بعضها بعضًا، ووعده صدق، لا سيما، وقد حلف، وأتى بصيغة المبالغة في التأكيد؛ وفي رواية عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، لما نزلت: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] الآية. قال ﷺ : "لأزيدنَّ على السبعين"، فأنزل الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [المنافقون] الآية. ورجاله ثقات، أي: فترك الاستغفار بعد نزول آية سورة المنافقين؛ إذ لا يتأتَّى فيها تخيير؛ إذ المعنى استغفارك وعدمه سواء، "وأمر ولد" وهو عبد الله الصحابيّ الصالح؛ "الذي تولَّى كبر النفاق" تحمل معظمه، وهو عبد الله بن أُبَيّ بن سلول، "والأذى منهم" أي: المنافقين "ببر أبيه" حين جاءه يستأذنه في قتله، لما بلغه بعض مقالاته في النبي ﷺ ، فقال: "بل أحسن صحبته".
رواه ابن مندة بإسناد حسن، "ولما مات كفَّنه في ثوب خلعه عن بدنه" بطلب منه، لذلك روى الطبراني عن ابن عباس: لما مرض ابن أُبَيّ جاءه ﷺ فكلمه، فقال: قد فهمت ما تقول، فأمنَنَّ علي، وكفِّني في قميصك, وصلّ عليّ، ففعل "وصلى عليه" بطلبه وطلب ابنه، لذلك، ففي الصحيحين عن ابن عمر، لما مات ابن أُبَيّ، جاء ابنه عبد الله إلى النبي ﷺ فسألهстр. 2859
هذا وعمر بن الخطاب -رضي الله تعالى- عنه يجذبه بثوبه ويقول: يا رسول الله, أتصلي على رأس المنافقين؟ فنتر ثوبه من عمر وقال: "إليك عنِّي يا عمر". فخالف مؤمنًا وليًّا في حق منافق عدو، وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحراني.
وقال النووي: قيل: إنما أعطاه قميصه وكفَّنه فيه تطييبًا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيًّا صالحًا. وقد سأل ذلك فأجابه إليه، وقيل: مكافأة لعبد الله المنافق الميت؛ لأنه كان ألبس العباس حين أُسِرَ يوم بدر قميصًا.
وفي ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاقه ﷺ ، فقد علم ما كان......
الحواشي
(١) أن يعطيه قميصه يكفِّن فيه أباه، فأعطاه، ثم سأله أن يصلي عليه. الحديث. وفيه: فصلَّى عليه رسول الله ﷺ , فأنزل الله تعالى: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [التوبة: ٨٤] الآية. فلا عبرة بتصدير البيضاوي بأنَّه لم يصلِّ عليه، وللطبراني وغيره، عن قتادة، فذكر لنا أنه، لما نزلت الآية، قال ﷺ : "وما يغني عنه قميصي، وإني لأرجو أن يسلِم بذلك ألف من قومه"، وروي أن ألفًا من الخزرج أسلموا، لما رأوه يستشفع بثوبه، ويتوقَّع اندفاع العذاب عنه، "هذا وعمر بن الخطاب -رضي الله تعالى عنه- يجذبه" بكسر الذال، "بثوبه، ويقول: يا رسول الله! أتصلي على رأس المنافقين, فنتر ثوبه من عمر" بالمثناة الفوقية جذبه بقوة، "وقال: "إليك عني يا عمر" وفي الصحيحين.
فقام عمر، فأخذ بثوب رسول الله، فقال: أتصلي عليه, إنه منافق، فصلى عليه "فخالف مؤمنًا وليًّا في حق منافق عدو" إجراء على الظاهر، "وكل ذلك رحمة منه لأمته، أشار إليه الحراني" بالفتح والتشديد إلى حران مدينة بالجزيرة، قال الخطابي وابن بطال: إنما فعل ذلك لكمال شفقته على من تعلَّق بطرف من الدين، وليطيّب قلب ولده الصحابي الصالح، ولتألّف الخزرج لرياسته فيهم؛ فلو لم يجب سؤال ابنه وترك الصلاة عليه، قبل ورود النهي الصريح، لكان سبَّة على ابنه وعارًا على قومه، فاستعمل ﷺ أحسن الأمرين في السياسة؛ حتى كشف الله الغطاء، فأنزل: ﴿وَلا تُصَلِّ﴾ [التوبة: ٨٤] الآية. فما صلّي على منافق بعد، ولا قام على قبره.
"وقال النووي: قيل: إنما أعطاه قميصه وكفَّنه فيه تطيبًا لقلب ابنه، فإنه كان صحابيًّا صالحًا" شهد بدرًا، وما بعدها، فاستشهد يوم اليمامة؛ في خلافة أبي بكر، "وقد سأل ذلك، فأجابه إليه" لأنه لا يرد سائلًا، والضنة بالقميص ليست من شأن الكرام، "وقيل: مكافأة لعبد الله المنافق الميت؛ لأنه كان ألبس العباس حين أسر يوم بدر قميصًا" فكافأة قميصه حتى لا يكون له على عَمِّه مِنَّة، "وفي ذلك كله بيان عظيم مكارم أخلاقه ﷺ ، فقد علم ما كان من هذاстр. 2860
من هذا المنافق من الإيذاء له، وقابله بالحسنى, فألبسه قميصه كفنًا, وصلَّى عليه واستغفر له.
من ذلك أنه ﵊ لم يؤاخذ لبيد بن الأعصم إذ سحره.
وعفا عن اليهودية التي سمَّته في الشاة على الصحيح من الرواية. والله يرحم القائل:
وما الفضل إلا خاتم..............
الحواشي
(١) المنافق من الإيذاء له" كقوله: ليخرجن الأعز منها الأذل، لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا, وتولّيه كبر الإفك، "وقابله بالحسنى، فألبسه قميصه كفنًا، وصلى عليه، واستغفر له.
ذكر الواقدي: إن مجمع بن جارية، قال: ما رأيت رسول الله ﷺ أطال الصلاة على جنازةٍ قط ما أطال على جنازة ابن أُبَيّ من الوقوف، ولابن إسحاق عن عمر: ومشى معه حتى قام على قبره؛ حتى فرغ منه، وفي رواية للبخاري، عن عمر: فصلينا معه، قال أبو نعيم: ففيه أن عمر ترك رأي نفسه وتابعه ﷺ "ومن ذلك؛ أنه ﵊ لم يؤاخذ لبيد" -بفتح اللام، وكسر الموحدة، وإسكان التحتية، ومهملة- "ابن الأعصم" بمهملتين، بوزن أحمر، ويقال: أعصم بلا ألف يهودي، كما في الصحيحين، عن عائشة, من بني زريق -بضم الزاي وفتح الراء- بطن من الأنصار, ذكر الواقدي؛ أنه كان حليفًا فيهم, ووقع لعياض أنه أسلم، ورده البرهان؛ بأنه لا يعلم له إسلامًا، ولا ذكرًا في الصحابة، وقيل: كان منافقًا، ولعل المراد العرفي؛ إذ النفاق إخفاء الكفر، وإظهار الإسلام، ولبيد لم يكن كذلك، فهو على حد قوله ﷺ : "آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب؛ وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان". رواه الشيخان. ويطلق النفاق على الكفر أيضًا، "إذ سحره" تعليلية بنفسه على ظاهر حديث الصحيحين، وعند ابن سعد: إنما سحره بنات لبيد، ولبيد هو الذي ذهب به، فإن صحَّ، فنُسِبَ إليه مجازًا لأخذه من بناته، وذهابه إلى البئر به، ومكث ﷺ في السحر أربعين يومًا، رواه الإسماعيلي، ولأحمد ستة أشهر، وجمع بأنها من ابتداء تغير مزاجه، والأربعين من استحكامه، قال في الشفاء: وقد أعلم به، وأوحي إليه بشرح أمره، ولا عتب عليه فضلًا عن معاقبته، "وعفا عن اليهودية التي سمته في الشاة على الصحيح من الرواية" قال عياض: أي في حق نفسه، فلا ينافي أنه قتلها بعد ذلك، لما مات بشر بن البراء قصاصًا، ومرَّت القصة في خيبر، وأنها أسلمت ﵂، "والله يرحم القائل، وما الفضل" الزيادة في مراتب القرب "إلّا خاتم" أي: زيادةстр. 2861
................... أنت فصه
وعفوك نقش الفص فاختم به عذري
ومن ذلك إشفاقه ﷺ على أهل الكبائر من أمته، وأمره إياهم بالستر، فقال: "من بلي بهذه القاذورات -يعني المحرمات- فليستتر".
وأمر أمته أن يستغفروا للمحدود ويترحَّموا عليه لما حنقوا عليه فسبوه ولعنوه، فقال: "قولوا: اللهم اغفر له، اللهمَّ ارحمه".
الحواشي
(١) خاتم "أنت فصه" المتميز عنه بزيادة الفضل والقرب، وكأنه أراد بالخاتم جميع الأنبياء، ففضلُهم وقربهم عند الله، لا يساويهم فيه غيرهم، وجعلهم خاتمًا؛ لأنَّ بواسطتهم تصان الملل عن الفساد؛ وتتزين بهم، فأشبهوا ما يطبع به على الكتاب، مثلًا: فيصان به ما في بطنه عن الفساد بالعلم به، وتزينت بهم الملل حيث أظهروا أحكامها ونشروها، فأشبهوا الحلي الذي يتزين به؛ "وعفوك نقش الفص" أي: كنقشه، لكونه زينة وشرفًا لأفعالك ومعاملتك مع الناس، كما أنَّ النقش زينة الخاتم، وهي ظهور آثاره، بحيث يقتدي بك فيها، كتأثير الفصل المنقوش، إذا طبع به أثرًا ظاهرًا ينتفع به، "فاختم به عذري" كأنه أظهر له عذرًا في تقصيره في حقه، وسأله قبوله منه، وجعل عفوه، كخاتم لا يتطرق للطبع، به خلل، "ومن ذلك إشفاقه ﷺ " مصدر أشفق، قال المجد: شفق وأشفق: حاذر، ولا يقال: ألا أشفق، أي: لا يستعمل إلا مزيدًا، وهجروا المجرد، وإن جاء في أصل اللغة مجردًا ومزيدًا، فلا يرد أن فيه إثباتًا ونفيًا، وهو تناقض "على أهل الكبائر من أمته؛ وأمره إياهم بالستر، فقال: "من بلي بهذه القاذورات" جمع قاذورة، وهي كل قول، أو فعل يستقبح، ولذا قال: "يعني المحرمات" سميت بذلك؛ لأن حقها أن تذر، فوصفت بما يوصف به صاحبها، "فليستتر" وجوبًا مع التوبة، ولا يخبر أحدًا، فإن خالف واعترف عند الحاكم؛ حدَّه، أو عزَّره، وهذا الحديث أخرجه الحاكم والبيهقي في السنن عن ابن عمر، قال: قام النبي ﷺ بعد رجم ماعز الأسلمي، فقال: "اجتنبوا هذه القاذورات التي نهى الله عنها، فمن أَلَمَّ بشيء منها فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صحتته نقم عليه كتاب الله"، صححه الحاكم وابن السكن، وقال الذهبي في المهذب: إسناده جيد، ولا ينافيه قوله في اختصارٍ له المستدرك: غريب جدًّا؛ لأن الغرابة تجامع الصحة، وقول إمام الحرمين: صحيح متفق على صحته، قال ابن الصلاح: عجيب أوقعه فيه عدم إلمامه بصناعة الحديث التي يفتقر إليها كل عالم، "وأمر أمته" أتباعه الحاضرين عنده، "أن يستغفروا للمحدود، ويترحموا عليه، لما حنقوا" -بفتح المهملة، وكسر النون، اغتاظوا "عليه، فسبوه" شتموه بذكر مساويه "ولعنوه" بأن دعوا عليه باللعن، ولعلهم لم يريدوا به الطرد عن رحمة الله، "فقال: "قولوا: اللهم اغفر له، اللهم ارحمه".стр. 2862
وقال لهم في رجل كان كثيرًا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة فقال: "لا تلعنوه فإنه يحب الله رسوله". فأظهر لهم مكتوم قلبه لما رفضوه بظاهر فعله، وإنما ينظر الله إلى القلوب -طهَّر الله قلوبنا وغفر عظيم ذنوبنا.
ومن ذلك ما رواه الدارقطني من حديث عائشة عن النبي ﷺ أنه كان يصغي إلى الهرة الإناء حتى تشرب ثم يتوضأ بفضلها.
ومن ذلك اتساع خلقه..................................................
الحواشي
(١) "وقال لهم في رجل" اسمه عبد الله، ولقبه حمار بلفظ الحيوان، "كان كثيرًا ما يؤتى به سكران بعد تحريم الخمر، فلعنوه مرة، فقال: "لا تلعنوه، فإنه يحب الله ورسوله".
روى البخاري من طريق زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر، قال: كان رجل يسمَّى عبد الله ويلقَّب حمارًا، وكان يضحك رسول الله ﷺ ، وكان يؤتى به في الشراب، فجيء به يومًا، فقال رجل: لعنه الله, ما أكثر ما يؤتى به، فقال ﷺ : "لا تلعنه، فإنه يحب الله ورسوله"، وذكر الواقدي: أنَّ القصة وقعت له في غزاة خيبر، ولأبي يعلى أنه كان يهدي للنبي ﷺ العكة من السمن، أو العسل، ثم يجيء بصاحبها، فيقول: أعطه الثمن، ووقع نحو ذلك لنعيمان فيما ذكر الزبير بن بكار في كتاب المزاح، وروى أبو بكر المروزي أنَّ عبد الله المعروف بحمار شرب في عهد عمر، فأمر الزبير وعثمان فجلداه، "فأظهر لهم مكتوم قلبه" أي: ما كتمه قلبه وأخفاه من حب الله ورسوله؛ بحيث لم يعلم حقيقته سواه ﷺ ، "لما رفضوه" حين تركوه "بظاهر فعله" من إضافة الصفة للموصوف، أي: بسبب فعله الظاهر، تركوه ظنًّا أنه مبعد عن الله، "وإنما ينظر الله إلى القلوب" أي: إلى ما فيها، فيجازي عليه بأحسن الجزاء، وإن كان ظاهر فعله يقتضي خلافه، "طهر الله قلوبنا" بحبه وحب رسوله، "وغفر عظيم ذنوبنا" بفضله وكرمه.
"ومن ذلك ما رواه الدارقطني" وحسَّنه، والحاكم، وصحَّحه، وأبو نعيم، والطبراني برجال ثقات، "من حديث عائشة عن النبي ﷺ ؛ أنه كان يصغي" بمهملة فمعجمة، يميل "إلى الهرة الإناء حتى تشرب" منه بسهولة، "ثم يتوضأ بفضلها" أي: بما فضل من شربها، وفيه طهارة الهرة وسؤرها، وبه قال عامَّة العلماء، إلّا أن أبا حنيفة كره الوضوء بفضلها، وخالفه أصحابه، وندب سقي الماء والإحسان إلى خلق الله، وأن في كل كبد حرى أجرًا، وأنه ينبغي للعالم فعل المباح إذا تقرَّر عند بعض الناس كراهة، ليبين جوازه، "ومن ذلك اتساع خلقه" إن قيل اسم الإشارة عائد على اتساع خلقه، فما فائدة ذكره" فالجواب: لعل فائدته التنبيه على أن هذا من أحسن أخلاقه، كأنه قال: اتساع خلقه الحسن المتميز عن بقية أحواله، اتساع خلقه، مع أصحابهстр. 2863
في شريف تواضعه وآدابه وحسن عشرته مع أهله وخدمه وأصحابه.
قال بعضهم: اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلّا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه، فعند ذلك تذوب النفس، وفي ذوبانها صفاؤها من غش الكبر والعجب، فتَلِينُ وتنطبع للحق والخلق بِمَحْوِ آثارها وسكون وهَجِهَا وغُبَارِها.
وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا ﷺ في أوطان القرب، وحسبك من تواضعه ﵊ أن خَيَّره ربه بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا،.......................................
الحواشي
(١) كذا أملاني شيخنا "في شريف تواضعه" أي: تواضعه الشريف، "وآدابه، وحسن عشرته" فهو من إضافة الصفة للموصوف؛ إذ حسنها "مع أهله، وخدمه، وأصحابه" ليس من أشرف تواضعه؛ إذ الحظ الأوفر من تواضعه في أوطان القرب، كما "قال بعضهم: اعلم أن العبد لا يبلغ حقيقة التواضع إلا عند لمعان" إضاءة النور، الحاصل بسبب "المشاهدة في قلبه" وإنما يحصل برياضة النفس ومجاهدتها في الإقبال على الله، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ "فعند ذلك تذوب النفس" تفني قواها عن ميلها إلى الشهوات المائلة إليها بالطَّبع، فتنهم بها وتستعمل القوى والجوارح في أثرها كل الأوقات؛ فإذا جاهدها بمنعها من شهواتها، وتذكيرها ما آل ذلك من الذل والهوان، أهلكها؛ بحيث تغيرت طباعها، حتى كأنها ذابت فلم يبق لها أثر، "وفي ذوبانها" سيلانها، "صفاؤها" خلوصها، "من غش الكب والعجب" من إضافة الأعم إلى الأخص، أي: غش النفوس الذي هو الكبر والعجب، فشبَّه النفس باعتبار ما طبعت عليه، أصالة من نحو كبر وحسد، بتبر اشتمل على أوساخ منعت نفعه؛ وجعل معالجة النفس في خلوصها مما ألفته من الميل إلى القبيح، كتصفية التبر مما يمنع نفعه، فحينئذٍ تطمئن بذكر الله؛ لترقيها في معرفة الأسباب والمسببات؛ وعملها بمقتضاها، وعرفت الحق، وأقبلت عليه بجملتها، فلم يبق لها تعلق بشيء من مألوفها، "فتلين وتنطبع للحق والخلق، بمحو آثارها" التي طبعت عليها من فخر وسرعة غضب وحرارة عند غليان دم القلب، إذا أصابها ما تكرهه، وغير ذلك من كل ما يشين؛ "وسكون وهجها" بالواو، والهاء المفتوحين اتقادها "وغبارها" عطف مغاير، وفي نسخة وهجها -بالراء المفتوحة، والهاء الساكنة، وتفتح الغبار، وعليها، فعطف الغبار تفسير، "وكان الحظ الأوفر من التواضع لنبينا ﷺ في أوطان القرب" فكلما زاد قربًا زاد تواضعًا، "وحسبك" يكفيك "من تواضعه ﵊، أن" مصدرية، أو مخففة، أي: إنه "خَيَّرَه ربه بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا، فاختار أن يكون نبيًّا عبدًا" تواضعًا لربه، مع أنَّه لو كان نبيًّا ملكًا ما ضره،стр. 2864
فأعطاه الله بتواضعه أن جعله أول من تنشق عنه الأرض وأول شافع، وأول مشفَّع، فلم يأكل متكئًا بعد ذلك حتى فارق الدنيا, وقد قال ﵊: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم، إنما أنا عبد، فقولوا: عبد الله ورسوله" رواه الترمذي.
ومن تواضعه ﵊ أنَّه كان لا ينهر خادمًا، روينا في كتاب الترمذي عن أنس قال: خدمت النبي ﷺ عشر سنين،..............
الحواشي
(١) فالنبوة معطاة له في الوجهين، "فأعطاه الله بتواضعه، أن جعله أول من تنشق عنه الأرض" يوم القيامة "وأول شافع، وأول مشَفَّع" مقبول الشفاعة، كما يأتي بسط ذلك من الخصائص إن شاء الله تعالى، كقوله: "فلم يأكل متكئًا" مائلًا على أحد الجانبين، كما عزاه عياض في شرح مسلم للأكثر، وجزم به ابن الجوزي، أو معتمدًا على وطاء تحته، جزم به الخطابي، وعزاه في الشفاء للمحققين، أو معتمدًا على شيء، أو على يده اليسرى، من الأرض. أقوال بسطها المصنف في الأكل من ذا المقصد "بعد ذلك حتى فارق الدنيا"؛ لأنه لما اختار العبودية فعل فعل العبد، ولذا قال: "آكل، كما يأكل العبد، وأجلس، كما يجلس العبد".
وروى ابن عدي، والديلمي، وغيرهما بإسناد ضعيف عن أنس: جاء جبريل إلى النبي ﷺ وهو يأكل متكئًا، فقال: التكأة من النقمة، فاستوى بعد ذلك قاعدًا، فما رؤي بعد ذلك متكئًا، وقال: "إنما أنا بد أكل، كما يأكل العبد، وأشرب، كما يشرب العبد" والتكأة، بوزن الهمزة ما يتكأ عليه، ورجل تكأة: كثير الاتكاء، والتاء بدل من الواو، كما في النهاية، "وقد قال ﵊: "لا تطروني" بضم أوله، وسكون الطاء، والإطراء: المدح بالباطل، أي لا تتجاوز الحد في مدحي، بأن تقولوا ما لا يليق بي، "كما أطرت النصارى ابن مريم" , وفي رواية: "عيسى ابن مريم"، حيث كذبوا، وقالوا: إله وابن الله، وأحد ثلاثة, وغير ذلك من إفكهم، "إنما أنا عبد، فقولوا عبد الله ورسوله" ولا تقولوا ما قالته النصارى، فأثبت لنفسه ما هو ثابت له من العبودية والرسالة، وأسلم لله ما هو له، لا لسواه "رواه الترمذي" كذا في النسخ، وقد رواه البخاري من حديث عمر، وعزاه المصنف نفسه له في الأسماء النبوية.
"ومن تواضعه ﵊ أنه كان لا ينهر خادمًا، روينا في كتاب الترمذي" ومسلم، والبخاري، "عن أنس، قال: خدمت النبي ﷺ " زاد في رواية أحمد في السفر والحضر "عشر سنين" الرواية، بسكون الشين، ويجوز فتحها، وفي مسلم تسع سنين، وحملت على التحديد، والأولى، وهي أكثر الروايات على التقريب، إلغاء للكسر، فخدمته؛ إنما كانت أثناءстр. 2865
فما قال لي أفٍّ قط, ولا قال لشيء صنعته: لِمَ صنعته؟ ولا لشيء تركته لم تركته؟
وكذلك كان النبي ﷺ مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحد قط، وهذا أمر لا تتسع له الطباع البشرية لولا التأييدات الربَّانية.
وفي رواية مسلم: ما رأيت أحد أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ .
وقالت عائشة: ما ضرب رسول الله ﷺ شيئًا قط، ولا ضرب امرأة ولا خادمًا إلا أن يجاهد في سبيل الله،.............................
الحواشي
(١) السنة الأولى من الهجرة، "فما قال لي أف" بضم الهمزة، وسكون الفاء مشددة، ولأبي ذر أف، بفتحها: صوت يدل على التضجر, "قط" تأكيد لنفي الماضي بمعنى الدهر والأَبَد، مع أنه قد يتفق له فعل شيء ليس على الوجه الذي أراده منه المصطفى، ففي رواية أبي نعيم، فمَا سبَّني قط، وما ضربني من ضربة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر، فتوانيت فيه، فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحد، قال: دعوه، ولو قدر شيء كان، "ولا قال لشيء صنعته لِمَ صنعته، ولا لشيء تركته لِمَ تركته" زاد في رواية، ولكن يقول: "قدَّر الله، وما شاء الله فعل، ولو قدر الله كان، ولو قضى لكان"، "وكذلك كان النبي ﷺ مع عبيده وإمائه، ما ضرب منهم أحد قط، وهذا أمر لا تتسع له" لا تطيقه، ولا تقدر عليه "الطباع البشرية، لولا التأييدات الربانية", وما ذاك إلّا لكمال معرفته ﷺ أنه لا فاعل، ولا معطي، ولا مانع إلا الله، وأن الخلق آلات وسائط، فالغضب على المخلوق في شيء فعله، كالإشراك المنافي للتوحيد، وقيل: سبب ذلك أنه كان يشهد تصريف محبوبه فيه، وتصريف المحبوب في المحب، لا يعلل، بل يسلم ليستلذ، فكل ما يفعله الحبيب محبوب، "وفي رواية مسلم" عن أنس في حديث: "ما رأيت أحد أرحم بالعيال من رسول الله ﷺ ، وقالت عائشة: ما ضرب ﷺ . زاد في رواية: بيده، وهو لتأكيد النوعية نحو يطير بجناحيه؛ إذ الضرب عادة لا يكون إلّا باليد، "شيئًا قط" آدميًّا، أو غيره، أي: ضربًا مؤذيًا, وضربه لمركوبه لم يكن مؤذيًا، ووكْزَه بعير جابر، حتى سبق القافلة بعدما كان عنها بعيدًا، معجزة، وكذا ضربه لفرس طفيل الأشجعي لما رآه متخلفًا عن الناس، وقال: "اللهم بارك فيها" وقد كان هزيلًا ضعيفًا، قال طفيل: فلقد رأيتني ما أملك رأسها، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفًا.
رواه النسائي، "ولا ضرب امرأة، ولا خادمًا" خاص على عام، مبالغة في نفي الضرب، لكثرة وجود سبب ضربهما، للابتلاء بمخاطبتهما ومخالفتهما غالبًا، فقد يتوهّم عدم إرادتهما من قولها شيئًا، "إلّا أن يجاهد في سبيل الله" فيضرب إن احتاج إليه، وقد قتل بأُحُد أُبَيّ بن خلف،стр. 2866
وما نيل منه شيء فينتقم من صاحبه إلّا أن ينتهك شيء من محارم الله فينتقم لله. رواه مسلم.
وسئلت عائشة: كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا في بيته؟ قالت: كان ألين الناس، بسَّامًا ضحَّاكًا، لم ير قط مادًّا رجليه بين أصحابه.
وعنها: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ , ما دعاه أحد من أصحابه إلّا قال: لبيك. رواه.
وعند أحمد وابن سعد وصحَّحَه ابن حبان عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يخيط ثوبه ويخصف -بكسر- نعله، وفي رواية لأحمد: ويرفع دلوه، وعنده أيضا: يغلي
الحواشي
(١) وما قتل بيده أحد غيره، بل قال ابن تيمية: لا نعلمه ضرب بيده أحدًا غيره، "وما نيل منه شيء، فينتقم من صاحبه"؛ إذ طبعه لا ينتقم لنفسه "إلا أن ينتهك" -بضم، فسكون، ففتح- أي: لكن إذا انتهك "شيء من محارم الله، فينتقم لله" لا لنفسه ممن ارتكب تلك الحرمة، "رواه مسلم" وبعضه رواه البخاري، "وسئلت" كما رواه ابن سعد وغيره "عائشة: كيف كان رسول الله ﷺ إذا خلا في بيته؟، قالت: كان" إذا خلا بنسائه "ألين الناس، بسَّامًا" كثير التبسم، "ضحَّاكًا" بمعنى ضاحكًا زيادة عن التبسم قليلًا، في بعض الأحيان "لم ير قط مادًّا رجليه بين أصحابه" زاد في رواية حتى يضيق بهما على أحد، "وعنها: ما كان أحد أحسن خلقًا من رسول الله ﷺ " وبيَّنت بعض ذلك؛ بأنه "ما دعاه" أي ناداه "أحد من أصحابه إلا، قال: "لبيك" ظاهره أنه جوابه دائمًا، ويحتمل أنه كناية عن سرعة الجواب مع التعظيم، "رواه" كذا في نسخ وبعدها بياض، وفي أخرى بدون رواه، وفي بعضها رواه البخاري، وهي خطأ، فقد قال السيوطي في تخريج أحاديث الشفاء:
رواه أبو نعيم في الدلائل بسند واهٍ, وروى أبو داود، والترمذي عن أنس، والبزار عن أبي هريرة: ما التقم أحد أذن رسول الله ﷺ فنحَّى رأسه عنه، حتى يكون الرجل هو الذي ينحِّي رأسه، وما أخذ أحد بيده، فيرسل يده حتى يرسلها الآخذ، "وعند أحمد، وابن سعد، وصححه ابن حبان، عنها" أي: عائشة، "قالت: كان رسول الله ﷺ يخيط" -بفتح الياء، وكسر الخاء- "ثوبه ويخصف -بكسر" المهملة، "فعله" أي: خرز طاقًا على طاق، بقية هذه الرواية عند أحمد، ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، أي: من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس إرشاد للتواضع، وترك التكبر، لكنه مشرف بالوحي والنبوة، مكرَّم بالرسالة والآيات، "وفي رواية لأحمد، ويرفع" بفتح، فسكون، ففتح، "دلوه" أي: يصلحه، "وعنده أيضًا يفلي" بفتح، فسكون مضارع فلي ثلاثيًّا،стр. 2867
ثوبه، ويحلب شاته ويخدم نفسه.
وهذا يتعيِّن حمله على أوقات, فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة.
وكان يركب الحمار، ويردف خلفه، وركب يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف. رواه الترمذي.
وعن قيس بن سعد قال: زارنا رسول الله ﷺ , فلما أراد الانصراف قرَّب له سعد حمارًا وطأ عليه بقطيفة، وركب رسول الله ﷺ , ثم قال سعد: يا قيس، اصحب رسول الله ﷺ ،.......................................
الحواشي
(١) كما ضبطه غير واحد، يجوز ضم أوله، وسكون ثانيه مخففًا، أو فتحه مثقلًا "ثوبه" أي: يزيل قمله، وظاهره إن العمل يؤذيه، لكن قال ابن سبع: لم يكن فيه قمل، لأنه نور، ولأن أكثره من العفونة، ولا عفونة فيه، ومن العرق، وعرقه طيب، ولا يلزم من التفلية وجود القمل، فقد يكون للتعليم، أو لتفتيش نحو: خرق فيه ليرقعه، أما لما علق به من نحو شوك ووسخ، وقيل: كان في ثوبه قمل، ولا يؤذيه، وإنما كان يفليه استقذارًا له، "ويحلب"، بضم اللام، "شاته، ويخدم" بضم الدال، "نفسه"، عطف عام على خاص، ونكتته الإشارة إلى أنه كان يخدم نفسه عمومًا وخصوصًا، "وهذا يتعيِّن حمله على" أنه كان يفعل ذلك في بعض "أوقات" لا دائمًا، "فإنه ثبت أنه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه، وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة" وفيه ندب خدمة الإنسان نفسه، وأنه لا يخل بمنصبه وإن جلَّ.
"وكان يركب الحمار" زاد ابن سعد في روايته عريًا ليس عليه شيء، وذلك مع ما فيه من غاية التواضع، إرشاد للعباد، وبيان أن ركوبه لا يخل بمروءة، ولا رفعة، بل ف غاية التواضع، وكسر النفس، "ويردف" بضم التحتية "خلفه" الذكر والأنثى، الصغار والكبار، "وركب يوم بني قريظة" وفي رواية لأبي الشيخ يوم خيبر، ويوم قريظة، والنضير "على حمار مخطوم" في أنفه "بحبل من ليف" زاد في رواية الشمائل: عليه أكاف من ليف، وهو برزعه لذوات الحوافر، بمنزلة السرج للفرس، وهذا نهاية التواضع، وأي تواضع، وقد ظهر له ﷺ من النصرة عليهم، والضفر بأموالهم، ما هو معروف، "رواه الترمذي" من حديث أنس، "وعن قيس بن سعد" بن عبادة، "قال: زارنا رسول الله ﷺ " على عادته في تفقد أصحابه، قيل: كان سعد دعاه رجل ليلًا، فخرج له، فضربه بسيفه، فعاده ﷺ ، "فلما أراد الانصراف، قرَّب له سعد حمارا" ليركبه "وطأ" بشد المهملة، وهمزة، "عليه بقطيفة" كساء له خمل ووبر، وضعه على ظهر الحمار، "وركب رسول الله ﷺ ، ثم قال سعد" لابنه: "يا قيس, اصحب رسول الله ﷺ " أي: كن معه في خدمته،стр. 2868
قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ : "اركب"، فأبيت، فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف". وفي رواية أخرى: "اركب أمامي فصاحب الدابَّة أَوْلَى بمقدمها"، رواه أبو داود وغيره.
وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من خيبر، وإني لرديف أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول الله ﷺ رديف رسول الله ﷺ ؛ إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة، فقال ﷺ : "إنها أمكم"، فشددت الرحل، وركب رسول الله ﷺ . الحديث.
والمرأة: صفية، والردف والرديف: الراكب خلف الراكب بإذنه.
وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبي ﷺ ليس بيني وبينه إلا آخرة
الحواشي
(١) وفي ذا الحديث؛ أنه ﷺ جاء على حمار، مردفًا أسامة خلفه، فسَعْدُ وهبه الحمار ليركبه وحده، ويبقى أسامة على الحمار الذي جاء به، "قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ : "اركب"، فأبيت" أن أركب، تأدبًا معه لا مخالفة لأمره، "فقال: "أما أن تركب، وإما أن تنصرف" أي: ترجع ولا تمشي معي, أي: فوافقه على الركوب "وفي رواية أخرى: "اركب أمامي فصاحب الدابة أَوْلَى بمقدمها"؛ إذ هو أدرى بسيرها، وسماه صاحبًا، باعتبار ما كان، لأنَّه ابن مالكها سعد بن عبادة، لا ابن أبي وقاص، كما غلط من قاله، وعند ابن مندة: فأرسل ابنه معه ليرد الحمار، فقال: "احمله بين يدي"، قال: سبحان الله, أتحمله بين يديك؟، قال: "نعم، هو أحق بصدر حماره"، قال: هو لك يا رسول الله، قال: "أحمله إذن خلفي"، "رواه أبو داود وغيره" وفيه قصة طويلة.
"وفي البخاري من حديث أنس بن مالك، أقبلنا مع رسول الله ﷺ من خيبر" بمعجمة، فتحتية، فموحدة، فراء آخره، ونسخة من حنين، تصحيف من الجهال، فالثابت في البخاري خيبر، "وإني لرديف أبي طلحة" زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم أنس، "وهو يسير وبعض نساء رسول الله ﷺ رديف رسول الله ﷺ ؛ إذ عثرت الناقة، فقلت" وقعت "المرأة" فنزلت، هذا أسقطه من الرواية، وفي رواية، نصب المرأة، أي: أوقعت الدابة المرأة، وفي أخرى، فقلت: بالفاء من الفلى، وهو الإخراج والفصل، ونزلت بلفظ المتكلم، "فقال ﷺ : "إنها أمكم" تذكيرًا لهم بوجوب تعظيمها، "فشددت الرحل، وركب رسول الله ﷺ . الحديث" بقيته، فلما دنا ورأى المدينة، قال: "آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون"، "والمرأة صفية" بنت حيي أم المؤمنين، "والردف، والرديف، الراكب خلف الراكب بإذنه" قيد به، لأنه المتبادر؛ إذ من ركب بلا إذن، غاصب شرعًا، وإن كانت اللغة لا فرق بين الإذن وعدمه.
"وقال معاذ بن جبل: بينا أنا رديف النبي ﷺ , ليس بيني، وبينه إلا آخرة" بفتحстр. 2869
الرحل. وقد ركب ﷺ على حمار على إكاف, عليه قطيفة فذكيه, أردف أسامة وراءه.
ولما قدم ﵊ مكة استقبله أغيلمة بني عبد المطلب، فحمل واحدًا بين يديه، وآخر خلفه. وقال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ مكة وقد حمل قثم بين يديه والفضل خلفه، أو قثم والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه. رواه البخاري.
وذكر المحب الطبريّ في مختصر السيرة النبوية له، أنه ﷺ ركب حمارًا عريًا إلى قبا وأبو هريرة معه, قال: "يا أبا هريرة أأحملك؟ " قال: ما شئت يا رسول الله, فقال: "اركب" , فلم يقدر, فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر, فاستمسك برسول الله ﷺ , فوقعا جميعًا. ثم ركب ﷺ , ثم قال: "يا أبا هريرة, أأحملك؟ " قال: ما
الحواشي
(١) الهمزة، والمد، وكسر الخاء، "الرجل", قال المصباح: خشبة يستند إليها الراكب "وقد ركب ﷺ على حمر، على إكاف" بالكسر، البرذعة, "عليه قطيفة فَدَكية" بفتحتين، موضع بخيبر، "أردف أسامة وراءه" ففيه جواز الإرداف، وإن كانوا ثلاثة إذا لم تكن الدابة ضعيفة لا تطبيق ذلك، وقيل: يكره ما فوق الاثنين، "ولما قدم ﵊ مكة، استقبله أغيلمة" تصغير الغلمة، جمع الغلام، وهو شاذ، والقياس غليمة، قال الكرماني، "بني عبد المطلب، فحمل واحدًا بين يديه، وآخر خلفه" رواه البخاري، عن عبد الله بن عباس، "وقال ابن عباس: أتى رسول الله ﷺ مكة، وقد حمل قُثَم" بضم القاف، وخفة المثلثة المفتوحة، ابن العباس الهاشمي، كان آخر الناس عهدًا بالنبي ﷺ , ولي مكة من قِبَلِ عليّ، ثم سار أيام معاوية إلى سمرقند، فاستشهد وقُبِرَ بها "بين يديه، والفضل" بسكون الضاد، أخوة ثبت يوم حنين، ومات سنة ثمان عشرة على الأصح، "خلفه، أو قثم خلفه، والفضل بين يديه" شكَّ الراوي "رواه البخاري", ففي هذه الرواية الثانية، بيان البهمين في الأولى، "وذكر المحب الطبري في مختصر السيرة النبوية له أنه ﷺ ركب حمارًا عريًا" بضم العين، وإسكان الراء، أي: ما عليه إكاف، ولا يقال ذلك في الآدمي، إنما يقال عريان، "إلى قبا" بالضم: موضع بالمدينة، وفيه لغات، جمعها القائل:
حرًا وقبا ذكر وأنثهما معًا ... ومد، أو اقصر واصرفنَّ وامنع الصرفا
"وأبو هريرة معه، قال: "يا أبا هريرة أأحملك؟ "، قال: ما شئت" افعله "يا رسول الله، فقال: "اركب"، فوثب أبو هريرة ليركب، فلم يقدر، فاستمسك" تمسك وتعلَّق "برسول الله ﷺ ، فوقعا جميعًا، ثم ركب ﷺ ، ثم قال: "يا أبا هريرة أأحملك"؟، قال" افعل "ما شئت يا رسول الله، فقال: "اركب"، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلَّق برسول الله ﷺ ، فوقعا جميعًا،стр. 2870
شئت يا...................................................................................................................................
رسول الله، فقال: "اركب"، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلَّق برسول الله ﷺ فوقعا جميعًا، فقال: "يا أبا هريرة أأحملك؟ " فقال: لا والذي بعثك بالحق لأرميتك ثالثًا.
وذكر المحب الطبري أيضًا: أنه ﵊ كان في سفر، وأمر أصحابه بإصلاح شاة, فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله، عليَّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله، علي طبخها، فقال رسول الله ﷺ : "علي جمع الحطب"، فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: "فقد علمت أنكم تكفوني ولكن أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى.
ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبُّع، نعم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف
الحواشي
(١) فقال: "يا أبا هريرة أأحملك"؟، فقال: لا والذي بعثك بالحق لأرميتك" أي: لا أرميك "ثالثًا" فاستعمل الماضي موضع المضارع، لأنه قوي عنده؛ أنه إذا ركب وقعا جميعًا أيضًا، "وذكر المحب الطبري أيضًا" في الكتاب المذكور "أنه ﵊ في سفر، وأمر أصحابه" أي: جنس "بإصلاح شاة" أي: تهيئتها للأكل، "فقال رجل: يا رسول الله عليَّ ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله علي سلخها، وقال آخر: يا رسول الله عليّ طبخها، فقال رسول الله ﷺ : "عليّ جمع الحطب" من الوادي", "فقالوا: يا رسول الله نكفيك العمل، فقال: "قد علمت أنكم تكفوني" بحذف إحدى النونين تخففًا، والأصل تكفونني، "ولكن أكره أن أتميِّزَ عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه" , أي: لا يثني عليه إذا رآه متميزًا، والمكروه له تعالى في الحقيقة هو تميز العبد، لا رؤيته تعالى لذلك.
"ولم أر هذا لغير الطبري بعد التتبع" وقد أنكره شيخه السخاوي، فقال: لا أعرفه، "نعم رأيت في جزء تمثال" أي: صورة "النعل الشريف", وهو نحو كراسة والأولى الشريفة؛ إذ النعل مؤنثة "لأبي اليمين بن عساكر، بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر، بن ربيعة" العنزي -بسكون النون، حليف بني عدي، وُلِدَ على عهد النبي ﷺ ، وثَّقه العجلي، وروى له الستة، ومات سنة بضع وثمانين "عن أبيه" عامر، بن ربيعة، بن كعب، بن مالك العنزي، حليف الخطاب، صحابي مشهور؛ أسلم قديمًا، وهاجر وشهد بدرًا، وله أحاديث في الكتب الستة، ومات ليالي قتل عثمان،стр. 2871
لأبي اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه....... قال: كنت مع النبي ﷺ في الطواف, فانقطعت شسعه, فقلت: يا رسول الله, ناولني أصلحه، فقال: "هذه أثرة ولا أحب الأثرة".
والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: والاستئثار وهو الانفراد بالشيء. قال: وكأنه كره ﷺ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم, فيكون له بمثابة الخادم, ويكون له ﷺ ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك ﷺ لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه.
ويؤيده ما روي أنه ﷺ أراد أن يمتهن نفسه في شيء, فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: "قد علمت أنكم تكفوني, ولكن أكره أن أتميز عليكم, فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى.
ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشهورة حكى ذلك.
الحواشي
(١) "قال: كنت مع النبي ﷺ في الطواف فانقطعت شِسْعه" بكسر المعجمة، وسكون المهملة: قبال نعله، "فقلت: يا رسول الله ناولني" بحذف المفعول الثاني، أي: ناولنيها "أصلحه" بضم الهمزة أي: الشسع، "فقال: "هذه" الحالة التي تفعلها عني "أثرة، ولا أحب الأثرة" والأثرة، بفتح الهمزة والثاء, الاسم من آثر يؤثر، إذا أعطي" وفي المصباح آثرته بالمد فضَّلته؛ واستأثر بالشيء استبدَّ به، والاسم الأثرة، مثال قصبة، "والأثرة والاستئثار، وهو الانفراد بالشيء، قال" أبو اليمن: "وكأنه كره ﷺ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيجوز" أن يحصل "فضيلة الخدم، فيكون له بمثابة الخادم، ويكون له ﷺ ترفع المخدوم على خادمه", واستأنف مجيبًا لم كره هذا، فقال: "كره ذلك ﷺ لتواضعه، وعدم ترفعه على من يصحبه، ويؤيده ما روي أنه ﷺ أراد أن يمتهن" يستعمل "نفسه في شيء" يباشره بنفسه، "فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: "قد علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى كلام أبي اليمن.
"ثم رأيت شيخنا" السخاوي في المقاصد الحسنة، "في الأحاديث المشهورة" على الألسنة، "حكى ذلك" فقال: حديث إن الله يكره العبد المتميز على أخيه لا أعرفه، ثم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف، لأبي اليمن بن عساكر، في الكلام على الأثرة ما نصه، ويؤيده ما روي أنه أراد أن يمتهن، فذكره، فلا يعود اسم الإشارة على جميع ما نقله المصنف؛ إذ السخاوي إنماстр. 2872
وعن أبي قتادة: وَفَدَ وَفْدُ النجاشي، فقام النبي ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نحن نكفيك، قال: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم"، ذكره في الشفاء.
وفي البخاري عن أنس: كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: كلّا والذي لا إله غيره لا نعطيكم وقد أعطانيها -أو كما قال, والنبي ﷺ يقول: "لك كذا"، وتقول كلا................
الحواشي
(١) نقل أخره، كما رأيت، "وعن أبي قتادة" الأنصاري السلمي -بفتحتين- الحارث، ويقال: عمرو أو النعمان بن ربيع -بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها مهملة- شهد أحد وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: ثمان وثلاثين، والأول أصح، وأشهر، قال: "وفد" أي قدم: "وَفْد" بسكون الفاء، اسم جمع بمعنى وافدين "النجاشي، فقال النبي ﷺ يخدمهم" بنفسه، تواضعًا منه وإرشادًا لغيره، "فقال له أصحابه: نحن نكفيك" خدمتهم، أي: نقوم عنك بذلك، فأبى، و"قال: "أنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم" أي: أجازيهم على إكرامهم لأصحابنا، ولا إكرام أعظم من تعاطيه أمورهم بنفسه؛ "ذكره" عياض "في الشفاء" وأخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل، عن أبي قتادة المذكور.
"وفي البخاري عن أنس: كان الرجل" من الأنصار؛ "يجعل للنبي ﷺ النخلات، حتى افتتح" أي: إلى أن افتتح "قريظة والنضير", وفي رواية الكشميهني حين بدل حتى، والأول أوجه، قال الحافظ: حاصله أن الأنصار كانوا واسوا المهاجرين بنخيلهم لينتفعوا بتمرها، فلما فتح الله النضير، ثم قريظة؛ قسم في المهاجرين من غنائمهم، فأكثر، وأمرهم برد ما كان للأنصار لاستغنائهم عنه، ولأنهم لم يكونوا ملكوهم رقاب ذلك، كما قال: "وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله" بهمزة قطع مفتوحة، منصوب عطفًا على المنصوب السابق النخل، "الذي" رواية أبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر، ولغيرهم الذين "كانوا أعطوه، أو بعضه؛ وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت" فيه حذف يوضحه رواية مسلم، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيه، فجاءت "أم أيمن"، "فجعلت الثوب في عنقي، تقول: كلا والذي لا إله غيره، لا نعطيكم" أي: لا نمكنكم مما بيدي، وفي نسخة، لا أعطيكم، "وقد أعطانيها" الواو للحال، "أو كما قال" أنس: إشارة إلى شك وقع في اللفظ مع حصول المعنى، قال المصنف: "والنبي ﷺ يقول: "لك كذا"، وتقول: كلا،стр. 2873
والله، حتى أعطاها -حسبت أنه قال- عشر أمثاله. أو كما قال.
وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤيدة وتمليكًا لأصل الرقبة، وأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك, فلاطفها, وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبره ﷺ .
وجاءته ﷺ امرأة في عقلها شيء، فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: "اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك" , وفي رواية سلم: "حتى أقضي حاجتك،.............
الحواشي
(١) والله حتى أعطاها".
قال سليمان بن طرخان: الراوي عن أنس "حسبت أنه" أي: أنسًا "قال: عشر أمثاله، أو كما قال" أنس. وفي مسلم حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله، قال الحافظ: وعرف بهذا أن معنى قوله: ولك كذا وكذا، أي: مثل الذي لك مرة، ثم شرع يزيدها مرتين ثلاثًا، إلى أن بلغ عشرة، "وإنما فعلت هذا أم أيمن؛ لأنها ظنَّت أنها كانت هبة مؤيدة؛ وتمليكًا لأصل الرقبة", والواقع: إنها هبة للمنفعة فقط، ففيه مشروعية هبة المنفعة، دون الرقبة، فلم يكن لها امتناع، ولا أخذ بدل، "و" لكن "أراد ﷺ استطابة قلبها، في استرداد ذلك، فلاطفها، وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ففيه منزلة أم أيمن، وهي أم أسامة بن زيد، وابنها أيمن، صحابيّ أسنّ من أسامة، استشهد بحنين، وعاشت أم أيمن بعده ﷺ قليلًا، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده، وكثره حلم وبره ﷺ ".
"وجاءته ﷺ إمرأة", قال الحافظ: لم أقف على اسمها، وفي بعض الحواشي: إنها أم زفر ماشطة خديجة، ونزع فيه، وتردد البرهان في المقتفى، في أنها هي، أو غيرها؛ وجزم غيره بأنها هي، لكن نوزع، "كان في عقلها شيء" من الجنون، ولم يصرح به إشارة لخفته، وأنها لم تستغرق فيه، فإن لفظ شيء يشعر بالقلة، "فقالت: إن لي إليك حاجة" أي: لي حاجة أريد أن أنهيها إليك، وأعلمك بها، "فقال: "اجلسي" بصيغة المخاطبة من أمر الحاضر، "في أي سكك" طرق "المدينة شئت أجلس" بالجزم جواب الأمر "إليك" , أي: معك، فإلى بمعنى عند، وهذا الحديث في الصحيحين، "و" زاد في "في رواية مسلم "حتى أقضي حاجتك" , قيل: ولعلها كانت تعقد بالطريق، لما في عقلها، فعبَّر عن إجابتها بذلك، أو أظهر كمال الاهتمام والاستعجال بقضاء حاجتها بهذا البيان، "فخلا معها في بعض الطريق، حتى فرغت من حاجتها" لأنه كانстр. 2874
فخلا معها في بعض الطريق حتى فرغت من حاجتها.
ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه ﷺ .
وقال عبد الله بن أبي الحمساء -بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة وبالسين المهملة في آخره وهمزة ممدودة: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت, فذكرته بعد ثلاث, فإذا هو في مكانه, فقال: "لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" رواه أبو داود.
وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان ﵊ لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. رواه النسائي.
الحواشي
(١) محرمًا لجميع النساء، قال بعض: وفيه إيماء وإرشاد إلى أنه لا يخلو أجنبي مع أجنبية، بل إذا عرضت حاجة يكون معها بموضع لا يتطرق فيه تهمة، ولا يظن به ريبة؛ لكونه بطريق المارة, وفيه حل الجلوس في الطريق لحاجة، وموضع النهي من يؤذي، أو يتأذَّى بقعوده فيها، وأنه ينبغي للحاكم المبادرة إلى تحصيل غرض أولي الحاجات، ولا يتساهل في ذلك "ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه ﷺ " لبروزه للناس، وقربه، وصبره على المشاق لأجل غيره خصوصًا، امرأة في عقلها شيء.
"وقال عبد الله بن أبي الحمساء -بالحاء المهملة المفتوحة، والميم الساكنة، وبالسين المهملة في آخره، وهمزة ممدودة- العامري, سكن البصرة، وقيل: إنه ابن أبي الجدعاء، قال في الإصابة: والراجح أنه غيره، "بايعت النبي ﷺ " أي: بعت له شيئًا "قبل أن يبعث، وبقيت له" أي: لذلك المبيع "بقية" لم تسلم له، "فوعدته أن آتيه بها في مكانه" أي: في مكان وقع فيه البيع؛ "فنسيت" الوعد، فذكرته بعد ثلاث" أي: أيام، ولم يقل ثلاثة لحذف المعدود، فيجوز تذكيره مع المذكور، وتأنيثه مع المؤنث، فجئته "فإذا هو" مستقر "في مكانه" لم يفارقه، "فقال:" "يا فتى، لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" ففيه وفاؤه بعهده، ووعد من قبل البعثة، "رواه أبو داود" منفردًا به عن الكتب الستة؛ وأخرجه البزار من طريق عبد الكريم بن عبد الله بن سفيان، عن أبيه، عن ابن أبي الحمساء، "وقال عبد الله بن أوفى" -بفتح الهمزة، والفاء، بينهما واو ساكنة- واسمه علقمة، صحابي، ابن صحابي، "كان ﵊ لا يأنف" لا يستكبر، "أن يمشي مع الأرملة" المرأة التي لا زوج لها؛ "والمسكين" بكسر الميم، لغة جميع العرب، إلّا بني أسد، فبفتحها من السكون؛ لسكونه إلى الناس، "فيضي له الحاجة، رواه النسائي".стр. 2875
وفي رواية البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وعند أيضا: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت.
والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد.
وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة؛ وحيث عمَّم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، أي: كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي: من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرُّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدتها في تلك الحالة لساعدها على ذلك، وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ .
ودخل الحسن وهو يصلي قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في...............................................
الحواشي
(١) "وفي رواية البخاري" في باب الكبر من كتاب الأب، عن أنس قال: "إن" أي: أنه "كانت" رواية أبي ذر عن الكشميهني ولغيره، بحذف إن، كما بينه المصنف، "الأَمَة" أيّ أَمَة كانت، وأسقط البخاري من إماء المدينة، "لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت", وبقية هذه الرواية: ويجيب إذا دعي، "والمقصود من الأخذ باليد لازمه، هو الانقياد، وقد اشتمل" الحديث الذي رواه البخاري، وأحمد معًا، وقصره على الثاني لا وجه له؛ إذ لا ريب أن سياق البخاري اشتمل "على أنواع من المبالغة، في التواضع لذكره، والمرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة" بقوله: إن كانت الأمة، "وحيث عمَّم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي: من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة، والتمست مساعدتها في تلك الحالة، لساعدها على ذلك" بالخروج معها، "وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ " ومن ثَمَّ أورده البخاري في باب الكبر، إشارة إلى براءته منه، "ودخل الحسن" السبط، "وهو" ﷺ "يصلي، قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ ف سجوده حتى نزل الحسن، فلمَّا فرغ، قال له بعض أصحابه: يا رسول الله، قد أطلتследующие страницы →