Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.
стр. 2871
لأبي اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه....... قال: كنت مع النبي ﷺ في الطواف, فانقطعت شسعه, فقلت: يا رسول الله, ناولني أصلحه، فقال: "هذه أثرة ولا أحب الأثرة".
والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: والاستئثار وهو الانفراد بالشيء. قال: وكأنه كره ﷺ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم, فيكون له بمثابة الخادم, ويكون له ﷺ ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك ﷺ لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه.
ويؤيده ما روي أنه ﷺ أراد أن يمتهن نفسه في شيء, فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: "قد علمت أنكم تكفوني, ولكن أكره أن أتميز عليكم, فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى.
ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشهورة حكى ذلك.
الحواشي
(١) "قال: كنت مع النبي ﷺ في الطواف فانقطعت شِسْعه" بكسر المعجمة، وسكون المهملة: قبال نعله، "فقلت: يا رسول الله ناولني" بحذف المفعول الثاني، أي: ناولنيها "أصلحه" بضم الهمزة أي: الشسع، "فقال: "هذه" الحالة التي تفعلها عني "أثرة، ولا أحب الأثرة" والأثرة، بفتح الهمزة والثاء, الاسم من آثر يؤثر، إذا أعطي" وفي المصباح آثرته بالمد فضَّلته؛ واستأثر بالشيء استبدَّ به، والاسم الأثرة، مثال قصبة، "والأثرة والاستئثار، وهو الانفراد بالشيء، قال" أبو اليمن: "وكأنه كره ﷺ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيجوز" أن يحصل "فضيلة الخدم، فيكون له بمثابة الخادم، ويكون له ﷺ ترفع المخدوم على خادمه", واستأنف مجيبًا لم كره هذا، فقال: "كره ذلك ﷺ لتواضعه، وعدم ترفعه على من يصحبه، ويؤيده ما روي أنه ﷺ أراد أن يمتهن" يستعمل "نفسه في شيء" يباشره بنفسه، "فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: "قد علمت أنكم تكفوني، ولكني أكره أن أتميز عليكم، فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى كلام أبي اليمن.
"ثم رأيت شيخنا" السخاوي في المقاصد الحسنة، "في الأحاديث المشهورة" على الألسنة، "حكى ذلك" فقال: حديث إن الله يكره العبد المتميز على أخيه لا أعرفه، ثم رأيت في جزء تمثال النعل الشريف، لأبي اليمن بن عساكر، في الكلام على الأثرة ما نصه، ويؤيده ما روي أنه أراد أن يمتهن، فذكره، فلا يعود اسم الإشارة على جميع ما نقله المصنف؛ إذ السخاوي إنماстр. 2872
وعن أبي قتادة: وَفَدَ وَفْدُ النجاشي، فقام النبي ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نحن نكفيك، قال: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم"، ذكره في الشفاء.
وفي البخاري عن أنس: كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: كلّا والذي لا إله غيره لا نعطيكم وقد أعطانيها -أو كما قال, والنبي ﷺ يقول: "لك كذا"، وتقول كلا................
الحواشي
(١) نقل أخره، كما رأيت، "وعن أبي قتادة" الأنصاري السلمي -بفتحتين- الحارث، ويقال: عمرو أو النعمان بن ربيع -بكسر الراء، وسكون الموحدة، بعدها مهملة- شهد أحد وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، ومات سنة أربع وخمسين، وقيل: ثمان وثلاثين، والأول أصح، وأشهر، قال: "وفد" أي قدم: "وَفْد" بسكون الفاء، اسم جمع بمعنى وافدين "النجاشي، فقال النبي ﷺ يخدمهم" بنفسه، تواضعًا منه وإرشادًا لغيره، "فقال له أصحابه: نحن نكفيك" خدمتهم، أي: نقوم عنك بذلك، فأبى، و"قال: "أنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم" أي: أجازيهم على إكرامهم لأصحابنا، ولا إكرام أعظم من تعاطيه أمورهم بنفسه؛ "ذكره" عياض "في الشفاء" وأخرجه ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل، عن أبي قتادة المذكور.
"وفي البخاري عن أنس: كان الرجل" من الأنصار؛ "يجعل للنبي ﷺ النخلات، حتى افتتح" أي: إلى أن افتتح "قريظة والنضير", وفي رواية الكشميهني حين بدل حتى، والأول أوجه، قال الحافظ: حاصله أن الأنصار كانوا واسوا المهاجرين بنخيلهم لينتفعوا بتمرها، فلما فتح الله النضير، ثم قريظة؛ قسم في المهاجرين من غنائمهم، فأكثر، وأمرهم برد ما كان للأنصار لاستغنائهم عنه، ولأنهم لم يكونوا ملكوهم رقاب ذلك، كما قال: "وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله" بهمزة قطع مفتوحة، منصوب عطفًا على المنصوب السابق النخل، "الذي" رواية أبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر، ولغيرهم الذين "كانوا أعطوه، أو بعضه؛ وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت" فيه حذف يوضحه رواية مسلم، فأتيت النبي ﷺ فأعطانيه، فجاءت "أم أيمن"، "فجعلت الثوب في عنقي، تقول: كلا والذي لا إله غيره، لا نعطيكم" أي: لا نمكنكم مما بيدي، وفي نسخة، لا أعطيكم، "وقد أعطانيها" الواو للحال، "أو كما قال" أنس: إشارة إلى شك وقع في اللفظ مع حصول المعنى، قال المصنف: "والنبي ﷺ يقول: "لك كذا"، وتقول: كلا،стр. 2873
والله، حتى أعطاها -حسبت أنه قال- عشر أمثاله. أو كما قال.
وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤيدة وتمليكًا لأصل الرقبة، وأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك, فلاطفها, وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبره ﷺ .
وجاءته ﷺ امرأة في عقلها شيء، فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: "اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك" , وفي رواية سلم: "حتى أقضي حاجتك،.............
الحواشي
(١) والله حتى أعطاها".
قال سليمان بن طرخان: الراوي عن أنس "حسبت أنه" أي: أنسًا "قال: عشر أمثاله، أو كما قال" أنس. وفي مسلم حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبًا من عشرة أمثاله، قال الحافظ: وعرف بهذا أن معنى قوله: ولك كذا وكذا، أي: مثل الذي لك مرة، ثم شرع يزيدها مرتين ثلاثًا، إلى أن بلغ عشرة، "وإنما فعلت هذا أم أيمن؛ لأنها ظنَّت أنها كانت هبة مؤيدة؛ وتمليكًا لأصل الرقبة", والواقع: إنها هبة للمنفعة فقط، ففيه مشروعية هبة المنفعة، دون الرقبة، فلم يكن لها امتناع، ولا أخذ بدل، "و" لكن "أراد ﷺ استطابة قلبها، في استرداد ذلك، فلاطفها، وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ففيه منزلة أم أيمن، وهي أم أسامة بن زيد، وابنها أيمن، صحابيّ أسنّ من أسامة، استشهد بحنين، وعاشت أم أيمن بعده ﷺ قليلًا، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده، وكثره حلم وبره ﷺ ".
"وجاءته ﷺ إمرأة", قال الحافظ: لم أقف على اسمها، وفي بعض الحواشي: إنها أم زفر ماشطة خديجة، ونزع فيه، وتردد البرهان في المقتفى، في أنها هي، أو غيرها؛ وجزم غيره بأنها هي، لكن نوزع، "كان في عقلها شيء" من الجنون، ولم يصرح به إشارة لخفته، وأنها لم تستغرق فيه، فإن لفظ شيء يشعر بالقلة، "فقالت: إن لي إليك حاجة" أي: لي حاجة أريد أن أنهيها إليك، وأعلمك بها، "فقال: "اجلسي" بصيغة المخاطبة من أمر الحاضر، "في أي سكك" طرق "المدينة شئت أجلس" بالجزم جواب الأمر "إليك" , أي: معك، فإلى بمعنى عند، وهذا الحديث في الصحيحين، "و" زاد في "في رواية مسلم "حتى أقضي حاجتك" , قيل: ولعلها كانت تعقد بالطريق، لما في عقلها، فعبَّر عن إجابتها بذلك، أو أظهر كمال الاهتمام والاستعجال بقضاء حاجتها بهذا البيان، "فخلا معها في بعض الطريق، حتى فرغت من حاجتها" لأنه كانстр. 2874
فخلا معها في بعض الطريق حتى فرغت من حاجتها.
ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه ﷺ .
وقال عبد الله بن أبي الحمساء -بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة وبالسين المهملة في آخره وهمزة ممدودة: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت, فذكرته بعد ثلاث, فإذا هو في مكانه, فقال: "لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" رواه أبو داود.
وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان ﵊ لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. رواه النسائي.
الحواشي
(١) محرمًا لجميع النساء، قال بعض: وفيه إيماء وإرشاد إلى أنه لا يخلو أجنبي مع أجنبية، بل إذا عرضت حاجة يكون معها بموضع لا يتطرق فيه تهمة، ولا يظن به ريبة؛ لكونه بطريق المارة, وفيه حل الجلوس في الطريق لحاجة، وموضع النهي من يؤذي، أو يتأذَّى بقعوده فيها، وأنه ينبغي للحاكم المبادرة إلى تحصيل غرض أولي الحاجات، ولا يتساهل في ذلك "ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه ﷺ " لبروزه للناس، وقربه، وصبره على المشاق لأجل غيره خصوصًا، امرأة في عقلها شيء.
"وقال عبد الله بن أبي الحمساء -بالحاء المهملة المفتوحة، والميم الساكنة، وبالسين المهملة في آخره، وهمزة ممدودة- العامري, سكن البصرة، وقيل: إنه ابن أبي الجدعاء، قال في الإصابة: والراجح أنه غيره، "بايعت النبي ﷺ " أي: بعت له شيئًا "قبل أن يبعث، وبقيت له" أي: لذلك المبيع "بقية" لم تسلم له، "فوعدته أن آتيه بها في مكانه" أي: في مكان وقع فيه البيع؛ "فنسيت" الوعد، فذكرته بعد ثلاث" أي: أيام، ولم يقل ثلاثة لحذف المعدود، فيجوز تذكيره مع المذكور، وتأنيثه مع المؤنث، فجئته "فإذا هو" مستقر "في مكانه" لم يفارقه، "فقال:" "يا فتى، لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" ففيه وفاؤه بعهده، ووعد من قبل البعثة، "رواه أبو داود" منفردًا به عن الكتب الستة؛ وأخرجه البزار من طريق عبد الكريم بن عبد الله بن سفيان، عن أبيه، عن ابن أبي الحمساء، "وقال عبد الله بن أوفى" -بفتح الهمزة، والفاء، بينهما واو ساكنة- واسمه علقمة، صحابي، ابن صحابي، "كان ﵊ لا يأنف" لا يستكبر، "أن يمشي مع الأرملة" المرأة التي لا زوج لها؛ "والمسكين" بكسر الميم، لغة جميع العرب، إلّا بني أسد، فبفتحها من السكون؛ لسكونه إلى الناس، "فيضي له الحاجة، رواه النسائي".стр. 2875
وفي رواية البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وعند أيضا: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت.
والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد.
وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة؛ وحيث عمَّم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، أي: كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي: من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرُّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدتها في تلك الحالة لساعدها على ذلك، وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ .
ودخل الحسن وهو يصلي قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في...............................................
الحواشي
(١) "وفي رواية البخاري" في باب الكبر من كتاب الأب، عن أنس قال: "إن" أي: أنه "كانت" رواية أبي ذر عن الكشميهني ولغيره، بحذف إن، كما بينه المصنف، "الأَمَة" أيّ أَمَة كانت، وأسقط البخاري من إماء المدينة، "لتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها، حتى تذهب به حيث شاءت", وبقية هذه الرواية: ويجيب إذا دعي، "والمقصود من الأخذ باليد لازمه، هو الانقياد، وقد اشتمل" الحديث الذي رواه البخاري، وأحمد معًا، وقصره على الثاني لا وجه له؛ إذ لا ريب أن سياق البخاري اشتمل "على أنواع من المبالغة، في التواضع لذكره، والمرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة" بقوله: إن كانت الأمة، "وحيث عمَّم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي: من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرف حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة، والتمست مساعدتها في تلك الحالة، لساعدها على ذلك" بالخروج معها، "وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ " ومن ثَمَّ أورده البخاري في باب الكبر، إشارة إلى براءته منه، "ودخل الحسن" السبط، "وهو" ﷺ "يصلي، قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ ف سجوده حتى نزل الحسن، فلمَّا فرغ، قال له بعض أصحابه: يا رسول الله، قد أطلتстр. 2876
سجوده حتى نزل الحسن، فلمَّا فرغ, قال له بعض أصحابه: يا رسول الله, قد أطلت سجودك. قال: "إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله". أيّ جعلني كالراحلة فركب على ظهري.
وكان ﵊ يعود المرضى، ويشهد الجنازة. أخرجه الترمذي في الشمائل.
وحجَّ ﵊ على رحل رثٍّ وعليه قطيفة لا يساوي أربعة دراهم.........
الحواشي
(١) سجودك! قال: "إن ابني ارتحلني، فكرهت أن أعجله"، أي: جعلني كالراحلة، فركب على ظهري".
"وكان ﵊ يعود المرضى" الشريف، والوضيع، والحر، والعبد، حتى عاد غلامًا يهوديًّا كان يخدمه، فقعد عند رأسه، فقال له: "أسلم" فنظر إلى أبيه، فقال له: أطع أبا القاسم، فأسلم، فخرج ﷺ وهو يقول: "الحمد لله الذي أنقذه من النار" رواه البخاري عن أنس، وعاد عمَّه أبا طالب، وهو مشرك، وعرض عليه الإسلام، وقصته في الصحيحين، وعدت العيادة تواضعًا مع أن فيها رضا الله، وحيازة الثواب، ففي الترمذي، وحسَّنه مرفوعًا، "من عاد مريضًا ناداه مناد، طبت وطاب ممشاك، وتبوأت من الجنة منزلًا"، ولأبي داود: "من توضأ، فأحسن الوضوء، وعاد أخاه المسلم محتسبًا, بُوعِدَ من جهنم سبعين خريفًا" إلى غير ذلك، لما فيها من خروج الإنسان عن مقتضى جاهه، وتنزهه عن مرتبته إلى ما دون ذلك، "ويشهد الجنازة" أي: يحضرها للصلاة عليها، هبها لشريف أو وضيع، فيتأكد التأسي به، وآثر قوم العزلة، ففاتهم خير كثير، "أخرجه الترمذي في الشمائل" من حديث أنس، "وحجَّ ﵊ كما رواه ابن ماجه، والترمذي في الشمائل، والبيهقي عن أنس، قال: حج رسول الله ﷺ "على رحل" بالفتح، أي: راكبًا عليه، وهو للجمل، كالسرج للفرس، "رث" بمثلثة، بالٍ خَلِق، "وعليه" أي: على الرحل، كما هو أنسب بالسياق، ويؤيده قوله في رواية أخرى، على رحل وقطيفة، فأفادت أن ضمير عليه ليس للمصطفى، "قطيفة" كساء خمل، "لا يساوي" أي: لا يسع ثمنها "أربعة دراهم", وفي رواية: كنا نرى ثمنها أربعة دراهم، قال المصنف: وفيه مسامحة، والتحقيق أنها لا تساويها، كما في هذه الرواية، وزعم تعدد القصة ممنوع؛ إذ لم يحج إلا مرة واحدة، انتهى.
وذلك لأنه في أعظم مواطن التواضع؛ إذ الحج حالة تجرد وإقلاع، وخروج من الموطنстр. 2877
فقال: "اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة".
وكان إذا صلَّى الغداة جاءه خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلَّا غمس يده فيه، فربما جاءه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها. رواه مسلم والترمذي.
وكان ﵊ حسن العشرة مع أزواجه، وكان ﵊ ينام مع أزواجه.
الحواشي
(١) سفر إلى الله، ألا ترى ما فيه من الإحرام؟ ومعناه: إحرام النفس من الملابس، تشبيهًا بالفارين إلى الله، والتذكير بالموقف الحقيقي، "فقال: "اللهم اجعله حجًّا" بفتح الحاء، وكسرها، "لا رياء فيه" لا عمل لغرض مذموم، كان يعمل ليراه الناس، "ولا سمعة" لا عمل ليسمع الناس، ويصير مشهورًا به، فيكرم، ويعظم جاهه في قلوبهم، فتضرع ﷺ إلى الله، وسأله عدم الرياء والسمعة، مع كمال بعده عنهما، تخشعًا، وتذللًا، وعدًّا لنفسه كواحد من الآحاد من عظيم تواضعه؛ إذ لا يتطرق ذلك إلا لمن حجَّ على مراكب نفيسة، وملابس فاخرة، وأغشية محبرة، وأكوار مفضَّضة، هذا مع أنه ﷺ أهدى في هذه الحجة مائة بدنة، وأهدى أصحابه ما لا يسمح به أحد، ومنهم عمر، أهدى فيما أهدى بعيرًا، أعطى فيه ثلثمائة دينار، فأبى قبولها، "وكان إذا صلَّى الغداة" أي: الصبح، "جاءه خدم" أهل "المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلّا غمس يده فيه" للتبرك بيده الشريفة، "فربما جاءه في الغداة الباردة، فينغمس يده فيها", ولا يمتنع لأجل البرد، من مزيد لطفه، وتواضعه، "رواه مسلم، والترمذي" وأحمد من حديث أنس، وفيه بروه للناس، وقربه منهم؛ ليصل كل ذي حق لحقه، وليعلم الجاهل ويقتدي بأفعاله، وكذا ينبغي للأئمة بعده، والحديث رواه أيضًا أبو نعيم في الدلائل، عن أبي أنس كان ﷺ أشد الناس لطفًا، والله ما كان يمتنع في غداة باردة, من عبد ولا أمة تأتيه بالماء، فيغسل وجهه وذراعيه، وما سائل قط إلّا أصغى إليه، فلا ينصرف حتى يكون هو الذي ينصرف عنه، وما تناول أحد يده قط إلا ناوله إياها، فلا ينزع حتى يكون هو الذي ينزعها منه.
"وكان ﵊ حسن العشرة مع أزواجه" جمع زوج، أي: امرأة؛ لأن اللغة الفصحة زوج، بلا هاء، وبها جاء القرءان في نحو ﴿وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ حتى بالغ الأصمعي، فقال: لا تكاد العرب تقول زوجه بالهاء، وهذا تفصيل، لما قدمه إجمالًا، لأنه إذا كان حسن العشرة مع غيرهن، فمعهن أولى، "وكان ﵊ ينام مع أزواجه" في فراش واحد،стр. 2878
قال النووي: وهو ظاهر فعله الذي واظب عليه مع مواظبته ﷺ على قيام الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام فتركها، فيجمع بين وظيفته وأداء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف.
وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته في فراش واحد أفضل، لا سيما إن عرف من حالها حرصها على هذا، ولا يلزم من نومه معها الجماع والله أعلم.
وقد كان ﵊ يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. رواه الشيخان.
وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب. رواه مسلم.
وإذا تعرقت عرقًا -وهو العظم الذي عليه اللحم- أخذه فوضع فمه على موضع فمها.................
الحواشي
(١) والمراد مع الواحدة منهن، ولو كانت حائضًا، كما في حديث ميمونة عن البخاري، "قال النووي: وهو ظاهر فعله الذي واظب عليه" فيه إشعار؛ بأنَّه قد يعرض له غير هذه الحالة لعذر، "مع مواظبته ﷺ على قيام الليل، فينام مع إحداهن" التي هي صاحبة النوبة، "فإذا أراد القيام لوظيفته, قام فتركها" راقدة في الفراش, "فيجمع بين وظيفته" من قيام الليل, "وأداء حقها المندوب، وعشرتها بالمعروف" إذ هو خير من امتثل: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩] الآية، "وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته في فراش واحد أفضل" من النوم كل في فراش، فتركه مكروه، لا حرام؛ إذ القصد الإنس، لا الجماع ونحوه، "لا سيما إن عرف من حالها، حرصها على هذا" فيتأكد الاستحباب، "ولا يلزم من نومه معها الجماع" فلا يؤخذ منه ندبه كل ليلة، "والله أعلم".
"وقد كان ﵊ يسرّب" من التسريب، بالمهملة، وهو الإرسال والتسريح، أي: يرسل "إلى عائشة بنات الأنصار" واحدة بعد أخرى، "يلعبن معها"؛ لأنها كانت صغيرة، "رواه الشيخان، وإذا شربت" عائشة "من الإناء، أخذه، فوضع فمه على موضع فمها وشرب" إشارة إلى مزيد حبه لها، "رواه مسلم. وإذا تعرقت عرقًا" بفتح العين المهملة، وإسكان الراء، "وهو العظم الذي عليه اللحم، أخذه، فوضع فمه على موضع فمها" قال في النهاية: العرق، بالفتح، والسكون: العظم إذ أخذ عنه معظم اللحم، وعرقت اللحم وأعرقته إذا أخذت عنه اللحم بأسنانك، وفي المصباح: عرقت العظم عرقًا من باب قتل، أكلت ما عليه من اللحم، فجعلهстр. 2879
رواه مسلم أيضًا.
وكان يتكئ في حجرها، ويقبّلها وهو صائم. رواه الشيخان.
وكان يريها الحبشة وهم يلعبون في المسجد وهي متكئة على منكبة, رواه البخاري. ورواه الترمذي، بلفظ: قام ﷺ , فإذا حبشة تزفن والصبين حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ , فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت, فجعلت أقول: لا، لا. وقال: حسن صحيح غريب.
وروي أنه ﷺ سابقها فسبقته، ثم سابقها فسبقها, فقال: "هذه بتلك".........
الحواشي
(١) مصدرًا، والمصنف اسما، وعليه، فهو مجاز؛ إذ المصدر، لا يتصور وضع الفم عليه، فيكون المعنى أخذ المعروق، فالضمير راجع إليه، بمعنى اسم المفعول، لكن في القاموس: العرق العظم بلحمه، فإذا أكل لحمه، فعراق كغراب، وعليه فإطلاق العرق حقيقي، "رواه مسلم أيضًا" من حديثها: "وكان يتكئ في حجرها، ويقبلها، وهو صائم. رواه الشيخان" عنها، وروى الأئمة الستة عنها، كان يُقَبِّلُ النساء وهو صائم، وبه تعلق الظاهرية، فجعلوا القبلة سنَّة للصائم، وقربة من القرب، وكرهها الجمهور، وردوا على أولئك؛ بأنه كان يملك إربه، كما صرَّحت به عائشة عند الشيخين بلفظ، وكان أملكهم لإربه، وأيما كان لا يفطر إلا بإنزال، "وكان يريها الحبشة، وهم يلعبون" بحرابهم، للتدريب على مواقع الحرب، والاستعداد، ولذا جاز "في المسجد"؛ لأنه من منافع الدين "وهي متكئة على منكبه" ولعله أراها لعبهم لتضبطه، وتعلمه، فتنقله بعد الناس، "رواه البخاري" من حديثها.
"ورواه الترمذي بلفظ: قام ﷺ فإذا حبشة" أي: جماعة من الحبشة "تزفن" بفتح الفوقية، وسكون الزاي، وكسر الفاء، وبالنون، ترقص، "والصبيان حولها" ينظرون إليها "فقال: "يا عائشة تعالى فانظري"، فجئت، فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ فجعلت أنظر إليها" أي: الحبشة: "ما بين المنكب إلى رأسه" أي: ورأسه، فإلى بمعنى الواو، أي: حالة كون لحيي موضوعًا عليه، ما بين منكبه ورأسه، "فقال لي: "أما شبعت أما شبعت؟ " من رؤيتهم، "فجعلت أقول: لا لا" بالتكرار، "وقال" الترمذي "حسن صحيح غريب" بمعنى: تفرَّد به الراوي، وهو ثقة، فيجامع الصحة والحسن، "وروي أنه ﷺ سابقها" في سفر، "فسبقته" لخفة جسمها بقلة اللحم، "ثم سابقها" بعد ذلك في سفر آخر، وقد سمنت، "فسبقها، فقال" مطيبًاстр. 2880
رواه أبو داود بلفظ: سبقتها في سفر فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني قال: "هذه بتلك السبقة".
وعن أنس بن مالك: أنهم كانوا يومًا عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂، ثم أتي بصحفة من بيت أم سلمة، فوضعت بين يدي النبي ﷺ فقال: ضعوا أيديكم، فوضع نبي الله ﷺ يده ووضعنا أيدينا فأكلنا، وعائشة تصنع طعامًا عجَّلته قد رأت الصحفة التي أتي بها، فلما فرغت من طعامها جاءت به فوضعته ورفعت صفحة أم سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ : "كلوا بسم الله، غارت أمكم"، ثم أعطى صحفتها أم سلمة, فقال: "طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء". رواه الطبراني في الصغير.
الحواشي
(١) لخاطرها "هذه بتلك" روى الإمام أحمد عنها: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، وأنا جارية، لم أحمل اللحم ولم أبدن، فقال للناس: "تقدَّموا" فتقدموا، ثم قال: تعالي حتى أسابقك، فسابقته، فسبقته، فسكت عني حتى حملت اللحم، وبدنت وسمنت، خرجت معه في بعض أسفاره، فقال للناس: "تقدموا", ثم قال ﷺ : "أسابقك"، فسبقني، فجعل يضحك، ويقول: "هذه بتلك"، "رواه أبو داود بلفظ: سابقته في سفر، فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم" صرت سمينة، كما قالت في الرواية الأخرى: وبدنت، بضم الدال، وفتحها، وسنت، "سابقته" في سفر آخر، "فسبقني، قال: "هذه بتلك السبقة" من مزيد لطفه حتى لا تتشوش.
"وعن أنس بن مالك: إنهم كانوا يومًا عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂، ثم أتي بصحفة" إناء، كالقصعة المبسوطة، ونحوها، جمعها صحاف، "من بيت أم سلمة، فوضعت بين يدي النبي ﷺ , فقال: "ضعوا أيديكم" للأكل، فوضع نبي الله ﷺ يده, ووضعنا أيدينا، فأكلنا، وعائشة تصنع طعامًا عجَّلته" أسرعت به، والحال أنها "قد رأت الصحفة التي أتي بها" من بيت أم سلمة، "فلمَّا فرغت من طعامها، جاءت به فوضعته، ورفعت صفحة أم سلمة، فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ من صحفة عائشة: "غارت أمكم" هي، كأسرة الصحفة عائشة أم المؤمنين، وأبعد الداودي، فقال: هي سارة زوج الخليل، وأنه أراد، لا تعجبوا مما وقع من هذه من الغيرة، فقد غارت تلك قبلها، ورد مع بعده؛ بأن المخاطبين ليسوا من أولاد سارة؛ إذ ليسوا من بني إسرائيل، "ثم أعطى صحفتها أم سلمة، فقال: "طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء". "رواه الطبراني في الصغير" وعزاه في الفتح، والمقدمة له في الأوسط.стр. 2881
وهو عند البخاري بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة, ويقول: "غارت أمكم" , ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت.
وعند أحمد وأبو داود والنسائي، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعامًا مثل
الحواشي
(١) "وهو" أي: حديث أنس "عند البخاري" في المظالم، والأطعمة، "بلفظ كان ﷺ عند بعض نسائه" هي عائشة، كما في الترمذي وغيره، ولا خلاف في ذلك، "فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين" صفية، رواه أبو داود والنسائي، من حديث عائشة، أو حفصة، رواه الدارقطني من حديث أنس، وابن ماجه عن عائشة، أو أم سلمة.
رواه الطبراني في الأوسط عن أنس، وإسناده أصح من إسناد الدارقطني، وساقه بسند صحيح، وهو أصح ما ورد في ذلك، ويحتمل التعدد, وحكى ابن حزم في المحلَّى أن المرسلة زينب بنت جحش، ذكره الحافظ, وتبعه المصنف في جزم السيوطي بالأخير، شيء "بصحفة" لفظ البخاري في الأطعمة, ولفظه في المظالم بقصعة، بفتح القاف "فيها طعام" أي: حيس، كما في المحلَّى لابن حزم، وتأتي رواية يلتقط اللحم، فيحتمل أن اتحدت القصة، أنه كان فوق الحيس، قال الشاعر:
التمر والسمن جميعًا والأقط ... الحيس إلّا أنه لم يختلط
مع خادم، "فضربت التي النبي" ﷺ "في بيتها" هي عائشة على جميع الأقوال، "يد الخادم" لم يسم، قاله الحافظ، "فسقطت الصحفة، فانفلقت، جمع ﷺ فلق الصحفة، ثم جعل يجمع فيها الطعام، الذي كان في الصحفة، ويقول" مبديا لعذرها: "غارت أمكم" عائشة، "ثم حبس الخادم" منعه من العود إلى سيدته التي أرسلته، "حتى أتى بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة" التي، لا كسر فيها "إلى" الخادم ليوصلها إلى "التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت" عقابًا لها، فإن قيل: القصعة متقوّمة، فكيف ضمنها بالمثل، لا بالقيمة، أجاب البيهقي؛ بأن القصعتين كانتا للنبي ﷺ في بيت زوجيته. فعاقب الكاسرة بجعل المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين.
"وعند أحمد، وأبي داود، والنسائي، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعامًا" حسنًا، "مثلстр. 2882
صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء من طعام, فما ملكت نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: "إناء كإناء وطعام كطعام". وعند غيرهم: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقام النبي ﷺ يلتقط اللحم والطعام وهو يقول: "غارت أمكم"، فلم يثرب عليها.
فوسع خلقه الشريف آثار طفحات آثار غيرتها، ولم يتأثر، وقضى عليها بحكم الله في التقاصّ. وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهن ويعذرهن، وإن أقام عليهن قسطاس العدل إقامة من غير قلق ولا غضب، بل رءوف رحيم، حريص عليهن وعلى غيرهن، عزيز عليه ما يعنتهم.
قيل: وفي هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة.....
الحواشي
(١) صفية أهدت إلى النبي ﷺ " وهو في بيتي "إناء من طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته" أي: الإناء، ثم رجعت إلى نفسي، وندمت، "فقلت: يا رسول الله ما كفارته، قال: "إناء كإناء، وطعام كطعام" , ففي هذه الرواية أن المرسِلَة صفية، فيخالف رواية الطبراني أنها أم سلمة، إن لم تحمل على التعدد، "وعند غيرهم، فأخذت القصعة" بفتح القاف، "من بين يديه، فضربت بها، وكسرتها، فقام النبي ﷺ يلتقط اللحم والطعام، وهو يقول: "غارت أمكم" عائشة، فلا تلوموها، "فلم يثرب" بضم التحتية، وفتح المثلثة، وكسر الراء ثقيلة، أو بفتح، فسكون، فكسر، "عليها" أي: لم يلمها، ولم يعبها، "فوسع خلقه الشريف" وفي نسخة: الكريم، "آثار" أي: شدائد، "طفحات آثار" حرارة "غيرتها" بفتح الغين المعجمة، فأطلق الطفح لذي هو امتلاء الإناء حتى يفيض على شدة الغيرة مجازًا، "ولم يتأثر" من فعلها ذلك بحضوره، وحضور أصحابه، لمزيد حلمه، وعلمه بما تؤدي إليه الغيرة، "وقضى عليها بحكم الله في التقاص" أي: العقاب، بجعل المكسورة عندها، ودفع الصحيحة لضرتها، فكأنه قاصصها، فأطلق التقاص مجازًا عن ذلك، وإلا فكلاهما له، كما مرَّ عن البيهي.
"وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهنَّ، ويعذرهن" بكسر الذال، برفع عنهن اللوم،، "وإن اقام عليهن قسطاس" ميزان "العدل" مبالغة، أي: يفعل ذلك مع العدل بينهن، "إقامة" مصدر مؤكَّد "من غير قلق، ولا غضب" كما هو الواقع من غيره كثيرًا، وهذا أولى من جعل أن شرطًا جوابها إقامة، لما لا يخفى، "بل" هو "رءوف" شديد الرحم "رحيم" يريد الخير، "حريص عليهن، وعلى غيرهن" أن يهتدوا، "عزيز" شديد "عليه ما يعنتهم" بكسر النون، أي: عنتهم، أي: مشقتهم، ولقاؤهم المكروه، "قيل: وفي هذا الحديثстр. 2883
الغَيْرَى فيما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة. وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعًا: إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. انتهى.
وعن عائشة ﵂: أتيت النبي ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة -والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت لها؛ كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين أو لألطِّخن بها وجهك، فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها, فضحك رسول الله ﷺ , فوضع فخذه لها وقال لسودة: لطِّخي وجهها، فلطَّخت بها وجهي, فضحك ﷺ . الحديث رواه ابن غيرن من حديث الهاشمي, وأخرجه الملاء في سيرته.
الحواشي
(١) إشارة إلى عدم مؤاخذة الغيرى، فيما يصدر" يقع "منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا، بشدة الغضب الذي أثارته" حركته، "الغيرة" -بفتح المعجمة وسكون التحتية وراء- مصدر غار، مشتقة من تغيِّر القلب، وهيجان الغضب بسبب المشاركة فيما به الاختصاص، وأشد ما يكون بين الزوجين، "وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به، عن عائشة مرفوعًا أن" المرأة "الغيرى" يقال: امرأة غيور، وغيرى، "لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه" فقد تهلك بسبب ذلك، وقد كتب الله ذلك عليهن. روى البزار، والطبراني عن ابن مسعود: كنت جالسًا مع النبي ﷺ ومعه أصحابه؛ إذ أقبلت امرأة عريانة، فقام إليا رجل، فألقى عليها ثوبًا، وضمَّها إليه، فتغيِّر وجهه ﷺ ، فقال بعض جلسائه: حسبها امرأته، فقال ﷺ : "أحسبها غيرى، إن الله كتب الغيرة على النساء، والجهاد على الرجال، فمن صبر منهن كان له أجر شهيد" انتهى.
"وعن عائشة ﵂: أتيت النبي ﷺ بخزيرة" بخاء، وزاي معجمتين، فياء، فراء، فتاء تأنيث "طبختها له، وقلت لسودة" أم المؤمنين، "والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين، أو لألطخنَّ بها وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة، فلطخت بها وجهها" بالتخفيف، وتشديد مبالغة، "فضحك رسول الله ﷺ ، فوضع فخذه لها، وقال لسودة: لطِّخي وجهها" قصاصًا، "فلطَّخت بها وجهي، فضحك رسول الله ﷺ . الحديث، رواه ابن غيلان من حديث الهاشمي، وأخرجه الملاء" بفتح الميم، وشد اللام، والإمام الزاهد عمر الموصلي "في سيرته" كان إمامًا عظيمًا ناسكًا، يملأ من بئر بجامع الموصل احتسابًا، وكان السلطان نور الدين الشهيد يعتمد قوله، ويقبل شهادته، ذكره الشامي في فضائل آل البيت من سيرته، "والخزيرة: اللحم يقطع صغارًا، ويصب عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرстр. 2884
والخزيرة: اللحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق.
وبالجملة؛ فمن تأمَّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء والأيتام والأرامل والأضياف والمساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب ولينه الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق. وإن كان يشتد في حدود الله وحقوقه ودينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك.
وقد كان ﷺ يباسط أصحابه بما يولج حبه في القلوب، كان له رجل من البادية يسمى زهيرًا، وكان يهادي النبي ﷺ بموجود البادية، بما يستطرف منها، وكان ﷺ يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها،..................................
الحواشي
(١) عليه الدقيق،" ويأتي فيه للمصنف كلام طويل في الأكل النبوي، "وبالجملة، فمن تأمَّل سيرته ﵊ مع أهله، وأصحابه، وغيرهم من الفقراء، والأيتام، والأرامل والأضياف، والمساكين، عَلِمَ أنه قد بلغ من رقة القلب ولينه، الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق" أي: لا يصل أحد بعده إليها، "وإن كان يشتد في حدود الله، وحقوقه، ودينه، حتى قطع يد السارق إلى غير ذلك" كحد الزاني، "وقد" للتحقيق, "كان ﷺ يباسط" يلاطف "أصحابه" بالقول والفعل، "بما يولج" يدخل "حبه في القلوب" تطمينًا لهم، وتقوية لإيمانهم، وتعليمًا لهم أن يباسطوا بعضهم بعضًا؛ لأنهم إذا رأوا ذلك من أكمل الخلق، وأفضلهم، وقد علموا قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية، اطمأنَّت قلوبهم على فعل ذلك مع بعضهم.
"كان له رجل من البادية يسمى زهيرًا" الذي في الشمائل، وغيرها زاهرًا، وكذا بخط ابن الجوزي، والشامي، وفي الإصابة زاهر بن حرام الأشجعي، قال ابن عبد البر: شهد بدرًا، ولم يوافق عليه، وقيل: إنه تصحف عليه؛ لأنه وصف بكونه بدويًّا حرام والده، يقال: بالفتح، والراء، ويقال: بالكسر والزاي، ووقع في رواية عبد الرزاق بالشك، انتهى.
فإن صحَّت رواية بتصغيره، أمكن أنه خوطب تحببًا، وملاطفة، واسمه الأصلي زاهر، وفي رواية أحمد، وغيره، وتصغيره على أزيهر، "وكان يهادي النبي ﷺ " أي: يهدي، فالمفاعلة مستعملة في أصل الفعل، لأنه علق مهاداته "بموجود البادية"، أي: ما يوجد حسنًا، من ثمارها، وزهورها، "بما يستطرف" بالطاء المهملة، يستملح "منها" بدل مما قبله؛ لأن موجودها حسن، وغيره، "وكان ﷺ يهاديه، ويكافئه" عطف علة على معلول، أي: يهاديه مكافأة له على هديته، "بموجود الحاضرة، وبما يستطرف منها" كذا في نسخ، بواو عطف التفسير، وفي نسخة بلا واوстр. 2885
وكان ﷺ يقول: "زهير باديتنا، ونحن حاضرته"، وكان ﷺ يحبه، فمشى ﷺ يومًا إلى السوق فوجده قائمًا، فجاء من قبل ظهره وضمَّه بيده إلى صدره, فأحس زهير بأنه رسول الله ﷺ ، قال: فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء بركته.
وفي رواية الترمذي في الشمائل: فاحتضنه من خلفه ولا يبصره، فقال أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ , فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "من يشتري..............
الحواشي
(١) على البدل، "وكان ﷺ يقول: "زهير باديتنا" أي: ساكنها، وإذا تذكرناها سكن قلبنا برؤيته، أو نستفيد منه ما يستفيده الرجل من باديته من أنواع الثمار، وصنوف النبات، فكأنه صار باديتنا، وإذا احتجنا متاع البادية جاء به لنا، فأغنانا عن السفر إليها، فالتاء على هذه الوجوه للتأنيث؛ لأنه الأصل، ويحتمل أن التاء للمبالغة، أي: بادينا، كما ورد، كذلك، قيل، وهو أظهر، أو المراد حقيقتها التي هي خلاف الحاضرة، ويحتمل أنه من إطلاق اسم المحل، وهو البادية على الحال، وهو ساكنها، "ونحن حاضرته" أي: يصل إليه منا ما يحتاج إليه، مما في الحاضرة، أو لا يقصد بمجيئه إلى الحضر إلا مخالطتنا، وتوقّف بعض في الأول؛ بأن المنعم لا يليق به ذكر إنعامه، منع؛ بأنه ليس من ذكر المنّ بالأنعام في شيء، بل إرشاد إلى مقابلة الهدية بمثلها، أو أفضل.
"وكان ﷺ يحبه، فمشى ﷺ يومًا إلى السوق" لحاجته، لا لمحبته، فهو توطئة لقوله: "فوجده قائمًا" يبيع متاعه، "فجاءه من قِبَل" بكسر ففتح، جهة "ظهره" تفريع على قوله يحبه، "وضمَّه بيده إلى صدره، فأحسَّ زهير بأنه رسول الله ﷺ " أي: أدرك ذلك بطريق من الطرق، "قال: فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء"، حصول "بركته، وفي رواية الترمذي في الشمائل" من طريق ثابت عن أنس؛ أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهرًا، وكان يهدي إلى النبي ﷺ هدية من البادية، فيجهزه النبي ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال ﷺ : "إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه"؛ وكان رسول الله ﷺ يحبه، وكان رجلًا دميمًا، فأتاه النبي ﷺ ، وهو يبيع متاعه، "فاحتضنه" أي: أدخله في حضنه، وهو ما دون الإبط إلى الكشح بزنة فِلس، ما بين الحاضرة إلى الضلع "من خلفه" أي: جاء من ورائه، وأدخل يده تحت إبطي زاهر، فاعتنقه، "ولا يبصره" جملة حالية، "فقال: أرسلني من هذا" أي: خلني، وأطلقني، "فالتفتّ" سقط من بعض نسخ الشمائل، "فعرف النبي" القياس، فعرف أنه النبي " ﷺ ، فجعل، لا يألوا" لا يترك، ولا يقصر، "ما" مصدرية، "ألصق ظهره" أي: لا يقصر في إلصاق ظهره، "بصدر النبي ﷺ " تبركًا، وتلذذًا، وتحصيلًا لثمرات ذلك الإلصاق، من الكمالات الناشئة عنه "حين عرفه" كرره اهتمامًا بشأنه، وإيماء إلى أن منشأ هذا الإلصاق ليس إلا معرفته، "فجعل رسول الله ﷺ يقول:стр. 2886
العبد"، فقال له زهير: يا رسول الله، إذن تجدني كاسدًا، فقال له ﷺ : "أنت عند الله غالٍ"، وفي رواية الترمذي أيضًا: "لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله غال".
وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلًا كان يهدي للنبي ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي ﷺ , فقال: أعط هذا متاعه، فما يزيد النبي ﷺ على أن يتبسم، ويأمر به فيعطى.
ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا...........
الحواشي
(١) "من يشتري العبد" أي: من يشتري مثله في الدمامة، أو يستبدله مني؛ بأن يأتي بمثله، فلما فعل ذلك معه ملاطفة، نزله منزلة العبد، أو من يقابل هذا العبد، الذي هو عبد الله بالإكرام، والتعظيم، أو أراد التعريض له؛ بأنه ينبغي أن يشتري نفسه من الله، ببذلها فيما يرضيه، وفيها تكلف.
"فقال له زهير: يا رسول الله إذن" أي: إذا بعتني "تجدني كاسدًا" رخيصًا، لا يرغب فيَّ أحد لدمامتي، وقبح منظري، فأذن جواب شرط محذوف، ويجوز أن أذن للظرفية، والتنوين عوض عن الجملة المحذوفة، أي: إذا كنت عبدًا تبيعني، لكن هذا قليل، فلذا اقتصر الشراح على ما قبله، "فقال له ﷺ : "أنت عند الله غال" بغين معجمة، رفيع القدر عنده، وإن كسد في الدنيا لقبح منظره، ومن أول قوله، فقال له زهير: أتى به من الرواية الأولى التي لم يعزها، ثم عاد لرواية الشمائل، فقال: "وفي رواية الترمذي أيضًا" بقية الرواية السابقة، فقال: يا رسول الله إذن، والله تجدني كاسدًا، فقال النبي ﷺ : "لكن عند الله لست بكاسد، أو" شك من الراوي، "قال: "أنت عند الله غال" ببركة محبته ﷺ ، فالصورة، لا يلتفت إليها؛ "إن الله لا ينظر إلى صوركم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم" "وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم" العدوي، مولى عمر المدني، ثقة، عالم، من رجال الجميع، كان يرسل "أن رجلًا" هو عبد الله، الملقَّب بحمار، بلفظ الحيوان المعروف، كما في الإصابة عن أبي يعلى نفسه، "كان يهدي للنبي ﷺ العكة من السمن" تارة، "والعسل" أخرى، ويحتمل أنهما مخلوطين، كما هو شأن العرب كثيرًا، "فإذا جاء صاحبه يتقاضاه" أي: يطلبه، "جاء به إلى النبي ﷺ فقال: "أعط هذا متاعه" أي: ثمنه، كما في الرواية اللاحقة، "فما يزيد النبي ﷺ على أن يتبسم" تعجبًا، "ويأمر به، فيعطى" لثمن.
"ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم" الأنصاري، المدني له رؤية، وليس له سماع إلّا من الصحابة، قتل يوم الحرة، سنة ثلاث وستين، "وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلاстр. 2887
اشترى منها، ثم جاء فقال: يا رسول الله، هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول: "ألم تهده لي" , فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
وكان ﷺ يمزح..........
الحواشي
(١) اشترى منها" فليست هديته قاصرة على السمن والعسل، "ثم جاء، فقال: يا رسول الله هذا أهديته لك" أي: حملته لك، كما تحمل الهدية، فلا يرد كيف يطلب ثمنه بعد قوله ذلك، "فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه، جاء به، فيقول: أعط هذا الثمن، فيقول" ﷺ : "ألم تهده لي؟ " استفهام تقرير، "فيقول: ليس عندي" ما أهديه، وإنما أتيت به، أريد ثمنه لمالكه، "فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه" هكذا مشاه شيخنا، وهو خلاف الظاهر، ولذا قال بعض المحققين من شراح الشمايل: كان هذا الصحابي ﵁، من كمال محبته للنبي ﷺ ، كلما رأى طرف أعجبته اشتراها، وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها، إذا حصل لديه، فلما عجز صار، كالمكاتب، فرجع إلى مولاه، وأبدى إليه جميع ما أولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فرجع بالمطالبة إلى سيده، ففعله هذا جد حق ممزوج بمزاح صدق، انتهى.
وقع نحو ذلك للنعيمان بالتصغير، ابن عمرو بن رفاعة الأنصاري، ذكر الزبير بن بكار في كتاب الفكاهة، والمزاج، كان لا يدخل المدينة طرفة إلا اشترى منها، ثم جاء به إلى النبي ﷺ ، فيقول: هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه، أحضره إلى النبي، فيقول: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: "أولم تهده لي؟ "، فيقول: أنا والله لم يكن عندي ثمنه، ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك، ويأمر لصاحبه بثمنه، "وكان ﷺ يمزح" لأن الناس مأمورون بالتأسي به، والاقتداء بهديه، فلو ترك الطلاقة والبشاشة ولزم العبوس؛ لأخذ الناس أنفسهم بذلك على ما في مخالفة الغريزة، من المشقة والعناء، فمزح ليمزحوا، قاله ابن قتيبة، وقال الخطاب: سئل بعض السلف عن مزاحه ﷺ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط للناس بالدعابة، قال: وأنشد ابن الأعرابي في نحو هذا يمدح رجلًا:
يتلقَّى الندى بوجه صبيح ... وصدور القنا بوجه وقاح
فبهذا وزاد تتم المعاني ... طرق الجد غير طرق المزاح
ولا يخالف هذا قوله ﷺ : "ليست من دَدِ، ولا الدد مني" أخرجه البخاري في الأدب المفرد، والبيهقي عن أنس، والطبراني في الكبير عن معاوية، ودد -بفتح الدال الأولى، وكسر الثانية- أي: لست من أهل اللعب واللهو، ولا هما مني، وقد رواه الطبراني أيضًا، والبزار، وابن عساكر، عن أنس بزيادة: "ولست من الباطل، ولا الباطل مني"، لأن المنفي ما كان بباطل،стр. 2888
ولا يقول إلا حقًّا. كما روى أبو هريرة، وقد قال له رجل كان فيه بله: يا رسول الله احملني، فباسطه ﵊ من القول بما عساه أن يكون شفاءً لبلهه بعد ذلك، فقال: "أحملك على ابن الناقة". فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوة, فقال: يا رسول الله، ما عسى أن يغني عني ابن الناقة، فقال ﷺ : "ويحك, وهل يلد الجمل إلا الناقة"، روى الحديث الترمذي وأبو داود.
وباسط عمته صفية..........
الحواشي
(١) ومجرد لهو ولعب مجرد، وهو في مزاحه صادق، كما قال: "ولا يقول إلّا حقًّا" فلا ينافي الكمال حينئذ، بل هو من توابعه وتتماته، لجريه على القانون الشرعي، فمن زعم تناقض الحديثين من الفرق الزائغة فقد ضلَّ، "كما روى أبو هريرة" قال: قالوا يا رسول الله: إنك تداعبنا، قال: "إني لا أقول إلا حقًّا" أخرجه الترمذي وغيره. "وقد قال له رجل كان فيه بله" أي: عدم اهتمام بأمر الدنيا، وتأمَّل في معاني الألفاظ، حتى حمل الكلام على المتبادر، من أن المراد بالبنوة الصغير، فليس صفة ذم هن، فهو كقوله في الحديث: "أكثر أهل الجنة البلة" أي: في أمر الدنيا لقلة اهتمامهم بها، وهم أكياس في أمر الآخرة، وللبلة إطلاقات، منها هذا، وعدم التمييز، وضعف العقل، والحمق؛ وسلامة الصدر، ولكل مقام مقال، "يا رسول الله احملني" على دابة، "فباسطه ﵊ من القول: بما" أي: شيء "عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك" والظن، بل الجزم أنه حصل له الشفاء بتلك المداعبة، "فقال: "أحملك" خبر مبتدأ محذوف، أي أنا أحملك، بدليل رواية الترمذي، وأبي داود: إني حاملك "على ابن الناقة، فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه، البنوة، فقال: يا رسول الله ما عسى أن يغنى عني ابن الناقة" أنثى الإبل، ولا تسمَّى ناقة حتى تجزع, "فقال ﷺ : "ويحك، وهل يلد الجمل إلا الناقة؟ " فلو تدبرت، وتأملت اللفظ، لم تقل ذلك، ففيه مع المباسطة، الإيماء إلى إرشاده وإرشاد غيره؛ أنه إذا سمع قولًا يتأمله، ولا يبادر برده، إلّا بعد أن يدرك غوره، ولا يسارع إلى ما تقتضيه الصورة.
"روى حديثه الترمذي" وصححه، "وأبو داود" وأحمد، والبخاري في الأدب، عن أنس: أن رجلًا أتى النبي ﷺ يستحمله، فقال: "إني حاملك على ولد الناقة" , فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: "وهل يلد الإبل إلا النوق؟ " وجاءته امرأة، فقالت: يا رسول الله احملني على بعير، فقال: "احملوها على ابن بعير" فقالت: ما أصنع به, وما يحملني يا رسول الله؟ فقال: "هل تجيء بعير إلّا ابن بعير؟ " فتعددت الواقعة بالنسبة للرجل والمرأة، وأما الخطاب بقوله: "أحملك على ابن الناقة"، وأنا أحملك وفي رواية: أنا حاملوك، فلرجل واحد، والخلف اللفظي من الرواة، فبعضهم باللفظ، وبعضهم بالمعنى، لا لتعدد الواقعة، لاتحاد المخرج، "وباسط عمتهстр. 2889
وهي عجوز فقال لها: "إن الجنة لا يدخلها عجوز"، فلما جزعت فقال لها: "إنك تعودين إلى صورة الشباب في الجنة"، وفي رواية الترمذي عن الحسن. أتته ﷺ عجوز فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال: "يا أم فلان, إن الجنة لا يدخلها عجوز"، قال: فولت تبكي فقال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥، ٣٦] " وذكره رزين.
الحواشي
(١) صفية" بنت عبد المطلب، أم الزبير، مما نقله صاحب المورد عن خط بعض المحدثين.
وقال غيره: إنه سمعه من مشايخ الحديث، وتوقَّف فيه بعضهم، فقال: الله أعلم بصحته، ففي حديث عائشة عند البيهقي، أتت خالتي، "وهي عجوز" وصفية ليست خالة عائشة, قلت: إن صح ما قالوه، فسمتها خالتها إكرامًا وتعظيمًا لسنها، على العادة في تسمية المسنَّة خالة، لا لكونها أخت أمها حقيقة, "فقال لها: "إن الجنة لا يدخلها عجوز" فلما جزعت" بكسر الزاي، "قال لها: "إنك تعودين إلى صورة الشباب في الجنة" فلا تجزعي، فإنما هذا مباسطة، وهي حق، "وفي رواية الترمذي عن الحسن" أي: البصري؛ لأنه المراد عند الإطلاق، وبه صرح شراح الشمايل، ولم يقع في متنها نعته بالبصري، حتى ظنَّ بعض من كتب عليها؛ أنه ابن علي، وليس، كما ظن.
"أتته ﷺ عجوز، فقالت: يا رسول الله, ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال: "يا أم فلان" نسي الراوي اسمها، وما أضيف إليه، فكنَّى عنه بما يكنَّى به الأعلام، "إن الجنة لا يدخلها عجوز" كأنه فهم من حالها، إنها تريد دخولها على صفتها، حالة السؤال، فمازحها مريدًا إرشادها إلى خلاف ما في وهمها، الذي لا يطابق ما سيقع، "قال: فولت" ذهبت أو أعرضت "تبكي" حال من فاعل ولت، أي: ذهبت حال كونها باكية، فقال: "أخبروها" أعلموها "أنها لا تدخلها" جملة سدت مسد ثاني وثالث مفعول أخبر، وضمير لا تدخلها، وما بعد أما إليها، أو إلى العجوز المطلقة، والأول أقرب، "وهي عجوز" مسنة، ولا تؤنث بالهاء، قاله ابن السكيت، وقال ابن الأنباري: سمع تأنيثه، أي: لا تدخلها، والحا أنها موصوفة بهذه الصفة، واستشهد على ذلك تطييبًا لخاطرها، فقال: "إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾ [الواقعة: ٣٥] الآية" أي: النسوة، أي: أعدنا إنشاءهن ﴿إِنْشَاءً﴾ خاصًّا، وخلقناهن خلقًا غير خلقهن، وتفسير الآية بالجور، وإن كان مقتضى سياق القرآن يرده هذا الحديث, ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾ بعد كونهن عجائز شمطاء مصافي الدنيا، ﴿أَبْكَارًا﴾ عذارى، وإن وطئت كثيرًا، فكلما أتاها الرجل وجدها بكرًا، كما ورد في الأثر، ولكن لا دلالة للفظ عليه، "وذكره رزين" بن معاوية، العبدري،стр. 2890
وكان ﵊ يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم.
ويأخذ معهم في تدبير أمورهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره، وهو مع ذلك سره في الملكوت يجول حيث أراد الله به.
والدعابة -بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة: هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره.
وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة؛ قالوا: إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلَّا حقًّا.
الحواشي
(١) السرقسطي، ورواه الترمذي، أيضًا، وابن الجوزي، موصولًا عن أنس: إن عجوزًا دخلت على النبي ﷺ فقال لها ومازحها به: "لا يدخل الجنة عجوز"، وحضرت الصلاة، فخرج ﷺ إلى الصلاة، فبكت بكاء شديدًا، حتى رجع، فقالت عائشة: يا رسول الله إن هذه المرأة تبكي لما قلت لها، لا يدخل الجنة عجوز، فضحك، وقال: "أجل لا يدخل الجنة عجوز، ولكن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا، عُرُبًا أَتْرَابًا﴾ [الواقعة: ٣٥] الآية "، وهن العجائز الرمص، ولا تنافي بين روايتي وصله وإرساله؛ لأن الحسن حدَّث به مرسلًا تارة بإسقاط أنس، وتارة وصله بذكر أنس، وقد رواه الطبراني في الأوسط من وجه آخر، من حديث عائشة: "وكان ﵊ يمازح أصحابه" بالقول والفعل، للملاطفة، "ويخالطهم، ويحادثهم" تأنيسًا لهم، وجبرًا لقلوبهم، ولا ينفرهم، "ويأخذ معهم" أي: يشاركهم "في تدبير أمورهم، ويداعب" بدال مهملة، "صبيانهم، ويجلسهم في حجره" بكسر الحاء، وفتحها، كما فعل مع أم قيس؛ إذ أتته بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه في حجره، فبال على ثوبه، فدعا بماء، فنضحه، "وهو مع ذلك سره في الملكوت، يجول" بالجيم، "حيث أراد الله، والدعابة -بضم الدال، وتخفيف العين المهملتين، وبعد الألف موحدة: هي الملاطفة في القول بالمزاح -بضم الميم، وبالزاي: اسم مصدر من مزح مزحا، ومزاحة، وبكسر الميم مصدر مازح، كما في المصباح "وغيره" كالمداعبة الفعلية، كمجه في وجه محمود، واحتضانه زاهرًا، "وقد أخرج الترمذي، وحسنه من حديث أبي هريرة" قال: "قالوا:" أي: الصحابة مستفهمين، "إنك تداعبنا" -بدال وعين، تمازحنا بما يستملح، وقد نهيت عن المزاح، فهل المداعبة خاصة بك؟ "قال: "إني لا أقول إلا حقًّا" فمن حافظ على قول الحق، وتجنب الكذب، وأبقى المهابة والوقار فله، ومن داوم عليها، أو أكثر منها، أو اشتمل مزحه على كذب، أو أسقطت مهابته، فلا".стр. 2891
وما ورد عنه ﵊ في النهي عن المداعبة محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين وغير ذلك.
والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب -كما كان هو فعله ﵊ فهو مستحب.
وقال أنس: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على النبي ﷺ ذات يوم حزينًا فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال......................................................
الحواشي
(١) "وما ورد عنه ﵊ في النهي عن المداعبة" كقوله: "لا تمار أخاك، ولا تمازحه، ولا تعده موعدًا فتخلفه" رواه الترمذي "محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله وعن التفكر في مهمات الدين، وغير ذلك"، كقسوة القلب؛ وكثرة الضحك، وذهاب ماء الوجه، بل كثيرًا ما يورث الإيذاء، والحقد، والعداوة، وجراءة الصغير على الكبير؛ وقد قال عمر: من كثر ضحكه قلت هيبته, ومن مزح استخف به. أسنده العسكري، ولذا، قيل:
فإياك إياك المزاح فإنه ... يجري عليك الطفل والرجل الذلا
ويذهب ماء الوجه من كل سيد ... ويورثه من بعد عزته ذلا
"والذي يسلم من ذلك" بأن لا يؤدي إلى حرام، ولا مكروه، "هو المباح" المستوي الطرفين على الأصح، "فإن صادف" المباح "مصلحة؛ مثل تطييب نفس المخاطب، كما كان هو فعله ﵊، فهو مستحب" وقضيته أنه لا يقترن به ما يصيره واجبًا، ولو قيل: إن تعيِّنَ طريقًا لدفع حرام لم يبعد وجوبه، ذكره شيخنا، وقال غيره: ما سلم من المحذور فهو بشرطه مندوب لا مباح؛ إذ الأصل في أفعاله وأقواله وجوب أو ندب الاقتداء به فيها إلا لمانع، ولا مانع هنا.
"وقال أنس: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا" -بضم الخاء المعجمة، أتى به توطئة لقوله: "وكان لي أخ" من أمِّه، أم سليم، "يقال له أبو عمير" بضم العين، وفتح الميم، ابن أبي طلحة زيد بن سهل الأنصاري، وكان اسمه عبد الله، فيما جزم به أبو أحمد الحاكم، أو حفص، كما عند ابن الجوزي، ومات في حياة النبي ﷺ ، ففي مسلم عن أنس أن ابنًا لأبي طلحة مات، فذكر قصة موته، وأنها قالت لأبي طلحة هو أسكن مما كان: وبات معها، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "بارك الله لكما في ليلتكما"، فأتت بعبد الله ابن أبي طلحة، فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله الفقيه، وأخوته كانوا عشرة، كلهم حمل عنه العلم؛ "وكان له نغر يلعب" يتلهى "به، فمات، فدخل على النبي ﷺ ذات يوم حزينًا، فقال: "ما شأنه"، قالوا:стр. 2892
له: "يا أبا عمير ما فعل النغير"، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية الترمذي قال أنس: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي: "يا أبا عمير ما فعل النغير".
قال الجوهري: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان.
وقد كان ألقى عليه مع الدعابة والمهابة،........
الحواشي
(١) مات نغرة، فقال له: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " ملاطفة وتأنيسًا له وتسلية، وفيه جواز تكنية من لم يلد له، وتكنية الطفل، وأنه ليس كذبًا، وجواز المزح فيما ليس بإثم، وجواز السجع في الكلام الحسن بلا كلفة، وملاطفة الصبيان وتأنيسهم، وبيان ما كان عليه المصطفى من حسن الخلق، وكرم الشمائل والتواضع.
"رواه البخاري" في الأدب وغيره، "ومسلم" في الصلاة والاستئذان، وفضائل النبي، والترمذي في الصلاة، وابن ماجه في الأدب، "وفي رواية الترمذي" وكذا البخاري في الأدب، بهذا اللفظ أيضًا، ومسلم، فما أدري لم هذا التوهُّم من المصنّف، "قال أنس: إن" مخففة من الثقيلة, بدليل دخول اللام في خبرها، أي: إنه "كان النبي ﷺ ليخالطنا" بالملاطفة، وطلاقة الوجه، والمزاح، قاله المصنف، وقال غيره: ليخالطنا يمازحنا، ففي القاموس: خالطه مازحه، والمراد أنس، وأهل بيته، "حتى" انتهت مخالطته لأهلنا كلهم حتى الصبي، والمداعبة معه، والسؤال عن طيره، "يقول لأخ لي" من أمي: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " أي: ما شأنه وحاله، فباسطه بذلك ليسليه حزنه عليه، كما وشأن الصغير إذا فقد لعبته، فيفرح بمكالمة المصطفى ويرتاح بها ويفتخر؛ ويقول لأهله: كلمني وسألني، فيشتغل باغتباطه بذلك عن حزنه، فيسلي ما كان، وقد أكثر الناس من استنباط الأحكام من ذا الحديث، وزاد أبو العباس بن القاص من الشافعية، على مائة أفردها في جزء.
"قال الجوهري: النغير تصغير نغر" بزنة رطب، "والنغر جمع النغرة، وهو طائر صغير، كالعصفور" وقيل فراخ العصافير، قال عياض: والراجح أنه طائر أحمر المنقار، وأهل المدينة يسمونه البلبل، وفي رواية قالت أم سليم: ماتت صعوته التي كان يلعب بها، فقال: "يا أبا عمير ما فعل النغير؟ " "والجمع نغران مثل صرد" ميزان النغر، "وصردان" ميزان نغران، وقضية هذا، أنه بصيغة كونه جمعًا يطلق على الطائر، وفيه خلاف، فعلى عدم إطلاقه، فضمير وهو طائر للنغير المصغَّر، "وقد كان ألقي عليه مع الدعابة المهابة" العظمة في النفوس والإجلال، والمخافة على خلاف مقتضى حال المداعب، فإن المداعبة قد تكون سببًا لسقوطه من العيون.стр. 2893
ولقد جاء إليه ﷺ رجل فقام بين يديه, فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال له: "هوّن عليك، فإني لست بملك ولا جبار, إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة"، فنطق الرجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: "يا أيها الناس, إني أوحي إلى أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد, ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانًا".
الحواشي
(١) "ولقد جاء إليه ﷺ رجل" لحاجة يذكرها له لقوله الآتي، فنطق بحاجته، "فقام بين يديه، فأخذته رعدة شديدة" -بفتح الراء، وكسرها- كما في القاموس، واقتصر المصباح على الكسر، وهي اضطراب قوي، "ومهابة" أي: مخافة، عطف سبب على مسبب، والمهابة تكون بمعنى العظمة والخوف، وهو المراد هنا، "فقال له: "هوّن عليك" خَفِّف عن نفسك هذا الخوف، وأزله منك، ولا تجزع مني، "فإني لست بملك" أي: متصور بصورة الملوك، بل أنا عبد الله، "ولا جبار" أخبر الناس على ما أردته منهم؛ من فعل، أو ترك عطف لازم على ملزوم، "إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" اللحم المقدد "بمكة"، فنطق الرجل بحاجته؛ فقام ﷺ لما رأى تواضعه مع الرجل، سكن روعه، حتى تمكن من عرض حاجته عليه، أمرهم بالتواضع، وبين أنه بالوحي، فقال: "يا أيها الناس إني أوحي إلي" وحي، إرسال، لا إلهام، كما زعم، لأنه خلاف الأصل والظاهر، بلا دليل "أن تواضعوا" أي: تواضعكم أي: أمركم به، "ألا فتواضعوا" بخفض الجناح ولين الجانب، "حتى لا يبغي" لا يجوز، ولا يتعدى "أحد" منكم "على أحد" ولو ذميًّا، أو معاهدًا، أو مؤمنًا؛ وحتى هنا بمعنى كي، كما قال الطيبي: فهو علة للتواضع، فيكون طريقًا لترك البغي والعدي، "ولا يفخر" بمعجمة، لا يتعاظم، "أحد على أحد" بتعداد محاسنه كبرًا، ورفع قدره على الناس تيهأ وعجبًا.
قال ابن القيم: والتواضع انكسار القلب لله، وخفض جناح الذل والرحمة للخلق، حتى لا يرى له على أحد فضلًا، ولا يرى له عند أحد حقًّا، بل، ويرى الحق لذلك الأحد؛ "وكونوا" يا "عباد الله" فهو منادى، يحذف الأداة والخبر "إخوانًا" لا عبادًا لله؛ إذ هم عباده، فالقصد كونهم إخوانًا، قال المجد بن تيمية: نهى الله على لسان رسوله عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهما البغي والفخر؛ لأن المستطيل إن استطال بحق فقد افتخر، أو بغير حق، فقد بغى، فلا يحل هذا ولا هذا، فإن كان إنسان من طائفة فاضلة، كبني هاشم، فلا يكن حظه استشعار فضل نفسه والنظر إليها، فإنه مخطئ؛ إذ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، قرب حبشي أفضل عند الله من جمهور قريش، ثم هذا النظر يوجب بغضه وخروجه عن الفضل؛ فضلًا عن استعلائه واستطالته بهذا.стр. 2894
فسكَّن ﵊ روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، وسلب عنه وصف الملوكية بقوله: "فإني لست بملك"، لما يلزمها من الجبروتية، وقال: "أنا ابن امرأة تأكل القديد"، تواضعًا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة.
ولما رأته ﵊ قبلة بنت مخرمة في المسجد، وهو قاعد القرفصي, أرعدت من الفرق. رواه أبو داود.
الحواشي
(١) وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه، والحاكم من حديث أبي مسعود البدري، والحاكم أيضًا من حديث جرير، "فسكن ﵊ روعه" بالفتح، خوفه وفزعه، "شفقة؛ لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، وسلب عنه وصف الملوكية" أي: الوصف بكونه من الملوك، "بقوله: "فإني لست بملك"، لما يلزمها من الجبروتية" التكبر والافتخار، ولم يقل والجبرية، للإشارة إلى أنه من عطف اللازم على الملزوم، كما مَرَّ، "وقال: "أنا ابن امرأة" فنسب نفسه إليها، ولم يقل رجل، زيادة في شدة التواضع، وتسكين الروع، لما علم من ضعف النساء، ووصفها بأنها "تأكل القديد"، تواضعًا، لأنَّ القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة" فكأنه قال: إنما أنا ابن امرأة مسكينة، تأكل مفضول الأكل، فكيف تخاف مني؟ "ولما رأته ﵊ قبلة" بفتح القاف، وسكون التحتية، ولام، "بنت مخرمة" بفتح الميم، وإسكان المعجمة، التميمية، ثم من بني العنبر، هاجرت إلى النبي ﷺ ، ولها حديث طويل فصيح، شرحه أهل الغريب, وقصة طويلة "في المسجد" بعد صلاة الصبح، "وهو قاعد القرفصي" مثلثة القاف، والفاء مقصورة، والقرفصاء بضم القاف، والراء على الاتباع أن يجلس على البنية، ويلصق خذيه ببطنه، ويحتبي بيديه؛ يضعهما على ساقيه، أو يجلس على ركبتيه منكبًّا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبط كفيه، قاله القاموس: "أرعدت من الفرق" -بفاء وراء مفتوحين وقاف: الخوف والفزع.
"رواه أبو داود" والترمذي، والبخاري في التاريخ، عنها في حديثها الطويل، وروى ابن سعد، وابن جرير، والطبراني، وابن منده، عنها: لما رأيت رسول الله ﷺ متخشعًا في الجلسة، وهو قاعد القرفصاء، أرعدت من الفرق، فقال جليسه: يا رسول الله أرعدت المسكينة، فقال ﷺ : ولم ينظر إليّ، وأنا عند ظهره: "يا مسكينة عليك السكينة" , فلما قالها أذهب الله ما كان دخل قلبي من الرعب، ومتخشعًا، بضم الميم، وفوقية، فمعجمة مفتوحتين، فمعجمة، فمهملة من الخشوع، وهو الانقياد، والطاعة.стр. 2895
وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صحبت رسول الله ﷺ ، ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيمًا له، ولو قيل لي صفة لما قدرت، أو كما قال.
وإذا كان هذا قوله وهو من جملة أصحابه، ولولا أنه ﵊ كان يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم, لما قدر أحد منهم أن يقعد معه, ولا أن يسمع كلامه, لما رزقه الله تعالى من المهابة والجلالة. يبين ذلك ويوضحه ما روي أنه ﵊ كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة، وإلّا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك للصلاة، وما ذاك إلّا أنه ﵊ لو خرج على تلك الحالة التي كان عليها، وما حصل له من القرب والتداني.............................................
الحواشي
(١) "وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص" القرشي، السهمي، الصحابي، ابن الصحابي، "قال: صحبت رسول الله ﷺ " صحبة طويلة، وسمعت منه أحاديث كثيرة، وحفظت عنه ألف مثل، ومع ذلك "ما ملأت عيني منه قط، حياء منه، وتعظيمًا له، ولو قيل لي صفه" بجميع أوصافه، "لما قدرت", فلا ينافي أنه وصفه ببعضها، "أو كما قال" عبد الله، شك الراوي، هل قال هذا اللفظ، أو معناه، "وإذا كان هذا قوله، وهو من جلة أصحابه" -بكسر الجيم، وشد اللام- جمع جليل، ويجمع أيضًا على أجلاء، قال المجد: قوم جلة بالكسر، عظماء سادة ذوو أخطار، وجواب إذا، محذوف، أي: فما بال بغيره، "ولولا أنه ﵊ كان يباسطهم، ويتواضع لهم، ويؤنسهم، لما قدر أحد منهم أن يقعد معه، ولا أن يسمع كلامه، لما رزقه الله تعالى من المهابة، والجلالة" عطف تفسير "يبين" يظهر "ذلك ويوضحه" بعد ظهوره، أي: يكشف حقيقة أمره، "ما روي أنه ﵊، كان إذا فرغ من ركوع الفجر" أي: صلاة ركعتيه قبل الصبح، "حدَّث عائشة إن كانت مسيقظة، وإلا اضطجع بالأرض", وهذا إذا كان ببيتها، لأنه كان يقسم، وحجر نسائه متصلة بالمسجد، فلا يأتي له مع القسم أن يتحدث معها بعد كل فجر، ثم يحتمل أنه كان يحدث من هو عندها، ولم ينقل، لأنهن لم يحدثن به، ويحتمل أن لا يحدث، ويقتصر على الاضطجاع، وفي الصحيحين عن عائشة: كان إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن، "ثم خرج بعد ذلك للصلاة، وما ذاك إلّا أنه ﵊ كان يتهجد ليلًا ويشتغل بما يقربه من الله، فيظهر عليه حاله حتى يظن أنه ليس من البشر، "فلو خرج على تلك الحالة التي كان عليها، وما حصل له منстр. 2896
في مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التي يكل اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره، فكان ﵊ يتحدث مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو التأنيس مع عائشة أو من جنس أصل الخلقة التي هي الأرض. ثم يخرج إليهم، وما كان إلا رفقًا بهم، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . قال ابن الحاج في المدخل.
وقد جاء في الحديث أنه لما خُيِّرَ بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا, فنظر ﵊ إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع، فاختار ﵊ العبودية، فلما كان تواضعه إلى الأرض؛ حيث أشار جبريل أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفيق الأعلى، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى،........................................
الحواشي
(١) القرب، والتداني، في مناجاته وسماع كلام ربه، وغير ذلك من الأحوال، التي يكل" بكسر الكاف، "اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه، ولا يباشره، فكان ﵊ يتحدث مع عائشة، أو يضطجع بالأرض" للتنويع، كما علم، "حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو التأنيس مع عائشة" التي هي بشر، "أو من جنس أصل الخلقة، التي هي الأرض، ثم يخرج إليهم" ليتمكن الناس من مخالطته، والتكلُّم معه، "وما كان" يفعل ذلك "إلا رفقًا بهم ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ [الأحزاب: ٤٣] الآية. كما قال تعالى وصفًا لذاته العليا في سورة الأحاب، وهو من صفات المصطفى أيضًا، كما قال تعالى: ﴿بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] الآية.
"قال ابن الحاج في المدخل" كتاب نفيس، "وقد جاء في الحديث أنه لما خُيِّر" على لسان إسرافيل، "بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا، فنظر" جواب، لما أدخل المصنّف عليه الفاء على عادته، وهو قليل "﵊ إلى جبريل، كالمستشير له" لأنه يجب الاستشارة، "فنظر جبريل إلى الأرض، يشير إلى التواضع" لأن تركه طلب للرفعة المنهي عنها، وفي التواضع يعظم غيره، حتى كأنه نزل نفسه منزلة الملصق بالأرض، ثم الإشارة ليست بمجرد نظر الأرض، بل مع الإشارة باليد، ففي رواية، فأشار إلى جبريل بيده أن تواضع، فقلت: نبيًّا عبدًا.
"فاختار ﵊ العبودية، فلمَّا كان تواضعه إلى الأرض؛ حيث أشار جبريل، أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفيق الأعلى، إلى حضرة قاب" قدر "قوسين، أو أدنى" أقرب من ذلك قرب مكانة لإمكان، لتنزهه سبحانه عنه، وخص القوسين؛ لأنهم كانوا إذاстр. 2897
وقف بين يديه محمود بن الربيع، وهو صغير ابن خمس سنين، فمج ﵊ في وجهه مجَّة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان في ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبي ﷺ إلا تلك المجة، فعد بها من الصحابة, وحديثه مذكور في البخاري من طريق الزهري عنه.
ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو في مغتسله، فنضح الماء في وجهها، فكان في ذلك من البركة في وجهها أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتًا في وجهها ظاهرًا في رونقها وهي..............
الحواشي
(١) أرادوا إيقاع صلح، أو عهد بينهم، يقف أحد المتصالحين تجاه الآخر، وفي يد كل منهما قوس يمده إلى صاحبه، بحيث يتلاقيان، "ووقف بين يديه محمود بن الربيع"، بن سراقة بن عمرو بن زيد الأنصاري الخزرجي، وزيادة ابن عبد البر من بني عبد الأشهل، ذهول؛ لأنهم من الأوس، وهذا من الخزرج، قيل: من بني الحارث بن الخزرج، وقيل: من بني سالم بن عوف، "وهو صغير ابن خمس سنين" كما في البخاري عنه، قال في الفتح: وذكر عياض في الألماع وغيره: إن في بعض الروايات أنه كان ابن أربع، ولم أقف على هذا صريحًا في شيء من الروايات بعد التتبع التام، إلّا إن كان ذلك مأخوذًا من قول صاحب الاستيعاب، أنه عقل المجة، وهو ابن أربع، أو خمس، وكان الحامل له التردد، قول الواقدي أنه مات ابن ثلاث وتسعين، والأول أولى بالاعتماد لصحة سنده، على أن قول الواقدي: يمكن حمله إن صح على أنه ألقي الكسر، وجبره غيره، وقال في الإصابة: أكثر روايته عن الصحابة، وأمه جميلة بنت أبي صعصعة، ومات سنة تسع وتسعين، وكأنه مأخوذ من رواية الطبراني عنه، توفي النبي ﷺ وأنا ابن خمس سنين.
"فمجَّ ﵊ في وجهه مجة من ماء" من بئر "من دلو" في رداهم "يمازحه بها، فكان في ذلك" المجّ "من البركة، أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبي ﷺ إلّا تلك المجة، فعدّ بها" بسبب تذكرها، وروايتها "من الصحابة" الراوين عن النبي ﷺ ، لا من الصحابة الذين رأوه، بلا رواية، "وحديثه مذكور" أي: مروي "في البخاري، من طريق الزهري، عنه" إلّا: عقلت من النبي ﷺ مجة مجها في وجهي، وأنا ابن خمس سنين من دلو، "ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة" من أبي سلمة بن عبد الأسد، المخزومية، حفظت عن النبي ﷺ ، وروت عنه، وعن أزواجه، أمها وعائشة، وأم حبيبة، وغيرهن، وعنها جماعة، وكانت فقيهة عالمة، "وهو في مغتسلة، فنضح الماء في وجهها، فكان" حصل "في ذلك من البركة في وجهها، أنه لم يتغيّر، فكان ماء الشباب ثابتًا في وجهها، ظاهرًا فيстр. 2898
عجوز كبيرة. وحديثها مذكور في البخاري.
فقد علمت أنه ﵊ كان مع أصحابه وأهله، ومع القريب والغريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه, والمزح مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الداعي, ولين الجانب, حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه.
وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا، فكان يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته من ظلمات دياجي الجهل، ويقتدوا بهديه ﷺ .
الحواشي
(١) رونقها" أي: حسنها وبهجتها، "وهي عجوز كبيرة" ولدت بالحبشة، وماتت سنة ثلاث وسبعين، وكان دخولها عليه بإشارة أمها، قال في الإصابة: روينا في الخلعيات، عن عطاف بن خالد، عن أمه، عن زينب بنت أبي سلمة، قالت: كان ﷺ إذا دخل يغتسل، تقول أمي: أدخلي عليه، فإذا دخلت نضح في وجهي، ويقول: "ارجعي"، قالت أم عطاف: فرأيت زينب، وهي عجوز كبيرة، ما نقص من وجهها شيء، وفي رواية، ذكرها أبو عمر: فلم يزل ماء الشباب في وجهها، حتى كبرت وعمرت، "وحديثها مذكور في البخاري".
"فقد علمت أنه ﵊ كان مع أصحابه، وأهله، ومع القريب والغريب،" على غاية "من سعة الصدر" يفتح السين على الأشهر، وحكى كسرها، "ودوام البشر" بكسر، فسكون، "وحسن الخلق" بالضم "والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه، والمزح مع الصغير والكبير أحيانًا" إذا اقتضاه المقام، "وإجابة الداعي" ولو عبدًا، "ولين الجانب، حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه" وقد وقع ذلك لعمرو بن العاص، "وهذا الميدان" بفتح الميم، وكسرها، محل تسابق الفرسان، والمراد هنا الحالة التي اتصف بها ﷺ مع الخلق، شبهها بالميدان، لشدة اتساعها وسهولتها، واستعار لها لفظه، "لا تجد فيه لّا واجبًا، أو مستحبًّا، أو مباحًا، فكان يباسط الخلق، ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته، من ظلمات دياجي الجهل" أي: من ظلم ليالي الجهل، أو من ظلمات هي دياجي الجهل، ففي القاموس: دياجي الليل حنادسه، والحندس، بالكسر: الليل المظلم، فيمكن أن إضافة دياجي إلى الجهل من إضافة الموصوف إلى صفته، أي: الجهل الذي هو كالليل المظلم، "ويقتدوا بهديه ﷺ " هكذا في النسخ الصحيحة، ليستيضيئوا ويقتدوا، وفي نسخة، بالنون فيهما، والصواب حذفها، وادَّعى البعض أنها لغة قليلة.стр. 2899
وكانت مجالسته ﷺ مع أصحابه ﵃ عامَّتها مجالس تذكير بالله، وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من الحكمة والمواعظ الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدِّين، كما أمره الله تعالى أن يذكِّر ويعظ ويقص، وأن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشِّر وينذر، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقَّة القلوب، والزهد في الدنيا, والرغبة في الآخرة، كما ذكره أبو هريرة مما رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه قال: قلنا يا رسول الله: ما لنا إذا كنَّا عندك رقَّت قلوبنا وزهدنا في الدنيا, وكنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا وأنكرنا أنفسنا.
فقال ﷺ : "لو أنكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في........................................................
الحواشي
(١) "وكانت مجالسته ﷺ مع أصحابه ﵃ عامَّتها مجالس تذكير بالله، وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرآن" وهو مشتمل على الثلاثة، "أو بما آتاه الله تعالى من الحكمة، والمواعظ الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدين، كما أمره الله تعالى أن يذكر" في نحو: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] الآية. "ويعظ" في نحو قوله: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ الآية. "ويقص" ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٦] الآية. "وأن يدعو إلى سبيل الله" ربه، دينه بقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] الآية. القرآن "والموعظة الحسنة" مواعظ القرآن، أو القول الرقيق، "وأن يبشر" في نحو: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا﴾ الآية. "وينذر" نحو: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ الآية، "فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقَّة القلوب، والزهد في الدنيا، والرغبة في الآخرة" حتى قال ابن مسعود: ما كنت أظن أحدًا من الصحابة يريد الدنيا، حتى نزل منكم من يريد الدنيا، ومنكم من يريد الآخرة، "كما ذكره أبو هريرة مما رواه أحمد، والترمذي، وابن حبان في صحيحه، قال: قالنا يا رسول الله، ما لنا إذا كنا عندك، رقت" لانت "قلوبنا، وزهدنا في الدنيا، وكنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك، عافسنا أهلنا، وشممنا" بكسر الميم، والفتح لغة، كما مرّ "أولادنا" بالإقبال عليها بالملاطفة والرفق، وتقبيل صغارهم، والشفقة عليهم، فأطلق الشم على ذلك مجازًا بتشبيه ما أدركوه من أولادهم بالرائحة الطيبة، ومخالطتهم لهم على هذا الوجه بالشم.
كذا حمله شيخنا، والأولى بقاؤه على حقيقته، "وأنكرنا أنفسنا، فقال ﷺ : "لو أنكم إذا خرجتم من عندي، كنتم على حالكم ذلك" الذي تكونون عليه عندي، إشارة إلى أن الدوام عليها عزيز، وإن عدمه لا يوجب معتبة لما طبع عليه البشر من المعتبة، "لزارتكم الملائكة فيстр. 2900
بيوتكم. الحديث.
وقوله: عافسنا: بالعين المهملة وبعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة -أي: عالجنا أهلنا ولاعبناهم.
ومن تواضعه ﷺ أنه ما عاب ذواقًا قط، ولا عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه رواه الشيخان.
الحواشي
(١) بيوتكم" لفظ أحمد، والترمذي: "لصافحتكم الملائكة بأكفهم، ولزارتكم في بيوتكم" , قال بعض العلماء: معناه، لو أنكم في معاشكم، وأحوالكم، كحالتكم عندي، لأظلتكم الملائكة، لأن حال كونكم عندي حال مواجيد، والذي يجدونه معه خلاف المعهود، إذا رأوا الأموال والأولاد، ومعه يرون سلطان الحق، ويشاهدونه، وترق أنفسهم لزوال سلطان الشهوة، ولم تصافحهم عنده؛ لأنها لم تكن حالتهم، بل حالة الحق، ولو كان ما يجدونه عنده حالهم، لكانت حالة ثابتة لهم هبة من الله، والله لا يرجع في هبة، ولا يسلب كرامته إلّا بالتقصير في واجباته، "الحديث" بقيته، "ولو لم تذنبوا لجاء الله بقوم يذنبون، كي يغفر لهم"، وأخرجه أبو يعلى والبزار، برجال ثقات من حديث أنس بلفظ: "لو أنكم إذا خرجتم من عندي، تكونون على الحال الذي تكونون عليها، لصافحتكم الملائكة بطرق المدينة"، وأخرج مسلم، والترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد، عن حنظلة الأسيدي، أنه سأل نحو سؤال أبي هريرة، فقال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لو كنتم تكونون في بيوتكم، على الحالة التي تكونون عليها عندي، لصافحتكم الملائكة، ولأظلتكم بأجنحتها، ولكن يا حنظلة ساعة وساعة" , وقوله: "عافسنا، بالعين المهملة، وبعد الألف فاء، فسين مهملة ساكنة، أي: يعالجنا أهلنا ولاعبناهم" نحوه قول النهاية المعافسة، المعالجة، الممارسة، والملاعبة، "ومن تواضعه ﷺ أنه ما عاب ذواقًا" أي مذوقًا "قط", من إطلاق المصدر على اسم المفعول، قال في الدرر: الذواق المأكول والمشروب، فعال بمعنى مفعول من الذوق، "ولا عاب طعامًا قط" سواء كان من صنع الآدمي أم لا، فلا يقول مالح نيء، ونحو ذلك، "إن اشتهاه أكله، وإلّا تركه" واعتذر بأنه لم يكن بأرض قومه، كالضب، وهذا، كما قال ابن بطال من حسن الأدب، لأن المرء قد لا يشتهي الشيء ويشتهيه غيره، وكل مأذون فيه من جهة الشرع لا عيب فيه. انتهى.
ثم هو بمعنى ما قبله، ففي المصباح: الطعام يقع على كل ما يساغ حتى الماء، وذوق الشيء، "رواه الشيخان" البخاري في الصفة النبوية، والأطعمة، ومسلم في الأطعمة من حديث أبي هريرة، قال: ما عاب النبي ﷺ طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه، وفي رواية وإلاстр. 2901
وهذا إذا كان الطعام مباحًا، أمَّا الحرام فكان يعيبه ويذمّه وينهي عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إذا كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأنَّ صنعة الله تعالى لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب. قال في فتح الباري: والذي يظهر: التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع.
قال النووي: ومن آداب الطعام المتأكد أن لا يعاب، كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج ونحو ذلك.
ومن تواضعه: إن هذه الدنيا شاع سبها في العالمين، فقال ﷺ : "لا تسبوا الدنيا"، ثم مدحها فقال: "نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر"............
الحواشي
(١) تركه، ولم يقع فيهما ما عاب ذواقًا قط، "وهذا إذا كان الطعام مباحًا، أما الحرام فكان يعيبه ويذمه وينهى عنه" للمنع عنه شرعًا، لا من حيث ذاته، فقد يكون حسن المذاق والصنعة، "وذهب بعضهم إلى أن العيب إن كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأن صنعة الله تعالى لا تعاب" فلذاكره ذمه، "وصنعة الآدميين تعاب" فلا يكره عيبه، "قال في فتح الباري: والذي يظهر التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع" بالنسبة للشق الثاني، الذي قال البعض بعدم كراهة ذمه، وأما الأول، فقد سلم كراهته، وعلَّله بأن صنعة الله لا تعاب، فالمعنى: أن للتعميم علتين، ذكر إحداهما هذا البعض، وفاتته الأخرى مع ظهورها بكسر قلب الصانع، وبهذا ظهر تعسف من قال: لا يصلح هذا دليلًا على التعميم، وإنما يناسب ما صنعه الآدميون، إلّا أن يقال ما لا صنع فيه للآدمي، كالفواك، يمكن عيبه من حيث زراعته، وخدمته، وقطعه قبل كمال نضجه، ونحو ذلك، فهو وإن كان إيجاده، إنما أيضًا فلله، لكن تدبيره وتهيئته للانتفاع به، يضاف للآدمي عادة، فذمه يكسر قلبه من هذه الجهة.
"قال النووي: ومن آداب الطعام المتأكدة" أي: الأمور المستحسنة المتعلقة به، "أن لا يعاب"؛ لأن المصطفى ما عاب طعامًا قط، ومعلوم الاقتداء به في أقواله، وأفعاله وغيرهما، فذكر هذا ليبين بعض أنواع العيب، "كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ" أي: ثخين "رقيق غير ناضج" أي: نيء، "ونحو ذلك" بالجر عطف على مدخول الكاف، فذكره إيضاح، "ومن تواضعه إن هذه الدنيا" ما بين السماء والأرض، "شاع سبها في العالمين" قديمًا وحديثًا، فنهى عن ذلك، "فقال ﷺ : "لا تسبوا الدنيا"، ثم مدحها فقال: "نعمت مطية المؤمن عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر" , فإن قيل ما وجه كون هذا من التواضع، مع أنه هضم النفس منстр. 2902
وقال: "لا تسبوا الدهر" رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "ولا تقولوا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر" , وفي لفظ له: "يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر,...................
الحواشي
(١) الملكات، تتصاغر تواضعًا، وفي القاموس: تواضع لله ذلَّ وخشع، قلنا: لعل وجهه من جهة أن الذين يسبونها يظهرون الاستغناء عنها، وعدم الاعتبار بها، مع أنه خلاف الواقع, فمدحه ﷺ لها, ونهيه عن سبها، فيه إظهار للمحقق من احتياج في فيها إليها، وقال: "لا تسبوا الدهر".
رواه مسلم بهذا اللفظ من حديث أبي هريرة، وزاد: "فإن الله هو الدهر"، وفي رواية: "فإن الدهو هو الله"، قال ابن الأثير: كان من شأن العرب أن تذم الدهر وتسبه عند النوازل والحوادث، ويقولون: أبادهم الدهر، وأصابتهم قوارع الدهر وحوادثه، ويكثرون ذكره بذلك في أشعارهم، وذكره الله عنهم، فقال: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] الآية، نموت ونحيى، وما يهلكنا إلا الدهر، والدهر اسم للزمان الطويل، وهذه الحياة الدنيا، فنهاهم ﷺ عن ذم الدهر وسبه، أي: لا تسبّوا فاعل هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتموه وقع السب على الله؛ لأنه الفعال لما يريد، لا الدهر، فتقدير رواية: "فإن الدهر هو الله"، فإن جالب الحوادث ومتوليها هو الله لا غيره، فوضع الدهر موضع جالب الحوادث، لاشتهار الدهر عندهم بذلك، وتقدير رواية: "فإن الله هو الدهر"، فإن الله هو الجالب للحوادث، لا غيره الجالب، ردًّا لاعتقادهم أن جالبها الدهر. انتهى.
"رواه" الحديث لا بهذا اللفظ، فإنه رواية مسلم، كما علمت لا البخاري، نعم ترجم به "البخاري" وكذا مسلم أيضًا، كلاهما في كتاب الأدب "من حديث أبي هريرة، بلفظ "لا تسموا العنب الكرم، ولا تقولوا خيبة الدهر" بالخاء المعجمة، والموحدة المفتوحتين، بينهما تحتية ساكنة، نصب على الندبة، كأنه فقد الدهر، لما يصدر عنه مما يكرهه، فندبه متفجعًا عليه، أو متوجعًا منه، وقال الداودي: هو دعاء عليه بالخيبة، كقولهم: قحَّط الله نواها، يدعون على الأرض بالقحط، وهي كلمة هذا أصلها، ثم صارت تقال لكل مذموم، وفي رواية لمسلم: وادهراه وادهراه، والخيبة الحرمان والخسران، قاله الحافظ وتبعه المصنف، وزاد: وهو من إضافة المصدر إلى الفاعل. انتهى.
وقال الكرماني: خيبة بالنصب، مفعول مطلق، أي: لا تقولوا هذه الكلمة، أو لا تقولوا ما يتعلق بخيبة الدهر ونحوها، ولا تسبوه، "فإن الله هو الدهر" أي الفاعل، ما يحدث فيه، قال القاضي عياض: زعم بعض من لا تحقيق عنده، أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان الدنيا، "وفي لفظ له" للبخاري، وكذا مسلم أيضا، كلاهما في أدب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: "يسب بنو آدم الدهر"، وفي رواية "يؤذينيстр. 2903
بيدي الليل والنهار". وعند مسلم في حديث: "لا يسب أحدكم الدهر".
الحواشي
(١) ابن آدم يسب الدهر"، قال القرطبي: معناه: يخاطبني من القول بما يتأذّى به من يجوز في حقه التأذي, والله منَزَّه عن أن يصل إليه الأذى، وإنما هذا التوسع في الكلام والمعنى، أن من وقع ذلك منه تعرض لسخط الله، قال الحافظ: وهذا السياق مختصر، وقد رواه الطبري.
عن أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "كان أهل الجاهلية يقولون: إنما يهلكنا الليل والنهار، هو الذي يميتنا ويحيينا، فقال الله تعالى في كتابه: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ [الجاثية: ٢٤] الآية، قال: فيسبون الدهر، قال الله تعالى: "يؤذيني ابن آدم يسب الدهر وأنا الدهر". قال الخطابي: معناه: أنا صاحب الدهر، ومدبر الأمور التي تنسبونها إلى الدهر، فمن سبَّ الدهر من أجل أنه فاعل هذه الأمور، عاد سبه إلى ربه الذي هو فاعلها، وإنما الدهر زمان جعل ظرفًا لمواقع الأمور، وكانت عادتهم إذا أصابهم مكروه أضافوه إلى الدهر، فقالوا: بؤسًا للدهر، وتبًّا للدهر، وقال النووي: أنا الدهر، بالرفع في ضبط الأكثرين والمحققين، ويقال بالنصب على الظرف, أي: أنا باق أبدًا، والموافق لقوله: "فإن الله هو الدهر" الرفع، هو مجاز، وذلك لأنَّ العرب كانت تسب الدهر عند الحوادث، فقال: لا تسبوه فإن فاعلها هو الله، فإن سببتموه سببتموني، أو الدهر هنا بمعنى الداهر، فقد حكى الراغب أن الدهر في يسب بنو آدم الدهر، هو الزمان، وفي، فإن الله هو الدهر, المدبر المصرف لما يحدث، ثم استضعفه لعدم الدليل على، وبأنه لو كان كذلك لعد من أسماء الله، وكذا قال محمد بن داود الظاهري محتجًّا لروايته، بفتح الراء، بأنه لو كان بضمها لكان من أسماء الله، وتعقَّب بأن ذلك ليس بلازم، ولا سيما مع رواية، فإن الله هو الدهر.
قال ابن الجوزي: يصوّب ضم الراء من أوجه، أحدها: إن الضم رواية المحدثين، ثانيها: لو نصب صار، التقدير، فإنا لدهر أقلبه، فلا تكون على النهي عن سبه مذكورة؛ لأنه تعالى يقلّب الخير والشر، فلا يستلزم ذلك منع الذم، ثالثها: رواية: "فإن الله هو الدهر" انتهى.
وهذه الأخيرة لا تعين الرفع، لأن للمخالف أن يقول التقدير: فإن الله هو الدهر يقلبه لترجع للرواية الأخرى، وكذا ترك علة النهي لا يعين، لأنها تعرف من السياق، أي: لا ذنب له، فلا تسبوه. انتهى.
"بيدي الليل والنهار" وفي رواية أحمد "ولا تسبوا الدهر، فإن الله تعالى"، قال: أنا الدهر، الأيام والليالي لي، أحددها، وأبليها، وآتي بملوك بعد ملوك، "وعند مسلم في حديث: "لا يسب أحدكم الدهر".
قال في الفتح: ومعنى النهي عن سبه: إن من اعتقد أنه فاعل للمكروه فسبَّه أخطأ، فإنстр. 2904
ومحصل ما قيل في تأويله، ثلاثة أوجه:
أحدها: إن المراد بقوله: "إن الله هو الدهر"، أي: المدبر للأمور.
ثانيها: إنه على حذف مضاف. أي: صاحب الدهر.
ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. ولذلك عقَّب في رواية البخاري: "بيدي الليل والنهار".
وقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن يكره له ذلك لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق.
الحواشي
(١) الله هو الفاعل، فإذا سبه رجع إلى الله، قال: "ومحصل ما قيل في تأويله" لعدم جواز بقائه على ظاهره، "ثلاثة أوجه، أحدها: إن المراد بقوله: "إن الله هو الدهر"، أي: المدبر للأمور" ومنها جلب الحوادث ودفعها، "ثانيها: إنه على حذف مضاف, أي: صاحب الدهر" أي الخالق له؛ إذ هو مده زمان الدنيا كما قال القاضي عياض, "ثالثها": إنه أيضًا لكن "التقدير مقلب الدهر" بالإضافة، وعدمها "ولذلك عقب في رواية البخاري" المذكورة "بيدي الليل والنهار" أقلبهما كيف شئت، وأجددهما وأبليهما،"وقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر"؛ لأنه ذهب مذهب الدهرية من الكفار المنكرين للصنع، زاعمين أن مرور الأيام والليالي هو المؤثر في هلاك النفوس، منكرين ملك الموت، وقبضه للأرواح بأمر الله، ويضيفون كل حادثة تحدث إلى الدهر والزمان، وأشعارهم ناطقة بشكواه، ويعتقدون أن في كل ثلاثين ألف سنة يعود كل شيء إلى ما كان عليه، وزعموا أن هذا، قد تكرر مرات لا تتناهى، فكابروا القول، وكذبوا النقول، ووافقهم مشركوا العرب، وذهب إليه آخرون، لكنهم اعترفوا بوجود الصانع، الإله الحق ، إلا أنهم نزهوه أن تنسب إليه المكاره، فأضافوها إلى الدهر فنسبوه.
"ومن جرى على لسانه" بأن قصد النطق حالة كونه "غير معتقد، لذلك فليس بكافر، لكن يكره له ذلك، لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق" زاد في الفتح، وهذا نحو التفصيل في قولهم: مطرنا بنوء كذا, وقال عياض: زعم بعض من لا تحقيق له أن الدهر من أسماء الله، وهو غلط، فإن الدهر مدة زمان لدنيا، وعرفه بعضهم؛ بأنه أمد مفعولات الله في الدنيا، أو فعله، لما قبل الموت، وقد تمسك الجهلة من الدهرية والمعطلة بظاهر هذا الحديث، واحتجوا به على من لا رسوخ له في العلم، وهو بنفسه حجة عليهم؛ لأن الدهر عندهم حركات الفلك وأمد العالم، ولا شيء عندهم، ولا صانع سواه، وكفى في الرد عليهم قوله في بقية الحديث: "أنا الدهر أقلبه ليله ونهاره"، فكيف يقلب الشيء نفسه, تعالى الله عن قولهم علوًّا كبيرًا، وقال ابن أبي جمرة:стр. 2905
وما خيِّر ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. رواه البخاري.
أي بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما، وأبهم "فاعل" خُيِّرَ ليكون أعمّ, من قِبَلِ الله أو من قِبَلِ المخلوقين. وقوله: إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما: أي ما لم يكن الأسهل مقتضيًا للإثم, فإنه حينئذ يختار.............
الحواشي
(١) لا يخفى أن من سب الصنعة، فقد سبَّ صانعها، فمن سب الليل والنهار، أقدم على أمر عظيم بغير معنى، ومن سب ما يجري فيهما من الحوادث، وذلك هو أغلب ما يقع من الناس، وهو الذي يعطيه سياق الحديث؛ حيث نفى عنهما التأثير، فكأنه قال: لا ذنب لهما في ذلك.
وأما الحوادث، فمنها ما يجري بواسطة العاقل المكلَّف، فهذا يضاف شرعًا ولغة إلى الذي أجري على يديه، ويضاف إلى الله، لكونه بتقديره، فأفعال العباد من اكتسابهم، ولذا تترتَّب عليها الأحكام، وهي في الابتداء خلق الله، ومنها ما يجري بلا واسطة، فهو منسوب إلى قدرة القادر، وليس لليل والنهار فعل ولا تأثير، لا لغة ولا عقلًا ولا شرعًا، وهو المعنى في هذا الحديث، ويلتحق بذلك ما يجري من الحيوان غير العاقل، ثم النهي عن سب الدهر تنبيه بالأعلى الأدنى، فلا يسب شيء مطلقًا، إلا ما أذن الشرع فيه؛ لأن العلة واحدة، واستنبط منه أيضًا منع الحيلة في البيوع، مثل العينة؛ لأنه نهى عن سب الدهر، لما يئول إليه من حيث المعنى، وجعله سبًّا لخالقه. انتهى.
"وما خُيِّرَ ﷺ بين أمرين إلّا اختار" وفي رواة: إلا أخذ "أيسرهما" أسهلهما، "ما لم يكن إثمًا، فإن كان" الأيسر "إثما كان أبعد الناس منه".
"رواه البخاري" في الصفة النبوية والأدب، ومسلم في الفضائل، وأبو داود في الأدب، كلهم من حديث عائشة، وتمامه "وما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه، إلّا أن تنتهك حرمة الله، فينتقم لله بها". "أي بين أمرين من أمور الدنيا" يدل عليه قوله: ما لم يكن إثمًا؛ لأن أمور الدين لا إثم فيها، هكذا شرحه الحافظ بإفراده ضمير فيها، فسقط من قلم المصنف بعض الكلام، فأتى بقوله: "لا إثم فيهما" مثنى عائدًا على الأمرين، فضاع قوله ما لم يكن إثمًا، فاللائق بقاء الأمرين على عمومهما، اللهمَّ إلّا أن يكون قيد بذلك، نظرًا لكونه ﷺ لا يخيِّر بين حرامين، ولا حرام وغيره، "وأبهم" الشخص الراوي عائشة، "فاعل خير" بمعنى بناء للمجهول، "ليكون أعم" من أن يكون التخيير "من قِبَلِ الله تعالى، أو من قِبَلِ المخلوقين" أي جهتهم، "وقوله: إلّا اختار، أيسرهما" وقوله، أي: مع قوله: "ما لم يكن إثمًا، أي: ما لم يكن الأسهل مقتضيًا للإثم، فإنهстр. 2906
الأشد.
وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح.
ومن تواضعه ﵊ أنه لم يكن له بوّاب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي، قال فجاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) حينئذ يختار الأشد" على النفس، لما فيه من عدم الجر إلى الإثم، "وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا أختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط، ووقوع التخيير بين ما فيه إثم، وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح" زاد الحافظ، وأما من قِبَلِ الله ففيه إشكال؛ لأن التخيير إنما يكون بين جائزين، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك، بأن يخيِّره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به، أن لا يتفرغ لعبادة مثلًا، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفر، فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه معنى الخطيئة؛ لثبوت العصمة له. انتهى.
"ومن تواضعه ﵊ أنه لم يكن له بوَّاب راتب" فلا ينافي وجود بواب أحيانًا، لأمر ما، "كما جاء عن أنس، أنه قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة" لم يعرف الحافظ اسمها، "وهي تبكي عند قبر" زاد في رواية بد الرزاق مرسلًا: فسمع منها ما يكره، أي: من نَوْحٍ، أو غيره، ولم يعرف الحافظ أيضًا اسم المقبور، قال: لكن في رواية مسلم إشعار بأنه ولدها، ولفظه تبكي على صبي لها، وصرَّح به عبد الرزاق في مرسل يحيى بن أبي كثير، ولفظه: قد أصيبت بولدها، "فقال" لها: "يا أمة الله اتقي الله" خافي غضبه "واصبري" لا تجزعي ليحصل لك الثواب، "فقالت: إليك" اسم فعل، بمعنى تنح وابعد، "عني فإنك خلو" بكسر المعجمة، وسكون اللام، وبالواو، فارغ خالي البال "من مصيبتي" وفي رواية، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، "قال: فجاوزها ومضى، فمرَّ بها رجل" هو الفضل بن عباس، كما عند الطبراني في الأوسط، "فقال لها: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟، قال: ما عرفته"؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شدة الوجد والبكاء، "قال: إنه لرسول الله ﷺ " زاد مسلم في رواية، فأخذها مثل الموت من شدة الكرب الذيстр. 2907
قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا. الحديث رواه البخاري.
لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابًا للنبي ﷺ لما جلس على القف.
وجمع بينهما: بأنه كان ﵊ إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه.
الحواشي
(١) أصابها، لما عرفت أنه رسول الله، "قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا"، بالإفراد عند البخاري في الأحكام، وله في الجنائز: فلم تجد عنده بوابين -بالجمع، وفائدة هذه الجملة: إنه لما قيل لها إنه لرسول الله، استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه كالملوك له حاجب وبواب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته، كذا قال الطيب: "الحديث" بقيته، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
"رواه البخاري" في الجنائز والأحكام، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في الجنائز، وهو صريح، في أنه لم يكن له بواب، "لكن في حديث أبي موسى الأشعري؛ أنه كان بوابًا للنبي ﷺ ، لما جلس على القف" بضم القاف، وبالفاء: الدكة تجعل حول البئر، أو حافة البئر، روى البخاري، ومسلم أن أبا موسى توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمنَّ رسول الله ﷺ ، ولأكوننَّ معه يومي هذا، فجاء المسجد فسأل عنه، فقالوا: خرج ووجه ههنا، فخرجت أثره أسأل عنه، حتى وجدته دخل بئر أريس، فجعلت عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسَّط قفها، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فسلَّمت عليه، ثم انصرفت، فجلس عند الباب، فقلت: لأكونن بوَّاب رسول الله اليوم، زاد البخاري في الأدب: ولم يأمرني الحديث في مجيء أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، واستئذانه لهم، وقوله ﵇ في كلٍّ: "افتح له وبَشِّره بالجنة"، وفي رواية أبي عوانة، فقال لي: "أملك على الباب، فلا يدخل علي أحد" وجمع النووي باحتمال أنه أمره بحفظ الباب، حتى يقضي حاجته ويتوضأ، لأنها حالة تستر، ثم حفظه أبو موسى من تلقاء نفسه، وادَّعى الشارح أن عبارة المصنف تشعر بأنه اتخذه بوابًا، وهو خلاف الحديث, إلّا أن يكون لما أقره نسب إليه، وليت شعري من أين الإشعار مع أن لفظه أنه كان بوابًا، ولم يقل اتخذه بوابًا, إلا أن ادعى أن الإشعار من الجمع المذكور بقوله: "وجمع بينهما؛ بأنه كان ﵊ إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، أنه" الأولى، حذفها وكأنه أتى بها مذكرة للسابقة، "كان يرفع حجابه بينه وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه" أي:стр. 2908
وفي حديث عمر ﵁ حين استأذن له الأسود في قصة حلفه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه: أنه كان في وقت خلوته يتَّخذ البواب، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي. ولكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذائه عليه، فلما أذن له اطمأن.
وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم.
فقال الشافعي وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا.
وذهب آخرون إلى جوازه.
وحمل الأوّل على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحبّ ذلك ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله تعالى أعلم.
الحواشي
(١) وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بوابًا.
"وفي حديث عمر ﵁، حين استأذن له" العبد "الأسود" رباح، الآتي "في قصة حلفه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه أنَّه كان في وقت خلوته" وهو يتَّخذ البواب وقتها، "ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه، ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي، ولكن"، لا دليل فيه، إذ "يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون" المصطفى "وجد" غضب "عليه، بسبب ابنته" حفصة أم المومنين؛ إذ كانت من جملة سبب الحلف، كما تقدَّم في القصة "فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلمّا أذن له اطمأنَّ" سكن ودخل عليه، "وقد اختلف في مشروعية الحجَّاب للحاكم، فقال الشافعي، وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا" لأنه المعروف من حال المصطفى، وقد روى أحمد في الزهد، وغيره، عن الحسن: والله ما كان رسول الله ﷺ تغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحُجَّاب، ولا يغدي عليه بالجفان، ولا يراح بها عليه، ولكنه كان بارزًا, من أراد أن يلقى نبي الله لقيه، كان يجلس على الأرض ويطعم الطعام بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويلعق يده، "وذهب آخرون إلى جوازه، وحمل الأول على زمن سكون الناس، واجتماعهم على الخير، وطواعتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك ليرتب الخصوم، ويمنع المستطيل ويدفع الشرير، والله تعالى أعلم" بالحق من ذلك.стр. 2909
وأمَّا ما روي من حيائه ﷺ ، فحسبك ما في البخاري من حديث سعيد: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها.
والعذراء هي البكر.
والخدر: بكسر الخاء المعجمة -أي في سترها.
وهو من باب التتميم، لأنَّ العذراء في الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنَّة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها.................
الحواشي
(١) "وأما ما روي من حيائه ﷺ " لم يقل: وأما حياؤه على منوال سابقه ولاحقه؛ إذ الفصل معقود لبيان الصفات، لا المروي كأنه، لأن حياءه وقوته علم من مواضع، كالصريحة في كلامه، ولأن اتصافه به ثابت مشهور عند الناس، خاصتهم وعامتهم، لا يحتاج لبيان، فلم يجعله مقصودًا، وإنما القصد بيان الروايات الواردة فيه، وجواب أمَّا محذوف، أي: ففيه أحاديث كثيرة، "فحسبك" أي: يكفيك عن طلب حقيقة حيائه،؛لأنك إذا علمت وصفه بما ذكر، علمت أنه لا يساويه فيه أحد، "ما في البخاري" في الصفة النبوية، والأدب، ومسلم في الفضائل، وابن ماجه في الزهد، "من حديث أبي سعيد" الخدري، قال: "كان رسول الله ﷺ أشد حياء" نصب على التمييز، وهو تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم، "من العذراء" بالذال المعجمة، البكر، لأنَّ عذرتها وهي جلدة البكارة باقية، "في خدرها" وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن أبي سعيد بزيادة: وإذا كره شيئًا عُرِفَ في وجهه، وهو إشارة إلى أنَّه لم يكن يواجه أحد إنما يكرهه بل يتغير وجهه، فيفهم أصحابه كراهته لذلك، كما في الفتح: "والعذراء" بالمد، "هي البكر" ذات العذرة، وجمعها عذارى، بفتح الراء، وكسرها، فهما مترادفان لغة، وأما شرعًا: فالعذراء أخص من البكر، لأنها من لم تزل عذرتها بشيء، والبكر من لم تزل بكارتها بوطء، ولو أزيلت بسقطة وحدة حيض، ونحوهما، "والخدر، بكسر الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة مبتدأ وخبر، وقوله: "أي: في سترها" تفسير لقوله في خدرها، والإضافة عهدية, أي: في الستر المعهود اتخاذه لها، قال المجد: الخدر: ستر يمد للجارية، أي: البنت في ناحية البيت، كالأخدور، وكل ما واراك من بيت ونحوه، جمعه خدور وأخدار.
"وهو من باب التتميم؛ لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل" الوطء "بها، فالظاهر أن المراد تقييده" أي: قوة حيائها في خدرها، "بما إذا دخل عليها" بالبناء للفاعل، أي: من تحتشمه أخذًا من قوله: أولًا، لكون الخلوةстр. 2910
في خدرها لا حيث تكون منفردة فيه.
والحياء -بالمد- وهو من الحياة، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور، وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم.
وهو في اللغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرَّد ترك الشيء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه.
وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير من حق ذي الحق.
الحواشي
(١) إلخ....، أو المفعول، أي: دخل أحد، ولو امرأة "في خدرها" فحينئذ يشتد حياؤها، "لا حيث تكون منفردة فيه" فقد لا يحصل لها حياء، أو لا يشتد لعدم مقتضيه.
زاد الحافظ: ومحل وجود الحياء منه ﷺ في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزنا: "أنكتها لا يكنى"، كما في الصحيح في كتاب الحدود، وأخرج البزار هذا الحديث، عن أنس، وزاد في آخره، وكان يقول الحياء خير كله، وأخرج عن ابن عباس: كان ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قط، وإسناده حسن. انتهى.
وروى أحمد، وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، والترمذي في الشمائل، عن أنس: كان ﷺ لا يواجه أحد في وجهه بشيء يكرهه، فدخل عليه يومًا رجل وعليه أثر صفرة، فلما قام قال لأصحابه: لو غير، أو نزع هذه الصفة، وفي رواية: لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة، "والحياء، بالمد" مبتدأ وخبر، "وهو" مأخوذ "من الحياة"؛ لأنه ينشأ عن تمييز الحسن من القبيح، ومنشأ ذلك وجود الحياة التي هي صفة تصبر ذا الروح حيًّا، "ومنه" أي: المعنى المأخوذ منه الحياء الممدود، "الحيا للمطر، لكن هو مقصور" على المشور، ويمد كما في القاموس، "وعلى حسب حياة القلب" يقظته، ومعرفته، لما يضره وينفعه في الدارين، "تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح" أي: فقد صفاتها المقتضية للكمال لا الجسم اللطيف، "وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتمّ" ولذا كان تمام الحياء في المصطفى؛ إذ لا قلب أحيى من قلبه، "وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه" فتسميته حياء مجاز من تسمية اللازم باسم ملزومه، "وفي الشرع: خلق يبعث" يحمل من قام به "على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق" وهو الله تعالى في حق عباده، والصديق في حق صديقه، والسيد في حق عبده, إلى غير ذلك، ولذا جاء في الحديث: "الحياء من الإيمان، والحياءследующие страницы →