← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

لأبي اليمن بن عساكر بعد أن روى حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أبيه....... قال: كنت مع النبي ﷺ في الطواف, فانقطعت شسعه, فقلت: يا رسول الله, ناولني أصلحه، فقال: "هذه أثرة ولا أحب الأثرة". والأثرة: بفتح الهمزة والثاء، الاسم من آثر يؤثر إذا أعطى، والأثرة: والاستئثار وهو الانفراد بالشيء. قال: وكأنه كره ﷺ أن ينفرد أحد عنه بإصلاح نعله، فيحوز فضيلة الخدم, فيكون له بمثابة الخادم, ويكون له ﷺ ترفع المخدوم على خادمه، كره ذلك ﷺ لتواضعه وعدم ترفعه على من يصحبه. ويؤيده ما روي أنه ﷺ أراد أن يمتهن نفسه في شيء, فقالوا: نحن نكفيك يا رسول الله، قال: "قد علمت أنكم تكفوني, ولكن أكره أن أتميز عليكم, فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزًا بين أصحابه". انتهى. ثم رأيت شيخنا في الأحاديث المشهورة حكى ذلك.

стр. 2872

وعن أبي قتادة: وَفَدَ وَفْدُ النجاشي، فقام النبي ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نحن نكفيك، قال: "إنهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحب أن أكافئهم"، ذكره في الشفاء. وفي البخاري عن أنس: كان الرجل يجعل للنبي ﷺ النخلات حتى افتتح قريظة والنضير، وإن أهلي أمروني أن آتي النبي ﷺ فأسأله الذي كانوا أعطوه أو بعضه، وكان قد أعطاه أم أيمن، فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي تقول: كلّا والذي لا إله غيره لا نعطيكم وقد أعطانيها -أو كما قال, والنبي ﷺ يقول: "لك كذا"، وتقول كلا................

стр. 2873

والله، حتى أعطاها -حسبت أنه قال- عشر أمثاله. أو كما قال. وإنما فعلت هذا أم أيمن لأنها ظنت أنها كانت هبة مؤيدة وتمليكًا لأصل الرقبة، وأراد ﷺ استطابة قلبها في استرداد ذلك, فلاطفها, وما زال يزيدها في العوض حتى رضيت، وكل هذا تبرع منه ﷺ وإكرام لها، لما لها من حق الحضانة والتربية، ولا يخفى ما في هذا من فرط جوده وكثرة حلمه وبره ﷺ . وجاءته ﷺ امرأة في عقلها شيء، فقالت: إن لي إليك حاجة، فقال: "اجلسي في أي سكك المدينة شئت أجلس إليك" , وفي رواية سلم: "حتى أقضي حاجتك،.............

стр. 2874

فخلا معها في بعض الطريق حتى فرغت من حاجتها. ولا ريب أن هذا كله من كثرة تواضعه ﷺ . وقال عبد الله بن أبي الحمساء -بالحاء المهملة المفتوحة والميم الساكنة وبالسين المهملة في آخره وهمزة ممدودة: بايعت النبي ﷺ قبل أن يبعث، وبقيت له بقية، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت, فذكرته بعد ثلاث, فإذا هو في مكانه, فقال: "لقد شققت علي، أنا ههنا منذ ثلاث أنتظرك" رواه أبو داود. وقال عبد الله بن أبي أوفى: كان ﵊ لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين فيقضي له الحاجة. رواه النسائي.

стр. 2875

وفي رواية البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت، وفي رواية أحمد: فتنطلق به في حاجتها، وعند أيضا: إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فما ينزع يده من يدها حتى تذهب به حيث شاءت. والمقصود من الأخذ باليد لازمه وهو الانقياد. وقد اشتمل على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة؛ وحيث عمَّم بلفظ الإماء، أي: أي أمة كانت، أي: كانت، وبقوله: حيث شاءت، أي: من الأمكنة، والتعبير باليد إشارة إلى غاية التصرُّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة والتمست مساعدتها في تلك الحالة لساعدها على ذلك، وهذا من مزيد تواضعه وبراءته من جميع أنواع الكبر ﷺ . ودخل الحسن وهو يصلي قد سجد، فركب على ظهره، فأبطأ في...............................................

стр. 2876

سجوده حتى نزل الحسن، فلمَّا فرغ, قال له بعض أصحابه: يا رسول الله, قد أطلت سجودك. قال: "إن ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله". أيّ جعلني كالراحلة فركب على ظهري. وكان ﵊ يعود المرضى، ويشهد الجنازة. أخرجه الترمذي في الشمائل. وحجَّ ﵊ على رحل رثٍّ وعليه قطيفة لا يساوي أربعة دراهم.........

стр. 2877

فقال: "اللهم اجعله حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة". وكان إذا صلَّى الغداة جاءه خدم المدينة بآنيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلَّا غمس يده فيه، فربما جاءه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها. رواه مسلم والترمذي. وكان ﵊ حسن العشرة مع أزواجه، وكان ﵊ ينام مع أزواجه.

стр. 2878

قال النووي: وهو ظاهر فعله الذي واظب عليه مع مواظبته ﷺ على قيام الليل، فينام مع إحداهن، فإذا أراد القيام لوظيفته قام فتركها، فيجمع بين وظيفته وأداء حقها المندوب وعشرتها بالمعروف. وقد علم من هذا أن اجتماع الزوج مع زوجته في فراش واحد أفضل، لا سيما إن عرف من حالها حرصها على هذا، ولا يلزم من نومه معها الجماع والله أعلم. وقد كان ﵊ يسرب إلى عائشة بنات الأنصار يلعبن معها. رواه الشيخان. وإذا شربت من الإناء أخذه فوضع فمه على موضع فمها وشرب. رواه مسلم. وإذا تعرقت عرقًا -وهو العظم الذي عليه اللحم- أخذه فوضع فمه على موضع فمها.................

стр. 2879

رواه مسلم أيضًا. وكان يتكئ في حجرها، ويقبّلها وهو صائم. رواه الشيخان. وكان يريها الحبشة وهم يلعبون في المسجد وهي متكئة على منكبة, رواه البخاري. ورواه الترمذي، بلفظ: قام ﷺ , فإذا حبشة تزفن والصبين حولها، فقال: يا عائشة تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ , فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت, فجعلت أقول: لا، لا. وقال: حسن صحيح غريب. وروي أنه ﷺ سابقها فسبقته، ثم سابقها فسبقها, فقال: "هذه بتلك".........

стр. 2880

رواه أبو داود بلفظ: سبقتها في سفر فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني قال: "هذه بتلك السبقة". وعن أنس بن مالك: أنهم كانوا يومًا عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة ﵂، ثم أتي بصحفة من بيت أم سلمة، فوضعت بين يدي النبي ﷺ فقال: ضعوا أيديكم، فوضع نبي الله ﷺ يده ووضعنا أيدينا فأكلنا، وعائشة تصنع طعامًا عجَّلته قد رأت الصحفة التي أتي بها، فلما فرغت من طعامها جاءت به فوضعته ورفعت صفحة أم سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ : "كلوا بسم الله، غارت أمكم"، ثم أعطى صحفتها أم سلمة, فقال: "طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء". رواه الطبراني في الصغير.

стр. 2881

وهو عند البخاري بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمهات المؤمنين بصحفة فيها طعام، فضربت التي النبي في بيتها يد الخادم فسقطت الصحفة فانفلقت، فجمع النبي ﷺ فلق الصحفة ثم جعل يجمع فيها الطعام الذي كان في الصحفة, ويقول: "غارت أمكم" , ثم حبس الخادم حتى أتي بصحفة من عند التي هو في بيتها، فدفع الصحفة إلى التي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت التي كسرت. وعند أحمد وأبو داود والنسائي، قالت عائشة: ما رأيت صانعة طعامًا مثل

стр. 2882

صفية، أهدت إلى النبي ﷺ إناء من طعام, فما ملكت نفسي أن كسرته، فقلت: يا رسول الله ما كفارته؟ قال: "إناء كإناء وطعام كطعام". وعند غيرهم: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقام النبي ﷺ يلتقط اللحم والطعام وهو يقول: "غارت أمكم"، فلم يثرب عليها. فوسع خلقه الشريف آثار طفحات آثار غيرتها، ولم يتأثر، وقضى عليها بحكم الله في التقاصّ. وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهن ويعذرهن، وإن أقام عليهن قسطاس العدل إقامة من غير قلق ولا غضب، بل رءوف رحيم، حريص عليهن وعلى غيرهن، عزيز عليه ما يعنتهم. قيل: وفي هذا الحديث إشارة إلى عدم مؤاخذة.....

стр. 2883

الغَيْرَى فيما يصدر منها؛ لأنها في تلك الحالة يكون عقلها محجوبًا بشدة الغضب الذي أثارته الغيرة. وقد أخرج أبو يعلى بسند لا بأس به عن عائشة مرفوعًا: إن الغيرى لا تبصر أسفل الوادي من أعلاه. انتهى. وعن عائشة ﵂: أتيت النبي ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة -والنبي ﷺ بيني وبينها: كلي، فأبت، فقلت لها؛ كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين أو لألطِّخن بها وجهك، فأبت فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها, فضحك رسول الله ﷺ , فوضع فخذه لها وقال لسودة: لطِّخي وجهها، فلطَّخت بها وجهي, فضحك ﷺ . الحديث رواه ابن غيرن من حديث الهاشمي, وأخرجه الملاء في سيرته.

стр. 2884

والخزيرة: اللحم يقطع صغارًا ويصب عليه ماء كثير فإذا نضج ذر عليه الدقيق. وبالجملة؛ فمن تأمَّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء والأيتام والأرامل والأضياف والمساكين، علم أنه قد بلغ من رقة القلب ولينه الغاية التي لا مرمى وراءها لمخلوق. وإن كان يشتد في حدود الله وحقوقه ودينه، حتى قطع يد السارق، إلى غير ذلك. وقد كان ﷺ يباسط أصحابه بما يولج حبه في القلوب، كان له رجل من البادية يسمى زهيرًا، وكان يهادي النبي ﷺ بموجود البادية، بما يستطرف منها، وكان ﷺ يهاديه ويكافئه بموجود الحاضرة وبما يستطرف منها،..................................

стр. 2885

وكان ﷺ يقول: "زهير باديتنا، ونحن حاضرته"، وكان ﷺ يحبه، فمشى ﷺ يومًا إلى السوق فوجده قائمًا، فجاء من قبل ظهره وضمَّه بيده إلى صدره, فأحس زهير بأنه رسول الله ﷺ ، قال: فجعلت أمسح ظهري في صدره رجاء بركته. وفي رواية الترمذي في الشمائل: فاحتضنه من خلفه ولا يبصره، فقال أرسلني، من هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ , فجعل لا يألوا ما ألصق ظهره بصدر النبي ﷺ حين عرفه، فجعل رسول الله ﷺ يقول: "من يشتري..............

стр. 2886

العبد"، فقال له زهير: يا رسول الله، إذن تجدني كاسدًا، فقال له ﷺ : "أنت عند الله غالٍ"، وفي رواية الترمذي أيضًا: "لكن عند الله لست بكاسد، أو قال: أنت عند الله غال". وأخرج أبو يعلى عن زيد بن أسلم أن رجلًا كان يهدي للنبي ﷺ العكة من السمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه جاء به إلى النبي ﷺ , فقال: أعط هذا متاعه، فما يزيد النبي ﷺ على أن يتبسم، ويأمر به فيعطى. ووقع في حديث محمد بن عمرو بن حزم: وكان لا يدخل إلى المدينة طرفة إلا...........

стр. 2887

اشترى منها، ثم جاء فقال: يا رسول الله، هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه جاء به فقال: أعط هذا الثمن، فيقول: "ألم تهده لي" , فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه. وكان ﷺ يمزح..........

стр. 2888

ولا يقول إلا حقًّا. كما روى أبو هريرة، وقد قال له رجل كان فيه بله: يا رسول الله احملني، فباسطه ﵊ من القول بما عساه أن يكون شفاءً لبلهه بعد ذلك، فقال: "أحملك على ابن الناقة". فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوة, فقال: يا رسول الله، ما عسى أن يغني عني ابن الناقة، فقال ﷺ : "ويحك, وهل يلد الجمل إلا الناقة"، روى الحديث الترمذي وأبو داود. وباسط عمته صفية..........

стр. 2889

وهي عجوز فقال لها: "إن الجنة لا يدخلها عجوز"، فلما جزعت فقال لها: "إنك تعودين إلى صورة الشباب في الجنة"، وفي رواية الترمذي عن الحسن. أتته ﷺ عجوز فقالت: يا رسول الله، ادع الله لي أن يدخلني الجنة، فقال: "يا أم فلان, إن الجنة لا يدخلها عجوز"، قال: فولت تبكي فقال: "أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً، فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ [الواقعة: ٣٥، ٣٦] " وذكره رزين.

стр. 2890

وكان ﵊ يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم. ويأخذ معهم في تدبير أمورهم، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره، وهو مع ذلك سره في الملكوت يجول حيث أراد الله به. والدعابة -بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة: هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره. وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة؛ قالوا: إنك تداعبنا، قال: إني لا أقول إلَّا حقًّا.

стр. 2891

وما ورد عنه ﵊ في النهي عن المداعبة محمول على الإفراط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين وغير ذلك. والذي يسلم من ذلك هو المباح، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب -كما كان هو فعله ﵊ فهو مستحب. وقال أنس: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس خلقًا، وكان لي أخ يقال له: أبو عمير، وكان له نغر يلعب به فمات، فدخل على النبي ﷺ ذات يوم حزينًا فقال: ما شأنه؟ قالوا: مات نغره، فقال......................................................

стр. 2892

له: "يا أبا عمير ما فعل النغير"، رواه البخاري ومسلم. وفي رواية الترمذي قال أنس: إن كان النبي ﷺ ليخالطنا حتى يقول لأخ لي: "يا أبا عمير ما فعل النغير". قال الجوهري: النغير: تصغير نغر، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير كالعصفور، والجمع نغران مثل صرد وصردان. وقد كان ألقى عليه مع الدعابة والمهابة،........

стр. 2893

ولقد جاء إليه ﷺ رجل فقام بين يديه, فأخذته رعدة شديدة ومهابة، فقال له: "هوّن عليك، فإني لست بملك ولا جبار, إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة"، فنطق الرجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: "يا أيها الناس, إني أوحي إلى أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتى لا يبغي أحد على أحد, ولا يفخر أحد على أحد، وكونوا عباد الله إخوانًا".

стр. 2894

فسكَّن ﵊ روعه شفقة، لأنه بالمؤمنين رءوف رحيم، وسلب عنه وصف الملوكية بقوله: "فإني لست بملك"، لما يلزمها من الجبروتية، وقال: "أنا ابن امرأة تأكل القديد"، تواضعًا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة. ولما رأته ﵊ قبلة بنت مخرمة في المسجد، وهو قاعد القرفصي, أرعدت من الفرق. رواه أبو داود.

стр. 2895

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: صحبت رسول الله ﷺ ، ما ملأت عيني منه قط حياء منه وتعظيمًا له، ولو قيل لي صفة لما قدرت، أو كما قال. وإذا كان هذا قوله وهو من جملة أصحابه، ولولا أنه ﵊ كان يباسطهم ويتواضع لهم ويؤنسهم, لما قدر أحد منهم أن يقعد معه, ولا أن يسمع كلامه, لما رزقه الله تعالى من المهابة والجلالة. يبين ذلك ويوضحه ما روي أنه ﵊ كان إذا فرغ من ركوع الفجر حدث عائشة إن كانت مستيقظة، وإلّا اضطجع بالأرض ثم خرج بعد ذلك للصلاة، وما ذاك إلّا أنه ﵊ لو خرج على تلك الحالة التي كان عليها، وما حصل له من القرب والتداني.............................................

стр. 2896

في مناجاته وسماع كلام ربه وغير ذلك من الأحوال التي يكل اللسان عن وصف بعضها، لما استطاع بشر أن يلقاه ولا يباشره، فكان ﵊ يتحدث مع عائشة أو يضطجع بالأرض حتى يحصل التأنيس بجنسهم، وهو التأنيس مع عائشة أو من جنس أصل الخلقة التي هي الأرض. ثم يخرج إليهم، وما كان إلا رفقًا بهم، ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾ . قال ابن الحاج في المدخل. وقد جاء في الحديث أنه لما خُيِّرَ بين أن يكون نبيًّا ملكًا، أو نبيًّا عبدًا, فنظر ﵊ إلى جبريل كالمستشير له، فنظر جبريل إلى الأرض يشير إلى التواضع، فاختار ﵊ العبودية، فلما كان تواضعه إلى الأرض؛ حيث أشار جبريل أورثه الله تعالى رفعته إلى السماء، ثم إلى الرفيق الأعلى، إلى حضرة قاب قوسين أو أدنى،........................................

стр. 2897

وقف بين يديه محمود بن الربيع، وهو صغير ابن خمس سنين، فمج ﵊ في وجهه مجَّة من ماء من دلو يمازحه بها، فكان في ذلك من البركة أنه لما كبر لم يبق في ذهنه من ذكر رؤية النبي ﷺ إلا تلك المجة، فعد بها من الصحابة, وحديثه مذكور في البخاري من طريق الزهري عنه. ودخلت عليه ربيبته زينب بنت أم سلمة وهو في مغتسله، فنضح الماء في وجهها، فكان في ذلك من البركة في وجهها أنه لم يتغير، فكان ماء الشباب ثابتًا في وجهها ظاهرًا في رونقها وهي..............

стр. 2898

عجوز كبيرة. وحديثها مذكور في البخاري. فقد علمت أنه ﵊ كان مع أصحابه وأهله، ومع القريب والغريب من سعة الصدر ودوام البشر وحسن الخلق والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه, والمزح مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الداعي, ولين الجانب, حتى يظن كل واحد من أصحابه أنه أحبهم إليه. وهذا الميدان لا تجد فيه إلا واجبًا أو مستحبًّا أو مباحًا، فكان يباسط الخلق ويلابسهم ليستضيئوا بنور هدايته من ظلمات دياجي الجهل، ويقتدوا بهديه ﷺ .

стр. 2899

وكانت مجالسته ﷺ مع أصحابه ﵃ عامَّتها مجالس تذكير بالله، وترغيب وترهيب، إما بتلاوة القرآن، أو بما آتاه الله من الحكمة والمواعظ الحسنة، وتعليم ما ينفع في الدِّين، كما أمره الله تعالى أن يذكِّر ويعظ ويقص، وأن يدعو إلى سبيل الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يبشِّر وينذر، فلذلك كانت تلك المجالس توجب لأصحابه رقَّة القلوب، والزهد في الدنيا, والرغبة في الآخرة، كما ذكره أبو هريرة مما رواه أحمد والترمذي وابن حبان في صحيحه قال: قلنا يا رسول الله: ما لنا إذا كنَّا عندك رقَّت قلوبنا وزهدنا في الدنيا, وكنا من أهل الآخرة، فإذا خرجنا من عندك عافسنا أهلنا وشممنا أولادنا وأنكرنا أنفسنا. فقال ﷺ : "لو أنكم إذا خرجتم من عندي كنتم على حالكم ذلك لزارتكم الملائكة في........................................................

стр. 2900

بيوتكم. الحديث. وقوله: عافسنا: بالعين المهملة وبعد الألف فاء فسين مهملة ساكنة -أي: عالجنا أهلنا ولاعبناهم. ومن تواضعه ﷺ أنه ما عاب ذواقًا قط، ولا عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلا تركه رواه الشيخان.

стр. 2901

وهذا إذا كان الطعام مباحًا، أمَّا الحرام فكان يعيبه ويذمّه وينهي عنه، وذهب بعضهم إلى أن العيب إذا كان من جهة الخلقة كره، وإن كان من جهة الصنعة لم يكره، قال: لأنَّ صنعة الله تعالى لا تعاب، وصنعة الآدميين تعاب. قال في فتح الباري: والذي يظهر: التعميم، فإن فيه كسر قلب الصانع. قال النووي: ومن آداب الطعام المتأكد أن لا يعاب، كقوله: مالح، حامض، قليل الملح، غليظ، رقيق، غير ناضج ونحو ذلك. ومن تواضعه: إن هذه الدنيا شاع سبها في العالمين، فقال ﷺ : "لا تسبوا الدنيا"، ثم مدحها فقال: "نعمت مطية المؤمن، عليها يبلغ الخير، وبها ينجو من الشر"............

стр. 2902

وقال: "لا تسبوا الدهر" رواه البخاري من حديث أبي هريرة بلفظ: "ولا تقولوا خيبة الدهر، فإن الله هو الدهر" , وفي لفظ له: "يسب بنو آدم الدهر وأنا الدهر,...................

стр. 2903

بيدي الليل والنهار". وعند مسلم في حديث: "لا يسب أحدكم الدهر".

стр. 2904

ومحصل ما قيل في تأويله، ثلاثة أوجه: أحدها: إن المراد بقوله: "إن الله هو الدهر"، أي: المدبر للأمور. ثانيها: إنه على حذف مضاف. أي: صاحب الدهر. ثالثها: التقدير: مقلب الدهر. ولذلك عقَّب في رواية البخاري: "بيدي الليل والنهار". وقال المحققون: من نسب شيئًا من الأفعال إلى الدهر حقيقة كفر، ومن جرى على لسانه غير معتقد لذلك فليس بكافر، لكن يكره له ذلك لتشبهه بأهل الكفر في الإطلاق.

стр. 2905

وما خيِّر ﷺ بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثمًا، فإن كان إثمًا كان أبعد الناس منه. رواه البخاري. أي بين أمرين من أمور الدنيا لا إثم فيهما، وأبهم "فاعل" خُيِّرَ ليكون أعمّ, من قِبَلِ الله أو من قِبَلِ المخلوقين. وقوله: إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما: أي ما لم يكن الأسهل مقتضيًا للإثم, فإنه حينئذ يختار.............

стр. 2906

الأشد. وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح. ومن تواضعه ﵊ أنه لم يكن له بوّاب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي، قال فجاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله ﷺ .

стр. 2907

قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا. الحديث رواه البخاري. لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابًا للنبي ﷺ لما جلس على القف. وجمع بينهما: بأنه كان ﵊ إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه.

стр. 2908

وفي حديث عمر ﵁ حين استأذن له الأسود في قصة حلفه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه: أنه كان في وقت خلوته يتَّخذ البواب، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي. ولكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذائه عليه، فلما أذن له اطمأن. وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم. فقال الشافعي وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا. وذهب آخرون إلى جوازه. وحمل الأوّل على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحبّ ذلك ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله تعالى أعلم.

стр. 2909

وأمَّا ما روي من حيائه ﷺ ، فحسبك ما في البخاري من حديث سعيد: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها. والعذراء هي البكر. والخدر: بكسر الخاء المعجمة -أي في سترها. وهو من باب التتميم، لأنَّ العذراء في الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنَّة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها.................

стр. 2910

في خدرها لا حيث تكون منفردة فيه. والحياء -بالمد- وهو من الحياة، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور، وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم. وهو في اللغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرَّد ترك الشيء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه. وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير من حق ذي الحق.
следующие страницы →