Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.
стр. 2906
الأشد.
وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا اختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط. ووقوع التخيير بين ما فيه إثم وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح.
ومن تواضعه ﵊ أنه لم يكن له بوّاب راتب، كما جاء عن أنس أنه قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة وهي تبكي عند قبر، فقال: "اتقي الله واصبري"، فقالت: إليك عني فإنك خلو من مصيبتي، قال فجاوزها ومضى. فمر بها رجل فقال لها: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟ قالت: ما عرفته، قال: إنه لرسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) حينئذ يختار الأشد" على النفس، لما فيه من عدم الجر إلى الإثم، "وفي حديث أنس عند الطبراني في الأوسط: إلا أختار أيسرهما ما لم يكن لله فيه سخط، ووقوع التخيير بين ما فيه إثم، وما لا إثم فيه من قِبَلِ المخلوقين واضح" زاد الحافظ، وأما من قِبَلِ الله ففيه إشكال؛ لأن التخيير إنما يكون بين جائزين، لكن إذا حملناه على ما يفضي إلى الإثم أمكن ذلك، بأن يخيِّره بين أن يفتح عليه من كنوز الأرض ما يخشى من الاشتغال به، أن لا يتفرغ لعبادة مثلًا، وبين أن لا يؤتيه من الدنيا إلا الكفر، فيختار الكفاف، وإن كانت السعة أسهل منه، والإثم على هذا أمر نسبي لا يراد منه معنى الخطيئة؛ لثبوت العصمة له. انتهى.
"ومن تواضعه ﵊ أنه لم يكن له بوَّاب راتب" فلا ينافي وجود بواب أحيانًا، لأمر ما، "كما جاء عن أنس، أنه قال: مرَّ النبي ﷺ بامرأة" لم يعرف الحافظ اسمها، "وهي تبكي عند قبر" زاد في رواية بد الرزاق مرسلًا: فسمع منها ما يكره، أي: من نَوْحٍ، أو غيره، ولم يعرف الحافظ أيضًا اسم المقبور، قال: لكن في رواية مسلم إشعار بأنه ولدها، ولفظه تبكي على صبي لها، وصرَّح به عبد الرزاق في مرسل يحيى بن أبي كثير، ولفظه: قد أصيبت بولدها، "فقال" لها: "يا أمة الله اتقي الله" خافي غضبه "واصبري" لا تجزعي ليحصل لك الثواب، "فقالت: إليك" اسم فعل، بمعنى تنح وابعد، "عني فإنك خلو" بكسر المعجمة، وسكون اللام، وبالواو، فارغ خالي البال "من مصيبتي" وفي رواية، فإنك لم تصب بمصيبتي، ولم تعرفه، "قال: فجاوزها ومضى، فمرَّ بها رجل" هو الفضل بن عباس، كما عند الطبراني في الأوسط، "فقال لها: ما قال لك رسول الله ﷺ ؟، قال: ما عرفته"؛ لأنه من تواضعه لم يكن يستتبع الناس وراءه إذا مشى كعادة الملوك والكبراء، مع ما كانت فيه من شدة الوجد والبكاء، "قال: إنه لرسول الله ﷺ " زاد مسلم في رواية، فأخذها مثل الموت من شدة الكرب الذيстр. 2907
قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا. الحديث رواه البخاري.
لكن في حديث أبي موسى الأشعري: أنه كان بوابًا للنبي ﷺ لما جلس على القف.
وجمع بينهما: بأنه كان ﵊ إذا لم يكن في شغل من أهله ولا انفراد من أمره أنه كان يرفع حجابه بينه وبين الناس ويبرز لطالب الحاجة إليه.
الحواشي
(١) أصابها، لما عرفت أنه رسول الله، "قال: فجاءت إلى بابه فلم تجد عليه بوابًا"، بالإفراد عند البخاري في الأحكام، وله في الجنائز: فلم تجد عنده بوابين -بالجمع، وفائدة هذه الجملة: إنه لما قيل لها إنه لرسول الله، استشعرت خوفًا وهيبة في نفسها، فتصورت أنه كالملوك له حاجب وبواب، يمنع الناس من الوصول إليه، فوجدت الأمر بخلاف ما تصورته، كذا قال الطيب: "الحديث" بقيته، فقالت: لم أعرفك، فقال: "إنما الصبر عند الصدمة الأولى".
"رواه البخاري" في الجنائز والأحكام، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي في الجنائز، وهو صريح، في أنه لم يكن له بواب، "لكن في حديث أبي موسى الأشعري؛ أنه كان بوابًا للنبي ﷺ ، لما جلس على القف" بضم القاف، وبالفاء: الدكة تجعل حول البئر، أو حافة البئر، روى البخاري، ومسلم أن أبا موسى توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمنَّ رسول الله ﷺ ، ولأكوننَّ معه يومي هذا، فجاء المسجد فسأل عنه، فقالوا: خرج ووجه ههنا، فخرجت أثره أسأل عنه، حتى وجدته دخل بئر أريس، فجعلت عند الباب، وبابها من جريد، حتى قضى ﷺ حاجته وتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريس، وتوسَّط قفها، وكشف عن ساقيه، ودلاهما في البئر، فسلَّمت عليه، ثم انصرفت، فجلس عند الباب، فقلت: لأكونن بوَّاب رسول الله اليوم، زاد البخاري في الأدب: ولم يأمرني الحديث في مجيء أبي بكر، ثم عمر، ثم عثمان، واستئذانه لهم، وقوله ﵇ في كلٍّ: "افتح له وبَشِّره بالجنة"، وفي رواية أبي عوانة، فقال لي: "أملك على الباب، فلا يدخل علي أحد" وجمع النووي باحتمال أنه أمره بحفظ الباب، حتى يقضي حاجته ويتوضأ، لأنها حالة تستر، ثم حفظه أبو موسى من تلقاء نفسه، وادَّعى الشارح أن عبارة المصنف تشعر بأنه اتخذه بوابًا، وهو خلاف الحديث, إلّا أن يكون لما أقره نسب إليه، وليت شعري من أين الإشعار مع أن لفظه أنه كان بوابًا، ولم يقل اتخذه بوابًا, إلا أن ادعى أن الإشعار من الجمع المذكور بقوله: "وجمع بينهما؛ بأنه كان ﵊ إذا لم يكن في شغل من أهله، ولا انفراد من أمره، أنه" الأولى، حذفها وكأنه أتى بها مذكرة للسابقة، "كان يرفع حجابه بينه وبين الناس، ويبرز لطالب الحاجة إليه" أي:стр. 2908
وفي حديث عمر ﵁ حين استأذن له الأسود في قصة حلفه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه: أنه كان في وقت خلوته يتَّخذ البواب، ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي. ولكن يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون وجد عليه بسبب ابنته، فأراد أن يختبر ذلك باستئذائه عليه، فلما أذن له اطمأن.
وقد اختلف في مشروعية الحجاب للحاكم.
فقال الشافعي وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا.
وذهب آخرون إلى جوازه.
وحمل الأوّل على زمن سكون الناس واجتماعهم على الخير وطواعيتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحبّ ذلك ليرتب الخصوم ويمنع المستطيل، ويدفع الشرير، والله تعالى أعلم.
الحواشي
(١) وإذا اشتغل بأمر نفسه اتخذ بوابًا.
"وفي حديث عمر ﵁، حين استأذن له" العبد "الأسود" رباح، الآتي "في قصة حلفه ﷺ أن لا يدخل على نسائه شهرًا، ففيه أنَّه كان في وقت خلوته" وهو يتَّخذ البواب وقتها، "ولولا ذلك لاستأذن عمر بنفسه، ولم يحتج إلى قوله: يا رباح استأذن لي، ولكن"، لا دليل فيه، إذ "يحتمل أن يكون سبب استئذان عمر أنه خشي أن يكون" المصطفى "وجد" غضب "عليه، بسبب ابنته" حفصة أم المومنين؛ إذ كانت من جملة سبب الحلف، كما تقدَّم في القصة "فأراد أن يختبر ذلك باستئذانه عليه، فلمّا أذن له اطمأنَّ" سكن ودخل عليه، "وقد اختلف في مشروعية الحجَّاب للحاكم، فقال الشافعي، وجماعة: ينبغي للحاكم أن لا يتخذ حاجبًا" لأنه المعروف من حال المصطفى، وقد روى أحمد في الزهد، وغيره، عن الحسن: والله ما كان رسول الله ﷺ تغلق دونه الأبواب، ولا تقوم دونه الحُجَّاب، ولا يغدي عليه بالجفان، ولا يراح بها عليه، ولكنه كان بارزًا, من أراد أن يلقى نبي الله لقيه، كان يجلس على الأرض ويطعم الطعام بالأرض، ويلبس الغليظ، ويركب الحمار، ويردف خلفه، ويلعق يده، "وذهب آخرون إلى جوازه، وحمل الأول على زمن سكون الناس، واجتماعهم على الخير، وطواعتهم للحاكم، وقال آخرون: بل يستحب ذلك ليرتب الخصوم، ويمنع المستطيل ويدفع الشرير، والله تعالى أعلم" بالحق من ذلك.стр. 2909
وأمَّا ما روي من حيائه ﷺ ، فحسبك ما في البخاري من حديث سعيد: كان رسول الله ﷺ أشد حياءً من العذراء في خدرها.
والعذراء هي البكر.
والخدر: بكسر الخاء المعجمة -أي في سترها.
وهو من باب التتميم، لأنَّ العذراء في الخدر يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنَّة وقوع الفعل بها. فالظاهر: أن المراد تقييده بما إذا دخل عليها.................
الحواشي
(١) "وأما ما روي من حيائه ﷺ " لم يقل: وأما حياؤه على منوال سابقه ولاحقه؛ إذ الفصل معقود لبيان الصفات، لا المروي كأنه، لأن حياءه وقوته علم من مواضع، كالصريحة في كلامه، ولأن اتصافه به ثابت مشهور عند الناس، خاصتهم وعامتهم، لا يحتاج لبيان، فلم يجعله مقصودًا، وإنما القصد بيان الروايات الواردة فيه، وجواب أمَّا محذوف، أي: ففيه أحاديث كثيرة، "فحسبك" أي: يكفيك عن طلب حقيقة حيائه،؛لأنك إذا علمت وصفه بما ذكر، علمت أنه لا يساويه فيه أحد، "ما في البخاري" في الصفة النبوية، والأدب، ومسلم في الفضائل، وابن ماجه في الزهد، "من حديث أبي سعيد" الخدري، قال: "كان رسول الله ﷺ أشد حياء" نصب على التمييز، وهو تغير وانكسار عند خوف ما يعاب أو يذم، "من العذراء" بالذال المعجمة، البكر، لأنَّ عذرتها وهي جلدة البكارة باقية، "في خدرها" وأخرجه البخاري من وجه آخر، عن أبي سعيد بزيادة: وإذا كره شيئًا عُرِفَ في وجهه، وهو إشارة إلى أنَّه لم يكن يواجه أحد إنما يكرهه بل يتغير وجهه، فيفهم أصحابه كراهته لذلك، كما في الفتح: "والعذراء" بالمد، "هي البكر" ذات العذرة، وجمعها عذارى، بفتح الراء، وكسرها، فهما مترادفان لغة، وأما شرعًا: فالعذراء أخص من البكر، لأنها من لم تزل عذرتها بشيء، والبكر من لم تزل بكارتها بوطء، ولو أزيلت بسقطة وحدة حيض، ونحوهما، "والخدر، بكسر الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة مبتدأ وخبر، وقوله: "أي: في سترها" تفسير لقوله في خدرها، والإضافة عهدية, أي: في الستر المعهود اتخاذه لها، قال المجد: الخدر: ستر يمد للجارية، أي: البنت في ناحية البيت، كالأخدور، وكل ما واراك من بيت ونحوه، جمعه خدور وأخدار.
"وهو من باب التتميم؛ لأن العذراء في الخلوة يشتد حياؤها أكثر مما تكون خارجها، لكون الخلوة مظنة وقوع الفعل" الوطء "بها، فالظاهر أن المراد تقييده" أي: قوة حيائها في خدرها، "بما إذا دخل عليها" بالبناء للفاعل، أي: من تحتشمه أخذًا من قوله: أولًا، لكون الخلوةстр. 2910
في خدرها لا حيث تكون منفردة فيه.
والحياء -بالمد- وهو من الحياة، ومنه: الحيا للمطر، لكن هو مقصور، وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح، وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتم.
وهو في اللغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرَّد ترك الشيء بسبب. والترك إنما هو من لوازمه.
وفي الشرع: خلق يبعث على اجتناب القبيح ويمنع من التقصير من حق ذي الحق.
الحواشي
(١) إلخ....، أو المفعول، أي: دخل أحد، ولو امرأة "في خدرها" فحينئذ يشتد حياؤها، "لا حيث تكون منفردة فيه" فقد لا يحصل لها حياء، أو لا يشتد لعدم مقتضيه.
زاد الحافظ: ومحل وجود الحياء منه ﷺ في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزنا: "أنكتها لا يكنى"، كما في الصحيح في كتاب الحدود، وأخرج البزار هذا الحديث، عن أنس، وزاد في آخره، وكان يقول الحياء خير كله، وأخرج عن ابن عباس: كان ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قط، وإسناده حسن. انتهى.
وروى أحمد، وأبو داود والبخاري في الأدب المفرد، والنسائي، والترمذي في الشمائل، عن أنس: كان ﷺ لا يواجه أحد في وجهه بشيء يكرهه، فدخل عليه يومًا رجل وعليه أثر صفرة، فلما قام قال لأصحابه: لو غير، أو نزع هذه الصفة، وفي رواية: لو أمرتم هذا أن يغسل هذه الصفرة، "والحياء، بالمد" مبتدأ وخبر، "وهو" مأخوذ "من الحياة"؛ لأنه ينشأ عن تمييز الحسن من القبيح، ومنشأ ذلك وجود الحياة التي هي صفة تصبر ذا الروح حيًّا، "ومنه" أي: المعنى المأخوذ منه الحياء الممدود، "الحيا للمطر، لكن هو مقصور" على المشور، ويمد كما في القاموس، "وعلى حسب حياة القلب" يقظته، ومعرفته، لما يضره وينفعه في الدارين، "تكون فيه قوة خلق الحياء، وقلة الحياء من موت القلب والروح" أي: فقد صفاتها المقتضية للكمال لا الجسم اللطيف، "وكلما كان القلب حيًّا كان الحياء أتمّ" ولذا كان تمام الحياء في المصطفى؛ إذ لا قلب أحيى من قلبه، "وهو في اللغة تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، وقد يطلق على مجرد ترك الشيء بسبب، والترك إنما هو من لوازمه" فتسميته حياء مجاز من تسمية اللازم باسم ملزومه، "وفي الشرع: خلق يبعث" يحمل من قام به "على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حق ذي الحق" وهو الله تعالى في حق عباده، والصديق في حق صديقه، والسيد في حق عبده, إلى غير ذلك، ولذا جاء في الحديث: "الحياء من الإيمان، والحياءстр. 2911
وقال ذو النون: الحياء وجود الهيبة في الخلق، مع وحشة ما يسبق منك إلى ربك، والحب ينطق والحياء............
الحواشي
(١) خبر كله، والحياء لا يأتي إلا بخير"، وهذا التعريف الذي ذكره المصنف لغة، وشرعًا لفظ الفتح في باب أمور الإيمان، ثم قال فيه: في باب الحياء من الإيمان، ما لفظه، قال الراغب: الحياء انقباض النفس عن القبيح، وهو من خصائص الإنسان؛ ليرتدع عن ارتكاب كل ما يشتهي، فلا يكون كالبهيمة، وهو مركَّب من خير وعفة، فلذا لا يكون المستحي فاسقًا، وقلَّما يكون الشجاع مستحيًا، وقد يكون لمطلق الانقباض، كما في بعض الصبيان. انتهى ملخصًا.
وقال غيره: هو انقباض النفس خشية ارتكاب ما يكره، أعم من أن يكون شرعيًّا، أو عقليًّا، أو عرفيًّا، ومقابل الأول فاسق، والثاني مجنون، والثالث أبله.
وقال الحليمي: حقيقة الحياء خوف الذم بنسبة الشر إليه، وقال غيره: إن كان في محرم، فهو واجب، وإن كان في مكروه، فهو مندوب، وإن كان في مباح، فهو العرفي، وهو المراد بقوله: "الحياء لا يأتي إلا بخير"، ويجمع كل ذلك؛ أنَّ المباح إنما هو ما يقع على نهي الشرع إثباتًا ونفيًا، وجاء عن بعض السلف: رأيت المعاصي نذالة، فتركتها مروءة، فصارت ديانة، وقد يتولد الحياء من الله تعالى، من التقلب في نعمة، فيستحي العاقل أن يستعين بها على معصيته، وقد قال بعض السلف: خف الله على قدر قدرته عليك، واستحِ منه على قدر قربه منك، انتهى كلام الفتح ﵀.
"وقال ذو النون" المصري، ثوبان بن إبراهيم، أبو الفيض، أحد المشايخ المذكورين في رسالة القشيري، ولد بأخميم، وحدَّث عن مالك، والليث، وابن لهيعة، وعنه الجنيد، وغيره، وكان أوحد وقته علمًا، وأدبًا، وورعًا، وهو أول من عَبَّر عن علوم المنازلات، وأنكر عليه أهل مصر، وقالوا: أحدث علمًا لم يتكلّم فيه الصحابة، وسعوا به إلى الخليفة المتوكّل، ورده مكر ما، مات في ذي القعدة سنة خمس وأربعين ومائتين، وقد قارب السبعين، فأظلت الطير الخضر جنازته ترفرف عليه حتى وصل إلى قبره، فلمَّا دفن غابت، فاحترم أهل مصر قبره، وكانوا يسمونه الزنديق، "الحياء وجود الهيبة في الخلق" بفتح، فسكون، أي: النوع الإنساني، احترازًا عن البهائم، وفي نسخ في القلب بدل في الخلق، "مع وحشة" أي: خوف "ما" شيء "يسبق" يصدر "منك، إلى ربك" مما يخالف أمره، أو نهيه، أو أصل الوحشة بين الناس، الانقطاع، وبعد القلوب من المودات، "والحب ينطق" يحمل المحب على التكلم بما في ضميره، مما يريد إخفاءه قهرًا عليه، "والحياء يُسْكِتُ" عن التكلم بما يريده، إخفاءه قهرًا عليه، "والحياء يسكت" عن التكلّم بما يريده، "والخوف يقلق" يزعج، يعني أن خوف العبدстр. 2912
يسكت، والخوف يقلق.
وقال يحيى بن معاذ: من استحى من الله مطيعًا استحى الله منه وهو مذنب، وهذا الكلام يحتاج إلى شرح, ومعناه: إن من غلب عليه خلق الحياء من الله حتى في حال طاعته فقلبه مطرق بين يديه إطراق مستحي خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحى الله من نظره إليه في تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحي أن يرى من وليه لما يشينه عنده. وفي الشاهد شاهد لذلك، فإن الرجل إذا اطلع على أخص الناس به وأحبهم إليه وأقربهم منه، من صاحب أو ولد أو من يحبه، وهو يخونه، فإنه يلحقه من ذلك الاطلاع عليه حياءً عجيب حتى كأنه هو الجاني, وهذا غاية الكرم.
وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها.
منها: حياء الكرم، كحيائه ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب، وطولوا عنده المقام، واستحيا أن..................
الحواشي
(١) يزعجه مخافة أن يصيبه ما يخاف منه، "وقال يحيى بن معاذ" الرازي، أحد الأولياء الكبار المشهورين، الآمر بالمعروف، الناهي عن المنكر، المتوفَّى بنيسابور، سنة ثمان وخمسين ومائتين، "من استحى من الله مطيعًا استحى الله منه وهو مذنب" أي: عامله معاملة المستحي منه إذًا لتغير إلخ ...
محال على الله، "وهذا الكلام يحتاج إلى شرح، ومعناه: إن من غلب عليه خلق الحياء من الله، حتى في حال طاعته" إذ لا يقدر على الإتيان بها، كما أمر، "فقلبه مطرق" ساكن في مقام الخوف، "بين يديه إطراق مستحي خجل، فإنه إذا وقع منه ذنب استحى الله من نظره إليه" أي: ترك نظره إليه نظر انتقام "في تلك الحالة لكرامته عليه، فيستحي أن يرى من وليه" رؤية غضب وعقاب، "ما يشينه" بفتح أوله، وكسر الشين، يعيبه، "عنده، وفي الشاهد" أي: المشاهد المرئي، "شاهد" دليل "لذلك" ظاهر، "فإن الرجل إذا اطَّلع على أخصّ الناس به، وأحبهم إليه، وأقربهم منه، من صاحب، أو ولد، أو من يحبه، وهو يخونه فإنه يلحقه" أي: المطلع "من ذلك الاطلاع حياء عجيب، حتى كأنه هو الجاني، وهذا غاية الكرم" أي: النفاسة والعزة فيمن قام، يقال: كرم الشيء كرمًا نفس وعزَّ، فهو كريم، والجمع كرام، وكرماء، كما في المصباح، "وللحياء أقسام ثمانية، يطول استقصاؤها".
"منها حياء الكرم، كحيائه ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب" بنت جحش لما تزوجها، وكانت خبزًا ولحمًا، أشبع المسلمين، "وطولوا عنده المقام" بعد الأكل، "واستحياстр. 2913
يقول لهم انصرفوا.
ومنها: حياء العبودية، وهو حياء يمتزج بين محبة وخوف ومشاهدة عدم صلاحية عبوديته لمعبوده، وأن قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديته له توجب استحياء منه لا محالة.
ومنها: حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص، وقنعها بالدون، فيجد نفسه مستحييًا من نفسه، حتى كأنَّ له نفسين، يستحي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه فهو بأن يستحي من غيره أجدر.
والحياء -كما قال ﵊ لا يأتي إلا بخير، وهو من الإيمان.
الحواشي
(١) أن يقول لهم انصرفوا" فقام فقاموا" إلّا ثلاثة، أو اثنين، فمكثوا حتى انطلق إلى أزواجه، فسلَّم عليهن، ثم قاموا، فأخبره أنس، فجاء، فدخل على زينب.
ومنها حياء المحبّ من محبوبه، حتى إنه إذا خطر على قلبه في حال غيبته، هاج تحرك الحياء من قلبه، وأحسّ به في وجهه، فلا يدري هو، أي: المحب ما سببه.
"ومنها حياء العبودية، وهو حياء يمتزج" يختلط "بين محبة وخوف، ومشاهدة عدم صلاحية، عبودية لمعبوده، وإن قدره أعلى وأجلّ منها؛ فعبوديته له توجب استحياء منه، لا محالة" بفتح الميم.
"ومنها حياء المرء من نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة، من رضاها لنفسها بالنقص، وقنعها بالدون" في المطلوب دنيويًّا، أو أخرويًّا؛ "فيجد نفسه مستحييا من نفسه، حتى كأن له نفسين يستحيي بإحداهما من الأخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء، فإن العبد إذا استحيا من نفسه، فهو بأن يستحيي من غيره أجدر" أحق، وهذه أربعة من الثمانية.
"والحياء كما قال ﵊ لا يأتي إلا بخير؛ لأن من استحيا أن يراه الناس يأتي بقبيح، دعاه ذلك إلى أن يكون حياؤه من ربه أشد، فلا يضيِّع فريضة، ولا يرتكب خطيئة، "وهو من الإيمان" لأنه يمنع صاحبه من ارتكاب المعاصي، كما يمنع الإيمان، فسمي إيمانًا، كما يسمَّى الشيء باسم ما قام مقامه، قاله ابن قتيبة, ومن للتبعيض، فهو كرواية: "الحياء شعبة من الإيمان"، ولا يرد إذا كان بعضه ينتفي الإيمان بانتفائه؛ لأن الحياء من مكملات الإيمان، ونفي الكمال لا يستلزم نفي الحقيقة، فأول الحياء وأولاه الحياء من الله، وهو أن لا يراك حيث نهاك،стр. 2914
كما رواهما البخاري.
قال القاضي عياض وغيره: وإنما جعل الحياء من الإيمان -وإن كان غريزة؛ لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصد واكتساب وعلم.
وقال القرطبي: الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلَّف به دون الغريزي، غير أنَّ من كان فيه غريزة منه فإنها تعينه على المكتسب، حتى يكاد يكون غريزة، قال: وكان ﷺ قد جمع له النوعان، فكان في الغريزي أشد حياء من العذراء في خدرها.
وقال القاضي عياض: وروي عنه ﷺ : أنه كان من حيائه لا يثبت بصره في وجه أحد.
وأما خوفه ﷺ ربه جلَّ وعلا،............
الحواشي
(١) ولا يفقدك حيث أمرك، وكماله إنما ينشأ عن المعرفة ودوام المراقبة، "كما رواهما" الحديثين "البخاري" ومسلم، فحديث "الحياء لا يأتي إلا بخير"، روياه عن عمران بن حصين، وحديث "الحياء من الإيمان" أخرجاه عن ابن عمر، "قال القاضي عياض وغيره: وإنما جعل الحياء من الإيمان، وإن كان غريزة" جبلة، "لأن استعماله على قانون الشرع يحتاج إلى قصده" أراده، "واكتساب، وعلم" فهو غريزي أصلًا؛ واكتسابي كمالًا، "وقال القرطبي" وأبو العباس في شرح مسلم: "الحياء المكتسب هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به دون الغريزي، غير أن من كان فيه غريزة منه، فإنها تعينه على المكتسب؛ حتى يكاد يكون" المكتسب "غريزة".
"قال: وكان ﷺ قد جمع له النوعان: فكان في الغريزي أشد حياءً من العذراء في خدرها" وسئل بعضهم: هل الحياء من الإيمان مقيدٌ ومطلق؟ فقال: مقيد بترك الحياء في المذموم شرعًا، فعدمه مطلوب في النصح والأمر والنهي الشرعي، أن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا، والله لا يستحيي من الحق، "وقال القاضي عياض" في الشفاء: "وروي عنه ﷺ أنه كان من حيائه لا يُثَبِّتُ" بضم أوله رباعي، لا بفتحها ثلاثي، لإيهامه العجز "بصره" أي: لا يديم نظره "في وجه أحد" ولا يتأمله، فإثبات البصر بمعنى إطالة النظر، من غير تخلل إغماض الجفن ونحوه، حتى كان بصره صار قارًّا في المرئي، كما قال المتنبي:
وخصر تثبت الأبصار فيه ... كأن عليه من حدق نطاقا
قال السيوطي: هذا الحديث ذكره صاحب الأحياء، ولم يجده العراقي.
"وأما خوفه ﷺ ربه جلَّ وعلا" فكان على غاية لا يساويه أحد فيه، فالجواب محذوف،стр. 2915
فاعلم أن الخوف والوجل والهيبة والرهبة ألفاظ متقاربة غير مرادفة.
قال الجنيد: الخوف توقّع العقوبة على مجاري الأنفاس.
وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف.
وقيل: الخوف قوة العلم بمجاري الأحكام، وهذا سبب الخوف، لا أنه نفسه.
وقيل: الخوف هرب القلب من حلول المكروه عند استشعاره.
والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى: قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٣٨] فهو خوف مقرون بمعرفة. وقال ﷺ : "أنا أتقاكم لله وأشدكم له خشية"،........
الحواشي
(١) دلت عليه الأحاديث الآتية: وإذا أردت بيان معنى الخوف، "فاعلم أن الخوف والوجل والهيبة والرهبة ألفاظ متقاربة غير مرادفة" لأن المترادفين: كل لفظين اتحدا في المفهوم وإلى ما صدق، وهذه الألفاظ ليست متحدة في المفهوم، كما علم من تعاريفها.
"قال الجنيد: الخوف توقع العقوبة على مجاري الأنفاس" بأن يتصوَّر أن كل نفس يقوم به، يخشى أن تحل به عقوبة عنده، وهو من إضافة الصفة للموصوف، أي: الأنفاس الجارية، أي: عقب كل نفس جار، والمجاري: جمع مجرى مصدر جرى، ويطلق أيضًا على أواخر الكَلِم، فإن فسرت به المجاري، حملت على الأثر الحاصل عقب كل نفس، "وقيل: الخوف اضطراب القلب وحركته من تذكر المخوف" أي: الأمر الذي يخاف وقوعه به، "وقيل: الخوف قوة العلم" ثبوته وتحققه "بمجاري الأحكام" من إضافة الصفة للموصوف، أي: بالأحكام الجارية, "وهذا" التعريف "سبب الخوف"؛ لأن مَنْ تحقَّقَ عواقب الأمور وراقبها خاف وقوعها، فالعقوبات موفة، وقوة العلم سبب لخوف وقوعها، "لا أنه نفسه" أي الخوف، "وقيل: الخوف هرب القلب" نفرته وجزعه "من حلول المكروه عند استشعاره، والخشية أخص من الخوف، فإن الخشية للعلماء بالله تعالى، قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ " لا الجهال [فاطر: ٢٨] الآية. "فهو خوف مقرون بمعرفة" أي: فخشية الله هي خوف عقابه، مع تعظيمه بأنه غير ظالم في فعله، بخلاف مطلق الخوف، فإنه يتحقق عند تهديد الظالم له.
"وقال ﷺ : "أنا أتقاكم لله" لأني أعلمكم به، وكلما زاد العلم زادت التقوى والخوف، ولذا قال: "وأشدكم له خشية" , فلا ينبغي لكم التنزة عن مباح فعلته، وفي الصحيحين عن عائشة، صنع النبي ﷺ شيئًا ترخص فيه، وتنزه عنه قوم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: "ما بال أقوامстр. 2916
فالخوف حركة والخشية انجماع وانقباض وسكون، فإن الذي يرى العدو والسيل ونحوهما له حالتان: إحداهما حركته للهرب منه وهي حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره في مكان لا يصل إليه وهي الخشية.
وأما الرهبة: فهي الإمعان في الهرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه.
الحواشي
(١) يتنزهون عن الشيء أصعنه، فوالله إني لأعلمهم بالله وأشدهم له خشية"، قال الداودي: التنزه عمَّا رخص فيه من أعظم الذنوب، لأنه يرى نفسه أتقى لله من رسوله، وهذا إلحاد، قال في فتح الباري: لا شك في إلحاد من اعتقد ذلك، لكن في حديث أنس عند البخاري, جاء ثلاثة إلى أزواجه ﷺ يسألون عن عبادته، فلمَّا أخبروا بها كأنهم تقالّوها، فقالوا: أين نحن منه، وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟ فقال أحدهم: أما أنا فأصلي الليل أبدًا، وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر، وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدًا، فجاء ﷺ إليهم فقال: أنتم الذين قلتم، كذا وكذا، "أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له"، ولعبد الرزاق من مرسل سعيد بن المسيب: أن الثلاثة علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون.
قال الحافظ: ومرادهم أن بيننا وبينه بونًا بعيدًا، فأنا على حذر التفريط وسوء العاقبة، وهو معصوم، مأمون العاقبة، وأعمالنا جة من العقاب، وأعماله مجلبة للثواب، فردَّ ﷺ ما اختاروا لأنفسهم بأن ما استأثرتم به من الإفراط في الرياضة، لو كان أحسن من العدل الذي أنا عليه، لكنت أنا أولى بذلك، ففيه الحث على الاقتداء به؛ والنهي عن التعمق، وذم التنزه عن المباح، شكا في إباحته، وأن العلم بالله يوجب اشتداد الخشية.
وقال الحافظ: في محل آخر فيه رد ما بنوا عليه أمرهم، من أنَّ المغفور له لا يحتاج إلى مزيد في العبادة، بخلاف غيره، فأعلمهم أنَّه مع كونه لم يبالغ في التشديد، أخشى الله وأتقى من الذين يشددون، وإنما كان كذلك؛ لأن المشدد لا يأمن من الملل، بخلاف المقتصد، فإنه أمكن لاستمراره، وخير العمل ما دوام عليه صاحبه، "فالخوف حركة" على أن الخوف اضطراب القلب؛ أما على بقية الأقوال السابقة، فلعل المراد أنه ينشأ عنه ما يرى في الخارج.
"والخشية: انجماع، وانقباض، وسكون" وأشار إلى الفرق بينهما بالمحسوس، "فإن الذي يرى العدو والسيل، ونحوهما له حالتان: إحداهما حركته للهرب منه، وهي حالة الخوف، والثانية سكونه وقراره" ثباته، "في مكان لا يصل إليه، وهي الخشية، وأما الرهبة" بالفتح، اسم من رهب من باب تعب، "فهي الإمعان في العرب من المكروه، وهي ضد الرغبة التي هي سفر القلب في طلب المرغوب فيه" أي: طلبه له، فسمي الطلب سفرًا لمشابهته له في قطعстр. 2917
وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته.
وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة والمحبة.
والإجلال: تعظيم مقرون بالحب.
فالخوف لعامَّة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين، والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين. وعلى قدر العلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ : "إني لأعلمكم بالله وأشدكم له خشية"، رواه البخاري، وقال ﵊: "لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا،..............
الحواشي
(١) المسافة، لتحصيل المطلوب، أو لأن الطلب لازم للسفر، "وأما الوجل: فرجفان القلب وانصداعه لذكر من يخاف سلطانه وعقوبته".
"وأما الهيبة: فخوف مقارن للتعظيم والإجلال، وأكثر ما يكون مع المعرفة، والمحبة، والإجلال، تعظيم مقرون بالحب" وهذا الاستطرادي ذكر لتمام الصفات التي عند الصوفية؟ كالخشية؛ إذ المذكور في قوله أولًا: فاعلم ليس فيه واحد من الثلاثة، "فالخوف لعامة المؤمنين، والخشية للعلماء العارفين" وفي نسخة العاملين، "والهيبة للمحبين، والإجلال للمقربين، وعلى قدرالعلم والمعرفة يكون الخوف والخشية، كما قال ﷺ : "إني لأعلمكم بالله، وأشدكم له خشية" قال العز بن عبد السلام: فيه إشكال؛ لأن الخوف والخشية حالة تنشأ عن ملاحظة شدة النقمة الممكن وقوعها بالخائف، وقد دلت القواطع على أنه ﷺ غير معذب، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ لا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ﴾ الآية، فكيف يتصور منه الخوف؟، فكيف أشد الخوف؟، قال: والجواب أن الذهول جائز عليه، فإذا ذهل عن موجبات نفي العقاب، حدث له الخوف، "رواه البخاري" ومسلم من حديث عائشة.
"وقال ﵊: "لو تعلمون ما أعلم" من عظمة الله وانتقامه ممن يعصيه، والأهوال التي تقع عند النزع والموت، وفي القبر ويوم القيامة، "لضحكتم قليلًا" أي: لما ضحكتم أصلًا؛ إذ القليل، بمعنى العديم؛ لأن لو حرف امتناع لامتناع، وقيل معناه: لو تعلمون ما أعلم مما أعد في الجنة من النعيم، وما حفّت عليه من الحجب، لسهل عليكم ما كلفتم به، ثم إذا تأملتم ما وراء ذلك من الأمور الخطرة، وانكشاف الغطاء يوم العرض على الله، لا شتد خوفكم، فلم تضحكوا، "ولبكيتم كثيرًا" لغلبة الحزن واستيلاء الخوف؛ واستحكام الوجل.
قال الكرماني: فيه من البديع مقابلة الضحك بالبكاء، والقلة بالكثرة، ومطابقة كل منهما،стр. 2918
رواه البخاري من حديث أبي هريرة، وفيه دلالة على اختصاصه ﷺ بمعارف بصرية وقلبية، وقد يطلع الله عليها غيره من المخلصين من أمته, لكن بطريق الإجمال، وأما تفاصيلها فاختص بها ﷺ .
وفي صحيح مسلم من حديث أنس أنه ﵊ قال: "والذي نفس محمد بيده، لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار".
فقد جمع الله له بين علم اليقين.................
الحواشي
(١) "رواه البخاري من حديث أبي هريرة" في حديث طويل.
قال في الفتح: ومناسبة كثرة البكاء، وقلة الضحك في هذا المقام واضحة، والمراد به التخويف، وقد جاء لهذا الحديث سبب، أخرجه سنيد في تفسيره بسند رواه الطبراني عن ابن عمر: خرج ﷺ إلى المسجد، فإذا بقوم يتحدثون ويضحكون، فقال: "والذي نفسي بيده، لو تعلمون"، فذكره، انتهى.
"وفيه دلالة على اختصاصه ﷺ بمعارف بصرية" كرؤية الجنة والنار وأهوالها، "وقلبية" كالأحكام التي لم يطَّلع عليها غيره، "وقد يطلع الله عليها غيره من المخلصين من أمته، لكن بطريق الإجمال، وأما تفاصيلها فاختص بها ﷺ زيادة في كرامته، ولأنه هو الذي يحتملها.
"وفي صحيح مسلم، من حديث أنس؛ أنه ﵊ قال: "والذي نفس محمد بيده لو رأيتم ما رأيت" أي: لو علمتم ما علمته من الأمور ومنه رؤية بصري وعلمي بإلهام ووحي أحوال البعث والنشور، وعذاب القبر وغير ذلك، مما لم يقع ولا يدرك بالبصر؛ "لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا" فرأى علمية، والمتبادر أنها بصرية، لأنهم "قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟، قا: "رأيت الجنة والنار"؛ إذ هو رآهما رؤية بصرية ليلة المعراج، وفي صلاة الكسوف.
وروى ابن أبي شيبة برجال ثقات، والطبراني عن أبي سعيد, كنَّا يومًا عند رسول الله ﷺ ، فرأيناه كئيبًا، فقال بعضنا: بأبي أنت وأمي ما سبب هذا؟ فقال: "سمعت هدة لم أسمع مثلها، فأتاني جبريل، فسألته عنها، فقال: هذه صخرة هوت من شفير جهنم منذ سبعين خريفًا، فهذا حين بلغت قعرها، فأحب أن يسمعك صوتها، فما رؤي ضاحكا بعد حتى قبضه الله تعالى"، ورواه ابن أبي الدنيا عن أنس؛ وهذا مما يؤيد حملها على العلمية، وهو أولى لشمولها للبصرية، "فقد جمع الله له بين علم اليقين" وهو قبول ما ظهر من الحق وما غاب، ويجري فيه النقلстр. 2919
وعين اليقين مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا"، وهو في الصحيح من حديث عائشة.
وكان ﷺ يصلي ولجوفه أزيز كأزيز المرجل من البكاء، رواه النسائي وابن خزيمة وابن حبان في صحيحة بلفظ: كأنين الرحى، أي: خنين من الخوف -بالخاء المعجمة- وهو صوت البكاء. وقيل: هو أن يجيش جوف ويغلي بالبكاء.
وأمَّا ما روي من شجاعته.....................
الحواشي
(١) والاستدلال.
"وعين اليقين" وهو شهود الأشياء، كما هي كشفًا عيانًا، "مع الخشية القلبية، واستحضار العظمة الإلهية، على وجه لم يجتمع لغيره، ولذا قال: "إن أتقاكم" اسم أن "وأعلمكم بالله" عطف عليه "أنا" خبرها.
قال الحافظ: وفيه إقامة الضمير المنفصل مقام المتصل، ومنعه أكثر النحاة إلّا لضرورة، وأوَّلوا قوله، وإنما يدافع عن إحسابهم أنا أو مثلي، بأن الاستثناء مقدَّر، أي: وما يدافع إلّا أنا.
قال بعض الشراح: والحديث يشهد للجواز بلا ضرورة، "وهو في الصحيح" للبخاري "من حديث عائشة" قالت: كان ﷺ إذا أمرهم أمرهم من الأعمال بما يطيقون، قالوا: إنا لسنا كهيئتك يا رسول الله، قد غُفِرَ لك ما تقدَّم من ذنبك وما تأخَّر، فغضب حتى عُرِفَ الغضب في وجهه، ثم يقول: "إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا" "وكان ﷺ يصلي ولجوفه أزيز" بزاءين منقوطتين: صوت "كأزيز المرجل" بكسر الميم، وسكون الراء، وفتح الجيم، ولام، قِدْر من نحاس "من البكاء" لغلبة الخشية عليه، يسيل دمعه، فيسمع لجوفه ذلك، ولا يرد إن شدة البكاء في الصلاة تبطلها، لأن بكاءه لم يكن بصوت، بل تدمع عيناه حتى تهملا، كما قدمه المصنف في مبحث ضحكه.
"رواه النسائي" وأبو اود, "وابن خزيمة، وابن حبان" كلٌّ منهما "في صحيحه، بلفظ كأنين الرحى" أي: صوت كصوتها، يقال: أزَّت الرحى إذا صوتت، كما في الترغيب، "أي: خنين" بفتح الخاء المعجمة، وكسر النون، ضرب من البكاء، دون الانتحاب، كما في النهاية، "من الخوف" من الله، وقوله: "بالخاء المعجمة، وهو صوت البكاء" ضبط بقوله خنين، "وقيل: هو أن يجيش" بجيم، ومعجمة، "ويغلي بالبكاء" عطف تفسير، ففي المصباح: جاشت القدر، يجيش جيشًا، غَلَت، وقوله: بالخاء إلى هنا لفظ النهاية.
"وأمَّا ما روي من شجاعته" مثلث الشين، مصدر شجع بالضم، شجاعة، فهو شجيع،стр. 2920
-﵊, وقوته في الله وشدته، فعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأجود الناس وأشجع الناس، لقد فزع أهل المدينة ذات ليلة فانطلق ناس قِبَلَ الصوت فتلقَّاهم رسول الله ﷺ راجعًا قد سبقهم إلى الصوت واستبرأ الخبر...............
الحواشي
(١) وشجاع، بضم الشين، وبنو عقيل، بفتحها، حملًا على نقيضه، وهو جبان، وبعضهم كسرها للتخفيف، فرارًا من توالى حركات متوالية من جنس واحد، وهو الشديد القلب عند البأس المستهين بالحروب، "﵊, وقوته" يعني: كما أنه تام لقوة في أعضائه، فهو تامها في حقوق الله بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، مراقب لحدوده، حافظ لها، لا يخاف "في الله" لومة لائم، "وشدته" وظاهر المصنف تغاير هذا الألفاظ، والمفهوم من كلام غيره ترادفها، وأنها وإن اختلفت مفهومًا متحدة ما صدقًا.
قال الشامي: الشجاعة انقياد النفس مع قوة غضبية وملكة يصدر عنها انقيادها في أقدامها، متدربة على ما ينبغي في زمن ينبغي، وحال ينبغي، ومن في المصنف بيانية بتقدير مضاف، أي: من دال شجاعته؛ إذ الشجاعة ليست مروية، ولما كانت شجاعته معلومة لكل الناس لم يحتج إلى بيانها، بل بَيِّنَ المروي، فقال: "فعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ أحسن الناس" صورة وسيرة؛ لأن الله أعطاه كل الحسن، "وجود الناس" لتحليه بصفات الله التي منها الجود والكرم، أي: بكل ما ينفع، فحذف للتعميم، أو لفوت إحصائه كثرة؛ لأن من كان أعظمهم شرفًا، وأيقظهم قلبًا؛ وألطفهم طبعًا، وأعدلهم مزاجًا, جدير بأن يكون أسمحهم صورة، وأنداهم يدًا؛ ولأنه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
"وأشجع الناس:" أقواهم قلبًا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولَّى قط ولا تحدَّث أحد بفراره؛ وقد ثبتت أشجعيته بالتواتر النقلي، بل أخذه بعضهم من النص القرآني لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية، فكلفه وهو فرد جهاد الكل، ولا يكلّف الله نفسًا إلا وسعها، ولا ضير في كون المراد هو ومن معه؛ إذ غايته أنه قوبل بالجميع، وذلك مفيد للمقصود، وهذه الثلاث أمهات الأخلاق الفاضلة، فلذا اقتصر عليها، كما يأتي للمصنف بيانه، "لقد فزع" بكسر الزاي، خاف "أهل المدينة ذات ليلة" من صوت سمعوه، كما أفاده بقوله: "فانطلق الناس قِبَل" بكسر، ففتح، جهة "الصوت" ليعرفوا خبره، لظنهم أنه عدو، "فتلقَّاهم رسول الله ﷺ راجعًا" حال كونه "قد سبقهم إلى الصوت" وحده, وذلك دليل على كمال شجاعته، لمبادرته منفردًا للخروج، "واستبرأ الخبر" بمهملة، وفوقية، وموحدة، وهمزة، وقد تبدَّل ألفًا، أي: كشفه، ووقف على حقيقته.стр. 2921
على فرس لأبي طلحة عري والسيف في عنقه وهو يقول: لن تراعوا.
وفي رواية: كان فزع بالمدينة فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة يقال له المندوب، فركبه ﵊, فلما رجع قال: "ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرًا، أو إنه لبحر". قال: وكان فرسًا يبطؤ. رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي.
وللبخاري: إن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب ﷺ فرسًا لأبي طلحة كان يقطف،..................
الحواشي
(١) قال في الأساس: استبرأت الشيء، طلبت آخره لأقطع الشبهة عني، "على فرس لأبي طلحة" زيد بن سهل، زوج أم أنس، استعاره منه،"عري" بضم المهملة، وسكون الراء، ليس عليه سرج، ولا أداة، ولا يقال في الآدميين، إنما يقال: عريان "والسيف في عنقه" أي: حمائله معلقة في عنقه الشريف، متقلدًا به، وهذا هو السنة في حمل السيف، كما قاله ابن الجوزي: لأشده في وسطه، كما هو العرف الآن، "وهو يقول لن تراعوا" لن هنا، بمعنى لم، بدليل الرواية الآتية، والمراد نفي سبب الروع، أي: الخوف، أي: ليس هناك شيء تخافونه، وهذا أخرجه البخاري في باب مدح الشجاعة في الحرب من كتاب الجهاد، وفي الأدب ومسلم في فضائل النبي ﷺ واللفظ له، "وفي رواية" عن أنس: "كان فزع" بفتح الفاء، والزاي، أي خوف من عدو "بالمدينة، فاستعار النبي ﷺ فرسًا من أبي طلحة، يقال له المندوب، قيل: سمي بذلك من الندب وهو الرهن عند السباق، وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجح، وقال عياض: يحتمل أنه لقب أو اسم لغير معنى كسائر الأسماء.
"فركبه ﵊، فلمَّا رجع قال: "ما رأينا من شيء" يوجب الفزع، "وإن وجدناه" أي: الفرس "لبحرًا" أي: واسع الجري، ومنه سمي البحر بحرًا لسعته، وتبحَّر فلان في العلم إذا اتسع فيه، وقيل: شبهه بالبحر، لأن جريه لا ينفذ، كما لا ينفذ ماء البحر، "أو أنه لبحر" بالشك، وفي رواية المستملي، وإن وجدنا بحذف الضمير.
قال الخطابي: إن هي النافية، واللام في لبحرًا، بمعنى إلّا، أي: ما وجدناه إلا بحرًا.
قال ابن التين: هذا مذهب الكوفيين، وعند البصريين؛ أن إن مخففة من الثقيلة، واللام زائدة، وكذا قال الأصمعي: وزيدت للفرق بين أن المخففة والنافية، "قال: وكان فرسًا يبطؤ" بفتح الياء، وسكون الموحدة، وضم الطاء، مخففًا، وبالهز، أي: لا يسرع في مشيه، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وللبخاري" في الجهاد، عن أنس: "إن أهل المدينة فزعوا مرة" ليلًا، "فركب ﷺ فرسًا لأبي طلحة، كان يقطف" بكسر الطاء، وتضم، قاله المصنف، "أو فيهстр. 2922
أو فيه قطافًا، فلما رجع قال: "وجدنا فرسكم هذا بحرًا"، فكان بعد لا يجاري.
وفي أخرى له: ثم خرج يركض الفرس وحده فركب الناس يركضون خلفه فقال: "لن تراعوا، إنه لبحر"، فما سبق بعد ذلك اليوم.
وقوله: لن تراعوا: أي روعًا مستقرًا، أو روعًا يضركم.
وفي هذا الحديث بيان شجاعته ﷺ من شدة عجلته في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم، بحيث كشف الحال ورجع قبل وصول الناس.
وفيه: بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا بعد أن كان بطيئا وهو معنى قوله عليه..............
الحواشي
(١) قطافًا" بكسر القاف، والشك من الراوي، والمراد أنه كان بطيء المشي، وعند البخاري في باب آخر، فركب فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، "فلمَّا رجع" بعد أن استبرأ الخبر، "قال: "وجدنا فرسكم هذا بحرًا" لسرعة جريه "فكان بعد لا يجاري" بضم أوله، وفتح الراء، مبني للمجهول، أي: لا يسابق في الجري، ولا يطيق فرس الجري معه ببركته ﷺ ، قاله المصنف وغيره، وقال شيخنا: أي لا يسابق لعلمهم؛ بأنه لا يسبقه فرس غيره، "وفي أخرى له" للبخاري في باب السرعة والركض، في الفزع من كتاب الجهاد، عن أنس قال: فزع الناس، فركب ﷺ فرسًا لأبي طلحة بطيئًا، "ثم خرج يركض الفرس وحده" من غير رفيق، "فركب الناس، يركضون خلفه، فقال:" حين رجع: "لن تراعوا" كذا في النسخ لن، والذي في البخاري في الباب المذكور: "لم تراعوا" بالميم.
قال المصنف: ولم، بمعنى، لا مجزوم بحذف النون "إنه" أي: الفرس "لبحر" أي: كالبحر في سرعة سيره، "فما سبق" بضم السين، مبني للمفعول، "بعد ذلك اليوم، وقوله: لن تراعوا، أي: روعًا مستقرًا، أو روعًا يضركم" فلا ينافي وقوع الفزع لهم، وحاصل الجواب أن فزعهم زال سريعًا، فكأنه لم يقع، لكن هذا التأويل ظاهر على ما في البخاري بالميم، أما على ما في نسخ المتن لن بالنون، فلا يظهر، لأن لن لنفي المستقبل، ولم يعلم حاله، ولذا احتاجوا إلى تأويل رواية لن في الحديث الأول، بأنها بمعنى لم إلا أن يقال: إنه بشارة منه لأهل المدينة، علمها بالوحي، والمراد في حياته، فلا يرد روعهم بعده في وقعة الحرة وغيره، "وفي هذا الحديث بيان شجاعته ﷺ من شدة عجلته" من تعليلية "في الخروج إلى العدو قبل الناس كلهم" أي: قبل كل واحد من الناس، فأل للعموم، "بحيث كشف الحال، ورجع قبل وصول الناس، وفيه بيان عظيم بركته، ومعجزته في انقلاب الفرس سريعًا، بعد أن كان بطيئًا، وهو معنىстр. 2923
الصلاة والسلام: "وجدناه بحرًا"، أي واسع الجري.
وفيه قطاف: يقال: قطف الفرس في مشية إذا تضايق خطوه وأسرع مشيه.
قال القاضي عياض: وقد كان في أفراسه ﷺ فرس مندوب، فلعله صار إليه بعد أبي طلحة. وقال النووي: يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم.
وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد من رسول الله ﷺ .
وذكر ابن إسحاق في كتابه وغيره: أنه كان بمكة رجل شديد القوة يحسن الصراع, وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة فيصرعهم. فبينما هو ذات يوم في شعب من شعاب مكة؛ إذ لقيه رسول الله ﷺ فقال له: "يا ركانة ألا تتقي الله وتقبل ما
الحواشي
(١) قوله ﵊: "وجدناه بحرًا" أي: واسع الجري" ففيه إشارة إلى أنه لم يكن كذلك، "و" قوله في الحديث: "فيه قطاف" معناه أنَّ في مشيه ضيق خطا، ودليله أنه "يقال قطف الفرس في مشيه، إذا تضايق خطوه، وأسرع مشيه" بالنصب مفعول، أسرع على التوسع، أي: في مشيه بناء على قول القاموس، الأصل إن أسرع متعد، وبالرفع على أنه لازم، والإسناد مجازي، ومقتضى المصباح أنه أشهر وفي التوضيح القطوف المتقارب الخطور، وقيل: الضيق المشي، يقال: قطفت الدابة تقطف، بكسر الطاء، وضمها، قطافًا.
"قال القاضي عياض: وقد كان في أفراسه ﷺ فرس" اسمه "مدوب"، وصرح الحديث، بأنه لأبي طلحة، "فلعله صار إليه بعد أبي طلحة" بهبة أو بيع منه له، لا بعد موته، لأنه عاش بعد النبي ﷺ .
"وقال النووي: يحتمل أنهما فرسان اتفقا في الاسم" وهذا أولى، "وقال ابن عمر: ما رأيت أشجع ولا أنجد" أكثر نجدة "من رسول الله ﷺ " والنجدة والشجاعة والشدة، فالعطف مساو، ولعله مأخوذ من نجد الرجل فهو نجيد، كقرب فهو قريب، إذا كان ذا نجدة أو من نجدة، كنصر إذا أعانه؛ لأن اسم التفضيل يكون من اللازم والمتعدى، وهذا الحديث رواه أحمد، والنسائي، وغيرهما، بزيادة، ولا أجود، ولا أرضى من رسول الله ﷺ ، وعطف أجود على أنجد للمناسبة بينهما؛ إذ الجواد لا يخاف الفقر، والشجاع لا يخاف الموت، ولأن الأول بذل النفس، والثاني بذل المال، والجود بالنفس أقصى غاية الجود، و"ذكر" محمد "بن إسحاق" ابن يسار المطلبي، مولاهم، المدني، نزيل العراق "في كتابه" السيرة، "و" ذكر "غيره؛ أنه كان بمكة رجل شديد القوة، يحسن الصراع" بكسر الصاد، مصدر صارع مصارعة وصراعا، "وكان الناس يأتونه من البلاد للمصارعة، فيصرعهم" بابه نفع، "فبينما هو ذات يوم في شعب" بالكسر، الطريق، أو في الجبل، "من شعاب مكة، إذ لقيه رسول الله ﷺ ، فقال له: "يا ركانة ألا تتقي الله، وتقبل ماстр. 2924
أدعوك إليه" -أو كما قال له رسول الله ﷺ فقال له ركانة: يا محمد، هل لك من شاهد يدل على صدقك؟ فقال: "أرأيت إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم يا محمد، فقال له: "تهيأ للمصارعة"، قال: تهيأت، فدنا منه رسول الله ﷺ فأخذه ثم صرعه، قال: فتعجب من ذلك ركانة، ثم سأله الإقالة والعودة، ففعل به ذلك ثانيًا وثالثًا. فوقف ركانة متعجبًا وقال: إن شأنك لعجيب. رواه الحاكم في مستدركه عن أبي جعفر محمد بن ركانة المصارع،............
الحواشي
(١) أدعوك إليه؟ " فتؤمن بالله ورسوله، "أو كما قال له رسول الله ﷺ " شك الراوي "فقال له ركانة: يا محمد, هل لك من شاهد يدل على صدقك" فيما تقوله؟ "فقال: "أرأيت" أي: أخبرني "إن صرعتك أتؤمن بالله ورسوله؟ " بهمزة الاستفهام، "قال: نعم يا محمد" وصريح هذا أن السائل له في المصارعة المصطفى، وفي رواية البلاذري: أن السائل ركانة، فيحتمل أن كلًّا منهما توارد مع الآخر في السؤال، "فقال له: "تهيأ للمصارعة"، فقال: تهيأت، فدنا منه رسول الله ﷺ ، فأخذه، ثم صرعه قال: فتعجب من ذلك ركانة"؛ لأنه كان مستحيلًا عنده أن أحدًا يصرعه، "ثم سأله الإقالة" مما توافقا عليه، وهو الإيمان إن صرعه لا على قطيع من الغنم، لأن المعاقدة على الغنم إنما كانت مع ابنه يزيد، كما في الإصابة، "والعودة" إلى المصارعة، "ففعل به ذلك ثانيًا وثالثًا، فوقف ركانة متعجبًا، وقال: إن شأنك لعجيب" وأسلم عقبها في قول، والآخر في فتح مكة، قال في الإصابة: ركانة بن عبد يزيد، بن هاشم، بن المطلب، بن عبد مناف، المطلبي. روى البلاذري أنه قدم من سفر، فأخبر خَبَرَ النبي ﷺ بمكة قبل الإسلام, وكان أشد الناس، فقال: يا محمد إن صرعتني آمنت بك، فصرعه، فقال: أشهد أنك ساحر، ثم أسلم بعد، وأطعمه النبي ﷺ خمسين وسقًا، وقيل: لقيه في بضع جبال مكة، فقال: يا ابن أخي بلغني عنك شيء، فإن صرعتني علمت أنك صادق، فصارعه، فصرعه، وأسلم ركانة في فتح مكة، وقيل عقب مصارعته، ومات في خلافة معاوية، قال الزبير، وقال أبو نعيم، في خلافة عثمان، وقيل: عاش إلى سنة إحدى وأربعين. انتهى.
باختصار "رواه الحاكم في مستدركه عن أبي جعفر، محمد بن ركانة المصارع" كذا وقع للمصنف، وصوابه عن أبي جعفر، عن أبيه محمد إلخ.....، قال في التقريب أبو جعفر بن محمد بن ركانة، مجهول من السادسة، وفيه أيضًا محمد بن ركانة مجهول من الثالثة، ووهم من ذكره في الصحابة، وقال في الإصابة محمد بن ركانة، القرشي، المطلبي، لأبيه صحبة، وأمَّا هو، فأرسل شيئًا، فذكره البغوي في الصحابة، فقال: حدثنا داود بن رشيد، حدثنا محمد بن ربيعة، عن أبي جعفر، بن محمد بن ركانة، عن أبيه أنه صارع النبي ﷺ ، فصرعه النبي، قال:стр. 2925
ورواه أبو داود والترمذي, وكذا البيهقي من رواية سعيد بن جبير.
وقد صارع ﵊ جماعة غير ركانة، منهم أبو الأسود الجمحي، كما قاله السهيلي. ورواه البيهقي، وكان شديدًا بلغ من...............
الحواشي
(١) وسمعت النبي ﷺ ، يقول: "فرق ما بيننا وبين أهل الكتاب العمائم على القلانس".
قال ابن منده: ذكره البغوي في الصحابة، وهو تابعي، وقال ابن فتحون: حديث المصارعة مشهور عن ركانة، وكذا حديث العمائم، كان محمدًا أرسله، أو سقط من السند عن أبيه، قلت: الاحتمال الثاني أقرب، وهو موجود في رواية أبي داود عن قتيبة، عن محمد بن ربيعة بهذا الإسناد, لكن قال بعد المصارعة: قال: سمعت رسول الله، فظهر أن محمدًا أرسل حديث المصارعة، وأسند حديث العمامة، فسقط من رواية داود بن رشيد، قال ركانة: وسمعت، فصار ظاهره أن قائل سمعت محمد، فلو كان كذلك، لكان صحابيًّا بلا ريب، لكن جزم ابن حبان في الثقات بأنه تابعي، "ورواه أبو داود والترمذي" من رواية أبي الحسن العسقلاني، عن أبي جعفر بن محمد بن ركانة، عن أبيه, أن ركانة صارع النبي ﷺ . الحديث.
قال الترمذي: قريب، وليس إسناده بالقائم، وقال ابن حبان في إسناد خبره: قاله الإصابة، "وكذا" أخرجه "البيهقي، من رواية سعيد بن جبير" التابعي المشهور، "وقد صارع -عليه الصلاة واللام- جماعة غير ركانة، منهم" ابنه يزيد بن ركانة.
قال أبو عمر: له ولأبيه صحبة ورواية, روى عنه ابناه علي وعبد الرحمن، وأبو جعفر الباقر، وأخرج ابن قانع من طريق يزيد ابن أبي صالح، عن علي بن يزيد بن ركانة، أن أباه أخبره أن رسول الله ﷺ دعا ركانة بأعلى مكة، فقال: "يا ركانة أسلم" فأبى، فقال: "أرأيت إن دعوت هذه الشجرة لشجرة قائمة؟ فأجابتني تجيبني إلى الإسلام"، قال: نعم، فذكر الحديث، وقصة الصراع مشهورة لركانة، لكن جاء من وجه آخر أنه يزيد بن ركانة، فأخرج الخطيب في المؤتلف عن ابن عباس، قال: جاء يزيد بن ركانة إلى النبي ﷺ ومعه ثلثمائة من الغنم، فقال: يا محمد هل لك أن تصارعني، قال: "وما تجعل لي إن صرعتك؟ " قال: مائة من الغنم، فصارعه، فصرعه، ثم قال: هل لك في العود؟، قال: "وما تجعل لي؟ " قال: مائة أخرى، فصارعه فصرعه، وذكر الثالثة، فقال: يا محمد ما وضع جنبي في الأرض أحد قبلك، وما كان أحد أبغض إليى منك، وأنا أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله، فقام عنه، وردَّ عليه غنمه، ذكره في الإصابة، فقد صارع ركانة، وابنه جميعًا، ومنهم "أبو الأسود الجمحي" بضم الجيم، وفتح الميم، ومهملة، إلى جمع بطن قريش، كما قاله السهيلي، ورواه البيهقي، وكان شديدًا، بلغ منстр. 2926
شدته أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد ولم يتزحزح عنه، فدعا رسول الله ﷺ إلى المصارعة, وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ فلم يؤمن. وفي قصته طول.
وفي البخاري من حديث البراء، وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر. كانت هوازن رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا, فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام...................................
الحواشي
(١) شدته؛ أنه كان يقف على جلد البقرة، ويتجاذب أطرافه عشرة لينزعوه من تحت قدميه، فيتفرى الجلد" ينشق، وينقطع، "ولم يتزحزح عنه، فدعا" هو "رسول الله ﷺ إلى المصارعة، وقال: إن صرعتني آمنت بك، فصرعه رسول الله ﷺ ، فلم يؤمن، وفي قصته طول، وفي البخاري من حديث البراء" بن عازب، و"سأله رجل من قيس".
قال الحافظ: لم أقف على اسمه، "أفررتم عن رسول الله ﷺ يوم حنين؟ " وفي رواية للبخاري أيضًا: أفررتم مع النبي، وجمع بينهما بحمل المعية على ما قبل الهزيمة، فبادر إلى إخراجه "فقال: لكن رسول الله ﷺ لم يفر" فهو استدراك على ما قد يتوهم من فراره حين فروا عنه، الواقع عند السائل أخذًا من عموم، ثم وليتم مدبرين، فبيِّن له أنه من العموم الذي أريد به الخصوص والتقدر فررنا، ولكنه ثبت وثبت معه علي، والعباس، وأبو سفيان بن الحارث، وابن مسعود.
رواه ابن أبي شيبة مرسلًا، وللترمذي بإسناد حسن، عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين، وإن الناس لمولون، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل. ولأحمد والحاكم عن ابن مسعود: فولَّى الناس عنه، وبقي معه ثمانون رجلًا من المهاجرين والأنصار، وفي شعر العباس: أن الذين ثبتوا عشرة فقط، قال الحافظ: ولعله الثبت، ومن زاد عليهم عجل الرجوع، فعد فيمن لم يفر، ثم بَيِّنَ سبب التولي بقوله: "كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا" انهزموا، كما في لفظ رواية البخاري في الجهاد، "فأكببنا" بفتح الموحدة الأولى، وإسكان الثانية، ونون، أي: وقعنا "على الغنائم" وفي الجهاد، " فأقبل الناس على الغنائم، "فاستُقبلنا" بضم التاء، وكسر الموحدة، أي: استقبلتهم هوازن، وفي الجهاد، فاستقبلونا "بالسهام" أي: فولينا، وفي مسلم، فرموهم برشق من نبل، كأنهم رجل جراد، وفيه أيضًا عن أنس جاء المشركون بأحسن صفوف، رأيت صف الخيل ثم المقاتلة، ثم النساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النعم، ونحن بشر كثير، وعلى خيلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومنстр. 2927
ولقد رأيت النبي ﷺ على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب.
وهذا في غاية ما يكون من الشجاعة التامة، لأنه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة ليست بسريعة الجري، ولا تصلح لكرٍّ ولا فر ولا هرب, وهو مع ذلك يركضها إلى وجوههم، وينوه........................
الحواشي
(١) تعلم من الناس.
قال ابن جرير: الانهزام المنهي عنه هو ما يقع على غير نية العود، وأمَّا الاستطراد للكثرة، فهو كالمتحيز إلى فئة، "ولقد رأيت النبي" وفي رواية رسول الله " ﷺ ، على بغلته البيضاء" التي أهداها له فروة، كما في مسلم عن العباس، وعن ابن سعد وأتباعه، على بغلته دلدل.
قال الحافظ: وفيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس، قال القطب الحلبي، فيحتمل أنه ركب يومئذ كلا من البغلتين، إن ثبت أن دلدل كانت معه، وإلّا فما في الصحيح أصح، "وإن أبا سفيان بن الحارث" بن عبد المطلب "آخذ بزمامها"، أولًا، فلمَّا ركضها ﷺ إلى جهة المشركين خشي عليه العباس، فأخذ زمامها، وأخذ أبو سفيان بالركاب، فلا يخالف هذا ما في مسلم؛ أن العباس كان آخذ بزمامها، وللبخاري في الجهاد، فنزل، أي: عن البغلة، فاستنصر، وفي مسلم، فقال: "اللهم أنزل نصرك"، "وهو يقول "أنا النبي" حقًّا، "لا كذب" في ذلك، أو والنبي لا يكذب، فست بكاذب، حتى انهزم، "أنا ابن عبد المطلب".
قال الخطابي: خصَّه بالذكر، تثبيتًا لنبوته، وإزالة للشك، لما اشتُهر من رؤيا عبد المطلب المبشرة به ﷺ ، ولما أنبأت به الأحبار والكهان، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بُدَّ مما وعدت به لئلَّا ينهزموا عنه، أو يظنوا أنه مغلوب أو مقتول، فليس من الفخر بالآباء في شيء، وليس بشعر وإن كان موزونًا؛ لأنه لم يقصده ولا أراده، وهما من شرط كونه شعرًا، وهذا أعدل الأجوبة، ولا يجوز فتح الباء الأولى، وكسر الثانية ليخرج عن الوزن؛ لأنه تغيير للرواية بمجرد خيال يقوم في النفس، ولأنه وقع في إشكال أصعب مما فرَّ منه؛ لأن فيه نسبة اللحن إلى أفصح الفصحاء، فالعرب لا تقف على متحرك، "وهذا" يعد "في غاية ما يكون من الشجاعة التامة؛ لأنه مثل هذا اليوم في حومة الوغى" بالقصر، والمعجمة، الحرب أي: في أشد موضع في القتال، "وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة، ليست" من مراكب الحرب، بل الطمأنينة؛ إذ ليست بسريعة، ولا تصلح لكر، ولا فر، ولا هرب"فركوبها دليل النهاية في الشجاعة، والثبات، وإن الحرب عنده كالسلم، "وهو مع ذلك يركضها إلى وجههم، وينوه" يرفع نفسه من بينهمстр. 2928
باسمه ليعرفه من ليس يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه.
وفي حديث البراء: كنا إذا احمرَّ البأس اتقينا برسول الله ﷺ , أي: جعلناه قدامنا واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه.
وأمَّا ما ذكر من سخائه وجوده وكرمه، فاعلم أن السخاء صفة غريزية، وفي مقابلته الشح، والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ........................
الحواشي
(١) "باسمه، ليعرفه من ليس يعرفه -صلوات الله وسلامه عليه" مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو.
"وفي حديث" رواه مسلم عن "البراء: كنا إذا أحمر اللباس" أي: اشتد، "اتقينا برسول الله ﷺ " وإن الشجاع منا الذي يحاذيه، "أي: جعلناه قدامنا، واستقبلنا العدو به، وقمنا خلفه" وروى أحمد، والنسائي، وغيرهما، عن علي: كنا إذا حمي البأس، وفي رواية إذا اشتدَّ البأس، واحمرَّت الحِدَق، اتقينا برسول الله، فما يكون أحد أقرب إلى العدو منه، ولقد رأيتني يوم بدر، ونحن نلوذ بالنبي ﷺ ، وهو أقربنا إلى العدو، وكان من أشد الناس بأسًا، وتقدَّم للمصنف في حنين، وقبله في أحد، أن من زعم أنه هزم يستتاب، فإن تاب، وإلا قتل عند الشافعية، ووافقهم ابن المرابط من المالكية، وإن مذهب مالك يقتل بلا استتابة، وفرقوا بينه وبين من قال: جرح، أو أوذي؛ بأن الأخبار عن الأذى نقص في المؤذي لا عليه، والأخبار بالانهزام نقص له ﷺ ؛ لأنه فعله لو وقع، كما أنَّ الأذى فع المؤذي، قال ابن دحية: وأما تغيبه في الغار، فكان قبل الإذن بالقتال، وأما مظاهرته بين درعين يوم أحد، فهو من الاستعداد للإقدام، وليقتدي به أصحابه، والمنهزم خارج عن الإقدام جملة، بخلاف المستعد له. انتهى.
"وأما" معنى "ما ذكر" أو الصفة المرادة "من سخائه، وجوده، وكرمه" والأوّل أولى لاطِّراده في جميع ما يأتي، والجواب محذوف، أي: ففيه خلاف، وإذا أردت معرفته، "فاعلم أن السخاء صفة غريزية" طبيعة قائمة بالموصوف، كقيام الأوصاف الحسية بمحالها، قال بعض: وهي سهولة الانفاق، وتجنب اكتساب، ما لا يحمد من الصنائع المذمومة، كالحجامة، وأكل ما لا يحل مأخوذ من الأرض السخاوية، وهي الرخوة اللينة، ولذا وصف الله تعالى بجواد دون سخيّ، لأنه أوسع في معنى العطاء، وأدخل في صفة العلاء، فعلى هذا هو أخص منه، وقيل هما مترادفان لقول الشاعر:
وما الجود من يعطي إذا ما سألته ... ولكن من يعطي بغير سؤال
"وفي مقابلته الشح" أشد البخل، "والشح من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْстр. 2929
يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] ، فحكم بالفلاح لمن وقي الشح، وحكم بالفلاح أيضا لمن أنفق وبذل فقال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ ، ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٣، ٥] والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين.
وليس الشح من الآدمي بعجيب؛ لأنه جبلي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة.
والسخاء أتمَّ وأكمل من الجود، وفي مقابلته البخل, وفي مقابلة السخاء الشح، والجود والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف الشح والسخاء؛ إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة، فكل سخي جواد................
الحواشي
(١) يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ﴾ حرصها على المال، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] الآية، "فحكم بالفلاح لمن وقي الشح، وحكم بالفلاح أيضًا لمن أنفق، وبذل، فقال: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ أعطيناهم ﴿يُنْفِقُونَ﴾ ، [البقرة: ٣] في طاعة الله، ﴿َأُولَئِكَ﴾ الموصوفون بما ذكر ﴿عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [البقرة: ٥] الفائزون بالجنة الناجون من النار، "والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين، وليس الشح من الآدمي بعجيب، لأنه جبلي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة" مقتضاه تغاير الغريزة والجبلة، وفي المصباح: الجِبِلّة، بكسرتين، وتثقيل اللام، والطبيعة، والخلقة، والغريزة، بمعنى واحد، "والسخاء أتمّ، وأكمل من الجود" بناء على تغايرهما، والأصح: إن السخاء أدنى منه، ولذا لم يوصف الله به، كما مَرَّ، "وفي مقابلته" أي: الجود "البخل، وفي مقابلة السخاء الشح" ويأتي أن الجود إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، فذكر تعريفه، كالسخاء، ولم يذكر الكرم مع أنه ترجم به، كأنه لأنه مأخوذ عنده في معنى الجود، وفي الشامي الكرم، بفتحتين، الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره، وفي نسخة قدره.
وفي القاموس الكرم محركة ضد اللؤم، كرم، بضم الراء، كرامة كرامًا، فهو كريم، وفيه اللؤم ضد الكرم، "والجود، والبخل يتطرَّق إليهما الاكتساب بطريق العادة", وذلك أن الجواد إذا رأى من أنفق ماله، فصار فقيرًا غلب عليه الحرص، فمنع نفسه من الجود، حتى لا يصير كذلك, والبخيل يعلم خسة الدنيا، وما يؤل إليه، وإن ذا المال يموت، فيأخذ غيره ماله، فيعالج نفسه على إعطاء ما ينبغي، فيصير له طبيعة "بخلاف الشح، والسخاء؛ إذ كان" تعليلية، أي: لكون "ذلك من ضرورة الغريزة" فلا يمكن اكتسابهما، وهذه التفرقة بناء على أن الشحَّ أشد من البخل، وأنَّ السخاء أتم من الجود, أمَّا على ترادفهما، وأن الجود أعلى فلا، "فكل سخي جواد"стр. 2930
وليس كل جواد سخيًّا، والجود يتطرَّق إليه الرياء، ويأتي به الإنسان متطلعا إلى غرض من الخلق أو الحق بمقابلة من الثناء أو غيره من الخلق والثواب من الله تعالى، ولا يتطرق الرياء إلى السخاء؛ لأنه ينبع من النفس الزكية المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه في عوارف المعارف.
وقد كان رسول الله ﷺ أحسن الناس وأشجع الناس وأجود الناس، رواه البخاري ومسلم من حديث أنس.
وأجود: أفعل تفضيل، من الجود وهو إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي، ومعناه: هو أسخى الناس، ولما كانت نفسه أشرف النفوس ومزاجه أعدل الأمزجة, لا بُدَّ أن يكون فعله أحسن الأفعال،.................
الحواشي
(١) لأن السخاء إعطاء ما ينبغي بحسب الطبيعة، "وليس كل جواد سخيًّا"؛ لأن الجود إعطاء ما ينبغي أيضًا، لكن قد يكون بمعالجة النفس على اكتسابه.
"والجود يتطرَّق إليه الرياء، ويأتي به الإنسان متطلعًا إلى غرض من الخلق أو الحق" سبحانه, وبَيِّنَ الغرض بقوله: "بمقابلة من الثناء، أو غيره من الخلق، والثواب من الله تعالى", كمن جاد بالمال لذلك، "ولا يتطرق الرياء إلى السخاء، لأنه" غريزة، لا صنع فيه، فلا يقصد به غرضًا؛ إذ هو "ينبع" يتفجر "من النفس الزكية، المرتفعة عن الأغراض، أشار إليه" العارف العلامة السهروردي، بمعنى ذكره "في" كتابه "عوارف المعارف" بلفظه من أول قوله: فاعلم إلى هنا، "وقد كان رسول الله ﷺ أحسن الناس"؛ لأن الله تعالى أعطاه كل الحسن، "وأشجع الناس" أقواهم قلبًا في حالة البأس؛ "وأجود الناس" لتخلقه بصفات الله، التي منها الجود والكرم، "رواه البخاري، ومسلم من حديث أنس" بزيادة تقدَّمت قريبًا في قوله: لقد فزع أهل المدينة إلخ.......، وإنه لفظ مسلم، ولفظ البخاري، ولقد فزع أهل المدينة ليلًا، فكان النبي ﷺ سبقهم على فرس، وقال: "وجدناه بحرًا"، "وأجود أفعل تفضيل من الجود" بضم الجيم، مصدر جاد، "وهو إعطاء ما ينبغي" شرعًا "لمن ينبغي أن يعطى" لاستحقاقه للصفة القائمة به، كالفقر، فلا حاجة لزيادة بعض لا لغرض لدخوله فيما ينبغي، وقيل: الجود تجنب اكتساب ما لا يحمد، وهو ضد التقتير، والجواد الذي يتفضل على من يستحق، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير ولا يخاف الفقر، والسخي الليِّن عند الحاجة.
قال الأستاذ القشيري: قال القوم: من أعطى البعض فهو سخي، ومن أعطى الأكثر وأبقى لنفسه شيئًا فهو جواد، ومن قاسى الضر وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر، "ومعناه هو أسخى الناس، لما كانت نفسه أشرف النفوس، ومزاجه أعدل الأمزجة، لا بُدَّ أن يكون فعله أحسن الأفعال"стр. 2931
وشكله أملح الأشكال، وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شكَّ يكون أجود الناس، وكيف لا وهو مستغنٍ عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكلم، فإنها أمهات الأخلاق، فإن في كل إنسان ثلاث قوى: أحدها الغضبية، وكمالها الشجاعة، ثانيها: الشهوانية وكمالها الجود، وثالثها: العقلية وكمالها النطق بالحكمة.
وفي رواية لمسلم عنه: ما سُئِلَ رسول الله ﷺ شيئًا إلّا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنمًا بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا, فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر.
وعنده أيضًا عن صفوان بن أمية....................
الحواشي
(١) وهو كونه أسخى الناس، "وشكله أملح الأشكال" من الملاحة، "وخلقه أحسن الأخلاق، فلا شَكَّ يكون أجود الناس" وأنداهم يدًا، "وكيف لا" يكون كذلك؟ "وهو مستغنٍ عن الفانيات" من متاع الدنيا، "بالباقيات الصالحات" لعله أراد بها هنا الطاعات التي ثوابها عظيم عند الله، لا خصوص سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
"واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة من جوامع الكَلِم، فإنها أمهات" أصول "الأخلاق، فإن في كل إنسان ثلاث قوى: أحدها: الغضبية، وكمالها الشجاعة، ثانيها: الشهوانية" بفتح، فسكون، ففتح، نسبة إلى الشهوة على خلاف القياس، والقياس الشهوية، وهو كذلك في نسخة، وهي اشتياق النفس إلى الشيء، وجمعها شهوات، "وكمالها الجود، ثالثها العقلية، وكمالها النطق بالحكمة" وفي الفتح جمع أنس صفات القوى الثلاثة، العقلية، والغضبية، والشهوانية، فالشجاعة، تدل على الغضبية، والجود يدل على الشهوة، والحسن تابع لاعتدال المزاج المتتبع لصفاء النفس، الذي به جودة القريحة، الدال على العقل، فوصف بالأحسنية في الجميع. انتهى.
"وفي رواية لمسلم عنه" عن أنس "ما سُئِلَ رسول الله ﷺ شيئًا إلّا أعطاه" لما جبل عليه من الجود والحياء، "فجاءه رجل" هو صفوان بن أمية، كما قال: غير واحد: "فأعطاه غنمًا بين جبلين" مبالغة في الكثرة، أي: إنها لكثرتها سدَّت ما بينهما، "فرجع إلى قومه" وهم قريش، "فقال: يا قوم أسلموا، فإن محمدًا يعطي عطاء من لا يخاف الفقر", وذلك آية لنبوته، وفي رواية: من لا يخشى الفاقة وهي الفقر، أو الشدة، "وعنده" أي: مسلم "أيضًا", والترمذي من طريق سعيد بن المسيب، "عن صفوان بن أمية" بن خلف بن وهب، بن قدامة بن جمح القرشي،стр. 2932
قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي.
قال ابن شهاب: أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة.
وفي مغازي الواقدي: إن النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ واديًا مملوءًا إبلًا ونعمًا، قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي.
ويرحم الله جابر حيث قال:
هذا الذي لا يتقي فقرًا إذا ... أعطى ولو كثر الأنام وداموا
وادٍ من الأنعام أعطى آملًا ... فتحيِّرت لعطائه الأوهام
وإنما................................
الحواشي
(١) الجمحي، المكي، صحابي من المؤلَّفة، مات أيام قتل عثمان، وقيل: سنة إحدة أو اثنتين وأربعين، روى له مسلم، وأصحاب السنن، وعلق له البخاري، "قال: لقد أعطاني رسول الله ﷺ ما أعطاني، وأنه لأبغض الناس إليّ، فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي. قال ابن شهاب" الزهري، بيانًا لمبهم قوله: أعطاني ما أعطاني، "أعطاه يوم حنين مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة", والحكمة في كونه لم يعطها دفعة واحدة أن هذا العطاء دواء لدائه، والحكيم لا يعطي الدواء دفعة واحدة؛ لأنه أقرب للشفاء. "وفي مغازي الواقدي: إن النبي ﷺ أعطى صفوان يومئذ" أي: يوم حنين، وكان حضرها مشركًا "واديًا مملوءًا إبلًا ونعمًا" عطف تفسير؛ إذ النعم اسم للإبل خاصة, قاله أبو عبيد, لكن قيل: تطلق النعم على الإبل والغنم، وعليه هو عطف عام على خاص، وفي نسخة: ونمًا. "قال صفوان: أشهد ما طابت بهذا إلّا نفس نبي" ولفظ الواقدي، يقال: إن صفوان طاف معه ﷺ يتصفح الغنائم؛ إذ مَرَّ بشعب مملوء إبلًا وغنمًا فأعجبه، وجعل ينظر إليه، فقال ﷺ : "أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب"؟، قال: نعم. قال: "هو لك بما فيه" فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله، ما طابت بهذا نفس أحد قط إلا نفس نبي.
"ويرحم الله" أبا عبد الله محمد "بن جابر حيث قال: هذا الذي لا يتقي" لا يتلبَّس بما يدفع "فقرًا إذا".
"أعطى", بل يعطي لقوة يقينه ورجائه في الله، "ولو كثر الأنام وداموا" استمروا على الطلب منه، فيستمر على الإعطاء، ولا يترك خوف الفقر، "وادٍ" بدال مهمل على حذف مضاف، أي: ملء واد "من الأنعام" بفتح الهمزة، وسكون النون: الإبل إشار لقصة صفوان "أعطي" حذف مفعوله الثاني، أي: أعطاه "آملًا" راجيًا، "فتحيرت لعطائه" لأجله "الأوهام"стр. 2933
أعطاه ذلك لأنه ﵊ علم أن داءه لا يزول إلا بهذا الدواء وهو الإحسان, فعالجه به حتى برئ من داء الكفر وأسلم، وهذا من كمال شفقته ورحمته ورأفته ﵊؛ إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من حَرِّ النيران إلى برد لطف الجنان.
وكان علي إذا وصفه ﷺ قال: كان أجود الناس كفًّا، وأصدق الناس لهجة.
وخرج ابن عدي -بإسناد فيه ضعف- من حديث أنس مرفوعًا: أنا أجود بني آدم.
فهو ﷺ بلا ريب أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم وأعلمهم
الحواشي
(١) العقول، لأنه خارق للعادة، "وإنما أعطاه ذلك؛ لأنه ﵊ علم أن داءه" مرضه، وهو الكفر، "لا يزول إلّا بهذا الدواء، وهو الإحسان؛ فعالجه به حتى برئ" بكسر الراء، وفتحها، "من داء الكفر" مرضه، "وأسلم" ﵁، "وهذا من كمال شفقته ورحمته ورأفته ﵊؛ إذ عامله بكمال الإحسان، وأنقذه من حر النيران" لو مات على الكفر، "إلى برد لطف الجنان" فجَرَّه إليها، ولم يتركه يقع في النار، كما قال ﷺ : "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة أن يكبه الله في النار على وجهه" رواه البخاري.
"وكان علي" كما رواه الترمذي في حديث "إذا وصفه ﷺ ، قال: كان أجود الناس" أكثرهم عطاءً، "كفًّا" تمييز عن نسبة أجود إلى ضميره ﷺ ، وكذا كان قلبه أجود القلوب، وأسخاها بالمال والمعارف، لا يبخل بشيء منها على مستحقه، وفي رواية: أجود الناس صدرًا، وأخرى: أوسع الناس صدرًا. "وأصدق الناس لهجة" بسكون الهاء، وفتح الجيم، أي: لسانًا، يعني كلامًا، وإطلاقه على آله الكلام الذي هو اللسان مبالغة، والمعنى: كلامه أصدق الكلام، لا مجال لجريان صورة الكذب عليه، فوضع المظهر موضع المضمر، فلم يقل أصدقهم لزيادة التمكّن، كما في: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ، اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١، ٢] الآية؛ حيث لم يقل: هو الصمد، ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: ١٠٥] الآية. فما قال: وبه نزل, وهاتان من صفاته من قبل أن يبعث، قالت خديجة: إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف؛ وتعين على نوائب الحق.
زاد في رواية: وتصدق الحديث، وتؤدي الأمانة، "وخرَّج ابن عدي بإسناد فيه ضعف من حديث أنس مرفوعًا" "أنا أجود بني آدم" ورواه أبو يعلى وبقي بن مخلد في مسنديهما، عن أنس رفعه: ألا أخبركم عن الأجود لله الأجود، وأنا أجود ولد آدم، وأجودهم من بعدي رجل تعلم علمًا فنشر علمه، يبعث يوم القيامة أمة واحدة، ورجل جاهد في سبيل الله حتى يقتل، "فهو ﷺ بلا ريب" شك، "أجود بني آدم على الإطلاق، كما أنه أفضلهم؛ وأعلمهم، وأشجعهم،стр. 2934
وأشجعهم وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده بجميع أنواع الجود، من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله في إظهار دينه وهدايته عباده وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من إطعام جائعهم, ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:
يروى حديث الندى والبشر عن يده ... ووجهه بين منهل ومنسجم
من وجه أحمد لي بدر ومن يده ... بحر ومن فمه در لمنتظم
يمم نبيًّا يباري الريح أنمله ... والمزن في كل هامي الودق مرتكم
لو عامت الفلك فيما فاض من يده ... لم تلق أعظم بحر منه إن تعم
الحواشي
(١) وأكملهم في جميع الأوصاف الحميدة، وكان جوده بجميع أنواع الجود من بذل العلم والمال, وبذل نفسه لله في إظهار دينه" كما ظهر يوم حنين وأُحُد؛ إذ بقى بين العدو وحده، "وهدايته عباده, وإيصال النفع إليهم بكل طريق، من" بيان الجملة الطرق التي بان فيها جوده؛ "إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمل أثقالهم. ولقد أحسن ابن جابر، حيث قال، يروي حديث الندى" كثرة الإعطاء، "والبشر" بكسر الموحدة، وسون المعجمة، طلاقة الوجه, "عن يده" عائد للندى، "و" عن "وجهه" عائد للبشر، فهو لف ونشر مرتب، وهذا خير من رفع وجهه، على أنه جملة حالية، لأن البشر لا تعلق له باليد، "بين منهل" بضم الميم، وفتح الهاء، وشد اللام، أي: مطر كثير، "ومنسجم" بضم الميم وسكون النون، وفتح السين، وكسر الجيم، متوسط, يريد أن عطاياه وطلاقة وجهه لازمان له، لا ينفكان عنه, غايته أنهما دائران بين الكثرة والتوسط، والجملة صلة يروي، أو حال من الندى والبشر، "من وجه أحمد" ولاح "لي بدر" نور كنوره, "ومن يده بحر" عطاء كالبحر، "ومن فمه در" كبار اللؤلؤ، أي: ثنايا كدُرٍّ، "لمنتظم" في سلكه، فهو تشبيه بليغ في الثلاثة، أو استعارة تصريحية؛ "يمم" اقصد في مهماتك "نبيًّا" كثير الخير والرحمة؛ بحيث "يباري" بضم الفوقية، أو التحتية، والأكثر تأنيث الريح، -فألف فموحدة فراء فتحتية- يغالب ويعارض "الريح", فعل "أنمله" فتريد الريح فعل مثلها في سرعة الحصول، والوصول إلى المحتاج، فلا تقدر على ذلك، وإن لم تنفك عن الهبوب, "والمزن" جمع مزنة سحابة بيضاء، عطف على الريح، حال كون المزن، "من كل هامي" سائل "الودق" المطر "مرتكم" مجتمع ماؤه لكثرته، أي: من كل سحاب كثير المطر، احترازًا عن سحاب لا مطر فيه، والمعنى أن ما سأل منه شابه أنمله في الإعطاء، وإن افترقا في أن عطاءه أتمَّ وأرجح، "لو عامت الفلك فيما فاض" أي: في البحار التي فاضت "من يده، لم تلق أعظم بحر منه أن تعم" فلا تعوم إلا فيه:стр. 2935
يحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودع كل طامي الموج ملتطم
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت ... كل الأنام وروت قلب كل ظمي
فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه.
وروى البخاري من حديث جابر: ما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قط فقال: لا، وكذا عند مسلم، أي: ما طلب منه شيء من أمر الدنيا فمنعه.
قال الفرزدق:
ما قال لا قط إلا في تشهده ... لولا التشهد كانت لاؤه نعم
الحواشي
(١) يحيط كفاه بالبحر المحيط فلذ ... به ودَعْ كل طامي الموج ملتطم
أي: اترك الأمواج الكثيرة التي دخل بعضها في بعض، لكثرتها والجأ إلى ما فاض من يده، فما عداه بالنسبة له كالعدم، والمعنى: إن عطاء غيره بالنسبة له لا يعد شيئًا.
لو لم تحط كفه بالبحر ما شملت ... كل الأنام وروت قلب كل ظمي
ظمآن لكنها شاملة كل العالم، فهو استدلال على دعواه إحاطة كفيه بالبحر، وذلك لأن هدايته وإنقاذه من الضلال وشفقته شاملة لجميع العالم، قال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، فهو قياس استثنائي، فاستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم، "فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه" ثم استدل على دعواه كثرة إنعامه، فقال: "روى البخاري، من حديث جابر" بن عبد الله، قال: "ما سئل رسول الله ﷺ عن شيء قط"، يقدر عليه من الخير، "فقال: لا" بل يعطيه إن كان عنده، أو يعده بميسور من القول إن ساغ وإلا سكت أو دعا، "وكذا عند مسلم" عن جابر، ولو قال: أولًا: روى البخاري، ومسلم لا غناه عن هذا "أي: ما طلب منه شيء من أمر الدنيا، فمنعه، قال الفرزدق" همام بن غالب بن صعصعة، بن ناجية التميمي، قال المرزباني: كان سيدًا جوادًا، فاضلًا وجيهًا عند الأمراء والخلفاء، وأكثر العلماء يقدمونه على جرير، مات سنة عشر ومائة، وقد قارب المائة، وقيل: بلغ مائة وثلاثين سنة، والأول أثبت، وصحَّ أنه قال الشعر أربعًا وسبعين سنة، لأن أباه أتى إلى علي في سنة ست وثلاثين، فقال: إن ابني شاعر، فقال علي: علّمه القرآن، فإنه خير له من الشعر، فكان ذلك في نفس الفرزدق، فقيِّد نفسه، وآلى أن لا يحل نفسه حتى يحفظ القرآن، ووهم من زعم أنه صحابي، كما بينه في الإصابة. "ما قال لا قط إلّا في تشهده" أي نطقه بكلمة التوحيد، سواء كان في صلاة أم لا، "لولا التشهد كانت لاؤه نعم" مرفوع، على الحكاية، أي: هذا اللفظ، أي: لولا أنه ينطق بلا في التشهد لم ينطق إلّا بنعم، وظاهرстр. 2936
لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر: ليس المراد أنه يعطي ما يطلب منه جزمًا، بل المراد: إنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء أعطاه إن كان الإعطاء سائغًا وإلّا سكت. قال: وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية عند ابن سعد ولفظه: كان إذا سئل فأراد أن يفعل قال: نعم،
الحواشي
(١) سوق المصنف هذا البيت، وتبعه تلميذه الشامي أنه في مدح النبي ﷺ ، والذي في القصيدة أنه في زين العابدين علي بن الحسين، قال في حياة الحيوان: ينسب إلى الفرزدق، مكرمة يرجى له بها الجنة، وهي أن هشام بن عبد الملك لما حجَّ أيام أبيه طاف بالبيت، وجهد أن يصل إلى الحجر الأسود، فلم يقدر لكثرة الزحام، فجلس على كرسي ينظر الناس، ومعه جماعة من أعيان الشام، فأقبل زين العابدين علي بن الحسين فطاف، فلما انتهى إلى الحجر تنحّى له الناس حتى استلمه، فقال شامي لهشام: من ذا الذي هابه الناس هذه الهيبة؟ فقال هشام: ما أعرفه مافة أن يرغب فيه أهل الشام، فقال الفرزدق: أنا أعرفه، فقال الشامي: من هو؟ فقال:
هذا ابن خير عباد الله كلهم ... هذا التقي النقي الطاهر العلم
إلى أن قال:
وليس قولك من هذا يضائره ... العرب تعرف من أنكرت والعجم
كلتا يديه غياث عم نفعهما ... يستوكفان ولا يعروهما عدم
سهل الخليقة لا تخشى بوادره ... يزينه اثنان حسن الخلق والكرم
حمال أثقال أقوام إذا فدجوا ... حلو الشمائل تحدو عنده نعم
وبعد ما قال لا البيت، وبعده:
عم البرية بالإحسان فانقشعت ... عنها الغياهب والأملاق والعدم
من معشر حبهم دين وبغضهم ... كفر وقربهم منجا ومعتصم
وهي خمسة وعشرون بيتًا، فغضب هشام وحبس الفرزدق، فأنفذ له زين العابدين اثنتي عشر ألف درهم، فردها وقال: مدحته لله لا للعطاء، فأرسل يقول له: إنَّا أهل بيت إذا وهبنا شيئًا لا نستعيده، والله يعلم نيتك ويثيبك عليها، فقبلها، "لكن قال شيخ مشايخنا الحافظ أبو الفضل بن حجر" في فتح الباري "ليس المراد" يقول جابر, فقال: لا "إنه يعطي ما يطلب منه جزمًا" لأنه خلاف الواقع، "بل المراد أنه لا ينطق بالرد، بل إن كان عنده شيء" المطلوب، أو غيره "أعطاه إن كان الإعطاء سائغًا"، كالمباح، "وإلّا سكت" أو اعتذر، كما يأتي، أو دعا، كما قال بعض "قال: وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية" محمد بن علي بن أبي طالب اشتهر بأمه، "عند ابن سعد، ولفظه كان" ﷺ "إذا سئل، فأراد أن يفعل، قال: "نعم"،стр. 2937
وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبي هريرة: ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله وإلّا تركه.
وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه: لم يقع, لا منعًا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٩٢] ، ولا يخفى الفرق بين قوله: لا أجد ما أحملكم, وبين: لا أحملكم. انتهى.
وهو نظير ما في حديث أبي موسى الأشعري: لما سأله الأشعريون الحملان فقال ﷺ : "ما عندي ما أحملكم عليه".
لكن يشكل عليه أنه ﷺ حلف لا يحملهم فقال: "والله لا أحملكم على شيء" فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر ما إذا سئل ما ليس عنده, والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك، أو حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة، فلو
الحواشي
(١) وإن لم يرد أن يفعل سكت، وهو قريب من حديث أبي هريرة" السابق "ما عاب طعامًا قط، إن اشتهاه أكله، وإلّا تركه" كالضب، وبهذا لا يخالف ما ورد أن من سأله حاجة لم يرده إلا بها، أو بميسور من القول، "وقال الشيخ عز الدين بن عبد السلام معناه" أي: قول جابر، "لم يقع لا منعًا للعطاء، ولا يلزم من ذلك أن لا يقولها اعتذارًا" كذا في النسخ الصحيحة، بلا بعد أن، وفي نسخة حذفها، وهي خطأ، "كما في قوله تعالى: ﴿قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية. ولا يخفي الفرق بين قوله: لا أجد ما أحملكم" لأن فيه الاعتذار بعدم الوجدان، "وبين لا أحملكم" لأنه منع بلا اعتذار. انتهى كلام العز، "وهو نظير ما في حديث أبي موسى"، عبد الله بن قيس "الأشعري، لما سأله الأشعريون الحملان" بضم، المهملة، وسكون الميم، أي: الشيء الذي يركبون عليه، ويحملهم في غزوة تبوك، "فقال ﷺ : "ما عندي ما أحملكم عليه" كما في رواية للشيخين، "لكن يشكل عليه أنه ﷺ حلف لا يحملهم، فقال كما في رواية لهما أيضًا: "والله لا أحملكم على شيء" ووافقته وهو غضبان، ولا أشعر، "فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، ما إذا سئل ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك" فلا تنافي بينه وبين حديث أبي موسى، "أو" يقال: يخص منه "حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن لم يكن يعرف العادة" من أنه إذا لم يرد الإعطاء سكت، "فلو اقتصرстр. 2938
اقتصر في جوابه على السكون مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلًا، ويكون القسم على ذلك تأكيدًا لقطع طمع السائل، والسر في الجمع بين قوله: "لا أجد ما أحملكم" وقوله: "والله لا أحملكم" إن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودًا عنده، والثاني أنه لا يتكلف الإجابة إلى ما سئل بالفرض مثلًا أو بالاستيهاب؛ إذ لا اضطرار حينئذ.
وروى الترمذي أنه حمل إليه تسعون ألف درهم فوضعت على حصير، ثم قام إليها يقسمها، فما ردَّ سائلًا حتى فرغ منها.
قال: وجاءه رجل.....................
الحواشي
(١) في جوابه على السكوت، مع حاجة السائل لتمادى على السؤال مثلًا، ويكون القسم على ذلك تأكيدًا لقطع طمع السائل" عن السؤال، "والسر" الحكمة "في الجمع بين قوله: "لا أجد ما أحملكم" وقوله: "والله لا أحملكم": إن الأول لبيان أن الذي سأله لم يكن موجودًا عنده" فاعتذر بعدمه "والثاني أنه لا يتكلّف الإجابة إلى ما سئل بالفرض" السلف "مثلًا، أو بالاستيهاب" أي: طلب الهبة من أحد "إذ لا اضطرار حينئذ" لذلك، وفي الحديث أنه ﷺ ابتاع ستة أبعرة بعد سويعة، وحملهم عليها.
"وروى الترمذي أنه حمل إليه تسعون" بفوقية قبل السين، وفي رواية ابن أبي الحسن بن الضحاك، في شمائله مرسلًا، ثمانون "ألف درهم" بغلية، أو طبرية، أو منهما، لا بقيد النصف من كل، والدراهم التي في عهده منهما، ووزن أحدهما ثمانية دوانق، والأخرى أربعة، هذا والمبتادر من صنيع المصنف، إن هذه الدراهم غير الدراهم الآتية من البحرين، فإنه أول مال حمل إليه، فيكون هذا المجيء متأخرًا عن مال البحرين، وانظر أي زمان تأخَّر عنه، ومن أين قدومه، وما سببه، كذا قال شيخنا: وفي بعض الهوامش الجزم بأن هذه الدراهم هي التي حملت إليه من البحرين، اختلف في عدتها؛ وأن الحديثين واحد، وهذا هو الأصل والمتبادر، "فوضعت على حصير، ثم قام إليها" لعلَّ المراد شرع "يقسمها" أو أخذ يقسمها؛ بأن أمر به، وإن لم يقم بالفعل، ولا باشر القسم بيده، "فما ردَّ سائلًا" لا يؤخذ منه أنه لم يعط إلا من سأله، بل يصدق بذلك، وبإعطاء من علم حاجته، فيدفع له إن كان عنده بلا سؤال، أو يبعث إليه "حتى فرغ منها" غاية لقوله: قسمها، أو لقوله: فما رَدَّ سائلًا، وليس المراد أنه يرد بعد الفراغ، فهو ونحو حديث: "إن الله لا يمل حتى تملوا"، "قال" أي: روى الترمذي في الشمائل بتصرف قليل لا يغير المعنى، "وجاءه رجل" لفظ الشمائل، عن عمر بن الخطاب أن رجلًا جاء إلى رسول الله ﷺ -стр. 2939
فقال: "ما عندي شيء ولكن ابتع علي، فإذا جاءنا شيء قضيناه"، فقال له عمر: ما كلفك الله ما لا تقدر، فكره النبي ﷺ ، فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالًا،..................
الحواشي
(١) يسأله أن يعطيه، "فقال: "ما عندي شيء، ولكن ابتع علي" روي بموحدة ساكنة بعد همزة الوصل، ففوقية، أي: اشتر واعدد، أو احسب علي، قال الزمخشري: البيع هنا الاشتراء، قال طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لا تبع له ... بتاتًا ولم تضرب له وقت موعد
وروي بتقديم التاء الفوقية على الموحدة، أي: أحل علي، قال الزمخشري: اتبعت فلانًا على فلان أحلته، ومنه خبر إذا اتبع أحدكم علي ملئ فليتبع، انتهى.
وفي رواية البزار عن عمر، فقال: "ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض حتى يأتينا شيء فنعطيك"، فلا مانع من تفسير ابتع، أو اتبع باستقرض، تجوز الرواية البزار إذ الحديث واحد، وليس بضمان، بل وعد منه، ووعده ملتزم الوفاء؛ إذ وعد الكريم دَيْن، ولذا صحَّ أنه لما توفي نادى لصديق لما جاءه مال البحرين من كان له عند رسول الله عدة أو دين فليأتنا، فجاء جابر وقال: إنه وعدني كذا، فأعطاه له الحديث في الصحيح، "فإذا جاءنا شيء" من غنائم، أو غيرها "قضيناه" أي: أدَّيناه، وعبَّر بالجمع للتعظيم، أي: فضيته قضاء أنال به التعظيم من الله، ولذا لم يقل: جاءني، وقضيته مع قوله: عليَّ، والقضاء يشعر بأنه لزم زمته, كذا وجهه بعض شراح الشفاء؛ لأنه وقع فيها بالجمع كما هنا، لكن لفظ الشمائل: "فإذا جاء شيء قضيته"، "فقال له عمر" القياس، فقلت له: فهو التفات عند بعض، أو رواية بالمعنى، قال المصنف: وهو بعيد، "ما كلفك الله ما لا تقدر" أي: ما ليس حاصلًا عندك، "فكره النبي ﷺ " قول عمر، كما هو لفظ الترمذي، أي: من حيث استلزامه قنوط السائل وحرمانه؛ ولأن مثله ما لا يعد تكليفًا لما لا يقدر عليه، لما عوَّده الله من فيض نعمه عليه، "فقال رجل من الأنصار"؛ حيث رأى كراهة المصطفى لذلك: "يا رسول الله أنفق" بفتح الهمزة، أمر من الإنفاق، "ولا تخف" قال بعض: كذا في غالب النسخ، ولعل الصواب، ولا تخش، فإنه يصير نصف بيت موزون، وليس هذا الترجي بشيء "من ذي العرش" قيد للمنفي، لا للنفي "إقلالًا" فقرأ من قلَّ بمعنى افتقر، وهو في الأصل بمعنى صار ذا قلة، وما أحسن من ذي العرش هنا، أي: لا تخف أن يضيِّع مثلك من هو مدبر الأمر من السماء إلى الأرض، قال البرهان في المقتفى: هذا الرجل لا أعرفه، وفي حفظي أنه بلال, لكنه مهاجري لا أنصاري، فيكون قد قال ذلك بلال والأنصاري، أو أن الذي فيه ذكر بلال قصة أخرى، المأمور فيها بالإنفاق بلال. روى الطبراني، والبزار عن ابن مسعودстр. 2940
فتبسم ﷺ وعرف البشر في وجهه. وقال: "بهذا أمرت".
وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك كالاستيلاف ونحوه.
وذكر ابن فارس في كتابه "أسماء النبي ﷺ " أنه في يوم حنين جاءت امرأة فأنشدت شعرًا تذكره أيام رضاعته في هوازن, فردَّ عليهم ما أخذه, وأعطاهم عطاءً كثيرًا, حتى قوِّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف.......................................
الحواشي
(١) دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صبرة من تمر، فقال: "ما هذا يا بلال"؟، قال: يا رسول الله دخرته لك ولضيفانك، قال: "ألا تخشى أن يفور لها بخار من جهنم؟، أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا" انتهى.
فما في حفظه، إنما هو في هذه القصة، فلا يصح تفسير المبهم ببلال لوجهين، "فتبسم ﷺ " فرحًا بقول الأنصاري، "وعرف البشر في وجهه" بانبساطه وتهلله، "وقال بهذا" أي: الإنفاق من غير مخافة فقر، "أمرت" بنحو: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ ، لا بما قال عمر, فقدَّم الظر ليفيد قصر القلب رد اعتقاد عمر، "وإنما فعل ذلك للمصلحة الداعية لذلك، كالاستيلاف" بسكون الياء، وأصله الهمزة، "ونحوه" كدفع الضرر، واستشكل الحديث؛ بأن الله قال: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [إسراء: ٢٩] الآية, وأجاب القاضي أبو يعلى، بأن المراد بهذا الخطاب غيره ﷺ ، وغير خُلَّص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميع ما عندهم عن طيب قلب لتوكلهم وثقتهم بما عند الله، أما من كان ليس كذلك يتحسَّر على ما ذهب منه، فهم المحمود منهم التوسط ﴿الَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ [الفرقان: ٦٧] الآية؛ لأنهم لا صبر لهم على الفاقة، ولذا صعب عليه ﷺ كلام عمر، لما راعى ظاهر الحال, وأمره بصيانة المال، شفقة عليه لعلمه بكثرة السائلين له، وتهافتهم عليه، والأنصاري راعى حاله ﷺ ، فلذا سره كلامه، فقوله: "بهذا أمرت" إشارة إلى أنه أمر خاص به، وبمن يمشي على قدمه، "وذكر ابن فارس في كتابه أسماء النبي" وفي نسخة في أسماء، أي: المؤلف في أسماء النبي ﷺ ، أنه في يوم حنين جاءت" وفي نسخة جاءته "امرأة، فأنشدت شعرًا تذكره أيام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذه" من النساء، والبنين، ونسب إليه لأنه الأمير، وفي نسخة بحذف الهاء مبني للفاعل، أي: ما أخذ مما نابه من الخمس، أو المفعول: أي: المسملون، "وأعطاهم" عطف تفسير، أي: كان المردود "عطاء كثيرًا"؛ لأنه لم يكن معه مال غير المأخوذ من الغنيمة، وسمي المردود عطاء الملك الغانمين له "حتى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم فكان خمسمائة ألف ألف" من السبايا، وأما أموالهم فلم يردها عليهم؛ لأنه كان قسم الجميع، فلما جاءوه مسلمينстр. 2941
ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود.
وفي البخاري من حديث أنس: إنه ﷺ أتي بمال البحرين فقال: "انثروه" -يعني صبوه- في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ ، فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلمَّا قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه؛ إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا،..................
الحواشي
(١) خَيَّرَهم بين رد المال أو السبايا، فاختاروا السبايا فردهم، كما مَرَّ مفصلًا. "قال ابن دحية، وهذا نهاية الجود، الذي لم يسمع بمثله في الوجود" وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن رجل من العرب, مشيت خلف رسول الله ﷺ يوم حنين، وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها على رجله، فنفحني نفحة بسوط في يده، وقال: "بسم الله أوجعتني"، فبت لنفسي لائمًا أقول: أوجعت رسول الله ﷺ ، فبت بليلة كما يعلم الله، فلما أصبحنا إذا رجل يقول: ابن فلان، فقلت: هذا الذي، والله كان مني بالأمس، فانطلقت وأنا متخوّف، فقال لي ﷺ : "إنك وطئت رجلي بالأمس فأوجعتني فنفحتك بسوط، فهذه ثمانون نعجة فخذها"، ونفحني -بنون ففاء فمهملة- دفعني، ولعله أتى بالتسمية مع نفحة، إرادة أن لا يؤلمه الدفع، "وفي البخاري" في مواضع "من حديث أنس أنه ﷺ أتي" بضم الهمزة، مبني للمفعول، "بمال من" خراج "البحرين" لفظ تثنية بحر بلدة بين بصرة، وعمان، "فقال: "انثروه" بمثلثة "يعني صبوه" فسره به لدفع توهم أنه أمر بنثره مفرقًا "في المسجد" النبوي، وفيه جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه من صدقة ونحوها في المسجد، ومحله ما لم يمنع مما وضع المسجد له من صلاة وغيرها مما بني المسجد لأجله، ونحو هذا الوضع وضع زكاة الفطر، ويستفاد منه جواز وضع ما يعم نفعه في المسجد، كالماء لشرب من عطش، ويحتمل التفرقة بين ما وضع للخزن للتفرقة وبين ما يوضع للخزن، فيمنع الثاني دون الأول، قاله الحافظ: "وكان أكثر مالٍ أتي به ﷺ " من الدراهم، أو من الخراج، فلا ينافي أنه غنم في حنين ما هو أكثر منه وقسمه، "فخرج إلى المسجد، ولم يلتفت إليه" أي: المال، أي: لم يتعلّق نظره بأخذ شيء منه لنفسه، ولا لأحد من أصحابه به بعينه، ففيه غاية كرمه، وأنه لا يلتفت إلى المال قلَّ أو كَثُر.
"فلمَّا قضى الصلاة جاء، فجلس إليه" أي: عنده، "فما كان يرى أحدًا إلّا أعطاه" منه "إذ جاء العباس" عمه، من غير موعد سابق، قال في المصابيح: المعنى، فبينما هو على ذلك إذ جاءه العباس، "فقال: يا رسول الله أعطني" منه، "فإني فاديت" أي: أعطيت فداء "نفسي" يوم بدر، "فاديت عقيلًا" بفتح العين، وكسر القاف- ابن أبي طالب، وكان أسر مع عمه في غزوةстр. 2942
فقال له: "خذ"، فحثى في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فأرفعه أنت عليّ، فقال: "لا"، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع, فقال: يا رسول الله, مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا"، فنثر منه ثم احتمله, فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه، فما قام ﵊ وثَمَّ منها درهم.
وفي رواية ابن أبي شيبة...................
الحواشي
(١) بدر، "فقال له: خذ فحثى" بمهملة، ومثلثة، من الحثية، وهي ملء اليد "في ثوبه" أي: حثى العباس في ثوب نفسه، "ثم ذهب يقله" بضم أوله، من الإقلال، وهو الرفع والحمل، أي: يرفعه، "فلم يستطع" حمله، "فقال: يا رسول الله مر بعضهم" بضم الميم، وسكون الراء، وفي رواية: أؤمر بالهمز "يرفعه علي" بالجزم لأنه جواب الأمر, ويجوز الرفع, أي: فهو يدفعه, قاله الحافظ, وقال المصنف: أؤمر بهمزة مضمومة، فأخرى ساكنة، وبحذف الأولى، وتصير الثانية ساكنة، وهذا جار على الأصل، وللأصيلي مُرْ على وزن على، حذف منه فاء الفعل لاجتماع المثلين في أول كلمة، وهو مؤد إلى الاستثقال، فصار أمر، فاستغني عن همزة الوصل المتحرك ما بعدها فحذفت، ولأبي ذر في نسخة: برفعه بموحدة مكسورة، وسكون الفاء، "قال: "لا" آمر أحدًا برفعه" "قال: فأرفعه أنت عليّ، فقال: "لا" أرفعه، وإنما فعل ذلك تنبيهًا له على الاقتصاد، وترك الاستكثار من المال، "فنثر" العباس "منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا" , قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا" أرفعه، وكأن العباس فهم أنه لا يكلف بعض أصحابه برفعه، فسأله أن يرفعه هو إدلالًا عليه، "فنثر منه، ثم احتمله، فألقاه على كاهله" أي: بين كتفيه.
قال الحافظ وغيره، قال ابن كثير: كان العباس شديدًا طويلًا نبيلًا، قلَّما احتمل شيئًا يقارب أربعين ألفًا، "فانطلق" وفي رواية، ثم انطلق، وهو يقول: إنما أخذت ما وعد الله، فقد أنجز يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية، "فما زال ﷺ يتبعه" بضم أوله، وسكون ثانية، وكسر ثالثه، أي: يتبع العباس، "بصره حتى خفي علينا" غاب شخصه عنا؛ بحيث لا نراه "عجبًا" بالنصب مفعول مطلق، من حرصه، فما قام ﵊" من ذلك المجلس، "وثَمَّ" بفتح المثلثة، أي: هناك "منها" أي: الدراهم "درهم" جملة حالية من مبتدأ مؤخر وهو درهم، وخبره منها، ومراده: نفي أن يكون هناك درهم, فالحال قيد للمنفي لا للنفي، فالمجموع منتفٍ بانتفاء القيد لانتفاء المقيد، وإن كان ظاهره نفي القيام حالة ثبوت الدراهم، قاله البرماوي، والعيني، "وفي رواية ابن أبي شيبة،стр. 2943
من طريق حميد بن هلال مرسلًا: كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليه ﷺ .
وسايره جابر على حمل له، فقال ﵊: "بعني جملك"، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال: "بل بعنيه"، فباعه إياه وأمر بلالًا أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قال له ﷺ : "اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما" مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن...........
الحواشي
(١) من طريق حميد بن هلال" العدوي، أبي نصر البصري التابعي الثقة العالم، روى له الستة "مرسلًا، كان" المال "مائة ألف" من الدراهم، "وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مالٍ حُمِلَ إليه ﷺ ". زاد في الفتح، وعند البخاري في المغازي من حديث عمرو بن عوف، أنَّ رسول الله ﷺ صالح أهل البحرين، وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم، فقدم أبو عبيدة بمالٍ، فسمعت الأنصار بقدومه. الحديث. فيستفاد منه تعيين الآتي المال، لكن في الردَّة للواقدي أن رسول العلاء ابن الحضرمي بالمال هو العلاء بن جارية الثقف، فلعله كان رفيق أبي عبيدة.
وأما حديث جابر، ففي الصحيح أنه ﷺ قال له: "لو جاء مال البحرين أعطيتك"، وفيه، فلم يقدم مال البحرين حتى مات ﷺ ، فلا يعارض ما تقدَّم، بل المراد أنه قدم في السنة التي مات فيها؛ لأنه كان مال خراج أو جزية، فكان يقدم من سنة إلى سنة، "وسايره جابر" بن عبد الله في انصرافه من غزوة ذات الرقاع، كما رواه ابن إسحاق عن جابر، وفي البخاري أن ذلك كان في غزوة تبوك، وفي مسلم في غزوة الفتح، "على حمل له" كان قد أبطأ، فلا يكاد يسير، فأمره بإناخته، ونخسه نخسات بعصا، وضربه برجله، ودعا فوثب الجمل، فقال ﷺ : "اركب"، فقال جابر: إني أرضى أن يساق معنا، قال: "اركب" فركب، فوالذي نفسي بيده لقد رأيتني وأنا أكنه عنه ﷺ إرادة أن لا يسبقه، "فقال ﵊: "بعني جملك" فقال: هو هبة "لك يا رسول الله" بلا ثمن, فديتك "بأبي أنت، وأمي", أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل لفديتك بهما, "فقال: "بل بعنيه" فلا أقبله هبة، "فباعه إياه" بأوقية، أو أربع، أو خمس، أو خمسة دنانير، أو أربعة دنانير، أو دينارين ودرهمين, روايات ذكرها البخاري، "وأمر بلالًا" بعدما رجع إلى المدينة "أن ينقده" -بفتح الياء، وضم القاف على الأكثر، ويجوز ضمَّ الياء وكسر القاف- ثمنه، "فنقده" ثمنه، وزاده عليه شيئًا يسيرًا، كما عند ابن إسحاق، "ثم قال له ﷺ : "اذهب بالثمن والجمل، بارك الله لك فيهما" قال ذلك "مكافأة لقوله هو لك، فأعطاه الثمن،стр. 2944
ورَدَّ عليه الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه في البخاري ومسلم.
وقد كان جوده ﵊ كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج, وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عند الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع.
وكان ﷺ قد أتاه سبي، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت, وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد،.....................
الحواشي
(١) ورَدَّ عليه الجمل، وزاده الدعاء بالبركة فيهما، وحديثه في البخاري" في عشرين موضعًا "ومسلم" وفي ذكره مع التكلّم عليه طول يخرج عن المقصود، وقد تقدَّم إلمامٌ ببعضه في ذات الرقاع.
"وقد كان جوده ﵊ كله لله، وفي ابتغاء مرضاته" عطف تفسير، وعلله بقوله: "فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج، وتارة ينفقه في سبيل الله" الجهاد ونحوه، "وتارة يتألّف به" أي: يطلب به الألفة "على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه" بأن يطلب دخوله فيه، ومحبته له، وتارة لإنقاذ المتألف من النار وإن لم يقو الإسلام به، "وكان يؤثر" يقدم "على نفسه، وأولاده" فيعطي ما بيده للمحتاج، ويتحمل المشقة هو وعياله، "فيعطي عطاء يعجز" بكسر الجيم، أفصح من فتحها، "عند الملوك" العظام، "مثل كسرى" بكسر الكاف، وقد تفتح، "وقيصر" ملك الروم "ويعيش في نفسه عيش الفقراء, فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار" كما ورد في الحديث "وربما ربط الحجر على بطنه خلاف الظهر مذكر، وتأنيثه لغة حكاها أبو عبيدة، وعليها جرى قوله "الشريفة من الجوع".
"وكان ﷺ قد أتاه" قوم "سبى" وصف بالمصدر، "فشكت إليه" ابنته "فاطمة" ﵂ "ما تلقى" أي: المشقة التي تلقاها، "من خدمة البيت، طلبت منه خادمًا" يقع على الأنثى، والذكر "يكفيها مؤنة بيتها" من السبي، "فأمرها أن تستعين بالتسبيح" أي: قول سبحان الله عند النوم ثلاثًا وثلاثين، "والتكبير" أي قول: الله أكبر كذلك، "والتحميد" قول: الحمد للهстр. 2945
وقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع".
وأتته امرأة ببردة.........................
الحواشي
(١) كذلك، "وقال: "لا أعطيك" خادمًا من السبي، "وأدع أهل الصفة" الفقراء "تطوى بطونهم من الجوع" , فمنع أحب أهله إليه شفقة على الفقراء، وهذا الحديث رواه أحمد، عن علي أنه قال لفاطمة: لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت رسول الله ﷺ فقال: "ما جاء بك أي بنية؟ " قالت: جئت لأسلِّم عليك، واستحيت أن تسأله، ورجعت فقال: "ما فعلت"؟، قالت: استحييت أن أسأله، فأتيا جميعًا النبي ﷺ ، فقال علي: يا رسول الله، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري, وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاء الله بسبي وسعة، فأخدمنا، فقال: "والله لا أعطيكم، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم" فرجعا، فأتاهما النبي ﷺ ، وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رءوسهما كشفت أقدامها، وإذا غطت أقدامهما كشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما, ثم قال: "ألا أخبركما بخير مما سألتماني"؟، قالا: بلى. قال: "كلمات علمنيهنَّ جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا وتكبران عشرًا، فإذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين".
ومجلت، بفتح الجيم، وكسرها، انقطعت من كثرة الطحن، والحديث في البخاري ومسلم عن علي، إن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي ﷺ سبي، فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي ﷺ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال: "على مكانكما" فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: "ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما من الليل، تكبران ثلاثًا وثلاثين، وتسبحان ثلاثًا وثلاثين، وتحمدان ثلاثا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم".
قال القاضي عياض: معنى الخيرية أنَّ عمل الآخرة أفضل من أمور الدنيا، وقال ابن تيمية: فيه أن من واظب على هذا الذكر عند النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل، فأحالها عليه، "وأتته امرأة".
قال الحافظ: لم أقف على اسمها "ببردة" منسوجة فيها حاشيتها، كما في البخاري، مرفوع بمنسوجة؛ لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله، كاسم الفاعل، قال الداودي: يعني أنها لمследующие страницы →