Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.
стр. 2941
ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود.
وفي البخاري من حديث أنس: إنه ﷺ أتي بمال البحرين فقال: "انثروه" -يعني صبوه- في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ ، فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلمَّا قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه؛ إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا،..................
الحواشي
(١) خَيَّرَهم بين رد المال أو السبايا، فاختاروا السبايا فردهم، كما مَرَّ مفصلًا. "قال ابن دحية، وهذا نهاية الجود، الذي لم يسمع بمثله في الوجود" وقال ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن رجل من العرب, مشيت خلف رسول الله ﷺ يوم حنين، وفي رجلي نعل كثيفة، فوطئت بها على رجله، فنفحني نفحة بسوط في يده، وقال: "بسم الله أوجعتني"، فبت لنفسي لائمًا أقول: أوجعت رسول الله ﷺ ، فبت بليلة كما يعلم الله، فلما أصبحنا إذا رجل يقول: ابن فلان، فقلت: هذا الذي، والله كان مني بالأمس، فانطلقت وأنا متخوّف، فقال لي ﷺ : "إنك وطئت رجلي بالأمس فأوجعتني فنفحتك بسوط، فهذه ثمانون نعجة فخذها"، ونفحني -بنون ففاء فمهملة- دفعني، ولعله أتى بالتسمية مع نفحة، إرادة أن لا يؤلمه الدفع، "وفي البخاري" في مواضع "من حديث أنس أنه ﷺ أتي" بضم الهمزة، مبني للمفعول، "بمال من" خراج "البحرين" لفظ تثنية بحر بلدة بين بصرة، وعمان، "فقال: "انثروه" بمثلثة "يعني صبوه" فسره به لدفع توهم أنه أمر بنثره مفرقًا "في المسجد" النبوي، وفيه جواز وضع ما يشترك المسلمون فيه من صدقة ونحوها في المسجد، ومحله ما لم يمنع مما وضع المسجد له من صلاة وغيرها مما بني المسجد لأجله، ونحو هذا الوضع وضع زكاة الفطر، ويستفاد منه جواز وضع ما يعم نفعه في المسجد، كالماء لشرب من عطش، ويحتمل التفرقة بين ما وضع للخزن للتفرقة وبين ما يوضع للخزن، فيمنع الثاني دون الأول، قاله الحافظ: "وكان أكثر مالٍ أتي به ﷺ " من الدراهم، أو من الخراج، فلا ينافي أنه غنم في حنين ما هو أكثر منه وقسمه، "فخرج إلى المسجد، ولم يلتفت إليه" أي: المال، أي: لم يتعلّق نظره بأخذ شيء منه لنفسه، ولا لأحد من أصحابه به بعينه، ففيه غاية كرمه، وأنه لا يلتفت إلى المال قلَّ أو كَثُر.
"فلمَّا قضى الصلاة جاء، فجلس إليه" أي: عنده، "فما كان يرى أحدًا إلّا أعطاه" منه "إذ جاء العباس" عمه، من غير موعد سابق، قال في المصابيح: المعنى، فبينما هو على ذلك إذ جاءه العباس، "فقال: يا رسول الله أعطني" منه، "فإني فاديت" أي: أعطيت فداء "نفسي" يوم بدر، "فاديت عقيلًا" بفتح العين، وكسر القاف- ابن أبي طالب، وكان أسر مع عمه في غزوةстр. 2942
فقال له: "خذ"، فحثى في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فأرفعه أنت عليّ، فقال: "لا"، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع, فقال: يا رسول الله, مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا"، فنثر منه ثم احتمله, فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه، فما قام ﵊ وثَمَّ منها درهم.
وفي رواية ابن أبي شيبة...................
الحواشي
(١) بدر، "فقال له: خذ فحثى" بمهملة، ومثلثة، من الحثية، وهي ملء اليد "في ثوبه" أي: حثى العباس في ثوب نفسه، "ثم ذهب يقله" بضم أوله، من الإقلال، وهو الرفع والحمل، أي: يرفعه، "فلم يستطع" حمله، "فقال: يا رسول الله مر بعضهم" بضم الميم، وسكون الراء، وفي رواية: أؤمر بالهمز "يرفعه علي" بالجزم لأنه جواب الأمر, ويجوز الرفع, أي: فهو يدفعه, قاله الحافظ, وقال المصنف: أؤمر بهمزة مضمومة، فأخرى ساكنة، وبحذف الأولى، وتصير الثانية ساكنة، وهذا جار على الأصل، وللأصيلي مُرْ على وزن على، حذف منه فاء الفعل لاجتماع المثلين في أول كلمة، وهو مؤد إلى الاستثقال، فصار أمر، فاستغني عن همزة الوصل المتحرك ما بعدها فحذفت، ولأبي ذر في نسخة: برفعه بموحدة مكسورة، وسكون الفاء، "قال: "لا" آمر أحدًا برفعه" "قال: فأرفعه أنت عليّ، فقال: "لا" أرفعه، وإنما فعل ذلك تنبيهًا له على الاقتصاد، وترك الاستكثار من المال، "فنثر" العباس "منه، ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا" , قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا" أرفعه، وكأن العباس فهم أنه لا يكلف بعض أصحابه برفعه، فسأله أن يرفعه هو إدلالًا عليه، "فنثر منه، ثم احتمله، فألقاه على كاهله" أي: بين كتفيه.
قال الحافظ وغيره، قال ابن كثير: كان العباس شديدًا طويلًا نبيلًا، قلَّما احتمل شيئًا يقارب أربعين ألفًا، "فانطلق" وفي رواية، ثم انطلق، وهو يقول: إنما أخذت ما وعد الله، فقد أنجز يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال: ٧٠] الآية، "فما زال ﷺ يتبعه" بضم أوله، وسكون ثانية، وكسر ثالثه، أي: يتبع العباس، "بصره حتى خفي علينا" غاب شخصه عنا؛ بحيث لا نراه "عجبًا" بالنصب مفعول مطلق، من حرصه، فما قام ﵊" من ذلك المجلس، "وثَمَّ" بفتح المثلثة، أي: هناك "منها" أي: الدراهم "درهم" جملة حالية من مبتدأ مؤخر وهو درهم، وخبره منها، ومراده: نفي أن يكون هناك درهم, فالحال قيد للمنفي لا للنفي، فالمجموع منتفٍ بانتفاء القيد لانتفاء المقيد، وإن كان ظاهره نفي القيام حالة ثبوت الدراهم، قاله البرماوي، والعيني، "وفي رواية ابن أبي شيبة،стр. 2943
من طريق حميد بن هلال مرسلًا: كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليه ﷺ .
وسايره جابر على حمل له، فقال ﵊: "بعني جملك"، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال: "بل بعنيه"، فباعه إياه وأمر بلالًا أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قال له ﷺ : "اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما" مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن...........
الحواشي
(١) من طريق حميد بن هلال" العدوي، أبي نصر البصري التابعي الثقة العالم، روى له الستة "مرسلًا، كان" المال "مائة ألف" من الدراهم، "وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مالٍ حُمِلَ إليه ﷺ ". زاد في الفتح، وعند البخاري في المغازي من حديث عمرو بن عوف، أنَّ رسول الله ﷺ صالح أهل البحرين، وأمَّرَ عليهم العلاء بن الحضرمي، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إليهم، فقدم أبو عبيدة بمالٍ، فسمعت الأنصار بقدومه. الحديث. فيستفاد منه تعيين الآتي المال، لكن في الردَّة للواقدي أن رسول العلاء ابن الحضرمي بالمال هو العلاء بن جارية الثقف، فلعله كان رفيق أبي عبيدة.
وأما حديث جابر، ففي الصحيح أنه ﷺ قال له: "لو جاء مال البحرين أعطيتك"، وفيه، فلم يقدم مال البحرين حتى مات ﷺ ، فلا يعارض ما تقدَّم، بل المراد أنه قدم في السنة التي مات فيها؛ لأنه كان مال خراج أو جزية، فكان يقدم من سنة إلى سنة، "وسايره جابر" بن عبد الله في انصرافه من غزوة ذات الرقاع، كما رواه ابن إسحاق عن جابر، وفي البخاري أن ذلك كان في غزوة تبوك، وفي مسلم في غزوة الفتح، "على حمل له" كان قد أبطأ، فلا يكاد يسير، فأمره بإناخته، ونخسه نخسات بعصا، وضربه برجله، ودعا فوثب الجمل، فقال ﷺ : "اركب"، فقال جابر: إني أرضى أن يساق معنا، قال: "اركب" فركب، فوالذي نفسي بيده لقد رأيتني وأنا أكنه عنه ﷺ إرادة أن لا يسبقه، "فقال ﵊: "بعني جملك" فقال: هو هبة "لك يا رسول الله" بلا ثمن, فديتك "بأبي أنت، وأمي", أي: لو كان لي إلى الفداء سبيل لفديتك بهما, "فقال: "بل بعنيه" فلا أقبله هبة، "فباعه إياه" بأوقية، أو أربع، أو خمس، أو خمسة دنانير، أو أربعة دنانير، أو دينارين ودرهمين, روايات ذكرها البخاري، "وأمر بلالًا" بعدما رجع إلى المدينة "أن ينقده" -بفتح الياء، وضم القاف على الأكثر، ويجوز ضمَّ الياء وكسر القاف- ثمنه، "فنقده" ثمنه، وزاده عليه شيئًا يسيرًا، كما عند ابن إسحاق، "ثم قال له ﷺ : "اذهب بالثمن والجمل، بارك الله لك فيهما" قال ذلك "مكافأة لقوله هو لك، فأعطاه الثمن،стр. 2944
ورَدَّ عليه الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه في البخاري ومسلم.
وقد كان جوده ﵊ كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج, وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه.
وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عند الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع.
وكان ﷺ قد أتاه سبي، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت, وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد،.....................
الحواشي
(١) ورَدَّ عليه الجمل، وزاده الدعاء بالبركة فيهما، وحديثه في البخاري" في عشرين موضعًا "ومسلم" وفي ذكره مع التكلّم عليه طول يخرج عن المقصود، وقد تقدَّم إلمامٌ ببعضه في ذات الرقاع.
"وقد كان جوده ﵊ كله لله، وفي ابتغاء مرضاته" عطف تفسير، وعلله بقوله: "فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج، وتارة ينفقه في سبيل الله" الجهاد ونحوه، "وتارة يتألّف به" أي: يطلب به الألفة "على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه" بأن يطلب دخوله فيه، ومحبته له، وتارة لإنقاذ المتألف من النار وإن لم يقو الإسلام به، "وكان يؤثر" يقدم "على نفسه، وأولاده" فيعطي ما بيده للمحتاج، ويتحمل المشقة هو وعياله، "فيعطي عطاء يعجز" بكسر الجيم، أفصح من فتحها، "عند الملوك" العظام، "مثل كسرى" بكسر الكاف، وقد تفتح، "وقيصر" ملك الروم "ويعيش في نفسه عيش الفقراء, فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار" كما ورد في الحديث "وربما ربط الحجر على بطنه خلاف الظهر مذكر، وتأنيثه لغة حكاها أبو عبيدة، وعليها جرى قوله "الشريفة من الجوع".
"وكان ﷺ قد أتاه" قوم "سبى" وصف بالمصدر، "فشكت إليه" ابنته "فاطمة" ﵂ "ما تلقى" أي: المشقة التي تلقاها، "من خدمة البيت، طلبت منه خادمًا" يقع على الأنثى، والذكر "يكفيها مؤنة بيتها" من السبي، "فأمرها أن تستعين بالتسبيح" أي: قول سبحان الله عند النوم ثلاثًا وثلاثين، "والتكبير" أي قول: الله أكبر كذلك، "والتحميد" قول: الحمد للهстр. 2945
وقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع".
وأتته امرأة ببردة.........................
الحواشي
(١) كذلك، "وقال: "لا أعطيك" خادمًا من السبي، "وأدع أهل الصفة" الفقراء "تطوى بطونهم من الجوع" , فمنع أحب أهله إليه شفقة على الفقراء، وهذا الحديث رواه أحمد، عن علي أنه قال لفاطمة: لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي، فاذهبي فاستخدميه، فقالت: وأنا والله لقد طحنت حتى مجلت يداي، فأتت رسول الله ﷺ فقال: "ما جاء بك أي بنية؟ " قالت: جئت لأسلِّم عليك، واستحيت أن تسأله، ورجعت فقال: "ما فعلت"؟، قالت: استحييت أن أسأله، فأتيا جميعًا النبي ﷺ ، فقال علي: يا رسول الله، لقد سنوت حتى اشتكيت صدري, وقالت فاطمة: لقد طحنت حتى مجلت يداي، وقد جاء الله بسبي وسعة، فأخدمنا، فقال: "والله لا أعطيكم، وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع، لا أجد ما أنفق عليهم، ولكن أبيعهم، وأنفق عليهم أثمانهم" فرجعا، فأتاهما النبي ﷺ ، وقد دخلا في قطيفتهما، إذا غطت رءوسهما كشفت أقدامها، وإذا غطت أقدامهما كشفت رءوسهما، فثارا، فقال: مكانكما, ثم قال: "ألا أخبركما بخير مما سألتماني"؟، قالا: بلى. قال: "كلمات علمنيهنَّ جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشرًا، وتحمدان عشرًا وتكبران عشرًا، فإذا أويتما إلى فراشكما، فسبحا ثلاثًا وثلاثين، واحمدا ثلاثًا وثلاثين، وكبرا أربعًا وثلاثين".
ومجلت، بفتح الجيم، وكسرها، انقطعت من كثرة الطحن، والحديث في البخاري ومسلم عن علي، إن فاطمة شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي ﷺ سبي، فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي ﷺ أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي ﷺ إلينا، وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبت لأقوم، فقال: "على مكانكما" فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: "ألا أعلمكما خيرًا مما سألتماني، إذا أخذتما مضاجعكما من الليل، تكبران ثلاثًا وثلاثين، وتسبحان ثلاثًا وثلاثين، وتحمدان ثلاثا وثلاثين، فهو خير لكما من خادم".
قال القاضي عياض: معنى الخيرية أنَّ عمل الآخرة أفضل من أمور الدنيا، وقال ابن تيمية: فيه أن من واظب على هذا الذكر عند النوم لم يصبه إعياء؛ لأن فاطمة شكت التعب من العمل، فأحالها عليه، "وأتته امرأة".
قال الحافظ: لم أقف على اسمها "ببردة" منسوجة فيها حاشيتها، كما في البخاري، مرفوع بمنسوجة؛ لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله، كاسم الفاعل، قال الداودي: يعني أنها لمстр. 2946
فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليه فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله, ما أحسن هذه فاكسنيها, فقال ﷺ : "نعم"، فلما قدم ﷺ لامه............
الحواشي
(١) تقطع من ثوب، فتكون بلا حاشية، وقال غيره: حاشية الثوب هديه، وكأنه أراد أنها جديدة لم يقطع هدبها، ولم تلبس، قال القزاز: حاشيتا الثوب ناحيتاه اللتان في طرفيهما الهدب، ولفظ البخاري في الأدب: جاءت امرأة ببردة، فقال سهل للقوم: أتدون ما البردة، قالوا: الشملة, قال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها، "فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه؟ " وفي رواية الجنائز، قال: "نعم" قالت: قد نسجتها بيدي، فجئت لأكسوكها.
قال الحافظ: وتفسير البردة بالشملة تجوز؛ لأن البردة كساء, والشملة ما اشتمل به فهي أعمّ، لكن لما أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها، "فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليها" كأنهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدّم قول صريح، "فلبسها" لفظ الأدب، وفي رواية الجنائز، فخرج إلينا، وأنها إزاره، ولابن ماجه: فخرج إلينا فيها. وللطبراني: فأتزر بها ثم خرج، "فرآها عليه رجل من الصحابة" أفاد المحب الطبري في الأحكام أنه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبراني، ولم أره في المعجم الكبير، ولا في مسند سهل، ولا في مسند عبد الرحمن، وقد أخرج الطبراني الحديث.
وقال في آخره: قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقاص، وأخرجه البخاري في اللباس، والنسائي في الزينة عن قتيبة، ولم يذكرا عنه ذلك، ورواه ابن ماجه.
وقال فيه: فجاء رجل سماه يومئذ، وهو دال على أن الراوي ربما سماه في رواية أخرى للطبراني، من طريق زمعة بن صالح عن أبي حازم عن سهل، أن السائل المذكور أعرابي، فلو لم يكن زمعة ضعيفًا لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقاص، أو يقال: تعددت القصة على ما فيه من بعد، وقول شيخنا ابن الملقن: إنه سهل ابن سعد غَلَطٌ التبس عليه اسم القائل باسم الراوي، قاله الحافظ: "فقال: يا رسول الله ما أحسن" بنصبه تعجبًا، "هذه" البردة "فاكسنيها" لفظ الأدب, ولفظ الجنائز عقب أنها إزاره فحسنها فلان، فقال: اكسنيها ما أحسنها.
قال الحافظ: فحسنها كذا، في جميع الروايات هنا، أي: في الجنائز -بمهملتين- من التحسين، وللبخاري، وفي اللباس، فجسَّها -بجيم، بلا نون، وكذا للطبراني، والإسماعيلي من طريق أخر، "فقال ﷺ : "نعم" اكسوكها، وللبخاري في اللباس، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع، فطواها، فأرسل بها إليه، "فلما قال ﷺ لامه" أي: السائل، "أصحابه،стр. 2947
أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه. رواه البخاري من حديث سهل بن سعد.
وفي رواية ابن ماجه والطبراني قال: "نعم" , فلما دخل طواها وأرسل بها إليه.
وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أنه ﷺ أمر أن يصنع له غيرها, فمات قبل أن يفرغ منها.
وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه ﷺ وسعة جوده.
واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من
الحواشي
(١) وقالوا: ما" نافية "أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها".
وفي رواية: لبسها "محتاجًا إليها، ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه" وفي رواية: لا يرد سائلًا, بقيته في البخاري فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ ، لعلي أكفَّن فيها. وفي رواية للبخاري أيضًا، فقال الرجل: والله ما سألتها إلّا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه، وبَيِّنَ في رواية الطبراني المعاتب له من الصحابة، ولفظه: قال سهل: فقلت للرجل: لِمَ سألته وقد رأيت حاجته إليها، فقال: رأيت ما رأيتم، ولكني أردت أن أخبأها حتى أكفَّن فيها. وفي رواية فتح الباري في الجنائز، قال: والله إني ما سألته لألبسها، إنما سألته لتكون كفني، قال سهل: فكانت كفنه، "رواه البخاري" في الجنائز، والبيوع، والأدب، واللباس، "من حديث سهل بن سعد" الساعدي.
"وفي رواية ابن ماجه، والطبراني، قال: "نعم" أكسوكها، "فلما دخل طواها، وأرسل بها إليه", وكذا البخاري في اللباس، بعد قوله قال: "نعم"، وقيل: قوله، فلمَّا قام، وإنما أوقع المصنف أنه نقل هذا من الفتح، في الجنائز مع أنه إنما صدَّر بعزوه لهما لقوله من هذا الوجه، أي: الذي أخرجه منه البخاري في الجنائز، وقال عقبة: وهو للمصنف، أي: البخاري في اللباس، من طريق يعقوب بن عبد الرحمن، بلفظ، فقال: "نعم"، فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، ثم أرسل بها إليه، "وأفاد الطبراني في رواية زمعة" بسكون الميم، "ابن صالح" الجندي -بضم الجيم, والنون- اليماني, نزيل مكة, ضعيف من السادسة، أي: في روايته، من طريق زمعة، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، "أنه ﷺ أمر أن يصنع له غيرها" يحتمل بناؤه للفاعل، فالمأمور بالصنع من دفعت إليه البردة، أو للمفعول، فالصانع المرأة، أو غيرها، "فمات قبل أن يفرغ منها" ﷺ , "وفي هذا الحديث من الفوائد حسن خلقه ﷺ وسعة جودة", وقبوله الهدية، وغير ذلك، "واستنبط منه السادة الصوفية، جواز استدعاء المريد خرقة التصوف، من المشايخ تبركًا بهم،стр. 2948
المشايخ تبركًا بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه ﷺ ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم. رواه البخاري.
لكن قال شيخنا: ما يذكرونه من أن الحسن البصري لبسها من علي بن أبي طالب، فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أنه ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدًا من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحًا في ذلك فباطل, قال: ثم إنَّ من الكذب................
الحواشي
(١) وبلباسهم، كما استدلّوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه ﷺ ألبس أم خالد" أمة، بفتح الهمزة، والميم، بنت خالد بن سعيد بن العاصي، القرشية الأموية، ولأبويها صحبة، وكانا ممن هاجر إلى الحبشة وولدت بها، وقدما بها وهي صغيرة، وتزوجها الزبير بن العوام، فولدت منه خالدًا، وبه تكنَّى، وعمرت لحقها موسى بن عقبة "خميصة سوداء" -بفتح الخاء المعجمة، وكسرت الميم، وسكون التحتية، فصاد مهملة- ثوب من حرير، أو ثوب معلم، أو كساء مربع له علمًا، أو كساء رقيق من أي لون كان، أو لا يكون خميصة إلا إذا كانت سوداء معلمة.
ذكره المصنف "ذات علم، رواه البخاري" في مواضع عن أم خالد, أتى النبي ﷺ بثياب فيها خميصة وداء صغيرة، فقال: من ترون نكسو الخميصة؟، فسكت القوم، قال: "ائتوني بأم خالد" فأتي بها تحمل، فأخذ الخميصة بيده فألبسها، وقال: "أبلي وأخلقي"، وكان فيها علم أخضر، أو أصفر، فقال: "أم خالد هذا سناه, وسناه بالحبشة حسن" -وهو بفتح السين المهملة، والنون، فألف، فهاء ساكنة- فكلمها ﵇ بلغة الحبشة لولادتها بها، وفي رواية له عنها: أتيت رسول الله ﷺ مع أبي، وعليَّ قميص أصفر، قال ﷺ : "سنه سنه"، فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فزبرني أبي، فقال ﷺ : "دعها أبلى، وأخلقي أبلى، وأخلقي، أبلي، وأخلقي"، قال ابن المبارك: فبقيت حتى ذكر، أي: الراوي زمنًا طويلًا، أي: طال عمرها بدعائه ﷺ ، "لكن قال شيخنا" السخاوي: "ما يذكرونه" أي: الصوفية، "من أن الحسن البصري لبسها من علي بن أبي طالب، فقال ابن دحية، وابن الصلاح: إنه باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أنه ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدًا من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحًا في ذلك فباطل، قال:" أي: الحافظ: "ثم إن من الكذب المفترىстр. 2949
المفترى قول من قال: إن عليًّا ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعًا فضلًا عن أن يلبسه الخرقة.
وكذا قال الدمياطي والذهبي والعلائي ومغلطاي والعراقي والأبناسي والحلبي وغيرهم, من كون جماعة منهم لبسوها وألبسوها تشبها بالقوم،..................
الحواشي
(١) قول من قال: إن عليًّا ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث" أي: جمهورهم، "لم يثبتوا للحسن من علي سماعًا, فضلًا عن أن يلبسه الخرقة.
قال السخاوي: ولم ينفرد شيخنا يعني: الحافظ بذلك، بل سبقه إليه جماعة حتى ممن لبسها وألبسها، كالدمياطي، والذهبي إلخ..... فاختصره المصنف، فقال: "وكذا قال الدمياطي، والذهبي، والعلائي، ومغلطاي، والعراقي، والأبناسي" بفتح الهمزة، وسكون الموحدة، بعدها نون، ثم سين مهملة، نسبة إلى أبناس، قرية صغيرة بالوجه البحري من أرض مصر، منها العلامة البرهان إبراهيم بن موسى بن موسى، بن أيوب الشافعي الورع الزاهد المحقق، شيخ الشيوخ بمصر, ولد سنة خمس وعشرين وسبعمائة، وصنَّف وأخذ عن الأسنوي وغيره، وولي مشيخة سعيد السعداء، وعُيِّنَ لقضاء الشافعية فاحتفى، وكان مشهورًا بالصلاح, تقرأ عليه الجن، مات سنة اثنتين وثمانمائة راجعًا من الحج، ودفن بعيون القصب، وليس ضبطه في الأنساب للسيوطي، كما زعم، "والحلبي" الحافظ برهان الدين صاحب النور، والمقتفي، وشرح البخاري، وغير ذلك، "وغيرهم" كالهكاري، وابن الملقن، وابن ناصر الدين، وتكلم عليها في جزء مفرد، "مع كون جماعة منهم لبسوها وألبوها تشبهًا بالقوم" إلى هنا كلام شيخه السخاوي، وللحافظ السيوطي مؤلَّف سماه: إتحاف الفرقة برفو الخرقة، ذكر فيه أن جمعًا من الحفاظ أثبتوا سماع الحسن من علي، والحافظ ضياء الدين في المختارة رجَّحه، وتعبه الحافظ في أطرافها، وهو الراجح عندي لقاعدة الأصول أنَّ المثبت مقدَّم على النافي؛ لأن معه زيادة علم؛ ولأن الحسن ولد اتفاقًا لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وكانت أمه خيرة مولاة أم سلمة، فكانت أم سلمة تخرجه إلى الصحابة، فيباركون عليه، وأخرجته إلى عمر، فدعا له فقال له: اللهم فقهه في الدين، وحببه إلى الناس، أخرجه العسكري بسنده، وذكر المزي أنه حضر يوم الدار وله أربع عشرة سنة، ومعلوم أنه من حين بلغ سبع سنين أمر بالصلاة، فكان يحضر الجماعة ويصلي خلف عثمان حتى قتل، ولم يخرج علي للكوفة إلّا بعد قتله، فكيف ينكر سماع الحسن منه وهو كل يوم يجتمع به خمس مرات، من حين مَيِّز إلى أن بلغ أربع عشرة سنة، وقد كان علي يزور أمهات المؤمنين، ومنهم أم سلمة، والحسن في بيتها هو وأمه، وقد ورد عن الحسن ما يدل على سماعه منه، روى المزيстр. 2950
نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كهيل بن زياد، وهو صحب علي بن أبي طالب من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل.
وفي بعض الطرق اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب, وهذه صحبة لا مطعن فيها، وكثير من السادة يكتفي بمجرد الصحبة................
الحواشي
(١) من طريق أبي نعيم أن يونس بن عبيد قال للحسن: إنك تقول: قال رسول الله ﷺ ، ولم تذكره, قال: يا ابن أخي, لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك، أني في زمان كما ترى، وكان في عمل الحجاج كل شيء، سمعتني أقول, قال رسول -الله ﷺ ، فهو عن عليّ, غير أني لا أستطيع أن أذكر عليًّا.
ثم ذكر ما أخرجه الحفاظ من رواية الحسن عن علي، فبلغ عشرة أحاديث ساقها، وذكر في خلالها قول ابن المديني، الحسن رأى عليًّا بالمدينة وهو غلام، وقال أبو زرعة: كان الحسن البصري يوم بويع عليّ ابن أربع عشرة سنة، ورأى عليًّا بالمدينة، وقال: رأيت الزبير [بايع] عليًّا، ثم خرج إلى الكوفة والبصرة، ولم يلقه الحسن بعد ذلك، ففي هذا القدر كفاية، ويحمل قول النافي على ما بعد خروج علي من المدينة، وروى أبو يعلى, حدثنا جويرية بن أشرس، قال: أخبرنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، قال: سمعت الحسن يقول: سمعت عليُّا يقول: قال رسول الله ﷺ : "مثل أمتي مثل المطر" الحديث. قال الحافظ في تهذيب التهذيب: قال محمد بن الحسن الصيرفي شيخ شيوخنا: هذا نص في سماع الحسن من عي، ورجاله ثقات، انتهى ملخصًا.
وليس في [ذاك الرفع] كله إثبات الدعوى، أن عليًّا ألبس الحسن الخرقة على متعارف الصوفية، وكذا قول المصنف "نعم ورد لبسهم لها، مع الصحبة المتصلة إلى كهيل" بضم الكاف، وفتح الهاء، "ابن زياد" النخيع، ثقة رمي بالتشيع، وكان شريفًا مطاعًا في قومه.
قال خليفة: قتله الحجاج سنة اثنتي وثمانين، وحكى ابن أبي خيثمة عن يحيى بن معين مات كهيل سنة ثمان وثمانين، وهو ابن سبعين سنة، روى له النسائي، "وهو صحب علي بن أبي طالب" وروى عنه وعن عمر وعثمان وابن مسعود وأبي مسعود وأبي هريرة, وروى عنه الأعمش وأبو إسحاق السبيعي، وغيرهما "من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل" لا دلالة فيه على الدعوى، وهو أن عليًّا ألبسها كهيلًا، إنما هو احتمال، ولا تقوم به حجة، "وفي بعض الطرق" للخرقة، "اتصالها بأويس" بن عامر "القرني" بفتحتين، خير التابعين، "وهو اجتمع بعمر بن الخطاب، وعلي ابن أبي طالب، وهذه صحبة لا مطعن فيها" لكن لا تدل على الدعوى نصًّا, إنما هو احتمال، "وكثير من السادة" الصوفية "يكتفي بمجرد الصحبة،стр. 2951
كالشاذلي وشيخنا أبي إسحاق المتبولي.
وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس وله في ذلك رسالته ريحان القلوب، قرأتها على ولد ولده العارف بالله تعالى المسلك سيدي علي، مع إلباسه لي الخرقة والتلقين والعهد.
وللشيخ قطب الدين القسطلاني "ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة" والله تعالى يهدينا إلى سواء السبيل.
الحواشي
(١) كالشاذلي"، إمام الطريقة، "وشيخنا أبي إسحاق" إبراهيم بن علي بن عمر الأنصاري "المتبولي" الأحمدي الصوفي، كان ذا عقل راجح، وتمكُّن قوي من نفسه، فلا تحكم عليه الأعراض النفسانية، وله معرفة تامة بالتربية، مع كون أميامات ذاهبًا إلى القدس بسدوس، وبها دفن سنة نيف وثمانين وثمانمائة، "وكان يوسف" بن عبد الله بن عمر "العجمي" أبو المحاسن الكرواني، ثم المصري، المتجرِّد من الدنيا لا يبيت على معلوم، عرضت عليه الإقطاعات فأباها، وكان أعجوبة زمانه في التسليك، وله أتباع ومريدون كثير.
"يجمع بين تلقين الذكر، وأخذ العهود، واللبس، وله في ذلك رسالته ريحان القلوب، قرأتها على ولد ولده, العارف بالله تعالى المسلك سيدي علي, مع إلباسه لي الخرقة، والتلقين والعهد" على طريق جده، "وللشيخ قطب الدين القسطلاني" كتاب "ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبه، والله تعالى يهدينا إلى سواء السبيل" الطريق السوي.стр. 2952
الفصل الثالث: فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك
وفيه أربع أنواع:
الحواشي
(١) الفصل الثالث:
من المقصد الثالث: "فيما،" أي: أشياء "تدعو ضرورته" حاجته الشديدة "إليه،" أي: الأشياء، وأفرد الضمير رعاية للفظ ما، ويجوز تفسيره بشيء، فالإفراد في محله، ولم يقل حاجته، للإشارة إلى أنه لا يلتفت لدفع الحاجة إلّا إذا اشتدت، فإن خفَّت لم يلتفت لدفعها إلّا بالنسبة ولا لأهله، ومقتضى القاموس أن الحاجة أعم من الضرورة، "من غذائه" بكسر الغين، والدال المعجمتين، والمد، ما به نماء الجسم، وقوامه من طعام وشراب، "وملبسه" بوزن مذهب ما يلبسه، "ومنكحه" ما ينكحه من زوجة أو أمة، "وما يلحق بذلك" من كل هو محتاج إليه، كزيت وطيب، وفرش ومركوب، ووجه إلحاقها شدة الاحتياج لها، كالغداء وتابعيه؛ "وفيه أربعة أنواع" من ظرفية الكل إلى إجرائه.стр. 2953
المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
مدخل
...
المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
كتاب في المعجزات والخصائص:
وصدق رسالته, وما خص به من خصائص آياته, وبدائع كراماته, وفيه فصلان:
الأول: في معجزاته.
اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، والرسول العظيم -سلك الله بي وبك
الحواشي
(١) المقصد الرابع في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
كتاب في المعجزات والخصائص:
صفة لازمة لا مخصصة؛ إذ كلها دال على ذلك، "وصدق رسالته" شدتها وقوتها لدلالة معجزاته على تحقق رسالته تحققًا لا مرية فيه, وذلك مستلزم لشدتها.
وفي القاموس: الصدق بالكسر: الشدة، والرسالة بالكسر والفتح اسم مصدر من أرسل رسولًا: بعثه برسالة يؤديها، فيجوز حملها على ما بُعِثَ به من الأحكام ليؤديها، وعلى بعثه بما جاءه من الوحي، لكن وصفها بالصدق على هذين مجاز, بناءً على ما شاع من استعمال الصدق في الأقوال خاصة، فالأوَّل أولى "وما خص به" أي: ثبت له من الأمور الفاضلة دون غيره، إما من الأنبياء أو الأمم، وهو عطف على معجزاته عام على خاص، أو من عطف ما بينه وبين المعطوف عموم وخصوص وجهي، "من خصائص آياته" من إضافة الصفة للموصوف، أي: آياته الخاصة, أي: الفاضلة في الشرف على غيرها، وبهذا لا يرد أنه عين قوله، وما خص به وشرط المبين بالكسر زيادته على المبين بالفتح، "وبدائع كراماته" جمع كرامة أمر خارق للعادة غير مقرون بدعوى النبوة، ولا هو مقدمة لها تظهر على يد عبد ظاهر الصلاح ملتزم لمتابعة نبي كلف بشريعته, مصحوب بصحيح الاعتقاد والعمل الصالح، علم بها أو لم يعلم, فدخل في أمر خارق جنس الخوارق، وخرج بغير مقرون بدعوى النبوة المعجزة، وبنفي مقدمتها الإرهاص، وبظهور الصلاح ما يسمَّى معونة مما يظهر على يد بعض العوام، وبالتزام متابعة نبي ما يسمَّى إهانة كالخوارق المؤكدة لكذب الكذابين، كبصق مسيلمة في البئر، وبالمصحوب بصحيح الاعتقاد الاستدراج, كما خرج السحر من جهات عدَّة، كما قال السبكي.
قال ابن أبي شريف: والذي يتلخَّص من كلام من تكلَّم في الخوارق أنها ستة أنواع إرهاص، وهو ما أكرم به النبي ﷺ قبل النبوة، ومعزة وهو ما ظهر بعد دعوى النبوة وكرامة للولي، ومعونة واستدراج وإهانة، "وفيه فصلان":
"الأول: في معجزاته" أي: بعضها؛ إذ هو لم يستوفها.
"اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم والرسول العظيم، سلك" ذهب الله بي وبك"стр. 2954
مناهج سنته، وأماتنا على محبته بمنه ورحمته- أنَّ المعجزة هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام.
وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فعلم أن لها شروطًا.
أحدها: أن تكون خارقة للعادة، كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين أصابعه، وقلب العصا حية،....
الحواشي
(١) قال في المختار: السلك بالفتح مصدر سلك الشيء في الشيء فانسلك، أي: أدخله فيه فدخل, وبابه نصر، قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ﴾ وأسلكه فيه لغة، ولم يذكر في الأصل, يعني: الجوهري, سلك الطريق إذا ذهب، وبأنه دخل، وأظنَّه سها عن ذكره؛ لأنه مما لا يترك قصدًا "مناهج سنته،" أي: الطرق الموصلة إلى سيرته الحميدة -جمع منهج كمذهب, ويجمع أيضًا على منهاج، "وأماتنا على محبته" المراد سؤال الإخلاص في حبه ودوام ذلك للموت، فلا يزول عنه ما دام حيًّا لا سؤال الموت، ولا أنَّه مع المحبة، وإن سبقه انتفاؤها "بمنِّه" إنعامه لا تعداد النعم, بقرينة أن المطلوب أصل النعم، ورحمته إنعامه أو إرادته, فعطفها على مَنِّه مراد على الأول, ومن عطف السبب على المسبب على الثاني, أي: إرادته الرحمة؛ إذ الإرادة سبب للمنِّ، "أن المعجزة هي الأمر الخارق للعادة" وجوديًّا، كنبع الماء من الأصابع أو عدميًّا كنجاة إبراهيم من النار، المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء" صفة لازمة؛ إذ كل خارق مقرون بدعوى الرسالة دالّ على صدقهم "عليهم الصلاة والسلام، وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها"؛ إذ لا ينسب شيء منها لكسبهم لخرقها للعادة، "فعلم" من هذا التعريف "أن لها شروطًا" أركانًا أربعة لابُدَّ منها, لا ما كان خارج الماهية؛ إذ الخارق للعادة المقرون بالتحدي مفهوم المعجزة لا خارج عنها, وما كان كذلك ركن لا شرط.
"أحدها: أن تكون خارقة للعادة: بأن ينقطع أثر على سبب جرت العادة الإلهية بترتُّبه عليه، كانقطاع الإحراق عن نار نمروذ في حق إبراهيم، وبأن يترتَّب أثر على سبب لم تجر العادة الإلهية بترتُّبه عليه، كانشقاق القمر" للمصطفى، وانفجار الماء من بين أصابعه" ﷺ ، "وقلب العصا حية" لموسى ﵊.
وروي عن ابن عباس والسدي: أنه لما ألقى عصاه صارت حية عظيمة، صفراء، شعراء فاغرة، أي: فاتحة فاها بين لحييها ثمانون ذراعًا، وارتفعت عن الأرض بقدر ميل، وقامت على ذنبها ووضعت لحيها الأسفل على الأرض، والآخر على سور القصر، ثم توجهت نحو فرعون، روي أنها أخذت قبته بين نابيها، فهرب وأحدث، قيل: أخذه البطن في ذلك اليوم أربعمائة مرةстр. 2955
وإخراج ناقة من صخرة،.......................................
الحواشي
(١) وانهزم الناس مزدحمين، فمات منهم خمسة وعشرون ألفًا، قتل بعضهم بعضًا، فأخذها فعادت عصاه. ذكره البغوي، وفي التنزيل: ﴿فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ ، وفيه ﴿فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ .
قال البغوي: الثعبان الذكر العظيم من الحيات، ولا ينافيه قوله: ﴿كَأَنَّهَا جَانٌّ﴾ ، والجان الحية الصغيرة؛ لأنها كانت كالجانّ في الخفة والحركة، وهي في جثتها حية عظيمة.
"وإخراجه ناقة من صخرة" لصالح ﵇، كما ذكر ابن إسحاق وغيره: أن عادًا لما هلكت عمَّرت ثمود بعدها وكثروا، وعمروا إعمارًا طوالًا حتى جعل أحدهم يبني المسكن من المدر فينهدم والرجل حي, فنحتوا البيوت من الجبال، وكانوا في سعة، فعتوا وأفسدوا وعبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم صالحًا من أوسطهم نسبًا وأفضلهم حسبًا وموضعًا، وهو شاب، فدعاهم إلى الله حتى شمط وكبر، لا يتبعه إلّا قليل مستضعفون، فألحَّ عليهم بالدعاء، وأكثر لهم التخويف، فسألوه آية تصدقه، فقال: أية آية تريدون, قالوا: تخرج معنا غدًا إلى عيدنا، وكان لهم عيد يخرجون فيه بأصنامهم في يوم معلوم من السنة، فتدعوا إلاهك وندعو آلهتنا، فإن استجيبت لك اتبعناك، وإن استجبت لنا اتبعتنا، فقال صالح: نعم، فخرج معهم، وخرجوا بأوثانهم إلى عيدهم، فسألوها أن لا يستجاب لصالح في شيء من دعائه، فلم تجبهم، فقال سيدهم جندع بن مرو: يا صالح، أخرج لنا من هذه الصخرة لصخرة منفردة في ناحية من الحجر، يقال لها الكاثبة: ناقة مخترجة، جوفاء، وبراء، عشراء، والمخترجة ما شاكل البخث من الإبل، فإن فعلت صدقناك وآمنَّا بك، فأخذ صالح مواثيقهم بذلك، فقالوا: نعم، فصلى ركعتين ودعا ربه، فتمخَّضت الصخرة تمخّض النتوج بولدها، ثم تحركت الهضبة فانصدعت عن ناقة، كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلّا الله عظمًا, وهم ينظرون, ثم نتجت سبقًا، بمهملة مفتوحة، وقاف ساكنة وموحدة، أي ولدًا، وهم ينظرون مثلها في العظم، فآمن به جندع ورهط من قومه، وأراد أشرافهم الإيمان، فنهاهم دواب ابن عمرو بن لبيد، والحباب صاحبا أوثانهم، ورباب بن صمعر كاهنهم, فقال صالح: هذه ناقة الله لها شرب ولكم شرب يوم معلوم، فمكثت الناقة وسقبها ترعى الشجرة وتشرب الماء غبًّا، فما ترفع رأسها حتى تشرب كل ما في البئر، فلا تدع قطرة، ثم ترفع رأسها فتتفحج فيحلبون ما شاءوا، فيشربون ويدخرون حتى يملؤوا أوانيهم كلها، ثم تصدر من غير الفج الذي منه وردت، لا تقدر أن تصدر من حيث ترد، يضيق عنها حتى إذا كان الغد يومهم، فيشربون ما شاءوا من الماء ويدَّخرون ليوم الناقة، فهم من ذلك في سعة ودعة، وكانت تصيف بظهر الوادي مواشيهم إلى ظهره، فأضرَّ ذلك مواشيهم للبلاء والاختبار, وكبر ذلك عليهم, فأجمعواстр. 2956
وإعدام جبل.
فخرج غير الخارق للعادة كطلوع الشمس كل يوم.
الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، وهو طلب المعارضة والمقابلة.
قال الجوهري: يقال: تحديت فلانًا، إذا باريته في فعل ونازعته......... ..........
الحواشي
(١) على عقرها، وكانت عنيزة أم غنم لها بنات حسان، وإبل، وبقر، وغنم، وصدوف بنت المحيا، وكانت جميلة، وكانتا من أشد الناس عداوة لصالح, وتحبان عقرها لما أضرَّ بمواشيهما، فدعت صدوف ابن عمها مصدع بن مهرج بن المحيا، وجعلت له نفسها على عقر الناقة فأجابها، ودعت عنيزة قدار بن سالف، رجلًا أحمر أزرق قصيرًا عزيزًا، متبعًا في قومه، فقال: أعطيك أي بناتي شئت على أن تعقر الناقة, فانطق هو ومصدع فاستغويا غواة ثمود، فاتبعهم سبعة، فانطلقوا فرصدوها حين صدرت عن الماء، وكمن لها قدار في أصل صخرة على طريقها، وكَمُنَ مصدع في أخرى، فمرّت عليه، فرمى بسهم، فانتظم به عضلة ساقها، فشد قدار عليها بالسيف، فكشف عرقوبها، فخرت ورغت، ثم نحرها في لبتها، فخرج أهل البلد، فاقتسموا لحمها وطبخوه، فانطلق سقبها حتى أتى جبلًا منيعًا يقال له: صنو، وقيل: فاره وأتى صالح، فقيل له: عقرت الناقة، فأقبل وخرجوا يعتذرون، إنما عقرها فلان ولا ذنب لنا, فقال صالح أدركوا الفصل، فعسى أن يرفع عنكم العذاب، فلمَّا رأوه على الجبل ذهبوا ليأخذوه، فأوحى الله إلى الجبل فتطاول حتى ما ناله الطير، وجاء صالح فلمَّا رآه الفصيل بكى حتى سالت دموعه, ثم رغا ثلاثًا وانفجرت الصخرة فدخلها, فقال صالح: لكل رغوة أجل يوم, ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ ، وقيل: اتبع السق أربعة من التسعة الذين عقروا الناقة, منهم: مصدع رماه بسهم فانتظم قلبه، ثم جَرَّ برجله، فأنزله فألقوا لحمه مع لحم أمه، فقال صالح: انتهكتم حرمة الله، فأبشروا بعذابه ونقمته, تصبحون غدًا -وكان يوم الخميس- وجوهكم مصفرة، ثم تصبحون يوم العروبة وجوهكم محمرة, ثم تصبحون وجوهكم مسودة، ثم يصبحكم العذاب, فلمَّا رأوا العلامات طلبوا قتله، فأنجاه الله، فلمَّا كان ليلة الأحد خرج هو ومن أسلم معه إلى الشام، فنزل رملة فلسطين، فلما كانت ضحوة اليوم الرابع تحنَّطوا، وتكفَّنوا وألقوا أنفسهم إلى الأرض، يقلبون أبصارهم إليها مرة وإلى السماء مرة، فلمَّا اشتد الضحاء أتتهم صيحة من السماء، فقطَّعت قلوبهم، فهلكوا كبيرهم وصغيرهم، وقدار -بضم القاف، وفتح الدال المهملة الخفيفة فألف فراء- "وإعدام جبل" فخرج غير الخارق للعادة، كطلوع الشمس كل يوم" والقمر كل ليلة.
"الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، وهو طلب المعارضة والمقابلة".
"قال الجوهري: يقال تحديث فلانًا إذا باريته" أي: عارضته "في فعل ونازعته"стр. 2957
للغلبة.
وفي القاموس: نحوه.
وفي الأساس: حد يحدو، وهو حادي الإبل، واحتدى حداء إذا غنَّى، ومن المجاز: تحدَّى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة. وأصله: الحداء، يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب حداءه. كما يقال: توفَّاه بمعنى استوفاه، وفي بعض الحواشي الموثوق بها، كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره، يتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أي يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه استعمل في كل مباراة. انتهى من حاشية الطيبي على الكشاف.
الحواشي
(١) عطف تفسير "للغلبة" أي: لأجل أن يغلبه، "وفي القاموس نحوه، وفي الأساس" للزمخشري "حدا يحدو،" فهو واوي، "وهو حادي الإبل، واحتدى حداء" بضم المهملة والمد، "إذا غنَّى" للإبل يحثها على السير، "ومن المجاز: تحدَّى أقرانه إذا باراهم ونازعهم" تفسيري "للغلبة", فقول الجوهري: يقال، أي مجازًا، "وأصله الحداء الغناء "يتبارى فيه الحاديان، ويتعارضان فيتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، أي يطلب حداءه، كما يقال: توفاه بمعنى استوفاه، وفي بعض الحواشي الموثوق بها، كانوا عند الحدو،" بفتح، فسكون، وبضمتين، وشد الواو، ففي المختار: حدا الإبل من باب عدا، وحداء أيضًا بالضم والمد، انتهى، فله مصدران، "يقوم حاد عن يمين القطار" بالكسر: عدد من الإبل على نسق واحد، "وحاد عن يساره، يتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أي: يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه حتى استعمل في كل مباراة" مغالبة.
"انتهى من حاشية" العلامة شرف الدين الحسن بن محمد بن عبد الله، "الطيبي" -بكسر الطاء، وسكون الياء- نسبة إلى الطيب، بلد بين واسط وكور الأهواز، "على الكشاف" تفسير الزمخشري.
قال السيوطي: وهو أجَلّ حواشيه في ست مجلدات ضخمات، قال: وله إلمام الحديث، لكنه لم يبلغ فيه درجة الحفاظ، ومنتهى نظره الكتب الستة ومسند أحمد، والدارمي لا يخرج من غيرها، وكثيرًا ما يورد صاحب الكشاف الحديث المعروف، فلا يحسن الطيبي تخريجه، ويعدل إلى ذكر ما هو في معناه مما في هذه الكتب، وهو قصور في التخريج، انتهى.стр. 2958
وقال المحققون: التحدي، الدعوى للرسالة.
والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة.
وعبَّر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة.
وهو أحسن من التعبير: بعدم المعارضة؛ لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها, والشرط إنما هو عدم إمكانها.
وقد خرج بقيد "التحدي" الخارق من غير تحد، وهوالكرامة للولي.
وبـ "المقارنة" الخارق المتقدم على التحدي، كإظلال الغمام، وشق الصدر، الواقعين لنبينا ﷺ قبل دعوى الرسالة, فإنها ليست معجزات، إنما هي كرامات لظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء،
الحواشي
(١) وقال المحققون: التحدي الدعوى للرسالة،" فما جاء به بعدها من الخوارق فهو معجزة، وإن لم يطلب الإتيان بالمثل الذي هو المعنى الحقيقي للتحدي.
"والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي،" الطالب للمعارضة، وهو مدعي الرسالة "على وجه المعارضة" له، "وعبَّر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة" له، وهو أحسن من التعبير بعدم المعارضة؛ لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها، والشرط إنما هو عدم إمكانها" لا عدمها، "وقد خرج بقيد التحدي الخارق من غير تحدٍ وهو الكرامة للولي" وهي وإن لم تكن معجزة له، لكنَّها كرامة لنبيه، كذا قيل، ونظر فيه ابن أبي شريف، بأن المعروف أن المعجزة هي الخارق الذي يظهر على يد مدعي النبوة بعد دعواها، ومن عَدَّ الإرهاصات والكرامات معجزات، فسبيله التغليب والتشبيه، وليست معجزات حقيقة.
قال التفتازاني: والولي هو العارف بالله وصفاته حسبما يمكن المواظب على الطاعات، المتجنب عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات.
قال شارح الهمزية: ويتجه أن هذا ضابط الولي الكامل، وأن أصل الولاية يحصل لمن وجدت فيه صفات العدالة الباطنة بالشروط المذكورة عند الفقهاء، "وبالمقارنة الخارق المتقدم على التحدي، "كإظلال الغمام وشق الصدر، الواقعين لنبينا ﷺ قبل دعوى الرسالة، فإنها ليست معجزات, إنما هي كرامات لظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء، فيجوز ظهورها" تأسيسًا لنبوتهم التي ستحصل, "وكلام عيسى في المهد، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة عليه أيضًا، وحينئذстр. 2959
فيجوز ظهورها, وكلام عيسى في المهد، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة عليهم أيضًا، وحينئذ تسمَّى "إرهاصا" أي: تأسيًا للنبوة كما صرَّح به العلامة السيد الجرجاني في شرح المواقف وغيره، وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم.
وخرج أيضًا بقيد "المقارنة" المتأخِّر عن التحدي، بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روي بعد وفاته ﷺ من نطق الموتى بالشهادتين وشبهه، مما تواترت به الأخبار.
وخرج أيضًا بـ "أمن المعارضة" السحر المقرون بالتحدي، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم.
واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا؟
فقال بالأول قائلون، حتَّى جوَّزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارًا.
وذهب آخرون: إلى أن أحدًا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة طبيعة إلا الله
الحواشي
(١) تسمَّى إرهاصًا، أي: تأسيسًا للنبوة، كما صرَّح به العلامة السيد" الشريف علي "الجرجاني في شرح المواقف، و" صرح به "غيره وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم، خلافًا للرازي في تسميتها معجزة، "وخرج أيضًا بقيد المقارنة" الأمر "المتأخِّر عن التحدي بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روي بعد وفاته ﷺ من نطق بعض الموتى بالشهادتين، وشبهه مما تواترت به الأخبار" المفيد للعلم، "وخرج أيضًا بأمن المعارضة السحر المقرون بالتحدي، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم" بناءً على دخول السحر في الخارق للعادة، وهو ممنوع.
قال السنوسي: ومن المعتاد السحر ونحوه، وإن كان سببه العادي نادرًا، خلافًا لمن جعل السحر خارقًا، وقال ابن أبي شريف: الحق أن السحر ليس من الخوارق، وإن أطبق القوم على عدة منها؛ لأنه يترتب على أسباب كلما باشرها أحد حلقه الله تعالى عقب ذلك، فهو ترتيب مسبب على سبب جرت العادة الإلهية بترتبه عليه، كترتب الإسهال على شرب السقمونيا، وشفاء المريض على تناول الأدوية الطبية، فإن كلّا منهما غير خارق.
واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع" كحال الطبيعة السوداوية صفراوية، "أم لا؟ فقال بالأول قائلون، حتَّى جوزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارًا" وحجرًا، "وذهب آخرون إلى أن أحدًا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة" تغيير "طبيعة إلّا الله" صفة لا حدًّا، أي:стр. 2960
تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينًا. قالوا: ولو جوَّزنا للساحر ما جاز للنبي, فأي فرق عندكم بينهما؟ فإن لجأتم إلى ما ذكره القاضي العلامة أبو بكر الباقلاني من الفرق بالتحدي فقط, قيل لكم: هذا باطل من وجوه:
أحدها: إن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه، لا من كتاب ولا من سنة، ولا من قول صاحب ولا إجماع, وما تعرَّى من البرهان فهو باطل.
الثاني: إن أكثر آياته ﷺ وأعمها وأبلغها كانت بلا تحدٍّ، كنطق الحصى، ونبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المئين من صاع، وتفله في العين، وتكليم الذراع، وشكوى البعير، وكذا سائر معجزاته العظام، ولعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت.
الحواشي
(١) غير الله "تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينًا، قالوا: ولو جوَّزنا للساحر ما جاز للنبي، فأي فرق عندكم بينهما، فإن لجأتم" اعتصمتم أي: تمسكتم، وذهبتم "إلى ما ذكره القاضي العلامة أبو بكر الباقلاني من الفرق" بين النبي وبين الساحر، "بالتحدي فقط، قيل لكم، هذا باطل من وجوه".
"أحدها: إن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه، لا من كتاب، ولا من سنة، ولا من قول صاحب" للنبي ﷺ , "ولا إجماع وما تعرَّى, أي: خلا "من البرهان: " الدليل "فهو باطل،" فيبطل ما بني عليه.
"الثاني: إن أكثر آياته ﷺ وأعمَّها وأبلغها بلا تحدٍّ، كنطق الحصا ونبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المئين من صاع، وتفله في العين، وتكليم الذراع" المسمومة له إذا أخبرته بذلك، "وشكوى البعير" له أنّ صاحبه يجيعه, ويأتي تفاصيل هذا كله، "وكذا سائر" باقي معجزاته العظام" وقعت بلا تحدٍّ، ويأتي الجواب قريبًا، ومرَّت الإشارة إليه، "ولعله" ﷺ "لم يتحد بغير القرآن" في نو: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ ، "وتمني الموت" تحدَّى به اليهود بقوله: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ٩٤] الآية، فلم يفعلوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٥] الآية، من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم.
وفي البيضاوي: من موجبات النار، كالكفر بمحمد والقرآن، وتحريف التوراة.
أخرج البخاري والترمذي عن ابن عباس، عن النبي ﷺ : "لو تمنوا الموت لشرق أحدهم بريقة" , ولابن جرير من وجه آخر عن ابن عباس، موقوفًا: لو تمنوه يوم قال لهم ذلك ما بقي على وجه الأرض يهودي إلّا مات، وللبيهقي عنه، رفعه: "لا يقولها رجل منهم إلّا غص بريقه"، وأوردهстр. 2961
قالوا: فأف لقول لا يبقي من الآيات ما يسمى معجزة إلا هذين الشيئين، ويلقي معجزات كالبحر المتقاذف بالأموج، ومن قال: إن هذه ليست معجزات ولا آيات فهو إلى الكفر أقرب منه إلى البدعة.
قالوا: وقد كان ﵊ يقول عند ورود آية من هذه الآيات: "أشهد أني رسول الله"، كما قال ذلك عند تحققهم مصداق قوله في الإخبار عن الذي أنكأ في المشركين قتلًا في المعركة: إنه من أهل النار،.................................................
الحواشي
(١) البيضاوي مرفوعًا، بلفظ: "لو تمنَّوا الموت لغص كل إنسان بريقه، فمات مكانه، وما بقي يهودي على وجه الأرض" , وأشار محشيه إلى أنه لم يرد بهذا اللفظ. "قالوا: فأف" بفتح الفاء وكسرها منونًا وغير منون، بمعنى: تبًّا وقبحًا "لقول لا يبقي من الآيات ما يسمَّى معجزة إلّا هذين الشيئين، ويلقي" بالق: يطرح، "معجزات كالبحر المتقاذف بالأمواج، ومن قال: إن هذه ليست معجزات ولا آيات، فهو إلى الكفر أقرب منه إلى البدعة", لكن لم يقل بذلك أحد، وإنما سرى له ذلك من حمل التحدي على المعنى الحقيقي له، "قالوا: وقد كان ﵊ يقول عند ورود آية من هذه الآيات: "أشهد أني رسول الله"، كما في البخاري عن سلمة: حين خفت أزواد القوم, فذكر الحديث في دعائه ﷺ ، ثم قال: "أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله" , وله شاهد في مسلم عن أبي هريرة، وللبيهقي: لما قدم وفد ثقيف، قالوا: يأمرنا أن نشهد أنه رسول الله، ولا يشهد به في خطبته، فلمَّا بلغه قولهم، قال: "فإني أول من شهد بأني رسول الله".
وفي البخاري في قصة جداد نخل جابر واستيفاء غرمائه, بل وفضل له تمر، فقال ﷺ لما بشره جابر بذلك: "أشهد أني رسول الله" , كما قال ذلك عند تحققهم مصداق" أي صدق "قوله في الإخبار عن الذي أنكأ في المشركين قتلًا في المعركة" يوم خيبر، كما في البخاري، أو يوم أحد، كما لأبي يعلى، بإسناد فيه مقال، وهو قزمان -بضم القاف وسكون الزاي- كما قال جماعة, وتوقف فيه الحافظ، بأن الواقدي ذكر أنه قتل بأُحْد، قال: لكن الواقدي لا يحتجّ به إذ انفرد، فكيف إذا خالف "إنه من أهل النار، فلمَّا حضر القتال قاتل الرجال أشد القتال حتى كثرت به الجراح، فكاد بعض الناس يرتاب، رواه البخاري عن أبي هريرة، وفي حديثه عن سهل، فقالوا: أينا من أهل الجنة، إن كان هذا من أهل النار.
وللطبراني عن أكتم، قلنا: يا رسول الله! إذا كان فلان في عبادته واجتهاده ولين جانبه في النار، فأين نحن؟ قال: "ذلك إخبات النفاق" فكنَّا نتحفظ عليه في القتال.стр. 2962
فقتل نفسه بمحضر ذلك الذي اتبعه من المسلمين, قالوا:
والوجه الثالث: وهو الدامغ لهذا القول، قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] فسمَّى الله تعالى تلك المعجزات المطلوبة من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحديًا من غيره.
فصحَّ أن اشتراط التحدي باطل محض. انتهى ملخصًا من تفسير الشيخ أبي
الحواشي
(١) وفي البخاري عن سهل: فقال رجل من القوم: أنا صاحبه، فخرج معه كلما وقف وقف معه، "فقتل نفسه بمحضر ذلك" الرجل "الذي اتبعه من المسلمين،" قال الحافظ -وهو أكتم الخزاعي، كما في الطبراني: فقول الشارح، أي: الجمع الذي اتبعه من المسلمين خلافه، ومرت القصة في غزاة خيبر، "قالوا: والوجه الثالث وهو الدامغ" بميم ومعجمة المبطل "لهذا القول" بحيث لا يبقي للمتمسك به شبهة، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ﴾ الآية.
وقال البيضاوي: أي: فيمحقه، وإنما استعار لذلك القذف، وهو الرمي البعيد المستلزم لصلابة المرمي، والدمغ الذي هو كسر الدماغ؛ بحيث تشق غشاءه الذي يؤدي إلى زهوق الروح تصويرًا لإبطاله، ومبالغة فيه "قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا﴾ الآية، أي كفار مكة، ﴿بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ الآية: أي غاية اجتهادهم فيها، ﴿لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ الآية، مما اقترحوا، ﴿لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، ينزله كيف يشاء، ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ﴾ الآية، يدريكم بإيمانهم، أي: أنتم لا تدرون ﴿أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، لما سبق في علمي، وفي قراءة بالتاء خطابًا للكفار، وفي أخرى، بفتح أن، بمعنى: لعل، أو معمولة لما قبلها.
وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ﴾ الآية، التي اقترحها أهل مكة ﴿إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ الآية، لما أرسلناهم فأهلكناهم, ولو أرسلناها إلى هؤلاء لكذبوا بها واستحقوا الإهلاك، وقد حكمنا بإمهالهم لإتمام أمر محمد ﷺ ، والمنع هنا مجاز عن الترك، أي: وما سبب ترك الإرسال إلا تكذيب الأولين، وإلّا فالله تعالى لا يمنعه عن مراده مانع، "فسمَّى الله تلك المعجزات المطلوبة من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحديًا من غيره، فصحَّ أن اشتراط التحدي باطل محض" خالص، "انتهى ملخصًا من تفسير الشيخ أبي أمامة بن النقاش،стр. 2963
أمامة بن النقاش.
وأجيب: بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي بمعنى طلب الإتيان بالمثل الذي هو المعنى الحقيقي للتحدي، بل يكفي للتحدي دعوى الرسالة, والله أعلم.
الرابع من شروط المعجزة: أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها، فلو قال مدعي الرسالة: آية نبوتي أن تنطق يدي، أو هذه الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه فقالت: كذب وليس هو بنبي، فإن الكلام الذي خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعي؛ لأن ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعواه. كما يروى أن مسيلمة الكذاب -لعنه الله تعالى - تَفَل في بئر ليكثر ماؤها فغارت وذهب ما..................
الحواشي
(١) وأجيب بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي، بمعنى طلب الإتيان بالمثل، الذي هو المعنى الحقيقي" اللغوي "للتحدي" حتى يرد عليه ما ذكروه، "بل يكفي للتحدي دعوى الرسالة" فكل ما وقع بعدها من الخوارق آيات، سواء كانت بطلب المثل أم لا، فلا يرد على هذا الشرط شيء مما ذكروه، "والله أعلم" بأنه شرط في نفس الأمر أم لا.
"الرابع من شروط المعجزة" أي: الوصف الخارق المسمَّى معجزة، "أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها." فليس فيه سلب شيء عن نفسه؛ إذ تقدير كلامه لو لم تقع المعجزة على وفق دعواه لم تكن معجزة، فيلزم سلب الإعجاز عنها بعد ثبوته لها، وهو باطل، وبعبارة: لا يخفى أن وقوعها على وفق دعوى المتحدي يفيد أن مفهومه: لو لم تقع على وفقه لم تكن معجزة، وهذا تناقض بحسب الظاهر، والجواب: إن فيه تجريدًا، كأنه قيل من شرط المعجزة، بمعنى مطلب الخارق لا ما يسمَّى معجزة بخصوصه, "فلو قال مدعي الرسالة: آية نبوتي أن تنطلق يدي أو هذه الدابة" بما يوافق دعواي، بدليل أن مقسم الشرط لذلك، فلا ينافي قوله: "فنطقت يده أو الدابة بكذبه، فقالت: كذب وليس هو بنبي" بيان للكذب، فإن الكلام الذي خلقه الله تعالى دالٌّ على كذب ذلك المدعي؛ لأن ما فعله الله تعالى" من خلق نطقها بتكذيبه، "لم يقع على وفق دعواه", بل وقع مخالفًا لها، فلو نطقت بما لا تكذيب فيه له، كان يقول الله واحد، فمعجزة على ما يفهمه قوله بكذبه، مع أنها لم تنطق بموافقة دعواه، إلّا أن يراد بالموافق ما لا يناقضها، ومفاد قوله: أو الدابّة، أنه لا يعتبر في المكذب كونه ممن يعتبر تكذيبه، ووقع لبعض من حشى العقائد أنه لا بُدَّ من كونه ممن يعتبر، كما يروى أن مسيلمة" بكسر اللام، واخطأ من فتحها "الكذاب -لعنه الله تعالى- تفل في بئر ليكثر ماؤها، فغارت وذهب ماстр. 2964
فيها من الماء.
فمتى اختلَّ شرط من هذه لم تكن معجزة.
ولا يقال: قضية ما قلتم: أن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلّا على أيدي الصادقين، وليس كذلك، لأنَّ المسيح الدجال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما وردت به الأخبار الصحَّاح،..........................
الحواشي
(١) فيها من الماء، فمتى اختلَّ شرط من هذه" الحالة التي أريد تسميتها معجزة "لم تكن معجزة", بل تارة كرامة، وتارة إهانة, وغير ذلك، "ولا يقال: قضية، ما قلتم: أن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلّا على أيدي الصادقين، وهم النبيون، "وليس كذلك؛ لأن المسيح" بفتح الميم، وكسر المهملة الخفيفة، آخره حاء مهملة يطلق على الدجال، وعلى عيسى ﵇, لكن إذا أريد الدجال قيد، كما قال "الدجال", وقيل: هو بالتخفيف عيسى، والتشديد الدجال، وقيل: هو بالتشديد لهما، وعلى الأول: يسمَّى الدجال لمسحه الأرض، أو لأنه ممسوح العين، أو لأنَّ أحد شقي وجهه خلق ممسوحًا لا عين فيه ولا حاجب، وسمي به عيسى لمسحه الأرض بالسياحة، أو لأنَّ رجله كانت لا أخمص لها، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، أو هو بالعبرانية: الصديق. أقوال مبسوطة في شروح البخاري وغيره.
"يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما وردت به الأخبار الصحاح" كما قال ﷺ : "إن من فتنته أنَّ معه جنة ونارًا، فناره جنة وجنته نار، فمن ابتلي بناره، فليستغث بالله وليقرأ فواتح الكهف، فتكون بردًا وسلامًا، كما كانت على إبراهيم، وإنَّ من فتنته أن يقول للأعرابي: أرأيت إن بعثت لك أباك وأمك، فتشهد أني ربك، فيقول: نعم، فيتمثّل له شيطان صورة أبيه وأمه فيقولان: يا بني اتبعه، فإنه ربك، وإن من فتنته أن يسلط على نفس واحدة، فيقتلها، ينشرها بالمنشار حتى تلقى شقين، ثم يقول: انظروا إلى عبدي هذا فإني أبعثه، ثم يزعم أن له ربًا غيري، فيبعثه الله، ويقول له الخبيث: من ربك، فيقول: ربي الله، وأنت عدو الله, أنت الدجال, والله ما كنت قط أشد بصيرة بك مني اليوم، وإن من فتنته أن يأمر السماء فتمطر، ويأمر الأرض أن تنبت فتنبت، وإن من فتنته أن يمر بالحيّ فيكذبونه، فلا يبقي لهم سائمة إلا ملكت، وإن من فتنته أن يمر بالحيّ فيصدقونه فيأمر السماء أن تمطر، ويأمر الأرض أن تنبت، فتنبت حتى تروح مواشيهم من يومهم ذلك أسمن ما كانت، وأعظمه وأمده خواصر، وأدره ضروعا". رواه ابن ماجه، وابن خزيمة، والحاكم في حديث طويل.стр. 2965
لأن ما ذكر فيمن يدعي الرسالة, وهذا يدعي الربوبية.
وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة، ودلت القواطع على كذب المسيح الدجال فيما يدَّعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات ويتعالى عنها رب البريات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] .
فإن قلت: أي الاسمين أحق وأولى بما أتت به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، هل لفظ "المعجزة" أو لفظ "الآية" أو "الدليل"؟
فالجواب: إن كبار الأئمة يسمون معجزات الأنبياء: دلائل النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد أيضًا في القرآن لفظ "المعجزة", بل ولا في السنة أيضًا، وإنما فيهما لفظ
الحواشي
(١) لأن ما ذكر فيمن يدَّعي الرسالة، وهذا" الدجال "يدَّعي الربوبية، وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة" كما قام على استحالة إله غير الله، "فلم يبعد أن يقيم الله الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة، ودلَّت القواطع على كذب المسيح الدجال فيما يدَّعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات ويتعالى عنها رب البريات.
وقد قال ﷺ : "إني سأصفه لكم صفة لم يصفها إياه نبي قبلي، إنه يبدأ، فيقول: أنا نبي ولا نبي بعدي، ثم يثني، فيقول: أنا ربكم ولا ترون ربكم حتى تموتوا، وإنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور، وإنه مكتوب بين عينيه كافر، يقرأه كل مؤمن كاتب أو غير كاتب".
﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الكاف زائدة، لأنه تعالى لا مثل له ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ﴾ لما يقال، ﴿الْبَصِيرُ﴾ ، بما يفعل، "فإن قلت: أي: الإسمين أحق وأَوْلَى" عطف علة على معلول، أي: أحق لأولويته أو تفسيري، "بما أتت به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلا، هل لفظ المعجزة، أو لفظ الآية، أو الدليل" بدل مفصل من مجمل، فالسؤال عن أمرين فقط معجزة, ومقابلها من الآية أو الدليل، بدليل ذكره لفظ مرة ثانية فقط، فالثاني أحد دائر بين اثنين، وبدليل: إن الجواب باختيار الشق الثاني بفرديه، فلا يرد عليه أن تعبيره بالاسمين لا يصح، لأن المذكور ثلاثة.
"فالجواب: إن كبار الأئمة يسمون المعجزات الأنبياء دلائل النبوة وآيات النبوة, ولم يرد أيضًا في القرآن لفظ المعجزة، بل ولا في السنة أيضًا، وإنما فيهما لفظстр. 2966
"الآية" والبينة و"البرهان" كما في قصة موسى ﵇: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢] أي: العصا واليد، وفي حق نبينا ﵊ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] .
وأما لفظ الآيات فكثير, بل هو أكثر من أن نسرده هنا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٢٤] و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ [الرعد: ٣] .
وأمَّا لفظة المعجزة إذا أطلق فإنه لا يدل على كون ذلك آية إلّا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمي معجزة إلّا ما كان للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق عادات سماها: كرامات،
الحواشي
(١) الآية والبينة والبرهان،" فالتعبير بمعجزة خلاف الأولى لعدم وروده, والأولى الآية أو الدليل ونحوهما، لموافقة الوارد، وفي الشامي: لفظ المعجزة وضعه المتكلمون على ما اشتُمل على الشروط الأربعة السابقة من آيات الأنبياء، ولا ضَيْر في ذلك خلافًا لمن زعمه، والتعبير بالآية والبرهان والبينة لا ينافي ذلك، وكل معجزة آية وبرهان وبينة، ولا عكس، كما يظهر بتأمُّل حد المعجزة، والظاهر أن الآية والدليل متساويان، انته، وفيه: أن مدعي الأولويّة لم يمنع إطلاق المعجزة، بل ذكر أولويّة الآية، والدليل عليها، ولم يدع ضيرًا ولا منافاة، كما ترى.
"كما في قصة موسى ﵇، ﴿فَذَانِكَ﴾ بالتشديد والتخفيف، ﴿بُرْهَانَانِ﴾ مرسلان ﴿مِنْ رَبِّكَ﴾ إلى فرعون وملائه، "أي: العصا واليد" وهما مؤنثان، ذكر المشار به إليهما المبتدأ لتذكير خبره برهانان، "وفي حق نبينا ﵊: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، كما فسره به سفيان بن عيينة عند ابن أبي حاتم، وجزم به ابن عطية والنسفي، ولم يحكيا غيره، وهو لغةً: الحجة النيرة الواضحة التي تعطي اليقين التام، وهو ﷺ برهان بالمعنيين؛ لأنه حجة الله على خلقه، وحجة نيرة واضحة لما معه من الآيات الدالة على صدقه، وهذا مما سماه الله به من أسمائه تعالى فإنه منها، كما جاء في ابن ماجه.
"وأما لفظ الآيات فكثير، بل هو أكثر من أن نسرده هنا،" لو سردناه من الكتاب والسنة، "كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ الآية، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ [الرعد: ٣] . "وأمَّا لفظ المعجزة إذا أطلق، فإنه لا يدل على كون ذلك آية، إلّا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه" الأربعة المتقدمة، وهذا أيضًا يفيد أولوية غيرها عليها، كقوله: "وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمّي" الخارق "معجزة، إلا ما كان للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق: عادات" وهم الجمهور، "سماها كرامات،стр. 2967
والسلف كانوا يسمون هذا وهذا معجزة؛ كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهانًا على نبوة النبي, فإن هذا يجب اختصاصه به. وقد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على نبوة من اتبعه ذلك الولي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فكذلك ما كان آية وبرهانًا، انتهى.
وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل نبوة نبينا ﷺ كثيرة، والأخبار بظهور معجزاته شهيرة.
الحواشي
(١) والسلف كانوا يسمون هذا" مع وقع للأنبياء "وهذا" ما وقع للأنبياء "معجزة، كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهانًا على نبوة النبي، فإن هذا يجب اختصاصه به،" فيه تأمّل؛ إذ الكلام في الخارق الواقع لولي هل يسمَّى معجزة، كما يسمَّى كرامة، أم لا؟ وكذا ما وقع لنبي هل يسمَّى كرامة، كما يسمَّى معجزة، أم لا؟ لا في ثبوت الصفة نفسها، فلو قال بخلاف الآية، والدليل: فإنهما مختصَّان بما ثبت للأنبياء لاستقام، ويدل له قوله: "وقد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على نبوة من اتبعه ذلك الولي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فكذلك ما كان آية وبرهانًا، انتهى".
"وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل:" جمع دلالة قياسًا، ودليل على غير قياس، والمراد الثاني؛ إذ الأول صفة الدليل، ويصح إرادة الأول أيضًا؛ لأن وصف الدلالة بالوضوح يستلزم وضوح الدليل، أو أطلق الدلالة، وأراد الدليل مجازًا من باب تسمية الموصوف باسم صفته، ثم جمعت قياسًا؛ لأن الجمع يتعلق باللفظ، سواء استعملت الكلمة في حقيقتها أو مجازها، "نبوة نبينا ﷺ كثيرة" عبر بنبوة دون رسالة؛ لأنهم كانوا ينكرون نبوته من أصلها لا رسالته فقط، ولأنَّ الدلائل إذا كانت للنبوة، فللرسالة أولى؛ لأنه من إثبات الشيء بدليله، أي: آثبات الرسالة بإثبات النبوة؛ لأن النبي لا يكذب، والأخبار بظهور معجزاته شهيرة" لكنها كما قال في الشقاء ثلاثة أقسام:
الأول: ما علم قطعًا ونقل إلينا متواترًا، كالقرآن فلا مرية ولا خلاف في مجيء النبي ﷺ به, وظهوره من قِبَله، واستدلاله به على ثبوت نبوته، وكونه رسولًا إلى الناس كافَّة, ونحو ذلك، وإن أنكر مجيئه به، وظهوره من قبله أحد، فهو معاند جاحد، وإنكاره كإنكار وجود محمد ﷺ في الدنيا.
الثاني: ما اشتهر وانتشر، ورواه العدد الكثير، وشاع الخبر به عند المحدثين والرواة، ونقله السير والأخبار، كنبع الماء من بين أصابعه وتكثير الطعامстр. 2968
فمن ذلك: ما وجد في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى المنزلة من ذكره ونعته، وخروجه بأرض العرب، وما خرج بين يدي أيام مولده ومبعثه من الأمور الغريبة العجيبة القادحة في سلطان الكفر، الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة بذكرهم، كقصة الفيل، وما أحلّ الله بأصحابه العقوبة والنكال، وخمود نار فارس, وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوه، ورؤيا المؤبذان،...........................
الحواشي
(١) الثالث: ما لم يشتهر، ولا انتشر واختص به الواحد والاثنان، ورواه العدد اليسير، ولم يشتهر اشتهار غيره، لكنه إذا جمع إلى مثله اتفقا في المعنى المقصود به الإعجاز، واتفقا على الإتيان بالمعجز، كما قدمناه أنه لا مرية في جريان معانيها على يديه، وإذا انضمَّ بعضها إلى بعض أفادت القطع، انتهى ملخصًا، "فمن ذلك ما وجد في التوراة والإنجيل، وسائر" باقي "كتب الله تعالى، المنزلة من ذكره ونعته" وصفة بالصفات المميزة له، حتى كأنهم شاهدوا أن الذي ذكر اسمه "وخروجه بأرض العرب وما خرج بين يدي ايام مولده" أي: أمامه بقربه، "ومبعثه من الأمور الغريبة، العجيبة، القادحة في سلطان الكفر" وحججه وبرهانه، أي: الشبه الباطلة التي يقيمها أهله على صحته زاعمين حقيتها عَبَّر عنها بالحجج، نظرًا لزعمهم "الموهنة لكلمتهم" أي: كلمة أهل الكفر، أي: أقاويلهم الباطلة التي رفعوها، عَبَّر عنها بكلمة؛ لأنهم لما اتفقوا كانت كأنها واحدة، "المؤيدة لشأن العرب، المنوّهة بذكرهم، كقصة الفيل وما أحلَّ الله بأصحابه من العقوبة والنكال" كما مَرَّ بسطه, "وخمود نار فارس" التي كانوا يعبدونها، وكان لها ألف عام لم تخمد، "وسقوط أربع عشرة شرفة من شرفات" -بضم الشين، وإسكان الراء، وفتحها وضمها- جمع شرفة تحقيرًا لها، أو لأن جمع القلة قد يقع موضع جمع الكثرة، "إيوان" كديوان ويقال فيه أوان بوزن كتاب، بناء أزج غير مسدود الوجه، "كسرى" بكسر الكاف وفتحها: ملك الفرس، وكانت شرفات إيوانه اثنتين وعشرين، "وغيض ماء بحيرة" تصغير بحرة لا بحر؛ لأن تصغيره بحير، "ساوه" -بمهملة فألف، فواو مفتوحة، فهاء ساكنة- مدينة بين الري وهمذان، وبحيرتها متسعة جدًّا، كانت أكثر من ستة فراسخ يركب فيها السفن، ويسافر فيها إلى ما حولها من البلاد والمدن، فأصبحت ليلة المولد ناشفة؛ كأن لم يكن بها شيء من الماء، ورؤيا الموبذان" بضم الميم، وسكون الواو، وفتح الموحدة، كما قال ابن الأثير وغيره.
وحكى ابن ناصر كسرها أيضًا، وبذال معجمة: اسم لحاكم المجوس، كقاضي القضاة للمسلمين, رأى ليلة مولده ﷺ إبلًا صعابًا تقود خيلًا عرابًا، قد قطعت دجلة، وانتشرت في بلادها، فقال له كسرى: أي شيء يكون هذا يا موبذان؟ قال: حدث يكون من ناحية العرب،стр. 2969
وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام المعبودة وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها، إلى سائر ما روي ونقل في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعثه الله نبيًّا.
ولم يكن له ﷺ ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، ولا قوة فيقهر بها الرجال، ولا أعوان على الرأي الذي أظهره، والدِّين الذي دعا إليه، وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام، وتعظيم الأزلام، مقيمين على عادة الجاهلية في العصبة والحمية، والتعادي والتباغي وسفك الدماء، وشنّ الغارات, ولا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم من سوء أفعالهم نظر في عاقبة، ولا خوف عقوبة ولا لائمة، فألَّف ﷺ بين قلوبهم, وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدي، فصاروا إلبًا واحدًا في نصرته، وعنقًا واحدًا إلى.................
الحواشي
(١) "وما سمع من الهواتف:" جمع هاتف من الهتف، وهو الصوت العالي مطلقًا، ثم خُصَّ بصوت يسمع ممن لا يرى شخصه، ولذا خص عند العرب بالجنّ الصارخة بنعوته وأوصافه" عطف تفسير، وكثر ذلك عند مبعثه ﷺ .
وللخرائطي كتاب الهواتف جمع فيه ذلك، "وانتكاس الأصنام المعبودة وخرورها:" سقوطها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها إلى سائر" باقي "ما روي ونقل في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته، مما تقدَّم بعضه، "وبعدها إلى أن بعثه الله نبيًّا، وبسط ذلك بطول، "و" الحال أنه لم يكن له ﷺ ما يستميل به القلوب من مال" بيان لما، "فيطمع فيه، ولا قوة فيقهر بها الرجال ولا أعوان على الرأي الذي أظهره, والدين الذي دعا إليه" بل دعاهم وحده إلى ذلك، "وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام، وتعظيم الأزلام" الأقداح التي كانوا يعملون بما تخرجه، "مقيمين على عادة الجاهلية في العصبة والحمية، والتعادي والتباغي، وسفك الدماء وشنّ الغارات" بحيث لا يقع بينهم اختلاف ولا حروب، "ولا يمنعهم من سوء أفعالهم نظر في عاقبة، ولا خوف عقوبة، ولا لائمة" بالمد والهمز، ملائمة، أي: حالة يلامون بها، "فألف ﷺ بين قلوبهم وجمع كلمتهم حتى اتفقت الأراء وتناصرت القلوب" عاون بعضها بعضًا وقواه، والمراد أصحابها ونسبه إليها؛ لأنه سبب لمعاونة صاحبه، وترادفت الأيدي، تتابعت في التعاون والتناصر على إظهار الحق، "فصاروا إلبًا" بكسر الهمزة، وفتحها لغة، وموحدة جمعًا "واحدًا في نصرته، وعنقًا" بضمة وبضمتين جمعًا، "واحدًا" فهو كالرديف لما قبله، والمعنى: إنهم صاروا ناظرين متلفتين "إلىстр. 2970
طلعته، وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل أطمعهم في نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه، بل كان من شأنه ﷺ أن يجعل الغني فقيرًا، والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله، من قِبَل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سماوي، ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.
الحواشي
(١) طلعته،" ليذبّوا عنه ما يكره ويعاونوه على ما يريد، "وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم:" جمع مهجة: الدم أو دم القلب والروح، كما في القاموس، فقوله: "وأرواحهم" تفسيريّ على الثالث "في نصرته ونصبوا وجوههم" جعلوها كالهدف الذي ينصب لوقع السيوف", والسهام والرماح، حيث نصحوا في محاربة أعدائه، ووطَّنوا أنفسهم على إصابة ذلك لوجوههم وصدورهم "في" لأجل "إعزاز كلمته"، إعلاء دينه وإظهاره، "بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل" أي: أمر في الزمن الحاضر، "أطمعهم في نيله، يحوونه" فيرغبون بسببه، "أو ملك، أو شرف في الدنيا يحوزونه،" بل ليس ثَمَّ ما يحملهم على الجهاد معه، وإنما محض غرضهم إظهار الحق وإخماد الباطل، وخص العاجل؛ لأنه أدعى للرغبة في معالجة النفس لحصوله، "بل كان من شأنه ﷺ أن يجعل الغني فقيرًا" يحمله على صرف أمواله في الجهاد ونحوه من أنواع اقُرَب، كأبي بكر، أو بأن يصيِّره كالفقراء في تهذيب النفس، وعدم الفخر، والإعراض عن الأسباب المشعرة بنحو الكبر، "والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور أو يتفق مجموعها لأحد، هذا سبيله من قبيل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه بالحق" جواب الاستفهام، "وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب" يشك "عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سماوي ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلّا من له الخلق" جميعًا "والأمر" كله، "تبارك" تعاظم "الله رب" مالك "العالمين".
وبهذه الآية استدلّ سفيان بن عيينه على أن القرآن غير مخلوق، أخرجه ابن أبي حاتم؛ لأن الأمر هو الكلام، وقد عطفه على الخلق, فاقتضى أن يكون غيره؛ لأن العطف يقتضي المغايرة، وسبقه إلى هذا الاستنباط محمد بن كعب القرظي، ذكره في الإكليل.стр. 2971
ومن دلائل نبوته ﵊ أنه كان أميًّا، لا يخط كتابًا بيده ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضيين، ولم يخرج في سفر ضاربًا إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب، ودرست وحُرّفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها إلّا القليل, ثم حاج كان فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد
الحواشي
(١) وقال في فتح الباري: قوله تعالى: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الآية، يخص به قوله تعالى الله:" ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية، ولذا أعقبه البخاري بقوله: ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ الآية، وهذا الأثر وصله ابن أبي حاتم في كتاب الرد على الجهمية، فقال: الخلق هو المخلوق، والأمر هو الكلام، وسئل مرة عن القرآن: أهو مخلوق؟ فقرأ الآية وقال: ألا ترى كيف فرَّق بين الخلق والأمر، فالأمر كلامه، فلو كان مخلوقًا لم يفرق، وسبق ابن عيينة، إلى ذلك محمد بن كعب القرظي، وأحمد بن حنبل وعبد السلام بن عاصم وطائفة، أخرجه ابن أبي حاتم، انتهى.
"ومن دلائل نبوته" المستلزمة لرسالته؛ لاستحالة الكذب على النبي، وقد قال: "أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعًا" "﵊ أنه كان أميًّا لا يخط كتابًا بيده" صفة لازمة, فالأمي من لا يكتب نسبة إلى الأم، لبقائه على الحالة التي لد عليها؛ إذ الكتابة مكتسبة، أو إلى أمة العرب؛ لأن أكثرهم أميون. وقد قال ﷺ : "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب" رواه الشيخان وغيرهما، عن ابن عمر، "ولا يقرؤه"؛ لأن عادة من لا يحسن الكتابة لا يحسن القراءة، "ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم" أي: بينهم، وأظهر زائد "في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضيين، ولم يخرج في سفر ضاربًا" بموحدة: قاصدًا "إلى عالم، فيعكف" بكسر الكاف وضمها عليه" ليتعلم منه، "فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية" أي: ذكر لهم ذلك وعَبَّر عنه بجاء، أي: كأنه؛ لأنه هو الذي جاءهم إلى منازلهم حرصًا على تبليغ الرسالة ما أمكنه، "وقد كان ذهبت معالم، أي: آثار "تلك الكتب" التي تخبر بما دلت عليه واستعمال معالم جمع معلم، هو الأثر يستدل به على الطريق في آثار الكتب مجاز، "ودرست وحُرِّفت" أي: بذلت "عن مواضعها" التي وضعها الله عليه، "ولم يبق من المستمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها إلّا القليل،" ولقلتهم لم يجمع ﷺ بأحد منهم حتى يظن أنه أخذ عنهم، "ثم حاجَّ" جادل "كل فريق من أهل الملل المخالفة له بما،" أي شيء، أي: ببراهين، "لو احتشد" بهمزة وصل، وسكون المهملة، وفوقية معجمة مفتوحتين،стр. 2972
له حذاق المتكلمين وجهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ له نقض ذلك. وهذا أدلّ شيء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى.
ومن ذلك القرآن العظيم، فقد تحدَّى بها فيه من الإعجاز، ودعاهم إلى معارضته, والإتيان بسورة من مثله، فنكلوا عنه وعجزوا عن الإتيان بشيء منه.
قال بعض العلماء: إن الذي أورده ﵊ على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص،............
الحواشي
(١) فمهملة: اجتمع له " اي: لردّه "حذاق المتكلمين" جمع حاذق، وهو العارف بغوامض صناعته ودقائقها، "وجهابذة النقاد" أي: خبراؤهم جمع جهبذ بالكسر، الناقد الخبير، كما في القاموس فجرَّده المصنف عن بعض معناه، لإضافته إلى النقَّاد؛ إذ لا يضاف اسم لما به، اتحد معنى المتفننين" المتنوعين في المعارف، يقال: رجل متفنن، أي: ذو فنون، أي: أنواع "لم يتهيأ" يتيسر له نقض إبطال "ذلك"، ولم يقل لهم مطابقة للجمع، نظرًا إلى تنزيلهم منزلة الشخص الواحد، فأفرد، فإن قيل: ما السر في نسبة المحاجة للنبي ﷺ ، ونسبة الله تعالى لقوم إبراهيم في قوله: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ الآية، فالجواب: إن إبراهيم لما كسَّر أصنامهم نصبوا أنفسهم لمحاجته، والمصطفى أتاهم بالحجج، فهو المحاجج لهم، وكل منهما حج المخالفين له، وهذا أدل شيء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى" لا صنع، لا حد فيه.
"ومن ذلك, أي: دلائل نبوته" القرآن العظيم،" أو من الذي حاجّهم به، وعجزوا عنه وهو أظهر لقوله: "فقد تحدَّى" بحذف المفعول، أي: تحداهم به، والباء في "بما فيه من الإعجاز" سببية لا صلة تحدى؛ لأنه ما تحداهم بالإعجاز، بل طلب منهم المعارضة فقط، بدليل تفسيره التحدي بقوله: "ودعاهم إلى معارضته" أي: طلبًا منهم، "والإتيان بورة" وجعل الباء صلة يوهم أنه قال: ائتوا، بالإعجاز الذي فيه، مع أنه لم يقله، إنما قال: فأئتوا بسورة "من مثله" من للبيان, أي هي مثله في البلاغة، وحسن النظم، والإخبار عن الغيب، والسورة قطعة لها أول وآخر, أقلها ثلاث آيات فنكلوا عنه" أي: امتنعوا عن الإتيان بمثله، بمعنى: لم يحاولوا أن يأتوا بشيء يماثله، لعلمهم أنهم لا يقدرون، "وعجزوا عن الإتيان بشيء منه" عطف علة على معلول.
"قال بعض العلماء: الذي أورده ﵊ على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله، أعجب في الآية" العلامة، "وأوضح في الدلالة على ما ادعاه من الرسالة "من إحياء الموتى" لعيسى وإبراء الأكمه" الذي ولد ممسوح العين، "والأبرص" منстр. 2973
لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين في اللسن بكلامٍ مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص, ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة،...................................
الحواشي
(١) به بياض في ظاهر البدن بفساد مزاج، كما في القاموس، فقول من قال: هو الذي بيده بياض، مثال لا قيد، وخُصَّا لأنهما داء إعياء، وكان بعث عيسى في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين ألفًا بالدعاء بشرط الإيمان.
روى ابن عساكر عن وهب: كان دعاء عيسى الذي يدعو به للمرضى والزمنى والعميان، والمجاني وغيرهم: اللهمَّ أنت إله من في السماء، وإله من في الأرض، لا إله فيهما غيرك، وأنت جبار من في السماء، وجبار من في الأرض, لا جبار فيهما غيرك، وأنت ملك من في السماء، وملك من في الأرض، لا ملك فيهما غيرك، قدرتك في الأرض كقدرتك في السماء، وسلطانك في الأرض كسلطانك في السماء، أسألك باسمك الكريم، ووجهك المنير، وملكك القديم، إنك على كل شيء قدير.
قال وهب: هذا للفزع والمجنون يكتب ويسقى ماءه يبرأ إن شاء الله تعالى؛ "لأنه أتى أهل البلاغة" وهي ملكة يبلغ بها المتكلم في تأدية المعاني حدًّا يؤذن بتوفية خاصة كل تركيب حقها, وبقية علوم العرب الشعر، وهو كلام موزون مقفَّى، مراد به به الوزن والخبر، وهو معرفة الأسماء، والإنساب، والأيام؛ إذ كانوا بمكان من ذلك, والكهانة وهي معاناة الجنّ وادعاء معرفة الأسرار، فأنزل الله القرآن الخارق لهذه الأربعة فصول، من أجل الفصاحة والإيجاز، والبلاغة الخارجة عن نوعه.
"وأرباب الفصاحة ورؤساء" جمع رئيس، كشريف وشرفاء، وزنًا ومعنًى. "البيان" الإفصاح مع ذكاء "والمتقدمين في اللسن" بفتح اللام والمهملة ونون: الفصاحة، "بكلام" متعلق بقوله: أتى "مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم كان لم يكونوا يطمعون فيه" هذا واضح.
وأما قوله: "ولا في إبراء الأكمه والأبرص ولا يتعاطون علمه"، ففيه نظر، فقد ذكر أهل التفسير أن عيسى بُعِثَ في زمن الطب، ومن جملته تعاطي علم إبراء الأكمه والأبرص، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح، والبلاغة والخطابة،" بفتح الخاء المعجمة: إنشاء الكلام في المحافل، جعل الله لهم ذلك طبعًا وخلقةً، فيأتون منه على البديهة بالعجب، ويدلون به إلى كل سبب، فيخطبون بديها في المقامات إلى آخر ما طول به في الشفاء في صفةстр. 2974
فدلَّ على أن العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته, وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح.
وقال أبو سليمان الخطابي: وقد كان ﷺ من عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق، وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى, بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علَّام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون. انتهى.
وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض في المناقضة،..........
الحواشي
(١) بلاغتهم وفصاحتهم، "فدلَّ على أنَّ العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته، وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح، وهو باقٍ دون غيره من المعجزات: ومنه تستنبط الأحكام الشرعية والعلوم العقلية، ولم تستنبط من معجز سواه، ولذا قيل: معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلّا من حضرها، ومعجزة القرآن باقية إلى يوم القيامة.
"وقال أبو سليمان الخطابي" نسبة إلى جده؛ إذ هو حمد -بفتح المهملة، وإسكان الميم ومهملة- ابن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، الحافظ الفقيه المشهور: "وقد كان ﷺ من عقلاء الرجال، عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق" تعليل مقدَّم لقوله: "وقد قطع القول" أي: إنه لكمال عقله لم يرتّب "فيما أخبر به عن ربه تعالى، بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به، فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ما ذكر لعجزكم، ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ذلك أبدًا لظهور إعجازه، ولم يقل: ولن تأتوا بسورة من مثله، لما فيه من الكناية والإيجاز، "فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علّام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلّا" صوابه إسقاطه؛ إذ جواب لولا قوله: "لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون" يوجد, ولا يصح أن جواب لولا محذوف، أي: لم يقطع القول؛ لأنه يناكده ما بعد وإلّا، "انتهى".
"وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال -بالجيم- وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة" حيث قال: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ، فنفى قدرتهم في المستقبل, فلو قدروا لحميتهم فعلوا، "وبالتقصير" منهم "عن بلوغ الغرض لهم في المناقضة", هي لغة التكلم بما يتناقض معناه، والمعنى: إنه أخبر بعجزهم قبل ظهور المناقضة منهم في أقوالهم الدالةстр. 2975
صارخًا بهم على رءوس الأشهاد "فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعي وتظاهر الاجتهاد، فقال -وكان بما ألقى عليهم خبيرًا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم.
وقد ورد من الأخبار في قراءة النبي ﷺ بعض ما نزل عليه على المشركين الذين
الحواشي
(١) على ذلك "صارخًا بهم" صائحًا عليهم بعجزهم عن ذلك، "على رءوس الأشهاد، فلم يستطع أحد منهم الإلمام به" أي: القرب منه، "مع توفّر الدواعي، وتظاهر الاجتهاد" وهم في كل هذا ناكصون عن معارضته، محجمون عن مماثلته، يخادعون أنفسهم بالتشغيب والتكذيب والافتراء، يقولون: إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وإفك افتراه، وأساطير الأولين، والمباهتة، والرضا بالدنية كقولهم: قلوبنا غلف, وفي أكنة مما تدعونا إليه، وفي آذاننا وقر، أي: صمم، ومن بيننا وبينك حجاب، ولا تسمعوا لهذا القرءان، والغوا فيه لعلكم تغلبون، والادعاء مع العجز، لو نشاء لقلنا مثل هذا، وهذه وقاحة لفرط عنادهم ومكابرة، فلو استطاعوه ما منعهم أن يشاءوا، وقد تحدَّاهم وقرعهم بالعجز بضعًا وعشرين سنة، ثم قارعهم بالسيوف، فلم يقدروا مع استنكافهم أن يغلبوا خصوصًا في الفصاحة.
"فقال:" أي: أيضًا إذا ما قبله في: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ الآية، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ ، وكان بما ألقى عليهم خبيرًا, ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ في الفصاحة والبلاغة، ﴿لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ جواب لقدر، ولذا لم يجزم ﴿وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ معينًا، نزل ردًّا لقولهم: لو نشاء لقلنا مثل هذا، قال بعضهم: التحدي إنما وقع للإنس دون الجن؛ لأنهم ليسوا من أهل اللسان العربي الذي جاء القرآن على أساليبه، وإنما ذكروا في هذه الآية تعظيمًا لإعجازه؛ لأن للهيئة الاجتماعية من القوة ما ليس للأفراد، وإذا فرض اجتماع الثقلين فيه وظاهر بعضهم بعضًا، وعجزوا عن المعارضة، كان الفريق الواحد أعجز، وقال غيره: بل وقع للجن أيضًا، والملائكة منويّون في الآية؛ لأنهم لا يقدرون أيضًا على الإتيان بمثله.
وقال الكرماني في غرائب التفسير: إنما اقتصر على الإنسان والجن؛ لأنه ﷺ مبعوث إلى الثقلين دون الملائكة، ذكره في الإتقان، "فرضيت هممهم السرية،" الشريفة، "وأنفسهم الشريفة الأبية" الممتنعة "بسفك الدماء وهتك الحرم،" عجزًا عن الإتيان بمثله، وعنادًا بعدم الإيمان.
"وقد ورد من الأخبار في قراءة النبيَّ ﷺ ما نزل على المشركين الذينстр. 2976
كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمن ذلك ما ورد عن محمد بن كعب قال: حدّثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم -وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها ويكفّ عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ , فذكر الحديث فيما قاله عتبة, وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك, فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: فافعل،.................
الحواشي
(١) كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم" بالجرِّ عطف على قوله: الأخبار "بإعجازه جمل كثيرة.
فاعل ورد "فمن ذلك ما ورد عن محمد بن كعب" بن سليم بن أسد القرظي المدني، ثقة عالم, روى له الستة.
قال الحافظ: ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهِمَ من قال: ولد في عهد رسول الله ﷺ ، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يثبت من سبي قريظة، مات محمد سنة عشرين ومائة، وقيل: قبلها، "قال: حدثت" بالبناء للمجهول، قال في النور: لا أعرف مَنْ حدَّثه "أن عتبة بن ربيعة" الكافر المقتول ببدر، "قال ذات يوم، وهو جالس في نادي" مجلس قريش، الذي يجلسون فيه يتحدثون، "ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش! ألا أقوم إلى هذا" وفي رواية: إلى محمد، "فأعرض عليه أمورًا لعله أن يقبل منا بعضها،" فنعطيه أيها شاء، "ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث فيما قاله عتبة، وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك" ولفظه فقال -أي تبة: يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السبطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعِبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منا بعضها، فقال ﷺ : "قل يا أبواليد، أسمع" قال: يا ابن أخي, إن كنت إنما جئت بهذا تطلب مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تطلب الشرف فينا, فنحن نسودك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك, وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك ريًا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك أو نعذر، "فلمَّا فرغ" من كلامه هذا، "قال رسول الله ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد" , قال: نعم، قال: "فاسمع مني" , قال: فافعل,стр. 2977
فقال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١] ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ " فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها, ثم قال: "سمعت يا أبا الوليد؟ " قال: سمعت, قال: "فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمَّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله قد سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشيء, والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة: قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم....................
الحواشي
(١) فقال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية، مبتدأ خبره ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ الآية. بَيَّنت الأحكام والقصص والمواعظ والأمثال وأساليب البلاغة، "فمضى رسول الله يقرؤها عليه،" أي: يقرأ بقية السورة، "فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة، فسجد فيها، ثم قال: "سمعت يا أبا الوليد؟ " قال: سمعت، قال: "فأنت وذاك" مرفوع وجوبًا عند الجمهور، نحو قولهم: أنت ورأيك، والنصب على أنه مفعول معه، أو على أن ما قبل الواو جملة حذف ثاني جزأيها، "فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به" لشدة تغيره مما سمع، فلمَّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني "والله قد سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر" وكان بعضهم قال: هو شعر لحسن نظمه وفصاحته، ولا بالسحر، وكان قال بعضهم، هو سحر للطافته، "ولا الكهانة" وكان بعضهم قال ذلك فيه لتحيرهم فيه، كل ذلك من التحيز والانقطاع، "يا معشر قريش! أطيعوني" واجعلوها في "خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه" فاعتزلوه، "فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ" فإن تصبه العرب فقد كفيتموه، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه, فاصنعوا ما بدا لكم، هذا بقية حديث محمد بن كعب عند ابن إسحاق.
وزاد في رواية غيره: "قال" عتبة معللًا لقوله: ليكونن لقوله نبأ: "فأجابني بشيء، والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة" كما تزعمون "قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم, لا دلالةстр. 2978
﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب, فخفت أن ينزل بكم العذاب. رواه البيهقي وغيره.
وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسًا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، وقد ناقض اثنى عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم، وجاء إلى مكة, وجاء إليّ أبو ذر بخبر النبي ﷺ ، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر........................
الحواشي
(١) فيه على أنها من السورة، للإجماع على ندب استفتاح القراءة في غير الصلاة بالبسملة، ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية "حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ الآية، أي: خوفتكم عذابًا يهلككم مثل الذي أهلكم، "فأمسكت فمه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب" فكيف يكذب على الله، "فخفت أن ينزل بكم العذاب، رواه البيهقي وغيره" كابن إسحاق: حدَّثني زيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره.
وفي رواية: أن عتبة لم يرجع إليهم، وظنّوا إسلامه، فذهبوا له، فغضب وحلف لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: قد علمتم أنه لا يكذب..... إلى آخره، فإن صحّا أمكن الجمع بينهما.
"وفي حديث إسلام أبي ذر" الغفاري، "ووصف أخاه أنيسًا،" بالتصغير ابن جنادة، بن سفيان بن عبيد، بن حرام، بن غفار الغفاري، أسَنّ من أبي ذر، وأسلم على يده، وهاجرا معًا، "فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، قد ناقض اثني عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم" أي: عارضهم في قصائدهم، فأتى بمثلها، وهذا يدل على فصاحته ومعرفته بالشعر وقدرته عليه.
قال الجوهري: النقيضة في الشعر ما ينقض به، وقال المجد: أن يقول شاعر شعرًا، فينقض عليه شاعر حتى يجيء بغير ما قاله. "وإنه انطلق إلى مكة" لحاجة له، وجاء إلي أبو ذر بخبر النبي ﷺ فقال: رأيت رجلًا بمكة يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس" فيه؟ " قال" أنيس: "يقول: شاعر، كاهن، ساحر،" أي: بعضهم يقول هذا وبعض هذا، وأبطله، فقال: "لقد سمعت قول الكهنة، فما هو" أي: النبي أو كلامه ملتبس "بقولهم، ولقد وضعته".
أي: قوله, كما هو لفظه في مسلم، "على أقراء" بفتح الهمزة والمد "الشعر،" أي:стр. 2979
فلم يلتئم ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون. رواه مسلم والبيهقي.
وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في الفصاحة: أنه قال للنبي ﷺ : اقرأ علي، فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] إلى آخر الآية. قال: أعد، فأعاد ﷺ ، فقال: والله إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإن أعلاه لمثمر, وإن أسفله لمغدق.....................
الحواشي
(١) أنواعه وأنحائه.
وقال الزمخشري: إقراؤه قوافيه التي يختم بها كإقراء الطهر التي ينقطع الدم عندها، واحدها قرء مثلث القاف، "فلم يلتئم" بالهمز من الملاءمة، أي: لم أره مناسبًا ولا موافقًا لها لفظا ولا معنًى، وأين الثريا من الثرى؟ "ولا يلتئم" لا يتفق على لسان أحد بعدي، أنه" بفتح الهمزة "شعر"؛ إذ ليس أحد أعلم به، ولا أقدر عليه مني, فلو أمكن فعلت، فحيث لم يتفق لي لا يتفق لغيري، والمراد: إبطال كونه شعرًا بعدما أبطل كونه سحرًا وكهانة، ولذا عقبه بقوله: "وإنه" أي: النبي ﷺ "لصادق" في قوله: "إنه من عند الله "وإنهم" أي: الكفار لكاذبون" في جميع ما قالوه، "رواه مسلم" في الفضائل مطولًا جدًّا، "والبيهقي في الدلائل كذلك.
"وعن عكرمة" مولى ابن عباس فيما رواه البيهقي مرسلًا، "في قصة الوليد بن المغيرة،" بضم الميم، وكسر المعجمة، ابن عبد الله المخزومي، مات كافرًا، وكان زعيم" سيد "قريش في الفصاحة، أنه قال للنبي ﷺ : اقرأ علي" شيئًا من القرآن لينظر فيه، "فقرأ عليه: " ﴿إَِّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ التوحيد أو الإنصاف ﴿وَالْأِحْسَانِ﴾ الآية، أداء الفرائض أو أن تعبد الله كأنك تراه، كما في الحديث. ﴿وَإِيتَاءِ﴾ إعطاء ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة, خصَّه بالذكر اهتمامًا به "إلى آخر الآية" وخص هذه الآية لمناسبتها للطالب من أقاربه، وفيها عظة له وتنبيه، وهو من رؤساء عقلانهم، فرجا ﷺ بذلك لكمال رأفته ورحمته أن يهدي للإسلام.
"قال" الوليد: أعد قراءتك، "فأعاد ﷺ : فقال: والله إن له لحلاوة" أي: عذوبة فصاحة، استعارة لما يستلذه السمع، وإن عليه لطلاوة" مثلث الطاء، حسنًا وبهجة وقبولًا، وأكدهما بالقسم، وإن والجملة الاسمية وقدَّم الخبر للحصر، إشارة إلى أنه لا يشبه غيره من الكلام. "وإن أعلاه لمثمر" أي: له طيب كثير، استعارة تمثيلية، والمراد: أن أصله قوي ليس من جنس كلام البشر، ومعانيه مفيدة مرشدة لسعادة الدارين وحسن العاقبة، "وإن أسفله الغدق"، وهو كثرةстр. 2980
وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه, مغدق أسفله, وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه.
وفي خبره الآخر: حين جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيًا، لا يكذب بعضكم بعضًا،.......................................
الحواشي
(١) الماء، وأراد بأسفله ما تضمنه من المعاني، فهو تمثيلية أيضًا، شبهه لفصاحته وبلاغته بشجرة شربت عروقها ماء غزيرًا، فاهتزت وربت، وأينعت ثمرتها وكثرت، ويجوز كونها مكنية وتخييلية.
وفي رواية ابن إسحاق: وإن أصله لعذق -بفتح المعجمة، وكسر المهملة، قال في الروض: رواية ابن إسحاق أفصح؛ لأنها استعارة تامة، آخر الكلام فيها يشبه أوله، وجناه -بفتح الجيم والنون- الثمرة، "وما يقول هذا بشر"؛ لأنه لا يشبه كلامهم بوجه من الوجوه، لحلاوة نظمه، وبديع أسلوبه، وبلاغة معانيه، وجزالة مبانيه، يعني: إنه ليس مفترى مختلفًا، وخصَّ البشر؛ لأنهم المعروفون بالبلاغة، وإلا فهو معجز للجن أيضًا، على أنه صرح بذلك في قوله: "ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه" نوع من الشعر معروف، فهو خاص على عام، ففيه حجة لقول الجمهور: الرجز شعر, "ولا بأشعار الجن" مني، "والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا" المذكور، "والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر، أعلاه مغدق أسفله", وأعاد ذلك للتأكيد ولشدة اللذَّة الحاصلة له بسماعه، "وإنه ليعلو" يرتفع على ما سواه، "ولا يُعْلَى عليه", وبقية هذا عند البيهقي: "وإنه ليحطم ما تحته، وفي خبره" أي: الوليد: "الآخر حين جمع قريشًا" يعني أشرافهم ورؤساهم، "عند حضور الموسم" للحج، "وقال: إن وفود العرب تردنا" أي: تقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، "فأجمعوا" -بقطع الهمزة، وإسكان الجيم، وكسر الميم- "فيه رأيًا" أي: اعزموا وصمموا عليه من أجمع المختص بالمعالي دون الأعيان، لا من جمع؛ لأنه مشترك بينهما.
قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ الآية، ثم أتى الذي جمع مالًا وعدَّده، وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية. فوقع الفعل على وشركاءكم" بطريق العطف، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع أو تقديره، كما قيل: وأحضروا شركاءكم. لا يكذب -بضم الياء، وسكون الكاف، وخفة الذال، أو بفتح الكاف وشد الذال المكسورة- منследующие страницы →