← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

ألف. قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله في الوجود. وفي البخاري من حديث أنس: إنه ﷺ أتي بمال البحرين فقال: "انثروه" -يعني صبوه- في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ ، فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلمَّا قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدًا إلا أعطاه؛ إذ جاء العباس فقال: يا رسول الله أعطني، فإني فاديت نفسي وفاديت عقيلًا،..................

стр. 2942

فقال له: "خذ"، فحثى في ثوبه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال: يا رسول الله، مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فأرفعه أنت عليّ، فقال: "لا"، فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع, فقال: يا رسول الله, مر بعضهم يرفعه عليّ، قال: "لا"، قال: فارفعه أنت عليّ، قال: "لا"، فنثر منه ثم احتمله, فألقاه على كاهله فانطلق، فما زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا عجبًا من حرصه، فما قام ﵊ وثَمَّ منها درهم. وفي رواية ابن أبي شيبة...................

стр. 2943

من طريق حميد بن هلال مرسلًا: كان مائة ألف، وأنه أرسل به العلاء بن الحضرمي من خراج البحرين، قال: وهو أول مال حمل إليه ﷺ . وسايره جابر على حمل له، فقال ﵊: "بعني جملك"، فقال: هو لك يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، فقال: "بل بعنيه"، فباعه إياه وأمر بلالًا أن ينقده ثمنه فنقده، ثم قال له ﷺ : "اذهب بالثمن والجمل بارك الله لك فيهما" مكافأة لقوله: هو لك، فأعطاه الثمن...........

стр. 2944

ورَدَّ عليه الجمل وزاده الدعاء بالبركة فيهما. وحديثه في البخاري ومسلم. وقد كان جوده ﵊ كله لله وفي ابتغاء مرضاته، فإنه كان يبذل المال تارة لفقير أو لمحتاج, وتارة ينفقه في سبيل الله، وتارة يتألف به على الإسلام من يقوى الإسلام بإسلامه. وكان يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء يعجز عند الملوك مثل كسرى وقيصر، ويعيش في نفسه عيش الفقراء، فيأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيته نار، وربما ربط الحجر على بطنه الشريفة من الجوع. وكان ﷺ قد أتاه سبي، فشكت إليه فاطمة ما تلقى من خدمة البيت, وطلبت منه خادمًا يكفيها مؤنة بيتها، فأمرها أن تستعين بالتسبيح والتكبير والتحميد،.....................

стр. 2945

وقال: "لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع". وأتته امرأة ببردة.........................

стр. 2946

فقالت: يا رسول الله أكسوك هذه، فأخذها النبي ﷺ محتاجًا إليه فلبسها، فرآها عليه رجل من الصحابة فقال: يا رسول الله, ما أحسن هذه فاكسنيها, فقال ﷺ : "نعم"، فلما قدم ﷺ لامه............

стр. 2947

أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النبي ﷺ أخذها محتاجًا إليها ثم سألته إياها، وقد عرفت أنه لا يسأل شيئًا فيمنعه. رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. وفي رواية ابن ماجه والطبراني قال: "نعم" , فلما دخل طواها وأرسل بها إليه. وأفاد الطبراني في رواية زمعة بن صالح أنه ﷺ أمر أن يصنع له غيرها, فمات قبل أن يفرغ منها. وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه ﷺ وسعة جوده. واستنبط منه السادة الصوفية: جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من

стр. 2948

المشايخ تبركًا بهم وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنه ﷺ ألبس أم خالد خميصة سوداء ذات علم. رواه البخاري. لكن قال شيخنا: ما يذكرونه من أن الحسن البصري لبسها من علي بن أبي طالب، فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنه باطل، وقال شيخ الإسلام الحافظ بن حجر: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح ولا حسن ولا ضعيف أنه ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدًا من أصحابه بفعلها، وكل ما يروى صريحًا في ذلك فباطل, قال: ثم إنَّ من الكذب................

стр. 2949

المفترى قول من قال: إن عليًّا ألبس الخرقة الحسن البصري، فإن أئمة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعًا فضلًا عن أن يلبسه الخرقة. وكذا قال الدمياطي والذهبي والعلائي ومغلطاي والعراقي والأبناسي والحلبي وغيرهم, من كون جماعة منهم لبسوها وألبسوها تشبها بالقوم،..................

стр. 2950

نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كهيل بن زياد، وهو صحب علي بن أبي طالب من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل. وفي بعض الطرق اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب, وهذه صحبة لا مطعن فيها، وكثير من السادة يكتفي بمجرد الصحبة................

стр. 2951

كالشاذلي وشيخنا أبي إسحاق المتبولي. وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس وله في ذلك رسالته ريحان القلوب، قرأتها على ولد ولده العارف بالله تعالى المسلك سيدي علي، مع إلباسه لي الخرقة والتلقين والعهد. وللشيخ قطب الدين القسطلاني "ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة" والله تعالى يهدينا إلى سواء السبيل.

стр. 2952

الفصل الثالث: فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه وملبسه ومنكحه وما يلحق بذلك وفيه أربع أنواع:

стр. 2953

المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته مدخل ... المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته كتاب في المعجزات والخصائص: وصدق رسالته, وما خص به من خصائص آياته, وبدائع كراماته, وفيه فصلان: الأول: في معجزاته. اعلم أيها المحب لهذا النبي الكريم، والرسول العظيم -سلك الله بي وبك

стр. 2954

مناهج سنته، وأماتنا على محبته بمنه ورحمته- أنَّ المعجزة هي الأمر الخارق للعادة المقرون بالتحدي الدال على صدق الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام. وسميت معجزة لعجز البشر عن الإتيان بمثلها، فعلم أن لها شروطًا. أحدها: أن تكون خارقة للعادة، كانشقاق القمر، وانفجار الماء من بين أصابعه، وقلب العصا حية،....

стр. 2955

وإخراج ناقة من صخرة،.......................................

стр. 2956

وإعدام جبل. فخرج غير الخارق للعادة كطلوع الشمس كل يوم. الثاني: أن تكون مقرونة بالتحدي، وهو طلب المعارضة والمقابلة. قال الجوهري: يقال: تحديت فلانًا، إذا باريته في فعل ونازعته......... ..........

стр. 2957

للغلبة. وفي القاموس: نحوه. وفي الأساس: حد يحدو، وهو حادي الإبل، واحتدى حداء إذا غنَّى، ومن المجاز: تحدَّى أقرانه إذا باراهم ونازعهم للغلبة. وأصله: الحداء، يتبارى فيه الحاديان ويتعارضان، فيتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، أي: يطلب حداءه. كما يقال: توفَّاه بمعنى استوفاه، وفي بعض الحواشي الموثوق بها، كانوا عند الحدو يقوم حاد عن يمين القطار وحاد عن يساره، يتحدَّى كل واحد منهما صاحبه، بمعنى يستحديه، أي يطلب منه حداءه، ثم اتسع فيه استعمل في كل مباراة. انتهى من حاشية الطيبي على الكشاف.

стр. 2958

وقال المحققون: التحدي، الدعوى للرسالة. والشرط الثالث من شروط المعجزة: أن لا يأتي أحد بمثل ما أتى به المتحدي على وجه المعارضة. وعبَّر عنه بعضهم بقوله: دعوى الرسالة مع أمن المعارضة. وهو أحسن من التعبير: بعدم المعارضة؛ لأنه لا يلزم من عدم المعارضة امتناعها, والشرط إنما هو عدم إمكانها. وقد خرج بقيد "التحدي" الخارق من غير تحد، وهوالكرامة للولي. وبـ "المقارنة" الخارق المتقدم على التحدي، كإظلال الغمام، وشق الصدر، الواقعين لنبينا ﷺ قبل دعوى الرسالة, فإنها ليست معجزات، إنما هي كرامات لظهورها على الأولياء جائز، والأنبياء قبل نبوتهم لا يقصرون عن درجة الأولياء،

стр. 2959

فيجوز ظهورها, وكلام عيسى في المهد، وما شابه ذلك مما وقع من الخوارق قبل دعوى الرسالة عليهم أيضًا، وحينئذ تسمَّى "إرهاصا" أي: تأسيًا للنبوة كما صرَّح به العلامة السيد الجرجاني في شرح المواقف وغيره، وهو مذهب جمهور أئمة الأصول وغيرهم. وخرج أيضًا بقيد "المقارنة" المتأخِّر عن التحدي، بما يخرجه عن المقارنة العرفية، نحو ما روي بعد وفاته ﷺ من نطق الموتى بالشهادتين وشبهه، مما تواترت به الأخبار. وخرج أيضًا بـ "أمن المعارضة" السحر المقرون بالتحدي، فإنه يمكن معارضته بالإتيان بمثله من المرسل إليهم. واختلف: هل السحر قلب الأعيان وإحالة الطبائع أم لا؟ فقال بالأول قائلون، حتَّى جوَّزوا للساحر أن يقلب الإنسان حمارًا. وذهب آخرون: إلى أن أحدًا لا يقدر على قلب عين ولا إحالة طبيعة إلا الله

стр. 2960

تعالى لأنبيائه، وأن الساحر والصالح لا يقلبان عينًا. قالوا: ولو جوَّزنا للساحر ما جاز للنبي, فأي فرق عندكم بينهما؟ فإن لجأتم إلى ما ذكره القاضي العلامة أبو بكر الباقلاني من الفرق بالتحدي فقط, قيل لكم: هذا باطل من وجوه: أحدها: إن اشتراط التحدي قول لا دليل عليه، لا من كتاب ولا من سنة، ولا من قول صاحب ولا إجماع, وما تعرَّى من البرهان فهو باطل. الثاني: إن أكثر آياته ﷺ وأعمها وأبلغها كانت بلا تحدٍّ، كنطق الحصى، ونبع الماء، ونطق الجذع، وإطعامه المئين من صاع، وتفله في العين، وتكليم الذراع، وشكوى البعير، وكذا سائر معجزاته العظام، ولعله لم يتحد بغير القرآن، وتمني الموت.

стр. 2961

قالوا: فأف لقول لا يبقي من الآيات ما يسمى معجزة إلا هذين الشيئين، ويلقي معجزات كالبحر المتقاذف بالأموج، ومن قال: إن هذه ليست معجزات ولا آيات فهو إلى الكفر أقرب منه إلى البدعة. قالوا: وقد كان ﵊ يقول عند ورود آية من هذه الآيات: "أشهد أني رسول الله"، كما قال ذلك عند تحققهم مصداق قوله في الإخبار عن الذي أنكأ في المشركين قتلًا في المعركة: إنه من أهل النار،.................................................

стр. 2962

فقتل نفسه بمحضر ذلك الذي اتبعه من المسلمين, قالوا: والوجه الثالث: وهو الدامغ لهذا القول، قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآياتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٠٩] وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ﴾ [الإسراء: ٥٩] فسمَّى الله تعالى تلك المعجزات المطلوبة من الأنبياء آيات، ولم يشترط تحديًا من غيره. فصحَّ أن اشتراط التحدي باطل محض. انتهى ملخصًا من تفسير الشيخ أبي

стр. 2963

أمامة بن النقاش. وأجيب: بأنه ليس الشرط الاقتران بالتحدي بمعنى طلب الإتيان بالمثل الذي هو المعنى الحقيقي للتحدي، بل يكفي للتحدي دعوى الرسالة, والله أعلم. الرابع من شروط المعجزة: أن تقع على وفق دعوى المتحدي بها، فلو قال مدعي الرسالة: آية نبوتي أن تنطق يدي، أو هذه الدابة، فنطقت يده أو الدابة بكذبه فقالت: كذب وليس هو بنبي، فإن الكلام الذي خلقه الله تعالى دال على كذب ذلك المدعي؛ لأن ما فعله الله تعالى لم يقع على وفق دعواه. كما يروى أن مسيلمة الكذاب -لعنه الله تعالى - تَفَل في بئر ليكثر ماؤها فغارت وذهب ما..................

стр. 2964

فيها من الماء. فمتى اختلَّ شرط من هذه لم تكن معجزة. ولا يقال: قضية ما قلتم: أن ما توفرت فيه الشروط الأربعة من المعجزات لا يظهر إلّا على أيدي الصادقين، وليس كذلك، لأنَّ المسيح الدجال يظهر على يديه من الآيات العظام ما هو مشهور، كما وردت به الأخبار الصحَّاح،..........................

стр. 2965

لأن ما ذكر فيمن يدعي الرسالة, وهذا يدعي الربوبية. وقد قام الدليل العقلي على أن بعثة بعض الخلق غير مستحيلة، فلم يبعد أن يقيم الله الأدلة على صدق مخلوق أتى عنه بالشرع والملة، ودلت القواطع على كذب المسيح الدجال فيما يدَّعيه للتغير من حال إلى حال، وغير ذلك من الأوصاف التي تليق بالمحدثات ويتعالى عنها رب البريات ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: ١١] . فإن قلت: أي الاسمين أحق وأولى بما أتت به الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام، هل لفظ "المعجزة" أو لفظ "الآية" أو "الدليل"؟ فالجواب: إن كبار الأئمة يسمون معجزات الأنبياء: دلائل النبوة، وآيات النبوة، ولم يرد أيضًا في القرآن لفظ "المعجزة", بل ولا في السنة أيضًا، وإنما فيهما لفظ

стр. 2966

"الآية" والبينة و"البرهان" كما في قصة موسى ﵇: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ﴾ [القصص: ٣٢] أي: العصا واليد، وفي حق نبينا ﵊ ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [النساء: ١٧٤] . وأما لفظ الآيات فكثير, بل هو أكثر من أن نسرده هنا، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ﴾ [الأنعام: ١٢٤] و ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ﴾ [الرعد: ٣] . وأمَّا لفظة المعجزة إذا أطلق فإنه لا يدل على كون ذلك آية إلّا إذا فسر المراد به، وذكرت شرائطه، وقد كان كثير من أهل الكلام لا يسمي معجزة إلّا ما كان للأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- فقط، ومن أثبت للأولياء خوارق عادات سماها: كرامات،

стр. 2967

والسلف كانوا يسمون هذا وهذا معجزة؛ كالإمام أحمد وغيره، بخلاف ما كان آية وبرهانًا على نبوة النبي, فإن هذا يجب اختصاصه به. وقد يسمون الكرامات آيات لكونها تدل على نبوة من اتبعه ذلك الولي، فإن الدليل مستلزم للمدلول، يمتنع ثبوته بدون ثبوت المدلول، فكذلك ما كان آية وبرهانًا، انتهى. وإذا علمت هذا، فاعلم أن دلائل نبوة نبينا ﷺ كثيرة، والأخبار بظهور معجزاته شهيرة.

стр. 2968

فمن ذلك: ما وجد في التوراة والإنجيل وسائر كتب الله تعالى المنزلة من ذكره ونعته، وخروجه بأرض العرب، وما خرج بين يدي أيام مولده ومبعثه من الأمور الغريبة العجيبة القادحة في سلطان الكفر، الموهنة لكلمتهم المؤيدة لشأن العرب المنوهة بذكرهم، كقصة الفيل، وما أحلّ الله بأصحابه العقوبة والنكال، وخمود نار فارس, وسقوط شرفات إيوان كسرى، وغيض ماء بحيرة ساوه، ورؤيا المؤبذان،...........................

стр. 2969

وما سمع من الهواتف الصارخة بنعوته وأوصافه، وانتكاس الأصنام المعبودة وخرورها لوجهها من غير دافع لها من أمكنتها، إلى سائر ما روي ونقل في الأخبار المشهورة من ظهور العجائب في ولادته وأيام حضانته وبعدها إلى أن بعثه الله نبيًّا. ولم يكن له ﷺ ما يستميل به القلوب من مال فيطمع فيه، ولا قوة فيقهر بها الرجال، ولا أعوان على الرأي الذي أظهره، والدِّين الذي دعا إليه، وكانوا يجتمعون على عبادة الأصنام، وتعظيم الأزلام، مقيمين على عادة الجاهلية في العصبة والحمية، والتعادي والتباغي وسفك الدماء، وشنّ الغارات, ولا تجمعهم ألفة دين، ولا يمنعهم من سوء أفعالهم نظر في عاقبة، ولا خوف عقوبة ولا لائمة، فألَّف ﷺ بين قلوبهم, وجمع كلمتهم، حتى اتفقت الآراء وتناصرت القلوب، وترادفت الأيدي، فصاروا إلبًا واحدًا في نصرته، وعنقًا واحدًا إلى.................

стр. 2970

طلعته، وهجروا بلادهم وأوطانهم، وجفوا قومهم وعشائرهم في محبته، وبذلوا مهجهم وأرواحهم في نصرته، ونصبوا وجوههم لوقع السيوف في إعزاز كلمته، بلا دنيا بسطها لهم، ولا أموال أفاضها عليهم، ولا غرض في العاجل أطمعهم في نيله يحوونه، أو ملك أو شرف في الدنيا يحوزونه، بل كان من شأنه ﷺ أن يجعل الغني فقيرًا، والشريف أسوة الوضيع، فهل يلتئم مثل هذه الأمور، أو يتفق مجموعها لأحد هذا سبيله، من قِبَل الاختيار العقلي والتدبير الفكري، لا والذي بعثه بالحق، وسخر له هذه الأمور، ما يرتاب عاقل في شيء من ذلك، وإنما هو أمر إلهي، وشيء غالب سماوي، ناقض للعادات، يعجز عن بلوغه قوى البشر، ولا يقدر عليه إلا من له الخلق والأمر، تبارك الله رب العالمين.

стр. 2971

ومن دلائل نبوته ﵊ أنه كان أميًّا، لا يخط كتابًا بيده ولا يقرؤه، ولد في قوم أميين، ونشأ بين أظهرهم في بلد ليس بها عالم يعرف أخبار الماضيين، ولم يخرج في سفر ضاربًا إلى عالم فيعكف عليه، فجاءهم بأخبار التوراة والإنجيل والأمم الماضية، وقد كان ذهبت معالم تلك الكتب، ودرست وحُرّفت عن مواضعها، ولم يبق من المتمسكين بها وأهل المعرفة بصحيحها إلّا القليل, ثم حاج كان فريق من أهل الملل المخالفة له بما لو احتشد

стр. 2972

له حذاق المتكلمين وجهابذة النقاد المتفننين لم يتهيأ له نقض ذلك. وهذا أدلّ شيء على أنه أمر جاءه من عند الله تعالى. ومن ذلك القرآن العظيم، فقد تحدَّى بها فيه من الإعجاز، ودعاهم إلى معارضته, والإتيان بسورة من مثله، فنكلوا عنه وعجزوا عن الإتيان بشيء منه. قال بعض العلماء: إن الذي أورده ﵊ على العرب من الكلام الذي أعجزهم عن الإتيان بمثله أعجب في الآية، وأوضح في الدلالة من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص،............

стр. 2973

لأنه أتى أهل البلاغة وأرباب الفصاحة ورؤساء البيان والمتقدمين في اللسن بكلامٍ مفهوم المعنى عندهم، وكان عجزهم عنه أعجب من عجز من شاهد المسيح عند إحياء الموتى؛ لأنهم لم يكونوا يطمعون فيه، ولا في إبراء الأكمه والأبرص, ولا يتعاطون علمه، وقريش كانت تتعاطى الكلام الفصيح والبلاغة والخطابة،...................................

стр. 2974

فدلَّ على أن العجز عنه إنما كان ليصير علمًا على رسالته وصحة نبوته, وهذه حجة قاطعة وبرهان واضح. وقال أبو سليمان الخطابي: وقد كان ﷺ من عقلاء الرجال عند أهل زمانه، بل هو أعقل خلق الله على الإطلاق، وقد قطع القول فيما أخبر به عن ربه تعالى, بأنهم لا يأتون بمثل ما تحداهم به فقال: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فلولا علمه بأن ذلك من عند الله علَّام الغيوب، وأنه لا يقع فيما أخبر عنه خلف، وإلا لم يأذن له عقله أن يقطع القول في شيء بأنه لا يكون وهو يكون. انتهى. وهذا من أحسن ما يكون في هذا المجال وأبدعه وأكمله وأبينه، فإنه نادى عليهم بالعجز قبل المعارضة، وبالتقصير عن بلوغ الغرض في المناقضة،..........

стр. 2975

صارخًا بهم على رءوس الأشهاد "فلم يستطع أحد منهم الإلمام به مع توفر الدواعي وتظاهر الاجتهاد، فقال -وكان بما ألقى عليهم خبيرًا: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٨] فرضيت هممهم السرية وأنفسهم الشريفة الأبية بسفك الدماء وهتك الحرم. وقد ورد من الأخبار في قراءة النبي ﷺ بعض ما نزل عليه على المشركين الذين

стр. 2976

كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمن ذلك ما ورد عن محمد بن كعب قال: حدّثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم -وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها ويكفّ عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ , فذكر الحديث فيما قاله عتبة, وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك, فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: فافعل،.................

стр. 2977

فقال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١] ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ " فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها, ثم قال: "سمعت يا أبا الوليد؟ " قال: سمعت, قال: "فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمَّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله قد سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشيء, والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة: قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم....................

стр. 2978

﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب, فخفت أن ينزل بكم العذاب. رواه البيهقي وغيره. وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسًا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، وقد ناقض اثنى عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم، وجاء إلى مكة, وجاء إليّ أبو ذر بخبر النبي ﷺ ، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر........................

стр. 2979

فلم يلتئم ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون. رواه مسلم والبيهقي. وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في الفصاحة: أنه قال للنبي ﷺ : اقرأ علي، فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] إلى آخر الآية. قال: أعد، فأعاد ﷺ ، فقال: والله إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإن أعلاه لمثمر, وإن أسفله لمغدق.....................

стр. 2980

وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه, مغدق أسفله, وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه. وفي خبره الآخر: حين جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيًا، لا يكذب بعضكم بعضًا،.......................................
следующие страницы →