← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمن ذلك ما ورد عن محمد بن كعب قال: حدّثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم -وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها ويكفّ عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ , فذكر الحديث فيما قاله عتبة, وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك, فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: فافعل،.................

стр. 2977

فقال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١] ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ " فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها, ثم قال: "سمعت يا أبا الوليد؟ " قال: سمعت, قال: "فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمَّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله قد سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشيء, والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة: قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم....................

стр. 2978

﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب, فخفت أن ينزل بكم العذاب. رواه البيهقي وغيره. وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسًا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، وقد ناقض اثنى عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم، وجاء إلى مكة, وجاء إليّ أبو ذر بخبر النبي ﷺ ، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر........................

стр. 2979

فلم يلتئم ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون. رواه مسلم والبيهقي. وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في الفصاحة: أنه قال للنبي ﷺ : اقرأ علي، فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] إلى آخر الآية. قال: أعد، فأعاد ﷺ ، فقال: والله إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإن أعلاه لمثمر, وإن أسفله لمغدق.....................

стр. 2980

وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه, مغدق أسفله, وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه. وفي خبره الآخر: حين جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيًا، لا يكذب بعضكم بعضًا،.......................................

стр. 2981

فقالوا: نقول إنه كاهن، قال: والله ما هو بكاهن, ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون. قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول: قال: فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلّا وأنا أعرف أنه باطل،.............

стр. 2982

رواه ابن إسحاق والبيهقي. وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق بن يسار قال: حدثني إسحاق بن يسار عن رجل من بني سلمة قال فتيان بني سلمة: قال عمرو بن الجموح لابنه: أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل، فقرأ عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فقال: وما أحسن هذا وأجمله، أَوَكل كلامه مثل هذا؟ قال: يا أبت وأحسن من هذا. وقال بعضهم -بعض العلماء:.........................................................

стр. 2983

إن هذا القراءن لو وجد مكتوبًا في مصحف في فلاة من أرض, ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منَزَّل من عند الله، وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف مثل ذلك, فيكف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم, وقال: إنه كلام الله، وتحدَّى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فكيف يبقى مع هذا شك. انتهى. واعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر, لكن قال بعضهم: إنه قد اختلف العلماء في إعجازه على ستة أوجه. أحدها: إن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة،...................................

стр. 2984

مثل قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير. وحكى أبو عبيد: أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام...............................................

стр. 2985

وسمع آخر رجلًا يقرأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام. وحكى الأصمعي: أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهي تقول: استغفر الله من ذنوبي كلها، فقلت لها: ممن تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ فقالت: استغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانًا بغير حله مثل غزال ناعم في دله ... انتصف الليل ولم أصله فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك،................... ......................

стр. 2986

فقالت: أَوَتَعُدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين. وحكي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا برجل على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم،................

стр. 2987

ممن يحسن كلام العرب وغيرها, وأنه سمع رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم, فتأملتها فإذا قد جمع الله فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة, وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] الآية. وقد رام فوق من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة، وحظًّا من البيان، أن يضعوا شيئًا يلبسون به، فلمَّا وجده مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما لوقوع الشبهة على الجهال فيما قلَّ عدد....................

стр. 2988

حروفه؛ لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال. وممن رام ذلك من العرب بالتشبث بالسور القصار، مسيلمة الكذَّاب فقال: يا ضفدع نقي كم تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين. فلما سمع أبو بكر ﵁ هذا قال: إنه لكلام لم يخرج من إل. قال ابن الأثير: أي من ربوبية، و"الإل" بالكسر هو الله تعالى. وقيل: الإل هو الأصل الجيد، أي: لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن. ولما سمع مسيلمة الكذاب -لعنه الله- و"النازعات" قال: والزارعات زرعًا والحاصدات حصدًا والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والحافرات حفرًا، والثاردات ثردًا, واللاقمات لقمًا، لقد فضلتم على أهل الوبر, وما سبقكم أهل المدر. إلى غير ذلك من الهذيان، مما ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه والله أعلم.

стр. 2989

وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى, أخرج من بطنها نسمة تسعى، من بين شراسيف وأحشى. وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل. ففي هذا الكلام مع قلة حروفه من السخافة ما لا خفاء فيه على من لا يعلم، فضلًا عمَّن يعلم. والثاني: إن إعجازه هو الوصف الذي صار به خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع،.....................................

стр. 2990

فلا يدخل في شيء منها, ولا يختلط بها, مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم، ومستعملة في نثرهم ونظمهم، ولذلك تحيَّرت عقولهم، وتدلهت أحلامهم, ولم يهتدوا إلى مثله في حسن كلامهم، فلا ريب أنه في فصاحته قد قرع القلوب..........................

стр. 2991

ببديع نظمه, وفي بلاغته قد أصاب المعاني بصائب سهمه، فإنه حجة الله الواضحة، ومحجته اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقي إلّا تهافت تهافت الفراش في الشهاب، ودلَّ ذل النقد حول الليوث الغضاب. وقد حكى عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك، كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزل -بتخفيف الزاي وقد تشدد, وكان بليغ الأندلس في زمانه........

стр. 2992

أنه قد رام شيئًا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها، وينسج على منوالها، فاعترته خشية ورِقَّة، حملته على التوبة والإنابة. ويحكى أن ابن المقفع -وكان أفصح أهل وقته- طلب ذلك ورامه, ونظم كلامًا وجعله مفصلًا وسماه سورًا, فاجتاز يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ..........﴾ [هود: ٤٤] الآية فرجع ومحى ما عمله....................

стр. 2993

وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر. ولله در العارف سيدي محمد وفا حيث قال، يعني النبي ﷺ والقرآن المعظم: له آية الفرقان في عين جمعه ... جوامع آيات بها اتضح الرشد حديث نزيه عن حدوث منزه ... قديم صفات الذات ليس له ضد بلاغ بليغ للبلاغة معجز ... له معجزات لا يعد لها عد

стр. 2994

تحلت بروح الوحي حلة نسجه ... عقود اعتقاد لا يحل لها عقد وغاية أرباب البلاغة عجزهم ... لديه وإن كانوا هم الألسن اللد فأفاكهم بالإفك أعياه غيه ... تصدى وللأسماع عن غيه صد قلى الله أقوالًا بهاجر هجرها ... هوانًا بها الورهاء والبهم البلد تلاها قتل الفحش في القبح وجهها ... وعن ريبها الألباب نزهها الزهد لقد فرَّق الفرقان شمل فريقه ... بجمع رسول الله واستعلن الرشد أتى بالهدى صلى عليه إلهه ... ولم يله بالأهواء إذ جاءه الجد

стр. 2995

والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا يمله, وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة، ولا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات،.....................

стр. 2996

ويؤنس بوجد بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث وألف أصحابها لها لحونًا وطرقًا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف ﷺ القرآن................................................

стр. 2997

بأنه: "لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا:......

стр. 2998

﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا, يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ " أشار إليه القاضي عياض. والرابع: إن وجه إعجازه هو ما فيه من الأخبار بما كان، مما علموه وما لم يعلموه، فإذا سألوه عنه فبينه لهم عرفوا صحته وتحققوا صدقه كالذي حكاه من قصة أهل الكهف وشأن موسى...............

стр. 2999

والخضر ﵉، وحال ذي القرنين،.........................................

стр. 3000

وقصص الأنبياء وأممهم، والقرون الماضية في دهرها. والخامس: إن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب، والإخبار بما يملكون، فيوجد على صدقه وصحته،..............................................

стр. 3001

مثل قوله تعالى لليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤, ٩٥] فما تمناه أحد منهم. ومثل لقوله لقريش: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:

стр. 3002

٢٣] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا. وتعقَّب بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن بعضها وقع في زمنه ﷺ ، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وبعضها بعده كقوله: ﴿الم, غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١, ٢] فلو كما قالوا لنازعوا وقع المتوقع، وبأن الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن, واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها.

стр. 3003

السادس: إن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة، لم تتعاط العرب الكلام فيها، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب، بَيِّنَ الله فيه خبر الأولين والآخرين وحكم المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب العاصين. فهذه ستة أوجه يصح أن يكون كل واحد منها إعجازًا, فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن.....

стр. 3004

في زمن رسول الله ﷺ , ولا بعده على نظمه وتأليفه وعذوبة منطقه وصحة معانيه، وما فيه من الأمثال والأشياء التي دلّت على البعث وآياته، والأنباء بما كان يكون, وما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتناع من إراقة الدماء، وصلة الأرحام, إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد وقد عجزت عنه العرب الفصحاء, والخطباء والبلغاء، والشعراء, والفهماء من قريش وغيرها، وهو ﷺ في مدة ما عرفوه قبل نبوته وأداء رسالته أربعين سنة ولا يحسن نظم كتاب، ولا عقد حساب،.......

стр. 3005

ولا يتعلم سحرًا، ولا ينشد شعرًا، ولا يحفظ خبرًا، ولا يروي أثرًا، حتى أكرمه الله بالوحي المنزل، والكتاب المفصَّل، فدعاهم إليه وحاجَّهم به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] ، وشهد له في كتابه بذلك فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] . وأمَّا ما عدا القرآن من معجزاته ﵇؛ كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالًّا على صدقه من غير سبق تحدّ، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يديه ﷺ من خوارق العادات شيء كثير -..............

стр. 3006

كما يقطع بوجود جود حاتم، شجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت موارد الآحاد، مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر, ورواه العدد الكثير، والجمّ الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك.

стр. 3007

فلو ادَّعى مدَّعٍ أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظري لما كان مستبعدًا، وذلك أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك, ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق؛ لأن مجموعهم محفوظ عن الإغضاء عن الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئًا من ذلك, فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي أو تهمته بكذب، أو توقف في ضبطه أو نسبته إلى سوء الحفظ، أو جواز الغلط، ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي، كما وجد منهم في غير هذا الفن من الأحكام............................

стр. 3008

وحروف القرآن ونحو ذلك والله أعلم. وأنت إذا تأمَّلت معجزاته وباهر آياته وكراماته ﵇, وجدتها شاملة للعلوي والسفلي، والصامت والناطق، والساكن والمتحرك، والمائع والجامد، والسابق واللاحق، والغائب والحاضر، والباطن والظاهر، والعاجل والآجل, إلى غير ذلك مما لو أعيد لطال، كالرمي بالشهب الثواقب، ومنع الشياطين من استراق السمع في الغياهب، وتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتها له بالرسالة بين يديه, ومخاطبتها له بالسيادة، وحنين الجذع، ونبع الماء من كفِّه في الميضأة والتور والمزادة, وانشقاق القمر، ورد العين من العور، ونطق البعير والذئب..........................................

стр. 3009

والجمل، والنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه عبد الله من الأزل، وما سوى ذلك من المعجزات التي تداولتها الحملة، ونقلتها عن ألسنة الأول النقلة، مما لو أعملنا أنفسنا في حصرها لفني المدى في ذكرها. ولو بالغ الأولون والآخرون في إحصاء مناقبه لعجزوا عن استقصاء ما حباه الكريم به من مواهبه، ولكن الملمَّ بساحل بحرها مقصرًا عن حصر بعض فخرها، ولقد صحَّ لمحبيه أن ينشدوا فيه: وعلى تفنن واصفيه لنعته ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف وإنه لخليق بمن ينشد فيه قول الخنساء التي شهد لها النابغة الذبياني بأنها أشعر الناس, وقد أسلمت وصحبت: فما بلغت كف امرئ متناولًا ... من المجد إلّا والذي نال أطول ولا بلغ المهدون في القول مدحه ... ولو حذقوا إلّا الذي فيه أفضل

стр. 3010

ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفي, فلقد كفى وشفى بقوله: ما شئت قل فيه فأنت مصدق ... فالحب يقضي والمحاسن تشهد ولقد أبدع الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري حيث قال: دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم يعني: إن المداح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى شأوه،....... ......

стр. 3011

إذ لا حدَّ له، ويحكى أنه رؤي الشيخ عمر بن الفارض السعدي في النوم فقيل له: لم لا مدحت النبي ﷺ , فقال: أرى كل مدح في النبي مقصرًا ... وإن بالغ المثني عليه وأكثروا إذ الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين كأبي تمام والبحتري وابن الرومي مدحه ﷺ ، وكان مدحه عندهم من أصعب ما يحاولونه،...................

стр. 3012

فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل غلوٍّ في حقه تقصير، فيضيق على البليغ مجال النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلوّ بالنسبة إلى من فرضت له وجدتها صادقة في حق النبي ﷺ ، حتى كان الشعراء على صفاته يعتمدون, وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: "دع ما ادعته النصاري في نبيهم" إلى ما أظرت النصارى به عيسى بن مريم من اتخاذه إليها. قال النيسابوري: إنهم صحَّفوا في الإنجيل "عيسى نبي وأنا ولدته" فحرفوا الأول بتقديم الباء وخففوا اللام في الثاني، فلعنة الله على الكافرين. فإن قلت: هل ادَّعى أحد في نبينا ﵇ ما ادعى في عيسى؟ أجيب بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له ﵇: أفلا

стр. 3013

نسجد لك؟ فقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" فنهاهم عمَّا عساه يبلغ بهم من العبادة. وقد جاء في صفته في حديث ابن أبي هالة: ولا يقبل الثناء إلّا من مكافيء، أي: مقارب في مدحه غير مفرِّط فيه، وقال ابن قتيبة: معناه: إلّا أن يكون ممن له عليه مِنَّة، فيكافئه الآخر، وغلَّطه ابن الأنباري، بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله ﷺ ؛ لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلا به. قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلّا من رجل عرف حقيقة إسلامه. ثم حاصل.............................

стр. 3014

معجزاته وباهر آياته وكراماته كما نَبَّه عليه القطب القسطلاني يرجع إلى ثلاثة أقسام: ماض: وجد قل كونه، فقضى بمجده. ومستقبل: وقع بعد مواراته في لحده. وكائن معه من حين حمله ووضعه إلى أن نقله الله إلى محل فضله وموطن جمعه. فأما القسم الماضي: وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك، مما هو تأسيس لنبوته وإرهاص لرسالته،.........

стр. 3015

قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسًا وإرهاصًا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، يعني في سفره قبل النبوة، خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال، انتهى. وقد تقدَّم أول هذا المقصد: إن الذي عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم أن هذا ونحوه مما هو متقدّم على الدعوى لا يسمَّى معجزة، بل تأسيسًا للرسالة وكرامة للرسول ﵇. وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته ﷺ فكثير جدًّا؛ إذ في كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى, كالاستغاثة به, وغير ذلك مما يأتي في المقصد الأخير، في أثناء الكلام على زيارة قبره المنير.
следующие страницы →