Полный текст (5 943 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2976
كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم بإعجازه جمل كثيرة: فمن ذلك ما ورد عن محمد بن كعب قال: حدّثت أن عتبة بن ربيعة قال ذات يوم -وهو جالس في نادي قريش، ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى هذا فأعرض عليه أمورًا لعله يقبل منا بعضها ويكفّ عنا. قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ , فذكر الحديث فيما قاله عتبة, وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك, فلما فرغ قال رسول الله ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد؟ " قال: نعم، قال: "فاسمع مني"، قال: فافعل،.................
الحواشي
(١) كانوا من أهل الفصاحة والبلاغة، وإقرارهم" بالجرِّ عطف على قوله: الأخبار "بإعجازه جمل كثيرة.
فاعل ورد "فمن ذلك ما ورد عن محمد بن كعب" بن سليم بن أسد القرظي المدني، ثقة عالم, روى له الستة.
قال الحافظ: ولد سنة أربعين على الصحيح، ووهِمَ من قال: ولد في عهد رسول الله ﷺ ، فقد قال البخاري: إن أباه كان ممن لم يثبت من سبي قريظة، مات محمد سنة عشرين ومائة، وقيل: قبلها، "قال: حدثت" بالبناء للمجهول، قال في النور: لا أعرف مَنْ حدَّثه "أن عتبة بن ربيعة" الكافر المقتول ببدر، "قال ذات يوم، وهو جالس في نادي" مجلس قريش، الذي يجلسون فيه يتحدثون، "ورسول الله ﷺ جالس وحده في المسجد: يا معشر قريش! ألا أقوم إلى هذا" وفي رواية: إلى محمد، "فأعرض عليه أمورًا لعله أن يقبل منا بعضها،" فنعطيه أيها شاء، "ويكف عنا؟ قالوا: بلى يا أبا الوليد، فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ ، فذكر الحديث فيما قاله عتبة، وفيما عرض عليه من المال وغير ذلك" ولفظه فقال -أي تبة: يا ابن أخي! إنك منا حيث قد علمت من السبطة في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت به جماعتهم، وسفَّهت به أحلامهم، وعِبت به آلهتهم ودينهم، وكفَّرت من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورًا تنظر فيها، لعلك تقبل منا بعضها، فقال ﷺ : "قل يا أبواليد، أسمع" قال: يا ابن أخي, إن كنت إنما جئت بهذا تطلب مالًا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تطلب الشرف فينا, فنحن نسودك علينا حتى لا نقطع أمرًا دونك, وإن كنت تريد ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الأمر الذي يأتيك ريًا قد غلب عليك بذلنا أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك أو نعذر، "فلمَّا فرغ" من كلامه هذا، "قال رسول الله ﷺ : "أفرغت يا أبا الوليد" , قال: نعم، قال: "فاسمع مني" , قال: فافعل,стр. 2977
فقال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [فصلت: ١] ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ " فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها عليه، فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجد فيها, ثم قال: "سمعت يا أبا الوليد؟ " قال: سمعت, قال: "فأنت وذاك" فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به، فلمَّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: والله قد سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر ولا بالسحر ولا الكهانة، يا معشر قريش، أطيعوني، وخَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه، فوالله ليكونَنَّ لقوله الذي سمعت نبأ. قال: فأجابني بشيء, والله ما هو بسحر ولا شعر ولا كهانة: قرأ: بسم الله الرحمن الرحيم....................
الحواشي
(١) فقال رسول الله ﷺ : "بسم الله الرحمن الرحيم ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية، مبتدأ خبره ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ الآية. بَيَّنت الأحكام والقصص والمواعظ والأمثال وأساليب البلاغة، "فمضى رسول الله يقرؤها عليه،" أي: يقرأ بقية السورة، "فلما سمعها عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدًا عليهما يستمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة، فسجد فيها، ثم قال: "سمعت يا أبا الوليد؟ " قال: سمعت، قال: "فأنت وذاك" مرفوع وجوبًا عند الجمهور، نحو قولهم: أنت ورأيك، والنصب على أنه مفعول معه، أو على أن ما قبل الواو جملة حذف ثاني جزأيها، "فقام عتبة إلى أصحابه، فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به" لشدة تغيره مما سمع، فلمَّا جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال: ورائي أني "والله قد سمعت قولًا ما سمعت بمثله قط، والله ما هو بالشعر" وكان بعضهم قال: هو شعر لحسن نظمه وفصاحته، ولا بالسحر، وكان قال بعضهم، هو سحر للطافته، "ولا الكهانة" وكان بعضهم قال ذلك فيه لتحيرهم فيه، كل ذلك من التحيز والانقطاع، "يا معشر قريش! أطيعوني" واجعلوها في "خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه" فاعتزلوه، "فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ" فإن تصبه العرب فقد كفيتموه، وإن يظهر على العرب، فملكه ملككم، وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به، قالوا: سحرك يا أبا الوليد بلسانه، قال: هذا رأيي فيه, فاصنعوا ما بدا لكم، هذا بقية حديث محمد بن كعب عند ابن إسحاق.
وزاد في رواية غيره: "قال" عتبة معللًا لقوله: ليكونن لقوله نبأ: "فأجابني بشيء، والله ما هو بسحر، ولا شعر، ولا كهانة" كما تزعمون "قرأ: "بسم الله الرحمن الرحيم, لا دلالةстр. 2978
﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ [فصلت: ١٣] فأمسكت فمه وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أنَّ محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب, فخفت أن ينزل بكم العذاب. رواه البيهقي وغيره.
وفي حديث إسلام أبي ذر، ووصف أخاه أنيسًا فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، وقد ناقض اثنى عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم، وجاء إلى مكة, وجاء إليّ أبو ذر بخبر النبي ﷺ ، قلت: فما يقول الناس؟ قال: يقولون شاعر، كاهن، ساحر، لقد سمعت قول الكهنة، فما هو بقولهم، ولقد وضعته على أقراء الشعر........................
الحواشي
(١) فيه على أنها من السورة، للإجماع على ندب استفتاح القراءة في غير الصلاة بالبسملة، ﴿حم, تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الآية "حتى بلغ: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ الآية، أي: خوفتكم عذابًا يهلككم مثل الذي أهلكم، "فأمسكت فمه، وناشدته الرحم أن يكف، وقد علمتم أن محمدًا إذا قال شيئًا لم يكذب" فكيف يكذب على الله، "فخفت أن ينزل بكم العذاب، رواه البيهقي وغيره" كابن إسحاق: حدَّثني زيد بن زياد، عن محمد بن كعب القرظي، فذكره.
وفي رواية: أن عتبة لم يرجع إليهم، وظنّوا إسلامه، فذهبوا له، فغضب وحلف لا يكلم محمدًا أبدًا، وقال: قد علمتم أنه لا يكذب..... إلى آخره، فإن صحّا أمكن الجمع بينهما.
"وفي حديث إسلام أبي ذر" الغفاري، "ووصف أخاه أنيسًا،" بالتصغير ابن جنادة، بن سفيان بن عبيد، بن حرام، بن غفار الغفاري، أسَنّ من أبي ذر، وأسلم على يده، وهاجرا معًا، "فقال: والله ما سمعت بأشعر من أخي أنيس، قد ناقض اثني عشر شاعرًا في الجاهلية أنا أحدهم" أي: عارضهم في قصائدهم، فأتى بمثلها، وهذا يدل على فصاحته ومعرفته بالشعر وقدرته عليه.
قال الجوهري: النقيضة في الشعر ما ينقض به، وقال المجد: أن يقول شاعر شعرًا، فينقض عليه شاعر حتى يجيء بغير ما قاله. "وإنه انطلق إلى مكة" لحاجة له، وجاء إلي أبو ذر بخبر النبي ﷺ فقال: رأيت رجلًا بمكة يزعم أن الله أرسله، قلت: فما يقول الناس" فيه؟ " قال" أنيس: "يقول: شاعر، كاهن، ساحر،" أي: بعضهم يقول هذا وبعض هذا، وأبطله، فقال: "لقد سمعت قول الكهنة، فما هو" أي: النبي أو كلامه ملتبس "بقولهم، ولقد وضعته".
أي: قوله, كما هو لفظه في مسلم، "على أقراء" بفتح الهمزة والمد "الشعر،" أي:стр. 2979
فلم يلتئم ولا يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر، وإنه لصادق وإنهم لكاذبون. رواه مسلم والبيهقي.
وعن عكرمة في قصة الوليد بن المغيرة، وكان زعيم قريش في الفصاحة: أنه قال للنبي ﷺ : اقرأ علي، فقرأ عليه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْأِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] إلى آخر الآية. قال: أعد، فأعاد ﷺ ، فقال: والله إن له لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإن أعلاه لمثمر, وإن أسفله لمغدق.....................
الحواشي
(١) أنواعه وأنحائه.
وقال الزمخشري: إقراؤه قوافيه التي يختم بها كإقراء الطهر التي ينقطع الدم عندها، واحدها قرء مثلث القاف، "فلم يلتئم" بالهمز من الملاءمة، أي: لم أره مناسبًا ولا موافقًا لها لفظا ولا معنًى، وأين الثريا من الثرى؟ "ولا يلتئم" لا يتفق على لسان أحد بعدي، أنه" بفتح الهمزة "شعر"؛ إذ ليس أحد أعلم به، ولا أقدر عليه مني, فلو أمكن فعلت، فحيث لم يتفق لي لا يتفق لغيري، والمراد: إبطال كونه شعرًا بعدما أبطل كونه سحرًا وكهانة، ولذا عقبه بقوله: "وإنه" أي: النبي ﷺ "لصادق" في قوله: "إنه من عند الله "وإنهم" أي: الكفار لكاذبون" في جميع ما قالوه، "رواه مسلم" في الفضائل مطولًا جدًّا، "والبيهقي في الدلائل كذلك.
"وعن عكرمة" مولى ابن عباس فيما رواه البيهقي مرسلًا، "في قصة الوليد بن المغيرة،" بضم الميم، وكسر المعجمة، ابن عبد الله المخزومي، مات كافرًا، وكان زعيم" سيد "قريش في الفصاحة، أنه قال للنبي ﷺ : اقرأ علي" شيئًا من القرآن لينظر فيه، "فقرأ عليه: " ﴿إَِّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ التوحيد أو الإنصاف ﴿وَالْأِحْسَانِ﴾ الآية، أداء الفرائض أو أن تعبد الله كأنك تراه، كما في الحديث. ﴿وَإِيتَاءِ﴾ إعطاء ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ القرابة, خصَّه بالذكر اهتمامًا به "إلى آخر الآية" وخص هذه الآية لمناسبتها للطالب من أقاربه، وفيها عظة له وتنبيه، وهو من رؤساء عقلانهم، فرجا ﷺ بذلك لكمال رأفته ورحمته أن يهدي للإسلام.
"قال" الوليد: أعد قراءتك، "فأعاد ﷺ : فقال: والله إن له لحلاوة" أي: عذوبة فصاحة، استعارة لما يستلذه السمع، وإن عليه لطلاوة" مثلث الطاء، حسنًا وبهجة وقبولًا، وأكدهما بالقسم، وإن والجملة الاسمية وقدَّم الخبر للحصر، إشارة إلى أنه لا يشبه غيره من الكلام. "وإن أعلاه لمثمر" أي: له طيب كثير، استعارة تمثيلية، والمراد: أن أصله قوي ليس من جنس كلام البشر، ومعانيه مفيدة مرشدة لسعادة الدارين وحسن العاقبة، "وإن أسفله الغدق"، وهو كثرةстр. 2980
وما يقول هذا بشر، ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه ولا بأشعار الجن، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة, وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر أعلاه, مغدق أسفله, وإنه ليعلو ولا يُعْلَى عليه.
وفي خبره الآخر: حين جمع قريشًا عند حضور الموسم وقال: إن وفود العرب تردنا، فأجمعوا فيه رأيًا، لا يكذب بعضكم بعضًا،.......................................
الحواشي
(١) الماء، وأراد بأسفله ما تضمنه من المعاني، فهو تمثيلية أيضًا، شبهه لفصاحته وبلاغته بشجرة شربت عروقها ماء غزيرًا، فاهتزت وربت، وأينعت ثمرتها وكثرت، ويجوز كونها مكنية وتخييلية.
وفي رواية ابن إسحاق: وإن أصله لعذق -بفتح المعجمة، وكسر المهملة، قال في الروض: رواية ابن إسحاق أفصح؛ لأنها استعارة تامة، آخر الكلام فيها يشبه أوله، وجناه -بفتح الجيم والنون- الثمرة، "وما يقول هذا بشر"؛ لأنه لا يشبه كلامهم بوجه من الوجوه، لحلاوة نظمه، وبديع أسلوبه، وبلاغة معانيه، وجزالة مبانيه، يعني: إنه ليس مفترى مختلفًا، وخصَّ البشر؛ لأنهم المعروفون بالبلاغة، وإلا فهو معجز للجن أيضًا، على أنه صرح بذلك في قوله: "ثم قال لقومه: والله ما فيكم رجل أعلم بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه" نوع من الشعر معروف، فهو خاص على عام، ففيه حجة لقول الجمهور: الرجز شعر, "ولا بأشعار الجن" مني، "والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا" المذكور، "والله إن لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة, وإنه لمثمر، أعلاه مغدق أسفله", وأعاد ذلك للتأكيد ولشدة اللذَّة الحاصلة له بسماعه، "وإنه ليعلو" يرتفع على ما سواه، "ولا يُعْلَى عليه", وبقية هذا عند البيهقي: "وإنه ليحطم ما تحته، وفي خبره" أي: الوليد: "الآخر حين جمع قريشًا" يعني أشرافهم ورؤساهم، "عند حضور الموسم" للحج، "وقال: إن وفود العرب تردنا" أي: تقدم عليكم، وقد سمعوا بأمر صاحبكم، "فأجمعوا" -بقطع الهمزة، وإسكان الجيم، وكسر الميم- "فيه رأيًا" أي: اعزموا وصمموا عليه من أجمع المختص بالمعالي دون الأعيان، لا من جمع؛ لأنه مشترك بينهما.
قال تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ الآية، ثم أتى الذي جمع مالًا وعدَّده، وأمَّا قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ﴾ الآية. فوقع الفعل على وشركاءكم" بطريق العطف، ويغتفر في التابع ما لا يغتفر في المتبوع أو تقديره، كما قيل: وأحضروا شركاءكم. لا يكذب -بضم الياء، وسكون الكاف، وخفة الذال، أو بفتح الكاف وشد الذال المكسورة- منстр. 2981
فقالوا: نقول إنه كاهن، قال: والله ما هو بكاهن, ما هو بزمزمته ولا سجعه، قالوا: مجنون. قال: ما هو بمجنون ولا بخنقه ولا بوسوسته، قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر، قد عرفنا الشعر كله. رجزه وهزجه وقريضه ومبسوطه ومقبوضه، ما هو بشاعر. قالوا: فنقول ساحر، قال: ما هو بساحر، ولا نفثه ولا عقده، قالوا: فما نقول: قال: فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلّا وأنا أعرف أنه باطل،.............
الحواشي
(١) أكدب وكذب، "بعضكم بعضًا" إذا اختلفتم، قالوا: فأنت أقم لنا رأيًا نقوله فيه، قال: بل أنتم، فقولوا أسمع, "فقالوا: نقول إنه كاهن" يخبر عن المغيبات، ويدَّعي معرفة الأسرار، وكانوا في العرب كثيرًا، كشق وسطيح، وكان لهم كلام مشجع, فمنهم من له جني يخبره بالأخبار، ومنهم من يدَّعي معرفة ذلك بأسباب وأمور يأخذها من كلام سائله وفعله وحاله، ويقال له: عرَّاف، "قال: والله ما هو بكاهن", لقد رأينا الكهَّان، "ما هو بزمزمته" أي: صوته الذي لا يفهم، كصوت الرعد، وذلك أصوات الكهنة، "ولا سجعه" الذي يسجعه وقت كهانته، "قالوا: مجنون" اختلَّ عقله، فاختل كلامه وفعله" قال:" والله "ما هو بمجنون" لقد رأينا المجنون وعرفناه، ولا" هو "بخنقه" بفتح النون، وكسرها، وإسكانها ثلاث لغات، ذكره المصنف، "ولا بوسوسته" بفتح الواو: مصدر شيء يلقى في القلب وفي السمت بصوت خفي يحدث به المرء نفسه, ولذا سمي حديث النفس، أي: لا يشبه حاله، "قالوا: فنقول شاعر، قال: وما هو بشاعر, قد عرفنا الشعر كله رجزه وهزجه" بفتح الهاء والزاي والجيم: أحد بحور الشعر، لكن المنقول أن أسماءها منقولات للخليل بن أحمد، فهي منقولة من الهزج نوع مطرب من الأغاني، ولو قيل: إنه اسم لضرب من الشعر كانت العرب تتغنى به كان أقرب وانسب بقوله: "وقريضه"؛ لأنه ليس اسم بحر من بحور العروض، وهو لغة الشعر مطلقًا من قرض بمعنى قطع, أي: مطولات قصائده المقابلة لما قبله فيتناول الطويل والبسيط وغيرهما، ومقبوضه" مختصرًا وزانه المسمَّى في العروض بالمنهوك والمجزور, وتكلف من فسَّر مبسوطه ببحر البسيط، وإن زيادة الميم لمشاكلة مقبوضة، "ما هو بشاعر" أعاده تأكيدًا، "قالوا: فنقول ساحر، قال: وما هو بساحر", لقد رأينا السحار وسحرهم, فما هو بساحر، "ولا نفثه ولا عقده" بفتح فسكون أو بضم ففتح: جمع عقدة التي يعقدها في الخيط ينفخ فيها بشيء يقوله بلا ريق أو معه، "قالوا: فما نقول" بالنون نحن، أو الفوقية: أي: أنت "قال:" والله إن لقوله لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أصله لعذق، وإن فرعه لجناه، فما أنتم قائلون من هذا شيئًا إلا وأنا أعرف أنه باطل، ليس بمقبول عندي ولا عند أحد من العقلاء الذين يعرفونه, وقدَّم الضمير لتقوية الحكم؛ لأنه يقدم لذلك أوстр. 2982
رواه ابن إسحاق والبيهقي.
وأخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق بن يسار قال: حدثني إسحاق بن يسار عن رجل من بني سلمة قال فتيان بني سلمة: قال عمرو بن الجموح لابنه: أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل، فقرأ عليه ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ فقال: وما أحسن هذا وأجمله، أَوَكل كلامه مثل هذا؟ قال: يا أبت وأحسن من هذا.
وقال بعضهم -بعض العلماء:.........................................................
الحواشي
(١) للحصر في نفسه بادّعاء أن غيره يجهل ذلك، وفيه بعده، وبقية خبره: وإن أقرب القول فيه أن تقولوا ساحر جاء بقول هو سحر، يفرِّق بين المرء وأبيه، وبين المرء وأخيه، وبين المرء وزوجه، وبين المرء وعشيرته, فتفرقوا عنه بذلك, فجعلوا يجلسون لسبل الناس حين قدموا الموسم، لا يمر بهم أحد إلا حذروه إياه، وذكروا لهم أمره, فصدرت العرب من ذلك الموسم بأمر رسول الله ﷺ ، فانتشر ذكره في بلاد العرب كلها، "رواه" بتمامه هذا "ابن إسحاق والبيهقي" بإسناد جيد عن ابن عباس.
"وأخرج أبو نعيم من طريق" محمد بن إسحاق بن يسار" إمام المغازي، صدوق، مدلس، قال: حدثني" أبو "إسحاق بن يسار، المدني، ثقة من التابعين، عن رجل من بني سلمة، بكسر اللام، بطن من الأنصار قال: لما أسلم فتيان بني سلمة، قال عمرو،" بفتح العين، ابن الجموح -بفتح الجيم، وخفة الميم- ابن زيد بن حرام بن كعب الأنصاري السلمي، من سادات الأنصار، استشهد بأحد، "لابنه" معاذ، شهد العقبة وبدرًا، وشارك في قتل أبي جهل: "أخبرني ما سمعت من كلام هذا الرجل " وكان أسلم قبل أبيه، "فقرأ عليه" ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ الآية. "إلى قوله: ﴿الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ الآية. "فقال" عمرو لابنه: "ما أحسن هذا وأجمله، أوكل كلامه مثل هذا؟ قال: يا أبت وأحسن من هذا" قال ابن إسحاق: كان عمرو بن الجموح سيدًا من سادات بني سلمة، وشريفًا من أشرافهم، وكان قد اتخذ في داره صنمًا من خشب يعظمه، فلمَّا أسلم فتيان بني سلمة منهم ابنه معاذ، ومعاذ بن جبل كانوا يدخلون على صنمه فيطرحونه في بعض حصر بني سلمة، فيغدو عمرو، فيجده منكبًا لوجهه في العذرة، فيأخذه ويغسله ويطيبه ويقول: لو أعلم من صنع بك هذا لأضربنَّه، ففعلوا ذلك مرارًا, ثم جاء بسيفه فعلقه عليه، وقال: إن فيك خير فامتنع، فلمَّا أمسى أخذوا كلبًا ميتًا، فربطوه في عنقه، وأخذوا السيف، فأصبح، فوجده كذلك، فأبصر رشده وأسلم.
وقال ابن الكلبي: كان آخر الأنصار إسلامًا، "وقال بعضهم" وفي نسخة "بعض العلماء،стр. 2983
إن هذا القراءن لو وجد مكتوبًا في مصحف في فلاة من أرض, ولم يعلم من وضعه هناك لشهدت العقول السليمة أنه منَزَّل من عند الله، وأن البشر لا قدرة لهم على تأليف مثل ذلك, فيكف إذا جاء على يد أصدق الخلق وأبرهم وأتقاهم, وقال: إنه كلام الله، وتحدَّى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا، فكيف يبقى مع هذا شك. انتهى.
واعلم أن وجوه إعجاز القرآن لا تنحصر, لكن قال بعضهم: إنه قد اختلف العلماء في إعجازه على ستة أوجه.
أحدها: إن وجه إعجازه هو الإيجاز والبلاغة،...................................
الحواشي
(١) "إن هذا القرآن لو وجد مكتوبًا في مصحف في فلاة من الأرض، ولم يعلم من وضعه هناك، لشهدت العقول السليمة أنه منَزَّل من عند الله، وأنَّ البشر" وأولي الجن" لا قدرة لهم على تأليف ذلك، فكيف إذا جاء على يد أصدق الخلق، وأبرهم، وأتقاهم، و"قد قال: إنه كلام الله وتحدَّى الخلق كلهم أن يأتوا بسورة من مثله فعجزوا, فكيف يبقى مع هذا شك؟ انتهى" كلام البعض.
"واعلم أنَّ وجوه" أي: أنواع "إعجاز القرآن" التي يعلم بها إعجازه، وأنه لا يقدر عليه بشر، "لا تنحصر" بعدد, وإن أفردها خلائق بالتصنيف، وقد قال في الشفاء، بعدما قال: إن تحصيلها من جهة ضبط أنواعها أربعة، وبسطها، ثم زاد عليها جملة، قال: وإذا عرفت ما ذكره من وجوه إعجاز القرآن، عرفت أنه لا يحصى عدد معجزات بألفٍ ولا ألفين، ولا أكثر؛ لأنه ﷺ قد تحدَّى بسورة منه، فعجزوا عنها.
قال أهل العلم: وأقصر السور ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ الآية. فكل آية أو أيات منه بعددها منه معجزة، ثم فيها نفسها معجزات على ما سبق.
"لكن قال بعضهم: إنه قد اختلف العلماء في" وجه "إعجازه على ستة أوجه" أي: إنها جملة الوجوه التي حصل بها الإعجاز, وليس المراد أن من قال بواحد نفى غيره.
"أحدها: إن وجه إعجازه" أي: جعل غيره عاجزًا عن معارضته والإتيان بمثله، هو الإيجاز:" قلة اللفظ وكثرة المعاني، "والبلاغة الخارقة عادة العرب بأن يكون في الحد الأعلى، أو ما يقرب الإعجاز فيه من جهة البلاغة، لكن صعب عليهم تفصيلها, فصغوا فيه إلى حكم الذوق، وقال: والتحقيق أن أجناس الكلام مختلفة، ومراتبا في درجات البيان متفاوتة، فمنها: البليغ الوصيف الجزل، ومنها الفصيح القريب السهل، ومنها الجائز الطلق الرسل، وهي أقسامстр. 2984
مثل قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [البقرة: ١٧٩] فجمع في كلمتين عدد حروفهما عشرة أحرف معاني كلام كثير.
وحكى أبو عبيد: أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ [الحجر: ٩٤] فسجد وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام...............................................
الحواشي
(١) الكلام الفاضل فالأول أعلاها، والثاني أوسطها, والثالث أدناها وأقربها, فجاءت بلاغة القرآن من كل قسم من هذه الثلاثة, فانتظم لها بذلك نمط يجمع صفة الفخامة والعذوبة، وأطال في بيان ذلك نقله في الإتقان, ثم قال: اختلف في تفاوت القرآن في مراتب الفصاحة بعد اتفاقهم على أنه في أعلى مراتب البلاغة، بحيث لا يوجد في التراكيب ما هو أشد تناسبًا، ولا اعتدالًا في إفادة المعنى منه، فاختار القاضي المنع، وإن كان كلمة فيه موصوفة بالذروة العليا، وإن كان بعض الناس أحسن إحساسًا له من بعض. واختار أبو نصر القشيري وغيره التفاوت، وأن فيه الأفصح والفصيح, وإليه نحا العز بن عبد السلام وأورد: لِمَ لم يأت القرآن جميعه بالأفصح، وأجاب غيره، بأنه لو جاء على ذلك لكان على غير النمط المعتاد في كلام العرب من الجمع بين الأفصح والفصيح، فلا تتمّ الحجة في الإعجاز, فجاء على نمطهم المعتاد ليتمَّ ظهور العجز عن معارضته، ولا يقولوا مثلًا: أتيتنا بما لا قدرة لنا على جنسه، كما لا يصح للبصير أن يقول للأعمى: غلبتك بنظري؛ لأنه يول له: إنما تتم لك الغلبة لو كنت قادرًا على النظر, وكان نظرك أقوى من نظري، فأمَّا إذا فقد أصل النظر، فكيف يصح معنى المعارضة، انتهى، والرصيف بفتح الراء وكسر المهملة وبالفاء، الشديد المضموم، والجزل، بفتح الجيم، وسكون الزاي، فلام القوي الشديد الرونق، "مثل قوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية، أي: بقاء عظيم، "فجمع في كلمتين" هما المبتدأ والخبر؛ لأنهم لا يعتبرون جزء الكلمة، وأما قوله: ﴿وَلَكُمْ﴾ فخبر آخر لحياة، أو أحدهما خبرًا، والآخر صلة له "عدد حروفهما عشرة أحرف" بحذف ألف أل والياء في قوله, في، لأنهم إنما يعدون ما ينطقون به لا ما يكتب، والعرب لم تكن تعرف الكتابة "معاني كلام كثير".
"وحكى أبو عبيد" القاسم بن سلام البغدادي أحد الأعلام، مَرَّ بعض ترجمته، "أن أعرابيًّا سمع رجلًا يقرأ: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ الآية. جهر به من صدع بالحجة إذا تكلم جهارًا، أو افرق به بين الحق والباطل، وأصله: الإبانة والتمييز، وما مصدرية أو موصولة, والعائد محذوف, أي: بما تؤمر به من الشرائع، كما في البيضاوي "فسجد" الأعرابي لما أدهشه من بلاغته، "وقال: سجدت لفصاحة هذا الكلام"؛ إذ ليست آية سجدة، وإنما هزَّه العجب لفصاحته، حتى ذلَّ ومرَّغ وجهه في التراب، وكان هذا معروفًا في مثله، حتى قال بعضهم للشعر، سجدات وليس المعنى:стр. 2985
وسمع آخر رجلًا يقرأ: ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا﴾ [يوسف: ٨٠] فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام.
وحكى الأصمعي: أنه رأى جارية خماسية أو سداسية وهي تقول: استغفر الله من ذنوبي كلها، فقلت لها: ممن تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ فقالت:
استغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانًا بغير حله
مثل غزال ناعم في دله ... انتصف الليل ولم أصله
فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك،................... ......................
الحواشي
(١) سجدت لله لأجل فصاحته، كما وهم وسمع أعرابي "آخر رجلًا يقرأ ﴿فَلَمَّا اسْتَيْأَسُوا مِنْهُ﴾ الآية، يئسوا من يوسف، وزيدت السين والتاء للمبالغة في اليأس، ﴿خَلَصُوا﴾ ، اعتزلوا ﴿نَجِيًّا﴾ الآية، مصدر يصلح للواحد وغيره، أي: يناجي بعضهم بعضًا، "فقال: أشهد أن مخلوقًا لا يقدر على مثل هذا الكلام"؛ لإعجاز بلاغته وخروجها عن طوق البشر، فإنك لو وزنت قولك، لما لم يطعم يوسف، ولم يجبهم، ذهبوا وتشاوروا فيما بينهم فيما يقولون بعد هذا، وكيف يرجعون لأبيهم، عرفت بالذوق أن لا مناسبة بينهما.
"وحكى الأصمعي" بفتح الهمزة، والميم، بينهما مهملة ساكنة، ثم مهملة، نسبة إلى جده، فإنه عبد الملك بن قريب بالتصغير، ابن عبد الملك بن علي بن أصمع, أبو سعيد الباهلي، البصري، صدوق سني، روى له أبو داود والترمذي، مات سنة ست عشرة، وقيل: سنة عشر ومائتين وقد قارب تسعين "أنه رأى جارية" أي: صغيرة السن، "خماسية، أو سداسية" بلغت خمسًا أو ستًا" "وهي تقول: أستغفر الله من ذنوبي كلها،" قال الأصمعي: "فقلت لها مِمَّ تستغفرين ولم يجر عليك قلم؟ إذ لم تبلغي الحلم، فقالت:"
أستغفر الله لذنبي كله ... قتلت إنسانًا بغير حله
بالكسر، أي: لا بسبب يبيح قتله، "مثل غزال " صفة إنسانًا "ناعم في دله" أي: تُدَلِّلُه وتكسره في مشيته، "انتصف الليل ولم أصله، إخبار عن ذنب آخر أي: لم أتهجد فيه ثم يحتمل أن المراد بإنسانًا نفسها، أي: قتلت نفسي بعدم فعل الطاعات لانتصاف الليل وما صليت، ويحتمل غيرها، والقتل له حقيقي أو مجازي عن هجرها له ونحوه، أي: كدت أقتله، وهذا أظهر؛ إذ قتلها الحقيقي أو بالعشق بعيد لصغرها جدًّا، "فقلت لها: قاتلك الله ما أفصحك, تعجب من فصاحتها مبالغًا في تعجبه, فإنها تقال لمن أتى بأمر بديع غريب، وليس المراد حقيقة لدعاء, بل شدة الاستحسان كأنه ممن يستحق أن يحسد ويدعى عليه، "فقالت: أو تعد" بالفوقية للمعلوم".стр. 2986
فقالت: أَوَتَعُدّ هذا فصاحة بعد قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [القصص: ٧] فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين.
وحكي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يومًا نائمًا في المسجد، فإذا برجل على رأسه، يتشهد شهادة الحق، فأعلمه أنه من بطارقة الروم،................
الحواشي
(١) والتحتية للمجهول، وفتح همزة الاستهام والواو العاطفة، والهمزة مقدمة من تأخير، أو داخلة على مقدر معطوف عليه على الخلاف الشهير، أي: أتعجب وتعد هذا" الكلام "فصاحة؟ أي: فصيحًا، "بعد قوله تعالى" أي: مع فصاحة القرآن، لا يعد غيره فصيحًا لسامعه، فإنه أزرى بكل فصاحة فصيرها كالعدم، "وأوحينا" الآية، وحي إلهام أو منام ﴿إِلَى أُمِّ مُوسَى﴾ الآية. ولم يشعر بولادته عن أخته ﴿أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ الآية. البحر، أي: النيل ﴿وَلا تَخَافِي﴾ الآية. "غرقه" ﴿وَلا تَحْزَنِي﴾ الآية، لفراقه، ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، الآية فأرضعته ثلاثة أشهر، لا يبكي، وخافت عليه، فوضعته في تابوت مطلي بالقار من داخل، ممهد له, وألقته في بحر النيل ليلًا، "فجمع في آية واحدة بين أمرين:" أرضعيه وألقيه، "ونهيين" ولا تخافي ولا تحزني, و"خبرين" ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ , ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ "وبشارتين" ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية. وهذا أولى من جعل الخبرين: أوحينا وخفت؛ لأنَّ أوحينا وحده ليس هو المقصود بالإخبارية، وخفت، وإن كان خبرًا في الأصل لكنه باقترانه بأداة الشرط خرج عن كونه خبرًا، ولا يضر كون ﴿إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ﴾ خبرًا وبشارة، لاختلاف الجهة فيهما، ثم المراد بالفصاحة هنا البلاغة؛ لأنها تطلق عليها، كما قال عبد القاهر.
قال في الشفاء: فهذا، أي: الجمع بين ما ذكر في آية واحدة نوع من إعجازه، منفرد بذاته، غير مضاف لغيره على التحقيق والصحيح.
"وحكي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يومًا نائمًا في المسجد" النبوي, فإذا -فجائية- برجل" بباء الملابسة على رأسه" أي: منتصف القامة بجانب رأس عمر، وهو حقيقة عرفية في مثله "يتشهد شهادة الحق" أي: ينطق بالشهادة, فاستخبره، فأعلمه، كما في الشفاء فسقط من الناسخ لفظ: فاستخبره, وفي نسخة: خبَّره، أنَّه من بطارقة الروم -جمع بطريق، ككبريت- القائد من قواد الروم، تحت يده عشرة آلاف رجل، كما في القاموس.стр. 2987
ممن يحسن كلام العرب وغيرها, وأنه سمع رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم, فتأملتها فإذا قد جمع الله فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة, وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ﴾ [النور: ٥٢] الآية.
وقد رام فوق من أهل الزيغ والإلحاد، أوتوا طرفًا من البلاغة، وحظًّا من البيان، أن يضعوا شيئًا يلبسون به، فلمَّا وجده مكان النجم من يد المتناول، مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما لوقوع الشبهة على الجهال فيما قلَّ عدد....................
الحواشي
(١) وقال الجواليقي: لما سمعت العرب أن البطارقة أهل رئاسة، وصفوا الرئيس به يريدون المدح، قال أبو ذؤيب:
هم رجعوا بالعرج والقوم شهد ... هوازم يخدوها حماة بطارق
"ممن يحسن كلام العرب وغيرها" من عبرانية وسريانية ورومية، وهذا توطئة؛ لأنه يفهم القرآن والإنجيل ويقدر على النظر في معانيهما، ولذا قال: وإنه سمع رجلًا من أسرى المسلمين يقرأ آية من كتابكم" أيها المسلمون، يعني القرآن، "فتأملتها" نظرت بفكري في معناها، "فإذا هي قد جمع فيها ما أنزل الله على عيسى ابن مريم من أحوال الدنيا والآخرة" بان لما, أي: من الأحوال التي تلزم العبد في الدنيا التي هو سبب النجاة والفوز في الآخرة وهي قوله تعالى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فيما يأمرانه أو في الفرائض والسنن ﴿وَيَخْشَ اللَّهَ﴾ ألآية" يخفه فيما صدر عنه من الذنوب، ﴿وَيَتَّقْهِ﴾ الآية، يجتنب ما يوجب عقوبته، فيما بقي من عمره الآية، أي: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ الآية، بالنعيم المقيم أو سعادة الدارين, وذلك لأنها آمرة بجميع الطاعات, وباجتناب جميع المعاصي, والمبادر إلى التوبة والفوز بالمطلوب"وقد رام قوم من أهل الزيغ" الميل عن الحق إلى الباطل، التوبة والفوز بالمطلوب, وقد رام قوم من أهل الزيغ: الميل عن الحق إلى الباطل، والإلحاد: الطعن في الدين "أوتوا طرفًا من البلاغة وحظًّا" نصيبًا "من البيان أن يضعوا شيئًا يلبسون -بفتح أوله، وسكون اللام وفتح الباء وكسرها، وبضم أوله، وفتح اللام وشد الباء- مكسوة من التلبيس شدد مبالغة يخلطون به, فلما وجده مكان النجم من يد المتناول, أي: بعيدًا لا يتخيل الوصول إليه، كما لا يتخيل أحد أن يتناول نجمًا بيده من محله، "مالوا إلى السور القصار، كسورة الكوثر والنصر وأشباههما لوقوع" أي: دخول الشبهة على الجهال" القاصرة عقولهم عن تمييز الحسن من القبيح، ولو قال: لإيقاع كان أَوْلَى؛ لأن الغرض منه فعله وتزويجه ما يقول: "فيما قلَّ عدد حروفه؛ لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال،стр. 2988
حروفه؛ لأن العجز إنما يقع في التأليف والاتصال.
وممن رام ذلك من العرب بالتشبث بالسور القصار، مسيلمة الكذَّاب فقال: يا ضفدع نقي كم تنقين، أعلاك في الماء وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين. فلما سمع أبو بكر ﵁ هذا قال: إنه لكلام لم يخرج من إل.
قال ابن الأثير: أي من ربوبية، و"الإل" بالكسر هو الله تعالى. وقيل: الإل هو الأصل الجيد، أي: لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن.
ولما سمع مسيلمة الكذاب -لعنه الله- و"النازعات" قال: والزارعات زرعًا والحاصدات حصدًا والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والحافرات حفرًا، والثاردات ثردًا, واللاقمات لقمًا، لقد فضلتم على أهل الوبر, وما سبقكم أهل المدر. إلى غير ذلك من الهذيان، مما ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه والله أعلم.
الحواشي
(١) وممن رام ذلك من العرب بالتشبث: " التعلق "بالسور القصار: مسيلمة" بضم الميم، وكسر اللام، تصغير مسيلمة، ففتح لامه خطأ من بني حنيفة "الكذاب، فقال: يا ضفدع نقي كم تنقين،" أي: تصوتين "أعلاك في الماء، وأسفلك في الطين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين، فلما سمع أبو بكر الصديق ﵁ هذا" الكلام "قال: إنه لكلام لم يخرج من "إل" بكسر الهمزة، وتثقيل اللام.
"قال ابن الأثير" في النهاية: "أي: من ربوبية، والإلّ، بالكسر هو الله تعالى، وقيل: الإلّ هو الأصل الجيد، أي: لم يجئ من الأصل الذي جاء منه القرآن، ولما سمع مسيلمة الكذاب -لعنه الله- ﴿وَالنَّازِعَاتِ غَرْقًا﴾ الآية. "قال: والزارعات" بذال معجمة من ذروت الشيء طيرته وأذهبته، "قمحًا، والطاحنات طحنًا، والحافرات حفرًا، والثاردات ثردًا" بمثلثة، "واللاقمات لقمًا، لقد فضلتم على أهل الوبر" بفتحتين، صوف الإبل والأرانب ونحوها، جمعه: أوبار، "وما سبقكم أهل المدر" بفتحتين: قطع الطين اليابس، أو العلك الذي لا رمل فيه، والمدن والحضر، كما في القاموس، "إلى غير ذلك من الهذيان،" التكلم بغير معقول، "مما ذكرت في الوفود من المقصد الثاني بعضه والله أعلم".
"وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج من بطنها نسمة تسعى من بينстр. 2989
وقال آخر: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى, أخرج من بطنها نسمة تسعى، من بين شراسيف وأحشى.
وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل.
ففي هذا الكلام مع قلة حروفه من السخافة ما لا خفاء فيه على من لا يعلم، فضلًا عمَّن يعلم.
والثاني: إن إعجازه هو الوصف الذي صار به خارجًا عن جنس كلام العرب من النظم والنثر والخطب والشعر والرجز والسجع،.....................................
الحواشي
(١) شراسيف" بشين معجمة، وراء وسين مهملة، جمع شرسوف، كعصفور، غضروف معلق بكل ضلع أو مقسط الضلع، وهو الطرف المشرف على البطن، "وأحشى:" جمع حشى.
"وقال آخر: الفيل ما الفيل، وما أدراك ما الفيل، له ذنب وثيل" -بمثلثة- طويل، يشبه الحبل في امتداده، "ومشفر،" بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الفاء، "طويل، وإن ذلك من خلق ربنا لقليل، ففي هذا الكلام مع قلة" وفي نسخة: قلت بالفاء، "حروفه من السخافة، قلة العمل، "ما لا خفاء فيه على من لا يعلم فضلًا عمَّن يعلم؛" إذ كل من سمعه يمجّه، ويعلم ضرورة هجنته ولكنته.
"و" الوجه "الثاني: إن إعجازه هو الوصف،" بالغ في العلة حتى جعلها محمولة على المبتدأ، كزيد عدل فلا يرد أن الوصف علة للإعجاز الذي هو تصبير الغير عاجزًا، لأجل الوصف الذي صار به خارجًا عن جنس كلام العرب" من حسن تأليفه، والتئام كلمة وفصاحته، ووجوه إيجازه من قصر وحذف جزء جملة مضاف، أو موصوف، أو صفة في نحو: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ ، أي: أهلها ومنادون ذلك، أي: رجال, و ﴿يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا﴾ ، أي: سفينة صالحة، وغير ذلك مما استدلَّ عليه من وجوه الإعجاز وبلاغته الخارقة عادة العرب في عجائب تراكيبهم وغرائب أساليبهم، وبدائع إنشاءاتهم، وروائع إشاراتهم الذين هم فرسان الكلام، ومن صورة نظمه العجيب، وأسلوبه الغريب، المخالف لأساليب العرب، ومناهج نظمها، ونثرها الذي جاء به القرآن، ووقفت عليه تقاطع آياته، أي: أواخر وقوفها، كالتامّ والكافي، وانتهت إليه فواصل كلماته، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له. انتهى ملخصًا من الشفاء.
"من النظم" بيان لكلام العرب, "والنثر" بمعنى المنظوم والمنثور، "والخطب والشعر والرجز" عطف أخص على أعمّ إذا الراجح أنه شعر، "والسجع" بمهملة: كلام له فواصل بمعنى المسجوع.стр. 2990
فلا يدخل في شيء منها, ولا يختلط بها, مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم، ومستعملة في نثرهم ونظمهم، ولذلك تحيَّرت عقولهم، وتدلهت أحلامهم, ولم يهتدوا إلى مثله في حسن كلامهم، فلا ريب أنه في فصاحته قد قرع القلوب..........................
الحواشي
(١) قال المجد: السجع: الكلام المقفَّى، أو موالاة الكلام على رويّ, جمعه أسجاع وسجوع وسجع كمنع, نطق بكلام له فواصل، وسجعت الحمامة: رددت صوتها.
وفي المصباح: إن تسمية مثل هذا سجعًا لتشبيهه بهدر الحمامة، والفرق بينه وبين الشعر أنه يعتبر فيه الوزن قصدًا بخلاف السجع, فلا يعتبر فيه الوزن هذا، ومغايرة الثاني للأول من حيث أنه لوحظ فيه جانب المعنى، ككون الكلام مطابقًا لمقتضى الحال من التأكيد وغيره، والثاني: لوحظ فيه جانب اللفظ المتعلق بكيفية التأليف من الحذف لبعض الأجزاء وغيره، بدليل قوله: من النظم........... إلخ، وبه يصرّح كلام القاضي المتقدم.
"فلا يدخل في شيء منها" حتى يتَّصف بشيء من الأوصاف التي بني عليها كلام العرب، بل هو أعلى منها وأغلى، وإن شاركها في أنه مؤلف من كلماتهم، ونزل على أساليب كلامهم، نظرًا لأصل اشتماله على تراكيب من نوع تراكيبهم، لكن تراكيب القرآن في أعلى طبقات الفصاحة، فلم يعد شيء منه داخلًا في جنس كلامهم, ولا يختلط" أي: يشتبه بها", بحيث لو جمع شيء منه مع كلامهم تميز عنه تميزًا، لا يخفى على أحد، ومثل ذلك لا يكون من الخلط في شيء، "مع كون ألفاظه وحروفه من جنس كلامهم، ومستعملة" بالنصب عطفًا على محل ما قبله؛ لأنه خبر كون "في نثرهم ونظمهم، ولذلك تحيَّرت عقولهم" وقعت في الحيرة، فالعناد يمنعهم من الاعتراف أنه من عند الله، وظهور إعجازه في قولهم: مفترى وسحر ونحو ذلك، "وتدلهت،" -بفتح أوله، والمهملة واللام الثقيلة- دهشت وتحيِّرت في شأنه، "أحلامهم" عقولهم، فهو قريب مما قبله.
وفي نسخة: تولهت بواو، وبدل الدال من الوله، وهو الحيرة أيضًا، قال بعض: والأحسن تفسير التدله بذهاب العقل من الهوى, فيكون ترقى من خيرته إلى ذهابه، "ولم يهتدوا إلى مثله، "أي: ألم يقدروا على الإتيان بما يماثله أو يقرب منه، ولا سمعوه من فصائحهم، "في حسن كلامهم" الذي يقدرون عليه، ونفى به قواهم البشرية من نظر، أو نظم، أو رجز، أو شعر، "فلا ريب،" لا شكَّ في "أنه في فصاحته قد قرع القلوب" أثَّر فيها، إذا ورد عليها أثرًا، كتأثير منстр. 2991
ببديع نظمه, وفي بلاغته قد أصاب المعاني بصائب سهمه، فإنه حجة الله الواضحة، ومحجته اللائحة، ودليله القاهر، وبرهانه الباهر، ما رام معارضته شقي إلّا تهافت تهافت الفراش في الشهاب، ودلَّ ذل النقد حول الليوث الغضاب.
وقد حكى عن غير واحد ممن عارضه أنه اعترته روعة وهيبة كفته عن ذلك، كما حكي عن يحيى بن حكيم الغزل -بتخفيف الزاي وقد تشدد, وكان بليغ الأندلس في زمانه........
الحواشي
(١) قرع الباب "ببديع نظمه" أي: بسبب تأليفه البديع, فهو من إضافة الصفة للموصوف، "و" ريب أنه "في بلاغته قد أصاب المعاني" أدركها؛ بحيث أخذ منها أوفرها وأعذبها، "بصائب سهمه" من إضافة الصفة للموصوف أيضًا، فإن قيل: الباء سببية أو آلية، وذلك يقتضي مغايرة السبب والآلة للمسبب، وللمجعول له الآلة والقرآن واحد، فالجواب: إنه يجعل صائب السهم وصفًا زائدًا على بلاغته، ولفظه: "فإنه حجة الله" برهانه "الواضحة ومحجته" -بفتح الميم- طريقه "اللائحة" الظاهرة، "ودليله القاهر" الغالب، فإن الدليل إذا قوي وظهر قهر الخصم وقطعه، "وبرهانه الباهر" الغالب الظاهر، ما رام قصد معارضته شقي إلّا تهافت، تساقط وذلَّ وانخفض عن نوع العقلاء، حتى كأنه رمى نفسه في المهالك، كما أفاده بقوله: "تهافت الفراش" -بالفتح- جمع فراشة, طائر معروف يتساقط في الشهاب، ككتاب شعلة من نار ساطعة، "ودلَّ, ذلَّ النقد" -بفتح النون والقاف، والذال المهملة- نوع من الغنم قبيح الشكل, "حول الليوث" جمع ليث الأسود، "الغضاب" جمع غضبان، كعطاش وعطشان.
"وقد حكي عن غير واحد ممن عارضه" أي: قصد معارضته بكلام يماثله، "أنه اعترته:" حدثت له وأصابته "روعة" -بفتح الراء وسكون الواو: فزعة, "وهيبة" أي: مخافة "كفته" منعته "عن ذلك" الذي أراده من المعارضة، "كما حكى عن يحيى بن حكيم" بزنة طبيب، قال في التبصير: شاعر أندلسي بديع القول، مات سنة خمس وخمسين ومائتين في عشر المائة، انتهى. وسمي في الشفاء والده الحكم بفتحتين، "الغزال، تخفيف الزاي" كما جزم به الذهبي في المشتبه، والحافظ في تبصيره: علم منقول من اسم الحيوان، لقَّبه به هشام بن الحكم الجياني في صغره لحسنه، "وقد تشدَّد" فهو وصف منسوب لصنعة الغزال، "وكان بليغ الأندلس" -بفتح الهمزة، وضم الدال، وفتحها، وضم اللام فقط- "في زمانه" أي: معروفًا بالبلاغة وفصاحة النظم والنثر في عصره، وهو بكري قرطبي الدار، وله شعر في غاية الحسن، وارتحل إلى مصر، ثم عاد للأندلس، ويقال: إنه بلغ من العمر مائة وثلاثين سنة، وأرسل رسولًا لبلاد الفرنج، فأعجب ملكها ونادمه، وسألته زوجته عن سنِّه، فقال: عشرين، فقالت: فما هذا الشيب؟ فقال: أمَا رأيتстр. 2992
أنه قد رام شيئًا من هذا، فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها، وينسج على منوالها، فاعترته خشية ورِقَّة، حملته على التوبة والإنابة.
ويحكى أن ابن المقفع -وكان أفصح أهل وقته- طلب ذلك ورامه, ونظم كلامًا وجعله مفصلًا وسماه سورًا, فاجتاز يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ..........﴾ [هود: ٤٤] الآية فرجع ومحى ما عمله....................
الحواشي
(١) مهرًا ولد أشهب، فضحكت، "أنه قد رام" قصد "شيئًا من هذا" أي: معارضة القرآن "فنظر في سورة الإخلاص ليحذو على مثالها" من حدوته بمهملة ومعجمة، إذا قمت بحذائه، أي: مقابله، فالمعنى: ليقول مثلها بزعمه، "وينسج" بكسر السين "على منوالها، بكسر الميم: خشبة ينسج عليها الثياب، وهو بمعنى ما قبله "فاعترته" أي: عرض له في حال النظر "خشية" خوف أو ضعف ولين "حملته على التوبة" عمَّا كان راحه والنوم عليه, "والإنابة" الرجوع عنه لعلَّة أنه أمر وتعظيم "ورقة" في قلبه وخشوع لا يقدر عليه البشر.
"ويحكى أن ابن المقفع" بضم الميم، وفتح القاف، والفاء المشددة قبل العين المهملة، كما ضبطه في المقتفي، وفي القاموس، رجل مقفَّع اليدين، كعظم متشنجهما، وموان بن المقفع تابعي، وأبو محمد عبد الله بن المقفع، فصيح بليغ، كان اسمه روزيه أو داذية بن داذ جشنش قبل إسلامه، وكنيته أبو عمرو، لقِّب أبوه بالمقفع؛ لأن الحجاج ضربه فتقفعت يده، وتقفع تقبض، انتهى.
وقال ابن مكي في تثقيف اللسان: الصواب فيه المقفع -بكسر الفاء؛ لأنه كان يعمل القفاع: جمع قفعة وهي شيء يشبه الزنبيل بلا عروة من خصوص، ويقال: إنه كاتب المنصور، قتله سفيان المهلبي لما ولي البصرة، وحضره أهلها، وفيهم ابن المقفع، فذكر عنده الوطيس، فلم يعرفه، وسأل الحاضرين عنه، فضحك ابن المقفع، فلمَّا انصرفوا أمر ابن المقفع بالجلوس حتى خلا المجلس، فأمر بتنور عظيم، فأسجر، وأمر بطرحه فيها، فاحترق، وكان من جملة قوم زنادقة يجتمعون على الطعن في القرآن، وصياغة هذيان يعارضون بها، "وكان أفصح أهل وقته" زمانه وعصره الموجود فيه، "طلب ذلك ورامه، ونظم كلامًا، وجعله مفصلًا وسماه سورًا، فاجتاز يومًا بصبي يقرأ في مكتب قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ﴾ الآية. الذي نبع منك, فشربته دون ما نزل من السماء، فصار أنهارًا وبحارًا ﴿وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي﴾ الآية، أمسكي عن المطر، فأمسكت ﴿وَغِيضَ﴾ نقص ﴿الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ "الآية" ثم هلاك قوم نوح, ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ ، الجودي، جبل بالجزيرة بقرب الموصل، "فرجع ومحا" جميع ما عمله" أي: غسله، وأبطل ما في صحفه لما رآها لا مناسبة بينها وبين شيءстр. 2993
وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر.
ولله در العارف سيدي محمد وفا حيث قال، يعني النبي ﷺ والقرآن المعظم:
له آية الفرقان في عين جمعه ... جوامع آيات بها اتضح الرشد
حديث نزيه عن حدوث منزه ... قديم صفات الذات ليس له ضد
بلاغ بليغ للبلاغة معجز ... له معجزات لا يعد لها عد
الحواشي
(١) من الكتاب العزيز، "وقال: أشهد أن هذا لا يعارض أبدًا، وما هو من كلام البشر" لظهور إعجازه؛ إذ في هذه الآية من البلاغة المعجزة، مع الإيجاز أنه ناداهما كما ينادى العقلاء، وأمرهما بما به يؤمرون، تمثيلًا لباهر قدرته وعظمته، لانقيادهما لما أراد، كالمأمور المطيع، المبادر للامتثال حذرًا من سطوة أمره، والبلع استعارة للجفاف، والإقلاع للإمساك، وفيها لطائف آخر مبينة في علوم البلاغة.
"ولله در العارف سيدي محمد وفا؛ حيث قال: يعني" يريد بما قاله "النبي ﷺ والقرآن العظيم, له آية الفرقان " بإضافة البيان، أي: آية هي القرآن، وفي نسخة الفرقان، "في عين جمعه" يطلق الجمع عندهم على معانٍ، منها: الاشتغال بشهود الله عمَّا سواه، بحيث يجتمع الهمّ، ويتفرغ الخاطر إلى حضرة قدسه تعالى، وعلى شهود ما سوى الله قائمًا بالله، وعلى غير ذلك مما هو معلوم لأهله، "جوامع آيات" خبر محذوف من إضافة الصفة للموصوف، أي: هو آيات جوامع، "بها اتضح الرشد،" هو "حديث" أي: محدث الألفاظ؛ كقوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث، نزيه" منَزَّه "عن حدوث" إذ العاني القائمة بالذات قديمة، فأشار إلى أن القرآن يطلق بالاشتراك على المعنيين، "منَزَّه" عن كل ما لا كمال فيه، يعني أن القرآن مع كونه ألفاظًا مؤلَّفة متَّصف بغاية الكمال، منَزَّه عن سائر صفات النقص، "قديم" خبر ثان للمبتدأ المقدَّر، ووصفه بالقدم؛ لأنه كلامه تعالى النفسي، القائم بذاته تعالى، "صفات" أي: وهو من صفات "الذات ليس له ضد" أمر وجودي يضاده؛ لأن الضدين تناسبًا ما وصفاته تعالى وكمالًا؛ لأنه ليس لها في الوجود ما يناسبها حتى يحكم بالتضاد بينهما، "بلاغ" كسحاب، أي: فيه الكفاية عن جميع الكتب السابقة لجمعه معانيها، وزيادة أو هو اسم من الإبلاغ، أي: الإيصال، أي: إنه واصل لنا بالتواتر.
قال الجوهري: الإبلاغ الإيصال، وكذلك التبليغ والاسم منه البلاغ، والبلاغ أيضًا الكفاية، ومنه قول الراجز:стр. 2994
تحلت بروح الوحي حلة نسجه ... عقود اعتقاد لا يحل لها عقد
وغاية أرباب البلاغة عجزهم ... لديه وإن كانوا هم الألسن اللد
فأفاكهم بالإفك أعياه غيه ... تصدى وللأسماع عن غيه صد
قلى الله أقوالًا بهاجر هجرها ... هوانًا بها الورهاء والبهم البلد
تلاها قتل الفحش في القبح وجهها ... وعن ريبها الألباب نزهها الزهد
لقد فرَّق الفرقان شمل فريقه ... بجمع رسول الله واستعلن الرشد
أتى بالهدى صلى عليه إلهه ... ولم يله بالأهواء إذ جاءه الجد
الحواشي
(١) نزج من دنياك بالبلاغ
"بليغ" في أعلى الطبقات، "للبلاغة" قال الجوهري: البلاغة الفصاحة، معجز" أصحاب البلاغة، "له معجزات لا يعدّ لها عد، لعدم إمكان عدها؛ إذ لا تحصر، تحلت" بحاء مهملة، "بروح الوحي حلة نسجه" فاعل تحلّت ومفعوله، عقود، اعتقاد لا يحل لها عقد" لعدم إمكانه؛ إذ هو تنزيل من حكيم حميد، وغاية أرباب البلاغة عجزهم لديه" عنده، "وإن كانوا هم الألسن اللد،" القوية، البالغة في الفصاحة: جمع ألدّ من لَدَّ من باب تعب: اشتدت خصومته، فأفَّاكهم" كذَّابهم "بالإفك" أسوأ الكذب، "أعياه غيه:" ضلاله، حيث تصدى: تعرض لمعارضته.
قال في القاموس: والتصدد: التعرض وتبدل الدال ياء، فيقال: التصدي والتصدية، وللإسماع عن غيه صدَّ" إعراض لفرط نفارها منه، "قلى" أبغض "الله أقوالًا بهاجر" يترك هجرها -بالضم- فحشها وقبحها المشتملة عليه، "هوانًا بها الورهاء" الحمقاء، "والبهم،" بفتحتين جمع بهمه: أولاد الضأن والبقر والمعز، "البلد" جمع بليد، "تلاها فتل،" بفوقية، ألقى "الفحش" المشتملة عليه تلك الهذيانات "في القبح" متعلق بقوله: "وجهها" ما ظهر منها مفعول الفحش، "وعن ريبها كذبتها؛ إذ هو أحد معانيه في القاموس، "الألباب" العقول، "نزهها الزهد، عدم الرغبة فيها عند سماعها واحتقارها، لخروجها عن باب الفصاحة مطلقًا فضلًا عن فصاحة القرآن، "لقد فرَّق الفرقان" القرآن فرقه بين الحق والباطل، "شمل فريقه" أي: أصحاب هاتيك الأقوال الموصوفة بما ذكر، ويحتمل أن فرق، بمعنى ميّزَ، وضمير فريقه للقرآن، أي: مَيِّزَ شمل فريقه القائمين به عن غيرهم، "بجمع رسول الله، واستعلن الرشد" اتضح وضوحًا لا يخفى على أحد، وفيه تلميح بمقام الجمع والفرق عندهم، "أتى بالهدى" البيِّن، فلا يضرنا انتحال المبطلين، "صلى عليه إلهه ولم يله بالاهواء؛ إذ جاءه الجد"، بالكسر ضد الهزل، كما قال: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ, وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ ، ويطلق الجد أيضًا على الاجتهاد ويصح إرادته هنا.стр. 2995
والثالث: أن وجه إعجازه هو أن قارئه لا يمله, وسامعه لا يمجه، بل الإكباب على تلاوته يزيده حلاوة، وترديده يوجب له محبة وطلاوة، ولا يزال غضًّا طريًّا، وغيره من الكلام ولو بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه يمل مع الترديد، ويعادى إذا أعيد، وكتابنا يستلذ به في الخلوات،.....................
الحواشي
(١) "والثالث: إن وجه إعجازه" فيما قاله جماعة من الأئمة، كما في الشفاء، "هو أن قارئه لا يمله" لا يضجر ولا يسأم منه، ولو أعاده مرارًا، مع أن الطباع جبلت على معاداة المعادات، "وسامعه لا يمجه" بضم الميم: لا يعرض عنه ولا يكره تكراره على سمعه, فحقيقة المج: طرح المائع من الفم، فإن كان غير مائع، قيل: لفَظ, وعبَّر في الأول بالملل تشبيهًا للقارئ بصانع يتعاطى الصناعة، والغالب حصول الملل، وفي الثاني بالمج تشبيهًا للسامع بواضع المائع في فمه، وتشبيه المسموعات بالمذوقات استعارة لطيفة؛ إذ أقام الإذن مقام الفم، واللفظ مقام المائع لرقته، كما قيل:
وتغير المعتاد يحسن بعضه ... للورد خد بالأنوف يقبل
فاستعير لتركه، فكأنه كالنفس لا يمل منه مع تكرره؛ لأنه مادة الحياة. كم قيل:
ورى حديثك ما أمللت مستمعًا ... ومن يمل من الأنفاس ترديدًا
"بل الإكباب" الملازمة "على تلاوته يزيده حلاوة" ترقى من عدم الملل إلى زيادة الحلاوة، وأصاب المحزلان ما يمجّ مرّ أو مالح، يكره طبعًا، والحلاوة في المذوقات، وهي أجسام، حلاوة الكلام مجاز، ومعناه تميل القلوب إليه وتقبله، فيصير بذلك كالحلو المستلذ من المذوقات، "وترديده" إعادته وتكريره مرة بعد أخرى، "يوجب له محبة" لزيادة حلاوته وحسنه، "وطلاوة:" حسنًا وبهجة وقبولًا، مثلث الطاء، كما مَرَّ قريبًا، "ولا يزال" كلما كرر "غضًّا" بمعجمتين، أي: جديجًا مجاز من غض الصوت والطرف، "طريًّا" أي: رطبًا ناعمًا، فلا تتغير بهجته ونضارته, فكأنه في كل مرة قريب العهد بالنزول، وقال التلمساني: عمَّا بمعنى ولا يبعد أن معنى غضًّا، رطبًا وطريًّا ناعمًا، فكأنه قال: لا يزال طريًّا ناعمًا غير يابس، وذلك كناية عن حلاوة ما يجده الإنسان من النشاط عند تلاوته، فأشبه النبت الذي تميل النفس إليه وتلتذّ به، "وغيره من الكلام، ولو" فرض أنه "بلغ في الحسن والبلاغة مبلغه" أي: غايته في حسنه، "يمل" بالبناء للمجهول، أي: يملّه قارئه وسامعه "مع الترديد" أي: التكرير مرارًا، "ويعادى إذا أعيد" أي: يكره ويثقل، وتنفر منه النفس، كنفرتها ممن يعاديها، وهذا على فرض المحال لما مر أنه لا يوجد مثله، ولا ما يقرب منه، كذا قال شارح بناء على عود، ضمير مبلغه للقرآن، فلو أعيد للكلام لم يحج لذلك، وكتابنا" معاشر الأمة المحمدية، النازل إلينا بواسطة نبينا ﷺ "يستلذ به في الخلوات" أي: يجد قارئه لذة إذا اختلى بقراءته،стр. 2996
ويؤنس بوجد بتلاوته في الأزمات، وسواه من الكتب لا يوجد فيها ذلك، حتى أحدث وألف أصحابها لها لحونًا وطرقًا، يستجلبون بتلك اللحون تنشيطهم على قراءتها، ولهذا وصف ﷺ القرآن................................................
الحواشي
(١) وخَصَّ الخلوة لأنها محل اجتماع الحواس واطمئنان القلوب بذكر الله، فهو فيها أعظم لذة، وإن كان له لذة أيضًا بقراءته بين الناس، "ويؤنس" بضم الياء وإسكان الهمزة، وفتح النون مبني للمجهول، أي: "يوجد بتلاوته" أنس، يدفع الوحشة "في الأزمات" بفتح الهمزة، وسكون الزاي: جمع أزمة، وهي الشدة، وقياس ما كان من الصفات على فعله -بفتح، فسكون- أن يجمع على فعلات، بسكون العين نحو ضخمات، ويفتح في الاسم كسجدات وركعات، هذا إن كانت سالمة، فإن اعتلت عينها بالواو والياء، فالسكون على الأشهر، كما في المصباح كغيره، فانقلب على من قال: تسكن في الأسماء، وتحرك في الصفات، "وسواه" بضم السين وكسرها، مقصور على الرواية، أي: غيره وتفنن، فعبَّر أولًا بغير، وهنا بسوى، بمعناها "من الكتب" المنزَّلة قبله، كذا استظهر بعض "لا يوجد فيها ذلك" المذكور من اللذة والأنس "حتى أحدث" وألف أصحابها من يقرؤها لها" للكتب، "لحونًا" جمع لحن واحد، ألحان الأغاني والنغمات التي تزين بها الأصوات، وتوزن بضروب الموسيقى, والمراد هنا: ترجيع الأصوات للتطريب، تحسينًا للقراءة والشعر، "وطرقًا" جمع طريق، وهي: ما يجري على قانون الموسيقى ضروبها الموزونة، كذا في النسيم.
وقال شيخنا: وطرقًا عطف تفسير، والمراد: إن غير القرآن يخترعون له أسبابًا تحمل الناس على الرغبة فيه والإقبال عليه، فالمصنفون للكتب يذكرون فيها اصطلاحات وأشياء تميزها عن غيرها، مما هو مؤلف في فنها، ليحملوا الناس على قراءتها "يستجلبون" أي: يطلبون وجودها, أو يجلبون لهم ولمن يسمعهم "بتلك اللحون" والنغمات "تنشيطهم" أي: وجود نشاطهم وطربهم "على قراءتها", أي: على تطويل قراءتها وزيادتها، أو على أن يقرأها غيرهم، كقراءتهم إن أريد باللحون تغني القارئ نفسه، ويحتمل أن يريد بما أحدثوه ما يكون مع القارئ من آلات الطرب كالمزامير، كذا قال شارح "ولهذا" أي: ما اختص به القرآن من عدم ملل قارئه، وما بعده "وصفه ﷺ القرآن" في حديث رواه الترمذي عن على: أن رسول الله ﷺ قال: "إنها ستكون فتنة" قيل: فما المخرج؟ قال: "كتاب الله, فيه نبأ من قبلكم، وخبر من بعدكم، وحكم ما بينكم، هو الفصل ليس بالهزل، من تركه من جبار قسمه الله، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله، وهو حبل الله المتين، وهو الذكر الحكيم، وهو الصراط المستقيم، هو الذي لا تزيغ به الأهواء، ولا تشبع منه العلماء، ولا تلتبس به الألسن، ولا يخلق عن الرد، ولا تنقضي عجائبه، هو الذي لم تنته الجن؛ إذ سمعته أن قالوا: إنا سمعنا قرءانًا عجبًا، يهدي إلىстр. 2997
بأنه: "لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عبره، ولا تفنى عجائبه، هو الفصل ليس بالهزل، لا تشبع منه العلماء ولا تزيغ به الأهواء، ولا تلتبس به الألسنة، هو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا:......
الحواشي
(١) الرشد، من قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن عمل به أُجِر، ومن دعى إليه هدى إلى صراط مستقيم". هذا لفظه في الترمذي، فاقتصر المصنف على حاجته منه، وقدَّم فيه وأخَّر، فقال بأنه: "لا يخلق" بفتح الياء، وضمَّ اللام وتفتتح، أي: لا يبلى ويتغير حاله، وبضم أوله، وكسر اللام من أخلق بمعنى خلق؛ لأنه جاء متعديًا ولازمًا، فلامه مثلثة بمعنى واحد، "على" بمعنى مع "كثرة الرد" بمعنى الترديد، أي: كثرة تكرار قراءته، والعادة أنها تؤثر وتفني ما كرر؛ كالثوب إذا كرر لبسه، ففيه استعارة مكنية وتخييلية، لتشبيهه بثوب رقيق، يلبس ليتجمل به، والمراد: أمَّا الملل منه، فهو دليل ما قدمه، أن قارئه لا يمله، وأما التصرف فيه بنحو تحريف، "ولا تنقضي عبره" بكسر المهملة، وفتح الموحدة، جمع عبرة بسكونها، أي: موعظة التي يعتبر بها، الحاملة على كمال الإيمان، الصارفة عن العصيان، عبارة عن كثرتها وبقائها، "ولا تفنى عجائبه" أي: لكثرتها لا تنفد، وتنتهي, جمع عجيبة، وهي كل ما يتعجب منه، فكلما أعيد النظر فيها ظهر ما هو أغرب وأعجب من الأول، "هو الفصل" أي: الحد الفاصل بين الحق والباطل، أو المفصول المتميز عن غيره، فعل، بمعنى فاعل أو مفعول، "ليس بالهزل" اللعب، أي: لا لعب فيه ولا كلام سخيف، وهو في الأصل من الهزل ضد السمن، فهو كله سمين لا غثّ فيه، لما فيه من الأوامر والنواهي التي يهابها سامعها، "لا تشبع منه العلماء" أي: لا تستغنى عنه، ولا تزال تستنبط منه معاني وفوائد في كل حين، وفي الحديث: "منهومان لا يشبعان، طالب علم وطالب دنيا" فشبهه بمأكول بأقوام الحياة، إلّا أن كل مأكول يشبع آكله إذا امتلأ جوفه منه، وهذا بخلاف ذلك, موائد فوائده ممدودة، وألوان لذائذه غير مقطوعة ولا ممنوعة، "ولا تزيغ"، بفتح الفوقية، وكسر الزاي، وتحتية معجمة، تميل "به الأهواء" بالمد: جمع هوى، وهو ما تهواه وتشتهيه الأنفس من الضلال، أي: لا يصل من اتبعه، ويميل إلى هوى نفسه الأمَّارة، "ولا تلتبس به الألسنة" جمع لسان: وهو الجارحة, شاع في اللغات، فالمعنى لا يشبه غيره من الكلام، فلا يمكن اختلاطه به وإدخاله فيه؛ لأن أسلوبه ونظمه لا يشبه غيره، فالمراد: أنه لا يمكن أن يدس فيه دسيسة، "هو الذي لم تنته" لم تنكف وتترك "الجن حين سمعته أن قالوا" بفتح الهمزة، ومحله نصب أو جر، بتقدير عن ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا﴾ الآية، في بلاغته، وعلوّ رتبته، وبركته وعزته ﴿يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ الآية، يدل على الصواب من الإيمان والتوحيد، وهو تبكيت لقريش؛ إذ مكثوا سنين مع فصاحتهم لم يهتدوا، والجن بمجرد سماعه آمنوا بلا توقف، وتقدمتстр. 2998
﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا, يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ﴾ " أشار إليه القاضي عياض.
والرابع: إن وجه إعجازه هو ما فيه من الأخبار بما كان، مما علموه وما لم يعلموه، فإذا سألوه عنه فبينه لهم عرفوا صحته وتحققوا صدقه كالذي حكاه من قصة أهل الكهف وشأن موسى...............
الحواشي
(١) قصتهم في المقصد الأول، "أشار إليه" بمعنى: ذكره بلفظه "القاضي عياض" في الشفاء، من أول قوله: هو أن قارئه إلى هنا.
"والرابع: إن وجه إعجازه هو ما فيه من الأخبار بما كان" وجد، كأخبار القرون الماضي والأمم الهالكة، والشرائع الدائرة، "مما علموه، وفي الشفاء مما كان لا يعلم القصة الواحدة منه إلا الفذ من الأحبار، الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي ﷺ على وجهه، فيعترف العالم بذلك بصدقه، وإن مثله لم ينله بتعليم، "وما لم يعلموه، فإذا سألوا" بالبناء للفاعل "عنه" عمَّا لم يعلموه، "فبينه لهم، عرفوا صحته" لموافقته لما بلغهم إجمالًا، "وتحققوا صدقه", وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه ﷺ عن هذا فينزل عليه ما يتلو عليهم منه ذكرًا، "كالذي حكاه من قصة أهل الكهف،" الغار الواسع في الجبل، واختلف في أنه بعربسوس في بلاد الروم، وكما تظافرت به الأخبار، أو قرب أيلة، أو طرسوس، أو غرناطة، أو قرب زيرا، أو بين أيلة وفلسطين، سألته اليهود عنها لما قدم المدينة، كما في الصحيح، عن ابن مسعود.
وفي الترمذي: وغيره، عن ابن عباس, قالت قريش ليهود: أعطونا شيئًا نسأل عنه هذا الرجل، وملخصها: أنهم كانوا في مملكة جبار، يعبد الأوثان، فخرجوا، فجمعهم الله على غير ميعاد، فأخذ بعضهم على بعض العهود, ففقدهم أهلهم، فأخبروا الملك، فأمروا بكتابة أسمائهم في لوح من رصاص وجعله في خزانته، ودخل الفتية الكهف، فضرب الله على آذانهم يقلبون لأكلتهم الأرض، ثم ذهب ذلك الملك، وجاء آخر فكسَّر الأوثان، وعبد الله وعدل، فبعث الله أصحاب الكهف، فبعثوا أحدهم يأتيهم بما يأكلون, فدخل المدينة مستخفيًا، فدفع درهمًا لخباز، فاستنكر ضربه، وهمَّ برفعه إلى الملك، فقال: أتخوفني بالملك وإني دهقانه؟ قال: من أبوك؟ قال: فلان، فلم يعرفه، فرفعوه إلى الملك، فسأله، فقال: علي باللوح، وكان قد سمع به، فسمَّى أصحابه، فعرفهم من اللوح, فكثر الناس وانطلقوا إلى الكهف، وسبق الفتى لئلَّا يخافوا من الجيش، فلمَّا دخل عليهم عمَّى الله على الملك ومن معه، فلم يدر أين ذهب الفتى، فاتفقوا على أن يبنوا عليهم مسجدًا، فجعلوا يستغفرون لهم ويدعون.
"وشأن موسى" بن عمران كليم الله لا موسى غيره، كما زعم أهل الكتاب وبعض منстр. 2999
والخضر ﵉، وحال ذي القرنين،.........................................
الحواشي
(١) تلقى عنهم، وفي البخاري عن ابن عباس: تكذيب قائل ذلك. "والخضر ﵉" بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وبسكون ثانية، مع فتح أوله وكسره- لقب، واسمه بليا بن ملكان، على أصح الأقوال، وهو بفتح الموحدة، وسكون اللام، وتحتية، فألف وأبوه، بفتح الميم وسكون اللام وفي الصحيح مرفوعًا: "إنما سمي الخضر، لأنه جلس على فروة، فإذا هي تهتز من تحته خضراء" والفروة: الأرض اليابسة.
وقال الخطابي: الفروة وجه الأرض، أنبتت واخضرت بعد أن كانت جرداء، وهو نبي عند الجمهور.
قال القرطبي: والآية تشهد بذلك؛ لأن النبي لا يتعلم ممن هو دونه؛ ولأن الحكم بالباطن إنما يطلع عليه الأنبياء، ثم اختلفوا: هل هو رسول أم لا؟ وقيل: إنه وليّ.
قال الثعلبي: وهو معمّر على جميع الأقوال، محجوب عن الأبصار، وقيل: لا يموت إلا في آخر الزمان، حين يرفع القرآن، وقال ابن الصلاح: هو حي عند جمهور العلماء والعامة معهم، وشذَّ بإنكاره بعض المحدثين.
قال النووي: وذلك متفق عليه بين الصوفية وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به أكثر من أن تحصر، وجزم البخاري وإبراهيم الحربي، وابن العربي وطائفة بموته، وأنه غير موجود الآن، للحديث المشهور، أنه ﷺ قال في آخر حياته: "لا يبقى على الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد".
قال ابن عمر: أراد بذلك انخرام قرنه, وأجاب من أثبت حياته: بأنه كان حينئذ على وجه البحر، أو هو مخصوص من الحديث، كما خصّ منه إبليس باتفاق، وجاء في اجتماعه بالنبي ﷺ حديث ضعيف، رواه ابن عدي، وبسط الكلام عليه في الإصابة والفتح وغيرهما.
"وحال ذي القرنين" الأكبر، الحميري، المختلف في نبوته، والأكثر، وصحَّح أنه كان من الملوك الصالحين، وذكر الأزرقي وغيره: أنه حج وطاف مع إبراهيم وآمن به واتبعه، وكان الخضر وزيره، وعن علي: لا نبيًّا كان ولا ملكًا, ولكن كان عبدًا صالحًا.
وحكى الثعلبي: أنه كان من الملائكة, وقيل: أمه من بنات آدم، وأبوه من الملائكة، لقب بذي القرنين, واسمه الصعب على الراجح، كما في الفتح, أو هرمس، أو هرديس، أو عبد الله. وفي اسم أبيه أيضًا خلف لطوافه قرني الدنيا، شرقها وغربها، أو لانقراض قرنين من الناس في أيامه، أو لأنه كان له ضفيرتان من شعر، والعرب تسمي الخصلة من الشعر قرنًا، أو لأن لتاجه قرنين أو على رأسه ما يشبه القرنين، أو لكرم طرفيه أمًا وأبًا، أو لغير ذلك أقوال.стр. 3000
وقصص الأنبياء وأممهم، والقرون الماضية في دهرها.
والخامس: إن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب، والإخبار بما يملكون، فيوجد على صدقه وصحته،..............................................
الحواشي
(١) وفي مرآة الزمان: إن ذا القرنين مات ببابل، وجعل في تابوت، وطلي بالصبر والكافور، وحمل إلى الإسكندرية، فخرجت أمه في نساء الاسكندرية حتى وقفت على تابوته, وأمرت به فدفن، قيل: عاش ألف سنة، وقيل: ألفًا وستمائة، وقيل: ثلاثة آلاف سنة. انتهى.
وأما ذو القرنين الأصغر، فهو الإسكندري اليوناني، قتل دارًا، وسلبه ملكه، وتزوج بنته، واجتمع له الروم وفارس، فلقب بذي القرنين.
قال السهيلي: ويحتمل أنه لُقِّبَ به تشبيهًا بالأول، لملكه ما بين المشرق والمغرب، فيما قيل أيضًا، واستظهره الحافظ، وضعَّف قول أن زعم أن الثاني هو المذكور في القرآن، كما أشار إليه البخاري بذكره قبل إبراهيم؛ لأن الإسكندر كان قريبًا من زمن عيسى، وبَيْنَه وبين إبراهيم أكثر من ألفي سنة، والحق أن الذي في القرآن هو المتقدّم؛ لأنه آمن بإبراهيم، وصافحه وسلم عليه وسأله أن يدعو له، وتحاكم إليه إبراهيم في بئر، فحكم له، واستفهمه عن بناء الكعبة حين كان يبنيها هو وإسماعيل، فقالا: نحن عبدان مأموران فقال: من يشهد لكما، فشهدت خمسة أكبش، فقال: صدقتما، كما ورد في آثار يشد بعضها بعضًا؛ ولأن الرازي جزم أن ذا القرنين نبي، والإسكندر كافر؛ ولأنه من اليونان، وذو القرنين من العرب، وقد قدمت ذلك بأبسط من هذا في المقصد الأول.
"وقصص" بالفتح مصدر وبالكسر جمع قصة، أي: سير "الأنبياء وأممهم" مفصلًا بأبلغ عبارة وألطف إشارة، "والقرون الماضية في دهرها" وشبه ذلك من بد الخلق، وما في التوراة، والإنجيل، والزبور، وصحف إبراهيم وموسى، ومما صدقه فيه العلماء بها، ولم يقدروا على تكذيبه، بل أذعنوا له، فمن وفق آمن، ومن شقي معاند حاسد، ومع هذا لم يقدر واحد من النصارى واليهود، مع شدة عدواتهم للنبي ﷺ على تكذيبه في شيء بما في كتبهم، كما بسطه في الشفاء.
"والخامس: إن وجه إعجازه هو ما فيه من علم الغيب", وهو شامل لما سبق مما لم يدركه هو ولا أهل عصره، وما يقع بعد ذلك مما لا يعلمه إلّا الله، كما قال: "والإخبار بما يكون فيوجد، أي: يقع بعد ذلك، دالًّا "على صدقه" لمطابقته لما أخبر به، "وصحته" كقوله: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ , ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ , ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ﴾ ، ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ﴾ الآية، إلى آخرها، فوجد جميع هذا، كما قال في آياتстр. 3001
مثل قوله تعالى لليهود: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [البقرة: ٩٤, ٩٥] فما تمناه أحد منهم.
ومثل لقوله لقريش: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ [البقرة:
الحواشي
(١) كثيرة بَيَّنَها عياض "مثل قوله تعالى لليهود" لما ادعوا دعاوي باطلة، كقولهم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ﴾ , فكذبهم وألزمهم الحجة، فقال مخاطبًا لرسوله ﷺ : ﴿قُلْ﴾ الآية، لهم ﴿إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية. الجنة ﴿عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً﴾ خاصَّة ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾ الآية، كما زعمتم، أي: من باقيهم من المؤمنين غيرهم، ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الآية، في زعمكم أن الجنة مخصوصة بكم؛ لأن من تيقن دخولها اشتقاق لها، وأحب التخلص من الدنيا وأكدارها، وتعلق بتمني الموت، الشرطان على أن الأوّل قيد في الثاني، أي: إن صدقتم في زعمكم أنها لكم ومن كانت له يؤثرها، والموصل إليها الموت فتمنوه، "ثم قال" تلو الآية، والأولى إسقاطه ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ "الآية" من كفرهم بالنبي المستلزم لكذبهم، وتحريفهم التوراة، فنفى عنهم التمني في جميع الأزمنة المستقبلة بقوله: لن وأبدًا، "فما تمنَّاه أحد منهم، فهو أعظم حجة، وأظهر دلالة على صحة الرسالة، وقد قال ﷺ : "والذي نفسي بيده، لا يقولها رجل منهم إلا غُصّ بريقة" يعني: يموت مكانه, فصرفهم الله عن تمنيه ليظهر صدق رسوله، وصحة ما أوحي إليه، ذكره عياض.
وفي الكشاف: فإن قلت: التمني من أعمال القلوب، وهو سر لا يطَّلع عليه أحد، فمن أين علم أنهم لن يتمنوه؟ قلت: ليس التمني من أعمال القلوب، وإنما هو قول الإنسان بلسانه: ليت لي كذا، وليت كلمة تمنّ، ومحال أن يقع التحدي بما في الضمائر والقلوب، ولو كان بالقلوب، لقالوا: قد تمنيناه بقلوبنا، ولم ينقل أنهم قالوه.
قال القطي في حواشيه: استدلَّ على أن التمني ليس من أفعال القلوب؛ لأن التحدي إنما يكون بأمر ظاهر، وفيه: إن التحدي إنما يكون بإظهار المعجز، لإلزام من لم يقبل الدعوى, والتمني ليس بمعجز، فهو كقول الخصم: احلف لي إن كنت صادقًا، ويمكن أن يقال: التحدي هنا لطلب دفع المعجزة، فإن إخباره بأنهم لن يتمنوه أبدًا معجزة, طلب دفعها بتمنيهم, والدفع إنما يكون بأمر ظاهر.
"ومثل لقوله لقريش" ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ الآية، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُواстр. 3002
٢٣] ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ [البقرة: ٢٤] فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا. وتعقَّب بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن بعضها وقع في زمنه ﷺ ، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] وبعضها بعده كقوله: ﴿الم, غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ [الروم: ١, ٢] فلو كما قالوا لنازعوا وقع المتوقع، وبأن الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن, واكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة، فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها.
الحواشي
(١) النَّارَ﴾ الآية، "فقطع بأنهم لا يفعلون" بإثبات النون على الصواب؛ لأن المراد الإخبار لا النهي، وفي نسخة بحذفها على الحكاية "فلم يفعلوا", وهذه الآية أبلغ في الإعجاز من التي قبلها؛ لأنه أمر معجز في نفسه في سائر الأزمنة، وإن كان الخطاب لقريش بخلاف التي قبلها، فإعجازه إنما هو بمجرد الإخبار عن عدم وقوعه منهم، وإن كان قول الإنسان: ليتني أموت ونحوه ممكنًا لهم ولغيرهم، ولذا فرق بينهما عياض، وإن ساوى بينهما المصنف تبعًا للكشاف.
"وتعقَّب" عدّ الخامس وجهًا للإعجاز، "بأن الغيوب التي اشتمل عليها القرآن بعضها وقع في زمنه ﷺ ، كقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ الآية، هو فتح مكة، ونزلت مرجعه من الحديبية عدة له بفتحها، وأتى به ماضيًا لتحقق وقوعه، وفيه من الفخامة والدلالة لى علوِّ شأن المخبر به ما لا يخفى.
وقال جماعة: المراد فتح الحديبية ووقوع الصلح، فالفتح لغة فتح المغلق، والصلح كان مغلقًا حتى فتح الله، وعلى هذا القول ليست الآية من الإخبار بالغيب المستقبل، "وبعضها بعده، كقوله: " ﴿الم, غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ على قراءة غلبت بالفتح، وسيغلبون بالضم، أي: إن الروم غلبت على الشام، وسيغلبهم المسلمون عليها وينزعونها منهم، فكان ذلك بعده ﷺ , فأمَّا على القراءة المشهورة بضم الغين، وسيغلبون بفتحها، فوقع ذلك في عهده ﷺ ، كما هو مبيَّن في التفاسير والأخبار بما في جلبه طول، "فلو كان كما قالوا" أي: الذين عدوا وجه إعجازه الإخبار بما يكون، "لنازعوا" أي: الكفار، أي: لخاصموا وطلبوا "وقع المتوقع، "أي: حصول الأمور المتأخر حصولها عن زمن المصطفى، مع أنهم لم يطلبوا ذلك، "وبأن الإخبار عن الغيب جاء في بعض سور القرآن" لا في كلها، فلو كان معجز الطلب منهم أن يأتوا بما يشتمل على الإخبار بالغيب ليصلح معارضة، "و" الحال أنه لم يطلب ذلك، بل "اكتفى منهم بمعارضة سورة غير معينة" بل أيّ سورة، "فلو كان كذلك لعارضوه بقدر أقصر سورة لا غيب فيها" ولم يقع ذلك, فلا يصح جعل إخباره بالغيوب وجه إعجازه.стр. 3003
السادس: إن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة، لم تتعاط العرب الكلام فيها، ولا يحيط بها من علماء الأمم واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب، بَيِّنَ الله فيه خبر الأولين والآخرين وحكم المتخلفين وثواب المطيعين وعقاب العاصين.
فهذه ستة أوجه يصح أن يكون كل واحد منها إعجازًا, فإذا جمعها القرآن فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها. وقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ [الإسراء: ٨٨] فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن.....
الحواشي
(١) "والسادس: إن وجه إعجازه هو كونه جامعًا لعلوم كثيرة" كبيان علوم الشرائع، والتنبيه على الحجج والعقليات، والرد على الفرق الضالة ببراهين قوية بينة، سهلة الألفاظ، موجزة، كقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية، ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩] ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: ٢٢] الآية. إلى ما حواه من علوم السير والحكم وأخبار الآخرة ومحاسن الآداب، قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ومنها علم النجوم، لقوله تعالى: ﴿لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ﴾ [يس: ٤٠] .
والطب: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: ٣١] الآية. والمعارف الجزئية، والمعارف الجزئية، كقصة يوسف؛ إذ لا يعرفها إلّا من شاهدها، وغير ذلك.
"لم تتعاط العرب الكلام فيها" عامَّة, زاد القاضي: ولا محمد ﷺ قبل نبوته، "ولا يحيط بها من علماء الأمم" السالفة، كالحكماء والأحبار، "واحد منهم، ولا يشتمل عليها كتاب" من كتبهم، أي: لم يدوّن قبله، حتى يقال: أخذ علمه منها، ﴿بَيِّنَ الله فيه﴾ أي: القرآن "خبر الأولين، والآخرين وحكم المتخلفين" عن أمره ونهيه، والذين تخلفوا عن الجهاد مع نبيه، أو عن الإيمان، وتعللوا بعلل باطلة، فبيِّن لهم بطلان عللهم، وفضحهم بإظهاره، "وثواب المطيعين وعقاب العاصين، فهذه ستة أوجه يصح أن يكون كل واحد منها إعجازًا، لا أن الإعجاز إنما حصل بجملتها، بل كل واحد حصل به إعجازهم عن معارضته، "فإذا" فحيث جمعها القرآن, فليس اختصاص أحدها بأن يكون معجزًا بأولى من غيره، فيكون الإعجاز بجميعها", وإن كان بعضها أقوى من غيره في الإعجاز، وقد قال تعالى" دليل سمعي على عجزهم عن معارضته: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا﴾ ، "فلم يقدر أحد أن يأتي بمثل القرآن فيстр. 3004
في زمن رسول الله ﷺ , ولا بعده على نظمه وتأليفه وعذوبة منطقه وصحة معانيه، وما فيه من الأمثال والأشياء التي دلّت على البعث وآياته، والأنباء بما كان يكون, وما فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والامتناع من إراقة الدماء، وصلة الأرحام, إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد وقد عجزت عنه العرب الفصحاء, والخطباء والبلغاء، والشعراء, والفهماء من قريش وغيرها، وهو ﷺ في مدة ما عرفوه قبل نبوته وأداء رسالته أربعين سنة ولا يحسن نظم كتاب، ولا عقد حساب،.......
الحواشي
(١) زمن رسول الله ﷺ ولا بعده" إلى يومنا هذا، بل إلى يوم الدين، مع أنه لا يكاد يعدّ من سعى في تغييره من الملحدة والمعطلة، فأجمعوا كيدهم وحولهم وقوتهم فما قدروا على إطفاء شيء من نوره، ولا تغيير كلمة منه، ولا تشكيك المسلمين في حروف من حروفه، ولله الحمد على نظمه، أي: نظامه البديع المعجز, "وتأليفه" كما يؤلف البناء شيئًا بعد شيء حتى يتمَّ ويكمل في غاية الإحكام، وعذوبة منطقه، وصحة معانيه، وما فيه من الأمثال" الكثيرة المقررة لما مثل له التنزيل المعقول منزلة المحسوس.
فقال البيضاوي: ولأمرٍ ما أكثر لله تعالى والأنبياء والحكماء في كلامهم من الأمثال، ولكثرة اشتماله على الأمثال جعله ﷺ عين المثل المبالغة، فقال: "إن الله أنزل القرآن آمرًا وزاجرًا، وسنة خالية ومثلًا مضروبًا، فيه نبؤكم, وخبر ما كان قبلكم، ونبأ ما بعدكم" الحديث، رواه الترمذي.
"والأشياء التي دلّت على البعث وآياته، والأنباء" الأخبار "بما كان ويكون, وما فيه من الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والامتناع من إراقة الدماء، وما فيه من "صلة الأرحام إلى غير ذلك، فكيف يقدر على ذلك أحد، وقد عجزت عنه العرب الفصحاء" فعجز غيرهم أولى؛ إذ عجز أمراء الكلام مع توفر الأسباب فيهم يفيد أن من انتفت عنه تلك الأسباب أولى، والخطباء والبلغاء" هو أعمّ مما قبله؛ إذ قد يكون بليغًا عارفًا بمواقع الكلام، لكنه ليس معتنيًا بتأليف الخطب والمراسلات، ونحوهما.
والشعراء والفهماء" هو قريب مما قبله، "من قريش وغيرها" من المتصفين بذلك، "وهو ﷺ في مدة ما عرفوه قبل نبوته وأداء رسالته أربعين سنة، لا يحسن نظم كتاب" أي: تأليفه متناسب الكلمات لفظًا ومعنًى, ولا عقد حساب، أي: ولا أصلًا مما تستعمله الناس في معرفة الأمور التي يدبرونها في أنفسهم، ويعرفون بها أصول ما يرد عليهم من الوقائع، كذا قالстр. 3005
ولا يتعلم سحرًا، ولا ينشد شعرًا، ولا يحفظ خبرًا، ولا يروي أثرًا، حتى أكرمه الله بالوحي المنزل، والكتاب المفصَّل، فدعاهم إليه وحاجَّهم به، قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [يونس: ١٦] ، وشهد له في كتابه بذلك فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] .
وأمَّا ما عدا القرآن من معجزاته ﵇؛ كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد، فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالًّا على صدقه من غير سبق تحدّ، ومجموع ذلك يفيد القطع بأنه ظهر على يديه ﷺ من خوارق العادات شيء كثير -..............
الحواشي
(١) شيخنا، "ولا يتعلم سحرًا، ولا ينشد:" يقرأ "شعرًا" لغيره، فضلًا عن إنشائه، "ولا يحفظ خبرًا، ولا يروي أثرًا حتى أكرمه الله بالوحي المنزَّل، والكتاب المفصَّل، المبيّن ما فيه من الفوائد الجليلة، كالعقائد الحقة والأحكام الشرعية، والمواعظ، والأمثال، والأخبار الصادقة أو المجعول سورًا، أو المنزَّل نجمًا نجمًا، أو المفرّق بين الحق والباطل، "فدعاهم إليه وحاجَّهم به, قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلا أَدْرَاكُمْ﴾ الآية، أعلمكم ﴿بِهِ﴾ الآية. ولا نافية عطف على ما قبله، وفي قراءة: بلام جواب لو، أي: لأعلمكم به على لسان غيري، ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ﴾ الآية، مكثت ﴿فِيكُمْ عُمُرًا﴾ الآية، سنينًا أربعين ﴿مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية، أحدثكم بشيء ﴿أَفَلا تَعْقِلُونَ﴾ الآية. إنه ليس من قبلي. "وشهد له في كتابه بذلك، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾ الآية، أي: القرآن ﴿مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا﴾ الآية، أي: لو كنت قارئًا كاتبًا، ﴿لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ الآية، أي اليهود فيك، وقالوا: الذي في التوراة أنه أمي لا يقرأ ولا يكتب، ثم ذكر قسيم ما مَرَّ أن القرآن معجز بلا شك، فقال: "وأمَّا ما عدا القرآن" بالنصب؛ لأنه تقدَّمه ما "من معجزاته ﵇" بيان لما "كنبع الماء من بين أصابعه، وتكثير الطعام ببركته، وانشقاق القمر، ونطق الجماد", ويأتي تفصيلها، ففيه تفصيل، "فمنه ما وقع التحدي به، ومنه ما وقع دالًّا على صدقه، من غير سبق تحدّ" بناء على أن المراد بالتحدي طلب المعارضة، أمَّا إن أريد مجرد الاقتران بدعوى النبوة، فكلها مسبوقة بالتحدي. وأمَّا ما قبل البعثة فهو إرهاص لا معجزة على المعتمد، كما مَرَّ.
"ومجموع" أي: جملة "ذلك" المذكور مما وقع التحدي به، وما لم يقع "يفيد القطع" الجزم، أي: العلم الضروري، "بأنَّه ظهر على يديه ﷺ من خوارق العادات شيء كثير"стр. 3006
كما يقطع بوجود جود حاتم، شجاعة علي، وإن كانت أفراد ذلك ظنية وردت موارد الآحاد، مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر, ورواه العدد الكثير، والجمّ الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار والعناية بالسير والأخبار، وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم بذلك.
الحواشي
(١) ويسمَّى ذلك التواتر المعنوي، "كما يقطع بوجود جود حاتم" بن عبد الله بن سعد الطائي، المشهورة أخباره في الجود، أسلم ابنه عدي سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وكان جوادًا كأبيه، وسأل النبي ﷺ عن أمور تتعلق بالصيد، كما في الصحيحين.
وأخرج أحمد عن عدي بن حاتم، قال: قلت: يا رسول الله! إن أبي كان يصل الرحم، ويفعل كذا وكذا، فقال: "إن أباك أراد أمرًا فأدركه" يعني الذكر.
وروى وكيع في الغرر، عن محرز، مولى أبي هريرة، قال: مرَّ نفر بقبر حاتم، فركض بعضهم قبره برجله، وقال: اقرنا وجنهم الليل فناموا، فقام صاحب القول فزعًا، فقال: إن حاتمًا أتاني في النوم وأنشدني شعرًا حفظته، يقول فيه:
أتيت بصحبك تبغي القرى ... لدى حفرة لجب هامها
وتبغي لي الذم عند المبيت ... وحولك طيّ وأنعامها
فإنا سنشبع أضيافنا ... وتأتي المطي فتعاتمها
فقاموا، فإذا ناقة صاحب القول عقير فنحروها وباتوا يأكلون, وقالوا: قرانا حاتم حيًّا وميتًا، وأردفوا صاحبهم، فلمَّا نبع النهار إذا رجل راكب بعيرًا يقود آخر، فقال: أنا عدي بن حاتم، إن حاتمًا أتاني في النوم، فزعم أنه قراكم ناقة أحدكم، وأمرني أن أحمله، فشأنكم البعير، فدفعه إليهم وانصرف.
"وشجاعة علي" أمير المؤمنين، وزهد الحسن البصري، وحلم أحنف لاتفاق الأخبار الواردة عنهم على كرم هذا وشجاعة هذا، وزهد هذا، وحلم هذا، وإن كانت أفراد ذلك ظنية، أي: كل واحد منهم ظني لا يوجب العلم، ولا يقطع بصحته، لكونها "وردت موارد الآحاد", لكنها تفيد التواتر المعنوي الحاصل من مجموعها؛ كالكرم والشجاعة لاتفاقها على معنى واحد مع كثرتها، وإن كان كل واحد يصف جزئية، "مع أن كثيرًا من المعجزات النبوية قد اشتهر"؛ بحيث صار يفيد القطع بانفراده، ويسميه المحدثون مشهورًا ومستفيضًا" ورواه العدد الكثير والجمّ الغفير، وأفاد الكثير منه القطع عند أهل العلم بالآثار،" الأحادي والعناية" الاهتمام "بالسيد جمع سيدة, وهي أخبار المغازي" والأخبار" كنبع الماء من بين الأصابع، وتكثير الطعام "وإن لم يصل عند غيرهم إلى هذه المرتبة لعدم عنايتهم اهتمامهم بذلك, فبالنسبة لهم لا يفيد القطع بخلاف أولئك.стр. 3007
فلو ادَّعى مدَّعٍ أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظري لما كان مستبعدًا، وذلك أنه لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك, ولا الإنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق؛ لأن مجموعهم محفوظ عن الإغضاء عن الباطل، وعلى تقدير أن يوجد من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئًا من ذلك, فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي أو تهمته بكذب، أو توقف في ضبطه أو نسبته إلى سوء الحفظ، أو جواز الغلط، ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي، كما وجد منهم في غير هذا الفن من الأحكام............................
الحواشي
(١) قال عياض: ولا بعد أن يحصل العلم بالتواتر عند واحد، ولا يحصل عند غيره، فإن أكثر الناس يعلمون بالخبر وجود بغداد، وأنها مدينة عظيمة دار الإمامة والخلافة، وآحاد لا يعلمون اسمًا فضلًا عن وصفها، وهكذا تعلّم الفقهاء من أصحاب مالك بالضرورة أن مذهبه إيجاب أم القرآن في الصلاة للمنفرد والإمام، وإجزاء النية أول ليلة من رمضان عمَّا سواه، وأنَّ الشافعي يرى تجديدها كل ليلة، والاقتصار على مسح بعض الرأس، وأن مذهبهما القصاص في القتل بالمحدد وغيره، وإيجاب النية في الوضوء، واشتراط الولي في النكاح، وأن أبا حنيفة يخالفهما في هذه المسائل, وغيرهم ممن لا يشتغل بمذاهبهم لا يعرف هذا فضلًا عمَّا سواه، "فلو ادَّعى مدَّعٍ أن غالب هذه الوقائع مفيد للقطع النظري، المحصل للعلم الضروري، "لما كان مستبعدًا،" تفريع على قوله: "وأفاد الكثير منه، إلى آخره، "وذلك" أي: وجه عدم الاستبعاد، "أنه" بالفتح، أي: لأنه "لا مرية أن رواة الأخبار في كل طبقة قد حدثوا بهذه الأخبار في الجملة، ولا يحفظ عن أحد من أصحابه مخالفة الراوي فيما حكاه من ذلك" من الآيات، "ولا إنكار عليه فيما هنالك، فيكون الساكت منهم كالناطق؛ لأن السكوت في محله إقرار؛ لأن مجموعهم محفوظ عن الإغضاء" بغين وضاد معجمتين، التغافل عن وفي نسخة: على، بمعنى: عن؛ إذ إنما تعدَّى بعن "الباطل" سمعوه ولم ينكروه؛ إذ ليس هناك رغبة ولا رهبة تمنعهم من الإنكار، "وعلى تقدير أن يود من بعضهم إنكار أو طعن على بعض من روى شيئًا من ذلك, فإنما هو من جهة توقف في صدق الراوي،" لا في المروي نفسه، "أو تهمته بكذب، أو توقف في ضبطه، أو نسبته إلى سوء الحفظ أو جواز الغلط" عليه لعدم اتقانه، ولا يلزم من ضعف السند ضعف المتن، ولذا قال: "ولا يوجد أحد منهم طعن في المروي" نفسه، كما وجد منهم في غير هذا الفن من الأحكام" كما وقع بين عمر وابن عباس في إنكاره عليهстр. 3008
وحروف القرآن ونحو ذلك والله أعلم.
وأنت إذا تأمَّلت معجزاته وباهر آياته وكراماته ﵇, وجدتها شاملة للعلوي والسفلي، والصامت والناطق، والساكن والمتحرك، والمائع والجامد، والسابق واللاحق، والغائب والحاضر، والباطن والظاهر، والعاجل والآجل, إلى غير ذلك مما لو أعيد لطال، كالرمي بالشهب الثواقب، ومنع الشياطين من استراق السمع في الغياهب، وتسليم الحجر والشجر عليه، وشهادتها له بالرسالة بين يديه, ومخاطبتها له بالسيادة، وحنين الجذع، ونبع الماء من كفِّه في الميضأة والتور والمزادة, وانشقاق القمر، ورد العين من العور، ونطق البعير والذئب..........................................
الحواشي
(١) نكاح المتعة، "وحروف القرآن" أي: قراءته المتعددة؛ إذ كل وجه من القراءة يطلق عليه حرف، كما صحَّ أن عمر أنكر على هشام بن حكيم قراءة قرأ بها في سورة الفرقان لم يسمعها, فجاء به إلى النبي ﷺ ، وقال: سمعته يقرأ بغير ما أقرأتينه، فقال: "اقرأ يا هشام" فقال: "هكذا أنزلت" ثم قال: اقرأ يا عمر، فقرأ فقال: "هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه" , وهذا كثير، "ونحو ذلك" مما يتوقف على النقل ولا يقال بالرأي، والله أعلم".
"وأنت إذا تأمَّلت معجزاته، وباهر:" غالب "آياته" من إضافة الصفة للموصوف، "وكراماته ﵇, وجدتها شاملة للعلوي والسفلي، والصامت والناطق، والساكن والمتحرك، والمانع والجامد، والسابق" على وجوده إكرامًا له، ويسمَّى إرهاصًا، "واللاحق، والغائب والحاضر، والباطن والظاهر، والعاجل والآجل، إلى غير ذلك مما لو أعيد" كذا في النسخ، والأولى: مما لو عدّ "لطال"؛ إذ الإعادة ذكر الشيء مرة بعد أخرى، وليس المراد هنا، بل المراد: لو شرع في عدِّها لعجز عن استيعاب إفرادها وضبطها، "كالرمي بالشهب" جمع شهاب: الكواكب المضيئة" الثواقب" التي تثقب مسترق السمع، أو تحرقه أو تخبله" "ومنع الشياطين من استراق السمع في الغياهب، جمع غيهب، وهو الظلمة، وتسليم الحجر والشجر عليه, وشهادتها له بالرسالة بين يديه, ومخاطبتها له بالسيادة، وحنين الجذع" لفراقه، "ونبع الماء من كفه في الميضأة" بكسر الميم والقصر، وقد تمد المطهرة، وزنها مفعلة ومفعال، وميمها زائدة ليست منها، "والتور" بفوقية، مجرور بالعطف: إناء معروف، "والمزادة" بفتح الميم، شطر الرواية، والقياس كسرها؛ لأنها آلة يستقي بها الماء وجمعها مزايد، وربما قيل: مزاد بغيرها وكما في المصباح.
"وانشقاق القمر، وردّ العين من العور" بل وبعد السقوط، "ونطق البعير والذئبстр. 3009
والجمل، والنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه عبد الله من الأزل، وما سوى ذلك من المعجزات التي تداولتها الحملة، ونقلتها عن ألسنة الأول النقلة، مما لو أعملنا أنفسنا في حصرها لفني المدى في ذكرها. ولو بالغ الأولون والآخرون في إحصاء مناقبه لعجزوا عن استقصاء ما حباه الكريم به من مواهبه، ولكن الملمَّ بساحل بحرها مقصرًا عن حصر بعض فخرها، ولقد صحَّ لمحبيه أن ينشدوا فيه:
وعلى تفنن واصفيه لنعته ... يفنى الزمان وفيه ما لم يوصف
وإنه لخليق بمن ينشد فيه قول الخنساء التي شهد لها النابغة الذبياني بأنها أشعر الناس, وقد أسلمت وصحبت:
فما بلغت كف امرئ متناولًا ... من المجد إلّا والذي نال أطول
ولا بلغ المهدون في القول مدحه ... ولو حذقوا إلّا الذي فيه أفضل
الحواشي
(١) والجمل", ويأتي بيان ذلك كله، "والنور المتوارث من آدم إلى جبهة أبيه عبد الله من الأزل، وما سوى ذلك من المعجزات التي تداولتها الحملة" للأخبار، "ونقلتها عن ألسنة الأُوَل" أي: المقدمين "النقلة" المتأخرون في تصانيفهم، "مما لو أعملنا أنفسنا في حصرها لفني المدى،" أي: الغاية "في ذكرها" أي: لانتهى العمر وفرغ في عدتها ولم يحط بها "ولو بلغ الأولون والآخرون في إحصاء" أي: عدّ "مناقبه، لعجزوا عن استقصاء ما حباه" بموحدة: أعطاه بلا عوض، "الكريم" سبحانه "به من مواهبه، ولكان الملمّ" النازل "بساحل بحرها مقصرًا" أي: عاجزًا "عن حصر بعض فخرها" مباهاتها، وقد صحَّ لمحبيه" أمكنهم "أن" يقولوا قولًا يقبل منهم ولا يكذبون فيه، كأن ينشدوا فيه" قول ابن الفارض، "وعلى تفنن" تنوع "واصفيه" أي: إتيانهم بأنواع كثيرة "لنعته يفنى" ينقضي "الزمان, وفيه ما لم يوصف" أوصاف كثيرة، ما عثروا على شيء منها حتى يذكروه, "وإنه لخليق" جدير وحقيق "بمن ينشد فيه قول الخنساء التي شهد لها النابغة الذبياني، بأنها أشعر الناس، وقد أسلمت وصحبت":
فما بلغت كف امرئ متناولًا ... من المجد والذي نال أطول
أجل وأعظم، "ولا بلغ المهدون في القول مدحه، ولو حذقوا، بفتح الذال وكسرها من بابي ضرب وتعب مهروا، وعلموا غوامض المدح ودقائقه، "إلّا" الوصف "الذي" هو "فيه أفضل" أتمّ وأكمل من أوصافهم التي ذكروها.
ذكر عبد العظيم ابن أبي الأصبع في كتابه الأشعار الرائقة: إن الأخطل وفد على معاوية يمتدحه، فقال له: إن كنت شبَّهتني بالحية والأسد والصقر فلا حاجة لي به، وإن كنت قلت كما قالت الخنساء، فهات، قال: وما قالت؟ فأنشد هذين البيتين، فقال الأخطل: والله لقدстр. 3010
ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفي, فلقد كفى وشفى بقوله:
ما شئت قل فيه فأنت مصدق ... فالحب يقضي والمحاسن تشهد
ولقد أبدع الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري حيث قال:
دع ما ادعته النصارى في نبيهم ... واحكم بما شئت مدحًا فيه واحتكم
وانسب إلى ذاته ما شئت من شرف ... وانسب إلى قدره ما شئت من عظم
فإن فضل رسول الله ليس له ... حد فيعرب عنه ناطق بفم
يعني: إن المداح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى شأوه،....... ......
الحواشي
(١) أحسنت ولقد قلت فيك بيتين، ما هما بدون ما سمعت، وأنشد:
إذا متَّ مات الجود وانقطع الغنى ... فلم يبق إلّا من قليل مصرد
وردت أكفّ الراغبين وأمسكوا ... عن الدين والدنيا بحلف مجرد
فقال: لحاك الله, ما زدت على أن نعيت إلي نفسي، ولم تتعلق للمرأة بغبار.
"ولله در إمام العارفين سيدي محمد وفي، فلقد كفى وشفى بقوله: ما شئت" من الصفات المتناهية في الكمال، "قل فيه" صفة بها، ولا تخش من ذكرها، "فأنت مصدق" في كل ما تقوله فيه، "فالحب" الذي أودعه الله في قلوب العارفين يقضي" يحكم بذلك, والمحاسن الظاهرة التي لا تخفى على أحد "تشهد" بحقيقة ما وصفته به, "ولقد أبدع: أني بأمر بديع لم يسبق إليه، "الإمام الأديب شرف الدين الأبوصيري" صوابه البوصيري؛ لأنه منسوب إلى بوصير، كما مَرَّ كثيرًا، "حيث قال: دع:" اترك ما ادَّعته النصارى" جمع نصران، كسكارى جمع سكران، أو نسبة إلى قرية تسمَّى ناصرة، وقيل: إنها قرية المسيح، أو الياء في نصرانيّ للمبالغة، سمّوا نصارى لنصرهم عيسى في "نبيهم" كقولهم: ابن الله وثالث ثلاثة، لنهي نبينا ﷺ عن مثل ذلك بقوله: "لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، وإنما أنا عبد فقولوا: عبد الله ورسوله" , و "بعد ذلك "احكم" اقصد بما شئت مدحًا" ثنا: حسنًا "فيه واحتكم: اختصم، أي: خاصم في إثبات فضائله من شئت من الخصماء، وانسب:" أعز "إلى ذاته" حقيقة "ما شئت من شرف" عز، "وانسب إلى قدره: " مبلغه "ما شئت من عظم" تعظيم ورفعة، فقد وجدت للقول سعة، فإن فضل رسول الله ﷺ ليس له حَدّ:" غاية يوقف عندها، "فيعرب" يبين منصوب بأن مضمرة، وجوبًا بعد فاء السبية في جواب النفي، "عنه" متعلق بيعرب, "ناطق" فاعل" بفم" متعلق بناطق على تقدير مضاف، أي: بلسان فم؛ إذ أوصافه لا تحصى، وفضائله لا تستقصى "يعني: إن المدَّاح وإن انتهوا إلى أقصى الغايات والنهايات لا يصلون إلى شأوه" بفتح الشين المعجمة، وسكون الهمزة، وبالواوстр. 3011
إذ لا حدَّ له، ويحكى أنه رؤي الشيخ عمر بن الفارض السعدي في النوم فقيل له: لم لا مدحت النبي ﷺ , فقال:
أرى كل مدح في النبي مقصرًا ... وإن بالغ المثني عليه وأكثروا
إذ الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى
قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين كأبي تمام والبحتري وابن الرومي مدحه ﷺ ، وكان مدحه عندهم من أصعب ما يحاولونه،...................
الحواشي
(١) والهاء: غايته وأمده، "إذ لا حدَّ له" حتى يصلوا إليه.
"ويحكى أنه رؤي الشيخ" شرف الدين، أبو القاسم "عمر بن" علي "الفارض" -كان يكتب فروض النساء- ابن مرشد "السعدي،" نسبة إلى بني سعد: قبيلة حليمة، الحموي الأصل، المصري، ولد بالقاهرة في ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة، وترجمه الرشد العطار في معجمه، فقال: الشيخ الفاضل، الأديب، حسن النظم، متوقد الخاطر، كان يسلك طريق التصوف، وينتحل مذهب الشافعي، وأقام بمكة مدة، وصحب جماعة من المشائخ. وترجمه أيضًا المنذري وغيره، مات في ثالث جمادي الأولى، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. "في النوم فقيل له: لم لا مدحت النبي ﷺ ؟ " على سبيل الصراحة، وإلّا فباطن كلامه مدح له، كذا قال بعض.
وقال آخر: يعتقد بعض العوام أن باطن كلامه مدح للنبي ﷺ , وغالب كلام لا يصح أن يراد به ذلك، "فقال: أرى كل مدح" أي: مادح "في النبي" أو هو باقٍ على مصدريته، وتجوز في إسناده "مقصرًا" إليه، "وإن بالغ المثني عليه، وأكثروا" بألف الإطلاق في المبالغة في الثناء عليه، "إذ الله أثنى بالذي هو أهله عليه،" بنحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، الآية، "فما مقدار ما يمدح الورى؟ الخلق. قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين" نعت للشعراء، "كأبي تمام" حبيب بن أوس الطائي، المشهور، صاحب الحماسة, قال ابن خلكان: أصله من قرية جاسم قرب طبرية، وكان بجامع دمشق يسقي الماء، ثم جالس الأدباء وأخذ عنهم، حتى قال الشعر، فأجاد وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره، فحمله إليه، فقدم بغداد فجالس الأدباء وعاشر العلماء، وتقدَّم على شعراء وقته، مات بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين، وقيل بعد ذلك.
"والبحتري" بضم الموحدة، وسكون الحال المهملة، وضم الفوقية- أبو عبادة، الوليد بن عبيد، الشاعر المشهور، نسبة إلى بحتر بن عقود الطائي، كما في التبصير.
و"أبي العباس علي بن الرومي, مدحه ﷺ ، وكان مدحه عندهم من أصعب ماстр. 3012
فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل غلوٍّ في حقه تقصير، فيضيق على البليغ مجال النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلوّ بالنسبة إلى من فرضت له وجدتها صادقة في حق النبي ﷺ ، حتى كان الشعراء على صفاته يعتمدون, وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: "دع ما ادعته النصاري في نبيهم" إلى ما أظرت النصارى به عيسى بن مريم من اتخاذه إليها.
قال النيسابوري: إنهم صحَّفوا في الإنجيل "عيسى نبي وأنا ولدته" فحرفوا الأول بتقديم الباء وخففوا اللام في الثاني، فلعنة الله على الكافرين.
فإن قلت: هل ادَّعى أحد في نبينا ﵇ ما ادعى في عيسى؟
أجيب بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له ﵇: أفلا
الحواشي
(١) يحاولونه، فإن المعاني" التي يتصورونها مادحة له "دون مرتبته", أي: حقيقة صفاته الحميدة، فإن وصفوه، بها قصروا في حقه، "والأوصاف دون وصفه، وكل غلوّ" بمعجمة، أي: كل وصف تجاوز قائله فيه الحد المتعارف بين الناس، أو بمهملة، أي: ارتفاع في الوصف زائد على العادة، في حقه تقصير" قليل بالنسبة لمقامه، "فيضيق على البليغ مجال النظم" بميم وجيم، أي: العمل الذي يجول فكره فيه ليأخذ المعاني التي يستحسنها وتليق عنده، "وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلوا -بمعجمة ومهملة- بالنسبة إلى مَنْ فرضت له، وجدتها صادقة في حق النبي ﷺ حتى كان الشعراء" إذا حاولوا الثناء على أحد بأكمل الصفات، وصفوه ببعض أوصاف، صفات المصطفى الممكن ثبوتها للمدوح, وكأنَّهم على صفات يعتمدون؛ لأنه غاية طاقتهم، "وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: دع ما ادعته النصارى في نبيهم، ومنه أخذ الحلي قوله في بديعيته:
دع ما تقول النصارى في نبيهم ... من التغالي وقل ما شئت واحتكم
"إلى ما أطرت النصارى به عيسى بن مريم من اتخاذه إلهًا" كما قال تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية. قال النيسابوري: إنهم صحَّفوا في الإنجيل عيسى نبي" -بنون تليها موحدة, وأنا ولدته -بالتثقيل- خلقت ولادته من مريم بلا أب، فحرَّفوا الأول بتقديم الباء، على النون, وخففوا اللام في الثاني, فلعنة الله على الكافرين المحرفين للكلم عن مواضعه, "فإن قلت: هل ادعى أحد في نبينا ﵇ ما ادعي في عيسى؟ أجيب بأنهم قد كادوا" قاربوا "أن يفعلوا نحو ذلك" وما فعلوا "حين قالوا له ﵇" في قصة سجود الأشجار له والجمل والغنم: "أفلا" الهمزة داخلة على محذوف،стр. 3013
نسجد لك؟ فقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" فنهاهم عمَّا عساه يبلغ بهم من العبادة.
وقد جاء في صفته في حديث ابن أبي هالة: ولا يقبل الثناء إلّا من مكافيء، أي: مقارب في مدحه غير مفرِّط فيه، وقال ابن قتيبة: معناه: إلّا أن يكون ممن له عليه مِنَّة، فيكافئه الآخر، وغلَّطه ابن الأنباري، بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله ﷺ ؛ لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلا به. قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلّا من رجل عرف حقيقة إسلامه. ثم حاصل.............................
الحواشي
(١) أي: أنترك تعظيمك، فلا "نسجد لك" أم نعظمك, فنحن أحق بالسجود من الغنم وغيرها, "فقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" لما له عليها من الحق، "فنهاهم عمَّا" أي: أمر، "عساه يبلغ" يصل بهم من العبادة" التي يتجاوز بها الحد، حتى يصيروا كفرة أو فسقة، معتقدين أنه حق وهو باطل، على نحو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الآية.
نعم، روى ابن حبان عن ابن أبي أوفى، قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام، سجد للنبي ﷺ فقال: "ما هذا؟ " قال: يا رسول الله! قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقته وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: "لا تفعل، فإني لو أمرت شيئًا أن يسجد لشيء، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه".
"وقد جاء في صفته" ﷺ في حديث" هند بن أبي هالة" وصَّافه "ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء" بالهمز، "أي: من مقارب في مدحه غير مفرط فيه، وقال" عبد الله بن مسلم بن قتيبة" الدينوري: "معناه: ألّا يكون ممن له" ﵊ عليه منَّة" سبقت له، فيكافئه الآخر،" فيقبله لسبق منته عليه، "وغلَّطه ابن الأنباري" بالفتح نسبة إلى الأنبار بالعراق، "بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله ﷺ ؛ لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فما من أحد إلّا وله عليه منة" "فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلا به؛ لوجوب شكر النِّعَم، "قال: وإنما المعنى لا يقبل الثناء إلا من رجل" وصف طردي، والمراد إنسان "عُرِفَ حقيقة إسلامه", وأجيب عن هذا التغليط، بأن القرينة قائمة على أن المراد نعم حادثة خاصة، وقد صرَّح في بعض الروايات بقوله: إلّا عن يد، ثم للترتيب في الذكر أو للتراخي، "حاصلстр. 3014
معجزاته وباهر آياته وكراماته كما نَبَّه عليه القطب القسطلاني يرجع إلى ثلاثة أقسام:
ماض: وجد قل كونه، فقضى بمجده.
ومستقبل: وقع بعد مواراته في لحده.
وكائن معه من حين حمله ووضعه إلى أن نقله الله إلى محل فضله وموطن جمعه.
فأما القسم الماضي: وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك، مما هو تأسيس لنبوته وإرهاص لرسالته،.........
الحواشي
(١) معجزاته، و" حاصل "باهر" غالب "آياته" من إضافة الصفة للموصوف، "و" حاصل "كراماته" فهما بالجر عطف على معجزاته، "كما نَبَّه عليه القطب" قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي "القسطلاني" المصري المولود بها سنة أربع عشرة وستمائة، وجمع بين العلم والعمل, وألّف في الحديث والتصوّف والتاريخ بمصر، ومات في محرم سنة ست وثمانين وستمائة, نسبة إلى قسطلينة من إقليم أفريقية، كما قاله هو ﵀ في تاريخ مصر، ولم يضبطه.
وقال القطب الحلبي: كأنه منسوب إلى قسطلينة، بضم القاف من أعمال أفريقية بالمغرب، وقال غيره بفتح القاف وشد اللام، ويرجع إلى ثلاثة أقسام، ماض وُجِدَ قبل كونه" أي: وجوده، "فقضى بمجده" حكم بشرفه وسيادته وعزه، بمعنى: إنهم اعتقدوا ذلك حتى سمَّى جماعة أبناءهم محمدًا رجاء أن يكون هو، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
"ومستقبل وقع بعد مواراته في لحده" أي: بعد موته، "وكائن معه من حين حملة ووضعه إلى أن نقله الله إلى فضله وموطن جمعه: المكان الذي تجتمع فيه الخلائق, ولكن عدّه ما تقدم وجوده من المعجزة، وكذا ما قارن حمله إلى نبوته، مبنيّ على أن المعجزة لا يشترط اقترانها بالتحدي، والراجح كما مرَّ ويأتي خلافه إلى أن ذلك لا يرد عليه؛ لأنه جعل مجموع الآيات والمعجزات والكرامات منقسمًا إلى ثلاثة أقسام، ولا يلزم من انقسام المجموع وجود كل فرد منه في الأقسام الثلاثة.
"فأمَّا القسم الماضي، وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك مما هو تأسيس، أي: اتخاذ أصل "لنبوته" يدل عليها إذا ادعاها، "وإرهاص لرسالته" من أرهص الحائط، جعل لها أصلًا، فهما متحدان، والمراد:стр. 3015
قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسًا وإرهاصًا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، يعني في سفره قبل النبوة، خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال، انتهى.
وقد تقدَّم أول هذا المقصد: إن الذي عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم أن هذا ونحوه مما هو متقدّم على الدعوى لا يسمَّى معجزة، بل تأسيسًا للرسالة وكرامة للرسول ﵇.
وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته ﷺ فكثير جدًّا؛ إذ في كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى, كالاستغاثة به, وغير ذلك مما يأتي في المقصد الأخير، في أثناء الكلام على زيارة قبره المنير.
الحواشي
(١) إن الخوارق التي ظهرت قبل وجوده أو في زمنه قبل بعثته مقدِّمات لتصديقه في دعوى النبوة؛ لأنها حقَّقت عنده شرفه وأمانته.
"قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا" معاشر أهل السنة "إنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسًا وإرهاصًا، قال: ولذلك قالوا" أي: رووا أنه "كانت الغمامة" السحابة "تظله، يعني: في سفره قبل النبوة" كما ورد في أخبار صحاح، وزعم أنها لم تصح عند المحدثين باطل، كما قاله الزركشي. "خلافًا للمعتزلة القائلين، بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال، انتهى", وقد تقدَّم أول هذا المقصد، وقبله في المقصد الأول، أن الذي عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم، أن هذا ونحوه مما هو متقدم على الدعوى" للنبوة، "لا يسمَّى معجزة" لفقد شرط التحدي الذي هو دعوى الرسالة, بل تأسيسًا للرسالة، وكرامة للرسول ﵇،" والأنبياء قبل النبوة لا يقصرون عن درجة الولاية.
"وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته ﷺ ، فكثير جدًّا إذا في كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه، مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى، كالاستغاثة به" في الملمّات، "وغير ذلك" كالتوسُّل به في نيل المرامات, والإقسام به على رب البريات، "مما يأتي في المقصد الأخير في أثناء الكلام على زيارة قبره المنير، فكرامات الأولياء، كما نقل اليافعي من تتمة معجزات النبي ﷺ ؛ لأنها تشهد للولي بالصدق المستلزم لكمال دينه، المستلزم لحقيِّته، المستلزم لصدق نبيه فيما أخبر به من الرسالة، فكانت الكرامة من جملة المعجزات بهذا الاعتبار.следующие страницы →