Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.
стр. 3011
إذ لا حدَّ له، ويحكى أنه رؤي الشيخ عمر بن الفارض السعدي في النوم فقيل له: لم لا مدحت النبي ﷺ , فقال:
أرى كل مدح في النبي مقصرًا ... وإن بالغ المثني عليه وأكثروا
إذ الله أثنى بالذي هو أهله ... عليه فما مقدار ما يمدح الورى
قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين كأبي تمام والبحتري وابن الرومي مدحه ﷺ ، وكان مدحه عندهم من أصعب ما يحاولونه،...................
الحواشي
(١) والهاء: غايته وأمده، "إذ لا حدَّ له" حتى يصلوا إليه.
"ويحكى أنه رؤي الشيخ" شرف الدين، أبو القاسم "عمر بن" علي "الفارض" -كان يكتب فروض النساء- ابن مرشد "السعدي،" نسبة إلى بني سعد: قبيلة حليمة، الحموي الأصل، المصري، ولد بالقاهرة في ذي القعدة سنة ست وسبعين وخمسمائة، وترجمه الرشد العطار في معجمه، فقال: الشيخ الفاضل، الأديب، حسن النظم، متوقد الخاطر، كان يسلك طريق التصوف، وينتحل مذهب الشافعي، وأقام بمكة مدة، وصحب جماعة من المشائخ. وترجمه أيضًا المنذري وغيره، مات في ثالث جمادي الأولى، سنة اثنتين وثلاثين وستمائة. "في النوم فقيل له: لم لا مدحت النبي ﷺ ؟ " على سبيل الصراحة، وإلّا فباطن كلامه مدح له، كذا قال بعض.
وقال آخر: يعتقد بعض العوام أن باطن كلامه مدح للنبي ﷺ , وغالب كلام لا يصح أن يراد به ذلك، "فقال: أرى كل مدح" أي: مادح "في النبي" أو هو باقٍ على مصدريته، وتجوز في إسناده "مقصرًا" إليه، "وإن بالغ المثني عليه، وأكثروا" بألف الإطلاق في المبالغة في الثناء عليه، "إذ الله أثنى بالذي هو أهله عليه،" بنحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ، الآية، "فما مقدار ما يمدح الورى؟ الخلق. قال الشيخ بدر الدين الزركشي: ولهذا لم يتعاط فحول الشعراء المتقدمين" نعت للشعراء، "كأبي تمام" حبيب بن أوس الطائي، المشهور، صاحب الحماسة, قال ابن خلكان: أصله من قرية جاسم قرب طبرية، وكان بجامع دمشق يسقي الماء، ثم جالس الأدباء وأخذ عنهم، حتى قال الشعر، فأجاد وشاع ذكره، وسار شعره، وبلغ المعتصم خبره، فحمله إليه، فقدم بغداد فجالس الأدباء وعاشر العلماء، وتقدَّم على شعراء وقته، مات بالموصل سنة ثمان وعشرين ومائتين، وقيل بعد ذلك.
"والبحتري" بضم الموحدة، وسكون الحال المهملة، وضم الفوقية- أبو عبادة، الوليد بن عبيد، الشاعر المشهور، نسبة إلى بحتر بن عقود الطائي، كما في التبصير.
و"أبي العباس علي بن الرومي, مدحه ﷺ ، وكان مدحه عندهم من أصعب ماстр. 3012
فإن المعاني دون مرتبته، والأوصاف دون وصفه، وكل غلوٍّ في حقه تقصير، فيضيق على البليغ مجال النظم، وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلوّ بالنسبة إلى من فرضت له وجدتها صادقة في حق النبي ﷺ ، حتى كان الشعراء على صفاته يعتمدون, وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: "دع ما ادعته النصاري في نبيهم" إلى ما أظرت النصارى به عيسى بن مريم من اتخاذه إليها.
قال النيسابوري: إنهم صحَّفوا في الإنجيل "عيسى نبي وأنا ولدته" فحرفوا الأول بتقديم الباء وخففوا اللام في الثاني، فلعنة الله على الكافرين.
فإن قلت: هل ادَّعى أحد في نبينا ﵇ ما ادعى في عيسى؟
أجيب بأنهم قد كادوا أن يفعلوا نحو ذلك حين قالوا له ﵇: أفلا
الحواشي
(١) يحاولونه، فإن المعاني" التي يتصورونها مادحة له "دون مرتبته", أي: حقيقة صفاته الحميدة، فإن وصفوه، بها قصروا في حقه، "والأوصاف دون وصفه، وكل غلوّ" بمعجمة، أي: كل وصف تجاوز قائله فيه الحد المتعارف بين الناس، أو بمهملة، أي: ارتفاع في الوصف زائد على العادة، في حقه تقصير" قليل بالنسبة لمقامه، "فيضيق على البليغ مجال النظم" بميم وجيم، أي: العمل الذي يجول فكره فيه ليأخذ المعاني التي يستحسنها وتليق عنده، "وعند التحقيق إذا اعتبرت جميع الأمداح التي فيها غلوا -بمعجمة ومهملة- بالنسبة إلى مَنْ فرضت له، وجدتها صادقة في حق النبي ﷺ حتى كان الشعراء" إذا حاولوا الثناء على أحد بأكمل الصفات، وصفوه ببعض أوصاف، صفات المصطفى الممكن ثبوتها للمدوح, وكأنَّهم على صفات يعتمدون؛ لأنه غاية طاقتهم، "وإلى مدحه كانوا يقصدون، وقد أشار الأبوصيري بقوله: دع ما ادعته النصارى في نبيهم، ومنه أخذ الحلي قوله في بديعيته:
دع ما تقول النصارى في نبيهم ... من التغالي وقل ما شئت واحتكم
"إلى ما أطرت النصارى به عيسى بن مريم من اتخاذه إلهًا" كما قال تعالى: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ﴾ الآية. قال النيسابوري: إنهم صحَّفوا في الإنجيل عيسى نبي" -بنون تليها موحدة, وأنا ولدته -بالتثقيل- خلقت ولادته من مريم بلا أب، فحرَّفوا الأول بتقديم الباء، على النون, وخففوا اللام في الثاني, فلعنة الله على الكافرين المحرفين للكلم عن مواضعه, "فإن قلت: هل ادعى أحد في نبينا ﵇ ما ادعي في عيسى؟ أجيب بأنهم قد كادوا" قاربوا "أن يفعلوا نحو ذلك" وما فعلوا "حين قالوا له ﵇" في قصة سجود الأشجار له والجمل والغنم: "أفلا" الهمزة داخلة على محذوف،стр. 3013
نسجد لك؟ فقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" فنهاهم عمَّا عساه يبلغ بهم من العبادة.
وقد جاء في صفته في حديث ابن أبي هالة: ولا يقبل الثناء إلّا من مكافيء، أي: مقارب في مدحه غير مفرِّط فيه، وقال ابن قتيبة: معناه: إلّا أن يكون ممن له عليه مِنَّة، فيكافئه الآخر، وغلَّطه ابن الأنباري، بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله ﷺ ؛ لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلا به. قال: وإنما المعنى: لا يقبل الثناء إلّا من رجل عرف حقيقة إسلامه. ثم حاصل.............................
الحواشي
(١) أي: أنترك تعظيمك، فلا "نسجد لك" أم نعظمك, فنحن أحق بالسجود من الغنم وغيرها, "فقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" لما له عليها من الحق، "فنهاهم عمَّا" أي: أمر، "عساه يبلغ" يصل بهم من العبادة" التي يتجاوز بها الحد، حتى يصيروا كفرة أو فسقة، معتقدين أنه حق وهو باطل، على نحو قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا﴾ الآية.
نعم، روى ابن حبان عن ابن أبي أوفى، قال: لما قدم معاذ بن جبل من الشام، سجد للنبي ﷺ فقال: "ما هذا؟ " قال: يا رسول الله! قدمت الشام، فرأيتهم يسجدون لبطارقته وأساقفتهم، فأردت أن أفعل ذلك بك، قال: "لا تفعل، فإني لو أمرت شيئًا أن يسجد لشيء، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها، والذي نفسي بيده لا تؤدي المرأة حق ربها حتى تؤدي حق زوجها، ولو سألها نفسها وهي على قتب لم تمنعه".
"وقد جاء في صفته" ﷺ في حديث" هند بن أبي هالة" وصَّافه "ولا يقبل الثناء إلا من مكافيء" بالهمز، "أي: من مقارب في مدحه غير مفرط فيه، وقال" عبد الله بن مسلم بن قتيبة" الدينوري: "معناه: ألّا يكون ممن له" ﵊ عليه منَّة" سبقت له، فيكافئه الآخر،" فيقبله لسبق منته عليه، "وغلَّطه ابن الأنباري" بالفتح نسبة إلى الأنبار بالعراق، "بأنه لا ينفك أحد من إنعام رسول الله ﷺ ؛ لأن الله بعثه رحمة للعالمين، فما من أحد إلّا وله عليه منة" "فالثناء عليه فرض عليهم، لا يتمّ الإسلام إلا به؛ لوجوب شكر النِّعَم، "قال: وإنما المعنى لا يقبل الثناء إلا من رجل" وصف طردي، والمراد إنسان "عُرِفَ حقيقة إسلامه", وأجيب عن هذا التغليط، بأن القرينة قائمة على أن المراد نعم حادثة خاصة، وقد صرَّح في بعض الروايات بقوله: إلّا عن يد، ثم للترتيب في الذكر أو للتراخي، "حاصلстр. 3014
معجزاته وباهر آياته وكراماته كما نَبَّه عليه القطب القسطلاني يرجع إلى ثلاثة أقسام:
ماض: وجد قل كونه، فقضى بمجده.
ومستقبل: وقع بعد مواراته في لحده.
وكائن معه من حين حمله ووضعه إلى أن نقله الله إلى محل فضله وموطن جمعه.
فأما القسم الماضي: وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك، مما هو تأسيس لنبوته وإرهاص لرسالته،.........
الحواشي
(١) معجزاته، و" حاصل "باهر" غالب "آياته" من إضافة الصفة للموصوف، "و" حاصل "كراماته" فهما بالجر عطف على معجزاته، "كما نَبَّه عليه القطب" قطب الدين أبو بكر محمد بن أحمد بن علي "القسطلاني" المصري المولود بها سنة أربع عشرة وستمائة، وجمع بين العلم والعمل, وألّف في الحديث والتصوّف والتاريخ بمصر، ومات في محرم سنة ست وثمانين وستمائة, نسبة إلى قسطلينة من إقليم أفريقية، كما قاله هو ﵀ في تاريخ مصر، ولم يضبطه.
وقال القطب الحلبي: كأنه منسوب إلى قسطلينة، بضم القاف من أعمال أفريقية بالمغرب، وقال غيره بفتح القاف وشد اللام، ويرجع إلى ثلاثة أقسام، ماض وُجِدَ قبل كونه" أي: وجوده، "فقضى بمجده" حكم بشرفه وسيادته وعزه، بمعنى: إنهم اعتقدوا ذلك حتى سمَّى جماعة أبناءهم محمدًا رجاء أن يكون هو، والله أعلم حيث يجعل رسالاته.
"ومستقبل وقع بعد مواراته في لحده" أي: بعد موته، "وكائن معه من حين حملة ووضعه إلى أن نقله الله إلى فضله وموطن جمعه: المكان الذي تجتمع فيه الخلائق, ولكن عدّه ما تقدم وجوده من المعجزة، وكذا ما قارن حمله إلى نبوته، مبنيّ على أن المعجزة لا يشترط اقترانها بالتحدي، والراجح كما مرَّ ويأتي خلافه إلى أن ذلك لا يرد عليه؛ لأنه جعل مجموع الآيات والمعجزات والكرامات منقسمًا إلى ثلاثة أقسام، ولا يلزم من انقسام المجموع وجود كل فرد منه في الأقسام الثلاثة.
"فأمَّا القسم الماضي، وهو ما كان قبل ظهوره إلى هذا الوجود، فقد ذكرت منه جملة في المقصد الأول، كقصة الفيل وغير ذلك مما هو تأسيس، أي: اتخاذ أصل "لنبوته" يدل عليها إذا ادعاها، "وإرهاص لرسالته" من أرهص الحائط، جعل لها أصلًا، فهما متحدان، والمراد:стр. 3015
قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا أنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسًا وإرهاصًا، قال: ولذلك قالوا: كانت الغمامة تظله، يعني في سفره قبل النبوة، خلافًا للمعتزلة القائلين بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال، انتهى.
وقد تقدَّم أول هذا المقصد: إن الذي عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم أن هذا ونحوه مما هو متقدّم على الدعوى لا يسمَّى معجزة، بل تأسيسًا للرسالة وكرامة للرسول ﵇.
وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته ﷺ فكثير جدًّا؛ إذ في كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى, كالاستغاثة به, وغير ذلك مما يأتي في المقصد الأخير، في أثناء الكلام على زيارة قبره المنير.
الحواشي
(١) إن الخوارق التي ظهرت قبل وجوده أو في زمنه قبل بعثته مقدِّمات لتصديقه في دعوى النبوة؛ لأنها حقَّقت عنده شرفه وأمانته.
"قال الإمام فخر الدين الرازي: ومذهبنا" معاشر أهل السنة "إنه يجوز تقديم المعجزة تأسيسًا وإرهاصًا، قال: ولذلك قالوا" أي: رووا أنه "كانت الغمامة" السحابة "تظله، يعني: في سفره قبل النبوة" كما ورد في أخبار صحاح، وزعم أنها لم تصح عند المحدثين باطل، كما قاله الزركشي. "خلافًا للمعتزلة القائلين، بأنه لا يجوز أن تكون المعجزة قبل الإرسال، انتهى", وقد تقدَّم أول هذا المقصد، وقبله في المقصد الأول، أن الذي عليه جمهور أئمة الأصول وغيرهم، أن هذا ونحوه مما هو متقدم على الدعوى" للنبوة، "لا يسمَّى معجزة" لفقد شرط التحدي الذي هو دعوى الرسالة, بل تأسيسًا للرسالة، وكرامة للرسول ﵇،" والأنبياء قبل النبوة لا يقصرون عن درجة الولاية.
"وأما القسم الثاني: وهو ما وقع بعد وفاته ﷺ ، فكثير جدًّا إذا في كل حين يقع لخواص أمته من خوارق العادات بسببه، مما يدل على تعظيم قدره الكريم ما لا يحصى، كالاستغاثة به" في الملمّات، "وغير ذلك" كالتوسُّل به في نيل المرامات, والإقسام به على رب البريات، "مما يأتي في المقصد الأخير في أثناء الكلام على زيارة قبره المنير، فكرامات الأولياء، كما نقل اليافعي من تتمة معجزات النبي ﷺ ؛ لأنها تشهد للولي بالصدق المستلزم لكمال دينه، المستلزم لحقيِّته، المستلزم لصدق نبيه فيما أخبر به من الرسالة، فكانت الكرامة من جملة المعجزات بهذا الاعتبار.стр. 3016
وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته, فكالنور الذي خرج معه حتى استضاء له قصور الشام وأسواقها، حتى ريئت له أعناق الإبل ببصرى, ومسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا لولادته، والطواف به في الآفاق، إلى غير ذلك, وكانشقاق القمر عند اقتراحه عليه، وانضمام الشجرتين لما دعاهما إليه، وكإطعام الجيش الكثير من النزر اليسير، في عدة من المواضع واستيلاء الفجائع، غير ذلك مما أمدَّه الله به من المعجزات, وأكرمه به من خوراق العادات، تأييدًا..............
الحواشي
(١) وأما القسم الثالث: وهو ما كان معه من حيث ولادته إلى وفاته فكالنور، أي: مثل النور، وقولهم: مثل كذا, كنايةً عن كذا ومثله, فكأنه قال: فهو النور، وما أشبهه من الخوارق, "الذي خرج معه حتى استضاء" أي: أضاء "له قصور الشام وأسواقها" من إضاءة ذلك النور وانتشاره حتى ريئت له أعناق الإبل ببصرى" بضم الموحدة وسكون المهملة، وراء، فألف مقصورة: مدينة بين المدينة ودمشق، وهي حوران.
وروى ابن سعد مرفوعًا: "رأت أمي حين وضعتني سطع منها نور أضاء له قصور بصرى" , وحكمته الإشارة إلى ما يجيء به من النور الذي اهتدى به الخلق, وتخصيص الشام إشارة إلى ما خصها من نوره، لأنه أسري بها إليها وخصت بصرى؛ لأنها أول ما دخل ذلك النور المحمدي، إذ كانت أول ما فتح من الشام, أو إشارة إلى أنه ينور البصائر، ويحيي القلوب الميتة, على أن ابن سعد قد روى عن ابن عباس وغيره: أن آمنة قالت: لما فصل مني، تعني: النبي ﷺ , خرج معه نور أضاء له ما بين المشرق والمغرب, "ومسح الطائر على فؤاد أمه حتى لم تجد ألمًا" وجعًا "لولادته" وعه في هذا القسم مع أنه قل الولادة؛ لأنه أراد بحينها أعمّ منهم نفسها" أو ما قاربها، فدخل ما وجد زمن الحمل به "والطواف به في الآفاق" مارق الأرض ومغاربها وبحارها، ليعرفوه باسمه ونعته وصورته في جميع الأرض، كما في حديث رواه الخطيب "إلى غير ذلك" مما مَرَّ بعضه في المقصد الأول, وكانشقاق القمر عند اقتراحه" أي: طلبهم منه تعنتًا "عليه، وتحكمًا، واختيارًا" وانضمام الشجرتين لما دعاهما إليه" ليستتر بها حين قضى حاجته، "وكإطعام الجيش الكثير من النزر،" بنون وزاي، "اليسير" صفة كاشفة؛ إذ النزر القليل في عدة من المواضع يأتي بيان بعضها "و" في أوقات استيلاء غلبة وتتابع الفجائع, أي: الشدائد جمع فجيعة، حتى كأنها أحاطت بجميع أجساد الصحابة ﵃، وغير ذلك مما أمَّده الله به من المعجزات، وأكرمه به من خوارق العادات، تأييدًا" تقوية "لإقامة حجته، وتمهيدًا لهداية محجته": طريقه الواضحة وتأبيدًا" بموحدةстр. 3017
لإقامة حجته، وتمهيدًا لهداية محجته، وتأبيدًا لسيادته في كل أمة، وتسديدًا لمن ادَّكر بعد أمة، مما تتبعه يخرج عن مقصود الاختصار؛ إذ هو باب فسيح المجال منيع المنال، لكنِّي أنبِّه من ذلك على نبذة يسيرة، وأنوه في أثنائها بجملة خطيرة. فأقول وما توفيقي إلّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب.
أمَّا معجزة انشقاق القمر، فقد قال تعالى في كتابه العزيز: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١] ................................................................
الحواشي
(١) "لسيادته في كل أمة" جماعة من الناس، سواء كانت من أتباعه، أم لا؛ لأن غير أتباعه وإن أنكروا رسالته، فذلك عناد واستكبار؛ لأن براهين رسالته قطيعة لا تنكر فهم، وإن أنكروها بألسنتهم، فقلوبهم تعترف لها قهرًا عليهم، كما قال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ الآية. "وتسديدًا" بسين مهملة، تقوية وتنبيهًا "لمن ادَّكر بعد أمَّة:" جماعة من الزمان، أي: مدة طويلة، أي: لمن تذكَّر بعد غفلته عن اتباع الحق مدة طويلة، لاستغراقه في شهوات نفسه، "مما تتَّبعه، يخرج" هذا الكتاب، "عن مقصود الاختصار؛ إذ هو باب فسيح" واسع "المجال" بجيم, "منيع" ممتنع, "المنال" بالنون، أي: ما يراد حصوله منه على الوجه التام، ممنوع لا يمكن الوصول إليه، "لكني أنبِّه من ذلك على نبذة" بضم النون "يسيرة: وأنوّه" أعظم "في أثنائها بجملة خطيرة" -بمعجمة فمهملة- متفعة القدر والمنزلة، "فأقول، وما توفيقي" قدرتي على ذلك وغيره من الطاعات, "إلّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب" أرجع, اقتباس لطيف.
"وأما معجزة انشقاق القمر،" أي: أما الدليل على ثبوت المعجزة التي هي انشقاق القمر، "فقد قال الله تعالى في كتابه العزيز" ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ الآية، قربت ودنت القيامة، ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ الآية. بالفعل آية المصطفى، وقدم اقتراب الساعة عليها تخويفًا لمنكري ذلك، وإثباتًا له، وتقريرًا في نفوس المؤمنين لها؛ إذ فيها تشقق السموات، فالقادر على ذلك الفعَّال لما يريد، كيف لا يقدر على شق القمر.
وقد روى ابن مردويه عن ابن مسعود: قال الله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ الآية. يقول: كما شققت القمر، كذلك أقيم الساعة، وقيل: اقتربت أخص من قربت، فيدل على المبالغة في القرب؛ لأن افتعل يدل على اعتمال ومشقة في تحصيل الفعل، فهو أخص مما يدل على القرب بلا قيد، والمعنى: صارت قريبة من بعثته ﷺ ، كما في حديث: "بعثت أنا والساعة كهاتين" وأشار بأصبعين الوسطى والسباب؛ لأن التفاوت بينهما مقدار سبع، وبعثه ﷺ في الألفстр. 3018
والمراد: وقوع انشقاقه بالفعل، ويؤيد قوله تعالى بعد ذلك: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر: ٢] فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: ﴿انْشَقَّ﴾ , وقوع انشقاقه؛ لأن الكفار لا يقولون ذلك يوم القيامة, فإذا تبيِّن أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا تبين وقوع الانشقاق, وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر، وسيأتي ذلك صريحًا في حديث ابن مسعود وغيره.
الحواشي
(١) السابعة على المشهور عند المحدثين وغيرهم، وإنما كانت الساعة قريبة؛ لأن عمر الدنيا سبعة آلاف سنة، وكسور على المشهور، وقيل: أكثر من ذلك.
وروى البيهقي في شعبة والديلمي، عن ابن عباس رفعه، قال: "اقتربت تدعى في التوراة المبيضة، تبيّض وجه صاحبها يوم تسود الوجوه".
"والمراد: وقوع انشقاقه بالفعل" عند الجمهور فلقتين في زمن النبي ﷺ ، كما يأتي في الأحاديث لا الوعد به يوم القيامة، كما قال بعض أهل العلم من القدماء، وأنه من التعبير بالماضي عن المستقبل، كما قال تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية. أي: سيأتي. ونكتة ذلك إرادة المبالغة في تحقيق وقوع ذلك، فنزل الواقع، وما ذهب إليه الجمهور أصح، كما قال الحافظ وغيره، "ويؤيده قوله تعالى بعد ذلك" يتلوه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا﴾ الآية. أي: كفار قريش، ﴿آيَةً﴾ الآية. أي: معجزة له ﷺ ﴿يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا﴾ الآية، هذا ﴿سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ قويّ من المرَّة، وهي القوة، أو دائم مطَّرد، فيدل على أنهم رأوا قبله آيات أخرى مترادفة، ومعجزات متتابعة حتى قالوا ذلك، أو مستبشع من استمرَّ، إذا اشتدت مرارته، أو مارّ: ذاهب لا يبقى، "فإن ذلك ظاهر في أن المراد بقوله: ﴿انْشَقَّ﴾ الآية. "وقوع انشقاقه؛ لأن الكفَّار لا يقولون ذلك"، أي: سحر مستمر فيما ظهر على يد النبي من الآيات "يوم القيامة" لظهور الأمر واتضاحه، "فإذا تبيِّن أن قولهم ذلك إنما هو في الدنيا، تبيِّن وقوع الانشقاق" بالفعل، "وأنه المراد بالآية التي زعموا أنها سحر، وسيأتي ذلك صريحًا في حديث ابن مسعود وغيره،" كحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عباس.
وفي الدلائل لأبي نعيم، عن ابن عباس: انشقَّ القمر ليلة أربع عشرة نصفًا على الصفا، ونصفًا على المروة، قدر ما بين العصر إلى الليل، ويؤيده أيضًا، كما في البيضاوي: أنه قرئ: وقد انشقَّ القمر، أي: وقد حصل من آيات اقتراب الساعة انشقاق القمر.
وقال الحليمي: من الناس من يقول: المراد سينشق، فإن كان كذلك فقد وقع في عصرنا، فشاهدت الهلال ببخارى في الليلة الثانية منشقًّا نصفين، عرض كل واحد منهما، كعرض القمرстр. 3019
واعلم أن القمر لم ينشقّ لغير نبينا ﷺ , وهو من أمهات معجزاته ﵇, وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجله ﷺ ، فإن كفَّار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه, طلبوا منه أيةً تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله هذه الآية العظيمة، التي لا قدرة للبشر على إيجادها، دلالة على صدقه ﵇ في دعواه الوحدانية لله تعالى، وأنَّه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة التي يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضر، وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا شريك له.
الحواشي
(١) ليلة أربع أو خمس، ثم اتَّصلا فصار في شكل أترجّة إلى أن غاب، وأخبرني بعض من أثق به، أنه شاهد ذلك ليلة أخرى، نقله البيهقي.
قال الحافظ: ولقد عجبت من البيهقي كيف أقرّ هذا مع إيراده حديث ابن مسعود، المصرح بأن المراد بقوله تعالى: ﴿وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ الآية. أن ذلك وقع في زمن النبي ﷺ , فإنه ساقه هكذا عن ابن مسعود في هذه الآية، قال: انشقَّ على عهد رسول الله ﷺ ، ثم ساق حديث ابن مسعود: لقد مضت آية الدخان والروم، والبطش، وانشقاق القمر، انتهى.
"واعلم: أن القمر لم ينشق لغير نبينا ﷺ " لما طلب الكفار آية. وأخرج عبد بن حميد, وابن مردويه، والحاكم، وصحَّحه البيهقي في الدلائل، عن ابن مسعود، قال: رأيت القمر منشقًّا بشفتين مرتين بمكة قبل مخرج النبي ﷺ , شقة على أبي قبيش، وشقة على السويداء، والمراد بمخرجه: هجرته إلى المدينة، كما في رواية عبد الرزاق، لا بعثته "وهو من أمهات معجزاته ﵇،" أي: معجزاته التي هي كالأمهات لغيرها مما دونها، "وقد أجمع المفسرون وأهل السنة على وقوعه لأجله ﷺ " حكاه القاضي عياض مؤيدًا له بأن الله أخبر بوقوعه بلفظ الماضي، وإعراض الكفرة عن آياته، واعترض بأن الحسن البصري قال: المراد سينشق، نقله عنه النسفي وأبو الليث، ولعله لم يصحّ عنه، أو شذَّ به على تكذيبه، فلا يعتد به في خرق إجماعهم، "فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدقوه" أي: واستمروا على تكذيبه، فلم يرجعوا عمَّا هم فيه من الغي والضلال، بل زادوا طغيانًا، "طلبوا منه آية"، هي انشقاق القمر، كما يأتي أنَّ الوليد ومن معه قالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقًا فشق لنا القمر، والأحاديث تفسّر ببعضها، وخير ما فسَّرته بالوارد، فليس المراد مطلق آية "تدل على صدقه في دعواه" جواب لما، "فأعطاه اله تعالى هذه الآية العظيمة التي لا قدرة للبشر على إيجادها, دلالة على صدقه ﵇ في دعواه الوحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الآلهة" بزعمهم "التي يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضر" نفسها، فضلًا عن غيرها، "وأن العبادة إنما تكون لله وحده لا شريك له.стр. 3020
قال الخطابي: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء، وذلك أنه ظهر في ملكوت السماوات خارجًا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركّب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان به أظهر. انتهى.
وقال ابن عبد البر: قد روى هذا الحديث -يعني حديث انشقاق القمر- جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير إلى أن انتهى إلينا. وتأيد بالآية الكريمة. انتهى.
وقال العلامة بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندي أنَّ انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في القرآن، مروي في الصحيحين وغيرهما من طرقٍ من حديث شعبة عن سليمان بن مهران...........................................
الحواشي
(١) "قال الخطَّابي: انشقاق القمر آية عظيمة، لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء" ولذا اختص بها سيدهم، "وذلك أنه ظهر في ملكوت السماوات، خارجًا عن جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فليس مما يطمع في الوصول إليه بحيلة، فلذلك صار البرهان: " الدليل الواضح "به أظهر" من غيره، "انتهى".
"وقال ابن عبد البر" أبو عمر الذي ساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان: "قد روى هذا الحديث -يعني حديث انشقاق القمر- جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجمّ الغفير" المفيد للعلم "إلى أن انتهى" وصل "إلينا، وتأيد بالآية الكريمة" فلم يبق لاستبعاد من استبعد وقوعه عذر، "انتهى ما أراده من كلام ابن عبد البر.
وقال العلامة" قاضي القضاة أبو بكر عبد الوهاب، "ابن" الإمام علي بن عبد الكافي بن تمام الأنصاري "السبكي", ولد بمصر سنة تسع وعشرين وسبعمائة، ولازم الاشتغال بالفنون على أبيه وغيره، حتى مهر وهو شاب، وصف كتبًا نفيسة اشتهرت في حياته، وألَّف وهو في حدود العشرين، ومات سابع الحجة، سنة إحدى وسبعين وسبعمائة، "في شرحه لمختصر ابن الحاجب" في الأصول، "والصحيح عندي: أن انشقاق القمر متواتر، منصوص عليه في القرءان مروي في الصحيحين وغيرهما، من طرق، من حديث شعبة" بن الحجاج بن الوالد العتكي، مولاهم الواسطي ثم البصري، ثقة، حافظ، متقن، كان الثوري يقول: هو أمير المؤمنين في الحديث، وكان عابدًا, مات سنة ستين ومائة، "عن سليمان بن مهران" الأسدي، الكاهلي، الكوفي، الأعمش, ثقة حافظ ورع، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين, وهي تصحيف، فليس فيстр. 3021
عن إبراهيم عن أبي معمر عن ابن مسعود، ثم قال: وله طرق أخرى شتَّى، بحيث لا يمترى في تواتره. انتهى.
وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة عن جماعة من الصحابة منهم: أنس، وابن مسعود، وابن عباس، وعلي، وحذيفة، وجبير بن مطعم، وابن عمر، وغيرهم. فأمَّا أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك؛ لأنه كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذ ذاك لم يولد، وأمَّا أنس فكان ابن أربع أو خمس سنين بالمدينة، وأمَّا غيرهما فيمكن أن يكون شاهد ذلك.
ففي الصحيحين: من حديث أنس ﵁: إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية،.....................................................
الحواشي
(١) رجال الكتب الستة شعبة بن سليمان، فصحَّف النساخ عن بابن، والحديث في الصحيحين عن شعبة وسفيان، أي: ابن عيينة عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، بكسر الميم، "عن إبراهيم" بن سويد النخعي -ثقة، "عن أبي معمر" -بفتح الميم وسكون العين- عبد الله بن سخبرة -بفتح المهملة وسكون المعجمة وفتح الموحدة- الأزدي، الكوفي، ثقة من كبار التابعين، مات في إمارة عبيد الله بن زياد.
قال الحافظ: هذا هو المحفوظ، ووقع عند ابن مردويه، وأبي نعيم، عن إبراهيم عن علقمة: والمحفوظ المشهور عن أبي معمر، "عن ابن مسعود،" وأخرجه مسلم من طريق أخرى عن شعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، وقد علَّقه البخاري عن مجاهد، عن أبي معمر، عن ابن مسعود، فالله أعلم هل عند مجاهد فيه إسنادان، أو قول من قال ابن عمر، وهم من أبي معمر، "ثم قال: وله طرق أخرى شتى بحيث لا يمترى في تواتره، انتهى. وقد جاءت أحاديث الانشقاق في روايات صحيحة، عن جماعة من الصحابة، منهم: أنس بن مالك "وابن مسعود" عبد الله، وابن عباس، وعلي" بن أبي طالب، "وحذيفة" بن اليمان، وجبير بن مطعم النوفلي، "وابن عمر" بن الخطاب, "وغيرهم، فأمَّا أنس وابن عباس فلم يحضرا ذلك؛ لأنه -أي: الانشقاق- كان بمكة قبل الهجرة بنحو خمس سنين، وكان ابن عباس إذا ذاك لم يولد؛ إذ ولادته قبلها بثلاث سنين بالشعب، على الصحيح المحفوظ.
"وأما أنس، فكان ابن أربع أو خمس سنين بالمدينة،" فحديثها مرسل صحابي، "وأمَّا غيرهما، فيمكن أن يكون شاهد ذلك" فحدَّث عمَّا شاهد، ويمكن أن يكون حمله عن غيره، والأظهر الأول، "ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁: إن أهل مكة" -أي: كفار قريش, وتأتي رواية تسميتهم، "سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية" معجزة تشهدة لما ادعاه منстр. 3022
فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء بينهما, وقوله: شقتين -بكسر الشين المعجمة, أي: نصفين.
ومن حديث ابن مسعود قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين، فرقة فوقه الجبل، وفرقة دونه, فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا".
وفي الترمذي من حديث ابن عمر، في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ
الحواشي
(١) نبوّته، "فأراهم انشقاق القمر شقتين، حتى رأوا حراء،" بكسر المهملة، وراء خفيفة، مذكر مصروف على الصحيح، وحكي فتح حائه، والقصر، وتأنيثه على إرادة البقعة، فيمنع صرفه, جبل بينه وبين مكة ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى مِنَى، "بينهما،" أي: بين الشقتين، "وقوله: شقتين -بكسر الشين المعجمة، أي: نصفين" كما ضبطه في الفتح والمصابيح، واليونينية والناصرية، وضبطه في الفرع -بفتح الشين- مصححا عليه، ذكر المصنف.
"و" في الصحيحين "من حديث ابن مسعود، قال: انشقَّ القمر على عهد رسول الله ﷺ " أي: في زمنه وأيامه، "فرقتين" -بكسر الفاء وسكون الراء- بمعنى: قطعتين، والمراد: نصفين، وانتصابه على المصدر من معنى انشقَّ، كقعد جلوسًا أو بتقدير: وافترق فرقتين، "فرقة" بالنصب يدل "فوق الجبل، وفرقة دونه،" أي: في مقابلته، منفصلًا عنه، لا تحته، كما قيل: فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا". قال الحافظ: أي: اضبطوا هذا القدر بالمشاهدة، والجبل: حراء، كما في الحديث قبله، لكن روى عبد الرزاق والبيهقي من طريقه، عن ابن مسعود: رأيت القمر منشقًّا شقتين، شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء، والسويداء -بالمد والتصغير: ناحية خارج مكة عندها جبل، وقوله: على أبي قبيس، يحتمل أنه رآه كذلك، وهو بمنَى، كأن يكون على مكان مرتفع؛ بحيث رأى طرف جبل أبي قبيس، ويحتمل أن القمر استمرَّ منشقًّا حتى رجع ابن مسعود من منَى إلى مكة فرآه كذلك، وفيه بعده, والذي يقتضيه غالب الروايات أن الانشقاق كان قرب غروبه، ويؤيد إسنادهم الرؤية إلى جهة الجبل، ويحتمل أن الانشقاق وقع أول طلوع، فإن في بعض الروايات أن ذلك كان ليلة البدر، والتعبير بأبي قبيس من تغيير بعض الرواة؛ لأن الغرض ثبوت رؤيته منشقًّا إحدى الشقتين على جبل، والأخرى على جبل أخر، ولا يغاير ذلك قول الراوي الآخر: رأيت الجبل بينهما، أي: بين الفرقتين؛ لأنه إذا ذهبت فرقة عن يمين الجبل، وفرقة عن يساره مثلًا, صدق أنه بينهما، وأي جبل آخر كان من جهة يمينه أو يساره صدق أنها عليه أيضًا، انتهى.
"وفي الترمذي من حديث ابن عمر" بن الخطاب، "في قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُстр. 3023
وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ ، انشق فلقتين: فلقة دون الجبل، وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا".
وعند الإمام أحمد، من حديث جبير بن مطعم قال: انشقَّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين، فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقالوا: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس.
وعن عبد الله بن مسعود قال: انشقَّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة،..............................................
الحواشي
(١) وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ الآية، "قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله ﷺ " أي: زمنه ردًّا على من يقول: سيكون يوم القيامة، "انشقَّ فلقتين" باللام: فلقة دون الجبل" أي: في مقابلته، "وفلقة خلف الجبل،" أي: فوقه: كما في الحديث قبله, "فقال رسول الله ﷺ : "اشهدوا" على نبوّتي ومعجزتي، وقوع ما طلبوه؛ لأنهم أهل بهتان وجحد، هذا ظاهر السياق، ويحتمل: اشهدوا على ذلك لتخبروا؛ لأنها آية ليلية أتت وقت غفلة.
"وعند الإمام أحمد من حديث جبير" بضم الجيم، مصغر، "ابن مطعم، قال: انشقَّ القمر على عهد رسول الله ﷺ فصار فرقتين" بالراء، أي: نصفين، وصرح في هذا بناصب فرقتين، "فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فيه ما سبق قريبًا عن الحافظ، "فقالوا" أي: الكفار: "سحرنا محمد، فقالوا" وفي بعض طرق حديث ابن مسعود: فقال رجل منهم، ويقال أنه أبو جهل، فلموافقتهم له عبَّر جبير، بقالوا, "إن كان سحرنا" محمد، "فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس".
وفي رواية مسروق عن ابن مسعود، فقال كفار قريش: سحركم ابن أبي كبشة، فقال رجل منهم: إن محمدًا إن كان سحر القمر، فإنه لا يبلغ سحره أن يسحر الأرض كلها، فسلوا من يأتيكم من بلد آخر هل رأوه، فأتوا، فسألوا، فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك. رواه البيهقي في الدلائل.
"وعن عبد الله بن مسعود، قال: انشقَّ القمر على عهد رسول الله ﷺ ، فقال كفار قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة" بفتح الكاف، وإسكان الموحدة، ومعجمة مفتوحة، قيل: أحد أجداده لأمه، قالوه عداوة وتحقيرًا بنسبته إلى غير نسبه المشهور؛ لأن عادة العرب إذا انتقصت، نسبت إلى جد غامض، وقيل: غير ذلك، كما مرّ في جدته.стр. 3024
قال: فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السفار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم. قال: فجاء السفار فأخبروهم بذلك. رواه أبو داود الطيالسي.
ورواه البيهقي بلفظ: انشقَّ القمر بمكة فقالوا: سحركم ابن أبي كبشة، فسلوا السفار، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق, فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلها, وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم فهو سحر، فسألوا السفار وقد قدموا من كل وجه فقالوا: رأيناه.
وعند أبي نعيم في الدلائل من وجه ضعيف عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ , منهم الوليد بن المغيرة، وأبو جهل, والعاص بن وائل، والأسود بن المطلب، والنضر بن الحارث ونظراؤهم, فقالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقًا فشق لنا القمر فرقتين، فسأل ربه فانشق.
الحواشي
(١) "قال" ابن مسعود: "فقالوا" كفار قريش: "انظروا ما يأتيكم بن السفار، فإن محمدًا لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، قال: فجاء السفار، فأخبروهم بذلك، أي: رؤية القمر منشقًّا، "رواه أبو داود" سليمان بن داود بن الجارود، "الطيالسي" البصري، الثقة، الحافظ، مات سنة أربع ومائتين.
"ورواه البيهقي" عن ابن مسعود، بلفظ: انشق القمر بمكة، فقالوا: سحركم ابن أبي كبشة، فسلموا السفر، فإن كانوا رأوا ما رأيتم فقد صدق، فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، وإن لم يكونوا رأوا ما رأيتم، فهو سحر، فسألوا السفار، وقد قدموا من كل وجه، فقالوا: رأيناه" زاد في رواية: فقال الكفار: هذا سحر مستمر.
"وعند أبي نعيم" أحمد بن عبد الله، الأصبهاني، الحافظ، "في الدلائل" للنبوة "من وجه" إسناد "ضعيف، عن ابن عباس قال: اجتمع المشركون إلى رسول الله ﷺ ، منهم الوليد بن المغيرة" المخزومي، الكافر، الميت على كفره الذي أنزل الله تعالى في ذمه: ﴿وَلا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ﴾ الآية، و ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا﴾ الآية، "وأبو جهل" فرعون هذه الأمة المقتول ببدر، "والعاص بن وائل" السهمي، أحد المستهزئين، "والأسود بن المطلب" أحدهم، والنضر بن الحارث" المقتول عقب بدر، "ونظراؤهم" أشباههم في التوغّل في الكفر والعناد, "فقالوا للنبي ﷺ : إن كنت صادقًا" في أنك رسول الله، "فشق لنا القمر فرقتين" نصفين، "فسأل ربه فانشقَّ", وفي رواية ابن الجوزي في الوفاء: فقال لهم: "إن فعلت تؤمنوا؟ "، قالوا: نعم، فسأل ربه أن يعطيه ما قالوا، فانشقَّ القمر فرقتين، ورسول الله ﷺ ينادي: "يا فلان, يا فلان، اشهدوا".стр. 3025
وعند البخاري مختصرًا من حديث ابن عباس بلفظ: إن القمر انشقَّ على عهد رسول الله ﷺ ، وابن عباس, وإن كان لم يشاهد القصة كما قدمته، ففي بعض طرقه أنه حمل الحديث عن ابن مسعود.
وعند مسلم من حديث سعيد عن قتادة بلفظ فأراهم انشقاق القمر مرتين. وكذا في مصنف عبد الرزاق عن معمر بلفظ مرتين أيضًا.
واتَّفق الشيخان عليه من رواية شعبة عن قتادة بلفظ: فرقتين، كما في حديث جبير عند أحمد.
الحواشي
(١) "وعند البخاري مختصرًا من حديث ابن عباس، بلفظ: إن القمر انشقَّ على عهد رسول الله ﷺ " ورواه عنه أبو نعيم، وزاد: فلقتين.
قال ابن مسعود: لقد رأيت جبل حراء من بين فلقتي القمر، وهذا يوافق الرواية الأولى في ذكر حراء.
"وابن عباس وإن لم يشاهد القصة، كما قدمته"؛ لأنها كانت قبل ولادته "ففي بعض طرقه أنه حمل الحديث عن ابن مسعود" أي: ما يشعر بذلك، ما عبَّر به الحافظ، وهي رواية أبي نعيم المذكورة من قول ابن عباس، قال ابن مسعود: لقد..... إلخ.
"وعند مسلم من حديث سعيد" -بفتح المهملة، وكسر العين، فياء، فدال مهملة آخره: ابن أبي عروبة مهران اليشكري، مولاهم، أحد الأعلام، وما يوجد في غالب نسخ المصنف شعبة مخالف للواقع، فرواية شعبة لفظها فرقتين، لم يختلف عليه رواته فيها، ولما في مسلم فالذي فيه عن سعيد، "عن قتادة" بن دعامة، عن أنس "بلفظ: "إن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، "فأراهم انشقاق القمر مرتين", بدل قوله في الرواية الأولى: شقتين، "وكذا في مصنف عبد الرزاق عن معمر" عن قتادة، عن أنس "بلفظ: مرتين أيضًا" وكذا أخرجه الإمامان أحمد وإسحاق عن عبد الرزاق، وكذا ورد من حديث شيبان عن قتادة، أشار له مسلم في الصحيح.
"واتفق الشيخان" البخاري ومسلم، "عليه من رواية شعبة، عن قتادة،" عن أنس "بلفظ: فرقتين".
قال البيهقي: قد حفظ ثلاث من أصحاب قتادة عنه مرتين, يعني: سعيدًا، وشيبان, ومعمرًا.
قال الحافظ: لكن اختلف عن كل منهم في هذه اللفظة، ولم يختلف على شعبة وهو أحفظهم، ولم يقع في شيء من طرق حديث ابن مسعود، بلفظ: مرتين, إنما فيه فرقتين أو فلقتين، بالراء أو باللام، "كما في حديث جبير" بن مطعم: فرقتين، بالراء "عند أحمد،стр. 3026
وفي حديث ابن عمر فلقتين -باللام- كما قدمته، وفي لفظ في حديث جبير: فانشق باثنتين، وفي رواية عن ابن عباس عند أبي نعيم في الدلائل: فصار قمرين. ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشقَّ القمر مرتين بالإجماع.
قال الحافظ بن حجر: وأظن قوله: "بالإجماع" يتعلق بـ "انشقّ" لا بـ "مرتين"، فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ .
الحواشي
(١) وفي حديث ابن عمر: فلقتين باللام، كما قدمته" من رواية الترمذي.
"وفي لفظ في حديث جبير" بن مطعم: "فانشق" القمر باثنتين" أي: بصيرورته ثنتين من الشق أو الباء زائدة، "وفي رواية عن ابن عباس، عند أبي نعيم في الدلائل، فصار قمرين، وفي لفظ: شفتين، وعند الطبري من حديثه: حتى رأوا شقتيه.
"ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشقَّ القمر مرَّتين بالإجماع", فظاهره تعلق بالإجماع، بقوله: مرَّتين، على ظاهر رواية مسلم وغيره، لكن "قال الحافظ ابن حجر" في الفتح، ما ملخصه: "وأظن قوله بالإجماع يتعلّق بانشقَّ لا بمرتين، فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ ", وعبارة الحافظ في الفتح.
ووقع في نظم السيرة لشيخنا الحافظ أبي الفضل: وانشقَّ مرتين بالإجماع، ولا أعرف من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ ، ولم يتعرّض لذلك أحد من شراح الصحيحين، وتكلّم ابن القيم على هذه الرواية، فقال: المرات يراد بها الأفعال تارة، ويراد بها الأعيان أخرى، والأول أكثر.
ومن الثاني: انشقَّ القمر مرتين، وقد خفي هذا على بعض الناس، فادَّعى أن انشقاق القمر وقع مرتين، وهذا مما يعلم أهل الحديث والسير أنه غلط، فإنه لم يقع إلّا مرة واحدة، وقد وقع لعماد بن كثير في الرواية التي فيها مرتين نظير، ولعل قائلها أراد فرقتين، قلت: وهذا الذي لا يتجه غيره جمعًا بين الروايات، ثم راجعت نظم شيخنا فوجدته يحتمل التأويل المذكور، ولفظه:
فصار فرقتين فرقة علت ... وفرقة للطود منه نزلت
وذاك مرتين بالإجماع ... والنص والتواتر السماعي
فجمع بين فرقتين ومرَّتين, فيمكن أن يتعلق قوله بالإجماع بأصل الانشقاق لا بالتعدد، مع أن في نقل الإجماع في نفس الانشقاق نظرًا يأتي بيانه، انتهى.
فعن النظم جوابان، أولهما: تأويل مرة بفرقتين، ولا ينافيه الجمع بينهما؛ لأنه إشارة للروايتين، أي: إنه رواية مرتين محمولة على رواية فرقتين، كما أشار إليه ابن كثير، ومراده: بماстр. 3027
ولعل قائل "مرتين" أراد فرقتين, وهذا الذي لا يتجه غيره جمعًا بين الروايات.
وقد وقع في رواية البخاري من حديث ابن مسعود: ونحن بمنَى، وهذا لا يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة؛ لأنه لم يصرّح بأنه ﷺ كان ليلتئذ بمكة. فالمراد أن الانشقاق كان وهُمْ بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة. والله أعلم.
الحواشي
(١) يأتي ما جلبه المصنف بقوله: وقد أنكر........... إلخ.
الجواب: إنه أراد إجماع من يعتدّ به، أمَّا هؤلاء فلا عبرة بخلافهم، وذكر الحافظ برهان الدين الحلبي في النور: إنه كاتب شيخه العراقي بكلام ابن القيم، فلم يرد له جوابًا بالكلية.
"ولعل قائل مرتين أراد به فرقتين" كما قال ابن كثير، "وهذا" كما قال الحافظ: "الذي لا يتجه غيره جمعًا بين الروايات", فإنها إذا كثرت ودلَّت على شيء وخالفها رواية أخرى ترد إليها إذا أمكن دفعًا للتعارض على القاعدة, " وقد وقع في رواية البخاري من حديث ابن مسعود:" انشقَّ القمر، ونحن مع النبي ﷺ بمنَى. وفي رواية مسلم: بينما نحن مع النبي ﷺ بمنَى إذا انفلق القمر، "وهذا لا يعارض قول أنس: إن ذلك كان بمكة؛ لأنه" أي: أنسًا، "لم يصرح بأنه ﵇ كان ليلتئذ بمكة، فالمراد: إن الانشقاق كان وهُمْ بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، والله أعلم".
زاد الحافظ: وعلى تقدير تصريحه فمِنَى من جملة مكة، فلا تعارض، وقد وقع عند ابن مردويه بيان المراد، فأخرج من وجه آخر عن ابن مسعود، قال: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ ونحن بمكة قبل أن يصير إلى المدينة، فوضح أن مراده بذكر مكة، الإشارة إلى أن ذلك وقع قبل الهجرة، ويجوز أن يقع وهُمْ ليلتئذ بمِنَى، ثم قال: والجمع بين قول ابن مسعود تارة بمِنَى، وتارة بمكة، إم باعتبار التعدد إن ثبت، وإما بالحمل على أنه كان بمِنَى, ومن بها لا ينافي أنه بمكة؛ لأن من كان بمِنَى كان بمكة من غير عكس، ويؤيده أن الرواية التي فيها بمِنَى قال فيها: ونحن بمِنَى، والتي فيها بمكة لم يقل فيها، ونحن إنما, قال: انشقَّ بمكة، أي: إنه كان وهم بمكة قبل أن يهاجروا إلى المدينة، وبهذا يندفع دعوى الداودي أن بين الخبرين تضادًّا، انتهى.
وقال بعضهم: الذي تحرَّر في الجمع بين روايات مِنَى ومكة، وأنَّ حراء كان بين الفلقتين، وإن إحداهما كانت فوق الجبل والأخرى دونه، أن يقال: إنه تباعد ما بين الفلقتين جدًّا، ليكون أظهر في دفع الإنكار، فإنه لو تقارب لقالوا: إنه من غلط الحس، فلمَّا أشهدهم ﷺ على ذلك، أشار مرة إلى فلقة منه، وقال: "اشهد يا فلان ويا فلان" ثم أراهم مرة أخرى فلقة أخرى.стр. 3028
وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة، كجمهور الفلاسفة، متمسكين بأن الأجرام العلوية لملاستها لا يتهيأ فيها الانخراق والالتئام، وكذا قالوه في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء إلى غير ذلك.
وجواب هؤلاء إن كانوا كفارًا أن يناظروا أولًا على ثبوت دين الإسلام، فإذا تمت اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين، ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض لزم التناقض، لا سبيل له إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في يوم القيامة، وإذا ثبت هذا استلزم أيضًا وقوع ذلك معجزة لنبي الله ﷺ .
الحواشي
(١) وقال: "اشهدوا"، وكذا هذا كان ليلًا بمكة، والقمر في وسط السماء بحذاء حراء، وبحذاء غيره من الجبال والأماكن البعيدة, فلا تعدد في الشق، ولا تدافع بين الروايات، ولا يطعن في شيء منها. وهذا إن شاء الله مما لا ينبغي العدول عنه، فإن القول بأن المرات في الأعيان لا صحة له لغةً ولا استعمالًا, فلو قطع إنسان بطيخة قطعتين دفعة واحدة، وقال: قطعتها مرتين، كذَّبه من سمعه واستهزأ به, فعليك بالنظر الحديد، وأن تطرح من جُبِلَ فكره على التقليد.
"وقد أنكر هذه المعجزة جماعة من المبتدعة، كجمهور الفلاسفة، متمسكين بأن الأجرام العلوية لملاستها، لا يتهيأ" لا يمكن "فيها الانخراق والالتئام, وكذا قالوه في فتح أبواب السماء ليلة الإسراء إلى" أي: مع "غير ذلك" من إنكارهم ما يكون يوم القيامة من تكوين الشمس، وغير ذلك، "وجواب هؤلاء إن كانوا كفارًا أن يناظروا أولًا على ثبوت دين الإسلام، فإذا تمت" المناظرة، وثبت عندهم دين الإسلام، "اشتركوا مع غيرهم ممن أنكر ذلك من المسلمين", فيناظروا ثانيًا بإقامة الحجة على إثبات الانشقاق، كما حكي أنَّ أبا بكر بن الطيب لما أرسله صاحب الدولة لملك الروم بقسطنطينية، وإن أجَلّ علماء الإسلام، أحضر بعض بطارقته، فقال له: تزعمون أن القمر انشقَّ لنبيكم، فهل للقمر قرابة منكم حتى ترونه دون غيركم؟ فقال: وهل بينكم وبين المائدة إخوة ونسب إذ رأيتموها، ولم ترها اليهود، ويونان، والمجوس الذين أنكروها، وهم في جواركم؟ فأفحم ولم يحر جوابًا، والقصة طويلة في الشرح، "ومتى سلم المسلم بعض ذلك دون بعض لزم التناقض، ولا سبيل له إلى إنكار ما ثبت في القرآن من الانخراق والالتئام في يوم القيامة"؛ لأنه كفر، "وإذا ثبت هذا استلزم أيضًا وقوع ذلك معجزة لنبي الله ﷺ , يرد عليه أن مجرد ثبوت ذلك في القيامة إنما يستلزم جواز وقوعه، والجواز لا يستلزم الوقوع، فالمناسب أن يقول: استلزم جواز وقوع ذلك معجزة، كما عبَّر به الحافظ في الفتح.стр. 3029
وقد أجاب عن ذلك القدماء من العلماء، فقال الزجاج في "معاني القرآن": أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة انشقاق القمر، ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر مخلوق, لله أن يفعل فيه ما يشاء، كما يكوره يوم القيامة ويفنيه. انتهى.
وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل متواترًا واشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص بها أهل مكة؛ لأنه أمر صدر عن حس ومشاهدة، فالناس فيه شركاء، والدواعي متوفرة على رواية كل غريب، ونقل ما لم يعهد، ولو كان لذلك أصل لخلّد في كتاب التسيير والتنجيم؛ إذ يجوز إطباقهم على تركه وإغفاله, مع جلالة شأنه ووضوح أمره.
فأجاب عنه الخطاب وغيره: بأنَّ هذه القصة خرجت عن الأمور التي ذكروها؛ لأنه شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلًا؛ لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نيامًا ومستكنين في الأبنية،................................................
الحواشي
(١) وفي نسخة: استلزم الجواز وقوع ذلك معجزة، فيمكن أن يجاب على ثبوت الواو بأن وقوع بالرفع مبتدأ خبره محذوف، أي: وقوعه معجزة ثبتت بالقرآن فيجب قبوله.
"وقد أجاب عن ذلك القدماء من العلماء، فقال الزجاج" بفتح الزاي والتشديد نسبة إلى خرط الزجاج، أبو إسحاق إبراهيم بن السري "الإمام، العلامة، المتوفَّى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة، وهو شيخ الزجاجي، صاحب الحمل "في معاني القرآن: أنكر بعض المبتدعة الموافقين لمخالفي الملة،" الكفار "انشقاق القمر،" لاستحالته بزعم الكاذب, ولا إنكار للعقل فيه؛ لأن القمر هو مخلوق, لله أن يفعل فيه ما يشاء، كما يكوره, أي: يلففه ويذهب نوره "يوم القيامة ويفنيه، انتهى".
وأما قول بعض الملاحدة: لو وقع هذا النقل متواترًا، اشترك أهل الأرض كلهم في معرفته، ولم يختص به أهل مكة؛ لأنه أمر صدر عن حس أمر محسوس بحاسة البصر، "ومشاهدة" يشبه عطف التفسير، "فالناس فيه شركاء، والدواعي متوفرة على رواية" نقل "كل غريب، ونقل ما لم يعهد، ولو كان لذلك أصل لخلد في كتب التيسير -بفوقية، فسين مهملة، فتحتيتين، فراء- أي: الهيئة, "والتتنجيم؛ إذ لا يجوز" عقلًا وعادة "إطباقهم على تركه، وإغفاله مع جلالة شأنه ووضوح أمره، فأجاب عنه الخطابي وغيره: بأن هذه القصة خرجت عن بقية "الأمور التي ذكروها؛ لأنه شيء طلبه خاص من الناس، فوقع ليلًا؛ لأن القمر لا سلطان له بالنهار، ومن شأن الليل أن يكون الناس فيه نيامًا ومستكنين في الأبنية،"стр. 3030
والبارز منهم بالصحراء إذا كان يقظانًا يحتمل أن يتفق أنه كان مشغولًا في ذلك الوقت بما يلهيه من سمر وغيره. ومن المستبعد ان يقصدوا إلى مراكز القمر ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما تصدَّى لرؤيته من اقترح وقوعه، ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر، وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق دون بعض، كما يكون ظاهر القوم غائبًا عن قوم، وكما يجد الكسوف أهل بلد دون بلد أخرى.
وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ منها شيء مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه كالقرءان بما حاصله: إن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامَّة أعقبت هلاك من كذَّب به من....
الحواشي
(١) لا يرون القمر، بل ولا السماء "والبارز منهم بالصحراء إذا كان يقظانًا يحتمل أن يتَّفق أنه كان مشغولًا في ذلك الوقت بما يلهيه من سمر" حديث الليل "وغيره, ومن المستبعد" عقلًا وعادةً "أن يقصدوا إلى مراكز القمر، ناظرين إليه لا يغفلون عنه، فقد يجوز أنه وقع ولم يشعر به أكثر الناس، وإنما تصدَّى لرؤيته من اقترح وقوعه", وقد يقع بالمشاهدة في العادة أن ينكسف القمر، وتبدو الكواكب العظام، وغير ذلك في الليل، ولا يشاهدها إلا الآحاد، وكذلك الانشقاق آية وقعت في الليل لقوم سألوا واقترحوا، فلم يتأهب لها غيرهم، كما في الفتح، تبعًا لما بسطه في الشفاء.
ولعل ذلك إنما كان في قدر اللحظة التي هي مدرك البصر، "يرد على ترجية قول ابن عباس: قدر ما بين العصر إلى الليل، كما مَرَّ، إلّا أن يحمل على أنّ الانشقاق الواقع في الابتداء كان بقدر إدراك البصر، ثم أخذ في الالتئام، فلم يتمّ، وبقي خلاء بين الفلقتين، دام قدر ما بين العصر إلى الليل، "وقد يكون القمر حينئذ في بعض المنازل التي تظهر لبعض الآفاق" النواحي "دون البعض، كما يكون ظاهر القوم غائبًا عن قوم" فقد يكون ليلة انشقاقه طالعًا بمكة دون غيرها، فلو قال غيرهم: لم نر انشقاقه تلك الليلة لم يكذبوا، "وكما يج الكسوف أهل بلد دون أهل بلد أخرى" وفي بعضها كلية، وفي بعضها جزئية، وفي بعضها لا يعرفها إلّا المدعون علمها، ذلك تقدير العزيز العليم.
"وقد أبدى الخطابي حكمة بالغة في كون المعجزات المحمدية لم يبلغ منها شيء مبلغ التواتر الذي لا نزاع فيه، كالقرآن" أي: كبلوغ القرآن. ولفظ الفتح: إلا القرآن، وكل صحيح، "بما حاصله" أن معجزة كل نبي كانت إذا وقعت عامّة أعقبت هلاك من كذب به منстр. 3031
قومه، والنبي ﷺ بعث رحمة للعاملين، فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذي بعث منهم، لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الإفهام، ولو كان إدراكها عامًّا لعوجل من كذب به كما عوجل من قبلهم. انتهى. وكذا أجاب ابن عبد البر بنحوه.
الحواشي
(١) قومه، والنبي ﷺ بعث رحمة للعالمين" ولو كفّارًا، "فكانت معجزته التي تحدى بها عقلية، فاختص بها القوم الذين بعث منهم لما أوتوه من فضل العقول وزيادة الإفهام، ولو كان إدراكها عامًّا لعوجل من كذب به، كما عوجل من قبلهم، انتهى.
زاد الحافظ: وذكر أبو نعيم في الدلائل نحو ما ذكره الخطابي، وزاد: ولا سيما إذا وقعت الآية في كل بلدة كان عامة أهلها يومئذ الكفار، الذين يعتقدون أنها سحر، ويجتهدون في إطفاء نور الله.
قلت: وهو جيد بالنسبة إلى من سأل عن الحكمة في قلة من نقل ذلك من الصحابة، وأمَّا من سأل عن السبب في كون أهل التنجيم لم يذكروه فجوابه: إنه لم ينقل عن أحد منهم أنه نفاه، وهذا كافٍ، فإن الحجة فيمن أثبتت لا فيمن لم يوجد عنه صريح النفي، حتى إن كل مَنْ وُجِدَ منه صريح النفي يقدم عليه من وُجِدَ منه صريح الإثبات، انتهى.
"وكذا أجاب ابن عبد البر بنحوه" أي: بنحو جواب الخطابي، وقال: قد يطلع على قوم قبل طلوعه على أخرين, وأيضًا فإن زمن الانشقاق لم يطل، ولم تتوافر الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ومع ذلك فقد بعث أهل مكة إلى آفاق مكة يسألون عن ذلك، فجاءت السفار، وأخبروا بأنهم عاينوا ذلك، وذلك لأن المسافرين في الليل غالبًا يكونون في ضوء القمر، ولا يخفى عليهم ذلك.
وقال القرطبي: الموانع من مشاهدة ذلك إذا لم يحصل القصد إليه غير منحصرة، ويحتمل أن الله صرف جميع أهل الأرض، غير أهل مكة وما حولها، عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة، ليختص بمشاهدته أهل مكة، كما اختصوا بمشاهدة أكثر الآيات، ونقلوها إلى غيرهم.
قال الحافظ: وفيه نظر؛ لأن أحدًا لم ينقل أن أحدًا من أهل الآفاق غير أهل مكة ذكروا أنهم رصدوا القمر تلك الليلة المعينة، فلم يشاهدوا انشقاقه، فلو نقل ذلك لكان الجواب الذي أبداه القرطبي جيدًا، ولكن لم ينقل عن أحد من أهل الأرض شيء من ذلك، فالاقتصار حينئذ على جواب الخطابي، ومن وافقه أوضح.стр. 3032
تنبيه: ما يذكره بعض القصاص: أن القمر دخل في جيب النبي ﷺ , وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي عن شيخه العماد بن كثير.
الحواشي
(١) تنبيه:
"ما يذكره بعض القصاص أن القمر دخل في جيب النبي ﷺ , وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشي، عن شيخه العماد بن كثير", وسبقهما لذلك النووي في الفتاوي، فإن سئل عن رجلين تنازعا في انشقاق القمر على عهده ﷺ ، فقال أحدهما: انشقّ فرقتين دخلت إحداهما في كمه، وخرجت من الكم الآخر، وقال الآخر: بل نزل إلى بين يديه فرقتان، ولم يدخل في كمه، فأجاب: الاثنان مخطئان، بل الصواب، إنه انشق وهو في موضعه من السماء، وظهرت منه إحدى الشقتين فوق الشقتين فوق الجبل، والأخرى دونه، وهكذا ثبت في الصحيحين من رواية ابن مسعود ﵁، انتهى.стр. 3033
ردّ الشمس له " ﷺ ":
وأما رد الشمس له ﷺ , فروي عن أسماء بنت عميس أن النبي ﷺ كان يوحى إليه ورأسه في حجر علي ﵁،.......................
الحواشي
(١) ردّ الشمس له ﷺ :
"وأما ردّ الشمس له ﷺ " قسيم قوله: أمّا معجزة القمر.... إلخ، تفصيلًا لقوله أولًا: وجدتها شاملة للعلوي والسفلي..... إلخ، ومن جملته القمر والشمس, "فروي عن أسماء بنت عميس، بمهملتين مصغر، الخثعمية، تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت لهم، وماتت بعد علي، وهي أخت ميمونة بنت الحارث، أم المؤمنين لأمها، ووزن أسماء فعلاء عند سيبويه، وأصله، وسماء من الوسامة، أي: الحسن، فأبدلت الواو همزة، وقيل: أفعال جمع اسم.
قال التلمساني: والأوّل أولى، أي؛ لأن المسموع منع الصرف، وإن جعله كذلك يفيد أن سبب الآخذ حسنها، وأعلَّ ابن تيمية حديث أسماء هذا، بأنها كانت مع زوجها بالحبشة.
قال الشامي: وهو وهم بلا شك؛ إذ لا خلاف أن جعفرًا قدم من الحبشة هو وامرأته على رسول الله ﷺ ، وهو بخيبر بعد فتحها، وقسم لهما ولأصحاب سفينتهما، "أن النبي ﷺ كان يوحى إليه" مرة بالصهباء" "ورأسه في حجر علي ﵁" جملة خالية وحجر مثلثстр. 3034
فلم يصل العصر حتى غربت الشمس، فقال رسول الله ﷺ : أصليت يا علي؟ فقال: لا، فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك، فاردد عليه الشمس"، قالت أسماء: فرأيتها غربت ثم رأيتها طلعت بعد ما غربت, ووقعت على الجبال والأرض، وذلك بالصهباء في خيبر، رواه الطحاوي في مشكل الحديث، كما حكاه القاضي عياض في.........
الحواشي
(١) بالحاء، بمعنى: الحضن، والأظهر: أنَّ الرأس كان على ركبته وهو نائم، فاستعمل في المفيدة للظرفية ويجعل الحضن محلًّا للرأس، تجوزًا من إطلاق اسم الشيء وهو الحجر على ما يقرب منه وهو الفخذ، وبالغ في تمكّن رأسه من فخذه، فشبَّه ذلك التمكن بالظرفية، واستعمل فيه ما يستعمل فيها استعارة تبعية، "فلم يصل" عليّ "العصر حتى غربت الشمس".
وأما المصطفى فكان قد صلاها، كما يأتي في الرواية الأخرى، "فقال رسول الله ﷺ : "أصليت يا علي؟ " استفهام تقريري ليرتب عليه الدعاء له، وإظهار المعجزة أو حقيقي، ولا يشكل بأن قلبه لا ينام لاشتغال قلبه حينئذ بالوحي، فاستغرق فيه، "قال: لا،" لأنهم كانوا لا يوقظونه، كما في الصحيح، وقد وضع رأسه في حجره, فهو عذر في إخراج الصلاة عن وقتها، ولم يصلها بنحو الإيماء، لجواز أنه لم يكن شرع حينئذ، "فقال رسول الله ﷺ : "اللهم إنه كان في طاعتك وطاعة رسولك"؛ لأنه لم يزعجه من منامه، وانتظر يقظته, وذلك تعظيم لله برعاية نبيه ولرسوله بترك ما يؤذيه، "فأردد" بفك الإدغام على إحدى اللغتين الفصيحتين, ويأتي رواية الطبراني فرد بالإدغام, وقد قرئ من يريد بالإدغام والفكّ. "عليه الشمس" أي: أعدها لمكانها الذي غربت منه ليصلي العصر في وقتها، "قالت أسماء" بنت عميس: "فرأيتها غربت، ثم رأيتها طلعت، بدعاء المحتبي "بعدما غربت ووقعت" أي: نزلت على الجبال والأرض, وذلك بالصهباء في خيبر" بعد مفارقتها لهما، فوقعت بعين مهملة، وقول الدلجي بالفاء من الوقوف، أي: لم تسر وتبيّن رجوعها إن ثبت رواية، وإلّا فالعين أوفق، لقولها: بعدما غربت، "رواه" العلامة الإمام الحافظ أحمد بن محمد، بن سالم، بن سلمة الأزدي، أبو جعفر "الطحاوي" بفتح المهملتين نسبةً لطحا قرية بصعيد مصر، على ما قاله ابن الأثير.
وردَّه السيوطي بأنه ليس منها، بل من طحطوط بقربها، فكره أن يقال الطحطوطي المصري، ابن أخت المزني، سمع يونس بن عبد الأعلى، وهارون بن سعيد، وعنه الطبراني، وغيره، وكان ثقة، ثبتًا، فقيهًا، حنفيًّا، لا مالكيًّا، كما زعم بعض، انتهت إليه رئاسة أصحاب أبي حنيفة، وله مؤلفات, ولد سنة تسع وثلاثين ومائتين، ومات سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة، "في مشكل الحديث" كتاب جليل اشتهر بالآثار من طريقين عن أسماء، "كما حكاه القاضي عياض فيстр. 3035
الشفاء وقال: قال الطحاوي: إن أحمد بن صالح المصري كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله العلم التخلف عن حفظ حديث أسماء؛ لأنه من علامات النبوة. انتهى.
قال بعضهم: هذا الحديث ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج القاضي عياض له في الشفاء عن الطحاوي من طريقين, فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات وقال: إنه موضوع بلا شك, وفي سنده أحمد بن داود وهو متروك الحديث كذّاب، كما قاله الدارقطني. وقال ابن حبان: كان يضع الحديث.
قال ابن الجوزي: وقد روى هذا الحديث ابن شاهين, فذكره ثم قال: وهذا حديث باطل،............
الحواشي
(١) الشفاء، وقال: قال الطحاوي: إن أحمد بن صالح المصري،" أبو جعفر بن الطبري، ثقة حافظ، روى عنه البخاري وأبو داود، تكلّم فيه النسائي، بسبب أوهام له قليلة، ونقل عن ابن معين تكذيبه، وجزم ابن حبّان، بأنه إنما كذب أحمد بن صالح الشمومي، فظنَّ النسائي أنه عني ابن الطبري، مات سنة ثمان وأربعين ومائتين، وله ثمان وسبعون سنة، "كان يقول: لا ينبغي لمن سبيله" طريقه السالك فيه "العلم" أي: طلبه والاشتغال به، ومعرفة الحديث، فجعل نفس العلم طريقًا، لأنه يصل به صاحبه إلى سعادة الدارين، "التخلف عن حفظ حديث أسماء" بنت عميس، هذا الذي روته في ردّ الشمس، "لأنه من علامات النبوة" آياتها الدالة عليها؛ إذ هو معجزة عظيمة، وهذا مؤيد لصحته، فإن أحمد هذا من كبار أئمة الحديث الثقات، وحسبه أن البخاري روى عنه في صحيحه, فلا يلتفت إلى من ضعَّفه، وفي الألفية، قال:
وربما كان بغير قادح ... كالنسائي في أحمد بن صالح
"انتهى" كلام عياض.
"قال بعضهم" تعقبًا عليه: "هذا الحديث ليس بصحيح، وإن أوهم تخريج" أي: نقل "القاضي عياض له في الشفاء، عن الطحاوي من طريقين" صحته، فالمفعول محذوف، أي: بقوله: قال: وهذان الحديثان ثابتان، رواتهما ثقات، "فقد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وقال: إنه موضوع بلا شك، وفي سنده أحمد بن داود، وهو متروك الحديث كذّاب، كما قاله الدارقطني، وقال ابن حبان: كان يضع الحديث.
"قال ابن الجوزي: ولقد روى هذا الحديث ابن شاهين فذكره، ثم قال" ابن الجوزي: "وهذا حديث باطل،" وليس فاعل.
قال ابن شاهين: لأن إسناده حسن، ولذا قال السيوطي تبعًا للحافظ: أخطأ ابن الجوزي،стр. 3036
قال: ومن تغفَّل واضعه أنه نظر إلى صورة فضيلة، ولم يلمح عدم الفائدة فيها، وإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوع الشمس لا يعيدها أداء. انتهى.
وقد أفرد ابن تيمية تصنيفًا مفردًا في الرد على الروافض, ذكر فيه الحديث بطرقه ورجاله وأنه موضوع، والعجب من القاضي عياض مع جلاله قدره وعلوّ خطره...................
الحواشي
(١) وقد نصَّ ابن الصلاح وسائر من تبعه على تساهل ابن الجوزي في كتاب الموضوعات؛ بحيث خرج عن موضوعه، لمطلق الضعف.
قال العراقي:
وأكثر الجامع فيه إذ خرج ... لمطلق الضعف عني أبا الفرج
فهذه غفلة شديدة منه، يحكم بوضع حديث في أحد الصحيحين.
"قال" ابن الجوزي: "ومن تغفَّل واضعه، أنه نظر إلى صورة فضيلة" هي رد الشمس حتى صلى عليّ العصر, "ولم يلمح عدم الفائدة فيها، وإن صلاة العصر بغيبوبة الشمس تصير قضاء، ورجوع الشمس لا يعيدها أداء، انتهى", وتعقب بأنه لا وجه له؛ لأنها فاتته بعذر مانع من الأداء، وهو عدم تشويشه على النبي، وهذه فضيلة، ودلَّ ثبوت الحديث على أنَّ الصلاة وقعت أداء. وبذلك صرَّح القرطبي في التذكرة، قال: فلو لم يكن رجوع الشمس نافعًا، وإنه يتجدد الوقت لما ردها عليه، ووجهه: إن الشمس لما عادت كأنها لم تغب، وفي الإسعاد لو غربت الشمس ثم عادت عاد الوقت أيضًا، لهذا الحديث، وتجويز حمل الغروب في كلام أسماء على الشروع فيه أو مقارنته، فيكون عودها قبل غروب الشمس، فيحصل به بقاء الوقت، فمعنى: عادت عاد ظهورها كاملة, فالوقت باقٍ حقيقة فيه، أنه لا قرينة هنا على هذا الاحتمال الصارف للفظ عن المتبادر منه, الذي حمله عليه الحفاظ المثبتون للحديث, والذين زعموا وضعه أو ضعفه، ولا دلالة في حديث جابر الآتي: أمر الشمس فتأخَّرت ساعة من نهار على أن قبل الغروب، بل الظاهر أنه بعد الغروب، بدليل قوله بعده: فزيد له في النهار ساعة، على أن حديث جابر قصة أخرى غير هذه، كما نبينه.
"وقد أفرد ابن تيمية" الحافظ أبو العباس أحمد الشهير "تصنيفًا مفردًا في الرد على الروافض، ذكر فيه هذا الحديث بطرقه ورجاله، وإنه موضوع، والعجب من القاضي عياض مع جلالة قدره" عظمته" "وعلو خطره" بفتح الخاء والطاء: علوّ قدره ومنزلته على ما في المصباح، ففيه تجريد باستعمال الخطر في مجرد القدر، أو أنه قصد المبالغة، وإن المعنى: علوّстр. 3037
في علوم الحديث كيف سكت عنه موهمًا صحته، وناقلًا ثبوته، موثقًا رجاله. انتهى.
وقال شيخنا: قال الإمام أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي فأورده في الموضوعات.
ولكن قد صحَّحه الطحاوي والقاضي عياض، وأخرجه ابن منده وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس، وابن....................................................
الحواشي
(١) قدره، على أن في القاموس: الخطر قدر الرجل "في علوم الحديث"؛ إذ هو من الحفَّاظ النقاد، "كيف سكت عنه موهمًا صحته، وناقلًا ثبوته، موثقًا رجاله، انتهى" ولا عجب أصلًا؛ لأن إسناد حديث أسماء حسن، وكذا إسناد حديث أبي هريرة الآتي، كما صرَّح به السيوطي قائلًا: ومن ثَمَّ صححه الطحاوي والقاضي عياض، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات فأخطأ، كما بينته في مختصر الموضوعات، وفي النكت البديعات، انتهى. يعني: لما تقرر في علوم الحديث: أنَّ الحسن إذا اجتمع مع حسن آخر، أو تعددت طرقه ارتقى للصحة، فالعجب العجاب إنما هو من كلام ابن تيمية هذا، لا من عياض؛ لأنه الجاري على القواعد المعلومة في الألفية وغيرها، لصغار الطلبة.
ولذا قال الحافظ في فتح الباري: أخطأ ابن الجوزي بذكره في الموضوعات، وكذا ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض في زعم وضعه، انتهى.
"وقال شيخنا" السخاوي في المقاصد: "قال الإمام أحمد: لا أصل له، وتبعه ابن الجوزي، فأورده في الموضوعات", وكذا نقل ابن كثير عن أحمد وجماعة من الحفاظ: أنهم صرّحوا بوضعه.
قال الشامي: والظاهر أنه وقع لهم من طريق بعض الكذابين، ولم يقع لهم من الطرق السابقة، وإلّا فهي يتعذّر معها الحكم عليه بالضعف، فضلًا عن الوضع، ولو عرضت عليهم أسانيدها لاعترفوا بأن للحديث أصلًا وليس بموضوع، وقال: وما مهَّدوه من القواعد، وذكر جماعة من الحفاظ له في كتبهم المعتمدة، وتقوية من قواه يرد على من حكم عليه بالوضع، انتهى.
ولذا استدرك السخاوي، زعم وضعه، فقال: "ولكن قد صححه الطحاوي، والقاضي عياض" وناهيك بهما.
"وأخرجه ابن منده، وابن شاهين من حديث أسماء بنت عميس،" بإسناد حسن، "وابنстр. 3038
مردويه من حديث أبي هريرة. انتهى.
ورواه الطبراني في معجمه الكبير بإسناد حسن, كما حكاه شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب عن أسماء بنت عميس ولفظه: إن رسول الله ﷺ صلى الظهر بالصهباء ثم أرسل عليًّا في حاجة, فرجع وقد صلَّى النبي ﷺ العصر، فوضع ﷺ رأسه في حجر علي فنام، فلم يحركه حتى غابت الشمس، فقال ﵊: "اللهم إن عبدك عليًّا احتبس بنفسه على نبيه فرد عليه الشمس"، قالت أسماء: فطلعت عليه الشمس حتى وقعت على الجبال وعلى الأرض، وقام علي فتوضأ وصلَّى العصر ثم غابت, وذلك بالصهباء.
وفي لفظ آخر: كان ﵊ إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه، فأنزل عليه يومًا وهو في حجر علي،
الحواشي
(١) مردويه من حديث أبي هريرة" بإسناد حسن أيضًا، "انتهى، ورواه الطبراني في معجمه الكبير، بإسناد حسن، كما حكاه شيخ الإسلام" قاضي القضاة "ابن العراقي" الحافظ ولي الدين "في شرح التقريب عن أسماء بنت عميس، ولفظه: إن رسول الله ﷺ صلَّى الظهر بالصهباء، ثم أرسل عليًّا في حاجة" هي قسم غنائم خيبر، كما في رواية الطبراني أيضًا، "فرجع وقد صلَّى النبي ﷺ العصر، فوضع ﷺ رأسه في حجر علي، فنام فلم يحركه حتى غابت الشمس، فاستيقظ فسأله، "أصليت"؟ قال: لا: "فقال ﵊": "اللهم إن عبدك عليًّا احتبس نفسه" امتنع من الحركة، قاصرًا نفسه "على" حفظ نبيه" وخدمته، "فردَّ عليه الشمس" كي يصلي العصر أداء، "قالت أسماء: فطلعت عليه الشمس حتى وقعت عى الجبال وعلى الأرض, وقام عليّ فتوضأ وصلَّى العصر، ثم غابت، وذلك بالصهباء.
وعند الطبراني أيضًا عن أسماء قالت: اشتغل علي مع رسول الله ﷺ في قسمة الغنائم يوم خيبر حتى غابت الشمس، فقال ﷺ : "يا علي أصليت العصر؟ " قال: لا يا رسول الله، فتوضأ ﷺ في المجلس، فتكلّم بكلمتين أو ثلاثة، كأنها من كلام الحبشة، فارتجعت الشمس كهيئتها في العصر، فقام علي فتوضأ وصلَّى العصر، ثم تكلّم ﷺ بمثل ما تكلم به قبل ذلك، فرجعت الشمس إلى مغربها، فسمعت لها صريرًا كالمنشار في الخشبة، وطلعت الكواكب، وبهذا الحديث أيضًا بان أنَّ الصلاة ليست قضاء، بل يتعين الأداء, وإلا لم يكن للدعاء فائدة.
"وفي لفظ آخر" عند الطبراني أيضًا في الكبير: "كان -عليه الصلاة السلام- إذا نزل عليه الوحي يغشى عليه", ويعرف ذلك حاضروه، "فأنزل عليه يومًا، وهو في حجر علي،стр. 3039
فقال له النبي ﷺ : "صليت العصر؟ " قال: لا، يا رسول الله, فدعا الله فرد عليه الشمس حتَّى صلى العصر، قالت أسماء: فرأيت الشمس طلعت بعد ما غابت حين ردت حتى صلى العصر علي.
قال: وروى الطبراني أيضًا في معجمه الأوسط بإسناد حسن عن جابر، أن رسول الله ﷺ أمر الشمس فتأخَّرت ساعة من نهار.
وروى يونس بن بكير في زيادات المغازي عن ابن إسحاق، مما ذكره القاضي عياض: لما أسري بالنبي ﷺ , وأخبر قومه بالرفقة والعلامة التي في العير، قالوا: متى تجيء؟ قال: "يوم الأربعاء"................................................
الحواشي
(١) فقال له النبي ﷺ " لما سرَّي: "صليت العصر" قال: لا" أي: لم أصله، "يا رسول الله، فدعا الله" بكلمتين أو ثلاثة، "فردَّ عليه الشمس حتى صلى العصر، قالت أسماء: فرأيت الشمس طعلت بعد ما غابت، حين ردت، حتى صلى العصر علي", ومن القواعد أن تعدّد الطرق يفيد أن للحديث أصلًا، ومن لطائف الاتفاقات الحسنة أن أبا المظفر الواعظ ذكر يومًا قريب الغروب فضائل علي, ورد الشمس له، والسماء مغيمة غيمًا مطبقًا، فظنّوا أنها غربت, وهموا بالانصراف، فأصحت السماء ولاحت الشمس صافية الإشراق، فأشار إليهم بالجلوس، وقال ارتجالًا:
لا تغربي يا شمس حتى ينتهي ... مدحي لآل المصطفى ولنجله
واثني عنانك إذا أردت ثناءهم ... أنسيت إذ كان الوقوف لأجله
إن كان للمولى وقوفك فليكن ... هذا الوقوف لخيله ولرجله
"قال" ابن العراقي: "وروى الطبراني أيضًا في معجمه الأوسط، بإسناد حسن، عن جابر" بن عبد الله: "أن رسول الله ﷺ أمر الشمس" أن لا تغرب حتى تقدم عير قريش التي رآها ليلة الإسراء، وأخبرهم بأنها تقدم يوم كذا، وولّى النهار ولم تجئ، "فتأخَّرت ساعة من نهار" إلى أن قدمت, فهذه قصة أخرى كانت وهو بمكة قبل الهجرة، كما حمله الحافظ ابن حجر مؤيدًا به الحديث المنقطع المذكور، بقوله: "وروى يونس بن بكير" بن واصل الشيباني، أبو بكر الكوفي، صدوق، روى له مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والبخاري تعليقًا، مات سنة تسع وتسعين ومائة، "في زيادات المغازي، عن" شيخة محمد "بن إسحاق" بن يسار، إمام المغازي، "مما ذكره القاضي عياض" في الشفاء: "لما أسري بالنبي ﷺ , وأخبر قومه بالرفقة" -مثلث الراء: الجماعة المترافقين في السفر, ولا يذهب اسم الرفيق إلّا بالتعرف والعلامة التي في العير" هي أن يتقدَّمها جمل أو رق، "قالوا: متى تجيء؟ قال: "يوم الأربعاء" بتثليثстр. 3040
فلمَّا كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون، وقد ولَّى النهار ولم تجئ، فدعا رسول الله ﷺ , فزيد له في النهار ساعة, وحبست عليه الشمس.
وهذا يعارضه ما في الحديث الصحيح: لم تحبس الشمس على أحد إلّا ليوشع بن نون،.......
الحواشي
(١) الباء والكسر أَوْلَى، كما في المحكم وغيره -ممدود والهمزة مفتوحة على الثلاث، وحكى ابن هشام، فتح الهمزة، وكسر الهمزة، وفتح الباء، وقال: هذه أفصح اللغات، فلمَّا كان ذلك اليوم" بالرفع والنصب، والأول أولى؛ لأنه نعت فاعل كان التامة بمعنى وجد، "أشرقت" بمعجمة، وراء مهملة وراء مهملة وفاء, "قريش" أي: قامت على شرف, وهو المكان المرتفع لتنظر العير قادمة أم لا، "ينتظرون" حال أو مستأنف, أي: يترقَّبون قدوم عيرهم في اليوم الموعود، وقد ولَّى النهار،" قارب ذلك اليوم أن يتم ويدخل الليل بغروب الشمس، "ولم تجئ" العير "فدعا رسول الله ﷺ " سأله ربه أن يمد له ذلك اليوم حتى تجيء العير قبل انقضائه، "فزيد له في النهار ساعة، "ذلك أنه "حُبِسَت عليه الشمس" أمسكها الله بقدرته وعوَّقها عن سيرها المعتاد حتى قدمت العير قبل غروبها، وعورض هذا بما ورد، واقتصر عليه البيضاوي والزمخشري أنه ﷺ قال: "يقدمها جمل أورق عليه غرارتان مخططتان، تطلع عليكم عند طلوع الشمس"، فخرجوا ينتظرون طلوعها، فقال قائل منهم: هذه الشمس قد طلعت, فقال آخر: وهذه الإبل قد طلعت يقدمها.... إلخ، فقالوا: إن هذا إلّا سحر مبين.
وعند ابن أبي حاتم: فلمَّا كان ذلك اليوم، أي: الذي قال إنهم يأتون فيها أشرف الناس ينتظرون، حتى إذا كان قرب نصف النهار أقبلت لعير يقدمهم ذلك الجمل، كما وصف ﷺ ، ولا معارضة؛ لأنه مرَّ بعيرين، بل بثلاثة، وكان إحداها تأخرت.
روى ابن مردويه والطبراني، عن أم هانيء, قالوا: أخبرنا عن عيرنا، قال: "أتيت على عير بني فلان بالروحاء قد أضلّوا ناقة لهم، فانطلقوا في طلبها، فانتهيت إلى رحالهم، فليس بها منهم أحد، وإذا قدح ماء فشربت منه, ثم انتهيت إلى عير بني فلان بمكان كذا وكذا، فيها جمل عليه غرارتان، غرارة سوداء وغرارة بيضاء، فلا حاذيت العير نفرت، وصرع ذلك البعير وانكسر، ثم انتهيت إلى عير بني فلان بالتنعيم، يقدمهم حمل أورق عليه مسح أسود وغرارتان سوداوان" الحديث.
"وهذا يعارضه ما في الحديث الصحيح" الذي أخرجه أحمد برجال الصحيح: "لم تحبس الشمس على أحد" لفظ أحمد عن أبي هريرة، قال ﷺ : "إن الشمس لم تحبس لبشر إلا ليوشع" بالشين المعجمة، ومهملة "ابن نون" مجرور بالإضافة منصرف على الأصح, وإنстр. 3041
يعني: حين قاتل الجبارين يوم الجمعة, فلمَّا أدبرت الشمس خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم, ويدخل السبت فلا يحلّ لهم قتالهم فيه، فدعا فردّ عليه الشمس حتى فرغ من قتالهم.
قال الحافظ بن كثير فيه: إن هذا كان من خصائص يوشع، فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه أن الشمس رجعت حتى صلَّى علي بن أبي طالب العصر، وقد صحَّحه أحمد بن صالح المصري، ولكنه منكر، ليس في شيء من الصحاح والحسان، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله، وتفرَّدت بنقله امرأة من أهل البيت مجهولة لا يعرف حالها. انتهى.
الحواشي
(١) كان أعجميًّا لسكون وسطه، كنوح ولوط ونون ابن افرايم بن يوسف، كان يوشع يخدم موسى ويتبعه، ولذا سمَّاه الله فتاه، وبقية رواية أحمد: ليالي سار إلى بيت المقدس. وأخرجه الخطيب في تاريخه من حديث أبي هريرة، بلفظ: "ما حبست الشمس على بشر قطّ إلا على يوشع، ليالي سار إلى بيت المقدس" ,"يعني: حين قاتل الجبارين يوم الجمعة" بعد موت موسى وهارون في التيه، وكان رحمة لهما، وعذابًا لأولئك، وسأل موسى ربه أن يدنيه من الأرض المقدَّسة رمية حجر، فأدناه، كما في الحديث، ونبيء يوشع عند الأربعين، وأمر بقتال الجبارين، فسار بمن بقي معه وقاتلهم يوم الجمعة، "فلمَّا أدبرت الشمس،" قاربت الغروب, "خاف أن تغيب قبل أن يفرغ منهم ويدخل السبت فلا يحل لهم قتالهم فيه، فدعا الله، فردّ عليه الشمس" ساعة "حتى فرغ من قتالهم", ويقال: كان علم النجم صحيحًا قبل، فلمّا وقفت ليوشع بطل أكثره، ولما ردت لعلي بطل جميعه.
"قال الحافظ ابن كثير فيه: إن هذا كان من خصائص يوشع" وبه اشتُهر، حتى قال أبو تمام في قصيدة:
فو الله ما أدري أأحلام نائم ... ألمت بنا أم كان في الركب يوشع
"فيدل على ضعف الحديث الذي رويناه، أنَّ الشمس رجعت حتى صلى علي بن أبي طالب العصر، وقد صححه أحمد بن الح المصري، ولكنه منكر" أي: ضعيف؛ إذ المنكر من أقسامه، "ليس في شيء من الصحاح والحسان" ممنوع لوروده من طرق ثلاثة حسان، كما مَرَّ، وتقرَّر أنه يرتقي بذلك للصحة، وهو مما تتوفر الدواعي على نقله" لغرابته، "وتفرَّدت بنقله امرأة من أهل البيت، مجهولة لا يعرف حالها" فيه نظر أيضًا، فقد رواه جماعة وتعددت طرقه، كما بينه في النكت، وتلخيص الموضوع، وسبل الهدى وغيرهم، "انتهى" كلام ابن كثير، ولم يثبت في كل النسخ، بل بعضها.стр. 3042
ويحتمل الجمع بأن المعنى: لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري إلّا ليوشع بن نون.
وكذا روى حبس الشمس لنبينا محمد ﷺ أيضًا يوم الخندق، حين شغل عن صلاة العصر، فيكون حبس الشمس مخصوصًا بنبينا وبيوشع، كما ذكره القاضي عياض في الإكمال، وعزاه لمشكل الآثار، ونقله النووي في شرح مسلم في باب حلّ الغنائم عن عياض، وكذا نقله الحافظ بن حجر في باب الأذان من تخريج أحاديث الرافعي, ومغلطاي في الزهر الباسم، وأقروه.
وتعقب: بأن الثابت في الصحيح وغيره: أنه ﷺ صلى العصر في وقعة الخندق بعد ما غربت الشمس. كما سبق في غزوتها.
وذكر البغوي في تفسيره:.................................................
الحواشي
(١) ويحتمل الجمع، بأن المعنى: لم تحبس على أحد من الأنبياء غيري، إلّا ليوشع بن نون،" نحوه قال الحافظ: الحصر محمول على الماضي للأنبياء قبل نبينا، وليس فيه أنها لا تحبس بعد الماضي، انتهى. وهو متعين لدفع التعارض بين الحديثين، ومثله كثير في الأحاديث، كقوله: "لم يتكلم في المهد إلّا ثلاثة"، فالحصر إضافي، وجمع أيضًا بأن خبر يوشع في حبسها قبل الغروب، وخبر عليّ في ردها بعده، وبأنه قال قبل قصة خيبر.
"وكذا روي حبس الشمس لنبينا محمد ﷺ أيضًا يوم الخندق حين شغل عن صلاة العصر، فيكون على هذا "حبس الشمس مخصوصًا بنبينا وبيوشع", بناء على أنها لم تحبس لغيرهما، لصحة خبريهما، دون غيرهما مما يأتي، "كما ذكره" أي: حبسها يوم الخندق "القاضي عياض في الإكمال" شرح مسلم له، "وعزاه لمشكل الآثار" للطحاوي، "ونقله النووي في شرح مسلم في باب حل الغنائم عن عياض" وأقرَّه "وكذا نقله الحافظ ابن حجر في باب الأذان من" كتابه "تخريج أحاديث الرافعي، ومغلطاي في الزهر الباسم، في سيرة المصطفى أبي القاسم، وأقرّوه", لكنه في فتح الباري قال: لم أقف عليه في مشكل الآثار، إنما فيه حديث أسماء المار" فإن قلت: فهي قصة أخرى ثالثة.
"وتعقّب بأن الثابت في الصحيح وغيره, أنه ﷺ صلى العصر في وقعة الخندق بعدما غربت الشمس، كما سبق في غزوتها" وأجيب، بأنه كان في يوم آخر؛ إذ وقعة الخندق كانت أيامًا، "وذكر البغوي في تفسيره" بلفظ: حكي عن علي، أن معنى ردوها علي، يقول سليمان يأمر الله الملائكة الموكلين بالشمس يردها، فردوها حتى صلّى العصر وقتها، وذلك أنهстр. 3043
إنها حبست لسليمان ﵇؛ لقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ [ص: ٣٣] . ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس في الآية، فالمراد: الصافنات الجياد والله أعلم.
قال القاضي عياض: واختلف في حبس الشمس المذكور هنا، فقيل: ردت على أدراجها, وقيل: وقفت ولم ترد، وقيل: بطء حركتها. قال: وكل ذلك من معجزات النبوة. انتهى.
الحواشي
(١) كان يعرض عليه الخيل الجياد غدوة حتى توارت بالحجاب, فاختصره المصنف، فقال: "إنها حبست لسليمان ﵇ أيضًا؛ لقوله: ﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ ونوزع فيه بعدم ذكر الشمس في الآية, فالمراد الصافنات:" الخيل الجياد, وأجيب بأنه لو ثبت، عاد الضمير للشمس لعلمها، وإن لم يجر لها ذكر، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ الآية.
قال الحافظ: لكنه غير ثابت, وجاء أيضًا أنها حبست عن الطلوع لموسى، ففي المبتدأ لابن إسحاق عن عروة: أنه تعالى أمر موسى أن يحمل تابوت يوسف، فلم يدلّ عليه حتى كاد الفجر يطلع، وكان وعدهم بالسير عند طلوع الفجر، فدعا ربه أن يؤخّر الفجر حتى يفرغ ففعله.
قال الحافظ: وتأخير طلوع الفجر يستلزم تأخير طلوع الشمس؛ لأنه ناشئ عنها، فلا يقال: الحصر إنما وقع في يوشع بطلوع الشمس، فلا يمنع حبس الفجر لغيره، قال: وأخرج الخطيب في كتاب ذم النجوم عن عليّ قال: سأل قوم يوشع أن يطلعهم على بدء الخلق وآجالهم، فأراهم ذلك في ماء من غمامة أمطرها الله عليهم، فكان أحدهم يعلم متى يموت, فبقوا على ذلك إلى أن قاتلهم داود على الكفر، فأخرجوا إلى داود من لم يحضر أجله، فكان يقتل من أصحاب داود ولا يقتل منهم, فشكا إلى الله ودعاه، فحبست عليه الشمس، فزيد في النهار، فاختلطت الزيادة الليل والنهار، فاختلط عليهم حسابهم، وإسناده ضعيف جدًّا، انتهى، والله أعلم" بصحة ذلك كله في نفس الأمر وضعفه.
"قال القاضي عياض: واختلف في حبس الشمس المذكور هنا، فقيل: ردت على أدراجها" أي: أحوالها التي كانت تسير عليها نهارًا، "وقيل: وقفت ولم ترد", قال البرهان: وه ظاهر قوله: فحبست, "وقيل" بطء حركتها" قال ابن بطال: وهو أَوْلَى الأقوال، قال" عياض: وكل ذلك من معجزات النبوة. انتهى".
قال بعض شراح مسلم: والشمس أحد الكواكب السيارة، وحركتها مترتبة على حركة الفلك بها، فحبسها على التفاسير المذكورة إنما هو لحبس الفلك لا حبسها في نفسها، انتهى.стр. 3044
تسبيح الطعام والحصى في كفِّه الشريف " ﷺ ":
وأمَّا ما روي من طاعات الجمادات وتكليمها له بالتسبيح والسلام ونحو ذلك مما وردت به الأخبار، فمنها تسبيح الطعام والحصا في كفة الشريف ﷺ .
فخرج محمد بن يحيى الذهلي في الزهريات قال: أخبرنا أبو اليمان قال: أنبأنا شعيب عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلًا من بني سليم كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة: عن أبي ذر قال: هجرت.............................................
الحواشي
(١) تسبيح الطعام والحصى في كفِّه الشريف " ﷺ ":
"وأمَّا ما روي من طاعات" أي: انقياد "الجمادات" جمع جماد، وهو ما لا روح له؛ كالحجر والشجر، والمراد: جنسها لا جميعها، "وتكليمها" خطابها "له بالتسبيح والسلام، ونحو ذلك" كمجيء الشجر له، "مما وردت به الأخبار".
"فمنها" أي: مما روي من الطاعات، "تسبيح الطعام والحصا" لف ونشر غير مرتب وهو أَوْلَى، وفي نسخة: تقديم الحصا على الطعام، "في كفّه الشريف ﷺ " أي: قول سبحانه الله، "فخرَّج محمد بن يحيى بن عبد الله الذهلي -بضم الذال المعجمة وإسكان الهاء وباللام- النيسابوري الحافظ، روى عن أحمد، وإسحاق، وابن المديني وخلق، وعنه البخاري.
قال أبو بكر بن أبي داود: كان أمير المؤمنين في الحديث.
وقال الخطيب: كان أحد الأئمة العارفين والحفاظ المتقنين، والثقات المأمونين، مات سنة ثمان وخمسين ومائتين، "في الزهريات" -بزاي وراء- كتاب.
قال الخطيب: جمع فيه حديث الزهري وجوده، وكان ابن حنبل يثني عليه، ويشكر فضله.
"قال: أخبرنا أبو اليمان" الحكم -بفتحتين- ابن نافع البهراني -بفتح الموحدة- الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة، ثبت من رجال الجميع, يقال: إنَّ أكثر حديثه عن شعيب مناولة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين، "قال: أنبأنا شعيب" بن أبي حمزة، دينار الأموي، مولاهم الحمصي، ثقة عابد، روى له الجماعة.
قال ابن معين: من أثبت في الزهري، مات سنة اثنتين وستين ومائة أو بعدها، "عن الزهري" محمد بن شهاب، العلم المنشور، "قال: ذكر الوليد بن سويدان أن رجلًا من بني سليم -بضم السين- "كبير السن كان ممن أدرك أبا ذر بالربذة -بفتح الراء والموحدة، والذال المعجمة- قرية قرب المدينة، كانت عامرة أول الإسلام، ذكر له "عن أبي ذر" الغفاري، "قال: هجرت" -بفتح الهاء وشد الجيم- سرت وقت الهاجرة, وهي اشتداد الحر نصف النهار،стр. 3045
يومًا من الأيام, فإذا النبي ﷺ قد خرج من بيته, فسألته عنه الخادم, فأخبرني أنه ببيت عائشة، فأتيته وهو جالس ليس عنده أحد من الناس، وكأنِّي حينئذ أرى أنه في وحي، فسلمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: "ما جاء بك" , قلت: جاءني الله ورسوله، فأمرني أن أجلس, فجلست إلى جنبه، لا أسأله عن شيء ولا يذكره لي، فمكثت غير كثير، فجاء أبو بكر يمشي مسرعًا فسلّم عليه، فردَّ ﵇، ثم قال: "ما جاء بك؟ " قال: قلت: جاء بي الله ورسوله، فأشار بيده أن أجلس، فجلس إلى ربوة مقابل النبي ﷺ , ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، وقال له رسول الله ﷺ مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر, ثم جاء عثمان كذلك, وجلس إلى جنب عمر، ثم قبض رسول الله ﷺ على حصيات سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك، فسبحن في يده، حتى سمع لهنّ حنين كحنين النحل....................................
الحواشي
(١) "يومًا من الأيام، فإذا النبي ﷺ قد خرج من بيته" الذي كنت أعهد جلوسه فيه، لا ينافي قوله: "فسألت عنه الخادم، فأخبرني أنه ببيت عائشة" إذ بيتها بيته, وهو لم يعين بيته الأول الذي خرج منه.
وفي رواية البيهقي وابن عساكر عن أبي ذكر, كنت أتتبع خلواته ﷺ , فرأيته يومًا خاليًا فاغتنمت خلوته "فأتيته وهو جالس عنده أحد من الناس، وكأني حينئذ أرى" بالضم أظن "أنه في وحي" أي: استماعه، وفي نسخة: إنه وحي, ومعناها: وأرى أن ما هو مشغول به وحي, "فسلمت عليه، فردَّ السلام، ثم قال: "ما جاء بك؟ " قلت: جاءني الله ورسوله" أي: حبهما، "فأمرني أن أجلس، فجلست إلى جنبه لا أساله عن شيء، ولا يذكره لي, فمكثت غير كثير, فجاء أبو بكر يمشي مسرعًا، فسلَّم عليه فردَّ ﵇, ثم قال: "ما جاء بك" قال: قلت: جائني الله ورسوله، فأشار بيده أن اجلس" بفتح الهمزة، وكسر النون، ووصل همزة اجلس، وهي أن المفسرة؛ لأنها سبقت بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وبعدها جملة "فجلس إلى ربوة" بتثليث الراء: ما ارتفع من الأرض، كما في القاموس وغيره، "مقابل النبي ﷺ , ثم جاء عمر ففعل مثل ذلك، وقال له: يا رسول الله مثل ذلك، وجلس إلى جنب أبي بكر، وفي رواية البيهقي وابن عساكر، وجلس عن يمين أبي بكر، "ثم جاء عثمان كذلك، وجلس إلى جنب عمر" أي: عن يمينه، كما في رواية، ثم قبض رسول الله ﷺ على حصيات" جمع حصاة، "سبع أو تسع أو ما قرب من ذلك،" بالشك من الراوي، ويأتي الجزم بسبع في رواية البزار ومن معه, فالشك ممن دون أبي ذر، "فسبَّحن في يده" بأن قلن: سبحان الله، حتى سمع لهنَّ حنين" تصويت "كحنين" تصويت "النحل" بالمهملة، وهوстр. 3046
في كف رسول الله ﷺ , ثم وضعهنَّ وناولهنَّ أبا بكر، وجاوزني، فسبَّحن في كف أبي بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض, فخرسن وصرن حصى، ثم ناولهنَّ عمر، فسبحن في كفه، كما سبَّحن في كف أبي بكر", وناولهن عثمان فسبحن في كفه، كنحو ما سبَّحن في كف أبي بكر وعمر، ثم أخذهنَّ فوضعهن في الأرض فخرسن.
وقال الحافظ بن حجر: قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى. ففي حديث أبي ذر: تناول النبي ﷺ سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينًا، ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن، ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن. أخرجه البزار، والطبراني في الأوسط.
الحواشي
(١) تشبيه في علوّ الصوت فقط، فلا يردّ أن دون النحل ليس بألفاظ مفهومة، وتسبيح الحصى بألفاظ علم الحاضرون أنها تسبيح، ويأتي كلّ منها متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، خرقًا للعادة، "في كف رسول الله ﷺ , ثم وضعهنّ" بالأرض فخرسن، ثم أخذهن، "وناولهن أبا بكر" كما في رواية البيهقي وغيره، والمخرج متّحد، ففيه هنا اختصار، "وجاوزني، فسبَّحن في كف أبي بكر" حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، كما عند البيهقي وغيره "ثم أخذن منه، فوضعهن في الأرض، فخرسن وصرن حصى" لا تسبيح فيه "ثم" تناولهن، أي: من الأرض، وناولهن عمر، فسبّحن في كفه، كما سبحن في كَفِّ أبي بكر", وللطبراني والبيهقي: حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، "وناولهن عثمان فسبَّحن في كفه كنحو ما سبَّحن في كف أبي بكر وعمر" وللطبراني والبيهقي: حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، "ثم أخذهن، فوضعن في الأرض فخرسن", فقال ﷺ : "هذه خلافة النبوة" كما في رواية البيهقي والطبراني وغيرهما، وبه يعلم وجه مجاوزته ﷺ لأبي ذر، مع أنه كان أقرب إليه منهم في المجلس؛ لأنه ليس من الخلفاء.
وقال الحافظ ابن حجر" في فتح الباري في شرح حديث: كنا نسمع تسبيح الطعام "قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى، ففي حديث أبي ذر: تناول النبي ﷺ سبع حصيات" بسين قبل الموحدة، "فسبَّحن في يده حتى سمعت لهن حنينًا، ثم وضعهنَّ في يد أبي بكر، بعد وضعهن في الأرض "فسبحنَّ، ثم وضعهنَّ في يد عمر فسبّحن، ثم وضعهن في يد عثمان فسبَّحن. أخرجه البزار والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في التاريخ، وعندهم أنه سمع لهن حنينًا كحنين النحل، وقت كونهن مع الخلفاء الثلاثة، كالنبي ﷺ , فالحافظ اختصره.стр. 3047
وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهنَّ من في الحلقة، ثم دفعهنَّ إلينا فلم يسبحن مع أحد منَّا، قال البيهقي في "الدلائل": كذا رواه صالح بن أبي الأخضر, ولم يكن بالحافظ, عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر.
والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلًا من بني سليم كان كبير السن. انتهى.
الحواشي
(١) وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهنَّ من في الحلقة" بسكون اللام وفتحها لغة، "ثم دفعهنَّ إلينا فلم يسبحن مع واحد منَّا", ولم يذكر عليًّا, فإن كان تسبيحها مع غيره ﷺ مخصوصًا بالخلفاء فهو خليفة، كابنه الحسن أيضًا، فيحتمل أنه لم يكن حاضرًا، أو لأنَّ خلافته أدركت الفتنة, على أن مثله لا يشين مقامه مع ما له من المناقب، كما قاله بعض شراح الشفاء، واستظهر بعضهم تعدد الواقعة؛ لأن الرواية الأولى تقتضي أنه لم يكن ثَمَّة غير أبي ذر، والثانية تقتضي أنه حضرها جماعة من الصحابة؛ لقوله في رواية ابن عساكر، من حديث أنس بعد عثمان, ثم وضعهنَّ في أيدينا رجلًا رجلًا فما سبحت حصاة منهنّ. وعلى كليهما لم يحضر علي معهم, فقيه إشارة إلى عدم امتداد خلافته استقلالًا ﵁, وفيه: إن الأصل عدم التعدد، لا سيما مع المخرج الذي هو أبو ذر، عن أنس لا يقتضي تعدد القصة؛ إذ هي قصة واحدة رواها اثنان، وكون متقضى حديث أبي ذر أنه لم يكن غيره ثمة، ومقتضى حديث أنس: أن حضرها جمع لا يقتضي التعدد أيضًا؛ لأنه من اختلاف الرواية بالزيادة والنقص، وقد صرَّح الحافظ وغيره بأنَّ تسبيح الحصى إنما له هذه الطريق الواحدة، مع ضعفها.
"قال البيهقي في الدلائل" النبوية: "كذا رواه صالح بن أبي الأخضر" اليمامي، مولى هشام بن عبد الملك نزل البصرة, ضعيف يعتبر به، مات بعد الأربعين ومائة، روى له الأربعة، كما في التقريب, وسقط في نسخ المصنف لفظ أبي قبل الأخضر، مع أنه في الفتح عن البيهقي، بلفظ: أداة الكنية، وهو الصواب، ولم يكن بالحافظ، وإن روى "عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر. والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة" نافع، وروى عنه ابن مهدي ومسلم، وكان يخدم الزهري، فقد لينه البخاري واسمه دينار، عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سويد، أن رجلًا من بني سليم كان كبير السن" ممن أدرك أبا ذر بالربذة، ذكر له عن أبي ذرك، "انتهى".
وذكر ابن الحاجب عن بعض الشيعة: إنه انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتسليم الغزالة، مما نقل آحادًا مع توفر الدواعي على نقله، ومع ذلك لم تكذب رواتها, وأجاب بأنه استغنى عن نقلها تواترًا بالقرآن، وأجاب غيره: بمنع نقلها آحادًا، وعلى تسليمه، فمجموعهاстр. 3048
وليس لحديث تسبح الحصى إلّا هذه الطريق مع ضعفها، لكنه مشهور عند الناس.
وما أحسن قول سيدي محمد وفي:
لسبحة ذاك الوجه قد سبح الحصا ... ومن سخ سحب الكف قد سبح الرعد
وقول الآخر:
يا حبدا لو لثمت كفًّا ... قد سبحت وسطها الحصاء
وقد أخرج البخاري من حديث ابن مسعود:....................
الحواشي
(١) يفيد القطع، والذي أقول: إنها كلها مشتهرة عند الناس.
أما من حيث الرواية، فليست على حد سواء، فحنين الجذع وانشقاق القمر، نقل كلٌّ منهما نقلًا مستفيضًا يفيد القطع عند من يطّلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم, ممن لا ممارسة له في ذلك.
وأما تسبيح الحصى فليس له إلّا هذا الطريق الواحدة مع ضعفها.
وأما تسليم الغزالة، فلم أجد له إسنادًا لا من وجه قوي، ولا من وجه ضعيف، ذكره الحافظ عقب كلام البيهقي، بلفظ:
فائدة: فاقتصر منه المصنف على قوله: "وليس لحديث تسبيح الحصى إلّا هذه الطريق الواحدة، وكأنه لم يعتبر طريق صالح لقول البيهقي: إنها غير محفوظة وإلا فهما طريقان, طريق صالح وطريق شعيب, وإن اتحد المخرج, لكن يرد عليه أنَّ ابن عساكر أخرجه عن أنس فهي طريق ثانٍ، لاختلاف المخرج، وإن اتحدت القصة, "مع ضعفها, لكنه مشهور عند الناس", وذلك يجبر ضعف الطريق، وما أحسن قول سيدي محمد وفي: لسبحة "بضم السين: بهاء ونور, "ذاك الوجه" النبوي "قد سبح الحصى" دلالة على صدقه, "ومن سخ" بفتح السين وشد الخاء المهملتين: صب وسيلان, "سحب" جمع سحاب, "الكف" أي: ومن أجل عطاياه المشبه للماء الكثير الذي يصبّه السحاب, "قد سبّح الرعد" دلالة على كماله ﷺ , "وقول الآخر: يا حبذا لو لثمت كفًّا قد سبحت وسطها" بالسكون "الحصاء" بالمد للضروة على أحد القولين في جواز مد المقصور, وفي نسخة الحصاة أي: جنسها, وفي نسخة الحصباء بزيادة باء, وهي تحريف, ينزحف به البيت.
وقد أخرج البخاري في علامات النبوة, والترمذي في المناقب, من حديث ابن مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا, كنا مع رسول الله ﷺ في سفر, فقلَّ الماء، فقال: "اطلبوا فضلة من ماء" فجاؤا بإناء فيه ماء قليل, فأدخل يده في الإناء ثم قال:стр. 3049
كنَّا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: مرض النبي ﷺ , فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبي ﷺ فسبح. رواه القاضي عياض في "الشفاء"............
الحواشي
(١) "حيّ على الطهور المبارك، والبركة من الله"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ ، ولقد كنَّا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. هذا لفظ البخاري.
وأما قوله: "كنَّا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام"، فهو لفظ الترمذي، فتسامح المؤلف بعزوه للبخاري وإتيانه بلفظ الترمذي، فلو عزاه لهما لسهل ذلك، وقد قال الحافظ وتبعه المصنف، قوله: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، أي: في عهد رسول الله ﷺ غالبًا، ووقع ذلك عند الإسماعيلي صريحًا من الوجه الذي أخرجه من البخاري، بلفظ: كنا نأكل مع النبي ﷺ الطعام، ونن نسمع تسبيح الطعام، زاد الحافظ: وله شاهد عند البيهقي، كان أبو الدرداء وسلمان إذا كتب أحدهما إلى الآخر، قال: بآية الصحفة، وذلك أنهما بينا هما يأكلان في صحفة إذ سبحت وما فيها. انتهى. ولأبي الشيخ عن أنس: أتى ﷺ بطعام ثريد، فقال: "إن هذا الطعام يسبح" قالوا: أوتفقه تسبيحه؟ قال: "نعم"، ثم قال لرجل: "أدن هذه القطعة من هذا الرجل" فأدناها، فقال: نعم يا رسول الله، هذا الطعام يسبّح، ثم قال: "ردها" فردها. وظاهر هذين الحديثين أنه كان يسبح وهو في الإناء، وظاهر حديث البخاري أنه كان يسبح بعد وضعه في الفم، ولا مانع منهم، ثم هذا كله مما يستأنس به؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية. تسبيح حقيقي بلسان المقال لا بلسان الحال, ويشهد له قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية. إذ لو كان بلسان الحال لفهمناه, وفي قوله: كنَّا دليل على تكرّره، وأنه وقع مرارًا عديدة، وهو آية للنبي ﷺ أعظم من تسبيح الجبال مع داود، وفهم نطق الطير لسليمان.
"وعن جعفر" الصادق "بن محمد، عن أبيه" محمد الباقر بن علي، زين العابدين بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، "قال" محمّد: "مرض النبي ﷺ ، فأتاه جبريل بطبق،" أي: وعاء مجازًا، وإن كان الطبق لغة الغطاء؛ لأنه على هيئته، "فيه رمّان وعنب" من الجنة على الظاهر، وزعم أنهما من الدنيا، إذ لو كانا من الجنة لم يفنيا، لقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ لا يسمع، الآية؛ لأن ذاك في يوم القيامة، "فأكل منه النبي ﷺ , أي: فأراد الأكل منه؛ إذ تناوله بيده لا بعد الأكل؛ كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] كذا لبعض, "رواه" أي: ذكره القاضي عياض في الشفاء" بلا إسناد تعليقًا.
قال السيوطي: ولم أجده في كتب الحديث، يعني: المشهورة، فلا ينافي اطّلاع عياضстр. 3050
ونقله عنه الحافظ أبو الفضل في فتح الباري.
واعلم أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه, واللفظ يوجد حقيقة ممن قام به اللفظ، فيكون في غير من قام به مجازًا، فالطعام والحصا والشجر ونحو ذلك، كلّ منهما متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، وهذا من قبيل خرق العادة.
وفي قوله: "ونحن نسمع تسبيحة" تصريح بكرامة الصحابة بسماع هذا التسبيح وفهمه, وذلك ببركته ﷺ .
ومن ذلك تسليم الحجر عليه ﷺ :.....................................
الحواشي
(١) عليه، "و" من ثَمَّ "نقله عنه الحافظ أبو الفضل في فتح الباري" في شرح حديث ابن مسعود.
"واعلم: أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه، واللفظ يوجد حقيقة ممن قام به اللفظ،" وهو الحيوان الناطق، "فيكون في غير من قام به مجازًا" علاقته المشابهة في النطق، "فالطعام والحصى والشجر ونحو ذلك، كل منهما متكلم باعتبار خلق الكلام", وهذا من قبيل خرق العادة"؛ إذ خلق الله فيها النطق بما تنزهه به، لا أنه عبارة عن أحد كان يسبح حين أحضر الطعام أو الحصيات ونحوهما؛ لأنه خروج عن الظاهر بلا دليل، وخوارق العادات لا تقاس بالمعهودات.
"وفي قوله: ونحن نسمع تسبيحه، تصريح بكرامة الصحابة بسماع هذه التسبيح وفهمه،" مع أنه ليس بمعهود"وذلك ببركته ﷺ "؛ حيث سرَّى سرَّه إليهم، وهي أعظم من معجزة داود ﵇ في تسبيح الجبال معه؛ لأنها لم تسبح بيده، بخلاف نبينا، فسبَّحت بيده, ويد من أراده من أمته، وتسبيح الطعام أعظم منهما؛ إذ لم يعهد مثله، والجبال قد وصفت بالخضوع والخشوع، ومن فهم سليمان منطق الطير؛ لأنه ناطق في الجملة بخلاف الطعام، والله أعلم.
"ومن ذلك تسليم الحجر عليه ﷺ " قال ابن سيد الناس: يحتمل أن يكون هذا التسليم حقيقة، ويكون الله أنطقه بذلك، كما خلق الحنين في الجذع، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى ملائكة يسكنون هناك من باب: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية. فيكون من مجاز الحذف، وهو علم ظاهر من أعلام نبوّته على كلا التقريرين، انتهى، وبالأوّل جزم النووي، فقال في شرح مسلم: سلامه حقيقة، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية. أنهследующие страницы →