Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
في كف رسول الله ﷺ , ثم وضعهنَّ وناولهنَّ أبا بكر، وجاوزني، فسبَّحن في كف أبي بكر، ثم أخذهن منه فوضعهن في الأرض, فخرسن وصرن حصى، ثم ناولهنَّ عمر، فسبحن في كفه، كما سبَّحن في كف أبي بكر", وناولهن عثمان فسبحن في كفه، كنحو ما سبَّحن في كف أبي بكر وعمر، ثم أخذهنَّ فوضعهن في الأرض فخرسن.
وقال الحافظ بن حجر: قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى. ففي حديث أبي ذر: تناول النبي ﷺ سبع حصيات فسبحن في يده حتى سمعت لهن حنينًا، ثم وضعهن في يد أبي بكر فسبحن، ثم وضعهن في يد عمر فسبحن، ثم وضعهن في يد عثمان فسبحن. أخرجه البزار، والطبراني في الأوسط.
الحواشي
(١) تشبيه في علوّ الصوت فقط، فلا يردّ أن دون النحل ليس بألفاظ مفهومة، وتسبيح الحصى بألفاظ علم الحاضرون أنها تسبيح، ويأتي كلّ منها متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، خرقًا للعادة، "في كف رسول الله ﷺ , ثم وضعهنّ" بالأرض فخرسن، ثم أخذهن، "وناولهن أبا بكر" كما في رواية البيهقي وغيره، والمخرج متّحد، ففيه هنا اختصار، "وجاوزني، فسبَّحن في كف أبي بكر" حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، كما عند البيهقي وغيره "ثم أخذن منه، فوضعهن في الأرض، فخرسن وصرن حصى" لا تسبيح فيه "ثم" تناولهن، أي: من الأرض، وناولهن عمر، فسبّحن في كفه، كما سبحن في كَفِّ أبي بكر", وللطبراني والبيهقي: حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، "وناولهن عثمان فسبَّحن في كفه كنحو ما سبَّحن في كف أبي بكر وعمر" وللطبراني والبيهقي: حتى سمعت لهن حنينًا كحنين النحل، "ثم أخذهن، فوضعن في الأرض فخرسن", فقال ﷺ : "هذه خلافة النبوة" كما في رواية البيهقي والطبراني وغيرهما، وبه يعلم وجه مجاوزته ﷺ لأبي ذر، مع أنه كان أقرب إليه منهم في المجلس؛ لأنه ليس من الخلفاء.
وقال الحافظ ابن حجر" في فتح الباري في شرح حديث: كنا نسمع تسبيح الطعام "قد اشتهر على الألسنة تسبيح الحصى، ففي حديث أبي ذر: تناول النبي ﷺ سبع حصيات" بسين قبل الموحدة، "فسبَّحن في يده حتى سمعت لهن حنينًا، ثم وضعهنَّ في يد أبي بكر، بعد وضعهن في الأرض "فسبحنَّ، ثم وضعهنَّ في يد عمر فسبّحن، ثم وضعهن في يد عثمان فسبَّحن. أخرجه البزار والطبراني في الأوسط، والبيهقي في الدلائل، وابن عساكر في التاريخ، وعندهم أنه سمع لهن حنينًا كحنين النحل، وقت كونهن مع الخلفاء الثلاثة، كالنبي ﷺ , فالحافظ اختصره.стр. 3047
وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهنَّ من في الحلقة، ثم دفعهنَّ إلينا فلم يسبحن مع أحد منَّا، قال البيهقي في "الدلائل": كذا رواه صالح بن أبي الأخضر, ولم يكن بالحافظ, عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر.
والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة عن الزهري قال: ذكر الوليد بن سويد أن رجلًا من بني سليم كان كبير السن. انتهى.
الحواشي
(١) وفي رواية الطبراني: فسمع تسبيحهنَّ من في الحلقة" بسكون اللام وفتحها لغة، "ثم دفعهنَّ إلينا فلم يسبحن مع واحد منَّا", ولم يذكر عليًّا, فإن كان تسبيحها مع غيره ﷺ مخصوصًا بالخلفاء فهو خليفة، كابنه الحسن أيضًا، فيحتمل أنه لم يكن حاضرًا، أو لأنَّ خلافته أدركت الفتنة, على أن مثله لا يشين مقامه مع ما له من المناقب، كما قاله بعض شراح الشفاء، واستظهر بعضهم تعدد الواقعة؛ لأن الرواية الأولى تقتضي أنه لم يكن ثَمَّة غير أبي ذر، والثانية تقتضي أنه حضرها جماعة من الصحابة؛ لقوله في رواية ابن عساكر، من حديث أنس بعد عثمان, ثم وضعهنَّ في أيدينا رجلًا رجلًا فما سبحت حصاة منهنّ. وعلى كليهما لم يحضر علي معهم, فقيه إشارة إلى عدم امتداد خلافته استقلالًا ﵁, وفيه: إن الأصل عدم التعدد، لا سيما مع المخرج الذي هو أبو ذر، عن أنس لا يقتضي تعدد القصة؛ إذ هي قصة واحدة رواها اثنان، وكون متقضى حديث أبي ذر أنه لم يكن غيره ثمة، ومقتضى حديث أنس: أن حضرها جمع لا يقتضي التعدد أيضًا؛ لأنه من اختلاف الرواية بالزيادة والنقص، وقد صرَّح الحافظ وغيره بأنَّ تسبيح الحصى إنما له هذه الطريق الواحدة، مع ضعفها.
"قال البيهقي في الدلائل" النبوية: "كذا رواه صالح بن أبي الأخضر" اليمامي، مولى هشام بن عبد الملك نزل البصرة, ضعيف يعتبر به، مات بعد الأربعين ومائة، روى له الأربعة، كما في التقريب, وسقط في نسخ المصنف لفظ أبي قبل الأخضر، مع أنه في الفتح عن البيهقي، بلفظ: أداة الكنية، وهو الصواب، ولم يكن بالحافظ، وإن روى "عن الزهري عن سويد بن يزيد السلمي عن أبي ذر. والمحفوظ ما رواه شعيب بن أبي حمزة" نافع، وروى عنه ابن مهدي ومسلم، وكان يخدم الزهري، فقد لينه البخاري واسمه دينار، عن الزهري، قال: ذكر الوليد بن سويد، أن رجلًا من بني سليم كان كبير السن" ممن أدرك أبا ذر بالربذة، ذكر له عن أبي ذرك، "انتهى".
وذكر ابن الحاجب عن بعض الشيعة: إنه انشقاق القمر، وتسبيح الحصى، وحنين الجذع، وتسليم الغزالة، مما نقل آحادًا مع توفر الدواعي على نقله، ومع ذلك لم تكذب رواتها, وأجاب بأنه استغنى عن نقلها تواترًا بالقرآن، وأجاب غيره: بمنع نقلها آحادًا، وعلى تسليمه، فمجموعهاстр. 3048
وليس لحديث تسبح الحصى إلّا هذه الطريق مع ضعفها، لكنه مشهور عند الناس.
وما أحسن قول سيدي محمد وفي:
لسبحة ذاك الوجه قد سبح الحصا ... ومن سخ سحب الكف قد سبح الرعد
وقول الآخر:
يا حبدا لو لثمت كفًّا ... قد سبحت وسطها الحصاء
وقد أخرج البخاري من حديث ابن مسعود:....................
الحواشي
(١) يفيد القطع، والذي أقول: إنها كلها مشتهرة عند الناس.
أما من حيث الرواية، فليست على حد سواء، فحنين الجذع وانشقاق القمر، نقل كلٌّ منهما نقلًا مستفيضًا يفيد القطع عند من يطّلع على طرق ذلك من أئمة الحديث دون غيرهم, ممن لا ممارسة له في ذلك.
وأما تسبيح الحصى فليس له إلّا هذا الطريق الواحدة مع ضعفها.
وأما تسليم الغزالة، فلم أجد له إسنادًا لا من وجه قوي، ولا من وجه ضعيف، ذكره الحافظ عقب كلام البيهقي، بلفظ:
فائدة: فاقتصر منه المصنف على قوله: "وليس لحديث تسبيح الحصى إلّا هذه الطريق الواحدة، وكأنه لم يعتبر طريق صالح لقول البيهقي: إنها غير محفوظة وإلا فهما طريقان, طريق صالح وطريق شعيب, وإن اتحد المخرج, لكن يرد عليه أنَّ ابن عساكر أخرجه عن أنس فهي طريق ثانٍ، لاختلاف المخرج، وإن اتحدت القصة, "مع ضعفها, لكنه مشهور عند الناس", وذلك يجبر ضعف الطريق، وما أحسن قول سيدي محمد وفي: لسبحة "بضم السين: بهاء ونور, "ذاك الوجه" النبوي "قد سبح الحصى" دلالة على صدقه, "ومن سخ" بفتح السين وشد الخاء المهملتين: صب وسيلان, "سحب" جمع سحاب, "الكف" أي: ومن أجل عطاياه المشبه للماء الكثير الذي يصبّه السحاب, "قد سبّح الرعد" دلالة على كماله ﷺ , "وقول الآخر: يا حبذا لو لثمت كفًّا قد سبحت وسطها" بالسكون "الحصاء" بالمد للضروة على أحد القولين في جواز مد المقصور, وفي نسخة الحصاة أي: جنسها, وفي نسخة الحصباء بزيادة باء, وهي تحريف, ينزحف به البيت.
وقد أخرج البخاري في علامات النبوة, والترمذي في المناقب, من حديث ابن مسعود قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتم تعدونها تخويفًا, كنا مع رسول الله ﷺ في سفر, فقلَّ الماء، فقال: "اطلبوا فضلة من ماء" فجاؤا بإناء فيه ماء قليل, فأدخل يده في الإناء ثم قال:стр. 3049
كنَّا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام، ونحن نسمع تسبيح الطعام.
وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال: مرض النبي ﷺ , فأتاه جبريل بطبق فيه رمان وعنب فأكل منه النبي ﷺ فسبح. رواه القاضي عياض في "الشفاء"............
الحواشي
(١) "حيّ على الطهور المبارك، والبركة من الله"، فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه ﷺ ، ولقد كنَّا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. هذا لفظ البخاري.
وأما قوله: "كنَّا نأكل مع رسول الله ﷺ الطعام ونحن نسمع تسبيح الطعام"، فهو لفظ الترمذي، فتسامح المؤلف بعزوه للبخاري وإتيانه بلفظ الترمذي، فلو عزاه لهما لسهل ذلك، وقد قال الحافظ وتبعه المصنف، قوله: كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل، أي: في عهد رسول الله ﷺ غالبًا، ووقع ذلك عند الإسماعيلي صريحًا من الوجه الذي أخرجه من البخاري، بلفظ: كنا نأكل مع النبي ﷺ الطعام، ونن نسمع تسبيح الطعام، زاد الحافظ: وله شاهد عند البيهقي، كان أبو الدرداء وسلمان إذا كتب أحدهما إلى الآخر، قال: بآية الصحفة، وذلك أنهما بينا هما يأكلان في صحفة إذ سبحت وما فيها. انتهى. ولأبي الشيخ عن أنس: أتى ﷺ بطعام ثريد، فقال: "إن هذا الطعام يسبح" قالوا: أوتفقه تسبيحه؟ قال: "نعم"، ثم قال لرجل: "أدن هذه القطعة من هذا الرجل" فأدناها، فقال: نعم يا رسول الله، هذا الطعام يسبّح، ثم قال: "ردها" فردها. وظاهر هذين الحديثين أنه كان يسبح وهو في الإناء، وظاهر حديث البخاري أنه كان يسبح بعد وضعه في الفم، ولا مانع منهم، ثم هذا كله مما يستأنس به؛ لأن معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية. تسبيح حقيقي بلسان المقال لا بلسان الحال, ويشهد له قوله: ﴿وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية. إذ لو كان بلسان الحال لفهمناه, وفي قوله: كنَّا دليل على تكرّره، وأنه وقع مرارًا عديدة، وهو آية للنبي ﷺ أعظم من تسبيح الجبال مع داود، وفهم نطق الطير لسليمان.
"وعن جعفر" الصادق "بن محمد، عن أبيه" محمد الباقر بن علي، زين العابدين بن الحسين، بن علي بن أبي طالب، "قال" محمّد: "مرض النبي ﷺ ، فأتاه جبريل بطبق،" أي: وعاء مجازًا، وإن كان الطبق لغة الغطاء؛ لأنه على هيئته، "فيه رمّان وعنب" من الجنة على الظاهر، وزعم أنهما من الدنيا، إذ لو كانا من الجنة لم يفنيا، لقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ﴾ لا يسمع، الآية؛ لأن ذاك في يوم القيامة، "فأكل منه النبي ﷺ , أي: فأراد الأكل منه؛ إذ تناوله بيده لا بعد الأكل؛ كقوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا﴾ [المائدة: ٦] كذا لبعض, "رواه" أي: ذكره القاضي عياض في الشفاء" بلا إسناد تعليقًا.
قال السيوطي: ولم أجده في كتب الحديث، يعني: المشهورة، فلا ينافي اطّلاع عياضстр. 3050
ونقله عنه الحافظ أبو الفضل في فتح الباري.
واعلم أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه, واللفظ يوجد حقيقة ممن قام به اللفظ، فيكون في غير من قام به مجازًا، فالطعام والحصا والشجر ونحو ذلك، كلّ منهما متكلم باعتبار خلق الكلام فيها حقيقة، وهذا من قبيل خرق العادة.
وفي قوله: "ونحن نسمع تسبيحة" تصريح بكرامة الصحابة بسماع هذا التسبيح وفهمه, وذلك ببركته ﷺ .
ومن ذلك تسليم الحجر عليه ﷺ :.....................................
الحواشي
(١) عليه، "و" من ثَمَّ "نقله عنه الحافظ أبو الفضل في فتح الباري" في شرح حديث ابن مسعود.
"واعلم: أن التسبيح من قبيل الألفاظ الدالة على معنى التنزيه، واللفظ يوجد حقيقة ممن قام به اللفظ،" وهو الحيوان الناطق، "فيكون في غير من قام به مجازًا" علاقته المشابهة في النطق، "فالطعام والحصى والشجر ونحو ذلك، كل منهما متكلم باعتبار خلق الكلام", وهذا من قبيل خرق العادة"؛ إذ خلق الله فيها النطق بما تنزهه به، لا أنه عبارة عن أحد كان يسبح حين أحضر الطعام أو الحصيات ونحوهما؛ لأنه خروج عن الظاهر بلا دليل، وخوارق العادات لا تقاس بالمعهودات.
"وفي قوله: ونحن نسمع تسبيحه، تصريح بكرامة الصحابة بسماع هذه التسبيح وفهمه،" مع أنه ليس بمعهود"وذلك ببركته ﷺ "؛ حيث سرَّى سرَّه إليهم، وهي أعظم من معجزة داود ﵇ في تسبيح الجبال معه؛ لأنها لم تسبح بيده، بخلاف نبينا، فسبَّحت بيده, ويد من أراده من أمته، وتسبيح الطعام أعظم منهما؛ إذ لم يعهد مثله، والجبال قد وصفت بالخضوع والخشوع، ومن فهم سليمان منطق الطير؛ لأنه ناطق في الجملة بخلاف الطعام، والله أعلم.
"ومن ذلك تسليم الحجر عليه ﷺ " قال ابن سيد الناس: يحتمل أن يكون هذا التسليم حقيقة، ويكون الله أنطقه بذلك، كما خلق الحنين في الجذع، ويحتمل أن يكون مضافًا إلى ملائكة يسكنون هناك من باب: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية. فيكون من مجاز الحذف، وهو علم ظاهر من أعلام نبوّته على كلا التقريرين، انتهى، وبالأوّل جزم النووي، فقال في شرح مسلم: سلامه حقيقة، وقيل في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ الآية. أنهстр. 3051
خرج مسلم من حديث جابر بن سمرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم علي قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن".
وقد اختلف في هذا الحجر، فقيل: هو في الحجر الأسود، وقيل: هو حجر غيره بزقاق يعرف به بمكة، والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الذي كان يسلّم على النبي ﷺ متى اجتاز به.
وقد ذكر الإمام أبو عبد الله، محمد بن رشيد -بضم الراء- في رحلته..................
الحواشي
(١) حقيقة بتمييز يخلقه الله تعالى، ونقله الأبي وأقرّه.
"خرَّج مسلم من حديث جابر بن سمرة" صحابي بن صحابي، نزل الكوفة ومات بها بعد سنة سبعين، "قال: قال رسول الله ﷺ : "إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ" أي: يقول: السلام عليك يا رسول الله، "قبل أن أبعث، إني لأعرفه الآن" , استحضار لمشاهدته حتى كأنه يسمع سلامه الآن. قاله عياض، وتأكيده بأن، وتنكيره إشارة إلى أن له شأنًا خاصًّا به، وأنه حجر ليس كسائر الحجارة، ولذا روي أنه الحجر الأسود، فلا يقال: لا فائدة في ذكر حجر واحد، مع أنه كان لا يمر بحجر ولا شجر إلّا سلم عليه.
"وقد اختُلِفَ في هذا الحجر، فقيل: هو في الحجر الأسود", كما روي في بعض المسندات، قاله في الروض والعيون، وقال في الإكمال، وفي غير مسلم: كانوا يرونه الحجر الأسود، انتهى. فصرَّحوا بأنه رواية، ولا ينافيه قوله: "إني لأعرفه الآن"؛ إذ الحجر الأسود يشاركه في معرفته جميع الناس؛ لأن المراد: إني لأستحضر ذلك ولم أنسه، حتى كأني أسمع سلامه الآن، كما ذكره عياض.
"وقيل: هو حجر غيره بزقاق يعرف به" أي: بزقاق الحجر "بمكة" وزقاق المرفق، والناس يتبركون بلمسه، ويقولون: إنه هو الذي كان يسلم على النبي ﷺ متى اجتاز به", ولكن الأول أصح؛ لأنه رواية، "وقد ذكر الإمام عبد الله محمد بن رشيد -بضم الراء،" مصغر رشد، نسبة لجده الأعلى؛ إذ ومحمد بن عمر بن محمد بن عمر بن محمد بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن بن محمد بن عمر بن رشيد الفهري، السبتي، ولد بها سنة سبع وخمسين وستمائة، وكان إمامًا حافظًا متضلعًا من العلوم، عالي الإسناد، صحيح النقل، أخذ عن خلق بالمغرب، والشام، والحجاز, ضمنهم رحلته، وعاد إلى غرناطة فنشر بها العلم، ومات بفاس سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة، "في رحلته" التي سماها: ملء العيبة، وهي ست مجلدات.стр. 3052
مما ذكره في "شفاء الغرام" عن علم الدين أحمد بن أبي بكر بن خليل قال: أخبرني عمّي سليمان قال: أخبرني محمد بن إسماعيل بن أبي الصيف، قال: أخبرني أبو حفص الميانشي قال: أخبرني كلّ من لقيته بمكة أن هذا الحجر -يعني المذكور- هو الذي كلّم النبي ﷺ .
وروى الترمذي والدارمي والحاكم وصحّحه، عن علي بن أبي طالب قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بمكة, فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا حجر إلّا قال: السلام عليك يا رسول الله.
الحواشي
(١) مما ذكره في شفاء الغرام" في تاريخ البلد الحرام، للحافظ تقي الدين محمد بن أحمد الشريف الفاسي، "عن علم الدين أحمد بن أبي بكر بن خليل" العسقلاني، "قال: "أخبرني عمي سليمان قال: أخبرني محمد بن إسماعيل" بن عبد الله، بن أبي الصيف -بصاد مهملة- اليمنى، سمع بمكة أبا نصر عبد الرحمن اليوسفي، والمبارك بن الطباخ وطبقتهما.
قال الذهبي: كان عارفًا بالمذهب, وحصل كثيرًا من الكتب، وله نكت على التنبيه، مشتملة على فوائد، وجمع أربعين حديثًا عن أربعين شيخًا، من أربعين مدينة، سمع الكل بمكة، وكان على طريقة حسنه، وسيرة جميلة وخير، مات بمكة في ذي الحجة سنة سبع، وقيل: ست وستمائة.
"قال: أخبرني أبو حفص الميانشي" نسبة إلى ميانش، قال في المراصد -بالفتح وتشديد الثاني- أي: التحتانية، فألف، فنون مكسورة، وشين معجمة، قرية من قرى المهدية فيها ماء عذب، إذا قصر الماء بالمهدية، استجلب منها.
"قال: أخبرني كلّ من لقيته بمكة أن هذا الحجر، يعني المذكور" في كلام ابن رشيد من أنه الحجر المبني في الجدار، المقابل لدار أبي بكر، المشهورة بسوق الليل، "هو الذي كلّم النبي ﷺ ", لكنه وإن اشتهر لا يعادل الأول لأنه رواية.
"وروى الترمذي" وقال: حسن غريب، والدارميّ والحاكم، وصحّحه عن علي بن أبي طالب، قال: كنت أمشي مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، وفي الشفاء عن علي: فخرج إلى بعض نواحيها، فما استقبله شجر ولا حجر، إلّا قال" له كلّ منهما: "السلام عليك يا رسول الله! " بأن خلق الله فيه نطقًا، وإن لم يكن معه حياة؛ لأنه لا تلازم بينهما كما سبق، لكن قال بعض الظاهر: إنه كان فيه حياة أيضًا، وهذا كما قاله ابن إسحاق: كان في بدء النبوة تطمينًا لقلبه، وتبشيرًا له، بانقياد الخلق له بعد ذلك، وإجابتهم لدعوته.стр. 3053
وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلت لا أمرُّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله ". رواه البزار وأبو نعيم.
وعن جابر بن عبد الله قال: لم يكن النبي ﷺ يمر بحجر ولا شجر إلّا سجد له. رواه.
ومن ذلك: تأمين أسكفة الباب وحوائط البيت على دعائه ﵊، عن أبي أسيد الساعدي قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: "يا أبا الفضل،......
الحواشي
(١) "وعن عائشة -رضي الله تعالى عنها- قالت: قال رسول الله ﷺ : "لما استقبلني جبريل" أي: نزل عليّ وأتاني "بالرسالة، جعلت" , أي: صرت "لا أمر بحجر ولا شجر، إلا قال: السلام عليك يا رسول الله" , وأمر بقربه الحجر كيف ينكره البشر، "رواه البزار وأبو نعيم،" وثبت حديث عائشة هنا في نسخ، وسقط في أخرى، ويأتي للمصنف قريبًا إعادته مع حديث عليّ قبله في قوله: ومن ذلك كلام الشجر ولا تكرار، لأنه ساقهما هنا استدلالًا على تسليم الحجر، وثَمَّة على كلام الشجر.
"وعن جابر بن عبد الله" ﵄، "قال: لم يكن النبي ﷺ " في ابتداء بعثته "يمر بحجر ولا شجر إلّا سجد له", أي: انخفض حتى مسَّ الأرض على هيئة السجود، تواضعًا له تعظيمًا وتكريمًا، كما سجدت الملائكة لآدم، والسجود لغير الله إنما يمتنع من البشر، "رواه" بيض بعده، وقد رواه البيهقي في الدلائل عن جابر بلفظه، ومثله لا يقال رأيًا، فيحتمل أنه سمعه من النبي ﷺ ، كحديث عائشة قبله، ويحتمل من غيره ممن شاهد ذلك، لا أنَّه من باب الكشف، كما زعم بعض؛ إذ لا دخل له في الأحاديث، ولا أنه شاهد ذلك؛ لأنه في ابتدا بعثته ولم يكن جابر حينئذ معه، "ومن ذلك تأمين أسكفة" بضم الهمزة والكاف، بينهما مهملة ساكنة، ثم فاء ثقيلة مفتوحة، فهاء: عتبة "الباب" العليا، وقد تستعمل في السفلى، والجمع: إسكفات، "وحوائط البيت:" جمع حائط، أي: جدرانه المحيطة بجوانبه ونواحيه، "على دعائه ﵊، عن أبي أسيد" بضم الهمزة وفتح المهملة، مالك بن ربيعة "الساعدي" مشهور بكنيته، شهد بدرًا وغيرها، ومات سنة ثلاثين، وقيل بعد ذلك، حتى قال المدائني: مات سنة ستين، قال: وهو آخر من مات من البدريين.
"قال: قال رسول الله ﷺ للعباس بن عبد المطلب: "يا أبا الفضل" كنيته باسم أكبرстр. 3054
لا ترم منزلك أنت وبنوك غدًا حتى آتيكم، فإن لي فيكم حاجة" , فانتظروه حتى جاء بعد ما أضحى، فدخل عليهم فقال: "السلام عليكم"، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: "كيف أصبحتم؟ " قالوا: أصبحنا بخير بحمد الله تعالى، فقال لهم: "تقاربوا"، فتقاربوا يزحف بعضهم إلى بعض حتى إذا أمكنوه اشتمل عليهم بملاءته, فقال: "يارب هذا عمي وصنو أبي، وهؤلاء أهل بيتي فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي هذه"، قال: فأمَّنت أسكفة الباب وحوائط البيت فقالت: آمين آمين آمين. رواه البيهقي في الدلائل وابن ماجه مختصرًا.
ومن ذلك كلامه....................................................................
الحواشي
(١) أولاده، "لا ترم" بفتح القوفية وكسر الراء، قال ابن الأثير, أي: لا تبرح، يقال: رام يريم إذا برح، أي: زال من مكانه، وأكثر ما تستعمل في النفي, "منزلك" , وأورده في النهاية: لا ترم من منزلك، بزيادة من "أنت وبنوك غدًا" وهم الفضل، وعبد الله، وعبيد الله، وقتم، ومعبد، وعبد الرحمن، كما بينه ابن السري في روايته، ذكره المصنف في المقصد السابع، فإسقاط بعضهم معبدًا وعبد الرحمن تقصير، والاعتذار عنه بأنه لعله بيان للحاضرين حينئذ، لا يصح المخالفة المروي أن الحاضرين الستة المذكورين، وهم من أم الفضل، "حتى آتيكم فإن لي فيكم حاجة"، منفعة أوصلها لكم، وجعلها له لشدة رأفته بهم، أو أوحي إليك بذلك، فهي له، "فانتظروه حتى جاء بعدما أضحى، فدخل عليهم، فقال: "السلام عليكم"، فقالوا: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته، قال: "كيف أصبحتم؟ " قالوا: أصبحنا بخير بحمد الله تعالى، فقال لهم: "تقاربوا" فتقاربوا، يزحف بعضهم إلى بعض، حتى إذا أمكنوه" من أنفسهم، بحيث اتصلوا به، "اشتمل" استولى "عليهم", وأحاط بهم وضمهم "بملاءته" بضم الميم، ولام، وهمزة والمدء, وهي: الإزار والملحفة، وقيل: الملاءة الإزار له شقتان، فإن كان له شقة واحدة فريطة -براء وطاء مهملتين، فقال: "يارب هذ عمي وصنوا أبي" بكسر المهملة، أي: قرينه، ومثله في الشفقة علي، "وهؤلاء أهل بيتي" أي: منهم, "فاسترهم من النار" امنعهم من دخولها وارتكاب ما يوجب عذابها، فهو مجاز عن ذلك؛ إذ الستر ما يمنع المستور ويحجبه، وشبه بعد التجوز، قوله: "كستري إياهم بملاءتي هذه" , قال: فأمَّنت -بفتح الهمزة، والميم الشديدة, "أسكفه الباب وحوائط البيت، فقالت: آمين آمين آمين،" ثلاثًا في نسخ, ومثله في ابن كثير والشامي.
وفي نسخ مرتين، ومثله في الشفاء، وهو إمَّا على التوزيع، أي: قالت الأسكفة: آمين، والحوائط آمين، وإمَّا أن كل واحد منهما كرَّر آمين، تأكيدًا وتحقيقًا للمقال؛ إذ قد يغفل عن مثله.
"رواه البيهقي في الدلائل" النبوية مطولًا، "وابن ماجه مختصرًا، ومن ذلك كلامهстр. 3055
للجبل وكلام الجبل له ﷺ ، عن أنس قال: صعد النبي ﷺ وأبو بكر وعمر وعثمان أحدًا، فرجف بهم، فضربه النبي ﷺ برجله وقال: "اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان". رواه أحمد والبخاري والترمذي وأبو حاتم.
قال ابن المنير: قيل: الحكمة في ذلك أنه لما رجف أراد الرسول ﷺ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى..........................
الحواشي
(١) للجبل" بقوله: "اثبت" اسكن ونحوهما،" وكلاهما الجبل" بقوله: "اهبط" إلخ ... ، "له ﷺ ", وعد هذا من طاعات الجمادات له، من حيث أنه ﷺ لما خاطبه انقاد له حتى علم ما قال واستقرَّ بأمره، وبهذا يطابق الترجمة, "عن أنس" بن مالك "قال: صعد" بكسر العين: علا "النبي ﷺ أحدًا" بضمتين، وقد يسكن ثانية، وقيل: إنه ضرورة جبل بالمدينة، مرَّ الكلام عليه في المغازي، هكذا عدى، صعد بنفسه في رواية البخاري في مناقب أبي بكر وعثمان، وله في فضل عمر: صعد النبي ﷺ إلى أحد، فعدَّاه بإلى، وكلاهما جائر، ويعدَّى أيضًا بفي، كما في اللغة، "وأبو بكر" وفي مناقب عثمان وعمر: ومعه أبو بكر وعمر وعثمان", هكذا الرواية في البخاري في المواضع الثلاثة، وفي غيره أيضًا، بتقديم أحدًا على قوله: وأبو بكر، فما في كثير من نسخ المصنف من تأخير قوله: أحدًا عن عثمان، خلاف الرواية، "فرجف" بفتح الراء والجيم، تحرك واضطرب "بهم" أحد، "فضربه ﷺ برجله،" تسميته ضربًا حقيقة؛ إذ الضرب إمساس جسم جسمًا بعنف، وبعضهم قيِّدَ الممسوس بكونه حيوانًا، فيكون مجازًا تنزيل للجبل منزلة الحيوان؛ لكون صار يحس ويفهم ما يقوله المصطفى له، "وقال: "اثبت" أمر من الثبات، لفظ البخاري في مناقب الشيخين، ولفظه في مناقب عثمان: "اسكن أحد"، منادى حذفت أداته، أي: يا أحد، ونداؤه وخطابه يحتمل المجاز والحقيقة، لكن الظاهر الحقيقة، فحمله عليها أولى، كقوله: "أُحد جبل يحبنا ونحبه" , ويؤيده ضربه برجله، قاله الحافظ والمصنّف، "فإنما عليك نبي وصديق"، أبو بكر، "وشهيدان" عمر وعثمان، وللبخاري في مناقب عمر: "فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد"، وأو للتنويع، فقيل: أو بمعنى الواو، وقيل: تغيير الأسلوب للإشعار بمغايرة الحال؛ لأن صفتي النبوة والصديقية كانتا حاصلتين بخلاف صفة الشهادة، فإنها لم تكن وقعت حينئذ، قاله الحافظ، "رواه أحمد" في المسند، "والبخاري، والترمذي" كلاهما في المناقب، وكذا النسائي، "وأبو حاتم" وأبو داود في السنة.
"قال ابن المنير: قيل الحكمة في" قوله ﷺ "ذلك القول: "أنه لما رجف" بابه قتل، "أراد الرسول ﷺ أن يبين أن هذه الرجفة ليست من جنس رجفة الجبل بقوم موسى" لما أمره أن يأتيه بسبعين من بني إسرائيل، فاختار من كل سبطة ستة، فزاد اثنان، فقال: ليتخلفстр. 3056
لما حرَّفوا الكلم، وإن تلك رجفة الغضب، وهذه هزة الطرب، ولهذا نص على مقام النبوة والصديقية والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانه، فأقرَّ الجبل بذلك فاستقرَّ، انتهى.
وأحد: جبل بالمدينة، وهو الذي قال فيه: "أحد جبل يحبنا ونحبه"، رواه البخاري ومسلم.
واختلف في المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة..............................
الحواشي
(١) منكم رجلان فتشاجروا، فقال: إن لمن قعد أجر من خرج، فقعد كالب ويوشع، وذهب مع الباقين، فلما دنوا من الجبل غشيه غمام، فدخله موسى بهم، وخروا سجدًا، فسمعوه يكلم موسى، يأمره وينهاه، ثم انكشف الغمام، فقالوا: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ ، فأخذتهم الرجفة، أي: الصاعقة، أو رجفة الجبل، فصعقوا منها، أي: ماتوا.
"لما حرفوا الكلم، وإن تلك" الواقعة لقوم موسى، "رجفة الغضب" عليهم، "وهذه هزة" بكسر الهاء وشد الزاي، نشاط وارتياح "الطرب:" الفرح والخفة اللاحقة من السرور، "ولهذا نصَّ على مقام النبوة، والصديقية، والشهادة التي توجب سرور ما اتصلت به لا رجفانة،" بفتحتين: اضطرابه الشديد، "فأقَرَّ" أي: أثبت النبي ﷺ "الجبل بذلك" القول، "فاستقرَّ:" ثبت، انتهى" كلام ابن المنير.
ويرد عليه أن كونه أراد بيان ذلك لا يظهر مع قوله: فإنما عليك؛ لأنه نهي عن تلك الحالة، فلو كانت فرحًا لأقرَّه وما نهاه، بل قد يقتضي ذلك زيادة فرحه، فتزداد هزته.
والجواب: إنه أراد تسكينه خشية الضرر لأصحابه، لئلّا يتولد منه ضرر، والذي يظهر لي أنه أراد لومه على فعله؛ لأنه وإن كان فرحًا، لكن فيه ترك الأدب مع من عليه، ويدل لذلك التعليل بقوله: "فإنما عليك.... " إلخ. وقد قيل: سبب تحركه مهابته ﷺ ، أو خوف الجبل من الله، أو أنه لزللة اتفقت عند صعودهم عليه.
"وأحد جبل بالمدينة" على أقل من فرسخ منها؛ لأنَّ بين أوله وبين بابها المعروف بباب البقيع ميلين وأربعة أسباع ميل، تزيد قليلًا، كما حرره السمهودي، "وهو الذي قال فيه: "أحد جبل" خبر موطيء لقوله: "يحبنا ونحبه" حقيقة؛ لأن جزاء من يحب أن يحب، وزاد في رواية أحمد: "وهو من جبال الجنة"، "رواه البخاري ومسلم" عن أنس، والبخاري أيضًا عن سهل، وفي رواية لهما أيضًا: أن أحدًا، "واختلف في المراد بذلك، فقيل: أراد به أهل المدينة".стр. 3057
كما قال تعالى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ أي: أهلها، قاله الخطابي، وقال البغوي فيما حكاه الحافظ المنذري: الأولى إجراؤه على ظاهره، ولا ينكر وصف الجمادات بحب الأنبياء والأولياء، وأهل الطاعة، كما حنت الأسطوانة على مفارقته ﷺ حتى سمع الناس حنينها إلى أن سكنها، وكما أخبر أن حجرًا كان يسلم عليه قبل الوحي، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه وتحن إلى لقائه حال مفارقته أيها. انتهى.
وقال الحافظ المنذري: هذا الذي قاله البغوي جيد.
وعن ثمامة....................................
الحواشي
(١) الأنصار؛ لأنهم جيران أحد، فهو من مجاز الحذف، "كما قال تعالى"، ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ الآية، "أي: أهلها، قاله الخطابي".
قال الشاعر:
وما حب الديار شغفن قلبي ... ولكن حب من سكن الديارا
"وقال البغوي: فيما حكاه الحافظ المنذري: الأولى إجراؤه على ظاهره، من أنه حب حقيقي من الجبل، ورجَّحه النووي وغيره، "ولا ينكر وصف الجمادات" التي هي سبب دعوى المجاز، لعدم عقلها "بحب، الأنبياء والأولياء وأهل الطاعة" عطف عام على خاص، "كما حنت الأسطوانة" بضم الهمزة، والطاء والنون، أصلية عند الخليل، فوزنها أفعواله، وزائدة عند بعضهم، والواو أصل، فوزنها: افعلانة، والمراد بها: الجذع الذي حن له، كما يأتي على مفارقته ﷺ " لما تركها وخطب على المنبر، فخار كما يخور الثور، "حتى سمع الناس حنينها إلى أن سكنها،" كما يأتي تفصيله، "وكما أخبر أن حجرا كان يسلم عليه، بمكة "قبل الوحي" كما مر قريبا، فلا ينكر أن يكون جبل أحد وجميع أجزاء المدينة تحبه" قيقة، "وتحن إلى لقائه حال مفارقته إياها، انتهى".
"وقال الحافظ المنذري: وهذا الذي قاله البغوي جيد"؛ لأن فيه إبقاء اللفظ على حقيقته الذي هو الأصل، ورفع توهم بقائه على حقيقته، وقد صحَّحه النووي وغيره، فوضع الله الحب في الجبل، كما وضع التسبيح في الجبال مع داود، والخشية في الحجارة، حيث قال: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] ، وقمت لذلك مزيدًا في غزوة أحد.
"وعن ثمامة" بمثلثة مضمومة، وميمين خفيفتين، ابن شراحيل اليماني، مقبول، من أواسط التابعين، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، وروايته له في الكبرى، كما في التقريب وغيره،стр. 3058
عن عثمان بن عفان أن رسول الله ﷺ كان على ثبير مكة، ومعه أبو بكر وعمر وأنا, فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض، فركضه برجله وقال: "اسكن ثبير, فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" خرَّجه النسائي والترمذي والدارقطني.
والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل.
وركضه برجله: أي: ضربه بها.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال ﷺ : "اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد".
الحواشي
(١) ووهم من زعم أنه ثمامة بن أثال الصحابي؛ لأنه لا حديث له في الكتب الستة.
"عن عثمان بن عفان, أن رسول الله ﷺ كان على ثبير" بمثلثة مفتوحة، وموحدة مكسورة، وتحتية ساكنة وراء مهملة: جبل بالمزدلفة على يسار الذاهب إلى مِنَى "مكة" احترز عن غيره، فإن ثبير متعدد، "ومعه أبو بكر، وعمر، وأنا،" أي: عثمان الراوي، "فتحرَّك الجبل" تحركًا قويًّا "حتى تساقطت حجارته بالحضيض -بمهملة وضادين معجمتين بينهما تحتية ساكنة، "فركضه" ضربه ﷺ "برجله، وقال: "اسكن ثبير" منادى بحذف الأداة، "فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان" خرجه النسائي والترمذي والدارقطني.
والحضيض: القرار من الأرض عند منقطع الجبل." كما قيد ب الصحاح ومختاره، وأسقط القاموس عند منقطع الجبل، وهو بفتح الطاء؛ حيث ينتهي إليه، طرفه اسم معنى، أي: مصدر ميميى، أما بكسر الطاء فالشيء نفسه اسم عين، وركضه برجله، أي: ضربه بها، يقال: ركض البعير إذا ضربه برجله، وأصل الركض تحريك الرجل، ومنه: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ﴾ ، كما في الصحاح.
"وعن أبي هريرة: "أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير، فتحرَّكت الصخرة" التي هي موضع وقوفهم، أو سمي الجبل بتمامه صخرة، "فقال ﷺ : "اسكن حراء" منادى بحذف الأداة "فما عليك إلا نبي، أو صديق، أو شهيد" وهم من بعد الصديق، فإن كلا قتل شهيدًا، كما مَرَّ مفصَّلًا في الكتاب، وعبَّر بأو، بتقدير: فما كل أحد ممن عليك، وإلّا حد الدائر لا يخرج عن الثلاثة، ولا يقتضي وصف كل واحد بالثلاثة؛ إذ وصف النبوة قاصر على المصطفى، ولعلَّ حكمة أو هنا الإشارة إلى أن الأمر بالسكون يكفي فيه كل واحد بانفراده لشرف كل، وجمع فيما مر بالواو، لبيان الواقع.
وركضه برجله أي ضربه بها.
وعن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ كان على حراء هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلى وطلحة والزبير، فتحركت الصخرة، فقال ﷺ : اسكن حراء، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد.стр. 3059
وفي رواية: وسعد بن أبي وقاص، ولم يذكر عليًّا. خرجهما مسلم وانفرد بذلك.
وخرّجه الترمذي في مناقب عثمان، ولم يذكر "سعدًا", وقال: "اهدأ" مكان "اسكن" وقال: حديث صحيح.
وخرجه الترمذي أيضًا عن سعيد بن زيد, وذكر أنه كان عليه العشرة إلّا أبا عبيدة، وقال: اثبت حراء.
وكذا رواه الخلعي عنه بنحوه، ولم يذكر أبا عبيدة بن الجراح. ورواه أيضًا إسحاق البغدادي في ما رواه الكبار عن الصغار، والآباء عن الأبناء، ولله در..........................
الحواشي
(١) وفي رواية: وسعد بن أبي وقاص" مالك الزهري، وسعد لم يستشهد بل مات بقصره بالعقيق قرب المدينة، فحمل على رقاب الرجال، ودفن بالبقيع، فلا يبعد أنه استشهد بسبب غير القتل، "ولم يذكر عليًّا معهم في هذه الرواية، وإن كان شهيدًا، فالمتحصّل من الروايتين ذكر سعد وعلي معًا، "خرجهما" أي: الروايتين عن أبي هريرة "مسلم، وانفرد بذلك" المذكور منهما عن البخاري.
"وخرجه الترمذي في مناقب عثمان، ولم يذكر سعدًا" بل عليًّا، فرجحت رواية مسلم الأولى على الثانية، "وقال: "اهدأ حراء" بالهمزة والجزم بالأمر، "مكان "اسكن" وهو بمعناه، قال الجوهري: هدأ: سكن، "وقال: حديث صحيح، وخرَّجه الترمذي أيضًا عن سعيد بن زيد، وذكر أنه كان عليه العشرة، فعدَّ نفسه فيهم ولم يقتل، فيحمل على أنه استشهد بغير القتل، "إلّا أبا عبيدة" بن الجراح، "وقال: أثبت حراء" أمكان اسكن أو اهدأ.
"وكذا رواه الخلعي" بكسر ففتح, نسبة إلى الخِلَع؛ لأنه كان يبيعها لملوك مصر, أبو الحسن علي بن الحسين، الموصلي الأصل، المصري, المولود بها في محرم سنة خمس وأربعمائة, الفقيه الصالح، له كرامات وتصانيف، أعلى أهل مصر إسنادًا، جمع له أحمد بن الحسين الشيرازي عشرين جزأ خرجها عنه، وسماها الخلعيات، ومات في سنة اثنتين وتسعين وأربعمائة، وتقدم ذلك أيضًا عنه" عن سعيد بن زيد "بنحوه" بنحو رواية الترمذي، "ولم يذكر أبا عبيدة بن الجراح" أيضًا، كما لم يذكره الترمذي، "ورواه أيضًا إسحاق" بن إبراهيم بن يونس المنجنيقي، أبو يعقوب الوراق "البغدادي", نزيل مصر، ثقة حافظ، مات سنة أربع وثاثمائة، وعنه النسائي "في" كتاب "ما رواه الكبار عن الصغار" والأصل فيه رواية النبي ﷺ عن تميم خبر الجساسة، "والآباء عن الأبناء" وهو نوع مهم من فوائده، أمن انقلاب السند، "ولله درстр. 3060
القائل:
ومال حراء تحته فرحًا به ... فلولا مقال "اسكن" تضعضع وانقضى
وحراء وثبير: جبلان متقابلان معروفان بمكة.
واختلاف الروايات يحمل على أنها قضايا تكررت. قاله الطبري وغيره.
لكن صحح الحافظ ابن حجر: أنه "أحد" قال: ولولا اتحاد المخرج لجوزت تعدد القصة، ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد، فإني وجدته في مسند الحارث بن أبي أسامة عن روح بن عبادة فقال فيه: "أحد" بالشك. وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة بلفظ: حراء, وإسناده صحيح. وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ "أحد", وإسناده صحيح, فقوي احتمال تعدد القصة.
الحواشي
(١) القائل: ومال حراء تحته" بالمد، وفي نسخة: ومال حراء من تحته، فحراء بالقصر وبالصرف عليهما، وتقدَّم أن لغاته جمعت في بيت:
حرا وقبا ذكر وأنثهما معًا ... ومد أو اقصر واصرفنّ وامنع الصرف
"فرحًا به، فلولا مقال" أي: قول النبي ﷺ له: "اسكن"، تصحيح:" انهدم حتى الأرض، "وانقضى" ذهبت آثاره فلم يبق منه شيء".
"وحراء وثبير جبلان متقابلان" أي: أحدهما مقابل الآخر في الجملة، لا بقيد التحاذي، وهو الاستواء في المقابلة، فلا ينافي أن حراء أقرب إلى مكة من ثبير، "معروفان بمكة، واختلاف الروايات يحمل على أنها قضايا" وقائع "تكررت، قاله الطبري وغيره" فيكون وقف على كل من أحد وحراء وثبير، وتحرك كل وخاطبهم بذلك جمعًا بين الروايات لصحة جميعها.
"لكن صحح الحافظ ابن حجر" في أول كلامه، ثم رجع عنه في آخره، "أنه أحد" حيث قال:" صعد أحدًا، ولمسلم وأبي يعلي من وجه آخر: حراء، والأول أصح، "ولولا اتحاد المخرج" وهو أنس "لجوَّزت تعدد القصة, ثم ظهر لي أن الاختلاف فيه من سعيد" بن أبي عروبة، راوي الحديث عن قتادة، عن أنس, "فإني وجدته في مسند الحارث بن أبي أسامة عن روح بن عبادة" بن العلاء بن حسان البصري، ثقة من رجالهم، عن سعيد بن أبي عروبة، "فقال فيه: أحد وحراء بالشك، وقد أخرجه أحمد من حديث بريدة"، بن الخصيب الصحابي، "بلفظ حراء، وإسناده صحيح، وأخرجه أبو يعلى من حديث سهل بن سعد بلفظ أحمد, وإسناده صحيح، فقوى احتمال تعدد القصة"؛ إذ لا وجه لإعمال بعض الروايات، وطرح بعضها مع صحة جمعيها.стр. 3061
وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيد تعدد القصة، فذكر أنه كان على حراء, ومعه الجماعة المذكورون هنا, وزاد معهم غيرهم.
ولما طلبته ﵊ قريش, قال له ثيبر: اهبط يا رسول الله إني أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذبني الله تعالى، فقال له حراء: إليَّ يا رسول الله. رواه في "الشفاء" وهو حديث مروي في الهجرة من السير.
وحراء مقابل لثبير، والوادي بينهما، وهو على يسار السالك إلى مني، وحراء قبلي قبير مما يلي شمال الشمس.
وهذه الواقعة غير واقعة ثور في خبر الهجرة. هذا هو الظاهر والله أعلم.
الحواشي
(١) "وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة ما يؤيده تعدد القصة، فذكر أنه كان على حراء، ومعه الجماعة المذكورون هنا" في حديث أنس، وهم العمران وعثمان، "وزاد معهم غيرهم", وهم عليّ وطلحة والزبير، وقد سبق لفظه قريبًا.
ولما ذكر أحاديث تكليم المصطفى ﷺ للجبال ذكر حديث تكليم الجبل له، فقال: "ولما طلبته ﵊ قريش" حين خرج مهاجرًا، وأرسلوا خلفه من يطلبه، وقد صعد ثبيرًا "قال له ثبير: اهبط يا رسول الله" انزل من فوقي، واذهب إلى مكان آخر تختفي به عنهم، "إني أخاف أن يقتلوك على ظهري، فيعذبني الله تعالى" بالنصب عطفًا على يقتلوك، فإنما خاف العذاب بسبب قتله؛ لأنه لو قتل على ظهره غضب الله على المكان الذي يقع فيه مثل هذا الأمر العظيم، كما غضب على أرض ثمود، فلا يرد كيف يعذب بذنب غيره، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وتوجيهه بأنه خوف بمعنى حزنه وتأسفه عليه، نحو ذلك مما لا وجه له، "فقال له حراء: إليّ" بشد الياء المفتوحة، أي: ائت، أو هو اسم فعل بمعنى أقبل "يا رسول الله", ألهمه الله تعالى أن يقدره على أن ينشق ويستتر في جوفه، ونحو ذلك مما تقع به سلامته، فلم يذهب إليه لسبق تعبده به، فخاف أن يطلبوه فيه، "رواه" أي: ذكره "في الشفاء" بلا إسناد بلفظ وقد روى أنه حين طلبته قريش فذكره, "وهو حديث مروي في الهجرة من السير" بلا إسناد، ولم يخرجه في مناهل الصفاء، "وحراء قابل" مواجه "لثبير، والوادي بينهما وهو على يسار السالك إلى منى، وحراء قبلي ثبير، مما يلي شمال الشمس، وهذه الواقعة غير واقعة ثور في خبر الهجرة", فكأنها كانت قبل توجهه إلى غار ثور الذي اختفى فيه، "هذا هو الظاهر، والله أعلم،" لكن مقتضى قوله في حديث الصحيح: أن النبي ﷺ والصديق, وعدا الدليل غار ثور،стр. 3062
قال السهيلي في حديث الهجرة: وأحسب في الحديث أن ثورًا ناداه أيضًا: إليَّ يا رسول الله، لما قال له ثبير: اهبط عني.
الحواشي
(١) أنهما لم يخرجا من مكة قاصدين سواه.
"قال السهيلي في حديث الهجرة، وأحسب: "أظن" في الحديث أن ثورًا ناداه أيضًا: إلي يا رسول الله، لما قال له ثبير: اهبط عني" فيكون ناداه كلّ من ثور وحراء، والله أعلم بصحته، "ومن ذلك كلام الشجر له" وهو ما قام على ساق وما عداه نبات، وقد يطلق على بعضه شجر، كاليقطين والحنطة، "وسلامها عليه،" أي: الشجر، وهو اسم جنس، يذكر ضمير، ويؤنث عطف خاص على عام، "وطواعيتها:" انقيادها له بغير الكلام؛ لأن مجيئها بشقها للأرض ليس من الكلام، فهو مباين، وإن حمل على الطواعية بالكلام وغيره، كان عطف عام، والأولى أَوْلَى. "وشهادتها له بالرسالة" خاص على عام ﷺ ", وهذا كتسليم الحجر، وحنين الجذع، ونبع الماء, من خصائصه على الأنبياء والمرسلين، كما في الأنموذج.стр. 3063
كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له, وشهادتها له بالرسالة " ﷺ ":
ومن ذلك كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له، وشهادتها له بالرسالة ﷺ .
أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "لما أوحى إلي جعلت لا أمرّ بحجر ولا شجر إلّا قال: السلام عليك يا رسول الله".
الحواشي
(١) "أخرج البزار وأبو نعيم من حديث عائشة، قالت: قال رسول الله ﷺ : "لما أوحى إليّ" وفي رواية: "لما استقبلني جبريل بالرسالة"، "جعلت" بفتح الجيم مبني للفاعل، أي: صرت، ويحتمل ضمها مبني للمفعول، أي: جعلني الله، "لا أمُرُّ بحجر ولا شجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله"، ففيه كلامها له وشهادتها له بالرسالة.
وروى أبو نعيم في الدلائل عن برة، قالت: لما أراد كرامة نبيه كان يمضي إلى الشعاب وبطون الأودية، فلا يمر بشجر ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله، وكان يرد عليهم وعليكم السلام.
قال الدلجي: لعله رد ﵍ مكافأة لا وجوبًا؛ إذ ليست مكلفة، انتهى. والتوقف فيه باحتياجه لنقل قصور، فقد علمته رواية، وردّه بأن السلام شرع تحية موجبة للرد في حق البشر؛ لأنه أمان وليست من أهله ساقط، فالمكافأة لغير الأهل.стр. 3064
وخرَّج الإمام أحمد عن أبي سفيان طلحة بن نافع عن جابر، قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ذات يوم وهو جالس حزين، قد خضّب بالدماء، ضربه بعض أهل مكة، فقال له: ما لك؟ فقال رسول الله ﷺ : "فعل بي هؤلاء وفعلوا"، فقال له جبريل: اتحب أن أريك آية، فقال: "نعم". فنظر إلى شجرة من وراء الوادي فقال: ادع تلك الشجرة فدعاها، قال: فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، فقال: مرها..................
الحواشي
(١) "وخرج الإمام أحمد عن أبي سفيان طلحة بن نافع" الواسطي، أبي سفيان الإسكاف، نزل مكة، صدوق من التابعين، "عن جابر" بن عبد الله" قال: جاء جبريل إلى رسول الله ﷺ ذات يوم" أي: في ساعة من يوم، "وهو جالس حزين" مغموم على قومه، أن يحلَّ بهم العذاب إذ كذبوه، لا لحَظِّ نفسه؛ لأنه كان لا يغضب لها، بل إذا انتهكت حرمات الله، وإلى هذا أشار القاضي عياض بقوله في الشفاء: وحزنه لتكذيب قومه، وطلبه الآية لهم لا له، أي: لأنه على يقين من أمره، عالم بقدرة ربه، ثم هذا لفظ جابر عند أحمد.
وفي حديث أنس عند الدارمي وغيره: إن جبريل قال للنبي، وآره حزينًا، وهو ما أورده في الشفاء، وهو جملة حالية، أي: وقد رآه محزونًا لعدم طاعة قومه في أول البعثة؛ إذ عرض نفسه على القبائل، "قد خضب بالدماء" لأنه "ضرَّ به بعض أهل مكة" لما صدع بأمر الله، فاجتمعوا عليه وأخذوه، وقالوا: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فما دنا منهم أحد إلّا وأبو بكر يدفعهم عنه، وهو يقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، كما مَرَّ في المقصد الأول، "فقال له مالك: " أي: شيء عرض لك حتى جلست حزينًا؟ "فقال رسول الله ﷺ : "فعل بي هؤلاء" الكفار، "وفعلوا" بتكرير الفعل، إشارة إلى تكرر أذاهم، وكثرة أنواعه من غير حصر، لا أنه مرتين فقط، فهو على حد كرتين، ورب ارجعون، ولا يقال حذف المفعول يؤذن بالعموم؛ لأنا نقول العموم ولو في نوع فقط، بخلاف تكرار الفعل، وفي حديث علي عند البزار: أخذته قريش، فهذا يجؤّه، وهذا يتلبَّبه.
وفي حديث عمرو بن العاص: ما رأيت قريشًا أرادوا قتل النبي ﷺ إلا يوم أغروا به، وهم في ظل الكعبة، وهو يصلي عند المقام، "فقال له جبريل: أتحب أن أريك آية؟ " معجزة تزيل حزنك، لأن الجماد إذا أطاع دعوته دلَّ ذلك على أن الناس تطيعه بعد، لكنَّ تأخير ذلك لحكم خفية، أو آية تدل من نظر إليها، أو علمها على صدقك، ويزول بها حزنك، "فقال: "نعم" أحب ذلك ليزول حزني، وأعلم أن الله سينصرني، ويلين قلوب قومي لإجابة دعوتي، "فنظر إلى شجرة من وراء الوادي" الذي كان فيه مع جبريل، "فقال" جبريل: "ادع تلك الشجرة" أي: مرها أن تأتي إليك، ولم يأمرها هو، إشارة إلى أن المعجزة له لا لجبريل، "فدعاها, قال: فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه, فقال" جبريل: "مرهاстр. 3065
فلترجع إلى مكانها, فأمرها فرجعت إلى مكانها، فقال ﷺ : "حسبي حسبي"، ورواه الدارمي من حديث أنس.
وعن عليّ قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها, فما استقبله جبل ولا شجر إلّا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله. رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب.
وخرج الحاكم في مستدركه بإسناد جيد عن ابن عمر قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فأقبل أعرابي، فلمَّا دنا منه, قال له رسول الله ﷺ : "أين تريد؟ " قال: إلى أهلي،...................................................................
الحواشي
(١) فلترجع إلى مكانها، الذي كانت فيه، "فأمرها، فرجعت إلى مكانها" كما كانت, "فقال ﷺ : "حسبي حسبي" ذلك دليلًا على تصديقهم لي، وإن أنكروا عنادًا فلا أحزن".
وفي حديث عمر عند البيهقي، فقال: "لا أبالي من كذبني بعد هذا من قومي" , ولعله ظهر ذلك لقومه، بحيث رأوه فلا عذر لهم في عدم تصديقه؛ لأنه بعد ما رؤية الآيات البيات عناد محض، "ورواه الدارمي من حديث أنس" بنحوه، وأخرجه البيهقي من حديث عمر بنحوه أيضًا وهي قصة واحدة، اختلفت الطرق فيها ببعض التغيير والزيادة, هذا هو الأصل, وتجويز التعدد بعيد.
"وعن عليٍّ قال: كنت" "مع النبي ﷺ بمكة" في ابتداء النبوة، "فخرجنا في بعض نواحيها, فما استقبله" أي: لم يقع في مقابلته "جبل ولا شجر", فنسب الاستقبال لهما، إشارة إلى إدراكهما، حتى كأنهما توجَّها لمقابلته، وإلّا فكان الظاهر: فما استقبل جبلًا ولا شجرًا "إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله" لما في المصباح، كل شيء جعلته تلقاء وجهك، فقد استقبلته, واستقبلت الشيء واجهته، فهو مستقبل بالفتح اسم مفعول، "رواه الترمذ: وقال: حديث حسن غريب" من جهة تفرد راويه، فلا ينافي قوله حسن.
ورواه أيضًا الدارمي والحاكم وصححه، كما قدَّمه المصنف في ترجمة تسليم الحجر، وأعاده هنا في ترجمة تسليم الشجر، فلا تكرار لاختلاف المراد من سوقه، وكذا كرر حديث عائشة المذكور أول هذه الترجمة في المحلين لذلك، فلا تكرار.
"وخرج الحاكم في مستدركه" على الصحيحين "بإسناد جيد،" أي: مقبول، "عن ابن عمر" بن الخطاب" قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر, فأقبل أعرابي، فلما دنا:" قرب "منه، قال له رسول الله ﷺ : "أين تريد؟ " أي: تقصد بمسيرك، قال: إلى أهلي، أي:стр. 3066
قال: "هل لك إلى خير"، قال: وما هو؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله"، قال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ قال رسول الله ﷺ : "هذه الشجرة" , فدعاها رسول الله ﷺ , وهي على شاطيء الوادي, فأقبلت تخدّ الأرض خدًّا، فقامت بين يديه فاستشهدها ثلاثًا فشهدت، ثم رجعت إلى منبتها. الحديث رواه الدارمي........
الحواشي
(١) إلى المكان الذي فيه أهلي، ليطابق الجواب السؤال، وحذف المكان للعلم به؛ إذ لا بد لأهله من مكان، أو لعدم تعلق غرضه بخصوص المكان؛ إذ مراده الذهاب إلى أهله في أيِّ مكان كانوا، أو لأنهم كانوا نزالة رحالة لا مكان لهم، وعدَّاه بإلى، والإرادة متعدية بنفسه لتضمنه معنى التوجه، وقدم سؤاله تأنيسًا له، وإزالة لما في نفسه من مهابته؛ لأنه كان مهيبًا لمن رآه، توطئة لقوله: قال: "هل لك" غرض في الوصول "إلى خير" مما أنت فيه أدلك عليه, فلك خبر مبتدأ محذوف، "قال: وما هو" الخير الذي دعوتني له؟ قال: "تشهد أن لا إله إلا الله وحده" حال لازمة، أي: متوحدًا، منزهًا عن شريك في ذاته وصفاته، وفي كونه معبودًا بحق، "لا شريك له" تأكيدًا لوحدانيته بعد تأكيد، "وأن محمد عبده ورسوله" قدَّم العبودية تنزيهًا لنفسه عن الإطراء في مدحه، ولم يقل وأني عبده ورسوله؛ لاحتمال أن الأعرابي كان يعرف شهرته بذلك، ولا يعرف عينه، "قال: هل لك من شاهد" آية ومعجزة. لا أحد الشهود، "على ما تقول" من الرسالة؟ " قال رسول الله ﷺ : "هذه الشجرة" شاهدي, وفي رواية قال: "هذا السمرة" بفتح المهملة وضم الميم وراء مفتوحة: شجرة عظيمة ذات شوك من الطلح، وأشار إليها لقربها منه, وجمعها سمر -بفتح السين وضم الميم، وسكونها- كما في اللغة لا بفتح الميم، كما وقع لبعض "فدعاها رسول الله ﷺ " وهي على شاطيء" بمعجمة وألف، ومهملة وهمزة: جانب "الوادي" الأرض المتسعة المستوية، من ودى بمعنى سال، لما فيها من المياه السائلة، "فأقبلت تخد الأرض" جملة حالية أو مستأنفة "خدًّا، فقامت بين يديه" محاذية له قريبًا منه، فاستشهدها ثلاثًا،" أي: قال لها ثلاث مرات، وطلب منها أن تشهد له، بأنه رسول الله، والتثليث للتأكيد، ليقوى ذلك في قلب الأعرابي، "فشهدت" له بأنه رسول الله ثلاثًا، وتركه لعلمه من السياق، "ثم رجعت إلى منبتها" بفتح الموحدة قياسًا، وكسرها سماعًا.
قال المجد: المنبت كمجلس: موضع النبات شاذ، والقياس كمقعد؛ لأن قياس اسم المكان من يفعل، أن يكون على مفعل بالفتح، كمدخل ومخرج ومقعد، " الحديث" بقيته، ورجع الأعرابي إلى قومه، وقال: يا رسول الله, إن يتبعوني آتك بهم، وإلّا رجعت إليك وكنت معك، "ورواه الدارمي" والبزار، والبيهقي وأبو القاسم البغوي، ومن طريقه المتقدم أخرجه فيстр. 3067
أيضا بنحوه.
وقوله: تخد الأرض -بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة- أي: تشق الأرض.
وعن بريدة: سأل أعرابي النبي ﷺ آية، فقال له: "قل لتلك الشجرة رسول الله ﷺ يدعوك"، قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها، وبين يديها وخلفها، فتقطعت عروقها.........................................................
الحواشي
(١) الشفاء، "أيضًا بنحوه" وفيه معجزات خلق الله في الجماد إدراكًا، ونطقًا وحركة إرادية تجيء بها وتذهب، وقد وقعت على سبيل التحدي، فحد المعجزة منطبق على كل واحدة منبها" وقوله: تخد الأرض -بضم الخاء المعجمة، وتشديد الدال المهملة, أي: تشق الأرض لتسعى بعروقها التي في جوف الأرض، ولولا ذلك لم تتحرم.
"وعن بريدة" علم منقول من تصغير بردة, قال أبو علي الطوسي: اسمه عامر وبريدة، لقب ابن الحصيب، بمهملتين مصغر، وصحّف من قال بخاء معجمة, الأسلمي.
قال ابن السكن: أسلم حين مرَّ به ﷺ مهاجرًا بالغميم، وأقام موضوعه حتى مضت بدر وأحد، وقيل: أسلم بعد بدر، وسكن البصرة لما فتحت، وفي الصحيحين عنه أنه غزا مع النبي ﷺ ست عشرة غزوة، ومناقبه مشهورة، وأخبار كثيرة, وكان غزا خراسان زمن عثمان، ثم تحوَّل إلى مرو، فسكنها إلى أن مات سنة ثلاث وستين، كما في الإصابة، وتقدَّم بعض ترجمته في الهجرة وغيرها.
"سأل أعرابي" بعد أن أسلم، كما في نفس رواية البزار وأبي نعيم "النبي ﷺ آية" علامة ومعجزة تقوي إسلامه" "فقال له: "قل لتلك الشجرة" مشير السمرة، كانت ثمة يحتمل أنها المذكورة في الحديث قبله وأنها غيرها، "رسول الله ﷺ يدعوك" بكسر الكاف، يطلب منك المجيء إليه والحركة نحوه، "قال" بريدة: فدعاها "فمالت" فالفاء فصيحة، ويحتمل أنها بمجرد سماعها قول المصطفى ﷺ ، جاءت لتحصيل قصده بدون دعاء الأعرابي لها، وهذا أبلغ في المعجزة، لكن المتبادر الأول.
"الشجرة عن يمينها وشمالها، وبين يديها وخلفها" أي: مالت ميلًا شديدًا، وتحركت في جهاتها الأربع لتخلص عروقها من الأرض وتتمكّن من الحركة نحو المصطفى، ولعل حكمة ذلك إظهار أنه خلق فيها قوة وإدراك لفعل ذلك، وإن أمكن وصولها إليه بتعلق الإرادة بذلك بلا سبب يحال عليه، "فتقطعت عروقها" على ظاهره أو معناه: تخلّصت وتعلقت، وهذاстр. 3068
ثم جاءت تخد الأرض, تجر عروقها مغيرة حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ فقالت: السلام عليك يا رسول الله، فقال الأعرابي: مرها فلترجع إلى منبتها، فرجعت, فدلت عرقوها في ذلك الموضع فاستقرّت, فقال الأعرابي: ائذن لي أن أسجد لك، قال: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". رواه البزار في الشفاء.
وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: بم أعرف
الحواشي
(١) هو الظاهر لقوله: "ثم جاءت تَخُدُّ الأرض، تجرّ عروقها،" ولو تقطعت حقيقة، فسدت ولم تبق ثابتة بحالها، وقيل: هي معجزة أخرى، مخالفة للعادة ببقائها بعد تقطع عروقها التي هي سبب حياتها، والجملتان حالان مترادفتان أو متداخلتان، والثانية مؤكدة للأولى، ولذا لم تعطف عليها، "مغيرة" بضم الميم وكسر المعجمة وسكون التحتية، أي: مسرعة في مشيها، قال تعالى: ﴿فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا﴾ الآية، فهو اسم فاعل من أغار، وروي بياء موحَّدة، مشددة مكسورة، وراء خفيفة، اسم فاعل، يقال غير: أثار الغبار، وروي مغبَّرة بضم فسكون ففتح الموحدة الخفيفة، والراء الثقيلة اسم فاعل أيضًا؛ لأنه ازم, أي: اشتد غبارها أو علاها الغبار، وهو حال إمَّا من ضمير تجر, أي: تجر العروق في حال غبرة، أو من العروق، أي: في حال كون العروق مغبرة، "حتى وقفت بين يدي رسول الله ﷺ " قريبة منه، مواجهة له، "فقالت: السلام عليك يا رسول الله" فجمعت الطاعة والشهادة بالرسالة والتوقير، "قال الأعربي: مرها" بضم الميم، مخفف أؤمرها، "فلترجع إلى منبتها،" بكسر الموحدة وفتحها، كما مَرَّ فأمرها.
"فرجعت" لمحلها، "فدلَّت عروقها،" أدخلتها في ذلك الموضع" الذي هو أصلها، "فاستقرَّت" فيه، وفي الشفاء: فاستوت، أي: انتصبت قائمة من غير ميل، "فقال الأعرابي: ائذن،" بكسر الهمزة، وسكون التحتية، وأصله ائذن بهمزتين، والأولى وصل، والثانية فاء الكلمة، فلما اجتمع همزتان ثانيتهما ساكنة، وجب إبدالها ياء على القاعدة في ذلك، كما في الألفية وغيرها، خلاف قول البعض بكسر الهمزة الأولى وسكون الثانية، ويجوز إبدالها ياء، "لي أن أسجد لك", فأبى ﷺ ، و"قال: "لو أمرت أحدًا أن يسجد لأحد" أي: لو جاز أمر مخلوق بالسجود، لمثله، "لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها" لوجوب طاعته عليها، وحقوقه الموجبة للتعظيم والخضوع، وفي شرعنا يمتنع السجود والركوع لغير الله تعالى، قيل: وكان جائزًا في الشرائع السابقة بقصد التعظيم لا العبادة، كما قال تعالى: ﴿وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا﴾ الآية. إن كان الضمير ليوسف، وسجدت الملائكة لآدم، وكان ذلك تحية ملوكهم، ولذا طلبه الأعرابي، فنهاه، وعوضنا عن تلك التحية بالسلام والمصافحة، "رواه البزار" في مسنده، وأبو نعيم في الدلائل،стр. 3069
أنك رسول الله؟ قال: إن دعوت هذا العذق من هذه النخلة، أتشهد أني رسول الله؟ قال: نعم فجعل ينزل من النخلة حتى سقط إلى النبي ﷺ ، ثم قال: ارجع فعاد، فأسلم الأعرابي، رواه الترمذي وصحَّحه.
وفي حديث يعلى ابن مره الثقفي: ثم سرنا نزلنا منزلنا، فنام النبي ﷺ فجاءت شجرة تشق الأرض حتى غشيته. ..........................................
الحواشي
(١) ونقله "في الشفاء" بلا عزو بزيادة، وقال: ائذن لي أقبِّل يديك ورجليك، فأذن.
"وعن ابن عباس ﵄ قال: جاء أعرابي" من بني عامر، كما في رواية البيهقي، "إلى النبي ﷺ فقال: بم أعرف أنك رسول الله"؟ كأنَّه لما علم بدعائه الناس للتصديق برسالته، ولاحت عليه علامات السعادة، قصد استكشاف أمره بعلامه يستدل بها، ليتيقَّنَ صدقه ﷺ ، وتكون تلك العلامة حجة له على غيره، ولعلها تكون سببًا لهداية غيره، بها "قال: "إن دعوت" أمرت، وفي رواية: أرأيت: أرايت إن دعوت، "هذا الغدق" بمهملة مكسورة فمعجمة ساكنة، فقاف:: العرجون جامع الشماريخ، "من هذه النخلة" لنخلة كانت عنده، وأما العذق بفتح العين، فالنخلة نفسها، وقيل: تطلق بكسرها على النخلة أيضًا، لكنه لا يفسر به هنا، لقوله: من هذه، وفي الكلام حذف، فأجابني: "أتشهد أني رسول الله ﷺ ؟ " أي: أتؤمن بي بما أرسلت به وتقر بذلك، "قال: نعم"، كما في الرواية, فسقط من قلم المصنف أو نساخه، "فجعل، أي: شرع، وصار العذق "ينزل من النخلة" شيئًا فشيئًا "حتى سقط" على الأرض بقعر النخلة، فأقبل وهو يسجد ويرفع، حتى انتهى "إلى النبي ﷺ ، ثم قال" له: "ارجع" فعاد إلى مكانه الذي كان فيه، "فأسلم الأعرابي" زاد في رواية، وقال: والله لا أكذبك بشيء تقوله بعدها أبدًا، أشهد أنك رسول الله، وآمن، "رواه الترمذي وصحَّحه" فقال: هذا حديث صحيح، وكذا رواه البخاري في التاريخ، وأبو يعلى وابن حبان، والبيهقي.
"وفي حديث يعلى" بزنة يرضى -علم منقول من المضارع، "ابن مرة" بن وهب بن جابر "الثقفي", وأمه سيابة -بكسر السين المهملة، كما في التقريب، وقال التلمساني: بفتحها وتخفيف التحتانية، روى عن النبي ﷺ أن يقطع أعناب ثقيف، فقطعها, وهو غير يعلى العامري، وقيل: هما واحد، اختلف في نسبه، فقيل: الثقفي، وقيل: العامري، قال يعلى: كنت مع النبي ﷺ في مسير، فذكر الحديث إلى أن قال: "ثم سرنا حتى نزلنا منزلًا، فنام النبي ﷺ ، فجاءت شجرة" في رواية طلحة أو سمرة بالشك من الرازي في الشجرة، وهما نوعان من شجر البرية ذات شوك يسمَّى العضاه،стр. 3070
ثم رجعت إلى مكانها، فلمَّا استيقظ رسول الله ﷺ , ذكرت له، فقال: "شجرة استأذنت ربها في أن تسلم علي فأذن لها". الحديث رواه البغوي في شرح السنة.
وفي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا واديًا أفيح، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فاتبعته بإداوة من ماء، فنظر رسول الله ﷺ , فلم ير شيئًا يستتر به، فإذا شجرتان في شاطيء الوادي, فانطلق رسول الله ﷺ إلى إحداهما, فأخذ بغصنٍ من أغصانها فقال: "انقادي عليّ بإذن الله تعالى" فانقادت معه كالعبير المخشوش...........................
الحواشي
(١) "تشق الأرض حتى غشيته،" وفي رواية: طافت به، أي دارت حوله، "ثم رجعت إلى مكانها" موضعها الذي هي نابتة فيه، "فلمَّا استيقظ انتبه "رسول الله ﷺ ، ذكرت له" ذلك، "فقال: "شجرة استأذنت ربها في أن تسلم علي فأذن لها" , فيه إشعار بعلمه، مجيئها قبل إخبار يعلى له به، ولعله علم ذلك في نومه؛ لأنه كان يوحى إليه فيه فتكون الشجرة حين زارته سلمت عليه، وعلم بها، فحصلت مقصودها، "الحديث رواه البغوي" الإمام الفقيه، الحافظ أبو محمد، الحسين بن مسعود بن محمد، صاحب المصنفات، المبارك له فيها القصد الصالح، فإنه كان من العلماء الربانيين، ذا تعبد ونسك وقناعة باليسير، مات بمرو سنة ستة عشرة وخمسمائة عن ثمانين سنة، "في شرح السنة" أحد تصانيفه، وهو حديث طويل، رواه الإمام أحمد، والطبراني، والبيهقي.
"وفي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري: سرنا مع رسول الله ﷺ " في غزاة حتى نزلنا واديًا أفيح،" بفتح الهمزة، وسكون الفاء، وفتح التحتية، وبالحاء المهملة، أي: واسعًا، فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته" كناية عن التغوّط، اي: لأجل ذلك، "فاتبعته بإداوة" بالكسر مطهرة، جمعها إداوي -بفتح الواو "من ماء, فنظر رسول الله ﷺ " فلم ير شيئًا يستتر به" من الناس, "فإذا شجرتان" فاجأتاه بلا ترقب، وفي رواية: بشجرتين، بزيادة الباء "في شاطيء الوادي،" بالهمز: جانبه، "فانطق" توجه رسول الله ﷺ إلى أحداهما" حتى قرب منها "فأخذ بغصن من أغصائها"، أي: أمسكه بيده، "فقال: "انقادي" طاوعيني، أو ميلي "علي" لتكوني ساترة لي "بإذن الله تعالى" تيسيره وتسهيله لا بقوة جذبي، "فانقادت معه:" طاوعته ومالت حتى سترته، كما أراد، وإنما أمسك غصنها, ولم يكتف بمجرد دعوتها، كما في الحديث قبله؛ لأن ذلك كان الإظهار معجزة، حتى يسلم الإعرابي، وهنا لم يقصد ذلك، "كالبعير المخشوش" بمعجمات اسم مفعول، أي: الذي وضع في أنفه خشاش بالكسر، أي: عود من خشب لينقاد بسهولة، فإن كان مفتولًا من وبر ونحوه فخزام، ومن نحاس فبرّة. قاله الخطابي وبه علم موقع المخشوش دون المخزوم؛ لأن الغصن من جنس العود، وهو تشبيه في السرعةстр. 3071
الذي يصانع قائدة، ثم فعل بالأخرى كذلك، حتى إذا كان بالمصنف بينهما قال: "التئما علي بإذن الله" فالتأمتا. الحديث رواه مسلم.
والمنصف -بفتح الميم: الموضع الوسط بين الموضعين.
والتلاؤم: الاجتماع.
ولله در الأبو صيري حيث قال:
جاءت لدعوته الأشجار ساجدة ... تمشي إليه على ساق بلا قدم
كأنما سطرًا لما كتبت ... فروعها من بديع الخط في اللقم
الحواشي
(١) والسهولة، "الذي يصانع" يلاين "قائده" بسهولة الانقياد له، مستعار من المصانع وهي المدارة والإعطاء، ولذا قيل للرشوة مصانعه، قاله الراغب، "ثم فعل بالأخرى كذلك" بأن أمسك غصنًا منها إلى آخره"حتى إذا كان بالمصنف بينهما،" أي: الشجرتين، قال: "التئما" بفتح الفوقية، وكسر الهمزة: انضمَّا واجتمعا "علي بإذن الله" بتيسيره، وإرادته، لا بفعلي، "فالتأمتا" اجتمعتا "الحديث. رواه مسلم" في الصحيح، "والمصنف -بفتح الميم، وإسكان النون وفتح الصاد المهملة الخفيفة، وبالفاء: "الموضع الوسط بين الموضعين والتلاؤم -بالهمز والالتئام: "الاجتماع", ومنه التئام الجرح، وفي رواية أخرى عند مسلم: فقال -صلى اله عليه وسلم: "يا جابر، قل لهذه الشجرة: يقول لك رسول الله: الحقي بصاحبتها حتى أجلس خلفكما" فزحفت حتى لحقت بصاحبتها فجلس خلفهما، فرجعت أحضر، وجلست أحدث نفسي، فالتفَّت، فإذا رسول الله ﷺ والشجرتان قد افترقا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف ﷺ وقفة، فقال برأسه هكذا يمينًا وشمالًا، وهو حديث واحد طوَّله بعض الرواة وبعضهم اختصره، فكأنه لما أخذ بغصن إحداهما، قال لجابر: "قل لهذه الشجرة" إلخ.... فلمَّا جاءت فعل بها مثل ما فعل بالأخرى, وبقي أحاديث أخر في طاعة الأشجار وانقيادها, أورد منها في الشفاء جملة، ثم قال: فهذا ابن عمر، وبريدة، وجابر وابن مسعود، ويعلى بن مرة، وأسامة، وأنس، وعلي، وابن عباس وغيرهم، قد اتفقوا على هذه القصة نفسها أو معناها، ورواه عنهم من التابعين أضعافهم, فصارت في انتشارها من القوة حيث هي، "ولله در الأبوصيري" صوابه البوصيري، كما تقدَّم كثيرًا، "حيث قال: جاءت لدعوته" ندائه "الأشجار، ساجدة" خاضعة، "تمشي إليه على ساق بلا قدم" يعينها على المشي، قال تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ﴾ الآية، والشجر ما له ساق، والنجم ما لا ساق له، وبلا قدم، متعلق بتمشي، أو صفة لساق، وباؤه للمصاحبة "كأنما" حال من فاعل تمشي، وما كافَّة, "سطرت" خَطَّت الأشجار "سطرًا لما" للذي "كتبت فروعها" أي: عروقها مجازًا منстр. 3072
فشبَّه آثار مشي الشجرة لما جاءت إليه ﷺ بكتابة كاتب أوقعها على نسبة معلومة في أسطر منظومة.
وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره ﷺ حتى تخر ساجدة بين يديه، فنحن أَوْلَى بالمبادرة لامتثال ما دعا إليه, زاده الله شرفًا وكرمًا لديه.
وتأمَّل قول الأعرابي: "ائذن لي أن أسجد لك" لما رأى من سجود الشجرة، فرأى أنه أحرى بذلك، حتى أعلمه ﵊ أن ذلك لا يكون إلّا لله، فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود المعبود، ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم كما قامت شجرة.
الحواشي
(١) إطلاق اسم أحد الضدين على الآخر؛ ليناسب قوله في الحديث المارّ. فتقطعت عروقها، وإن كان الفرع لغة من كل شيء أعلاه، "من بديع الخط" بيان لما، والإضافة بيانية، أو هي من إضافة الصفة للموصوف، أي: الخط المبتدع؛ لأنه لم يعهد مثله للأشجار "في اللقم،" بفتح اللام والقاف، وبضم اللام وفتح القاف: الطريق أو وسطه، كما في القاموس، "فشبَّه آثار مشي الشجر لما جاءت إليه ﷺ " المفيدة للخيرات، "بكتابة كاتب، أوقعها على نسبة معلومة في أسطر منظومة" منشقَّة، ووجه التشبيه أن الخط دالٌّ على اللفظ المفيد للمعاني، وآثار مشي فروع الشجرة في الأرض مفيد للخيرات، فالتشبيه من حيث الفائدة، "وإذا كانت الأشجار تبادر لامتثال أمره ﷺ حتى تخر ساجدة بين يديه، فنحن أَوْلَى" أحق "بالمبادة لامتثال ما دعا إليه" لأنَّا عقلاء، مكلفون، وهي جماد غير مكلف، "زاده الله شرفًا وكرمًا لديه" عنده.
"وتأمَّل قول الأعرابي: ائذن لي أن أسجد لك" بكسر اللام وخفة الميم، أي: للأمر العظيم الذي "رأى من سجود الشجرة" بيان لما، "فرأى أنه أحرى" أولى بذلك منها، "حتى أعلمه ﵊ أن ذلك" أي: السجود، لا يكون إلّا لله, فحق على كل مؤمن أن يلازم السجود للرب المعبود، ويقوم على ساق العبودية، وإن لم يكن له قدم" يقوم عليه، بأن كان كسيحًا، أو قدم معنوي، كما قامت الشجرة" على ساقها، طاعة للمصطفى، وهي عبودية لله تعالى.стр. 3073
حنين الجذع شوقًا إليه " ﷺ ":
ومن ذلك: حنين الجذع شوقًا إليه ﷺ :
اعلم أن "الحنين" مصدر مضاف إلى الفاعل، والمراد: شوقه وانعطافه إلى النبي ﷺ ، والذي في الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت، ولعلّ المراد منه الدلالة على الشوق، أي: الصوت الدال على شوقه إلى رسول الله ﷺ .
والجذع: واحد جذوع النخل، وهو بالذال المعجمة.
وقد روي حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة تفيد القطع بوقوع ذلك.
الحواشي
(١) حنين الجذع شوقًا إليه " ﷺ ":
"ومن ذلك حنين الجذع" المعهود الذي كان يخطب عليه، "شوقًا إليه ﷺ " لما فارقه وخطب على المنبر. "اعلم أن الحنين،" بفتح المهملة ونونين، بينهما تحتية، ساكنة، صوت كالأنين يكون عند الشوق لمن يهواه إذا فارقه, وتوصّ به الإبل كثيرًا، "مصدر مضاف إلى الفاعل" أي: إن الجزع حنَّ، "والمراد" بحنينه: "شوقه وانعطافه إلى النبي ﷺ "؛ لأن الحنين اشتياق المرأة إلى ولدها، فشبَّه سوق الجذع بالمرأة على ما يفهم من قصر المصباح، الحنين على ذلك، والحنان على غيرها، لكن قال الجوهري: الحنين: الشوق وتوقان النفس، تقول: حنّ إليه يحنُّ حنينًا.
وفي القاموس: الحنين: الشوق وشدة البكاء، والطرب أو هو صوت الطرب عن حزن أو فرح، وعليه فه بيان للمعنى المقصود بالحنين هنا، من جملة المعاني المذكورة، والذي في الأحاديث المسوقة هنا أنه صوت" فتفسيره بالشوق لا تعرض له في الأحاديث, "و" لكن "لعل المراد منه" أي: الصوت: "الدلالة على الشوق" للمصطفى، أي: الصوت الدال على شوقه إلى رسول الله ﷺ المتبادر أنه بالخفض تفسير للشوق، فيصير المعنى، ولعلَّ المراد من الصوت الدلالة على الصوت؛ لأنَّه جعل تفسيرًا للشوق، وهذا لا معنى له، اللهمَّ إلّا أن يقرأ الصوت بالرفع خبر مبتدأ محذوف، أي: فالمراد من الحنين الصوت الدال على شوقه, ويكون بيانه لحاصل المعنى، "والجذع" بكسر الجم" "واحد جذوع النخل" وهو ساق النخلة، كما في القاموس وغيره، "وهو بالذال المعجمة", وظاهره كان أخضر أو يابسًا، وقيل: يختص باليابس, ولا دلالة في ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ على الإطلاق؛ لأن كونه يابسًا يدل للتقييد على أنه لا دلالة فيه لواحد من القولين؛ لأن الواقع أنه كان يابسًا.
قال البيضاوي: الجذع ما بين العرق والغصن، وكانت نخلة يابسة لا رأس لها ولا خضرة.
"وقد روي حديث حنين الجذع عن جماعة من الصحابة من طرق كثيرة، تفيد القطع بوقوع ذلك" فهو متواتر، فلا يليق تعبيره بروي ممرضًا؛ لأنه إنما يستعمل فيما يشك فيه، لا في الصحيح، فضلًا عن المتواتر، ولو أسقط عن، وجعل جماعة فاعل روى ببنائه للفاعل لم يرد عليها هذا.стр. 3074
قال العلامة التاج بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب: والصحيح عندي أن حنين الجذع متواتر:
رواه البخاري عن نافع عن ابن عمر.
ورواه أحمد من رواية أبي جناب عن أبيه عن ابن عمر.
ورواه ابن ماجه وأبو يعلى الموصلي وغيرهما من رواية حمَّاد بن سلمة، عن ثابت عن أنس، وإسناده على شرط مسلم.
ورواه الترمذي وصحَّحه أبو يعلى وابن خزيمة والطبراني والحاكم وصحَّحه وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة
الحواشي
(١) "قال العلامة التاج بن السبكي في شرحه لمختصر ابن الحاجب" في الأصول، والصحيح عندي، أن حنين الجذع متواتر، وسبقه إلى ذلك عياض وغيره، كما يأتي".
رواه البخاري" في علامات النبوة، والترمذي في الصلاة، "عن نافع عن ابن عمر" كان النبي ﷺ يخطب إلى جذع، فلمَّا اتخذ المنبر تحوَّل إليه، فحنَّ الجذع فأتاه، فمسح يده عليه، زاد الإسماعيلي، فسكن، وقال ﷺ : "لو لم أفعل لما سكن".
"ورواه أحمد من رواية أبي جناب" بجيم ونون خفيفة، فألف، فموحدة, الكلبي، مشهور بكنيته، واسمه يحيى ابن أبي حيّة الكلبي، ضعَّفوه لكثرة تدليسه، مات سنة خمسين ومائة أو قبلها، روى له أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، "عن أبيه" أبي حيّة -بفتح الحاء المهملة، والتحتية الثقيلة, واسمه حيّ -بفتح الحاء المهملة، وشد التحتية, الكلبي، الكوفي, روى عن سعد، وابن عمر، وعنه ابنته، قال أبو زرعة: محله الصدق.
وفي التقريب: مقبول من الثالثة، روى له ابن ماجه فقط، والمراد من سوقه أن أبا حيّة تابع نافعًا في روايته، "عن ابن عمر" فيغتفر ضعف أبي جناب؛ لأن القصد المتابعة لا الاحتجاج.
"ورواه ابن ماجه" وأبو يعلى الموصلي، وغيرهما من رواية حمَّاد، بن سلمة" ابن دينار البصري، ثقة، عابد، أثبت الناس في ثابت، روى له مسلم والأربعة، "عن ثابت" بن أسلم البناني، عابد، ثقة، روى له الستة، "عن أنس، وإسناده على شرط مسلم", فهو من الطبقة السادسة من مراتب الصحيح، "ورواه الترمذي وصححه أبو يعلى، وابن خزيمة والطبراني، والحاكم وصحَّحه، وقال: على شرط مسلم، يلزمه إخراجه من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة" الأنصاري، المدني، ثقة، حجة من رجال الجميع، مات سنة اثنتين وثلاثين ومائة،стр. 3075
عن أنس.
ورواه الطبراني من رواية الحسن عن أنس.
ورواه أحمد بن منيع والطبراني وغيرهما، من رواية حمَّاد بن سلمة عن عمَّار بن أبي عامر عن ابن عباس.
ورواه أحمد والدارمي وأبو يعلى وابن ماجه وغيرهم من رواية الطفيل بن أبي كعب عن أبيه.
ورواه الدارمي من رواية أبي حازم عن سهل بن سعد.
ورواه أبو محمد الجوهري من رواية عبد العزيز أبي رواد عن نافع تميم الدارمي.
ثم قال: ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من الطرق، بل من طرق أخرى كثيرة يجدها المحدث.......................................................
الحواشي
(١) وقيل: سنة أربع وثلاثين، وكان مالك لا يقدم عليه أحدًا في الحديث فيما قال الواقدي، "عن أنس" بن مالك. "ورواه الطبراني، من رواية الحسن" البصري, فهؤلاء ثلاثة رووه" "عن أنس, ورواه أحمد بن منيع البصري" بفتح الميم وكسر النون ابن عبد الرحمن أبو جعفر البغوي، نزيل بغداد، ثقة حافظ، مات سنة أربع وأربعين ومائتين وله أربع وثمانون.
"والطبراني وغيرهما من رواية حمَّاد بن سلمة، عن عمار بن أبي عامر، مولى بني هاشم أبو عمر، ويقال: "أبو عبد الله، صدوق، روى له مسلم والأربعة، مات بعد العشرين ومائة، "عن ابن عباس" عبد الله، "ورواه أحمد، والدارمي، وأبو يعلى، وابن ماجه وغيرهم من رواية الطفيل بن أبيّ بن كعب،" الأنصاري، الخزرجي، ثقة، من كبار التابعين، يقال: وُلِدَ في عهد النبي ﷺ ، وكان يقال له أبو بطن لعِظَمِ بطنه، روى له البخاري في الأدب المفرد، "عن أبيه" أبي بن كعب، بن قيس، بن زيد، بن معاوية، بن عمرو، بن مالك، بن النجار، سيد القراءة، من فضلاء الصحابة، يكنَّى أبا المنذر، ويكنَّى أبا الفيل أيضًا.
"ورواه الدارمي من رواية أبي حازم" بمهملة وزاي، سلمة بن دينار المدني، عابد، ثقة من رجال الجميع، "عن سهيل بن سعد الساعدي.
"ورواه أبو محمد" الحسن بن علي "الجوهري" من رواية عبد العزيز أبي رواد،" بفتح الراء، وشد الواو، صدوق، عابد، ربما وهم ورمي بالإرجاء، روى له الأربعة, وعلق له البخاري، مات سنة تسع وخمسين ومائة" عن نافع عن تميم، بن أوس بن خارجة "الدارمي" الصحابي المشهور، مات سنة أربعين، فعدَّ ستة من الصحابة الذين رووه، "ثم قال" ابن السبكي: "ولست أدعى أن التواتر حاصل بما عددت من الطرق، بل من طرق أخرى كثيرة، يجدها المحدثстр. 3076
ضمن المسانيد والأجزاء وغيرهما، وإنما ذكرت في المشاهد منها أو في بعضها، وربَّ متواتر عن قوم غير عند آخرين. انتهى.
وقال الحافظ بن حجر في فتح الباري: حنين الجذع وانشقاق القمر نقل كلّ منهما نقلًا مستفيضًا يفيد القطع عند من يطّلع على طرق الحديث دون غيرهم ممن لا ممارسة له في ذلك، والله أعلم، انتهى.
وقال البيهقي: قصه حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف عن السلف، انتهى.
وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوة نبينا ﷺ .
قال الشافعي -فيما نقله ابن أبي حاتم عنه، في مناقبه: ما أعطى الله نبيًّا ما أعطى نبينا محمدًا، فقيل له: أعطى عيسى إحياء الموتي، قال: أعطى محمدًا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهو أكبر من ذلك.
الحواشي
(١) ضمن المسانيد والأجزاء وغيرهما" كالمشيخات والمعاجم، أي: غير القسمين، وفي نسخة وغيرها، بالتأنيث نظرًا للمعني، أي: وغير الإفراد، المذكورة, "وإنما ذكرت" بالبناء للفاعل، مسند إلى ضمير المتكلم، وحذف المفعول، أي: ما وجدته "في الشاهدة منها، أو في بعضها، وربَّ متواتر عند قوم" لكثرة اطِّلَاعهم، "غير متواتر عند آخرين" لقِلَّته، "انتهى" كلام ابن السبكي.
"وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري" في حديث تسبيح الطعام: "حنين الجذع وانشقاق القمر، نقل كلٌّ منهما نقلًا مستفيضًا، يفيد القطع عن من يطَّلع على طرق الحديث، دون غيرهم، ممن لا ممارسة له في ذلك، والله أعلم. انتهى".
"وقال" هنا "قال البيهقي: قصة حنين الجذع من الأمور الظاهرة التي حملها الخلف" ورووها "عن السلف" رواية الإخبار الخاصة كالتكليف، هذا بقية كلام البيهقي، "انتهى. وهذه الآية من أكبر الآيات والمعجزات الدالة على نبوة نبينا ﷺ ".
"قال الشافعي فيما نقله ابن أبي حاتم" عن أبيه، عن عمرو بن سواد، "عنه" أي: الشافعي "في" كتاب "مناقبه" التي ألفها ابن أبي حاتم، "ما أعطى الله نبيًّا" مثل "ما أعطى نبينا محمدًا،، فقيل له" القائل عمرو بن سواد، بلفظ قلت: "أعطى عيسى إحياء الموتى، قال: أعطى محمدًا حنين الجذع حتى سمع صوته، فهي أكبر من ذلك".стр. 3077
وقال القاضي عياض: حديث حنين الجذع مشهور منتشر، والخبر به متواتر، أخرجه أهل الصحيح، ورواه من الصحابة بضعة عشر، منهم: أُبَيّ بن كعب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري, وبريدة، وأم سلمة، والمطلب بن أبي وداعة, انتهى.
فأمَّا حديث أُبَيّ بن كعب فرواه الشافعي، في مسنده وابن ماجه والدارمي وأحمد وأبو يعلى كما سبق قريبًا، والبيهقي كلهم من حديث الطفيل بن أبي بن كعب عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ مستندًا إلى جذع إذ كان المسجد عريشًا، وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه:.......................
الحواشي
(١) وقال القاضي عياض: في الشفاء: "حديث حنين الجذع مشهور منتشر،" أي: شائع بين الخلق، والخبر به متواتر، لكثرة طرقه الصحيحة، ونقل جماعة له عن جماعة يستحيل تواطؤهم على الكذب، "أخرجه أهل الصحيح" أي: الذين التزموا إخراج الأحاديث الصحيحة في كتبهم، كالبخاري، ومسلم، وابن خزيمة، وابن حبان.
"ورواه من الصحابة بضعة عشر" بكسر الباء وفتحها من ثلاثة إلى تسعة، "منهم: أُبَيّ بن كعب وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعبد الله بن عمر" بن الخطاب، "وعبد الله بن عباس، "وسهل بن سعد، وأبو سعيد" سعد بن مالك "الخدري" بالدال المهملة، "وبريدة وأم سلمة" أم المؤمنين هند بنت أبي أمية، "والمطلب بن أبي وداعة" بفتح الواو وخفة الدال- الحارث بن صبيرة -بمهملة، ثم موحدة- ابن سعيد، بالتصغير، السهمي، أبو عبد الله، صحابي أسلم يوم الفتح، وأمه أروى بنت الحارث بن عبد المطلب، بنت عم النبي ﷺ ، نزل المدينة، ومات بها، وله أحاديث في مسلم والسنن، "انتهى" ما نقله من كلام عياض، ومنه كلهم يحدث بمعنى الحديث، أي: فروايتهم متفقة بحسب المعنى، وكأنه يشير إلى أن تواتره معنوي لا اصطلاحي، كقول ابن صلاح: إن التواتر لا يكاد يوجد، لكن تعقب بأنه حقيقي لإجماع من بعدهم على صحتها، ثم نسب المصنف ما ذكره عياض من أحاديث هؤلاء إلى مخرجها إلّا أخيرها, وهو المطلب, وقد أخرجه أحمد والزبير بن بكار، فقال: "فأما حديث أُبَيّ بن كعب" "فرواه الشافعي" "في مسنده" وابن ماجه" والدارمي، وأحمد، وأبو يعلى، كما سبق قريبًا والبيهقي، كلهم من حديث الطفيل بن أُبَيّ بن كعب، عن أبيه، قال: كان النبي ﷺ يصلي مستندًا إلى جذع، إذ كان المسجد عريشًا" أي: مسقَّفًَا بالجريد، وكانت الجذوع له كالأعمدة، "وكان يخطب إلى ذلك الجذع، فقال رجل من أصحابه" هو تميم الداري، ففيстр. 3078
هل لك أن نجعل لك منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة، ويسمع الناس خطبتك؟ قال: "نعم"، فصنع له ثلاث درجات، هي التي على المنبر،.........................................
الحواشي
(١) أبي داود وغيره بإسناد جيد، أن تميمًا قال له ﷺ لما كثر لحمه، ألا نتخذ لك منبرًا يحمل عظامك, قال: "بلى" فاتخذ منبرًا، الحديث. ولا تصريح فيه بأن صانع المنبر تميم، بل روى ابن سعد، أن تميمًا لم يعمله، وأشبه الأقوال بالصواب أن صانعه ميمون؛ لكونه من رواية سهل بن سعد، أخرجه قاسم بن أصبغ، وأبو سعد في الشرف، وهو مولى امرأة من الأنصار، كما في الصحيح، وقيل: مولى سعد بن عبادة، فكأنه في الأصل مولى امرأته، ونسب إليه مجازًا، واسمها فكيهة بنت عمة عبيد بن دليم، أسلمت وبايعت، وأمَّا الأقوال الأخرى أن صانعه تميم، أو بأقوال باللام أخره، أو الميم الرومي، أو صباح -بضم المهملة، وخفة الموحدة، أو قبيضة، أو مينا -بكسر الميم, أو صالح مولى العباس، أو إبراهيم أو كلاب مولى العباس، فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جدًّا الجمع بينها، بأنَّ النجار كانت له أسماء متعددة، واحتمال كون الجميع اشتركوا في عمله يمنع منه قوله في كثير من الروايات: لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد يقال له ميمون، إلّا أن يحمل على أن المراد واحد في صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن كما بسطه في فتح الباري، وقدمته في المقصد الأول مبسوطًا.
"هل لك أن نجعل منبرًا تقوم عليه يوم الجمعة", فتستريح من القيام على الجذع، ويسمع الناس خطبتك" أقوى من سماعهم وأنت على الأرض، "قال: "نعم" , فصنع له ثلاث درجات هـ التي على المنبر، أي: فوقه؛ لأنه كان ثلاثة درجات إلى أن زاده مروان بن الحكم في خلافة معاوية ست درجات, وسبب ذلك أن معاوية كتب إليه أن يحمل المنبر إليه من المدينة إلى الشام، فأمر به، فقلع فأظلمت المدينة، وانكسفت الشمس حتى رأو النجوم, فخرج مروان فخطب فقال: إنما أمرني أمير المؤمنين أن أرفعه، فدعا نجارًا، فزاد فيه ست درجات، وقال: إنما زدت فيه حين كثر الناس، أخرجه الزبير بن بكار في أخبار المدينة من طرق.
قال ابن النجار: واستمرَّ على ذلك إلى أن احترق مسجد المدينة، سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق.
قال السيوطي: وكان ذلك إشارة إلى زوال دولة آل البيت النبوي بني العباس، فإنها انقرضت عقب ذلك بقليل في فتنة التتار.
قال ابن النجار: ثم جدَّد المظفر صاحب اليمن سنة ست وخمسين وستمائة منبرًا، ثم أرسل الظاهر بيبرس بعد عشر سنين منبرًا، فأزيل منبر المظفر فلم يزل منبر بيبرس إلى سنة عشرين وثمانمائة، فأرسل المؤيد شيخ منبرًا، فلم يزل إلى سنة وستين وثمانمائة، فأرسل الظاهرстр. 3079
فلمَّا صنع وضعه رسول الله ﷺ موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدا لرسول الله ﷺ أن يخطب عليه، تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه خار حتى تصدّع وانشقّ، فنزل رسول الله ﷺ لما سمع صوت الجذع, فمسحه بيده ثم رجع إلى المنبر، الحديث.
وأما حديث جابر فرواه البخاري من طرق، وفي لفظ له: إن رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرة أو نخلة، فقالت امرأة من الأنصار، أو رجل من الأنصار: ألا نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم" , فجعلوا له منبرًا, كان يوم الجمعة
الحواشي
(١) خشقدم منبرًا، انتهى.
"فلمَّا صنع" من أثل الغابة، كما في الصحيح، "وضعه رسول الله ﷺ موضعه الذي هو فيه، فكان إذا بدا لرسول الله ﷺ أن يخطب تجاوز الجذع الذي كان يخطب عليه، خار،" بخاء معجمة: صوت، وهو في الأصل يختص بصياح البقر، ثم توسعوا فيه في أصوات جميع البهائم، ثم قاله الراغب، فإطلاقه على صوت الجذع مجاز، "حتى تصدَّع وانشقَّ،" عطف تفسير؛ إذ حقيقة الصدع شق الأجسام الصلبة، كالزجاج والحديد، ثم استعير منه صدع الأمر بينه كأصدح بما تؤمر، وهو مبالغة في شدة صياحه، كما يقال: صاح حتى انفلق، ويجوز بقاؤه على ظاهره، ولكن يؤيد الأول قوله: "فنزل رسول الله ﷺ لما سمع صوت الجذع، فمسحه بيده،" فسكت، كما في رواية لزوال ألمه بقربه منه ومشيه له، ثم رجع إلى المنبر. الحديث.
"وأما حديث جابر، فرواه البخاري من طيق" في مواضع, "وفي لفظ له" في علامات النبوة وغيرها، عن شيخه أبي نعيم، عن عبد الواحد بن أيمن، عن أبيه، عن جابر: "أنَّ رسول الله ﷺ كان يقوم يوم الجمعة" يخطب "إلى شجرة، أو" قال: إلى نخلة بالشكِّ من الراوي، وقد أخرجه الإسماعيلي من طريق وكيع، عن عبد الواحد، فقال: إلى نخلة، أي: إلى جذع نخلة، "فقالت امرأة من الأنصار" لم تسم, أو هي فكيهة بنت عبيد بن دليم زوجة سعد بن عبادة، وقول المستغفري: اسمها علاثة، تصحيف، وللطبراني اسمها عائشة، وإسناده ضعيف، "أو رجل" شكّ من الراوي، والمعتمد الأول، وقد تقدَّم بيانه في الجمعة، والخلاف في اسمها قاله في الفتح, وقال في مقدمته: في رواية البيهقي أنه تميم الداري, وقدّمنا الخلاف في اسم صانع المنبر، ورجَّحنا أن تميمًا هو المشير به، وأن صانعه الذي قطعه من طرفاء الغابة هو المختلف في اسمه، انتهى. ويقع في نسخ المصنف: أو رجل "من الأنصار" وليس في البخاري من الأنصار، ولا يصحّ لرواية البيهقي، فقال تميم: وليس من الأنصار، "ألا" بالتحفيف "نجعل لك منبرًا؟ قال: "إن شئتم" جعله فاجعلوا، "فجعلوا له منبرًا, فلمَّا كان يوم الجمعة"стр. 3080
رفع إلى المنبر، فصاحت النخلة, فنزل رسول الله ﷺ , فضمَّها إليه, فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن، قال: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها".
وفي لفظ: قال جابر بن عبد الله: كان المسجد مسقوفًا على جذوع نخل، فكان النبي ﷺ إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلمَّا صنع له المنبر سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار - وهو بكسر العين المهملة: النوق الحوامل.
وفي حديث أبي الزبير....................................
الحواشي
(١) برفع يوم، اسم كان، ونصبه على الظرفية "رفع" بالراء، وفي رواية بالدال بدلها، وكسر الفاء، أي: النبي ﷺ "إلى المنبر" ليخطب عليه، "فصاحت النخلة" التي كان يخطب عندها، أسقط من لفظ البخاري في العلامات صياح الصبي، وزاد في البيع: حتى كادت أن تنشق، "فنزل رسول الله ﷺ فضمها" أي: النخلة، وفي رواية: فضمَّه، أي: الجذع "إليه، فجعلت تئن أنين الصبي الذي يسكن" بضم التحتية، آخره نون، مبني للمفعول من التسكين، قاله المصنف.
"قال" ﵊: "كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذكر عندها"، أي: ذكر الله، أو المواعظ، أو القرآن، أو نفس المصطفى؛ لأنه أطلق عليه الذكر أيضًا، لكن يبعده تسمع، وهو جواب سؤال نشأ من الكلام السابق، تقديره: لم كانت تبكي.
"وفي لفظ" للبخاري أيضًا في العلامات والجمعة، "قال جابر بن عبد الله: كان المسجد" النبوي "مسقوفًا على جذوع نخل" أي: كانت له كالأعمدة، "فكان" بالفاء، وفي رواية: بالواو، "النبي ﷺ إذا خطب، يقوم" مستندًا "إلى جذع منها" حين يخطب، وصرَّح به في رواية الإسماعيلي: "فلمَّا صنع بالبناء للمفعول "له المنبر" وخطب عليه، مفارقًا للجذع "سمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار", وبقية هذا الحديث في البخاري، حتى جاء النبي ﷺ فوضع يده عليها، فسكنت. قال المصنف: بالنون "وهو بكسر العين المهملة" بعدها معجمة خفيفة، "النوق الحوال التي انتهت في حملها إلى عشرة أشهر, جمع عشراء -بضم، ففتح. وقال الخطابي: هي التي قاربت الولادة، وفي القاموس: العشراء من النوق التي مضى لحملها عشرة أشهر وثمانية، أو هي كالنفساء من النساء، وتقدَّم في الطريق الأخرى، فصاحت صياح الصبي، حتى كادت أن تنشق.
"وفي حديث أبي الزبير"، محمَّد بن مسلم المكي، صدوق، روى له الجميع، ماتстр. 3081
عن جابر -عند النسائي في الكبرى: اضَّطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتهى.
والخلوج -بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة وآخره جيم: الناقة التي انتزع منها ولدها.
والحنين: هو صوت المتألم المشتاق عند الفراق.
وإنما يشتاق إلى بركة رسول الله, ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء. والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدل على أن الله خلق فيه الحياة والعقل والشوق, ولهذا حنَّ وأنَّ.
فإن قلت: مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري:...................................
الحواشي
(١) سنة ست وعشرين ومائة، "عن جابر عند النسائي في" السنن "الكبرى" إحدى تصانيفه، والصغرى هي أحد الكتب الستة: "اضَّطربت" تحرَّكت "تلك السارية" وصوَّتت تصويتًا، "كحنين الناقة الخلوج، انتهى. والخلوج -بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام الخفيفة، وآخره جيم: الناقة التي انتزع منها ولدها".
زاد الفتح: وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: فحنَّت الخشبة حنين الواله، وفي روايته الأخرى عند الدارمي: خار ذلك الجذع كخوار الثور.
وفي حديث أُبَيّ بن كعب عند أحمد، والدارمي، وابن ماجه: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشقّ، فأخذ أُبَيّ ذلك الجذع لما هُدِمَ المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي وصار رفاتًا، وهذا لا ينافي أنه دفن، لاحتمال أنه ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أُبَيّ بن كعب، انتهى.
"والحنين: هو صوت المتألم المشتاق عند الفراق" لمن يهواه، "وإنما يشتاق إلى بركة رسول الله، ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء، والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدل على أن الله خلق فيه" أي: الجذع "الحياة والعقل والشوق، ولهذا حنَّ وأنَّ" والأنين صوت المريض، وهما متقاربان، وقيل في الأنين زيادة امتداد الصوت، وعبَّر به إيماءً إلى أنه لحقه ألم كالمريض، وهو عطف خاص على عام؛ لأن الحنين في الإبل إذا فارقت أولادها، ثم شاع في مطلق الشوق ولو بالكلام، وأمَّا الأنين فيما لا يفهم كالتأوّه، ففيه إشارة إلى أنه كان بصوت يفهم منه الحزن بدلالة طبيعة، كأنين المريض.
"فإن قلت: مذهب الشيخ الحسن الأشعري" من ذرية أبي موسى الأشعري الصحابي،стр. 3082
إن الأصوات لا يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل.
أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة، إلّا أنَّ الشوق إلى الحق شوقًا معنويًّا عقليًّا لا طبيعيًّا بهيميًّا. ومذهب الشيخ أبي الحسن أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. وقد بينَّا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق الحاضرون على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر وإلى مقام الحبيب عنده، وقد عامله النبي ﷺ هذه المعاملة، فالتزمه كما يلتزم الغائب أهله وأعزته يبرد غليل شوقهم إليه وأسفهم عليه، ولله در القائل:
وحنَّ إليه الجذع شوقًا ورِقَّةً ... ورجع صوتًا كالعشار مرددا
فبادره ضمًّا فقَرَّ لوقته ... لكل امرئ من دهره ما تعوّدا
الحواشي
(١) "إن الأصوات لا يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل"؛ إذ الأصوات من العرض عند الأكثرين، ولم يخالف فيه إلّا النظام، وجعل الأشعري الأصوات اصطكاك الجواهر بعضها ببعض، وذلك لا يستلزم الحياة والإرادة. "أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة" للصوت حى يلزمنا مخالفة الأشعري، "إلّا أن الشوق إلى الحق" إنما يكون "شوقًا معنويًّا", فهو خبر محذوف، أَوْلَى من تخريجه على نصب أنَّ الجزأين "عقليًّا لا طبيعيًّا بهيميًّا، ومذهب الشيخ أبي الحسن" الأشعري، "أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها، وقد بينَّا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق الحاضرون على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر، وإلى مقام الحبيب عنده، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا به، "وقد عامله النبي ﷺ هذه المعاملة" معاملة الحي العاقل، "فالتزمه" اعتنقه وضمَّه، "كما يلتزم الغائب أهله وأعزته، يبرد غليل:" حرارة "شوقهم إليه، وأسفهم:" حزنهم "عليه", ففيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن حمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] الآية، على ظاهر، كما في الفتح, "ولله در القائل" وهو صالح بن الحسين الشاعر، في قصيدة طويلة: "وحنَّ" صوت "إليه الجذع شوقًا" أي: لأجل شوقًا، أو هو مفعول مطلق، أي: اشتاق إليه شوقًا عظيمًا، فالتنوين للتعظيم، "ورقة ورجّع صوتًا كالعشار" بكسر العين وخفة الشين، "مرددًا،" بفتح الدال، صفة صوتًا، وكسرها حال من فاعل رجع: أي: ورجع الجذع حال كونه مرددًا الترجيح صوتًا كصوت العشار، "فبادره ضمًّا" اعتناقًا، "فَقَرَّ" سكن "لوقته لكل امرئ من دهره ما تعوّدا", يعني: إنه أمر مطَّرد في كل من اعتاد أمرًا وانقطع عنه، فإنه يتألمстр. 3083
وأما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلي بلفظ: إن رسول الله ﷺ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع منبرًا له درجتان, ويقعد على الثالثة، فلمَّا قعد رسول الله ﷺ على المنبر جأر الجذع كجؤار الثور، وارتجَّ المسجد لجؤاره حزنًا على رسول الله ﷺ , فنزل إليه رسول الله ﷺ على المنبر فالتزمه وهو يخور، فلمَّا التزمه.....
الحواشي
(١) لذلك ويحزن, فإذا رجع إليه فرح واطمأنَّ، وهذا الجذع لما ألف مقامه ﷺ اعتاد ذلك، فصار يتألَّم لفراقه تألُّم من فارقته أحبته، فلمَّا ضمه، سكن وفرح كمقيم ورد عليه أحبته المسافرون سفرًا طويلًا، لا سيما إذا ظنّ المقيم أن لا يرجع المسافر إليه.
"وأما حديث أنس فرواه أبو يعلى الموصلي،" الحافظ، الثقة، أحمد بن علي بن المثني، التميم، المتوفَّى سنة سبع وثلاثمائة، وقد زاد على مائة وعمَّر، وتفرَّد ورحل الناس إليه "بلفظ: إن رسول الله ﷺ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد" النبوي، كالعمود "يخطب الناس، فجاءه روميّ" باقوم، بموحدة، فألف، فقاف مضمومة، آخره ميم، أو لام، أو مينًا أو غيرهما، والأصح والأشهر أنه ميمون، كما مَرَّ عن الحافظ، ووقع للمصنف أن الأشهر باقوم، وفيه نظر، "فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه كأنك قائم، فصنع منبرًا" بكسر الميم من نبره، رفعه، ورقاه؛ لأن القائم عليه يرتفع عن غيره، "له درجتان، ويقعد على الثالثة، فلمَّا قعد رسول الله ﷺ على المنبر، جأر" بجيم، فهمزة مفتوحة، والجؤار معروف، ولذا قال: "كجؤار الثور،" وهو مثل الخوار بالخاء، يقال: جار الثور يجار، أي: صاع، وقرأ بعضهم: ﴿عجلًا جسدًا له جؤار﴾ [طه: ٨٨] الآية، بالجيم، حكاه الأخفش، كذا في نور النبراس.
وقال التلمساني: بضم الخاء المعجمة، يهمز ويسهل، وهو أولى، وبالجيم، وهو رفع صوته مع تضرع، واستغاثة, فصدر بالخاء، وذكر الحجازي على الشفاء، أن الرواية بالجيم، وأنه لم بالخاء فيما علم وارتج" بهمزة وصل، "وراء ساكنة، وفوقية مفتوحة، وجيم ثقيلة: تحرَّك واضَّطرب اضطرابًا شديدًا، "المسجد"أي: أهله "لجؤاره" لعظيم هذه الآية، وكثر فيه الكلام، أو هو على ظاهره بأن تحرَّكت حيطانه وجدارنه لشدة صوته، إمَّا حقيقة، أو لظنّ ذلك ممن هو فيه، "حزنًا", وفي رواية" تحزنًا", أي: إظهار حزن، وهو خلاف السرور "على رسول الله ﷺ ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر، فالتزمه" ضمَّه "وهو يخور:" يصوت، "فلمَّا التزمهстр. 3084
سكت, ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنًا على رسول الله ﷺ "، فأمر به ﷺ فدفن. ورواه الترمذي وقال: صحيح غريب.
وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن عن أنس ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلمَّا كثر الناس قال: "ابنوا لي منبرًا"، أراد أن يسمعهم،......................................................
الحواشي
(١) سكت" عن ذلك، "ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس" روح "محمد بيده" قدرته وتصرفه، وحياته ومماته، متى أراد "لو لم ألتزمه" اعتنقه وأضمه، افتعال من اللزوم، وهو عدم الفراق، ثم استعير للعناق، كما في الأساس، "لما زال هكذا" أي: له صياح وجؤار "حتى تقوم الساعة" , وفي رواية: "إلى يوم القيامة"، "حزنًا على رسول الله ﷺ " , قيل: وهذا على طريق المبالغة، كقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ، وإن لم يقع، فلا يشكل بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ , ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ الآية. ولا حاجة إليه، فلا مانع من بقائه على ظاهره؛ لأنه علّق بقاءه على عدم التزامه، فإذا التزمه تغير وفني، وقد علَّم الله ذلك، "فأمر به ﷺ " بعض صحبه بأخذه ودفنه، "فدفن" تحت المنبر، كما في رواية.
وفي بعض الروايات: فدفنت تحت منبره، أو جعلت في السقف، كذا في بعض نسخ الشفاء، فيحتمل أنه دفن تحت المنبر أولًا، ثم رفع في السقف، لئلَّا يداس بالأرجل، تكريمًا لأثره ﷺ ، فلما هُدِمَ المسجد أخذه أُبَيّ، فكان عنده إلى أن بلي وصار رفاتًا.
قال البرقي: وإنما دفنه وهو جماد؛ لأنه صار حكمه حكم المؤمن لحبه وحنينه إلى النبي ﷺ ، وقال غيره: لئلّا تشتغل به الناس، وربما افتتن به بعد العصر الأول، وفيه إشارة إلى أنه سينبت في الجنة، كما يأتي، "ورواه" أي: حديث أنس المذكور "الترمذي، وقال: صحيح غريب" لتفرد راويه، فيجامع الصحة، فلا تنافي، ونصَّ على صحته لبيان حاله، لا لنفي صحة غيره، وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن البصري، "عن أنس، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، هي جذع نخلة، وفيه تكرر ذلك منه؛ لأن خبر كان إذا كان مضارعًا يفيد ذلك استعمالًا، كقولهم: كان حاتم يقري الضيف.
وفي التنزيل: وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، "فلا كثر الناس، قال: "ابنوا لي منبرًا" أراد أن يسمعهم، فأرسل لامرأة من الأنصار أن مري غلامك النجار، كما في حديث سهل، ولاстр. 3085
فبنوا له عتبتين، فتحوّل من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحنّ كحنين الواله، قال: فما زالت تحنّ حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر فمشي إليها, فاحتضنها فسكتت.
ورواه أبو القاسم البغوي وزاد فيه: فكان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله, الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
الحواشي
(١) ينافي ذلك أن المشير بن تميم، وأن الرومي قال: ألا أصنع لك شيئًا، كما في الرواية قبله عن أنس؛ لأنه لما شقَّ عليه القيام على الجذع، وأراد إسماع الناس، أشار تميم بذلك، وقال له الرومي ما قال، فقال: "ابنو لي منبرًا" ثم أرسل المرأة، "فبنوا له عتبتين"، أي: درجتين، والثالثة هي التي يجلس عليها، كما في الرواية قبله، ولا يفهم من قوله: "ابنوا" وقوله: فبنوا أنه من طين؛ لأنه لم يثبت، كما قدَّمه المصنف في المقصد الأول، والذي في الصحيحين، أنه من أثقل الغابة، وهو بمثلثة شجر، كالطرفاء والغابة، بمعجمة موضع بالمدينة, "فتحوّل من الخشبة" أي: الجذع "إلى المنبر, قال" الحسن: "فأخبر أنس بن مالك، أنه سمع الخشبة تحنّ كحنين الواله، قال: فما زالت تحنّ حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فمشى إليها فاحتضنها، فسكنت، تركت صياحها لزوال همّها وحزنها بمشيه لها وضمها، "ورواه أبو القاسم" الحافظ الكبير، مسند العالم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، "البغوي" الأصل، البغدادي، الإمام الجليل، المصنف العارف، طال عمره وتفرّد في الدنيا، ومات سنة سبع عشرة وثلاثمائة عن مائة وثلاث سنين، وهو متقدِّم على محيي السنة البغوي بزمان، "وزاد فيه: فكان الحسن" البصري، "إذا حدَّث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الل! الخشبة" أي: الجذع, "تحنَّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه" مفعول مطلق لتحنّ، كجلست قعودًا، أو مفعول له الأوّل أَوْلَى، لقوله: "لمكانه من الله، بلام التعليل، إن لم يكن بدلًا من قوله إليه، أو علة متداخلة، فشوقًا علة لتحنّ، ولمكانه علة لشوقًا، أي: إن الخشبة اشتاقت لعلوّ مقامه وجلالة قدره، وهي جماد، "فأنتم أحق" من الجماد "أن تشتاقوا إلى لقائه", وذكر ابن عطية عن أبيه: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على سرير وعظه، سنة تسع وستين وأربعمائة: من أحبَّ أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل الكهف وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله، فالخشبة تحنّ, والكلب يحب، فهذه عبرة لأولي الألباب.следующие страницы →