Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.
стр. 3081
عن جابر -عند النسائي في الكبرى: اضَّطربت تلك السارية كحنين الناقة الخلوج. انتهى.
والخلوج -بفتح الخاء المعجمة، وضم اللام الخفيفة وآخره جيم: الناقة التي انتزع منها ولدها.
والحنين: هو صوت المتألم المشتاق عند الفراق.
وإنما يشتاق إلى بركة رسول الله, ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء. والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدل على أن الله خلق فيه الحياة والعقل والشوق, ولهذا حنَّ وأنَّ.
فإن قلت: مذهب الشيخ أبي الحسن الأشعري:...................................
الحواشي
(١) سنة ست وعشرين ومائة، "عن جابر عند النسائي في" السنن "الكبرى" إحدى تصانيفه، والصغرى هي أحد الكتب الستة: "اضَّطربت" تحرَّكت "تلك السارية" وصوَّتت تصويتًا، "كحنين الناقة الخلوج، انتهى. والخلوج -بفتح الخاء المعجمة، وضمّ اللام الخفيفة، وآخره جيم: الناقة التي انتزع منها ولدها".
زاد الفتح: وفي حديث أنس عند ابن خزيمة: فحنَّت الخشبة حنين الواله، وفي روايته الأخرى عند الدارمي: خار ذلك الجذع كخوار الثور.
وفي حديث أُبَيّ بن كعب عند أحمد، والدارمي، وابن ماجه: فلما جاوزه خار الجذع حتى تصدع وانشقّ، فأخذ أُبَيّ ذلك الجذع لما هُدِمَ المسجد، فلم يزل عنده حتى بلي وصار رفاتًا، وهذا لا ينافي أنه دفن، لاحتمال أنه ظهر بعد الهدم عند التنظيف، فأخذه أُبَيّ بن كعب، انتهى.
"والحنين: هو صوت المتألم المشتاق عند الفراق" لمن يهواه، "وإنما يشتاق إلى بركة رسول الله، ويأسف على مفارقته أعقل العقلاء، والعقل والحنين بهذا الاعتبار يستدعي الحياة، وهذا يدل على أن الله خلق فيه" أي: الجذع "الحياة والعقل والشوق، ولهذا حنَّ وأنَّ" والأنين صوت المريض، وهما متقاربان، وقيل في الأنين زيادة امتداد الصوت، وعبَّر به إيماءً إلى أنه لحقه ألم كالمريض، وهو عطف خاص على عام؛ لأن الحنين في الإبل إذا فارقت أولادها، ثم شاع في مطلق الشوق ولو بالكلام، وأمَّا الأنين فيما لا يفهم كالتأوّه، ففيه إشارة إلى أنه كان بصوت يفهم منه الحزن بدلالة طبيعة، كأنين المريض.
"فإن قلت: مذهب الشيخ الحسن الأشعري" من ذرية أبي موسى الأشعري الصحابي،стр. 3082
إن الأصوات لا يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل.
أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة، إلّا أنَّ الشوق إلى الحق شوقًا معنويًّا عقليًّا لا طبيعيًّا بهيميًّا. ومذهب الشيخ أبي الحسن أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها. وقد بينَّا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق الحاضرون على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر وإلى مقام الحبيب عنده، وقد عامله النبي ﷺ هذه المعاملة، فالتزمه كما يلتزم الغائب أهله وأعزته يبرد غليل شوقهم إليه وأسفهم عليه، ولله در القائل:
وحنَّ إليه الجذع شوقًا ورِقَّةً ... ورجع صوتًا كالعشار مرددا
فبادره ضمًّا فقَرَّ لوقته ... لكل امرئ من دهره ما تعوّدا
الحواشي
(١) "إن الأصوات لا يستلزم خلقها في المحل خلق الحياة ولا العقل"؛ إذ الأصوات من العرض عند الأكثرين، ولم يخالف فيه إلّا النظام، وجعل الأشعري الأصوات اصطكاك الجواهر بعضها ببعض، وذلك لا يستلزم الحياة والإرادة. "أجيب: بأنه كذلك، ونحن لم نجعل الحياة لازمة" للصوت حى يلزمنا مخالفة الأشعري، "إلّا أن الشوق إلى الحق" إنما يكون "شوقًا معنويًّا", فهو خبر محذوف، أَوْلَى من تخريجه على نصب أنَّ الجزأين "عقليًّا لا طبيعيًّا بهيميًّا، ومذهب الشيخ أبي الحسن" الأشعري، "أن الذكر المعنوي والكلام النفسي يستلزمان الحياة استلزام العلم لها، وقد بينَّا أن هذه المعاني وجدت في الجذع، وأطلق الحاضرون على صوته أنه حنين، وفهموا أنه شوق إلى الذكر، وإلى مقام الحبيب عنده، وفي رواية سهل: وكثر بكاء الناس لما رأوا به، "وقد عامله النبي ﷺ هذه المعاملة" معاملة الحي العاقل، "فالتزمه" اعتنقه وضمَّه، "كما يلتزم الغائب أهله وأعزته، يبرد غليل:" حرارة "شوقهم إليه، وأسفهم:" حزنهم "عليه", ففيه دلالة على أن الجمادات قد يخلق الله لها إدراكًا كالحيوان، بل كأشرف الحيوان، وفيه تأييد لمن حمل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] الآية، على ظاهر، كما في الفتح, "ولله در القائل" وهو صالح بن الحسين الشاعر، في قصيدة طويلة: "وحنَّ" صوت "إليه الجذع شوقًا" أي: لأجل شوقًا، أو هو مفعول مطلق، أي: اشتاق إليه شوقًا عظيمًا، فالتنوين للتعظيم، "ورقة ورجّع صوتًا كالعشار" بكسر العين وخفة الشين، "مرددًا،" بفتح الدال، صفة صوتًا، وكسرها حال من فاعل رجع: أي: ورجع الجذع حال كونه مرددًا الترجيح صوتًا كصوت العشار، "فبادره ضمًّا" اعتناقًا، "فَقَرَّ" سكن "لوقته لكل امرئ من دهره ما تعوّدا", يعني: إنه أمر مطَّرد في كل من اعتاد أمرًا وانقطع عنه، فإنه يتألمстр. 3083
وأما حديث أنس، فرواه أبو يعلى الموصلي بلفظ: إن رسول الله ﷺ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد يخطب الناس، فجاءه رومي فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه كأنك قائم؟ فصنع منبرًا له درجتان, ويقعد على الثالثة، فلمَّا قعد رسول الله ﷺ على المنبر جأر الجذع كجؤار الثور، وارتجَّ المسجد لجؤاره حزنًا على رسول الله ﷺ , فنزل إليه رسول الله ﷺ على المنبر فالتزمه وهو يخور، فلمَّا التزمه.....
الحواشي
(١) لذلك ويحزن, فإذا رجع إليه فرح واطمأنَّ، وهذا الجذع لما ألف مقامه ﷺ اعتاد ذلك، فصار يتألَّم لفراقه تألُّم من فارقته أحبته، فلمَّا ضمه، سكن وفرح كمقيم ورد عليه أحبته المسافرون سفرًا طويلًا، لا سيما إذا ظنّ المقيم أن لا يرجع المسافر إليه.
"وأما حديث أنس فرواه أبو يعلى الموصلي،" الحافظ، الثقة، أحمد بن علي بن المثني، التميم، المتوفَّى سنة سبع وثلاثمائة، وقد زاد على مائة وعمَّر، وتفرَّد ورحل الناس إليه "بلفظ: إن رسول الله ﷺ كان يوم الجمعة يسند ظهره إلى جذع منصوب في المسجد" النبوي، كالعمود "يخطب الناس، فجاءه روميّ" باقوم، بموحدة، فألف، فقاف مضمومة، آخره ميم، أو لام، أو مينًا أو غيرهما، والأصح والأشهر أنه ميمون، كما مَرَّ عن الحافظ، ووقع للمصنف أن الأشهر باقوم، وفيه نظر، "فقال: ألا أصنع لك شيئًا تقعد عليه كأنك قائم، فصنع منبرًا" بكسر الميم من نبره، رفعه، ورقاه؛ لأن القائم عليه يرتفع عن غيره، "له درجتان، ويقعد على الثالثة، فلمَّا قعد رسول الله ﷺ على المنبر، جأر" بجيم، فهمزة مفتوحة، والجؤار معروف، ولذا قال: "كجؤار الثور،" وهو مثل الخوار بالخاء، يقال: جار الثور يجار، أي: صاع، وقرأ بعضهم: ﴿عجلًا جسدًا له جؤار﴾ [طه: ٨٨] الآية، بالجيم، حكاه الأخفش، كذا في نور النبراس.
وقال التلمساني: بضم الخاء المعجمة، يهمز ويسهل، وهو أولى، وبالجيم، وهو رفع صوته مع تضرع، واستغاثة, فصدر بالخاء، وذكر الحجازي على الشفاء، أن الرواية بالجيم، وأنه لم بالخاء فيما علم وارتج" بهمزة وصل، "وراء ساكنة، وفوقية مفتوحة، وجيم ثقيلة: تحرَّك واضَّطرب اضطرابًا شديدًا، "المسجد"أي: أهله "لجؤاره" لعظيم هذه الآية، وكثر فيه الكلام، أو هو على ظاهره بأن تحرَّكت حيطانه وجدارنه لشدة صوته، إمَّا حقيقة، أو لظنّ ذلك ممن هو فيه، "حزنًا", وفي رواية" تحزنًا", أي: إظهار حزن، وهو خلاف السرور "على رسول الله ﷺ ، فنزل إليه رسول الله ﷺ من المنبر، فالتزمه" ضمَّه "وهو يخور:" يصوت، "فلمَّا التزمهстр. 3084
سكت, ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس محمد بيده، لو لم ألتزمه لما زال هكذا حتى تقوم الساعة حزنًا على رسول الله ﷺ "، فأمر به ﷺ فدفن. ورواه الترمذي وقال: صحيح غريب.
وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن عن أنس ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، فلمَّا كثر الناس قال: "ابنوا لي منبرًا"، أراد أن يسمعهم،......................................................
الحواشي
(١) سكت" عن ذلك، "ثم قال رسول الله ﷺ : "والذي نفس" روح "محمد بيده" قدرته وتصرفه، وحياته ومماته، متى أراد "لو لم ألتزمه" اعتنقه وأضمه، افتعال من اللزوم، وهو عدم الفراق، ثم استعير للعناق، كما في الأساس، "لما زال هكذا" أي: له صياح وجؤار "حتى تقوم الساعة" , وفي رواية: "إلى يوم القيامة"، "حزنًا على رسول الله ﷺ " , قيل: وهذا على طريق المبالغة، كقوله: ﴿حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ ، وإن لم يقع، فلا يشكل بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ , ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ الآية. ولا حاجة إليه، فلا مانع من بقائه على ظاهره؛ لأنه علّق بقاءه على عدم التزامه، فإذا التزمه تغير وفني، وقد علَّم الله ذلك، "فأمر به ﷺ " بعض صحبه بأخذه ودفنه، "فدفن" تحت المنبر، كما في رواية.
وفي بعض الروايات: فدفنت تحت منبره، أو جعلت في السقف، كذا في بعض نسخ الشفاء، فيحتمل أنه دفن تحت المنبر أولًا، ثم رفع في السقف، لئلَّا يداس بالأرجل، تكريمًا لأثره ﷺ ، فلما هُدِمَ المسجد أخذه أُبَيّ، فكان عنده إلى أن بلي وصار رفاتًا.
قال البرقي: وإنما دفنه وهو جماد؛ لأنه صار حكمه حكم المؤمن لحبه وحنينه إلى النبي ﷺ ، وقال غيره: لئلّا تشتغل به الناس، وربما افتتن به بعد العصر الأول، وفيه إشارة إلى أنه سينبت في الجنة، كما يأتي، "ورواه" أي: حديث أنس المذكور "الترمذي، وقال: صحيح غريب" لتفرد راويه، فيجامع الصحة، فلا تنافي، ونصَّ على صحته لبيان حاله، لا لنفي صحة غيره، وكذا رواه ابن ماجه والإمام أحمد من طريق الحسن البصري، "عن أنس، ولفظه: كان رسول الله ﷺ إذا خطب يوم الجمعة يسند ظهره إلى خشبة، هي جذع نخلة، وفيه تكرر ذلك منه؛ لأن خبر كان إذا كان مضارعًا يفيد ذلك استعمالًا، كقولهم: كان حاتم يقري الضيف.
وفي التنزيل: وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة، "فلا كثر الناس، قال: "ابنوا لي منبرًا" أراد أن يسمعهم، فأرسل لامرأة من الأنصار أن مري غلامك النجار، كما في حديث سهل، ولاстр. 3085
فبنوا له عتبتين، فتحوّل من الخشبة إلى المنبر، قال: فأخبر أنس بن مالك أنه سمع الخشبة تحنّ كحنين الواله، قال: فما زالت تحنّ حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر فمشي إليها, فاحتضنها فسكتت.
ورواه أبو القاسم البغوي وزاد فيه: فكان الحسن إذا حدَّث بهذا الحديث بكى ثم قال: يا عباد الله, الخشبة تحنّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه لمكانه من الله، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه.
الحواشي
(١) ينافي ذلك أن المشير بن تميم، وأن الرومي قال: ألا أصنع لك شيئًا، كما في الرواية قبله عن أنس؛ لأنه لما شقَّ عليه القيام على الجذع، وأراد إسماع الناس، أشار تميم بذلك، وقال له الرومي ما قال، فقال: "ابنو لي منبرًا" ثم أرسل المرأة، "فبنوا له عتبتين"، أي: درجتين، والثالثة هي التي يجلس عليها، كما في الرواية قبله، ولا يفهم من قوله: "ابنوا" وقوله: فبنوا أنه من طين؛ لأنه لم يثبت، كما قدَّمه المصنف في المقصد الأول، والذي في الصحيحين، أنه من أثقل الغابة، وهو بمثلثة شجر، كالطرفاء والغابة، بمعجمة موضع بالمدينة, "فتحوّل من الخشبة" أي: الجذع "إلى المنبر, قال" الحسن: "فأخبر أنس بن مالك، أنه سمع الخشبة تحنّ كحنين الواله، قال: فما زالت تحنّ حتى نزل رسول الله ﷺ عن المنبر، فمشى إليها فاحتضنها، فسكنت، تركت صياحها لزوال همّها وحزنها بمشيه لها وضمها، "ورواه أبو القاسم" الحافظ الكبير، مسند العالم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، "البغوي" الأصل، البغدادي، الإمام الجليل، المصنف العارف، طال عمره وتفرّد في الدنيا، ومات سنة سبع عشرة وثلاثمائة عن مائة وثلاث سنين، وهو متقدِّم على محيي السنة البغوي بزمان، "وزاد فيه: فكان الحسن" البصري، "إذا حدَّث بهذا الحديث بكى، ثم قال: يا عباد الل! الخشبة" أي: الجذع, "تحنَّ إلى رسول الله ﷺ شوقًا إليه" مفعول مطلق لتحنّ، كجلست قعودًا، أو مفعول له الأوّل أَوْلَى، لقوله: "لمكانه من الله، بلام التعليل، إن لم يكن بدلًا من قوله إليه، أو علة متداخلة، فشوقًا علة لتحنّ، ولمكانه علة لشوقًا، أي: إن الخشبة اشتاقت لعلوّ مقامه وجلالة قدره، وهي جماد، "فأنتم أحق" من الجماد "أن تشتاقوا إلى لقائه", وذكر ابن عطية عن أبيه: سمعت أبا الفضل الجوهري في جامع مصر يقول على سرير وعظه، سنة تسع وستين وأربعمائة: من أحبَّ أهل الخير نال من بركتهم، كلب أحب أهل الكهف وصحبهم، فذكره الله في محكم تنزيله، فالخشبة تحنّ, والكلب يحب، فهذه عبرة لأولي الألباب.стр. 3086
ولله در القائل:
وألقى حتى في الجمادات حبه ... فكانت لإهداء السلام له تهدى
وفارق جذعا كان يخطب عنده ... فأن أنين الأم إذا تجد الفقدا
يحن إليه الجذع يا قوم هكذا ... أما نحن أولى أن نحن له وجدا
إذا كان جذع لم يطق بعد ساعة ... فليس وفاء أن نطيق له بعدا
وأما حديث سهل بن سعد، ففي الصحيحين من طرق.
وأما حديث ابن عباس فعند الإمام أحمد بإسناد على شرط مسلم، ورواه ابن ماجه.
وأما حديث ابن عمر، ففي البخاري.
وأما حديث أبي سعيد الخدري، فعند عبد بن حميد.
الحواشي
(١) "ولله در القائل: وألقى حتى في الجمادات حبه" ﵇، "فكانت لإهداء السلام له تهدى،" أي: تدل لذلك، بأن يخلق الله فيها هداية للسلام عليه.
فارق جذعا كان يخطب عنده ... فأن أنين الأم إذا تجد الفقدا
بألف الإطلاق، وهو إشباع حركة الروى، فيتولد منها حرف مجانس لها، "يحن إليه الجذع يا قوم هكذا،" أي: الحنين الزائد المشبه بحنين الأم.
أما نحن أولى أن نحن له وجدا ... إذا كان جذع لم يطق بعد
بضم، فسكون "ساعة، فليس وفاء" منا، خبر ليس قدم على اسمها، وهو "أن نطيق له بعدا" وهو معرفة بل من أعرف المعارف، لأن المصدر المنسبك من أن، والفعل في رتبة الضمير، كما في المغني.
"وأما حديث سهل بن سعد، ففي الصحيحين" في الصلاة وغيرها "من طرق" عن سهل، قال: بعث ﷺ إلى امرأة: "أن مري غلامك النجار يعمل لي أعوادا أجلس عليهن".
"وأما حديث ابن عباس، فعند الإمام أحمد، بإسناد على شرط مسلم،" ولا يلزم أنه كصحة ما رواه نفس مسلم، كما نبه عليه ابن الصلاح وغيره، ولذا كان من الرتبة السادسة من مراتب الصحيح، "ورواه ابن ماجه" وابن منيع والطبراني، كما مر،
"وأما حديث ابن عمر، ففي البخاري" مختصرا، وقدمت لفظه، "وأما حديث أبي سعيد الخدري، فعند عبد" بلا إضافة "ابن حميد" بن نصر الكسبي، بمهملة أبي محمد، قيل: اسمهстр. 3087
وأمَّا حديث عائشة، فعند البيهقي وفي آخره: أنه ﷺ خَيّرَ الجذع بين الدنيا والآخرة فاختار الآخرة.
وأما حديث بريدة، فعند الدارمي وفيه: أن النبي ﷺ قال له حين حَنَّ: "إن شئت أن أردَّك إلى الحائط الذي كنت فيه تنبت لك عروقك ويكمل خلقك، ويجدد لك خوص وثمرة، وإن شئت أغرسك في الجنة فيأكل أولياء الله من ثمرك؟ " ثم أصغى له النبي ﷺ يستمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياء الله, وأكون في مكان لا أبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي ﷺ : "قد فعلت"، ثم قال: اختار دار البقاء على دار الفناء.
الحواشي
(١) عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة، حافظ، روى عن مسلم والترمذي، مات سنة تسع وأربعين ومائتين، وكذا رواه عنه الدارمي.
"وأمَّا حديث عائشة، فعند البيهقي" في الدلائل، ولم يذكرها أولًا فيمن أجمله من الصحابة، "وفي آخره: أنه ﷺ خَيِّرَ الجذع بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة" وفيه نوع إجمال بيته قوله.
"وأمَّا حديث بريدة، فعند الدارمي وفيه: أن النبي ﷺ قاله حين حن: "إن شئت" بتاء الخطاب؛ لأنَّ الله خلق فيه إدراكًا "أن أردك إلى الحائط" أي: البستان، "الذي كنت فيه تنبت لك عروقك" بدل من أردك، أو مستأنف لبيان علة الرد إلى مكانه الذي نبت فيه، "ويكمل خلقك ويجدد ذلك خوص" بضم الخاء ورق النخل، "وثمرة" أي: يعود لك خلقتك بتمامها ونضارتها، "وإن شئت" غرسك، بالمفعول مقدر، "أغرسك في الجنة" بالجزم جواب الشرط، "فيأكل أولياء الله من ثمرك" , عطف على الجواب، فخيره بين الحياة الدنيوية والأخروية، "ثم أصغى" بمهملة فمعجمة: أمال رأسه" وقرَّبه له النبي ﷺ يستمع ما يقول" أي: ليستمع قوله وجوابه: "فقال" الجذع: بل تغرسني في الجنة, أي: تصيرني من غراسها، فيأكل مني" أي: من ثمري "أولياء الله" المؤمنون، "وأكون في مكان لا أبلى -بفتح الهمزة: أفني وضمها خطأ "فيه" وهو الجنة كسائر أهلها وأشجارها، "فسمعه" أي: لام الجذع "من يليه" أي: الجذع أو النبي، أي: يقرب منه فسماعه لم يختص به النبي ﷺ , فقال النبي ﷺ : "قد فعلت" بضم التاء للمتكلم، أي: جعلتك من غراس الجنة، "ثم قال" ﷺ : "اختار دار البقاء" الجنة "على دار الفناء" الدنيا، بفتح الفاء والمد: الذهاب والزوال.стр. 3088
وأما حديث أم سلمة، فعند أبي نعيم في الدلائل.
والقصة واحدة، وما في ألفاظها مما ظاهره التغاير هو من الرواة. وعند التحقيق يرجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك, والله أعلم.
الحواشي
(١) "وأمَّا حديث أم سلمة، فعند أبي نعيم في الدلائل" النبوية، "والقصة واحدة، وما في ألفاظها مما هو ظاهره التغاير" الذي قد يأخذ منه من لا يعلم تعدد القصة، "هو من الرواة، وعند التحقيق" بالجمع بين المتغاير، "يرجع إلى معنى واحد، فلا نطيل بذكر ذلك" لأن غرضنا الاختصار، "والله أعلم", وقد قال بعض علماء الحديث: من جعل كل رواية غايرت الأخرى مرة على حدة، فقد أبعد وأغرب وهرب إلى غير مهرب.стр. 3089
سجود الجمل وشكواه إليه " ﷺ ":
وأما كلام الحيوانات وطاعتها له ﷺ .
فمنها: سجود الجمل وشكواه إليه ﷺ . عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه، وأنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره،..............
الحواشي
(١) سجود الجمل وشكواه إليه " ﷺ ":
"وأمَّا كلام الحيوانات" أي: جنسها لا جميعها؛ إذ لم يرد كلام جميعها له، وإن انقادت له، وفرق بين الكلام اللفظي والانقياد بمعنى علمها به، وفي حديث: "ما بين السماء والأرض شيء إلا ويعلم أني رسول الله، إلا عاصي الجن والإنس"، رواه البيهقي وغيره، "وطاعتها له ﷺ " عطفها على الكلام، إشارة إلى أن الانقياد يكون بلفظ وبدونه، وجعل المصنف القصد هنا نفس الكلام، والانقياد والأحاديث دالة على ذلك، وفيما سبق من قوله.
وأمَّا ما روى من طاعات الجمادات، وتكليمها له، بيان الأحاديث المروية في ذلك، ولعل نكتته زيادة على التفنن، الإشارة إلى أن القصد بهما واحد يحصل بكل من العبارتين.
"فمنها" أي: هذه المعجزة المعبَّر عنها بمجموع الكلام والطاعة، وإلّا فالظاهر منهما بالتثنية؛ لأن كل واحد معجز بانفراده، ولعلَّ وجه العدول للإفراد النظر للمعنى، وهو أن كل واحد من الجزئيات مقصود بالإخبار به، وأنه معجز، "سجود الجمل وشكواه إليه ﷺ " كثرة العمل وقلة علف.
"عن أنس بن مالك ﵁، كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون" يسقون عليه، "وإنه استصعب عليهم فمنعهم ظهره،" أي: الانتفاع به، كنَّى عن ذلك بالظهر؛ لأن الانتفاع بالإبل، بالجمل على ظهورها غالبًا، وأن الأنصار" أصحاب هذاстр. 3090
وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله ﷺ فقالوا: إنه كان لنا جمل نسني عليه، وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره، وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا"، فقاموا فدخل الحائط، والجمل في ناحية فمشى رسول الله ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله، قد صار مثل الكلب الكَلِب، وإنا نخاف عليك صولته، فقال رسول الله ﷺ : "ليس علي منه بأس"، فلما نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خَرَّ ساجدًا بين يديه، فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته أذل ما كان قط،......................................
الحواشي
(١) الجمل "جاءوا إلى رسول الله ﷺ ، فقالوا: إنه كان لنا جمل" يحتمل إن كان للدوام، وأنها للانقطاع باعتبار استصعابه وقت الشكية منه، فكأن السقاية منه انقطعت، "نسني عليه" ظاهر هذا أنه يأتي، وفي الصحاح وغيره، سننت الناقة تسنو، إذا سقت الأرض، والقوم يسنون لأنفسهم إذا سقوا، وهذا ظاهر في أنه واوي، وهو صريح قوله قبل: يسنون عليه، وهو محذوف الواو، وأصله يسنون بواوين، حذفت أولاهما لثقل الضمّة عليها، فالتقى ساكنان، فحذفت لام الكلمة، ويحتمل أن نسني واوي وأصله نسنوي، قلبت الواو ياء، ثم حذفت، لالتقاء الساكنين، "وأنه استصعب علينا ومنعنا ظهره" عطف علة على معلول، "وقد عطش النخل والزرع، فقال رسول الله ﷺ لأصحابه: "قوموا" معي، تأنسًا وضبطًا لما يفعله في سيره، فيقوي يقينهم بمشاهدة المعجزات، ويخبرون من وراءهم بها، "فقاموا، فدخل الحائط" البستان، "والجمل في ناحية" جانب منه، "فمشى رسول الله ﷺ نحوه، فقالت الأنصار: يا رسول الله! قد صار مثل الكلب، بفتح، فسكون: الحيوان المعروف, "الكَلِب" بفتح، فكسر، أي: العقور الذي أصابه داء، كالجنون من أكل لحم الإنسان ونحوه، "وإنا نخاف عليك صولته" سطوته ووثوبه، "فقال رسول الله ﷺ : "ليس علي منه بأس" شدة وضرر لمنع الله له ذلك، "فلمَّا نظر الجمل إلى رسول الله ﷺ أقبل نحوه حتى خَرّ ساجدًا", أي: واضعًا مشفره بالأرض، باركًا "بين يديه" كما في رواية, وهي مبينة لسجوده؛ إذ السجود الحقيقي لا يتأتَّى من الجمل، "فأخذ رسول الله ﷺ بناصيته، أذلَّ" حال من الضمير المضاف لناصيته، مأخوذ من الذل -بالكسر، الانقياد لا بضمها الذي هو ضد العز، "ما كان قط" أي: حالة كونه منقادًا انقيادًا لم يسبق له مثله في زمن من الأزمنة الماضية، واستعمال قط غير مسبوقة بنفي أثبتها ابن مالك في الشواهد، قال: وهي مما خفي على كثير من النحاة لمجيئها بعد المثبت في مواضع من البخاري، منها: في الكسوف أطول صلاة صليتها قط، وفي أبي داود: توضأ ثلاثًا قط، وفي حديث حارثة بن وهب: صلَّى بنا النبي -صلى الله عليه وسلمстр. 3091
حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله، هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك, ونحن نعقل فنحن أحق بالسجود لك، فقال رسول الله ﷺ : "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظيم حقه عليها"، رواه أحمد والنسائي بإسناد جيد.
والحائط: هو البستان.
وقوله: نسني -بالنون والسين المهملة- أي: نسقي عليه.
الحواشي
(١) ونحن أكثر ما كنَّا قط، وفي حديث جابر: "ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها إلّا جاءت يوم القيامة أكبر ما كانت قط" , وفي حديث سمرة في صلاة الكسوف: فقام بنا كأطول ما قام بنا في صلاة، ثم ركع كأطول ما ركع بنا في صلاة قط، ثم سجد بنا كأطول ما سجد بنا في صلاة قط. ففي هذه الأحاديث استعمال قط غير مسبوقة بنفي، "حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه: يا رسول الله! هذه" أنت والجمل مذكر، مراعاة للخبر، وهو "بهيمة لا تعقل" صفة كاشفة، ففي القاموس: البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حي لا يميز، والمراد الثاني، "تسجد لك، ونحن نعقل، فنحن أحق بالسجود لك" منها، فقال رسول الله ﷺ : "لا يصلح لبشر أن يسجد لبشر" إنما يسجد لله، "لو صلح لبشر أن يسجد لبشر، لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها".
قال ابن العربي: فيه تعظيم وهو جائز، فقد سجدت الملائكة لآدم، وأخبر المصطفى أنه لا يكون، ولو كان لجعل للمرأة في آداب حق الزوج، وقال غيره فيه: إن السجود لمخلوق لا يجوز، وسجود الملائكة خضوع وتواضع له من أجل علم الأسماء التي علمها الله له وإنبائهم بها، فسجودهم إنما هو ائتمام به، لأنه خليفة الله، لا سجود عبادة, إن الله لا يأمر بالفحشاء.
"رواه أحمد والنسائي، بإسناد جيد"، رواته ثقات مشهورون، كما قاله المنذري وبقيته عندهما: "والذي نفسي بيده, لو كان من قدمه إلى مفرق رأسه يتبجّس بالقيح والصديد، ثم استقبلته تلحسه, ما أدت حقه" , ويتبجس -بفتح التحتية، والفوقية، والموحدة، والجيم الثقيلة، فسين مهملة: يتفجر، وفيه تأكيد حق الزوج، وحث على ما يجب من بره، ووفاء عهده، والقيام بحقه، "ولهن على الأزواج ما للرجال عليهن"، قاله بعض، "والحائط هو البستان" أي: المراد به ذلك تجوز، أو أصله اسم فاعل من حاطه، إذا أحاط به ودار عليه، ثم نقل للبستان نفسه الذي فيه الشجر والنخل، "وقوله: نسني بالنون والسين المهملة، أي: نسقي عليه" بيان المراد من هذه الصيغة، وقضيته أن ألفه منقلبة عن ياء، ومقتضى الصحاح، والنهاية والقاموس أنه واوي، كما مَرَّ، فقياسه نسنو، أو هما لغتان، حكاهما ابن مالك.стр. 3092
وفي حديث يعلي بن مرة الثقفي: بينما نحن نسير مع النبي ﷺ ؛ إذ مررنا ببعير يسنى عليه، فلمَّا رآه البعير جرجر، فوضع جرانه، فوقف عليه النبي ﷺ فقال: أين صاحب هذا البعير، فجاءه، فقال: "بعنيه"، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال: "أما إذ ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرة العمل، وقلة العلف، فأحسنوا إليه"، رواه البغوي في شرح السنة.
والجران -بكسر الجيم، قال ابن فارس: مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره.
وروى الإمام أحمد قصة أخرى نحو ما تقدَّم من حديث جابر ضعيفة السند، والبيهقي بإسناد جيد.
الحواشي
(١) "وفي حديث يعلى بن مرة الثقفي" تقدَّم التعريف به قريبًا: "بينما نحن نسير مع النبي ﷺ " في سفر، "إذ مررنا ببعير يسنى" بضم أوله، مبني للمجهول يسقى "عليه، فلمَّا رآه البعير جرجر"، بجيمين وراءين بلا نقط، أي: صوّت كثيرًا بشدة، وردَّد ذلك، لكن بالصوت المعتاد للإبل على المتبادر، ويكون وجه المعجزة قوله: "فوضع جرانه" بالكسرة مقدم عنقه، كما يأتي عند رؤيته ﷺ ، فهذا من طاعة الحيوان مع فهمه ﵇ من جرجرته شكواه، "فوقف عليه النبي ﷺ " من مزيد لطفه وشفقته على خلق الله، "فقال: "أين صاحب هذا البعير؟ " فجاءه، فقال: "بعنيه" فقال: بل نهبه لك يا رسول الله ﷺ " بلا عوض، "وإنه لأهل بيت ما لهم معيشة غيره، فقال: "أما إذا ذكرت هذا من أمره" فلا أقبله بشراء ولا هبة، فحذف جواب.
أما وقوله: "فإنه" ليس جوابها لعدم ترتبه عليه، فهو علة لمقدر رأى وطلبت شراءه، فإنه "شكا" بجرجرته فهم ذلك منها، أمر خارق أظهره الله له تعظيمًا وإجلالًا، قاله شيخنا.
وقال غيره: الظاهر أن شكايته بنطق فهي معجزة، "كثرة العمل وقلة العلف" بفتحتين، بمعنى المعلوف من قوت الدواب من حبوب وغيرها، "فأحسنوا إليه" بقلة العمل وكثرة العلف، "رواه البغوي" المتأخر "في شرح السنة" وتقدَّم بعض ترجمته، وقد روى حديث يعلى أحمد، والحاكم، والبيهقي بسند صحيح، والجران -بكسر الجيم، بعدها راء، فألف، فنون: "قال ابن فارس: مقدم عنق البعير من مذبحه" أي: محله لو ذبح, وهو ما تحت الحنك من الحلق, "إلى منحره" أي: لبته، وهي أصل العنق، "وروى الإمام أحمد قصة أخرى نحو ما تقدَّم" عن يعلى "من حديث ضعيفة السند، و" لكن رواها "البيهقي" في الدلائل"بإسناد جيد"؛ لأنстр. 3093
وكذا روى الطبراني قصة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس: لكن بإسناد ضعيف، والإمام أحمد أيضًا من حديث يعلى بن مرة.
الحواشي
(١) رجاله ثقات، وكذا رواها الدارمي، والبزار، واللفظ للبيهقي عن جابر: أن جملًا جاء إلى رسول الله ﷺ ، فلما كان قريبًا منه، خَرَّ الجمل ساجدًا, فقال ﷺ : "يا أيها الناس! من صاحب هذا الجمل؟ " فقال فتية من الأنصار: هو لنا، قال: "فما شأنه؟ " قالوا: سنونا عليه عشرين سنة، فلمَّا كبر سِنّه أردنا نحره، فقال ﷺ : "تبيعونه؟ " قالوا: هو لك يا رسول الله، فقال: "أحسنوا إليه حتى يأتي أجله" فقالوا: يا رسول الله! نحن أحق أن نسجد لك من البهائم، فقال: "لا ينبغي لبشر أن يسجد لبشر، ولو كان النساء لأزواجهن".
وقد روى ذلك أيضًا أحمد في حديث طويل عن يعلى بن مرة، قال فيه: وكنت معه، يعني: النبي ﷺ ، جالسًا ذات يوم؛ إذ جاء جمل حتى ضرب بجرانه بين يديه، ثم ذرفت عيناه، فقال: "ويحك أنظر لمن هذا الجمل, إن له لشأنًا" فخرجت ألتمس صاحبه، فوجدته لرجل من الأنصار، فدعوته إليه، فقال: "ما شأن جملك هذا؟ " , قال: لا أدري والله ما شأنه، عملنا عليه، ونضحنا عليه حتى عجز عن السقاية، فأتمرنا البارحة أن ننحره ونقسم لحمه، قال: "لا تفعل هبه لي أو بعنيه" قال: بل هو لك يا رسول الله، فوسمه بميسم الصدقة، ثم بعث به، قال المنذري: وإسناده جيد.
قال: وفي رواية لأحمد أيضًا نحوه, لكنه قال فيه: إنه قال لصاحب البعير: "ما لبعيرك يشكوك، زعم أنك شنأته حين كبر، تريد أن تنحره" , قال: صدقت والذي بعثك بالحق لا أفعل.
"وكذا روى الطبراني قصة أخرى عن عكرمة عن ابن عباس، لكن بإسناد ضعيف:" أن رجلًا من الأنصار كان له فحلان، فاغتلما، فأدخلهما حائط، فسد عليهما الباب، ثم جاء رسول الله ﷺ ، فأراد أن يدعو له, والنبي ﷺ قاعد معه نفر من الأنصار، فقال: يا رسول الله! إني جئت في حاجة، وإنه كان فحلان لي اغتلما، وإني أدخلتهما حائطًا، وسددت عليهما الباب، فأحب أن تدعو لي أن يسخرهما الله ، فقال ﷺ لأصحابه: "قوموا معنا"، ذهب حتى أتى الباب، فقال: "افتح" , فشفق الرجل على رسول الله، فقال: "افتح" ففتح، فإذا أحد الفحلين قريبًا من الباب، فلمَّا رأى رسول الله ﷺ سجد له، فقال ﷺ : "ائتني بشيء أشد به رأسه وأمكنك به" فجاء بخطام فشد رأسه وأمكنه منه، ثم مشى إلى أقصى الحائط إلى الفحل الآخر، فلمَّا رآه وقع له ساجدًا، فقال للرجل: "ائتني بشيء أشد به رأسه"، فشد رأسه وأمكنه منه، وقال: "اذهب فإنهما لا يعصيانك" , ورواها "الإمام أحمد أيضًا من حديث يعلى بن مرة" الثقفي.стр. 3094
وأخرج ابن شاهين في الدلائل عن عبد الله بن جعفر ﵄ قال: أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه, فأسَرَّ إليَّ حديثًا لا أحدّث به أحدًا من الناس، قال: وكان أحب ما استتر به النبي ﷺ لحاجته هدف أو حائش نخل، فدخل حائط رجل من الأنصار، فإذا جمل, فلمَّا رأى الجمل النبي ﷺ حنَّ فذرفت عيناه، فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه، وفي رواية فسكن، ثم قال: "مَنْ رَبُّ هذا الجمل؟ لمن هذا الجمل؟ " فجاء فتى من الأنصار فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: "ألا تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي أنك تجيعه وتدئبه"، قال في المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن موسى بن إسماعيل......................
الحواشي
(١) وأخرج ابن شاهين في الدلائل" ومن قبله الإمام أحمد، "عن عبد الله بن جعفر" الصحابي، ابن الصحابي "﵄، قال: "أردفني رسول الله ﷺ ذات يوم خلفه، فأسرَّ إليَّ حديثًا لا أحدث به أحدًا من الناس"؛ لكونه أسرَّه إليه، ففهم نهيه عن إفشائه، "قال: وكان أحبَّ ما استتر به النبي ﷺ لحاجته" عند قضائها "هدف" بفتحتين كل شيء عظيم مرتفع على الأرض من بناء ونحوه، "أو حائش نخل،" بمهملة وهمزة وشين معجمة، "فدخل حائط رجل من الأنصار" لحاجته، ولا يرد كيف فعل ذلك بغير إذنه، وهو أيضًا قد نهى عن البول تحت الشجرة التي من شأنها أن تثمر، لأنه علم من الرجل السرور بذلك، فضلًا عن الرضا، ومحل النهي ما لم يغلب على الظنّ حصول ما يزيل أثر الحاجة على أنّ فضلاته ظاهرة، وكانت الأرض تبتلع ما يخرج منه، كما مَرَّ، "فإذا جمل، فلمَّا رأى الجمل النبي ﷺ حنَّ، فذرفت، بفتحات من باب ضرب "عيناه" أي: سال دمعهما، "فأتاه النبي ﷺ فمسح ذفراه" بالألف مقصور.
"وفي رواية: فسكن" ما به، "ثم قال: "من رَبُّ هذا الجمل، لمن هذا الجمل"؟ أعاده بمعناه للتأكيد، "فجاء فتًى من الأنصار، فقال: هو لي يا رسول الله، فقال: "ألا" بالفتح والتخفيف "تتقي الله في هذه البهيمة التي ملكك الله إياها، فإنه شكا إلي" بالنطق، أو بفهمه من فعله المذكور، وكل معجزة "أنك تجيعه وتدئبه" بضم التاء، وسكون الدال، وكسر الهمزة، وموحدة: تتعبه بكثرة العمل.
"قال" البغوي "في المصابيح: وهو حديث صحيح، قال: ورواه أبو داود عن" شيخه "موسى بن إسماعيل" المنقري -بكسر الميم، وسكون النون، وفتح القاف- التبوذكي، بفتحстр. 3095
عن مهدي بن ميمون.
والحائش -بالحاء المهملة والشين المعجمة ممدودًا: هو جماعة النخل، لا واحد له من لفظه.
وقوله: ذفراه تأنيث ذفر، بكسر الذال المعجمة مقصور، وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير عند أذنه.
ومنها: سجود الغنم له ﷺ ، عن أنس بن مالك قال: دخل رسول الله ﷺ حائطًا لأنصاري ومعه أبو بكر وعمر ورجل من الأنصار، وفي الحائط غنم فسجدت له، فقال أبو بكر: يا رسول الله، نحن أحقّ بالسجود لك من الغنم، فقال رسول الله ﷺ لا ينبغي لأحد بأن يسجد لأحد. ...............................
الحواشي
(١) الفوقية, وضمّ الموحدة، وسكون الواو، وفتح المعجمة، ثقة، ثبت، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، "عن مهدي بن ميمون" الأزدي البصري، ثقة، روى له الجميع، مات سنة اثنتين وسبعين ومائة، "والحائش -بالحاء المهملة، والشين المعجمة، ممدودًا: هو جماعة النخل، أي: النخل المجتمع، لا واحد له من لفظه، وقوله: ذفراه تأنيث ذفر -بكسر الدال المعجمة, مقصور، هكذا في نسخ وهي ظاهرة.
وفي النهاية: الفذري مؤنثة، وألفها للتأنيث أو للإلحاق، وفي نسخة: تثنية ذفري، وفيه: إن ذفرى لايصح جعلها مفردًا مثنى، لاتحاد صورة المثنى والمفرد، فإنما تثنيته ذفريان بالألف رفعًا، وذفريين بالياء نصبًا وجرًّا، والحديث بلفظ ذفراه بالألف, إلّا على لغة من يلزم المثنى الألف في أحواله، وفي نسخة تثنية ذفر بلا ألف، ويصح مع قوله مقصور، وآن: رجع لقوله ذفراه، أشكل يجعل مفرده مذكرًا, وبما في القاموس والنهاية إنه مؤنف، "وهو الموضع الذي يعرق من قفا البعير عند أذنه", وفي القاموس: الذفري، بالكسر من جميع الحيوانات، من لدن القدم إلى نصف القذال، أو العظم الشاخص خلف الأذن، جمعه ذفريات وذفاري، "ومنها سجود الغنم له ﷺ ، عن أنس بن مالك، قال: دخل رسول الله ﷺ حائطًا" بستانًا "لأنصاري" لم يسمّ، ومعه أبو بكر، وعمر، ورجل من الأنصار" لم يسمّ, ويحتمل أنه أنس، أَبْهَمَ نفسه لغرض صحيح، وفي الحائط غنم، فسجدت له" تعظيمًا لما شاهدت نور نبوته، وألهمها الله معرفته، "فقال أبو بكر: يا رسول الله! نحن أحق بالسجود لك من الغنم، فقال رسول الله ﷺ : "لا ينبغي" لا يجوز "لأحد أن يسجد لأحد" عبَّر به المخصوص بالنفي، ليشمل الواد وغيره، ويختصстр. 3096
رواه أبو محمد عبد الله بن حامد الفقيه في كتاب دلائل النبوة له بإسناد ضعيف. وذكره القاضي عياض في الشفاء, وذكر أيضًا عن جابر بن عبد الله عن رجل أتى النبي ﷺ وآمن به وهو على بعض حصون خيبر، وكان في غنم يرعاها لهم، فقال: يا رسول الله، كيف لي بالغنم، قال: "احصب وجوهها, فإن الله سيؤدي عنك أمانتك, ويردها إلى أهلها"، ففعل فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها.
الحواشي
(١) بالعقلاء، فيه إشارة إلى أنَّ الغنم ونحوها لا يمتنع سجودها تعظيمًا، "رواه أبو محمد، عبد الله بن حامد الفقيه في كتاب دلائل النبوة له، بإسناد ضعيف", وأبعده المصنف النجعة, فقد رواه أحمد والبزار "وذكره القاضي عياض في الشفاء" بدون عزو, بل قال: وعن أنس فذكره، "وذكر بالبناء للفاعل، أي: عياض "أيضًا" بلا إسناد، وقد رواه البيهقي "عن جابر بن عبد الله، عن" قصة "رجل" وليس المراد أنه يروي عنه، وهو أسلم الحبشي، كذا سماه ابن عبد البر، واعترضه ابن الأثير، بأنه ليس في شيء من السياقات أن اسمه أسلم، قال في الإصابة: وهو اعتراض متجه، وقد سماه أبو نعيم يسارًا -بتحتية وسين مهملة- الحبشي.
وقال الرشاطي في الأنساب: أسلم الحبشي يوم خيبر، وقاتل، وقتل، وما صلى لله صلاة، فقال ﷺ : "إن معه الآن زوجة من الحور العين" انتهى، "أتى النبي ﷺ وآمن به، "وهو" أي: النبي لا الرجل، كما زعم "على بعض حصون خيبر" جمع حصن: القلعة التي يتحَصَّن بها لا القصر، كما زعم، "وكان" الرجل في غنمٍ يرعاها لهم" أي: لأهل خيبر, ولظرفية بمعنى المعية، أو مجازية، نحو: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ فقال: يا رسول الله! كيف لي بالغنم، أي: ما أفعل بها إذا أسلمت، وهي في ملك غيري، وأنا أجيز، فإن رددتها خشيت على نفسي لإسلامي، وإن مكثت معك ضاعت، فأرشده إلى ما يدفع خوفه؛ إذ "قال: "أحصب وجوهها" بمهملتين: ارمها بالحصباء، وهي صغار الحصا، والصاد مكسورة من باب ضرب، وضمّها من باب قتل، "فإن الله سيؤدي عنك أمانتك" يوصلها "ويردها إلى أهلها" أصحابها المالكين لها, فتخرج أنت عن عهدي ضمانها "ففعل" ما أمره به "فسارت كل شاة حتى دخلت إلى أهلها", معجزة له ﷺ ، فهذا من طاعة الحيوان له، وإنما فعل هذا؛ لأنه كان مستأمنًا بيده أمانة لأهل خيبر، فلذا ردَّها ﷺ لأصحابها مع ما فيه من تطمين قلبه بخروجه عن عهدتها، ولذا لم يجعلها فيئًا، مع علمه أنها تكون كذلك بعد الفتح، وبقية هذا الحديث عند البيهقي، أنه شهد القتال فقتل، أصابه حجر، أو سهم، ولم يصل صلاة قط، فأخبر ﷺ أنه رأى عنده حوريتين.стр. 3097
كلام الذئب وشهادته له " ﷺ " بالرسالة:
ومنها: قصة كلام الذئب وشهادته له ﷺ بالرسالة.
اعلم أنه قد جاء حديث قصة كلام الذئب في عدة طرق من حديث أبي هريرة وأنس وابن عمر وأبي سعيد الخدري.
فأما حديث أبي سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد, ولفظه قال: عدا الذئب على شاة فأخذها، فطلبه الراعي فانتزعها منه, فأقعى الذئب على ذنب وقال: ألا تتقي الله؟ تنزع مني رزقًا ساقه الله إلي، فقال الراعي: يا عجبًا، ذئب مقع على ذنبه يكلمني بكلام الإنس، فقال الذئب: ألا أخبرك بأعجب من ذلك: محمد.......................................
الحواشي
(١) كلام الذئب وشهادته له " ﷺ " بالرسالة:
"ومنها: قصة كلام الذئب" إضافة بيانية؛ إذ المراد معجزة الكلام، لا القصة، وعبَّر بقصة دون سابقة، نظرًا لقولهم قصة الجمل مثلًا، وأل في الذئب جنسية لتعدد القصة، بدليل روايتي أبي هريرة وكلامه، وإن كان لغيره، لكن إقراره به معجزة، "وشهادته" بالجر، عطف على كلام "له ﷺ بالرسالة".
"اعلم: إنه قد جاء حديث قصة كلام الذئب في عدة طرق من حديث أبي هريرة، وأنس، وابن عمر" بن الخطاب "وأبي سعيد الخدري" المتبادر تعدد الطرق عن كل واحد من الأربعة، وليس بمراد، "فأمَّا حديث أبي سعيد، فرواه الإمام أحمد بإسناد جيد،" أي: مقبول، وكذا رواه الترمذي، والحكم، وصححاه.
"ولفظه: قال" أبو سعيد, لما ثبت ذلك عنده، وتحققه، وإن لم يحضره، فكان كالمشاهد له: عدا" هجم "الذئب على شاة، فأخذها" بغير اختيار صاحبها", فشابه الظالم المتجاوز الحد فعبَّر بعدا", وفي لفظ: عرض الذئب لشاة، "فطلبه الراعي" سعى خلفه حتى أدركه، وفي القاموس: طلبه طلبًا محركة، حاول وجوده وأخذه, فكأنه استعمل الطلب في محاولة الوجود، ومع ذلك فيه حذف، والتقدير: حاول وجوده حتى أدركه، "فانتزعها منه، فأقعى الذئب" ألصق ألييه بالأرض، ونصب ساقية, وتساند إلى ظهره، كما في الصحاح وغيره، فقوله: "على ذنبه" ليس صلة أقعى؛ لأن ليس من مسماه، فهو متعلق بمقدَّر، أي: واعتمد على ذنبه، أي: جعله بين رجليه، كما يفعل الكلب، ويفيد هذا ما يأتي في تفسير الاستنفار.
"وقال" للراعي: "ألا" حرف استفتاح "تتقي الله" تخافه وتحذره، "تنزع مني رزقًا" وفي رواية: حلت بيني وبين رزق "ساقه الله إلي", سخَّره لي بأن مكَّنَني منه، "فقال الراعي: يا عجبًا! ذئب مقع على ذنبه، يكلمني بكلام الإنسان، وفي رواية: البشر، وهما بمعنى, تعجب منه؛ إذ ليس شأنه، "فقال الذئب" مجيبًا له، زاد في رواية: أتعجب مني؟ قال: كيف لا أعجب من ذئب مستوفز ذنبه يتكلم، فقال الذئب: والله إنك لتترك أعجب من هذا، "ألا أخبرك بأعجبстр. 3098
بيثرب يخبر الناس بأنباء ما قد سبق. قال: فأقبل الراعي يسوق غنمه حتى دخل المدينة، فزواها إلى زاوية من زواياها، ثم أتى ﷺ فأخبره، فأمر رسول الله ﷺ , فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج فقال للأعرابي: "أخبرهم" فأخبرهم.
الحواشي
(١) من ذلك" وفي رواية: أنا أخبرك بأعجب من كلامي، قال: وماذا أعجب؟ قال: "محمد بيثرب" اسم المدينة المنورة قديمًا، وصحَّ النهي عن تسميتها به، "يخبر الناس بأنباء ما قد سبق" من الأمم السابقة وأحوالهم, وعَبَّر عن الأمم بما ليشمل ما وقع لغير العقلاء، كانفلاق البحر، وناقة صالحة، وإنما كان أعجب؛ لأن الإخبار بالغيب معجز، فهو أعجب من نطق حيوان، أنطقه من أنطق كل شيء، لكن ليس العجب واقعًا على مجرَّد إخباره بذلك، بل على جحدهم وتكذيبهم له, مع ظهور الآيات البينات على يديه، كما جاء في بعض طرق الحديث، مما ساقه في الشفاء وغيره، فقال: ألا أخبرك بأعجب من كلامي, رسول الله في النخلات بين الحجرتين يحدّث الناس عن نبأ سبق وما يكون بعد ذلك؟ وفي لفظ: يدعو الناس إلى الهدى وإلى الحق وهم يكذبونه، "قال" أبو سعيد: "فأقبل الراعي يسوق غنمه" المملوكة، ففي رواية: كان يرعى غنمًا له، "حتى دخل المدينة فزواها،" براي منقوطة "إلى زاوية من زواياها" أي: المدينة، "ثم أتى ﷺ ، فأخبره", وقد اختلف في اسم مكلِّم الذئب المذكور، فقيل: أهبان بن أوس، وقيل: سلمة بن الأكوع، وأنه صاحب هذه القصة، وكانت سبب إسلامه، وقيل: أهبان بن الأكوع عن سلمة، وقيل: أهبان بن الأكوع بن عبّاد الخزاعي، وقيل: رافع بن ربيعة، وقيل: أهبان بن صيفي، وقيل: رافع بن عميرة الطائي، فإن كانت القصة تعدَّدت، فلا خلف، قال ابن عبد البر وغيره: كلّم الذئب ثلاثة من الصحابة: رافع بن عميرة، وسلمة بن الأكوع، وأهبان بن أوس، وروى البخاري في تاريخه، وأبو نعيم في الدلائل، عن أهبان بن أوس قال: كنت في غنم لي، فشدَّ الذئب على شاة منها، فصحت عليه، فأقعى الذئب على ذنبه يخاطبني، وقال: من لها يوم تشتغل عنها، تمنعني رزقًا رزقنيه الله تعالى، فصفقت بيدي وقلت: والله ما رأيت شيئًا أعجب من هذا، فقال: أعجب من هذا رسول الله بين هذه الخلات، يدعو إلى الله، فأتيت إليه وأخبرته وأسلمت، قال البخاري: إسناده ليس بالقوي، قال الحافظ: لأن فيه عبد الله بن عامر الأسلمي، وهو ضعيف.
"فأمر رسول الله ﷺ , فنودي بالصلاة جامعة،" بنصبهما على الحكاية، والأول إغراء، والثاني حال، ويجوز رفعهما على الابتداء والخبر، ونصب الأول، ورفع الثاني, وعكسه, قاله السيوطي وغيره في قول البخاري: باب النداء بالصلاة جامعة، ثم خرج من المحل الذي كان فيه حين أخبره الراعي، "فقال للأعرابي: "أخبرهم" بما شاهدته ليسرّوا ويزداد إيمانهم "فأخبرهم", وقضية سياقه أن الأمر بذلك كان عقب إخباره وليس بمراد، فالفاء للتعقيب مع التراخي كتزوج،стр. 3099
وأما حديث ابن عمر فأخرجه أبو سعد الماليني والبيهقي, وأما حديث أنس فأخرجه أبو نعيم في الدلائل، وأما حديث أبي هريرة فرواه سعيد بن منصور في سننه قال: جاء الذئب فأقعى بين يدي النبي ﷺ , وجعل يبصبص بذنبه، فقال ﷺ : "هذا وافد الذئاب جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئًا" , قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرًا ورماه به، فأدبر الذئب وله عواء، فقال ﷺ : "الذئب وما الذئب".
الحواشي
(١) فولد له، ففي حديث أبي هريرة عند أحمد، فقال له ﷺ : "إذا صليت الصبح معنا، فأخبر الناس بما رأيت" , فلما أصبح الرجل وصلى الصبح، أمر ﷺ فنودي بالصلاة جامعة، ثم خرج، فقال للأعرابي: "أخبرهم" فأخبرهم، فقال ﷺ : "صدق، والذي نفسي بيده, لا تقوم الساعة حتى يخرج، أي: الرجل من أهله فيخبره نعله، أو سوطه، أو عصاه بما أحدث أهله من بعده".
"وأمَّا حديث ابن عمر، فأخرجه أبو سعد" بفتح، فسكون، الحافظ، العالم الزاهد, أحمد بن محمد بن أحمد بن عبد الل بن حفص الأنصاري الهروي، "الماليني" -بفتح الميم وكسر اللام وسكون التحتية، ونون- نسبة إلى مالين من أعمال هراة، سمع ابن عدي، والإسماعيلي، وابن نجيد، وأبا الشيخ وغيرهم، وعن الخطيب، والبيهقي وخلق، وكان ثقة متقنًا، من كبار الصوفية، مات بمصر يوم الثلاثاء، سابع عشر شوال، سنة اثنتي عشرة وأربعمائة، "والبيهقي" في الدلائل بنحوه.
"وأمَّا حديث أنس، فأخرجه أبو نعيم في الدلائل" النبوية بنحوه، "وأمَّا حديث أبي هريرة" وهو مروي على وجهين، أحدهما موافق لحديث أبي سعيد، وهو ما ذكره المصنف بعد بقوله: وروى البغوي...... إلخ، والثاني: قصة أخرى وقعت للذئب مع النبي ﷺ ، وهو ما ذكره بقوله: "فرواه سعيد بن منصور" بن شعبة، أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة، مصنف حافظ، مات سنة سبع وعشرين ومائتين، وقيل بعدها "في سننه".
"قال" أبو هريرة: "جاء الذئب، فأقعى بين يدي النبي ﷺ ، وجعل يبصبص بذنبه،" أي: يحركه، يقال: بصبص الكلب بذنبه إذا حركه، كما في القاموس، "فقال ﷺ : "هذا وافد الذئاب، جاء يسألكم أن تجعلوا له من أموالكم شيئًا" لعله خاطبه بذلك أو أوحى إليه بالمعنى الذي جاء له الذئب أو أعلمه الله، بأنه يريد بتحريك ذنبه ذلك، "قالوا: والله لا نفعل، وأخذ رجل من القوم حجرًا ورماه به" خشية الحاجة، فيضَّجر المصطفى فبادر إلى صرفه عنه، أو خشي أن يأمرهم بشيء للذئاب، فلا يستطيعون "فأدبر الذئب وله عواء" بالضمِّ والمد، أي: صياح، "فقال ﷺ : "الذئب" خبر مبتدأ محذوف، أي: هذا الذئب قد رأيتموه, "وما الذئب" استفهام تفخيم لأمره، وأصله وما حاله، فوضع الظاهر موضع المضمر؛ لأنه أقوى في التفخيم على نحو: ﴿الْحَاقَّةُ, مَا الْحَاقَّةُ﴾ .стр. 3100
وروى البغوي في شرح السنَّة وأحمد وأبو نعيم بسند صحيح عن أبي هريرة أيضًا قال: جاء ذئب إلى راعي غنم فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلٍّ واستثفر, وقال: عمدت إلى رزق رزقنيه الله أخذته انتزعته مني, فقال الرجل: تالله إن رأيت كاليوم ذئب يتكلم، فقال الذئب: أعجب من هذا رجل في النخلات بين الحرتين يخبركم بما مضى وما هو كائن بعدكم، ولا تتبعونه، قال: وكان الرجل يهوديًّا، فجاء إلى النبي ﷺ , فأخبره وأسلم, فصدَّقه النبي ثم قال ﷺ : "إنها أمارات بيني يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعد".
قال القاضي عياض في الشفاء وفي بعض الطرق عن أبي هريرة: قال الذئب: أنت أعجب مني ,واقفًا على غنمك وتركت نبيًّا................................................
الحواشي
(١) "وروى البغوي في شرح السنة، وأحمد، والبزار، والبيهقي، "وأبو نعيم، بسند صحيح، عن أبي هريرة أيضًا، قال: جاء ذئب إلى راعي الغنم، فأخذ منها شاة، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئب على تلٍّ -بفوقية، ولام ثقيلة، معروف يجمع على تلال مثل سهم وسهام، "واستثفر" بإسكان المهملة والمثلثة بينهما فوقية مفتوحة ثم فاء، "وقال: عمدت" تصدت وزنًا ومعنًى، "إلى رزق رزقنيه الله" مكَّنَني منه، "أخذته" أنا، "انتزعته" أنت "مني", فقال الرجل: تالله" قسم "إن" نافية، أي: ما "رأيت كاليوم" الكاف بمعنى مثل, أي: ما رأيت هذا اليوم "ذئب" بالرفع جواب سؤال مقدر، كأنه قيل له: وما رأيت؟ فقال: الذي رأيت ذئب، وفي نسخ بالنصب، أي فقال: رأيت ذئبًا يتكلم" بكلام الإنس، "فقال الذئب: أعجب من هذا" أي: كلامي، "رجل في النخلات بين الحرتين" بفتح المهملة وشد الراء وتاء التأنيث- حرة وهي ثنية مرتفعة ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار، "يخبركم بما مضى" من أخبار الأمم، "وما هو كائن بعدكم ولا تتبعونه، قال: وكان الرجل يهوديًّا، فجاء إلى النبي ﷺ فأخبره، وأسلم، فصدقه النبي ﷺ ، ثم قال ﷺ مشيرًا إلى ترك استغراب مثل ذلك: "إنها أمارات بين يدي الساعة، قد أوشك الرجل أن يخرج" من أهله "فلا يرجع حتى يحدثه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعد" بالضم، أي: بعد خروجه.
"قال القاضي عياض في الشفاء: وفي بعض الطرق" بضمتين جمع طريق، مجاز عن الروايات "عن أبي هريرة" قال الذئب" للراعي: أنت" أي: حالك "أعجب مني" من حالي في حال كونك "واقفًا على غنمك" أي: راعيًا وحافظًا لها، وقد تركت نبيًّا، فالجملة حاليةстр. 3101
لم يبعث الله قط أعظم منه عنده قدرًا، وقد فتحت له أبواب الجنة وأشرف على أصحابه ينظرون قتالهم, وما بينك وبينه إلّا هذا الشِّعْب، فتصير في جنود الله. قال الراعي: من لي بغنمي؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلم الرجل إليه غنمه ومضى، فذكر قصته وإسلامه ووجوده النبي ﷺ يقاتل، فقال له النبي ﷺ : "عد إلى غنمك تجدها بوفرها، فوجدها كذلك، وذبح للذئب شاة منها".
واستنفر -بالسين والمثناة ثم المثلثة فاء وآخره راء- كاستفعل، أي: جعل ذنبه بين رجليه كما يفعل الكلب.
وقد روى ابن وهب مثل.......................................................
الحواشي
(١) بتقدير قد، "لم يبعث الله" نبيًّا "قط" من أنبيائه السابقة "أعظم، أجَلّ منه عنده قدرًا" منزلة، تمييز نسبة، "وقد فتحت" بالتخفيف والتشديد "له أبواب الجنة" جملة حالية أيضًا، "وأشرف على أصحابه، ينظرون قتالهم" وهم واقفون فيه صفوفًا كصفوف الملائكة، وفيه أنَّ الفتح حقيقي لا مجاز عن التهيئة، والإعداد كما زعم، "وما بينك وبينه إلّا هذا الشِّعْب" بكسر المعجمة، وسكون المهملة وموحدة، وهو: ما انفرج بين جبلين، يعني أنه قريب منك، لا عذر لك في التخلف عنه، فيجب عليك الذهاب إليه، "فتصير" معدودًا "في جنود الله،" حزبه المفلحين، فتخلفك مع هذا أعجب من نطقي الذي تعجبت منه.
"قال الراعي: من" يتكفَّل لي بغنمي" يحفظها أو من يرعاها لي، فمن استفهامية, حتى أذهب إليه وأجيء" قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع" إليها من عنده, "فأسلم الرجل" الراعي إليه إلى الذئب غنمه، ومضى إليه ﷺ , فذكر له قصته مع الذئب وما كلَّمه به، "وإسلامه" الغنم له، "ووجوده النبي ﷺ يقاتل" كما قاله الذئب، "فقال له النبي ﷺ " بعدما قصَّ عليه وأسلم: "عد إلى غنمك تجدها بوفرها" -بفتح الواو وسكون الفاء- بتمامها وكمالها لم ينقص منها شيء من قولهم، أرض وافرة لم يرع نباتها, كذا فسروه وكأنه مراد, وإلا فالوفر الإتمام لا الالتمام، والذي بمعناه الوفور، كما في المصباح وغيره، فعاد إليها، فوجدها كذلك" تامَّة لم ينقص منها شيء وذبح للذئب شاة منها" جزاءً له على صنيعه وإرشاده للهدى.
واستثفر بالسين" المهملة" والمثناة الفوقية، "ثم المثلثة" تليها "فاء وآخره راء كاستفعل، أي: بزنته أي جعل ذنبه بين رجليه، كما يفعل الكلب" بيان للمراد باستثفار الذئب، وإن أطلق الاستثفار على معان آخر في اللغة، ثم قال عياض: "وقد روى ابن وهب مثلстр. 3102
هذا أنه جرى لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجداه أخذ ظبيًا، فدخل الظبي الحرم, فانصرف الذئب عنه, فعجبا من ذلك, فقال الذئب: أعجب من ذلك محمد بن عبد الله بالمدينة يدعوكم إلى الجنة وتدعونه إلى النار، فقال أبو سفيان: واللات والعزّى، لئن ذكرت هذا بمكة لتتركنّها خلوفًا - بضم الخاء المعجمة, أي: فاسدة متغيّرة، يعني: يقع الفساد والتغيّر في أهلها.
الحواشي
(١) هذا" المذكور من كلام الذئب، "أنه جرى لأبي سفيان بن حرب" بدل من مثل هذا، "وصفوان بن أمية" قبل إسلامهما "مع ذئب وجداه أخذ ظبيًا" أي: أراد أخذه، فجرى خلفه من الحل ليأخذه, بقرينة قوله: "فدخل الظبي الحرم، فانصرف الذئب عنه؛ لأنه في الحرم المحرم صيده، أو أنه انفلت منه بعد أخذه، "فعجبا من ذلك" أي: من كون الذئب عرف حرمة الحرم، وكفَّ عن صيد أمكنه، وليس من العقلاء، "فقال الذئب" لما سمع تعجبهما، أو علمه من حالهما، "أعجب من ذلك" الفعل الواقع مني، "محمد بن عبد الله" كائن "بالمدينة يدعوكم إلى الجنة" بدعائه إلى الإسلام المقتضي لدخولها، "وتدعونه إلى النار" بقولكم: لم لا توافقنا وتعبد آلهتنا, مما هو سبب للخلود فيها، وكان هذا أعجب لمخالفته لما يقتضيه العقل، ونطق حيوان أعجم بقدرة الله وإقداره ليس بعجيب في النظر السديد والعقل السليم، وليس بأعجب من عبادة الحجارة، فقال أبو سفيان: واللات والعزَّى لئن ذكرت" بضم التاء، أي: أنا، وبفتحها، أي: أنت يا صفوان "هذا" الذي قاله الذئب في شأن محمد بمكة لأهلها لتتركنَّها خلوفًا -بضم الخاء المعجمة واللام، وإسكان الواو وفاء، "أي: فاسدة متغيرة، يعني: يقع الفساد والتغيّر في أهلها" بإسلامهم, فيغير دينهم الذي يزعمون أنه حق، وهو ضلال باطل من خلف، بمعنى تغيّر، كقوله ﷺ : "لخلوف فم الصائم" أي: تغيّر ريحه، وقيل معناه: خالية من أهلها، بأن يسلموا ويهاجروا؛ إذ من سمع ذلك لا يتردد في صحة رسالته وسعادة متبعه، من قولهم: أتيت الحي فوجدته خلوفًا، أي: ليس فيه أحد من الرجال بل النساء، ويقال لهن الخوالف كما في التنزيل؛ لأنهن يخلفن الرجال، وما اقتصر عليه المصنف أظهر؛ لأن الفساد الذي زعموه لا يختص بالرجال، بل عندهم كل م أسلم فسد دينه، رجلًا كان أو امرأة.стр. 3103
حديث الحمار:
ومن ذلك حديث الحمار: أخرج ابن عساكر عن أبي منظور، قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر, أصاب حمارًا أسود، فكلّم رسول الله ﷺ الحمار، فكلمه الحمار، فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمك؟ " قال: يزيد بن شهاب، أخرج الله من نسل جدي ستين حمارًا كلهم لا يركبه إلّا نبي، وقد كنت أتوقعك أن تركبني، لم يبق من نسل جدي غيري, ولا من الأنبياء غيرك, وقد كنت قبلك لرجل يهودي, وكنت أتعثّر به عمدًا، وكان يجيع بطني ويضرب ظهري، فقال له النبي ﷺ : "فأنت يعفور،..............................................
الحواشي
(١) حديث الحمار:
"ومن ذلك", أي: كلام الحيوانات وطاعتها له "حديث الحمار" إضافة لأدنى ملابسة، أي: الخبر المتعلق بشأنه "إخراج ابن عساكر عن أبي منظور،" بفتح الميم، وسكون النون، وضم الظاء المعجمة، قال في الإصابة في الكنى: غير منسوب ذكره في خبر واهٍ، "قال: لما فتح رسول الله ﷺ خيبر أصاب حمارًا أسود، فكلّم رسول الله ﷺ الحمار، فكلَّمه الحمار،" لعله علم بحاله، فابتدأه بالكلام ليظهر ما أخبره به، أو أوحي إليه بتكليمه، لظهور هذه المعجزة, "فقال له رسول الله ﷺ : "ما اسمك؟ " من عطف المفصل على المجمل، بيان لما كلمه به على نحو: توضأ فغسل وجهه، "قال: يزيد بن شهاب" اسم أبيه دنية على الظاهر، ويحتمل أنه جده الذي قال فيه: "أخرج الله من نسل جدي ستين حمارًا" يحتمل أنه اقتصر على الستين، لوصفهم بقوله: "كلهم لا يركبه إلّا نبي" فلا ينافي أن فيهم إناثًا لم يركبها نبي، ويؤيده أن في لفظ: كان في آبائي ستون، وكأنه ألهم ذلك، فنطق به على حد: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ ، وقد زاد في الجواب على السؤال التذاذًا بخطاب الرسول نظير قوله: ﴿هِيَ عَصَايَ﴾ الآية. فإنه يطال الكلا م مع الأحبة تلذّذًا، أو ليرغب فيه، خوفًا أن يدفعه لغيره، ففيه حضّه على أخذه واختصاصه به، ولا يجعله غنيمة أو في الغنيمة، وعبَّر بكلهم -بميم الجمع الموضوعة للعقلاء- تشبيهًا لأصوله بالعقلاء، لشرفهم بركوب الأنبياء لهم، "وقد كنت أتوقعك أن تركبني" بدل اشتمال من الكاف في أتوقعك؛ لأنه لم يبق من نسل جدي غيري،" قد يشعر بأنه من جملة الستين، "ولا من الأنبياء غيرك،" فلذا كنت أتوقع ركوبك، وظاهرًا، وصريح قوله: لا يركبه إلّا نبي، الحضر فينا في قوله: "وقد كنت قبلك" أي: قبل وجودك بخيبر، أو قبل اختصاصي بك، رجاء أن لا يأخذه إلّا هو، فلا يرد أنه لم يذكر أنه اختص به حتى يقول قبلك، "لرجل يهودي" يركبني، بناء على أنه من الستين، إلّا أن يكون الحصر بناء على الغالب، أو المعنى لا يعده لركوبه ويقتصر عليه إلّا نبي دون غيره، أو أنه سلب الحكم عن الجملة، فهو من سلب العموم، لا عموم السلب، "وكنت أتعثّر به عمدًا،" أي: أتكلف العثار، كراهة لركوبه علي، "وكان يجيع بطني ويضرب ظهري" كناية عن أذاه أعمّ من كونه يضرب ظهره، أو بالنخس أو بغيرهما، "فقال له النبي ﷺ : "فأنت" اسمك "يعفور" مفرع على عثارة؛ لأنه يثير الغبار، أو لأنه أسود فشبهه، بالتراب، فسماه يعفورًا، كذا تكلف، وقد قدّم في دوابه ﵇ قولстр. 3104
فكان ﷺ يبعثه إلى باب الرجل فيأتي الباب فيقرعه برأسه, فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه أن أجب رسول الله، فلمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ , جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان فتردَّى فيها جزعًا على رسول الله ﷺ . ورواه أبو نعيم بنحوه من حديث معاذ بن جبل، لكن الحديث مطعون فيه، وذكره ابن الجوزي في الموضوعات.
وفي معجزاته ﵊ ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره.
الحواشي
(١) الحافظ وغيره يعفور بالصَّرف، اسم ولد الظبي، كأنه سمي بذلك لسرعته، وقيل: تشبيهًا في عدوه باليعفور، وهو الخشف، أي: ولد الظبي وولد البقر الوحشية. انتهى.
وفي التلمساني: منوّن مصروف، وروي بمنع الصرف للعلمية ووزن الفعل؛ كيعقوب, وتعقب بأن زيادة الواو أخرجته عن شبه الفعل، فالظاهر صرفه، ويعقوب إنما منع للعلمية والعجمة، لا لوزن الفعل, ألا ترى أن يعفر -بضم الياء- يصرف؛ لأنه قد زال عنه شبه الفعل، كما في الصحاح، وليس في أوزان الفعل يفعول، "فكان ﷺ يبعثه إلى باب الرجل" من أصحابه، "فيأتي الباب فيقرعه" يضربه "برأسه، فإذا خرج إليه صاحب الدار أومأ إليه" برأسه "أن أجب رسول الله", وفهم مراد المصطفى ﷺ ، بإلهام من الله، فهو معجزة؛ إذ سخره له وفهم مراده، "فلمَّا قبض رسول الله ﷺ , جاء إلى بئر كانت لأبي الهيثم بن التيهان -بفتح الفوقية وكسر التحتية المشددة، وهاء فألف فنون- الصحابي الجليل المشهور، "فتردّى" ألقى نفسه وطرحها "فيها جزعًا على رسول الله ﷺ ", فمات وكانت قبره، كما عند ابن حبان في الضعفاء.
وقال الواقدي: مات يعفور منصرف النبي ﷺ من حجة الوداع، وبه جزم الثوري عن ابن الصلاح، "ورواه أبو نعم بنحوه من حديث معاذ بن جبل؛ لكن الحديث مطعون فيه،" أخرجه ابن حبان في الضعفاء، وقال: لا أصل له، وليس سنده بشيء، وأبو موسى المديني في الصحابة، قال: وهذا حديث منكر جدًّا إسنادًا ومتنًا, لا أحلّ لأحد أن يرويه عنِّي إلا مع كلامي عليه، وهو في كتاب بركة النبي ﷺ ، تخريج أبي طاهر المخلص.
"وذكره ابن الجوزي في الموضوعات", وتعقب بأنه شديد الضعف فقط، كما قال في الإصابة إسناده واهٍ لا موضوع، "وفي معجزاته ﵊ ما هو أعظم من كلام الحمار وغيره", وليس فيه ما ينكر شرعًا، فلا بدع في وقوعه له، فنهايته الضعف لا الوقع على قياس قول المصنف بعد في الضب.
وقال شيخنا، أي: فبتقدير كون كلام الحمار لا أصل له، لا ينقص ذلك من مقامه شيئًا،стр. 3105
ومن ذلك: من حديث الضب، وهو مشهور على الألسنة، ورواه البيهقي في أحاديث كثيرة، لكنه حديث غريب ضعيف. قال المزي: لا يصح إسنادًا ولا متنًا، وذكره القاضي عياض في الشفاء، وقد روي من حديث ابن عمر أن النبي ﷺ كان في محفل من أصحابه؛ إذ جاءه أعرابي من بني سليم قد صاد ضبًّا جعله في كمّه؛ ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله، فلمَّا رأى الجماعة قال: من هذا؟ قالوا: نبي الله،
الحواشي
(١) لكثرة معجزاته وعظمتها، وفيه: إن مسلمًا لا يتوهّم نقصًا حتى ينصّ على نفيه، "ومن ذلك حديث الضب" -بفتح المعجمة وموحدة ثقيلة- حيوان بري يشبه الورل, قال ابن خالويه: لا يشرب الماء ويعيش سبعمائة سنة فصاعدًا، ويقال: إنه يبول في كل أربعين يومًا قطرة, ولا يسقط له سن, ويقال: إن أسنانه قطعة واحدة ليست متفرقة, ويرجع في قيئه كالكلب, ويأكل رجيعه, وهو طويل الدماء بعد الذبح وهشم الرأس, يمكث ليلة ويلقى في النار فيتحرك كما في حياة الحيوان "وهو مشهور على الألسنة, ورواه البيهقي في أحاديث كثيرة, لكنه حديث غريب ضعيف".
"قال الحافظ أبو الحجاج جمال الدين، يوسف بن الذكي، عبد الرحمن الحلبي الأصل، الدمشقي الدار والمنشأ, "المزي" بكسر الميم، وتشديد الزاي المكسورة، نسبة إلى المزة، قرية بدمشق, ولد بحلب سنة أربع وخمسين وستمائة، ونشأ بالمزة، وتفقه قليلًا، ثم أقبل على الحديث، ورحل، وسمع الكثير، ونظر اللغة ومهر فيها، وفي التصريف، وقرأ العربية.
وأمَّا معرفة الرجال: فهو حامل لوائها, والقائم بأعبائها، لم تر العيون مثله, صنَّف تهذب الكمال والأطراف، وأملى مجالس، وأوضح مشكلات ومعضلات ما سبق إليها من علم الحديث ورجاله، وولي مشيخة دار الحديث الأشرفية, مات يوم السبت، ثاني عشر صفر، سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، "لا يصح إسنادًا" لضعف رواته, "ولا متنًا" وهو لفظ الحديث، "وذكره القاضي عياض في الشفاء" فقال: "وقد روي" عند الطبراني، والبيهقي، وشيخه الأكم وشيخه ابن عديّ، كلهم "من حديث ابن عمر، أن النبي ﷺ كان في محفل" بفتح الميم، وسكون المهملة، وكسر الفاء: جمع كثير، "من أصحابه؛ إذ جاءه أعرابي" أي: دخل عليهم بغتة رجل من البادية لا يعرف "من بني سليم" بضم ففتح "قد صاد ضبًّا" جملة حالية، "جعله في كمه ليذهب به إلى رحله فيشويه ويأكله" على عادة الأعراب، فلمَّا رأى الجماعة" الصحابة، "قال" لهم: "من هذا"؛ لأنه ينكره أو لم يعرفه، "قالوا: نبي الله" ولفظ الدارقطني ومن بعده، فقال: على من هؤلاء الجماعة، فقالوا: على هذا الذي يزعم أنه نبي، فأتاه فقال: يا محمد! ما اشتملت النساء على ذي لهجة أكذب منك، فلولا أنَّ تسمين العرب عجولًا، لقتلتك ولسررت الناس بقتلك أجمعين، فقال عمر: يا رسول الله! دعني أقتله، فقال ﷺ : "أما علمت أنстр. 3106
فأخرج الضب من كمه وقال: واللات والعزى لا آمن بك أو يؤمن هذا الضب. وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ ، فقال النبي ﷺ : "يا ضب"، فأجابه بلسان مبين يسمعه القوم جميعًا: لبيك وسعديك يا زين من وافى القيامة، قال: "من تعبد؟ " قال: الذي في السماء عرشه, وفي الأرض سلطانه, وفي البحر سبيله, وفي الجنة رحمته, وفي النار عقابه. قال: "فمن أنا؟ قال: رسول رب العالمين وخاتم النبيين، وقد أفلح من صدَّقك وخاب من كذَّبك,
الحواشي
(١) الحليم كاد أن يكون نبيًّا"، ثم أقبل الأعرابي على رسول الله، "فأخرج الضب من كمه، وقال: واللات والعزى"صنمان عُبِدَا في الجاهلية، "لا آمنت بك،" أي: بأنك رسول الله، "أو يؤمن" بالنصب، أي إلى، أو إلّا، وفي رواية: حتى يؤمن "هذا الضب", فأؤمن أنا بك أيضًا لمشاهدة المعجزة، "وطرحه بين يدي رسول الله ﷺ ", أي: في مقابلته قريبًا منه، "فقال النبي ﷺ : "يا ضب" بالضم -منادى مفرد، "فأجابه بلسان مبين كلامه, أو بكلام ظاهر مفهوم.
وفي رواية الداقطني ومن معه: فكلَّمه الضب بلسان طلق فصيح، عربي مبين" يسمعه, وفي رواية يفهمه القوم الذين عنده جميعًا: "لبيك" مثنى منصوب على المصدرية، أي: إجابة لك بعد إجابة, "وسعديك" أي: مساعدة وطاعة لك بعد الطاعة, "يا زين" أي: من يزين ويحسن كل "من وافى" حضر القيامة، جعله مزينًا لأهلها ومن بها؛ لأنه سيدهم وقائدهم، والشفيع فيهم، وهذه العبارة شائعة في لسان عامة العرب، يقولون: يا زين القوم لأشرفهم وأحسنهم، "قال ﷺ : "من تعبد" سأله ليقر بعبودية الله، فوصفه بما يعرفه كل أحد؛ إذ "قال: "أعبد الذي في السماء عرشه" المراد السماء: ما قابل الأرض أو جهة العلوّ، فلا ينافي أن العرش فوق السماوات، كما قال: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية. "وفي الأرض سلطانه" أي: يظهر عدله وحكمه وقهره لمن فيها من الثقلين, وسلطانه، وإن كان على كل موجود, لكن ظهوره فيمن قد يخالف ظاهر فيها، "وفي البحر سبيله:" طريقه التي جعلها مسلوكة لعباده، بتسخير الرِّيح ونحوه، مما لا يقدر عليه غيره، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. ولذا كان الكفار لا يدعون فيه سواه، كما قال: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [العنكبوت: ٥٦] الآية.
وقال التلمساني: معناه واضح قدرته، أي: ما يدل على كمال قدرته وباهر آياته, أو معناه: سبيل عباده الذين يستدلون بصنعه عليه سبحانه، "وفي الجنة رحمته" المختصة العظيمة الباقية, وإن كان رحيم الدنيا والآخرة، وفي النار عقابه، وفي رواية: عذابه, فلإيمانه بالله وصفه بما هو مختص به، دالّ على عظمته، "قال" ليكمل إيمانه: "فمن أنا؟ " قال: رسول الله رب العالمين" إشارةً إلى عموم رسالته لكل موجود حتى الحيوان والجماد، "وخاتم النبيين" فلا نبي بعدك، "وقدстр. 3107
فأسلم الأعربي. الحديث بطوله, وهو مطعون فيه, وقيل: إنه موضوع. لكن معجزاته -عليه
الحواشي
(١) أفلح فاز بسعادة الدارين "مَنْ صدقك:" أقرَّ برسالتك، "وخاب:" لم ينجح، ولم يظفر بالمأمول "من كذبك" بإنكار رسالتك، وعدم إجابة دعوتك، "فأسلم الأعرابي" لما رأى المعجزة البينة, وعلم علمًا ضروريًّا بتوحيد الله، وأنه رسوله، "الحديث بطوله" تتمته عند الدارقطني وابن عدي، ومن بينهما, فقال الأعرابي: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله حقًّا، ولقد أتيتك وما على وجه الأرض أحد هو أبغض إلي منك، والله لأنت الساعة أحب إلي من نفسي، وولدي، وشعري، فقد آمن بك شعري وبشري، داخلي وخارجي، وسري وعلانيتي، فقال ﷺ : "الحمد لله الذي هداك إلى هذا الدين الذي يعلو ولا يعلى عليه، ولا يقبله الله إلا بصلاة، ولا يقبل الصلاة إلّا بقرآن" , قال: فعلمني، فعلمه ﷺ الفاتحة والإخلاص، فقال: يا رسول الله, ما سمعت في البسط ولا في الوجيز أحسن من هذا، فقال ﷺ : "هذا كلام رب العالمين وليس بشعر، إذا قرأت ﴿قُلْ ُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الآية. مرة، فكأنما قرأت ثلث القرآن، وإن قرأتها مرتين، فكأنما قرأت ثلثي القرآن، وإن قرأتها ثلاثًا، فكأنما قرأت القرآن كله", فقال الأعرابي: نِعْمَ الإله إلاهنا, يقبل اليسير ويعطي الكثير، ثم قال ﷺ : "ألك مال" , فقال: ما في سليم قاطبة أفقر مني، فقال لأصحابه: "أعطوه" , فأعطوه حتى أثروه، فقال عبد الرحمن بن عوف: إني أعطيه يا رسول الله ناقة عشراء، أهديت إلي يوم تبوك، تلحق ولا تلحق، أتقرَّب بها إلى الله دون البختي وفوق العرابي، فقال ﷺ : "قد وصفت ما تعطي، فأصف لك ما يعطيك الله" , قال: نعم، قال: "لك ناقة من درة جوفاء، قوائمها من زمرد أخضر، وعنقها من زبرجد أصفر، عليها هودج، وعلى الهودج السندس والإستبرق، تمر بك على الصراط كالبرق الخاطف"، فخرج الأعرابي من عند رسول الله، فتلقَّاه ألف أعرابي من بني سليم، على ألف دابّة، بألف رمح وألف سيف، فقال لهم: أين تريدون، فقالوا: نريد هذا الذي يكذب، ويزعم أنه نبي، فقال الأعرابي: إني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، فقالوا: صبوت, فحدَّثت بحديثه، فقالوا كلهم: لا إله إلا الله محمد رسول الله, ثم أتوا النبي ﷺ , فتلقاهم بلا رداء, فنزلوا عن ركائبهم يقبّلون ما ولوا منه، وهم يقولون: لا إله إلا الله محمد رسول الله، وقالوا: يا رسول الله, مرنا بأمرك، قال: "كونوا تحت راية خالد بن الوليد"، قال ابن عمر: فلم يؤمن في أيامه ﷺ من العرب، ولا من غيرهم ألف غيرهم، "وهو مطعون فيه" بالضعف.
"وقيل: إنه موضوع" زعم ذلك ابن دحية، وليس كما زعم، قال القطب الخضيري: رجال أسانيده، وطرقه ليس فيهم من يتهم بالوضع، وأما الضعف، ففيهم, ومثل ذلك لا يتجاسر على دعوى الوضع فيه، "لكن معجزاته ﵊ فيها ما هو أبلغ من هذا،" فلاстр. 3108
الصلاة والسلام- فيها ما هو أبلغ من هذا, وليس فيه ما ينكر شرعًا, خصوصًا وقد رواه الأئمة, فنهايته الضعف لا الوضع، والله أعلم.
الحواشي
(١) بدع في كون هذا منها، "وليس فيه ما ينكر شرعًا، خصوصًا وقد رواه الأئمة" الحفاظ الكبار، كابن عدي وتلميذه الحاكم، وتلميذه البيهقي، وهو لا يروي موضوعًا, والدارقطني وناهيك به، "فنهايته الضعف لا الوضع" كما زعم كيف، ولحديث ابن عمر طريق آخر، ليس فيه السلمي، رواه أبو نعيم، وورد مثله من حديث علي عند ابن عساكر، وابن عباس، رواه ابن الجوزي، ومن حديث عائشة وأبي هريرة عند غيرهما، "والله أعلم" بما في نفس الأمر.стр. 3109
حديث الغزالة:
ومن ذلك: حديث الغزالة: روى حديثها البيهقي من طرق، وضعَّفه جماعة من الأئمة، لكن له طرق يقوي بعضها بعضًا، وذكره القاضي عياض في الشفاء، ورواه أبو نعيم في الدلائل بإسناد فيه مجاهيل، عن حبيب بن محصن عن أم سلمة ﵂ قالت: بينما رسول الله ﷺ في صحراء من الأرض إذا هاتف يهتف:
الحواشي
(١) حديث الغزالة:
"ومن ذلك حديث الغزالة" أي: كلامها له، وأمَّا تسليمها المشهور على الألسنة وفي المدائح, فقال السخاوي: ليس له -كما قال ابن كثير- أصل، ومن نسبه إلى النبي ﷺ فقد كذب، ولكن ورد الكلام في الجملة، وفي فتح الباري، وأمَّا تسليم الغزالة، فلم أجد له إسناد إلّا من وجه قوي، ولا من وجه ضعيف.
"روى حديثها البيهقي من طريق" من حديث أبي سعيد، "وضعَّفه جماعة من الأئمة" حفاظ الحديث ونقاده، "لكن له طرق يقوي بعضها بعضًا"؛ لأن الطرق إذا تعددت وتباينت مخارجها، دلَّ ذلك على أن للحديث أصلًا، فيكون حسنًا لغيره لا لذاته، "وذكره القاضي عياض في الشفاء" بلا سند، عن أم سلمة بدون تمريض, فيدل على قوته، "ورواه أبو نعيم في الدلائل" النبوية، "بإسناد فيه مجاهيل، عن حبيب بن محصن، عن أم سلمة" هند بنت أبي أمية، أم المؤمنين، "﵂ قالت: بينما رسول الله ﷺ في صحراء من الأرض", وفي حديث أنس عند أبي نعيم: كنا مع رسول الله ﷺ في بعض سكك المدينة، فمررنا بخباء، وإذا بظبية مشدودة إلى الخباء، فكأنَّ السكة التي مَرَّ بها كانت واسعة, فسماها صحراء مجازًا، ومرورهم بالخباء بعد سماع الهاتف، فلا يخالف قوله: "إذا هاتف يهتف" صائح يصيح بالنطق:стр. 3110
يا رسول الله, ثلاث مرات, فالتفت فإذا ظبية مشدودة في وثاق، وأعرابي منجدل في شملة نائم في الشمس، فقال: "ما حاجتك؟ " قالت: صادني هذا الأعرابي، ولي خشفان في ذلك الجبل فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع، قال: "وتفعلين؟ " قالت: عذبني الله عذاب العشار إن لم أعد, فأطلقها فذهبت ورجعت, فأوثقها النبي ﷺ , فانتبه الأعرابي وقال: يا رسول الله, ألك حاجة؟ قال: "تطلق هذه الظبية،
الحواشي
(١) يا رسول الله -ثلاث مرات، فالتفت فإذا ظبية مشدودة في وثاق، وأعرابي منجدل" مطروح على الجدالة: الأرض, في شملة نائم في الشمس، فقال: "ما حاجتك؟ " حتى ناديتني، "قالت: صادني هذا الأعرابي", وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، مَرَّ ﷺ على قوم قد صادوا ظبية وشدوها إلى عمود فسطاط، فقالت: يا رسول الله! إني وضعت، ولي خشفان، فاستأذن لي أن أرضعهما، ثم أعود إليهم، فقال: "خلوا عنها حتى تأتي خشفيها فترضعهما، وتأتي إليكم" , قالوا: ومن لنا بذلك يا رسول الله؟ قال: "أنا" فأطلقوها، فذهب فأرضعتهما، ثم عادت إليهم، فأوثقوها، فإن كانت القصة تعدّدت، وإلّا فيمكن أن صائدها واحد من القوم له ولهم، فنسب إليهم في رواية أبي سعيد ذلك، واختبرته نفس الظبية خصوص من صادها، ولا تنافي بين قوله: فأطلقوها, وبين كون المصطفى هو الذي أطلقها في حديث أم سلمة؛ لجواز أن نسبته إليهم مجازية؛ لكونه عن إذنهم، وكأنه لما استأذنهم وضمن لهم عودها، طلبوا منه أن يطلقها بنفسه لتطئمنَّ قلوبهم، وكذا قوله: فأوثقوها لا ينافي حديث أم سلمة فأوثقها النبي؛ لجواز أنه أمرهم بإيثاقها، فنسب إليه، "ولي خشفان" بكسر الخاء، وسكون الشين المعجمتين: ظبيان صغيران قرب ولادتهما, "في ذلك الجبل" تشير لجبل بتلك الصحراء "فأطلقني حتى أذهب فأرضعهما وأرجع" بنصب الأفعال الثلاثة، "قال: "وتفعلين" بتقدير الهمزة، أي: ترجعين إن أطلقتك", "قالت: عذَّبني الله عذاب العشار" المكاس، "إن لم أعد، وفي حديث أنس عند أبي نعيم، فقالت: يا رسول الله, أخذت ولي خشفان في البرية، وقد انعقد اللبن في أخلافي، فلا هو يذبحني فأستريح, ولا يدعني فأرجع إلى خشفي في البرية، فقال لها: "إن تركتك ترجعين؟ " قالت: نعم، وإلا عذبني الله عذابًا أليمًا، "فأطلقها، فذهبت" فأرضعتهما ورجعت" عن قرب, "فأوثقها النبي ﷺ " كما كانت, "فانتبه الأعرابي" من نومه، وقال: يا رسول الله! ألك حاجة؟ قال: "تطلق هذه الظبية" , فأطلقها" من وثاقها.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي في السنن بعد قوله: فأوثقوها, فمَرَّ بهم رسول الله، فقال: "أين أصحاب هذه" , قالوا: نحن يا رسول الله، فقال: "أتبيعونها" , قالوا: هل لك، قال: "خلو عنها" فأطلقوها، "فخرجت تعدوا في الصحراء" تجري جريًا شديدًا "فرحًا وهي تضربстр. 3111
فأطلقها, فخرجت تعدو في الصحراء فرحًا وهي تضرب برجليها الأرض وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله.
وكذا رواه الطبراني بنحوه، وساق الحافظ المنذري حديثه في الترغيب والترهيب من باب الزكاة. ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير السخاوي عن ابن كثير: أنه لا أصل له، وأن من نسبه إلى النبي ﷺ فقد كذب، ثم قال شيخنا: لكنه في الجملة وارد في عدة أحاديث يتقوى بعضها ببعض, أوردها شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر الحافظ في المجلس الحادي والستين من تخريج أحاديث المختصر, والله أعلم. انتهى.
الحواشي
(١) برجليها الأرض، وتقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله", وقال زيد بن أرقم: فأنا والله رأيتها تسبح في البرية، وهي تقول: لا إله إلا الله محمد رسول الله، "وكذا رواه الطبراني بنحوه" من حديث أم سلمة، "وساق الحافظ المنذري حديثه" أي: لفظ الطبراني "في الترغيب والترهيب من باب الزكاة", ولا يخفاك ما في حديثها وحديث أبي سعيد من التغاير العديد المقتضي، لأنهما قصتان، وقد بينَّا لك بعضها مع تعسّف الجمع.
وروى البيهقي في الدلائل: مَرَّ النبي ﷺ بظبية مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول الله! حلني حتى أذهب إلى خشفي ثم أرجع فتربطني، فقال ﷺ : "صيد قوم وربطه قوم" فأخذ عليها، فحلفت له، فحلّها، فما مكثت إلّا قليلًا حتى جاءت، وقد نقصت ما في ضرعها, فربطها ﷺ , ثم أتى خباء أصحابها، فاستوهبها منهم، فوهبوها له, فحلها، ثم قال: "لو علمت البهائم من الموت ما تعلمون ما أكلتم منها سمينًا أبدًا".
"ونقل شيخنا الحافظ أبو الخير" محمد بن عبد الرحمن "السخاوي" في كتاب المقاصد الحسنة، "عن ابن كثير، أنه لا أصل له، وإن من نسبه إلى النبي ﷺ فقد كذب، لفظ السخاوي، حديث تسليم الغزالة اشتهر على الألسنة وفي المدائح النبوية، وليس له -كما قال ابن كثير- أصل، ومن نسبه إلى النبي ﷺ فقد كذب، "ثم قال شيخنا" تلو هذا: "لكنه" أي الكلام في الجملة وارد في عدة أحاديث يتقوّى بعضها ببعض، أوردها شيخنا شيخ الإسلام ابن حجر، الحافظ في المجلس الحادي والستين من تخريج أحاديث المختصر" الكبير في الأصول لابن الحاجب، "والله أعلم، انتهى" فهما أمران كلاهما له، وهذا مفرداته ضعيفة، فيجير بعضها بعضًا، وتسليمها عليه، أي: قولها السلام عليك يا رسول الله مثلًا، وهذا لم يرد، كما قال ابن كثير خلاف ما يعطيه تصرف المصنف أنه قاله في الكلام.стр. 3112
وفي شرح مختصر ابن الحاجب للعلامة ابن السبكي، وتسبيح الحصى، رواه الطبراني وابن أبي عاصم من حديث أبي ذر، وتسليم الغزالة رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني والبيهقي، في دلائل النبوة، ونحن نقول فيهما: إنهما لم يكونا متواترين, فلعلهما استغنا بنقل غيرهما، أو لعلهما تواترا إذ ذاك، انتهى.
الحواشي
(١) "وفي شرح مختصر ابن الحاجب، للعلامة ابن السبكي: وتسبيح الحصى, رواه الطبراني، وابن أبي عاصم من حديث أبي ذر" الغفاري", وقد تقدَّم" وتسليم الغزالة، مجاز عن الكلام؛ إذ هو الذي رواه الحافظ أبو نعيم الأصبهاني" وكذا الطبراني عن أم سلمة, "والبيهقي" عن أبي سعيد الخدري "في دلائل النبوة" لهما، وكذا رواه البيهقي في السنن عن أبي سعيد, "ونحن نقول فيهما: إنهما وإن لم يكونا اليوم متواترين فلعلهما استغنا بنقل غيرهما" عنهما، وهو القرآن متواترًا، كما قاله ابن الحاجب جوابًا لقول الشيعة: كيف ينقل آحادًا مع توفر الدواعي على نقله، ومع ذلك لم تكذب رواته, "أو لعلهما تواترا إذ ذاك", ثم انقطع التواتر بعد، "انتهى".
قال الحافظ: والذي أقوله: إنها كلها مشتهرة عند الناس، وأمَّا من حيث الرواية، فليست على حد سواء, وقد مرت عبارته بتمامها في تسبيح الحصى.стр. 3113
طاعة داجن البيوت له " ﷺ ":
من ذلك، داجن البيوت، وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير والشاة وغيرهما، روى قاسم بن ثابت عن عائشة ﵂ قالت: كان عندنا داجن, فإذا كان عندنا رسول الله ﷺ قَرَّ وثبت مكانه، فلم يجئ ولم يذهب, وإذا خرج
الحواشي
(١) طاعة داجن البيوت له " ﷺ ":
"ومن ذلك" أي: طاعات الحيوانات "داجن" بدال مهملة، ثم جيم "البيوت" من دجن، إذا أقام بموضع تربَّى فيه ليسمن، ويقال: رجن -بالراء بدل الدال- إذا أقام، "وهو ما ألفها من الحيوان، كالطير والشاة وغيرهما، كالناقة، روى قاسم بن ثابت السرقطي الأندلسي، الفقيه المالكي، المحدث المشارك لأبيه، الحافظ، ثابت بن حزم في رحلته وشيوخه، الورع الناسك، مجاب الدعوة، مات سنة اثنتين وثلاثمائة.
"عن عائشة ﵂ قالت: كان عندنا" بمنزلنا الذي نسكنه "داجن, فإذا كان عندنا رسول الله ﷺ قَرَّ" بالقاف المفتوحة، والراء الثقيلة، أي: سكن وثبت مكانه، أي: وقف أو ربض فيه، لا يتحرك أدبًا معه، "فلم يجئ ولم يذهب, وإذا خرج رسول الله ﷺ جاء وذهب" أي:стр. 3114
رسول الله ﷺ جاء وذهب. وذكره القاضي عياض بسنده.
الحواشي
(١) مشى في البيت وتردَّد فيه؛ لأنه ليس ثمة من يهابه, وقيل: معناه من لم يقر لعدم رؤيته ﷺ شوقًا له، وكلاهما آية لألف الحيوان الذي لا يعقل له ومهابته، عنده، "وذكره القاضي عياض بسنده" من طريق قسم, وأخرجه أحمد والبزار وغيرهما.стр. 3115
الفهرس:
الصفحة الموضوع
٣ الفصل الثاني: فيما أكرمه الله تعالى به من الأخلاق الزكية وشرَّفه به من الأوصاف المرضية
١٢٩ الفصل الثالث: فيما تدعو ضرورته إليه من غذائه وملبسه ومنكحه, وما يحلق بذلك
٢٥٤ النوع الثاني: في لباسه وفراشه
٣٠١ صفة إزاره ﷺ
٣٠٥ لطيفة
٣١٢ فص خاتمه ﷺ
٣٣٠ نقش خاتمه ﵊
٣٤٠ السراويل
٣٤٦ الخف
٣٤٦ نعله ﷺ
٣٥٩ فراشه
٣٦٦ النوع الثالث: في سيرته ﷺ في نكاحه
٣٩٠ النوع الرابع: في نومه ﵊
٤٠٥ المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
٤٨٤ رد الشمس له ﷺ
٤٩٥ تسبيح الطعام والحصى في كفه الشريف ﷺ
٥١٣ كلام الشجر له وسلامها عليه وطواعيتها له, وشهادتها له بالرسالة ﷺ
٥٢٢ حنين الجذع شوقًا إليه ﷺ
٥٣٨ سجود الجمل وشكواه إليه -صلى الله عليه وسلم
стр. 3116
الصفحة الموضوع
٥٤٥ كلام الذئب وشهادته له ﷺ بالرسالة
٥٥١ حديث الحمار
٥٥٧ حديث الغزالة
٥٦٠ طاعة داجن البيوت له -صلى الله عليه وسلم
стр. 3117
المجلد السابع
تابع المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ
...
تابع المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ ":
وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ ، وهو أشرف المياه، فقال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه ﷺ في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي
الحواشي
(١) نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ :
"وأما نبع الماء" قسيم قوله: أما معجزة انشقاق القمر، بيانًا لتفصيل القسم الثالث، وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته، "الطهور" صفة لازمة، وقال شيخنا: مخصصة "من بين أصابعه" أي أصابع يديه " ﷺ " كما هو ظاهر الروايات الآتية، واقتصر على بين الأصابع بالنسبة لأغلب الوقائع، أو تجوز بالبينية عما يشمل رءوس الأصابع، "وهو أشرف المياه" على الإطلاق؛ كما قاله البلقيني وغيره. قال السيوطي:
وأفضل المياه ماء قد نبع ... من بين أصابع النبي المتبع
يليه ماء زمزم فبالكوثر ... فنيل مصر ثم باقي الأنهر
"فقال القرطبي" صاحب المفهم فيه: "قصة نبع الماء" إضافة بيانية، أي القصة التي هي نبع الماء "من بين أصابعه، ق تكررت منه ﷺ في عدة مواطن" جمع موطن، المشهد من مشاهد الحرب ومكان الإنسان، "في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي، المستفاد من التواتر المعنوي.
وقال عياض: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير والجم الغفير، عن الكافة متصلة بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجامع العساكر، ولم يرد عن أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي في معجزاته.
قال في فتح الباري: فأخذ القرطبي كلام عياض وتصرف فيه، وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر عندهم من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين، وعن أبي ليلى، والد عبد الرحمن عند الطبراني، فعدد هؤلاء الصحابة، ليس كما يفهم من إطلاقهما.
وأما تكثير الماء بأن لمسه بيده، أو تفل فيه، أو أمر بوضع شيء فيه، كسهم من كنانته، فجاء من حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري وأحمد من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، وعن زياد بن الحارث،стр. 3118
ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى.
الحواشي
(١) الصدائي عنده، وعن بريح، بضم الموحدة، وتشديد المهملة الصدائي أيضًا، فإذا ضم هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة أو قاربها.
وأما من رواها من أهل القرن الثاني، فهم أكثر عددًا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا، وفي الجملة يستفاد منها الرد على ابن بطال، حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة من الصحابة إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلب الناس العلو في السند، انتهى، وهذا ينادي عليه بقلة الاطلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، انتهى. "ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني" إسماعيل بن يحيى، بن إسماعيل، بن عمرو، بن إسحاق، الإمام الجليل، صاحب التصانيف، الزاهد، المتقلل من الدنيا، مجاب الدعوة، قال الشافعي: لو ناظر الشيطان لغلبه، مات لست بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، ودفن قريبًا من الشافعي، وولد سنة خمس وسبعين ومائة، "أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت" جرت وسالت "منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود" كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ الآية، "بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم" ليس بمعهود؛ كما قال الشاعر:
إن كان موسى سقى الأسباط من حجر ... فإن في الكف معنى ليس في الحجر
ولله در البوصيري حيث قال في اللامية:
ومنبع الماء عذبًا من أصابعه ... وذي أياد عليها قد جرى النيل
"انتهى" كلام القرطبي.
قال الحافظ: وظاهر كلامه أن الماء نبع من بين اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيد قوله في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشيء، فوضع ﷺ يده عليه، ثم فرق بين أصابعه، فنبع الماء من أصابع رسول الله ﷺ مثل عصا موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا، فتمسكه به يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه، ويحتمل أن المراد أن الماء نبع من بين أصابعه بالنسبة إلىстр. 3119
وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم: أنس وجابر وابن مسعود.
فأما حديث أنس ففي الصحيحين قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء.
الحواشي
(١) رؤية الرائي وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه، يفور ويكثر وكفه ﷺ في الماء، فيراه الرائي، نابعًا منه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الإخبار ما يرده، انتهى، ويأتي نحوه في المتن.
"وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة" خمسة، كما علمت، "منهم: أنس وجابر، وابن مسعود" وابن عباس، وأبو يعلى، "فأما حديث أنس، ففي الصحيحين" البخاري في الوضوء وعلامات النبوة، ومسلم في الفضائل، ورواه الترمذي في المناقب، والنسائي في الطهارة، كلهم من طريق مالك، الإمام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، أنه "قال: رأيت" أي أبصرت "رسول الله" وفي رواية: النبي ﷺ ، والحال أنه قد "حانت" بالمهملة، أي قربت "صلاة العصر" زاد في رواية للشيخين من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، وهو بالزوراء، بفتح الزاي، وسكون الواو، بعدها راء: موضع بسوق المدينة، وتفسير حانت: بقربت، هو ما صدر به الكرماني، واقتصر عليه المصنف والحافظ أنسب بقوله: صلاة العصر، وإن كان يطلق لغة أيضًا على دخول الوقت.
قال الحافظ: وزعم الداودي أن الزوراء: مكان مرتفع، كالمنارة، وكأنه أخذه من أمر عثمان بالتأذين على الزوراء، وليس بلازم، بل الواقع أن المكان الذي أمر بالتأذين فيه كان الزوراء، لا أنه الزوراء نفسها.
وفي رواية همام عن قتادة عن أنس: شهدت النبي ﷺ مع أصحابه عند الزوراء، أو عند بيوت المدينة، أخرجه أبو نعيم، "فالتمس" أي طلب، "الناس الوضوء" بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، وفي رواية: فالتمس الوضوء بالبناء للمفعول، "فلم يجدوه" وفي رواية بغير الضمير للمنصوب، أي فلم يصيبوا الماء، "فأتي" بضم الهمزة مبني للمفعول، "رسول الله ﷺ " بالرفع نائب الفاعل، "بوضوء" بفتح الواو، أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، وفي رواية: فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير، وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد، وعند أبي نعيم والحارث بن أبي أسامة، من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، أنه هو الذي أحضر الماء، ولفظه: قال لي رسول الله ﷺ : "انطلق إلى بيت أم سلمة"، فأتيته بقدح ماء، إما ثلثه وإما نصفه. الحديث،стр. 3120
فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وفي لفظ البخاري: كانوا ثمانين رجلا، وفي لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال: كنا ثلاثمائة.
قوله: "حتى توضئوا من عند آخرهم" قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و"عند" بمعنى "في" لأن "عند" وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم. وقال التيمي: المعنى.
الحواشي
(١) وفيه: أنه رده بعد فراغهم إليها، وفيه قدر ما كان فيه أولا، "فوضع يده في ذلك الإناء" قال شيخ الإسلام: الظاهر أنها اليد اليمنى، "فأمر" بالفاء "الناس أن يتوضئوا منه" أي: بالتوضؤ من ذلك الإناء، قال أنس: "فرأيت الماء ينبع" بتثليث الموحدة: يخرج "من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وفي لفظ للبخاري" من رواية حميد عن أنس: "كانوا ثمانين رجلا". في لفظ للبخاري أيضًا من رواية الحسن عن أنس: كانوا سبعين أو نحوه، وفي مسلم: سبعين أو ثمانين، "وفي لفظ له" أي البخاري في العلامات، وكذا مسلم في الفضائل من طريق سعيد عن قتادة عن أنس: أتي النبي ﷺ بإناء وهو بالزوراء فوضع يده في الإناء، "فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال" قتادة: "فقلنا لأنس: كم كنتم؟، قال: كنا ثلاثمائة" لفظه، أو زهاء ثلاثمائة بالشك.
قال الحافظ: بضم الزاي والمد، أي قدر ثلاثمائة من زهوت الشيء إذا حصرته، وللإسماعيلي من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد ثلاثمائة، بالجزم دون قوله أو زهاء، انتهى وبه تعلم ما في المؤلف من المؤاخذة، بالجزم بثلاثمائة مع العزو للبخاري، وقد ظهر من السياق تعدد القصة إذ كانوا مرة ثمانين أو سبعين، ومرة ثلاثمائة أو ما قاربهما، فهما كما قال النووي قضيتان جرتا في وقتين حضرهما جميعًا أنس، "قوله: حتى توضئوا من عند آخرهم".
"قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي توضأ الناس حتى توضأ الناس الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في؛ لأن عند وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون" لمطلق الظرفية؛ لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة، "فكأنه قال: الذين هم في آخرهم".
"وقال التيمي" أحمد بن محمد بن عمر، شارح البخاري شرحًا واسعًا جدًا: "المعنىследующие страницы →