Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.
стр. 3116
الصفحة الموضوع
٥٤٥ كلام الذئب وشهادته له ﷺ بالرسالة
٥٥١ حديث الحمار
٥٥٧ حديث الغزالة
٥٦٠ طاعة داجن البيوت له -صلى الله عليه وسلم
стр. 3117
المجلد السابع
تابع المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ
...
تابع المقصد الرابع: في معجزاته ﷺ الدالة على ثبوت نبوته
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ ":
وأما نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ ، وهو أشرف المياه، فقال القرطبي: قصة نبع الماء من بين أصابعه قد تكررت منه ﷺ في عدة مواطن في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي المستفاد من التواتر المعنوي
الحواشي
(١) نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ :
"وأما نبع الماء" قسيم قوله: أما معجزة انشقاق القمر، بيانًا لتفصيل القسم الثالث، وهو ما كان معه من حين ولادته إلى وفاته، "الطهور" صفة لازمة، وقال شيخنا: مخصصة "من بين أصابعه" أي أصابع يديه " ﷺ " كما هو ظاهر الروايات الآتية، واقتصر على بين الأصابع بالنسبة لأغلب الوقائع، أو تجوز بالبينية عما يشمل رءوس الأصابع، "وهو أشرف المياه" على الإطلاق؛ كما قاله البلقيني وغيره. قال السيوطي:
وأفضل المياه ماء قد نبع ... من بين أصابع النبي المتبع
يليه ماء زمزم فبالكوثر ... فنيل مصر ثم باقي الأنهر
"فقال القرطبي" صاحب المفهم فيه: "قصة نبع الماء" إضافة بيانية، أي القصة التي هي نبع الماء "من بين أصابعه، ق تكررت منه ﷺ في عدة مواطن" جمع موطن، المشهد من مشاهد الحرب ومكان الإنسان، "في مشاهد عظيمة، ووردت من طرق كثيرة، يفيد مجموعها العلم القطعي، المستفاد من التواتر المعنوي.
وقال عياض: هذه القصة رواها الثقات من العدد الكثير والجم الغفير، عن الكافة متصلة بالصحابة، وكان ذلك في مواطن اجتماع الكثير منهم في المحافل، ومجامع العساكر، ولم يرد عن أحد منهم إنكار على راوي ذلك، فهذا النوع ملحق بالقطعي في معجزاته.
قال في فتح الباري: فأخذ القرطبي كلام عياض وتصرف فيه، وحديث نبع الماء جاء من رواية أنس عند الشيخين، وأحمد، وغيرهم من خمسة طرق، وعن جابر عندهم من أربعة طرق، وعن ابن مسعود عند البخاري والترمذي، وعن ابن عباس عند أحمد والطبراني من طريقين، وعن أبي ليلى، والد عبد الرحمن عند الطبراني، فعدد هؤلاء الصحابة، ليس كما يفهم من إطلاقهما.
وأما تكثير الماء بأن لمسه بيده، أو تفل فيه، أو أمر بوضع شيء فيه، كسهم من كنانته، فجاء من حديث عمران بن حصين في الصحيحين، وعن البراء بن عازب عند البخاري وأحمد من طريقين، وعن أبي قتادة عند مسلم، وعن أنس عند البيهقي في الدلائل، وعن زياد بن الحارث،стр. 3118
ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت منه المياه، لأن خروج الماء من الحجارة معهود بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم. انتهى.
الحواشي
(١) الصدائي عنده، وعن بريح، بضم الموحدة، وتشديد المهملة الصدائي أيضًا، فإذا ضم هذا إلى هذا بلغ الكثرة المذكورة أو قاربها.
وأما من رواها من أهل القرن الثاني، فهم أكثر عددًا، وإن كان شطر طرقه أفرادًا، وفي الجملة يستفاد منها الرد على ابن بطال، حيث قال: هذا الحديث شهده جماعة من الصحابة إلا أنه لم يرو إلا من طريق أنس، وذلك لطول عمره، وتطلب الناس العلو في السند، انتهى، وهذا ينادي عليه بقلة الاطلاع والاستحضار لأحاديث الكتاب الذي شرحه، انتهى. "ولم يسمع بهذه المعجزة عن غير نبينا ﷺ ، حيث نبع الماء من بين عظمه وعصبه ولحمه ودمه، وقد نقل ابن عبد البر عن المزني" إسماعيل بن يحيى، بن إسماعيل، بن عمرو، بن إسحاق، الإمام الجليل، صاحب التصانيف، الزاهد، المتقلل من الدنيا، مجاب الدعوة، قال الشافعي: لو ناظر الشيطان لغلبه، مات لست بقين من رمضان، سنة أربع وستين ومائتين، ودفن قريبًا من الشافعي، وولد سنة خمس وسبعين ومائة، "أنه قال: نبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، أبلغ في المعجزة من نبع الماء من الحجر، حيث ضربه موسى بالعصا فتفجرت" جرت وسالت "منه المياه؛ لأن خروج الماء من الحجارة معهود" كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ الآية، "بخلاف خروج الماء من بين اللحم والدم" ليس بمعهود؛ كما قال الشاعر:
إن كان موسى سقى الأسباط من حجر ... فإن في الكف معنى ليس في الحجر
ولله در البوصيري حيث قال في اللامية:
ومنبع الماء عذبًا من أصابعه ... وذي أياد عليها قد جرى النيل
"انتهى" كلام القرطبي.
قال الحافظ: وظاهر كلامه أن الماء نبع من بين اللحم الكائن في الأصابع، ويؤيد قوله في حديث ابن عباس عند الطبراني: فجاءوا بشيء، فوضع ﷺ يده عليه، ثم فرق بين أصابعه، فنبع الماء من أصابع رسول الله ﷺ مثل عصا موسى، فإن الماء تفجر من نفس العصا، فتمسكه به يقتضي أن الماء تفجر من بين أصابعه، ويحتمل أن المراد أن الماء نبع من بين أصابعه بالنسبة إلىстр. 3119
وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة، منهم: أنس وجابر وابن مسعود.
فأما حديث أنس ففي الصحيحين قال: رأيت رسول الله ﷺ وحانت صلاة العصر، فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه، فأتي رسول الله ﷺ بوضوء.
الحواشي
(١) رؤية الرائي وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه، يفور ويكثر وكفه ﷺ في الماء، فيراه الرائي، نابعًا منه، والأول أبلغ في المعجزة، وليس في الإخبار ما يرده، انتهى، ويأتي نحوه في المتن.
"وقد روى حديث نبع الماء جماعة من الصحابة" خمسة، كما علمت، "منهم: أنس وجابر، وابن مسعود" وابن عباس، وأبو يعلى، "فأما حديث أنس، ففي الصحيحين" البخاري في الوضوء وعلامات النبوة، ومسلم في الفضائل، ورواه الترمذي في المناقب، والنسائي في الطهارة، كلهم من طريق مالك، الإمام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس، أنه "قال: رأيت" أي أبصرت "رسول الله" وفي رواية: النبي ﷺ ، والحال أنه قد "حانت" بالمهملة، أي قربت "صلاة العصر" زاد في رواية للشيخين من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس، وهو بالزوراء، بفتح الزاي، وسكون الواو، بعدها راء: موضع بسوق المدينة، وتفسير حانت: بقربت، هو ما صدر به الكرماني، واقتصر عليه المصنف والحافظ أنسب بقوله: صلاة العصر، وإن كان يطلق لغة أيضًا على دخول الوقت.
قال الحافظ: وزعم الداودي أن الزوراء: مكان مرتفع، كالمنارة، وكأنه أخذه من أمر عثمان بالتأذين على الزوراء، وليس بلازم، بل الواقع أن المكان الذي أمر بالتأذين فيه كان الزوراء، لا أنه الزوراء نفسها.
وفي رواية همام عن قتادة عن أنس: شهدت النبي ﷺ مع أصحابه عند الزوراء، أو عند بيوت المدينة، أخرجه أبو نعيم، "فالتمس" أي طلب، "الناس الوضوء" بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، وفي رواية: فالتمس الوضوء بالبناء للمفعول، "فلم يجدوه" وفي رواية بغير الضمير للمنصوب، أي فلم يصيبوا الماء، "فأتي" بضم الهمزة مبني للمفعول، "رسول الله ﷺ " بالرفع نائب الفاعل، "بوضوء" بفتح الواو، أي بإناء فيه ماء ليتوضأ به، وفي رواية: فجاء رجل بقدح فيه ماء يسير، وروى المهلب أنه كان مقدار وضوء رجل واحد، وعند أبي نعيم والحارث بن أبي أسامة، من رواية شريك بن أبي نمر، عن أنس، أنه هو الذي أحضر الماء، ولفظه: قال لي رسول الله ﷺ : "انطلق إلى بيت أم سلمة"، فأتيته بقدح ماء، إما ثلثه وإما نصفه. الحديث،стр. 3120
فوضع يده في ذلك الإناء، فأمر الناس أن يتوضئوا منه، فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وفي لفظ البخاري: كانوا ثمانين رجلا، وفي لفظ له: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال: فقلنا لأنس كم كنتم قال: كنا ثلاثمائة.
قوله: "حتى توضئوا من عند آخرهم" قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي: توضأ الناس حتى توضأ الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، و"عند" بمعنى "في" لأن "عند" وإن كانت للظرفية الخاصة لكن المبالغة تقتضي أن تكون لمطلق الظرفية، فكأنه قال: الذين هم في آخرهم. وقال التيمي: المعنى.
الحواشي
(١) وفيه: أنه رده بعد فراغهم إليها، وفيه قدر ما كان فيه أولا، "فوضع يده في ذلك الإناء" قال شيخ الإسلام: الظاهر أنها اليد اليمنى، "فأمر" بالفاء "الناس أن يتوضئوا منه" أي: بالتوضؤ من ذلك الإناء، قال أنس: "فرأيت الماء ينبع" بتثليث الموحدة: يخرج "من بين أصابعه، فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم، وفي لفظ للبخاري" من رواية حميد عن أنس: "كانوا ثمانين رجلا". في لفظ للبخاري أيضًا من رواية الحسن عن أنس: كانوا سبعين أو نحوه، وفي مسلم: سبعين أو ثمانين، "وفي لفظ له" أي البخاري في العلامات، وكذا مسلم في الفضائل من طريق سعيد عن قتادة عن أنس: أتي النبي ﷺ بإناء وهو بالزوراء فوضع يده في الإناء، "فجعل الماء ينبع من بين أصابعه وأطراف أصابعه حتى توضأ القوم، قال" قتادة: "فقلنا لأنس: كم كنتم؟، قال: كنا ثلاثمائة" لفظه، أو زهاء ثلاثمائة بالشك.
قال الحافظ: بضم الزاي والمد، أي قدر ثلاثمائة من زهوت الشيء إذا حصرته، وللإسماعيلي من طريق خالد بن الحارث، عن سعيد ثلاثمائة، بالجزم دون قوله أو زهاء، انتهى وبه تعلم ما في المؤلف من المؤاخذة، بالجزم بثلاثمائة مع العزو للبخاري، وقد ظهر من السياق تعدد القصة إذ كانوا مرة ثمانين أو سبعين، ومرة ثلاثمائة أو ما قاربهما، فهما كما قال النووي قضيتان جرتا في وقتين حضرهما جميعًا أنس، "قوله: حتى توضئوا من عند آخرهم".
"قال الكرماني: حتى للتدريج، ومن للبيان، أي توضأ الناس حتى توضأ الناس الذين هم عند آخرهم، وهو كناية عن جميعهم، وعند بمعنى في؛ لأن عند وإن كانت للظرفية الخاصة، لكن المبالغة تقتضي أن تكون" لمطلق الظرفية؛ لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة، "فكأنه قال: الذين هم في آخرهم".
"وقال التيمي" أحمد بن محمد بن عمر، شارح البخاري شرحًا واسعًا جدًا: "المعنىстр. 3121
توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر، وقال النووي: "من" هنا بمعنى "إلى" وهي لغة، وتعقبه الكرماني بأنها شاذة، قال: ثم إن "إلى" لا يجوز أن تدخل على "عند" ويلزم عليه وعلى ما قاله التيمي أن لا يدخل الأخير، لكن ما قاله الكرماني من أن "إلى" لا تدخل على عند لا يلزم مثله في "من" إذا وقعت بمعنى "إلى" وعلى توجيه النووي يمكن أن يقال عند زائدة. قاله في فتح الباري.
وروى هذا الحديث أيضًا عن أنس بن شاهين، ولفظه: قال أنس كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله، عطشت دوابنا وإبلنا،
الحواشي
(١) توضأ القوم حتى وصلت النوبة إلى الآخر".
وقال النووي: من هنا بمعنى إلى، وهي لغة" والكوفيون يجوزون مطلقًا وضع حروف الجر بعضها مقام بعض، "وتعقبه الكرماني بأنها شاذة" فلا يخرج عليها الفصيح مع إمكان غيره، "قال: ثم إن إلى لا يجوز أن تدخل على عند" فهو اعتراض ثان على النووي، "ويلزم عليه" أي جعل النووي من بمعنى إلى، "وعلى ما قاله التيمي" من قوله إلى آخرهم، فأشار أيضًا إلى أنها بمعنى إلى "أن لا يدخل الأخير" من القوم؛ لأن المغيابالي خارج على المشهور، وإلا فيدخل على قول؛ "لكن ما قاله الكرماني من أن إلى لا تدخل على عند، لا يلزم مثله في من إذا وقعت بمعنى إلى" لأن كون كلمة بمعنى أخرى لا يلزم أن تكون مثلها استعمالا، فلا مانع من دخول من التي بمعنى إلى على عند، وامتناع دخول إلى عليها، "وعلى توجيه النووي" يمكن أن يقال عند زائدة، قاله في فتح الباري" في كتاب الطهارة.
وقال المصنف: أي توضأ الناس ابتداء من أولهم حتى انتهوا إلى آخرهم، ولم يبق منهم أحد، والشخص الذي هو آخرهم داخل في هذا الحكم، لأن السياق يقتضي العموم والمبالغة، لأن عند هنا تجعل لمطلق الظرفية حتى تكون بمعنى في، كأنه قال: حتى توضأ الذين هم آخرهم، وأنس داخل فيهم، إذ قلنا يدخل المخاطب، بكسر الطاء في عموم خطابه أمرًا أو نهيًا أو خبرًا، وهو مذهب الجمهور، وقال بعضهم: حتى حرف ابتداء مستأنف، جملة اسمية وفعلية فعلها ماض، نحو: حتى عفوا وحتى توضئوا، ومضارع نحو: "حتى يقول الرسول" في قراءة نافع، ومن للغاية لا للبيان، خلافًا للكرماني، لأنها لا تكون للبيان إلا إذا كان فيما قبلها إبهام، ولا إبهام هنا.
"وروى هذا الحديث أيضًا" أي حديث نبع الماء لا بقيد المتقدم عن الصحيحين؛ لأنه في سوق المدينة، وهذا في تبوك "عن أنس بن شاهين" فاعل روى "ولفظه، قال أنس: كنت مع النبي ﷺ في غزوة تبوك، فقال المسلمون: يا رسول الله! عطشت دوابنا وإبلنا،" عطفстр. 3122
فقال: "هل من فضلة ماء". فجاء رجل في شن بشيء، فقال: "هاتوا صحفة". فصب الماء ثم وضع راحته في الماء، قال: فرأيتها تخلل عيونًا بين أصابعه، قال: فسقينا إبلنا ودوابنا وتزودنا، فقال: "أكفيتم"؟. قلنا: نعم يا رسول الله، فرفع يده فارتفع الماء.
وأخرج البيهقي عن أنس أيضًا، قال: خرج النبي ﷺ إلى قباء فأتى من بعض بيوتهم بقدح صغير، فأدخل يده فلم يسعه القدح، فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم: "هلموا إلى الشراب". قال أنس: بصر عيني ينبع الماء من بين أصابعه فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا منه جميعًا.
وأما حديث جابر: ففي الصحيحين، قال: عطش الناس يوم الحديبية، وكان رسول الله ﷺ بين
الحواشي
(١) خاص على عام، فقال: "هل من فضلة ماء"؟. إنما طلبها لئلا يظن أنه ﷺ موجد للماء والإيجاد إنما هو لله لا لغيره، "فجاء رجل في شن" بفتح المعجمة ونون ثقيلة: قربة بالية "بشيء" من ماء فقال: "هاتوا صحفة" إناء كالقصعة، وقال الزمخشري: قصعة مستطيلة، "فصب الماء" "ثم وضع راحته" كفه مع أصابعه "في الماء قال" أنس "فرأيتها" أي الصحفة "تخلل"، بفتح التاء، مضارع بحذف إحدى التاءين، أي تنفذ "عيونًا بين أصابعه" تمييز محول عن الفاعل، والأصل تتخلل عيونها بين أصابعه.
"قال" أنس: "فسقينا إبلنا وداوبنا، وتزودنا" حملنا الماء معنا، "فقل" ﷺ : "أكفيتم"؟. قلنا: نعم يا رسول الله، فرفع يده" من الصحفة، "فارتفع الماء" برفع يده.
"وأخرج البيهقي عن أنس أيضًا، قال: خرج النبي ﷺ إلى قباء" موضع معروف بالمدينة، كان ﷺ يأتيه كل سبت راكبًا أو ماشيًا، "فأتي" بالبناء للمفعول "من بعض بيوتهم" أي بيوت أهل قباء، "بقدح صغير، فأدخل يده، فلم يسعه" أي إدخال يده، وإلا فالظاهر لم يسعها، أي اليد "القدح" لصغره، "فأدخل أصابعه الأربعة ولم يستطع أن يدخل إبهامه، ثم قال للقوم: "هلموا إلى الشراب"، قال أنس: بصر" بضم الصاد وكسرها، قال المجد: ككرم وفرح، أي نظر "عيني ينبع الماء" أي نبعه "من بين أصابعه" وتعديه بصر بنفسه لغة، والأفصح تعديته بالباء، نحو بصرت بما لم يبصروا به، "فلم يزل القوم يردون القدح حتى رووا" بفتح الراء وضم الواو، "منه جميعًا" أي زال ظمؤهم، وأصله رويوا، حذفت الياء لثقل الضمة عليها، وضمت الواو الأولى لمناسبة الثانية.
"وأما حديث جابر، ففي الصحيحين" في المغازي والبخاري أيضًا في علامات النبوة، وأخرجه النسائي في الطهارة والتفسير، كلهم من رواية سالم بن أبي الجعد عن جابر، "قال:стр. 3123
يديه ركوة يتوضأ منها، وجهش الناس نحوه، فقال: ما لكم؟ قالوا يا رسول الله ليس عندنا ماء نتوضأ به ولا ماء نشربه إلا ما بين يديك، فوضع يده في الركوة، فجعل الماء يثور من بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا، قلت: كم كنتم قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة.
وقوله: "يثور"
الحواشي
(١) عطش" بكسر الطاء "الناس يوم الحديبية" بالتخفيف والتشديد، "وكان رسول الله ﷺ بين يديه ركوة" مثلث الراء: إناء صغير من جلد يشرب فيه، لفظ البخاري في الموضعين فتوضأ "منها" قال الحافظ: كذا وقع في هذه الرواية، ووقع في الأشربة من طريق الأعمش عن سالم؛ أن ذلك لما حضرت صلاة العصر، "جهش"، بفتح الجيم والهاء، بعدها معجمة "الناس" أي: أسرعوا لأخذ الماء، وللكشميهني: فجهش بزيادة فاء في أوله، "نحوه" ﵇، وقال المصنف: بفتح الجيم، والهاء والشين المعجمة، أي: أسرعوا إلى الماء منتهين لأخذه، ولأبي ذر بكسر الهاء، وللحموي والمستملي جهش بإسقاط الفاء وفتح الهاء انتهى، فما يوجد في كثير من نسخ المتن، وجهش بواو، بل الجيم مخالف للروايتين، "فقال" وفي رواية: قال بلا فاء، "ما لكم" أي: أي شيء عرض لكم حتى جهشتم إلى "قالوا: يا رسول الله! ليس عندنا ماء نتوضأ به، ولا ماء نشربه" وماء بالهمز في اليونينية، وفي بعض النسخ لم يضبطها "إلا ما بين يديك" ومعلوم أنه لا يكفي، وجعلوا ما بين يديه عندهم، لعلمهم أنه لا يمنعهم منه، فالاستثناء متصل، "فوضع" ﷺ "يده في الركوة، فجعل الماء يثور" بالمثلثة للأكثر، وللكشميهني بالفاء، وهما بمعنى، أي: ينبع الماء ويرتفع لزيادته "من بين أصابعه، كأمال العيون" أي: مائها الذي يخرج منها، والغرض وصف الماء الخارج من أصابعه بالكثرة.
وقال بعض: أي: كان بين كل أصبعين من أصابعه عين ماء نابعة، "فشربنا وتوضأنا، قلت" هو مقول سالم بن أبي الجهد راويه عن جابر، أي: قلت له "كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا" ذلك الماء لما شاهد من ثورانه الدال على عدم انقطاعه، "كنا خمس عشرة مائة" يعني: ألفًا وخمسمائة.
قال الطيبي: عدل عن الظاهر لاحتمال التجوز في الكثرة والقلة، وهذا يدل على أنه اجتهد فيه، وغلب على ظنه المقدار، لكن يخالفه قول البراء عند البخاري: كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، ورجح البيهقي هذه الرواية على الأولى، بل قيل: إنها وهم، وجمع بأنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة، فمن قال: وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال: وأربعمائة ألغاه، ويؤيده رواية البخاري من وجه آخر عن البراء: كنا ألفًا وأربعمائة أو أكثر، فأو بمعنى بل تفيد ذلك، واعتمدстр. 3124
أي يغلي ويظهر متدفقًا.
وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت عنه في حديث مسلم الطويل في ذكره غزوة بواط، قال لي رسول الله ﷺ : "ناد: الوضوء". وذكر الحديث بطوله، أنه لم يجد إلا قطرة في عزلاء شجب
الحواشي
(١) النووي هذا الجمع لصحة الروايات كلها، كما تقدم بسط ذلك في الحديبية، "وقوله: يثور" بالمثلثة أو الفاء، لأنهما بمعنى؛ كما قال الحافظ، "أي: يغلي ويظهر متدفقًا" عطف تفسير, يقال للشيء إذا زاد وارتفع قد غلى؛ كما في المصباح، وبه تعلم أنه لا يشترط في الغليان حصوله بحرارة النار.
"وفي رواية الوليد بن عبادة بن الصامت" الأنصاري، المدني، أبي عبادة، ثقة، من كبار التابعين، ولد في عهد النبي ﷺ ، ومات بعد السبعين، روى له الشيخان والترمذي والنسائي، "عنه" أي: عن جابر "في حديث مسلم الطويل" صفة لحديث في آواخر صحيحه، نحو ورقتين في باب سيرة النبي ﷺ ، "في ذكر غزوة بواط" بضم الباء وفتحها، وخفة الواو مفتوحة، وألف، ومهملة جبال جهينة على أبراد من المدينة بقرب ينبع ثاني غزواته ﷺ ، قال: "قال لي رسول الله ﷺ : "ناد" أمر من النداء محذوف الآخر المعتل، أي: ناد الناس، فقال لهم: أعطوا أو ناولوا "الوضوء" بفتح الواو: الماء الذي يتوضأ به، فنصب بمقدر، "وذكر الحديث بطوله" وهو: فقلت: ألا وضوء، ألا وضوء، ألا وضوء، قال: قلت: يا رسول الله! ما وجدت في الركب من قطر، وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول الله ﷺ وأصحاب له ماء في أشجاب على حمارة، فلم أجد إلا قطرة وعزلاء شجب، منها لو أني أفرغه لشربه، يابس الإناء، قال: "اذهب فائت به"، فأتيته به، فأخذه بيده، فجعل يتكلم بشيء لا أدري ما هو، ويغمز بيده، ثم أعطانيه، فقال: "يا جابر ناد بجفنة" فقلت: يا جفنة الركب، فأتى بها تحمل، فوضعها بين يديه، فقال ﷺ : بيده هكذا، فبسطها وفرق بين أصابعه، ثم وضعها في قعر الجفنة، وقال: "خذ يا جابر، فصب علي وقل: بسم الله". فصببت عليه وقلت بسم الله، فرأيت الماء يفور من بين أصابعه ﷺ ، ثم فارت الجفنة ودارت حتى امتلأت، فقال: "يا جابر ناد من كانت له حاجة بماء"، قال: فأتى الناس، فاستقوا حتى رووا وبقي، فقلت: هل بقي أحد له حاجة، فرفع ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى، الحديث.
قال الحافظ: وهذه القصة أبلغ من جميع ما تقدم لاشتمالها على قلة الماء، وعلى كثرة من استقى منه، فذكر المصنف معناه تبعًا للشفاء بقوله: "وإنه" أي: جابرًا "لم يجد" عند الأنصاري "إلا قطرة" أي: ماء قليلا جدًا، "في عزلاء" بفتح المهملة، وسكون الزاي، ولام، بعدها مدةстр. 3125
فأتى به النبي ﷺ فغمزه وتكلم بشيء لا أدري ما هو، وقال: "ناد بجفنة الركب". فأتيت بها فوضعتها بين يديه، وذكر أن النبي ﷺ بسط يده في الجفنة وفرق أصابعه وصب عليه جابر، وقال: بسم الله، قال فرأيت الماء يفور من بين أصابعه، ثم فارت الجفنة واستدارت حتى امتلأت وأمر الناس بالاستقاء فاستقوا حتى رووا، فقلت: هل
الحواشي
(١) وهمزة: فم القربة الأسفل أو مصب الماء من الراوية، مضاف إلى "شجب" بفتح المعجمة، وحكي كسرها، ولا يصح سكون الجيم وموحدة، أي: فم قربة معلقة بعود أو بالية، فالشجب عود يعلق عليه القرب والثياب والأواني بالماء على الصحيح، وقيل: ما قدم من القرب، "فأتي" بالبناء للمفعول، والفاعل "به النبي ﷺ ، فغمزه" بفتح، المعجمة والميم، والزاي: عصره وحركه، أو وضع يده عليه وكبسه بها، "وتكلم بشيء لا أدري ما هو" كأنه سر من أسرار الله، تكلم به بالسريانية ونحوها ليخفى على غيره، كذا قال بعض أو بالعربية، وأسره فلم يدره جابر، "وقال: "ناد بجفنة" كقصعة لفظًا ومعنى: إناء يشبع عشرة فأكثر، ودونها الصحفة تشبع خمسة، ثم الماكلة تشبع الرجلين والثلاثة، ثم الصحيفة مصغر تشبع الواحد، وقيل: الجفنة كالصحفة، وقيل: أعظم منها، "الركب" بزيادة الباء أو بتضمين ناد معنى صح أو ائت، بدليل قوله: "فأتيت بها فوضعتها بين يديه" بالبناء للمفعول؛ كما قاله البرهان وغيره، وقيل: مفعول ناد محذوف، أي: ناد القوم يؤتوا بجفنة أو نزلها منزلة العاقل؛ لأن الله خلق فيها إدراكًا حتى تنادي هي، ثم ظاهره أن الركب كان لهم جفنة معينة يستعملونها في حوائجهم، أو يضعون فيها الطعام، ويجتمعون عليها عند الأكل مثلا، وهذا مقتضى الإضافة.
وقد علمت أن لفظ مسلم: "ناد بجفنة". فقلت: يا جفنة الركب، ولا منافاة لجواز أن المراد بها الجفنة المخصوصة، فالتنوين عوض عن المضاف إليه، أو على حقيقته؛ لأنه جوز أن يكون معهم غيرها، فأراد، أي: جفنة كانت.
"وذكر" جابر: "أن النبي ﷺ بسط" بالسين والصاد، وبهما قرئ، أي: وضع "يده في الجفنة" مبسوطة، ليكون أبرك، "وفرق أصابعه، وصب عليه جابر، وقال" جابر: "بسم الله" كما أمره بها، وزعم أن فاعل قال النبي ﷺ بعيد، بل يخالفه لفظ مسلم المار. "قال" جابر: "فرأيت الماء يفور" يزيد ويرتفع حتى يتدفق، "من بين أصابعه" ﵊، "ثم فارت الجفنة" أي: ارتفع ماؤها، فالمضاف مقدر، وإسناد مجازي للمبالغة في فورانه، "واستدارت" أي: دارت، كما هو لفظ مسلم، أي: دار الماء فيها من تسمية الحال باسم المحل؛ لأن الماء إذا زاد بسرعة يرى كأنه يدور، وقيل: الجفنة نفسها دارت لعظم الأمر وشرف الموضع، فاهتزت واضطربت، وتتابعت حركاتها، "حتى امتلأت" قال بعض: ولاстр. 3126
بقي من أحد له حاجة؟ فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة وهي ملأى.
وروى حديث جابر أيضًا الإمام أحمد في مسنده بلفظ: اشتكى أصحاب رسول الله ﷺ العطش، فدعا بعس فصب فيه شيئًا من الماء، ووضع رسول الله ﷺ فيه يده، وقال: "استقوا". فاستقى الناس، فكنت أرى العيون تنبع من بين أصابعه ﷺ .
وفي لفظ من حديثه له أيضًا: قال فوضع رسول الله ﷺ كفه في الإناء ثم قال: "بسم الله". ثم قال: "أسبغوا الوضوء". قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري، لقد رأيت العيون، عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه ﷺ فما رفعها حتى توضئوا أجمعون.
ورواه أيضًا عنه البيهقي في الدلائل قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فأصابنا عطش فجهشنا إلى رسول الله ﷺ قال: فوضع يده في تور
الحواشي
(١) محصل لهذا القيل، وفيه نظر، "وأمر الناس بالاستقاء، فاستقوا حتى رووا فقلت" مقول جابر، "هل" نافية، أي: ما "بقي من" زائدة "أحد له حاجة" كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾ ، و"هل ترك لنا عقيل من رباع"، بدليل زيادة من، وقوله: "فرفع رسول الله ﷺ يده من الجفنة" ويجوز أنها استفهامية، ومن زائدة والفاء في فرفع فصيحة، أي: فقالوا: لا، فرفع والأولى أَوْلى؛ لأن الأصل عدم التقدير، "وهي ملأى" أي: مملوأة بالماء لم تنقص شيئًا بما أخذوه.
"وروى حديث جابر أيضًا الإمام أحمد في مسنده، بلفظ: اشتكى أصحاب رسول الله ﷺ العطش، فدعا بعس" بضم العين، وشد السين المهملتين: قدح كبير، "فصب فيه شيئًا من الماء" قليلا، "ووضع رسول الله ﷺ فيه يده، وقال: "استقوا" فاستقى الناس، فكنت أرى العيون أي: عيون الماء "تنبع" تخرج "من بين أصابعه ﷺ ، وفي لفظ من حديثه" أي: جابر، "له" أي: لأحمد "أيضًا، قال: فوضع رسول الله ﷺ كفه في الإناء، ثم قال: "بسم الله" أتبرك وأطلب نبع الماء، ويحتمل القسم لصحة نيته بذلك، واقتصر عليه، لأنه المأثور في سائر الأفعال، لا لبيان جوازه بدون الرحمن الرحيم؛ كما زعم، ثم قال: "أسبغوا الوضوء" قال جابر: فوالذي ابتلاني ببصري أي: بفقده وذهابه؛ لأنه عمي في آخر عمره، "لقد رأيت العيون عيون الماء يومئذ تخرج من بين أصابعه ﷺ فما رفعها" أي: يده "حتى توضئوا أجمعون، ورواه أيضًا عند البيهقي في الدلائل" النبوية، "قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر" هو الحديبية، "فأصابنا عطش، فجهشنا" بفتح الجيم، والهاء، وتكسر: أسرعنا، "إلى رسول الله ﷺ ، قال" جابر: "فوضع يده في تور" بفتح الفوقية: شبه الطست، وقيل: هو الطست، ووقع في حديث شريك عن أنس في المعراج: أتي بطست من ذهب فيه تور، وظاهرهстр. 3127
من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون قال: خذوا بسم الله، فشربنا، فوسعنا وكفانا، ولو كنا مائة ألف لكفانا، قلت لجابر: كم كنتم؟ قال: ألفًا وخمسمائة.
وأخرجه ابن شاهين من حديث جابر أيضًا، وقال: أصابنا عطش بالحديبية فجهشنا إلى رسول الله ﷺ ، الحديث.
وأخرجه أيضًا -عن جابر- أحمد من طريق نبيح العنزي عنه، وفيه: فجاء رجل بإداوة فيها شيء من الماء ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح ثم توضأ فأحسن الوضوء، ثم.
الحواشي
(١) المغايرة بينهما، ويحتمل الترادف، فكان الطست أكبر من التور، قاله الحافظ: وقوله: فكان لا يلائم احتمال الترادف إلا أن يكون مراده الترادف اللغوي، وقال المصنف: التور إناء من صفرا وحجارة.
وفي القاموس: إناء يشرب فيه مذكر، "من ماء بين يديه، قال: فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنه العيون" لكثرة نبعه، "قال: "خذوا بسم الله" فشربنا، فوسعنا" عمنا "وكفانا" حتى روينا، ولا يلزم من الوسع الكفاية في الري، فلذا جمع بينهما، "ولو كنا مائة ألف لكفانا" لأنه مدد غير منقطع، قال سالم بن أبي الجعد: "قلت لجابر: كم كنتم؟ قال" كنا "ألفًا وخمسمائة".
"وأخرجه ابن شاهين" الحافظ، أبو حفص، عمر بن أحمد البغدادي، تقدمت ترجمته، وإن له المنتهى في التصنيف، له ثلاثمائة وثلاثون تصنيفًا، منها المسند ألف وستمائة مجلد، والتفسير ألف مجلد ضخم، وحاسب الحبار على ثمانية عشر قنطارًا من الحبر استجرها منه وجمع براية أقلامه عنده، وأوصى أن يسخن له ماء غسله، فكفت تسخينه.
قال ابن ماكولا وغيره: ثقة مأمون صنف ما لم يصنفه أحد، إلا أنه لحان ولا يعرف الفقه، مات سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، "من حديث جابر أيضًا، وقال" في سياقه: "أصابنا عطش بالحديبية، فجهشنا إلى رسول الله ﷺ ، الحديث.
"وأخرجه أيضًا عن جابر أحمد" الإمام في المسند، "من طريق نبيح" بضم النون ومهملة، مصغر ابن عبد الله "العنزي" بفتح المهملة والنون، ثم زاي، أبي عمرو الكوفي مقبول "عنه" أي: جابر، قال: سافرنا مع رسول الله ﷺ ، فحضرت الصلاة، فقال ﷺ : "أما في القوم طهور"؟. "وفيه" تلو هذا: "فجاء رجل بإداوة فيها شيء" قليل "من الماء، ليس في القوم ماء غيره، فصبه رسول الله ﷺ في قدح، ثم توضأ فأحسن الوضوء" أتم فرائضه ونوافله، "ثمстр. 3128
انصرف وترك القدح، قال: فتزاحم الناس على القدح فقال: على رسلكم، فوضع كفه في القدح ثم قال: أسبغوا الوضوء قال: فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه ﷺ .
وأما حديث ابن مسعود، ففي الصحيح من رواية علقمة: بينما نحن مع رسول الله ﷺ وليس معنا ماء، فقال لنا: "اطلبوا من معه فضل ماء". فأتي بماء فصبه في إناء، ثم وضع كفه فيه، فجعل الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) انصرف وترك القدح، قال" جابر: "فتزاحم الناس على القدح" أسقط من هذه الرواية، فقال: تمسحوا تمسحوا، فسمع ﷺ ، فقال: "على رسلكم" بكسر الراء: هينتكم، "فوضع كفه في القدح"، وفي رواية: فضرب يده في القدح في جوف الماء، ثم قال: "أسبغوا الوضوء"، أتموه بفرضه، ونقله ولا تمسحوا، "قال" جابر: "فلقد رأيت العيون عيون الماء تخرج من بين أصابعه ﷺ " حتى توضئوا أجمعون، قال: حسبته قال: كنا مائتين وزيادة هذا بقية رواية نبيح؛ كما في الفتح.
"وأما حديث ابن مسعود، ففي الصحيح" أي الحديث الصحيح أو صحيح البخاري، "من رواية علقمة" بن قيس بن عبد الله النخعي، الكوفي، التابعي، الكبير، ثقة، ثبت، فقيه عابد، مات بعد الستين، وقيل: بعد السبعين عن عبد الله، يعني ابن مسعود، قال: "بينما" بالميم، وفي رواية: بينا بلا ميم، "نحن مع رسول الله ﷺ " أي: في سفر؛ كما في البخاري، وجزم البيهقي في الدلائل؛ بأنه الحديبية، لكن لم يخرج ما يصرح به، وقد روى أبو نعيم في الدلائل أن ذلك في غزوة خيبر، فهذا أولى؛ كما في الفتح، "وليس معنا ماء" جملة حالية، فقال لنا: "اطلبوا من معه فضل ماء" أي: بقية ماء كان أو زيادة منه على حاجته، "فأتى بماء" بالبناء للمفعول، والفاء فصيحة، أي: فطلبوا الماء، فوجده بعضهم، فأتى به، وفي البخاري: فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، ولأبي نعيم عن ابن عباس: دعا ﷺ بلالا بماء فطلبه فلم يجده، "فصبه في إناء" آخر مكشوف ليدخل يده فيه "ثم وضع كفه فيه" أي: في الإناء الثاني، والعطف بثم، لما بينهما من تراخ قليل، "فجعل" أي: صار "الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ " وفي رواية ابن عباس: فبسط كفه فيه، فنبعت تحت يده عين، فجعل ابن مسعود يشرب ويكثر.
وفي رواية عن ابن مسعود: فجعلت أبادرهم إلى الماء، أدخله في جوفي؛ لقوله: "البركة من الله" ثم ما ذكره المصنف من لفظ الحديث، وعزاه للصحيح مثله في الشفاء، ولفظ البخاري في علامات النبوة من رواية علقمة عن عبد الله، قال: كنا نعد الآيات بركة، وأنتمстр. 3129
وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر -للبركة الحاصلة فيه- يفور ويكثر، وكفه ﷺ في الإناء، فيراه الرائي نابعًا من بين أصابعه.
وظاهر كلام القرطبي: أنه نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع، وبه صرح النووي في شرح مسلم، ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وفي رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه، وهذا هو الصحيح، وكلاهما معجزة له ﷺ .
الحواشي
(١) تعدونها تخويفًا، كنا مع رسول الله ﷺ في سفر فقل الماء، فقال: "اطلبوا فضلة من ماء"، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: "حي على الطهور المبارك والبركة من الله" فلقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع النبي ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل.
"وظاهر هذا أن الماء كان ينبع من بين أصابعه" لا حقيقة، بل "بالنسبة إلى رؤية الرائي، وهو في نفس الأمر للبركة الحاصلة فيه" متعلق بقوله: "يفور ويكثر" في نفسه من غير خروجه من أصابعه، الشريفة، "وكفه ﷺ في الإناء، فيراه الرائي نابعًا من بين أصابعه" وليس بنابع حقيقة.
"وظاهر كلام القرطبي" المتقدم أول هذا المبحث: "أنه نبع من نفس اللحم الكائن في الأصابع" لقوله: نبع الماء من عظمه ولحمه ودمه، وقدمت أن الحافظ أبدى فيه احتمال كونه بالنسبة للرؤية، وأن ظاهره أبلغ، وليس في الأخبار ما يرده.
"وبه صرح النووي في شرح مسلم" فقال: وفي كيفية هذا النبع، قولان، حكاهما عياض وغيره، أحدهما وهو قول أكثر العلماء والمزني: أن الماء كان يخرج من ذات أصابعه، والثاني: أن الماء كثر في ذاته، فصار يفور من بين أصابعه، انتهى.
ودعوى المصنف أن حديث ابن مسعود ظاهر في الثاني، فيها نظرًا؛ إذ هو محتمل، بل الظاهر منه الأول كبقية الأحاديث، "ويؤيده قول جابر: فرأيت الماء يخرج من بين أصابعه، وفي رواية: فرأيت الماء ينبع من بين أصابعه" فقوله: يخرج وينبع ظاهر في أنه من ذاتها، "وهذا هو الصحيح، وكلاهما" أي: الأمرين كثرته في نفسه ببركته، وخروجه من ذات أصابعه "معجزة له ﷺ " وقول الأكثر أبلغ في المعجزة، وأفرد معجزة نظرًا للفظ كلا، فيجوز مراعاة لفظها ومعناها، واجتمعا في قوله:
كلاهما حين جد الجري بينهما ... قد أقلع وكلا أنفيهما رابيстр. 3130
وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء ولا وضع إناء تأدبًا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات وإيجادها من غير أصل.
وروى ابن عباس قال: دعا النبي ﷺ بلالا فطلب الماء، فقال: لا والله ما وجدت الماء، قال: "فهل من شن"؟. فأتي بشن فبسط كفه فيه فانبعثت تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب وغيره يتوضأ، رواه الدارمي وأبو نعيم، وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبي رافع عن أبيه عن جده.
الحواشي
(١) "وإنما فعل ذلك ولم يخرجه من غير ملابسة ماء، ولا وضع إناء تأدبًا مع الله تعالى، إذ هو المنفرد بابتداع المعدومات" إيجادها على غير مثال سابق، "وإيجادها من غير أصل" تتولد منه.
وفي فتح الباري: الحكمة في طلبه ﷺ في هذه المواطن فضلة الماء، لئلا يظن أنه الموجد للماء، ويحتمل أنه إشارة إلى أن الله أجرى العادة في الدنيا غالبًا بالتوالد، وأن بعض الأشياء يقع بثها بالتوالد، وبعضها لا يقع، ومن جملة ذلك ما يشاهد من فوران بعض المائعات إذا خمرت وتركت زمانًا، ولم تجر العادة في الماء الصرف بذلك، فكانت المعجزة بذلك ظاهرة جدًا، انتهى.
"وروى ابن عباس، قال: دعا" نادى "النبي ﷺ بلالا" بماء؛ كما في الرواية، "فطلب" بلال "الماء، فقال" بلال: "لا والله ما وجدت الماء"، قال: "فهل من شن"؟. بفتح المعجمة وبالنون، إداوة يابسة، "فأتي بشن، فبسط كفه" اليمنى على الظاهر "فيه، فانبعثت" انفرجت "تحت يده عين، فكان ابن مسعود يشرب" ويكثر؛ كما في الرواية، وكان "غيره يتوضأ، رواه الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن، "وأبو نعيم" في الدلائل، قال الحافظ: وهذا يشعر بأن ابن عباس حمل الحديث عن ابن مسعود، فإن القصة واحدة، ويحتمل أن يكون كل من بلال وابن مسعود أحضر الإداوة، فإن الشن الإداوة اليابسة، انتهى.
"وكذا رواه الطبراني وأبو نعيم من حديث أبي ليلى الأنصاري" والد عبد الرحمن، قيل: اسمه بلال، وقيل: بليل بالتصغير، وقيل: داود بن بلال، وقيل: أوس، وقيل: يسار، وقيل: اليسر، وقيل: اسمه وكنيته.
وقال ابن الكلبي: أبو ليلى بن بلال بن بليل بن أحيحة، وتميم نسبة إلى مالك بن الأوس، وقال غيره: شهد أحدًا وما بعدها، ثم سكن الكوفة، وكان مع علي في حروبه، وقيل: إنه قتل بصفين، روى عن النبي ﷺ ، وعنه ولده عبد الرحمن وجده.
وقال الدولابي: روى عنه أيضا عامر بن كدين، قاضي دمشق، وليس كما قال: فشيخ عامر هو أبو ليلى الأشعري؛ كما في الإصابة، وله أحاديث في السنن.
"وأبو نعيم من طريق القاسم بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه، عن جده" أبي رافع، واسمه أسلم، على أشهر أقوال عشرة تقدمت غير مرة، مولى النبي ﷺ ، فقد ذكر المصنف ستة صحابة رووا حديث نبع الماء، فزاد أبا رافع على الحافظ.стр. 3131
" تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته ﷺ ":
ومن ذلك تفجر الماء ببركته، وابتعاثه بمسه ودعوته.
روى مسلم في صحيحه عن معاذ أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي". قال: فجئناها، وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك تبض
الحواشي
(١) تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته ﷺ :
"ومن ذلك تفجر الماء" وفي نسخة: تفجير، فأطلق المصدر وأراد أثره وهو التفجر مجازًا إذ التفجير من فعل الله لا من الماء، فالمراد منه التفجر أو المراد بتفجيره شق محله الذي يخرج منه، أو المصدر مضاف لمفعوله بعد حذف الفاعل، أي: تفجير الله الماء بمعنى إخراجه، "ببركته" أي: يمنه ووجوده في مكان أخرج منه الماء، "وابتعاثه" افتعال من البعث، وهو الإثارة والإخراج للماء حتى يجري، وفي نسخة: انبعاثه بالنون انفعال، وهما بمعنى واحد، يقال: بعثه، فابتعث، وانبعث "بمسه" لمحله "ودعوته" دعائه لله تعالى، وآخر هذا عن نبعه من أصابعه لقوة ذاك في المعجزة على هذا الاحتمال كونه اتفاقيًا.
"روى مسلم في صحيحه" في فضائل النبي من طريق مالك، عن أبي الزبير، عن عامر بن واثلة، "عن معاذ" بن جبل: "أن رسول الله ﷺ قال: "إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك" التي بها لا ينصرف على المشهور لوزن الفعل كتقول، وقد يصرف على إرادة الموضع مكان بين المدينة والشام، "وإنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها" أي: قبلي، بدليل قوله: "فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي" بالمد: أجيء، "فجئناها وقد سبق إليها رجلان، والعين مثل الشراك" بكسر المعجمة، وفتح الراء، وألف، وكاف: سير النعل الذي على وجهه، شبهه به لضعفه وقلة جريه، وليس بمعنى أخدود في الأرض؛ كما توهم، "تبض" بفتح التاء وكسر الموحدة، وتشديد الضاد المعجمة، أي: تقطر وتسيل؛ كما رواه ابن مسلمة، وابن القاسم في الموطأ، ورواه يحيى وطائفة، بصاد مهملة، أي: تبرق، قاله الباجي، وبهما روىстр. 3132
بشيء من ماء، فسألهما رسول الله ﷺ : "هل مسستما من مائها شيئًا"؟. قالا: نعم، فسبهما وقال لهما ما شاء الله أن يقول: ثم غرفوا من العين قليلا قليلا حتى اجتمع في شيء، ثم غسل ﵇ وجهه ويديه به ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير فاستقى الناس ثم قال ﵊: "يا معاذ، يوشك إن طالت بك حياة أن ترى ما هاهنا قد ملئ جنانًا"، أي بساتين وعمرانًا، وهذا أيضًا من معجزاته ﵊.
ورواه القاضي عياض في الشفاء بنحوه من طريق مالك في.
الحواشي
(١) أيضًا في مسلم، "بشيء من ماء" يشير إلى تقليله، فسألهما رسول الله ﷺ : "هل مسستما" بكسر السين الأولى على الأفصح، وتفتح "من مائها شيئًا"؟. "قالا: نعم" لأنهما لم يعلما نهيه أو حملاه على الكراهة أو نسياه إن كان مؤمنين، وقد روى أبو بشر الدولابي، أنهما كانا من المنافقين، "فسبهما" لمخالفتهما أمره ونفاقهما، أو حملهما النهي على الكراهة إن كانا مؤمنين، فإن كان لم يعلما أو نسيا فسبهما لكونهما تسببًا في فوات ما أراده من إظهار المعجزة، كما يسب الناسي والساعي، ويلامان إذا كان سببًا في فوات محروس عليه، قاله الباجي في شرح الموطأ.
"وقال لهما ما شاء الله أن يقول: ثم غرفوا من العين" بأيديهم "قليلا قليلا" بالتكرار، "حتى اجتمع" الماء الذي غرفوه "في شيء" من الأواني التي كانت معهم ولا قلب فيه، وإن أصله غرفوا في شيء حتى اجتمع ماء كثير؛ كما توهم، "ثم غسل ﵇ وجهه ويديه" للبركة "به" أي: الماء، والذي في مسلم، وفي الموطأ فيه بدل به، وضميره قيل عائد على الشيء، أي: الإناء، والظاهر أنه للماء أيضًا، وعبر بفي لمشاكلة قوله: "ثم أعاده فيها، فجرت العين بماء كثير" نقل بالمعنى، ولفظ مسلم: فجرت العين بماء منهمر، وقال غزير: شك أبو علي، أي: راويه عن مالك. نعم لفظ الموطأ بماء كثير، كلفظ المصنف، لكنه لم يعزه له، "فاستقى الناس" شربوا وسقوا دوابهم، "ثم قال ﵊: "يا معاذ، يوشك" يقرب ويسرع من غير بطء "إن طالت بك حياة" أي: إن أطال الله عمرك، ورأيت هذا المكان، "أن ترى" بعينك فاعل يوشك، وإن بالفتح مصدرية، "ما" موصول، أي: الذي "هاهنا" هو إشارة للمكان، "قد ملئ" بالبناء للمفعول "جنانًا" نصب على التمييز، بكسر الجيم جمع بفتحها، "أي: بساتين وعمرانًا"، أي: يكثر ماؤه ويخصب أرضه، فيكون بساتين ذات ثمار وشجر كثيرة، "وهذا أيضًا من معجزاته ﵊" لأنه إخبار بغيب وقع، "ورواه" بمعنى: ذكره "القاضي عياض في الشفاء بنحوه من طريق مالك" أي: ناسبًا له بلفظ: روى مالك "فيстр. 3133
الموطأ، وزاد فقال: قال في حديث ابن إسحاق: فانخرق من الماء ماء له حس كحس الصواعق.
وفي البخاري، في غزوة الحديبية، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم: أنهم نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد قليل الماء يتبرضه الناس تبرضًا.
الحواشي
(١) الموطأ" عن معاذ، "وزاد" بعده، "فقال" عياض: "قال" معاذ "في حديث ابن إسحاق" في السيرة: "فانخرق" انفجر انفجارًا بشدة "من الماء، ماء له حس" صوت، "كحس الصواعق" جمع صاعقة: الصيحة، فهو تشبيه محسوس بمحسوس، قال التلمساني: وهي والصعقة: النار تسقط من السماء إلى الأرض في رعد شديد، وصيحة العذاب، وقطعة من النار تسقط إلى الأرض، انتهى، لكن هذا إنما ذكره ابن إسحاق في قصة أخرى بعد ارتحاله من تبوك، فقال: فأقام رسول الله ﷺ بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، أي: تبوك، ثم انصرف قافلا إلى المدينة، وكان في الطريق ماء يروي الراكب والراكبين والثلاثة بواد يقال له وادي المشقق، فقال ﷺ : "من سبقنا إلى ذلك الماء، فلا يستقي منه شيئًا حتى نأتيه"، فسبق إليه نفر من المنافقين، فاستقوا، فلما أتاه ﷺ وقف عليه، فلم ير فيه شيئًا، فقال: "من سبقنا إلى هذا الماء"؟. فقيل: فلان وفلان، فقال: "أو لم أنههم أن يستقوا منه شيئًا حتى آتيه" ثم لعنهم ودعا عليهم، ثم نزل فوضع يده تحت الرسل، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا بما شاء أن يدعو، فانخرق من الماء ماء له حس، كحس الصواعق، فشرب الناس وأسقوا حاجتهم منه، فقال صلى الل عليه وسلم: "لئن بقيتم أو من بقي منكم، ليسمعن بهذا الوادي وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه" انتهى.
"وفي البخاري في غزوة الحديبية من حديث المسور"، بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو، وبالراء، "ابن مخرمة" بفتح الميم، وسكون المعجمة، بن نوفل، بن أهيب، بن عبد مناف، بن زهرة القرشي، الزهري، له ولأبيه صحبة، مات سنة أربع وستين، "ومروان بن الحكم" بن أبي العاصي، بن أمية، بن عبد شمس، بن عبد مناف القرشي، الأموي، لم تثبت له صحبة.
قال الحافظ: وهذا الحديث مرسل، فمروان لا صحبة له، والمسور لم يحضر القصة، وقد رواه البخاري في أول كتاب الشروط عن المسور ومروان أخبرا عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وقد سمعا جميعًا، صحابة شهدوا هذه القصة، كعمر، وعثمان، وعلي، والمغيرة، وأم سلمة، وسهل بن حنيف، "أنهم"، أي: النبي ﷺ وأصحابه، "نزلوا بأقصى الحديبية على ثمد" بفتحتين: "قليل الماء يتبرضه"، بتحتية، ففوقية، فموحدة، فراء ثقيلة، فضاد معجمة: يأخذه "الناس تبرضًا"стр. 3134
فلم يلبثه الناس حتى نزحوه وشكي إلى رسول الله ﷺ العطش، فانتزع سهمًا من كنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، فوالله ما زال يجيش لهم بالري حتى صدروا عنه.
والثمد -بالمثلثة والتحريك- الماء القليل.
الحواشي
(١) نصب على أنه مفعول مطلق من باب النقل للتكلف، "فلم يلبثه الناس".
قال الحافظ: بضم أوله، وسكون اللام من الألبان، وقال ابن التيمي: بفتح أوله، وكسر الموحدة المنقلة، أي: لم يتركوه يلبث، أي: يقيم، انتهى.
وقال المصنف: بضم أوله، وفتح اللام، وشد الموحدة، وسكون المثلثة في الفرع، وأصله مصححًا عليه، "حتى نزحوه" بنون، فزاي، فحاء مهملة، أي: لم يبقوا منه شيئًا.
قال الحافظ: ووقع في شرح ابن التين، بفاء بدل الحاء، ومعناهما واحد، وهو أخذ الماء شيئًا بعد شيء حتى لا يبقى منه شيء، "وشكى" بالبناء للمفعول "إلى رسول الله ﷺ العطش" بالرفع نائب الفاعل، "فانتزع سهمًا من كنانته" بكسر الكاف: جعبته التي فيها النبل، "ثم أمرهم أن يجعلوه فيه" أي: الثمد.
روى ابن سعد من طريق أبي مروان، قال: حدثني أربعة عشر رجلا من الصحابة: أن الذي نزل البئر ناجية بن الأعجم، وقيل: هو ناجية بن جندب، وقيل: البراء بن عازب، وقيل: عباد بن خالد، حكاه الواقدي، ووقع في الاستيعاب: خالد بن عبادة.
قال في الفتح: ويمكن الجمع بأنهم تعاونوا على ذلك بالحفر وغيره، "فوالله ما زال يجيش" بفتح أوله، وكسر الجيم، وسكون التحتية ومعجمة، "لهم بالري" بكسر الراء، ويجوز فتحها "حتى صدروا عنه" أي: رجعوا بعد ورودهم.
زاد ابن سعد: حتى اغترفوا بآنيتهم جلوسًا على شفير البئر.
وعند ابن إسحاق: فجاش بالرواء حتى ضرب الناس عنه بعطن، "والثمد بالمثلثة" المفتوحة "والتحريك" أي: "فتح الميم "الماء القليل".
وقال في الفتح أي: حفرة فيها ماء قليل، يقال: ماء مثمود، أي: قليل؛ فقوله: قليل الماء تأكيدًا لدفع توهم أن يراد لغة من يقول الثمد الماء الكثير، وقيل: الثمد ما يظهر من الماء في الشتاء ويذهب في الصيف، انتهى، وهذا أولى من تفسير المصنف بالماء القليل؛ لأنه يصير في قوله قليل الماء خزازة، لرجوع معناه إلى أنهم نزلوا على ماء قليل، أي: قليل الماء لكن تعقب بعض كلام الحافظ؛ بأنه إنما يتم إن ثبت لغة أن الثمد الماء الكثير، واعترض الدماميني قوله تأكيد؛ بأنه لو اقتصر على قليل أمكن، أما مع إضافة إلى الماء فيشكل؛ كقولنا: هذا ماء قليل الماء نعم، قال الرازي: الثمد العين، وقال غيره: حفرة فيها ماء؛ فإن صح فلا إشكال.стр. 3135
وقوله: "يتبرضه الناس تبرضًا" -بالضاد المعجمة- أي يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشيء القليل.
وقوله: "ما زال يجيش" -بفتح المثناة التحتية، وبالجيم، آخره شين معجمة- أي: يفور ماؤه ويرتفع.
وفي رواية: أنه ﷺ توضأ فتمضمض ودعا ومج في بئر الحديبية منه، فجاشت بالماء كذلك.
وفي مغازي أبي الأسود عن عروة: أنه توضأ في الدلو، ومضمض فاه ثم مج فيه، وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهمًا من كنانته وألقاه في البئر ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها وهم جلوس على شفيرها، فجمع بين الأمرين.
وكذا رواه الواقدي من طريق أوس بن خولى.
الحواشي
(١) "وقوله: يتبرضه الناس تبرضا، بالضاد المعجمة، أي: يأخذونه قليلا قليلا، والبرض: الشيء القليل" قال الحافظ: البرض، بالفتح والسكون: اليسير من العطاء.
وقال صاحب العين: هو جمع الماء بالكفين، "وقوله: فما زال" أي: استمر "يجيش، بفتح المثناة التحتية، وبالجيم، آخره شين معجمة، أي: يفور ماؤه ويرتفع".
"وفي رواية" للبخاري عن البراء: "أنه ﷺ توضأ، فتمضمض، ودعا، ومج في بئر الحديبية منه، فجاشت بالماء كذلك" ولم يذكر إلقاء السهم.
"وفي مغازي أبي الأسود" محمد بن عبد الرحمن الأسدي، المدني، يتيم عروة بن الثقات، "عن عروة" بن الزبير، أحد الفقهاء مرسلا: "أنه" ﷺ "توضأ في الدلو، ومضمض فاه، ثم مج فيه" في الدلو، "وأمر أن يصب في البئر، ونزع سهمًا من كنانته" جعبته، "وألقاه في البئر" أي: أمرهم بإلقائه؛ لرواية البخاري قبل. "ودعا الله تعالى، ففارت" بفاءين من الفوران: ارتفعت "حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم جلوس على شفيرها" بالمعجمة والفاء: حافتها، "فجمع" في هذه الرواية "بين الأمرين" التوضؤ والمج منه، وإلقاء سهم من كنانته، ففي رواية البخاري اختصار، وفيه معجزات ظاهرة وبركة سلاحه، وما ينسب إليه ﷺ ، "وكذا رواه الواقدي" محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، الحافظ، المتروك مع سعة علمه، "من طريق أوس بن خولى" بفتح الخاء المعجمة، وفتح الواو، ضبطه العسكري في كتاب التصحيف؛ كما في التبصير الأنصاري الخزرجي، صحابي شهير.стр. 3136
وهذه القصة غير القصة السابقة في ذكر نبع الماء من بين أصابعه ﷺ مما رواه البخاري في المغازي من حديث جابر: عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة فجعل الماء يفور من بين أصابعه. الحديث.
فبين القصتين مغايرة، وجمع ابن حبان بينهما: بأن ذلك وقع في وقتين، انتهى.
فحديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء، وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك. ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من بين أصابعه ويده في الركوة، وتوضئوا كلهم وشربوا أمر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر فتكاثر الماء فيها. انتهى.
وفي حديث البراء وسلمة بن الأكوع مما رواه البخاري في قصة الحديبية وهم أربع عشرة مائة، وبئرها لا تروي خمسين شاة، فنزحناها.
الحواشي
(١) قال ابن سعد: مات قبل حصر عثمان، "وهذه القصة غير القصة السابقة" قريبًا "في ذكر نبع الماء من بين أصابعه ﷺ مما رواه البخاري" ومسلم، كلاهما "في المغازي من حديث جابر" قال: "عطش الناس بالحديبية وبين يدي رسول الله ﷺ ركوة" فذكر الحديث، وفيه: "فجعل الماء يفور من بين أصابعه، الحديث" المتقدم قريبًا؛ "فبين القصتين مغايرة" ظاهرة؛ لأنه قال في حديث جابر: فجعل الماء يفور من بين أصابعه، وفي حديث البراء: أنه صب ماء وضوئه في البئر، "وجمع ابن حبان بينهما بأن ذلك وقع في وقتين، انتهى" فالقصة متعددة؛ "فحديث جابر في نبع الماء كان حين حضرت صلاة العصر عند إرادة الوضوء" له، "وحديث البراء كان لإرادة ما هو أعم من ذلك" كشرب وسقي دواب، "ويحتمل أن يكون الماء لما تفجر من بين أصابعه ويده في الركوة، وتوضئوا كلهم وشربوا، أمر حينئذ بصب الماء الذي بقي في الركوة في البئر" ظرف لصب، "فتكاثر الماء فيها" فتكون قصة واحدة، "انتهى" من فتح الباري وزاد: وفي حديث زيد بن خالد أنهم أصابهم مطر بالحديبية، فكان ذلك وقع بعد القصتين المذكورتين، والله أعلم.
"وفي حديث البراء" بن عازب، "وسلمة بن الأكوع مما رواه البخاري" لو زاد مسلم لاستقام على التوزيع، فالبخاري روى حديث البراء، ومسلم حديث سلمة، "في قصة الحديبية، وهم أربعة عشر مائة، وبئرها لا تروى" بضم الفوقية "خمسين شاة" الشاة المعروفة، وروى إشاءة، بكسر الهمزة الأولى، وفتح الأخيرة، وهي السخلة الصغيرة، "فنزحناها" أخرجنا جميعстр. 3137
فلم نترك فيها قطرة، فقعد رسول الله ﷺ على جباها، قال البراء: وأتي بدلو منها فبصق فدعا، وقال سلمة: فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فأرووا أنفسهم وركابهم، وقال في رواية البراء: ثم مضمض ودعا ثم صبه فيها ثم قال: "دعوها ساعة".
قوله: "على جباها" -بفتح الجيم والموحدة والقصر- ما حول البئر، وبالكسر: ما جمعت فيه من الماء.
وقوله:
الحواشي
(١) مائها، "فلم نترك فيها قطرة، رسول الله ﷺ على جباها، قال البراء: وأتى" بالبناء للمفعول "بدلو منها" أي: بماء مما نزحوه، "فبصق" بالصاد، وفي رواية بالسين وهما لغتان، أي: ألقى ريقه، "فدعا" الله سرًا بعد بصاقه، فجمع بينهما على رواية البراء، وليس هنا أداة شك، فلا يصح احتمال أنه شك من الراوي هل بصق أو دعا؛ لقوله: "وقال سلمة: فإما دعا وإما بصق" بكسر الهمزتين، بيان للشك في الرواية؛ لأنه لا يلزم من وقوع الشك في رواية سلمة منه، أو ممن بعده وقوعه في رواية البراء، كما هو ظاهر "فيها" أي: البئر لا الدلو، كذا قيل، "فجاشت" البئر، أي: فار ماؤها وارتفع لفمها، "فأرووا أنفسهم" بشربهم "وركابهم" إبلهم لسقيهم منها، "وقال في رواية البراء: ثم مضمض ودعا" الله سرًا، "ثم صبه" الماء الذي توضأ وتمضمض به "فيها" أي: البئر، "ثم قال: "دعوها ساعة" مقدارا من الزمان، وفي رواية للبراء: فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا، ولفظ البخاري من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء، قال: تعدون أنتم الفتح فتح مكة، وقد كان فتح مكة فتحًا، ونحن نعد الفتح بيعة الرضوان يوم الحديبية، كنا مع النبي ﷺ أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنزحناها فلم نترك فيها قطرة، فبلغ ذلك النبي ﷺ ، فأتاها، فجلس على شفيرها، ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، وتمضمض، ودعا ثم صبه فيها فتركناها غير بعيد، ثم إنها أصدرتنا ما شئنا ونحن وركابنا، ولفظه من طريق زهير: حدثنا أبو إسحاق: أنبأنا البراء أنهم كانوا مع رسول الله ﷺ ، يوم الحديبية ألفًا وأربعمائة أو أكثر، فنزلوا على بئر فنزحوها، فأتوا النبي ﷺ فأتى البئر وقعد على شفيرها، ثم قال: "ائتوني بدلو من مائها"، فأتي به، فبصق، ثم قال: "دعوها ساعة"، فأرووا أنفسهم وركابهم، حتى ارتحلوا، ولفظ مسلم عن سلمة: قدمنا الحديبية مع رسول الله ﷺ ونحن أربع عشر مائة، وعليها خمسون شاة لا ترويها، فقعد ﷺ على جبا الركية، فإما دعا وإما بصق فيها، فجاشت فسقينا واستقينا.
"قوله: على جباها، بفتح الجيم والموحدة والقصر: ما حول البئر، وبالكسر: ما جمعت فيها" عبارة غيره: ما جمع فيها "من الماء" وروى شفاها بمعجمة وهما بمعنى، "وقوله:стр. 3138
"وركابهم" أي الإبل التي يسار عليها.
وفي الصحيحين عن عمران بن الحصين قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلانا -كان يسميه أبو رجاء.
الحواشي
(١) وركابهم، أي: الإبل التي يسار عليها. وفي الصحيحين" البخاري في التيمم وعلامات النبوة، ومسلم في الصلاة من حديث عوف: حدثنا أبو رجاء، "عن عمران بن حصين" بن عبيد، بن خلف الخزاعي، أسلم عام خيبر، وكان من فضلاء الصحابة وفقهائهم، يقول أهل البصرة عنه: كان يرى الحفظة، وتكلمه حتى اكتوى، روي له مائة وثمانون حديثًا في البخاري اثنا عشر، مات بالبصرة سنة اثنتين وخمسين، "قال: كنا مع رسول الله ﷺ في سفر" اختلف في أنه الحديبية، ففي مسلم عن ابن مسعود: أقبل ﷺ من الحديبية ليلا، فنزل، فقال: "من يكلؤنا"؟، فقال بلال: أنا ... الحديث، أو بطريق مكة؛ كما في الموطأ عن زيد بن أسلم مرسلا، أو بطريق تبوك؛ كما رواه عبد الرزاق عن عطاء بن يسار مرسلا، والبيهقي عن عقبة بن عامر، أو في جيش الأمراء؛ كما في أبي داود، وتعقبه أبو عمر؛ بأنها مؤتة، ولم يشهدها النبي ﷺ ، وهو كما قال؛ لكن يحتمل أن المراد بها غيرها، ذكره الحافظ، وقول المصنف: أو عند رجوعهم من خيبر، كما في مسلم، لا وجه له؛ إذ في قصة عمران قال: أول من استيقظ أبو بكر، ورواية مسلم: أول من استيقظ النبي ﷺ ، فلا يصح تفسير السفر المبهم هنا بما في مسلم، ولذا لم يذكر الحافظ هنا، وإنما ذكره استدلالا على تعدد الواقعة، أي: نومهم عن صلاة الصبح، كما مر بيانه في آخر المقصد الثالث، "فاشتكى" حذف من الحديث ما لم يتعلق به غرضه هنا، وهو: وإنا أسرينا حتى كنا في آخر الليل، وقعنا وقعة، ولا وقعة أحلى عند المسافر منها، فما أيقظنا إلا حر الشمس، فكان أول من استيقظ من منامه أبو بكر، ثم فلان، ثم فلان، يسميهم أبو رجاء، فنسي عوف، ثم عمر بن الخطاب الرابع، وكان النبي ﷺ إذا نام لم يوقظ حتى يكون هو يستيقظ؛ لأنا لا ندري ما يحدث له في نومه، فلما استيقظ عمر، ورأى ما أصاب الناس، وكان رجلا جليدًا، فكبر ورفع صوته بالتكبير حتى استيقظ بصوته النبي ﷺ ، فلما استيقظ شكوا إليه الذي أصابهم، فقال: "لا ضير أو لا تضير ارتحلوا" فارتحل، فسار غير بعيد، ثم نزل فدعا بالوضوء، فتوضأ، ونودي بالصلاة، فصلى بالناس، فلما انتقل من صلاته إذا هو برجل لم يصل، فقال: "ما منعك أن تصلي"؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: "عليك بالصعيد، فإنه يكفيك"، ثم سار فاشتكى "إليه الناس من العطش" أي: ما أصابهم من الشدة الحاصلة بسببه، "فنزل ﵇، فدعا فلانًا كان يسميه أبو رجاء" بفتح الراء، وخفة الجيم والمد، عمران بن ملحان، بكسر الميم، وسكون اللام، وبالحاء المهملة العطاري، ويقال: اسم أبيه تيم، وقيل غير ذلك في اسم أبيه مخضرم، أدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم بعد الفتح، وهو ثقة معمر،стр. 3139
ونسيه عوف -ودعا عليا، وقال: "اذهبا فابتغيا الماء". فانطلقنا فتلقينا امرأة بين مزادتين أو سطيحتين من ماء، فجاءوا بها إلى النبي ﷺ ، فاستنزلوها عن بعيرها
الحواشي
(١) مات سنة خمسمائة وله مائة وعشرون سنة، روى له الستة، "ونسيه عوف" بالفاء الأعرابي، العبدي، البصري، ثقة، رمي بالقدر وبالتشيع، مات سنة ست أو سبع وأربعين ومائة، وله ست وثمانون.
قال الحافظ: وفلان الذي نسيه هو عمران بن حصين، بدليل قوله عند مسلم: ثم عجلني النبي ﷺ في ركب بين يديه نطلب الماء، ودلت هذه الرواية على أنه كان هو وعلي فقط؛ لأنهما خوطبا بلفظ التثنية، ويحتمل أنه كان معهما غيرهما على سبيل التبعية لهما، فيتجه إطلاق لفظ ركب وخصا بالخطاب؛ لأنهما المقصودان بالإرسال. "ودعا عليا" هو ابن أبي طالب، وقال: "اذهبا فابتغيا" بموحدة، ففوقية من الابتغاء، وللأصيلي: فابغيا من الثلاثي وهمزته للوصل، ولأحمد فابغيانا، "الماء" والمراد: الطلب، يقال: ابتغا الشيء طلبه، وابغ الشيء، أي: تطلبه لي، وفيه الجري على العادة في طلب الماء وغيره، وأن التسبب في ذلك لا يقدح في التوكل، "فانطلقنا، فتلقينا امرأة", وفي علامات النبوة من رواية سلم، بفتح فسكون عن أبي رجاء عن عمران فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأة سادلة رجليها "بين مزادتين" بفتح الميم والزاي: قرية كبيرة فيها جلد من غيرها، وتسمى أيضًا السطيحة، "أو سطيحتين" بفتح السين، وكسر الطاء المهملتين، تثنية سطيحة بمعنى المزادة، أو وعاء من جلدين، سطح أحدهما على الآخر، قال الحافظ: وأو هنا شك من عوف لخلو رواية سلم عن أبي رجاء عنها، أي: حيث جزم بقوله بين مزادتين، قال: والمراد بهما الرواية، زاد المصنف: أو القربة الكبيرة سميت بذلك، لأنه يزاد فيها جلد آخر من غيرها، انتهى.
وظاهر حديث الصحيحين هذا؛ أنهما يجدان امرأة بمكان كذا، معها بعير عليه مزادتان الحديث، فوجداها وأتيا بها، قال شارحه: ولم يسم أحد هذه المرأة إلا أنها أسلمت، ولا المكان "من ماء" على بعير لها، فقالا لها: أين الماء؟ فقالت: عهدي بالماء أمس هذه الساعة، ونفرنا خلوف، فقالا لها: انطلقي إذن، قالت: إلى أين؟ قالا: إلى رسول الله، قالت: الذي يقال الصابئ، قالا: هو الذي تعنين فانطلقي، هكذا في الصحيح قبل قوله: "فجاءا بها إلى النبي ﷺ " وحدثاه الحديث؛ كما في الرواية، أي: الذي كان بينهما وبينها، "فاستنزلوها عن بعيرها" أي: طلبوا منها النزول عنه، وجمع باعتبار من تبع عليًا وعمران ممن يعينهما، قال بعض الشراح المتقدمين: إنما أخذوها واستجازوا أخذ مائها، لأنها كانت حربية، وعلى فرض أن يكون لها عهد، فضرورة العطش تبيح للمسلم الماء المملوك لغيره على عوض وإلا فنفس الشارعстр. 3140
ودعا النبي ﷺ بإناء ففرغ فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين، وأوكأ أفواهمما، وأطلق العزالى، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا، فسقى من سقى، واستقى من شاء، وهي قائمة تنظر إلى ما يفعل بمائها، وأيم الله لقد أقلع عنها وإنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة.
الحواشي
(١) تفدي بكل شيء، نقله الحافظ، "ودعا النبي ﷺ بإناء ففرغ" من التفريغ، وفي رواية: فافرغ من الأفراغ، "فيه من أفواه المزادتين أو السطيحتين" أي: أفرغ الماء من أفواههما، وجمع موضع التثنية على حد، فقد صغت قلوبكما إذ ليس لكل مزادة سوى فم واحد، زاد الطبراني: فمضمض في الماء وأعاده في أفواه المزادتين.
قال الحافظ: وبهذه الزيادة تتضح الحكمة في ربط الأفواه بعد فتحها، وإن البركة إنما حصلت بمشاركة ريقه الطاهر المبارك للماء، وفي الشفاء: فجعل في إناء من مزادتيها، وقال فيه ما شاء الله أن يقول، "وأوكأ"، أي: ربط "أفواههما وأطلق" أي: فتح "العزالي" بفتح المهملة والزاي، وكسر اللام، ويجوز فتحها: جمع عزلى، بإسكان الزاي، قال الخليل: هي مصب الماء من الرواية، ولكل مزادة عزلا، وإن من أسفلها، قال الحافظ؛ فالجمع في العزالي على بابه، لأنهما مزادتان، فلهما أربع عزالى.
وقال بعض: جمع، وليس للقربة إلا فهم واحد، قيل: لأنها كانت تتعدد في قربهم عزلا، وإن من أسفل وعزلا، وإن من فوق وما كان من أسفل يخص باسم العزلى، والأحسن أن الجمع قد يطلق على ما فوق الواحد وليس على حد، فقد صغت قلوبكما لاختصاصه بما إذا كان المضاف مثنى "ونودي في الناس أسقوا" بهمزة قطع مفتوحة من أسق، أو بهمزة وصل مكسورة من سقى؛ كما في الفتح وغيره، أي: اسقوا غيركم، كالدواب، "واستقوا" أنتم، "فسقى من سقى" ولابن عساكر: فسقى من شاء، "واستقى من شاء" فرق بينه وبين سقى؛ أنه لنفسه، وسقى لغيره من ماشية ودواب واستقى، قيل: بمعنى سقي، وقيل: إنما يقال سقيته لنفسه وأسقيته لماشيته، ذكره المصنف، وكان آخر ذلك أن أعطى الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: "اذهب فأفرغه عليك"، هكذا في الصحيح قبل قوله: "وهي" أي: والحال أن المرأة "قائمة تنظر إلى ما يفعل" بالبناء للمجهول "بمائها، وايم الله" قال الحافظ: بفتح الهمزة وكسرها، والميم مفتوحة، ولم يجئ كذلك غيرها، وهو مرفوع بالابتداء وخبره محذوف، والتقدير: ايم الله قسمي، وفيها لغات جمع منها النووي في تهذيبه سبع عشرة، وبلغ بها غيره عشرين، وسيكون لنا عودة لبيانها في كتاب الإيمان، ويستفاد منه جواز التوكيد باليمين، وإن لم يتعين، "لقد أقلع" بضم الهمزة، أي: "عنها"، "وأنه ليخيل إلينا أنها أشد ملئة" بكسر الميم،стр. 3141
منها حين ابتدأ فيها، فقال النبي ﷺ : "اجمعوا لها". فجمعوا لها من بين عجوة ودقيقة وسويقة حتى جمعوا لها طعامًا، فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها، ووضعوا الثوب بين يديها قال لها: تعلمين ما رزئنا من مائك شيئًا.
الحواشي
(١) وسكون اللام، بعدها همزة مفتوحة، ثم تاء تأنيث، أي: امتلأ.
وفي رواية البيهقي: أنها أملأ "منها حين ابتدأ فيها" والمراد أنهم يظنون أن الباقي فيها من الماء أكثر مما كان أولا، وهذا من عظيم آياته وباهر دلائل نبوته، حيث توضؤوا واستقوا، واغتسل الجنب، بل في علامات النبوة من طريق سلم، بفتح المهملة أوله، تليها لام ساكنة، فميم، ابن زرير، بفتح الزاي المنقوطة أوله، وراءين بلا نقط، بينهما تحتية ساكنة؛ كما ضبطه النووي، والحافظ، والمصنف وغيرهم؛ أنهم ملئوا كل قربة وإداوة كانتا معهم بما سقط من العزالى، وبقيت المزادتان مملوءتين، بل ظن الصحابة أنه كان أكثر مما كان أولا، "فقال النبي ﷺ " لأصحابه: "اجمعوا لها" تطييبًا لخاطرها في مقابلة حبسها في ذلك الوقت عن السير إلى قومها وما نالها من خوف أخذ مائها، لا أنه عوض عما أخذ من الماء، قاله المصنف، وقال الحافظ: وفيه جواز أخذ المحتاج برضا المطلوب منه أو بغير رضاه إن تعين، وفيه جواز المعاطاة في مثل هذه من الهبات والإباحات من غير لفظ من المعطى والآخذ، "فجمعوا لها من بين عجوة" تمر، أجود تمر المدينة، وفي رواية: ما بين، كما في المصنف، واقتصر الحافظ على من بين، فلا معنى لترجي زيادة بين من المصنف بعد ثوبتها رواية، "ودقيقة وسويقة" بفتح أولهما، وفي رواية: كريمة بضمهما مصغرًا مثقلا؛ كما قال الحافظ وغيره، وعطف سويقة على دقيقة خاص على عام، "حتى جمعوا لها طعامًا" كثيرًا؛ كما عند أحمد، وفيه إطلاق لفظ الطعام على غير الحنطة والذرة، خلافًا لمن أبى ذلك، ويحتمل أن يكون المعنى طعامًا غير العجوة وما بعدها، قال الحافظ، أي: ما يعد طعامًا عرفا بحيث ينتفع به ويدخر ليؤكل في أوقات متفرقة، وهو كناية عن كثرة ما جمعوه لها، بدليل زيادة أحمد: كثيرًا، "فجعلوه" أي: ما جمعوه، ولأبي ذر: فجعلوها، أي: الأنواع المجموعة "في ثوب" من عندهم على ظاهره، لكن في الشفاء، ثم أمر فجمع للمرأة من الأزواد حتى ملئوا ثوبها، فظاهره: أن المراد في ثوبها "وحملوها على بعيرها" الذي كانت راكبة عليه، "ووضعوا الثوب" بما فيه "بين يديها" أي: قدامها على البعير، "قال لها" ﷺ ؛ كما في رواية الإسماعيلي، وللأصيلي: قالوا لها، أي: الصحابة بأمره ﷺ "تعلمين" قال الحافظ: بفتح أوله وثانيه، وتشديد اللام، أي: اعلمي، وقال المصنف: بفتح التاء، وسكون العين، وتخفيف اللام، أي: اعلمي "ما رزئنا" بفتح الراء، وكسر الزاي، ويجوز فتحها، وبعدها همزة ساكنة، أي: نقصنا "من مالك شيئًا" قال الحافظ: ظاهره أن جميعстр. 3142
ولكن الله هو الذي أسقانا، فأتت أهلها فقالت: العجب، لقيني رجلان فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له الصابئ ففعل كذا وكذا، فوالله إنه لأسحر الناس كلهم أو إنه لرسول الله حقًا، فقالت يومًا لقومها: ما أرى أن هؤلاء يدعونكم عمدًا فهل لكم في الإسلام. الحديث.
وعن أبي قتادة.
الحواشي
(١) ما أخذوه مما زاده الله وأوجده وأنه لم يختلط فيه شيء من مائها في الحقيقة، وإن كان في الظاهر مختلطًا، وهنا أبدع وأغرب في المعجزة، وهو ظاهر قوله: "ولكن الله هو الذي أسقانا" بالهمز، ولابن عساكر: سقانا، ويحتمل أن المعنى: ما نقصنا من مقدار مائك شيئًا، وفيه إشارة إلى أن الذي أعطاها ليس على سبيل العوض من مائها, بل على سبيل التكرم والتفضل، وجواز استعمال أواني المشركين ما لم تتيقن فيها النجاسة، "فأتت أهلها" وقد احتبست عنهم، فقالوا: ما حبسك يا فلانة؟ هذا أسقطه من الحديث قبل قوله: "فقالت" حبسني "العجب، لقيني رجلان، فذهبا بي إلى هذا الرجل الذي يقال له الصابئ، ففعل كذا وكذا" حكت لهم ما فعل، "فوالله إنه لأسحر الناس كلهم" لفظ البخاري: إنه لأسحر الناس من بين هذه وهذه، وقالت بإصبعيها الوسطى والسبابة، فرفعتهما إلى السماء، تعني: السماء والأرض، "أو إنه لرسول الله حقًا" هذا منها ليس بإيمان الشك، لكنها أخذت في النظر، فأعقبها الحق فآمنت بعد ذلك، وأسقط من الحديث: فكان المسلمون بعد ذلك يغيرون على من حولها من المشركين، ولا يصيبوا الصرم الذي هي منه، "فقالت" المرأة "يومًا لقومها: ما" موصول "أرى" بفتح الهمزة، بمعنى: أعلم، أي: الذي اعتقد "أن" بالفتح مثقلا، "هؤلاء يدعونكم" من الإغارة "عمدًا" لا جهلا، ولا نسيانًا، ولا خوفًا نكم، بل مراعاة لما سبق بيني وبينهم، وهذه الغاية في مراعاة الصحبة القليلة، فكان هذا القول سبب رغبتهم في الإسلام؛ كذا رواه أبو ذر بلفظ أن الثقيلة، ورواه الأكثرون: ما أرى هؤلاء القوم يدعونكم عمدًا، بفتح همزة أرى وإسقاط أن، ووجهها بما ذكر ابن مالك، ولابن عساكر: ما أرى، بضم الهمزة، أي: أظن أن بكسر الهمزة، وللأصيلي وابن عساكر: ما أدري بدال بعد الألف أن بالفتح والتشديد في موضع المفعول، والمعنى: ما أدري ترك هؤلاء إياكم عمدًا لماذا هو، "فهل لكم" رغبة "في الإسلام الحديث" بقيته في الصحيحين: فأطاعوها، فدخلوا في الإسلام، وما كان يزيد الكتاب بهذة البقية، وللناس فيما يعشقون، والله أعلم.
"وعن أبي قتادة" الحارث، أو عمرو، أو النعمان بن ربعي، بكسر الراء، وسكون الموحدة الأنصاري، السلمي، بفتحتين المدهني، شهد أحدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، ومات سنةстр. 3143
يقال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: "إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم وتأتون الماء غدًا إن شاء الله". فانطلق الناس لا يلوي أحد على أحد، فبينا رسول الله ﷺ يسير حتى ابهارّ الليل -أي ابيض- فمال عن الطريق فوضع رأسه ثم قال: "احفظوا علينا صلاتنا".
الحواشي
(١) أربع وخمسين على الأصح الأشهر، "قال: خطبنا" وعظنا "رسول الله ﷺ " في سفر؛ كما دل عليه السياق، وفي حديث أبي هريرة عند مسلم: أن ذلك كان حين قفل من غزوة خيبر، "فقال" في خطبته: "إنكم تسيرون عشيتكم" أي: بقية يومكم، فالعشية كالعشي: آخر النهار؛ كما في القاموس، وفي المصباح: ما بين الزوال إلى الغروب، "وليلتكم" التي تلبه "وتأتون الماء غدًا إن شاء الله تعالى" تبركًا، وامتثالا للآية، "فانطلق الناس لا يلوي" لا يعطف "أحد على أحد" لاشتغال كل منهم بنفسه، "فبينا" بلا ميم "رسول الله ﷺ يسير حتى ابهار" بالموحدة، وتشديد الراء "الليل، أي: ابيض" كذا فسره المصنف، والذي للسيوطي، أي: انتصف، وفي مقدمة الفتح، قيل: انتصف أو ذهب معظمه، إذ بهرة كل شيء أكثره وفي القاموس: ابهار الليل: انتصف، أو تراكمت ظلمته، أو ذهبت عامته، أو بقي نحو ثلثه، فلم يذكروا تفسيره بالبياض؛ كما فعل المصنف، بل في الصحاح والقاموس؛ إنما ذكرا البياض صفة للقمر لا لليل، ولفظ القاموس: بهر القمر، كمنع غلب ضوءه ضوء الكواكب.
ولفظ مسلم: فبينا رسول الله ﷺ يسير حتى ابهار الليل، وأنا إلى جنبه، فنعس، فمال على راحلته، فأتيته فدعمته من غير أن أوقظه حتى اعتدل على راحلته، ثم سار حتى ابهار الليل مال عن راحلته، فدعمته من غير أن أوقظه، حتى اعتدل على راحلته، ثم سار حتى إذا كان من آخر السحر مال ميلة هي أشد من الميلتين الأوليين حتى كاد ينحفل، فأتيته فدعمته، فرفع رأسه، فقال: "من هذا"؟، قلت: أبو قتادة، قال: "متى كان هذا مسيرك مني"؟ قلت: ما زال هذا مسيري منذ الليلة، قال: "حفظك الله بما حفظت به نبيه"، ثم قال: "هل ترانا نخفي على الناس"، ثم قال: "هل ترى من أحد"؟. قلت: هذا راكب، ثم قلت: هذا راكب آخر حتى اجتمعنا، فكنا سبعة ركب، قال: "فمال" رسول الله ﷺ ، أي: عدل "عن الطريق" فحذف المصنف هذا من الحديث لعدم غرضه فيه، إذ غرضه منه إنما هو تكثير الماء، لكن صار سياقه يقتضي أن عدوله ونومه كان عند انتصاف الليل، مع أنه إنما كان عند السحر، "فوضع رأسه" أي: نام، ثم قال: "احفظوا علينا صلاتنا" بأن تنبهونا قبل خروج وقتها، وفي البخاري عن أبي قتادة ذكر سبب نزوله سؤال بعض القوم ذلك، فقال ﷺ : "أخاف أن تناموا عن الصلاة" فقال بلال: أنا أوقظكم.
وفي حديث أبي هريرة عند مسلم، وقال لبلال: "اكلأنا الليل"، فصلى بلال ما قدر له ونام ﷺ هو وأصحابه، فلما قارب الفجر استند بلال إلى راحلته، مواجه الفجر، فغلبت بلالاстр. 3144
فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ والشمس في ظهره، ثم قال: "اركبوا". فركبنا فسرنا، حتى إذا ارتفعت الشمس نزل، ثم دعا بميضأة كانت معي فيها شيء من ماء فتوضأ منها وضوءًا
الحواشي
(١) عيناه وهو مستند إلى راحلته فلم يستيقظ ﷺ ، ولا أحد من أصحابه حتى ضربتهم الشمس، "فكان أول من استيقظ رسول الله ﷺ " مثله عن أبي هريرة عند مسلم أيضًا، وفي حديث عمر: أن أول من استيقظ أبو بكر، ولم يستيقظ النبي ﷺ حتى أيقظه عمر بالتكبير، ولذا رجح القاضي عياض أن نومهم عن صلاة الصبح وقع مرتين لما في الحديثين من المغايرات التي يتعسر معها الجمع، خلافًا للأصيلي في أن القصة واحدة، وأيضًا في حديث أبي قتادة أن العمرين لم يكونا مع المصطفى، وفي حديث عمران: أنهما معه، وأيضًا فالذي كلأ الفجر، في قصة أبي قتادة بلال، وأما في قصة عمران، فروى الطبراني شبيهًا بقصته، وفيه: أن الذي كلأ لهم الفجر ذو مخبر، بكسر الميم، وسكون المعجمة، وفتح الموحدة.
وفي ابن حبان عن ابن مسعود أنه كلأ لهم الفجر، وأيضًا مما يدل على التعدد اختلاف مواطنها؛ كما قدمنا، "والشمس في ظهره" كناية عن كمال ظهورها، وأسقط من الحديث عند مسلم، قال: فقمنا فزعين، قال أبو عمر: يحتمل أن يكون تأسفًا على ما فاتهم من وقت الصلاة، ففيه أن ذلك لم يكن من عادته منذ بعث، قال: ولا معنى لقول الأصيلي فزعين، خوفًا أن يكون اتبعهم عدو، فيجدهم بتلك الحال من النوم؛ لأنه ﷺ لم يتبعه عدو في انصرافه من خيبر، بل انصرف ظافرًا غانمًا، "ثم قال: "اركبوا" زاد في رواية أبي هريرة: "فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان".
قال عياض: وهذا أظهر الأقوال في تعليله، أو لاشتغالهم بأحوال الصلاة، أو تحرزًا من العدو، أو ليستيقظ النائم وينشط الكسلان.
قال ابن رشيق: وقد علله ﷺ بهذا ولا يعلمه إلا هو، أي: فهو خاص به سواء كان في ذلك الوادي، أو في غيره "فركبنا فسرنا" غير بعيد، "حتى إذا ارتفعت الشمس نزل" أي: علت في الارتفاع وزاد ارتفاعها، وإلا فقوله: والشمس في ظهره دليل ارتفاعها، إذ لا تكون كذلك حتى ترتفع، وفي حديث أبي هريرة، حتى ضربتهم الشمس، وذلك لا يكون إلا بعد أن يذهب وقت الكراهة، ففيه رد على من زعم أن علة تأخيره كون ذلك كان وقت كراهة؛ كما في الفتح، "ثم دعا بميضأة" بكسر الميم، وهمزة بعد الضاد: إناء يتوضأ به كالركوة؛ كذا في الديباج.
وقال غيره: بكسر الميم والقصر، وياؤها منقلبة عن واو، لأنها آلة الوضوء، فوزنها مفعلة، وقد تمد، فوزنها مفعالة، "كانت معي فيها شيء من ماء" قال: "فتوضأ منها وضوءًا" دونстр. 3145
قال: وبقي شيء من ماء، ثم قال: "احفظ علينا ميضأتك"، فسيكون لها نبأ، ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين ثم صلى الغداة، وركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين اشتد النهار وحمي كل شيء، وهم يقولون: يا رسول الله هلكنا عطشنا، فقال: "لا هلك عليكم"
الحواشي
(١) وضوء؛ كما هو لفظ الحديث، ومعناه: وضوءًا كامل الفروض دون وضوء تام بالفرائض والسنن، كاقتصاره على الوضوء مرة، ونحو ذلك.
"قال: وبقي شيء من ماء" وظاهره: أنه لم يتوضأ منها أحد غيره، وفي رواية عن أنس: كان ﷺ في سفر، فقال لأبي قتادة: "أمعكم ماء"؟، قلت: نعم في ميضاءة فيها شيء من ماء، قال: "ائت بها" فأتيته بها، فقال لأصحابه: "تعالوا مسوا منها"، فتوضئوا، وجعل يصب عليهم وبقيت جرعة، "ثم قال" ﷺ لأبي قتادة: "احفظ علينا ميضأتك، فسيكون لها نبأ" خبر عظيم في أمر مائها وكفايته القوم وما يظهر بها من المعجزة العظيمة، "ثم أذن بلال بالصلاة" ولأحمد من حديث ذي مخبر: فأمر بلالًا فأذن، واستدل به على مشروعية الأذان للفوائت، "فصلى رسول الله ﷺ ركعتين" هما ركعتا الفجر، "ثم صلى الغداة" الصبح، ولأحمد: فصلى الركعتين قبل الصبح، وهو غير عجل، ثم أمره فأقام الصلاة، فصلى الصبح.
زاد الطبراني من حديث عمران، فقلنا: يا رسول الله! أنعيدها من الغدو لوقتها؟، قال: "نهانا الله عن الرياء، ويقبله منا" وفي رواية ابن عبد البر: "لا ينهاكم الله عن الرياء ويقبله منكم"، واختصر المصنف سياق أبي قتادة، ولفظه في مسلم: ثم صلى الغداة، فصنع ما كان يصنع كل يوم، قال: "وركب" رسول الله ﷺ "وركبنا معه" فجعل بعضنا يهمس إلى بعض ما كفارة ما صنعنا بتفريطنا في صلاتنا، ثم قال: "أما لكم فيّ أسوة"، ثم قال: "إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها، فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها". ثم قال: "ما ترون الناس صنعوا"؟، قال: ثم أصبح الناس فقدوا نبيهم، فقال أبو بكر وعمر: رسول الله لم يكن ليخلفكم، وقال الناس: إن رسول الله ﷺ بين أيديكم، فإن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا، قال: "فانتهينا إلى الناس" لأنه ﷺ لما عدل عن الطريق مع طائفة نام وسار بقية الجيش، ولم يعملوا بنومه، وفيهم الشيخان، كما رأيت، "حين اشتد" بمعجمة قبل الفوقية، "النهار، وحمي كل شيء وهم يقولون: يا رسول الله، هلكنا عطشنا" هكذا في مسلم بلا واو، بيان لهلاكهم، ويقع في نسخ المصنف: وعطشنا بالواو، فإن ثبت رواية، فهي عطف علة على معلول، فقال: "لا هلك عليكم" بضم الهاء، وسكون اللام: اسم من هلك وحذف من الحديث، ثم قال: "أطلقوا إليّ غمري"، وهو بضمстр. 3146
ودعا بالميضأة فجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم فلم يعد أن رأى الناس ماء في الميضأة فتكابوا عليها، فقال رسول الله صلى الله ﷺ : "أحسنوا الملء كلكم سيروى"، قال: ففعلوا، فجعل رسول الله ﷺ يصب وأسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ ، ثم صب فقال لي: "اشرب"، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، فقال: "إن ساقي القوم آخرهم"، قال: فشربت وشرب، الحديث رواه مسلم.
الحواشي
(١) المعجمة: وفتح الميم وبالراء، يعني: قدحي، فحللته فأتيته به، قال: "ودعا بالميضأة فجعل" ﷺ "يصب" في قدحه، "وأبو قتادة يسقيهم، فلم يعد" بفتح الياء، وإسكان العين "أن رأي الناس" أي: لم يتأخروا زمنًا عن رويتهم "ماء" بالتنويم "في الميضأة، فتكابوا" أي: ازدحموا، وفي رواية أحمد: فازدحم الناس "عليها" بمجرد رؤية الماء لشدة عطشهم، "فقال رسول الله ﷺ : "أحسنوا الملء" بفتح الميم وكسرها، وسكون اللام والهمز، أي: لأوانيكم، فلا تزدحموا على الأخذ "كلكم سيروى" ولأحمد: كلكم سيصدر عن ري، "قال: ففعلوا" أي: تركوا الازدحام، "فجعل رسول الله ﷺ يصب" في قدحه "وأسقيهم" ولأحمد: فشرب القوم، وسقوا دوابهم وركابهم، وملئوا ما كان معهم من إداوة وقربة ومزادة، "حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ ، ثم صب، فقال لي: "اشرب"، فقلت: لا أشرب حتى تشرب يا رسول الله، قال: "إن ساقي القوم آخرهم". "قال: فشربت وشرب" رسول الله ﷺ ، "الحديث"، بقيته: وأتى الناس الماء جامين رواء، قال: فقال عبد الله بن رباح: إني لأحدث هذا الحديث في مسجد الجامع، إذ قال عمران: انظر أيها الفتى كيف تحدث، فإني أحد الركب تلك الليلة، قال: قلت: فأنت أعلم بالحديث، قال: ممن أنت؟ قلت: من الأنصار، قال: حدث، فأنت أعلم بحديثكم، قال: فحدثت القوم، فقال عمران: لقد شهدت تلك الليلة وما شعرت أن أحدًا حفظه كما حفظته، "رواه مسلم" في الصلاة من حديث ثابت، عن عبد الله بن رباح، عن أبي قتادة، وحذف المصنف منه كثيرًا، كما رأيت واحتج بآخره من قال باتحاده مع قصة عمران؛ لأنه صدق عبد الله في تحديثه، وأجيب: بأن عمران حضر القصتين، فحدث بإحداهما، وصدق عبد الله لما حدث عن أبي قتادة بالأخرى.
قال في الشفاء: وذكر الطبري، يعني ابن جرير، حديث أبي قتادة على غير ما ذكره أهل الصحيح، وأن النبي ﷺ خرج ممدًا لأهل مؤتة عندما بلغه قتل الأمراء، وذكر حديثًا طويلا فيه معجزات وآيات وفيه إعلامهم أنهم يفقدون الماء غدًا، وذكر حديث الميضأة، قال: والقوم زهاء ثلاثمائة، انتهى.стр. 3147
وعن أنس قال: أصابت الناس سنة على عهد رسول الله ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله، هلك المال وجاع العيال، فادع الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قزعة، فوالذي نفسي بيده ما وضعها حتى ثار السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته، فمطرنا يومنا ذلك ومن الغد ومن بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى
الحواشي
(١) "وعن أنس، قال: أصابت الناس سنة" بفتح السين المهملة، أي: شدة وجهد من الجدب "على عهد" أي: زمن "رسول الله ﷺ ، فبينما النبي ﷺ يخطب في يوم الجمعة" خطبة الجمعة على المنبر، "قام أعرابي" من سكان البادية لا يعرف اسمه، قال المصنف.
وقال الحافظ: لم أقف على تسميته في حديث أنس، وروى أحمد عن كعب بن مرة ما يمكن أن يفسر المبهم بأنه كعب.
وروى البيهقي ما يمكن أن يفسر بأنه خارجة بن حصن الفزاري، ولكن رواه ابن ماجه من طريق شرحبيل بن السمط، أنه قال لكعب بن مرة: يا كعب حدثنا عن رسول الله، قال: جاء رجل، فقال: يا رسول الله ﷺ استسق، فرفع يديه، ففي هذا أنه غير كعب، "فقال: يا رسول الله" فيه أنه كان مسلمًا، فانتفى زعم أنه أبو سفيان بن حرب؛ لأنه حين سؤاله لذلك لم يكن أسلم، فهي واقعة أخرى؛ كما في الفتح. "هلك المال" الحيوانات لفقد ما ترعاه، فليس المراد الصامت.
وفي رواية: هلكت المواشي، وأخرى: الكراع، بضم الكاف، يطلق على الخيل وغيرها، "وجاع العيال" لعدم وجود ما يعيشون به من الأقوات المفقودة بحبس المطر، "فادع الله لنا" أن يغيثنا، "فرفع يديه" زاد في رواية: حذاء وجهه، ولابن خزيمة عن أنس: حتى رأيت بياض إبطيه.
وزاد النسائي: ورفع الناس أيديهم مع رسول الله ﷺ يدعون، "وما نرى في السماء قزعة" بقاف وزاي، وعين مهملة مفتوحات: قطعة من سحاب متفرق، أو رقيقه الذي إذا مر تحت السحب الكثيرة كان كأنه ظل، قال ابن سيده: القزع قطع من السحاب رقاق.
زاد أبو عبيد: وأكثر ما يجيء في الخريف، قال أنس: "فوالذي نفسي بيده ما وضعها" أي: يديه، وللكشميهني: ما وضعهما، أي: يديه "حتى ثار" بمثلثة، أي: هاج وانتشر "السحاب أمثال الجبال" لكثرته، "ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر" ينحدر، أي: ينزل ويقطر "على لحيته" الشريفة، "فمطرنا" بضم الميم وكسر الطاء، أي: حصل لنا المطر "يومنا" نصب على الظرفية، أي: في يومنا "ذلك، ومن الغد" من للتبعيض، أو بمعنى في، "ومن بعد الغد" والذي يليه "حتى الجمعة الأخرى" بالجر في الفرع، وأصله: على أن حتى جارة، ويجوز النصب عطفًاстр. 3148
وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادع الله لنا فرفع يديه فقال: "اللهم حوالينا ولا علينا"
الحواشي
(١) على سابقه المنصوب، والرفع على أن مدخولها مبتدأ خبر محذوف، قاله المصنف.
وفي رواية: فمطرنا من جمعة إلى جمعة، وفي أخرى: فدامت جمعة، وفي أخرى: فخرجنا نخوض الماء حتى أتينا منازلنا، وأخرى فما كدنا أن نصل إلى منازلنا، أي: من كثرة المطر وأخرى حتى سالت مثاعب المدينة، بمثلثة، وآخره موحدة جمع مثعب مسيل الماء، وفي مسلم: فأمطرنا حتى رأيت الرجل تهمه نفسه أن يأتي أهله، ولابن خزيمة: حتى أهم الشاب القريب الدار: الرجوع إلى أهله، "وقام" بالواو، ولأبي ذر، والأصيلي، وابن عساكر، فقام بالفاء، "ذلك الأعرابي" الذي طلب الدعاء "أو غيره" وفي رواية: ثم دخل رجل في الجمعة المقبلة، فظاهره أنه غير الأول؛ لأن النكرة إذا تكررت دلت على التعدد، وقد قال شريك: سألت أنسا أهو الرجل الأول؟ قال: لا أدري، وهذا يقتضي أنه لم يجزم بالتغاير، فالقاعدة أغلبية؛ لأن أنسا من أهل اللسان قد تردد، ومقتضى رواية أو غيره أنه كان يشك فيه.
وفي رواية للبخاري: فأتى الرجل، فقال. وفي أبي عوانة: فما زلنا نمطر حتى جاء ذلك الأعرابي في الجمعة الأخرى، وهذا يقتضي الجزم بكونه واحدًا، قاله الحافظ، "فقال: يا رسول الله، تهدم البناء" وفي رواية: البيوت، "وغرق المال" وفي رواية: هلكت الأموال، وانقطعت السبل، واحتبس الركبان، "فادع الله لنا" وفي رواية: فادع الله يمسكها، أي: الأمطار، أو السحابة، أو السماء، والعرب تطلق على المطر سماء، وفي رواية: ن يمسك الماء عنًا، ولأحمد: أن يرفعها عنًا.
وفي رواية للبخاري: فادع ربك أن يحسبها عنا، فضحك. وفي رواية: فتبسم لسرعة ملال ابن آدم، "فرفع يديه" بالتثنية، وفي رواية: يده على إرادة الجنس، فقال: "اللهم حوالينا" بفتح اللام، أي: أنزل أو أمطر حوالينا، والمراد: أصرف المطر عن الأبنية والدور، "ولا" تنزله "علينا" قال الحافظ: فيه بيان المراد بقوله: حوالينا؛ لأنها تشمل الطرق التي حولهم، فأخرجه بقوله: "ولا علينا".
قال الطيبي: في إدخال الواو هنا معنى لطيف، وذلك أنه لو أسقطها لكان مستقيًا للآكام وما معها فقط، ودخول الواو يقتضي أن طلب المطر على المذكورات ليس مقصودًا لعينه، ولكن ليكون وقاية من أذى المطر، فليس الواو مخلصة للعطف، ولكنها للتعليل، وهو كقولهم: تجوع الحرة، ولا تأكل بثدييها، فإن الجوع ليس مقصودًا لعينه، لكونه مانعًا عن الرضاع بأجرة، إذا كانوا يكرهون ذلك آنفًا، انتهى.стр. 3149
فما يشير ئإلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة شهرًا، ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود. وفي رواية قال: "اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الإكام والظراب وبطون الأودية,
الحواشي
(١) "فما يشير" بيده "إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت" انكشفت أو تدورت، كما يدور جيب القميص، وهذا لفظ البخاري في الجمعة، وشرحه المصنف بما ذكرت، ورواه في الاستسقاء، بلفظ: إلا تفرجت.
قال المصنف بفتح الفوقية، والفاء، وتشديد الراء، وبالجيم، أي: تقطع السحاب، وزال عنها امتثالا لأمره، "وصارت المدينة مثل الجوبة، وسال الوادي قناة" بقاف مفتوحة، فنون، فألف، فتاء تأنيث، مرفوع على البدل من الوادي غير منصرف للتأنيث والعلمية، إذ هو اسم لواد معين من أودية المدينة بناحية أحد به مزارع، ولعله من تسمية الشيء باسم ما جاوره، وقرأت بخط الرضى الشاطبي الفقهاء يقرءونه بالنصب والتنوين يتوهمونه قناة من القنوات وليس كذلك، انتهى.
وهذا ذكره بعض الشراح، وقال: هو على التشبيه، أي: سال مثل القناة، قال الحافظ: أي: جرى فيه المطر "شهرًا ولم يجئ أحد من ناحية إلا حدث بالجود، وفي رواية" للشيخين من وجه آخر عن أنس، "قال" ﷺ : "اللهم حوالينا ولا علينا" وفي بعض الروايات: حولينا بلا ألف، وهما بمعنى، وهو في موضع نصب على الظرف أو مفعول به، والمراد بحوالي المدينة: مواضع النبات والزرع، لا نفس المدينة وبيوتها، ولا ما حواليها من الطرق، وإلا لم يزل شكواهم بذلك ولم يطلب رفع المطر من أصله، بل سأل رفع ضرورة وكشفه عن البيوت والمرافق والطرق، بحيث لا يتضرر به ساكن ولا ابن سبيل، بل سأل إبقاءه في موضع الحاجة؛ لأن الجبال والصحاري ما دام المطر فيها كثرت فائدتها في المستقبل من كثرة المرعى والمياه، وغير ذلك من المصالح، وفيه قوة إدراكه ﷺ للخير عن سرعة البديهة، ولذا بين المراد بحوالينا بقوله: "اللهم على الإكام" بكسر الهمزة، وقد تفتح وتمد: جمع أكمة بفتحات.
قال ابن البرقي: هو التراب المجتمع، وقال الخطابي: هي الهضبة الضخمة، وقيل: الجبل الصغير، وقيل: ما ارتفع من الأرض، وقال الثعلبي: الأكمة أعلى من الرابية، "والظراب" بكسر المعجمة، وآخره موحدة: جمع ظرب، بكسر الراء، وقد تسكن.
قال القزاز: الجبل المنبسط ليس بالعالي، وقال الجوهري: للرابية الصغيرة، "وبطون الأودية" والمراد بها ما يتحصل فيه الماء لينتفع به، قالوا: ولم يسمع أفعله جمع فاعل إلا أودية: جمع واد، وفيه نظر.стр. 3150
ومنابت الشجر". فأقلعت وخرجنا نمشي في الشمس. رواه البخاري ومسلم.
و"الجوبة" -بفتح الجيم والموحدة بينهما واو ساكنة- الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أي حتى صار الغيم والسحاب محيطًا بآفاق المدينة.
و"الجود" -بفتح الجيم وإسكان الواو -المطر الواسع الغزير.
وعن عبد الله بن عباس، أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁ حدثنا عن ساعة العسرة فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا.
الحواشي
(١) وزاد مالك في روايته: ورءوس الجبال: ذكره الحافظ، "ومنابت الشجر"، "فأقلعت" بفتح الهمزة من الإقلاع، أي: كفت وأمسكت السحابة الماطرة عن المدينة، وفي رواية: فما هو إلا أن تكلم ﷺ بذلك تمزق السحاب حتى ما يرى منه شيئًا في المدينة، "وخرجنا نمشي في الشمس، رواه" أي: المذكور من الروايتين "البخاري ومسلم" في مواضع من كتاب الصلاة وغيرها.
"والجوبة، بفتح الجيم والموحدة، بينهما واو ساكنة: الحفرة المستديرة الواسعة، وكل منفتق بلا بناء جوبة، أي: حتى صار الغيم والسحاب محيطًا بآفاق المدينة" قال الحافظ: والمراد به هنا الفرجة في السحاب، وقال الخطابي: المراد بالجوبة هنا الترس، وضبطها الزين بن المنير تبعًا لغيره، بنون بدل الموحدة، ثم فسره بالشمس إذ ظهرت في خلل السحاب، لكن جزم عياض بأن من قاله بالنون فقد صحف. "والجود بفتح الجيم وإسكان الواو: المطر الواسع الغزير", وزاد الحافظ: وهذا يدل على أن المطر استمر فيما سوى المدينة، فيشكل بأنه يستلزم أن قول السائل: هلكت الأموال وانقطعت السبل لم يرتفع الإهلاك ولا القطع، وهو خلاف مطلوب، ويمكن الجواب؛ بأن المراد أن المطر استمر حول المدينة من الإكام والظراب وبطون الأودية، لا في الطريق المسلوكة ووقع المطر في بقعة دون بقعة كثير، ولو كانت تجاورها، إذا جاز ذلك جاز أن يوجد للماشية أماكن تسكنها وترعى فيها بحيث لا يضرها ذلك المطر، فيول الإشكال، انتهى.
"وعن عبد الله بن عباس؛ أنه قيل لعمر بن الخطاب ﵁: حدثنا عن ساعة العسرة" غزوة تبوك، سميت بذلك لوقوعها مع عسر شديد؛ كما أفاده عمر، "فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ" حر "شديد، فنزلنا منزلا" لما ارتحل من الحجر، كما رواه ابن أبي حاتم، ولا ينافيه قول ابن إسحاق بعد ذكر نزوله بالحجر: فلما أصبح الناس شكوا له ﷺ فقد الماءстр. 3151
أصابنا عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا، قال: "أتحبون ذلك"؟. قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت، فملئوا ما معهم من آنية، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر، قال الحافظ المنذري: أخرجه البيهقي في الدلائل، وشيخه ابن بشران ثقة، ودعلج ثقة
الحواشي
(١) فدعا، فأرسل الله سحابة حتى ارتووا وحملوا حاجتهم؛ لحمل قوله: فلما أصبح، أي: بعد أن سار منزلا بعد الحجر، كما جمعت بينهما في الغزوة بذلك، "أصابنا عطش" لفقد الماء، "حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع" من العطش "حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصره فرثه" ما في كرشه "فيشربه" أي: ما ينزل منه مع تغيره وقلته، وكانوا يفعلون ذلك في ضرورتهم، "ويجعل ما بقي" مما عصره "على كبده ليخف عنه بعض الحرارة ببردة ما يمس كبده من الماء، "فقال أبو بكر" الصديق؛ "يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا" بالإجابة السريعة، "فادع الله لنا" أن يسقينا، قال: "أتحبون ذلك" , "قال: نعم، فرفع يديه" نحو السماء؛ كما في الرواية، "فلم يرجعهما" بفتح الياء من رجع المتعدي، نحو: فلا ترجعون إلى الكفار لا من رجع اللازم، أي: فلم يرد يديه بعد رفعهما في دعائه من الرفع المذكور، "حتى قالت اسماء" أي: غيمت وظهر فيها سحاب من قولهم، قال كذا إذا تهيأ له واستعد؛ كما في القاموس أي: امتلأت سحابًا، أو رعدت، فسمع دوي رعدها، أو رن سحابها وحن رعدها، وروي: قامت بالميم، أي: اعتدلت واستوت بالسحاب، أو توجهت بالخير، أو انتصب سحابها وارتفع، أو حان وقت مطرها وحضر، "فانسكبت" أي: انسكب ماؤها، فالإسناد مجازي، وتفسيبر بعض قالت: باللام بأمطرت لا يناسب ما بعده، وكون السماء بمعنى المطر بعيد هنا، وكذا كونه استخدامًا، "فملئوا ما معهم من آنية: "ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها تجاوز العسكر، وهذه معجزة أخرى.
"قال الحافظ المنذري: أخرجه البيهقي في الدلائل" النبوية، وكذا الإمام أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والبزار، "وشيخه، أي: البيهقي فيه "ابن بشران" الحافظ، أبو حفص، عمر بن بشران، بن محمد، بن بشران السكري، "ثقة قال الخطيب: حدثنا عنه البرقاني، قال: كان ثقة، حافظًا، عارفًا، كثير الحديث، بقي إلى سنة سبع وستين وثلاثمائة، "ودعلج" كجعفر, ابن أحمد بن دعلج، الإمام الحافظ، الفقيه، محدث بغداد، أبو محمد، السجزي، "ثقة"، سمع البغوي وغيره، وعنه الدارقطني والحاكم، وكان من أوعية العلم وبحور الرواية، صنف المسند الكبير،стр. 3152
وابن خزيمة أحد الأئمة، ويونس احتج به مسلم في صحيحه وابن وهب وعمرو بن الحارث ونافع بن جبير احتج بهم البخاري ومسلم، وعتبة فيه مقال، انتهى.
وقد رواه القاضي عياض في الشفاء مختصرًا وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه.
وروى صاحب كتاب "مصباح الظلام" عن عمرو بن شعيب: أن أبا طالب قال: كنت مع ابن أخي -يعني النبي ﷺ بذي المجاز، فأدركني العطش، فشكوت إليه فقلت: يابن أخي عطشت، وما قلت له ذلك وأنا لا أرى عنده شيئًا إلا الجزع، فثنى وركه ثم نزل
الحواشي
(١) ومات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وخلف ثلاثمائة ألف دينار، "وابن خزيمة" محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة النيسابوري، "أحد الأئمة" المعروف عند أهل الحديث بإمام الأئمة حدث عنه الشيخان خارج صحيحيهما، "ويونس" بن يزيد الأعلى، "احتج به مسلم في صحيحه، وابن وهب" عبد الله المصري، الفقيه، الحافظ العابد، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة، "وعمرو بن الحارث" ابن يعقوب الأنصاري، مولاهم المصري، ثقة، فقيه حافظ مات قبل الخمسين ومائة ونافع بن جبير" بن مطعم القرشي النوفلي التابعي فاضل، مات سنة تسع وتسعين، "احتج بهم، أي: بكل واحد من الثلاثة "البخاري ومسلم" وباقي الأئمة الستة، "وعتبة بن حميد الضبي أبو معاذ، أبو معاوية البصري، "فيه مقال" فقال أحمد: ضعيف ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وثقه ابن حبان وغيره، وفي التقريب: صدوق له أوهام، "انتهى، وقد رواه" أي: ذكره بلا إسناد "القاضي عياض في الشفاء مختصرًا، وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه، وروى صاحب كتاب مصباح الظلام" في المستغيثين الأنام.
"عن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، صدوق، مات سنة ثماني عشرة ومائة، روى له أصحاب السنن، "أن أبا طالب، قال: كنت مع ابن أخي، يعني النبي ﷺ بذي المجاز" بفتح الميم والجيم، وألف، وزاي معجمة: اسم سوق كان بقرب عرفة، كانوا يجتمعون فيه في الجاهلية، "فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يابن أخي، عطشت وما قلت له ذلك، وأنا لا أرى عنده شيئًا إلا الجزع" بكسر الجيم، وقال أبو عبيدة: اللائق فتحها منعطف الوادي ووسطه، أو منقطعه أو منحناه، أو لا يسمى جزعًا حتى تكون له سعة تنبت الشجر، أو هو مكان بالوادي لا شجر فيه، وربما كان رملا، قاله في القاموس؛ فالمعنى هنا: لا أرى عنده الأوسط الوادي، أو منقطعه دون ماء فيه، ويصح تفسيره بباقي المعاني المذكورة، وأبعد من قال: إلا الجزع تأسفًا على حال الناس، "فثنى وركه ثم نزل" عن الدابة التي كاناстр. 3153
وقال: "يا عم، أعطشت"؟. فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: "اشرب يا عم فشربت". وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر.
الحواشي
(١) راكبين عليها، فإن في نفي الحديث، وهو رديفه، أي: النبي ﷺ رديف أبي طالب، أي: راكب خلفه، "وقال: "يا عم! أعطشت"؟، كأنه سأله بعد شكواه إليه العطش لينبهه على رؤية الآية، "فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض" وضرب الأرض بقدمه، "فإذا بالماء، فقال: "اشرب يا عم"، فشربت، وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر" من رواية إسحاق بن الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن عمرو بن شعيب، وهذا أحد ثلاثة أحاديث رواها أبو طالب عن النبي ﷺ .
وعن علي، سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد بن أخي، وكان والله صدوقًا، قال: قلت له: بم بعثت؟ قال: "بصلة الأرحام، وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة".
وعن أبي رافع: سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد أن الله أمره بصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه أحدًا، ومحمد عندي الصدوق الأمين، رواهما الخطيب وضعفهما؛ كما في الإصابة وعبر السيوطي بأن أبا طالب روى عن المصطفى حديثين وهو أدق، إذ الثاني والثالث واحد، رواه عنه علي أبو رافع والخطب سهل.стр. 3154
" تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه ﷺ ":
ومن ذلك: تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه.
عن جابر، في غزوة الخندق، قال: فانكفيت إلى امرأتي، فقلت هل عندك شيء، فإني رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت جرابًا
الحواشي
(١) تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه ﷺ :
"ومن ذلك تكثير الطعام" ما قابل الماء لتقدمه، "القليل ببركته ودعائه" والطعام لغة ما يطعم، وهو المراد هنا بسائر أنواعه، "عن جابر بن عبد الله في غزوة الخندق" وهي الأحزاب، "قال": لما حفر الخندق، رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، "فانكفيت"، قال الحافظ: بفاء مفتوحة، بعدها تحتية ساكنة، أي انقلبت، وأصله انكفأت بالهمز، وقال في التنقيح: أصله الهمزة من كفأت الإناء، وتسهل.
قال في المصابيح: ليس القياس في تسهيل مثله إبدال الهمزة، أي: انقلبت "إلى امرأتي" سهيلة، "فقلت" لها: "هل عندك شيء، فإني رأيت النبي ﷺ خمصًا"، بمعجمة وميم مفتوحتين، وصاد مهملة، وقد تسكن الميم، ضمور البطن من الجوع, "شديدًا، فأخرجت جرابًا" بكسرстр. 3155
فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ثم جئت النبي ﷺ فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعًا من شعير. فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي ﷺ : "يا أهل الخندق، إن جابرًا صنع سؤرًا، فحي هلا بكم".
الحواشي
(١) الجيم، "فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة" بضم الموحدة، وفتح الهاء، مصغر بهمة، وهي الصغيرة من أولاد الغنم، وفي رواية: عناق، وهي الأنثى من المعز، "داجن" بكسر الجيم: التي تترك في البيت، ولا تخرج إلى المرعى، ومن شأنها أن تسمن، وقد زاد في رواية: أحمد: سمينة، "فذبحتها" بسكون الحاء، وضم التاء، فالذابح جابر، "وطحنت" بفتح المهملة والنون، امرأتي "الشعير" وفي رواية أحمد: فأمرت امرأتي، فطحنت لنا الشعير، وصنعت لنا منه خبزًا.
وفي رواية في الصحيح من طريق آخر عن جابر: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصور بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ﷺ المعول، فضرب، فعاد كثيبًا أهيل، أو أهيم، فقلت: يا رسول الله! ئذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير، "حتى جعلنا"، أي: وشرعنا في تهيئته حتى جعلنا، وللكشميهني: جعلت، أي: المرأة "اللحم في البرمة"، بضم الموحدة، وسكون الراء: القدر مطلقًا أو من حجارة.
وفي رواية: ففرغت إلى فراغي، أي: معه وقطعتها في برمتها، "ثم جئت النبي ﷺ "، زاد في رواية في الصحيح: والعجين قد انكسر، أي: اختمر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقالت: لا تفضحني برسول الله وبمن معه، فجئته "فساررته فقلت" له سرًا "يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت" المرأة رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما: وطحنا، وعلى الأولى هو من الإضمار، أي: إرجاع الضمير لما علم من السياق، وهو أنه لما أسند الفعل إلى مؤنث، علم النبي ﷺ أنها الطاحنة، إذ ليس عنده غيرها، ولعله نسب الذبح إليهما لمعاونتها له فيه، والطحن لها لاستقلالها به دونه، "صاعًا من شعير كان عندنا، "فتعال أنت ونفر معك" دون العشرة من الرجال، وفي رواية: فقلت: طعيم لي صنعته، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، ولأحمد: وكنت أريد أن ينصرف ﷺ وحده، قال: "كم هو"؟، فذكرت له، فقال: "كثير طيب، قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي"، "فصاح النبي ﷺ ": "يا أهل الخندق، إن جابرًا صنع سؤرًا فحي" بحاء مهملة، وشد التحتية، "هلا بكم" بفتح الهاء واللام المنونة مخففة، أي، هلموا مسرعين.следующие страницы →