Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.
стр. 3151
أصابنا عطش، حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع، حتى إن كان الرجل ليذهب يلتمس الرجل فلا يرجع حتى يظن أن رقبته ستنقطع، حتى إن كان الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده. فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله لنا، قال: "أتحبون ذلك"؟. قال: نعم، فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء فانسكبت، فملئوا ما معهم من آنية، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها تجاوز العسكر، قال الحافظ المنذري: أخرجه البيهقي في الدلائل، وشيخه ابن بشران ثقة، ودعلج ثقة
الحواشي
(١) فدعا، فأرسل الله سحابة حتى ارتووا وحملوا حاجتهم؛ لحمل قوله: فلما أصبح، أي: بعد أن سار منزلا بعد الحجر، كما جمعت بينهما في الغزوة بذلك، "أصابنا عطش" لفقد الماء، "حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع" من العطش "حتى إن كان الرجل لينحر بعيره، فيعصره فرثه" ما في كرشه "فيشربه" أي: ما ينزل منه مع تغيره وقلته، وكانوا يفعلون ذلك في ضرورتهم، "ويجعل ما بقي" مما عصره "على كبده ليخف عنه بعض الحرارة ببردة ما يمس كبده من الماء، "فقال أبو بكر" الصديق؛ "يا رسول الله! إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا" بالإجابة السريعة، "فادع الله لنا" أن يسقينا، قال: "أتحبون ذلك" , "قال: نعم، فرفع يديه" نحو السماء؛ كما في الرواية، "فلم يرجعهما" بفتح الياء من رجع المتعدي، نحو: فلا ترجعون إلى الكفار لا من رجع اللازم، أي: فلم يرد يديه بعد رفعهما في دعائه من الرفع المذكور، "حتى قالت اسماء" أي: غيمت وظهر فيها سحاب من قولهم، قال كذا إذا تهيأ له واستعد؛ كما في القاموس أي: امتلأت سحابًا، أو رعدت، فسمع دوي رعدها، أو رن سحابها وحن رعدها، وروي: قامت بالميم، أي: اعتدلت واستوت بالسحاب، أو توجهت بالخير، أو انتصب سحابها وارتفع، أو حان وقت مطرها وحضر، "فانسكبت" أي: انسكب ماؤها، فالإسناد مجازي، وتفسيبر بعض قالت: باللام بأمطرت لا يناسب ما بعده، وكون السماء بمعنى المطر بعيد هنا، وكذا كونه استخدامًا، "فملئوا ما معهم من آنية: "ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها تجاوز العسكر، وهذه معجزة أخرى.
"قال الحافظ المنذري: أخرجه البيهقي في الدلائل" النبوية، وكذا الإمام أحمد، وابن خزيمة، والحاكم، والبزار، "وشيخه، أي: البيهقي فيه "ابن بشران" الحافظ، أبو حفص، عمر بن بشران، بن محمد، بن بشران السكري، "ثقة قال الخطيب: حدثنا عنه البرقاني، قال: كان ثقة، حافظًا، عارفًا، كثير الحديث، بقي إلى سنة سبع وستين وثلاثمائة، "ودعلج" كجعفر, ابن أحمد بن دعلج، الإمام الحافظ، الفقيه، محدث بغداد، أبو محمد، السجزي، "ثقة"، سمع البغوي وغيره، وعنه الدارقطني والحاكم، وكان من أوعية العلم وبحور الرواية، صنف المسند الكبير،стр. 3152
وابن خزيمة أحد الأئمة، ويونس احتج به مسلم في صحيحه وابن وهب وعمرو بن الحارث ونافع بن جبير احتج بهم البخاري ومسلم، وعتبة فيه مقال، انتهى.
وقد رواه القاضي عياض في الشفاء مختصرًا وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه.
وروى صاحب كتاب "مصباح الظلام" عن عمرو بن شعيب: أن أبا طالب قال: كنت مع ابن أخي -يعني النبي ﷺ بذي المجاز، فأدركني العطش، فشكوت إليه فقلت: يابن أخي عطشت، وما قلت له ذلك وأنا لا أرى عنده شيئًا إلا الجزع، فثنى وركه ثم نزل
الحواشي
(١) ومات سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة، وخلف ثلاثمائة ألف دينار، "وابن خزيمة" محمد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة النيسابوري، "أحد الأئمة" المعروف عند أهل الحديث بإمام الأئمة حدث عنه الشيخان خارج صحيحيهما، "ويونس" بن يزيد الأعلى، "احتج به مسلم في صحيحه، وابن وهب" عبد الله المصري، الفقيه، الحافظ العابد، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة، "وعمرو بن الحارث" ابن يعقوب الأنصاري، مولاهم المصري، ثقة، فقيه حافظ مات قبل الخمسين ومائة ونافع بن جبير" بن مطعم القرشي النوفلي التابعي فاضل، مات سنة تسع وتسعين، "احتج بهم، أي: بكل واحد من الثلاثة "البخاري ومسلم" وباقي الأئمة الستة، "وعتبة بن حميد الضبي أبو معاذ، أبو معاوية البصري، "فيه مقال" فقال أحمد: ضعيف ليس بالقوي، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، وثقه ابن حبان وغيره، وفي التقريب: صدوق له أوهام، "انتهى، وقد رواه" أي: ذكره بلا إسناد "القاضي عياض في الشفاء مختصرًا، وروى ابن إسحاق في مغازيه نحوه، وروى صاحب كتاب مصباح الظلام" في المستغيثين الأنام.
"عن عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاصي، صدوق، مات سنة ثماني عشرة ومائة، روى له أصحاب السنن، "أن أبا طالب، قال: كنت مع ابن أخي، يعني النبي ﷺ بذي المجاز" بفتح الميم والجيم، وألف، وزاي معجمة: اسم سوق كان بقرب عرفة، كانوا يجتمعون فيه في الجاهلية، "فأدركني العطش، فشكوت إليه، فقلت: يابن أخي، عطشت وما قلت له ذلك، وأنا لا أرى عنده شيئًا إلا الجزع" بكسر الجيم، وقال أبو عبيدة: اللائق فتحها منعطف الوادي ووسطه، أو منقطعه أو منحناه، أو لا يسمى جزعًا حتى تكون له سعة تنبت الشجر، أو هو مكان بالوادي لا شجر فيه، وربما كان رملا، قاله في القاموس؛ فالمعنى هنا: لا أرى عنده الأوسط الوادي، أو منقطعه دون ماء فيه، ويصح تفسيره بباقي المعاني المذكورة، وأبعد من قال: إلا الجزع تأسفًا على حال الناس، "فثنى وركه ثم نزل" عن الدابة التي كاناстр. 3153
وقال: "يا عم، أعطشت"؟. فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض فإذا بالماء، فقال: "اشرب يا عم فشربت". وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر.
الحواشي
(١) راكبين عليها، فإن في نفي الحديث، وهو رديفه، أي: النبي ﷺ رديف أبي طالب، أي: راكب خلفه، "وقال: "يا عم! أعطشت"؟، كأنه سأله بعد شكواه إليه العطش لينبهه على رؤية الآية، "فقلت: نعم، فأهوى بعقبه إلى الأرض" وضرب الأرض بقدمه، "فإذا بالماء، فقال: "اشرب يا عم"، فشربت، وكذا رواه ابن سعد وابن عساكر" من رواية إسحاق بن الأزرق، عن عبد الله بن عون، عن عمرو بن شعيب، وهذا أحد ثلاثة أحاديث رواها أبو طالب عن النبي ﷺ .
وعن علي، سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد بن أخي، وكان والله صدوقًا، قال: قلت له: بم بعثت؟ قال: "بصلة الأرحام، وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة".
وعن أبي رافع: سمعت أبا طالب يقول: حدثني محمد أن الله أمره بصلة الأرحام، وأن يعبد الله وحده ولا يعبد معه أحدًا، ومحمد عندي الصدوق الأمين، رواهما الخطيب وضعفهما؛ كما في الإصابة وعبر السيوطي بأن أبا طالب روى عن المصطفى حديثين وهو أدق، إذ الثاني والثالث واحد، رواه عنه علي أبو رافع والخطب سهل.стр. 3154
" تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه ﷺ ":
ومن ذلك: تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه.
عن جابر، في غزوة الخندق، قال: فانكفيت إلى امرأتي، فقلت هل عندك شيء، فإني رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، فأخرجت جرابًا
الحواشي
(١) تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه ﷺ :
"ومن ذلك تكثير الطعام" ما قابل الماء لتقدمه، "القليل ببركته ودعائه" والطعام لغة ما يطعم، وهو المراد هنا بسائر أنواعه، "عن جابر بن عبد الله في غزوة الخندق" وهي الأحزاب، "قال": لما حفر الخندق، رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا، "فانكفيت"، قال الحافظ: بفاء مفتوحة، بعدها تحتية ساكنة، أي انقلبت، وأصله انكفأت بالهمز، وقال في التنقيح: أصله الهمزة من كفأت الإناء، وتسهل.
قال في المصابيح: ليس القياس في تسهيل مثله إبدال الهمزة، أي: انقلبت "إلى امرأتي" سهيلة، "فقلت" لها: "هل عندك شيء، فإني رأيت النبي ﷺ خمصًا"، بمعجمة وميم مفتوحتين، وصاد مهملة، وقد تسكن الميم، ضمور البطن من الجوع, "شديدًا، فأخرجت جرابًا" بكسرстр. 3155
فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة داجن فذبحتها وطحنت الشعير حتى جعلنا اللحم في البرمة ثم جئت النبي ﷺ فساررته فقلت: يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا وطحنت صاعًا من شعير. فتعال أنت ونفر معك. فصاح النبي ﷺ : "يا أهل الخندق، إن جابرًا صنع سؤرًا، فحي هلا بكم".
الحواشي
(١) الجيم، "فيه صاع من شعير، ولنا بهيمة" بضم الموحدة، وفتح الهاء، مصغر بهمة، وهي الصغيرة من أولاد الغنم، وفي رواية: عناق، وهي الأنثى من المعز، "داجن" بكسر الجيم: التي تترك في البيت، ولا تخرج إلى المرعى، ومن شأنها أن تسمن، وقد زاد في رواية: أحمد: سمينة، "فذبحتها" بسكون الحاء، وضم التاء، فالذابح جابر، "وطحنت" بفتح المهملة والنون، امرأتي "الشعير" وفي رواية أحمد: فأمرت امرأتي، فطحنت لنا الشعير، وصنعت لنا منه خبزًا.
وفي رواية في الصحيح من طريق آخر عن جابر: إنا يوم الخندق نحفر، فعرضت كدية شديدة، فجاءوا إلى النبي ﷺ فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق، فقال: "أنا نازل" ثم قام وبطنه معصور بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا، فأخذ النبي ﷺ المعول، فضرب، فعاد كثيبًا أهيل، أو أهيم، فقلت: يا رسول الله! ئذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئًا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق وطحنت الشعير، "حتى جعلنا"، أي: وشرعنا في تهيئته حتى جعلنا، وللكشميهني: جعلت، أي: المرأة "اللحم في البرمة"، بضم الموحدة، وسكون الراء: القدر مطلقًا أو من حجارة.
وفي رواية: ففرغت إلى فراغي، أي: معه وقطعتها في برمتها، "ثم جئت النبي ﷺ "، زاد في رواية في الصحيح: والعجين قد انكسر، أي: اختمر، والبرمة بين الأثافي قد كادت أن تنضج، فقالت: لا تفضحني برسول الله وبمن معه، فجئته "فساررته فقلت" له سرًا "يا رسول الله ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت" المرأة رواية أبي ذر وابن عساكر ولغيرهما: وطحنا، وعلى الأولى هو من الإضمار، أي: إرجاع الضمير لما علم من السياق، وهو أنه لما أسند الفعل إلى مؤنث، علم النبي ﷺ أنها الطاحنة، إذ ليس عنده غيرها، ولعله نسب الذبح إليهما لمعاونتها له فيه، والطحن لها لاستقلالها به دونه، "صاعًا من شعير كان عندنا، "فتعال أنت ونفر معك" دون العشرة من الرجال، وفي رواية: فقلت: طعيم لي صنعته، فقم أنت يا رسول الله ورجل أو رجلان، ولأحمد: وكنت أريد أن ينصرف ﷺ وحده، قال: "كم هو"؟، فذكرت له، فقال: "كثير طيب، قل لها: لا تنزع البرمة، ولا الخبز من التنور حتى آتي"، "فصاح النبي ﷺ ": "يا أهل الخندق، إن جابرًا صنع سؤرًا فحي" بحاء مهملة، وشد التحتية، "هلا بكم" بفتح الهاء واللام المنونة مخففة، أي، هلموا مسرعين.стр. 3156
فقال النبي ﷺ : "لا تنزلن برمتكم ولا تخبزن عجينكم حتى أجيء". ثم قال فأخرجت له عجينًا فبصق فيه وبارك ثم عمد إلى برمتنا فبصق وبارك ثم قال: "ادع خابزة فلتخبز معك
الحواشي
(١) وفي رواية في الصحيح، فقال: "قوموا". فقام المهاجرون والأنصار، فلما دخل على امرأته قال: ويحك جاء النبي ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم، قالت: هل سألك؟، قلت: نعم، وفي سياقه اختصار، وبيانه في رواية يونس بن بكير في زيادات المغازي، قال: فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت: جاء الخلق على صاع من شعير وعناق، فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت، جاءك رسول الله بالجند أجمعين، فقالت: هل كان سألك: كم طعامك؟ فقلت: نعم، فقالت: الله ورسوله أعلم، نحن أخبرناه بما عندنا، فكشفت عني غما شديدًا، وفي رواية الصحيح: فجئت امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت: قد فعلت الذي قلت، ويجمع بينهما بأنها أولا أمرته أن يعلمه بالصورة، فلما قال لها: إنه جاء بالجميع، ظنت أنه لم يعلم فخاصمته، فلما أعلمها أنه أعلمه، سكن ما عنده، لعلمها بإمكان خرق العادة، ودل ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها، وقد وقع لها في قصة التمر أن جابرًا أوصاها لما زارهم النبي ﷺ أن لا تكمله، فلما أراد ﷺ الانصراف نادته: يا رسول الله! صل عليّ وعلى زوجي، فقال ﷺ : "صلى الله عليك وعلى زوجك" فعاتبها جابر، فقالت له: أكنت تظن أن الله يورد رسوله بيتي، ثم يخرج ولا أسأله الدعاء، أخرجه أحمد بإسناد حسن، ذكره الحافظ.
"قال النبي ﷺ " لجابر: "لا تنزلن"، بضم الفوقية، وكسر الزاي، وضم اللام، "برمتكم" نصب على المفعولية ولأبي ذر: لا تنزل بفتح الزاي واللام مبني للمفعول، برمتكم بالرفع نائب الفاعل، "ولا تخبزن" بفتح الفوقية، وكسر الموحدة، وضم الزاي، وشد النون "عجينكم" بالنصب، ولأبي ذر، بضم التحتية، وفتح الموحدة، والزاي، ورفع عجينكم، "حتى أجيء" إلى منزلكم، "ثم جاء" لفظ البخاري: فجئت وجاء ﷺ يقدم الناس حتى جئت إلى امرأتي، فقالت: بك وبك، فقلت الذي قلت، "فأخرجت" المرأة "له عجينًا، فبصق فيه" بالصاد، ولأبي ذر، والوقت، وابن عساكر: فبسق بالسين، ويقال بالزاي أيضًا، لكن قال النووي: بالصاد في أكثر الأصول وفي بعضها بالسين، وهي لغة قليلة، "وبارك" في العجين، أي: دعا فيه بالبركة، "ثم عمد" بفتح الميم: قصد "إلى برمتنا، فبصق" زاد الكشميني: فيها، أي: البرمة "وبارك" في الطعام، "ثم قال" ﷺ لجابر: "ادع خابزة فلتخبز"، بسكون اللام "معك" بكسر الكاف، خطابًا لزوجة جابر، فخصه بالأمر بالدعاء؛ لأنه صاحب المنزل المشار بإذنه لمن شاء في دخوله منزله، وخاطب زوجته، بأنه إذا أحضرها يأمرها بالخبز معها، أي: مساعدتها فيه، ثم تباشرстр. 3157
واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". وهم ألف. فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن برمتنا لتغط كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو، رواه البخاري ومسلم.
وقوله: "فانكفأت" أي: انقلبت.
الحواشي
(١) هي غرف الطعام، ولا ينافيه أن لفظ البخاري: فلتخبزي معي؛ لأن المراد وقولي لها لتخبزي معي، أي: تعاونيني فيه، كذا أملانيه شيخنا قائلا، ويدل عليه قوله: "واقدحي" بسكون القاف، وفتح الدال، وكسر الحال المهملتين، أي: اغرفي "من برمتكم" والمغرفة تسمى المقدمة، وقدحه من المرق غرفه منه، "ولا تنزلوها" بضم الفوقية، وكسر الزاي، أي: البرمة من فوق الأثافي، بفتح الهمزة والمثلثة فألف، ففاء مكسورة، فتحتية مشددة: حجارة ثلاثة يوضع عليها القدر، "وهم" أي: القوم الذين أكلوا "ألف" وفي مستخرج أبي نعيم، وهو سبعمائة أو ثمانمائة، وللإسماعيلي ثمانمائة أو ثلاثمائة، وفي مسلم: ثلاثمائة.
قال الحافظ والحكم: لزائد لمزيد علمه، ولأن القصة متحدة.
وفي رواية أبي الزبير عن جابر وأقعدهم عشرة عشرة يأكلون، "فأقسم بالله لقد أكلوا حتى تركوه وانحرفوا"، أي: مالوا عن الطعام، "وإن برمتنا لتغط" بكسر الغين المعجمة، وشد الطاء المهملة، أي: تغلي وتفور بحيث يسمع لها غطيط، "كما هي، وإن عجيننا ليخبز كما هو" لم ينقص من ذلك شيء، وما في, كما كافة، وهي مقمحة لدخول الكاف على الجملة، وهي مبتدأ، والخبر محذوف، أي: كما هي قبل ذلك.
"رواه البخاري ومسلم" في المغازي من حديث سعيد بن مينا عن جابر، وأخرجه البخاري وحده من رواية أيمن عن جابر نحوه، وفي آخره: فقال ﷺ ادخلوا ولا تضاغطو، فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللحم، ويخمر البرم والتنوم إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه، ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا أو بقي بقية، قال: "كلي هذا وأهدي، فإن الناس أصابتهم مجاعة" وفي رواية يونس بن بكر: فما يزال يقرب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا، فقال: "كلي وأهدي" فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع، وفي رواية أبي الزبير عن جابر: فأكلنا نحن وأهدينا لجيراننا، فلما خرج ﷺ ذهب ذلك، انتهى.
وصريح هذا أن الذي باشر الغرف النبي ﷺ ، فيخالف ظاهر قوله: "واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها". أي: اغرفي من أن مباشرة المرأة، ويمكن الجمع بينهما؛ بأنها كانت تساعد في الغرف، ولم يتعرض الحافظ ولا المصنف لهذا.
"وقوله: فانكفأت، أي: انقلبت" بالهمز وتركه، وهو الرواية على ظاهر كلام الحافظ بنстр. 3158
وقوله: "داجن" يعني سمينة.
وقوله: "فذبحتها" بسكون الحاء، و"طحنت" بسكون التاء، يعني إن الذي ذبح هو جابر، والتي طحنت هي امرأته سهيلة بنت معوذ الأنصارية.
وقوله: "سورا" بضم المهملة وسكون الواو بغير همز: قال ابن الأثير: أي طعامًا يدعو الناس إليه. قال: واللفظة فارسية.
وقوله: "فحي هلا بكم" كلمة استدعاء فيه حث، أي هلموا مسرعين.
وقوله: "واقدحي" أي: اغرفي.
وقوله: "إن برمتنا لتغط" بالغين المعجمة والطاء
الحواشي
(١) حجر، وظاهر تصويب الحافظ أبي ذر له بالهمز؛ كما مر، "وقوله: داجن، يعني: سمينة" كما ورد صريحًا في رواية أحمد، قال الحافظ: الداجن التي تترك في البيت ولا تفلت للرعي، ومن شأنها أن تسمن.
وفي رواية أحمد: سمينة، "وقوله: فذبحتها، بسكون الحاء" وضم التاء، "وطحنت، بسكون التاء" الفوقية، قبلها نون، فحاء فطاء مفتوحات، "يعني: أن الذي ذبح هو جابر، والتي طحنت هي امرأته سهيلة" بلفظ التصغير، "بنت معوذ" صوابه كما في الفتح وغيره: بنت مسعود بن أوس بن مالك، بن سواد "الأنصارية" الظفرية، زوجة جابر وأم ولده عبد الله، ذكرها ابن حبيب في المبايعات؛ كما في الإصابة.
وقوله: "سورا" بضم المهملة وسكون الواو بغير همز, قال الحافظ: هو هنا الصنيع بالحبش، وقيل العرس بالفارسية، ويطلق أيضًا على البناء الذي يحيط بالمدينة، وأما الذي بالهمز، فهو البقية، "قال ابن الأثير، أي: طعامًا يدعو الناس إليه" زاد المصنف: أو الطعام مطلقًا، "قال: واللفظة فارسية" قال الطيبي: تظاهرت أحاديث صحيحة؛ أنه ﷺ تكلم بالألفاظ الفارسية، أي: كقوله للحسن: "كخ" ولعبد الرحمن: "مهيم"، أي: ما هذا، ولأم خالد: "سنا سنا"، يعني: حسنة، وهو يدل على جوازه، ذكره المصنف، ولعله ﷺ عبر بها دون طعام، لعمومه في كل مأكول، بخلاف الطعام، فيخص بالحنطة عند أهل مكة، فقد يفهم بعض السامعين غير المراد، أو لبيان الجواز.
وقوله: "فحي" بالفتح مثقلا "هلا" بفتح الهاء، واللام مخففًا "بكم". وفي رواية: "أهلا بكم" بزيادة ألف، والصواب حذفها، قاله الحافظ. "كلمة استدعاء فيه"، أي: الاستدعاء، ولفظ الحافظ فيها: أي الكلمة والأمر سهل، "حث" على الإجابة، "أي: هلموا مسرعين، وقوله: "واقدحي"، أي: اغرفي" والمقدحة: المغرفة، "وقوله: وإن برمتنا لتغط بالغين المعجمة" المكسورة، "والطاءстр. 3159
المهملة، أي: تغلي ويسمع غطيطها.
وعن أنس قال: قال أبو طلحة لأم سليم، لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء، فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا من شعير، ثم أخرجت خمارًا، فلفت الخبز ببعضه ثم دسته تحت يدي ولاثتني ببعضه -أي أدارت بعض الخمار على رأسي مرتين كالعمائم- ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، فذهبت به فوجدت
الحواشي
(١) المهملة" المشددة، "أي: تغلي ويسمع غطيطها" صوتها بالغليان، كغطيط النائم.
"وعن أنس" بن مالك "قال: قال أبو طلحة" زيد بن سهل الأنصاري، زوج أم سليم، والدة أنس "لأم سليم" قال الحافظ: اتفقت الطرق على أن الحديث المذكور من مسند أنس، وقد وافقه على ذلك أخوه لأمه عبد الله بن أبي طلحة، فرواه مطولا عن أبيه، قال: دخلت المسجد، فعرفت، في وجه رسول الله ﷺ الجوع ... الحديث، أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن، "لقد سمعت صوت رسول الله ﷺ ضعيفًا؛ أعرف فيه الجوع" فيه العمل بالقرائن، وكأنه لم يسمع من صوته حين تكلم الفخامة المألوفة منه، فحمله على الجوع، ولأحمد عن أنس، أن أبا طلحة رآه طاويًا، وفي مسلم جئت وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت، فقالوا: من الجوع، فأخبرت أبا طلحة، فدخل على أم سليم، قال: "فهل عندك من شيء" يأكله النبي ﷺ ؟، "فقالت: نعم، فأخرجت أقراصًا" جمع قرص، بالضم: قطعة عجين مقطوع منه "من شعير" ولأحمد: عمدت أم سليم إلى نصف مد من شعير فطحنته. وللبخاري: عمدت إلى مد من شعير جشته، ثم عملته عصيدة، وفي لفظ خطيفة، وهي العصيدة وزنًا ومعنى، وفي مسلم وأحمد: أتي أبو طلحة بمدين من شعير، فأمر، فصنع طعامًا، قال الحافظ: ولا منافاة لاحتمال تعدد القصة، او أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، ويمكن الجمع بأن يكون الشعير في الأصل كان صاعًا، فردت بعضه لعيالهم وبعضه للنبي ﷺ ، ويدل على التعدد ما بين العصيدة والخبز المفتوت، الملتوت بالسمن من المغايرة، "ثم أخرجت خمارًا" بكسر الخاء المعجمة، أي: نصيفًا لها، "فلفت الخبز ببعضه، ثم دسته" أي: أخفته "تحت يدي" بكسر الدال، أي: إبطي "ولاثتني بمثلثة، ففوقية ساكنة، فنون مكسورة: لفتني، "ببعضه" ببعض الخمار، "أي: أدارت بعض الخمار على رأسي مرتين، كالعمائم" وفي الفتح، أي: لفتني به يقال: لاث العمامة على رأسه، أي: عصبها، والمراد أنها لفت بعضه على بعض رأسه، وبعضه على إبطه، وللبخاري في الأطعمة، فلفت الخبز ببعضه، ودست الخبز تحت ثوبي وردتني ببعضه، يقال: دس الشيء يدسه دسًا، إذا أدخله في الشيء بقهر وقوة، "ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، فذهبت به، فوجدتстр. 3160
رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه، فقال لي رسول الله ﷺ : "آرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال: "لطعام"؟ قلت: نعم، فقال رسول الله ﷺ لمن معه: "قوموا"، فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : "هلمي يا أم سليم ما عندك"، فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ ففت، وعصرت أم سليم عكة
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليه" لفظ البخاري: فقمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : "آرسلك" بهمزة ممدودة للاستفهام، كذا في الفتح "أبو طلحة"؟، قلت: نعم، قال: "لطعام"؟، أي: لأجله، "قلت: نعم فقال رسول الله ﷺ لمن معه" من صحبه: "قوموا" , يأتي الجواب عما فيه من شبه التنافي، "فانطلق" وأصحابه, ولأبي نعيم، فقال للقوم: "انطلقوا" وهم ثمانون رجلا، "وانطلقت بين أيديهم" ولأبي نعيم: أخذ ﷺ بيدي، فشده، ثم أقبل بأصحابه حتى إذا دنوا، أرسل يدي، فدخلت وأنا حزين لكثرة من جاء معه، "حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته" بمجيئهم.
وفي رواية: قال يا أنس فضحتنا، وللطبراني: فجعل يرميني بالحجارة، "فقال أبو طلحة: يا أم سليم، قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم" أي: قدر ما يكفيهم، "فقالت: الله ورسوله أعلم" كأنها عرفت أنه فعل ذلك عمدًا ليظهر الكرامة في تكثير الطعام، ودل ذلك على فضل أم سليم، ورجحان عقلها، "فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول" ﷺ ، وقال: إنما أرسلت أنسا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى إنما هو قرص، فقال: "إن الله سيبارك فيه"؛ كما في روايات تأتي، "فأقبل رسول الله ﷺ وأبو طلحة معه" حتى دخل على أم سليم، فقال رسول الله ﷺ : "هلمي" كذا لأبي ذر عن الكشميهني، بالتحتية؛ وهي لغة تميم، وللأكثر: هلم، بفتح الميم مشددة مع خطاب المؤنثة، وهي لغة حجازية لا يؤنث ولا يجمع، ومنه: ﴿وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ ، والمراد: الطلب، أي: هات "يا أم سليم ما عندك" , "فأتت بذلك الخبز" الذي كانت أرسلته مع أنس، ويحتمل أنه لما أخبره أخذته منه؛ وأنه كان باقيًا معه، وخاطبها لأنها هي المتصرفة، "فأمر به رسول الله ﷺ ففت" بضم الفاء، وشد الفوقية، أي: كسر، "وعصرت أم سليم عكة" بضم المهملة، وشد الكاف إناء من جلد مستدير، يجعل فيه السمن غالبًا والعسل، وفي رواية: فقال: "هل من سمن"؟، فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء، فجعلا يعصرانها حتى خرج، ثم مسح ﷺ به سبابته، ثم مسح القرص فانتفخ، وقال:стр. 3161
فأدمته، ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال: "ائذن لعشرة، ثم لعشرة"، فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا والقوم سبعون أو ثمانون رجلا. رواه البخاري ومسلم.
والمراد بالمسجد -هنا- الموضع الذي أعده النبي ﷺ للصلاة فيه حين حاصره الأحزاب بالمدينة في غزوة الخندق.
وفي رواية: لمسلم أنه قال: ائذن لعشرة، بالدخول فدخلوا فقال: كلوا وسموا الله، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلا، ثم أكل النبي ﷺ وأهل البيت وتركوا سؤرًا. أي بقية وهي بالهمزة.
وفي رواية للبخاري:
الحواشي
(١) "بسم الله"، فلم يزل يصنع ذلك القرص والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع، "فأدمته" أي: صيرت ما خرج من العكة إدامًا له، "ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول" في رواية أحمد: فقال "بسم الله"، وفي مسلم: فمسحها ودعا فيها بالبركة، ولأحمد: فجئت بها، ففتح رباطها، ثم قال: "بسم الله اللهم أعظم فيها البركة"، ثم قال: "ائذن لعشرة" بالدخول؛ لأنه أرفق، "ثم لعشرة" ثانية، "فأذن لهم فأكلوا حتى شبعوا، والقوم سبعون أو ثمانون رجلا" بالشك من الراوي، وعند أحمد ومسلم وغيرهما، حتى فعل ذلك بثمانين رجلا بالجزم، ولأحمد أيضًا: كانوا نيفًا وثمانين ولا منافاة، لأنه ألغى الكسر، وفي مسلم وفضلت فضلة، فأهدينا لجيراننا، ولأبي نعيم: حتى أهديت أم سليم لجيرانها، "رواه البخاري ومسلم" كلاهما في الأطعمة من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس والبخاري أيضًا في علامات النبوة، وروى بعضه في الصلاة، وأخرجه الترمذي في المناقب والنسائي في الوليمة، "والمراد بالمسجد هنا: الموضع الذي أعده النبي ﷺ للصلاة فيه حين حاصره الأحزاب بالمدينة في غزوة الخندق" لا المسجد النبوي.
وفي رواية لمسلم، أنه قال: "ائذن لعشرة" بالدخول، فأذن لهم, "فدخلوا، فقال: "كلوا وسموا الله" فأكلوا" وفي رواية أحمد: فوضع يده وبسط القرص، وقال: "كلوا بسم الله" فأكلوا من حوالي القصعة حتى شبعوا، ثم قال لهم: "قوموا وليدخل عشرة مكانكم"، "حتى فعل ذلك بثمانين رجلا" فجزم بثمانين، "ثم أكل النبي ﷺ " بعد ذلك "وأهل البيت، وتركوا سؤرًا، أي: بقية، وهو بالهمزة" الفضلة والبقية.
"وفي رواية للبخاري" في الأطعمة عن أنس: أن أمه عمدت إلى مد شعير جشته، منه خطيفة، وعصرت، عكة عندها، ثم بعثتني إلى النبي ﷺ ، فأتيته وهو في أصحابه، فدعوته، قال:стр. 3162
وقال: "أدخل عليّ عشرة"، حتى عد أربعين، ثم أكل النبي ﷺ ثم قام، فجعلت أنظر هل نقص منها شيء.
وفي رواية يعقوب: "أدخل عليّ ثمانية ثمانية"، فما زال حتى دخل عليه ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي وأبا طلحة فأكلنا حتى شبعنا. انتهى.
وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه، قال الحافظ ابن حجر، قال: وظاهره أنه ﵊ دخل لمنزل أبي طلحة وحده، وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى ولفظه: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الباب قال لهم: "اقعدوا" , ودخل. وفي رواية يعقوب عن أنس:
الحواشي
(١) ومن معي، فقلت: أنه يقول ومن معي، فخرج إليه أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! إنما هو شيء صنعته أم سليم، فدخل وجيء به، "وقال: "أدخل" بفتح الهمزة، وكسر الخاء "عليّ عشرة" من الذين حضروا معه، فدخلوا معه، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: "أدخل عليّ عشرة"، فدخلوا، فأكلوا حتى شبعوا، ثم قال: "أدخل علي عشرة"، "حتى عد أربعين" رجلا، "ثم أكل النبي ﷺ ، ثم قام" قال أنس: "فجعلت أنظر" إلى القصعة "هل نقص منها شيء" من الطعام، إشارة إلى أنه لم ينقص شيء منها.
وفي رواية أحمد: حتى أكل منها أربعون رجلا، وبقيت كما هي، قال الحافظ: وهذا يدل على تعدد القصة.
"وفي رواية يعقوب بن عبد الله، بن أبي طلحة، عن أنس عند مسلم: "أدخل عليّ ثمانية ثمانية" بالتكرير، أي: ثمانية بعد ثمانية، "فما زال حتى دخل عليه ثمانون، ثم دعاني ودعا أمي" أم سليم، "وأبا طلحة" زوجها، "فأكلنا حتى شبعنا، انتهى، وهذا يدل على تعدد القصة، فإن أكثر الروايات فيها، أنه أدخلهم عشرة عشرة سوى هذه" فقال: "أدخلهم ثمانية ثمانية".
"قال الحافظ ابن حجر" في الفتح، "قال" فيه أيضًا: "وظاهره" أي: قوله: ائذن لعشرة فأذن لهم؛ "أنه ﵊ دخل لمنزل أبي طلحة وحده، وصرح بذلك في رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى" عن أنس عند أحمد ومسلم، "ولفظه: فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الباب قال لهم: "اقعدوا" ودخل.
"وفي رواية يعقوب" بن عبد الله بن أبي طلحة، ثقة، من صغار التابعين، "عن أنس" عندстр. 3163
فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى، وفي رواية عمرو بن عبد الله عن أنس، فقال أبو طلحة: إنما هو قرص، فقال: "إن الله سيبارك فيه".
قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة -والله أعلم- لأنها كانت قصعة واحدة، لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلوا عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا،
وأما قوله ﵊: "أرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال: "لطعام"؟ قلت: نعم، فقال لمن معه: قوموا: فظاهره: أن النبي ﷺ فهم أن أبا طلحة استدعاه إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده قوموا، وأول الكلام يقتضي أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس؟!
فيجمع: بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس لأن يأخذه النبي ﷺ فيأكله، فلما وصل به أنس
الحواشي
(١) مسلم، "فقال أبو طلحة: يا رسول الله! إنما أرسلت أنسًا يدعوك وحدك، ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى" فقال: "أدخل، فإن الله سيبارك فيما عندك".
"وفي رواية عمرو" بفتح العين، "بن عبد الله" بن أبي طلحة الأنصاري، التابعي، الصغير، ثقة، عابد، "عن أنس" عند مسلم، "فقال أبو طلحة: إنما هو قرص" تقدم التعبير بأقراص، فنزلها لقلتها منزلة القرص الواحد، فقال: "إن الله سيبارك فيه".
"قال العلماء: وإنما أدخلهم عشرة عشرة، والله أعلم" بالحكمة في ذلك؛ لأنها كانت قصعة واحدة لا يمكن الجماعة الكثيرة أن يقدروا على التناول منها مع قلة الطعام، فجعلوا عشرة عشرة لينالوا من الأكل ولا يزدحموا" فهو أرفق بهم أو لضيق البيت؛ كما قال السيوطي، أو لهما معًا.
"وأما قوله ﵊: "أرسلك أبو طلحة"؟ قلت: نعم، قال: "لطعام"؟، قلت: نعم، فقال لمن معه: "قوموا"، فظاهره أن النبي ﷺ فهم أن أبا طلحة استدعاه" طلب حضوره "إلى منزله، فلذلك قال لمن عنده: "قوموا"، وأول الكلام يقتضي" اقتضاء صريحًا "أن أم سليم وأبا طلحة أرسلا الخبز مع أنس" وقوله: "فيجمع بأنهما أرادا بإرسال الخبز مع أنس" سقطت هذه الجملة من غالب نسخ المصنف سهوًا منه أو نساخه، وهي ثابتة في الفتح الذي هو ناقل عنه، وبها يستقيم الكلام؛ "لأن يأخذه النبي ﷺ فيأكله، فلما وصل به أنس،стр. 3164
ورأى كثرة الناس حول النبي ﷺ استحيى، وظهر له أن يدعو النبي ﷺ ليقوم معه وحده إلى المنزل فيحصل مقصودهم من طعامه.
ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله، عهد إليه أنه إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي ﷺ وحده، خشية أن ذلك لا يكفي النبي ﷺ هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره ﵊، وأنه لا يأكل وحده.
ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس -عند أبي نعيم وأصله عند مسلم- قال لي أبو طلحة: يا أنس اذهب فقم قريبًا من رسول الله ﷺ ، فإذا قام فدعه حتى تتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى إذا قام على عتبة بابه فقل له: إن أبي يدعوك، وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله إنما أرسلت أنسًا
الحواشي
(١) ورأى كثرة الناس حول النبي ﷺ استحيى، وظهر له أن يدعو النبي ﷺ ليقوم معه وحده إلى المنزل، فيحصل مقصودهم من طعامه" وذلك من مزيد فطنته على صغر سنه، "ويحتمل أن يكون ذلك عن رأي من أرسله, عهد إليه" أي: أوصاه، "إذا رأى كثرة الناس أن يستدعي النبي ﷺ وحده، خشية أن ذلك لا يكفي النبي ﷺ هو ومن معه، وقد عرفوا إيثاره ﵊" على نفسه "وأنه لا يأكل وحده" زاد الحافظ عقب هذا: وجدت أكثر الروايات يقتضي أن أبا طلحة استدعى النبي ﷺ أدعوه، وقد جعل طعامًا.
وفي رواية عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن أنس: أمر أبو طلحة أم سليم أن تصنع للنبي ﷺ لنفسه خاصة، ثم أرسلني إليه.
وفي رواية يعقوب: فدخل أبو طلحة على أمي، فقال: هل من شيء؟ فقالت: عندي كسر من خبز، فإن جاءنا ﷺ وحده أشبعناه، وإن جاء أحد معه قل عنهم، وجميع ذلك عند مسلم، وفي رواية أحمد: أن أبا طلحة قال: أعجنيه وأصلحيه عسى أن ندعو رسول الله.
"ووقع في رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس عند أبي نعيم، وأصله عند مسلم، قال لي أبو طلحة: يا أنس! اذهب، فقم قريبًا من رسول الله ﷺ ، فإذا قام، فدعه حتى تتفرق عنه أصحابه، ثم اتبعه حتى قام على عتبة بابه" الذي يأوي إليه، "فقل له: إن أبي" فيه تجوز لأنه ربيبه، "يدعوك" ورواية يعقوب هذه ذكرها الحافظ، استدلالا على أن طلحة استدعاه مسقطًا لفظ وقع، بل قال عقب ما ذكرته عنه.
وفي رواية يعقوب، فذكرها، "وفيه: فقال أبو طلحة: يا رسول الله! إنما أرسلت أنسًاстр. 3165
يدعوك وحدك، ولم يكن عندي ما يشبع من أرى، فقال: "أدخل, فإن الله يبارك فيما عندك".
وإليك النظر، فقال: "هل من سمن"؟ فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج.
الحواشي
(١) يدعوك وحدك"، وهذا صريح أيضًا في أنه استدعاه لمنزله، "ولم يكن عندنا ما يشبع من أرى" معك، فقال: "أدخل، فإن الله يبارك فيما عندك" وبقية الروايات التي استدل بها الحافظ هي.
وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة، عند أبي يعلى عن أنس، قال لي أبو طلحة: اذهب فادع رسول الله ﷺ .
وعند البخاري من رواية ابن سيرين في الأطعمة عن أنس: ثم بعثني إلى رسول الله ﷺ ، فأتيته، وهو في أصحابه، فدعوته.
وعند أحمد من رواية النضر بن أنس عن أبيه، قالت لي أم سليم: اذهب إلى رسول الله ﷺ ، فقل له: إن رأيت أن تغدى عندنا، فافعل.
وفي رواية، عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أنس عند البغوي، فقال أبو طلحة: اذهب يا بني إلى النبي ﷺ ، فادعه، فجئته، إن أبي يدعوك.
وفي رواية محمد بن كعب عند أبي نعيم، فقال: يا بني اذهب إلى رسول الله ﷺ ، فادعه، ولا تدع معه غيره، ولا تفضحني، انتهى. ولم يتنزل الحافظ للجمع بين هذه الروايات وبين مقتضى أول الصحيحين لسهولته، وهو أنه أرسله يدعوه وحده، وأرسل معه الخبز، فإن جاء قدموه له، وإن شق عليه المجيء لمحاصرة الأحزاب، أعطاه الخبز سرًا.
وأما اختلاف الروايات في أنه أقراص، أو كسر من خبز، فكانت أقراصًا مكسورة، وقوله: اعجنيه وأصلحيه يحمل على تليينه بنحو ماء أو سمن ليسهل تناوله، كأنه كان يابسًا، كما هو شأن الكسر غالبًا، هذا ما ظهر لي، "وإليك النظر".
وفي رواية مبارك بن فضالة، بفتح الفاء، وتخفيف المعجمة، البصري، صدوق يدلس ويسوي، مات سنة ست وستين ومائة على الصحيح، روى له أبو داود، والترمي، وابن ماجه، أي: روايته عن بكر بن عبد الله، وثابت، عن أنس عند الإمام أحمد، "فقال ﷺ " لما دخل وأتته أم سليم بذلك الخبز: "هل من سمن"؟، نأدم به الخير، "فقال أبو طلحة: قد كان في العكة شيء" قليل من السمن، "فجاء بها، فجعلا يعصرانها حتى خرج" لا ينافيه رواية الصحيحين السابقة بلفظ: وعصرت أم سليم عكة، فأدمته؛ لاحتمال أنها حين أتت بها عصرتها، ثم أخذاهاстр. 3166
ثم مسح رسول الله ﷺ القرص فانتفخ، وقال: "بسم الله" , فلم يزل يصنع ذلك والقرص ينتفخ حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع.
وفي رواية النضر بن أنس: فجئت بها ففتح رباطها ثم قال: "بسم الله، اللهم أعظم فيها البركة"، وعرف بهذا المراد بقوله في رواية الصحيحين: "قال ما شاء الله أن يقول".
وفي رواية عن أنس عند أحمد: أن أبا طلحة رأى رسول الله ﷺ طاويًا.
وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين عن أنس: أن أبا طلحة بلغه أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام فآجر نفسه بصاع من شعير فعمل بقية يومه ذلك ثم جاء به ... الحديث.
الحواشي
(١) منها وعصراها، استفراغًا لما بقي فيها، أو أنهما ابتدءا عصرها، ثم حاولت بعد عصرهما إخراج شيء منها، "ثم" بعد فراغ العصر ووصول السمن إلى الخبز، "مسح رسول الله ﷺ القرص" لا ينافيه أن الخبز فت وجعل عليه السمن، كما مر؛ لأن السمن لما وضع على الفت اجتمع؛ فصار كالقرص الواحد، فلذا عبر به، وتقدم أن أبا طلحة عبر عنها بقرص قبل فتها لقلتها، وهذا غير ذاك، "فانتفخ، وقال" "بسم الله"، "فلم يزل يصنع ذلك" المسح والتسمية، "والقرص ينتفخ، حتى رأيت القرص في الجفنة يتسع، وفي رواية النضر بن أنس" بن مالك الأنصاري، البصري، التابعي، الوسط، ثقة، روى له الجماعة، مات سنة بضع ومائة، أي: عن أبيه أنس في مسند أحمد، "فجئت بها" أي: العكة، "ففتح ﷺ رباطها" بيده الميمونة، "ثم قال": "بسم الله، اللهم أعظم فيها البركة"، وعرف بهذا المراد بقوله في رواية الصحيحين" المتقدمة، ثم "قال ما شاء الله أن يقول" فالروايات تفسر بعضها.
"وفي رواية" بكر وثابت، "عن أنس، عند أحمد؛ أن أبا طلحة رأى رسول الله ﷺ طاويًا، فلذا قال: أعرف فيه الجوع.
"وعند أبي يعلى من طريق محمد بن سيرين، عن أنس: أنا طلحة بلغه؛ أنه ليس عند رسول الله ﷺ طعام، فآجر نفسه" في عمل "بصاع من شعير، فعمل بقية يومه ذلك، ثم جاء به ... الحديث" وهو مخالف للروايات السابقة واللاحقة؛ أنه سأل أم سليم، أعندها شيء؟، فأخبرته بالخبز، وأنه فت وجعل عليه سمن، والجمع بينهما؛ أنه تعدد مرتين، مرة سألها، فوجد الخبز، ففعل ما ذكر، وبعثه مع أنس قبل ذلك؛ لاحتمال أن لا يجيء فيعطيه له فجاء ومعه ثمانون أو أزيد، وأدخلهم عشرة عشرة، ومرة لم يسألها، بل آجر نفسه بالصاع، وأتى به إليها وقال:стр. 3167
وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم وأبي يعلى قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ يتقلب ظهر البطن. وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم أيضًا عن أنس قال: جئت رسول الله ﷺ فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه فقال من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة فأخبرته، فدخل على أم سليم فقال: هل من شيء ... الحديث.
وفي رواية محمد بن كعب عن أنس عند أبي نعيم قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم فقال: أعندك شيء؟ فإني مررت على النبي ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء وقد ربط على بطنه حجرًا.
الحواشي
(١) أعجنيه وأصلحيه، فجعلته عصيدة، ودعاه فجاء ومعه أربعون، وأدخله ثمانية، وبهذا تتضح الروايات، وإليه أومأ الحافظ وإن لم يفصح به، فقال في رواية ابن سيرين عن أنس غير القصة التي رواها غيره، وقال قبل ذلك، كما قدمته عنه، يدل على التعدد ما بين العصيدة والخبز المفتوت، بالسمن من المغايرة انتهى. والله أعلم.
"وفي رواية عمرو بن عبد الله بن أبي طلحة" وهو أخو إسحاق، روي حديث الباب "عند مسلم وأبي يعلى" عن أنس، "قال: رأى أبو طلحة رسول الله ﷺ يتقلب ظهر البطن" من الجوع، "وفي رواية يعقوب بن عبد الله بن أبي طلحة عند مسلم أيضًا، عن أنس، قال: جئت رسول الله ﷺ ، فوجدته جالسًا مع أصحابه يحدثهم. وقد عصب بطنه بعصابة، فسألت بعض أصحابه" لم عصب بطنه؟ "فقال: من الجوع، فذهبت إلى أبي طلحة، فأخبرته، فدخل على أم سليم، فقال: هل من شيء ... الحديث".
"وفي رواية محمد بن كعب" بن مالك الأنصاري، السلمي، بالفتح المدني، التابعي، الوسط، ثقة، روى له مسلم وابن ماجه، "عن أنس عند أبي نعيم، قال: جاء أبو طلحة إلى أم سليم" بنت ملحان الأنصاري، اسمها سهلة، أو رملية، أو مليكة، أو أنيفة، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات، ماتت في خلافة عثمان، "فقال: أعندك شيء؟ فإني مررت على النبي ﷺ وهو يقرئ أصحاب الصفة سورة النساء، وقد ربط على بطنه حجرًا" من الجوع، وفيه رد على دعوى ابن حبان؛ أنه لم يكن يجوع؛ لحديث: "أبيت يطعمني ربي ويسقيني"، وأجيب بحمله على تعدد الحال، فكان أحيانًا يجوع إذا لم يواصل ليتأسى به أصحابه، ولا سيما من لا يجد مردًا، فيصبر على الجوع فيتضاعف أجره، كما مر مفصلا.стр. 3168
وعن أبي هريرة أنه قال: لما كان غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقال عمر: يا رسول الله ادعهم بفضل أزوادهم، ثم ادع الله لهم عليها بالبركة، فقال: نعم، فدعا بنطع فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شيء يسير، فدعا رسول الله ﷺ بالبركة ثم قال: "خذوا في أوعيتكم"، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه. قال: فأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله
الحواشي
(١) "وعن أبي هريرة، أنه قال: لما كان" تامة، أي: وجد "غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة" وفي رواية: مخمصة، فاستأذن الناس رسول الله ﷺ في نحر ظهورهم، قالوا: يبلغنا الله ، فأذن، فعلم عمر، فجاء فقال: يا نبي الله! ماذا صنعت، أمرت الناس أن ينحروا الظهر، فعلى ماذا يركبون؟ قال: "فما ترى يابن الخطاب"؟ , "فقال عمر: يا رسول الله! ادعهم" ألزمهم، وفي لفظ: أرى أن تأمرهم أن يأتوا "بفضل أزوادهم" أي: بقيتها، أو ما فضل منه أزوادهم التي لا تكفيهم في الأكلة الثانية والألم يستأذنوه في نحر الظهر، "ثم ادع الله لهم عليها بالبركة" النمو والزيادة فيها، فإن الله عودك في الدعاء خيرًا، "فقال: "نعم". فدعا بنطع" بكسر النون، وفتح الطاء، على أفصح لغاته، وفتح النون والطاء، وفتح النون، وإسكان الطاء: ما يتخذ من الأدم، وتقدم مرارًا، "فبسط، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكف رة ويجيء الآخر بكسرة" وفي رواية: فجعل الناس يأتون بالحثية من الطعام، وفوق ذلك، أعلام من جاء بالصاع من التمر، فجعلها ﷺ في ثوب، أي: فوق النطع، "حتى اجتمع على النطع شيء يسير" قال سلمة بن الأكوع: فحزرته، كربضة العنز، براء، موحدة، ومعجمة، أي: مقدار جثة عنز باركة على الأرض، أو هو تقدير لموضع من النطع بموضع ربوضها، "فدعا رسول الله ﷺ بالبركة"، ثم قال: "خذوا في أوعيتكم" , "فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملئوه" مما اجتمع عنده.
وفي رواية لمسلم: حتى ملئوا.
"قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلة" منه وفي رواية: فملأ كل إنسان وعاءه، ولم يبق في الجيش وعاء إلا ملئوه، حتى إن الرجل ليعقد قميصه، فيأخذ فيه، وبقي منه، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، فقال رسول الله ﷺ : "أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله"، مناسبتها لما قبلها من إظهار المعجزة، إعلامهم أن القصد منهم الثبوت عليها من غيرстр. 3169
لا يلقى الله بهما عبد غير شاك فيحجز عن الجنة". رواه مسلم.
وعن أنس قال: كان رسول الله ﷺ عروسًا بزينب، فعمدت أمي أم سليم إلى تمر وسمن وأقط فصنعت حيسًا، فجعلته في تور، فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام، فقال رسول الله ﷺ : "ضعه"، ثم قال: "اذهب فادع لي -فلانًا وفلانًا، رجالا سماهم- وادع لي من لقيت"، فدعوت من سمى ومن لقيت، فرجعت فإذا البيت غاص
الحواشي
(١) شك؛ كما أفاد بقوله: "لا يلقى الله بهما عبد غير شاك، فيحجز" بالنصب، أي: يمنع "عن الجنة" حجز تأييد، وكذا رواية: "إلا حجبت عنه النار"، أي: حجب تأييد، فلا ينافي دخولها لبعض لتطهيره، ويحتمل أن عدم شكه قبل لقاء الله، ملاحظًا التوبة إلى الله والتمحيص من الذنوب، فلا يحجب عن الجنة ابتداء، بل يكون مع السابقين، وتحجب عنه النار من أول الأمر، "رواه مسلم" وأحمد، وأخرجه البخاري عن سلمة بن الأكوع بنحوه.
"وعن أنس، قال: كان رسول الله ﷺ عروسًا بزينب" بنت جحش الأسدية، فقالت لي أم سليم: لو أهدينا إلى رسول الله هدية، فقلت لها: افعلي، "فعمدت" بفتح الميم "أمي أم سليم إلى تمر وسمن وأقط، فصنعت حيسًا" بفتح الحاء المهملة وإسكان الياء، وبالسين المهملة، وهو خلط المذكور، قال:
التمر والسمن جميعًا والإقط ... الحيس إلا أنه لم يختلط
أي: لم يختلط فيما حضر الشاعر فيما عناه، فهو حيس بالقوة لا بالفعل، وقيل: الحيس تمر ينزع نواه، ويخلط بالسويق.
قال ابن قرقول: والأول أعرف، "فجعلته في تور" بفتح الفوقية، وإسكان الواو: إناء من صفر، أو حجارة.
وفي رواية البخاري: في برمة، أي: قدر، أو من حجر، "فقالت: يا أنس اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ ، فقل: بعثت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام".
وفي رواية البخاري: فأرسلت بها معي إليه، فانطلقت بها إليه، فقال ﷺ : "ضعه" أي: التور، وفي رواية البخاري: "ضعها"، أي: البرمة، ثم قال: "اذهب فادع لي فلانًا وفلانًا"، "رجالا سماهم" أي: عينهم بأسمائهم، "وادع لي من لقيت" بتاء الخطاب، تعميم بعد تخصيص، "فدعوت من سمى ومن لقيت".
وفي رواية البخاري: ففعلت الذي أمرني، "فرجعت، فإذا البيت غاص" بغين معجمة،стр. 3170
بأهله، قيل لأنس: عددكم كانوا؟ قال: زهاء ثلاثمائة، فرأيت النبي ﷺ وضع يده على تلك الحيسة وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرة عشرة يأكلون منه، ويقول لهم: "اذكروا اسم الله، وليأكل كل رجل مما يليه"، قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لي: "يا أنس ارفع" فرفعت، فما أدري حين وضعت كان أكثر أم حين رفعت. رواه البخاري ومسلم.
الحواشي
(١) وصاد مهملة مشددة، بينهما ألف، أي: ممتلئ "بأهله، قيل لأنس: عددكم" معمول مقدم؛ لقوله: "كانوا" أي: عدد أي قدر كانوا، "قال: زهاء ثلاثمائة" أي: مقدارها، "فرأيت النبي ﷺ وضع يده" كذا بالإفراد، وفي البخاري: يديه، قال المصنف بالتثنية، "على تلك الحيسة" التي أرسلتها أم سليم لتحصل البركة، "وتكلم بما شاء الله" أن يتكلم، وفي رواية: فوضعه قدامه، وغمس ث. لاث أصابع، ولا منافاة، فإنه وضع يديه جميعًا عليها حين الدعاء قبل الأكل، ثم لما أطعم القوم أكل معهم بأصابعه الثلاث على سنته، فلا ترد الرواية التي في المصنف إلى الأخرى، فيقال: أي بعض يده، كما توهم، "ثم جعل يدعو عشرة عشرة" من القوم الذين اجتمعوا "يأكلون منه" أي: الطعام المسمى حيسة، أو الضمير للتور، ويقول لهم: "اذكروا اسم الله" بأن تقولوا: بسم الله قبل الأكل، "وليأكل كل رجل مما يليه"، قال أنس "فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة حتى أكلوا كلهم، قال لي: "يا أنس ارفع" الإناء، وفي رواية: "لترفع" بلام الأمر والخطاب، والرواية الأولى أفصح، "فرفعت، فما أدري حين وضعت" بضم التاء للمتكلم، أي: حين وضعته، أو بتاء تأنيث ساكنة، "كان" الطعام أو التور، وفي رواية: كانت بالتأنيث، أي: الآنية "أكثر أم حين رفعت" بضم التاء وإسكانها، "رواه البخاري ومسلم" واللفظ لهما كلاهما في النكاح، وبقيته عندهما: فخرج من خرج، وبقي نفر يتحدثون، وجعلت أغتم، ثم خرج النبي ﷺ نحو الحجرات، وخرجت في أثره، فقلت: إنهم قد ذهبوا، فرجع، فدخل البيت وأرخى الستر، وإني لفي الحجرة، وهو يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٣٥] الآية.
قال في الفتح: استشكل عياض ما وقع هنا؛ أن الوليمة بزينب كانت من الحيس الذي أهدته أم سليم، فالمشهور في الروايات أنه أولم عليها بالخبز واللحم، ولم يقع في القصة تكثير ذلك الطعام، وإنما فيها أنه أشبع المسلمين خبزًا ولحمًا، فهذا وهم من راويه، وتركيب قصة على أخرى، وأجاب: بأن حضور الحيسة صادف حضور الخبز واللحم، فاكلوا كلهم من ذلك.
وقال القرطبي: لعل الذين دعوا إلى الخبز واللحم أكلوا حتى شبعوا، وذهبوا ولم يرجعوا وبقي النفر الذين كانوا يتحدثون عنده حتى جاء أنس بالحيسة، فأمره أن يدعو ناسًا آخرين ومنстр. 3171
وعن جابر قال: إن أم مالك كانت تهدي إلى النبي ﷺ في عكة لها سمنًا، فيأتيها بنوها فيسألون الأدم، وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ فتجد فيه سمنًا، فما زال يقيم لها أدم بيتها حتى عصرته، فأتت النبي ﷺ فقال: "أعصرتيها"؟ قالت: نعم، قال: "لو تركتيها ما زل قائمًا". رواه مسلم.
الحواشي
(١) لقي، فدخلوا فأكلوا أيضًا حتى شبعوا، واستمر أولئك النفر يتحدثون، انتهى، ولعل جواب عياض أقرب.
"وعن جابر، قال: إن أم مالك" الأنصارية، أوردها في الإصابة في الكنى ولم يسمها، بل ذكر هذا الحديث، "كانت تهدي إلى النبي ﷺ في عكة لها سمنًا، فيأتيها بنوها، فيسألون الأدم"، أي: ما يأتدمون، به وفي رواية: فيسألون السمن، "وليس عندهم شيء فتعمد" بكسر الميم: تقصد "إلى الذي كانت تهدي فيه" ذكره، باعتبار الوعاء "للنبي ﷺ ، فتجد فيه سمنًا، فما زال" استمر السمن الذي تجده "يقيم لها أدم بيتها" واحد البيوت، وفي نسخة: بنيها جمع ابن، والأولى أبلغ في المعجزة، "حتى عصرته" أي: الظرف أو الإناء المعبر عنه بعكة، أو المير للسمن باعتبار محله لكن في مسلم حتى عصرتها بالتأنيث، "فأتت النبي ﷺ " فذكرت ذلك له؛ كما في مسلم. فقال: "أعصرتيها" استفهام إنكاري، ولا يخفى أن التاء فاعل، والياء للإشباع لا لغة، قال شيخنا في التقرير: وفي ظني أن في الرضى ما يفيد جواز دخولها على ضمير الغيبة المؤنث أو المذكر، كأخذتيه، قالت: نعم، فقال: "لو تركتيها ما زال" السمن "قائمًا"، "رواه مسلم" من طريق أبي الزبير عن جابر، وروى ابن أبي عاصم، وابن أبي خيثمة، عن أم مالك الأنصاري: أنها جاءت بعكة سمن إلى النبي ﷺ ، فأمر بلالا بعصرها، ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوءة، فجاءت، فقالت: أنزل في شيء؟، قال: "وما ذاك"؟ قالت: رددت علي هديتي، فدعا بلالا فسأله، فقال: والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتى استحييت، فقال: "هنيئًا لك هذه بركة يا أم مالك، هذه بركة عجل الله لك ثوابها"، ثم علمها أن تقول دبر كل صلاة: سبحان الله عشرًا، والحمد لله عشرًا، والله أكبر عشرًا، وترجم في الإصابة أم مالك، وساق حديث مسلم، ثم ترجم ثانيًا وذكر هذا الحديث، ثم قال: وكلام ابن منده ظاهر في أنهما واحدة، ووقع لأم سليم قصة شبيهة بهذه.
أخرج الطبراني عن أنس عن أمه: كانت لي شاة، فجعلت من سمنها في عكة، فبعثت بها مع زينب إلى النبي ﷺ ، فقال: "افرغوا لها عكتها" ففرغت وجاءت بها، فجاءت أم سليم فرأت العكة ممتلئة تقطر سمنًا، فقالت: يا زينب ألست أمرتك أن تبلغي هذه العكة لرسول الله ﷺ يأتدم بها؟ قالت: قد فعلت، فإن لم تصدقيني فتعالي معي، فذهبت معها إلى النبي ﷺ فأخبرته،стр. 3172
وعنه أن رجلا أتى النبي ﷺ يستطعمه، فأطعمه شطر وسق من شعير، فما زال يأكل منه وامرأته وضيفه حتى كاله، فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "لو لم تكله لأكلتم منه ولقام بكم"، رواه مسلم أيضًا.
والحكمة في ذهاب بركة السمن حين عصرت العكة، وإعدام الشعير حين كاله، أن عصرها وكيله مضاد للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة، وتكلف الإحاطة بأسرار حكم الله وفضله، فعوقب فاعله بزواله، قاله النووي.
الحواشي
(١) فقال: "قد جاءت بها" فقلت: والذي بعث بالهدى ودين الحق إنها ممتلئة سمنًا تقطر، فقال: "أتعجبين يا أم سليم، إن الله أطعمك".
"وعنه" أي: جابر "أن رجلا" من أهل البادية لم يسم، "أتى النبي ﷺ يستطعمه" يطلب منه طعامًا له ولأهله لشدة حاجته، "فأطعمه" أي: أعطاه؛ لأن الإطعام يكون بمعنى الإعطاء كثيرًا، حتى إنه لكثرته يستعمل فيما لا يؤكل، كأطعمة السلطان بلدة، وهو مجاز مرسل، أو استعارة. "شطر" بفتح أوله، ولا يصح الكسر، أي: نصف "وسق" بفتح الواو وكسرها "من شعير" وقال النووي: الشطر هنا معناه شيء، كذا فسره الترمذي، "فما زال يأكل منه وامرأته" بالرفع، عطف على الضمير المستتر في يأكل بلا فصل بمؤكد، بل بقوله: منه، وهو فصيح، والأفصح الفصل؛ كقوله: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ، وقد يعطف بلا فاصل، وهو قليل؛ كقول علي: لو كنت، وأبو بكر، وعمر، "وضيفه" أي: من ينزل عليه يطلق على الواحد وغيره، "حتى كاله" غاية، أي: استمر أكلهم منه بلا نقص شيء منه إلى أن كاله فظهر نقصه بعد الكيل بما يأخذه منه، قال بعض: وهذا الرجل جد سعيد بن الحارث استعان بالنبي ﷺ في إنكاحه فأنكحه امرأة، فالتمس ﷺ ما سأله، فلم يجد، فبعث أبا رافع وأبا أيوب بدرعه فرهنها عند يهودي في شطر وسق من شعير، فدفعه ﷺ إليه، قال: "فأطعمنا منه"، وأكلنا منه سنة، ثم كلناه، فوجدناه كما أدخلناه، "فأتى النبي ﷺ فأخبره، فقال: "لو لم تكله لأكلتم منه" دائمًا ما يكفيكم "ولقام بكم" مدة حياتكم من غير نقص، "رواه مسلم أيضًا" من طريق أبي الزبير عن جابر.
"والحكمة في ذهاب السمن حين عصرت" أم مالك "العكة وإعدام الشعير حين كاله" الرجل "أن عصرها، وكيله مضاد" كل منهما "للتسليم والتوكل على رزق الله تعالى، ويتضمن التدبير والأخذ بالحول والقوة، وتكلف الإحاطة بأسرار حكم" جمع حكمة "الله وفضله، فعوقب فاعله بزواله، قاله النووي" على مسلم.стр. 3173
وعن أبي العلاء سمرة بن جندب قال: كنا مع النبي ﷺ نتداول من قصعة من غدوة حتى الليل، يقوم عشرة ويقعد عشرة، قلنا: فما كانت تمد؟ قال: من أي شيء تعجب ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الترمذي والدارمي.
وعنه: أتي النبي ﷺ بقصعة فيها لحم، فتعاقبوها من غدوة حتى الليل، يقوم قوم ويقعد آخرون، فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ قال: ما كانت تمد إلا هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الدارمي وابن أبي شيبة والترمذي والحاكم والبيهقي وصححوه، وأبو نعيم.
الحواشي
(١) وقيل: إنما كان كذلك لإفشائه سرًا من أسرار الله ينبغي كتمه، وتقدم أن هذا ونحوه لا يعارض قوله ﷺ : "كيلوا طعامكم يبارك لكم فيه"؛ لأنه فيمن يخشى الخيانة، أو كيلوا ما تخرجوه للنفقة منه لئلا يخرج أكثر من الحاجة، أو أقل، بشرط بقاء الباقي مجهولا، أو كيلوه عند الشراء، أو إدخاله المنزل.
"وعن أبي العلاء سمرة بن جندب" بضم الدال وفتحها ابن هلال الفزاري، حليف الأنصار، الصحابي المشهور، مات بالبصرة، سنة ثمان وخمسين، وقيل: سنة تسع، وقيل: سنة ستين.
قال في الإصابة: يكنى أبا سليمان. "قال: كنا مع النبي ﷺ نتداول من قصعة" بفتح القاف فيها لحم، "من غدوة حتى الليل" بالجر، ويجوز رفعه ونصبه، "يقوم عشرة ويقعد عشرة" تفسير للتداول، قيل: المعروف من حديث سمرة من غدوة إلى الظهر يقوم قوم ويقعد آخرون، "قلنا: فما كانت" أي: أي شيء كانت "تمد" أي: تزاد به، "قال: من أي شيء تعجب؟ ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء" والمراد من إحسان الله معجزة له ﷺ ؛ كما يدل عليه السياق، لا أن الزيادة تنزل من السماء حقيقة، كنزول مائدة بني إسرائيل بدعاء عيسى، "رواه الترمذي" وشيخه "الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن، "وعنه" أي: سمرة من وجه آخر، والحديث واحد. "أتى" بالبناء للمفعول، إذ لا يتعلق غرض ببيان الآتي. "النبي ﷺ بقصعة فيها لحم" مطبوخ، "فتعاقبوها"، أي: قعد عليها عشرة بعد عشرة؛ كما في رواية قبل، لأن كلا منهم أتى عقب سابقة بلا فاصل، "من غدوة حتى الليل" بالأوجه الثلاث، "يقوم قوم ويقعد آخرون تفسير للتعاقب وبين عدة القوم من الرواية قبله "فقال رجل لسمرة: هل كانت تمد؟ " حتى كفت تلك المدة الطويلة، "فقال: ما كانت تمد إلا من هاهنا، وأشار بيده إلى السماء، رواه الدارمي" أيضًا، "وابن أبي شيبة، والترمذي، والحاكم، والبيهقي،стр. 3174
وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر قال: كنا مع النبي ﷺ ثلاثين ومائة، وذكر الحديث أنه عجن صاع، وصنعت شاة فشوي سواد بطنها، قال: وايم الله، ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له حزة من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا
الحواشي
(١) وصححوه، وأبو نعيم" في الدلائل، وفي فتح الباري، روى أحمد، والترمذي، والنسائي عن سمرة، قال: أتي النبي ﷺ بقصعة فيها ثريد، فأكل وأكل القوم، فلم يزالوا يتداولونها إلى قريب الظهر، يأكل قوم، ثم يقومون ويجيء قوم فيتعاقبونه، فقال رجل: هل كانت تمد بطعام؟ قال: أما من الأرض فلا، إلا أن تكون كانت تمد من السماء، قال بعض شيوخنا: يحتمل أن تكون هذه القصعة هي التي وقع فيها ما وقع في بيت أبي بكر، انتهى.
"وفي حديث عبد الرحمن بن أبي بكر" الصديق، شقيق عائشة تأخر إسلامه إلى قبيل الفتح، وشهد اليمامة والفتوح، ومات سنة ثلاث وخمسين في طريق مكة فجأة، وقيل: بعد ذلك: "قال: كنا مع النبي ﷺ " حال من اسم كان، والخبر "ثلاثين ومائة" أو هما خبران، أي: خبر بعد خبر، "وذكر الحديث" وهو: فقال النبي ﷺ : "هل مع أحد منكم طعام"؟. فإذا مع رجل صاع من طعام أو نحوه، فعجن، ثم جاء رجل مشرك مشعان، طويل جدًا بغنم يسوقها، فقال النبي ﷺ : "بيعًا أم عطية"؟، أو قال: "أم هبة"؟ قال: لا بل بيع، فاشترى شاة، فصنعت وأمر النبي ﷺ ، بسواد البطن أن يشوى، وايم الله ما في الثلاثين ومائة إلا وقد حز له النبي ﷺ حزة من سواد بطنها، إن كان شاهدًا أعطاه إياه، وإن كان غائبًا خبأ له، فجعل منها قصعتين، فأكلوا أجمعون، وشبعنا، ففاضت القصعتان، فحملنا على بعير، وكما قال: هذا لفظ البخاري في الهبة، ومشعان، بضم الميم، وسكون الشين المعجمة، فعين مهملة، فألف، فنون مشددة، وقوله: طويل جدًا، أي: فوق الطوال، ويحتمل أنه تفسير للمشعان.
وقال القزاز: المشعان: الجافي الثائر الرأس، وقال غيره: طويل شعر الرأس جدًا، البعيد العهد بالدهن أشعث، وقال عياض: ثائر الرأس متفرقه.
قال الحافظ: ولم أقف على اسمه، ولا على اسم صاحب الصاع، فقوله: "أنه" أي: وفيه أنه، "عجن صاع وصنعت" أي: ذبحت "شاة، فشوى سواد بطنها" كبدها خاصة أو حشوها، والأول أظهر، وخص لأنه أصل الحياة، "قال" عبد الرحمن: "وايم الله" بوصل الهمزة، قسم، "ما من الثلاثين ومائة" الذين كانوا معه ﵊ "إلا وقد حز" بفتح الحاء المهملة، "له حزة" بفتح المهملة قطعة؛ كما ضبطه المصنف في الهبة.
وقال في الأطعمة: بضم الحاء قطعة "من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا" لفظ البخاري في الأطعمة، ولفظه في الهبة: فأكلوا "أجمعون" تأكيدًا للضمير الذي في أكلوا.стр. 3175
أجمعون وفضل في القصعتين فحملته على بعير. رواه البخاري.
وعن أبي هريرة قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أدعو أهل الصفة، فتتبعتهم حتى جمعتهم، فوضعت بين أيدينا صحفة فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين وضعت إلا أن فيها أثر الأصابع. رواه ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم.
وعن علي بن أبي طالب: قال جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق، فصنع لهم مدًا من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي كما هو، ثم دعا بعس.
فشربوا حتى رووا، وبقي كأنه لم يشرب منه، رواه في الشفاء.
الحواشي
(١) قال الحافظ: يحتمل أنهم اجتمعوا على القصعتين، فيكون فيه معجزة أخرى لكونهما وسعتا أيدي القوم، ويحتمل أنهم أكلوا كلهم في الجملة أعم من الاجتماع والافتراق، "وفضل في القصعتين فحملته" أي: ما فضل لفظ الأطعمة، وفي الهبة: فحملناها بضمير ودونه "على بعير" أو كما قال بالشك من الراوي، كما وقع في المحلين، "رواه البخاري" في الهبة والأطعمة تامًا، وفي البيوع مختصرًا، وكذا رواه مسلم في الأطعمة تامًا، قال الحافظ: وفيه معجزة ظاهرة، وآية باهرة من تكثير القدر اليسير من الصاع، ومن اللحم، حتى وسع الجمع المذكور وفضل منه، قال: ولم أر هذه القة إلا من حديث عبد الرحمن، وقد ورد تكثير الطعام في الجملة من أحاديث جماعة من الصحابة.
"وعن أبي هريرة، قال: أمرني رسول الله ﷺ أن أدعو أهل الصفة" لطعام يأكلونه عنده، "فتتبعتهم حتى جمعتهم" لأنهم كان منهم من يذهب لنحو الاحتطاب، "فوضعت بين أيدينا صحفة" فيها طعام" فأكلنا ما شئنا وفرغنا، وهي مثلها حين وضعت" لم تنقص شيئًا، "إلا أن فيها أثر الأصابع، رواه ابن أبي شيبة والطبراني وأبو نعيم" الأصبهاني.
"وعن علي بن أبي طالب، قال: جمع رسول الله ﷺ بني عبد المطلب" بمكة في ابتداء البعثة، "وكانوا أربعين" رجلا، "منهم قوم" اسم جمع للرجال، خاصة لقيامهم بالأمور، "يأكلون الجذعة" بفتح الجيم، والمعجمة، والمهملة من الإبل، كما ورد في أحاديث، وهي ما دخل في الخامسة، وقيل: الرابعة، ومن المعز ما تم له سنة، ومن الضأن ما أتى عليه ثمانية أشهر أو تسعة، والمراد: أقل ما يكفيهم الجذعة، كما يقال لمن دونهم أكلة رأس، "ويشربون الفرق" بفتح الفاء، وإسكان الراء، وبفتحهما: إناء يسع اثني عشر صاعًا بصاعه ﷺ ، وهو ستة عشر رطلا، وهو معروف بالمدينة، "فصنع لهم مدًا من طعام" أي: طبخه وسواه، "فأكلوا حتى شبعوا، وبقي كما هو" قبل الأكل، أي: لم ينقص؛ كأنه لم يؤكل منه شيء، "ثم دعا بعس"
بضم المهملة الأولى: قدح من خشب يروي الثلاثة والأربعة، أي: من لبن طلبه من أهله لهم، "فشربوا" منه "حتى رووا، وبقي كأنه لم يشرب منه" شيء، "رواه" أي: ذكره بلا إسناد "في الشفاء" وقد أخرجه أحمد والبيهقي بسند جيد مطولا عن عليстр. 3176
" إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة ":
ومن ذلك: إبراء ذوي العاهات، وإحياء الموتى، وكلامهم له، وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة.
روى البيهقي في الدلائل: أنه ﷺ دعا رجلا إلى الإسلام، فقال: لا أومن بك حتى يحيي لي ابنتي، فقال ﷺ : "أرني قبرها"، فأراه إياها، فقال ﷺ : "يا فلانة"،
الحواشي
(١) إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وكلامهم له وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة:
"ومن ذلك إبراء ذوي العاهات" أي: الآفات: جمع عاهة، وهي في تقدير فعلة، بفتح العين، "وإحياء الموتى" مصدر مضاف لمفعوله، والفاعل الله، أو النبي ﷺ ؛ لأنه سببه، وإن كان الفاعل الحقيقي هو الله، وهو من أعظم معجزاته ﷺ ، ولذا قال في البردة:
لو ناسبت قدره آياته عظمًا ... أحيا اسمه حين يدعى دارس الرمم
ومعناه: أنه لا يعد شيء من معجزاته عظيمًا بالنسبة إليه، إلا أن يكون كل أحد لو دعا باسمه وتوسل في إحياء الموتى، وقع له ذلك واستشكل، بأن منها القرآن، وفي حديث: آية من كتاب الله خير من محمد وآله، فكيف لا يكون فيها ما يناسب قدره شرفًا، وأجيب: بأن المراد ما أحدثه الله على يديه والقرآن صفة قديمة لله، لكن الحديث المذكور، قال الحافظ وغيره: لم أقف عليه، "وكلامهم له" بدون إحياء، فالعطف مغاير لا خاص على عام؛ كما توهم، "وكلام الصبيان" الذين لم يصلوا لسن التكلم، ولذا عطف على كلام الموتى؛ لأنه ليس من شأنهم الكلام، وأخره لأنهم أحياء، شأنهم الكلام في الجملة، فهو دونه مرتبة، "وشهادتهم له بالنبوة" أي: قول من في المهد أنك نبي الله ورسوله، وعطفه على ما قبله خاص على عام، وخصهم بالذكر؛ لأن نطقهم نفسه معجزة، وإيمان الموتى به بعد إحيائهم ليس مقصودًا بكونه معجزة، بل المقصود من حيث كونه معجزة نفس الإحياء، وإزالة المرض عن ذوي العاهات.
"روى البيهقي في الدلائل" النبوية عن "أنه ﷺ دعا رجلا إلى الإسلام، فقال: لا أؤمن بك حتى يحيي لي ابنتي، فقال النبي ﷺ : "أرني قبرها" فأراه إياها، فقال ﷺ : "يا فلانة" أي: ناداها باسمها الخاص كما في رواية، فنسي الراوي اسمها، فكنى بفلانة،стр. 3177
فقالت: لبيك وسعديك. فقال ﷺ : أتحبين أن ترجعي؟ فقالت: لا والله يا رسول الله، إني وجدت الله خيرًا لي من أبوي، ووجدت الآخرة خيرًا لي من الدنيا.
وروى الطبري عن عائشة أن النبي ﷺ نزل الحجون كئيبًا حزينًا، فأقام به ما شاء الله ثم رجع مسرورًا قال: "سألت ربي فأحيا لي أمي فآمنت بي ثم ردها".
وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه ﷺ حتى آمنا به، أورده السهيلي في الروض، وكذا الخطيب في السابق واللاحق
الحواشي
(١) "فقالت" وقد خرجت من قبرها، "لبيك" إجابة لك بعد إجابة، "وسعديك" إسعادًا، لك بعد إسعاد، ومعناه سرعة الإجابة والانقياد، فقال ﷺ : "أتحبين أن ترجعي"؟ كذا في نسخ وهي ظاهرة، وفي بعضها: أن ترجعين بالنون، وهي لغة؛ كقوله:
إن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وأن لا تشعرا أحدا
"فقالت: لا والله يا رسول الله" لا أحب ذلك، "إني وجدت الله" حين انتقلت إلى دار كرامته "خيرًا لي من أبوي" وما عندهما "ووجدت الآخرة خيرًا لي في الدنيا" لما فيها من التعب، وفيه إن صح: أن أطفال الكفار غير معذبين، وهو الأصح، وهذه القصة أوردها في الشفاء، بلفظ: وعن الحسن، أي: البصري: أتى رجل النبي ﷺ ، فذكر أنه طرح بنية له في وادي كذا، فانطلق معه إلى الوادي، وناداها باسمها: "يا فلانة أحيي بإذن الله تعالى"، فخرجت وهي تقول: لبيك وسعديك، فقال لها: "إن أبوك قد أسلما، فإن أحببت أن أردك عليها"؟، قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدت الله خيرًا لي منهما، ولم يذكر مخرجه السيوطي من رواه.
"وروى الطبري" الحافظ، محب الدين، أحمد بن عبد الله، بن محمد المكي، فقيه الحرم ومحدثه، "عن عائشة: أن النبي ﷺ نزل الحجون" في حجة الوداع "كئيبًا حزينًا" صفة لازمة لكئيبًا، "فأقام به ما شاء الله" أن يقوم "ثم رجع مسرورًا، قال" يخاطب عائشة لا قالت له: نزلت من عندي وأنت باك، حزين، مغتم، فبكيت لبكائك، ثم إنك عدت إلي وأنت فرح متبسم، فمم ذاك يا رسول الله؟ قال: "سألت ربي فأحيا لي أمي فآمنت بي، ثم ردها" إلى الموت، "وكذا روي من حديث عائشة أيضًا إحياء أبويه ﷺ حتى آمنا به" جميعًا، "أورده السهيلي في الروض، وكذا الخطيب في" كتاب "السابق واللاحق" أي: المتقدم والمتأخر، أي: المنسوخ والناسخ.стр. 3178
قال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل، وقال ابن كثير: إنه منكر جدًا، وتقدم البحث في ذلك في أوائل المقصد الأول.
وعن أنس أن شابًا من الأنصار توفي وله أم عجوز عمياء، فسجيناه وعزيناها، فقالت: مات ابني؟ قلنا: نعم، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك وإلى نبيك رجاء أن تعينني على كل شدة فلا تحملن علي هذه المصيبة، فما برحنا....
الحواشي
(١) "قال السهيلي: إن في إسناده مجاهيل" ومع ذلك قد قواه بقوله بعد: والله قادر على كل شيء وليس تعجز رحمته وقدرته عن شيء ونبيه أهل أن يختصه بما شاء من فضله، وينعم عليه بما شاء من كرامته.
"وقال ابن كثير: إنه منكر" أي: ضعيف "جدًا" لا موضوع، فالمنكر من أقسام الضعيف، "وتقدم البحث في ذلك في أوائل المقصد الأول" وقدمت ثمة فوائد، وأن الصواب؛ أن الحديث ضعيف، فقد تجوز روايته في الفضائل والمناقب، كما عليه الخطيب، وابن عساكر، وابن شاهين، والسهيلي، والمحب الطبري، وابن المنير، وابن سيد الناس وغيرهم، لا موضوع كما زعم جماعة من الحفاظ، ولا صحيح كما جازف بعض.
"وعن أنس: أن شابًا من الأنصار" لم يسم "توفي وله أم عجوز عمياء" إشارة إلى شدة حزنها لكبرها وعجزها المحوج لولدها، "فسجيناه" بمهملة وجيم: غطيناه أو كفناه، "وعزيناها" أي: صبرناها وسليناها بذكر ما لها من الأجر ونحوه، ولعل وجه المبادرة بتعزيتها وقت الموت، أنهم رأوا عندها جزعًا قويًا، "فقالت: مات" أي: أمات "ابني" فهمزة الاستفهام مقدرة، وقالت ذلك لأنها لم تعلم، أو لذهولها بالمصيبة، أو لذكر ما بعده، "قلنا: نعم، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني هاجرت إليك" لا ينافي أنه أنصاري؛ لأنه لا مانع أن أمه مهاجرة، أو الهجرة الانتقال من بلد إلى آخر، وقد تكون سكنت في مكان بعيد، فهاجرت منه، وإن كانت أنصارية نسبًا، "وإلى نبيك" الهجرة إلى الله بالهجرة إلى نبيه، وإلا فالله معها أينما كانت، "رجاء" بالنصب مفعول له، "أن تعينني" بالفوقية: خطابًا لله؛ لأنه هو المعين "على كل شدة" صعوبة، أي: على كل أمر شاق، وعلقته بأن المشعرة بعدم الجزم، باعتبار أن خلوصها في هجرتها مما يخفى على غيرها، ومن شأنه أن يشك فيه؛ لأنه لا يعلم ذلك، أو باعتبار القبول، أو تجاهلا رجاء للإجابة، "فلا تحملن" بمهملة، وشد الميم، ونون التأكيد، بمعنى: لا تكلفني، لأن التكليف كالحمل الثقيل، فاستعير له؛ كقوله: ﴿وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ، أو المعنى: لا تنزلن "علي هذه المصيبة" بدوام موت ولدها، فأسألك رفعها عني بإحيائه، "فما برحنا" بكسر الراء، أي: ما ذهبنا من مكانناстр. 3179
أن كشف الثوب عن وجهه فطعم وطعمنا. رواه ابن عدي وابن أبي الدنيا والبيهقي وأبو نعيم.
وعن النعمان بن بشير قال: كان زيد بن خارجة من سراة الأنصار، فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة بين الظهر والعصر إذ خر فتوفي، فأعلمت به الأنصار، فأتوه فاحتملوه إلى بيته، وسجوه كساء وبردين، وفي البيت نساء من نساء الأنصار يبكين عليه، ورجال من رجالهم، فمكث على حاله
الحواشي
(١) الذي كنا فيه، "أن كشف" ولدها "الثوب عن وجهه" بعدما غطى به، "فطعم" أكل "وطعمنا" أكلنا معه من طعام قدم لنا، وعاش إلى وفاة النبي ﷺ .
وروي: أنه بقي بعده وهلكت أمه في حياته، ووجه ذكره في المعجزات؛ أنه أحيي بالدعاء باسمه ﷺ وحضوره، فلا يقال: هذه كرامة لأم الشاب، "رواه ابن عدي، وابن أبي الدنيا، والبيهقي، وأبو نعيم" بهذا اللفظ، ورووه أيضًا عن أنس، بلفظ: كنا في الصفة عند رسول الله ﷺ . فأتته عجوز عمياء مهاجرة، معها ابن لها، قد بلغ فلم يلبث أن أصابه وباء بالمدينة، فمرض أيامًا، ثم قبض، فغمضه رسول الله ﷺ وأمره، أي: أنسًا بجهازه، فلما أردنا أن نغسله، قال: "يا أنس! ائت أمه فأعلمها"، فأعلمها، فجاءت حتى جلست عند قدميه، فأخذت بهما، ثم قالت: إني أسلمت إليك طوعًا، وخلعت الأوثان زهدًا، وهاجرت إليك رغبة، اللهم لا تشمت بي عبدة الأوثان، ولا تحملني في هذه المصيبة ما لا طاقة لي بحمله، فوالله ما انقضى كلامها حتى حرك قميه، وألقى الثوب عن وجهه، وطعم وطعمنا معه، وعاش حتى قبض النبي ﷺ ، وهلكت أمه.
"وعن النعمان بن بشير" بن سعد، بن ثعلبة الأنصاري، الخزرجي، له ولأبيه صحبة، سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين، وله أربع وستون سنة، قال: كان زيد بن خارجة" بالخاء المعجمة والجيم، ابن زيد الأنصاري الخزرجي، شهد أبوه أحدًا، وقتل بها هو وابنه سعيد بن خارجة، وشهد زيد بدرًا، ومات في خلافة عثمان، ذكر البخاري وغيره أنه الذي تكلم بعد الموت، وقيل: أبوه، وهو وهم؛ لأنه قتل بأحد، "من سراة" بفتح السين وفي نسخة: سروات، وكلاهما صحيح. قال المجد: السراة اسم جمع جمعه سروات، أي: أشراف "الأنصار" زاد ابن منده في روايته: وخيارهم، "فبينما هو يمشي في طريق من طرق المدينة" وفي رواية: في بعض أزقة المدينة، فالمراد: الطرق التي يسلك منها في المدينة، "بين الظهر والعصر، إذ خر" سقط من قيام، "فتوفى" مات، "فأعلمت به الأنصار، فأتوه فاحتملوه" من المكان الذي سقط فيه، وذهبوا به "إلى بيته، وسجوه كساء وبردين، وفي البيت نساء من نساء الأنصار يبكين عليه، ورجال من رجالهم، فمكث على حاله" مسجى كأنهم شكوا فيстр. 3180
حتى إذا كان بين المغرب والعشاء إذ سمعوا صوت قائل يقول: أنصتوا أنصتوا، فنظروا فإذا الصوت من تحت الثياب، فحسروا عن وجهه وصدره، فإذا القائل يقول على لسانه: محمد رسول الله النبي الأمي خاتم النبيين، لا نبي بعده، كان ذلك في الكتاب الأول، ثم قال: صدق صدق، ثم قال: هذا رسول الله، السلام عليك يا رسول الله ورحمته وبركاته. رواه أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب من عاش بعد الموت.
وعن سعيد بن المسيب أن رجلا من الأنصار توفي، فلما كفن أتاه القوم يحملونه
الحواشي
(١) موته؛ لكونه فجأة، فأخروا تجهيزه ودفنه، "حتى إذا كان بين المغرب والعشاء، إذ سمعوا صوت قائل يقول: أنصتوا أنصتوا" بالتكرير للتأكيد، أي: استمعوا، "فنظروا" تأملوا، "فإذا الصوت من تحت الثياب" المسجى بها، "فحسروا" كشفوا "عن وجهه" الغطاء، "وصدره فإذا القائل يقول على لسانه" مقتضى هذا أنه لم يتكلم، بل ملك مثلا، وليس بمراد إذا الكلام في كلام الموتى، وكأنه نسبه لقائل، وإن كان هو المتكلم لموته، ولذا تصرف فيه في الشفاء، فأتى بمعناه المراد، فقال: فرفع وسجى، إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخن، يقول: أنصتوا أنصتوا، فقال: "محمد رسول الله، النبي الأمي، خاتم النبيين" أي: آخرهم بعثًا؛ كما مر "لا نبي بعده، كان ذلك" المذكور "في الكتاب الأول" أي: جنسه من الكتب المتقدمة، كالتوراة، أو اللوح المحفوظ، المكتوب فيه كل ما قدره الله، "ثم قال" زيد مخاطبًا من عنده، أو من يصح توجه الخطاب إليه، أو مجردًا من نفسه، مخاطبًا مأمورًا، إن كان قوله: "صدق صدق" أمرًا؛ كما قاله بعض شراح الشفاء، فإن كان ماضيًا، كما اعتمده آخر، فهو ظاهر، أي: صدق محمد ﷺ فيما بلغ به عن الله، والتكرير للتأكيد، "ثم قال: هذا رسول الله" فيه أنه حضر عنده وشاهده، فأشار إليه، "السلام عليك يا رسول الله" خص وصف الرسالة بالذكر؛ لانتفاع الأمة بها الذي هو من جملتهم، "ورحمته" إنعامه وإحسانه، أو إرادتهما، "وبركاته" جمع بركة، وهو الخير الإلهي.
وفي الشفاء: وذكر أبا بكر، وعمر، وعثمان، ثم عاد ميتًا، أي: ذكرهم بالثناء عليهم بما فعلوه في خلافتهم، ولذا لم يذكر عليًا؛ لأنه لم يدرك خلافته، إذ موته في زمان عثمان، "رواه أبو بكر" عبد الله "بن أبي الدنيا" القرشي، "في كتاب من عاش بعد الموت" وكذا رواه ابن منده وغيره، وأورد أن الترجمة في معجزته بإحياء الموتى، وكلامهم له ﵊ بعد الموت، وهذا الحديث ليس من ذلك، إذ هو بعد وفاة المصطفى بدهر، وأجيب بأنه من صحبة وكرامات الأمة، فضلا عن الصحب من جملة كراماته.
"وعن سعيد بن المسيب: أن رجلا من الأنصار توفي، فلما كفن أتاه القوم يحملونه،стр. 3181
تكلم فقال: محمد رسول الله، أخرجه أبو بكر بن الضحاك.
وأخرج أبو نعيم: أن جابرًا ذبح شاة وطبخها، وثرد في جفنة، وأتى به رسول الله ﷺ فأكل القوم، وكان ﷺ يقول لهم: "كلوا ولا تكسروا عظمًا"، ثم إنه ﵊ جمع العظام ووضع يده عليها ثم تكلم بكلام فإذا بالشاة قد قامت تنفض أذنيها، كذا رواه والله أعلم؟!
وعن معرض بن معيقيب اليماني قال: حججت حجة الوداع، فدخلت دارًا بمكة، فرأيت فيها رسول الله ﷺ ، ورأيت منه عجبًا، جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد، فقال له.
الحواشي
(١) تكلم، فقال: محمد رسول الله" يحتمل أنه زيد المذكور، وأنه تكلم مرتين، فبذلك قبل التكفين، وبلفظ: محمد رسول الله بعده، ويحتمل أنه غيره، لكن الأصل عدم التعدد، "أخرجه أبو بكر بن الضحاك".
"وأخرج أبو نعيم: أن جابرًا" هو ابن عبد الله، "ذبح شاة وطبخها، وثرد" فت الخبز "في جفنة" ووضع عليه الشاة، "وأتى به رسول الله ﷺ ، فأكل القوم" الذين عنده معه، وكان ﷺ يقول لهم: "كلوا ولا تكسروا عظمًا"، ثم إنه ﵊ جمع العظام في وسط الجفنة، "ووضع يده عليها، ثم تكلم بكلام" قال جابر: لم أسمعه، "فإذا الشاة قد قامت تنفض أذنيها" فقال: "خذ شاتك يا جابر، بارك الله لك فيها"، فأخذتها ومضيت، وإنها لتنازعني أذنها حتى أتيت بها المنزل، فقالت المرأة: ما هذا يا جابر؟ قلت: والله هذه شاتنا التي ذبحناها لرسول الله ﷺ ، فأحياها، فقالت: أشهد أنه رسول الله، "كذا رواه" أبو نعيم، "فالله أعلم" بصحته، وكذا رواه الحافظ محمد بن المنذر، والمعروف بشكر في كتاب العجائب والغرائب.
"و" روى "عن معرض" بضم الميم، وفتح المهملة، وكسر الراء الثقيلة، ثم ضاد معجمة؛ كما في الإصابة وفي التلمساني وغيره اسم فاعل من أعرض، وروي بكسر أوله كأنه آلة، "ابن معيقيب" بيان آخره، وقيل: لام، "اليماني" صحابي جاء عنه هذا الحديث، تفرد به عنه ولده عبد الله، "قال: حججت حجة الوداع، فدخلت دارًا بمكة، فرأيت فيها رسول الله ﷺ " ووجهه مثل دارة البدر؛ كما في رواية الخطيب.
وفي رواية ابن قانع: كأن وجهه القمر، "ورأيت منه عجبًا" أمرًا عجيبًا وقع عنده، "جاءه رجل من أهل اليمامة بغلام يوم ولد" وقد لفه في خرقة؛ كما في الرواية، فقال لهстр. 3182
رسول الله ﷺ : "يا غلام، من أنا"؟ قال: أنت رسول الله، قال: "صدقت بارك الله فيك"، ثم إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، فكنا نسميه مبارك اليمامة. رواه البيهقي.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ : "يا غلام، من أنا "؟، قال: أنت رسول الله، قال: "صدقت بارك الله فيك"، ثم إن الغلام لم يتكلم بعد ذلك حتى شب، فكنا نسميه مبارك اليمامة" لقول المصطفى له: "بارك الله فيك"، "رواه البيهقي"، وابن قانع، والخطيب من طريق محمد بن يونس الكديمي، قال: حدثنا شاصونة بن عبيد، قال: أخبرنا معرض بن عبد الله، بن معرض، بن معيقيب، عن أبيه، عن جده معرض بن معيقيب، قال: حججت، فذكره.
قال الدارقطني: الكديمي متهم بوضع الحديث، ومما تكلم به فيه حديث شاصونة، فقيل: إنه حدث عمن لم يخلق، ولذا قال ابن دحية وغيره: إنه موضوع، لكنه ورد من غير طريق الكديمي.
قال في الإصابة: معرض وشيخه مجهولان، وكذلك شاصونة، واستنكروه على الكديمي، لكن ذكر أبو الحسن العتقي في فوائده، قال: سمعت أبا عبد الله البجلي، مستملي ابن شاهين، يقول: سمعت بعض شيوخنا يقول: لما أملى الكديمي هذا الحديث استعظمه الناس، وقالوا: هذا كذب من هو شاصونة، فلما كان بعد مدة، جاء قوم ممن جاء من عدن، فقالوا: دخلنا قرية يقال لها الحردة، فلقينا بها شيخًا، فسألناه: هل عندك شيء من الحديث؟ قال: نعم، فقلنا: ما اسمك؟ قال: محمد بن شاصونة، وأملى علينا هذا الحديث فيما أملى عن أبيه، وأخرجه أبو الحسن بن جميع في معجمه، عن العباس بن محمد بن شاصونة بن عبيد عن معرض بن عبد الله بن معرض عن أبيه عن جده، وأخرجه الخطيب عن الصوري عن ابن جميع، وكذا أخرجه البيهقي من طريقه، وأخرجه الحاكم في الإكليل من وجه آخر عن العباس بن محمد بن شاصونة، انتهى.
وذكر نحوه السيوطي في خصائصه الكبرى، وقال: فقد وقعت روايته من طرق، فهو حديث حسن، قال: وسبب إنكاره أنه من الأمور الخارقة للعادة، وقد وقع في حجة الوداع مع كثرة الناس، فكان حقه أن يشتهر، انتهى، لكن تحسينه لا يظهر، إذ مداره على شاصونة، وهو مجهول كشيخه وشيخ شيخه؛ كما في الإصابة، فغاية ما يفيده تعدد طرقه عن شاصونة، أنه ضعيف لزوال ما كان يخشى أنه من وضع الكديمي, أما الحسن، فمن أين، ومداره على مجاهيل ثلاثة، وقد قال الشفاء: يعرف ذلك بحديث شاصونة اسم راويه، وهو بشين معجمة، وألف، وصاد مهملة، وواو ساكنة، ونون، وهاء.стр. 3183
وعن فهد بن عطية، أن النبي ﷺ أتى بصبي قد شب لم يتكلم قط فقال له: "من أنا"؟ قال: أنت رسول الله، رواه البيهقي.
وعن ابن عباس قال: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن ابني به جنون، وإنه ليأخذ عند غدائنا وعشائنا، فمسح رسول الله ﷺ صدره فثع ثعة وخرج من جوفه مثل الجرو الأسود يسعى. رواه الدارمي.
وقوله: "ثع" يعني قاء.
الحواشي
(١) "وعن فهد بن عطية" بفاء مفتوحة، وهاء ساكنة، ودال مهملة، وفي نسخة: وراء مهملة، قال في المقتفى: لا أعرفه بدال، ولا براء، والذي في البيهقي؛ أنه عن شمر بن عطية عن بعض أشياخه، فيحتمل أن تحرف على الناسخ، انتهى، وهو كما قال: فليس في الصحابة من يسمى بذلك، بدال، ولا براء، إذ لم يذكر ذلك في الإصابة مع استيعابه، ولا في القسم الرابع، فإنما هو عن شمر، بكسر الشين المعجمة، وسكون الميم، وراء بلا نقط، ابن عطية الأسدي، الكاهلي، الكوفي صدوق، من أتباع التابعين عن بعض أشياخه، فهو مرسل، "أن النبي ﷺ أتى بصبي قد شب" كبر وصار شابًا، وهو "لم يتكلم قط" من طفولته لشبابه؛ لأنه خلق أخرس، "فقال له: "من أنا" قال: أنت رسول الله". فأنطقه الله، معجزة بعدما كان أبكم، فهو بمنزلة الميت والجماد، لعدم القدرة على النطق، "رواه البيهقي" مرسلا؛ كما علم، فعجب للمصنف، يعزوه له، ويتبع عياضًا في قوله: فهد أو فهر، مع أنه لم يعزه لأحد.
"وعن ابن عباس" مما رواه أحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي، "قال: إن امرأة جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنون، وإنه ليأخذه عند غدائنا" بدال مهملة "وعشائنا، فمسح رسول الله ﷺ صدره" بيده الميمونة، "فثع ثعة" بفتح المثلثة، وروي بفوقية بدلها، وشد العين المهملة، "وخرج من جوفه" بطنه "مثل الجرو" بجيم مثلثة: الصغير من أولاد الكلاب والسباع، "الأسود" ويطلق الجر، وأيضًا على صغار الحنظل والقثاء، وهو محتمل هنا؛ كما قال بعض. "ويسعى" أي: يمشي، والذي في الشفاء، فشفي، بالبناء للمفعول، أي: شفاه الله، "رواه الدارمي" كذا في بعض النسخ، "وقوله: ثع، يعني: قاء" مرة واحدة؛ كما قاله جمهور أهل اللغة.
وقال بعضهم: يعني سعل، وفي القاموس في المثلثة ثع يثع: قاء، وفيه في الفوقية الثع والثعة، التقيؤ.стр. 3184
وأصيبت يوم أحد عين قتادة بن النعمان حتى وقعت على وجنته، فأتى بها إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن لي امرأة أحبها وأخشى إن رأتني تقذرني فأخذها رسول الله ﷺ بيده وردها إلى موضعها، وقال: "اللهم اكسه جمالا"، فكانت أحسن عينيه وأحدهما نظرًا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى.
وقد وفد على عمر بن عبد العزيز رجل من ذريته فسأل عمر: من أنت؟ فقال:
أبونا الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد
الحواشي
(١) وروى ابن أبي شيبة عن أم جندب، أنه ﷺ أتته امرأة من خثعم، معها صبي به بلاء لا يتكلم، فأتى بماء فمضمض فاه، وغسل يديه، وأعطاه إياه، وأمرها بسقيه، ومسحه به، فبرأ الغلام، وعقل عقلا يفضل عقول الناس، والمتبادر أن هذه قصة أخرى غير التي ذكرها المصنف لما بينهما من الخلاف، فلا وجه لجعلهما واحدة، "وأصيبت" بالتأنيث بسهم، ويقال: برمح، وفي نسخ: أصيب بالتذكير للتأويل بالعضو، أو للفصل بينهما بقوله: "يوم أحد" وهو مسوغ؛ كقوله: لا يقبل منها شفاعة في قراءة التحتية، "عين قتادة بن النعمان" بن زيد الأوسي، المدني، أخي أبي سعيد لأمه، شهد بدرًا وغيرها، ومات سنة ثلاث وعشرين على الصحيح، وصلى عليه عمر، ونزل في قبره، وما رواه أبو يعلى أن أبا ذر أصيبت عينه يوم أحد، فأعله ابن عبد البر؛ بأن فيه عبد العزيز بن عمران متروك، وبأن أبا ذر لم يحضر بدرًا، ولا أحدًا، ولا الخندق، "حتى وقعت على وجنته" أعلى خده وما يلي العين من الوجه، وتطلق على الوجه كله، وفي رواية: فسالت حدقته على وجنته، وأخرى صارت في يده، "فأتى بها إلى رسول الله ﷺ ، فقال": $"إن شئت صبرت ولك الجنة، وإن شئت رددتها ودعوت الله لك، فلم تفقد منها شيئًا" فقال: "يا رسول الله! " إن الجنة لجزاء جميل، وعطاء جليل، ولكني رجل مبتلي بحب النساء، "وإن لي امرأة أحبها، وأخشى إن رأتني تقذرني" أي: تكرهني ولكن تردها، وتسأل الله لي الجنة، قال: "أفعل يا قتادة" "فأخذها رسول الله ﷺ بيده، وردها إلى موضعها، وقال: "اللهم اكسه جمالا". "فكانت أحسن عينيه" أجملهما وأقواهما حسنًا، أي: أحسن عينيه قبل ما أصيبت وردت، فلا يرد أن الشيء لا يكون أحسن من نفسه، "وأحدهما" أقواهما "نظرًا، وكانت لا ترمد إذا رمدت الأخرى".
وفي رواية: وكان لا يدري أي عينيه أصيبت، "وقد وفد على عمر بن عبد العزيز" الإمام العادل في خلافته، "رجل من ذريته" هو حفيده عاصم بن عمر بن قتادة، "فسأله عمر: من أنت؟ فقال" على البديهة: "أبونا" رواية الأصمعي وغيره:стр. 3185
فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين ويا حسن ما خد
فوصله عمر وأحسن جائزته.
قال السهيلي: ورواه محمد بن أبي عثمان الأموي عن عمار بن نصر عن مالك بن أنس عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة عن أبيه عن أبي سعيد الخدري عن أخيه قتادة بن النعمان قال: أصيبت عيناي يوم أحد فسقطتا على وجنتي، فأتيت بهما النبي ﷺ فأعادهما مكانهما وبصق فيهما فعادتا تبرقان، قال الدارقطني: هذا حديث عن مالك تفرد به عمار بن نصر عن مالك وهو ثقة
الحواشي
(١) أنا ابن "الذي سالت على الخد عينه ... فردت بكف المصطفى أيما رد"
الذي رواه الأصمعي وغيره: أحسن الرد.
"فعادت كما كانت لأول أمرها ... فيا حسن ما عين"............
بزيادة ما "ويا حسن ما خد".
هكذا رواه الأصمعي، وبه تعقب البرهان إنشاده اليعمري، ويا حسن ما رد، وعلى تقدير صحته، فلا إبطاء؛ لأن الأول معرف، والثاني منكر، "فوصله عمر وأحسن جائزته" وأنشد:
تلك المكارم لا قعبان من لبن ... شيبا بماء فعادا بعد أبوالا
وقال: بمثل هذا فليتوسل المتوسلون.
"قال السهيلي: ورواه محمد بن أبي عثمان الأموي" أبو مروان العثماني، المدني، نزيل مكة، صدوق، روى له النسائي، وابن ماجه، مات سنة إحدى وأربعين ومائتين، "عن عمار بن نصر" السعدي، المروزي، نزيل بغداد، صدوق، مات سنة تسع وعشرين ومائتين، "عن مالك بن أنس، عن محمد بن عبد الله بن أبي صعصعة" المدني، ثقة، روى له البخاري، والنسائي، وابن ماجه، مات سنة تسع وثلاثين ومائة، "عن أبيه" عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة الأنصاري، المدني، الثقة، التابعي الوسط، "عن أبي سعيد الخدري" سعد بن مالك، له ولأبيه صحبة، واستصغر يوم أحد، وشهد ما بعدها، وروى الكثير، "عن أخيه" لأمه "قتادة بن النعمان، قال: أصيبت عيناي يوم أحد" ويروى يوم بدر، ويروى الخندق، والصحيح الأول، قاله أبو عمر: "فسقطتا على وجنتي" بالتثنية، "فأتيت بهما النبي ﷺ ، فأعادهما مكانهما وبصق فيهما، فعادتا تبرقان" تلمعان.
"قال الدارقطني: هذا حديث عن مالك تفرد بن عمار بن نصر" أي: لم يروه غيره، "عن مالك، وهو ثقة" فتقبل زيادته، لكن قال النووي: قال أبو نعيم: سالت عيناه وغلطوه انتهى،стр. 3186
رواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي عن عمار بن نصر.
وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة قال: كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله ﷺ ، فكان أخرها سهمًا نذرت منه حدقتي فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال: "اللهم قِ قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا".
وفي البخاري في غزوة خيبر أنه ﷺ قال: أين علي بن أبي طالب فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال:
الحواشي
(١) وقد جمع بأن رواية الإفراد من التعبير عن العضوين المتفقين ذاتًا وصفة واسمًا بأحدهما، وهو فصيح مشهور، كما يقال: نظر بعينه، ومشى بقدمه، وبأن إحداهما سقطت حدقتها، وخرجت عن محلها بالكلية والأخرى خرج بعضها ولم ينفصل، فصدق أن كلا منهما أصيب، وخرجت حدقتهما، ويرده قوله: فسقطتا على وجنتي.
"ورواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي" الحافظ المشهور، فحصل لمحمد بن أبي عثمان، متابع في روايته، "عن عمار بن نصر" لكن لم يحصل متابع لعمار في روايته عن مالك.
"وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة، قال: كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله ﷺ ، فكان آخرها سهمًا نذرت" بالنون؛ سقطت "منه حدقتي" بالإفراد، "فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها في كفي دمعت" -بفتح الميم- عيناه، فقال: "اللهم قِ" فعل أمر، أي: احفظ "قتادة، كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا" فكان كذلك.
وأخرج البغوي، وأبو يعلى من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن جده؛ أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فالوا: لا حتى نستأمر رسول الله فاستأمروه، فقال: "لا"، ثم دعاه فوضع راحته على حدقته، ثم غمرها، فكان لا يدري، أي: عينيه أصيب، كذا في الرواية يوم بدر، وقد علمت أن الصحيح يوم أحد، "وفي البخاري في غزوة خيبر" وفي غيرها من صحيحه، عن سهل بن سعد؛ "أنه ﷺ ، قال" "لأعطين الراية غدًا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها، فقال:
"أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: يا رسول الله! هو يشتكي عينيه" وفي حديث سلمة عند البخاري: وكان رمدًا وللطبراني: أرمد شديد الرمد، ولأبي نعيم: أرمد لا يبصر، قال:стр. 3187
فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع.
وعند الطبراني من حديث علي قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلى رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر.
وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: فأرسلني النبي ﷺ إلى علي فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ.
وعند الحاكم من حديث علي قال: فوضع ﷺ رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني. وعند الطبراني: فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي ﷺ فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر
الحواشي
(١) فأرسلوا إليه" قال المصنف: بكسر السين، أمر من الإرسال، وبفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا، أي: الصحابة إلى علي، وهو بخيبر لم يقدر على مباشرة القتال لرمده، "فأتى به" الآتي به سلمة بن الأكوع، "فبصق رسول الله ﷺ في عينيه" فيه تجوز بينته رواية علي عند الحاكم الآتية، "ودعا له" فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر" كما يأتي، "فبرأ" بفتح الراء والهمزة، بوزن ضرب ويجوز كسر الراء بوزن علم، كما في الفتح "حتى كأن لم يكن به وجع" وتتمة ذا الحديث مرت في خيبر، "وعند الطبراني من حديث علي، قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلي رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر".
"وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة" بن الأكوع، التابعي، الثقة، مات سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة، "عن أبيه قال: فأرسلني النبي ﷺ إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ.
قال الحافظ: فظهر من هذا؛ أنه الذي أحضره، ولعل عليًا حضر إليهم، ولم يقدر على مباشرة القتال لرمده، فأرسل إليه النبي ﷺ ، فضر من المكان الذي نزل به، أو بعث إليه إلى المدينة، فصادف حضوره، فلا ينافي رواية البخاري عن سلمة: كان علي تخلف عن النبي، وكان رمدًا، فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ ، فلحق به. "وعند الحاكم من حديث علي، قال: فوضع ﷺ رأسي في حجره، ثم بصق في راحته" لفظه في ألية راحته، والألية: اللحمة التي تحت الإبهام، أو باطن الكف، "فدلك بها عيني" بالتثنية.
"وعند الطبراني" عن علي: "فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي ﷺ ، فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر". بضم القاف البرد، وحكى ابن قتيبة تثليثه، وإنما دعا له بذلك،стр. 3188
قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا.
وأصيب سلمة يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها ﷺ ثلاث نفثات فما اشتكاها قط. رواه البخاري.
ونفث في عيني فديك وكانتا مبيضتين لا يبصر بهما شيئًا، وكان وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط في الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان، رواه بن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم.
الحواشي
(١) مع أن تألمه كان من الرمد، لأنه علم أن رمده من زيادة الدم الحاصل من الحر، فدعا له بإذهابه عنه، وزاد عليه القر، لأنه ضده، فربما أذاه لقوته بعدم ضده، "قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا".
وفي رواية: وكان علي يلبس القباء المحشو الثخين في شدة الحر، فلا يبالي الحر، ويلبس الثوب الخفيف في شدة البرد، فلا يبالي البرد فسئل فأجاب: إن ذلك بدعائه ﷺ يوم خيبر، "وأصيب سلمة" بن الأكوع "يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها" لفظ الحديث فيه، قال الحافظ وغيره: أي موضع الضربة "ثلاث نفثات" بمثلثة بعد الفاء المفتوحة فيهما جمع نفثة، وهي فوق النفخ ودون التفل وقد يكون بلا ريق بخلاف التفل، وقد يكون بريق خفيف بخلاف النفخ، انتهى، "فما اشتكاها قط، رواه" بمعناه "البخاري" ثلاثيًا، فقال: حدثني المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم! ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ ، فنفث فيها ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة، "ونفث في عيني فديك" بن عمرو السلاماني، وقيل: فريك، بالراء بدل الدال، قاله الطبراني، وقيل: فويك بالواو، قاله البغوي والأزدي، وابن شاهين، والمستغفري، وابن عبد البر وغيرهم، وقال ابن فتحون: رأيته في كتب ابن أبي حاتم وابن السكن، بالواو، كما في الإصابة، "وكانتا مبيضتين" لغشاوة غطتهما، أو هو عبارة عن العمى، "لا يبصر بهما شيئًا، وكان" سبب ذلك، أنه "وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط في الإبرة" لقوة بصره وصحته، "وإنه لابن ثمانين سنة" وهو سن يضعف فيه البصر، وإن لم يعرض له عارض، "وإن عينيه لمبيضتان" وفيه أن البياض لم يزل بهما مع شدة نظرهما، وهذا أعظم في المعجزة، ولا ينافيه قوله في الحديث: فأبصر، "رواه ابن أبي شيبة والبغوي" الكبير في معجم الصحابة، "والبيهقي، والطبراني، وأبو نعيم" كلهم من طريق عبد العزيز بن عمران، عن رجل من بني سلامان، عن أمه، أن خالها حبيب بن فديك حدثها: أن أباه خرج به إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان، لا يبصر بهما شيئًا، فسأله، فقال: كنت أروم جملا لي، فوقعت رجلي على بيض حية، فأصيب بصري، فنفث في عينيه، فأبصر، قال: فرأيته يدخل في الإبرة، وإنه لابن ثمانين، وإن عينيه لمبيضتان.стр. 3189
الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات
اعلم, نور الله قلبي وقلبك، وقدس سري وسرك، أن الله قد خص نبينا ﷺ بأشياء لم يعطها لنبي قبله، وما خص نبي بشيء إلا وقد كان لسيدنا محمد ﷺ مثله، فإنه أوتي جوامع الكلم، وكان نبيًا ودام بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا إلا في حال نبوته وزمان رسالته.
ولما أعطي هذه المنزلة علمنا أنه ﷺ الممد
الحواشي
(١) الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات
"الفصل الثاني فيما خصه الله تعالى به من المعجزات، وشرفه به على سائر" باقي "الأنبياء من الكرامات"، أي: الأمور الخارقة للعادة "والآيات البينات" والأول في معجزاته، كما قدم، أي: التي وقع نظير بعضها لغيره في الجملة، وأما هذا الثاني، فالقصد به ما زاد به على غيره.
"اعلم، نور الله قلبي وقلبك" جملة دعائية: صدر بها تنبيهًا على شرف ما هو شارع فيه، "وقدس" طهر "سري وسرك"، أي: طهر أفعالنا عما ينقصها، وهو عطف مباين، "إن الله قد خص نبينا ﷺ بأشياء لم يعطها لنبي قبله"، أي: ولا رسول، ولا ملك، "وما خص نبي بشيء"، أي: ما أعطي نبي شيئًا لم يعطه أحد من أمته، أو من الأنبياء السابقين عليه، "إلا وقد كان لسيدنا محمد ﷺ مثله" فلا يقال متى أعطي مثله لا يكون خصوصية، فجمع له كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات وفضائل، ولم يجمع ذلك لغيره، بل اختص كل بنوع؛ "فإنه أوتي جوامع الكلم" كما قال ويأتي معناه، "وكان نبيًا وآدم بين الروح والجسد" كما مر، مشروحًا أوائل الكتاب، "وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا"، أي: موصوفًا بالنبوة "إلا في حال نبوته"، أي: بعد بعثته، "وزمان رسالته" بخلاف نبينا، فقد أفرغت عليه النبوة قبل خلق آدم، "ولما أعطي هذه المنزلة" التي لم يبلغها غيره، "علمنا أنه ﷺ الممد" اسم فاعل من أمد،стр. 3190
لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري فلقد أحسن حيث قال:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم
قال العلامة ابن مرزوق: يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد ﷺ وما أحسن قوله: "فإنما اتصلت من نوره بهم" فإنه يعطي أن نوره ﷺ لم يزل قائمًا به ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شيء, وإنما كانت آيات كل واحد من نوره ﷺ لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن -أي تلك الكواكب- أنوار تلك الشمس للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس، فكذلك الأنبياء قبل وجوده ﵊ كانوا يظهرون فضله.
الحواشي
(١) بمعنى زاد "لكل إنسان كامل مبعوث" يعني أنه ﷺ أفاض على جميع من تقدمه من الأنبياء والرسل أحوالا كثيرة، زيادة على ما عندهم من الفضائل، "ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري، فلقد أحسن، حيث قال" في الميمية المشهورة: "وكل آي" جمع آية "أتى الرسل الكرام بها" دالة على نبوتهم، "فإنما اتصلت من نوره" الكائن قبل ظهوره إلى الوجود الخارجي "بهم، فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرن أنوارها للناس في الظلم".
"قال العلامة" محمد بن محمد "بن مرزوق" في شرحها: "يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل، فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد ﷺ " الذي أوجده الله قبل وجوده في هذا العالم، "وما أحسن قوله: "فإنما اتصلت من نوره بهم، فإنه يعطي أن نوره ﷺ لم يزل قائما به، ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم، وقد لا يبقى له منه شيء، وإنما كانت آيات كل واحد من نوره ﷺ ، لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن، أي: تلك الكواكب أنوار تلك الشمس للناس في الظلم، فالكواكب ليست مضيئة بالذات، وإنما هي مستمدة من الشمس، فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس" ومستند هذا الحدس والتخمين، كما هو معلوم في محل، "فكذلك الأنبياء قبل وجوده ﵊ كانوا يظهرون فضله" بالصفات التي اشتملوا عليها، وأوصلوها إلى أممهم، فإنها وصلت إليهم من نوره ﵊، ومن ذلك إخبارهم عنه بما اشتملتследующие страницы →