← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

رواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي عن عمار بن نصر. وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة قال: كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله ﷺ ، فكان أخرها سهمًا نذرت منه حدقتي فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال: "اللهم قِ قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا". وفي البخاري في غزوة خيبر أنه ﷺ قال: أين علي بن أبي طالب فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال:

стр. 3187

فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع. وعند الطبراني من حديث علي قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلى رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر. وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: فأرسلني النبي ﷺ إلى علي فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ. وعند الحاكم من حديث علي قال: فوضع ﷺ رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني. وعند الطبراني: فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي ﷺ فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر

стр. 3188

قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا. وأصيب سلمة يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها ﷺ ثلاث نفثات فما اشتكاها قط. رواه البخاري. ونفث في عيني فديك وكانتا مبيضتين لا يبصر بهما شيئًا، وكان وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط في الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان، رواه بن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم.

стр. 3189

الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات اعلم, نور الله قلبي وقلبك، وقدس سري وسرك، أن الله قد خص نبينا ﷺ بأشياء لم يعطها لنبي قبله، وما خص نبي بشيء إلا وقد كان لسيدنا محمد ﷺ مثله، فإنه أوتي جوامع الكلم، وكان نبيًا ودام بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا إلا في حال نبوته وزمان رسالته. ولما أعطي هذه المنزلة علمنا أنه ﷺ الممد

стр. 3190

لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري فلقد أحسن حيث قال: وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم قال العلامة ابن مرزوق: يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد ﷺ وما أحسن قوله: "فإنما اتصلت من نوره بهم" فإنه يعطي أن نوره ﷺ لم يزل قائمًا به ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شيء, وإنما كانت آيات كل واحد من نوره ﷺ لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن -أي تلك الكواكب- أنوار تلك الشمس للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس، فكذلك الأنبياء قبل وجوده ﵊ كانوا يظهرون فضله.

стр. 3191

فجميع ما ظهر على الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء. وأول ما ظهر ذلك في آدم ﵇، حيث جعله الله تعالى خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد ﷺ فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ، ثم توالت الخلائف في الأرض

стр. 3192

إلى أن وصل إلى زمان وجود صورة جسم نبينا ﷺ الشريف لأظهار حكم منزلته، فلما برز كان اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي ﷺ مثلها. فآدم ﵊ أعطي أن الله خلقه بيده، فأعطي سيدنا محمد ﷺ شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي ومن سيدنا محمد ﷺ الخلق النبوي، مع أن المقصود -كما مر- من خلق آدم خلق نبينا في صلبه، فسيدنا محمد ﷺ المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة.

стр. 3193

وأما سجود الملائكة لآدم، فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل نور نبينا محمد ﷺ كان في جبهته، ولله در القائل: تجليت جل الله في وجه آدم ... فصلى له الأملاك حين توسل وعن أبي عثمان الواعظ، فيما حكاه الفاكهاني قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا ﷺ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، أجمع من تشريف آدم ﵊ بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختص به الملائكة، انتهى. قال بعضهم: وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع

стр. 3194

قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها" فكما أن آدم ﵊ علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا ﷺ ، وزاد عليه -واصل الله صلاته وسلامه عليه- بعلم ذواتها. ولله در الأبوصيري حيث قال: لك ذات العلوم من عالم الغيـ ... ـب ومنها لآدم الأسماء ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم، والأسماء مقصودة لغيرها فهي دونها، ففضل العلم بحسب فضل معلومه. وأما إدريس ﵊.

стр. 3195

فرفعه الله مكانًا عليًا، فأعطي سيدنا محمد ﷺ المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره. وأما نوح ﵊ فنجاه الله تعالى ومن آمن معه من الغرق ونجاه من الخسف، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] . وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: "أكرم الله تعالى نوحًا بأن أمسك سفينته على الماء وفضل محمد ﷺ أعظم منه. روي أنه ﷺ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي

стр. 3196

جهل فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه ﷺ فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول ﷺ وشهد له بالرسالة، فقال النبي ﷺ : "يكفيك هذا"؟ , فقال: حتى يرجع إلى مكانه. فلم أره لغيره والله أعلم بحاله. وأما إبراهيم الخليل ﵊ فكانت عليه نار نمرود بردًا وسلامًا، فأعطي سيدنا محمد ﷺ نظير ذلك، إطفاء نار الحرب عنه ﵊ وناهيك بنار حطبها السيوف ووهجها الحتوف وموقدها الجسد ومطلبها الروح والجسد.

стр. 3197

قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] فكم أرادوا أن يطفئوا النور بالنار، وأبى الجبار إلا أن يتم نوره وأن يخمد شرورهم ويحمد لمحمد ﷺ سروره وظهوره. ويذكر أنه ﵊ ليلة المعراج مر على بحر النار الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي مما رأيته في بعض الكتب. وروى النسائي أن محمد بن حاطب

стр. 3198

قال: كنت طفلا فانصب القدر علي واحترق جلدي كله، فحملني أبي إلى رسول الله ﷺ فتفل ﵊ في جلدي ومسح بيده على المحترق وقال: "أذهب البأس رب الناس"، فصرت صحيحًا لا بأس بي.

стр. 3199

وأما ما أعطيه إبراهيم ﵊ من مقام الخلة فقد أعطيه نبينا ﷺ ، وزاد بمقام المحبة، وقد روي في حديث الشفاعة أن الخليل إبراهيم ﵊ إذ قيل له: اتخذك الله خليلا فاشفع لنا

стр. 3200

قال: "إنما كنت خليلا من وراء وراء" اذهبوا إلى غيري إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها"، وهذا يدل على أن نبينا ﵊ كان خليلا مع رفع الحجاب وكشف الغطاء ولو كان خليلا من وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم ﵊, وفيه تنبيه ظاهر على أنه ﵊ فاز برؤية الحق وكشف له الغطاء حتى رأى الحق بعيني رأسه، كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الخامس. والملخص من هذا: أن النبي ﷺ نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم ﵊ على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد عليه الصلاة

стр. 3201

والسلام منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: "إنما كنت خليلا من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل على أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، وذلك مقام محمد ﷺ بالدليل والبرهان. ومما أعطيه إبراهيم ﵊، وانفراده في الأرض بعبادة الله وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر، أعطي سيدنا محمد ﷺ كسرها بمحضر من أولي نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتراء فيها بالأنفاس من الفاس، وما عول على المعول، لا عرض في القول ولا تمرض من الصول بل قال جهرًا بغير سر: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] . ومما أعطيه الخليل ﵊ بناء البيت الحرام، ولا خفاء أن البيت

стр. 3202

جسد وروحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء "أنه يمين الرب" كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود والأيمان، وقد أعطي سيدنا محمد ﷺ أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد ﵊ فقالوا: هذا الأمين، فحكموه في ذلك فأمر ببسط ثوب ووضع الحجر فيه ثم قال: يرفع كل بطن بطرف، فرفعوه جميعًا، ثم أخذه سيدنا محمد ﷺ فوضعه في موضعه، فادخر الله له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام. وأما ما أعطيه موسى ﵊ من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطي سيدنا محمد ﷺ حنين الجذع، وقد.

стр. 3203

مرت قصته. وحكى الإمام الرازي -في تفسيره- وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه ﵊ بالحجر رأى على كتفيه ثعابين فانصرف مرعوبًا. وأما ما أعطيه موسى ﵊ أيضًا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى ﷺ قتادة بن النعمان وقد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونًا وقال: "انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا، ومن خلفك عشرًا

стр. 3204

فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه عشرًا، حتى يخرج فإنه الشيطان"، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم. وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله ﷺ في حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا, فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها

стр. 3205

حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشي كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه، ورواه البخاري بنحوه في الصحيح. وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير.

стр. 3206

ومما أعطيه موسى ﵇ أيضًا انفراق البحر له، أعطي نبينا محمد ﷺ انشقاق القمر -كما مر- فموسى تصرف في عالم الأرض وسيدنا محمد ﷺ تصرف في عالم السماء، والفرق بينهما واضح، وقال ابن المنير: وذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط، قال: فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا ﷺ حتى جاوزه -يعني ليلة الإسراء- قال وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى ﵊. ومما أعطيه موسى ﵊ إجابة دعائه، أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى.

стр. 3207

ومما أعطيه موسى ﵊ تفجير الماء له من الحجارة، أعطي سيدنا محمد ﷺ أن الماء تفجر من بين أصابعه، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها، ولم تجر العادة بنبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرسل قد سلفت ... وافى بأعجب منها عند إظهار فما العصا حية تسعى بأعجب من ... شكوى البعير ولا من مشي أشجار ولا انفجار معين الماء من حجر ... أشد من سلسل من كفه جار ومما أعطيه موسى ﵊ الكلام، أعطي سيدنا محمد ﷺ مثله ليلة الإسراء وزيادة الدنو والتدلي، وأيضًا كان مقام المناجاة في حق نبينا ﷺ فوق السماوات العلى وفوق سدرة المنتهى، والمستوى، وحجب النور والرفوف، ومقام

стр. 3208

المناجاة لموسى ﵊ بطور سيناء. وأما ما أعطيه هارون ﵊ من فصاحة اللسان، فقد كان نبينا ﷺ من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل. ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال: "وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين". وقد كانت فصاحه هارون غايتها في العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة

стр. 3209

ولم يتحد نبي من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا ﷺ ، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته ﷺ في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ وظاهر قوله ﵊: "أوتيت جوامع الكلم" أنه من التحدث بنعمة الله تعالى عليه وخصائصه، ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الإخبار بالمغيبات ونحوها معجزة. وأما ما أعطيه يوسف ﵊ من شطر الحسن، فأعطي نبينا ﷺ الحسن كله، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله

стр. 3210

في مقصد الإسراء، ومن تأمل ما نقلته من صفته ﵊ تبين له من ذلك التفضيل لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل. وأما ما أعطيه يوسف ﵊ أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك ثلاثة منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، والثاني: منام صاحبي السجن، والثالث: منام الملك، وقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتي

стр. 3211

نبذة من ذلك إن شاء الله تعالى. وأما ما أعطيه داود ﵊ من تليين الحديد له، فكان إذا مسح الحديد لان، فأعطي نبينا ﷺ أن العود اليابس أخضر في يده وأورق، ومسح ﷺ شاة أم معبدة الجرباء، فدرت. وأما ما أعطيه سليمان ﵊ من كلام الطير وتسخير الشياطين والريح، والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي

стр. 3212

سيدنا محمد ﷺ مثل ذلك وزيادة. أما كلام الطير والوحش فنبينا ﷺ كلمه الحجر، وسبح في كفه الحصى، وهو جماد، وكلمه ذراع الشاة المسمومة -كما تقدم في غزوة خيبر- وكذلك كلمه الظبي وشكا إليه البعير -كما مر- وروي أن طيرًا أفجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فيقول: "أيكم فجع هذا بولده"، فقال رجل أنا, فقال: "اردد ولده". ذكره الرازي ورواه أبو داود بلفظ: كنا مع النبي ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش -أي تدنو- من الأرض، فجاء النبي ﷺ فقال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، الحديث

стр. 3213

وقصة كلام الذئب مشهورة. وأما الريح التي كانت غدوها شهر ورواحها شهر، تحمله أين أراد من أقطار الأرض، فد أعطي سيدنا محمد ﷺ البراق الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله.

стр. 3214

وأيضًا: فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا ﷺ زويت له الأرض -أي جمعت- حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض, وبين من تسعى له الأرض. وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد ﷺ وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سواري المسجد. وخير مما أوتيه سليمان من ذلك إيمان الجن بمحمد ﷺ ، فسليمان استخدمهم ومحمد استسلمهم.

стр. 3215

وأما عد الجن من جنود سليمان في قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: ١٧] ، فخير منه عد الملائكة، جبريل ومن معه من جملة أجناده ﵊ باعتبار الجهاد وباعتبار تكثير السواد على طريقة الأجناد. وأما عد الطير من جملة أجناده، فأعجب منه حمامة الغار وتوكيرها في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية، وقد حصلت من أعظم شيء بأيسر شيء. وأما ما أعطيه من الملك، فنبينا ﷺ خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا، فاختار ﷺ أن يكون نبيًا عبدًا، ولله در القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولي وأما ما أعطيه عيسى ﵊ من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء

стр. 3216

الموتى، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه رد العين إلى مكانها بعدما سقطت فعادت أحسن ما كانت، وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي وفيه أنه ﷺ أتى قبرها فقال: "يا فلانة"، فقالت: لبيك وسعديك يا رسول الله، الحديث، وقد مر. وروي أن امرأة معاذ بن عفراء -كانت برصاء- فشكت إلى رسول الله ﷺ فمسح عليها بعصا فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازي، وأيضًا قد سبح الحصى في كفه، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى لأن هذا من جنس ما لا يتكلم.

стр. 3217

وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ : لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه ﷺ قال: "أرني قبرها" وأتى قبرها فقال: "يا فلانة" فقالت: لبيك وسعديك ... الحديث، وقد مر. وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم،

стр. 3218

فقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي. وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء، فقد أعطي نبينا ﷺ ذلك ليلة المعراج، وزاد في الترقي لمزيد الدرجات وسماع المناجاة والحظوة في الحضرة المقدسة بالمشاهدات. وبالجملة: فقد خص الله تعالى سيدنا محمد ﷺ من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والتسليم. وقد روى جابر عنه ﷺ أنه قال:

стр. 3219

"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا

стр. 3220

فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان ونصرت بالرعب مسيرة شهر

стр. 3221

وأعطيت الشفاعة"، رواه البخاري. وفي رواية: "وبعثت إلى الناس كافة". وزاد البخاري في روايته -في الصلاة- عن محمد بن سنان: من الأنبياء. وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله فخرًا".

стр. 3222

وفيه: "وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا". وإسناده كما قال ابن كثير جيد. وليس المراد حصر خصائصه ﵊ في هذه الخمس المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة

стр. 3223

وختم بي النبيون" فذكر الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون، فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال. ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي: "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش"، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر.

стр. 3224

وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا. ولأحمد من حديث عليّ: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم"، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة. وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه".

стр. 3225

وذكر ثنتين مما تقدم. وله من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم". قال: ونسيت الأخرى. فينتظم بها سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع. وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" أن عدد الذي خص به ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله ﷺ اطلع أولا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله
следующие страницы →