Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.
стр. 3186
رواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي عن عمار بن نصر.
وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة قال: كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله ﷺ ، فكان أخرها سهمًا نذرت منه حدقتي فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها في كفي دمعت عيناه فقال: "اللهم قِ قتادة كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا".
وفي البخاري في غزوة خيبر أنه ﷺ قال: أين علي بن أبي طالب فقالوا: يا رسول الله هو يشتكي عينيه، قال:
الحواشي
(١) وقد جمع بأن رواية الإفراد من التعبير عن العضوين المتفقين ذاتًا وصفة واسمًا بأحدهما، وهو فصيح مشهور، كما يقال: نظر بعينه، ومشى بقدمه، وبأن إحداهما سقطت حدقتها، وخرجت عن محلها بالكلية والأخرى خرج بعضها ولم ينفصل، فصدق أن كلا منهما أصيب، وخرجت حدقتهما، ويرده قوله: فسقطتا على وجنتي.
"ورواه الدارقطني عن إبراهيم الحربي" الحافظ المشهور، فحصل لمحمد بن أبي عثمان، متابع في روايته، "عن عمار بن نصر" لكن لم يحصل متابع لعمار في روايته عن مالك.
"وأخرج الطبراني وأبو نعيم عن قتادة، قال: كنت يوم أحد أتقي السهام بوجهي دون وجه رسول الله ﷺ ، فكان آخرها سهمًا نذرت" بالنون؛ سقطت "منه حدقتي" بالإفراد، "فأخذتها بيدي وسعيت إلى رسول الله ﷺ ، فلما رآها في كفي دمعت" -بفتح الميم- عيناه، فقال: "اللهم قِ" فعل أمر، أي: احفظ "قتادة، كما وقى وجه نبيك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأحدهما نظرًا" فكان كذلك.
وأخرج البغوي، وأبو يعلى من طريق عاصم بن عمر بن قتادة، عن جده؛ أنه أصيبت عينه يوم بدر، فسالت حدقته على وجنته، فأرادوا أن يقطعوها، فالوا: لا حتى نستأمر رسول الله فاستأمروه، فقال: "لا"، ثم دعاه فوضع راحته على حدقته، ثم غمرها، فكان لا يدري، أي: عينيه أصيب، كذا في الرواية يوم بدر، وقد علمت أن الصحيح يوم أحد، "وفي البخاري في غزوة خيبر" وفي غيرها من صحيحه، عن سهل بن سعد؛ "أنه ﷺ ، قال" "لأعطين الراية غدًا رجلا يفتح الله على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله" فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها، فقال:
"أين علي بن أبي طالب"؟ فقالوا: يا رسول الله! هو يشتكي عينيه" وفي حديث سلمة عند البخاري: وكان رمدًا وللطبراني: أرمد شديد الرمد، ولأبي نعيم: أرمد لا يبصر، قال:стр. 3187
فأرسلوا إليه، فأتى به، فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع.
وعند الطبراني من حديث علي قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلى رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر.
وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة عن أبيه قال: فأرسلني النبي ﷺ إلى علي فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ.
وعند الحاكم من حديث علي قال: فوضع ﷺ رأسي في حجره ثم بصق في راحته فدلك بها عيني. وعند الطبراني: فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي ﷺ فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر
الحواشي
(١) فأرسلوا إليه" قال المصنف: بكسر السين، أمر من الإرسال، وبفتحها، أي: قال سهل: فأرسلوا، أي: الصحابة إلى علي، وهو بخيبر لم يقدر على مباشرة القتال لرمده، "فأتى به" الآتي به سلمة بن الأكوع، "فبصق رسول الله ﷺ في عينيه" فيه تجوز بينته رواية علي عند الحاكم الآتية، "ودعا له" فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر" كما يأتي، "فبرأ" بفتح الراء والهمزة، بوزن ضرب ويجوز كسر الراء بوزن علم، كما في الفتح "حتى كأن لم يكن به وجع" وتتمة ذا الحديث مرت في خيبر، "وعند الطبراني من حديث علي، قال: فما رمدت ولا صدعت منذ دفع إلي رسول الله ﷺ الراية يوم خيبر".
"وفي رواية مسلم من طريق إياس بن سلمة" بن الأكوع، التابعي، الثقة، مات سنة تسع عشرة ومائة، وهو ابن سبع وسبعين سنة، "عن أبيه قال: فأرسلني النبي ﷺ إلى علي، فجئت به أقوده أرمد، فبصق في عينيه فبرأ.
قال الحافظ: فظهر من هذا؛ أنه الذي أحضره، ولعل عليًا حضر إليهم، ولم يقدر على مباشرة القتال لرمده، فأرسل إليه النبي ﷺ ، فضر من المكان الذي نزل به، أو بعث إليه إلى المدينة، فصادف حضوره، فلا ينافي رواية البخاري عن سلمة: كان علي تخلف عن النبي، وكان رمدًا، فقال: أنا أتخلف عن النبي ﷺ ، فلحق به. "وعند الحاكم من حديث علي، قال: فوضع ﷺ رأسي في حجره، ثم بصق في راحته" لفظه في ألية راحته، والألية: اللحمة التي تحت الإبهام، أو باطن الكف، "فدلك بها عيني" بالتثنية.
"وعند الطبراني" عن علي: "فما اشتكيتهما حتى الساعة، قال: ودعا لي ﷺ ، فقال: "اللهم أذهب عنه الحر والقر". بضم القاف البرد، وحكى ابن قتيبة تثليثه، وإنما دعا له بذلك،стр. 3188
قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا.
وأصيب سلمة يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها ﷺ ثلاث نفثات فما اشتكاها قط. رواه البخاري.
ونفث في عيني فديك وكانتا مبيضتين لا يبصر بهما شيئًا، وكان وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط في الإبرة وإنه لابن ثمانين سنة وإن عينيه لمبيضتان، رواه بن أبي شيبة والبغوي والبيهقي والطبراني وأبو نعيم.
الحواشي
(١) مع أن تألمه كان من الرمد، لأنه علم أن رمده من زيادة الدم الحاصل من الحر، فدعا له بإذهابه عنه، وزاد عليه القر، لأنه ضده، فربما أذاه لقوته بعدم ضده، "قال: فما اشتكيتهما حتى يومي هذا".
وفي رواية: وكان علي يلبس القباء المحشو الثخين في شدة الحر، فلا يبالي الحر، ويلبس الثوب الخفيف في شدة البرد، فلا يبالي البرد فسئل فأجاب: إن ذلك بدعائه ﷺ يوم خيبر، "وأصيب سلمة" بن الأكوع "يوم خيبر أيضًا بضربة في ساقه، فنفث فيها" لفظ الحديث فيه، قال الحافظ وغيره: أي موضع الضربة "ثلاث نفثات" بمثلثة بعد الفاء المفتوحة فيهما جمع نفثة، وهي فوق النفخ ودون التفل وقد يكون بلا ريق بخلاف التفل، وقد يكون بريق خفيف بخلاف النفخ، انتهى، "فما اشتكاها قط، رواه" بمعناه "البخاري" ثلاثيًا، فقال: حدثني المكي بن إبراهيم، قال: حدثنا يزيد بن أبي عبيد، قال: رأيت أثر ضربة بساق سلمة، فقلت: يا أبا مسلم! ما هذه الضربة؟ قال: هذه ضربة أصابتها يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة، فأتيت النبي ﷺ ، فنفث فيها ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة، "ونفث في عيني فديك" بن عمرو السلاماني، وقيل: فريك، بالراء بدل الدال، قاله الطبراني، وقيل: فويك بالواو، قاله البغوي والأزدي، وابن شاهين، والمستغفري، وابن عبد البر وغيرهم، وقال ابن فتحون: رأيته في كتب ابن أبي حاتم وابن السكن، بالواو، كما في الإصابة، "وكانتا مبيضتين" لغشاوة غطتهما، أو هو عبارة عن العمى، "لا يبصر بهما شيئًا، وكان" سبب ذلك، أنه "وقع على بيض حية، فكان يدخل الخيط في الإبرة" لقوة بصره وصحته، "وإنه لابن ثمانين سنة" وهو سن يضعف فيه البصر، وإن لم يعرض له عارض، "وإن عينيه لمبيضتان" وفيه أن البياض لم يزل بهما مع شدة نظرهما، وهذا أعظم في المعجزة، ولا ينافيه قوله في الحديث: فأبصر، "رواه ابن أبي شيبة والبغوي" الكبير في معجم الصحابة، "والبيهقي، والطبراني، وأبو نعيم" كلهم من طريق عبد العزيز بن عمران، عن رجل من بني سلامان، عن أمه، أن خالها حبيب بن فديك حدثها: أن أباه خرج به إلى رسول الله ﷺ وعيناه مبيضتان، لا يبصر بهما شيئًا، فسأله، فقال: كنت أروم جملا لي، فوقعت رجلي على بيض حية، فأصيب بصري، فنفث في عينيه، فأبصر، قال: فرأيته يدخل في الإبرة، وإنه لابن ثمانين، وإن عينيه لمبيضتان.стр. 3189
الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات
اعلم, نور الله قلبي وقلبك، وقدس سري وسرك، أن الله قد خص نبينا ﷺ بأشياء لم يعطها لنبي قبله، وما خص نبي بشيء إلا وقد كان لسيدنا محمد ﷺ مثله، فإنه أوتي جوامع الكلم، وكان نبيًا ودام بين الروح والجسد، وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا إلا في حال نبوته وزمان رسالته.
ولما أعطي هذه المنزلة علمنا أنه ﷺ الممد
الحواشي
(١) الفصل الثاني: فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات
"الفصل الثاني فيما خصه الله تعالى به من المعجزات، وشرفه به على سائر" باقي "الأنبياء من الكرامات"، أي: الأمور الخارقة للعادة "والآيات البينات" والأول في معجزاته، كما قدم، أي: التي وقع نظير بعضها لغيره في الجملة، وأما هذا الثاني، فالقصد به ما زاد به على غيره.
"اعلم، نور الله قلبي وقلبك" جملة دعائية: صدر بها تنبيهًا على شرف ما هو شارع فيه، "وقدس" طهر "سري وسرك"، أي: طهر أفعالنا عما ينقصها، وهو عطف مباين، "إن الله قد خص نبينا ﷺ بأشياء لم يعطها لنبي قبله"، أي: ولا رسول، ولا ملك، "وما خص نبي بشيء"، أي: ما أعطي نبي شيئًا لم يعطه أحد من أمته، أو من الأنبياء السابقين عليه، "إلا وقد كان لسيدنا محمد ﷺ مثله" فلا يقال متى أعطي مثله لا يكون خصوصية، فجمع له كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات وفضائل، ولم يجمع ذلك لغيره، بل اختص كل بنوع؛ "فإنه أوتي جوامع الكلم" كما قال ويأتي معناه، "وكان نبيًا وآدم بين الروح والجسد" كما مر، مشروحًا أوائل الكتاب، "وغيره من الأنبياء لم يكن نبيًا"، أي: موصوفًا بالنبوة "إلا في حال نبوته"، أي: بعد بعثته، "وزمان رسالته" بخلاف نبينا، فقد أفرغت عليه النبوة قبل خلق آدم، "ولما أعطي هذه المنزلة" التي لم يبلغها غيره، "علمنا أنه ﷺ الممد" اسم فاعل من أمد،стр. 3190
لكل إنسان كامل مبعوث ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري فلقد أحسن حيث قال:
وكل آي أتى الرسل الكرام بها ... فإنما اتصلت من نوره بهم
فإنه شمس فضل هم كواكبها ... يظهرن أنوارها للناس في الظلم
قال العلامة ابن مرزوق: يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد ﷺ وما أحسن قوله: "فإنما اتصلت من نوره بهم" فإنه يعطي أن نوره ﷺ لم يزل قائمًا به ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم وقد لا يبقى له منه شيء, وإنما كانت آيات كل واحد من نوره ﷺ لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن -أي تلك الكواكب- أنوار تلك الشمس للناس في الظلم. فالكواكب ليست مضيئة بالذات وإنما هي مستمدة من الشمس فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس، فكذلك الأنبياء قبل وجوده ﵊ كانوا يظهرون فضله.
الحواشي
(١) بمعنى زاد "لكل إنسان كامل مبعوث" يعني أنه ﷺ أفاض على جميع من تقدمه من الأنبياء والرسل أحوالا كثيرة، زيادة على ما عندهم من الفضائل، "ويرحم الله الأديب شرف الدين الأبوصيري، فلقد أحسن، حيث قال" في الميمية المشهورة: "وكل آي" جمع آية "أتى الرسل الكرام بها" دالة على نبوتهم، "فإنما اتصلت من نوره" الكائن قبل ظهوره إلى الوجود الخارجي "بهم، فإنه شمس فضل هم كواكبها، يظهرن أنوارها للناس في الظلم".
"قال العلامة" محمد بن محمد "بن مرزوق" في شرحها: "يعني أن كل معجزة أتى بها كل واحد من الرسل، فإنما اتصلت بكل واحد منهم من نور محمد ﷺ " الذي أوجده الله قبل وجوده في هذا العالم، "وما أحسن قوله: "فإنما اتصلت من نوره بهم، فإنه يعطي أن نوره ﷺ لم يزل قائما به، ولم ينقص منه شيء، ولو قال: فإنما هي من نوره لتوهم أنه وزع عليهم، وقد لا يبقى له منه شيء، وإنما كانت آيات كل واحد من نوره ﷺ ، لأنه شمس فضل هم كواكب تلك الشمس يظهرن، أي: تلك الكواكب أنوار تلك الشمس للناس في الظلم، فالكواكب ليست مضيئة بالذات، وإنما هي مستمدة من الشمس، فهي عند غيبة الشمس تظهر نور الشمس" ومستند هذا الحدس والتخمين، كما هو معلوم في محل، "فكذلك الأنبياء قبل وجوده ﵊ كانوا يظهرون فضله" بالصفات التي اشتملوا عليها، وأوصلوها إلى أممهم، فإنها وصلت إليهم من نوره ﵊، ومن ذلك إخبارهم عنه بما اشتملتстр. 3191
فجميع ما ظهر على الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار فإنما هو من نوره الفائض ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء.
وأول ما ظهر ذلك في آدم ﵇، حيث جعله الله تعالى خليفة وأمده بالأسماء كلها من مقام جوامع الكلم التي لمحمد ﷺ فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] ، ثم توالت الخلائف في الأرض
الحواشي
(١) عليه كتبهم من كمالاته وفضائله، "فجميع ما ظهر على يد الرسل عليهم الصلاة والسلام سواه من الأنوار، فإنما هو من نوره الفائض الكثير الذي عم المشارق والمغارب، "ومدده الواسع من غير أن ينقص منه شيء" فيكون ذلك كنور السراج إذا أوقد من نحو شمعة فنورها لم ينقص منه شيء، ونور السراج نشأ عن نورها مع بقاء نورها بمحله، لكن قد يشكل ما قدمه المصنف أول الكتاب، أن نوره ﷺ قسم أجزاء، وأنه قسم الجزء الرابع إلى كذا وكذا، إلا أن يكون المراد بقوله: قسم زاد فيه، لا أنه قسم نفس النور الذي هو محمد ﷺ ؛ لأن الظاهر أنه حيث صور نوره بصورة روحانية مماثلة لصورته التي يصير عليها بعد لا يقسمه إليه وإلى غيره.
"وأول ما ظهر ذلك في آدم ﵇، حيث جعله الله تعالى خليفة" عنه في تنفيذ أوامره ونواهيه في الأرض، لا لحاجة به تعالى إلى من ينوب، بل لقصور المستخلف عليه عن قبول فيضه وتلقي أمر بلا واسطة، "وأمده بالأسماء"، أي: أسماء المسميات "كلها" حتى القصعة والمغرفة؛ بأن ألقى علمها فيقلبه "من مقام جوامع الكلم التي لمحمد ﷺ ، فظهر بعلم الأسماء كلها على الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بالمعاصي ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يريقها بالقتل، كما فعل بنو الجان وكانوا فيها، فلما أفسدوا، أرسل الله إليهم الملائكة فطردوهم إلى الجزائر والجبال، "ثم توالت الخلائف في الأرض" أي: تتابعت الرسل بعد آدم وجعل الكلا خلائف، لأن استخلفهم كلهم في عمارة الأرض، والمشهور أن خليفة الله إنما يطلق على آدم وداود لنص القرآن: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، فأما غيرهما فلا, فقد قال رجل لأبي بكر الصديق: يا خليفة الله، فقال: أنا خليفة محمد ﷺ ، وأنا راض بذلك، وقال رجل لعمر: يا خليفة الله! فقال: ويلك، وزجره، وقيل: يجوز إطلاق ذلك على غيرهما أيضًا لقيامه بحقوقه في خلقه، ولقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ الآية، ولأن الله جعل كلا خليفة، كما جعله سلطانًا، فقد سمع سلطان الله، وجنود الله، وحزب الله، لكن قال الماوردي: امتنع جمهور العلماء من ذلك، ونسبوا قائله إلى الفجور، وفي المصباح:стр. 3192
إلى أن وصل إلى زمان وجود صورة جسم نبينا ﷺ الشريف لأظهار حكم منزلته، فلما برز كان اندرج في نوره كل نور، وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي ﷺ مثلها.
فآدم ﵊ أعطي أن الله خلقه بيده، فأعطي سيدنا محمد ﷺ شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه، وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي ومن سيدنا محمد ﷺ الخلق النبوي، مع أن المقصود -كما مر- من خلق آدم خلق نبينا في صلبه، فسيدنا محمد ﷺ المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة.
الحواشي
(١) والخليفة بمعنى السلطان الأعظم، يجوز أن يكون فاعلا، لأنه خلف من قبله، أي: جاء بعده، ويجوز أن يكون مفعولا، لأن الله جعله خليفة، أو لأنه جاء بعد غيره "إلى أن وصل" حال الخلائف، وهو ما جاءوا به من الأحكام والشرائع، "إلى زمان وجود صورة: جسم نبينا ﷺ الشريف" صفة لجسم أو نبينا، "لإظهار حكم منزلته" أي: مقدارها وشرفها عند الله، "فلما برز" ظهر "اندرج في نوره كل نور" لغلبته عليه، "وانطوى تحت منشور آياته كل آية لغيره من الأنبياء، ودخلت الرسالات كلها في صلب نبوته، والنبوات كلها تحت لواء" علم "رسالته، فلم يعط أحد منهم كرامة أو فضيلة إلا وقد أعطي ﷺ مثلها" فجمع فيه ما فرق فيهم، وهذه خصوصية مع زيادته عليهم، ولما ذكر أن الله جمع له ﵇ خصائص الأنبياء وزاده عليهم فضل بعض ذلك، وهو في غالبه تابع، لأن المنير في معراجه، فقال: "فآدم ﵊ أعطي أن الله خلقه بيده" من أديم الأرض، أي: وجهها بأن قبض منها قبضة من جميع ألوانها، وعجنت بالمياه المختلفة وسواه، ونفخ فيه الروح، فصار حيوانًا حساسًا بعد أن كان جمادًا، "فأعطي سيدنا محمد ﷺ شرح صدره، تولى الله شرح صدره بنفسه" أي: ذاته، وفي إطلاق النفس على الله خلاف والأصح الجواز، "وخلق فيه الإيمان والحكمة، وهو الخلق النبوي، فتولى من آدم الخلق الوجودي، ومن سيدنا محمد ﷺ الخلق النبوي.
زاد ابن المنير: وهو بالحقيقة متولي كل خلق، لكن المراد تخصيص التشريف وهو أعلى، "مع أن المقصود، كما مر" من قوله تعالى لآدم: "لولاه ما خلقتك"، "من خلق آدم خلق نبينا في صلبه فسيدنا محمد ﷺ المقصود وآدم الوسيلة، والمقصود سابق على الوسيلة" فلا شك في أنه أجل.стр. 3193
وأما سجود الملائكة لآدم، فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم لأجل نور نبينا محمد ﷺ كان في جبهته، ولله در القائل:
تجليت جل الله في وجه آدم ... فصلى له الأملاك حين توسل
وعن أبي عثمان الواعظ، فيما حكاه الفاكهاني قال: سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا ﷺ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] ، أجمع من تشريف آدم ﵊ بأمر الملائكة له بالسجود، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف، فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ من تشريف تختص به الملائكة، انتهى.
قال بعضهم: وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع
الحواشي
(١) "وأما سجود الملائكة لآدم فقال الإمام فخر الدين الرازي في تفسيره: إن الملائكة أمروا بالسجود لآدم، لأجل نور نبينا محمد ﷺ كان في جبهته" ظاهرًا، "ولله در القائل: تجليت جل الله" جملة معترضة "في وجه، آدم، فصلى" سجد "له الأملاك حين توصل" وقال ابن المنير: نظيره إنجاد الملائكة للمصطفى، فإنه أنزلهم له جندًا وأعوانًا تحت لوائه، وأنصارًا في طاعته، والأسجاد والأنجاد متقاربان، وورد أنه ﷺ صلى بالملائكة، بل ورد أن الملائكة تصلي بصلاة آحاد أمته، ائتمامًا بهم، وسجودًا خلفهم، وهذا غاية الكرامة في هذا المعنى.
"وعن أبي عثمان الوعظ فيما حكاه الفاكهاني، قال" أبو عثمان "سمعت الإمام سهل بن محمد يقول: هذا التشريف الذي شرف الله به محمدًا ﷺ بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ الآية، أتم وأجمع من تشريف آدم ﵊، بأمر الملائكة بالسجود له، لأنه لا يجوز أن يكون الله مع الملائكة في ذلك التشريف" لاستحالته في حقه سبحانه، إذ السجود من صفات الأجسام، "فتشريف يصدر عنه تعالى وعن الملائكة والمؤمنين أبلغ مع تشريف تختص به الملائكة" وهو السجود، "انتهى".
"قال بعضهم" وهو الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني: "وأما تعليم آدم أسماء كل شيء، فروى الديلمي في مسند الفردوس من حديث أبي رافع" والحاكم، والديلمي أيضًا منстр. 3194
قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلت لي أمتي في الماء والطين، وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها" فكما أن آدم ﵊ علم أسماء العلوم كلها كذلك نبينا ﷺ ، وزاد عليه -واصل الله صلاته وسلامه عليه- بعلم ذواتها. ولله در الأبوصيري حيث قال:
لك ذات العلوم من عالم الغيـ ... ـب ومنها لآدم الأسماء
ولا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم، والأسماء مقصودة لغيرها فهي دونها، ففضل العلم بحسب فضل معلومه.
وأما إدريس ﵊.
الحواشي
(١) حديث أم حبيبة، قال: قال رسول الله ﷺ : "مثلت لي أمتي" وفي رواية: الدنيا بدل أمتي، "في الماء والطين وعلمت الأسماء كلها كما علم آدم الأسماء كلها".
وروى الطبراني والضياء المقدسي، عن حذيفة بن أسيد بن خالد الغفاري، قال: قال ﷺ : "عرضت علي أمتي البارحة لدى هذه الحجرة" بالضم أي: عندها، "أولها وآخرها"، فقيل: يا رسول الله عرض عليك من خلق، فكيف من لم يخلق؟ فقال: "صوروا لي في الطين، حتى أني لأعرف بالإنسان منهم من أحدكم بصاحبه"، "فكما أن آدم ﵊ علم أسماء العلوم كلها، كذلك نبينا ﷺ ، وزاد عليه: واصل الله صلاته وسلامه عليه بعلم ذواتها" متعلق بزاد، "ولله در الأبوصيري حيث قال" في الهمزية: "لك" لا لغيرك "ذات" نفس وحقيقة "العلوم" جمع علم، وهو هنا صفة ينجلي بها المذكور لمن قامت به انجلاء تامًا، والإدراك الجازم الذي لا يحتمل النقيض "من" فيض "عالم الغيب" الغائب، وهو ما لم يشاهد بالنسبة إلينا، وأما بالنسبة إليه تعالى، فالكل من عالم الشهادة، "ومنها" أي: العلوم بمعنى المعلومات "لآدم" أبي البشر "الأسماء" مبتدأ مؤخر خبره منها، جمع اسم، وهو هنا ما دل على معنى فيشمل الفعل والحروف أيضًا، "لا ريب أن المسميات أعلى رتبة من الأسماء، لأن الأسماء يؤتى بها لتبين المسميات، فهي المقصودة بالذات، وإليه الإيماء بقوله: ذات العلوم والأسماء مقصودة لغيرها" وهي المسميات، "فهي دونها، ففضل العالم بحسب فضل معلومه" فهو أفضل من آدم.
"وأما إدريس ﵊" قيل: سرياني، وقيل: عربي مشتق لكثرة درسه الصحف، واسمه خنوخ، بخاءين معجمتين بينهما نون، فواو، ويقال: أخنوخ، بألف أوله، ابنстр. 3195
فرفعه الله مكانًا عليًا، فأعطي سيدنا محمد ﷺ المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره.
وأما نوح ﵊ فنجاه الله تعالى ومن آمن معه من الغرق ونجاه من الخسف، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] .
وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: "أكرم الله تعالى نوحًا بأن أمسك سفينته على الماء وفضل محمد ﷺ أعظم منه. روي أنه ﷺ كان على شط ماء وقعد عكرمة بن أبي
الحواشي
(١) يارد بن مهلائيل، بن قينان، بن أنوش، بن شيث، بن آدم، وهو أبو جد نوح، كذا ذكر المؤرخون، قال المازري: فإن قام دليل على أنه أرسل، لم يصح قولهم لحديث الصحيحين: "ائتوا نوحًا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض"، وإن لم يقم جازمًا، قالوا: وحمل على أنه كان نبيًا ولم يرسل، وأجيب بأن حديث أبي ذر عند ابن حبان يدل على أن آدم وإدريس رسولان، فالمراد أول رسول بعثه الله بالإهلاك وإنذار قومه، فأما رسالة آدم وشيث وإدريس، فإنما هي رسالة تبليغ الإيمان وطاعة الله، لأنهم لم يكونوا كفارًا "فرفعه الله مكانًا عليًا" قيل: هو الجنة، وقيل: السماء الرابعة، كما ورد في حديث المعراج، وقيل: السادسة، واختلف في أنه في السماء ميت أو حي، وقيل: المراد شرف النبوة والزلفى عند الله، "فأعطي سيدنا محمد ﷺ المعراج، ورفع إلى مكان لم يرفع إليه غيره" لا رسول ولا ملك.
"وأما نوح ﵊" ابن لمك، بفتح اللام، وسكون الميم، وكاف، ابن متوشلخ، بفتح الميم، وضم الفوقية الثقيلة، وسكون الواو، وفتح الشين المعجمة، وإسكان اللام، وآخره خاء معجمة، "فنجاه الله تعالى ومن آمن معه" وما آمن معه إلا قليل، قيل: كانوا ستة رجال ونساءهم، وقيل: كانوا ثمانين، نصفهم رجال، ونصفهم نساء، وهم أصحاب السفينة، "من الغرق، ونجاه من الخسف، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه لم تهلك أمته بعذاب من السماء" لأنه رحمة، "قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية، لأن العذاب إذا نزل عم، ولم نعذب أمة إلا بعد خروج نبيها والمؤمنين منها، هكذا في التفسير، ولا يلائمه سياق المصنف.
"وأما قول الفخر الرازي في تفسيره: أكرم الله تعالى نوحًا؛ بأن أمسك سفينته على الماء، وفضل محمد ﷺ أعظم منه، روي أنه ﷺ كان على شط ماء، وقعد عكرمة بن أبيстр. 3196
جهل فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر فليسبح ولا يغرق، فأشار إليه ﷺ فانقلع الحجر من مكانه وسبح حتى صار بين يدي الرسول ﷺ وشهد له بالرسالة، فقال النبي ﷺ : "يكفيك هذا"؟ , فقال: حتى يرجع إلى مكانه. فلم أره لغيره والله أعلم بحاله.
وأما إبراهيم الخليل ﵊ فكانت عليه نار نمرود بردًا وسلامًا، فأعطي سيدنا محمد ﷺ نظير ذلك، إطفاء نار الحرب عنه ﵊ وناهيك بنار حطبها السيوف ووهجها الحتوف وموقدها الجسد ومطلبها الروح والجسد.
الحواشي
(١) جهل" المسلم في فتح مكة، "فقال: إن كنت صادقًا فادع ذلك الحجر الذي في الجانب الآخر، فليسبح" يعوم على الماء، "ولا يغرق، فأشار إليه ﵊، فانقلع الحجر من مكانه، وسبح حتى صار بين يدي الرسول ﷺ ، وشهد له بالرسالة فقال النبي ﷺ " لعكرمة: "يكفيك هذا"؟ , "فقال: حتى يرجع إلى مكانه، فلم آره لغيره، والله أعلم بحاله" أي: الحديث هل هو وارد، أم لا؟
"وأما إبراهيم الخليل ﵊، فكانت عليه نار نمرود" بالدال مهملة، ومعجمة، وهو أصح لموافقته للقاعدة المنظومة في نحو قوله:
إن تلت الدال صحيحًا ساكنا ... أهملها الفرس وإلا أعجموا
"بردًا وسلامًا" أي: ذات برد وسلام، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي: ابردي بردًا غير ضار، ولو لم يقل سلامًا لمات من بردها، فذهبت حرارتها، وبقيت إضاءتها، ولم يحترق غير وثاقه، والقصة طويلة في التفاسير والتواريخ، "فأعطي سيدنا محمد ﷺ نظير ذلك إطفاء نار الحرب عنه ﵊"، أي: إبطال مكائدهم التي كانوا يديرونها لحربه بأن يوقع بينهم منازعة يكفون بها عنه شرهم، "وناهيك" أنهاك "بنار حطبها" أي: المستعان به فيها، بحيث يؤثر هلاك الأعداء، وهو "السيوف" فهي مستعملة في حقيقته والحطب مجاز عن الأسباب المؤثرة فيها، "ووهجها" بفتحتين حرها "الحتوف" جمع حتف وهو الهلاك، والمعنى: أن الأسباب المؤثرة هي السيوف والآثار المترتبة عليها، المشبهة لحرارة النار في التأثير هي الهلاك، "وموقدها" أي: السبب في وجودها "الحسد ومطلبها" مصدر ميمي بمعنى اسم المفعول، أي: الأمر الذي أريد بتلك الحروب وبآثارها هو "الروح والجسد" والمعنى: أنهاك بنار موصوفة بما ذكر عن تطلب معجزة تقاوم نار الخليل غير هذه، أي: إنهاстр. 3197
قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ [المائدة: ٦٤] فكم أرادوا أن يطفئوا النور بالنار، وأبى الجبار إلا أن يتم نوره وأن يخمد شرورهم ويحمد لمحمد ﷺ سروره وظهوره.
ويذكر أنه ﵊ ليلة المعراج مر على بحر النار الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي مما رأيته في بعض الكتب.
وروى النسائي أن محمد بن حاطب
الحواشي
(١) غاية تنهاك عن تطلب غيرها.
"قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ الآية، قال البيضاوي: كلما أرادوا حرب الرسول وإثارة شر عليه، ردهم الله، بأن أوقع بينهم منازعة، كف بها عنه شرهم، أو كلما أرادوا حرب أحد غلبوا، فإنهم لما خالفوا حكم التوراة سلط الله عليهم بختنصر، ثم أفسدوا، فسلط عليهم قطرس الرومي، ثم أفسدوا، فسلط عليهم المجوس، ثم أفسدوا، فسلط عليهم المسلمين، وللحرب صلة أوقدوا أو صفة نارًا، انتهى. "فكم" للتكثير، أي: فكثيرًا "أرادوا أن يطفئوا النور"، وهو حجته الدالة على وحدانيته وتقدسه عن الولد أن القرآن، أو نبوة محمد ﷺ "بالنار" أي: محاربتهم ومعاداتهم له ﷺ ، "وأبى الجبار إلا أن يتم نوره" يظهر شرعه وبراهين نبيه وإعلاء دينه، "وأن يخمد" بضم الياء من أخمد، أي: يسكن "شرورهم" ويبطلها، شبه إبطال شرورهم بإطفاء النار، واستعار له الإخماد ثم اشتق منه الفعل، وهو يخمد، فهو استعارة تبعية، أو شبه الشرور بعد إبطالها بنار أطفئ لهبها، ثم أثبت له الإخماد، فهو استعارة بالكناية وتخييلية، "ويحمد لمحمد ﷺ سروره وظهروه، بالثناء على ما جاء به، وعلى ما حصل له من النصر على أعدائه، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ [التوبة: ٣٣] الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على حقية ما جاء به، وهذا النظير والسجع بعده جلبه المصنف من معراج ابن المنير، كغالب هذا المبحث، "ويذكر أنه ﵇ ليلة المعراج مر على بحر النار" بأن سار مستعليًا عليه، حتى جاوزه "الذي دون سماء الدنيا مع سلامته منه، كما روي مما رأيته في بعض الكتب" والله أعلم بصحته.
"وروى النسائي أن محمد بن حاطب" بن الحارث بن معمر بن حبيب الجمحي، الكوفي، صحابي صغير، ولد بالسفينة قبل أن يصلوا إلى الحبشة، وهو أول من سمي محمدًا في الإسلام، واختلف في أن كنيته أبو القاسم أو أبو إبراهيم، وروى عن النبي ﷺ ، وعن علي وعنстр. 3198
قال: كنت طفلا فانصب القدر علي واحترق جلدي كله، فحملني أبي إلى رسول الله ﷺ فتفل ﵊ في جلدي ومسح بيده على المحترق وقال: "أذهب البأس رب الناس"، فصرت صحيحًا لا بأس بي.
الحواشي
(١) أمه أم جميل، وعنه أولاده إبراهيم، وعمر، والحارث، وغيرهم ومات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ست وثمانين، "قال: كنت طفلا، فانصبت القدر" التي كانت أمه تطبخ فيها "على" أي: على ذراعي، "واحترق جلدي كله، فحملني أبي" فيه، إن أباه مات بأرض الحبشة، وقدمت بها جميل القرشية، العامرية، من السابقات المهاجرات إلى المدينة مع أهل السفينة، كما في الإصابة وغيرها، والذي في الروايات أن الآتي به "إلى رسول الله ﷺ " أمه، فإن كان لفظ أبي محفوظًا فلعله أراد به أباه من الرضاعة جعفر بن أبي طالب، فقد ذكر ابن أبي خيثمة، كما في الإصابة، أن أسماء بنت عميس أرضعت محمد بن حاطب مع ابنها عبد الله بن جعفر، وأرضعت أم محمد عبد الله بن جعفر، فنسب القدوم إليه تارة، وإلى أمه أخرى، "فتفل ﵊ في جلدي، ومسح بيده على المحترق" أي: المواضع التي مستها النار، فأثرت فيها، ولا ينافيه قوله قبل: احترق جلدي كله، لجواز أن ما جاور ما مسته النار من جلده، صار إليه ألم مما مسته النار، فسماه محروقًا كله لوصول الألم إليه، وال: "أذهب البأس" بالموحدة، أي: الشدة، أي ما أصاب جلده من أثر النار عن هذا يا "رب الناس" والجملة دعائية، "فصرت صحيحًا لا بأس بي".
وأخرج الإمام أحمد والبخاري في التاريخ، والنسائي وغيرهم، عن محمد، بن حاطب عن أمه أم جميل، قالت: أقبلت بك من أرض الحبشة حتى إذا كنت من المدينة على ليلة أو ليلتين طبخت لك طبيخًا، ففي الحطب، فخرجت أطلب الحطب، فتناولت القدرة، فانكفأت على ذراعك، فأتيت بك رسول الله ﷺ ، فقلت: يا رسول الله! هذا ابن أخيك، وقد أصابه هذا الحرق من النار، فادع له، وفي رواية: فقلت: هذا محمد بن حاطب، وهو أول من سمي بك، قالت: فمسح على رأسك، ودعا لك بالبركة، وجعل يتفل على يدك، وهو يقول: "أذهب البأس رب الناس، اشف أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقما"، قالت: فما قمت بك من عنده حتى برأت يدك، وقد خمدت نار فارس لنبينا، وكان لها ألف عام لم تخمد.
وروى ابن سعد عن عمرو بن ميمون، قال: أحرق المشركون عمار بن ياسر بالنار، فكان ﷺ يمر به، ويمر يده على رأسه، فيقول: "يا نار كوني بردًا وسلامًا على عمار، كما كنت على إبراهيم، تقتلك الفئة الباغية".
وروى أبو نعيم عن عباد بن عبد الصمد: أتينا أنس بن مالك، قال: يا جارية هلمي المائدةстр. 3199
وأما ما أعطيه إبراهيم ﵊ من مقام الخلة فقد أعطيه نبينا ﷺ ، وزاد بمقام المحبة، وقد روي في حديث الشفاعة أن الخليل إبراهيم ﵊ إذ قيل له: اتخذك الله خليلا فاشفع لنا
الحواشي
(١) نتغدى، فأتت بها، ثم قال: هلمي المنديل، فأتت بمنديل وسخ، فقال: اسجري التنور، فأوقدته فأمر بالمنديل، فطرح فيه، فخرج أبيض كأنه اللبن، فقلنا: ما هذا؟، قال: هذا منديل كان ﷺ يمسح به وجهه، فإذا اتسخ صنعنا به هكذا، لأن النار لا تأكل شيئًا مر على وجوه الأنبياء، وألقى غير واحد من أمته في النار، فلم تؤثر فيه.
روى ابن وهب عن ابن لهيعة؛ أن الأسود العنسي لما ادعى النبوة، غلب على صنعاء، أخذ ذؤيب بن كليب بتصغيرها، فألقاه في النار لتصديقه بالنبي ﷺ ، فلم تضره النار، فذكر ذلك النبي ﷺ لأصحابه، فقال عمر: الحمد لله الذي جعل في أمتنا مثل إبراهيم الخليل، وسماه ابن الكلبي ذؤيب بن وهب، وقال في سياقه: طرحه في النار، فوجده حيًا، ولم يذكر النبي ﷺ ، وهو مخضرم، أسلم في العهد النبوي، قال عبدان: إنه أول من أسلم من أهل اليمن، ولا أعلم له صحبة.
وروى ابن عساكر: أن الأسود بن قيس، بعث إلى أبي مسلم الخولاني، فأتاه، فقال: "أتشهد أني رسول الله؟ "، قال: ما أسمع، قال: "أتشهد أن محمدًا رسول الله؟ "، قال: نعم فأتى بنار عظيمة، فألقاه فيها، فلم تضره، فقيل للأسود إن لم تنف هذا عنك أفسد عليك من اتبعك، فأمر بالرحيل، فقدم المدينة، وقد قبض النبي صلى اله عليه وسلم، واستخلف أبو بكر، فقال أبو بكر: الحمد لله الذي ألبثني حتى أراني في أمة محمد من صنع به، كما صنع بإبراهيم.
"وأما ما أعطيه إبراهيم ﵊ من مقام الخلة" بفتح الخاء وضمها: الصداقة، "فقد أعطيه نبينا ﷺ ، وزاد بمقام المحبة" فجمع له بينهما، روى أبو يعلى في حديث المعراج، فقال له ربه: اتخذتك خليلا وحبيبًا، وفي التوراة: محمد حبيب الله، وروى ابن ماجه وأبو نعيم مرفوعًا: "أن الله اتخذني خليلا، كما اتخذ إبراهيم خليلا، فمنزلي ومنزل إبراهيم في الجنة تجاهين، والعباس بيننا، مؤمن بين خليلين".
وروى أبو نعيم عن كعب بن مالك: سمعت رسول الله ﷺ يقول قبل وفاته بخمس: "إن الله اتخذ صاحبكم خليلا".
"وقد روي في حديث الشفاعة؛ أن إبراهيم ﵊ إذا قيل له: اتخذك الله خليلا" أي: اصطفاك وخصك بكرامة تشبه كرامة الخليل عند خليله، "فاشفع لنا" فيстр. 3200
قال: "إنما كنت خليلا من وراء وراء" اذهبوا إلى غيري إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ فيقول: "أنا لها، أنا لها"، وهذا يدل على أن نبينا ﵊ كان خليلا مع رفع الحجاب وكشف الغطاء ولو كان خليلا من وراء لاعتذر كما اعتذر إبراهيم ﵊, وفيه تنبيه ظاهر على أنه ﵊ فاز برؤية الحق وكشف له الغطاء حتى رأى الحق بعيني رأسه، كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الخامس.
والملخص من هذا: أن النبي ﷺ نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم ﵊ على وجه نطق إبراهيم بأن نصيب سيدنا محمد عليه الصلاة
الحواشي
(١) فصل القضاء، "قال: إنما كنت خليلا من وراء وراء" ضبط بفتح الهمزة وضمها بلا تنوين، فيهما بناء، قال النووي: الفتح أشهر، ومعناه: لم أكن في التقرب والإدلال بمنزلة الحبيب، وقال صاحب التحرير: هذه كلمة تقال على وجه التواضع، قاله في البدور، وقيل: مراده أن الفضل الذي أعطيه كان بسفارة جبريل، ولكن ائتوا موسى الذي كلمه الله بلا واسطة، وكرر وراء إشارة إلى نبينا ﷺ ؛ لأنه حصلت له الرؤية والسماع بلا واسطة، فكأنه قال: أنا من وراء موسى الذي هو من وراء محمد، حكاه المصنف فيما يأتي قائلا: وراء بفتح الهمزة بلا تنوين، ويجوز البناء على الضم للقطع عن الإضافة نحو من قبل ومن بعد، واختاره أبو البقاء.
قال الأخفش: يقال لقيته من وراء بالضم، ثم قال: ويجوز فيها النصب والتنوين جوازًا جيدًا، قاله أبو عبد الله الأبي. "اذهبوا إلى غيري" فيذهبون إلى موسى وعيسى إلى أن تنتهي الشفاعة إلى النبي ﷺ ، فيقول: "أنا لها أنا لها" بالتكرير، وصرفوا عن الإتيان له ابتداء، مع أنه صاحبها إذاعة لفضله على رءوس الخلائق، "وهذا يدل على أن نبينا ﵊ كان خليلا مع رفع الحجاب" عنه، "وكشف الغطاء" له، "ولو كان خليلا من وراء وراء لاعتذر، كما اعتذر إبراهيم ﵊ وفيه تنبيه ظاهر على أنه ﵊ فاز برؤية الحق ، وكشف له الغطاء" ليلة الإسراء، "حتى رأى الحق" رؤية بصرية "بعيني رأسه"على المذهب المشهور، وقال به ابن عباس نفيا لمن قال بعيني قلبه، وإذا جوزه العقل، وشهد به النقل لم يبق للاستبعاد موقع ولا للإنكار موضع، "كما سيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الخامس، والملخص من هذا؛ أن النبي ﷺ نال درجة الخلة التي اشتهرت لإبراهيم ﵊" بقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ الآية، "على وجه نطق إبراهيم؛ بأن نصيب سيدنا محمد ﵊ منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: إنما كنت خليلا من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل علىстр. 3201
والسلام منه الأعلى، بمفهوم قوله عن نفسه: "إنما كنت خليلا من وراء وراء، فلم يشفع وفيه دليل على أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس، لا المكان، وذلك مقام محمد ﷺ بالدليل والبرهان.
ومما أعطيه إبراهيم ﵊، وانفراده في الأرض بعبادة الله وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر، أعطي سيدنا محمد ﷺ كسرها بمحضر من أولي نصرها بقضيب ليس مما يكسر إلا بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتراء فيها بالأنفاس من الفاس، وما عول على المعول، لا عرض في القول ولا تمرض من الصول بل قال جهرًا بغير سر: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ [الإسراء: ٨١] .
ومما أعطيه الخليل ﵊ بناء البيت الحرام، ولا خفاء أن البيت
الحواشي
(١) أنه إنما يشفع من كان خليلا لا من وراء وراء، بل مع الكشف والعيان وقرب المكانة من حظيرة القدس لا المكان" لاستحالته عليه تعالى: "وذلك مقام محمد ﷺ بالدليل والبرهان" وهذا ساقه كله ابن المنير في المعراج، والله المستعان.
"ومما أعطيه إبراهيم ﵊ انفراده في الأرض بعبادة الله، وتوحيده، والانتصاب للأصنام بالكسر والقسر" بفتح القاف، وسكون السين، وبالراء: القهر والغلبة، "أعطي سيدنا محمد ﷺ كسرها بمحضر من أولي نصرها" وهم أذلاء لا يستطيعون نصرها "بقضيب ليس مما يكسر إلا" بمعنى، لكن "بقوة ربانية ومادة إلهية، اجتراء" أي: اكتفاء "فيها بالأنفاس من الفاس وما عول على المعول" كما فعل إبراهيم حيث علقه في عنق كبيرهم الذي تركه لعلهم إليه يرجعون، "ولا عرض في القول" كتعريض إبراهيم بقوله: بل فعله كبيرهم هذا، "ولا تمرض من الصول" أي: لم يظهر مرضًا لأجل الصول على تلك الأصنام، كما فعل إبراهيم، حيث قال: إني سقيم، اعتذارًا عن عدم خروجه معهم إلى عيدهم، وجعل ذلك، وسيلة إلى كسر الأصنام في غيبتهم، "بل قال جهرًا بغير سر" زيادة إطناب، ﴿َقُلْ﴾ عند دخول مكة ﴿جَاءَ الْحَقُّ﴾ الإسلام، ﴿وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ بطل الكفر، ﴿إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ مضمحلا زائدًا، وقد دخلها ﷺ وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول ذلك حتى سقطت، رواه الشيخان، وتقدم بسطه في فتح مكة.
"ومما أعطيه الخليل ﵊ بناء البيت الحرام" الذي بوأه الله له، "ولا خفاء أن البيت جسد" تشبيه بليغ، "وروحه الحجر الأسود، بل هو سويداء القلب، بلстр. 3202
جسد وروحه الحجر الأسود بل هو سويداء القلب، بل جاء "أنه يمين الرب" كناية عن استلامه كما تستلم الأيمان عند عقد العهود والأيمان، وقد أعطي سيدنا محمد ﷺ أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدمه ولم يبق إلا وضع الحجر تنافسوا على الفخر الفخم والمجد الضخم، ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل، فاتفق دخول سيدنا محمد ﵊ فقالوا: هذا الأمين، فحكموه في ذلك فأمر ببسط ثوب ووضع الحجر فيه ثم قال: يرفع كل بطن بطرف، فرفعوه جميعًا، ثم أخذه سيدنا محمد ﷺ فوضعه في موضعه، فادخر الله له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام.
وأما ما أعطيه موسى ﵊ من قلب العصا حية غير ناطقة، فأعطي سيدنا محمد ﷺ حنين الجذع، وقد.
الحواشي
(١) جاء أنه يمين الرب", كما روى الديلمي عن أنس مرفوعًا: "الحجر يمين الله، فمن مسحه فقد بايع الله" "كناية عن استلامه، كما تستلم الأيمان" الأيمان، بالفتح: جمع يمين العضو المخصوص، "عند عقد العهود، والأيمان" بالفتح أيضًا بمعنى القسم، والمعنى: أنه يستلم باليد من أراد عهدًا أو يمينًا يمين صاحبه عند معاهدة غيره، واللف كما كان عادتهم، "وقد أعطي سيدنا محمد ﷺ أن قريشًا لما بنت البيت بعد تهدمه" بسيل أو غيره، "ولم يبق إلا وضع الحجر" في محله، "تنافسوا على الفخر الفخم" العظيم القدر، "والمجد" العز والشرف "الضخم" العظيم فالفخم والضخم مختلفان مفهومًا: متحدان ما صدقا، "ثم اتفقوا على أن يحكموا أول داخل" من باب بني شيبة، "فاتفق دخول سيدنا محمد ﵊، فقالوا: هذا الأمين" رضينا بحكمه، "فحكموه في ذلك، فأمر ببسط ثوب، ووضع" النبي ﷺ "الحجر فيه" أي: الثوب بيده الكريمة، فعند ابن إسحاق فقالوا: هذا الأمين رضينا، وأخبروه الخبر، فقال: "هلم إلي ثوبًا" فأتى به، فأخذ الركن، فوضعه فيه بيده، ثم قال: "يرفع" وفي نسخة: ليرفع، أي: ليأخذ "كل بطن" من بطون قريش، "بطرف" في رواية: "لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب"، فرفعوه جميعًا، ثم لما بلغوا به موضعه، "أخذه سيدنا محمد ﷺ ، فوضعه في موضعه، فادخر الله له ذلك المقام ليكون منقبة له على مدى الأيام" وكان سنه خمسًا وثلاثين سنة على الأشهر، وهذا الذي ذكره المصنف أيضًا لفظ ابن المنير.
وأما ما أعطيه موسى ﵊ منقلب العصا حية" وتقدم ذكر ذلك قريبًا أول المعجزات وأعاد الشارح نقله هنا "غير ناطقة" لعل ذكره مع أنه لازم للحية، لبيان التفاضل بين المعجزتين، وهو أن العصا لم تنطق لموسى، بخلاف الجذع، فنطق للمصطفى بكلام حتى سمعه من يليه زيادة على الحنين، كما مر، "فأعطي سيدنا محمد ﷺ حنين الجذع، وقدстр. 3203
مرت قصته.
وحكى الإمام الرازي -في تفسيره- وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه ﵊ بالحجر رأى على كتفيه ثعابين فانصرف مرعوبًا.
وأما ما أعطيه موسى ﵊ أيضًا من اليد البيضاء، وكان بياضها يغشى البصر، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء وبطون الأمهات من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه. وأعطى ﷺ قتادة بن النعمان وقد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة عرجونًا وقال: "انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا، ومن خلفك عشرًا
الحواشي
(١) مرت قصته" قريبًا.
"وحكى الإمام الرازي في تفسيره وغيره: أنه لما أراد أبو جهل أن يرميه ﵊ بالحجر رأى على كتفيه" بالتثنية، أي: النبي ﵇، وفي نسخة: كتفه بالإفراد على إرادة الجنس "ثعابين، فانصرف مرعوبًا" كما انصرف فرعون مرعوبًا من العصا، ولما كان أشد الفراعنة رأى ثعبانين.
"وأما ما أعطي موسى ﵊ أيضًا من اليد البيضاء" اليمنى، بمعنى الكف، كما قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ [طه: ٢٢] الآية، فأدخلها تحت جناحه، أي: جنبه الأيسر تحت الإبط، أو في جيبه، ثم نزعها، فإذا هي بيضاء نورانية من غير سوء، أي: برص، "وكان بياضها يغشى البصر" وغلب شعاعها شعاع الشمس، وكان موسى آدم شديد الأدمة، أي: السمرة: "فأعطي سيدنا محمد ﷺ ؛ أنه لم يزل نورًا ينتقل في أصلاب الآباء، وبطون الأمهات، من لدن آدم إلى أن انتقل إلى عبد الله أبيه" ثم منه إلى آمنة أمه، وكان بينا ظاهرًا في جباههم، "وأعطى ﷺ قتادة بن النعان" الأوسي، البدري، "والحال أنه "قد صلى العشاء في ليلة مظلمة مطيرة" فعيلة بمعنى فاعلة، وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال إنها بمعنى مفعولة، أي: ممطور فيها، لوجود الهاء، إذ لا يقال ممطورة فيها، قال الكرماني. "عرجونًا" أصل العذق الذي يعوج، وتقطع منه الشماريخ، فيبقى على النخل يابسًا، سمي بذلك لانعراجه وانعطافه، ونونه زائدة، وقال: "انطلق به، فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا" من الأذرع، "ومن خلفك عشرًا" من الأذرع، هذا هو المتبادر، ومثله لا ينظر فيه، وذلك أعظم من اليد، فإن خلق الضوء في العرجونстр. 3204
فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا فاضربه عشرًا، حتى يخرج فإنه الشيطان"، فانطلق فأضاء له العرجون حتى دخل بيته ووجد السواد وضربه حتى خرج. رواه أبو نعيم.
وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس: كان عباد بن بشر وأسيد بن حضير عند رسول الله ﷺ في حاجة: حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا, فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها
الحواشي
(١) على هذا الوجه أعظم من البياض الذي في اليد، "فإذا دخلت بيتك فسترى سوادًا، فاضربه حتى يخرج، فإنه الشيطان" على غير صورته الأصلية، فلا ينافيه قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ الآية، قال البيضاوي: ورؤيتهم إيانا من حيث لا نراهم في الجملة، لا تقتضي امتناع رؤيتهم وتمثلهم لنا، "فانطلق، فأضاء له العرجون حتى دخل بيته، ووجد السواد، وضربه حتى خرج، رواه أبو نعيم".
وأخرج أحمد عن أبي سعيد، قال: هاجت السماء، فخرج النبي ﷺ لصلاة العشاء، فبرقت فرأى قتادة بن النعمان، فقال: "ما السري يا قتادة"؟ قال: يا رسول الله! إن شاهد العشاء قليل، فأحببت أن أشهدها، قال: "فإذا صليت فأت" فلما انصرف أعطاه عرجونًا، فقال: "خذ هذا، فسيضيء لك، فإذا دخلت البيت ورأيت سوادًا في زاوية البيت فاضربه قبل أن تتكلم، فإنه شيطان" وأخرج هذه القصة الطبراني، وقال: إنه كان في صورة قنفذ.
"وأخرج البيهقي، وصححه الحاكم عن أنس، قال: كان عباد" بفتح العين، وشد الموحدة "ابن بشر" بكسر الموحدة، وسكون المعجمة، ووقع للقابسي بشير، بفتح أوله، وكسر ثانيه، وزيادة تحتية، وهو غلط نبه عليه في الفتح ابن وقش، بفتح الواو، والقاف، ومعجمة الأنصاري من قدماء الصحابة، أسلم قبل الهجرة، وشهد بدرًا، وأبلى يوم اليمامة بلاء حسنًا، فاستشهد بها، "وأسيد" بضم الهمزة، وفتح السين، "ابن حضير" بضم المهملة، وفتح الضاد المعجمة، ابن سماك الأنصاري، الأشهلي، صحابي جليل، مات سنة عشرين أو إحدى وعشرين، روى البخاري في تاريخه، وأبو يعلى، وصححه الحاكم عن عائشة، قالت: ثلاثة من الأنصار لم يكن أحد يعقد عليهم فضلا، كلهم من بني عبد الأشهل: سعد بن معاذ، وأسيد بن حضر، وعباد بن بشر. "عند رسول الله ﷺ في حاجة" ولعبد الرزاق، تحدثا عنده "حتى ذهب من الليل ساعة، وهي ليلة شديدة الظلمة، ثم خرجا وبيد كل واحد منهما عصا، فأضاءت لهما عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها" إكرامًا لهما ببركة نبيهما، آية له صلى لله عليه وسلم، إذ خص بعض أتباعهстр. 3205
حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشي كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه، ورواه البخاري بنحوه في الصحيح.
وأخرج البخاري في تاريخه والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة الأسلمي قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم وإن أصابعي لتنير.
الحواشي
(١) بهذه الكرامة عند الاحتياج إلى النور وإظهار السر، قوله ﷺ : "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة". رواه أبو داود وغيره وادخر لهما يوم القيامة ما هو أعظم وأتم من ذلك، "حتى إذا افترقت بهما الطريق أضاءت للآخر عصاه، فمشى كل واحد منهما في ضوء عصاه حتى بلغ هديه" أي: مقصده الذي لا يحتاج بعد الوصول إلى ما يرشده، لكن الذي في فتح الباري والمصنف وغيرهما أهله بدل هديه، "ورواه البخاري بنحوه في الصحيح" من رواية قتادة عن أنس: أن رجلين خرجا من عند النبي ﷺ ، فإذا نور بين أيديهما يضيء حتى تفرقا، فتفرق النور معهما لفظ المناقب، ولفظه في الصلاة وعلامات النبوة: ومعها مثل المصباحين يضيئان بين أيديهما فلما افترقا صار مع كل واحد منهما واحد حتى أتى أهله، قال البخاري في المناقب: وقال معمر عن ثابت عن أنس، أن أسيد بن حضير، ورجلا من الأنصار. وقال حماد: أخبرنا ثابت عن أنس، قال: كان أسيد بن حضير وعباد بن بشر عند الني ﷺ .
قال الحافظ: رواية معمر، وصلها عبد الرزاق عنه ومن طريقه الإسماعيلي بلفظ فذكره أعني الحافظ مثل سياق المصنف، قال: ورواية حماد وصلها أحمد والحاكم بلفظ: إن أسيد بن حضير، وعبادًا كانا عند النبي ﷺ في ليلة ظلماء حندس، فلما خرجا أضاءت عصا أحدهما، فمشيا في ضوئها، فلما افترقت بهما الطرق، أضاءت عصا الآخر.
"وأخرج البخاري في تاريخه، والبيهقي وأبو نعيم عن حمزة" بحاء مهملة، ابن عمرو بن عويمر بن الحارث بن سعد "الأسلمي" المدني، كنيته أبو صالح، وقيل: أبو محمد، صحابي جليل، سأل النبي ﷺ عن الصوم في السفر، وكان يسرد الصوم، روى عنه أبو مراوح، مات سنة إحدى وستين، وله إحدى وسبعون، وقيل: ثمانون له في مسلم، والترمذي، والنسائي، وعلق له البخاري، "قال: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فتفرقنا في ليلة ظلماء، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم" أي: ركابهم، "وما هلك" أي: أشرف على الهلاك "منهم" بسبب تفرقهم لما أصابهم من شدة الظلمة، وقد ساقه الشامي بلفظ: وما سقط من متاعهم، وعزاه لمن عزاه له المصنف، فلعلهما روايتان، "وإن أصابعي لتنير" بضم التاء من أنار، أي: تضيء.стр. 3206
ومما أعطيه موسى ﵇ أيضًا انفراق البحر له، أعطي نبينا محمد ﷺ انشقاق القمر -كما مر- فموسى تصرف في عالم الأرض وسيدنا محمد ﷺ تصرف في عالم السماء، والفرق بينهما واضح، وقال ابن المنير: وذكر ابن حبيب أن بين السماء والأرض بحرا يسمى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط، قال: فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبينا ﷺ حتى جاوزه -يعني ليلة الإسراء- قال وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى ﵊.
ومما أعطيه موسى ﵊ إجابة دعائه، أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى.
الحواشي
(١) "ومما أعطيه موسى ﵇ أيضًا انفراق البحر له، أعطي نبينا ﷺ انشقاق القمر، كما مر" فهو نظيره، بل أعظم، "فموسى تصرف في عالم الأرض" بضربه البحر بالعصا، كما أمره الله فانفلق، "وسيدنا محمد ﷺ تصرف في عالم السماء" لما سأل الله انشقاق القمر حين طلبوه منه تعنتًا، "والفرق بينهما واضح".
قال ابن المنير: فإذا عرضت الآيتين على العقول حق العرض، سمت آية السماء على آية الأرض، "وقال ابن المنير" في معراجه: "وذكر ابن حبيب" محمد الأخباري: "أن بين السماء والأرض بحرًا يسمى المكفوف، تكون بحار الأرض بالنسبة إليه كالقطرة من البحر المحيط" بالدنيا، وهو الملح.
"قال" ابن المنير: "فعلى هذا" الذي ذكره ابن حبيب، إن صح "يكون ذلك البحر انفلق لنبينا ﷺ حتى جاوزه" أي: قطعه وفارقه، "يعني: ليلة الإسراء" ومقتضى انفلق؛ أنه صار فرقتين، كما افترق لموسى فرقًا بينهما مسالك، "قال: وهو أعظم من انفلاق البحر لموسى ﵊" لأن بحار الأرض قد يقع فيها زوال الماء في مواضع منها، بحيث تصير فرقًا يمشي في الأرض التي بينها والبحر بين السماء والأرض، لا مقر له من الأرض حتى يسلك فيه، بل هو على صفة الله أعلم بها.
"ومما أعطيه موسى ﵊ إجابة دعائه" في نحو قوله: ﴿رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي، وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي، وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي، يَفْقَهُوا قَوْلِي﴾ الآية، قال الله تعالى: ﴿قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى﴾ , ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ﴾ الآية، "أعطي نبينا ﷺ من ذلك" إجابة دعائه "ما لا يحصى، ومما أعطيه موسى عليهстр. 3207
ومما أعطيه موسى ﵊ تفجير الماء له من الحجارة، أعطي سيدنا محمد ﷺ أن الماء تفجر من بين أصابعه، وهذا أبلغ لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها، ولم تجر العادة بنبع الماء من اللحم، ويرحم الله القائل:
وكل معجزة للرسل قد سلفت ... وافى بأعجب منها عند إظهار
فما العصا حية تسعى بأعجب من ... شكوى البعير ولا من مشي أشجار
ولا انفجار معين الماء من حجر ... أشد من سلسل من كفه جار
ومما أعطيه موسى ﵊ الكلام، أعطي سيدنا محمد ﷺ مثله ليلة الإسراء وزيادة الدنو والتدلي، وأيضًا كان مقام المناجاة في حق نبينا ﷺ فوق السماوات العلى وفوق سدرة المنتهى، والمستوى، وحجب النور والرفوف، ومقام
الحواشي
(١) الصلاة والسلام تفجير الماء له من الحجارة" كما قال تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾ الآية، "أعطي سيدنا محمد ﷺ أن الماء تفجر من بين أصابعه، وهذا أبلغ" في المعجزة؛ "لأن الحجر من جنس الأرض التي ينبع الماء منها" بل قال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ﴾ الآية، "ولم تجر العادة بنبع الماء من اللحم" بل لم يقع لغير المصطفى، كما مر، "ويرحم الله القائل: وكل معجزة للرسل قد سلفت، وافى" أتى "بأعجب منها عند إظهار" الله تعالى له، وتأييده بالمعجزات، "فما العصا حية" حال موطئة، "تسعى" صفتها "بأعجب" خبر ما، "من شكوى البعير، ولا من مشي أشجار"، بل هما أعجب، "ولا انفجار معين الماء من حجر" من إضافة الصفة للموصوف "أشد" أقوى في المعجزة "من سلسل من كفه" متعلق بقوله: "جار" بل هو أشد.
"ومما أعطيه موسى ﵊ الكلام أعطي سيدنا محمد ﷺ مثله ليلة الإسراء، وزيادة الدنو" مجاز عن القرب المعنوي لإظهار منزلته عند ربه، "والتدلي" طلب زيادة القرب؛ كما قال بعضهم: فليس عطف تفسير، والمقصود كما في البيضاوي تمثيل ملكة الاتصال، وتحقيق استماعه لما أوحي إليه بنفي البعد الملبس، "وأيضًا كان مقام المناجاة في حق نبينا ﷺ فوق السماوات العلا وفوق سدرة المنتهى والمستوى" الذي سمع فيه صريف الأقلام، "وحجب النور" بالنسبة للمخلوق "والرفرف" أي: البساط، قاله المصنف، "ومقامстр. 3208
المناجاة لموسى ﵊ بطور سيناء.
وأما ما أعطيه هارون ﵊ من فصاحة اللسان، فقد كان نبينا ﷺ من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل والموضع الذي لا يجهل. ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك فقال: "وما يمنعني وإنما أنزل القرآن بلساني، لسان عربي مبين".
وقد كانت فصاحه هارون غايتها في العبرانية، والعربية أفصح منها. وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ قال ابن المنير: الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة
الحواشي
(١) المناجاة لموسى ﵊ بطور سيناء" جبل موسى بين مصر وأيلة، وقيل: بفلسطين، ولا يخلو من أن يكون الطور اسمًا للجبل، وسيناء: اسم بقعة أضيف إليها، أو المركب منهما علم له كامرئ القيس، كما في البيضاوي.
"وأما ما أعطيه هارون ﵊ من فصاحة اللسان" أي: القدرة على النطق بلا ركة، ولا تلعثم، ومن بلاغة الألفاظ التي يؤدي بها، لأنها التي تحسن المقابلة بينها وبين فصاحة المصطفى، فالمراد باللسان الجارحة واللغة معًا، لا الجارحة فقط بدليل قوله الآتي: فصاحة هارون غايتها في العبرانية، إذ العبرانية لغة لا آلة، "فقد كان نبينا ﷺ من الفصاحة والبلاغة بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل" بل يعلمه كل أحد لما فيه من البلاغة المشاهدة لكل من سمعه، وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند، "ولقد قال له بعض أصحابه: ما رأينا الذي هو أفصح منك؟ " أي: ما رأينا أحدًا هو أفصح منك، بل أنت أفصح من رأيناه على مفاد النفي عرفًا، وإن صدق لغة بالتساوي، وأما إشعاره بأن ثم أفصح منه، لكنهم لم يروه، فليس بمراد إذ يأباه سياقه في مقام المدح، "فقال: وما يمنعني" أي: شيء يمنعني من بلوغ الغاية القصوى في الفصاحة والتميز فيها عن سائر الخلق، بحيث لا يساويني، بل ولا يقاربني فيها أحد، "وإنما أنزل القرآن بلساني" أي: لغتي جملة حالية، قصد بها تحقيق ما انتهى إليه من الفصاحة "لسان" بدل مما قبله "عربي مبين" نعت له، وذكر السان نظرًا لكون اللغة لفظًا، "وقد كانت فصاحة هارون غايتها في" لغته "العبرانية" بكسر العين "والعربية أفصح منها" ومن غيرها، "وهل كانت فصاحة هارون معجزة أم لا؟ ".
"قال ابن المنير" في المعراج: "الظاهر أنها لم تكن معجزة، ولكن فضيلة" لأن حكم الفصاحة مطلقًا الظفر، وإقامة الحجة، وكبت الخصوم، وإفهامهم، وإفحامهم، وإظهار نقائصстр. 3209
ولم يتحد نبي من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا ﷺ ، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز، وهل فصاحته ﷺ في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ وظاهر قوله ﵊: "أوتيت جوامع الكلم" أنه من التحدث بنعمة الله تعالى عليه وخصائصه، ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الإخبار بالمغيبات ونحوها معجزة.
وأما ما أعطيه يوسف ﵊ من شطر الحسن، فأعطي نبينا ﷺ الحسن كله، وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء الله
الحواشي
(١) المتبوعين عند الاتباع، ودرء الشبهة، ودفع الشكوك، كما بسطه ابن المنير، قائلا: "ولم يتحد نبي من الأنبياء بالفصاحة إلا نبينا ﷺ ، لأن هذه الخصوصية لا تكون لغير الكتاب العزيز" لأن غيره لا يقاربه في الفصاحة، ولم يقصد به الإعجاز، وهذا مستأنف لبيان الواقع، ويحتمل أنه عطف علة على معلول، يعني أن فصاحته ليست معجزة، لأنها ما تحدى بها، ولم يثبت أن غير نبينا تحدى بذلك، لكن إنما يتم هذا لو كان التحدي شرطًا، مع أنه ليس بشرط، بل يكفي وقوعها بعد دعوى النبوة، سواء طلب المعارضة به أم لا، وإلا لزم أن أكثر الخوارق ليست معجزة، إذ لم يتحد بغير القرآن، كما مر، "وهل فصاحته" أي: نبينا "﵇" ولفظ ابن المنير: واختلف الناس في فصاحته "في جوامع الكلم التي ليست من التلاوة" أي: القرآن، "ولكنها معدودة من السنة، هل تحدى بها أم لا؟ " كذا في النسخ الصحيحة: هل بلا واو، بدل مفصل من مجمل قوله: أو لا، وهل فصاحته، فهو مساو لجعل ابن المنير قوله: هل بيانًا لقوله: اختلف، فما يوجد في بعض نسخ المصنف، وهل تحدى بزيادة واو فيه شيء، ويحتاج إلى تقدير خبر لقوله: أو لا هل فصاحته، أي: معجزة أم لا؟
"وظاهر قوله ﵊: "أوتيت جوامع الكلم" أنه من التحدث بنعمة الله تعالى عليه" ومزاياه، عنده "وخصائصه" فهو دليل القول؛ بأنه لم يتحد بها، "ولا خلاف أنها باعتبار ما اشتملت عليه من الأخبار بالمغيبات ونحوها معجزة" كالقرآن، ولا يضر اشتماله على بلاغات تزيد عليها؛ لأن الكلام، وإن بلغ أعلى طبقات البلاغة، أو قارب تتفاوت مراتبه.
"وأما ما أعطيه يوسف ﵊ من شطر الحسن" أي: نصفه، "فأعطي نبينا ﷺ الحسن كله" لكن مهابته منعت رؤيته على وجهه، ولذا قال القرطبي: لم يظهر لنا تمام حسنه، لأنه لو ظهر ما أطاقت الأعين رؤيته ﷺ ، "وستأتي الإشارة إلى ذلك إن شاء اللهстр. 3210
في مقصد الإسراء، ومن تأمل ما نقلته من صفته ﵊ تبين له من ذلك التفضيل لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل.
وأما ما أعطيه يوسف ﵊ أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك ثلاثة منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا والشمس والقمر، والثاني: منام صاحبي السجن، والثالث: منام الملك، وقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يدخله الحصر، ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار وجد من ذلك العجب العجاب، وستأتي
الحواشي
(١) تعالى في مقصد الإسراء، ومن تأمل ما نقلته في صفته ﵊" فيما مر أول المقصد الثالث، "تبين له من ذلك التفصيل" بصاد مهملة التبيين "التفضيل" بمعجمة: فاعل تبين "لنبينا على كل مشهور بالحسن في كل جيل" بالجيم.
"وأما ما أعطيه يوسف ﵊ أيضًا من تعبيره الرؤيا، فالذي نقل عنه من ذلك" في القرآن "ثلاثة منامات، إحداها: حين رأى أحد عشر كوكبًا" هي الجريان، وطارق، والذيال، وذو الكتفين، وقابس، ورثاب، وعمودان, والفيلق، والمصبح، والضروح، وذو الفرع، أخرجه الحاكم في مستدركه مرفوعًا، كما في المبهمات، "والشمس والقمر" فعبرهم بأبويه وإخوته.
"والثاني: منام صاحبي السجن" وهما غلامان للملك، أحدهما ساقيه، والآخر صاحب طعامه، رأياه يعبر الرؤيا، فقالا: لنختبرنه، قال الساقي: إني أراني أعصر خمرًا، وقال صاحب الطعام: إني أراني أحمل فوق رأسي خبزًا تأكل الطير منه، فأوله بأن الساقي يخرج بعد ثلاث، فيسقي سيده خمرًا على عادته، وأما الآخر فيخرج بعد ثلاث، فيصلب، فتأكل الطير من رأسه، فقالا: ما رأينا شيئًا، قال قضي الأمر الذي فيه تستفتيان.
"والثالث: منام الملك" ملك مصر الريان بن الوليد: إني أرى سبع بقرات سمان يأكلهن سبع عجاف وسبع سنبلات خضر وأخر، أي: سبع سنبلات يابسات، قال: تزرعون سبع سنين دأبًا، أي: متتابعة، وهذا تأويل السبع السمان، والسنبلات الخضر، ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد، أي: مجدبات، وهي تأويل السبع العجاف واليابسات.
"وقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يدخله الحصر" أي: يضبطه، هذا هو المراد لا الدخول الذي هو الظرف، "ومن تصفح الأخبار وتتبع الآثار، وجد من ذلك العجب العجاب" وإنما لم يوصف بعلم التعبير لاشتغاله بما هو أهم منه من بيان الشرع والجهاد وغير ذلك، ويوسف ﵇ عبر للملك وقت الحاجة، ولصاحبي السجن، فوصف به "وستأتيстр. 3211
نبذة من ذلك إن شاء الله تعالى.
وأما ما أعطيه داود ﵊ من تليين الحديد له، فكان إذا مسح الحديد لان، فأعطي نبينا ﷺ أن العود اليابس أخضر في يده وأورق، ومسح ﷺ شاة أم معبدة الجرباء، فدرت.
وأما ما أعطيه سليمان ﵊ من كلام الطير وتسخير الشياطين والريح، والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي
الحواشي
(١) نبذة" بضم النون "من ذلك إن شاء الله تعالى" في الفصل الثاني من المقصد الثامن.
"وأما ما أعطيه داود ﵊ من تليين الحديد له" كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ الآية، "فكان إذا مسح الحديد لان", الله جعله في يده، كالعجين والشمع يمزقه كيف شاء من غير إحماء، ولا طرق بآلة أو بقوة، "فأعطي نبينا محمد ﷺ ؛ أن العود اليابس اخضر في يده وأورق، ومسح ﷺ شاة أم معبدة الجرباء": صفة شاة "فدرت"، وقصتها في الهجرة مرت.
"وأما ما أعطيه سليمان ﵊ من كلام الطير" أي: نطقه مصدر مضاف لفاعله، أي: أن سليمان علم منطق الطير المعتاد له، لا أن الطير نفسه خرج عن عادته، فنطق بالعربية، كما وقع لنبينا في الظبية والذئب، بل وفي الجماد وغيره، فإنه لم يرد نطق الطير لسليمان وإنما فهم سليمان من تصويته معنى، كما أشار إليه البيضاوي في قوله تعالى: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ﴾ الآية، إذ قال: ولعل سليمان مهما سمع صوته علم بقوته القدسية النخيل الذي صوته، والغرض الذي توخاه به، ومن ذلك ما حكي؛ أنه مر ببلبل يصوت ويرقص، فقال: يقول إذا أكلت نصف تمرة فعلى الدنيا العفاء، وصاحت فاختة، فقال: إنها تقول ليت الخلق لم يخلقوا، فلعل صوت البلبل كان عن شبع وفراغ بال، وصياح الفاختة عن مقاساة: شدة وتألم قلب، "وتسخير الشياطين"، كما قال: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ﴾ الآية، أي: من أن يفسدوا ما عملوا، لأنهم إذا فرغوا من العمل قبل الليل أفسدوه، إن لم يشتغلوا بغيره، وكما قال: والشياطين كل بناء وغواص وآخذت مقرنين في الأصفاد، أي: يبني الأبنية العجيبة، وغواص في البحر يستخرج اللؤلؤ، ومقرنين مشدودين في الأصفاد: القيود بجمع أيديهم إلى أعناقهم ليكفوا عن الشر "والريح" كما قال: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً﴾ الآية، أي: لينه حيث أصاب، أي: أراد ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ ، "والملك الذي لم يعطه أحد من بعده، فقد أعطي سيدنا محمد ﷺ مثل ذلك وزيادة"стр. 3212
سيدنا محمد ﷺ مثل ذلك وزيادة.
أما كلام الطير والوحش فنبينا ﷺ كلمه الحجر، وسبح في كفه الحصى، وهو جماد، وكلمه ذراع الشاة المسمومة -كما تقدم في غزوة خيبر- وكذلك كلمه الظبي وشكا إليه البعير -كما مر- وروي أن طيرًا أفجع بولده فجعل يرفرف على رأسه ويكلمه فيقول: "أيكم فجع هذا بولده"، فقال رجل أنا, فقال: "اردد ولده". ذكره الرازي ورواه أبو داود بلفظ: كنا مع النبي ﷺ في سفر فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة معها فرخان، فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة فجعلت تفرش -أي تدنو- من الأرض، فجاء النبي ﷺ فقال: "من فجع هذه بولدها؟ ردوا ولدها إليها"، الحديث
الحواشي
(١) وبينه بقوله: "أما كلام الطير والوحش، فنبينا ﷺ كلمه الحجر" بكلام فهمه المصطفى وغيره، "وسبح في كفه الحصى" حتى سمعه الحاضرون، "وهو جماد" فهو أبلغ إعجازًا، "وكلمة ذراع الشاة المسمومة، كما تقدم في غزوة خيبر" وهو قوي في الإعجاز، أبلغ من إحياء الإنسان الميت، لأنه جزء حيوان دون بقيته، فهو معجزة لو كان متصلا بالبدن، فكيف وقد أحياه وحده منفصلا عن بقيته مع موت البقية، وأيضًا فقد أعاد عليه الحياة مع الإدراك والعقل، ولم يكن يعقل في حياته، فصار جزؤه حيًا عاقلا، وأقدره الله على النطق والكلام، ولم يكن حيوانه يتكلم، وهذا أبلغ من إحياء الموتى لعيسى، وإحياء الطيور لإبرهيم، "وكذلك كلمه الظبي" والضب، وسمعه حاضروه، "وشكا إليه البعير، كما مر" قريبًا.
"وروي؛ أن طيرًا أفجع" أصيب "بولده، فجعل يرفرف" يبسط جناحيه، يريد أن يقع "على رأسه" ﷺ بدليل قوله: ويكلمه، فيقول: "أيكم، فجع هذا بولده"؟، فقال رجل: أنا، فقال: "اردد ولده"، ذكره الرازي" الإمام فخر الدين، "ورواه أبو داود" والحاكم، وصححه عن ابن مسعود، "بلفظ: كنا مع النبي ﷺ في سفر، فانطلق لحاجته، فرأينا حمرة" بضم الحاء المهملة، وشد الميم المفتوحة، وقد تخفف، وبالراء ضرب من الطير، كالعصفور، "معها فرخان فأخذنا فرخيها، فجاءت الحمرة، فجعلت تفرش" بضم الراء وكسرها، "أي: تدنو من الأرض، فجاء النبي ﷺ " وفي رواية الطيالسي والحاكم: فجاءت الحمرة ترف على رسول الله وأصحابه، فقال: "من فجع هذا بولدها؟ ردوا ولدها إليها" الحديث تتمته: ورأى قرية نمل قد حرقناها، فقال: "من حرق هذه"؟ قلنا: نحن، قال: "إنه لا ينبغي أن يعذب بالنار إلا رب النار" , وقرية النمل موضعه.стр. 3213
وقصة كلام الذئب مشهورة.
وأما الريح التي كانت غدوها شهر ورواحها شهر، تحمله أين أراد من أقطار الأرض، فد أعطي سيدنا محمد ﷺ البراق الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من الفرش إلى العرش في ساعة زمانية، وأقل مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات، وأما إلى المستوى وإلى الرفرف فذلك ما لا يعلمه إلا الله.
الحواشي
(١) وروى الطيالسي، والحاكم، وصححه عن ابن مسعود: كنا عند النبي ﷺ ، فدخل رجل غيضة، فأخرج منها بيض حمرة، فجاءت الحمرة ترف على رسول الله ﷺ وأصحابه، فقال ﷺ : "أيكم فجع هذه"؟.
فقال رجل: أنا يا رسول الله، أخذت بيضها، وفي رواية الحاكم: أخذت فرخيها، فقال: "رده رحمة لها".
وروى الترمذي، وابن ماجه، عن عامر الرام: أن جماعة من الصحابة دخلوا غيضة، فأخذوا فرخ طائر، فجاء الطير إلى رسول الله ﷺ يرف، فقال: "أيكم أخذ فرخ هذا؟ "، فأمره أن يرده فرده، وحكمة الأمر بالرد؛ أنها لما استجارت به أجارها، فوجب ردها، واحتمال كونهم محرمين بعيد مع قوله: رحمة لها، "وقصة كلام الذئب" بكلام الإنس العربي "مشهورة" وتقدمت قريبًا.
"وأما الريح التي كانت غدوها" سيرها من الغدوة بمعنى الصباح إلى الزوال "شهر" أي: مسيرته، ورواحها" أي سيرها من الزوال إلى الغروب "شهر تحمله أين أراد من أقطار الأرض" قال الحسن: كان يغدو من دمشق، ويقيل باصطخر، وبينهما شهر للراكب المسرع، ثم يروح من اصطخر، فيبيت بكابل، وبينهما مسيرة شهر، "فقد أعطي سيدنا محمد ﷺ البراق" بضم الموحدة "الذي هو أسرع من الريح، بل أسرع من البرق الخاطف، فحمله من افرش إلى العرش" عرش الرحمن "في ساعة زمانية، وأقل مسافة في ذلك سبعة آلاف سنة، وتلك مسافة السماوات" لأن بين كل سماء وسماء خمسمائة عام، وسمك كل سماء خمسمائة، فهي سبعة آلاف.
"وأما إلى المستوى وإلى الرفرف، فذلك ما لا يعلمه إلا الله" وفي الشامية أعطي البراق سارية، مسيرة خمسين ألف سنة في أقل من ثلث ليلة، انتهى، وهذا كله على أحد القولين: أن العروج إلى السماوات كان على البراق، والصحيح الذي تقرر من الأحاديث الصحيحة؛ كما قال السيوطي وغيره: إنه كان على المعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، ولذا قال ابن كثير: لما فرغ من أمر بيت المقدس، نصب له المعراج، وهو السلم، فصعد فيه إلى السماء، ولم يكنстр. 3214
وأيضًا: فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبينا ﷺ زويت له الأرض -أي جمعت- حتى رأى مشارقها ومغاربها، وفرق بين من يسعى إلى الأرض, وبين من تسعى له الأرض.
وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد ﷺ وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه وربطه بسارية من سواري المسجد. وخير مما أوتيه سليمان من ذلك إيمان الجن بمحمد ﷺ ، فسليمان استخدمهم ومحمد استسلمهم.
الحواشي
(١) الصعود على البراق، كما قد يتوهم بعض الناس بل كان البراق مربوطًا على باب مسجد بيت المقدس ليرجع عليه إلى مكة، "وأيضًا فالريح سخرت لسليمان لتحمله إلى نواحي الأرض، ونبنيا ﷺ " لا يحتاج إلى ذلك؛ لأنه "زويت له الأرض" بالزاي المنقوطة، أي: جمعت "حتى رأى مشارقها ومغاربها" وما يبلغه ملك أمته منها، "وفرق بين من يسعى إلى الأرض، وبين من تسعى له الأرض" وهو المصطفى.
"وأما ما أعطيه من تسخير الشياطين" في الأعمال الشاقة، كالبناء والغوص يعملون له ما يشاء من محاريب، وهي أبنية مرتفعة، يصعد إليها بدرج وتماثيل: جمع تمثال وهو كل شيء مثلته بشيء، أي: صورًا من نحاس وزجاج، ورخام ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته، وجفان: جمع جفنة، كالجوابي: جمع جابية، وهي حوض كبير يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها، وقدور راسيات ثابتات، لها قوائم لا تحرك عن أماكنها، تتخذ من الجبال باليمن، يصعد إليها بسلالم.
"فقد روي أن أبا الشياطين إبليس اعترض سيدنا محمد ﷺ وهو في الصلاة، فأمكنه الله منه، وربطه بسارية من سواري المسجد" النبوي، لكن الذي روى البخاري عن أبي هريرة عن النبي ﷺ ، قال: "إن الشيطان عرض لي، فشد عليّ ليقطع الصلاة عليّ، فأمكنني الله منه فذعته، ولقد هممت أن أوثقه إلى سارية حتى تصبحوا فتنظروا إليه، فذكرت قول سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ الآية، فرده الله خاسئًا"، وأخرجه مسلم والبخاري أيضًا بلفظ: "إن عفريتا من الجن تفلَّت عليّ البارحة ليقطع عليّ الصلاة"، فذكره، وهذا ظاهر في أن المراد غير إبليس، كما قال الحافظ: وهو نص في أنه تمكن منه، لكنه لم يربطه مراعاة لسليمان, وذعته بذال معجمة، وعين مهملة خفيفة، وفوقية ثقيلة: خنقته خنقًا شديدًا، "وخير مما أوتيه سليمان من ذلك" التسخير "إيمان الجن بمحمد ﷺ ، فسليمان استخدمه" ولم يؤمنوا به، "والنبي ﷺ استسلمهم" ولا شيء أعلى من الإسلام.стр. 3215
وأما عد الجن من جنود سليمان في قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ﴾ [النمل: ١٧] ، فخير منه عد الملائكة، جبريل ومن معه من جملة أجناده ﵊ باعتبار الجهاد وباعتبار تكثير السواد على طريقة الأجناد.
وأما عد الطير من جملة أجناده، فأعجب منه حمامة الغار وتوكيرها في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية، وقد حصلت من أعظم شيء بأيسر شيء.
وأما ما أعطيه من الملك، فنبينا ﷺ خير بين أن يكون نبيًا ملكًا أو نبيًا عبدًا، فاختار ﷺ أن يكون نبيًا عبدًا، ولله در القائل:
يا خير عبد على كل الملوك ولي
وأما ما أعطيه عيسى ﵊ من إبراء الأكمة والأبرص وإحياء
الحواشي
(١) "وأما عد الجن من جنود سليمان في قوله تعالى: ﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ [النمل: ١٧] الآية والطير في مسير له فهم له يوزعون، أي: يجمعون، ثم يساقون، "فخير منه عد الملائكة جبريل ومن معه من جملة أجناده ﵇، باعتبار الجهاد" وفي بدر العظمى، "وباعتبار تكثير السواد" في غيرها لإرهاب العدو "على طريقة الأجناد"، كما وقع في أحد والخندق وحنين؛ كما مر بيانه في محله.
"وأما عد الطير من جملة أجناده" في الآية الكريمة، "فأعجب منه حمامة الغار" أي: جنسها، فلا ينافي كونهما حمامتين، كما مر في الهجرة "وتوكيرها" أي: اتخاذها الوكر "في الساعة الواحدة، وحمايتها له من عدوه، والغرض من استكثار الجند إنما هو الحماية" من الأعداء، "وقد حصلت من أعظم شيء" وهم كفار قريش الذين خرجوا في طلبه، وجعلوا مائة ناقة لمن رده أو قتله "بأيسر شيء" وهو تعشيش الحمامة، "وأما ما أعطيه من الملك" بطلبه، "فنبينا ﷺ خير" بلا طلب "بين أن يكون نبيًا ملكًا، أو نبيًا عبدًا" أو بمعنى الواو؛ كقوله:
قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع
لأن بين ظرف مبهم لا يبين معناه إلا بإضافته إلى اثنين فصاعدًا، أو ما يقوم مقام ذلك؛ كقوله: عوان بين ذلك، كما بين في موضعه"، "فاختار ﷺ أن يكون نبيًا عبدًا، ولله در القائل: يا خير عبد على كل الملوك ولي" أي: جعلت له الولاية عليهم، وكفى بذلك شرفًا.
وأما ما أعطيه عيسى ﵊ من إبراء الأكمه" الذي ولد أعمي،стр. 3216
الموتى، فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه رد العين إلى مكانها بعدما سقطت فعادت أحسن ما كانت، وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ لا أؤمن بك حتى تحيي لي ابنتي وفيه أنه ﷺ أتى قبرها فقال: "يا فلانة"، فقالت: لبيك وسعديك يا رسول الله، الحديث، وقد مر. وروي أن امرأة معاذ بن عفراء -كانت برصاء- فشكت إلى رسول الله ﷺ فمسح عليها بعصا فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازي، وأيضًا قد سبح الحصى في كفه، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى لأن هذا من جنس ما لا يتكلم.
الحواشي
(١) "والأبرص" وخصا؛ لأنهما مرضا إعياء، وكان بعثه في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين ألفًا بالدعاء، بشرط الإيمان، وقدمت ما كان يدعو به، "وإحياء الموتى" بإذن الله، فأحيا عازر صديقًا له، وابن العجوز، وابنه العاشر، فعاشوا، وولد لهم وسام بن نوح، ومات في الحال، وكان المصنف اقتصر على هذه الثلاثة لاشتهارها دون بقية معجزاته وإلا فصدر الآية: ﴿أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ، وآخرها تأتي الإشارة إليه ومن معجزاته، المائدة وغير ذلك، "فأعطي سيدنا محمد ﷺ أنه رد العين" لقتادة "إلى مكانها بعدما سقطت" على وجنته، "فعادت أحسن ما كانت" فهذا أبلغ من إبراء الأكمه، لأن عينيه في مكانهما.
"وروي أن امرأة معاذ بن عفراء، وكانت برصاء، فشكت" الفاء زائدة في خبر أن عند من يجيزه، "ذلك إلى رسول الله ﷺ ، فمسح عليها بعصا" ولم يمسها بيده، لأنها أجنبية، ولم يمس أجنبية أبدًا، وإشارة لغيره؛ وإن كان هو سيد أهل اليقين إلى أنه لا ينبغي مس محل البرص ونحوه، مخافة أن يصاب به الماس، فيتوهم أنه أعداه، "فأذهب الله البرص منها، ذكره الرازي، وأيضًا فقد سبح الحصى في كفه، وسلم عليه الحجر، وحن لفراقه الجذع، وذلك أبلغ من تكليم الموتى؛ لأن هذا من جنس ما لا يتكلم" لم يقل من جنس ما لم تحله الحياة للخلاف في أن نطق الجماد هل هو بعد تصييره حيًا، أو مع بقائه على كونه جمادًا وإحياء الجماد أبلغ من إحياء الموتى.
قال ابن كثير: حلول الحياة والإدراك والعقل في الحجر الذي كان يخاطبه ﷺ أبلغ من حياة الحيوان في الجملة؛ لأنه كان محلا للحياة في وقت، بخلاف هذا لا حياة فيه بالكلية قبل ذلك، وكذلك تسليم الأحجار، والمدر، والشجر، وحنين الجذع، وجعل أبو نعيم نظير خلق الطين طيرًا، جعل العسيب سيفًا، كما تقدم.стр. 3217
وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ : لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه ﷺ قال: "أرني قبرها" وأتى قبرها فقال: "يا فلانة" فقالت: لبيك وسعديك ... الحديث، وقد مر.
وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم،
الحواشي
(١) "وفي دلائل النبوة للبيهقي قصة الرجل الذي قال للنبي ﷺ : لا أومن بك حتى تحيي لي ابنتي، وفيه: أنه ﷺ " قال: "أرني قبرها"، وأتى قبرها فقال: "يا فلانة" باسمها الخاص فكنى عنه الراوي بفلانة لنحو نسيان، "فقالت: لبيك وسعديك ... الحديث، وقد مر" جميع ذلك الذي من جملته بقية الحديث قريبًا، وحاصل ما ذكره أن المصطفى شارك عيسى في إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى، وزاد بتكليم الجماد له، وإياء الجزء من الحي بعد انفصاله، كرد العين والذراع المسمومة، ولم يعهد مثله، وترك المصنف من آيات عيسى ﵊ المائدة؛ لقول ابن المنير: لا يلزمنا إثبات نظيرها لنبينا، لأنها كانت محنة لبني إسرائيل، لا نعمة، لأنهم لعنوا بسببها، كما جاء في تفسير قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية، على لسان داود وعيسى ابن مريم؛ إنهم أصحاب المائدة، كفروا بعدها فلعنوا، ولم تقبل منهم توبة أبدًا، قال: وعلى تقدير شائبة الكرامة في إجابة دعوة عيسى، فنظير ذلك لنبينا إجابته حين خفت أزواد القوم، فجمعها فكانت كربضة العنز، ولا جفاء أنه طعام أقل من عشرة، فدعا بالبركة، فملأ الناس، وهم زهاء ألف ونيف أوعيتهم، والطعام بحاله، فهذه مائدة نزلت من السماء وطعام مبارك، قال الله: ﴿كُنْ﴾ الآية، فكان بدون تهديد، ولا وعيد، ولا تشديد، ولا محنة، ولا فتنة، ولا سد باب التوبة، بتقدير كفران النعمة، بل كانت نعمة محض، انتهى.
وفي الشامية تقدم نظير ذلك لنبينا؛ أنه أتي بطعام من السماء في عدة أحاديث تقدمت، وروى البيهقي عن أبي هريرة، قال: أتى رجل أهله، فرأى ما بهم من الحاجة، فخرج إلى البرية، فقالت امرأته: اللهم ارزقنا ما نعجن ونخبز، فإذا الجفنة ملأى خميرًا، والرحى تطحن، والتنور ملأى خنوب شواء، فجاء زوجها وسمع الرحى، فقامت إليه لتفتح له الباب، قال: ماذا كنت تطحنين؟ فأخبرته وإن رحاهما لتدور وتصب دقيقًا، فلم يبق في البيت وعاء إلا ملئ، فرفع الرحى، وكنس ما حولها، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ ، قال: "ما فعلت بالرحى"؟ قال: رفعتها ونفضتها، فقال ﷺ : "لو تركتموها ما زالت كما هي لكم حياتكم" وفي رواية: "لو تركتموها لدارت إلى يوم القيامة".
"وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من أنه كان يعرف ما تخفيه الناس في بيوتهم" كما قال تعالى: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، أي: بالمغيبات منстр. 3218
فقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى، وسيأتي إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي.
وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء، فقد أعطي نبينا ﷺ ذلك ليلة المعراج، وزاد في الترقي لمزيد الدرجات وسماع المناجاة والحظوة في الحضرة المقدسة بالمشاهدات.
وبالجملة: فقد خص الله تعالى سيدنا محمد ﷺ من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والتسليم.
وقد روى جابر عنه ﷺ أنه قال:
الحواشي
(١) أحوالكم التي لا تشكون فيها، فكان يخبر الشخص بما أكل وبما يأكل بعد، "فقد أعطي نبينا ﷺ من ذلك ما لا يحصى، ويأتي إن شاء الله تعالى ما يكفي ويشفي" في المقصد الثامن.
"وأما ما أعطيه عيسى أيضًا من رفعه إلى السماء" حيًا، أو بعد أن مات قولان أصحهما الأول، وعليه فقال بعضهم: صار كالملائكة في زوال الشهوة، ونقل البغوي وغيره عن قتادة: أن عيسى قال لأصحابه: أيكم يقذف عليه شبهي فإنه مقتول، فقال رجل: أنا، فقتل، ومنع الله عيسى، ورفعه إليه، وكساه الريش، وألبسه النور، وقطع عنه لذة المطعم والمشرب، فطار مع الملائكة، فهو معهم حول العرش، فكان إنسيًّا، ملكيًّا، سماويًّا، أرضيًّا، ولذا قلت في جواب سؤال:
وقد صار عيسى بعد رفع إلى السما ... كالأملاك لا يشرب ولا هو يأكل
كما قاله الحبر الإمام قتادة ... فتنظير بعض فيه تقصير يجعل
"فقد أعطي نبينا ﷺ ذلك ليلة المعراج، وزاد في" الأول حذفها لظهور أن المراد، أنه شارك عيسى في العروج، وزاد علي "الترقي لمزيد الدرجات" التي ما وصل إليها نبي ولا ملك، ولفظة في تقتضي مشاركته في الترقي "وسماع المناجاة" كلام الله تعالى، "والحظوة" بضم الحاء وكسرها: المحبة ورفعة المنزلة "في الحضرة المقدسة بالمشاهدات" وهذا تفصيل بعض ما أوتيه في نظير ما أوتيه الأنبياء الذين ذكرهم، "وبالجملة فقد خص الله تعالى سيدنا محمدًا ﷺ من خصائص التكريم بما لم يعطه أحدًا من الأنبياء عليهم الصلاة والتسليم" وتفصيل ذلك متعسر أو متعذر.
"وقد روى جابر" بن عبد الله، "عنه ﷺ ، أنه قال" في غزوة تبوك، كما في حديثстр. 3219
"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، كان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا
الحواشي
(١) عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند الإمام أحمد: "أعطيت" بضم الهمزة "خمسًا" أي: خمس خصال، "لم يعطهن أحد" من الأنبياء "قبلي" قال الحافظ: ظاهر الحديث أن كل واحدة من الخمس المذكورات لم تكن لأحد قبله، وهو كذلك، ولا يعترض بأن نوحًا كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان؛ لأنه لم يبق إلا من آمن معه، وقد كان مرسلا إليهم؛ لأن هذا العموم لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس، وأما نبينا ﷺ ، فعموم رسالته من أصل بعثته، فثبت اختصاصه بذلك، وفيه أجوبة أخرى تأتي قريبًا، "كان كل نبي يبعث إلى قومه" المبعوث إليهم "خاصة، وبعثت إلى كل أحمر وأسود" قال الحافظ: المراد بالأحمر العجم، وبالأسود العرب، وقيل: الأحمر الإنس، والأسود الجن، وعلى الأول التنصيص على الإنس من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى؛ لأنه مرسل إلى الجميع، انتهى، أي: بالأقرب، وهم الإنس عجمًا وعربًا على الأبعد وهم الجن، وهذا لفظ مسلم ولفظ البخاري في التيمم: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، وكذا لفظه في الصلاة، لكنه قال: كافة بدل عامة، ولمسلم من حديث أبي هريرة: "وأرسلت إلى الخلق كافة"، وهي أصرح الروايات وأشملها، فهي حجة لمن ذهب إلى إرساله إلى الملائكة لظاهر قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الآية، ويأتي بسطه، "وأحلت لي الغنائم" وللكشميهني: المغانم، بميم قبل الغين، وهي رواية مسلم، "ولم تحل لأحد قبلي".
قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن لهم فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته، وقيل: المراد أنه خاص بالتصرف في الغنيمة، يصرفها حيث شاء والأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلا، ذكره الحافظ، "وجعلت لي الأرض مسجدًا" أي موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك، وفي رواية أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: وكان من قبلي، إنما يصلون في كنائسهم، وللبزار من حديث ابن عباس: ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه، "وطهورًا" بفتح الطاء على المشهور، واحتج به أبو حنيفة ومالك على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض، وخصه الشافعي وأحمد بالتراب، لما في مسلم من حديث حذيفة: "وجعلت لنا الأرضстр. 3220
فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان ونصرت بالرعب مسيرة شهر
الحواشي
(١) كلها مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا" وتعقب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره.
وأما رواية ابن خزيمة وغيره الحديث بلفظ: "وجعل ترابها"، وقوله في حديث علي: "وجعل التراب لي طهورًا" , رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، فالنص على التراب في هاتين الروايتين لبيان أفضليته لا لأنه لا يجزئ غيره، وليس مخصصًا لعموم قوله: "وطهورًا"؛ لأن شرطه أن يكون منافيًا، ولذا قال القرطبي هو من باب النص على بعض أشخاص العموم؛ كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ [الرحمن: ٦٨] الآية، انتهى.
واستدل به على أن الطهور هو المطهر لغيره، إذ لو كان المراد الطاهر لم تثبت الخصوصية، والحديث إنما سبق لإثباتها، وقد روى ابن المنذر، وابن الجارود، بإسناد صحيح، عن أنس مرفوعًا: "جعلت لي كل أرض طيبة مسجدًا وطهورًا"، ومعنى طيبة طاهرة، فلو كان معنى طهورًا طاهرًا للزم تحصيل الحاصل، "فأيما رجل" كائن "من أمتي أدركته الصلاة" جملة في موضع جر، صفة لرجل، وأي مبتدأ فيه معنى الشرط، وما زائدة للتعميم، ورجل مضاف إليه، وفي رواية أبي أمامة عند البيهقي: "فأيما رجل من أمتي أتى الصلاة، فلم يجد ماء، وجد من الأرض طهورًا ومسجدًا".
وعند أحمد: فعنده طهوره ومسجده، "فليصل حيث كان" خبر المبتدأ، أي: بعد أن يتيمم، أو حيث أدركته الصلاة، ولأحمد عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: فأينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت.
قال ابن التين: قيل: المراد جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا لا طهورًا؛ لأن عيسى كان يسبح في الأرض ويصلي حيث أدركته في أماكن مخصوصة، كالبيع والصوامع، ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم"، وهذا نص في موضع النزاع، فثبتت الخصوصية، وللبزار، ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه، قاله الحافظ، وتبرعنا به هنا تبعًا للشيخ، مع أن المصنف ذكره قريبًا بعد ذلك، وعلى ظاهر ما رجحه يسقط عنهم وجوب الأداء، ويقضون إذا رجعوا، وبه جزم بعض شراح الرسالة القيروانية، ويؤيده ظاهر قوله: "حتى يبلغ محرابه"، فما قيل هل يسقط عنهم مطلقًا أو محل الحصر في الكنائس ونحوها في الحضر لا في السفر، ويكون محل خصوصيتنا الصلاة بأي محل، ولو بجوار المسجد مع سهولة الصلاة فيه، انظره فيه قصور، ويمنع الثاني أن القيد لا بد له من دليل، مع أن ظاهر قوله: حتى يبلغ محرابه خلافه، " ونصرت بالرعب" بضم الراء: الخوف، زاد أحمد عن أبي أمامة: يقذف في قلوب أعداي "مسيرة شهر" غيابه، لأنه لم يكن بين بلدهстр. 3221
وأعطيت الشفاعة"، رواه البخاري. وفي رواية: "وبعثت إلى الناس كافة".
وزاد البخاري في روايته -في الصلاة- عن محمد بن سنان: من الأنبياء.
وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله فخرًا".
الحواشي
(١) وبين أعدائه أكثر منه في ذلك الوقت، وهذه الخصوصية حاصلة له مطلقًا حتى لو كان وحده بلا عسكر، وفي حصولها لأمته بعده احتمال أصله خبر أحمد الرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا.
وعن ابن عباس: مسيرة شهرين، وعن السائب بن يزيد: "ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي"، رواهما الطبراني، ورواية السائب مبينة لمعنى رواية ابن عباس. "وأعطيت الشفاعة" العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، كما جزم به النووي وغيره، قال للعهد، كما قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، ويأتي بسطه، "رواه البخاري" ومسلم واللفظ له، فلو عزاه لهما لاستقام، ولفظ البخاري في التيمم عن شيخه سعيد بن النضر: أنا هشيم, أنا سيار, حدثنا يزيد, أنا جابر أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، ومعلوم أن أل في النفي للاستغراق، فيساوي رواية كل نبي، لكن قد رأيت ما فيه من التقديم والتأخير، فما الحامل على العز, وللبخاري: والإتيان بلفظ مسلم وإن اتحد المعنى.
"وفي رواية" هي رواية البخاري في الصلاة: "وبعث إلى الناس كافة" بدل عامة، وهما بمعنى، "وزاد البخاري في روايته" هذا الحديث "في" باب قول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" من كتاب "الصلاة عن" شيخه "محمد بن سنان" بكسر المهملة، وخفة النون الباهلي، البصري، العوقي، بفتح المهملة والواو بعدها قاف ثقة ثبت مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، أي: عن هشيم بهذا الإسناد بعد قوله: "لم يعطهن أحد "من الأنبياء" قبلي"، وساقه بلفظ التيمم لكنه عبر بكافة بدل عامة، وجعل وأعطيت الشفاعة ختام الحديث، قال الحافظ ﵀: مدار حديث جابر هذا على هشيم بهذا الإسناد، وله شاهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى وأبي ذر، ومن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان، انتهى.
"وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي" أي: من اتصف بالنبوة، فدخل في ذلك الرسل، إذ لا يوجد رسول إلا وهو نبي، ويدل على المراد قوله: "وأحلت لي الغنائم، إذ الأنبياء لم يكن لهم غنائم"، "ولا أقوله فخرًا" بل تحدثا بالنعمة لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِстр. 3222
وفيه: "وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا". وإسناده كما قال ابن كثير جيد.
وليس المراد حصر خصائصه ﵊ في هذه الخمس المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة
الحواشي
(١) رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ الآية، وفيه: "وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا" وإن فعل المعاصي، وفي رواية عمرو بن شعيب: "فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله".
قال الحافظ: فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة به في هذا الحديث إخراج من ليس له عمل إلا التوحيد، وهو مختص أيضًا بالشفاعة الأولى، أي في فصل القضاء، لكن جاء التنويه بذكر هذه، لأنها غاية المطلوب عن تلك، لاقتضائها الراحة المستمرة، وقد ثبتت هذه في رواية البخاري في التوحيد: "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله"، ولا تعكر عليه رواية مسلم، فيقول: "وعزتي ليس ذاك لك وعزتي" ... إلخ؛ لأن المراد أن لا يباشر الإخراج، كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة، "وإسناده كما قال ابن كثر جيد" أي: مقبول، "وليس المراد حصر خصائصه ﵊ في هذه الخمس المذكورة" كما يعطيه المفهوم، "فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا" أي أنه قال عن النبي ﷺ : "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم" أي: جمع المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة، وقيل: إيجاز الكلام في اتساع من المعنى، فالكلمة القليلة الحروف تتضمن كثيرًا من المعاني وأنواعًا من الكلام، "ونصرت بالرعب" يقذف في قلوب أعدائي مسيرة شهر، وللطبراني عن السائب بن يزيد: "ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي"، "وجعلت لي الأرض مسجدًا" وطهورًا، بفتح الطاء، وفيه أن الأصل في الأرض الطهارة وأن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك، وأما حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فضعيف، أخرجه الدارقطني من حديث جابر، واستدل به صاحب المبسوط من الحنفية على إظهار كرامة الآدمي، قال: لأن الآدمي خلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلا منهما طهور، ففي ذلك بيان كرامته، قال في الفتح، "وأرسلت إلى الخلق كافة" إرسالة عامة محيطة بهم، لأنهاстр. 3223
وختم بي النبيون" فذكر الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون، فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال.
ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي: "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش"، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر.
الحواشي
(١) إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، وهذا أصرح الروايات وأشملها، فهي مؤيدة لمن ذهب إلى إرساله إلى الملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الآية، ويأتي بسطه في كلام المصنف، "وختم بي النبيون" أي: أغلق باب الوحي والرسالة، وسد لكمال الدين، وتصحيح الحجة، فلا نبي بعده، وعيسى إنما ينزل بتقرير شرعه.
قال الحافظ العراقي: وكذا الخضر وإلياس بناء على نبوة الخضر وبقائهما إلى الآن، فكل تابع لأحكام هذه الملة، "فذكر" أبو هريرة في حديثه "الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: "وأعطيت" الأولى حذف الواو، لأنها ليست في الحديث "جوامع الكلم وختم بي النبيون" فتحصل منه، ومن حديث جابر سبع خصال، ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة" بن اليمان مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث" من الخصال "جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" قال الزين العراقي: المراد به التراص وإتمام الصوف الأول، فالأول في الصلاة، فهو من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم السابقة يصلون منفردين، وكل واحد على حدة، "وذكر خصلة الأرض، كما تقدم", "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا"، "قال: وذكر خصلة أخرى" أبهمها نسيانًا أو نحوه، "وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة، والنسائي" والإمام أحمد، وهي: "وأعطيت هذه الآيات في آخر سورة البقرة" ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية، "من كنز تحت العرش" قال العراقي: معناه أنها ادخرت له، وكنزت، فلم يؤتها أحد قبله، وكثير من آي القرآن منزل في الكتب السابقة باللفظ أو المعنى، وهذه لم يؤتها أحد، وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤت غيره لكن في هذه خصوصية لهذه الأمة، وهي وضع الإصر الذي على من قبل، ولذا قال في بقية الرواية: "لم يعطها نبي قبلي" انتهى، وإليه يومئ قوله: "يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته منстр. 3224
وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا.
ولأحمد من حديث عليّ: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم"، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة.
وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه".
الحواشي
(١) الإصر" الأمر الذي يثقل حمله، كقتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وفرض موضع النجاسة، "وتحميل ما لا طاقة" قوة "لهم به" من التكاليف والبلاء، "ورفع الخطأ" ترك الصواب لا عن عمد، "والنسيان، فصارت الخصال تسعًا، ولأحمد من حديث عليّ" مرفوعًا: "وأعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي: أعطيت مفاتيح" جمع مفتاح بالكسر: اسم للآلة التي يفتح بها، وهو في الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، قاله ابن الأثير، "الأرض" وفي رواية: خزائن الأرض، استعارة لوعد الله تعالى بفتح البلاد: جمع خزانة، ما يخزن فيه الأموال، وهي مخزونة عند أهل البلاد قبل فتحها، أو المراد خزائن العلم بأسره، ليخرج لهم بقدر ما يستحقونه فكل ما ظهر في العالم، فإنما يعطيه الذي بيده المفتاح، بإذن المفتاح كذا أوله بعضهم، وإجراؤه على ظاهره أولى؛ لحديث جابر عند أحمد برجال الصحيح، وصححه ابن حبان وغيره مرفوعًا، "أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، عليه قطيفة من سندس"، "وسميت أحمد" فلم يسم به أحد قبله، حماية من الله لئلا يدخل لبس على ضعيف اليقين، أو شك في أنه هو المنعوت بأحمد في الكتب السالفة، "وجعلت أمتي خير الأمم" بنص: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، وشرفها من شرفه، "وذكر خصلة التراب" فقال: "وجعل لي التراب طهورًا"، "فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة".
"وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء" بست، وبين ما فضل به بقوله: "غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر" أي: حيل بيني وبين الذنوب، فسترت عني، فلم آتها على أوجه محامله، ويأتي بسطه، "وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر" نهر في الجنة؛ كما صح عن مسلم، "وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه" وفي أنه حقيقي، وعند الله علم حقيقته، أو تصوير لعظمته وانفراده بالمقامстр. 3225
وذكر ثنتين مما تقدم.
وله من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم". قال: ونسيت الأخرى.
فينتظم بها سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع.
وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" أن عدد الذي خص به ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله ﷺ اطلع أولا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله
الحواشي
(١) الذي تحمده الخلائق قولان ويأتي، "وذكر ثنتين مما تقدم" من الخصال تمام الست، "وله" أي: البزار من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا، فأعانني الله عليه فأسلم" بفتح الميم، أي: آمن بي قطعًا، إذ هذا اللفظ لا يحتمل غير هذا، فأما الذي حكى فيه النووي وغيره روايتين الفتح والضم، فإنما هو حديث مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن" , قالوا: وإياك؟ قال: "وإياي إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" روي هذا بفتح الميم وضمها، وصحح الخطابي الرفع، ورجح القاضي عياض والنووي الفتح، وهو المختار.
"قال" الراوي ابن عباس أو من دونه: "ونسيت الأخرى" وهي مبينة في رواية البيهقي في الدلائل عن ابن عمر مرفوعًا: "فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه حتى أسلم، وكن أزواجي عونًا لي وكان شيطان آدم كافرًا، وكانت زوجته عونًا عليه"، "فينتظم" يجتمع "بها" بهذه الأحاديث "سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع" للأحاديث.
"وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى؛ أن عدد الذي خص به ﷺ " على الأنبياء "ستون خصلة، وطريق الجمع" بين مختلف هذه الأحاديث من ست، وخمس، وثلاث، وأربع، وثنتين، "أن يقال: لعله ﵇ اطلع أولا على بعض ما اختص به" فأخبر به، "ثم اطلع على الباقي" فحدث به، إذ لا ينطق عن الهوى، وهذا عند من يحتج بمفهوم العدد، "ومن لا يرى مفهوم العدد حجة" وإن كان نصًا في مدلوله "يدفع هذا الإشكال من أصله" إذ الإخبار بعدد لا يخفي غيره، وهذا الذي ساقه المصنف بعد حديث جابر إلى هنا من فتح الباري.следующие страницы →