Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
وأعطيت الشفاعة"، رواه البخاري. وفي رواية: "وبعثت إلى الناس كافة".
وزاد البخاري في روايته -في الصلاة- عن محمد بن سنان: من الأنبياء.
وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي، ولا أقوله فخرًا".
الحواشي
(١) وبين أعدائه أكثر منه في ذلك الوقت، وهذه الخصوصية حاصلة له مطلقًا حتى لو كان وحده بلا عسكر، وفي حصولها لأمته بعده احتمال أصله خبر أحمد الرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا.
وعن ابن عباس: مسيرة شهرين، وعن السائب بن يزيد: "ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي"، رواهما الطبراني، ورواية السائب مبينة لمعنى رواية ابن عباس. "وأعطيت الشفاعة" العظمى في إراحة الناس من هول الموقف، كما جزم به النووي وغيره، قال للعهد، كما قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب، ويأتي بسطه، "رواه البخاري" ومسلم واللفظ له، فلو عزاه لهما لاستقام، ولفظ البخاري في التيمم عن شيخه سعيد بن النضر: أنا هشيم, أنا سيار, حدثنا يزيد, أنا جابر أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة"، ومعلوم أن أل في النفي للاستغراق، فيساوي رواية كل نبي، لكن قد رأيت ما فيه من التقديم والتأخير، فما الحامل على العز, وللبخاري: والإتيان بلفظ مسلم وإن اتحد المعنى.
"وفي رواية" هي رواية البخاري في الصلاة: "وبعث إلى الناس كافة" بدل عامة، وهما بمعنى، "وزاد البخاري في روايته" هذا الحديث "في" باب قول النبي ﷺ : "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" من كتاب "الصلاة عن" شيخه "محمد بن سنان" بكسر المهملة، وخفة النون الباهلي، البصري، العوقي، بفتح المهملة والواو بعدها قاف ثقة ثبت مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، أي: عن هشيم بهذا الإسناد بعد قوله: "لم يعطهن أحد "من الأنبياء" قبلي"، وساقه بلفظ التيمم لكنه عبر بكافة بدل عامة، وجعل وأعطيت الشفاعة ختام الحديث، قال الحافظ ﵀: مدار حديث جابر هذا على هشيم بهذا الإسناد، وله شاهد من حديث ابن عباس، وأبي موسى وأبي ذر، ومن رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، رواها كلها أحمد بأسانيد حسان، انتهى.
"وعند الإمام أحمد: "أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي" أي: من اتصف بالنبوة، فدخل في ذلك الرسل، إذ لا يوجد رسول إلا وهو نبي، ويدل على المراد قوله: "وأحلت لي الغنائم، إذ الأنبياء لم يكن لهم غنائم"، "ولا أقوله فخرًا" بل تحدثا بالنعمة لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِстр. 3222
وفيه: "وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا". وإسناده كما قال ابن كثير جيد.
وليس المراد حصر خصائصه ﵊ في هذه الخمس المذكورة. فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "فضلت على الأنبياء بست، أعطيت جوامع الكلم، ونصرت بالرعب وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وأرسلت إلى الخلق كافة
الحواشي
(١) رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ الآية، وفيه: "وأعطيت الشفاعة فاخترتها لأمتي، فهي لمن لا يشرك بالله شيئًا" وإن فعل المعاصي، وفي رواية عمرو بن شعيب: "فهي لكم ولمن يشهد أن لا إله إلا الله".
قال الحافظ: فالظاهر أن المراد بالشفاعة المختصة به في هذا الحديث إخراج من ليس له عمل إلا التوحيد، وهو مختص أيضًا بالشفاعة الأولى، أي في فصل القضاء، لكن جاء التنويه بذكر هذه، لأنها غاية المطلوب عن تلك، لاقتضائها الراحة المستمرة، وقد ثبتت هذه في رواية البخاري في التوحيد: "ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله"، ولا تعكر عليه رواية مسلم، فيقول: "وعزتي ليس ذاك لك وعزتي" ... إلخ؛ لأن المراد أن لا يباشر الإخراج، كما في المرات الماضية، بل كانت شفاعته سببًا في ذلك في الجملة، "وإسناده كما قال ابن كثر جيد" أي: مقبول، "وليس المراد حصر خصائصه ﵊ في هذه الخمس المذكورة" كما يعطيه المفهوم، "فقد روى مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا" أي أنه قال عن النبي ﷺ : "فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم" أي: جمع المعاني الكثيرة في ألفاظ يسيرة، وقيل: إيجاز الكلام في اتساع من المعنى، فالكلمة القليلة الحروف تتضمن كثيرًا من المعاني وأنواعًا من الكلام، "ونصرت بالرعب" يقذف في قلوب أعدائي مسيرة شهر، وللطبراني عن السائب بن يزيد: "ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي"، "وجعلت لي الأرض مسجدًا" وطهورًا، بفتح الطاء، وفيه أن الأصل في الأرض الطهارة وأن صحة الصلاة لا تختص بالمسجد المبني لذلك، وأما حديث: "لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد" فضعيف، أخرجه الدارقطني من حديث جابر، واستدل به صاحب المبسوط من الحنفية على إظهار كرامة الآدمي، قال: لأن الآدمي خلق من ماء وتراب، وقد ثبت أن كلا منهما طهور، ففي ذلك بيان كرامته، قال في الفتح، "وأرسلت إلى الخلق كافة" إرسالة عامة محيطة بهم، لأنهاстр. 3223
وختم بي النبيون" فذكر الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: وأعطيت جوامع الكلم وختم بي النبيون، فتحصل منه ومن حديث جابر سبع خصال.
ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" وذكر خصلة الأرض كما تقدم، قال: وذكر خصلة أخرى. وهذه الخصلة المبهمة قد بينها ابن خزيمة والنسائي، وهي: "وأعطيت هذه الآيات من آخر سورة البقرة من كنز تحت العرش"، يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته من الإصر.
الحواشي
(١) إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، وهذا أصرح الروايات وأشملها، فهي مؤيدة لمن ذهب إلى إرساله إلى الملائكة؛ كقوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الآية، ويأتي بسطه في كلام المصنف، "وختم بي النبيون" أي: أغلق باب الوحي والرسالة، وسد لكمال الدين، وتصحيح الحجة، فلا نبي بعده، وعيسى إنما ينزل بتقرير شرعه.
قال الحافظ العراقي: وكذا الخضر وإلياس بناء على نبوة الخضر وبقائهما إلى الآن، فكل تابع لأحكام هذه الملة، "فذكر" أبو هريرة في حديثه "الخمسة المذكورة في حديث جابر إلا الشفاعة، وزاد خصلتين وهما: "وأعطيت" الأولى حذف الواو، لأنها ليست في الحديث "جوامع الكلم وختم بي النبيون" فتحصل منه، ومن حديث جابر سبع خصال، ولمسلم أيضًا من حديث حذيفة" بن اليمان مرفوعًا: "فضلنا على الناس بثلاث" من الخصال "جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" قال الزين العراقي: المراد به التراص وإتمام الصوف الأول، فالأول في الصلاة، فهو من خصائص هذه الأمة، وكانت الأمم السابقة يصلون منفردين، وكل واحد على حدة، "وذكر خصلة الأرض، كما تقدم", "وجعلت لنا الأرض مسجدًا وتربتها طهورًا"، "قال: وذكر خصلة أخرى" أبهمها نسيانًا أو نحوه، "وهذه الخصلة المبهمة بينها ابن خزيمة، والنسائي" والإمام أحمد، وهي: "وأعطيت هذه الآيات في آخر سورة البقرة" ﴿آَمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية، "من كنز تحت العرش" قال العراقي: معناه أنها ادخرت له، وكنزت، فلم يؤتها أحد قبله، وكثير من آي القرآن منزل في الكتب السابقة باللفظ أو المعنى، وهذه لم يؤتها أحد، وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤت غيره لكن في هذه خصوصية لهذه الأمة، وهي وضع الإصر الذي على من قبل، ولذا قال في بقية الرواية: "لم يعطها نبي قبلي" انتهى، وإليه يومئ قوله: "يشير إلى ما حطه الله تعالى عن أمته منстр. 3224
وتحميل ما لا طاقة لهم به، ورفع الخطأ والنسيان، فصارت الخصال تسعًا.
ولأحمد من حديث عليّ: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي أعطيت مفاتيح الأرض، وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم"، وذكر خصلة التراب، فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة.
وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء، غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر، وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر، وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه".
الحواشي
(١) الإصر" الأمر الذي يثقل حمله، كقتل النفس في التوبة، وإخراج ربع المال في الزكاة، وفرض موضع النجاسة، "وتحميل ما لا طاقة" قوة "لهم به" من التكاليف والبلاء، "ورفع الخطأ" ترك الصواب لا عن عمد، "والنسيان، فصارت الخصال تسعًا، ولأحمد من حديث عليّ" مرفوعًا: "وأعطيت أربعًا لم يعطهن أحد من أنبياء الله تعالى قبلي: أعطيت مفاتيح" جمع مفتاح بالكسر: اسم للآلة التي يفتح بها، وهو في الأصل كل ما يتوصل به إلى استخراج المغلقات التي يتعذر الوصول إليها، قاله ابن الأثير، "الأرض" وفي رواية: خزائن الأرض، استعارة لوعد الله تعالى بفتح البلاد: جمع خزانة، ما يخزن فيه الأموال، وهي مخزونة عند أهل البلاد قبل فتحها، أو المراد خزائن العلم بأسره، ليخرج لهم بقدر ما يستحقونه فكل ما ظهر في العالم، فإنما يعطيه الذي بيده المفتاح، بإذن المفتاح كذا أوله بعضهم، وإجراؤه على ظاهره أولى؛ لحديث جابر عند أحمد برجال الصحيح، وصححه ابن حبان وغيره مرفوعًا، "أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، عليه قطيفة من سندس"، "وسميت أحمد" فلم يسم به أحد قبله، حماية من الله لئلا يدخل لبس على ضعيف اليقين، أو شك في أنه هو المنعوت بأحمد في الكتب السالفة، "وجعلت أمتي خير الأمم" بنص: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، وشرفها من شرفه، "وذكر خصلة التراب" فقال: "وجعل لي التراب طهورًا"، "فصارت الخصال ثنتي عشرة خصلة".
"وعند البزار من وجه آخر عن أبي هريرة رفعه: "فضلت على الأنبياء" بست، وبين ما فضل به بقوله: "غفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر" أي: حيل بيني وبين الذنوب، فسترت عني، فلم آتها على أوجه محامله، ويأتي بسطه، "وجعلت أمتي خير الأمم، وأعطيت الكوثر" نهر في الجنة؛ كما صح عن مسلم، "وإن صاحبكم لصاحب لواء الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمن دونه" وفي أنه حقيقي، وعند الله علم حقيقته، أو تصوير لعظمته وانفراده بالمقامстр. 3225
وذكر ثنتين مما تقدم.
وله من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم". قال: ونسيت الأخرى.
فينتظم بها سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع.
وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب "شرف المصطفى" أن عدد الذي خص به ﷺ ستون خصلة. وطريق الجمع أن يقال: لعله ﷺ اطلع أولا على بعض ما اختص به، ثم اطلع على الباقي ومن لا يرى مفهوم العدد حجة يدفع هذا الإشكال من أصله
الحواشي
(١) الذي تحمده الخلائق قولان ويأتي، "وذكر ثنتين مما تقدم" من الخصال تمام الست، "وله" أي: البزار من حديث ابن عباس رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين: كان شيطاني كافرًا، فأعانني الله عليه فأسلم" بفتح الميم، أي: آمن بي قطعًا، إذ هذا اللفظ لا يحتمل غير هذا، فأما الذي حكى فيه النووي وغيره روايتين الفتح والضم، فإنما هو حديث مسلم عن ابن مسعود مرفوعًا: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن" , قالوا: وإياك؟ قال: "وإياي إلا أن الله أعانني عليه، فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" روي هذا بفتح الميم وضمها، وصحح الخطابي الرفع، ورجح القاضي عياض والنووي الفتح، وهو المختار.
"قال" الراوي ابن عباس أو من دونه: "ونسيت الأخرى" وهي مبينة في رواية البيهقي في الدلائل عن ابن عمر مرفوعًا: "فضلت على آدم بخصلتين: كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه حتى أسلم، وكن أزواجي عونًا لي وكان شيطان آدم كافرًا، وكانت زوجته عونًا عليه"، "فينتظم" يجتمع "بها" بهذه الأحاديث "سبع عشرة خصلة، ويمكن أن يوجد أكثر من ذلك لمن أمعن التتبع" للأحاديث.
"وقد ذكر أبو سعيد النيسابوري في كتاب شرف المصطفى؛ أن عدد الذي خص به ﷺ " على الأنبياء "ستون خصلة، وطريق الجمع" بين مختلف هذه الأحاديث من ست، وخمس، وثلاث، وأربع، وثنتين، "أن يقال: لعله ﵇ اطلع أولا على بعض ما اختص به" فأخبر به، "ثم اطلع على الباقي" فحدث به، إذ لا ينطق عن الهوى، وهذا عند من يحتج بمفهوم العدد، "ومن لا يرى مفهوم العدد حجة" وإن كان نصًا في مدلوله "يدفع هذا الإشكال من أصله" إذ الإخبار بعدد لا يخفي غيره، وهذا الذي ساقه المصنف بعد حديث جابر إلى هنا من فتح الباري.стр. 3226
وقد ذكر بعض العلماء أنه ﷺ أوتي ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية.
وقد اختلف في العلم بخصائصه ﵇، فقال الصيمري من الشافعية: منع أبو علي بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى فلا معنى للكلام فيه.
وقال إمام الحرمين: قال المحققون ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط غير مفيد، فإنه لا يتعلق به حكم ناجز تمس إليه الحاجة، وإنما يجري الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم فيه، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة.
وقال النووي في الروضة والتهذيب بعد نقله هذين الكلامين: وقال
الحواشي
(١) "وقد ذكر بعض العلماء، أنه ﷺ أوتي ثلاثة آلاف معجزة وخصيصية" وذكر النووي في مقدمة شرح مسلم؛ أن معجزاته تزيد على ألف ومائتين، وقال البيهقي في المدخل: بلغت ألفًا، وقال الزاهدي من الحنفية: ظهر على يديه ألف معجزة، وقيل: ثلاثة آلاف هذا لفظ الفتح، وفي الأنموذج: وخص بأنه أكثر الأنبياء معجزات، فقد قيل: إنها تبلغ ألفًا، وقيل: ثلاثة آلاف سوى القرآن فإن فيه ستين ألف معجزة تقريبًا، قال الحليمي: وفيها مع كثرتها معنى آخر، وهو أنه ليس في شيء من معجزات غيره ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في معجزات نبينا خاصة، انتهى، أي: كتكثير الطعام واللحم والتمر والماء، ونحو ذلك.
"وقد اختلف في العلم بخصائصه ﵇، فقال الصيمري" بفتح الصاد المهملة وسكون التحتية، وفتح الميم، وراء نسبة إلى صيمر: نهر بالبصرة عليه عدة قرى، وبلد بخوزستان، كما في اللب "من الشافعية: منع أبو علي بن خيران الكلام فيها، لأنه أمر انقضى، فلا معنى للكلام فيه" لضياع الزمن بلا فائدة.
"وقال إمام الحرمين: قال المحققون: ذكر الاختلاف في مسائل الخصائص خبط" سير على غير هدى "غير مفيد" بل قد يؤدي إلى ضرر شديد، "فإنه لا يتعلق به حكم ناجز، تمس إليه الحاجة، وإنما يجري الخلاف فيما لا يوجد بد من إثبات حكم في، فإن الأقيسة لا مجال لها، والأحكام الخاصة تتبع فيها النصوص، وما لا نص فيه، فالخلاف فيه هجوم على الغيب من غير فائدة".
"وقال النووي في الروضة والتهذيب" للأسماء واللغات "بعد نقله هذين الكلامين، وقالстр. 3227
سائر الأصحاب لا بأس به، وهو الصحيح، لما فيه من زيادة العلم، فهذا كلام الأصحاب، والصواب الجزم بجواز ذلك، بل استحبابه، ولو قيل: وجوبه لم يكن بعيدًا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في الحديث الصحيح فعمل به أخذًا بأصل التأسي، فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأي فائدة أهم من هذه الفائدة، وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم فقليل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله للتدريب ومعرفة الأدلة، وتحقيق الشيء على ما هو عليه. انتهى كلام النووي وقد تتبعت ما شرف الله به نبينا ﷺ من الخصائص والآيات، وأكرمه به من
الحواشي
(١) سائر" أي: باقي "الأصحاب" أي: المقلدين لمذهب الشافعي، لا خصوص من صحبه، "لا بأس به" أي يجوز الكلام في الخصائص والبحث عنها، "وهو الصحيح لما فيه من زيادة العلم" وبيان شرف المصطفى ورفيع منزلته عند ربه، "فهذا كلام الأصحاب والصواب الجزم بجواز ذلك" كما قالوا: "بل باستحبابه" لما فيه من بيان شرفه ﷺ ، وكرامته على ربه، حيث أباح له ما لم يوجبه على غيره، كالأمر بالمعروف بلا شرط، وجعل له كرامات وفضائل لم يؤتها غيره، "ولو قيل بوجوبه لم يكن بعيدًا، لأنه ربما رأى جاهل بعض الخصائص ثابتًا في الحديث الصحيح، فعمل به أخذًا بأصل التأسي" لأنا مأمورون باتباعه، "فوجب بيانها لتعرف، فلا يعمل بها، فأي فائدة أهم من هذه الفائدة" وهي معرفة الخصائص، ولذا قال الشمس الحطاب المالكي: ذكرها إما مستحب أو واجب، وهو الظاهر.
"وأما ما يقع في ضمن الخصائص مما لا فائدة فيه اليوم" كتكليم الجماد، وسعي الشجر مما وجد لإظهار عظمته، وإثبات نبوته في زمنه، وقد ثبت ذلك في الأمة وتحقق، فلا فائدة تترتب عليها من اجتناب محرم ونحوه، "فقيل لا تخلو أبواب الفقه عن مثله" حيث يذكر فيها، الأدلة لهم ولمخالفيهم والجواب عن أدلة المخالفين "للتدريب ومعرفة الأدلة وتحقيق الشيء على ما هو عليه" وإلا فلا فائدة فيها إذ لا يبطل المذاهب المقررة، "انتهى كلام النووي" وهو وجيه. وقد تتبعت" طلبت شيئًا بعد شيء بلا عجلة، يقال: تتبع فلان أحوال فلان، أي: تطلبها شيئًا بعد شيء في مهلة "ما شرف الله به نبينا" أي: أعطاه شرفًا وتمييزًا "من الخصائص" على الأنبياء، كانشقاق القمر أو على الأمم، وإن شاركه الأنبياء "والآيات" عطف مرادف أو أعم؛ بأن يراد بها العلامات الدالة على نبوته، وإن شاركه فيها غيره في الجملة لما مر أنه لم يعط نبي معجزة، إلا وأعطي نبينا ما يوازيها ويزيد عليها. "وأكرمه به منстр. 3228
الفضائل والكرامات من كتب العلماء، كالخصائص لابن سبع، وخصائص الروضة للنووي، ومختصرها للحجازي، وشرح الحاوي لابن الملقن، وشرح البهجة لشيخ الإسلام زكريا بن أحمد الأنصاري، واللفظ المكرم في خصائص النبي ﷺ للشيخ قطب الدين الخيضري، واستفدت منه كثيرًا في فصل المعجزات، مع ما رأيته أثناء مطالعتي لفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشرح تقريب الأسانيد للعراقي وغير ذلك مما يطول ذكره، فتحصل لي من ذلك جملة.
وقد قسمها غير واحد من الأئمة أربعة أقسام:
الأول: ما اختص به ﷺ من الواجبات، والحكمة في ذلك.
الحواشي
(١) الفضائل" جمع فضيلة، وهي الفضل الخير، وهو خلاف النقص والنقيصة، كما في المصباح، وهذا شامل للمزايا القاصرة والمتعدية، فقول بعض الفضائل المزايا القاصرة، كقيام الليل والفواضل: جمع فاضلة وهي المزايا المتعدية، كالكرم مجرد اصطلاح، وإلا فاللغة تشمل الأمرين، "والكرامات" التي أكرم بها خارقه للعادة بخلاف الفضائل، فلا يلحظ فيها كونها خوارق: عادات "من كتب العلماء" صلة تتبعت "كالخصائص لابن سبع" بإسكان الباء، وقد تضم، "وخصائص الروضة للنووي، ومختصرها للحجازي، وشرح الحاوي لابن الملقن" العلامة سراج الدين، عمر أبو حفص، "وشرح البهجة" لابن الوردي، "لشيخ الإسلام زكريا بن أحمد الأنصاري، واللفظ المكرم في خصائص النبي ﷺ للشيخ قطب الدين الخيضري، واستفدت منه كثيرًا" من الخصائص "في فصل المعجزات" إضافة بيانية أو من إضافة الصفة للموصوف، وحمله على مغايرة المضاف للمضاف إليه بعيد، كذا قرر شيخنا بناء على قراءة فضل، بضاد معجمة مع أنه بمهملة؛ لأن الخيضري عقد فصلا للمعجزات غير الخصائص، "مع ما رأيته" حال من المجرور بالحرف، وهو كتب العلماء، أي مصحوبًا بما رأيته "أثناء مطالعتي لفتح الباري، وشرح مسلم للنووي، وشرح تقريب الأسانيد" للنووي، "للعراقي" الشيخ ولي الدين، "وغير ذلك" عطف على فتح الباري "مما يطول ذكره، فتحصل لي من ذلك جملة" ذكرتها كلها، لكن في ضمن تقسيم غير واحد لأربعة أقسام، إذ كل كتاب من كتبهم وإن ذكر الأربعة، لكنه لم يستوعبها، كما استوعبتها مما تحصل لي، "وقد قسمها" أي الخصائص "غير واحد من الأئمة أربعة أقسام، الأول: ما اختص به ﷺ من الواجبات" الثاني: ما اختص به من المحرمات، الثالث: المباحات، الرابع: الفضائل والكرامات، كما يأتي له، وختمها بخصائص أمته، وقد زاد عليه غيره في كل قسم كثيرًا، ﴿وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ ، "والحكمة في ذلك"стр. 3229
زيادة الزلفى والدرجات، فإنه لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء ما افترض عليهم. قال بعضهم: خص الله تعالى نبيه بواجبات عليه لعلمه بأنه أقوم بها منهم، وقيل ليجعل أجره بها أعظم.
الحواشي
(١) الاختصاص بالوجوب "زيادة الزلفى" القرب المعنوي، "والدرجات" العلى، أي: الثمرات المترتبة، كالوسيلة، ثم لا ينافي ترتب ذلك على الواجبات؛ أنه أفرغ عليه جميع الكمالات من الأزل؛ لأنه لا يخالف توقفه على فعل واجب، علم الله أنه سيفعله، "فإنه لن يتقرب المتقربون إلى الله تعالى بمثل أداء" أي فعل "ما افترض" أي أوجب الله "عليهم" لعدم وجود مثل الفرض لا مع وجوده، كما يفهمه الكلام بحسب الظاهر، لكنه من إثبات الشيء بدليله على نحو: مثلك لا يبخل وليس كمثله شيء، وحاصل المعنى: أن أعظم شيء يتقرب به فعل الفرض، فالمراد بالأداء اللغوي، وهو فعل الشيء مطلقًا، فشمل الواجب الذي لا وقت له محدود، لا الاصطلاحي، وهو فعل العبادة قبل خروج وقتها، وهو الزمن المعين لها شرعًا، ثم هذا تلميح بخبر البخاري عن النبي ﷺ ، قال: "إن الله تعالى قال: من عادى وليًا فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه". الحديث، قال إمام الحرمين في النهاية: قال بعض علمائنا: الفريضة يزيد ثوابها على ثواب النفل، أي: المماثل لها بسبعين ضعفًا لحديث سلمان مرفوعًا: "في شهر رمضان من تقرب فيه بخصلة من خصال الخير، كان كمن أدى فريضة فيما سواه، ومن أدى فريضة فيه كان من أدى سبعين فريضة في غيره"، فقابل النفل فيه بالفرض في غيره، وقابل الفرض فيه بسبعين فرضًا في غيره، فأشعر بأن الفرض يزيد على النفل بسبعين درجة من طريق الفحوى، انتهى، وتعقب بأن الحديث ضعيف، أخرجه ابن خزيمة، وعلق القول به على صحته، والظاهر أن ذلك من خصائص رمضان، ولذا قال النووي: استأنسوا له بحديث في شهر رمضان.
"قال بعضهم: خص الله تعالى نبيه بواجبات عليه، لعلمه بأنه أقوم بها منهم" أي: أقدر على القيام بها من جميع الأمة.
قال ابن الجوزي: لما كانت الحمامة تزق فراخها لم تحضن غير بيضتين، لأنها لا تقوى على أكثر منها، ولما كانت الدجاجة لا تزق فراخها، كانت تحضن عشرين فأكثر، ولما كان ﷺ أقوى الحاملين خص بواجبات لم تجب على غيره، انتهى.
"وقيل: ليجعل أجره بها" أي بفعلها "أعظم" ثوابًا من ثواب فعل نفسه، ولو كانت مندوبة له، فالمفضل عليه فعله لا بصفة الوجود، كما قرر شيخنا أو فعل أمته لا فعله لها بغير صفة الوجوب، كما جزم به في الشرح وفي الشامية، وقيل: ليجعل أجره بها أعظم من أجرهم، وقربهстр. 3230
فاختص ﷺ بوجوب الضحى على المذهب، لكن قول عائشة في الصحيح: ما رأيت رسول الله ﷺ يسبح سبحة الضحى، يدل على ضعف أنها كانت واجبة عليه. قال الحافظ ابن حجر: ولم يثبت ذلك في خبر صحيح. انتهى، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في ذكر صلاة الضحى من مقصد عبادته ﵇.
وهل كان الواجب عليه أقل الضحى أو أكثرها، أو أدنى الكمال؟ قال الحجازي؛ لا تقل فيه، لكن في مسند أحمد: "أمرت بركعتي الضحى ولم تؤمروا بهما".
ومنها الوتر وركعتا الفجر، كما رواه الحاكم في المستدرك وغيره، ولفظ أحمد والطبراني
الحواشي
(١) بها أزيد من قربهم، انتهى، ثم هذا علم من قوله: "لن يتقرب ... " إلخ, "فاختص ﷺ بوجوب الضحى على المذهب" أي الراجح عند الشافعي، وجزم به صاحب المختصر من المالكية لكنه شاذ؛ كما قال ابن شاس في الجواهر، "لكن قول عائشة في الصحيح: ما رأيت رسول الله ﷺ يسبح" يصلي "سبحة الضحى" صلاته، سميت الصلاة تسبيحًا لاشتمالها عليه من تسمية الكل باسم البعض، "يدل على ضعف أنها كانت واجبة عليه" ومن ثم قال في الجواهر: إنما قال بوجوبها بعض من شذ.
"قال الحافظ ابن حجر: لم يثبت ذلك" أي وجوبها عليه "في خبر صحيح" قال: وخبر أحمد: "أمرت بصلاة الضحى ولم تؤمروا بها" ضعيف، وصححه الحاكم فذهل، "انتهى" كلام الحافظ بما زدته، "وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في ذكر صلاة الضحى من مقصد عبادته ﵇" وهو التاسع، "وهل كان الواجب عليه أقل الضحى" وهو ركعتان "أو أكثرها" وهو ثمان، "أو أدنى الكمال" وهو أربعة.
"قال الحجازي: لا نقل فيه" أي لم يتعرضوا له، كما في الخادم، "لكن في مسند أحمد" عن ابن عباس مرفوعًا: "أمرت بركعتي الضحى" أمر إيجاب بدليل قوله: "ولم تؤمروا بهما" ففيه أن الواجب عليه أقل الضحى، لكنه حديث ضعيف، ود عارضه ما أخرجه أحمد أيضًا من حديث ابن عباس "أمرت بالوتر وركعتي الضحى ولم يكتب" وقد جمع العلماء بين نفي عائشة رؤيته؛ يصليها، وأثبات غيرها صلاتها؛ بأنه كان لا يداوم عليها، مخافة أن تفرض على أمته، فيعجزوا عنها، فلو كانت واجبة لداوم عليها، "ومنها الوتر وركعتا الفجر، كما رواه الحاكم في المستدرك، ورواه "غيره" من حديث ابن عباس، "ولفظ أحمد والطبراني" عنстр. 3231
"ثلاث عليّ فريضة وهن لكم تطوع، الوتر وركعتا الفجر وركعتا الضحى".
قال بعضهم: وقد ثبت أنه ﵊ صلى الوتر على الراحلة. قال: ولو كان واجبًا لما جاز فعله على الراحلة.
وتعقب: بأن فعله على الراحلة من الخصائص أيضًا كما سيأتي فيما اختص به ﵇ من المباحات، إن شاء الله تعالى. وأجيب بأنه يحتاج إلى دليل.
وهل كان الواجب عليه أقل الوتر أم أكثره؟ أم أدنى الكمال؟ قال الحجازي: لم أر فيه نقلا.
ومنها صلاة الليل
الحواشي
(١) ابن عباس رفعه: "ثلاث" هن "علي فريضة" لازمة، ولفظ الحاكم فرائض، "وهن لكم تطوع، الوتر، وركعتا الفجر، وركعتا الضحى".
قال الحافظ: يلزم من قال به بوجوب ركعتي الفجر عليه: ولم يقولوا به، وإن وقع في كلام بعض السلف والآدمي وابن الحاجب، فقد ورد ما يعارضه، وهذا الحديث ضعيف من جميع طرقه، وإن استدركه الحاكم، وقد أطلق الأئمة عليه الضعف، كأحمد، والبيهقي، وابن الصلاح، وابن الجوزي، والنووي وغيرهم، انتهى.
ولذا "قال بعضهم" معارضًا له: "وقد ثبت أنه ﵊ صلى الوتر، على الراحلة قال: ولو كان واجبًا لما جاز فعله على الراحلة وتعقب بأن فعله على الراحلة من الخائص أيضًا كما سيأتي فيما اختص به ﵇ من المباحات إن شاء الله تعالى، وأجيب بأنه" أي: جعل فعله على الراحلة من الخصائص، وإن جزم به النووي على مسلم "يحتاج إلى دليل" ولم يوجد، فهو في حقه سنة، ولذا ادعى البلقيني أنه لم يكن واجبًا عليه، خلافًا لما صححوه، ولا دليل لمن قال: كان واجبًا عليه في الحضر دون السفر، كذا قال "وهل كان الواجب عليه أقل الوتر" ركعة، "أم أكثره، أم أدنى الكمال" وهو ثلاثة.
"قال الحجازي: لم أر فيه نقلا" وقال الزركشي: الظاهر أن مرادهم الجنس، وقياسًا على الضحى، ونازعه شيخنا بالفرق بينهما، لأن الاقتصار على ركعة في الوتر خلا الأولى، أو مكروه، ولا كذلك الضحى، فيكون الواجب عليه في الوتر أدنى الكمال، "ومنها صلاة الليل" أي: التهجد، وعطفها على الوتر، للإشارة إلى مغايرتها له، وهو ما رجحه الرافعي والنووي هنا، ورجحا في صلاة التطوع اتحادهما، ونقله في المجموع عن الأم والمختصر، ورجح ما هنا بما ذكره الرافعي هناك من اعتبار وقوع التهجد بعد النوم، بخلاف الوتر، ومنع القمولي هذا الاعتبار، رده الزركشي بمنع كون المصلي قبل نومه متهجدًا.стр. 3232
قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] أي فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة، أو فضيلة لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا ما صححه الرافعي ونقله النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه، كما نسخ في حق غيره.
ومنها السواك، واستدلوا له بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبي حنظلة بن أبي عامر أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا أو غير طاهر، فلما شق عليه ذلك أمر بالسواك لكل صلاة. وفي إسناده محمد بن إسحاق، وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس.
وحجة من لم يجعله واجبًا عليه، ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي أمامة أن رسول الله ﷺ قال: "ما جاءني جبريل إلا أوصاني
الحواشي
(١) "قال تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية، أي: فريضة زائدة لك على الصلوات المفروضة" فالمراد بالنافلة المعنى اللغوي، فلا ينافي الوجوب لا مقابله، "أو فضيلة" إكرامًا "لك لاختصاص وجوبه بك، وهذا": أي وجوب التهجد "ما صححه الرافعي، ونقله النووي عن الجمهور، ثم قال: وحكى الشيخ أبو حامد أن الشافعي نص على أنه نسخ وجوبه في حقه، كما نسخ في حق غيره" قال في شرح البهجة: وهو الأصح، أو الصحيح، وفي مسلم عن عائشة ما يدل عليه، "ومنها: السواك، واستدلوا له" أي لوجوبه "بما رواه أبو داود من حديث عبد الله بن أبي" صوابه إسقاطه، فهو ابن "حنظلة بن أبي عامر" الراهب، الأنصاري، له رؤية، وأبوه غسيل الملائكة، قتل يوم أحد وأم عبد الله جميلة بنت عبد الله بن أبي، استشهد عبد الله يوم الحرة في ذي الحجة، سنة ثلاث وستين، وكان أمير الأنصار بها، "أن رسول الله ﷺ أمر بالوضوء عند كل صلاة طاهرًا" أي متوضئًا، "أو غير طاهر" وطاهره ولو نفلا، ورجحه الشيخ ولي الدين، لكن قال الحافظ: سياق الحديث يخصصه بالمفروضة، وكذا قال الزركشي ولا يخالفه، "فلما شق ذلك عليه، أمر بالسواك لكل صلاة" فرضًا، أو نفلا حضرًا، أو سفرًا، وهذا الحديث صححه ابن خزيمة وغيره، "ولكن "في إسناده محمد بن إسحاق" بن يسار، "وقد رواه بالعنعنة وهو مدلس" وإن كان صدوقًا وعنعنة المدلس ليست مقبولة، ما لم يصرح بالسماع ونحوه، كما في الألفية وغيرها، فقال الشامي: إسناده، جيد وفيه اختلاف لا يضر فيه نظر، لأنه وإن لم يضر الاختلاف فيه على بعض رواته، فقد ضر تدليس ابن إسحاق فلا يكون إسناده جيدًا، "وحجة من لم يجعله واجبًا عليه، ما رواه ابن ماجه في سننه من حديث أبي أمامة" الباهلي: "أن رسول الله ﷺ قال: "ما جاءني جبريل إلا أوصانيстр. 3233
بالسواك حتى خشيت أن يفرض علي وعلى أمتي". وإسناده ضعيف، وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة ابن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت بالسواك حتى خشيت أن يكتب عليّ"، وإسناده حسن، والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، قاله في شرح تقريب الأسانيد.
ومنها الأضحية، قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢] ، وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس أنه ﷺ قال: "ثلاث هن عليّ فرائض، وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر".
ومنها المشاورة، قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [عمران: ١٥٩] ، فظاهره الإيجاب
الحواشي
(١) بالسواك" وصية استحباب وترغيب فيه، "حتى خشيت أن يفرض عليّ وعلى أمتي" وهذا لو صح كان ظاهرًا في عدم الوجوب، "ولكن إسناده ضعيف" وقد رواه أحمد والطبراني، بإسناد صحيح عن أبي أمامة بلفظ: "إلا أمرني بالسواك حتى لقد خشيت أن أخفي مقدم فمي".
"وروى أحمد في مسنده من حديث واثلة"، بمثلثة، "ابن الأسقع" بالقاف، قال: قال رسول الله ﷺ : "أمرت" على لسان جبريل، أو بالإلهام، أو بالرؤيا "بالسواك" أمر ندب "حتى خشيت أن يكتب علي" أي: يفرض وإسناده حسن، وقال المنذري وغيره: فيه ليث بن أبي سليم، وهو ثقة مدلس، وقد عنعنه، "والخصائص لا تثبت إلا بدليل صحيح، قاله في شرح تقريب الأسانيد" للحافظ ولي الدين العراقي، لكن المعتمد عند المالكية والشافعية وجوبه عليه.
"ومنها: الأضحية" بضم الهمزة وكسرها، وشد الياء وخفتها، أي: التضحية، "قال الله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ الآية، أضحيتك، والأمر للوجوب، ولخبر الطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، رفعه: "الأضحى عليّ فريضة وعليكم سنة" أي التضحية علي واجبة، سميت باسم الوقت الذي تشرع ذكاتها فيه، وهو ارتفاع النهار.
"وروى الدارقطني والحاكم عن ابن عباس، أنه ﷺ قال: "ثلاث هن عليّ فرائض" وفي رواية: فريضة "وهن لكم تطوع: النحر والوتر وركعتا الفجر" مر هذا الحديث قريبًا، وإنه ضعيف من جميع طرقه خلافًا لاستدراك الحاكم.
"ومنها: المشاورة" لذوي الأحلام في غير الشرائع والأحكام، "قال الله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [عمران: ١٥٩] الآية، فظاهره الإيجاب" وهو المعتمد عند الشافعية.стр. 3234
ويقال إنه استحباب، استمالة للقلوب، ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقي في "معرفة السنن والآثار" عن النص: أن المشورة غير واجبة عليه، كما نبه عليه الحجازي وغيره.
واختلف في المعنى الذي أمر الله نبيه ﵇ بالمشاورة مع كمال عقله وجزالة رأيه وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على أمته.
فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًا في اللفظ، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد، يدل عليه قراءة ابن عباس: "وشاورهم في بعض الأمر".
وقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو، ومكائد الحرب عند الغزو.
وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب إذا لم تشاور في الأمر شق
الحواشي
(١) والمالكية، "ويقال: إنه استحباب" وكان وجه صرف الأمر إليه غناه عنها، فإنما هي تطييب لقلوبهم ونحو ذلك "استمالة للقلوب" راجع للقولين، "ومعناه: استخراج آرائهم، ونقل البيهقي في" كتاب "معرفة السنن والآثار عن النص" أي: نص الشافعي: "أن المشورة غير واجبة عليه" فقال: وصرف الشافعي الأمر إلى الندب، فقال: هو كقوله: "البكر تستأمر"، فإنه تطييب لخاطرها لا واجب، فالمشاورة لاستمالة قلوبهم واستخراج آرائهم واستعطافهم، انتهى، "كما نبه عليه الحجازي وغيره" ولكن المعتمد الوجوب، وهو ما صححه الرافعي والنووي.
"واختلف في المعنى الذي أمر الله نبيه ﵇ بالمشاورة مع كمال عقله" إذ لم يخلق أعقل منه ولا مثله، كما مر. "وجزالة" بفتح الجيم والزاي "رأيه، وتتابع الوحي عليه، ووجوب طاعته على أمته، فقال بعضهم: هو خاص في المعنى، وإن كان عامًا في اللفظ، أي: وشاورهم فيما ليس عندك فيه من الله عهد يدل عليه قراءة ابن عباس: "وشاورهم في بعض الأمر"", وهذا وإن عزاه لبعضهم لا يخالف فيه أحد، إذ ما فيه عهد من الله لا يشاور فيه.
"وقال الكلبي: يعني ناظرهم في لقاء العدو ومكائد الحرب عند الغزو" بأن يذكر لهم ما يتعلق به، فإن ذكروا خلافه، كالخروج له أو عدمه، وكان الصواب خلافه، بيته لهم وأرشدهم إليه، فإن عارضوه برأيهم أظهر لهم ما يترتب عليه حتى تستقر نفوسهم على حسن ما يختاره.
"وقال قتادة ومقاتل: كانت سادات العرب" رؤساؤهم، "إذا لم تشاور في الأمر شقстр. 3235
عليهم، فأمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم وأذهب لأضغانهم، وأطيب لنفوسهم.
وقال الحسن: قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن به من بعده.
وحكى القاضي أبو يعلى، في الذي أمر بالمشاورة فيه قولين: أحدهما: في أمر الدنيا خاصة، والثاني: في أمر الدين والدنيا وهو الأصح، قاله المعافي بن زكريا في تفسيره.
والحكمة في المشاورة في الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد.
وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب عن ابن عباس قال: لما نزلت: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "أما إن الله ورسوله لغنيان عنها ولكن الله جعلها رحمة لأمتي".
الحواشي
(١) عليهم، فأمر الله تعالى نبيه ﵇ أن يشاورهم، فإن ذلك أعطف لهم" أي: أشد عطفًا، أي: إمالة لقلوبهم إلى رأيه ﷺ "وأذهب لأضغانهم" أي: حقدهم، أي ما يقوم في نفوس القاصرين من عدم الميل إلى ما يشير عليهم به من أمر الحرب ونحوه، "وأطيب لنفوسهم".
"وقال الحسن" البصري: "قد علم الله أن ما به إليهم حاجة، ولكن أراد أن يستن" أي يقتدي "به ومن بعده".
"وحكى القاضي أبو يعلى في الذي أمر بالمشاورة فيه قولين، أحدهما: في أمر الدنيا خاصة، والثاني: في أمر الدين والدنيا وهو الأصح".
وقد كان ﷺ كثير المشاورة، "قال المعافى بن زكريا" بن يحيى بن حميد الحافظ، العلامة المفسر، الثقة، النهرواني، كان على مذهب ابن جرير، ولذا يقال له الجريري "في تفسيره، والحكمة في المشاورة في الدين التنبيه لهم على علل الأحكام، وطريق الاجتهاد" فلا يرد أنه لا معنى للقول الأصح؛ لأنه لا يرجع إلى مشورتهم لو أشاروا بخلافه.
"وأخرج ابن عدي والبيهقي في الشعب، عن ابن عباس قال: لما نزلت ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "أما" بتخفيف الميم، "إن الله ورسوله لغنيان عنها" قال ابن مالك في شرح كافيته: يجوز كسر إن بعد أما، مقصودًا بها معنى ألا الاستفتاحية، فإن قصد بها معنى حقًا فتحت، "ولكن الله جعلها رحمة لأمتي" تطييبًا لنفوسهم وتسهيلا لاعتياد ذلك واتباعه.стр. 3236
وعند الترمذي الحكيم من حديث عائشة، رفعته: "إن الله أمرني بمداراة الناس، كما أمرني بإقامة الفرائض".
ومنها مصابرة العدو وإن كثر عددهم.
ومنها تغيير المنكر إذا رآه، لكن قد يقال: كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه تغيير، فيقال: المراد أنه لا يسقط عنه ﷺ بالخوف بخلاف غيره.
الحواشي
(١) "وعند الترمذي الحكيم" محمد بن علي، وكذا عند الديلمي بسند ضعيف "من حديث عائشة، رفعته: "إن الله أمرني بمداراة الناس" أي: بملاطفتهم وملاينتهم، ومن ذلك المشاورة والأمر للوجوب، "كما أمرني بإقامة الفرائض" وفي رواية بدله القرآن، أي أمرني بملاطفتهم قولا وفعلا والرفق بهم وتألفهم ليدخل من يدخل في الدين، وبقي المسلمون شر من قدر عليه الشقاء، ولذا قال حكيم: هذا أمر لا يصلحه إلا لين من غير ضعف، وشدة بلا عنف، وهذه هي المداراة.
أما المداهنة، وهي بدل الدين لصلاح الدنيا، فمحرمة، وأمره بالمداراة لا يعارض أمره بالإغلاظ على الكفار وبعثه بالسيف، لأن المداراة تكون أولا، فإن لم تفد، فالإغلاظ، فإن لم يفد فالسيف.
"ومنها: مصابرة العدو" أي قتال الكفار "وإن كثر عددهم" جدًا، قال بعض أصحابنا: ولو أهل الأرض، لأن الله وعده بالعصمة من الناس، ولأنه كما قال الرازي من العلم بأعلى مكان، كبقية الرسل، فيعلمون أنه لا يتعجل شيء عن وقته، ولا يتأخر شيء عن وقته بخلاف غيرهم من المكلفين، فليس لهم مثل هذا الإيمان، ولا مثل هذا اليقين.
قال الجلال البلقيني: وهو حسن إقناعي، زاد الأنموذج: وإذا بارز رجلا في الحرب لم يول عنه قبل قتله.
"ومنها: تغيير المنكر" وهو ما قبحه الشرع قولا أو فعلا ولو صغيرة، "إذا رآه" مطلقًا، ووجه الخصوصية أنه فرض عين عليه بخلاف غيره، فكفاية الجرجاني وغيره، ففي قوله: "لكن قد يقال كل مكلف تمكن من تغييره يلزمه تغييره" شيء، لأنه كفائي، "فيقال" في دفع هذا الاستدراك: "المراد أنه لا يسقط عنه ﷺ بالخوف" على نفسه أو عضوه أو ماله، فإن الله وعده بالعصمة، أي: يحفظ روحه، فلا يرد نحو شج رأسه على أنه قبل نزول الآية فالعصمة محققة له، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ، "بخلاف غيره" من الأمة، فيسقط عنه إظهار الإنكار للخوف على ما ذكر، زاد الأنموذج: ولا يسقط إذا كان المرتكب يزيده الإنكار إغراء، لئلا يتوهمстр. 3237
ومنها قضاء دين من مات مسلمًا معسرًا، روى مسلم حديث: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي وعليه دين فعلي قضاؤه، ومن ترك مالًا فلورثته".
قال النووي: كان هذا القضاء واجبًا عليه ﷺ .
الحواشي
(١) إباحته بخلاف سائر الأمم، ذكره السمعاني في القواطع، انتهى، وهذا هو المعتمد خلافًا للغزالي، فالحاصل أنه واجب عليه عينًا بلا شرط.
"ومنها: قضاء دين من مات مسلمًا معسرًا" لم يترك ما يوفي منه دينه، "روى مسلم" لا وجه لتخصيصه، بل البخاري، وأحمد، والنسائي، وابن ماجه "حديث" أبي هريرة: أن النبي ﷺ كان يؤتى بالرجل المتوفى الذي عليه دين، فيسأل: "هل ترك لدينه قضاء"، فإن حدث أنه ترك قضاء صلى عليه، وإلا قال: "صلوا على صاحبكم" فلما فتح الله عليه الفتح، قال: "أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم" في كل شيء من أمر الدارين، لأنه الخليفة الأكبر الممد لكل موجب، فيجب أن يكون أحب من أنفسهم، وإن حكمه أنفذ عليهم من حكمها.
قال بعض الصوفية: وإنما كان كذلك، لأن أنفسهم تدعوهم إلى الهلاك، وهو يدعوهم إلى النجاة، فيجب عليهم إيثار الطاعة على شهوات نفوسهم، وإن شق عليهم، وأن يحيوه بأكثر من تحيتهم لأنفسهم، ومن محاسن أخلاقه السنية أنه لم يذكر ماله في ذلك من الحقوق، بل اقتصر على ما هو عليه، فقال: "فمن توفي" بالبناء للمجهول، أي: توفاه، الله، أي: مات من المؤمنين، "وعليه دين" بفتح الدال وفي رواية: فترك دينا "فعلي قضاؤه".
قال ابن بطال: هذا ناسخ لتركه الصلاة على من مات وعليه دين، "ومن ترك مالا" أي: حقًّا، فالمال أغلبي إذ الحق يورث كالمال، "فلورثته" وفي رواية البخاري: فلترثه عصبته من كانوا، وهذا تفريع على الأولوية العامة له وعليه، لا تخصيص لها، كما فهمه القرطبي، فاعترض التعميم، بأنه النبي ﷺ قد تولى تفسيرها، ولا عطر بعد عروس، بل أفاد فائدة حسنة، وهو أن مقتضى الأولوية مرعى في جانبه أيضًا، لكنه ترك ذكر ذلك تكرمًا، قال الداودي: المراد بالعصبة هنا الورثة لا من يرث بالتعصيب، وقيل: المراد قرابة الرجل، وهم من يلتقي مع الميت في أب ولو علا، وقال الكرماني: المراد العصبة بعد أصحاب الفروض، ويؤخذ حكمهم من ذكر العصبة بطريق الأولى، ويشير إلى ذلك قوله: من كانوا؛ فإنه يتناول أنواع المنتسبين إليه بالنفس أو بالغير، قال: ويحتمل أن تكون من شرطية.
"قال النووي: كان هذا القضاء واجبًا عليه ﷺ ".
قال ابن بطال: أي: مما يفيء الله عليه من المغانم والصدقات، قال: وهكذا يلزم المتولي لأمر المسلمين أن يفعله بمن مات وعليه دين، انتهى، وهذا هو الراجع عند الشافعية، فإن لمстр. 3238
قيل: تبرع منه، والخلاف وجهان لأصحابنا وغيرهم، قال: ومعنى الحديث: أنه ﵊ قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم أو موته، أنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فلورثته، لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي نفقتهم ومؤنتهم، انتهى.
الحواشي
(١) يفعل، فالإثم عليه إن كان حق الميت في بيت المال يفي بقدر ما عليه من الدين، وإلا فبقسطه، والمرجح عند المالكية؛ أنه من ماله الخاص به ﵇، إذ حمله على مال المصالح لا تحصل به خصوصية.
قال ابن بطال: فإن لم يعط الإمام عنه من بيت المال لم يحبس عن دخول الجنة، لأنه يستحق القدر الذي عليه في بيت المال، إلا إذا كان دينه أكثر من القدر الذي له في بيت المال مثلا.
قال الحافظ: والذي يظهر أن ذلك يدخل في المقاصصة وهو كمن له حق، وعليه حق وذلك أنهم إذا خلصوا من الصراط حبسوا عند قنطرة بين الجنة والنار يتقاصون المظالم، حتى إذا هذبوا ونفوا أذن لهم في دخول الجنة، فيحمل قوله: لا يحبس، أي: معذبًا مثلا، انتهى، "وقيل" لم يكن واجبًا، بل هو "تبرع منه والخلاف" المذكور "وجهان لأصحابنا وغيرهم" والأرجح الوجوب، "قال" أي النووي: "ومعنى الحديث أنه ﵊، قال: أنا قائم بمصالحكم في حياة أحدكم أو موته، أنا وليه في الحالين فإن كان عليه دين قضيته من عندي" مالي الخاص بي. أو مال المصالح، القولان "إن لم يخلف وفاء، وإن كان له مال فلورثته، لا آخذ منه شيئًا، وإن خلف عيالا محتاجين ضائعين، فليأتوا إليّ، فعليّ نفقتهم ومؤنتهم" هذا زائد على معنى الحديث أتى به من الحديث الآخر، "انتهى" كلام النووي.
قال الحافظ: قال العلماء: كان الذي فعله ﷺ من ترك الصلاة على من عليه دين ليحرض الناس على قضاء الديون في حياتهم والتوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاتهم عليهم، وهل صلاته على المدين محرمة عليه أو جائزة وجهان.
قال النووي: الصواب الجزم بالجواز مع وجود الضامن؛ كما في حديث مسلم، وحكى القرطبي؛ أنه ربما كان يمتنع من الصلاة على من أدان دينًا غير جائز، وأما من استدان لأمر جائز، فلا يمتنع، وفيه نظر إذ الحديث دال على التعميم، حيث قال: "من توفي وعليه دين" ولو كان الحال مختلفًا لبينه، نعم جاء عن ابن عباس؛ أنه ﷺ لما امتنع من الصلاة على من عليه دين جاء جبريل، فقال: "إنما المظالم في الديون التي حملت في البغي والإسراف، فأما المتعفف ذوстр. 3239
وفي وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح وجهان، لكن قال الإمام: من استدان وبقي معسرًا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان ظلم بالمطل ففيه احتمال، والأولى: لا، والله أعلم.
ومنها تخيير نسائه ﷺ في فراقه، وإمساكهن بعد أن اخترنه في أحد الوجهين، ووجوب ترك التزوج عليهن والتبدل بهن مكافأة لهن، ثم نسخ ذلك، لتكون المنة له ﵇ عليهن، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآية.
الحواشي
(١) العيال، فأنا ضامن له أؤدي عنه" فصلى عليه النبي ﷺ ، وقال بعد ذلك: "من ترك ضياعًا" الحديث، وهو ضعيف، وليس فيه أن التفصيل المذكور كان مستمرًا، وإنما فيه أنه طرأ بعد ذلك، وأنه السبب في قوله: "من ترك دينًا فعليّ".
"وفي وجوب قضائه على الإمام من مال المصالح" أي: مال بيت المال "وجهان" المعتمد عدم الوجوب مطلقًا عندهم، والراجح عند المالكية وجوبه من بيت المال على الأئمة إذا عجز عن الوفاء قبل الموت، وتداينه في غير معصية أو فيها وتاب منها.
قال الشهاب القرافي: وأحاديث الجنس عن الجنة منسوخة بما جعله الله على الأئمة من وجوب وفاء دين المسلم الميت بالقيد من بيت المال، قال: وإنما كانت قبل الفتوحات، "لكن قال الإمام: من استدان وبقي معسرًا إلى أن مات لم يقض دينه من بيت المال، فإن كان ظلم بالمطل، ففيه احتمال، والأولى لا" يقضي، "والله أعلم" بالحكم.
"ومنها: تخيير نسائه" مصدر مضاف لمفعوله، أي: أن المصطفى يخير نساءه "في فراقه" وفي بقائهن معه، "ومنها: إمساكهن" فرفع عطفًا على تخيير لا بالجر لفساده، إذ يصير المعنى يجب عليه التخيير في الفراق وفي الإمساك، "بعد أن اخترنه" مكافأة لهن، وهذا "في أحد الوجهين" والثاني: لم يحرم عليه الطلاق أصلا، بل له الفراق بعد اختيارهن البقاء وهو الأصح، كما قاله شيخ الإسلام وغيره، "ووجوب ترك التزوج عليهن" بعد أن اخترنه، "وترك التبدل" فهو بالخفض عطف على التزوج "بهن مكافأة لهن" قال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ﴾ الآية، "ثم نسخ ذلك" بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ﴾ الآية، "لتكون المنة له ﵇ عليهن" بإمساكهن، وترك التزوج عليهن، "قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ﴾ أي: إن كان أعظم همكن وأقصى طلبكن ﴿الدُّنْيَا﴾ ، أي: التمتع بها والنيل من نعيمها "وزينتها" الآية، المال والبنين "الآية" أي: جنسها، فيشملها والتي بعدها، إذстр. 3240
واختلف في تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، واختيار الآخرة فيمسكهن، ولم يخيرهن في الطلاق، وهذا هو قول الحسن وقتادة، والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق والمقام معه، وهذا قول عائشة ومجاهد والشعبي ومقاتل.
واختلفوا في السبب الذي لأجله خير ﷺ نساءه على أقوال:
أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة على الدنيا، فاختار الآخرة وقال: "اللهم أحيني مسكينًا وأمتني مسكينًا واحشرني في زمرة المساكين". فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثل.
الحواشي
(١) كلاهما مراد ولما نزلت بدأ بعائشة، وقال: "إني ذاكر لك أمرًا، فلا تبادريني بالجواب حتى تستأمري أبويك"، فاختارته وقالت: يا رسول الله! لا تقل إني اخترتك، فقال: "إن الله لم يبعثني معنتًا ولا متعنتًا، وإنما بعثني معلمًا ميسرًا" رواه الشيخان عن عائشة، ومعنتا، بكسر النون، أي: مشقًا على عباده ومتعنتًا، أي: طالبًا للعنت، وهو العسر والمشقة.
"واختلف في" صفة "تخييره لهن على قولين، أحدهما: أنه خيرهن بين اختيار الدنيا فيفارقهن، وبين "اختيار الآخرة فيمسكهن ولم يخبرهن في الطلاق، وهذا قول الحسن" البصري، وقتادة بن دعامة، وأكثر أهل العلم، كما قال البغوي وهو ظاهر القرآن، قال غير واحد: وهو الصحيح لقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ﴾ [الأحزاب: ٢٨] الآية، فلو اخترن الدنيا لم يقع عليه طلاق حتى يوقعه هو، "والثاني: أنه خيرهن بين الطلاق" بأن فوضه إليهن، فلو أوقعنه لوقع، "وبين المقام معه" فلا يقع عليه، "وهذا قول عائشة، ومجاهد، والشعبي" عامر بن شراحبيل، "ومقاتل".
"واختلفوا في السبب الذي لأجله خير ﷺ نساءه على أقوال: أحدها: أن الله تعالى خيره بين ملك الدنيا ونعيم الآخرة" فيقدمه "على" نعيم "الدنيا، فاختار الآخرة، وقال" فيما رواه ابن ماجه وغيره: "اللهم أحيني مسكينًا، وأمتي مسكينًا واحشرني" اجمعني "في زمرة" بضم الزاي: جماعة "المساكين" أي: اجعلني منهم قال اليافعي: وناهيك بهذا شرفًا، ولو قال: واحشر المساكين في زمرتي لكفاهم شرفًا، قال البيهقي: ولم يسأل مسكنة ترجع إلى القلة، بل إلى الإخبات والتواضع، ولذا قال شيخ الإسلام زكريا: معناه طلب التواضع والخضوع، وأن لا يكون من الجبابرة المتكبرين والأغنياء المترفين، وتقدم مزيد لهذا الفصل الثالث من المقصد الثالث، "فلما اختار ذلك أمره الله تعالى بتخيير نسائه ليكن على مثلстр. 3241
اختياره. حكاه أبو القاسم النميري.
والثاني: لأنهن تغايرن عليه.
والثالث: لأن أزواجه طالبنه وكان غير مستطيع، فكان أولهن أم سلمة سألته سترًا معلمًا، وسألته ميمونة حلة يمانية، وسألته زينب ثوبًا مخططًا وهو البرد اليماني، وسألته أم حبيبة ثوبًا سحوليًا، وسألته كل واحدة شيئًا إلا عائشة. حكاه النقاش.
والرابع: أن أزواجه ﵇ اجتمعن يومًا فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلي فأنزل الله آية التخيير، حكاه النقاش أيضًا، وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله.
الحواشي
(١) اختياره" فليس أمره بذلك بمعنى قام بهن من طلب شيء ونحوه، بل لئلا يكون مكرها لهن على ما اختاره لنفسه، "حكاه أبو القاسم النميري" بضم النون، وفتح الميم، وسكون التحتية، وراء نسبة إلى نمير بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، كما في اللباب.
"والثاني: لأنهم تغايرن عليه" قال قتادة: سبب الآية غيرة غارتها عائشة، وقال ابن زيد: وقع بين أزواجه تغاير ونحوه مما يتغير به مزاجه، فنزلت، حكاهما ابن عطية.
"والثالث: لأن أزواجه" الأولى حذف اللام فيه وفيما قبله "طالبنه" بالنفقة وشططن عليه في تكليفه منها فوق سعته، "وكان غير مستطيع، فكان أولهن أم سلمة سألته سترًا معلمًا" بضم الميم، وسكون المهملة، وفتح اللام اسم مفعول من أعلمت الثواب، أي: جعلت له علمًا من طراز ونحوه، "وسألته ميمونة" بنت الحارث الهلالية "حلة يمانية، وسألته زينب" ابنة جحش الأسدية، لما تقدم في الزوجات، أن آية التخيير إنما نزلت وفي عصمته التسع التي توفي عنهن، فليس المراد زينب ابنة خزيمة لموتها عنده ﷺ قبل نزول الآية، "ثوبًا مخططًا، وهو البرد اليماني، وسألته أم حبيبة" بنت أبي سفيان الأموية "ثوبًا سحوليًا" بسين وحاء مهملتين.
قال في المصباح: مثل رسول بلدة باليمن يجلب منها الثياب، وينسب إليها على لفظها، فيقال: أثواب سحولية، وبعضهم يقول: سحولية، بالضم نسبة إلى الجمع، وهو غلط؛ لأن النسبة إلى الجمع، أي وهو سحل بضمتين إذا لم يكن علمًا، وكان له واحد من لفظه ترد إلى الواحد بالاتفاق، "وسألته كل واحدة" من باقي التسع "شيئًا إلا عائشة، حكاه النقاش" في تفسيره.
"والرابع: أن أزواجه ﵇ اجتمعن يومًا، فقلن: نريد ما تريد النساء من الحلي؟ فأنزل الله آية التخيير، حكاه النقاش أيضًا، وذلك أنه لما نصر الله تعالى رسوله،стр. 3242
وفتح عليه قريظة والنضير، ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم، فقعدن حوله وقلن يا رسول الله، بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة والضيق، وآلمن قلبه لمطالبتهن له بتوسعة الحال، وأن يعاملن بما يعامل به الملوك والأكابر أزواجهم، فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن لئلا يكون لأحد منهن عليه منة في الصبر على ما اختاره من خشونة العيش.
الحواشي
(١) وفتح عليه قريظة" بالظاء المشالة، "والنضير ظن أزواجه أنه اختص بنفائس اليهود وذخائرهم" بذال وخاء معجمتين: أموالهم المعدة لوقت الحاجة: جمع ذخيرة، "قعدن حوله، وقلن: يا رسول الله! بنات كسرى وقيصر في الحلي والحلل، ونحن على ما تراه من الفاقة" أي: الحاجة "والضيق، وآلمن قلبه لمطالبتهن له بتوسعة الحال" مع أنه خلاف مراده، "وأن يعاملن بما تعامل به الملوك والأكابر أزواجهم" من الحلى والحلل وتوسيع العيش، "فأمره الله تعالى أن يتلو عليهن ما نزل في أمرهن، لئلا يكون لأحد منهن عليه منة في الصبر على ما اختاره من خشونة العيش".
وأخرج مسلم، وأحمد، والنسائي عن جابر: أقبل أبو بكر يستأذن على رسول الله ﷺ ، فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر، فاستأذن، فلم يؤذن له، ثم أذن لهما فدخلا، والنبي ﷺ جالس وحوله نساؤه، وهو ساكت، فقال عمر: لأكلمن النبي ﷺ لعله يضحك، فقال عمر: يا رسول الله! لو رأيت ابنة زيد امراة عمر سألتني النفقة آنفًا، فوجأت عنقها، فضحك النبي ﷺ حتى بدا ناجذه، وقال: "هن حولي يسألنني النفقة"، فقام أبو بكر إلى عائشة يضربها، وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقول: تسألان النبي ﷺ ما ليس عنده!! فنهاهما رسول الله ﷺ ، فقال نساؤه: والله لا نسأله بعد هذا المجلس ما ليس عنده ثم اعتزلهن شهرًا، ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ إلى قوله: ﴿عَظِيمًا﴾ ، الآية، فبدأ بعائشة، فقال: "إني ذاكر لك أمرا ما أحب أن تعجليني فيه حتى تستأمري أبويك". قالت: ما هو؟ فتلا عليها: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ الآية، قالت: أفيك أستأمر أبوي، بل أختار الله ورسوله.
وفي البخاري وغيره عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا، فذكر الحديث بطوله، وفيه: فاعتزل النبي ﷺ نساءه من أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة، وكان قد قال: "ما أنا بداخل عليهن شهرًا" من شدة توجده حين عاتبه الله، فلما مضت تسع وعشرونстр. 3243
فلما اخترنه وصبرن معه عوضهن الله على صبرهن بأمرين: أحدهما أن جعلهن أمهات المؤمنين تعظيمًا لحقهن وتأكيدًا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر النساء بقوله: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ، والثاني: أن حرم الله عليه طلاقهن والاستبدال بهن فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٥٢] الآية، فكان تحريم طلاقهن مستدامًا.
الحواشي
(١) دخل على عائشة، قالت: فأنزلت آية التخيير، فبدأ بي أول امرأة في فتح الباري، فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهن فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال، ويمكن الجمع بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال، فإن قصة المتظاهرتين خاصة بهما، وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة، ومناسبة آية التخيير لقصة سؤال النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين، انتهى، "فلما اخترنه" كلهن على الصحيح الثابت في البخاري ومسلم وغيرهما، وما يروى عند ابن إسحاق أن فاطمة بنت الضحاك الكلابية اختارت الدنيا، فكانت تلقط البعر، وتقول هي الشقية.
وعند ابن سعيد: أن العامرية اختارت قومها، فكانت تقول: هي الشقية، فضعفه ابن عبد البر، وتبعه بأن الآية إنما نزلت وفي عصمته التسع اللاتي توفى عنهن، وقد صرحت عائشة في الصحيحين بأنهن كلهن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة، وقد تقدم بسط ذلك في الزوجات، "وصبرن معه عوضهن" أي: قابلهن "الله على صبرهن بأمرين" الباء للمقابلة، وهي الداخلة على الأعواض أثمانًا أو غير أثمان نحو: اشتريته بألف وكافأت إحسانه بضعف، فالمعنى جعل لهن عوضًا عن صبرهن أمرين، "أحدهما: أن جعلهن أمهات المؤمنين" في الاحترام والتعظيم لا في الخلوة بهن ومنه نكاح بناتهن وأخواتهن، كما أفاده قوله: "تعظيمًا لحقهن، وتأكيدًا لحرمتهن، وتفضيلهن على سائر النساء" وهذا يصلح جعله أمرًا مستقلا، وإن أدمجه المصنف فيما قبله، "بقوله: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢] ".
قال السبكي: ظاهر الآية أن أزواجه ﷺ أفضل النساء مطلقًا حتى مريم، وظاهرها أيضًا تفضيلهن على بناته إلا أن يقال بدخولهن في اللفظ، لأنهن من نساء النبي، نقله عنه السيوطي في الإكليل وأقره، "والثاني، أن حرم عليه طلاقهن والاستبدل بهن، فقال تعالى: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ﴾ [الأحزاب: ٢٥] ، فكان تحريم طلاقهن مستدامًا" في أحد الوجهين، والآخر أن له الفراق بعد اختيارهن البقاء معه، وهو الأصح، كما مر، وأما قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدُ﴾ ، أي: من بعد التسع، ففيه خلاف، فقيل: إنها حظرت عليه النساء إلا التسع اللواتي كن عنده.стр. 3244
وأما تحريم التزويج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء، يعني اللاتي حرمن عليه، وقيل: الناسخ لتحريمهن عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] الآية.
وقال النووي في الروضة: لما خيرهن فاخترنه كافأهن على حسن صنيعهن بالجنة فقال: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . انتهى.
وإنما اختص ﷺ بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك، لأن الجمع بين عدد منهن يوغر صدورهن بالغيرة التي هي أعظم الآلام، وهو إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن خرج عن أن يكون ضررًا.
الحواشي
(١) قال ابن عطية: وكأن الآية ليست متصلة بما قبلها، وقال أبي بن كعب وعكرمة، أي: من الأصناف التي سميت، ومن قال الإباحة كانت مطلقة، قال هنا معناه لا تحل لك اليهوديات، ولا النصرانيات، وهذا تأويل في بعد، وإن روي عن مجاهد، انتهى.
"وأما تحريم التزويج عليهن فنسخ، قالت عائشة: ما مات رسول الله ﷺ حتى أحل الله له النساء، يعني اللاتي حرمن عليه" ولذا تزوج، كما مر تفصيله في الزوجات، "وقيل: الناسخ لتحريمهن عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] ، وإن تقدم عليه التلاوة، وفي ابن عطية ذهب هبة الله إلى أن قوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية، ناسخ لقوله ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية، وقال: ليس في كتاب الله ناسخ تقدم المنسوخ إلا هذا، قال: وكلامه مضعف من جهات، انتهى.
"وقال النووي في الروضة: لما خيرهن فاخترنه، كافأهن الله على حسن صنيعهن بالجنة، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ﴾ يسر وهيأ ﴿لِلْمُحْسِنَاتِ﴾ المطيعات ﴿مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ الآية، أي الجنة؛ كما قال، "انتهى، وإنما اختص ﷺ بوجوب التخيير لنسائه بين التسريح والإمساك لأن الجمع بين عدد منهن يوغر" بضم التحتية، وكسر المعجمة وبالراء، أي: يهيج "صدورهن" بالغيظ والضغن والعداوة "بالغيرة" أي: بسببها "التي هي أعظم الآلام، وهو" أي: الألم "إيذاء يكاد ينفر القلب ويوهن الاعتقاد، وكذا إلزامهن على الصبر والفقر يؤذيهن، ومهما ألقى زمام الأمر إليهن" بالتخيير "خرج عن أن يكون" ما هن عليه "ضررًا" فلا يرد أن الأولى أنстр. 3245
فنزه عن ذلك منصبه العالي. وقيل له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ .
ومنها: إتمام كل تطوع شرع فيه، حكاه في الروضة وأصلها، قال النووي: وهو ضعيف. وفرعه بعض الأصحاب: على أنه كان يحرم عليه ﷺ إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل, ذكره في تهذيب الأسماء واللغات.
ومنها: أنه كان يلزمه أداء فرض الصلاة بلا خلل. قال الماوردي: قال العراقي في شرح المهذب: إنه كان معصومًا عن نقص الفرض، والمراد خلل لا يبطل الصلاة.
وقال بعضهم: كان يجب عليه ﷺ إذا رأى ما يعجبه أن يقول: "لبيك إن العيش عيش الآخرة"، ثم قال: هذه كلمة صدرت منه ﷺ في أنعم حالة يسر بها،
الحواشي
(١) يكون ضارًا لهن، "فنزه عن ذلك منصبه العالي" على كل منصب، "وقيل له: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾ ، "ومنها إتمام كل تطوع شرع فيه، حكاه في الروضة وأصلها".
"قال النووي: وهو ضعيف" لخبر مسلم؛ أنه قال لعائشة ذات يوم: "هل عندكم شيء"؟. قالت: أهدي لنا حيس، قال: "هاتيه"، فأكله، ثم قال: "لقد كنت أصبحت صائمًا" فلو وجب عليه لم يفطر بعد الشروع في الصوم، "وفرعه بعض الأصحاب على أنه كان يحرم عليه صلى الل علي وسلم إذا لبس لأمته" أي: درعه, تجمع على لأم مثل تمرة وتمر، وعلى لؤم كنقر على غير قياس، كأنه جمع لؤمة، قاله الجوهري. "أن ينزعها حتى يلقى العدو ويقاتل، ذكره في تهذيب الأسماء واللغات" الواقعين في الشرح الكبير للرافعي على وجيز الغزالي، "ومنها: أنه كان لزمه أداء فرض الصلاة بلا خلل" يفسد كمالها، "قاله الماوردي" وإيضاحه ما "قال العراقي" أبو إسحاق إبراهيم بن منصور المصري، ولد بمصر سنة عشر وخمسمائة، وقيل له العراقي، لأنه سافر إلى بغداد، وأقام بها مدة يشتغل، ثم عاد إلى مصر، وتولى خطابة الجامع العتيق، مات سنة ست وتسعين "في شرح المهذب" وهو شرح حسن، قاله السيوطي؛ "إنه كان معصومًا عن نقص الفرض، انتهى، والمراد خلل لا يبطل الصلاة" كترك خشوع، فأما المبطل، فلا يتوهم وقوعه منه، وألحق بالصلاة غيرها من عباداته، كالصوم.
"وقال بعضهم" من خصائصه؛ أنه كان يجب عليه ﷺ إذا رأى ما يعجبه أن يقول: "لبيك إن العيش" المعتر الدائم "عيش الآخرة" لا عيش الدنيا لكدره، وكونه مع المنغصات الكثيرة، ثم هو فانٍ، وإن طال, ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ ، "ثم قال" هذا البعض: "هذه الكلمة صدرت منه ﷺ في أنعم حالة يسر بها" ويحتمل أن الهاء ضمير عائد له ﵇، وهذا أنسبстр. 3246
وهو يوم حجه بعرفة، وفي أشد حالة وهو يوم الخندق، انتهى.
ومنها: أنه كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي، ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام، كما ذكره في زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع.
ومنها: أنه كان يغان
الحواشي
(١) بقوله: "وهو يوم حجه بعرفة، وفي أشد حالة، وهو يوم الخندق، انتهى" ما قاله بعضهم، وهو وجه حكاه في الروضة، وأصلها كما في الأنموذج.
قال شارحه: والثاني لا يجب، وهو الأصح، لأنه رأى ما يعجبه يوم وقعة بدر التي أعز الله فيها الإسلام وأهله، والفتح الأعظم الذي هو فتح مكة، ولم ينقل أنه قاله مع توفر الدواعي على نقله، فلو وقع لنقل، انتهى.
"ومنها: أنه كان يؤخذ عن الدنيا حالة الوحي" أي: عند تلقيه، "ولا يسقط عنه الصوم والصلاة وسائر الأحكام" التي كلف بها، بل هو مخاطب بها في تلك الحالة، وهو آية كمال عقله فيها، وإن أخذه إنما هو بحسب الظاهر، لا الحقيقة، "كما ذكره" النووي "في زوائد الروضة عن ابن القاص والقفال، وكذا ذكره ابن سبع" والبيهقي وغيرهم، وحديث شأن الوحي في الصحيحين صريح في أنه ﷺ كان يتنقل من حالته المعروفة إلى حالة تستلزم الاستغراق والغيبة عن الحالة الدنيوية حتى ينتهي الوحي ويفارقه الملك.
قال السراج البلقيني: وهي حالة يؤخذ فيها عن حال الدنيا من غير موت، فهو مقام برزخي يحصل له عند تلقي الوحي، ولما كان البرزخ العام ينكشف فيه للميت كثير من الأحوال، خص الله نبيه ببرزخ في الحياة يلقى الله فيه، وهو مشتمل على كثير من الأسرار، وقد وقع لكثير من الصلحاء عند الغيبة بالنوم أو غيره اطلاع على كثير من الأسرار، وذلك مستمد من المقام النبوي، ويشهد لذلك حديث: "رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة" انتهى.
وتوقف شيخنا في عد هذا خصوصية، حيث كان عقله في تلك الحالة حاضرًا، لأنه لو حصل مثله لآحاد البشر، خرقًا للعادة، فاستغرق في مشاهدة الله مع حضور قلبه ومعرفة ما يرد عليه من نفع أو ضر لكان مكلفًا، اللهم إلا أن يقال عد خصوصية لكمال استغراقه حتى أن ما يدركه في تلك الحالة، كإدراكه في حالة نومه للمعاني والأحكام، لأنه لا ينام قلبه، وذلك بحسب ظاهر الحال يقتضي عدم التكليف، انتهى. فليتأمل.
"ومنها: أنه كان يغان" بغين معجمة من الغين، وهو الغطاء، قال النووي: بالنون والميم،стр. 3247
على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة. ذكره ابن القاص ونقله عنه ابن الملقن في كتاب الخصائص، ورواه مسلم وأبو داود من حديث الأغر المزني بلفظ: "إنه ليغان على قلبي وإني لأستغفر الله
الحواشي
(١) بمعنى، والمراد هنا ما يغشى "على قلبه، فيستغفر الله سبعين مرة" رواه الترمذي عن أبي هريرة رفعه: "إني لأستغفر الله في اليوم سبعين مرة" ورواه النسائي وابن حبان من حديث أنس بلفظ: "إني لأتوب إلى الله في اليوم سبعين مرة"، وروى البخاري عن أبي هريرة رفعه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة".
قال السيوطي ﵀: المختار أن هذا من المتشابه الذي لا يخاض في معناه، وقد سئل عنه الأصمعي، فقال: لو كان قلب غير النبي ﷺ لتكلمت عليه، ولكن العرب تزعم أن الغين الغيم الرقيق، انتهى.
"ذكره ابن القاص، ونقله عنه ابن الملقن في كتاب الخصائص" وأقره، ولا يخفى أن ضمير منها لما وجب، عليه لكن في الجزم بعزوه لابني القاص والملقن نظر، إذ لم يصرحا بالوجوب، إنما قالا: وكان يغان على قلبه فيستغفر الله سبعين مرة، ولذا أشار السيوطي إلى التوقف من مراد ابن القاص، وتابعه، فقال بعد نقله: وعبارة أبي سعد في شرف المصطفى، ويستغفر الله في كل يوم سبعين مرة، ولا يدرى، وعبارة رزين وما وجب عليه أن يستغفر الله في كل يوم سبعين مرة، "ورواه مسلم" في الدعوات، "وأبو داود" في الصلاة "من حديث الأغر" بفتح الهمزة والغين المعجمة، وبالراء ابن عبد الله، ويقال ابن يسار "المزني" ويقال: الجهني من المهاجرين، ومال ابن الأثير إلى التفرقة بين المزني والجهني، وليس بشيء، لأن مخرج الحديث واحد، وقد أوضح البخاري العلة فيها، وأن مسعرًا تفرد بقوله الجهني، فأزال الإشكال.
قال ابن السكن: حدثنا محمد بن الحسن عن البخاري قال: كان مسعر يقول في روايته عن الأغر الجهني والمزني أصح، وجزم أبو نعيم وابن عبد البر؛ بأن المزني والجهني واحد كما بينه في الإصابة، فقوله في التقريب: ومنهم من فرق بينهما هو بفاء أوله، وقاف آخره، أي: جعلهما اثنين، إشارة لابن الأثير، وتصحفت في عبارة، بقاف أوله، ونون آخره من النساخ، فأحوجت الشارح إلى قوله: ولعل وجه من قرن بينهما، أنه كان من إحدى القبيلتين نسبًا، وحليفًا للأخرى، أو نحو ذلك، "بلفظ: أنه" أي: الشأن "ليغان على قلبي" نائب فاعل يغان، أي: ليغشى على قلبي، وقال الطيبي: اسم أن ضمير الشأن، والجملة بعده خبر له، ومفسرة والفعل مسند إلى الظرف، ومحله رفع بالفاعلية، أي: المجازية، وهي النيابة، "وإني لأستغفر الله" أي أطلب منه الغفر، أي: الستر، هذا ظاهره، قال الحافظ: ويحتمل أن المراد هذا اللفظ بعينه،стр. 3248
في اليوم مائة مرة", وهذا لفظ مسلم، وقال أبو داود "في كل يوم" قال الشيخ ولي الدين العراقي: والظاهر أن الجملة الثانية مرتبة على الأولى، وأن سبب الاستغفار: الغين، ويدل لذلك قوله في رواية النسائي في عمل اليوم والليلة: "إنه ليغان على قلبي حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة"، وفي رواية له أيضًا: "فأستغفر الله". وألفاظ الحديث يفسر بعضها بعضًا. ويحتمل من حيث اللفظ أن تكون الجملة الثانية كلامًا برأسه غير متعلقة بما قبله، فيكون ﵇ أخبر بأنه يغان على قلبه، وبأنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة. انتهى.
الحواشي
(١) ويرجحه ما أخرجه النسائي بسند جيد، عن ابن عمر؛ أنه سمع النبي ﷺ يقول: "أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه". في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة، وله عن نافع، عن ابن عمران: كنا لنعد لرسول الله ﷺ في المجلس رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور مائة مرة "في اليوم" الواحد من الأيام، ولم يرد يومًا معينًا "مائة مرة" لا يعارض رواية سبعين، لأن المراد الكثرة لا التحديد، ولا الغاية، فالمراد: أستغفره دائمًا أبدًا، وخص المائة لكمالها في العدد المركب من الآحاد والعشرات، حتى إن ما زاد عليها، كالتكرير لذلك، كما أشار إليه الحرالي؛ لكن قال في الفتح: والمطالع كل ما جاء في الحديث من التعبير بالسبعين، قيل هو على ظاهره وحصر عدده، وقيل المراد التكثير، والعرب تضع السبع والسبعين والسبعمائة موضع الكثرة، قال في الفتح: وقوله في رواية البخاري: أكثر من سبعين، يحتمل أن يفسر برواية مائة، ووقع عند النسائي من رواية معمر عن الزهري بلفظ: "إني لأستغفر الله في اليوم خمسمائة مرة". لكن خالف معمر أصحاب الزهري في ذلك، "هذا لفظ مسلم".
"وقال أبو داود: في كل يوم" بدل قوله في اليوم، ولا منافاة بينهما؛ لأن المراد باليوم ما صدقه، وهو يتحقق مع ذلك، كما يتحقق في بعض الأيام.
"قال الشيخ ولي الدين العراقي: والظاهر أن الجملة الثانية" أي قوله: وإني لأستغفر الله ... إلخ، "مرتبة على الأولى" التي هي أنه ليغان على قلبي، وأن سبب الاستغفار الغين ويدل لذلك قوله في رواية النسائي في عمل اليوم والليلة: "إنه ليغان على قلبي" أي: ويدوم أثر ذلك "حتى أستغفر الله كل يوم مائة مرة" فيزول، وفي رواية له أيضًا: "فأستغفر الله" فصرح بفاء السببية، "وألفاظ الحديث المختلفة يفسر بعضها بعضًا" فتحمل الجملة الثانية على أنها مسببة عن الأولى، فتوافق الروايتين، "ويحتمل من حيث اللفظ" بقطع النظر عن الروايتين "أن تكون الجملة الثانية كلامًا برأسه، غير متعلقة بما قبله، فيكون ﵇ أخبر بأنه يغان على قلبه، وأخبر "بأنه يستغفر الله في اليوم مائة مرة" وليس الاستغفار مسببًا عن الغين، فأخبرстр. 3249
وقال أبو عبيد: أصل الغين في هذا، ما يغشى القلب ويغطيه، وأصله: من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها.
وقال غيره: الغين شيء يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية، كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء فلا يمنع ضوء الشمس.
قال القاضي عياض -بعد حكايته لذلك: فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه وسهواها عن مداومة الذكر ومشاهدة الحق بما كان ﷺ دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة.
الحواشي
(١) بحصول الغين مع كثرة الاستغفار، فما الظن بمن ليس كذلك، والجملة حال مقدرة، "انتهى"، لكن الوجه الأول لقاعدة المحدثين أن خير ما فسرته بالوارد.
"وقال أبو عبيد" القاسم بن سلام بالتشديد البغدادي، الإمام المشهور، المصنف، الثقة، الفاضل، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائتين في غريب الحديث، "أصل الغين" أي: ما وضع له أولا "في هذا ما يغشى" بفتح الياء والشين الخفيفة، أو بضمها وكسر الشين مشددة والأول أظهر "القلب" أي: يعرض له أو يستره "ويغطيه" عطف تفسير، وهو استعارة لما يشغله، "وأصله" أي: ما وضع له أولا مأخوذ "من غين السماء، وهو إطباق الغيم عليها" فأطلق على ما يغشى لاشتراكهما في مجرد التغطية.
"وقال غيره: الغين شيء يغشى القلب ولا يغطيه كل التغطية" أي لا يغطيه كله، "كالغيم الرقيق الذي يعرض في الهواء" أي: في الجو "فلا يمنع ضوء الشمس" لرقته.
"قال القاضي عياض" في الشفاء: "بعد حكايته لذلك" المذكور عن أبي عبيدة وغيره، "فيكون المراد بهذا الغين إشارة إلى غفلات قلبه وفترات نفسه" أي: فتورها "وسهوها" أي: زوال صورتها عن الفكر، وبين ما غفل عنه من فتور وسهو، فقال "عن مداومة الذكر" أي ذكره الله بلسانه وقلبه، "ومشاهدة الحق" إن أريد به الله تعالى، فالمراد مشاهدته في مزايا مصنوعاته حتى كأنه يراه عيانًا، وإن أريد الحق الثابت المتيقن من العلوم الحقة والأمور اليقينية اللدنية، فهو واضح، ولما كان هذا لا يناسب مقامه ﷺ ، أشار إلى دفعه بما لم يتنبه له المعترض بالتعقب الآتي، فقال: "بما": أي بسبب ما "كان ﷺ دفع إليه" بالبناء للمجهول، أي: فوض إليه وأعطيه "من مقاساة البشر" أي مكابدتهم، وتحمل مشاقهم "وسياسة الأمة" تدبيرهم وأمرهم بما يصلح شأنهم من ساسه يسوسه إذا قام عليه لإصلاح أموره، وهو لفظ عربي لا معرب،стр. 3250
ومعاناة الأهل، ومقاومة الولي والعدو، ومصلحة النفس، وكلفه من أعباء أداء الرسالة وحمل الأمانة، وهو في كل هذا في طاعة ربه، وعبادة خالقه، لكن لما كان ﷺ أرفع الخلق عند الله مكانة وأعلاهم درجة، وأتمهم به معرفة، وكانت حالته عند خلوص قلبه وخلو همته، وتفرده بربه وإقباله بكليته عليه، ومقامه هنالك أرفع حاليه، رأى ﵇ حال فترته عنها، وشغله بسواها غضًا.
الحواشي
(١) كما توهم، وهي حكم مخصوص بما يكون بطريق القهر والضبط، "ومعاناة الأهل" أي: تحمل المشاق من جهتهم، أي: الاعتناء بأمورهم والتقييد بما فيه معاشرهم, "ومقاومة الولي" من يواليه ويتبعه، أي: القيام معه بالمناصرة والحفظ "والعدو" بدفع شره وحمله على الإسلام والتمسك بالحق "ومصلحة النفس" أي: نفسه في أمور معاشه، "وكلفه" بالبناء للمفعول، معطوف على دفع إليه "من أعباء" بفتح وإسكان، آخره همز: جمع عبء، بالكسر ويفتح، أي: أثقال حاصله في "أداء الرسالة" وهو ما يكون له في تبليغها ودعوة الخلق، "وحمل" بفتح أوله "الأمانة" أي: ما استودعه الله تعالى من أسراره وإعطاء كل ذي حق حقه، وليس المراد بها طاعة الله التي أوجبها عليه، كما قيل: كذا في النسيم، وحمل شيخنا على ما نفاه، فقال: أي ما كلفه من الأحكام الشرعية، سميت أمانة لوجوب أدائها، كما يجب أاء الوديعة مثلا لمالكها، انتهى، والمثبت أوجه، "وهو" ﷺ "في كل هذا" المذكور "في طاعة ربه وعبادة خالقه" عطف أخص على أعم، وهذا دفع لتوهم أنه كان اللائق أن لا يشغله شيء عن ذكر ربه ومشاهدته؛ بأنه لم يشغله به لحظوظ نفسانية، ولا لأمور رئاسية، وإنما الله شغله بذلك، فما حصل ذلك إلا لخدمته التي أمره الله بها، ولما ورد عليه إن كان هذا طاعة وعبادة، فلم استغفر منه وجهه على طريق الاستدراك بقوله: "ولكن لما كان ﷺ أرفع" أعلى "الخلق عند الله مكانة" أي: رتبة ومنزلة، "وأعلاهم درجة" تمييز "وأتمهم" أكملهم "به" أي: الله "معرفة" فهو أعرف بالله ممن سواه، وآخر هذا، لأنه مرتب على ما قبله في المعقول والمحسوس، "وكانت حالته" أمره وشأنه "عند خلوص قلبه" لله، بحيث لا يمر به سواه، "وخلو همته وتفرده بربه" أي: جعل أمره منفردًا بالتوجه لجانبه الأعلى، فيكون قلبه معه وحده في خلوته، فإن ذاكر الله جليس الرحمن، كما ورد عنه ﷺ "وإقباله بكليته" أي: ذاته كلها قلبًا وقالبًا "عليه، ومقامه هنالك" أي: إقامته مع الله وحده في حظيرة قدس قربه، وأشار بالبعد لعلو مقامه ثمة "أرفع" أي: أعلى "حاليه" أي حال اشتغاله بالظاهر، وحال كونه مع الله، وكل منهما رفيعة، لكن هذه أرفع، "رأى ﵇" شاهدًا، وعلم "حال فترته عنها وشغله بسواها" أي: اشتغاله بغيرها "غضًا بمعجمتين،стр. 3251
من عُليِّ حاله، وخفضا من رفيع مقامه، فاستغفر الله من ذلك، قال: وهذا أولى وجوه الحديث وأشهرها، وإلى معنى ما أشرنا إليه مال كثير من الناس، وحام حوله فقارب ولم يرد، وقد قربنا غامض معناه، وكشفنا للمستفيد محياه، وهو مبني على جواز الفترات والغفلات والسهو في غير طريق البلاغ، انتهى.
وتعقب: بأنه لا ترضى نسبته ﷺ إلى ذلك، لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة عليه بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة، ولقوله ﵇: "لست أنسى ولكن أنسي لأسن".
الحواشي
(١) أي: نقصًا كناية عن التنزيل "من عُليِّ حاله" أي: حالة العلا، "وخفضًا": أي حطا وتنزيلا "من رفيع مقامه" بالنسبة للحالة الأخرى، وإن لم يكن كذلك في نفسه، لأنه في عبادة "فاستغفر الله من ذلك" لعده بالنسبة لمقامه الآخر كالذنب.
"قال" عياض: "وهذا" التفسير "أولى وجوه الحديث" التي ذكرت في توجيهه "وأشهرها: وإلى معنى ما أشرنا إليه، مال كثير من الناس، وحام حوله، فقارب ولم يرد" أي: لم يصل إليه استعارة من ورد الماء إذا أتاه ليستقي منه، وفيه إشارة إلى أن فيه شفاء العليل وثلج الصدور، وأن للنفس ظمأ إليه، وفيه بلاغة ظاهرة، "وقد قربنا غامض" أي أدنينا لمن قاربه خفي "معناه" الذي لم يتضح، "وكشفنا للمستفيد" طالب الفائدة العلمية من تجارته الرابحة "محياه" بضم الميم، وفتح الحاء، وشد الياء: وجهه الحسن شبهه بحسان مخدرة "وهو"، أي: هذا التفسير "مبني" أي: متفرع "على جواز الفترات والغفلات والسهو" على جمي الأنبياء ﵈ "في غير طريق البلاغ" فلا يجوز ذلك فيه لمنافاته له، وقد انتقد عليه بناؤه على هذا بأنه جعل أولا الثلاثة عبارة عن اشتغاله بأمر أمته وأهله ولا غفلة ولا فترة ولا سهو حقيقة، فكيف بناه على غير أساه، فهو كالغفلة عما قاله، "انتهى" كلام عياض. "وتعقب؛ بأنه لا ترضى نسبته ﷺ إلى ذلك" حتى قيل: لا ينبغي ذكره "لما يلزم عليه من تفضيل الملائكة عليه بعدم الفترة عن التسبيح والمشاهدة" وهو خلاف الإجماع من تفضيله عليهم، وقدمنا الجواب عنه؛ بأن هذا غفلة من المتعقب؛ لأنه أشار إلى دفع هذا الاعتراض بقوله: بما كان دفع إليه ... إلخ، فلم يشتغل عن ذلك إلا لأمر الله له بهذا لما ترتب عليه من حكم وأحكام شرعية.
ولقوله ﵇: "لست أنسى" تعليل ثان لكونه لا ترضى نسبته إلى ذلك، لأنه نفى عنه النسيان هذا ظاهره، لكن يرد عليه قوله: "ولكن أُنسَّى" بالتشديد مبني للمجهول "لأسن" فإنه ظاهر في أن ذلك لم ينشأ عن غفلة، فالأولى جعله جوابًا عن التعقب، وكأنه قال: ورد لقولهстр. 3252
فهذه ليست فترة وإنما هي لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعي، فالأولى أن يحمل على ما جعله علة فيه، وهو ما دفع إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة، ومعاناة الأهل، وحمل كل أعباء النبوة وحمل أثقالها، انتهى.
وقيل: الغين شيء يعتري القلب مما يقع من حديث النفس، قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه، وقال: إن والده كان يقرره.
وقيل: كانت حالة يطلع فيها على أحوال أمته فيستغفر الله لهم.
وقيل: هو السكينة التي تغشى قلبه، والاستغفار لإظهار العبودية لله تعالى، والشكر.
الحواشي
(١) ﵇ بدليل قوله: "فهذه ليست فترة" وإنما هي لحكمة مقصودة يثبت بها حكم شرعي" كما أشار إليه عياض، "فالأولى أن يحمل" الحديث "على ما جعله" عياض "علة فيه، وهو ما دفع" أي أوصل وفوض "إليه من مقاساة البشر وسياسة الأمة ومعاناة الأهل، وحمل كل" بفتح الكاف، وشد اللام "أعباء النبوة، وحمل أثقالها" عطف تفسير، "انتهى".
وحاصله: إن ترك التسبيح ونحوه إنما هو لحكم وترتيب أحكام شرعية عليها، وقد صرح في الشفاء بعد هذا المبحث بكثير لما ذكر سهوه في الصلاة بقوله: والسهو هنا في حقه سبب إفادة علم وتقرير شرع، كما قال: "إني لأنسى أو أُنسَّى لأسن". بل قد روي: "لست أنسى، ولكن أنسى لأسن"، وهذه الحالة زيادة له في التبليغ، وتمام النعمة عليه بعيدة عن سمات النقص وأغراض الطعن، انتهى.
"وقيل: الغين شيء يعتري القلب" الصافي "مما يقع من حديث النفس" لا بالمعنى الأول، فهو من جملة الأجوبة، وقال شيخنا: ليس مقابلا للخلاف السابق في معناه، بل هو سبب لما يحصل للقلب مما يغشاه، وفيه أن المتبادر خلافه، وقد جعله النووي من جملة الأجوبة، ويدل على ذلك ما "قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر" في فتح الباري في كتاب الدعوات: "وهذا أشار إليه الرافعي في أماليه، وقال: إن والده كان يقرره" جوابًا عن الحديث، "وقيل: كانت" الهيئة التي تعتري القلب "حالة يطلع فيها على أحوال أمته، فيستغفر الله لهم" أي يدعو بالمغفرة لما صدر منهم، أو سيصدر، فالغين خواطره فيما يتعلق بهم لاهتمامه بهم وكثرة شفقته عليهم واستغفاره، وإنما هو لهم، فلا إشكال أصلا.
"وقيل: هو" أي: الغين "السكينة" الوقار والتأني والطمأنينة في الأمور "التي تغشى قلبه" أي: تعرض له، "والاستغفار" عندها "لإظهار العبودية لله تعالى" والافتقار إليه، "والشكرстр. 3253
لما أولاه.
وقال شيخ الإسلام ابن العراقي أيضًا: هذه الجملة حالية، أخبر ﵇ أنه يغان على قلبه من أن حالة الاستغفار في اليوم مائة مرة، وهي حال مقدرة، لأن الغين ليس موجودًا في حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين. قال: وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى، فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا، وحجابًا بينه وبينها، فيجتمع القلب حينئذ على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرًا وملازمة للعبودية، قال: وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى ومراده قوله في "الشفاء": وقد يحتمل أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام تغشى قلبه فيستغفر حينئذ شكرًا لله تعالى، وملازمة لعبوديته.
الحواشي
(١) لما أولاه" فالغين ليس نقصًا، بل صفة كمال، إذ هو خضوع وخشوع، والاستغفار عنه شكرًا لتلك النعمة.
"وقال شيخ الإسلام" الحافظ ولي الدين أحمد "بن" الحافظ عبد الرحيم "العراقي أيضًا: هذه الجملة حالية أخبر ﵇؛ أنه يغان على قلبه مع أن حالة الاستغفار في اليوم مائة مرة، وهي حال مقدرة؛ لأن الغين ليس موجودًا في حال الاستغفار، بل إذا جاء الاستغفار أذهب ذلك الغين" فليست الجملة الثانية مسببة عن الأولى.
"قال" ابن العراقي: "وعلى تقدير تعلق إحدى الجملتين بالأخرى، وأن الثانية مسببة عن الأولى" كما هو الظاهر المؤيد بروايتي النسائي: فاستغفر وحتى أستغفر؛ كما مر، "فيحتمل أن يكون هذا الغين تغطية للقلب عن أمور الدنيا وحجابًا بينه وبينها، فيجتمع القلب حينئذ" أي حين يحصل له ذلك "على الله تعالى ويتفرغ للاستغفار شكرًا وملازمة للعبودية" وهذا قريب أو مساوٍ للسكينة التي حكاها أولا بقوله: وقيل هو السكينة ... إلخ، كذا قيل قطعًا، وقد ذكر الأمرين في الشفاء؛ كما "قال: وهذا معنى ما قاله القاضي عياض، انتهى" كلام الولي.
"ومراده قوله في الشفاء: وقد يحتمل الحديث أن تكون هذه الإغانة حالة خشية وإعظام" لله، ومنه "تغشى قلبه" أي: تعرض له من تصور ذلك "فيستغفر حينئذ" أي حين غشيته هذه الحالة "شكرًا لله تعالى" على نعمة جليلة؛ أن عرفه عظمته وخشيته، وهو أعظم المعلومات، "وملازمة" مداومة "لعبوديته" إذ مقتضاها عده نفسه مقصرًا لا يفي بأداء خدمته فذلك يستغفره، وبقية قول الشفاء: كما قال ﷺ من ملازمة العبادة: "أفلا أكون عبدًا شكورًا".стр. 3254
قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جدًا، وتكون الجملة الثانية مسببة عن الأولى، لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في إزالة الغين، بل بمعنى أن الغين أصل محمود، وهو الذي تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال وأحسنها لأن الغين حينئذ وصف محمود وهو الذي نشأ عنه الاستغفار، وعلى الأول يكون "الغين" مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك، وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء، فنحمله على غشاء يليق بحاله ﷺ ، وهو الغشاء الذي يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على أمر الغشاء أمرًا محمودًا وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، وانتهى.
وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في كتابه "لطائف المتن" أن الشيخ أبا الحسن الشاذلي قال: رأيت النبي ﷺ في النوم فسألته عن هذا الحديث "إنه ليغان على قلبي" فقال
الحواشي
(١) "قال الشيخ ابن العراقي: وهو عندي كلام حسن جدًا" بالغ في الحسن، "وتكون الجملة الثانية مسببة عن الأولى لا بمعنى أنه يسعى بالاستغفار في إزالة الغين" لأنه كمال، "بل بمعنى أن الغين أصل محمود" أي: أمر يحمد عليه، "وهو الذي تسبب عنه الاستغفار، وترتب عليه، وهذا أنزه الأقوال" أبعدها عن الاعتراض والتكلفات "وأحسنها؛ لأن الغين حينئذ وصف محمود، وهو الذي نشأ عنه الاستغفار" فنشأ محمود عن محمود، "وعلى الأول" الذي هو الغفلات والفترات بالمعنى المتقدم "يكون الغين مما يسعى في إزالته بالاستغفار، وما ترتب الإشكال وجاء السؤال إلا على تفسير الغين بذلك" أي: الغفلة والسهو بالمعنى المار، "وأهل اللغة إنما فسروا الغين بالغشاء" وهو في كل محل بما يناسبه، "فنحمله على غشاء يليق بحاله ﷺ ، وهو الغشاء الذي يصرف القلب ويحجبه عن أمور الدنيا، لا سيما وقد رتب على أمر الغشاء" إضافة بيانية "أمرًا محمودًا، وهو الاستغفار، فما نشأ هذا الأمر الحسن إلا عن أمر حسن، انتهى" كلام ابن العراقي.
"وذكر الشيخ تاج الدين بن عطاء الله" ما يقوي هذا "في كتابه لطائف المتن" في مناقب الشيخ أبي العباس والشيخ أبي الحسن؛ "أن الشيخ أبا الحسن" علي بن عبد الله المغربي "الشاذلي" الشريف الهاشمي، من ذرية محمد بن الحنفية، مر بعض ترجمته شيخ الشاذلية، "قال: رأيت النبي ﷺ في النوم، فسألته عن هذا الحديث: "أنه ليغان على قلبي"، فقالстр. 3255
لي: يا مبارك: ذلك غين الأنوار، لا غين الأغيار.
الحواشي
(١) لي: يا مبارك ذلك غين الأنوار" الواردة عليه، "لا غين الأغيار" إذ لا يعتريه، ولذا قال المحاسبي: خوف المقربين من الأنبياء والملائكة خوف إجلال وإعظام، وإن كانوا آمنين عذاب الله.
وقال السهروردي: لا تعتقد أن الغين حالة نقص، بل هو كمال، أو تتمة كمال ثم مثل ذلك بجفن العين، حين يسيل ليدفع القذى عن العين، مثلا فإنه يمنعها من الرؤية، فهو صورة نقص من هذه الحيثية، وفي الحقيقة هو كمال هذا محصل كلامه بعبارة طويلة، قال: فهكذا بصيرة النبي ﷺ متعرضة للأغيرة الثائرة من أنفاس الأغيار، فدعت الحاجة إلى الستر على حدقة بصيرته صيانة لها ووقاية عن ذلك، انتهى.
وقد استشكل وقوع الاستغفار من النبي ﷺ وهو معصوم، والاستغفار يستدعي وقوع معصية، وأجيب بأجوبة منها ما تقدم في تفسير الغين، ومنها قول ابن الجوزي: هفوات الطباع البشري لا يسلم منها أحد، والأنبياء وإن عصموا من الكبائر لم يعصموا من الصغائر، كذا قال وهو مفرع على خلاف المختار، والراجح من عصمتهم من الصغائر أيضًا، ومنها قول ابن بطال: الأنبياء أشد الناس اجتهادًا في العبادة لما أعطاهم الله من المعرفة، فهم دائبون في شكره، معترفون له بالتقصير، انتهى.
ومحصل جوابه؛ أن الاستغفار من التقصير في أداء الحق الواجب له تعالى، ويحتمل أن يكون لاشتغاله بالأمور المباحة من أكل، أو شرب، أو جماع، أو نوم، أو راحة، أو مخاطبة الناس والنظر في مصالحهم، ومحاربة عدوهم تارة ومداراته أخرى، وتأليف المؤلفة، وغير ذلك مما يحجبه عن الاشتغال بذكر الله والتضرع إليه، ومشاهدته ومراقبته، فيرى ذلك ذنبًا بالنسبة إلى المقام العلي، وهو الحضور في حظيرة القدس، ومنها أن استغفاره تشريع لأمته أو من ذنوبهم، فهو كالشفاعة لهم، وقال الغزالي: كان ﷺ دائم الترقي، فإذا ارتقى إلى حال رأى ما قبلها ذنبًا، فاستغفر من احال السابق، وهذا مفرع على أن العدد المذكور في استغفاره كان مفرقًا بحسب تعدد الأحوال، وظاهر ألفاظ الحديث يخالف ذلك، إذ ليس فيها ما يدل على افتراق واجتماع. ا. هـ. وقد اقتصر المصنف في هذا القسم على ما ذكره وزاد عليه غيره فيه أكثر مما ذكر.стр. 3256
القسم الثاني: ما اختص به ﷺ
مما حرم عليه:
فمنها: تحريم الزكاة عليه، وكذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قال ﵊: "إنا لا نأكل الصدقة" رواه مسلم، ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث. قال شيخ الإسلام ابن العراقي، في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه ﵊ الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبًا وإما تنزهًا، انتهى.
والحكمة في ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس.
ومنها: تحريم الزكاة على آله ﷺ
الحواشي
(١) القسم الثاني: ما اختص به ﷺ مما حرم عليه:
"القسم الثاني: ما" أي: أشياء "اختص به ﷺ " عن الأمة، فلا ينافي مشاركة الأنبياء له
في بعضها "مما حرم عليه" دون أمته، ليكثر ثوابه في اجتنابه، وخص بها تكرمة له، لأن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه، وفعل المندوب، "فمنها" أي: المحرمات عليه وعلى آله لأجله: "تحريم الزكاة عليه" أي: أخذها وعدم سقوطها عن مالكها لو وقع، "وكذا الصدقة" والكفارة والنذور "على الصحيح المشهور المنصوص، قال ﵊: "إنا لا نأكل الصدقة" وهي تشمل الفرض والنفل "رواه مسلم".
قال البلقيني: وخرجت على ذلك؛ أنه يحرم أن يوقف عليه معينًا؛ لأن الوقف صدقة تطوع، قال: وفي الجواهر له يؤيده، فإنه قال: صدقة التطوع كانت حرامًا عليه. وعن أبي هريرة، أن صدقات الأعيان كانت حرامًا عليه دون العامة، كالمساجد ومياه الآبار، قاله في الأنموذج.
"ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث" بل يرده قوله ﷺ : "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" رواه أحمد بإسناد قوي، كما في الفتح، وجزم الحسن البصري؛ بأن الأنبياء مثله، لأنها أوساخ، وقال ابن عيينة: تحل لهم بدليل: وتصدق علينا.
"قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه ﵊ الامتناع من أكل الصدقة، إما وجوبًا وإما تنزهًا، انتهى" لأن القائل بالتنزه لم يقل بأكلها، "والحكمة في ذلك صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس" لأن الصدقة تطهر المال واجبة، كالزكاة، أو مندوبة كالتطوع، ولأنها تنبئ عن ذل الآخذ وعز المأخوذ منه، وأبدل بها الفيء المأخوذ بالقهر والغلبة لأنبائه بعز الآخذ وذل المأخوذ منه.
"ومنها: تحريم الزكاة على آله" وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب عند الشافعيةстр. 3257
وتحريم كون آله عمالا على الزكاة في الأصح، كذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة التطوع فتحل لهم في الأصح خلافًا للمالكية وهو وجه عندنا.
ومنها: أنه يحرم عليه ﷺ كل ما له رائحة كريهة، كثوم وبصل، لتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة.
الحواشي
(١) وبعض المالكية، والمشهور عندهم بنو هاشم فقط؛ لقوله ﷺ : "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد" رواه مسلم، ولقوله: "إن الله حرم عليّ الصدقة وعلى أهل بيتي"، رواه ابن سعد وغيره.
قال الطيبي: وقد اجتمع في الحديث مبالغات شتى، حيث جعل المشبه به أوساخ الناس للتهجين والتقبيح، تنفيرًا واستقذارًا، وأجل حضرة الرسالة ومنبع الطهارة أن ينسب إلى ذلك، فجرد عن نفسه الطاهرة من يسمى محمدًا؛ كأنه غيره وهو هو، فإن الطيبات للطيبين، لا يقال كيف أباحها لبعض أمته، ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لأنا نقول: ما أباحها لهم عزيمة، بل اضطرارًا، وكم من حدث تراه ناهيًا عن السؤال، فعلى الحازم أن يراها كالميتة، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، انتهى.
"وتحريم كون آله عمالا" ولو من بعضهم لبعض "على الزكاة في الأصح" لخبر الحاكم عن علي، قلت للعباس: سل رسول الله أن يستعملك على الصدقة، فسأله، فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة الأيدي"، "وكذا يحرم النذر والكفارة إليهم" ولكون تحريم ذلك على آله بسبب انتسابهم إليه عد ذلك من خصائصه.
"وأما صدقة التطوع، فتحل لهم في الأصح" عند الشافعية والحنابلة وأكثر الحنفية، وهو الصحيح المشهور عند المالكية، وص عليه مالك وابن القاسم، وأما قوله: "خلافًا للمالكية" فضعيف غره فيه، كالسيوطي اقتصار العلامة خليل عليه وما علما أنه متعقب، "وهو وجه عندنا" واستدل للحل بما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه؛ أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقات؟ فقال: إنما حرم علينا الصدقة المفروضة.
وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي، فثبت ذلك في حق القرابة، وقيس بها مواليها، زاد في الأنموذج: وعلى موالي وآله، أي خص بتحريم الزكاة عليهم في الأصح؛ لقوله ﷺ : "إن الصدقة لا تحل لنا"، وإن مولى القوم من أنفسهم وعلى زوجته بالإجماع، حكاه ابن عبد البر.
"ومنها: أنه يحرم عليه ﷺ كل ما له رائحة كريهة كثوم" بضم المثلثة، "وبصل" وكراث إذا كان ذلك نبأ؛ "لتوقع مجيء الملائكة والوحي له كل ساعة" فيتأذون بريحهстр. 3258
والأكل متكئًا في أحد الوجهين فيهما، والأصح في الروضة كراهتهما، وتعقب السهيلي الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضًا لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك.
ومنها تحريم الكتابة والشعر، وإنما يتجه القول لتحريمهما ممن يقول إنه ﷺ كان يحسنهما، والأصح أنه كان لا يحسنهما، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ، أي: ما هو في طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته ولا يصلح له.
وأجيب: بأن المراد تحريم التوصل إليهما.
الحواشي
(١) لا مطبوخًا، فكان يأكله، كما رواه أبو داود والترمذي لانتفاء العلة.
وروى أبو داود عن عائشة: آخر طعام أكله في بيتي فيه بصل، زاد البيهقي: كان مشويًا في قدر، "والأكل متكئًا" أي: مائلا على أحد شقيه، أو معتمدًا على وطاء تحته، أو على يده اليسرى، أقوال مرت رجح بعضهم أوسطها وبعض أولها، وهذا "في أحد الوجهين فيهما" وهو مذهب مالك.
"والأصح في الروضة كراهتهما" لما في مسلم: أن أبا أيوب صنع للنبي ﷺ طعامًا فيه بصل، وفي رواية: أرسل إليه بطعام فيه بصل أو كراث، فرده، فقال: أحرام هو؟ قال: "لا ولكني أكرهه"، "وتعقب السهيلي: الاتكاء" أي القول بتخصيصه بكراهته، "فقال: قد يكره لغيره أيضًا؛ لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك" في الأطعمة.
"ومنها: تحريم الكتابة والشعر" بجميع أنواعه، ومنه الرجز عند الجمهور خلافًا للأخفش، "وإنما يتجه" كما قال الرافعي "القول بتحريمهما" عليه "ممن يقول: إنه ﷺ كان يحسنهما" ولكن لا يكتب ولا يقول الشعر، "والأصح أنه كان لا يحسنهما" لأن الله "قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾ ، أي: من القرآن ﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينَكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، أي: اليهود، وقالوا: الذي في التوراة إنه أمي. "وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ، أي ما هو في طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته" سجيته وطبيعته، "ولا يصلح له" تفسير لما ينبغي، "وأجيب" عن عدهما من الخصائص، كما أجاب به النووي في الروضة، فقال: "بأن" لا يمتنع تحريمها، وإن كان لا يحسنهما، فإن "المراد تحريم التوصل إليهما" بأن يريد تعلم ذلك، قال شيخنا: ولعل القائل بعدم حرمته يرى أن هذстр. 3259
وهل منع الشعر خاص به ﵇ أو بنوع الأنبياء؟ قال بعضهم: هو عام لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ، لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة. وتقدم في قصة الحديبية البحث في كونه ﵇ كان يحسن الكتابة أم لا.
ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين عدوه.
ومنها: المن ليستكثر، ذكره الرافعي، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ [المدثر: ٦] .
الحواشي
(١) لما لم يكن في طبيعته كان كالمحال عليه، فلا يخطر في نفسه حتى يمنع من التعلم له، "وهل منع الشعر خاص به ﵇" لما رواه الطبراني عن علي لما قتل ابن آدم أخاه بكى آدم، وقال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ... وغيب ذلك الوجه المليح
"أو" خاص "بنوع الأنبياء" لما رواه الثعلبي عن ابن عباس، قال: إن محمدًا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، "قال بعضهم: هو عام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ؛ لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة" لأن الشعر مبني على تخيلات مرغبة ومنفرة ونحوهما مما لا يليق بمقامه صلى الله عليه عليه وسلم، فصرفت طبيعته عن ذلك لعده نقصًا بالنسبة له، وهذا المعنى موجود في حق جميع الأنبياء؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، "وتقدم في قصة الحديبية البحث في كوه ﵇ كان يحسن الكتابة، أم لا؟ " وأن الصحيح لا.
"ومنها": تحريم "نزع لأمته" هي الدرع والسلاح، بهمزة ساكنة بعد ألف، وقد تخفف، "إذا لبسها حتى يقاتل" إن احتيج له، فلو هرب عدوه، أو حصل بينهم صلح، أو نحو ذلك جاز نزعها، وقد يشعر به قوله: "أو يحكم الله بينه وبين عدوه" لما رواه أحمد، وحسنه البيهقي، وعلقه البخاري عن جابر: أنه ﷺ قال: "ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" ولأحمد أيضًا والطبراني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعًا: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" فذكر في كل حديث غاية، فجمع المصنف بينهما، زاد في الأنموذج: وكذلك الأنبياء.
قال أبو سعيد وابن سراقة: وكان لا يرجع إذا خرج إلى الحرب، ولا ينهزم إذا لقي العدو.
"ومنها: المن، ليستكثر ذكره الرافعي" وغيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ [المدثر: ٦] ،стр. 3260
أي: لا تعط شيئًا لتطلب أكثر منه، بل أعط لربك واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب، قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبي ﷺ خاصة، وليس على أحد من أمته، وقال قتادة: لا تعط شيئًا لمجازاة الدنيا، أي أعط لربك، وعن الحسن: لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرًا وعوضًا من الدنيا.
ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ ، أي: استحسانًا له وتمنيًا أن يكون لك مثله ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨] .
الحواشي
(١) "أي: لا تعط شيئًا لتطلب أكثر منه" لأنه طمع لا يليق به، "بل أعط لربك واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب" وأجل الأخلاق؛ فإن من أعطي ليثاب أكثر لم يكن له أجر لقصده الاستكثار، "قاله أكثر المفسرين" ومنهم ابن عباس، قال ابن عطية: فكأنه من قولهم من إذا أعطى.
"وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبي ﷺ خاصة" لما ثبت عندهما بذلك، وإلا فالآية بمجردها لا تفيد الخصوصية، "وليس" يحرم "على أحد من أمته" ذلك، بل هو مباح لهم، لكن لا أجر لهم فيه، قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، "وقال قتادة: لا تعط شيئًا لمجازاة الدنيا، أي: أعط لربك" هو مثل قول الأكثر، والذي في ابن عطية عن قتادة: أن المعنى لا تدل بعلمك، ففي هذا التأويل تحريض على الجد وتخويف.
"وعن الحسن" البصري: "لا تمنن على الله بعملك فتستكثره" وتعجب به، "وقيل" أي: قال ابن زيد: "لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرًا وعوضًا من الدنيا.
وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: لا تمنن تستكثر، دعوت فلم أجب، قال ابن عطية: فهذه الأقوال كلها من المن الذي هو تعديد اليد، وذكرها.
وقال مجاهد: معناه لا تضعف فتستكثر ما حملناك من أعباء الرسالة، فهذا من قولهم حبل متين، أي ضعيف، انتهى.
"ومنها: مد الأعين إلى ما متع" بضم الميم، وكسر الفوقية مشددة "به الناس" من زهرة الحياة الدنيا، "قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تنظر بهما "إلى ما متعنا به" الآية، أي: استحسانًا له وتمنيًا أن يكون لك مثله ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الحجر: ٨٨] ،следующие страницы →