Полный текст (5 943 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
إكرامًا له ﷺ لتقر عينه.
وقال في الأحكام: ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب الجنة في جملة من يدخلها طائعًا فينجو، إلا أبا طالب فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن.
الحواشي
(١) أتطيعوني؟ "، وذكر نحو ما تقدم.
وفي الباب أحاديث آخر كما مرت الإشارة إليه، فإذا أطاع جماعة؛ كما هو صريح الأحاديث فما الظن بالآل إلا أنهم يطيعون ويدخلون الجنة. "إكرامًا له ﷺ " وكفى بظن هذا الحافظ حجة إذ لايقوله إلا عن أدلة كالنهار، "وقال في الأحكام" وكذا في الإصابة "ونحن نرجو أن يدخل عبد المطلب وآل بيته الجنة في جملة من يدخلها طائعًا، فينجو" لأنه ورد ما يدل على أنه كان على الحنيفية والتوحيد حيث تبرأ من الصليب وعابديه، فقد روى ابن سعد عن ابن عباس، أنه قال لما قدم أصحاب الفيل:
لا هم إن المرء يمـ ... ـنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ... ومحالهم عدوا محالك
وأورده جماعة بلفظ:
وانصر على آل الصليـ ... ـب وعابديه اليوم آلك
وفي طبقات ابن سعد بأسانيده أن عبد المطلب، قال: لأم أيمن: يا بركة لا تغفلي عن ابني فإني وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة وإن أهل الكتاب يقولون: إن ابني نبي هذه الأمة، وقال الشهرستاني: مما يدل على إثباته المعاد والمبدأ أنه كان يضرب بالقداح على ابنه، ويقول:
يا رب أنت الملك المحمود ... وأنت ربي الملك المعيد
من عند الطارف والتليد
ومما يدل على معرفته بحال الرسالة وشرف النبوة أن أهل مكة لما أصابهم ذلك الجدب أمر أبا طالب أن يحضر بالنبي ﷺ وهو صغير، فاستقى به.
"إلا أبا طالب" لا ينجو "فإنه أدرك البعثة ولم يؤمن" وقد ثبت في الصحيح: أنه أهون أهل النار عذابًا، قال السيوطي: فهذا مما يدل على أن أبوي النبي ﷺ ليسا في النار، إذ لو كانا فيها أهون عذابًا، منه؛ لأنها أقرب منه مكانًا وأبسط عذرًا فإنهما لم يدركا البعثة ولا عرض عليهما الإسلام فامتنعا بخلافه، وقد أخبر الصادق المصدوق أنه أهون أهل النار عذابًا فليس أبواه من أهلها، وهذا يسمى عند أهل الأصول دلالة الإشارة، ولم يقل وإلا أبا لهب للقطع بكفره فلا يحتاج لإخراجه.стр. 352
وقد كانت أم أيمن، بركة، دابته وحاضنته بعد موت أمه، وكان ﵇ يقول لها: أنت أمي بعد أمي.
ومات جده عبد المطلب كافله، وله ثمان سنين -وقيل ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل تسع، وقيل عشر، وقيل ست، وقيل ثلاث وفيه نظر- وله عشر ومائة سنة، وقيل مائة وأربعون سنة.
الحواشي
(١) "وقد كانت أم أيمن" بفتح الهمزة وسكون التحتية وفتح الميم وبالنون ابن عبيد الخزرجي المستشهد يوم حنين، "بركة" الحبشية "دايته وحاضنته بعد موت أمه، وكان ﵇ يقول لها: "أنت أمي بعد أمي" أي: كأمي في رعايتك لي وتعظيمي والشفقة عليّ أو في رعايتي لك واحترامك، وقد كانت تدل عليه ﷺ وكان العمران يزورانها بعده، وكانت تبكي وتقول: أنا أبكي لخبر السماء كيف انقطع عنا.
ومن مناقبها الشريفة ما رواه ابن سعد، قال: حدثنا أبو أسامة حماد بن أسامة عن جرير بن حازم، قال: سمعت عثمان بن القاسم يحدث، قال: هاجرت أم أيمن أمست بالمنصرف دون الروحاء فعطشت فدلي عليها من السماء دلو من ماء برشاء أبيض، فأخذته فشربته حتى رويت، فكانت تقول: ما أصابني بعد ذلك عطش، ولقد تعرض للصوم في الهواجر فما عطشت بعد تلك الشربة.
"ومات جده عبد المطلب كافله" بعد أمه، روى أنها لما ماتت ضمه جده إليه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام ويجلس على فراشه وأولاده لا يجلسون عليه، وذكر ابن إسحاق: أنه كان يوضع لعبد المطلب فراش في ظل الكعبة، وكان لا يجلس عليه من بنيه أحد إجلالا له، وكان ﷺ يأتي حتى يجلس عليه فتذهب أعمامه يؤخرونه، فيقول عبد المطلب: دعوا ابني ويمسح على ظهره بيده، ويقول: إن لابني هذا لشأنا، "وله" ﷺ "ثمان سنين" فيما جزم به ابن إسحاق وتبعه العراقي وتلميذه الحافظ.
"وقيل" مات وله "ثمان سنين وشهر وعشرة أيام، وقيل" وله "تسع، وقيل: عشر، وقيل: ست" حكاها مغلطاي وغيره. "وقيل: ثلاث" حكاه ابن عبد البر ومغلطاي، قائلا: "وفيه نظر" لأن أقل ما قيل أنه كان في موت أمه ابن أربع سنين، واتفقوا على أجده كفله بعدها فكيف يتأتى أن يكون ابن ثلاث، "وله" لعبد المطلب "عشر ومائة سنة" قدمه مغلطاي فتبعه المصنف هنا.
"وقيل: مائة وأربعون سنة" قاله الزبير بن بكار عالم النسب، وقال: إنها على ما قيل فيстр. 353
وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف، وكان عبد المطلب قد أوصاه بذلك لكونه شقيق عبد الله.
الحواشي
(١) سنه، وجزم به السهيلي والمصنف فيما مر، وقيل: وله مائة وعشرون، لكن قال الواقدي: ليس ذلك يثبت، وقيل: خمس وتسعون، وقيل: اثنتان وثمانون، وقيل: خمس وثمانون، وعمي قبل موته ودفن على ما ذكر ابن عساكر بالحجون.
"وكفله أبو طالب، واسمه عبد مناف" عند الجميع وشذ من قال عمران، بل هو قول باطل نقله ابن تيمية في كتاب الرد على الروافض، فقال: زعم بعض الروافض في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ﴾ [آل عمران: ٣٣] ، أن آل عمران هم آل أبي طالب، وأنه اسمه عمران ذكره الحافظ في الفتح، وقال الحاكم: تواترت الأخبار أن اسمه كنيته، قال: ووجدت بخط علي الذي لا شك فيه، وكتب علي بن أبي طالب، قال البرهان: وقد رأيت بحلب بحارة المغاربة في مسجد يقال له مسجد غورث فيه عمود أسود مكتوب عليه: كتبه علي بن أبي طالب وقد ذكر هذا العمود الكمال بن العديم في أوائل تاريخ حلب، وأنه خط علي ﵁، انتهى.
"وكان عبد المطلب أوصاه بذلك؛ لكونه شقيق عبد الله" والده دون الحارث ونحوه، فالقصر إضافي فلا يرد أن الزبير شقيقه أيضًا، وقد قيل: شاركه في كفالته وخص أبو طالب بالذكر لامتداد حياته، فإن الزبير لم يدرك الإسلام، وقيل: أقرع عبد المطلب بينهما فخرجت القرعة لأبي طالب.
وفي أسد الغابة للحافظ عز الدين بن الأثير: كفله أبو طالب؛ لأنه شقيق أبيه وكذلك الزبير لكن كفالة أبي طالب إما لوصية عبد المطلب، وإما لأن الزبير كفله حتى مات، ثم كفله أبو طالب، وهذا غلط؛ لأن الزبير شهد حلف الفضول وللمصطفى نيف وعشرون سنة، وأجمع العلماء على أنه شخص مع أبي طالب إلى الشام بعد موت عبد المطلب بأقل من خمس سنين، فهذا يدل على أن أبا طالب هو الذي كفله، انتهى.
وذكر الواقدي أن عيال أبي طالب كانوا إذا أكلوا جميعًا أو فرادى لم يشبعوا، وإذا أكل المصطفى معهم شبعوا، فكان أبو طالب إذا أراد أن يغديهم أو يعشيهم، يقول: كما أنتم حتى يأتي ابني، فيأتي فيأكل معهم فيفضل من طعامهم، وإذا كان لبنًا شرب أولهم ثم يشربون فيروون كلهم من قعب واحد، وإن كان أحدهم ليشرب قعبًا وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك.
وروى أبو نعيم وغيره، عن ابن عباس، قال: كان بنو أبي طالب يصبحون عمشًا رمصًاстр. 354
وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة بن عرفطة قال: قدمت مكة وهم في قحط، فقالت قريش: يا أبا طالب، أقحط الوادي وأجدب العيال، فهلم فاستسق، فخرج أبو طالب، ومعه غلام كأنه شمس دجن، تجلت عنه سحابة قتماء، وحوله أغيلمة فأخذه أبو طالب، فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ الغلام بأصبعه.........................
الحواشي
(١) ويصبح محمد ﷺ صقيلا دهينًا كحيلا، وكان أبو طالب يحبه حبًا شديدًا لا يحب أولاده كذلك، ولذا لا ينام إلا إلى جنبه ويخرج به متى خرج.
وذكر ابن قتيبة في غريب الحديث: أنه كان يوضع له الطعام ولصبية أبي طالب فيتطاولون إليه ويتقاصر هو وتمتد أيديهم وتنقبض يده تكرمًا منه واستحياء ونزاهة نفس وقناعة قلب، ويصبحون عمصًا رمصًا مصفرة ألوانهم ويصبح هو ﷺ صقيلا دهينًا كأنه في أنعم عيش وأعز كفاية لطفًا من الله به.
"وقد أخرج ابن عساكر عن جلهمة" بضم الجيم وتفتح؛ كما في القاموس "ابن عرفطة" بضم العين والفاء، "قال: قدمت مكة وهم في قحط" بسكون الحاء، وحكى الفراء فتحها، أي: وأهل مكة في زمن شدة لاحتباس المطر عنهم، "فقالت قريش" بعد أن تشاوروا، فلفظ الحديث عند ابن عساكر: قدمت مكة وقريش في قحط، فقائل منهم يقول: أعمدوا اللات والعزى، وقائل منهم: أعمدوا منات الثالثة الأخرى، فقال شيخ وسيم حسن الوجه جيد الرأي: أنى تؤفكون، وفيكم باقية إبراهيم وسلالة إسماعيل؟ قالوا: كأنك عنيت أبا طالب، قال: أيها، فقاموا بأجمعهم فقمت فدققنا عليه الباب فخرج إلينا فثاروا إليه، فقالوا: "يا أبا طالب، أقحط" بالبناء للفاعل والمفعول "الوادي" أصابه القحط، "وأجدب العيال، فهلم" اسم فعل يستعمل متعديًا؛ كقوله تعالى: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥٠] ، ولازمًا كما هنا "فاستسق، فخرج أبو طالب ومعه غلام" هو النبي ﷺ ، "كأنه شمس دجن" بضم الدال المهملة والجيم وشد النون على مفاد قول القاموس: كعتل الظلمة والغيم المطبق الريان المظلم لا مطر فيه، ثم يحتمل تنوين دجن على الوصف؛ أي: كأنه شمس كسيت ظلمة والإضافة، أي: شمس ذات يوم ظلمة أو ذات يوم دجن، أي: مظلم، "تجلت عنه سحابة قتماء" بفتح القاف وسكون الفوقية والمد تأنيث أقتم، أي: سحابة يعلوها سواد غير شديد وهذا من بديع التشبيه، فإن شمس يوم الغيم حين ينجلي سحابها الرقيق تكون مضيئة مشرقة مقبولة للناس ليست محرقة، "وحوله أغيلمة" تصغير أغلمة جمع غلام، ويجمع أيضًا على غلمة وغلمان؛ كما في القاموس وصغر إشارة إلى صغرهم؛ لأنه الغلام قد يطلق على البالغ؛ كما مر "فأخذه" أي: الغلام، "أبو طالب فألصق ظهره" أي: ظهر الغلام "بالكعبة ولاذ" التجأ "الغلام بأصبعه" أي: أصبع نفسه السبابة على الظاهر؛ لأن الذي يشارстр. 355
وما في السماء قزعة، فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا، وأغدق وأغدوق، وانفجر له الوادي، وأخصب النادي والبادي. وفي هذا يقول أبو طالب:
وأبيض يستقي الغمام بوجهه ... ثمال اليتامى عصمة للأرامل
الحواشي
(١) به غالبًا، ولعل المعنى: أشار به إلى السماء كالمتضرع الملتجئ. وفسر الشامي: لاذ بطاف والأول أولى وأغرب من رجع ضمير أصبعه لأبي طالب؛ أي: أمسك المصطفى أصبعه؛ لأنه خلاف الظاهر من معنى لاذ، لأنه إنما جاء بمعنى التجأ ودنا وطاف.
"وما في السماء قزعة" بقاف فزاي فعين مهملة مفتوحات فهاء، أي: قطعة من السحاب كما في القاموس. "فأقبل السحاب من هاهنا وهاهنا" أي: من جميع الجهات لا من جهة دون أخرى، "وأغدق" السحاب، أي: كثر ماؤه والإسناد مجازي، "واغدودق" مرادف، ففي القاموس: أغدق المطر واغدودق كثر قطره، "وانفجر له" للسحاب "الوادي" أي: جرى الماء فيه وسال، "وأخصب النادي" بالنون أهل الحضر "والبادي" بالموحدة أهل البادية، أي: أخصبت الأرض للفريقين، "وفي هذا يقول أبو طالب" يذكر قريشًا حين التمالؤ عليه ﷺ يده وبركته عليهم من صغره، "وأبيض" بفتح الضاد مجرور برب مقدرة؛ كما صدر به الحافظ كالكراماني والسيوطي، وجزم به في المغني أو منصوب، قال الحافظ: بإضمار أعني أو أخص، قال: والراجح أنه بالنصب عطفًا على سيد المنصوب في البيت قبله، وهو:
وما ترك قوم لا أبا لك سيدا ... يحوط الذمار غير ذرب موكل
انتهى. وبه قطع الدماميني في مصابيحه ورد به على ابن هشام، واستظهره في شرح المغني، وقال: هو من عطف الصفات التي موصوفها واحد أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف، وقاله الكرماني وأفاده المصنف عن ضبط الشرف اليونيني في نسخته من البخاري، أي: هو أبيض فقوله: سيدًا معمول ترك بسكون الراء، والذمار بكسر الذال المعجمة: ما يحق على الإنسان حمايته. والذرب بذال معجمة وموحدة على زنة كتف سكنت راؤه تخفيفًا، وهو الحاد. والمواكل المتكل على غيره. وفي رواية بدل وأبيض وأبلج من البلج بفتحين وهو نقاء ما بين الحاجبين من الشعر.
"يستسقى" بالبناء للمفعول "الغمام" السحاب "بوجهه" أي: يطلب السقي من الغمام بوجهه، والمراد ذاته، أي: يتوسل إلى الله به، "ثمال اليتامى عصمة للأرامل" قال الدماميني: بنصب ثمال وعصمة ويجوز رفعهما على أنهما خبر محذوف، زاد المصنف: وبجرهما على أن أبيض مجرور.стр. 356
يلوذ به الهلاك من آل هاشم ... فهم عنده في نعمة وفواضل
والثمال -بكسر المثلثة: الملجأ والغياث، وقيل: المطعم في الشدة.
وعصمة للأرامل: أي يمنعهم من الضياع والحاجة. والأرامل: والمساكين من رجال ونساء، ويقال لكل واحد من الفريقين على انفراده: أرمل، وهو بالنساء أخص، وأكثر استعمالا، والواحد أرمل وأرملة.
الحواشي
(١) "يلوذ" يلتجئ "به الهلاك" جمع هالك، أي: المشرفون على الهلاك، "من آل هاشم" وإذا التجأ إليه هؤلاء السراة فغيرهم أولى، "فهم عنده في نعمة" يد ومنة على حذف مضاف، أي: في ذوي نعمة، أي: سعة وخير أو جعل النعمة ظرفًا لهم مبالغة، "وفواضل" عطف خاص على عام، ففي القاموس الفواضل الأيادي الجسيمة أو الجميلة، إذ المراد بالنعمة النعم الكثيرة الشاملة للنعم العظيمة والدقيقة، وثبت البيت الثاني في بعض النسخ وأكثرها بحذفه ويدل له قوله الآتي: وهذا البيت حيث لم يقل، وهذان البيتان "والثمال بكسر المثلثة" وتخفيض الميم هو "الملجأ والغياث" اسم مصدر من أغاثه، أي: أعانه ونصره، والمراد: أنه يلتجأ إليه ويستعان به فهما متساويان معنى، "وقيل: المطعم في الشدة" ويصح إرادتهما معًا هنا، ومن ثم قال الحافظ الثمال: العماد والملجأ والمطعم والمغيث والمعين والكافي قد أطلق على كل من ذلك، "و" قوله: "عصمة للأرامل" أي: "يمنعهم من الضياع والحاجة" عطف تفسير، أي: الاحتياج وما ألطف قول الفتح، أي: يمنعهم مما يضرهم، "والأرامل المساكين من رجال ونساء" قاله ابن السكيت، قال: ويقال لهم وإن لم يكن فيهم نساء، "ويقال لكل واحد من الفريقين على افنراده: أرمل" قال جرير:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
"وهو بالنساء أخص" أليق "وأكثر استعمالا" عطف تفسير، "والواحد أرمل و" الواحدة "أرملة" بالهاء، وفي الفتح: الأرامل جمع أرملة، وهي الفقيرة التي لا زوج لها، وقد يستعمل في الرجل أيضًا مجازًا ومن ثم لو أوصى للأرامل خص النساء دون الرجال، انتهى.
وفي هذا الحديث من الفوائد أن أبا طالب منشئ البيت، وأنه قال: يستسقى الغمام بوجهه عن مشاهدة فلا يرد أن الاستسقاء إنما كان بعد الهجرة وهو قد مات قبلها، وقد شاهده مرة أخرى قبل ذلك فروى الخطابي حديثًا فيه: أن قريشًا تتابعت عليهم سنو جدب في حياة عبد المطلب، فارتقى هو ومن حضره من قريش أبا قبيس، فقام عبد المطلب واعتضده ﷺ فرفعه على عاتقه وهو يومئذ غلام قد أيفع أو قرب، ثم دعا فسقوا في الحال فقد شاهد أبو طالبстр. 357
وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب، ذكرها ابن إسحاق بطولها، وهي أكثر من ثمانين بيتًا. قالها لما تمالأت قريش على النبي ﷺ ، ونفروا عنه من يريد الإسلام، وأولها:
لما رأيت القوم لا ود عندهم ... ..........................
الحواشي
(١) ما دله على ما قال، ذكره السهيلي في الروض.
وقول الفتح: يحتمل أنه مدحه بذلك لما رأى من مخايل ذلك فيه، وإن لم يشاهد وقوعه عجيب؛ كما قال في شرح الهمزية وغفلة عن رواية ابن عساكر هذه إذ لو استحضرها لم يبد هذا الاحتمال، انتهى. وأعجب منه جزم السيوطي به، وبنحو هذا لوح المصنف في المقصد التاسع، فقال بعد ذكره: احتمال الحافظ، قلت: قد أخرج ابن عساكر، فذكره.
"وهذا البيت من أبيات في قصيدة لأبي طالب" على الصواب، وقول الدميري وتبعه جماعة أنه لعبد المطلب غلط، فقد أخرج البيهقي عن أنس، قال: جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا رسول الله! أتيناك وما لنا صبي يغط ولا بعير يئط، وأنشد أبياتًا، فقام ﷺ يجر رداءه حتى صعد المنبر، فرفع يديه إلى السماء ودعا، فما رد يديه حتى التقت السماء بأبراقها وجاءوا يضجون الغرق، فضحك ﷺ حتى بدت نواجذه، ثم قال: "لله د أبي طالب، لو كان حيًا لقرت عيناه، من ينشدنا قوله". فقال علي: يا رسول الله كأنك تريد قوله: وأبيض يستقى. وذكر أبياتًا، فقال ﷺ : "أجل"، فهذا نص صريح من الصادق بأن أبا طالب منشئ البيت نبه عليه في شرح الهمزية، وقد ساق المصنف خبر البيهقي بتمامه في المقصد التاسع.
"ذكرها ابن إسحاق بطولها وهي" عنده "أكثر من ثمانين بيتًا" بثلاثة أبيات في رواية ابن هشام عن البكائي عنه، قائلا: هذا ما صح له من هذه القصيدة وبعض علماء الشعر ينكر أكثره، وفي شرح المصنف للبخاري وعدة أبياتها مائة بيت وعشرة أبيات.
وفي المزهر: قال محمد بن سلام زاد الناس في قصيدة أبي طالب التي فيها: وأبيض يستقي الغمام بوجهه وطولت بحيث لا يدري أين منتهاها، وقد سألني الأصمعي عنها، فقلت: صحيحة، فقال: أتدري منتهاها؟ قلت: لا، وذكر ابن إسحاق أنه "قالها: لما تمالأت" اجتمعت "قريش على" أذى "النبي ﷺ ونفروا عنه من يريد الإسلام" لا عقب استسقائه في صغره به، ولذا قلت في قوله السابق: وفي ذلك يقول أبو طالب، يذكر قريشًا حين التمالؤ عليه يده وبركته من صغره ليلتئم مع كلام ابن إسحاق هذا، فلا يصح زعم أنه أنشد البيت أثر هذه الواقعة، ثم أكملها بعد البعث إذ مجرد قوله: وفي ذلك يقول: لا يستلزم كونه قال عقب الاستسقاء.
"وأولها" عند ابن إسحاق وتبعه في الفتح، "لما رأيت" علمت "القوم" قريشًا "لا ود عندهم"стр. 358
............................ ... وقد قطعوا كل العرى والوسائل
وقد جاهرونا بالعداوة والأذى ... وقد طاوعوا أمر العدو المزايل
أعبد مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل
فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم ... تكونوا كما كانت أحاديث وائل
أعوذ برب الناس من كل طاعن ... علينا بسوء أو ملح بباطل
وثور ومن أرسى ثبيرًا مكانه ... وراقٍ لبر في حراء ونازل
الحواشي
(١) لنا ولفظ ابن إسحاق فيهم، وهو ما في الفتح "وقد قطعوا كل العرا" جمع عروة، قال الشامي: أراد بها العهود "والوسائل" جمع وسيلة وهي القربة، يقال: وسل إلى ربه وسيلة إذا تقرب بعمل إليه، والوسيلة المنزلة عند الملك، انتهى.
"وقد جاهرونا" معشر بني هاشم "بالعداوة والأذى، وقد طاوعوا" فينا "أمر العدو المزايل" قال الشامي: هو المحاول المعالج، وقال شيخنا: هو المفارق ففي المختار المزايلة المفارقة، وبعد هذين البيتين:
وقد حالفوا قومًا علينا أظنه ... يغضون غيظًا حلفنا بالأنامل
صبرت لهم نفسي بسمراء سمحة ... وأبيض عضب من تراث المقاول
فقوله: صبرت ... إلخ، جواب لما، ومر الناظم في غرضه إلى أن قال ما أنشده المصنف، وهو: "أعبد" الهمزة للنداء بتقدير مضاف، أي:
يا آل عبد "مناف أنتم خير قومكم ... فلا تشركوا في أمركم كل واغل"
هو الضعيف النذل الساقط المقصر في الأشياء والمدعي نسبًا كاذبًا والداخل على القوم في طعامهم وشرابهم؛ كما في القاموس. وفيه النذل، أي: بذال معجمة الخسيس من الناس المحتقر في جميع أحواله. "فقد خفت إن لم يصلح الله أمركم" بالإيمان به ﷺ "تكونوا كما كانت" تصيروا كما صارت، "أحاديث وائل أعوذ برب الناس" خالقهم ومالكهم، وخصوا بالذكر في التنزيل وكلام العرب تشريفًا لهم، "من كل طاعن علينا بسوء أو ملح" أي: متماد "بباطل" يقال: ألح على الشيء، إذا واظب عليه وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق:
ومن كاشح يسعى لنا بعبية ... ومن ملحق في الدين ما لم يحاول
وبعده قوله: "وثور" بمثلثة مفتوحة فواو فراء: جبل: "ومن أرسى" أثبت "ثبيرًا" بمثلثة مفتوحة فموحدة مكسورة فتحتية فراء "مكانه وراق" صاعد "لبر" بموحدة ضد الإثم، "في حراء" بالمد "ونازل" فيه من النزول، هكذا رواه ابن إسحاق وغيره.
وأما ابن هشام، فقال: وراق ليرقى من الرقي، قال السهيلي: وهو وهم منه أو من شيخهстр. 359
وبالبيت حق البيت في بطن مكة ... وبالله إن الله ليس بغافل
كذبتم وبيت الله نبزي محمدا ... ولما نطا عن دونه ونناضل
ونسلمه حتى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل
ومعنى نناضل: نجادل ونخاصم وندافع.
ونبزي: هو بالباء الموحدة والزاي نقهر ونغلب.
الحواشي
(١) البكائي، وقد قال البرقي وغيره: الصواب الأول وفي الشامي أنه تصحيف ضعيف المعنى، فمعلوم أن الراقي يرقى، فإنما أقسم بطالب البر يصعد في حراء للتعبد فيه وبالنازل فيه، "وبالبيت" الكعبة "حق البيت في بطن بكة" بموحدة لغة جاء بها التنزيل، "وبالله" كرر القسم به تأكيدًا فإنه أقسم به في قوله: ومن أرسى "إن الله ليس بغافل" عما تعملون من عداوتكم لنا وللنبي ﷺ وتمالئكم عليه وتنقيركم من يريد الإسلام فيجازيكم على ذلك أشد النكال إن لم ترجعوا، وبعد هذا البيت عند ابن إسحاق أربعة عشر بيتًا، وبعدها قوله: "كذبتم وبيت الله" في قولكم "نبزي" بضم النون وسكون الموحدة وفتح الزاي: نقهر ونغلب "محمدا" كذا ضبطه الشامي، لكن في النهاية أنه بالتحتية بدل النون ورفع محمد على أنه نائب فاعل يبزي، ولفظه يبزى، أي: يقهر ويغلب، أراد لا يبزي فحذف لا من جواب القسم وهي مراده، أي: لا يقهر، "ولما نطا عن" مجزوم بلما وحذف المفعول ليعتم، أي: نطا عنكم وغيركم "دونه ونناضل" بنونين وضاد معجمة، "ومنها" قوله بلصق هذا البيت: فاللائق حذف، ومنها كما هو في نسخ "ونسلمه" لكم معشر قريش تفعلون به ما شئتم، كما قلتم لا "حتى نصرع حوله" وحتى "نذهل" نغفل "عن أبنائنا والحلائل" الزوجات، واحدها حليلة "ومعنى نناضل نجادل ونخاصم وندافع" عنه، وقال الشامي: نرامي بالسهام، "ونبزي هو بالباء الموحدة، والزاي: نقهر", وقال الشامي: معناه نسلب "ونغلب"، انتهى. وما أحل قوله في ختامها عند ابن إسحاق.
لعمري لقد كلفت وجد أبا أحمد ... وأحببته دأت المحب المواصل
فمن مثله في الناس أي مؤمل ... إذا قاسه الحكام عند التفاضل
حليم رشيد عاقل غير طائش ... يوالي إلها ليس عنه بغافل
فوالله لولا أن أجيء بسبة ... تجر على أشياخنا في المحافل
لكنا اتبعناه على كل حالة ... من الدهر جدًا غير قول التهازل
لقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل
فأصبح فينا أحمد في أرومة ... تقصر عنها سورة المتطاولстр. 360
قال ابن التين: إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي ﷺ قبل أن يبعث، لما أخبره به بحيرى وغيره من شأنه.
وتعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر: بأن ابن إسحاق ذكر أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر كان بعد المبعث، ومعرفة أبي طالب بنبوته ﵇ جاءت في كثير من الأخبار.
وتمسك بها الشيعة في أنه كان مسلمًا.
قال: ورأيت لعلي بن حمزة البصري جزءًا فيه شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا، وأنه مات على الإسلام، وأن الحشوية.........................
الحواشي
(١) حديث بنفسي دونه وحميته ... ودافعت عنه بالذرى والكلاكل
"قال" الإمام عبد الواحد "بن التين" السفاقسي في شرح البخاري، قال البرهان في مبحث انشقاق القمر، والنطق به كالنطق بالتين المأكول، "إن في شعر أبي طالب هذا دليلا على أنه كان يعرف نبوة النبي ﷺ قبل أن يبعث لما أخبره به بحيرًا" الراهب "وغيره من شأنه" وكأنه أخذ ذلك من كون الاستسقاء به في صغره وليس بلازم؛ كما مر.
"و" لذا "تعقبه الحافظ أبو الفضل بن حجر" في الفتح؛ "بأن ابن إسحاق ذكر أن إنشاء أبي طالب لهذا الشعر، كان بعد المبعث" ووصفه فيه بما شاهده من أحواله ومنها الاستسقاء به في صغره، "ومعرفة أبي طالب بنبوته ﵇ جاءت في كثير من الأخبار" فلا حاجة إلى أخذها من شعره هذا "وتمسك بها الشيعة" بكسر الشين اسم لطائفة من الفرق الإسلامية شايعوا عليًا ﵁، وقالوا: إنه الإمام بعده ﷺ بالنص إما جليًا وإما خفيًا، واعتقدوا أن الإمامة لا تخرج عنه وعن أولاده وإن خرجت، فإما بظلم من غيرهم، وإما بتبعية منه ومن أولاده، وهم اثنتان وعشرون فرقة بكفر بعضهم بعضًا أصولهم ثلاث فرق غلاة وزيدية وإمامية، قاله في المواقف وشرحها، وفي مقدمة فتح الباري التشيع محبة علي وتقديمه على الصحابة، فمن قدمه على أبي بكر وعمر، فقال في تشيعه ويطلق عليه رافضي وإلا فشيعي، فإن انضاف إلى ذلك السب أو التصريح بالبغض، فقال في الرفض: وإن اعتقد الرجعة إلى الدنيا، فأشد في الغلو، انتهى.
"في أنه كان مسلمًا" وهو تمسك واهٍ؛ لأن مجرد المعرفة بالنبوة لا يستلزم الإسلام، "قال: ورأيت لعلي بن حمزة البصري" الرافضي "جزءًا جمع فيه شعر أبي طالب، وزعم أنه كان مسلمًا وأنه مات على الإسلام" وزعم "أن الحشوية" بفتح الحاء والشين وبضم الحاء وسكونстр. 361
تزعم أنه مات كافرًا، واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه. انتهى.
ولما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة خرج مع عمه أبي طالب إلى الشام، حتى بلغ بصري، فرآه بحيرى الراهب، واسمه جرجيس............................
الحواشي
(١) الشين، وهم المنتمون للظاهر، قيل: سموا بذلك لقول الحسن البصري لما رأى سقوط كلامهم وكانوا يجلسون في حلقته ردوا هؤلاء إلى حشا الحلقة، أي: جانبها. "تزعم أنه مات كافرًا" وأنهم بذلك يستجيزون لعنه ثم بالغ في سبهم والرد عليهم، "واستدل لدعواه بما لا دلالة فيه" قال: وقد بينت فساد ذلك كله في الإصابة، "انتهى" كلام الحافظ في كتاب الاستسقاء، وقال في باب قصة أبي طالب: إنه وقف على جزء جمعه بعض أهل الرفض أكثر فيه من الأحاديث الواهية الدالة على إسلام أبي طالب، ولا يثبت من ذلك شيء، انتهى.
"ولما بلغ رسول الله ﷺ اثنتي عشرة سنة" قاله الأكثر، وقيل: تسع سنين، قاله الطبري وغيره. وقيل: ثلاثة عشر، حكاه أبو عمر. وقال ابن الجوزي: قال أهل السير والتواريخ: لما أتت عليه ﷺ اثنتا عشرة سنة وشهران وعشرة أيام، وفي سيرة مغلطاي: وشهر، ويمكن حمل القول الأول عليه بأن المراد: وما قاربها، "خرج مع عمه أبي طالب" قاصدًا "إلى الشام" وسبب ذلك؛ كما في ابن إسحاق: أن أبا طالب لما تهيأ للرحيل صب به رسول الله ﷺ ، فرق له أبو طالب، وقال: والله لأخرجن به معي ولا يفارقني ولا فارقه أبدًا، فخرج به معه. وصب بصاد مهملة فموحدة، قال السهيلي: الصبابة رقة الشوق، يقال: صببت بكسر الباء أصب وقرئ: أصب إليهن، وعند بعض الرواة: خبث به، أي: لزمه. قال الشاعر:
كان فؤادي في يد خبثت به ... محاذرة أن يقضب الحبل قاضبه
انتهى. وفي النور: خبث بفتح الضاد المعجمة والموحدة وبالمثلثة، انتهى. فهما روايتان فقصر من اقتصر على الثانية.
وسار "حتى بلغ بصري" بضم الموحدة مدينة حوران فتحت صلحًا لخمس بقين من ربيع الأول سنة ثلاث عشرة وهي أول مدينة فتحت بالشام، ذكره ابن عساكر، وردها ﵇ مرتين. "فرآه بحيرا الراهب" وكان إليه علم النصرانية، قال ابن إسحاق: "واسمه جرجيس" بكسر الجيمين بينهما راء وبعد الثانية تحتية فسين مهملة، هكذا رأيته بخط مغلطاي في الزهري وصحح عليه، وكذا في الإصابة غيره مصروف للعجمة والعلمية وهو في الأصل اسم نبي، قاله الشامي، قال السهيلي وصاحب الإصابة: وقع في سيرة الزهري أن بحيرا كان حبرًا من أحبار اليهود تيمًا. وفي مروج الذهب للمسعود: إنه كان نصرانيًا من عبد القيس واسمه سرجس. قال البرهان: هكذا في نسخة صحيحة من الروض وأخرى قريبة من الصحة، وفي الشامية، قالстр. 362
فعرفه بصفته فقال وهو آخذ بيده: هذا سيد العالمين، هذا يبعثه الله رحمة للعالمين. فقيل له: وما علمك بذلك؟ قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي، وإني أعرفه بخاتم النبوة، في أسفل من غضروف كتفه، مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفًا عليه من اليهود. والحديث رواه ابن أبي شيبة، وفيه: أنه ﷺ أقبل وعليه غمامة تظله.
الحواشي
(١) المسعود: اسمه جرجس، كذا فيما وقفت عليه من نسخ الروض.
"فعرفه بصفته، فقال: وهو آخذ بيده" كما رواه الترمذي والبيهقي في الدلائل والخرائطي وابن أبي شيبة عن أبي موسى، قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه النبي ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب يعني بحيرا، هبطوا فحلوا رحالهم، فخرج إليهم وكان قبل ذلك يمرون به فلا يخرج إليهم ولا يلتفت، قال: فنزل وهم يحلون رحالهم فجعل يتخللهم حتى جاء فأخذ بيد رسول الله ﷺ ، فقال: "هذا سيد المرسلين، هذا سيد العالمين" ذكره لإفادة تعميم السيادة نصا، وإن استلزمه ما قبله، "هذا يبعثه الله رحمة للعالمين". كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، ففيه أن معنى الآية كان عندهم في الكتب القديمة، "فقيل له" وفي رواية الترمذي والجماعة، فقال له الأشياخ من قريش: "وما علمك بذلك" أي: علم لك به، نحو، وما علمي بما كانوا يعملون، "قال: إنكم حين أشرفتم من العقبة لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدان إلا لنبي وإني أعرفه بخاتم النبوة في أسفل من غضروف كتفه" بضم الغين وسكون الضاد المعجمتين فراء مضمومة فواو ساكنة، وهو رأس لوح الكتف، ويقال: غضروف بتقديم الراء. وقدمه الجوهري. "مثل التفاحة، وإنا نجده في كتبنا، وسأل أبا طالب أن يرده خوفًا عليه من اليهود، رواه ابن أبي شيبة" عن أبي موسى الأشعري. قال السخاوي: وهو إما أن يكون تلقاه من النبي ﷺ فيكون أبلغ، أو من بعض كبار الصحابة، أو كان مشهورا أخذه بطريق الاستفاضة.
"وفيه: أنه ﷺ أقبل وعليه غمامة تظله" ولفظه ثم رجع يصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه، فأقبل وغمامة تظله ... الحديث، وتأتي بقيته في كلام المصنف. وساق ابن إسحاق: الحديث بلفظ: أنه صنع إليهم طعامًا وأرسل إليهم أن احضروا كلكم صغيركم وكبيركم وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرا إن لك يوم لشأنا ما كنت تصنع هذا بنا وقد كنا نمر بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحيرًا: صدقت، ولكنكم ضيف وقد أحببت أن أكرمكم وأصنع لكم طعامًا فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليهстр. 363
و "بحيرى"، بفتح الموحدة وكسر المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة. قال الذهبي في تجريد الصحابة: رأى رسول الله ﷺ قبل المبعث وآمن به، وذكره ابن منده، وأبو نعيم في الصحابة. وهذا ينبني على تعريفهم الصحابي: بمن رآه ﷺ ، هل المراد حال النبوة، أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة ومات قبلها على دين الحنيفية.......................
الحواشي
(١) وتخلف ﷺ من بين القوم لحداثة سنه في رحالهم، فلما نظر بحيرا في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش! لا يتخلفن منكم أحد عن طعامي، فقال له: يا بحيرا! ما تخلف عن طعامك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام أحدث القوم سنًا فتختلف في رحالهم، فقال: لا تفعلوا ادعوه فليحضر معكم، فقال رجل من قريش: إن كان للؤما بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، فقام الحارث بن عبد المطلب فأتى به الحديث، وفيه: أنه أحضرهم للطعام وأن المصطفى تخلف لحداثته.
وفي السابق: أنه أتى لهم بالطعام وأن النبي ﵇ كان في رعية الإبل، وإسناده صحيح فوجب تقديمه على خبر ابن إسحاق؛ لأنه معضل وعلى تقدير ثبوته، فيحتمل على بعد أنه صنع فلهم الطعام مرتين. "وبحيرا بفتح الموحدة وكسر" الحاء "المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصورة" قاله غير واحد. قال الشامي: ورأيت بخط مغلطاي والمحب بن الهائم وغيرهما: عليها مدة، وقال البرهان: رأيته ممدودًا بخط الإمام شهاب الدين بن المرحل.
"قال الذهبي في تجريد الصحابة: رأى رسول الله ﷺ قبل المبعث وآمن به" كما أفاده هذا الخبر، وأصرح منه ما في الإصابة عن أبي سعد في شرف المصطفى أنه ﷺ مر ببحيرا أيضًا لما خرج في تجارة خديجة ومعه ميسرة، وإن بحيرا قال له: قد عرفت العلامات فيك كلها إلا خاتم النبوة، فاكشف لي عن ظهرك، فكشف له عن ظهره، فرآه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر به عيسى ابن مريم، ولا يشكل على ما مر أنه رأى الخاتم وهو ابن عمه؛ لاحتمال أنه نسىي صورة ما رآه أو تردد في أنه الخاتم، فأراد التثبت.
"وذكره ابن منده" بفتح الميم والدال المهملة بينهما نون ساكنة، كما ضبطه ابن خلكان، "وأبو نعيم في الصحابة" لهما "وهذا" الذي قاله الذهبي "ينبني على تعريفهم الصحابي بمن رآه ﷺ ، هل المراد حال النبوة" وهو ظاهر كلامهم، وعليه صاحب الإصابة، إذ قال: لا ينطبق عليه تعريف الصحابي وهو مسلم لقى النبي ﷺ مؤمنًا به ومات على ذلك، فقولنا: مسلم، أظن أنه يخرج من لقيه مؤمنًا به قبل أن يبعث؛ كبحيرا هذا، ولا أدري أدرك البعثة أم لا؟.
"أو أعم من ذلك حتى يدخل من رآه قبل النبوة، ومات قبلها على دين الحنيفية"стр. 364
وهو محل نظر، وسيأتي البحث فيه إن شاء الله في المقصد السابع.
وخرج الترمذي وحسنه، والحاكم وصححه أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله ﵇، فاستقبلهم بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: إن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها بأناس، فقال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا قال: فبايعوه وأقاموا معه، ورده أبو طالب............................
الحواشي
(١) كزيد بن عمرو بن نفيل وأضرابه، "وهو محل نظر" أي: بحث بينهم، "وسيأتي البحث فيه إن شاء الله تعالى في المقصد السابع. وخرج الترمذي وحسنه" فقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، "والحاكم وصححه" فقال على شرطهما، وكذا خرجه البيهقي وأبو نعيم والخرائطي وابن عساكر.
في حديث أبي موسى السابق صدره، وكان المناسب لو أتى بالحديث دون تقطيع، ثم عقبه بالتكلم على بحيرا وعلى إشكاله الآتي.
"أن في هذه السفرة أقبل سبعة من الروم يقصدون قتله ﵇" ولفظه عقب قوله السابق: فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، قال: فبينا هو قائم عليهم وهو ينشادهم أن لا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن عرفوه بالصفة فيقتلونه، فالتفت فإذا سبعة قد أقبلوا من الروم، "فاستقبلهم بحيرا، فقال: ما جاء بكم؟ فقالوا: إن هذا النبي" الذي بشر به في كتبنا، فاللام للعهد "خارج في هذا الشهر" أي: إلى السفر لا إلى النبوة؛ لأنه حينئذ كان صغيرًا "فلم يبق طريق إلا بعث" بالبناء للمفعول، أي: بعث ملكهم، "إليها بأناس" وأسقط من الحديث ما لفظه: وأنا مذ أخبرنا خبره بعثنا إلى طريقك هذا، فقال: هل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: إنما أخبرنا خبره بطريقك هذا، "فقال: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس رده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوه" بفتح الياء خبر لا أمر، قال ابن سيد الناس: إن كان المراد فبايعوا بحيرا على مسالمة النبي ﷺ فقريب، وإن كان غير ذلك فلا أدري ما هو.
قال المحب بن الهائم: الأول هو الظاهر، لتوافق الضمير فيه، وفي "وأقاموا معه" ومعناه: بايعوه على أن لا يأخذوا النبي ﷺ ولا يؤذوه على حسب ما أرسلوا فيه، وأقاموا مع بحيرا خوفًا على أنفسهم إذا رجعوا بدونه، قال: وهذا وجه حسن جدًا، انتهى. وخفي هذا على الحافظ الدمياطي، فقرأه بكسر الياء أمرًا وحكم بأنه وهم.
"ورده" أي: النبي ﷺ "أبو طالب" بأمر بحيرا، ففي حديث الترمذي والجماعة بعده:стр. 365
وبعث معه أبو بكر بلالا.
قال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي. انتهى.
وضعف الذهبي الحديث لقوله في آخره: "وبعث معه أبو بكر بلالا" فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلا، ولا اشترى بلالا.
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: الحديث رجاله ثقات، وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة فيه مقتطعة من حديث آخر..............
الحواشي
(١) فأقاموا معه، فقال: أنشدكم بالله! أيكم؟ قالوا: أبو طالب، فلم يزل يناشده حتى رده أبو طالب، "وبعث معه أبو بكر بلالا" بقية الحديث، وزوده الراهب من الكعك والزيت، "قال البيهقي: هذه القصة مشهورة عند أهل المغازي، انتهى.
"وضعف" الحاف محمد بن أحمد "الذهبي الحديث؛ لقوله في آخره، وبعث معه أبو بكر بلالا، فإن أبا بكر إذ ذاك لم يكن متأهلا" قال ابن سيد الناس: لأنه حينئذ لم يبلغ عشر سنين، فإن المصطفى أزيد منه بعامين وكان له يومئذ تسعة أعوام على ما قاله الطبري وغيره، أو اثنا عشر عامًا، على ما قاله آخرون. "ولا اشترى بلالا" قال اليعمري: لأنه لم ينتقل لأبي بكر إلا بعد ذلك بأزيد من ثلاثين عامًا؛ فإنه كان لبني خلف الجمحيين وعندما عذب في الله اشتراه أبو بكر رحمة له، واستنقاذًا له من أيديهم، وخبره بذلك مشهور، انتهى.
ولفظ الذهبي في الميزان في ترجمة عبد الرحمن بن غزوان: كان يحفظ وله مناكير، وأنكر ما له حديث عن يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى، عن أبي موسى في سفر النبي ﷺ وهو مراهق مع أبي طالب إلى الشام، وقصة بحيرا ومما يدل على أنه باطل، قوله: وبعث معه أبو بكر بلالا، وبلال لم يكن خلق وأبو بكر كان صبيًا. وقال في تلخيص المستدرك، بعد ما ذكر قول الحاكم على شرطهما: قلت أظنه موضوعًا، فبعضه باطل، انتهى. ورد قوله: بلال لم يكن خلق بأن ابن حبان قال في الثقات: إن بلالا كان ترب الصديق، أي: قرينه في السن.
"قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: الحديث رجاله ثقات" من رواة الصحيح وعبد الرحمن بن غزوان ممن خرج له البخاري، ووثقه جماعة من الأئمة والحفاظ. قال السخاوي: ولم أر لأحد فيه جرحًا، "وليس فيه منكر سوى هذه اللفظة، فتحمل على أنها مدرجة" ملحقة "فيه" من أحد رواته من غير تمييز له من الحديث، "مقتطعة من حديث آخر،стр. 366
وهما من أحد رواته.
وفي حديث عند البيهقي وأبي نعيم: أن بحيرى رأى -وهو في صومعته- في الركب حين أقبلوا، وغمامة بيضاء تظلله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه، فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها. الحديث.
وفيه: أن بحيرى قام فاحتضنه وأنه جعل يسأله عن أشياء من حاله: ونومه وهيئته وأموره. ويخبره ﷺ فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده.
الحواشي
(١) وهما" بفتح الهاء غلطًا "من أحد رواته" فلا يحكم على جميع الحديث بالضعف ولا بغيره لأجلها بل عليها فقط؛ لكون رجال ثقات.
"وفي حديث عند البيهقي" في الدلائل "وأبي نعيم" في حديث أبي موسى السابق "أن بحيرا رأى" تأمل "وهو في صومعته في الركب" لعلمه بخروج المصطفى للسفر حينئذ من الكتب القديمة، وهذا أولى من تقدير المفعول وجعل رأى بصرية، وفي نسخة: رآه، أي: رأى بحيرا النبي ﵇، والصومعة منزل الراهب.
قال البرهان: يقال أتانا بثريد مصمعة إذا دققت وحدد رأسها وصومعة النصارى فوعلة من هذا؛ لأنها دقيقة الرأس "حين أقبلوا وغمامة بيضاء تظله من بين القوم، ثم أقبلوا حتى نزلوا بظل شجرة قريبًا منه" من بحيرا، "فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة وتهصرت".
قال البرهان: بالصاد المهملة المشددة، أي: مالت وتدلت "أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها الحديث"، وفي الزهر الباسم عن الواقدي أنه ﷺ لما فارق تلك الشجرة التي كان جالسًا تحتها وقام انقلعت من أصلها حين فارقها، "وفيه: أن بحيرا قام فاحتضنه" ﷺ "وأنه جعل يسأله عن أشياء" وعند ابن إسحاق، أنه قال له: يا غلام أسألك بحق اللات والعزى، إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال ﷺ : "لا تسألني بهما شيئًا، فوالله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما". فقال له بحيرا: فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له: "سلني عما بدا لك" فجعل يسأله عن أشياء "من حاله ونومه وهيئته وأموره" ليعلم: هل هو أو غيره، "ويخبره ﷺ فيوافق ذلك" الذي يخبره به "ما عند بحيرا من صفته" وإنما سأله بحق اللات والعزى اختبارًا؛ كما في الشفاء، وهو أنسب من قول ابن إسحاق؛ لأنه سمع قومه يحلفون بهما.
"ورأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده" وعند ابن إسحاق: فلماстр. 367
وتقدم أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة، وغمامة تظله، إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر. ولله در القائل:
إن قال يومًا ظللته غمامة ... هي في الحقيقة تحت ظل القائل
ونقل الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض أهل المعرفة: أنه ﷺ كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس بالحر ولا بالبرد، وأنه كان في ظل غمامة من اعتداله. كذا نقل ﵀.
الحواشي
(١) فرغ أقبل على عمه، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما هو ابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيًا، قال: فإنه ابن أخي، قال: فما فعل أبوه؟ قال مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود، فوالله لئن رأوه أو عرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرًا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده، فخرج به أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام.
"وتقدم" في حديث إقامته ﷺ في بني سعد بعد الفطام، "أن أخته الشيماء بنت حليمة رأته في الظهيرة" هي انتصاف النهار مطلقًا، أو إنما ذلك في القيظ، حكاهما المجد. "وغمامة تظله إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، رواه أبو نعيم وابن عساكر، ولله در القائل إن قال يومًا" المراد: إن دخل في وقت القيلولة وإن لم ينم فيه سائرًا أو غير سائر، "ظللته غمامة" سحابة "هي في الحقيقة تحت ظل القائل" أي: في كنفه وستره من قولهم: فلان يعيش في ظل فلان، أي: كنفه، والمعنى أن الغمامة هي المحتاجة له للتبرك به، وليس هو محتاجًا لها.
"ونقل الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض أهل المعرفة: أنه ﷺ كان معتدل الحرارة والبرودة، فلا يحس" بضم الياء من أحس بالشيء، إذا شعر "بالحر ولا بالبرد، وإنه كان في ظل غمامة" ناشئة "من اعتداله" كأنها أخذت منه والقصد المبالغة في كماله حتى صلح لأن تؤخذ الغمامة منه، ثم تظله فلا يعترض عليه بأن كلامه يقتضي أنه تمثيل، فيخالف ما شوهد من تظليل الغمام، أو من بمعنى إلى، أي: إلى كمال اعتداله بالنبوة دون ما بعدها، أو المعنى أنها ظللته لكمال الاعتدال فيه إكرامًا له لا لاحتياجه إليها.
"كذا قال ﵀" تبرأ منه؛ لأنه بعد هذا العنايات في فهمه منابذ لما تشهد به الأحاديث من أنه ﵇ كان يحس بالبرد والحر، ففي حديث الهجرة عند البخاري أن الشمس أصابته ﷺ وظلله أبو بكر بردائه, وفي البخاري أيضًا: أنه كان بالجعرانة وعليه ثوب قد أظل به، وروى ابن منده والبيهقي مرفوعًا لا نصبر على حر ولا برد. وروى أحمد بسند جيد:стр. 368
وأخرج ابن منده، بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق صحب النبي ﷺ وهو ابن ثمان عشرة، والنبي ﷺ ابن عشرين سنة، وهم يريدون الشام في تجارة، حتى نزلا منزلا فيه سدرة، فقعد في ظلها، ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرى، يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل الشجرة، قال: محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال: هذا والله نبي، ما استظل تحتها بعد عيسى ﵇ إلا محمد. ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي ﷺ اتبعه.
قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في الإصابة: إن صحت هذه القصة فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب. انتهى.
الحواشي
(١) أنه ﷺ وضع يده في طعام حار فاحترقت أصابعه، فقال: حس.
"وأخرج" أبو عبد الله محمد بن إسحاق بن محمد بن يحيى "بن منده" الأصبهاني الحافظ الجوال ختام الرحالين وفرد المكثرين مع الحفظ والمعرفة والصدق وكثرة التصانيف، سمع ألفًا وسبعمائة، وعاد من رحلته، وكتبه أربعون جملا، قال المستغفري: ما رأيت أحفظ منه، مات سنة خمس وخمسين وثلاثمائة. "بسند ضعيف عن ابن عباس: أن أبا بكر الصديق صحب النبي ﷺ وهو ابن ثمان عشرة" سنة، "والنبي ﷺ ابن عشرين سنة" فهو أسن منه بعامين، وهذا قول الجمهور.
وما رواه حبيب بن الشهيد عن ميمون بن مهران عن يزيد بن الأصم مرسلا أنه ﷺ قال لأبي بكر: "من أكبر أنا أو أنت"؟ فقال: أنت أكبر وأكرم وخير مني، وأنا أسن منك، فقال في الاستيعاب: لا نعرفه إلا بهذا الإسناد وأحسبه وهما لقول جمهور أهل العلم بالأخبار والسير والآثار: أنا أبا بكر استوفى بمدة خلافته سن رسول الله ﷺ .
"وهم يريدون الشام في تجارة، حتى نزلا منزلا فيه سدرة، فقعد" ﵇ "في ظلها ومضى أبو بكر إلى راهب يقال له بحيرا، يسأله عن شيء، فقال له: من الرجل الذي في ظل الشجرة؟ قال:" هو "محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، قال" بحيرا "هذا والله نبي! ما استظل تحتها بعد عيسى ﵇ إلا محمد" وكأنه علم ذلك من رؤيته في كتبهم أو بقرائن قوية ويأتي قريبًا مزيد لذلك عن السهيلي.
"ووقع في قلب أبي بكر الصديق، فلما بعث النبي ﷺ اتبعه" سريعًا، فكان أول الناس إيمانًا. "قال الحافظ أبو الفضل بن حجر في الإصابة إن صحت هذه القصة" في نفس الأمر أوстр. 369
تزوجه ﵇ من خديجة:
ثم خرج ﷺ أيضًا ومعه ميسرة غلام خديجة بنت خويلد بن أسد، في تجارة لها...............................
الحواشي
(١) بورودها من طريق آخر، قال: ذلك لضعف إسنادها، "فهي سفرة أخرى بعد سفرة أبي طالب، انتهى" وفيه توهين قول بعضهم: هذا السفر هو الذي كان مع أبي طالب، فإن أبا بكر حينئذ كان معه، انتهى. للاتفاق على أنه في ذلك السفر ما بلغ هذا السن وقاربه، فإن غاية ما قيل: إنه كان في الثالثة عشرة.
تزوجه ﵇ من خديجة:
"ثم خرج ﷺ أيضًا" إلى الشام مرة ثانية وسبب ذلك؛ كما رواه الواقدي وابن السكن: أن أبا طالب، قال: يابن أخي! أنا رجل لا مال لي، وقد اشتد الزمان علينا وألحت علينا سنون منكرة وليس لنا مادة ولا تجارة وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام، وخديجة تبعث رجالا من قومك يتجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضلتك على غيرك لما يبلغها عنك من طهارتك، وإن كنت أكره أن تأتي الشام، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا نجد من ذلك بدًا، فقال ﷺ : "لعلها ترسل إليّ في ذلك"، فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولي غيرك، فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له، وقبل ذلك صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه، فقالت: ما علمت أنه يريد هذا، وأرسلت إليه، وقالت: دعاني إلى البعثة إليك ما بلغني من صدق حديثك وعظم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك، فذكر ذلك ﷺ لعمه، فقال: إن هذا الرزق ساقه الله إليك.
فخرج "ومعه ميسرة غلام خديجة" قال في النور: لا ذكر له في الصحابة فيما أعلمه وظاهر أنه توفي قبل البعث، ولو أدركه لأسلم، وفي الإصابة: لم أقف على رواية صحيحة صريحة في أنه بقي إلى البعثة، فكتبته على الاحتمال، وفيه: أن الصحبة لا تثبت بالاحتمال، بل كما قاله هو في شرح نخبته بالتواتر والاستفاضة أو الشهرة أو بإخبار بعض الصحابة أو بعض ثقات التابعين، أو بإخباره عن نفسه بأنه صحابي إذا دخل تحت الإمكان.
"بنت خولد بن أسد في تجارة لها" وعند الواقدي وغيره: وكانت خديجة تاجرة ذات شرف ومال كثير، وتجارة تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إليهم المال مضاربة، وكانت قريش قومًا تجارًا، ومن لم يكن منهم تاجرًا فليسстр. 370
حتى بلغ سوق بصرى، وقيل سوق حباشة بتهامة، وله إذ ذاك خمس وعشرون سنة، لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة، فقال نسطورا الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة إلا نبي، وفي رواية بعد عيسى................
الحواشي
(١) عندهم بشيء، فسار ﷺ "حتى بلغ سوق بصرى" رواه الواقدي وابن السكن وغيرهما، "وقيل: سوق حباشة" بحاء مهملة مضمومة فموحدة فألف فشين معجمة فتاء تأنيث، قال في الروض: سوق من أسواق العرب، انتهى.
وهذا القول رواه الدولابي عن الزهري، ولفظه: استأجرته خديجة إلى سوق حباشة، وهو سوق "بتهامة" بكسر التاء اسم لكل ما نزل عن نجد إلى بلاد الحجاز ومكة من تهامة، قال ابن فارس في مجمله، سميت تهامة من التهم بفتح التاء والهاء وهو شدة الحر وركود الريح. وفي المطالع: سميت بذلك لتغير هوائها، يقال: تهم الدهن إذا تغير، وذكر الحازمي في مؤتلفه أنه يقال في أرض تهامة تهائم، انتهى.
وقيد بذلك؛ لأن حباشة مشترك، ففي القاموس: حباشة كثمامة سوق تهامة القديمة، وسوق آخر كان لبني قينقاع. "وله" ﷺ "خمس وعشرون سنة" فيما رواه الواقدي وابن السكن وصدر به ابن عبد البر وقطع به عبد الغني، قال في الغرر: وهو الصحيح الذي عليه الجمهور، وقيل غير ذلك؛ كما يأتي. "لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظل شجرة" في سوق بصرى قريبًا من صومعة نسطورا الراهب، فاطلع إلى ميسرة وكان يعرفه، "فقال نسطورا الراهب" بفتح النون وسكون السين وضم الطاء المهملتين، قال في النور: وألفه مقصورة كذا نحفظه، ولم أر أحدًا ضبطه ولا تعرض لعدة في الصحابة، وينبغي أن الكلام فيه كالكلام في بحيرا, وعند الواقدي وابن إسحاق، فقال: يا ميسرة من هذا الذي تحت هذه الشجرة؟ فقال: رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له لراهب: "ما نزل تحت هذه الشجرة" زاد ابن إسحاق: قط، "إلا نبي".
"وفي رواية: بعد عيسى" قال السهيلي: يريد ما نزل تحتها هذه الساعة، ولم يرد: ما نزل تحتها قط إلا نبي لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك، وإن كان في لفظه: قط، فقد تكلم بها على جهة التوكيد للنفي، والشجر لا يعمر في العادة هذا العمر الطويل حتى يدري أنه لم ينزل تحتها إلا عيسى أو غيره من الأنبياء، ويبعد في العادة أيضًا أن تخلو شجرة من نزول أحد تحتها نبي إلا أن تصح رواية من قال في هذا الحديث: أحد بعد عيسى ابن مريم، وهي رواية عن غير ابن إسحاق، فالشجرة على هذه مخصوصة بهذه الآية، انتهى, وأقره مغلطاي والبرهان وتعقبه العز بن جماعة؛ بأنه مجرد استبعاد لا دلالة فيه على امتناع ولا استحالة؛ وبأنه استبعاد يعارضه ظاهرстр. 371
وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة، وخديجة في علية لها، رأت رسول الله ﷺ وهو على بعيره وملكان يظلان عليه. رواه أبو نعيم.
وتزوج ﷺ خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يومًا.........
الحواشي
(١) الخبر، وكون متعلقات الأنبياء مظنة خرق العادة، فلا يكون ذلك حينئذ من طول البقاء وصرف غير الأنبياء عن النزول تحتها بعيدًا، وذلك واضح، انتهى.
وأيد بما ذكره أبو سعد في الشرف: أن الراهب دنا إليه ﷺ وقبل رأسه وقدميه، وقال: آمنت بك وأنا أشهد أنك الذي ذكر الله في التوراة، فلما رأى الخاتم قبله، وقال: أشهد أنك رسول الله النبي الأمي الذي بشر بك عيسى، فإنه قال: لا ينزل بعدي تحت هذه الشجرة إلا النبي الأمي الهاشمي العربي المكي صاحب الحوض والشفاعة ولواء الحمد. وعند الواقدي وابن السكن: ثم قال له: في عينيه حمرة، قال: ميسرة نعم، لا تفارقه أبدًا.
قال الراهب: هو هو، وهو آخر الأنبياء، ويا ليت إني أدركه حين يؤمر بالخروج، فوعى ذلك ميسرة ثم حضر ﷺ سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى، وكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل: أحلف باللات والعزى، فقال: "ما حلفت بهما قط". فقال الرجل: القول قولك، ثم قال لميسرة وخلا به: هذا نبي، والذي نفسي بيده إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتًا في كتبهم، فوعى ذلك ميسرة ثم انصرف أهل العير جميعًا.
"وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلانه في الشمس" فيه جواز رؤية الملائكة وبه وبرؤية الجن، صرح في الحديث الصحيح: وأما قوله: إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم، فمحمول عل الغالب ولو كانت رؤيتهم محالة، لما قال ﷺ في الشيطان: "لقد هممت أن أربطه حتى تصبحوا تنظروا إليه كلكم".
"ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علية" بكسر العين، والضم لغة؛ كما في المصباح. وسوى بينهما في النور، أي: غرفة، والجمع العلالي بالتشديد والتخفيف. "لها، رأت رسول الله ﷺ وهو على بعير وملكان يظلان عليه، رواه أبو نعيم" زاد غيره: فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليهما ﷺ فأخبرها بما ربحوا فسرت، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت، فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام، وأخبرها بقول نسطورًا، وقول الآخر الذي خالفه في البيع، وقدم صلى الله عليه وسمل بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما كانت سمته له، "وتزوج ﷺ خديجة بعد ذلك" أي: قدومه من الشام، "بشهرين وخمسة وعشرين يومًا"стр. 372
وقيل: كان سنة إحدى وعشرين سنة، وقيل ثلاثين -وكانت تدعى في الجاهلية بالطاهرة، وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي، فولدت له هندًا وهالة، وهما ذكران، ثم تزوجها عتيق بن عابد....................
الحواشي
(١) قاله ابن عبد البر، وزاد: إن ذلك عقب صفر سنة ست وعشرين، "وقيل: كان سنه" ﷺ "إحدى وعشرين سنة" قال الزهري، "وقيل: ثلاثين" سنة، حكاه ابن عبد البر عن أبي بكر بن عثمان وغيره، وقال ابن جريج: كان سبعًا وثلاثين سنة، وقال البرقي: تسعًا وعشرين قد راهق الثلاثين، وقيل غير ذلك. "وكانت تدعي في الجاهلية بالطاهرة" لشدة عفافها وصيانتها. وفي الروض: كانت تسمى الطاهرة في الجاهلية والإسلام.
وفي سير التميمي: كانت تسمى سيدة نساء قريش، "وكانت تحت أبي هالة بن زرارة التميمي" بميمين نسبة إلى تميم؛ كما صرح به اليعمري وغيره، واختلف في اسم أبي هالة، فقيل ملك، حكاه الزبير والدارقطني وصدره به في الفتح، وقيل: زرارة حكاه ابن منده والسهيلي، وقيل: هند جزم به العسكري، واقتصر عليه في العيون وصدر به في الروض، وقيل: اسمه النباش، قطع به أبو عبيد وقدمه مغلطاي، واقتصر عليه المصنف في الزوجات، وهو بفتح النون فموحدة ثقيلة فشين معجمة، وفي فتح الباري: مات أبو هالة في الجاهلية.
"فولدت له هندًا" الصحابي راوي حديث صفة النبي ﷺ شهد بدرًا، وقيل: أحدًا، روى عنه الحسن بن علي، فقال: حدثني خالي؛ لأنه أخو فاطمة لأمها وكان فصيحًا بليغًا وصافًا، وكان يقول: أنا أكرم الناس أبا وأما وأخًا وأختًا، أبي رسول الله ﷺ وأخي القاسم وأختي فاطمة وأمي خديجة ﵃، قتل مع علي يوم الجمل، قاله الزبير بن بكار والدارقطني. وقيل: مات بالبصرة في الطاعون، قال التجاني: والصحيح أن الذي مات في الطاعون ولده واسمه هند كأبيه، انتهى. وهو المذكور في الروض عن الدولابي. وفي فتح الباري: ولهند هذا ولد اسمه هند، ذكره الدولابي وغيره، فعلى قول العسكري أن اسم أبي هالة هند، فهو ممن اشترك مع أبيه وجده في الاسم، انتهى.
"وهالة" التميمي، قال أبو عمر: له صحبة، وأخرج المستغفري عن عائشة: قدم ابن لخديجة يقال له هالة والنبي ﷺ قائل فسمعه، فقال: "هالة هالة هالة"، وأخرج الطبراني عن هالة بن أبي هالة: أنه دخل على النبي ﷺ وهو راقد فاستيقظ فضم هالة إلى صدره، وقال: "هالة هالة هالة". "وهما ذكران" خلافًا لمن وهم، فزعم أن هالة أنثى.
"ثم" بعد أن هلك عنها أبو هالة "تزوجها عتيق بن عابد" بالموحدة والدال المهملة؛ كما في الإكمال، وتبعه التبصير، وقال اليعمري: إنه الصواب، ووقع في جامع ابن الأثير أنه بتحتيةстр. 373
المخزومي فولدت له هند.
وكان لها -حين تزوجها بالنبي ﷺ من العمر أربعون سنة وبعض أخرى. وكانت عرضت نفسها عليه.................................
الحواشي
(١) وذال معجمة وهو مردود، فإنه عتيق بن عابد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وقد صرح علامة النساب الزبير بن بكار بأن من كان من ولد عمر بن مخزوم فهو عابد، يعني بموحدة ودال مهملة، ومن كان من ولد أخيه عمران بن مخزوم فعائد، يعني بتحتية وذال معجمة، نقله الأمير في إكماله، والحافظ في تبصيره، وأقراه.
"المخزومي" نسبة إلى جده مخزوم المذكور، "فولدت له هندًا" أسلمت وصحبت ولم ترو شيئًا، قاله الدارقطني، فهو أنثى وبه صرح المصنف في الزوجات وغيره تبعًا للزبير، وروى الدولابي عن الزهري أنها أم محمد بن صيفي المخزومي وهو ابن عمه، قال ابن سعد: ويقال لولد محمد: بنو الطاهرة؛ لمكان خديجة. وفي النور عن بعضهم: ولدت لعتيق عبد الله، وقيل عبد مناف، وهذا ثم ما ذكره المصنف من أن عتيقًا بعد أبي هالة، هو ما نسبه ابن عبد البر للأكثر وصححه، ولذا جزم به هنا وصدر به في المقصد الثاني. وقال قتادة وابن شهاب وابن إسحاق، في رواية يونس عنه: تزوجها وهي بكر عتيق بن عابد، ثم هلك عنها، فتزوجها أبو هالة. واقتصر عليه في العيون والفتح، وحكى القولين في الإصابة.
"وكان لها حين تزوجها بالنبي ﷺ " مصدر مضاف لمفعوله، أي: حين تزويج مزوجها إياها منه. وفي نسخة: تزوجها بإضافة المصدر لفاعله، "من العمر أربعون سنة" رواه ابن سعد، واقتصر عليه اليعمري، وقدمه مغلطاي والبرهان. قال في الغرز: وهو الصحيح، وقيل: خمس وأربعون، وقيل: ثلاثون، وقيل: ثمانية وعشرون، حكاه مغلطاي وغيره.
وأم قول المصنف هنا: وفي المقصد الثاني أربعون، "وبعض أخرى" فينظر ما قدر البعض، "وكانت عرضت نفسها عليه" بلا واسطة، فعند ابن إسحاق فعرضت عليه نفسها، فقالت: يا ابن عم! إني قد رغبت فيك لقرابتك وسلطتك في قومك وأمانتك وحسن خلقك وصدق حديثك، أو بواسطة؛ كما رواه ابن سعد من طريق الواقدي عن نفيسة بنت منية، قالت: كانت خديجة امرأة حازمة جلدة شريفة مع ما أراد الله بها من الكرامة والخير، وهي يومئذ أوسط قريش نسبًا وأعظمهم شرفًا وأكثرهم مالا، وكل قومها كان حريصًا على نكاحها لو قدر على ذلك، طلبوها وبذلوا لها الأموال، فأرسلتني دسيسًا إلى محمد ﷺ بعد أن رجع في عيرها من الشام، فقلت: يا محمد! ما يمنعك أن تتزوج؟ فقال: "ما بيدي ما أتزوج به"، قلت: فإن كفيت ذلك ودعيت إلى المال والجمال والشرف والكفاءة، ألا تجيب؟ قال: "فمن هي"؟ قلت: خديجة، قال: "وكيفстр. 374
فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه منهم حمزة حتى دخل على خويلد بن أسد فخطبها إليه.
فتزوجها ﵇، وأصدقها عشرين بكرة.............................
الحواشي
(١) لي بذلك"؟. فذهبت فأخبرتها فأرسلت إليه: أن ائت لساعة كذا، "فذكر ذلك لأعمامه" والجمع ممكن بأنها بعثت نفيسة أولا لتعلم هل يرضى، فلما علمت ذلك كلمته بنفسها، قال الشامي، وسبب عرضها ما حدثها به غلامها ميسرة مع ما رأته من الآيات.
وما ذكره ابن إسحاق في المبتدأ، قال: كان لنساء قريش عيد يجتمعن فيه، فاجتمعن يومًا فيه، فجاءهن يهودي، فقال: يا معشر نساء قريش! إنه يوشك فيكن نبي، فأيتكن استطاعت أن تكون فراشًا له فلتفعل، فحصبنه وقبحنه وأغلظن له وأغضت خديجة على قوله؛ ولم تعرض فيها عرض فيه النساء، وقر ذلك في نفسها، فلما أخبرها ميسرة بما رآه من الآيات، وما رأته هي، قالت: إن كان ما قال اليهودي حقًا، ما ذاك إلا هذا، انتهى. وحصبنه: رمينه بالحصباء، وأغضت بغين وضاد معجمتين: سكتت.
"فخرج معه منهم حمزة" كذا عند ابن إسحاق، ونقل السهيلي عن المبرد: أن أبا طالب هو الذي نهض معه، وهو الذي خطب خطبة النكاح. قال في النور: فلعلهما خرجا معه جميعًا والذي خطب أبو طالب؛ لأنه أسن من حمزة. "حتى دخل على" أبيها "خويلد" بضم الخاء مصغر "ابن أسد" بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، "فخطبها إليه" أي: فخطبها من خويلد له ﷺ ، "فتزوجها ﵇" وظاهر سياقه هذا: أنه ﵇ ذكر ذلك لأعمامه من غير طلبها حضور واحد بعينه وعند ابن سعد في الشرف، أنها قالت له: اذهب إلى عمك، فقل له: عجل إلينا بالغداة، فلما جاء، قالت: يا أبا طالب، ادخل على عمي، فقل له: يزوجني من ابن أخيك، فقال: هذا صنع الله ... فذكر الحديث.
ولا منافاة أصلا فذكره عرضها لأعمامه لا ينافي كونها عينت له واحدًا منهم. وفي الروض: ذكر الزهري في سيرته وهي أول سيرة ألفت في الإسلام: أنه ﷺ قال لشريكه الذي كان يتجر معه في مال خديجة: هلم فلنتحدث عند خديجة، وكانت تكرمهما وتتحفهما، فلما قاما من عندها جاءت امرأة، فقالت له: جئت خاطبًا يا محمد، قال: كلا، فقالت: ولم!! فوالله ما في قريش امرأة وإن كانت خديجة إلا تراك كفؤًا لها، فرجع ﷺ خاطبًا لخديجة مستحيًا منها، وكان أبوها خويلد سكران من الخمر، فلما كلم في ذلك أنكحها، فألقت عليه خديجة حلة وضمخته بخلوق، فلما صحا من سكره، قال: ما هذه الحلة والطيب، فقيل: إنك أنكحت محمدًا خديجة وقد ابتنى بها، فأنكر ذلك ثم رضيه وأمضاه، وقال راجز من أهل مكة في ذلك:стр. 375
وحضر أبو طالب ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب فقال:
الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم، وزرع إسماعيل، وضئضئ معد، وعنصر مضر، وجعلنا حضنة بيته، وسواس حرمه، وجعل لنا بيتًا محجوجًا، وحرمًا آمنًا، وجعلنا الحكام على الناس، ثم إن ابن أخي هذا، محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلا
الحواشي
(١) لا تزهدي خديج في محمد ... نجم يضيء كما ضياء الفرقد
"وأصدقها عشرين بكرة" من ماله ﷺ زيادة على ما دفعه أبو طالب ويأتي له مزيد قريبًا. "وحضر أبو طالب" هذا هو الصواب المذكور في الروض وغيره، وما في نسخ أبو بكر ﵁ لا أصل له، وقد صرح المصنف نفسه بالصواب في المقصد الثاني، فقال: وزاد ابن إسحاق من طريق آخر: وحضر أبو طالب "ورؤساء مضر، فخطب أبو طالب" لا ينافيه قوله السابق: فخرج معه منهم حمزة؛ لما مر عن النور، "فقال: الحمد لله الذي جعلنا من ذرية إبراهيم" خصه دون نوح؛ لأنه شرفهم وأسكنهم البيت الحرام، أما نوح وآدم فيشاركهم فيه جميع الناس، "وزرع إسماعيل" والد العرب الذي هم أشرف الناس لا زرع إسحاق ولا مدين، ولا غيرهما من ولد إبراهيم، أي: مزروعة والمراد ذريته غاير تفننًا وكراهة لتوارد الألفاظ، وأطلق عليها اسم الزرع لمشابهتها له في النضارة والبهجة أو لتسببه في تحصيلها بفعل الزرع من إلقاء الحب وفعل ما يحتاج لتحصيل الإنبات، "وضئضئ معد" بكسر الضادين المعجمتين وبهمزتين الأولى ساكنة، ويقال: ضيضئ بوزن قنديل وضؤضؤ بوزن هدهد وضؤضوء بوزن سرسور، ويقال أيضًا بصادين وسينين مهملتين، وهو في الجميع الأصل والمعدن، ذكره الشامي.
"وعنصر مضر" بضم العين المهملة وسكون النون وضم الصاد المهملة وقد تفتح الأصل أيضًا وغاير تفننا والإضافة فيهما بيانية، أي: أصل هو معد ومضر وخصهما لشرفهما وشهرتهما أو لما ورد أنهما ماتا على ملة إبراهيم، لكن وروده كان بعد ذلك بمدة فلعله كان مشهورًا في الجاهلية، قال شيخنا: ويجوز أن المراد بالأصل الشرف والحسب، والمعنى: من أشراف معد ومضر.
"وجعلنا حضنة بيته" الكعبة "وسواس حرمه" مدبريه القائمين به، "وجعل له بيتًا محجوجًا" أي: مقصودًا بالحج إليه، "وحرمًا آمنًا" لا يصيبنا فيه عدو؛ كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [القصص: ٥٧] ، "وجعلنا الحكام على الناس" حكم معروف وطوع وانقياد لمكارم أخلاقهم وحسن معاملاتهم، لا حكم ملك وقهر فلا ينافي قول صخر لقيصر ليس في آبائه من ملك، "ثم إن ابن أخي هذا محمد بن عبد الله، لا يوزن برجل إلاстр. 376
رجح به، فإن كان في المال قل، فإن المال ظل زائل، وأمر حائل، ومحمد ممن قد عرفتم قرابته، وقد خطب خديجة بنت خويلد وبذل لها ما آجله وعاجله من مالي كذا، وهو -والله- بعد هذا له نبأ عظيم وخطر جليل جسيم، فزوجها.
الحواشي
(١) رجح به" زاد في رواية: شرفًا ونبلا وفضلا وعقلا، وعداه بالباء وفيما مر عداه ﷺ بنفسه في قوله: فوزنوني بهم فرجحتهم فيفيد جواز الأمرين، "فإن" وفي نسخة: وإن بالواو، وهي أولى؛ لأن ما ذكر لا يتفرع على ما قبله، "كان في المال" اللام عوض عن المضاف إليه، أي: ماله "قل" بضم القاف مشترك بين ضد الكثرة، وهو الوصف والشيء القليل؛ كما في القاموس.
"فإن المال ظل زائل" تشبيه بليغ، أي: كالظل السريع الزوال، "وأمر" أي: شيء "حائل" لا بقاء له لتحوله من شخص لآخر ومن صفة إلى أخرى فمال زائل وحائل واحد، زاد في رواية: وعارية مسترجعة، "ومحمد ممن" من الذين "قد عرفتم قرابته" أفراد ضميره رعاية للفظ من، وفي نسخ إسقاط من أي ومحمد الذي قد عرفتم قرابته لهاشم وعبد المطلب والآباء والكرام، فالحسب أعظم من كثرة المال، "وقد خطب خديجة بنت خويلد" أي: جاء لها خاطبًا، "وبذل" أعطى بسماحة "لها ما آجله وعاجله من مالي".
"كذا" هو ما يأتي عن الدولابي، ففي رواية: إن أبا طالب قال: وقد خطب إليكم راغبًا كريمتكم خديجة وقد بذل لها من الصداق ما حكم عاجله وآجله اثنتا عشرة أوقية ذهبًا ونشا، وقال المحب الطبري في السمط الثمين في أزواج الأمين: أصدقها المصطفى عشرين بكرة، ولا تضاد بين هذا وبين ما يقال أبو طالب أصدقها؛ لجواز أنه ﷺ زاد في صداقها فكان الكل صداقًا وذكر ادولابي وغيره: أنه ﷺ أصدقها اثنتي عشرة أوقية من ذهب، وفي المنتقى: الصداق أربعمائة دينار، فيكون ذلك أيضًا زيادة على ما تقدم ذكره الخميس.
"وهو والله بعد هذا" الذي قلته فيه "له نبأ" خبر "عظيم" لا تعلمونه إشارة إلى ما شاهده من بركته عليه في أكله مع عياله، وما أخبر به بحيرا وغير ذلك، "وخطر جليل" عظيم "جسيم" فزوجها بالبناء للمفعول، وفي رواية: فتزوجها ﷺ .
وفي المنتقى: فلما أتم أبو طالب الخطبة تكلم ورقة بن نوفل، فقال: الحمد لله الذي جعلنا كما ذكرت، وفضلنا على ما عددت فنحن سادة العرب وقادتها، وأنتم أهل ذلك كله لا تنكر العشيرة فضلكم ولا يرد أحد من الناس فخركم وشرفكم، وقد رغبنا في الاتصال بحبلكم وشرفكم فاشهدوا عليّ يا معاشر قريش بأني قد زوجت خديجة بنت خويلد من محمد بن عبد الله على أربعمائة دينار، ثم سكت، فقال أبو طالب: قد أحببت أن يشركك عمها، فقال عمها: اشهدوا علي يا معاشر قريش أني قد أنكحت محمدًا بن عبد الله خديجة بنت خويلد،стр. 377
والضئضئ: الأصل.
وحضنة بيته: أي الكافلين له والقائمين بخدمته.
وسواس حرمه: أي متولوا أمره.
قال ابن إسحاق: وزوجها أبوها خويلد.
وقد ذكر الدولابي وغيره: أن النبي ﷺ أصدق خديجة اثنتي عشر أوقية ذهبًا ونشًا. قالوا: وكل أوقة أربعون درهمًا، قال المحب الطبري والنش: نصف أوقية تتميم.
ولما بلغ ﷺ خمسًا وثلاثين سنة........................
الحواشي
(١) وشهد على ذلك صناديد قريش.
"والضئضئ" بجميع وجوهه المتقدمة معناه: "الأصل وحضنة بيته، أي: الكافلين له والقائمين بخدمته" أي: هم المعروفون بذلك وإلا فالأولى الرفع؛ لأن حضنة مبتدأ فهو مرفوع وإن قصد حكاية ما سبق، "وسواس حرمه، أي: متولو أمره" من ساس الرعية، "قال ابن إسحاق: وزوجها أبوها خويلد" للنبي ﷺ أعاده للغزو، وهذا جزم به ابن إسحاق هنا، وصدر به في آخر كتابه وقابله بقوله: ويقال أخوها عمرو، وفي الفتح: زوجه إياها أبوها خويلد، ذكره البيهقي من حديث الزهري بإسناده عن عمار بن ياسر، وقيل: عمها عمرو بن أسد ذكره الكلبي، وقيل: أخوها عمرو بن خويلد، ذكره ابن إسحاق، انتهى.
وكأنه لم يعتبر قول الواقدي الثبت عندنا المحفوظ من أهل العلم أن أباها مات قبل حرب الفجار، وإن عمها عمرًا هو الذي زوجها لمزيد حفظ الثبت وهو الزهري خصوصًا، وقد رواه عن صحابي من السابقين، لكن قال الشامي الذي ذكره أكثر علماء السير: أن الذي زوجها عمها.
قال السهيلي: وهو الصحيح لما روى الطبري: أن عمرو بن أسد هو الذي أنكح خديجة رسول الله ﷺ ، وأن خويلدًا كان قد مات قبل حرب الفجار، ورجحه الواقدي وغلط من قال بخلافه، وحكى عليه المؤملي الاتفاق.
"وقد ذكر" الحافظ أبو بشر بموحدة مكسورة فشين معجمة محمد بن أحمد الأنصاري، "الدولابي" قال في اللب: كأصله بفتح الدال المهملة والناس يضمونها نسبة إلى عمل الدولاب شبه الناعورة، لكن في النور والقاموس: أن القرية دولاب بالضم والذي كالناعورة بالضم وقد يفتح وقد مر ذلك مع بعض ترجمته.
"وغيره: أن النبي ﷺ أصدق خديجة" من مال أبي طالب على ما مر فنسب إليه لوقوع النكاح له، "اثنتي عشرة أوقية ذهبًا ونشًا" وظاهر كلام الطبري حمله على ظاهره وأن الذي من أبي طالب غيره، "قالوا وكل أوقية أربعون درهمًا قال المحب الطبري" فتكون جملة الصداق خمسمائة درهم شرعي، انتهى. أي: ذهبًا ولا ينافيه تعبيره بدرهم؛ لأنه بيان للوزن فلا يستلزم كونه فضة فأراد الشرعي وزنًا وهو خمسون وخمسًا حبة من مطلق الشعير، أي: لا طبري ولا بغلي ثم هذا لا ينافي أن صداق الزوجات لم يزد على خمسمائة درهم فضة لحمله على ما بعد البعثة، أو على ما إذا كان منه ﵇، أما هذا فشاركه فيه أبو طالب.
"والنش" بفتح النون وبالشين المعجمة "نصف أوقية" لأن النش لغة نصف كل شيء، روى مسلم عن عائشة: كان صداقه ﷺ لأزواجه اثنتي عشرة أوقية ونشا، أتدري ما النش؟ قلت: لا، قالت: نصف أوقية فذلك خمسمائة درهم، وهذا أولى من قول ابن إسحاق: صداقه لأكثر زوجاته أربعمائة درهم؛ لأن فيه زيادة، ومن ذكر الزيادة معه زيادة علم، ولصحته "تتميم" ذكر الملأ في سيرته أنه ﷺ لما تزوجها ذهب ليخرج، فقالت له: إلى أين يا محمد؟ اذهب وانحر جزورًا أو جزورين وأطعم الناس، ففعل وهو أول وليمة أولمها ﷺ .
وفي المنتقى: فأمرت خديجة جواريها أن يرقصن ويضربن الدفوف، وقالت: مر عمك ينحر بكرًا من بكراتك، وأطعم الناس وهلم فقل مع أهلك، فأطعم الناس ودخل ﷺ فقال: "معها فقر الله عينه"، وفرح أبو طالب فرحًا شديدًا وقال: الحمد لله الذي أذهب عنا الكرب ودفع عنا الهموم، وسيأتي شيء من فضائلها إن شاء الله من المقصد الثاني، وقبله في المبعث.стр. 378
بنيان قريش الكعبة:
"ولما بلغ ﷺ خمسًا وثلاثين سنة" فيما جزم به ابن إسحاق وغير واحد من العلماء وقيل: خمسًا وعشرين سنة، رواه ابن عبد البر عن محمد بن جبير وعبد الرزاق عن ابن جريج عن مجاهد، وجزم به موسى بن قبة في معاوية ويعقوب بن سفيان في تاريخه، قال الحافظ: والأول أشهر، ويمكن الجمع بأن الحريق تقدم وقته على الشروع في البناء.
وحكى الأزرقي: أنه كان غلامًا، قال الحافظ: ولعل عمدته ما رواه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال: لما بلغ ﷺ الحلم أجمرت الكعبة امرأة فطارت شرارة من مجمرها في ثياب الكعبة فاحترقت، فذكر القصة، وقيل: ابن خمس عشرة سنة، حكى الأخير المصنف ولعله غلط قائله.
وأما قول الشامي ما حاصله: وسن المصطفى خمس وثلاثون سنة، وقيل: قبل المبعث بخمس عشرة سنة، وقيل: ابن خمس وعشرين وغلط قائله فعجيب، فإن الثالث هو عين الثاني،
стр. 379
خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول، فأمروا باقوم -بموحدة فألف فقاف مضومة فواو ساكنة فميم- القبطي مولى سعيد بن العاصي..........................
الحواشي
(١) وليس بغلط بل هو قوي، ولذا احتاج الحافظ للجمع بينه وبين الأول كما ترى، وممن ذكر جمعه الشامي. وأما ما رواه ابن راهويه عن علي: أنه ﷺ كان حينئذ شابًا فهو يأتي على جميع الأقوال.
"خافت قريش أن تنهدم الكعبة من السيول" فيما حكاه في العيون والفتح عن موسى بن عقبة، قال: إنما حمل قريشًا على بنائها أن السيل أتى من فوق الردم الذي بأعلى مكة فأخربه فخافوا أن يدخلها الماء، وقيل سبب ذلك احتراقها، فروى يعقوب بن سفيان بإسناد صحيح عن الزهري: أن امرأة أجمرت الكعبة فطارت شرارة في ثيابها فأحرقتها، وروى الفاكهي عن عبد الله بن عبيد بن عمير، قال: كانت الكعبة فوق القامة فأرادت قريش رفعها وتسقيفها، وروى ابن راهويه عن علي في حديث: فمر عليه الدهر فبنته قريش، حكاه في الفتح، وقيل: إن السيل دخلها وصدع جدرانها بعد توهينها.
وقيل: إن الأنفر أسرقوا حلي الكعبة وغزالين من ذهب، وقيل: غزالا واحدًا مرصعًا بدر وجوهر، وكان في بئر في جوف الكعبة، فأرادوا أن يشيدوا بنيانها ويرفعوه حتى لا يدخلها إلا من شاءوا، وجمع بأنه لا مانع أن سبب بنائهم ذلك كله.
وقال شيخنا: يجوز أن خشية هدم السيل حصل من الحريق حتى أوهن بناءها ووجدت السرقة بعد ذلك أيضًا، "فأمروا باقوم بموحدة فألف فقاف مضمومة فواو ساكنة فميم" ويقال: باقول باللام الصحابي؛ كما في الإصابة، "القبطي" بالقاف نسبة إلى القبط نصارى مصر، "مولى سعيد بن العاصي" بن أمية، وفي الإصابة روى ابن عيينة في جامعه عن عمرو بن دينار عن عبيدة بن عمير، قال: اسم الرجل الذي بنى الكعبة لقريش باقوم، وكان روميًا وكان في سفينة حبسها الريح فخرجت إليها قريش وأخذوا خشبها، وقالوا له: ابنها على بناء الكنائس، رجاله ثقات مع إرساله، انتهى.
فيحتمل أنهما اشتركا جميعًا في بنائها أو أحدهما بنى والآخر سقف وإنهما واحد وهو رومي في الأصل ونسب إلى القبط حلفًا ونحوه، وهذا هو الظاهر من كلام الإصابة، فإنه بعدما جزم بأنه مولى بني أمية، وذكر الرواية التي صرحت بأنه مولى سعيد منهم ذكر روايتي بنائه الكعبة وعمله المنبر، وقال في آخره: يحتمل أنه الذي عمل المنبر بعد ذلك ولم يقع عنده أنه قبطي وهو يؤدي ما في بعض نسخ المصنف النبطي بفتح النون والموحدة.
قال في الفتح: هذه النسبة إلى استنباط الماء واستخراجه وإلى نبيط بن هانب بن أميم بنстр. 380
وصانع المنبر الشريف، بأن يبني الكعبة المعظمة.
الحواشي
(١) لاود بن سام بن نوح، انتهى.
فيحتمل أنه كان يستخرج الماء فنسب إليه وإن كان روميًا، ويؤيده قول بعضهم وكان نجارًا بناء فإن من جملة حرف البناء معرفة استخراج الماء من المواضع بأن يقول: الماء يوجد هنا أقرب من هنا فليست بتحريف.
"وصانع المنبر الشريف" النبوي المدني في أحد الأقوال كما يجيء إن شاء الله تعالى، وأخرج أبو نعيم بسند ضعيف عن صالح مولى التوءمة: حدثني باقوم مولى سعيد بن العاص، قال: صنعت لرسول الله ﷺ منبرًا من طرفاء الغابة ثلاث درجات المقعد ودرجتين. "بأن يبني الكعبة المعظمة" وذلك أنه كان بسفينة ألقاها الريح بجدة فتحطمت فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إليها، فابتاعوا خشبها وأعدوه لتسقيف الكعبة وكلموا باقوم الرومي في بنائها فقدم معهم.
قال ابن إسحاق: وكان بمكة رجل قبطي نجار فهيأ لهم بعض ما يصلحها، قال: فهاب الناس هدمها وفرقوا منه، فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعول ثم قام وهو يقول: اللهم لم ترع، بفوقية مضمومة فراء مفتوحة، أي: لم تفزع الكعبة فأضمرها التقدم ذكرها، وهذا أولى من إعادة السهيلي الضمير لله قائلا: لا روع هنا، فينبغي لكن الكلمة تقتضي إظهار قصد البر فيجوز التكلم بها في الإسلام، واستشهد بحديث: "فاغفر فدا لك ما أبقينا"، قال: وفي رواية: لم نزغ، أي: بفتح النون وكسر الزاي وغين معجمة، قال: وهو جلي لا يشكل، أي: لم نمل عن دينك ولا خرجنا عنه، اللهم لا نريد إلا الخير، ثم هدم من ناحية الركنين الأسود واليماني وتربص الناس تلك الليلة، وقالوا: ننظر، فإن أصيب لم نهدم منها شيئًا ورددناها كما كانت وإن لم يصبه شيء هدمنا فقد رضي الله ما صنعنا فأصبح الوليد من ليلته عائدًا إلى عمله فهدم وهدم الناس معه، حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى الأساس أساس إبراهيم أفضوا إلى حجارة خضر كالأسمنة جمع سنام، وهو أعلى الظهر للبعير، ومن رواه كالأسنة جمع سنان شبهها بالأسنة في الخضرة أخذ بعضها ببعض فأدخل رجل ممن كان يهدم عتلته بين حجرين منها ليقلع بها بعضها، فلما تحرك الحجر تنغصت مكة بأسرها وأبصر القوم برقة خرجت من تحت الحجر كادت تخطف بصر الرجل، فانتهوا عن ذلك الأساس وبنوا عليه.
وفي رواية: لما شرعوا في نقض البناء خرجت عليهم الحية التي كانت في بطنها تحرسها سوداء البطن، فمنعتهم من ذلك فاعتزلوا عند مقام إبراهيم فتشاوروا، فقال لهم الوليد: ألستم تريدون بها الإصلاح؛ قالوا: بلى، قال: فإن الله لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا فيстр. 381
وحضر ﷺ وكان ينقل معهم الحجارة، وكانوا يضعون أزرهم.........
الحواشي
(١) بيت ربكم إلا طيب أموالكم، وتجنبوا الخبيث فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.
وعند موسى بن عقبة، أنه قال: لا تجعلوا فيها مالا أخذه غصبًا ولا قطعت فيه رحم، ولا
انتهكت فيه حرمة.
وعند ابن إسحاق: أن الذي أشار عليهم بذلك هو أبو وهب بن عمر بن عامر بن عمران بن مخزوم ففعلوا ودعوا، وقالوا: اللهم إن كان لك في هدمها رضى فأتمه وأشغل عنا هذا الثعبان، فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب ظهره أسود وبطنه أبيض ورجلاه صفراوان والحية على جدار البيت فأخذها ثم طار بها، فقالت قريش: إنا لنرجو أن الله قبل عملكم ونفقتكم.
وفي التمهيد عن عمرو بن دينار: لما أرادت قريش بناء الكعبة خرجت منها حية فحالت بينهم وبينها فجاء عقاب أبيض، فأخذها ورمى بها نحو أجياد، انتهى.
وعن ابن عباس: أنها الدابة التي تخرج في آخر الزمان تكلم الناس اختطفها العقاب، فألقاها الحجون فابتلعتها الأرض، وقيل: الخارجية فصيل ناقة صالح وهما غريبان.
وروى ابن راهويه في حديث عن علي: فلما أرادوا أن يضعوا الحجر الأسود اختصموا فيه، فقالوا: نحكم بيننا أول من يخرج من هذه السكة، فكان ﷺ أول من خرج فحكم بينهم أن يجعلوه في ثوب ثم يرفعه من كل قبيلة رجل.
وذكر الطيالسي، أنهم قالوا: نحكم أول من يدخل من باب بني شيبة، فكان ﷺ أول من دخل منه، فأخبروه فأمر بثوب فوضع الحجر في وسطه، وأمر كل فخذ أن يأخذوا بطائفة من الثوب فرفعوه ثم أخذه فوضعه بيده.
وذكر الفاكهي وابن إسحاق أن الذي أشار عليهم أن يحكموا أول داخل أبو أمية المخزومي أخو الوليد، وعند موسى بن عقبة أن المشير أخوه الوليد.
قال السهيلي: وذكر أن إبليس كان معهم في صورة شيخ نجدي، فصاح بأعلى صوته، يا معشر قريش، أقد رضيتم أن يضع هذا الركن وهو شرفكم غلام يتيم دون ذوي أسنانكم، فكاد يثير شرًا بينهم، ثم سكتوا.
وحكى في الروض: أنها كانت تعة أذرع من عهد إسماعيل، يعني طولا، ولم يكن لها سقف فلما بنتها قريش زادوا فيها تسعة أذرع ورفعوا بابها على الأرض، فكان لا يصعد إليها إلا في درج أو سلم. وقال الأزرقي: كان طولها سبعة وعشرين ذراعًا، فاقتصرت قريش منها على ثمانية عشر، ونقصوا من عرضها أذرعًا أدخلوها في الحجر.
"وحضر ﷺ " بناءها "وكان ينقل معهم الحجارة" من أجياد "وكان يضعون أزرهم" جمعстр. 382
على عواتقهم، ويحملون الحجارة، ففعل ذلك ﷺ فلبط به -بالموحدة، كعنى أي سقط من قيامه كما في القاموس- ونودي: عورتك، فكان ذلك أول ما نودي.
الحواشي
(١) إزار، يذكر ويؤنث، "على عواتقهم ويحملون الحجارة، ففعل ذلك ﷺ " بأمر العباس، فروى الشيخان عن جابر، قال: لما بنيت الكعبة ذهب النبي ﷺ والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي ﷺ : اجعل إزارك على رقبتك يقيك من الحجارة، ففعل فخر إلى الأرض وطمحت عيناه إلى السماء ثم أفاق، فقال: "إزاري إزاري"، فشد عليه إزاره، فما رئي بعد ذلك عريانًا. "فلبط به بالموحدة، كعنى" فهو من الأفعال التي جاءت بصيغة المبني للمفعول، وهي بمعنى المبني للفاعل، "أي: سقط من قيامه؛ كما في القاموس، ونودي" يا محمد، غط "عورتك" روى عبد الرزاق والطبراني والحاكم عن أبي الطفيل، قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم ليس فيها مدور وكانت ذات ركنين، فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبًا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجارًا فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت، فكانوا كلما أرادوا القرب لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها، فبعث الله طيرًا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها، فألقاها نحو أجياد، فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا، فبينما النبي ﷺ يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة، فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها، فنودي: يا محمد خمر عورتك، فلم ير عريانًا بعد ذلك.
ففي قول السراج بن الملقن في شرح البخاري: لعل جزعه لانكشاف جسده، وليس في الحديث، يعني حديث جابر المتقدم أنه انكشف شيء من عورته تقصير؛ لأنه وإن لم يكن فيه فقد ورد في غيره، وخير ما فسرته بالوارد نعم ليس المراد العورة المغلظة.
"فكان ذلك أول ما نودي" زاد في رواية أبي الطفيل: فما رأيت له عورة قبل ولا بعد، وذكر ابن إسحاق في المبعث: وكان ﷺ يحدث عما كان الله يحفظه في صغره أنه قال: "لقد رأيتني في غلمان من قريش ننقل الحجارة لبعض ما يلعب به الغلمان كلنا قد تعرى وأخذ إزاره فجعله على رقبته يحمل عليه الحجارة، فإني لأقبل معهم لذلك وأدبر، إذ لكمني لاكم ما أراه لكمة وجيعة، ثم قال: شد عليك إزارك، فشددته عليّ، ثم جعلت أحمل وإزاري عليّ من بين أصحابي".
قال السهيلي: إنما وردت هذه القصة في بنيان الكعبة، فإن صح أن ذلك كان في صغره فهي قصة أخرى، مرة في الصغر، ومرة بعد ذلك، قلت: قد يطلق على الكبير غلام إذا فعل فعل الغلمان فلا يستحيل اتحاد القصة اعتمادًا على التصريح بالأولية في حديث أبي الطفيل، كذا فيстр. 383
فقال له أبو طالب أبو العباس: يابن أخي اجعل إزارك على رأسك، فقال: "ما أصابني ما أصابني إلا من التعري". خاتمة.
الحواشي
(١) فتح الباري. وجمع في كتاب الصلاة بحمل ما عند ابن إسحاق على غير الضرورة العادية، وما في حديث جابر على الضرورة العادية، والنفي فيها على الإطلاق، أو يتقيد بالضرورة الشرعية؛ كحالة النوم مع الأهل أحيانًا، انتهى.
"فقال له أبو طالب أو العباس" شك من الراوي "يابن أخي، اجعل إزارك على رأسك" وكأنه توهم أن سقوطه من جعله على رقبته، لا من كشف عورته ولا يشكل أنه نودي عورتك؛ لجواز أنه لم يسمع النداء وإنما سمعه المصطفى، فقال: "ما" نافية "أصابني ما" الذي "أصابني" من السقوط "إلا من التعري".
خاتمة:
اختلف في أول من بنى الكعبة، فذكر المحب الطبري في منسكه قولا: أن الله وضعه أولا لا ببناء أحد، وروى الأزرقي عن علي بن الحسين: أن الملائكة بنته قبل آدم. وروى عبد الرزاق عن عطاء، قال: أول من بنى البيت آدم. وعن وهب بن منبه: أول من بناه شيث بن آدم. وفي الكشاف: أول من بناه إبراهيم، وجزم به ابن كثير، زاعمًا أنه أول من بناه مطلقًا إذ لم يثبت عن معصوم أنه كان مبنيًا قبله.
قلت: ولم يثبت عن معصوم أنه أول من بناه. وقد روى البيهقي في الدلائل عن ابن عمر، عن النبي ﷺ قصة بناء آدم لها، ورواه الأزرقي وأبو الشيخ وابن عساكر، عن ابن عباس موقوفًا وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيًا، وأخرج الشافعي عن محمد بن كعب القرظي، قال: حج آدم فلقيته الملائكة، فقالوا: بر نسكك يا آدم. وقد روى ابن أبي حاتم، من حديث ابن عمر: أن البيت رفع في الطوفان فكان الأنبياء بعد ذلك يحجونه ولا يعلمون مكانه حتى بوأه الله لإبراهيم فبناه على أساس آدم وجعل طوله في الساء سبعة أذرع بذراعهم، وذرعه في الأرض ثلاثين ذراعًا بذراعهم، وأدخل الحجر في البيت ولم يجعل له سقفًا وجعل له بابًا وحفر به بئرًا عند بابه يلقى فيها ما يهدى للبيت؛ فهذه الأخبار وإن كان مفرداتها ضعيفة، لكن يقوي بعضها بعضًا ثم العمالقة ثم جرهم، رواه ابن أبي شيبة وابن راهويه وابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي في الدلائل، عن علي: أن بناء إبراهيم لبث ما شاء الله أن يلبث ثم انهدم فبنته العمالقة ثم انهدم، فبنته جرهم ثم قصي بن كلاب نقله الزبير بن بكار وجزم بن الماوردي، ثم قريش فجعلوا ارتفاعها ثمانية عشر ذراعًا وفي رواية: عشرين، ولعل راويها جبر بالكسر ونقصوا من طولها ومن عرضها أذرعًا أدخلوهاстр. 384
باب مبعث النبي ﷺ
مدخل
...
"بسم الله الرحمن الرحيم"
"باب مبعث النبي ﷺ ":
ولما بلغ ﷺ أربعين سنة وقيل: وأربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين...............................
الحواشي
(١) في الحجر لضيق النفقة بهم، ثم لما حوصر ابن الزبير من جهة يزيد تضعضعت من الرمي بالمنجنيق فهدمها في خلافته وبناها على قواعد إبراهيم، فأعاد طولها على ما هو عليه الآن، وأدخل من الحجر الأذرع المذكورة، وجعل له بابًا آخر، فلما قتل ابن الزبير شاور الحجاج عبد الملك في نقض ما فعله ابن الزبير فكتب إليه: أما ما زاده في طولها فأقره، وأما ما زاده في الحجر فرده إلى بنائه وسد بابه الذي فتحه، ففعل ذلك؛ كما في مسلم عن عطاء.
وذكر الفاكهي: أن عبد الملك ندم على إذنه للحجاج في هدمها، ولعن الحجاج.
وفي مسلم نحوه من وجه آخر: واستمر بناء الحجاج إلى الآن وقد أراد الرشيد أو أبوه أو جده أن يعيده على ما فعله ابن الزبير فناشده مالك، وقال: أخشى أن يصير ملعبة للملوك، فتركه ولم يتفق لأحد من الخلفاء ولا غيرهم تغيير شيء ممخا صنعه الحجاج إلى الآن إلا في الميزاب والباب وعتبته: وكذا وقع الترميم في الجدار والسقف وسلم السطح غير مرة، وجدد فيها الرخام.
قال ابن جريج: أول من فرشها بالرخام الوليد بن عبد الملك، فالمتحصل من الآثار؛ كما أفاده الفتح والإرشاد والسبل وشفاء الغرام: أنها بنيت عشر مرات وقد علمتها وذكر بعضهم أن عبد المطلب بناها بعد قصي وقبل بناء قريش، قال الفاسي: ولم أر ذلك لغيره وأخشى أن يكون وهمًا، قال: واستمر بناء الحجاج إلى يومنا هذا وسيبقى على ذلك إلى أن تخر بها الحبشة وتقلعها حجرًا حجرًا؛ كما في الحديث، وقد قال العلماء: إن هذا البنيان لا يغير، انتهى. والله أعلم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
باب مبعث النبي ﷺ :
"ولما بلغ ﷺ أربعين سنة" قاله جمهور العلماء. السهيلي: هو الصحيح عند أهل السير والعلم بالأثر. النووي هو الصواب وهو المروي في الصحيحين عن ابن عباس وأنس، وروي أيضًا عن عطاء وابن المسيب وجبير بن مطعم، وقباث بن أشيم الصحابي. "وقيل: أربعين يومًا، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين" حكاه في الروض ممرضًا بلفظ: روي، وقيل: ويوم واحد، حكاه المنتقى.стр. 385
يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان, وقيل: لسبع، وقيل: لأربع وعشرين ليلة.
وقال ابن عبد البر: يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل. وقيل: في أول ربيع:
بعثه الله رحمة للعالمين........................
الحواشي
(١) وفي تاريخ يعقوب بن سفيان وغيره عن مكحول: أنه بعث بعد اثنتين وأربعين سنة.
وقال الواقدي وابن عاصم والدولابي: وهو ابن ثلاث وأربعين. وفي كتاب العتقي: ابن خمس وأربعين، قال مغلطاي: وجمع بأن ذلك حين حمى الوحي وتتابع.
وقال البهران: هما شاذان، والثاني أشد شذوذًا. وفي الفتح حديث ابن عباس: فمكث بمكة ثلاث عشرة أصح مما عند أحمد من وجه آخر عنه أنزل على النبي ﷺ وهو ابن ثلاث وأربعين فمكث بمكة عشرًا، وأصح مما أخرجه مسلم من وجه آخر عنه: أنه أقام بمكة خمس عشرة سنة. "يوم الاثنين لسبع عشرة خلت من شهر رمضان" رواه ابن سعد واقتصر عليه المصنف في إرشاده، "وقيل: لسبع" منه، "وقيل: لأربع وعشرين ليلة" من رمضان على ما في حديث واثلة الآتي، ثم كون البعث فيه هو قول الأكثر والمشهور عند الجمهور، قال الحافظان ابنا كثير وحجر وصححه الحافظ العلائي، قال في الفتح: فعلى الصحيح المشهور أن مولده في ربيع الأول يكون حين أنزل عليه ابن أربعين سنة وستة أشهر، وكلام ابن الكلبي يؤذن بأن ولد في رمضان، وبه جزم الزبير بن بكار وهو شاذ، انتهى.
"وقال ابن عبد البر" والمسعودي بعث "يوم الاثنين لثمان من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين، من" عام "الفيل" وبه صدر ابن القيم، وعزاه للأكثرين، ثم حكى أنه كان في رمضان عكس النقل الأول، فعلى هذا يكون له أربعون سنة سواء، قاله الفتح.
وجمع بين النقلين: بما في حديث عائشة: أول ما بدئ به من الوحي الرؤيا الصالحة.
وحكى البيهقي: إن مدتها ستة أشهر فيكون نبئ بالرؤيا في ربيع الأول ثم أتاه جبريل في رمضان وحمل عليه بعضهم الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءًا من النبوة؛ لأن مدة الوحي كانت ثلاثًا وعشرين سنة فيها ستة أشهر منام وذلك جزء من ستة وأربعين.
وأما الجمع بأن نزول ﴿اقْرَأْ﴾ [العلق: ١] في رمضان، وأول المدثر في ربيع، فاعترض بأن نزول المدثر بعد ثلاث سنين.
"وقيل: في أول ربيع بعثه الله رحمة للعالمين" أوحى إليه وأمره بتبليغ ما أوحاه فنزل ذلكстр. 386
ورسولا إلى كافة الثقلين أجمعين.
ويشهد لبعثه يوم الاثنين ما رواه مسلم عن أبي قتادة أنه ﷺ سئل عن صوم الاثنين فقال: "فيه ولدت وفيه أنزل عليّ".
وقال ابن القيم في "الهدى النبوي": واحتج القائلون بأنه كان في رمضان بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] . قالوا: أول ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن.
الحواشي
(١) منزلة الإرسال، فعبر عنه بالبعث مجازًا وإلا فحقيقة إرسال شخص من مكان لآخر يتعدى إليه الفعل بنفسه وإن وصل بنفسه كما هنا، وإلا فبالياء كبعثت بالكتاب عند أكثر اللغويين، وبه قطع المصباح.
"ورسولا إلى كافة الثقلين" الإنس والجن "أجمعين" وكأنه اقتصر عليهما؛ لأن آثار الإرسال إنما يتعلق بهما، والملائكة وإن كان مرسلا إليهم في الراجح غير مكلفين بشرعة وأشعر المصنف بتقارن الرسالة والنبوة، قال شيخنا: وهو الصحيح كما قال بعض مشايخنا، وقيل: النبوة متقدمة على الرسالة، وعليه ابن عبد البر وغيره، واقتصر عليه المصنف فيما يجيء.
"ويشهد لبعثه يوم الاثنين، ما رواه مسلم" مختصرًا من طريق مهدي بن ميمون عن غيلان عن عبد الله بن معبد، "عن أبي قتادة" الخزرجي السلمي الحارث بن ربعي بكسر الراء، شهد المشاهد، إلا بدرًا ففيها خلف "أنه ﷺ سئل عن صوم" يوم "الاثنين، فقال: "فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ" ورواه مسلم قبل ذلك في حديث طويل من طريق شعبة عن غيلان عن ابن معبد عن أبي قتادة، بلفظ: وسئل عن صوم يوم الاثنين، فقال: "ذاك يوم ولدت فيه، ويوم بعثت فيه" أو قال: "أنزل عليّ فيه"، فصدق كل من المصنف والشامي في العزو لمسلم؛ لأنهما روايتان فيه.
"وقال ابن القيم في الهدي" بفتح الهاء وسكون الدال، "النبوي" يعني: كتابه زاد المعاد في هدي خير العباد؛ لأن تراجمه كلها يقول: هديه ﵇ في كذا "واحتج القائلون بأنه كان في رمضان" وإن اختلفوا في تعيين، أي: يوم منه على ما مر.
وأما حديث واثلة: وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان على تسليم أن المراد على المصطفى، فإنما هو دليل للقائل به إذ المعنى: احتج المتفقون على أنه كان في رمضان، "بقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، أي: ابتدئ فيه إنزاله، "قالوا: أو ما أكرمه الله تعالى بنبوته أنزل عليه القرآن" وهو إنما أنزل في رمضانстр. 387
وقال آخرون: إنما نزل القرآن جملة واحدة في ليلة القدر إلى بيت العزة، ثم نزل نجومًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة.
الحواشي
(١) فيكون ابتداء نزوله فيه، "وقال آخرون: إنما أنزل القرآن جملة واحدة" من اللوح المحفوظ "في ليلة القدر إلى بيت العزة" في سماء الدنيا؛ كما جاء عن ابن عباس، فلا دلالة على الآية على أن ابتداء نزوله على المصطفى في رمضان ولا أن ابتداء نبوته فيه، لكن روى أحمد وابن جرير والطبراني والبيهقي عن واثلة مرفوعًا: "أنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لست مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأنزل الله القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان"، قال الحافظ في الفتح: هذا الحديث مطابق لقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ [البقرة: ١٨٥] ، ولقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ، فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين، أي: صبيحتها إلى الأرض أول ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ [العلق: ١] ، انتهى. قال في الإتقان: لكن يشكل على ذا الحديث ما عند ابن أبي شيبة عن أبي قلابة، قال: أنزلت الكتب كاملة ليلة أربع وعشرين من رمضان، انتهى. ولا إشكال فالمقطوع لا يعارض المرفوع.
"ثم نزل نجومًا" قطعًا متفرقة؛ لأن كل جزء منه يسمى نجمًا، "بحسب الوقائع" خمس آيات وعشر أو أكثر وأقل، وصح نزول عشر آيات في قصة الإفك جملة، وصح نزول عشر آيات من أول المؤمنين جملة، وصح نزول ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] ، وحدها وهي بعض آية، وكذا: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ [التوبة: ٢٨] إلى آخر الآية، نزول بعد نزول أول الآية وذلك بعض آية، وأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة: أنزل الله القرآن نجومًا ثلاث آيات وأربع آيات وخمس آيات وما عند البيهقي عن عمر: تعلموا القرآن خمس آيات، خمس آيات؛ فإن جبريل كان ينزل بالقرآن على النبي ﷺ خمسًا خمسًا.
ومن طريق ضعيف عن علي: أنزل القرآن خمسًا خمسًا إلا سورة الأنعام، فمعناه: إن صح إلقاؤه إلى النبي ﷺ هذا القدر حتى يحفظه ثم يلقي الباقي لا إنزاله بهذا القدر خاصة، ويوضح ذلك ما عند البيهقي عن أبي العالية: كان ﷺ يأخذ القرآن من جبريل خمسًا خمسًا، قاله في الإتقان.
"في ثلاث وعشرين سنة" على قول الجمهور: أنه ﷺ بعث لأربعين وعاش ثلاثًا وستين، ولا ينافيه أن الفترة التي لم ينزل فيها القرآن بعد نزول ﴿اقْرَأ﴾ [العلق: ١] ثلاث سنين؛ لأنه نزل قبلها أول اقرأ فصدق أنه نزل ثلاث وعشرين سنة؛ لأنه لم يقل كان ينزل عليه كل يوم ولا كلстр. 388
....................................................................
الحواشي
(١) شهر، وقيل: نزل في عشرين بناء على أنه عاش ستين أو على إلغاء الفترة.
قال الأصفهاني: اتفق أهل السنة والجماعة على أن كلام الله منزل، واختلفوا في معنى الإنزال، فقيل: إظهار القراءة، وقيل: ألهم الله تعالى كلامه جبريل وهو في السماء وهو عال من المكان وعلمه قراءته، ثم جبريل أداه في الأرض وهو يهبط في المكان. وقال القطب الرازي: المراد بإنزال الكتب على الرسل أن يتلقفها الملك من الله تلقفًا روحانيًا أو يحفظها من اللوح المحفوظ وينزل بها فيلقيها عليهم، وقال غيره في المنزل على النبي ﷺ ثلاثة أقوال:
أحدها: اللفظ والمعنى وأن جبريل حفظ القرآن من اللوح المحفوظ كل حرف منها بقدر جبل قاف، وتحت كل حرف منها معان لا يحيط بها إلا الله.
الثاني: أن جبريل نزل بالمعاني خاصة وعلم ﷺ تلك المعاني، وعبر عنها بلغة العرب لظاهر قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣، ١٩٤] .
الثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى وعبر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرءونه بالعربية، ثم نزل به كذلك بعد. ويؤيد الأول ما رواه الطبراني عن النواس بن سمعان مرفوعًا إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا فيكون أولهم يرفع رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أرادوا، وينتهي به على الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها: ماذا قل ربنا؟ قال: الحق، فينتهي به حيث أمر.
وقال البيهقي: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ [القدر: ١] ، يريد والله أعلم إنا أسمعنا الملك وأفهمناه إياه وأنزلناه بما سمع فيكون الملك متنقلا من علو إلى سفل، قال أبو ثمامة: هذا المعنى مطرد في جميع ألفاظ الإنزال المضافة إلى القرآن أو إلى شيء منه يحتاج إليه أهل السنة المعتقدون قدم القرآن وأنه صفة قائمة بذاته تعالى.
وقال العلامة الخوي، بضم الخاء المعجمة: كلام الله المنزل قسمان، قسم قال الله لجبريل: قل للنبي الذي أنت مرسل إليه إن الله يقول لك كذا وكذا، وأمر بكذا وكذا، ففهم جبريل ما قاله ربه ثم نزل على ذلك النبي، وقال له ما قال ربه ولم تكن العبارة تلك العبارة؛ كما يقول الملك لمن يثق به: قل لفلان يقول لك الملك: اجتهد في الخدمة واجمع جندك للقتال، فإن قال الرسول: يقول لك الملك لا تتهاون في خدمتي ولا تترك الجند يتفرق وحثهم على المقاتلة لا ينسب إلى كذب وتقصير في أداء الرسالة. وقسم آخر، قال الله لجبريل: اقرأ على النبي هذا الكتاب، فنزل بكلام الله من غير تغيير كما يكتب الملك كتابًا ويسلمه إلى أمين، ويقول: اقرأه على فلان، فهو لا يغير منه كلمة ولا حرفًا، انتهى.стр. 389
وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب.
وروى البخاري في "التعبير" من حديث عائشة: "أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي....................................
الحواشي
(١) والقرآن هو القسم الثاني، والأول هو السنة، كما ورد أن جبريل كان ينزل بالسنة؛ كما ينزل بالقرآن. وقد رأيت ما يعضد كلامه، فروى ابن أبي حاتم عن الزهري أنه سئل عن الوحي، فقال: الوحي ما يوحي الله إلى نبي من أنبيائه فيثبته في قلبه فيتكلم به ويكتبه، وهو كلام الله ومنه ما لا يتكلم به ولا يكتبه لأحد ولا يأمر بكتابته ولكنه يحدث به الناس حديثًا ويبين لهم أن الله أمره أن يبينه للناس ويبلغهم إياه، قاله في الإتقان ببعض اختصار. وذكر في فتاويه عن شيخه الكافيجي أن التلقف الروحاني لا يكيف.
"وقيل: كان ابتداء المبعث في رجب" حكى مغلطاي وغيره من العتقي أنه بعث وهو ابن خمس وأربعين سنة لسبع وعشرين من رجب، قال شيخنا: فيحتمل أن هذا اليوم هو المراد لصاحب هذا القول وهو وضاح وإن ثبت أنه يقول: سنة خمس وأربعون سنة.
"وروى البخاري في" كتاب "التعبير" من صحيحه، وفي التفسير، وفي بدء الوحي والإيمان لكنه اختار ما في التعبير؛ لأن سياقه فيه أتم فذكر الحزن والتردي إلى آخر الحديث إنما هو فيه دون تلك المواضع ودون كتاب مسلم ولذا لم يعزه لهما.
وأما جعل نكتة ذلك أنه كان بصدد ما وقع له يقظة والآن بصدهه أوقع له قبل ذلك فناسب نقله من التعبير، فبادرة لا محصل لها والتعبير تفعيل من عبرت مشددًا، قال المصنف: وعبرت الرؤيا بالتخفيف هو الذي اعتمده الإثبات وأنكروا التشديد لكن أثبته الزمخشري اعتمادًا على بيت أنشده المبرد في الكامل لبعض الأعراب:
رأيت رؤيا ثم عبرتها ... وكنت للأحلام عبارًا
وقال غيره: يقال عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا فسرتها وعبرتها بالتشديد للمبالغة، انتهى. وهو تفسير الرؤيا؛ لأنه يعبر من ظاهرها إلى باطنها والعبر والعبور الدخول والتجاوز، وقيل: لأنه ينظر فيها، ويعتبر بعضها ببعض حتى تفهم فهو من الاعتبار وسيأتي بسط القول فيه إن شاء الله تعالى في مقصد الرؤيا بحول الله وقوته.
"من حديث عائشة" مرسلا؛ لأنها لم تدرك ذلك الوقت فإنما سمعته من النبي ﷺ أو صحابي آخر عنه، قال الحافظ تبعًا للطيبي: ويؤيد سماعها له منه قولها في أثناء الحديث، قال: فأخذني فغطني. "أول ما بدئ" بضم الموحدة وكسر المهملة فهمزة "به رسول الله ﷺ من الوحي" أي: من أقسامه فمن للتبعيض، وقول القزاز لبيان الجنس: كأنها قالت: من جنس الوحيстр. 390
الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح. وكان يأتي حراء...................................
الحواشي
(١) وليست منه، أي: فهي مجاز علاقته المشابهة للوحي في أنه لا دخل للشيطان فيها رده عياض بحديث: "إنها جزء من النبوة".
"الرؤيا الصادقة" هكذا في التعبير والتفسير، أي: لا كذب فيها أو لا تحتاج لتعبير، أو ما يقع بعينه، أو ما يعبر في المنام، أو يخبر به صادق، وفي بدء الوحي ومسلم الصالحة، قال المصنف: وهما بمعنى بالنسبة إلى الآخرة في حق الأنبياء. وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا، فالصالحة في الأصل أخص فرؤيا الأنبياء كلها صادقة، وقد تكون صالحة وهي الأكثر، وغير صالحة بالنسبة للدنيا كرؤيا يوم أحد، انتهى.
"في النوم" زيادة للإيضاح أو لتخرج رؤية العين يقظة مجازًا، قاله الحافظ وغيره ويأتي إن شاء الله تعالى. الخلاف فيه في الإسرء حيث تكلم فيه المصنف، ثم فلا نطيل به هنا. قال الحافظ: وبدء بذلك ليكون توطئة وتمهيدًا لليقظة، ثم مهد له في اليقظة أيضًا رؤية الضوء وسماع الصوت وسلام الحجر، انتهى.
"فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت" في بياتها، وللحموي والمستملي: إلا جاءته مجيئًا "مثل" فنصب نعت مصدر محذوف، "فلق" بفتحتين "الصبح" أي: شبيهة له في الضياء والوضوح أو التقدير مشبهة ضياء الصبح، فالنصب على الحال، وقدمه الفتح واقتصر عليه النور، وأكثر الشراح. وقال العيني: الأول أولى؛ لأنه مطلق والحال مقيد.
قال الحافظ: وخص بالشبه لظهوره الواضح الذي لا يشك فيه، أو للتنبيه على أنه لم يكن في باعث البشر أو كون ذلك من باعث الأفهام.
وقال المصنف: لأن شمس النبوة كانت مبادئ أنوارها الرؤيا إلى ظهور أشعتها وتمام نورها. وقال البيضاوي: شبه ما جاء في اليقظة ووجده في الخارج طبقًا لما رآه في المنام بالصبح في إنارته ووضوحه، والفلق: الصبح، لكنه لما استعمل في ذا المعنى وغيره أضيف إليه للتخصيص والبيان إضافة العام للخاص.
"وكان يأتي حراء" بكسر الحاء المهملة وتخفيف الراء والمد والتذكير والصرف على الصحيح، وحكى الفتح والقصر، وهي لغة مصروف على إرادة المكان ممنوع على إرادة البقعة، فيذكر ويؤنث جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال على يسار الذاهب إلى منى، وزعم الخطابي خطأ المحدثين في قصره وفتح حائه والأربعة في قباء أيضًا، وجمعهما القائل:
حرا وقبا ذكر وأنثهما معا ... ومد أو اقصر واصرفن وامنع الصرفاследующие страницы →