Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3256–3295 · переход к 3261.
стр. 3256
القسم الثاني: ما اختص به ﷺ
مما حرم عليه:
فمنها: تحريم الزكاة عليه، وكذا الصدقة على الصحيح المشهور المنصوص، قال ﵊: "إنا لا نأكل الصدقة" رواه مسلم، ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث. قال شيخ الإسلام ابن العراقي، في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه ﵊ الامتناع من أكل الصدقة إما وجوبًا وإما تنزهًا، انتهى.
والحكمة في ذلك: صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس.
ومنها: تحريم الزكاة على آله ﷺ
الحواشي
(١) القسم الثاني: ما اختص به ﷺ مما حرم عليه:
"القسم الثاني: ما" أي: أشياء "اختص به ﷺ " عن الأمة، فلا ينافي مشاركة الأنبياء له
في بعضها "مما حرم عليه" دون أمته، ليكثر ثوابه في اجتنابه، وخص بها تكرمة له، لأن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه، وفعل المندوب، "فمنها" أي: المحرمات عليه وعلى آله لأجله: "تحريم الزكاة عليه" أي: أخذها وعدم سقوطها عن مالكها لو وقع، "وكذا الصدقة" والكفارة والنذور "على الصحيح المشهور المنصوص، قال ﵊: "إنا لا نأكل الصدقة" وهي تشمل الفرض والنفل "رواه مسلم".
قال البلقيني: وخرجت على ذلك؛ أنه يحرم أن يوقف عليه معينًا؛ لأن الوقف صدقة تطوع، قال: وفي الجواهر له يؤيده، فإنه قال: صدقة التطوع كانت حرامًا عليه. وعن أبي هريرة، أن صدقات الأعيان كانت حرامًا عليه دون العامة، كالمساجد ومياه الآبار، قاله في الأنموذج.
"ومن قال بإباحتها له ويقول: لا يلزم من امتناعه من أكلها تحريمها، فلعله ترك ذلك تنزهًا مع إباحتها له، وهذا خلاف ظاهر الحديث" بل يرده قوله ﷺ : "إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة" رواه أحمد بإسناد قوي، كما في الفتح، وجزم الحسن البصري؛ بأن الأنبياء مثله، لأنها أوساخ، وقال ابن عيينة: تحل لهم بدليل: وتصدق علينا.
"قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح التقريب: وعلى كل حال ففيه أن من خصائصه ﵊ الامتناع من أكل الصدقة، إما وجوبًا وإما تنزهًا، انتهى" لأن القائل بالتنزه لم يقل بأكلها، "والحكمة في ذلك صيانة منصبه الشريف عن أوساخ أموال الناس" لأن الصدقة تطهر المال واجبة، كالزكاة، أو مندوبة كالتطوع، ولأنها تنبئ عن ذل الآخذ وعز المأخوذ منه، وأبدل بها الفيء المأخوذ بالقهر والغلبة لأنبائه بعز الآخذ وذل المأخوذ منه.
"ومنها: تحريم الزكاة على آله" وهم مؤمنو بني هاشم وبني المطلب عند الشافعيةстр. 3257
وتحريم كون آله عمالا على الزكاة في الأصح، كذا يحرم صرف النذر والكفارة إليهم، وأما صدقة التطوع فتحل لهم في الأصح خلافًا للمالكية وهو وجه عندنا.
ومنها: أنه يحرم عليه ﷺ كل ما له رائحة كريهة، كثوم وبصل، لتوقع مجيء الملائكة والوحي كل ساعة.
الحواشي
(١) وبعض المالكية، والمشهور عندهم بنو هاشم فقط؛ لقوله ﷺ : "إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد" رواه مسلم، ولقوله: "إن الله حرم عليّ الصدقة وعلى أهل بيتي"، رواه ابن سعد وغيره.
قال الطيبي: وقد اجتمع في الحديث مبالغات شتى، حيث جعل المشبه به أوساخ الناس للتهجين والتقبيح، تنفيرًا واستقذارًا، وأجل حضرة الرسالة ومنبع الطهارة أن ينسب إلى ذلك، فجرد عن نفسه الطاهرة من يسمى محمدًا؛ كأنه غيره وهو هو، فإن الطيبات للطيبين، لا يقال كيف أباحها لبعض أمته، ومن كمال إيمان المرء أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، لأنا نقول: ما أباحها لهم عزيمة، بل اضطرارًا، وكم من حدث تراه ناهيًا عن السؤال، فعلى الحازم أن يراها كالميتة، فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه، انتهى.
"وتحريم كون آله عمالا" ولو من بعضهم لبعض "على الزكاة في الأصح" لخبر الحاكم عن علي، قلت للعباس: سل رسول الله أن يستعملك على الصدقة، فسأله، فقال: "ما كنت لأستعملك على غسالة الأيدي"، "وكذا يحرم النذر والكفارة إليهم" ولكون تحريم ذلك على آله بسبب انتسابهم إليه عد ذلك من خصائصه.
"وأما صدقة التطوع، فتحل لهم في الأصح" عند الشافعية والحنابلة وأكثر الحنفية، وهو الصحيح المشهور عند المالكية، وص عليه مالك وابن القاسم، وأما قوله: "خلافًا للمالكية" فضعيف غره فيه، كالسيوطي اقتصار العلامة خليل عليه وما علما أنه متعقب، "وهو وجه عندنا" واستدل للحل بما رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه؛ أنه كان يشرب من سقايات بين مكة والمدينة، فقيل له: أتشرب من الصدقات؟ فقال: إنما حرم علينا الصدقة المفروضة.
وأخرجه البيهقي من طريق الشافعي، فثبت ذلك في حق القرابة، وقيس بها مواليها، زاد في الأنموذج: وعلى موالي وآله، أي خص بتحريم الزكاة عليهم في الأصح؛ لقوله ﷺ : "إن الصدقة لا تحل لنا"، وإن مولى القوم من أنفسهم وعلى زوجته بالإجماع، حكاه ابن عبد البر.
"ومنها: أنه يحرم عليه ﷺ كل ما له رائحة كريهة كثوم" بضم المثلثة، "وبصل" وكراث إذا كان ذلك نبأ؛ "لتوقع مجيء الملائكة والوحي له كل ساعة" فيتأذون بريحهстр. 3258
والأكل متكئًا في أحد الوجهين فيهما، والأصح في الروضة كراهتهما، وتعقب السهيلي الاتكاء فقال: قد يكره لغيره أيضًا لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك.
ومنها تحريم الكتابة والشعر، وإنما يتجه القول لتحريمهما ممن يقول إنه ﷺ كان يحسنهما، والأصح أنه كان لا يحسنهما، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ، أي: ما هو في طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته ولا يصلح له.
وأجيب: بأن المراد تحريم التوصل إليهما.
الحواشي
(١) لا مطبوخًا، فكان يأكله، كما رواه أبو داود والترمذي لانتفاء العلة.
وروى أبو داود عن عائشة: آخر طعام أكله في بيتي فيه بصل، زاد البيهقي: كان مشويًا في قدر، "والأكل متكئًا" أي: مائلا على أحد شقيه، أو معتمدًا على وطاء تحته، أو على يده اليسرى، أقوال مرت رجح بعضهم أوسطها وبعض أولها، وهذا "في أحد الوجهين فيهما" وهو مذهب مالك.
"والأصح في الروضة كراهتهما" لما في مسلم: أن أبا أيوب صنع للنبي ﷺ طعامًا فيه بصل، وفي رواية: أرسل إليه بطعام فيه بصل أو كراث، فرده، فقال: أحرام هو؟ قال: "لا ولكني أكرهه"، "وتعقب السهيلي: الاتكاء" أي القول بتخصيصه بكراهته، "فقال: قد يكره لغيره أيضًا؛ لأنه من فعل المتعظمين، وقد تقدم مزيد لذلك" في الأطعمة.
"ومنها: تحريم الكتابة والشعر" بجميع أنواعه، ومنه الرجز عند الجمهور خلافًا للأخفش، "وإنما يتجه" كما قال الرافعي "القول بتحريمهما" عليه "ممن يقول: إنه ﷺ كان يحسنهما" ولكن لا يكتب ولا يقول الشعر، "والأصح أنه كان لا يحسنهما" لأن الله "قال تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ﴾ ، أي: من القرآن ﴿مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينَكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٨] ، أي: اليهود، وقالوا: الذي في التوراة إنه أمي. "وقال تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ [يس: ٦٩] ، أي ما هو في طبعه، ولا يحسنه ولا تقتضيه جبلته" سجيته وطبيعته، "ولا يصلح له" تفسير لما ينبغي، "وأجيب" عن عدهما من الخصائص، كما أجاب به النووي في الروضة، فقال: "بأن" لا يمتنع تحريمها، وإن كان لا يحسنهما، فإن "المراد تحريم التوصل إليهما" بأن يريد تعلم ذلك، قال شيخنا: ولعل القائل بعدم حرمته يرى أن هذстр. 3259
وهل منع الشعر خاص به ﵇ أو بنوع الأنبياء؟ قال بعضهم: هو عام لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ، لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة. وتقدم في قصة الحديبية البحث في كونه ﵇ كان يحسن الكتابة أم لا.
ومنها: نزع لأمته إذا لبسها، حتى يقاتل أو يحكم الله بينه وبين عدوه.
ومنها: المن ليستكثر، ذكره الرافعي، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ [المدثر: ٦] .
الحواشي
(١) لما لم يكن في طبيعته كان كالمحال عليه، فلا يخطر في نفسه حتى يمنع من التعلم له، "وهل منع الشعر خاص به ﵇" لما رواه الطبراني عن علي لما قتل ابن آدم أخاه بكى آدم، وقال:
تغيرت البلاد ومن عليها ... فوجه الأرض مغبر قبيح
تغير كل ذي طعم ولون ... وغيب ذلك الوجه المليح
"أو" خاص "بنوع الأنبياء" لما رواه الثعلبي عن ابن عباس، قال: إن محمدًا والأنبياء كلهم في النهي عن الشعر سواء، "قال بعضهم: هو عام؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾ ؛ لأنه لا يظهر فيه للخصوص نكتة" لأن الشعر مبني على تخيلات مرغبة ومنفرة ونحوهما مما لا يليق بمقامه صلى الله عليه عليه وسلم، فصرفت طبيعته عن ذلك لعده نقصًا بالنسبة له، وهذا المعنى موجود في حق جميع الأنبياء؛ لأن الحكم يدور مع العلة وجودًا وعدمًا، "وتقدم في قصة الحديبية البحث في كوه ﵇ كان يحسن الكتابة، أم لا؟ " وأن الصحيح لا.
"ومنها": تحريم "نزع لأمته" هي الدرع والسلاح، بهمزة ساكنة بعد ألف، وقد تخفف، "إذا لبسها حتى يقاتل" إن احتيج له، فلو هرب عدوه، أو حصل بينهم صلح، أو نحو ذلك جاز نزعها، وقد يشعر به قوله: "أو يحكم الله بينه وبين عدوه" لما رواه أحمد، وحسنه البيهقي، وعلقه البخاري عن جابر: أنه ﷺ قال: "ليس لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل" ولأحمد أيضًا والطبراني والبيهقي عن ابن عباس مرفوعًا: "ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم الله بينه وبين عدوه" فذكر في كل حديث غاية، فجمع المصنف بينهما، زاد في الأنموذج: وكذلك الأنبياء.
قال أبو سعيد وابن سراقة: وكان لا يرجع إذا خرج إلى الحرب، ولا ينهزم إذا لقي العدو.
"ومنها: المن، ليستكثر ذكره الرافعي" وغيره، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرْ﴾ [المدثر: ٦] ،стр. 3260
أي: لا تعط شيئًا لتطلب أكثر منه، بل أعط لربك واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب، قاله أكثر المفسرين، وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبي ﷺ خاصة، وليس على أحد من أمته، وقال قتادة: لا تعط شيئًا لمجازاة الدنيا، أي أعط لربك، وعن الحسن: لا تمنن على الله بعملك فتستكثره، وقيل: لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرًا وعوضًا من الدنيا.
ومنها: مد العين إلى ما متع به الناس، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ﴾ ، أي: استحسانًا له وتمنيًا أن يكون لك مثله ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ [الحجر: ٨٨] .
الحواشي
(١) "أي: لا تعط شيئًا لتطلب أكثر منه" لأنه طمع لا يليق به، "بل أعط لربك واقصد به وجهه، فأدبه بأشرف الآداب" وأجل الأخلاق؛ فإن من أعطي ليثاب أكثر لم يكن له أجر لقصده الاستكثار، "قاله أكثر المفسرين" ومنهم ابن عباس، قال ابن عطية: فكأنه من قولهم من إذا أعطى.
"وقال الضحاك ومجاهد: هذا كان للنبي ﷺ خاصة" لما ثبت عندهما بذلك، وإلا فالآية بمجردها لا تفيد الخصوصية، "وليس" يحرم "على أحد من أمته" ذلك، بل هو مباح لهم، لكن لا أجر لهم فيه، قال مكي: وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، "وقال قتادة: لا تعط شيئًا لمجازاة الدنيا، أي: أعط لربك" هو مثل قول الأكثر، والذي في ابن عطية عن قتادة: أن المعنى لا تدل بعلمك، ففي هذا التأويل تحريض على الجد وتخويف.
"وعن الحسن" البصري: "لا تمنن على الله بعملك فتستكثره" وتعجب به، "وقيل" أي: قال ابن زيد: "لا تمنن على الناس بالنبوة فتأخذ عليها أجرًا وعوضًا من الدنيا.
وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: لا تمنن تستكثر، دعوت فلم أجب، قال ابن عطية: فهذه الأقوال كلها من المن الذي هو تعديد اليد، وذكرها.
وقال مجاهد: معناه لا تضعف فتستكثر ما حملناك من أعباء الرسالة، فهذا من قولهم حبل متين، أي ضعيف، انتهى.
"ومنها: مد الأعين إلى ما متع" بضم الميم، وكسر الفوقية مشددة "به الناس" من زهرة الحياة الدنيا، "قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ﴾ لا تنظر بهما "إلى ما متعنا به" الآية، أي: استحسانًا له وتمنيًا أن يكون لك مثله ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الحجر: ٨٨] ،стр. 3261
أشكالا وأشباها من الكفار، وهي المزاوجة بين الأشياء، وهي المشاكلة.
وعن ابن عباس: أصنافًا منهم، فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات.
ومنها: خائنة الأعين، وهي الإيماء إلى مباح من قتل أو ضرب على خلاف ما يشعر به الحال، كما قيل له ﵊ في قصة رجل أراد قتله: هلا أومأت إلينا بقتله، فقال: "ما كان ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين".
الحواشي
(١) زينتها وبهجتها لنفتنهم فيه "أشكالا وأشباها من الكفار، وهي المزاوجة بين الأشياء، وهي المشاكلة".
"وعن ابن عباس" في تفسير أزواجًا، قال: "أصنافًا منهم؛ فإنه مستحقر بالإضافة إلى ما أوتيته؛ فإنه كمال مطلوب بالذات مفض إلى دوام اللذات" كما قال: ﴿وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [طه: ١٣١] الآية، أخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، والبزار، وأبو يعلى عن أبي رافع، قال: أضاف النبي ﷺ ضيفًا، فأرسلني إلى رجل من اليهود أن أسلفني دقيقًا إلى هلال رجب، فقال: لا إلا برهن، فأتيت النبي ﷺ فأخبرته، فقال: "أما والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض"، فلم أخرج من عنده حتى نزلت هذه الآية: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ . "ومنها: خائنة الأعين وهي الإيماء" الإشارة بالعين، أو الحاجب، أو غيرهما خفية "إلى مباح من قتل أو ضرب" أو حبس "على خلاف ما يشعر به الحال" أي: ما يظهره المومئ، سمي خائنة لشبهه بالخانة من حيث خفاؤه، "كما قيل له ﵊ في قصة رجل" هو عبد الله بن أبي سعد بن أبي سرح "أراد قتله" لأنه كان يكتب له بمكة، فأزله الشيطان، فكفر فأهدر دمه فيمن أهدر يوم فتح مكة، فاختبأ عند عثمان فلما دعا النبي صلى الهل عليه وسلم الناس إلى البيعة جاء به عثمان، فقال: يا رسول الله! بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه، فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن مبايعته فيقتله"؟ فقال رجل: هلا أومأت إلينا بقتله؟ فقال: "ما كان ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" رواه أبو داود، والنسائي، وصححه الحاكم.
وأفاد سبط ابن الجوزي: أن الرجل عباد بن بشر الأنصاري، وقيل: عمر بن الخطاب، فأسلم عبد الله وحسن إسلامه، وعرف فضله وجهاده، وكانت له المواقف المحمودة في الفتوح، وولاه عمر صعيد مصر ثم ضم إليه عثمان مصر كلها، وكان محمودًا في ولايته، واعتزل الفتنةстр. 3262
ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور، قاله الرافعي فيما نقله الحجازي في مختصر الروضة.
ومنها: نكاح من لم تهاجر، في أحد الوجهين: قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن، سمي المهر أجرًا لأن المهر أجر على البضع وتقييد الإحلال بإعطائها معجلة لا يتوقف الحل عليه، بل لإيثار الأفضل، كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسببة في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ يعني من نساء بني زهرة ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] قالوا: المراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها في حال هجرته.
الحواشي
(١) حتى مات سنة سبع أو تسع وخمسين، فقال: اللهم اجعل آخر عملي الصبح فتوضأ وصلى، فسلم عن يمينه، ثم ذهب يسلم عن يساره، فقبضت روحه ﵁؛ كما تقدم مبسوطًا في الفتح، "ولا يحرم ذلك على غيره إلا في محظور" أي: ممنوع، "قاله الرافعي فيما نقله الحجازي في مختصر الروضة" قال بعض: بل إذا كان الإيمان في محظور، فليس من خائنة الأعين في شيء.
"ومنها: نكاح من لم تهاجر" إلى المدينة "في أحد الوجهين، قال الله تعالى" ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية، "أي: مهورهن، سمي المهر أجرًا، لأن المهر أجر على البضع" بضم فسكون، أي: الفرج، "وتقييد الإحلال بإعطائها معجلة، لا يتوقف الحل عليه، بل لإيثار الأفضل" مثله في البيضاوي، ولا يتعين الحمل عليه، إذ يمكن أن معنى آتيت أجورهن التزمته في ذمته: ثم أديته بعد؛ "كتقييد إحلال المملوكة بكونها مسببة في قوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ من الغنائم، فإن مثله الشراء والهبة والهدية ونحو ذلك.
قال ابن عطية: يريد أو على أمتك، لأنه في عليه وملك اليمين أصله الفيء من المغنم أو ممن تناسل ممن سبى، والشراء من الحربيين كالسباء، ومباح النساء هو من الحربيين ولا يجوز سبي من له عهد ولا تملكه، ويسمى سبي الخبثة، ﴿وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ﴾ ، يعني: من نساء بني زهرة ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ الآية أي إلى المدينة"؛ لأنها حقيقة الهجرة الشرعية.
"قالوا: والمراد هاجرن كما هاجرت، وإن لم تكن هجرتها في حال هجرته"، إذ لمстр. 3263
وظاهره يدل على أن الهجرة شرط في التحليل، وأن من لم تهاجر من النساء لم يحل له نكاحها. وقالت أم هانئ: خطبني النبي ﷺ فاعتذرت إليه بعذر فعذرني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ إلى قوله: ﴿اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ الآية فلم أكن لأحل له، فإني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.
وعن بعض المفسرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ، ولم يذكر ناسخه.
وعن الماوردي قولان: أحدهما أن الهجرة شرط في.
الحواشي
(١) يهاجر معه أحد، "وظاهره يدل على أن الهجرة شرط في التحليل، وأن من لم تهاجر من النساء لم يحل له نكاحها" لأنه قيد حل المذكورات بالهجرة، "ويؤيد هذا ما رواه الترمذي، وحسنه الحاكم، وصححه عن ابن عباس، قال: قالت أم هانئ: خطبني النبي ﷺ ، فاعتذرت إليه بعذر" فقلت: ما لي عنك رغبة يا رسول الله، ولكن لا أحب أن أتزوج وبني صغار، فقال ﷺ : "خير نساء ركبن الإبل نساء قريش، أحناه على طفل في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده", رواه الطبراني عنها برجال ثقات.
وروى ابن سعد بسند صحيح عن الشعبي، فقالت: يا رسول الله! لأنت أحب إليّ من سمعي وبصري وحق الزوج عظيم، فأخشي أن أضيع حق الزوج "فعذرني" أي: قبل عذري، "فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ﴾ "، إلى قوله: ﴿اللَّاتِي﴾ بالتاء في قراءة الجمهور وقراءة الأعمش بالياء ﴿هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ الآية، "فلم أكن لأحل له، فإني لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء، وعن بعض المفسرين: أن شرط الهجرة في التحليل منسوخ" وبه جزم البغوي، "ولم يذكر ناسخه" على أنه لا حاجة لدعوى النسخ، فقد ذهب الضحاك، وابن زيد إلى أن معنى الآية أن الله أباح له كل امرأة يؤتيها مهرها وملك اليمين، وأباح له قرابته وخصصهن بالذكر، ووصفهن بالهجرة تشريفًا لهن، وأباح له الواهبات خاصة، فهي إباحة مطلقة في جميع النساء حاشى المحارم، لا سيما على ما ذكره الضحاك؛ أن من مصحف ابن مسعود: "واللاتي هاجرن" بالواو، ثم قال: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ﴾ ... إلخ. أي: من هذه الأصناف كلها، فيجري الضمير بعد ذلك على العموم إلى قوله: ولا أن تبدل بهن من أزواج، فيعود على التسع فقط على الخلاف في ذلك، ذكره ابن عطية.
"وعن الماوردي قولان" ذكرهما في معنى الآية، "أحدهما: أن الهجرة شرط فيстр. 3264
إحلال كل النساء له ﵇ من غريبة وقريبة، والثاني: أنها شرط في إحلال بنات عمه وعماته المذكورات في الآية وليس شرطًا في إحلال الأجنبيات، وعنه أيضًا: أن المراد بالمهاجرات المسلمات.
ومنها: تحريم إمساك من كرهته، قاله الحجازي وغيره.
ومنها: نكاح الكتابية، لأن أزواجه أمهات المؤمنين وزوجات له في الآخرة، ومعه في درجته في الجنة، ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له.
ومنها: نكاح الأمة المسلمة.
الحواشي
(١) إحلال كل النساء له ﵇ من غريبة وقريبة" من جهة أبيه أو أمه، "والثاني: أنها شرط في إحلال بنات عمه وعماته المذكورات في الآية، وليس شرطًا في الأجنبيات" وقد يؤيده حديث أم هانئ، "وعنه أيضًا" حكاية قول ثالث: "أن المراد بالمهاجرات المسلمات" فيحل له جميع النساء مهاجرات، أم لا من أقرابه أو غيرهن، وهذا هو الأصح في الحكم دون التحريم، ولكن أدق من كون المراد المسلمات ما نقله ابن عطية، كما رأيت.
"ومنها: تحريم إمساك من كرهته، قاله، الحجازي، وغيره" كما هو قضية تخيير نسائه، ولما رواه البخاري عن عائشة: أن ابنة الجون لما أدخلت عليه ﷺ ودنا منها، قالت: أعوذ بالله منك، فقال لها: "لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك" وفي رواية له: "عذت بمعاذ" بفتح الميم، أي: بالذي يستعاذ به وهو الله. قال ابن الملقن: يفهم منه أنه يحرم عليه نكاح كل امرأة كرهت صحبته، وبحث فيه شيخنا بجواز أنه لما فهم كراهتها له لم يرد إبقاءها، وإن جاز، وفيه نظر وقد زاد في الأنموذج، وتحرم عليه مؤبدًا في أحد الوجهين.
"ومنها: نكاح الكتابية" ولو ذمية؛ "لأن أزواجه أمهات المؤمنين" ولا يجوز أن تكون الكافرة أمهم، "وزوجات له في الآخرة" لحديث: "زوجاتي في الدنيا زوجاتي في الجنة"، "ومعه في درجته ف الجنة" لقوله: "سألت ربي أن لا أتزوج إلا من كان معي في الجنة، فأعطاني" رواه الحاكم، وصححه والجنة حرام على الكافرين؛ "ولأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، قالوا: ولو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له" أي: لو فرض ذلك وإلا فلم يتفق له ﷺ نكاح كتابية.
"ومنها: نكاح الأمة المسلمة" لأنه مقيد بخوف العنت، وهو معصوم، وبفقد مهر الحرة، ونكاحه غني عن المهر ابتداء وانتهاء، وفيه رق الولد ومنصبه منزه عنه، وقال البلقيني:стр. 3265
ولو قدر نكاحه أمة كان ولده منها حرًا، ولا تلزمه قيمته لتعذر الرق. قال القاضي حسين، وقال أبو عاصم: تلزم نقله الحجازي، ولا يشترط في حقه حينئذ خوف العنت ولا فقد الطول.
وأما التسري بالأمة فالأصح الحل، لأنه ﷺ استمتع بأمته ريحانة قبل أن تسلم، وعلى هذا، فهل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها أو تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان: أحدهما: نعم لتكون من زوجاته في الآخرة والثاني: لا، لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام فأبت لم يزلها عن ملكه وأقام على الاستمتاع، وقد أسلمت بعد.
الحواشي
(١) ولا يتصور في حقه قط اضطرار إلى نكاحها، بل لو أعجبته أمة، وجب على مالكها بذلها إليه هبة، قياسًا على الطعام، "ولو قدر نكاحه أمة كان ولده منها حرًا" على الصحيح، وإن قلنا بالمشهور من جري الرق على العرب، "ولا تلزمه قيمته لتعذر الرق، قاله القاضي حسين" بخلاف ولد المغرور بحرية أمة لفوات الرق بظنه، وهنا يتعذر الرق؛ كما قاله القاضي حسين. "وقال أبو عاصم: تلزم، نقله البخاري" وأيد الرافعي الأول بقول إمام الحرمين: لو قدر نكاح غرور في حقه، لم تلزمه قيمة الولد؛ لأنه مع العلم بالحال لم ينعقد رقيقًا، فمع الجهل به أولى.
قال ابن الرفعة: وفي تصوير ذلك في حقه نظر، "ولا يشترط في حقه حينئذ" أي: حين قدرنا نكاحه أمة "خوف العنت" إذ لا يتصور فيه لعصمته، "ولا فقد الطول" زواد الأنموذج: وله الزيادة على واحدة، أي: بخلاف أمته، فلا يزيدون على أمة واحدة، إذا خيف العنت وفقد الطول.
"وأما التسري بالأمة" الكتابية، "فالأصح الحل؛ لأنه ﷺ استمتع بأمته ريحانة" القرظية على الأكثر، وقيل: النظرية "قبل أن تسلم" لا يرد أنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة؛ لأنه جزء علة، والحكم ينتفي بانتفائه، بخلاف المعلل بعلتين، فيبقى ما بقيت إحداهما، والسرية ليست أم المؤمنين، وقال بعض: لأن القصد بالنكاح أصالة التوالد، فاحتيط له وبأنه يلزم فيه أن تكون الزوجة أم المؤمنين، بخلاف الملك فيهما، "وعلى هذا فهل" يجب "عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها، أو تقيم على دينها فيفارقها، فيه وجهان، أحدهما: نعم، لتكون من زوجاته في الآخرة، والثاني: لا؛ لأنه لما عرض على ريحانة الإسلام، فأبت" إلا اليهودية، "لم يزلها عن ملكه، وأقام على الاستمتاع" بها، ولعله علم بأنها ستسلم بعد، أو إن تمتعه بها يكون سببًا لإسلامها، فسهل ذلك له، "وقد أسلمت بعد" وكان يطؤها بالملك.
جزم به ابن إسحاق، وقيل: أعتقها وتزوجها، ورجحه الواقدي، وماتت سنة عشر، مرجعهстр. 3266
ومنها: تحريم الإغارة إذا سمع التكبير، كما ذكره ابن سبع في الخصائص.
الحواشي
(١) من حجة الوداع، ودفنت بالبقيع هذا، وما جزموا من استمتاعه بها قبل أن تسلم، مخالف لقول ابن إسحاق: سباها ﷺ ، فأبت إلا اليهودية، فعزلها، ووجد في نفسه، فبينما هو مع أصحابه إذ سمع وقع نعلين خلفه، فقال: "إن هذا الثعلبة بن سعية يبشرني بإسلام ريحانة"، فبشره، فسره ذلك، فعرض عليها أن يعتقها ويتزوجها، ويضرب عليها الحجاب، فقالت: يا رسول الله!، بل تتركني في ملكك فهو أخف علي وعليك، فتركها واصطفاها لنفسه، وكذا ذكر الواقدي وابن سعد؛ أنه ﷺ عزلها ثم أرسلها إلى بيت أم المنذر بنت قيس، فدخل عليها، قالت: فاختبأت منه حياء، فدعاني فأجلسني بين يديه، وخيرني، فاخترت الله ورسوله.
قال في الأنموذج: وكان إذا خطب امرأة فرد لم يعد؛ كما في حديث مرسل، فيحتمل التحريم، والكراهة ياسًا على إمساك كارهته، ولم أر من تعرض له وشنع عليه شارحه، فقال: هذا لا دلالة فيه على الخصوصية بوجه، وإثباتها من قبيل الرجم بالغيب، وهذا على عادته في تحامله عليه، إذ لم يثبت له خصوصية، وإنما أبدى احتمالا في المروي مع القياس، كما ترى، فإذا لم يفهم على أحد الاحتمالين فماذا يكون معناه.
"ومنها: تحريم الإغارة" على قول يريد غزوهم "إذا سمع التكبير" أي: الأذان لخبر الصحيحين عن أنس: كان ﷺ إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح وينظر، فإن سمع أذانًا كف عنهم، وإن لم يسمع أذانًا أغار عليهم؛ "كما ذكره ابن سبع في الخصائص" وتعقب بأنه ليس في الحديث ما يصرح، بل ولا ما يلوح بأنه من خصائصه، وزاد في الأنموذج: وأن يخدع في الحرب فيما ذكر ابن القاص، وخالف فيه الجمهور، وعد القضاعي وغيره أنه لا يقبل هدية مشرك، ولا يستعين به، ولا يشهد على جور، وحرم عليه الخمر من أول بعثته قبل أن تحرم على الناس بنحو عشرين سنة، فلم تبح له قط.
وفي الحديث: "أول ما نهاني عنه ربي بعد عبادة الأوثان شرب الخمر وملاحاة الرجال"، ونهي عن التعري وكشف العورة من قبل أن يبعث بخمس سنين، وقالت عائشة: ما رأيت منه، ولا رأى مني، ونهى عليًا عن إنزاء الخمر على الخيل نهيًا خاصًا عد هذه رزين، وكان لا يصلي على من غل، ولا على من قتل نفسه، وفي المستدرك عن أبي قتادة: كان ﷺ إذا دعي إلى جنازة سأل عنها فإن أثني عليها خيرًا صلى عليها، وإن أثني عليها غير ذلك قال لأهلها، "شأنكم بها" ولم يصل عليها.
وفي سنن أبي داود حديث: "ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقًا، أو تعلقت تميمة، أو قلت شعرًا من قبل نفسي"، قال أبو داود: هذا كان له خاصة، وقد رخص في الترياق لغيره، انتهى.
وقد رخص أيضًا في تعليق التمائم إذا كان بعد نزول البلاء، انتهى.
وقوله: إن أنا شربت شرط حذف جوابه لدلالة الحال عليه، أي: إن فعلت هذا لا أبالي كل شيء أتيت به، لكني أبالي من إتيان بعض الأشياء وإدخال الشارح هنا ما حرم على غيره له، كرفع الصوت عليه لا ينبغي؛ لأن القسم فيما حرم عليه هو ﷺ ، مع أن غالب ما ذكره أدمجه المصنف في القسم الرابع.стр. 3267
القسم الثالث: فيما اختص به ﷺ من المباحات
اختص ﵊ بإباحة المكث في المسجد جنبًا، قال صاحب التلخيص, ومنعه القفال، قال النووي: وما قاله في التلخيص قد يحتج له بقوله ﵊ في حديث أبي سعيد الخدري: "يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد غيري وغيرك". قال الترمذي حسن غريب.
وقد يعترض على هذا الحديث بأن عطية بن سعد.
الحواشي
(١) القسم الثالث: ما اختص به ﷺ من المباحات
والتخفيفات له دون غيره توسعة عليه، وتنبيهًا على أن ما خص به منها لا يلهيه عن طاعته، وإن ألهى غيره، وليس المراد بالمباح هنا ما استوى طرفاه، بل ما لا حرج في فعله، ولا في تركه.
قال في المطلب: المباح في عرف الفقهاء ما استوى طرفاه، وقد يطلق على ما لا إثم فيه، وهو المراد فيما نحن فيه؛ لأن الطرفين لم يستويا في كل الصور، فإنه يثاب على الوصال، وصفى المغنم قد يكون الراجح فعله أيضًا؛ لأنه يصرفه في أهم المهمات، وقد يكون الراجح تركه، وكذا دخول مكة بلا إحرام؛ فإنه في حال يكون راجحًا كما وجد في حال يكون الفعل أرجح لفقد ما لأجله يرجح الترك، وكذا إباحة التصدق بجميع ما يخلفه والزيادة على أربع لا تساوي فيه فإن أفعاله وأقواله كلها راجحة، فيثاب عليها، انتهى.
"اختص ﵊ بإباحة المكث في المسجد جنبًا، قاله صاحب التلخيص" هو ابن القاص "ومنعه القفال" وهو المعتمد.
قال النووي: وما قاله في التلخيص قد يحتج له بقوله ﵊ في حديث أبي سعيد الخدري: "يا علي لا يحل لأحد أن يجنب في هذا المسجد" أي: يمكث فيه جنبًا "غيري وغيرك"، "قال الترمذي: حسن غريب، وقد يعترض على هذا الحديث" أي: الاحتجاج "بأن" راويه عن أبي سعيد "عطية بن سعد" العوفي، الكوفي، المتوفى سنة إحدىстр. 3268
ضعيف عند الجمهور.
ويجاب بأن الترمذي حكم بأنه حسن فلعله اعتضد بما اقتضى حسنه، لكن إذا شاركه ﵇ علي في ذلك لم يكن من الخصائص.
وقد غلط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص في الإباحة.
واعلم أن معظم المباحات لم يفعلها ﷺ وإن جازت له.
ومما اختص به أيضًا أنه لا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعًا، وفي اللمس وجهان.
الحواشي
(١) عشرة ومائة، "ضعيف عند الجمهور" وفي التقريب: صدوق يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا، روى له أبو داود، والنسائي، والترمذي، "ويجاب بأن الترمذي حكم بأنه حسن، فلعله اعتضد" تقوى "بما اقتضى حسنه" فإن له شواهد كحديث أم سلمة، رفعته: إلا أن مسجدي حرام على حائض من النساء، وكل جنب من الرجال إلا محمدًا وأهل بيتي علي وفاطمة والحسن والحسين، رواه البيهقي، وحديث عائشة مرفوعًا: "لا يحل المسجد لحائض ولا جنب إلا لمحمد وآل محمد" رواه البخاري في تاريخه والبيهقي، وروى ابن عساكر عن جابر نحوه، "لكن إذا شاركه ﵇ علي في ذلك لم يكن من الخصائص" ويجاب بأن له أن يخص من شاء بما شاء، كما يأتي، فتخصيص علي ببعض خصائصه لا يمنع كونه منها، "وقد غلط إمام الحرمين وغيره صاحب التلخيص في الإباحة" لكن لا ينهض التغليط مع وجود حديث حكم مثل الترمذي بحسنه، واختلف المحدثون في تضعيف راويه عطية وتوثيقه، ووجود شواهد له كثيرة، زاد في الأنموذج، وبالعبور فيه عند المالكية، أي: لا الشافعية، لأنهم جوزوا عبور الجنب في المسجد.
"واعلم، أن معظم المباحات لم يفعلها ﷺ وإن جازت له" ولعل غرضه من هذا دفع ما قد يقال لو كان مباحًا له لنقل، ولم ينقل.
"ومما اختص به أيضًا، أنه لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعًا" لما في الصحيحين، أنه ﷺ اضطجع ونام حتى نفخ، ثم قال فصلى ولم يتوضأ، أي: لأنه لا ينام قلبه، والأنبياء مثله في ذلك؛ لأن قلوبهم لا تنام، فهو خصوصية له على الأمم لا الأنبياء، ومر الجواب عن نومه في الوادي في آخر المقصد الثالث في نفس المتن بأجوبة عديدة، فعجيب تسويد الكاغد هنا بذكر بعضه من كلام غير المصنف، الموهم أنه ليس فيه، مع أن ما بالعهد من قدم، ولكن آفة العلم النسيان، "وفي اللمس وجهان" أحدهما: لا ينتقض قال السيوطي: وهو الأصح، والثاني:стр. 3269
قال النووي: المذهب الجزم بانتقاضه به.
واستدل القائلون بالأول بنحو حديث عائشة، عند أبي داود، أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه ثم يصلي ولا يتوضأ. ورواه النسائي أيضًا، وقال أبو داود: وهو مرسل، إبراهيم التيمي لم يسمع من عائشة، وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث وإن كان مرسلا.
واختص أيضًا بإباحة الصلاة بعد العصر، فقد فاتته ركعتان بعد الظهر فقضاهما بعد العصر, ثم واظب عليهما،
الحواشي
(١) النقض، وهو المعتمد عند الشافعية، كما "قال النووي: المذهب الجزم بانتقاضه به، واستدل القائلون بالأول بنحو حديث عائشة عند أبي داود" في الطهارة وأحمد؛ "أن النبي ﷺ كان يقبل بعض أزواجه" وفي رواية: بعض نسائه، "ثم يصلي ولا يتوضأ، ورواه النسائي أيضًا" في الطهارة.
"وقال أبو داود: هو مرسل إبراهيم التيمي، لم يسمع من عائشة" لكن قال الحافظ: روى عنها من عشرة أوجه فهذا يجبر إرساله، ولذا قال في تخريج الرافعي: إسناد جيد قوي، وقال عبد الحق: لا أعلم له علة توجب تركه.
"وقال النسائي: ليس في هذا الباب حديث أحسن من هذا الحديث، وإن كان مرسلا" بناء على أن المرسل ما سقط منه راوٍ، أنه ما رفعه التابعي، فيقال، في هذا منقطع، وبه أخذ أبو حنيفة، فقال: لا وضوء من المس، ولا من المباشرة، إلا أن فحشت بأن يوجدا متعانقين متماسي الفرج، وذهب الشافعي إلى النقض مطلقًا، وأجاب بعض أتباعه بأن خصوصية أو منسوخ، لأنه قبل نزول قوله: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ﴾ ، ولأبي حنيفة أن يقول الأصل عدم الخصوصية وعدم النسخ حتى يثبت، والحديث صالح للحجية، وقد روى النسائي أيضًا بإسناد صحيح عن القاسم عن عائشة، قالت: إن كان رسول الله ﷺ ليصلي، وإني لمعترضة بين يديه اعتراض الجنازة، حتى إذا أراد أن يوتر مسني برجله، وفصل مالك بين الالتذاذ أو قصده، فالنقض وبين انتفائهما فلا نقض إلا القبلة بفم مطلقًا.
"واختص أيضًا بإباحة الصلاة" أي: جنسها "بعد العصر" أي: الركعتين بعد الظهر، خاصة على ما قال: "فقد فاتته ركعتان بعد الظهر، فقضاهما بعد العصر" كما في الصحيحين عن أم سلمة أنه ﷺ نهى عنهما، ثم رأيته يصليهما، فسألته، فقال: "أتاني ناس من عبد القيس، فشغلوني عن الركعتين اللتين بعد الظهر، فهما هاتان"، "ثم واظب عليهما" ولم يتركهما حتىстр. 3270
ذكره الحجازي، وبجواز صلاة الوتر على الراحلة مع وجوبه عليه، كما ذكره في شرح المهذب وعبارته: كان من خصائصه ﷺ جواز فعل هذا الواجب الخاص به على الراحلة. وبالصلاة على الغائب عند أبي حنيفة ومالك.
وبالقبلة في الصوم، مع قوة الشهوة، روى البخاري من حديث عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل بعض أزواجه وهو صائم، وكان أملككم لإربه.
الحواشي
(١) لقي الله، رواه البخاري عن عائشة، "ذكره الحجازي" فجعلهما خصوصية واحدة، والسيوطي جعلهما خصوصيتين، فقال: وبإباحة الصلاة بعد العصر، وبقضاء الراتبة بعد العصر عند قوم، قال شارحه عقب الأولى لخبر أبي داود: كان يصلي وينهى عنها، ويواصل وينهى عنه، ثم شرح الثانية بخبر أم سلمة، "وبجواز صلاة الوتر على الراحلة" أي: البعير "مع وجوبه عليه، كما ذكره" النووي "في شرح المهذب" وهو ضعيف، كما مر، "وعبارته: كان من خصائصه ﷺ جواز فعل هذا الواجب الخاص به" أي الوتر "على الراحلة" لما في الصحيحين عن جابر: كان يصلي في السفر على راحلته حيثما توجهت به، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة.
"وبالصلاة على" الميت "الغائب عند أبي حنيفة ومالك" وحملا صلاته على النجاشي على ذلك، وخالف الشافعي وأحمد، فأجازاها لغيره، زاد السيوطي وعلى القبر عند المالكية، "وبالقبلة" بالضم "في الصوم مع قوة الشهوة" بخلاف غيره، فيحرم إن خاف الإنزال وإلا كره، "روى البخاري" ومسلم، وأصحاب السنن "من حديث عائشة، قالت: كان رسول الله ﷺ يقبل بعض أزواجه" هي عائشة، كما في مسلم، أو أم سلمة، كما في البخاري، لكن الظاهر أن كلا إنما أخبرت عن فعله معها لرواية البخري أيضًا عن عائشة، إن كان رسول الله ﷺ ليقبل بعض أزواجه "وهو صائم" ثم ضحكت، زاد ابن أبي شيبة عن عروة: فظننا أنها هي، وإنما ضحكت تنبيهًا على أنها صاحبة القصة، لتكون أبلغ في الثقة بها، أو تعجبًا من نفسها إذ حدثت بمثل هذا مما يستحيي النساء من ذكره للرجال، لكن ضرورة تبليغ العلم ألجأتها لذلك.
وروى البيهقي عن عائشة: أنه ﷺ كان يقبلها وهو صائم، ويمص لسانها، "وكان أملككم لإربه" بكسر الهمزة، وإسكان الراء في الفرع وغيره، أي: عضوه، وبفتح الهمزة والراء، وقدمه في فتح الباري، وقال: إنه أشهر، وإلى ترجيحه أشار البخاري، أي: أغلبكم لهواه وحاجته.
وقال التوربشتي: حمل الإرب ساكنة الراء على العضو في هذا الحديث غير سديد، لا يغتر به إلا جاهل بوجوه حسن الخطاب، مائل عن سنن الأدب ونهج الصواب.стр. 3271
قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك إلى أن الإباحة لمن يكون مالكًا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما يحرم. وفي رواية حماد -عند النسائي- قال الأسود: قلت لعائشة: أيباشر الصائم؟ قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يباشر وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه. قال وظاهر هذا أيضًا أنها اعتقدت خصوصية النبي ﷺ بذلك. قاله القرطبي، قال: وهو اجتهاد منها. ويدل على أنها لا ترى بتحريمها ولا بكونها من الخصائص: ما رواه مالك في الموطأ أن عائشة بنت طلحة كانت عند عائشة فدخل عليها زوجها وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر فقالت عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك فتلاعبها وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم.
الحواشي
(١) وأجاب الطيبي: بأنها ذكرت أنواع الشهوة مرتقية من الأدنى إلى الأعلى، فبدأت بمقدمتها التي هي القبلة، ثم ثنت بالمباشرة بنحو المداعبة والمعانقة، وأرادت أن تعبر عن المجامعة، فكنت عنها بالأرب، وأي عبارة أحسن من هذا. انتهى. وفي الموطأ: أيكم أملك لنفسه، وبهذا فسره الترمذي، فقال: ومعنى لإربه لنفسه، قال الحافظ العراقي: وهو أولى بالصواب لأن أولى ما فسر به الغريب ما ورد في بعض طرق الحديث.
"قال الحافظ ابن حجر: فأشارت بذلك" أي قولها: وكان أملككم لإربه "إلى أن الإباحة لمن يكون مالكًا لنفسه دون من لا يأمن الوقوع فيما يحرم" من الإنزال أو الجماع، "وفي رواية حماد عند النسائي، قال الأسود" بن يزيد النخعي: "قلت لعائشة: أيباشر الصائم" حليلته بما دون الجماع، "قالت: لا، قلت: أليس كان رسول الله ﷺ يبار وهو صائم؟ قالت: إنه كان أملككم لإربه، قال" الحافظ: "وظاهر هذا أيضًا أنها اعتقدت خصوصية النبي ﷺ بذلك" لأنه لا يخاف ما يخاف غيره، "قال القرطبي، قال: وهو" أي اعتقادها الخصوصية "اجتهاد منها" لا أنها رفعته، "ولكن يدل على أنها لا ترى بتحريمها، ولا بكونها من الخصائص، ما رواه مالك في الموطأ: أن عائشة بنت طلحة" بن عبيد الله القرشية التيمية أم عمر، إن كانت فائقة الجمال، وهي ثقة، روى له الستة "كانت عند عائشة" أم المؤمنين، "فدخل عليها زوجها، وهو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر" الصديق، التيمي، التابعي، روى له الشيخان وغيرهما، "فقالت عائشة: ما يمنعك أن تدنو من أهلك" زوجك، "فتلاعبها وتقبلها؟ قال: أقبلها وأنا صائم؟ قالت: نعم" فدل ذلك، على أن قولها للأسود لا محمول على تحرك شهوته، كما أشعر به جوابها؛ بأنه كان أملككم، وقد حكى الإجماع على أن من كره القبلة لم يكرهها لنفسه، وإنما كرهها خشية ما تئول إليه من الإنزال، ومن بديع ذلك قولстр. 3272
واختص أيضًا بإباحة الوصال في الصوم: كما سيأتي، وقال إمام الحرمين، وهو قربة في حقه ﵇.
وأن يأخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج، ويجب على صاحبهما البذل. ويفدي بمهجته مهجة رسول الله ﷺ . قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٦] ، ولو قصده ظالم وجب على كل من حضره أن يبذل نفسه دونه ﷺ .
الحواشي
(١) عمر بن الخطاب: هششت، فقبلت وأنا صائم، فقلت: يا رسول الله صنعت اليوم أمرًا عظيمًا، قبلت وأنا صائم، قال: "أرأيت لو مضمضت من الماء وأنت صائم"، قلت: لا بأس به، قال: "فمه"، رواه أبو داود والنسائي، وقال: منكر، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، قال المازري: فأشار إلى فقه بديع وذلك أن المضمضة لا تنقض الصوم، وهو أول، الشرب ومفتاحه، كما أن القبلة من دواعي الجماع ومفتاحه، والشرب يفسد الصوم، كما يفسد الجماع، فكما ثبت أن أوائل الشرب لا تفسد الصيام، فكذلك أوائل الجماع، وأخذ الظاهرية بظاهر الحديث، فجعلوا القبلة للصائم سنة، وقربة من القرب اقتداء بفعله ﷺ ، ورد بأنه كان يملك إربه، فليس كغيره، وكيفما كان لا يفطر إلا بإنزال، فلو أمذى فلا شيء عليه عند الشافعي وأبي حنيفة، وعليه القضاء عند مالك، "واختص أيضا بإباحة الوصال" كما قال الشافعي والجمهور "في الصوم، كما سيأتي" في المقصد التاسع مع بسط الخلاف في معنى: "يطعمني ربي ويسقيني" وفي حكم الوصال لنا بما يغني عن جلب بعض كلام غيره هنا.
"وقال إمام الحرمين: هو قربة في حقه ﵇" أي مستحب لا مباح؛ كما قال الجمهور، "و" اختص بإباحة "أن يأخذ الطعام والشراب" والثياب "من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج" بلا ثمن، بخلاف غيره، فلا يجوز له إلا أن يضطر، فيجب على مالكه غير المضطر بذله بالثمن إن وجد على ما بسط في الفروع، "ويجب على صاحبهما البذل" ولو هلك جوعًا وعطشًا وعريًا، "ويفدي بمهجته مهجة رسول الله ﷺ ، قال الله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ، وقال ﷺ : "أنا أولى بكل مؤمن من نفسه"، لكن لم ينقل أنه فعل هذا المباح، بل كان يؤثر على نفسه، قال الشيخان: بل ولا معظم المباحات، "ولو قصده ظالم وجب على كل من حضره أن يبذل" بضم الذال "نفسه" يجود بها ويعطيها "دونه ﷺ " وإن خشي الدافع على نفسه بخلاف غيره، فلا يجب الدفع مع الخوف، كما قال الرافعي والنووي؛ لأن من قصد غير النبي مسلمًا لا يكفر، وقاصده ﵇ يكفرстр. 3273
كما وقاه طلحة بنفسه يوم أحد.
وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته، وسيأتي إن شاء الله تعالى في القسم الرابع حكم غيره ﵇. وبجواز الخلوة بهن. قال في فتح الباري: الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية والنظر إليها، ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان في دخوله ﷺ عليها ونومه عندها وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية، انتهى.
الحواشي
(١) بذلك، قاله الخيضري "كما وقاه طلحة" بن عبيد الله، أحد العشرة "بنفسه يوم أحد" وكان أبو طلحة الأنصاري يتقي بترسه دونه، ونحو ذلك من الأحاديث، كما قاله الحافظ بعد قوله: لم أر وقوع ذلك في شيء من الأحاديث صريحًا، ويمكن أن يستأنس له بأن طلحة ... إلخ، "وبإباحة النظر إلى الأجنبيات لعصمته، وسيأتي إن شاء الله تعالى في القسم الرابع" التالي لهذا "حكم غيره ﵇" من اختلاف العلماء في جواز النظر إلى الوجه والكفين ومنعه، "وبجواز الخلوة بهن" لعصمته.
"قال في فتح الباري: الذي وضح لنا بالأدلة القوية أن من خصائصه ﷺ جواز الخلوة بالأجنبية، والنظر إليها" لمكان عصمته، وإن نازع في ذلك القاضي عياض؛ بأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، قال: وثبوت العصمة مسلم لكن الأصل عدم الخصوصية، "ويدل له قصة أم حرام بنت ملحان" بكسر الميم، وسكون اللام، ومهملة، ونون، واسمه مالك بن خالد بن زيد بن حرام، بمهملتين، الأنصارية، خالة أنس، قال أبو عمر: لم أقف لها على اسم صحيح، قال في الإصابة: ويقال إنها الرميصاء، بالراء، وبالغين المعجمة، ولا يصح بل الصحيح أن ذلك وصف لأم سليم، ثبت ذلك في حديثين لأنس وجابر عند النسائي، روى عن أم حرام زوجها عبادة بن الصامت، وابن أخيها أنس، وعمير بن الأسود، وعطاء بن يسار، وعلى بن شداد بن أوس، "في دخوله عليها" بيتها "ونومه عندها" فيه، "وتفليتها رأسه، ولم يكن بينهما محرمية ولا زوجية" وزعم أنها كانت محرمة من الرضاع؛ بأن أرضعته هي أو أختها أم سليم لم يثبت؛ كما قاله الدمياطي وغيره، "انتهى".
روى البخاري وغيره من طريق الموطأ لمالك، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس: أن النبي ﷺ كان إذا ذهب إلى قباء يدخل على أم حرام بنت ملحان فتطعمه، وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها، فأطعمته، وجعلت تفلي رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت: فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة فيстр. 3274
ومنها نكاح أكثر من أربع نسوة، وكذلك الأنبياء، وفي الزيادة لنبينا ﷺ على التسع خلاف.
الحواشي
(١) سبيل الله يركبون ثيج هذا البحر ملوكًا على الأسرة، أو مثل الملوك على الأسرة" قالت: فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك، فقلت: وما يضحكك يا رسول الله؟ قال: "ناس من أمتي عرضوا علي غزاة في سبيل الله"، كما قال الأول، فقلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت من الأولين" قال: فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية، فصرعت عن دابتها حين خرجت من البحر فماتت، وفي بعض طرقه عند البخاري، عن أنس، عن أم حرام بنت ملحان، وكانت خالته أن رسول الله ﷺ قال في بيتها، فاستيقظ وهو يضحك، وقال: "عرض علي ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر، كالملوك على الأسرة". قالت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "إنك منهم" ثم نام فاستيقظ وهو يضحك، فقلت: يا رسول الله! ما يضحكك؟ قال: "عرض علي ناس من أمتي يركبون ظهر البحر الأخضر، كالملوك على الأسرة"، قلت: يا رسول الله ادع الله أن يجعلني منهم، قال: "أنت من الأولين" قال: فتزوجها عبادة بن الصامت، فأخرجها معه، فلما جاز البحر ركبت دابة، فصرعتها فقتلتها، قال ابن الأثير: وكانت تلك الغزوة غزوة قبرص، فدفنت فيها، وكان أمير ذلك الجيش معاوية، في خلافة عثمان، ومعه أبو ذر، وأبو الدرداء وغيرهما من الصحابة، وذلك في سنة سبع وعشرين، وقيل: ثمان وعشرين، فقوله في الحديث: زمن معاوية، أي: زمان غزوه في البحر، لا زمان خلافته، وهذا قول أكثر أهل السير.
وقال البخاري ومسلم: في زمن معاوية نفسه. ثم لا يخالف بين قوله في الرواية الأولى: وكانت زوج عبادة، الظاهر في أنها كانت زوجه في الزمن النبوي، وبين قوله في الرواية الثانية: فتزوجها عبادة الظاهر في أنه تزوجها بعد لأنها كانت إذ ذاك زوجته ثم طلقها ثم راجعها بعد ذلك، قاله ابن التين وقيل: إنما تزوجها بعد.
قال الحافظ: وهو أولى لاتفاق عبد الله بن عبد الرحمن الأنصاري، ومحمد بن يحيى بن حبان، عن أنس كلاهما عند البخاري أن عبادة إنما تزوجها بعد، ويحمل قوله في رواية ابن إسحاق: وكانت تحت عبادة بن الصامت على أنها جملة معترضة، أراد الراوي وصفها به غير مقيد بحال من الأحوال، ظهر من رواية غيره؛ أنه إنما تزوجها بعد.
"ومنها: نكاح أكثر من أربع نسوة" إلى تسع اتفاقًا وقد مات عنهن، "وكذلك الأنبياء" لهم الزيادة، فهو خصوصية له على أمته، "وفي" جواز "الزيادة لنبينا ﷺ على التسع خلاف" أصحه الجواز؛ لأنه مأمون الجور، ولأن غرضه نشر باطن الشريعة وظاهرها، وكان أشد حياء،стр. 3275
ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال الله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥] ، وأما من جهته ﵊ فلا بد من لفظ النكاح أو التزويج على الأصح في أصل الروضة، وحكاه الرافعي عن ترجيح الشيخ أبي حامد لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ [الأحزاب: ٥] .
قال البيضاوي: في قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ الآية، أي: أعلمناك حل امرأة تهب كل نفسها ولا تطلب مهرًا إن اتفق، ولذلك نكرها.
واختلف في ذلك، والقائل به ذكر أنها.
الحواشي
(١) فأبيح له تكثير النساء بلا حصر عدد، لنقل ما يرينه من أفعاله ويسمعنه من أقواله الذي قد يستحيي من الإفصاح بها، "ويجوز له النكاح بلفظ الهبة من جهة المرأة، قال الله تعالى: وأحللنا لك ﴿امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، وأما من جهته ﵊ فلا بد من لفظ النكاح أو التزويج" بأن يقول: نكحتك أو تزوجتك، "على الأصح في أصل الروضة وحكاه الرافعي عن ترجيح الشيخ أبي حامد لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا خَالِصَةً لَكَ﴾ ، لكن المعتمد جوازه بلفظ الهبة إيجابًا وقبولا إن أراده.
"قال البيضاوي في" تفسير "قوله تعالى": ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً﴾ الآية، ما نصه: نصب بفعل يفسره ما قبله، أو عطف على ما سبق، ولا يدفعه التقييد بأن التي للاستقبال، فإن المعنى بالإحلال الإعلام بالحل، "أي: علمناك حل امرأة مؤمنة" وهذا مأخوذ من كلام أبي البقاء، قال ناصب: وامرأة أحللنا في أول الآية، وقد ورد هذا قوم، وقالوا: أحللنا ماض، وإن وهبت، وهو صفة المرأة مستقبل، وأحللنا في موضع جوابه وجواب الشرط لا يكون ماضيًا في المعنى، وهذا ليس بصحيح؛ لأن معنى الإحلال هنا الإعلام بالحل إذا وقع الفعل على ذلك؛ كما تقول: أبحث لك إن تكلم فلانًا، إذا سلم عليك "تهب لك نفسها ولا تطلب مهرًا، إن اتفق" وقوع ذلك لك، "ولذلك نكرها".
قال ابن عطية: وهو يقتضي الاستئناف: أي: إن وقع فهو حلال له، "و" قد "اختلف في ذلك" فروي عن ابن عباس: لم يكن عند النبي ﷺ امرأة إلا بعقد نكاح أو ملك يمين، أما الهبة فلم يكن عنده منهن أحد.
وقيل: وقع ذلك، كان عنده منهن، "والقائل به ذكر أنها" لفظ البيضاوي أربعًا.стр. 3276
ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت خزيمة الأنصارية، وأم شريك بنت جابر بن عوف القرشية العامرية، وخولة بنت جابر وخولة بنت حكيم، قال: وقرئ "أن" بالفتح، أي لأن وهبت، أو مدة أن وهبت.
الحواشي
(١) "ميمونة بنت الحارث" الهلالية أم المؤمنين، قال ابن إسحاق: يقال إنها وهبت نفسها للنبي ﷺ ، وذلك أن خطبته، انتهت إليها وهي على بعيرها، فقالت: البعير وما عليه لله ولرسوله، وأخرجه ابن أبي خيثمة عن الزهري وقتادة، وابن سعد عن عكرمة، وقالوا: ففيها نزلت الآية.
"وزينب بنت خزيمة الأنصارية" وكذا وقع في البيضاوي، والذي في ابن عطية، وقال الشعبي وعروة، هي زينب ابنة خزيمة أم المساكين، انتهى، ومثله في فتح الباري، وهذه هلالية، قرينة ميمونة، تزوجها، فمكثت قليلا، وماتت عنده، فلعله سماها أنصارية بالمعنى الأعم، ويدل له أن البغوي قال: الأنصارية أم المساكين، وإلا فلم يذكر في الإصابة من تسمى زينب بنت خزيمة الأنصارية، وعجبت من السيوطي، وشيخ الإسلام حيث لم ينبها على هذا في حواشيهما على البيضاوي، وكأنه لظهوره.
"وأم شريك" اسمها غزيلة بضم المعجمة، وفتح الزاي، وشد التحتية، وقيل: بفتح أولها، وقيل: اسمها غزيلة بلام بعد الياء، "بنت جابر بن عوف، القرشية، العامرية" وقيل: الأزدية الدوسية، وقيل: الأنصارية النجارية، قال في الإصابة: والذي يظهر في الجمع؛ أنها واحدة، اختلف في نسبها أقرشية، عامرية، أو أنصارية، أو أزدية من دوس، واجتماع الثلاثة ممكن بأن تكون قرشية تزوجت في دوس، فنسبت إليهم، ثم تزوجت في الأنصار، فنسبت إليهم، أو لم تتروج، بل نسب أنصاري بالمعنى الأعم، وطلقها النبي ﷺ ، واختلف في دخوله بها، قاله المصنف في الزوجات، ففي رواية ابن عباس: دخل بها، وفي رواية غيره: لم يدخل بها، ويحتمل الجمع بأن المنفي الجماع، والمثبت مجرد الدخول إن صحا.
"وخولة بنت جابر" كذا في بعض النسخ، ولم يذكرها البيضاوي الذي هو نافل عنه، ولا ذكر لها في الإصابة، فالصواب حذفها، كما في النسخ الصحيحة، "وخولة" ويقال: خويلة بالتصغير"بنت حكيم" بن أمية السلمي، بضم السين إلى جده سليم، صحابية، فاضلة، لها أحاديث، يقال كنيتها أم شريك، قاله أبو عمر، وهي زوجة عثمان بن مظعون، واختلف في أن هبتها لنفسها قبل أن يتزوجها عثمان أو بعد موته عنها، فأرجأها النبي ولم يتزوجها.
"قال" البيضاوي: "وقرئ" شاذا "أن بالفتح" وهي قراءة أبي بن كعب، والحسن البصري، والشعبي وغيرهم، إشارة إلى ما وقع من الواهبات قبل نزول الآية، وفي مصحف ابن مسعود، مؤمنة وهبت بدون أن، قاله ابن عطية، أي: لأجل "أن وهبت أو مدة أن وهبت؛стр. 3277
كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا، قال: وقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ شرط للشرط الأول في استيجاب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها، فإنها جارية مجرى القبول، قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ "النبي" مكررًا. ثم الرجوع إليه في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأحزاب: ٥٠] إيذان بأنه مما خص به لشرف نبوته وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله، انتهى.
وقال المعافى: وفي معنى "خالصة" ثلاثة أقوال: أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له لم يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين. قاله أنس بن مالك وابن المسيب. والثاني: أنه له أن ينكحها بلا ولي ولا شهود دون غيره. قاله قتادة، والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعي وأحمد.
الحواشي
(١) كقولك: اجلس ما دام زيد جالسًا" فإن على هذا مصدرية، وليست اللام مقدرة معها، "قال: وقوله: ﴿إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَهَا﴾ شرط للشرط الأول" على قراءة الجمهور "في استيجاب الحل، فإن هبتها نفسها منه لا توجب له إلا بإرادته نكاحها" بأن يأتي بلفظ يدل على القبول، كما أشعر به يستنكحها، فلا بد من لفظ الإنكاح، أو التزويج، أو يكفي لفظ الهبة في القبول أيضًا خلاف كما مر، "فإنها" أي: إرادتها "جارية مجرى القبول" فلا يجب عليه قبولها، بل يوكل الأمر إلى إرادته، "قال: والعدول عن الخطاب إلى الغيبة بلفظ النبي مكررًا، ثم الرجوع إليه في قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية إيذان بأنه، أي: انعقاد النكاح بلفظ الهبة "مما خص به لشرف نبوته، وتقرير لاستحقاقه الكرامة لأجله، انتهى" كلام البيضاوي.
"وقال المعافى" بن زكريا بن يحيى بن حميد الحافظ المفسر، الثقة، الجريري، كان مقلدًا لابن جرير، مات سنة تسع وثلاثمائة، "وفي معنى خالصة ثلاثة أقوال، أحدها: أن المرأة إذا وهبت نفسها له لم يلزمه صداقها دون غيره من المؤمنين" فيلزمه الصداق، وليس المعنى أنها تحل له بلفظ الهبة، "قاله أنس بن مالك وابن المسيب".
قال البغوي: فالخصوصية له في ترك الصداق لا في جوازه بلفظ الهبة، "والثاني: أنه له أن ينكحها بلا ولي ولا شهود دون غيره" فإنما تحل له بهما، "قاله قتادة" قالخصوصية له في تركهما لا في جوازه بلفظ الهبة، "والثالث: خالصة لك أن تملك عقد نكاحها بلفظ الهبة دون المؤمنين، قال: وهذا قول الشافعي، وأحمد" ومالك والأكثر.
"وعن أبي حنيفة: ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره ﷺ أيضًا" وفي تفسير ابن عطية:стр. 3278
وعن أبي حنيفة ينعقد النكاح بلفظ الهبة لغيره ﷺ أيضًا.
وكذا يجوز له ﵊ النكاح بلا مهر ابتداء وانتهاء، كما تقدم أن المرأة إذا وهبت نفسها له ﵊ لا يلزمه صداقها. قال النووي: إذا وهبت امرأة نفسها له ﵊ فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك، بخلاف غيره فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى وإما مهر والله أعلم.
وكذا يجوز له النكاح في حال الإحرام، قال النووي في شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا أنه ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة، قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا، انتهى.
الحواشي
(١) أجمع الناس على أن ذلك لا يجوز لغيره إلا ما ورد عن أبي حنيفة ومحمد بن الحسن وأبي يوسف، إذا وهبت، فأشد على نفسه هو بمهر جاز، فليس في قولهم: إلا تجويز العبارة بلفظ الهبة، وإلا فالأفعال التي اشترطوها هي أفعال النكاح بعينه، انتهى، فأوله على موافقة مذهب مالك أنه يجوز مع الصداق العقد بلفظ الهبة، "وكذا يجوز له ﵊ النكاح بلا مهر ابتداء وانتهاء" أي: قبل الدخول وبعده، "كما تقدم أن المرأة إذا وهبت نفسها له ﵊، لا يلزمه صداقها".
"قال النووي: إذا وهبت امرأة نفسها له ﵊ فتزوجها بلا مهر حل له ذلك، ولا يجب عليه مهرها بالدخول، ولا بغير ذلك" من فرض أو موت "بخلاف غيره، فإنه لا يخلو نكاحه من وجوب مهر، إما مسمى، وإما مهر المثل" بالوطء في التفويض، "والله أعلم" وكذا له النكاح بصداق مجهول، كما في الأنموذج، "وكذا يجوز له النكاح في حال الإحرام" منه أو من المرأة أو منهما.
"قال النووي في شرح مسلم: قال جماعة من أصحابنا" الشافعية وغيرهم "أنه ﷺ كان له أن يتزوج في حال الإحرام، وهو مما خص به دون الأمة" قضيته مشاركة الأنبياء له في هذه الخصوصية.
قال أبو حامد: وإنما منع غيره من ذلك، لأن فيه دواعي الجماع، فربما يفضي إليه فيفسد حجه به، وهذا مأمون من جهته، سواء اختص بالإحرام أو المرأة لعصمته وقدرته على الامتناع منه، "قال: وهذا أصح الوجهين عند أصحابنا، انتهى" واحتجوا له بما رواه مالك والأئمة الستة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ تزوج ميمونة، وهو محرم، زاد في رواية للبخاري: في عمرة القضاءстр. 3279
وكذا يجوز له النكاح بغير رضا المرأة، فلو رغب في نكاح امرأة خلية لزمها الإجابة، وحرم على غيره خطبتها، أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها.
الحواشي
(١) مع قوله: "لا ينكح المحرم ولا يُنكح" فدل على أن فعله خصوصية له جمعًا بين الخيرين، لكن قال سعيد بن المسيب: وهل ابن عباس، وإن كانت خالته ما تزوجها ﷺ إلا بعدما حل، رواه البخاري، ووهل، بكسر الهاء، أي: غلط لمخالفته لما صح عنها نفسها، قالت: تزوجني رسول الله ﷺ ، ونحن حلالان بسرف، رواه مسلم من رواية يزيد بن الأصم عنها، قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس.
وأخرج الترمذي وحسنه، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان، عن أبي رافع، أنه ﷺ تزوج ميمونة، وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا السفير بينهما، وكذا رواه مالك عن سليمان بن يسار، قال البيهقي في المعرفة: وبهذا رد الشافعي رواية ابن عباس التي احتج بها الحنفية وأهل العراق على جواز نكاح المحرم وإنكاحه، وخالفه الجمهور وأهل الحجاز محتجين بحديث مسلم عن عثمان رفعه: "المحرم لا ينكح ولا يُنكح" وأما خبر ابن عباس وإن صح إسناده إليه فوهم، كما قال سعيد.
قال الشافعي: لأن ابن أختها يزيد يقول: نكحها حلالا، ومعه سليمان بن يسار عتيقها، أو ابن عتيقها، وخبر اثنين أكثر من خبر واحد مع رواية عثمان التي هي أثبت من هذا كله، انتهى.
ولذا قال الزركشي في جعل ذلك من الخصائص نظر إذ لم يثبت الشافعي وقوع العقد حال إحرامه والتجويز يحتاج إلى دليل.
وقال السهيلي: تأول بعض شيوخنا قول ابن عباس وهو محرم بمعنى في الشهر الحرام والبلد الحرام لأنه عربي فصيح، يتكلم بكلام العرب، ولم يرد الإحرام بالحج ولا العمرة، فالله أعلم، أراد لك ابن عباس أم لا؟ قال: ومن الغريب ما رواه الدارقطني عن أبي الأسود ومطر الوراق، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه تزوجها وهو حلال، انتهى، فإن ثبت ذلك عنه؛ فكأنه رجع، وإلا فالمعروف عنه وهو محرم، وإن كان وهمًا أو مؤولا، وتقدم مزيد لهذا في الزوجات، وقبله في عمرة القضية.
"وكذا يجوز له النكاح بغير رضا المرأة" لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، كما مر، "فلو رغب في نكاح امرأة خلية" عن زوج أو عدة "لزمها الإجابة" إليه على الصحيح وتجبر عليه "وحرم على غيره خطبتها" بكسر الخاء بمجرد الرغبة، "أو متزوجة وجب على زوجها طلاقها" ليتزوجها، وقياسه لو رغب في نكاح سرية وجب على سيدها إعتاقها وتركها ليتزوج بها، كذا قال شيخنا.стр. 3280
قال الغزالي: ولعل السر فيه من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف النزول عن أهله، فإنه ﷺ قال: لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين.
ويدل لهذه الخصيصة قصة زينب بنت جحش، بنت عمته ﷺ أميمة بنت عبد المطلب.
الحواشي
(١) "قال الغزالي: ولعل السر" النكتة والحكمة "فيه" أي: وجوب التطليق على الزوج "من جانب الزوج امتحان إيمانه بتكليف النزول عن أهله، فإنه ﷺ قال: $"لا يؤمن أحدكم" إيمانًا كاملا, ونفي اسم الشيء بمعنى الكمال عنه مستفيض في كلامهم، وخصوا بالخطاب، لأنهم الموجودون حينئذ، والحكم عام.
وفي رواية ابن ماجه: أحد "حتى أكون أحب إليه من نفسه وأهله وولده والناس أجمعين" عطف عام على خاص، وهو كثير، والحديث في الصحيحين وغيرهما، عن أنس بلفظ: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده والناس أجمعين".
وفي صحيح ابن خزيمة: "من أهله وماله" بدل من والده وولده، وكذا في مسلم من وجه آخر.
وفي رواية للبخاري: "لن يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه"، ويأتي إن شاء الله تعالى كلام عليه في مقصد المحبة وبقية كلام الغزالي: ومن جانب النبي ﷺ ابتلاؤه ببلية البشرية ومنعه من خائنة الأعين، ولذا قال تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ الآية، ولا شيء أدعى إلى حفظ البصر من هذا التكليف، قال: وهذه يوردها الفقهاء في نوع التخفيفات، وعندي أنه في حقه في غاية التشديد، إذ لو كلف به آحاد الناس لما فتحوا أعينهم في الشوارع والطرقات خوفًا من ذلك، ولذا قالت عائشة: لو كان يخفي آية لأخفى هذه، كذا قال وتعقب بأن الآحاد غير معصومين، فيثقل عليهم ذلك بخلافه.
"ويدل لهذه الخصيصية قصة زينب بنت جحش" الأسدية "بنت عمته ﷺ أميمة" بالتصغير "بنت عبد المطلب" مختلف في إسلامها وأثبته ابن سعد، وفي هذا الدليل نظر لابتنائه على أنه ﷺ رغب في نكاحها لما رآها، وقال: "سبحان الله مقلب القلوب"، ففهمت زينب ذلك منه، وأخبرت زيدًا ففارقها وهذا منكر، وعلى تقدير تسليمه لا يدل على الوجوب، إذ قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ﴾ صورة واقعة حال، والصواب أن إطلاق زيد لها لتعظمها عليه، ولذا قال ابن الرفعة: قصة زيد لا تدل على ذلك، بل تدل على عكسه، وبسط القول فيه بما يطول ذكره،стр. 3281
المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: بنعمة الإسلام وهي أجل النعم ﴿وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ﴾ ، أي: بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة الكلبي، وكان من سبي الجاهلية، فملكه رسول الله ﷺ قبل البعثة وأعتقه وتبناه وخطب له زينب فأبت هي وأخوها عبد الله، ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ [الأحزاب: ٣٦] الآية.
الحواشي
(١) وكذا فعل ابن الصلاح في كلامه على بسيط الغزالي "المنصوص عليها بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ أي: بنعمة الإسلام وهي أجل النعم" زاد ابن عطية: وبغير ذلك "وأنعمت عليه، أي: بالإعتاق بتوفيق الله لك، وهو زيد بن حارثة الكلبي، وكان من سبي الجاهلية" وذلك أن أمه سعدى بنت ثعلبة من بني معن من طيئ، خرجت به لتزيره أهلها، فأصابته خيل بني القين لما أغارت على بني معن، فأتوا به سوق عكاظ، فعرضوه للبيع، وهو غلام ابن ثمانية أعوام، فاشتراه حكيم بن حزام بأربعمائة درهم لعمته خديجة بنت خويلد، فاستوهبه النبي ﷺ منها، فوهبته له، "فملكه رسول الله ﷺ قبل البعثة، وأعتقه وتبناه" لما قدم حارثة وأخوه كعب مكة، فقالا: يابن عبد المطلب، يابن سيد قومه؛ أنتم أهل حرم الله، تفكون العاني، وتطعمون الأسير جئنا في ولدنا عبدك، فامنن علينا وأحسن في فدائه، فقال: "أو غير ذلك أدعوه، فخيروه، فإن اختاركم، فهو لكم بغير فداء، وإن اختارني، فوالله ما أنا بالذي أختار على من اختارني فداء". قالوا: زدتنا على النصف، فدعاه فخيره، فقال: ما أنا بالذي أختار عليك أحدًا، أنت مني بمكان الأب والعم، فقالا: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية، وعلى أبيك، وعمك، وأهل بيتك؟ قال: نعم، إني قد رأيت من هذا الرجل شيئًا ما أنا بالذي أختار عليه أحدًا، فلما رأى ﷺ ذلك قام إلى الحجر، فقال: "اشهدوا أن زيدًا ابني، أرثه ويرثني"، فطابت نفس أبيه وعمه وانصرفا، فدعي زيد بن محمد حتى جاء الإسلام، فأسلم بحيث قيل: إنه أول من أسلم مطلقًا، ومر هذا مبسوطًا في الموالي.
وروى ابن الكلبي عن ابن عباس: لما تبنى ﷺ زيدًا زوجه أم أيمن، ثم زوجه زينب، فلما طلقها زوجه أم كلثوم بنت عقبة، وولدت بركة أسامة له بمكة بعد البعثة، بثلاث أو خمس، "وخطب له زينب" بعد البعثة "فأبت هي وأخوها عبد الله" المستشهد بأحد، "ثم رضيا لما نزل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ﴾ ما صح ﴿لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية.
قال ابن عطية: عبر بلفظ النفي، ومعناه المنع من فعل هذا، وتجيء ما كان، وما ينبغي ونحوهما لحظر الشيء، والحكم بأنه لا يكون، وربما كان امتناع ذلك الشيء عقلا كقوله: ﴿مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ الآية، وربما كان للعلم بامتناعه شرعًا كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍстр. 3282
وكان الرجل في الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره يدعوه الناس به ويرث ميراثه وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله التبني بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول والفعل، فأوحى الله تعالى إليه أن زيدًا سيطلقها، وأنه ﷺ يتزوجها، وألقى في قلب زيد كراهتها، فأراد فراقها فأتى رسول الله ﷺ فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي قال: "ما لك؟ أرابك منها شيء"؟. قال: لا والله يا رسول الله! ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم عليّ بشرفها وتؤذيني.
الحواشي
(١) أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا﴾ الآية، وربما كان حظره بحكم شرعي، كهذه الآية، وربما كان في المندوبات، كما تقول: ما كان لك أن تترك النوافل ونحوها.
وأخرج الطبراني بسند صحيح عن قتادة، وابن جرير عن ابن عباس أن النبي ﷺ خطب زينب، وهو يريدها لزيد، فظنت أنه يريدها لنفسه، فلما علمت أنه يريدها لزيد أبت واستنكفت، وقالت: أنا خير منه حسبًا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ﴾ الآية كلها، فرضيت وسلمت، وما ذكر من أن النسخة لما نزل صواب واضح، وفي نسخ: ثم رضيا، فنزل وهي توهم أن رضاهما قبل نزول الآية، وليس كذلك.
"وكا الرجل في الجاهلية وصدر الإسلام إذا تبنى ولد غيره، يدعوه الناس به، ويرث ميراثه" بأن يرث كل منهما الآخر، "وتحرم عليه زوجته، فنسخ الله التبني بقوله: ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ الآية، قال ابن عمر: ما كنا ندعو زيد بن حارثة إلا زيد بن محمد حتى نزل القرآن ﴿ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، رواه البخاري، "وبهذه القصة يثبت الحكم بالقول" من الله تعالى، "وبالفعل" من النبي ﷺ ، وهو تزوجه زوجة من تبناه، "فأوحى الله تعالى إليه" بعد رضاها، وتزوجها بزيد "أن زيدًا سيطلقها، وأنه ﷺ يتزوجها، وألقى في قلب زيد كراهتها" أي: كراهة بقائها في نكاحه، ولا يلزم منه كراهة ذاتها،"فأراد فراقها" بعد مكثها عنده مدة، "فأتى رسول الله ﷺ ، فقال: إني أريد أن أفارق صاحبتي" أي: زوجتي قال: "ما لك" أي: شيء حصل لك منها حتى أردت فراقها، "أرابك منها شيء"؟ أي: هل استيقنت منها شيئًا يوجب لك الشك في أمرها، فالهمزة للاستفهام، ويحتمل أنها جزء الكلمة، أي: أحصل شيء يسيء ظنك بها، فهمزة الاستفهام، مقدرة؛ لأنه متى أبدل مما تضمن معنى الاستفهام وجب ذكر همزته في البدل، "قال: لا والله يا رسول الله ما رأيت منها إلا خيرًا، ولكنها تتعظم عليّ بشرفها" عليّ لأنها عربية وأنا مولى، "وتؤذيني بلسانها، فقالстр. 3283
بلسانها، فقال له ﷺ قوله تعالى: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ، أي: في أمرها، فلا تطلقها ضرارًا وتعللا ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ولم يبق له فيها حاجة، وطلقها وانقضت عدتها زوجها الله تعالى له، كما قال تعالى: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ والمعنى أنه أمره بتزويجها منه، أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد, ويؤيده أنها كانت تقول لسائر نساء رسول الله ﷺ : إن الله تولى نكاحي، وأنتن زوجكن أولياؤكن.
وقيل: إن زيدًا كان السفير للتزويج بينهما.
الحواشي
(١) له ﷺ : ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ أي: لا تفارقها ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ في أمرها، أي: فلا تطلقها ضرارًا" مفعول له "ولا تعللا" وعبر البيضاوي بأو بدل الواو، ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ ولم يبق له فيها حاجة" تفسير لوطرًا، "وطلقها وانقضت عدتها، زوجها الله تعالى" لنبيه سنة خمس أو ثلاث أو أربع من الهجرة، وبالثاني صدر في الإصابة، وبالثابت في العيون، وبالأولى المصنف؛ "كما قال تعالى" ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية، "والمعنى أنه أمره بتزويجها منه" أي: بأن يتخذها زوجة، والأوضح بتزوجها، لأنه من النفس، والتزويج يكون من الغير، ولعله عبر به إشارة إلى أنه أمر بجعلها زوجة له أعم من كون ذلك بطلبه من الولي، أو بتزويجها له من نفسه؛ بأن يتولى الطرفين، "أو جعلها زوجته بلا واسطة عقد" وهذا هو الصواب الذي لا يصح غيره، كما قال بعض الحفاظ لأنه الثابت في مسلم وغيره، كما يأتي.
"ويؤيده أنها كانت تقول لسائر" أي باقي "نساء رسول الله ﷺ : إن الله تولى نكاحي وأنتن زوجكن أولياؤكن" أخرجه الترمذي، وصححه عن أنس، قال: كانت زينب تفخر على أزواج النبي ﷺ تقول: زوجكن آباؤكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات، وليس هذا من الفخر المنهي عنه، بل من التحدث بالنعمة، وقد سمعها النبي ﷺ وأقرها.
روى ابن سعد، قالت زينب: يا رسول الله! إني والله ما أنا كأحد من نسائك، ليست امرأة من نسائك إلا زوجها أبوها أو أخوها أو أهلها غيري زوجنيك الله من السماء، ويؤيده أيضًا ما رواه ابن سعد: بينا رسول الله ﷺ يتحدث عند عائشة إذ أخذته غشية فسري عنه وهو يتبسم ويقول: "من يذهب إلى زينب فيبشرها" وتلا: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآية، قالت عائشة: فأخذني ما قرب وما بعد لما يبلغنا من جمالها وأخرى هي أعظم وأشرف ما صنع لها زوجها الله من السماء، وعن الشعبي: كانت زينب تقول لرسول الله: "أنكحك إياي من السماء، وإن الساعي في ذلك جبريل، وهي أولى من رواية من روى، وإن السفير بيني وبينك جبريل، لما لا يخفى.
"وقيل: إن زيدًا كان السفير للتزويج بينهما" كما أخرجه أحمد ومسلم والنسائي عنстр. 3284
وفي ذلك ابتلاء عظيم لزيد، وشاهد بين على قوة إيمانه.
وقد علل الله تعالى تزويجه إياها بقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ ، أي في أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات ليست داخلات فيما حرم في قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمْ﴾ .
وأما قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ ، فمعناه: علمك أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى عن هذا القدر في شيء أباحه له، بأن قال: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ مع علمه أنه سيطلق، وهذا مروي عن علي بن الحسين
الحواشي
(١) أنس، قال: لما انقضت عدة زينب، قال ﷺ لزيد بن حارثة: "اذهب فاذكرني لها"، قال: فذهبت إليها، فجعلت ظهري إلى الباب، فقلت: يا زينب بعث رسول الله ﷺ يذكرك، فقالت: ما كنت لأحدث شيئًا حتى أؤامر ربي ، فقامت إلى مسجد لها فأنزل الله: ﴿فَلَمَا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية، فجاء رسول الله ﷺ ، فدخل عليها بغير إذن.
"وفي ذلك ابتلاء عظيم لزيد وشاهد بين على قوة إيمانه" حيث اطمأنت نفسه إلى خطبة من فارقها إلى سيده وسيد غيره، مع أن شأن النفوس الغض من أن يتزوج مطلقتها أعلى منها أو مساوٍ لها فضلا عن توليها الخطبة، ويروى أنه قال له: ما أجد في نفسي أوثق منك فاخطب زينب عليّ.
"وقد علل الله تعالى تزويجه إياها بقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآية، جمع دعي، وهو المتبنى، "أي: في أن يتزوجوا زوجات من كانوا يتبنونه إذا فارقوهن، وأن هؤلاء الزوجات" عطف على أن يتزوجوا "ليست داخلات فيما حرم في قوله: ﴿وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ﴾ ، الآية، إذ المراد الصلبية.
"وأما قوله: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ﴾ الآية، قال الزمخشري: الواو للحال، قال أبو حيان: لا يكون حالا إلا على إضمار مبتدأ، أي: وأنت تخفي، لأنه مضارع مثبت، فلا تدخل عليه الواو إلا على ذلك الإضمار، وهو مع ذلك قليل نادر لا تنبني على مثله القواعد، وقال الطيبي: الجمل الثلاث الواو فيها للحال على سبيل التداخل، فقوله: ﴿وَتُخْفِي﴾ حال من المستتر في ﴿تَقُولُ﴾ و ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ حال من فاعل تخفي، ﴿وَاللَّهُ أَحَقُّ﴾ حال من فاعل تخشى، "فمعناه" تخفي "علمك" فنصب بمقدر "أنه سيطلقها وتتزوجها، فعاتبه الله تعالى على هذا القدر في شيء أباحه له؛ بأن قال: ﴿أَمْسَكْ﴾ [الأحزاب: ٣٧] الآية، مع علمه أنه سيطلق" وليس بكبير عتب، "وهذا مروي عن علي" زين العابدين، "ابن الحسين" بن علي بن أبي طالبстр. 3285
وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهري، وبكر بن العلاء، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم.
والمراد بقوله: ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ إنما هو في إرجاف المنافقين في تزويج نساء الأبناء، والنبي ﷺ معصوم في الحركات والسكنات، ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة.
الحواشي
(١) الهاشمي ﵈، ثقة، ثبت من رجال الجميع، عابد، فقيه، فاضل، مشهور، قال الزهري: ما رأيت قرشيًا أفضل منه، "وعليه أهل التحقيق من المفسرين، كالزهري" محمد بن شهاب التابعي، الشهير، "وبكر بن العلاء" بن زياد القشيري، البصري، ثم المصري، وبها مات سنة أربع وأربعين وثلاثمائة، وكان أحد كبار الفقهاء المالكية وعلماء الحديث، "والقاضي أبي بكر" محمد "بن العربي" الحافظ، الفقيه، المشهور "وغيرهم، والمراد بقوله" ﴿وَتَخْشَى النَّاسَ﴾ الآية، "إنما هو في إرجاف المنافقين في تزويج نساء الأبناء"، أي: في إكثارهم من الأخبار السيئة، واختلاف الأقوال الكاذبة حتى يضرب الناس منها؛ كما في المصباح، "والنبي ﷺ معصوم في الحركات والسكنات" وفي البيضاوي: وتخشى الناس تعبيرهم إياك والله أحق أن تخشاه إن كان فيه ما يخشى، "ولبعض المفسرين هنا كلام لا يليق بمنصب النبوة" وهو أنه ﵊ طلب زيدًا في داره، فرأى زينب حاسرة، فأعجبته، فقال: "سبحان الله مقلب القلوب" قال السبكي: وهو منكر من القول، ولم يكن ﷺ تعجبه امرأة أحد من الناس، وقصة زينب إنما جعلها الله تعالى، كما في سورة الأحزاب قطعًا لقول الناس: إن زيدًا بن محمد، وإبطالا للتبني، قال: وبالجملة فهذا الموضع من منكرات كلامهم في الخصائص، وقد بالغوا في هذا الباب في مواضع، واقتحموا فيها عظائم لقد كانوا في غنية عنها، انتهى.
وفي البغوي في توجيه القول المنصور: فعاتبه الله، وقال له: قلت أمسك عليك زوجك، وقد أعلمتك أنها ستكون من أزواجك، وهذا هو الأولى واللائق بحال الأنبياء، فهو مطابق للتلاوة؛ لأن الله أعلمه أن يبدي ويظهر ما أخفاه ولم يظهر غير تزويجها منه، فقال: ﴿زَوَّجْنَاكَهَا﴾ الآية، فلو كان الذي أضمره محبتها وإرادة طلاقها لكان يظهر ذلك؛ لأنه لا يجوز أن يخبر أنه يظهره، ثم يكتمه فلا يظهر، فدل على أنه إنما عوتب على إخفاء ما أعلمه أنها تكون زوجًا له وإنما أخفاه استحياء أن يقول لزيد: إن امرأتك ستكون امرأتي، وهذا قول حسن مرضي، وإن كان القول الآخر، وهو أنه أخفى محبتها أو نكاحها، لو طلقها لا يقدح في حال الأنبياء، لأن العبد غير ملوم على ما يقع في قلبه من ثمل هذه الأشياء ما لم يقصد فيه المأثم، لأن الود وميل النفس من طبع البشر، انتهى.стр. 3286
وقيل قوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ خطاب من الله تعالى، أو من الرسول ﵊ لزيد، فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما توهم أن رسول الله ﷺ يريد أن تكون من نسائه.
قال جار الله: وكم من شيء مباح يتحفظ الإنسان منه ويستحيي من إطلاع الناس عليه، فطموح قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته من امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح في العقل ولا في الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا، وهي خطبة زينب ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرهًا عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه ولا مستهجنًا إذا نزل عنها أن ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة واستهم الأنصار بكل شيء، حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجري.
الحواشي
(١) "وقيل: قوله: ﴿وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ الآية، مظهره "خطاب من الله تعالى، أو من الرسول ﵊ لزيد" فهو على هذا عطف على أمسك من جملة مقبولة لزيد، "فإنه أخفى الميل إليها وأظهر الرغبة عنها لما" حين "توهم أن رسول الله ﷺ يريد أن تكون من نسائه"، وكأنه قيل: وتقول لزيد: تخفي يا يزيد في نفسك ما الله مبديه، وتقول له: تخشى الناس ... إلخ، وهذا خلاف الظاهر المتبادر، أي: شيء أبداه عن زيد فهذا من غريب التفسير، "قال: جار الله" العلامة محمود الزمخشري، وصف بذلك لسكناه مكة: "وكم من شيء مباح يتحفظ الإنسان منه ويستحيي من إطلاع الناس عليه، فطموح" أي: استشراف "قلب الإنسان إلى بعض مشتهياته" وبين ذلك بقوله: "من امرأة وغيرها غير موصوف بالقبح في العقل، ولا في الشرع، وتناول المباح بالطريق الشرعي ليس بقبيح أيضًا" عقلا وشرعًا، "وهي خطبة زينب" وفي نسخة: وهو التأنيث أولى؛ لأن الضمير إذا وقع بين مذكر ومؤنث، فالأولى مراعاة الخبر، لأنه عين المبتدأ، ومبين لحاله فهو المقصود، "ونكاحها من غير استنزال زيد عنها ولا طلب إليه، ولم يكن مستكرهًا عندهم أن ينزل الرجل منهم عن امرأته لصديقه" بل كانوا يعدونه كرمًا، "ولا مستهجنًا إذ نزل عنها أن ينكحها آخر، فإن المهاجرين حين دخلوا المدينة" وآخى النبي ﷺ بينهم وبين الأنصار، "واستهم الأنصار بكل شيء حتى إن الرجل منهم إذا كانت له امرأتان نزل عن إحداهما وأنكحها المهاجري" أي: تسبب في تزويجها له بطريقه الشرعي بعد خروجها من العدة بسؤالстр. 3287
فإذا كان الأمر مباحًا من جميع جهاته لم يكن فيه وجه من وجوه القبح، انتهى.
وكذا يجوز له ﵊ النكاح بلا ولي وبلا شهود. قال النووي: الصحيح المشهور عند أصحابنا صحة نكاحه ﵊ بلا ولي وبلا شهود لعدم الحاجة إلى ذلك في حقه ﵊، وهذا الخلاف في غير زينب أما زينب فمنصوص عليها والله أعلم.
قال العلماء: إنما اعتبر الولي للمحافظة على الكفاءة، وهو ﷺ فوق الأكفاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهو ﵊ لا يجحد ولو جحدت هي لم يرجع إلى قولها، بل قال العراقي في شرح المهذب: تكون كافرة بتكذيبه.
وكان له ﵊ تزويج المرأة ممن شاء بغير إذنها وإذن وليها، وله إجبار الصغيرة من غير بناته، وزوج ابنة حمزة مع وجود عمها العباس.
الحواشي
(١) وليها في ذلك، "فإذا كان الأمر مباحًا من جميع جهاته لم يكن فيه وجه من وجوه القبح، انتهى" كلام جار الله في كشافه.
"وكذا يجوز له ﵊ النكاح بلا ولي" مع شهود، "وبلا شهود" مع ولي وبلا ولي وشهود معًا، "قال النووي: المشهور الصحيح عند أصحابنا" وعند غيرهم: "صحة نكاحه ﵊ بلا ولي وبلا شهود، لعدم الحاجة إلى ذلك في حقه ﵊، وهذا الخلاف في غير زينب، أما زينب فمنصوص عليها" فلا يأتي فيها خلاف للنص، "والله أعلم".
"قال العلماء: وإنما اعتبر الولي" في حق غير المصطفى "للمحافظة على الكفاءة، وهو ﷺ فوق الأكفاء، وإنما اعتبر الشهود لأمن الجحود، وهو ﵊ لا يجحد" إذ لا يجوز عليه ذلك، "ولو جحدت هي" أي: المرأة، "لم يرجع إلى قولها، بل قول العراقي في شرح المهذب: تكون كافرة بتكذيبه" أي: مرتدة، قال المالكية: تقتل ولو عادت إلى الإسلام، "وكان له ﵊ تزويج المرأة" ولو صغيرة وبكرًا "ممن شاء" من غيره ومن نفسه؛ "بغير إذنها وإذن وليها" وبغير إذن الزوج أيضًا، فيتولى الطرفين؛ لأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم، "وله إجبار الصغيرة من غير بناته" قيد لمحل الخصوصية، "وزوج ابنة حمزة" بن عبد المطلب أمامة أو عمارة أو فاطمة أو سلمى أو عائشة أو يعلى أو أمة الله أقوال سبعة في اسمها، أشهرها الأول، كما في الفتح لربيبه سلمة ابن أم سلمة "مع وجود عمها العباس" كما رواه البيهقي فقدم على الأقرب بخلاف غيره، فيقدم الأقرب فالأقرب على ما بينстр. 3288
فيقدم على الأب.
وزوجه الله تعالى بزينب، فدخل عليها بتزويج الله بغير عقد من نفسه. وعبر في الروضة عن هذا بقوله: وكانت المرأة تحل له بتحليل الله تعالى بغير عقد.
وأعتق أمته صفية وجعل عتقها صداقها، كما أخرجه البخاري عن أنس في الصلاة والمغازي والنكاح مطولا ومختصرًا وبظاهره تمسك أحمد والحسن وطائفة لقولهم بجواز ذلك لغيره حتى لو طلقها قبل الدخول وجب له عليها نصف قيمتها، وقد اختلف في معناه، فقيل إنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب له عليها قيمتها وكانت معلومة، فتزوجها بها، ويؤيده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب: سمعت أنسًا قال: سبى رسول الله ﷺ صفية فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت.
الحواشي
(١) في الفروع، "فيقدم على الأب" تفريع على قوله: وله إجبار الصغير، "وزوجه الله تعالى بزينب" ابنة جحش، "فدخل عليها بتزويج الله بغير عقد" أي: بغير تلفظ بعقد "من نفسه" وهذا وإن علم من قوله سابقًا: والمعنى أنه أمره ... إلخ، لكنه ثمة حكاه عن غيره على وجه الترديد، وهنا جزم بأحد القولين اختيارًا له، "وعبر في الروضة عن هذا بقوله: وكانت المرأة تحل له بتحليل الله تعالى بغير عقد" إشارة إلى أن ذلك ليس خاصًا بزينب، لكنه لم يقع إلا فيها، "وأعتق أمته صفية" بنت حيي، سيدة قريظة والنضير، من ذرية هارون أخي موسى ﵂، "وجعل عتقها صداقها؛ كما أخرجه البخاري عن أنس في الصلاة والمغازي والنكاح مطولا ومختصرًا، وبظاهره تمسك أحمد والحسن وطائفة؛ لقولهم بجواز ذلك لغيره حتى لو طلقها قبل الدخول، وجب له عليها نصف قيمتها، وقد اختلف في معناه، فقيل: إنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، فوجب" ثبت "له عليها قيمتها" لأنه لم يعتقها مجانًا، بل بعوض، لكن لا يلزم الوفاء به في حق غيره، وإنما تعتق إن قبلت فورًا، كأن طلبته ابتداء لذلك، فأجابها، فيشترط الفور أيضًا، كما في البهجة، "وكانت معلومة فتزوجها بها" فإن جهلت لهما أو لأحدهما صح النكاح، ولزم مهر المثل للجهل بالعوض، كما هو مقرر عند الشافعية ومذهب مالك منع ذلك ابتداء، فإن وقع مضى العتق، وفسد النكاح، فيفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده بصداق المثل، فوجه الخصوصية عدم لزوم المهر له ﷺ لا حالا ولا مالا، وصحة نكاحه اتفاقًا.
"ويؤيده قوله في رواية عبد العزيز بن صهيب" بضم المهملة البصري، ثقة، من رجال الجميع، مات سنة ثلاثين ومائة، "سمعت أنسًا قال: سبى رسول الله ﷺ صفية، فأعتقها وتزوجها، فقال ثابت" بن أسلم البناني، بضم الموحدة ونونين، أبو محمد البصري، العابد، الثقة،стр. 3289
لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها، هكذا أخرجه البخاري في المغازي. وفي رواية حماد عن ثابت وعبد العزيز عن أنس في حديث قال: وصارت صفية لرسول الله ﷺ ثم تزوجها وجعل عتقها صداقها. قال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد أنت سألك أنسًا ما أمهرها؟ قال: أمهرها نفسها، فتبسم. فهو ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق. والتأويل الأول لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمة.
الحواشي
(١) روى له الجميع، مات سنة بضع وعشرين ومائة، وله ست وثمانون سنة، "لأنس: ما أصدقها؟ قال: أصدقها نفسها، هكذا أخرجه البخاري في المغازي" في غزوة خيبر، وقد يمنع دعوى التأييد به لجواز أنه أعتقها بلا شرط، بل هو ظاهر في تأييد القول الثاني.
"وفي رواية" البخاري في الصلاة والمغازي، عن "حماد" بن زيد بن درهم الأزدي، البصري، ثقة، ثبت، فقيه، روى له الستة، "عن ثابت وعبد العزيز" بن صهيب، كلاهما "عن أنس في حديث" لفظه أن رسول الله ﷺ صلى الصبح بغلس، ثم ركب، فقال: "الله أكبر خربت، خيبر؛ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين". فخرجوا يسعون في السكك ويقولون: محمد والخميس، فظهر عليهم رسول الله ﷺ ، فقتل المقاتلة، وسبى الذراري، "قال" فصارت صفية لدحية الكلبي، "وصارت صفية لرسول الله ﷺ " كذا وقع في الصلاة بالواو، فظاهره أنها صارت لهما وليس كذلك؛ لأنها صارت لدحية أولا، ثم صارت للمصطفى لما قيل له: أعطيت دحية صفية سيدة قريظة والنضير، لا تصلح إلا لك، فقال ﵊ لدحية: "خذ جارية غيرها"، فردها، فاصطفاها لنفسه؛ كما رواه البخاري أيضًا وغيره، قالوا: وهنا بمعنى ثم لأن البخاري رواه في المغازي بلفظ: ثم صارت لرسول الله، "ثم تزوجها، وجعل عتقها صداقها، قال عبد العزيز لثابت: يا أبا محمد! " كنيته "أنت سألك" بحذف همزة الاستفهام في الفرع وأصله، وفي بعض الأصول: أأنت بإثباتها "أنسًا ما أمهرها؟ " أي: ما أصدقها، ولأبوي ذر، والوقت، والأصيلي ما مهرها، بحذف الألف، وصوبه القطب الحلبي، وهما لغتان.
"قال" أنس: "أمهرها نفسها" إلى هنا كله مقول عبد العزيز لثابت وجوابه: قوله، "فتبسم" ثابت، وفي رواية المغازي: فحرك ثابت رأسه تصديقًا له، ولا منافاة، فجمع بينهما، وبهذا تعلم أنه ليس فيه حذف تقديره، قال: نعم سألته؛ لأنه يضيع قوله: فتبسم، وقوله: فحرك ... إلخ، "فهو ظاهر جدًا في أن المجعول مهرًا هو نفس العتق" لا شيء معه، "والتأويل الأول" أنه أعتقها بشرط أن يتزوجها، "لا بأس به، فإنه لا منافاة بينه وبين القواعد حتى لو كانت القيمةстр. 3290
مجهولة، فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية.
وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر، لكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردي.
وقال آخرون: قوله: "أعتقها وتزوجها" معناه: ثم تزوجها، فلما لم يكن يعلم أساق لها صداقًا، قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم، ولم ينف أصل الصداق، ومن ثم قال أبو الطيب الطبري من الشافعية، وابن المرابط من المالكية ومن تبعهم: إنه قول أنس قاله ظنًا من قبل نفسه ولم يرفعه. ويعارضه ما أخرجه الطبراني وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها قالت: أعتقني النبي ﷺ وجعل عتقي صداقي. وهذا موافق لحديث أنس، وفيه رد على من قال: إن أنسًا قال ذلك بناء على ظنه.
الحواشي
(١) مجهولة، فإن في صحة العقد بالشرط المذكور وجهًا عند الشافعية" وهو المعتمد، وإن أشعر سياقه بضعفه، ويجب مع ذلك مهر المثل، الفساد المسمى، ووجه الخصوصية على هذا التأويل عدم لزوم المهر له، كما مر.
"وقال آخرون: بل جعل نفس العتق المهر" بأن أعتقها، ثم قال: جعلت عتقك صداقك، "ولكنه من خصائصه، وممن جزم بذلك الماوردي" بخلاف غيره، فيجب مهر المثل لفساد الصداق.
"وقال آخرون: قوله: أعتقها وتزوجها، معناه: ثم تزوجها" فالواو بمعنى ثم "فلما لم يكن يعلم" أنس "أساق لها صداقًا" أم لا؟ "قال: أصدقها نفسها، أي: لم يصدقها شيئًا فيما أعلم" فإنما نفى علمه، "ولم ينف أصل الصداق" وهذا من بعيد التأويل الذي لم يقم عليه دليل، "ومن ثم" أي: هنا، أي من أجل ذلك التأويل المذكور.
"قال أبو الطيب الطبري من الشافعية، وابن المرابط" محمد بن خلف الأفريقي "من المالكية، ومن تبعهم: أنه قول أنس، قال ظنًا من قبل نفسه، ولم يرفعه" وهذا لا يليق إذ هو سوء ظن بالصحابي، "ويعارضه ما أخرجه الطبراني، وأبو الشيخ من حديث صفية نفسها، قالت: أعتقني النبي ﷺ ، وجعل عتقي صداقي، وهذا موافق لحديث أنس" والمتبادر منهما أنه لا شيء غيره، "وفيه رد على من قال إن أنسًا قال ذلك بناء على ظنه؛ لأن صفية أدرى بما وقع لها، ولذا قال الحافظ الهيثمي: ما روي عن رزينة أنه أمهرها رزينة، مخالف لما في الصحيح، انتهى، وهي بفتح الراء، وكسر الزاي، وقيل: بالتصغير؛ وروى أبو يعلى: أنه ﷺ لماстр. 3291
ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبي ﷺ دون غيره.
ويحتمل: أنه أعتقها بغير عوض، وتزوجها بغير مهر في الحال، ولا في المآل، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقًا، قال: وهذا كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النووي في "الروضة".
وممن جزم أن ذلك من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقي، وكذا نقله المزني عن الشافعي قال: وموضع الخصوصية، أنه أعتقها مطلقًا وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره، انتهى.
الحواشي
(١) تزوج صفية أمر بشراء خادم لها وهي رزينة، فيحتمل أنه لما أخدمها إياها ظنت أنه جعلها مهرها، وإلا فالمروي عن صفية وأنس أنه جعل عتقها صداقها، بل وعن النبي ﷺ أنه قال: "ما تقولون في هذه الجارية"؟ قالوا: إنك أولى الناس بها وأحقهم، قال: "فإني أعتقتها، واستنكحتها، وجعلت عتقها مهرها" رواه الطبراني بسند جيد.
"ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبي ﷺ دون غيره" فلا يلزمها الوفاء ونفذ العتق، "ويحتمل أنه أعتقها بغير عوض وتزوجها، بغير مهر في الحال ولا في المآل" خصوصية له أيضًا.
"قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا" في نفس الأمر، "قال: وهذا كقولهم الجوع، زاد من لا زاد له" فعد عدم الزاد زادًا لتعذره عليه، وليس بزاد، "وهذا أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه" أي: ابن الصلاح في ترجيح هذا الوجه "النووي في الروضة، وممن جزم أن ذلك من الخصائص يحيى بن أكثم" بالمثلثة، كما ضبطه النووي، وغيره ابن محمد بن قطن التميمي، المروزي أبو محمد القاضي المشهور، فقيه، صديق، روى عنه الترمذي، إلا أنه رمي بسرقة الحديث، قال الحافظ: ولم يقع ذلك له، وإنما كان يرى الرواية بالإجار والوجادة، مات في آخر سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وله ثلاث وثمانون سنة، "فيما أخرجه البيهقي" عنه، "وكذا نقله المزني" إسماعيل الإمام المشهور، "عن" شيخه "الشافعي" الإمام، "قال: وموضع الخصوصية أنه أعتقها مطلقًا" عن قيد اشتراط التزويج، "وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره" فإنما يجوز له ذلك في عتيقته بمهر وشهود، "انتهى.стр. 3292
وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح الذي اختاره المحققون، أنه أعتقها تبرعًا بلا عوض، ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق، والله أعلم. قال شيخ الحفاظ ابن حجر.
واختلف في انحصار طلاقه ﷺ في الثلاث، وعلى الحصر، قيل: تحل له من غير محلل، وقيل لا تحل له أبدًا.
وكان له نكاح المعتدة في أحد الوجهين. قال النووي: الصواب القطع بامتناع نكاح المعتدة من غيره والله أعلم.
وفي وجوب نفقة زوجاته ﵊ وجهان، قال النووي: الصحيح: الوجوب، انتهى.
الحواشي
(١) "وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح الذي اختاره المحققون؛ أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط" أنه ينكحها، "ثم تزوجها برضاها" بيان للواقع "من غير صداق" لا لأن رضاها شرط لأن جائز له بدون رضا المرأة، كما مر، "والله أعلم" بما وقع.
"قال شيخ الحافظ ابن حجر" في الفتح في النكاح: "واختلف في انحصار طلاقه ﷺ في الثلاث" وهو الصحيح، وعدم انحصاره، كما لا ينحصر عدد زوجاته، "وعلى الحصر، قيل: تحل له" بالعقد عليها، فيباح الوطء لا بدونه، لحصول البينونة الكبرى "من غير محلل" قال السيوطي: على الأصح، "وقيل: لا تحل له أبدًا" لعدم إمكان التحليل، لأن من خصائصه حرمة من دخل بها على غيره، لقوله: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الآية، "وكان له نكاح المعتدة في أحد الوجهين" قال في الصلاح: وهو منكر، بل غلط، "قال النووي: الصواب القطع" الجزم "بامتناع نكاح المعتدة من غيره" إذ لا دليل على الخصوصية، "والله أعلم".
"وفي وجوب نفقة زوجاته ﵊ وجهان، قال النووي: الصحيح الوجوب، انتهى" لقوله ﷺ : "لا تقتسم ورثتي دينارًا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عيالي، فهو صدقة"، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، عن أبي هريرة، فإذا كان يجب أن ينفق من ماله على زوجاته بعد وفاته، فكيف لا تجب النفقة لهن حال حياته.
قال الجلال البلقيني: فهذا الخلاف باطل، ووقع الحديث مصحفًا في عبارة، بحذف بعد، فأحوج من لم يقف على غيرها إلى تعسف تصحيحها بقوله، أي: هو نفقة نسائي، لكنстр. 3293
ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم، وبه جزم الاصطخري من الشافعية، والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب.
وفي حل الجمع له بين المرأة وعمتها وخالتها وجهان، لا أختها وبنتها وأمها، قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح في حقه كالتسري في حقنا.
الحواشي
(١) يضيع قوله: فهو صدقة، وبعد ذلك ليس رواية، "ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم" كمالك، "وبه جزم الاصطخري من الشافعية" وصححه الغزالي في الخلاصة، واقتصر عليه في الوجيز.
قال البلقيني والسيوطي: وهو المختار للأدلة الصريحة الصحيحة؛ كحديث الشيخين: كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن تسع نسوة؛ ولقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية، أي: تبعد من تشاء، فلا تقسم لها، وتقرب من تشاء، فتقسم لها على أحد التفاسير، ولأن في وجوبه عليه شغلا عن لوازم الرسالة، "والمشهور عندهم، وعند الأكثرين الوجوب" وتعسفوا الجواب عن هذا الحديث باحتمالات لينة تقدمت، واحتجوا للوجوب بقوله: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، رواه ابن حبان وغيره.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي: روى مسلم وهو أصح، انتهى، ولا دلالة فيه على الوجوب، كما هو ظاهر، إنما هو احتمال، "وفي حل الجمع له بين المرأة وعمتها وخالتها وجهان" مبنيان على أن المتكلم يدخل في الخطاب، ومقتضى البناء ترجيح المنع، وهو الأصح، "لا أختها وبنتها" فلا يحل له الجمع اتفاقًا، وما حكاه الرافعي، وتبعه في الروضة من جوازه له، جزموا بأنه غلط فاحش، لا تحل حكايته إلا لبيان فساده؛ لأن صرح بتحريمها عليه، روى الشيخان، أن أم حبيبة قالت: قلت: يا رسول الله! انكح أختي؟ فقال: "أو تحبين ذلك"؟ فقلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال ﷺ : "إن ذلك لا يحلي لي"، قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، فقال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن"، "وأمها" مستدرك، إذ هو قوله: وبنتها، "قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح في حقه، كالتسري في حقنا" فإن قلنا بحرمة التسري بأمتين، بينهما محرمية، حرم عليه ﷺ جمع امرأتين بينهما ذلك، وإن قلنا بإباحة التسري لنا، كما يقولهстр. 3294
وكان له ﵊ أن يصطفي ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية وغيرها.
وأبيح له القتال بمكة والقتل بها، وجواز دخول مكة من غير إحرام مطلقًا. ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند الستة: دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر وذلك من كونه ﵊ كان مستور الرأس بالمغفر، والمحرم يجب عليه كشف رأسه. ومن تصريح جابر ومالك والزهري بأنه لم يكن محرمًا، انتهى.
وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالا فقال: يحتمل أن يكون لعذر، انتهى.
الحواشي
(١) بعض الحنفية، جاز له ذلك، "وكان له ﵊ أن يصطفي" يختار "ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية" كما اصطفى ريحانة من سبي بني قريظة وصفية من خيبر، قيل: ولذا سميت صفية؛ لأنها من الصفي، وكان اسمها زينب "وغيرها" كما اصطفى سيفه ذا الفقار، ولا يختص الاصطفاء بالمغنم كما اقتضاه كلام جمع، بل يكون من الفيء أيضا؛ كما ذكره الزركشي وغيره تبعًا لابن كج، "وأبيح له القتال بمكة" ساعة من نهار، كما في الصحيح، وهي من طلوع الشمس إلى العصر؛ كما في مسند أحمد، "والقتل بها" انظر ما المراد به، فإن لغيره ﷺ قتل من يستحق القتل بها، قاله شيخنا.
"وجواز دخول مكة من غير إحرام مطلقًا" دخل لحاجة، أم لا؟، والمراد أحل له دخولها بلا خلاف على، أي صفة كان الدخول بخلاف غيره، ففيه خلف بينه بعد "ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند" الأئمة "الستة" كلهم من طريق مالك عن الزهري، عن أنس، قال: "دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر" بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء، وبالراء زرد ينسج من الدروع المتصل بها، يجعل على الرأس، أو رفرف البيضة، أو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة، وفي رواية عن مالك خارج الموطأ مغفر من حديد، رواه الدارقطني، "وذلك" أي: وجه الاستدلال "من كونه ﵊ كان مستور الرأس بالمغفر والمحرم، يجب عليه كشف رأسه، ومن تصريح جابر" عند مسلم" ومالك" عند البخاري وغيره، "والزهري" عند "....."١ "بأنه لم يكن محرمًا" وكذا صرح به طاوس عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، "وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالا، فقال: يحتمل أن يكون لعذر" فلا ينافي أنه محرم، "انتهى".
_________
١ بياض بالأصل.стр. 3295
وتعقبه الشيخ ولي الدين بن العراقي، فقال: هذا يرد تصريح جابر وغيره: قال: وهذا الاستدلال في غير موضع الخلاف المشهور، لأنه ﵊ كان خائفًا من القتال متأهبًا، ومن كان كذلك فله الدخول عندنا بلا إحرام بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه.
وقد استشكل النووي في شرح المهذب ذلك، لأن مذهب الشافعي أن مكة فتحت صلحًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف.
ثم أجاب عنه: بأنه ﵊ صالح أبا سفيان، وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحًا وهو متأهب للقتال إن غدروا. انتهى.
وقد ذكرت ما في فتح مكة من المباحث في قصة فتحها من المقصد الأول.
ثم إن غيره ﷺ إذا لم يكن خائفًا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففي وجوب الإحرام عليه قولان: أصحهما عند أكثرهم: أنه
الحواشي
(١) "وتعقبه الشيخ ولي الدين بن العراقي، فقال: هذا يرد تصريح جابر" بقوله: دخل ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، أخرجه مسلم، وأحمد، وأصحاب السنن "وغيره" كالزهري ومالك بقوله: ولم يكن ﷺ فيما نرى، والله أعلم يومئذ محرمًا، أخرجه البخاري، ورواه الدارقطني جزمًا عنه، فأسقط فيما نرى، والله أعلم.
"قال" ابن العراقي: "وهذا الاستدلال" منهم على الخصوصية "في غير موضع الخلاف المشهور لأنه ﵊ كان خائفًا من القتال متأهبًا له، ومن كان كذلك، فله الدخول عندنا بلا إحرام، بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه" فلا يصح الاستدلال بذلك.
"وقد استشكل النووي في شرح المهذب ذلك" أي: دخوله خائفًا من القتال متأهبًا له؛ "لأن مذهب الشافعي أن مكة فتحت صلحًا، خلافًا لأبي حنيفة" ومالك والأكثرين، "في قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف، ثم أجاب عنه بأنه ﵊ صالح أبا سفيان وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحًا، وهو متأهب للقتال إن غدروا" أي: أهل مكة بالبناء للفاعل، "انتهى" وعلى قول الأكثرين لا يتوجه هذا السؤال أصلا.
"وقد ذكرت ما في فتح مكة من المباحث في قصة فتحها من المقصد الأول" ومنه ترجيح فتحها عنوة من حيث الأدلة، "ثم إن غيره ﷺ إذا لم يكن خائفًا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففي وجوب الإحرام عليه قولان، أصحهما عند أكثرهم أنهследующие страницы →