Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.
стр. 3291
ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبي ﷺ دون غيره.
ويحتمل: أنه أعتقها بغير عوض، وتزوجها بغير مهر في الحال، ولا في المآل، قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق وإن لم يكن صداقًا، قال: وهذا كقولهم الجوع زاد من لا زاد له، قال: وهذا أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه النووي في "الروضة".
وممن جزم أن ذلك من الخصائص يحيى بن أكثم فيما أخرجه البيهقي، وكذا نقله المزني عن الشافعي قال: وموضع الخصوصية، أنه أعتقها مطلقًا وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره، انتهى.
الحواشي
(١) تزوج صفية أمر بشراء خادم لها وهي رزينة، فيحتمل أنه لما أخدمها إياها ظنت أنه جعلها مهرها، وإلا فالمروي عن صفية وأنس أنه جعل عتقها صداقها، بل وعن النبي ﷺ أنه قال: "ما تقولون في هذه الجارية"؟ قالوا: إنك أولى الناس بها وأحقهم، قال: "فإني أعتقتها، واستنكحتها، وجعلت عتقها مهرها" رواه الطبراني بسند جيد.
"ويحتمل أن يكون أعتقها بشرط أن ينكحها من غير مهر، فلزمها الوفاء بذلك، وهذا خاص بالنبي ﷺ دون غيره" فلا يلزمها الوفاء ونفذ العتق، "ويحتمل أنه أعتقها بغير عوض وتزوجها، بغير مهر في الحال ولا في المآل" خصوصية له أيضًا.
"قال ابن الصلاح: معناه أن العتق حل محل الصداق، وإن لم يكن صداقًا" في نفس الأمر، "قال: وهذا كقولهم الجوع، زاد من لا زاد له" فعد عدم الزاد زادًا لتعذره عليه، وليس بزاد، "وهذا أصح الأوجه وأقربها إلى لفظ الحديث، وتبعه" أي: ابن الصلاح في ترجيح هذا الوجه "النووي في الروضة، وممن جزم أن ذلك من الخصائص يحيى بن أكثم" بالمثلثة، كما ضبطه النووي، وغيره ابن محمد بن قطن التميمي، المروزي أبو محمد القاضي المشهور، فقيه، صديق، روى عنه الترمذي، إلا أنه رمي بسرقة الحديث، قال الحافظ: ولم يقع ذلك له، وإنما كان يرى الرواية بالإجار والوجادة، مات في آخر سنة اثنتين وأربعين ومائتين، وله ثلاث وثمانون سنة، "فيما أخرجه البيهقي" عنه، "وكذا نقله المزني" إسماعيل الإمام المشهور، "عن" شيخه "الشافعي" الإمام، "قال: وموضع الخصوصية أنه أعتقها مطلقًا" عن قيد اشتراط التزويج، "وتزوجها بغير مهر ولا شهود، وهذا بخلاف غيره" فإنما يجوز له ذلك في عتيقته بمهر وشهود، "انتهى.стр. 3292
وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح الذي اختاره المحققون، أنه أعتقها تبرعًا بلا عوض، ولا شرط، ثم تزوجها برضاها من غير صداق، والله أعلم. قال شيخ الحفاظ ابن حجر.
واختلف في انحصار طلاقه ﷺ في الثلاث، وعلى الحصر، قيل: تحل له من غير محلل، وقيل لا تحل له أبدًا.
وكان له نكاح المعتدة في أحد الوجهين. قال النووي: الصواب القطع بامتناع نكاح المعتدة من غيره والله أعلم.
وفي وجوب نفقة زوجاته ﵊ وجهان، قال النووي: الصحيح: الوجوب، انتهى.
الحواشي
(١) "وقال النووي في شرح مسلم: الصحيح الذي اختاره المحققون؛ أنه أعتقها تبرعا بلا عوض ولا شرط" أنه ينكحها، "ثم تزوجها برضاها" بيان للواقع "من غير صداق" لا لأن رضاها شرط لأن جائز له بدون رضا المرأة، كما مر، "والله أعلم" بما وقع.
"قال شيخ الحافظ ابن حجر" في الفتح في النكاح: "واختلف في انحصار طلاقه ﷺ في الثلاث" وهو الصحيح، وعدم انحصاره، كما لا ينحصر عدد زوجاته، "وعلى الحصر، قيل: تحل له" بالعقد عليها، فيباح الوطء لا بدونه، لحصول البينونة الكبرى "من غير محلل" قال السيوطي: على الأصح، "وقيل: لا تحل له أبدًا" لعدم إمكان التحليل، لأن من خصائصه حرمة من دخل بها على غيره، لقوله: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الآية، "وكان له نكاح المعتدة في أحد الوجهين" قال في الصلاح: وهو منكر، بل غلط، "قال النووي: الصواب القطع" الجزم "بامتناع نكاح المعتدة من غيره" إذ لا دليل على الخصوصية، "والله أعلم".
"وفي وجوب نفقة زوجاته ﵊ وجهان، قال النووي: الصحيح الوجوب، انتهى" لقوله ﷺ : "لا تقتسم ورثتي دينارًا ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عيالي، فهو صدقة"، رواه البخاري، ومسلم، وأبو داود، عن أبي هريرة، فإذا كان يجب أن ينفق من ماله على زوجاته بعد وفاته، فكيف لا تجب النفقة لهن حال حياته.
قال الجلال البلقيني: فهذا الخلاف باطل، ووقع الحديث مصحفًا في عبارة، بحذف بعد، فأحوج من لم يقف على غيرها إلى تعسف تصحيحها بقوله، أي: هو نفقة نسائي، لكنстр. 3293
ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم، وبه جزم الاصطخري من الشافعية، والمشهور عندهم وعند الأكثرين الوجوب.
وفي حل الجمع له بين المرأة وعمتها وخالتها وجهان، لا أختها وبنتها وأمها، قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح في حقه كالتسري في حقنا.
الحواشي
(١) يضيع قوله: فهو صدقة، وبعد ذلك ليس رواية، "ولا يجب عليه القسم فيما قاله طوائف من أهل العلم" كمالك، "وبه جزم الاصطخري من الشافعية" وصححه الغزالي في الخلاصة، واقتصر عليه في الوجيز.
قال البلقيني والسيوطي: وهو المختار للأدلة الصريحة الصحيحة؛ كحديث الشيخين: كان يدور على نسائه في الساعة الواحدة من الليل والنهار، وهن تسع نسوة؛ ولقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ الآية، أي: تبعد من تشاء، فلا تقسم لها، وتقرب من تشاء، فتقسم لها على أحد التفاسير، ولأن في وجوبه عليه شغلا عن لوازم الرسالة، "والمشهور عندهم، وعند الأكثرين الوجوب" وتعسفوا الجواب عن هذا الحديث باحتمالات لينة تقدمت، واحتجوا للوجوب بقوله: "اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك"، رواه ابن حبان وغيره.
وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقال الترمذي: روى مسلم وهو أصح، انتهى، ولا دلالة فيه على الوجوب، كما هو ظاهر، إنما هو احتمال، "وفي حل الجمع له بين المرأة وعمتها وخالتها وجهان" مبنيان على أن المتكلم يدخل في الخطاب، ومقتضى البناء ترجيح المنع، وهو الأصح، "لا أختها وبنتها" فلا يحل له الجمع اتفاقًا، وما حكاه الرافعي، وتبعه في الروضة من جوازه له، جزموا بأنه غلط فاحش، لا تحل حكايته إلا لبيان فساده؛ لأن صرح بتحريمها عليه، روى الشيخان، أن أم حبيبة قالت: قلت: يا رسول الله! انكح أختي؟ فقال: "أو تحبين ذلك"؟ فقلت: نعم لست لك بمخلية، وأحب من شاركني في خير أختي، فقال ﷺ : "إن ذلك لا يحلي لي"، قلت: فإنا نحدث أنك تريد أن تنكح بنت أبي سلمة، فقال: "إنها لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن"، "وأمها" مستدرك، إذ هو قوله: وبنتها، "قالوا: ومرجع غالب هذه الخصائص إلى أن النكاح في حقه، كالتسري في حقنا" فإن قلنا بحرمة التسري بأمتين، بينهما محرمية، حرم عليه ﷺ جمع امرأتين بينهما ذلك، وإن قلنا بإباحة التسري لنا، كما يقولهстр. 3294
وكان له ﵊ أن يصطفي ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية وغيرها.
وأبيح له القتال بمكة والقتل بها، وجواز دخول مكة من غير إحرام مطلقًا. ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند الستة: دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح وعلى رأسه المغفر وذلك من كونه ﵊ كان مستور الرأس بالمغفر، والمحرم يجب عليه كشف رأسه. ومن تصريح جابر ومالك والزهري بأنه لم يكن محرمًا، انتهى.
وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالا فقال: يحتمل أن يكون لعذر، انتهى.
الحواشي
(١) بعض الحنفية، جاز له ذلك، "وكان له ﵊ أن يصطفي" يختار "ما شاء من المغنم قبل القسمة من جارية" كما اصطفى ريحانة من سبي بني قريظة وصفية من خيبر، قيل: ولذا سميت صفية؛ لأنها من الصفي، وكان اسمها زينب "وغيرها" كما اصطفى سيفه ذا الفقار، ولا يختص الاصطفاء بالمغنم كما اقتضاه كلام جمع، بل يكون من الفيء أيضا؛ كما ذكره الزركشي وغيره تبعًا لابن كج، "وأبيح له القتال بمكة" ساعة من نهار، كما في الصحيح، وهي من طلوع الشمس إلى العصر؛ كما في مسند أحمد، "والقتل بها" انظر ما المراد به، فإن لغيره ﷺ قتل من يستحق القتل بها، قاله شيخنا.
"وجواز دخول مكة من غير إحرام مطلقًا" دخل لحاجة، أم لا؟، والمراد أحل له دخولها بلا خلاف على، أي صفة كان الدخول بخلاف غيره، ففيه خلف بينه بعد "ذكره ابن القاص، واستدلوا له بحديث أنس عند" الأئمة "الستة" كلهم من طريق مالك عن الزهري، عن أنس، قال: "دخل رسول الله ﷺ مكة عام الفتح، وعلى رأسه المغفر" بكسر الميم، وسكون الغين المعجمة، وفتح الفاء، وبالراء زرد ينسج من الدروع المتصل بها، يجعل على الرأس، أو رفرف البيضة، أو ما غطى الرأس من السلاح كالبيضة، وفي رواية عن مالك خارج الموطأ مغفر من حديد، رواه الدارقطني، "وذلك" أي: وجه الاستدلال "من كونه ﵊ كان مستور الرأس بالمغفر والمحرم، يجب عليه كشف رأسه، ومن تصريح جابر" عند مسلم" ومالك" عند البخاري وغيره، "والزهري" عند "....."١ "بأنه لم يكن محرمًا" وكذا صرح به طاوس عند ابن أبي شيبة بإسناد صحيح، "وأبدى ابن دقيق العيد لستر الرأس احتمالا، فقال: يحتمل أن يكون لعذر" فلا ينافي أنه محرم، "انتهى".
_________
١ بياض بالأصل.стр. 3295
وتعقبه الشيخ ولي الدين بن العراقي، فقال: هذا يرد تصريح جابر وغيره: قال: وهذا الاستدلال في غير موضع الخلاف المشهور، لأنه ﵊ كان خائفًا من القتال متأهبًا، ومن كان كذلك فله الدخول عندنا بلا إحرام بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه.
وقد استشكل النووي في شرح المهذب ذلك، لأن مذهب الشافعي أن مكة فتحت صلحًا خلافًا لأبي حنيفة في قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف.
ثم أجاب عنه: بأنه ﵊ صالح أبا سفيان، وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحًا وهو متأهب للقتال إن غدروا. انتهى.
وقد ذكرت ما في فتح مكة من المباحث في قصة فتحها من المقصد الأول.
ثم إن غيره ﷺ إذا لم يكن خائفًا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففي وجوب الإحرام عليه قولان: أصحهما عند أكثرهم: أنه
الحواشي
(١) "وتعقبه الشيخ ولي الدين بن العراقي، فقال: هذا يرد تصريح جابر" بقوله: دخل ﷺ يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء بغير إحرام، أخرجه مسلم، وأحمد، وأصحاب السنن "وغيره" كالزهري ومالك بقوله: ولم يكن ﷺ فيما نرى، والله أعلم يومئذ محرمًا، أخرجه البخاري، ورواه الدارقطني جزمًا عنه، فأسقط فيما نرى، والله أعلم.
"قال" ابن العراقي: "وهذا الاستدلال" منهم على الخصوصية "في غير موضع الخلاف المشهور لأنه ﵊ كان خائفًا من القتال متأهبًا له، ومن كان كذلك، فله الدخول عندنا بلا إحرام، بلا خلاف عندنا، ولا عند أحد نعلمه" فلا يصح الاستدلال بذلك.
"وقد استشكل النووي في شرح المهذب ذلك" أي: دخوله خائفًا من القتال متأهبًا له؛ "لأن مذهب الشافعي أن مكة فتحت صلحًا، خلافًا لأبي حنيفة" ومالك والأكثرين، "في قوله: إنها فتحت عنوة، وحينئذ فلا خوف، ثم أجاب عنه بأنه ﵊ صالح أبا سفيان وكان لا يأمن غدر أهل مكة، فدخلها صلحًا، وهو متأهب للقتال إن غدروا" أي: أهل مكة بالبناء للفاعل، "انتهى" وعلى قول الأكثرين لا يتوجه هذا السؤال أصلا.
"وقد ذكرت ما في فتح مكة من المباحث في قصة فتحها من المقصد الأول" ومنه ترجيح فتحها عنوة من حيث الأدلة، "ثم إن غيره ﷺ إذا لم يكن خائفًا، فقال أصحابنا: إن لم يكن ممن يتكرر دخوله، ففي وجوب الإحرام عليه قولان، أصحهما عند أكثرهم أنهстр. 3296
لا يجب، وقطع به بعضهم، فإن تكرر دخوله كالحطابين ونحوهم ففيه خلاف مرتب وهو أولى بعدم الوجوب وهو المذهب.
وقال بعض الحنابلة بوجوب الإحرام إلا على الخائف وأصحاب الحاجات، وأوجبه المالكية في المشهور عندهم على غير ذوي الحاجات، وأوجبه الحنفية مطلقًا إلا من كان داخل الميقات.
وقد تحرر أن المشهور من مذهب الشافعي: عدم الوجوب مطلقًا. ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب إلا فيما استثنى.
ومن خصائصه ﷺ أنه كان يقضي بعلمه من غير خلاف.
وأن يقضي لنفسه ولولده، وأن يشهد لنفسه ولولده.
ولا تكره له الفتوى ولا القضاء في حال.
الحواشي
(١) لا يجب" إن لم يرد نسكًا، بل يستحب، "وقع به بعضهم، فإن تكرر دخوله كالحطابين ونحوهم، ففيه خلاف مرتب" مفرع على الخلاف المذكور، فإن قلنا: لا يجب على من لم يتكرر، قلنا بعدمه على من تكرر قطعًا، وإن قلنا: يجب به على من لم يتكرر، ففي وجوبه على من تكرر خلاف أصحه لا يجب؛ كما قال: "وهو أولى بعدم الوجوب، وهو المذهب" أي: المعتمد من التعبير بالكل عن الجزء؛ لأنه الأهم عند الفقيه المقلد.
"وقال بعض الحنابلة بوجوب الإحرام إلا على الخائف وأصحاب الحاجات المتكررة، وأوجبه المالكية في المشهور عندهم على غير ذوي الحاجات، وأوجبه الحنفية مطلقًا إلا من كان داخل الميقات، وقد تحرر" من هذا؛ "أن المشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، ومن مذاهب الأئمة الثلاثة الوجوب إلا فيما استثنى" وفي رواية عن كل منهم: لا يجب، وقدم هذا في فتح مكة بنحوه، والله أعلم.
"ومن خصائصه ﷺ أنه كان يقضي بعلمه" لنفسه ولغيره، زاد الأنموذج، ولو في الحديد "من غير خلاف" وفي غيره خلاف أصحه عند الشافعية: إن القاضي المجتهد له الحكم بعلمه إلا في الحدود، بخلاف غير المجتهد والحدود فلا يقضي بعلمه للريبة، والراجح عند المالكية منعه في الحدود وغيرها إلا في التعديل والتجريح، "وأن يقضي لنفسه ولولده" أي: فروعه، لأن المنع في حق غيره للريبة، وهي منتفية عنه قطعًا، "وأن يشهد لنفسه ولولده" لانتفاء الريبة، زاد الأنموذج: وأن يقبل شهادة من شهد له ولولده، "ولا تكره له الفتوى، ولا القضاء في حالстр. 3297
الغضب، كما ذكره النووي في شرح مسلم، وقد قضى للزبير بشراج الحرة بعد أن أغضبه خصم الزبير. لعصمته ﷺ ، فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضى.
الحواشي
(١) الغضب" لأنه لا يخاف عليه من الغضب ما يخاف على غيره إذ غضبه لله لا لحظ نفسه، "كما ذكره النووي في شرح مسلم" عند حديث اللقطة، فإنه ﷺ أفتى فيه وقد غضب حتى احمرت وجنتاه؛ كما في الصحيحين: أن النبي ﷺ سأله رجل عن اللقطة، فقال: "أعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة، ثم استمتع بها، فإن جاء ربها فأدها إليه"، قال: فضالة الإبل؛ فغضب حتى احمرت وجنتاه، فقال: "ما لك ولها، معها سقاؤها وحذاؤها ترد الماء وترعى الشجر، فذرها حتى يلقاها ربها"، قال: فضالة الغنم؟ قال: "لك أو لأخيك أو للذئب".
"وقضى للزبير" بن العوام، أحد العشرة، "بشراج" بكسر الشين المعجمة، آخره جيم، جمع شرج، بفتح، فسكون، بزنة بحر وبحار، ويجمع على شروج، وأضيف إلى "الحرة" بفتح الحاء والراء المشددة المهملتين، موضع معروف بالمدينة لكونه فيه، والمراد؛ مجاري الماء الذي يسيل منها "بعد أن أغضبه خصم الزبير" هو حميد، رواه أبو موسى المديني في الذيل بسند جيد.
قال الحافظ: ولم أرَ تسميته إلا في هذا الطريق، وهو مردود بما في بعض طرق الحديث، أي عند البخاري في الصلح أنه شهد بدرا وليس في البدريين أحد اسمه حميد، وقيل: هو ثابت بن قيس بن شماس، حكاه ابن بشكوال واستبعد، وقيل: حاطب بن أبي بلتعة، حكاه ابن باطيش، ولا يصح، لأن حاطبًا ليس أنصاريًا، وأجيب، بحمله على المعنى اللغوي، أي: من كان ينصر النبي ﷺ لا أنه من الأنصار المشهورين، ورد بأن في رواية الطبراني أنه من بني أمية بن زيد، وهم بطن من الأوس، ودفع باحتمال أن مسكنه كان في بني أمية، لا أنهم منهم، وقد روى ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب في قوله: ﴿فَلا وَرَبِّكَ﴾ الآية، قال: أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصامًا في ماء، فقضى النبي ﷺ ، أن يسقي الأعلى، ثم الأسفل، وهذا مرسل، ولكن فيه فائدة تسمية الأنصاري "لعصمته ﷺ ، فلا يقول في الغضب إلا كما يقول في الرضى" إذ كل من غضبه ورضاه لله، أخرج الأئمة الستة عن عبد الله بن الزبير، قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال النبي ﷺ : "اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك"، فقال الأنصاري: يا رسول الله! إن كان ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله، ثم قال: "اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، ثم أرسل الماء إلى جارك"، واستوعى للزبير حقه، وكان أشار عليهما بأمر لهما فيه سعة، قال الزبير: فما أحسب هذه الآية إلا نزلت في ذلك: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية،стр. 3298
وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة، وليس لنا أن نصلي إلا على نبي أو ملك.
وكان له أن يقتل بعد الأمان، وأن يلعن من شاء بغير سبب: واستبعد ذلك.
وجعل الله تعالى شتمه ولعنه قربة للمشتوم والملعون لدعائه عليه.
الحواشي
(١) وأن بفتح الهمزة للتعليل مقدرة باللام، أي: حكمت له بالتقديم لأجل أنه ابن عمتك، وادعى الكرماني إن في بعضها أن بكسر الهمزة.
قال الحافظ: على أنها شرطية، والجواب محذوف، ولا أعرف هذه الرواية، وحكى القرطبي فتح الهمزة والمد على أنه استفهام إنكاري، ولم يقع لنا في الرواية.
قال المصنف: لكن رأيته في الأصل المقروء، وعلى الميدومي وغيره، وفي الفرع مصحح عليه بالمد والجذر، بفتح الجيم، وسكون المهملة: ما وضع بين شربات النخل، كالجدار أو الحواجز التي تحبس الماء، وقال القرطبي: هو أن يصل الماء إلى أصول النخل، قال: ويروى بكسر الجيم، وهو الجدار، والمراد جدران الشربات، وهي الحفر التي تحفر في أصول النخل، انتهى.
"وكان له أن يدعو لمن شاء بلفظ الصلاة" استقلالا بلا كراهة لحديث الصحيحين وغيرهما، عن عبد الله بن أبي أوفى علقمة ﵄: قال: كان إذا أتاه قوم بصدقتهم، قال: "اللهم صل على آل فلان" فأتاه أبي بصدقته، فقال: "اللهم صل على آل أبي أوفى"، "وليس" أي: يكره تنزيهًا على الأصح "لنا أن نصلي إلا على نبي، أو ملك" استقلالا، لأنه صار شعارًا لهم، إذا ذكروا فلا يقال لغيرهم، وإن كان معناه صحيحًا إلا تبعًا فيجوز، "وكان له أن يقتل بعد الأمان" كذا نقله إمام الحرمين والرافعي، وغيرهما عن ابن القاص، وخطؤه فيه، وتعقبهم ابن الرفعة، بأن لفظه في تلخيصه لا يعطي ذلك، فإنه قال: يجوز له القتل في الحرم بعد إعطاء الأمان، وهذا معناه إذا قال: من دخل الحرم فهو آمن، فدخله شخص، وثم سبب يقتضي قتله أبيح، فهو إشارة لقصة عبد الله بن خطل في الصحيحيين عن أنس أنه ﷺ دخل مكة يوم الفتح وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه" وابن القاص معذور، لأنه رأى حديث الأمان في دخول المسجد، ورأى في هذا الأمر بقتله فاستنبط هذه الخصوصية، وهذا نهاية أمر الفقيه جمعًا بين الأحاديث، لكن النبي ﷺ لما أمن الناس استثنى ابن خطل وغيره، كما سبق في الفتح.
"وأن يلعن من شاء بغير سبب" يقتضيه، "واستبعد ذلك" أي وقوعه منه، "وجعل الله تعالى شتمه" سبه "ولعنه قربة للمشتوم والملعون" تقربه إلى الله يوم القيامة، "لدعائه عليهстр. 3299
السلام بذلك. قاله ابن القاص، وردوه عليه، حكاه الحجازي في مختصر الروضة عن نقل الرافعي.
الحواشي
(١) السلام بذلك" بقوله: "اللهم إني أتخذ عندك عهدًا لن تخلفنيه إنما أنا بشر، فأيما مؤمن أذيته أو شتمته، أو جلدته أو لعنته، فاجعلها صلاة وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة". رواه الشيخان من حديث أبي هريرة واللفظ لمسلم، وفي لفظ له: "اللهم إني بشر، أرضى كما يرضى البشر وأغضب كما يغضب البشر، فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس هو لها بأهل أن تجعلها له طهورًا وزكاة وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة". وفيه روايات آخر متقاربة.
وفي مسلم أيضًا عن عائشة: دخل على النبي ﷺ رجلان، فكلماه بشيء لا أدري ما هو، فأغضباه، فسبهما ولعنهما، فلما خرجا قلت له، فقال: "أو ما علمت ما شارطت عليه ربي، قلت: اللهم إنما أنا بشر فأيما". الحديث، قال في الفتح: قال المازري: إن قيل كيف يدعو بدعوة على من ليس لها بأهل، قيل: المراد ليس بأهل لذلك عند الله في باطن الأمر، لا على ما يظهر مما يقتضيه حاله وجنايته حين دعا عليه، فكأنه يقول: من كان في باطن أمره عندك ممن ترضى عنه، فاجعل دعوتي عليه التي اقتضاها ما ظهر لي من مقتضى حاله حينئذ طهورًا وزكاة، قال: وهذا معنى صحيح لا استحالة فيه؛ لأنه ﷺ متعبد بالظواهر، وحساب الناس في البواطن على الله، انتهى. لكنه مبني على أنه كان يجتهد في الأحكام ويحكم بما أدى إليه اجتهاده.
أما على أنه لا يحكم إلا بالوحي، فلا يتأتى فيه هذا، وأجاب المازري أيضًا بأن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في كلامها بلا نية؛ كقوله لغير واحد، "تربت يمينك" , و "عقري حلقي" , ومثل: "لا كبرت سنك ولا أشبع الله بطنك"، ونحو ذلك مما لا يقصد منه حقيقة الدعاء، فخاف ﷺ أن يصادف شيئًا من ذلك، فسأل الله، ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة، وكفارة، وقربة، وطهورًا، وأجرًا، وهذا إنما يقع منه في النادر الشاذ من الزمان، ولم يكن ﷺ فاحشًا، ولا متفحشًا، ولا لعانًا، ولا منتقمًا لنفسه، وقيل له: ادع على دوس، فقال: "اللهم اهد دوسًا"، وقال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، وأشار عياض إلى ترجيح هذا الجواب.
قال الحافظ: وهو حسن إلا أنه يرد عليه قوله في إحدى الروايات: "أو جلدته"، إذ لا يقع الجلد بلا قصد، وقد ساق الجميع مساقًا واحدًا، إلا أن يحمل على الجلدة الواحدة فيتجه، "قاله ابن القاص وردوه عليه، حكاه الحجازي في مختصر الروضة عن الرافعي" ولعل وجه رده لشمول كلامه لمن دعا عليه بسبب يقتضي الدعاء، وإلا فالحديث كما رأيت مصرح بما قاله.
وفي الشامية: وبأن له تعزير من شاء، أي: باللعن وغيره بغير سبب يقتضيه، ويكون لهстр. 3300
وكان يقطع الأراضي قبل فتحها، لأن الله ملكه الأرض كلها. وأفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم النبي ﷺ وقال: إنه ﷺ كان يقطع أرض الجنة فأرض الدنيا أولى.
الحواشي
(١) رحمة، ذكره ابن القاص، وتبعه الإمام والبيهقي، ولا يلتفت لقول من أنكره، "وكان يقطع الأراضي قبل فتحها" بخلاف غيره من الأئمة، فإنما يقطع بعد فتحها؛ "لأن الله ملكه الأرض كلها"، ولا ينقض شيء مما أقطعه بعده بحال، "و" لذا "أفتى الغزالي بكفر من عارض أولاد تميم الداري فيما أقطعهم النبي ﷺ " من الأرض بالشام، "وقال: إنه ﷺ كان يقطع أرض الجنة" ما شاء منها لمن شاء، "فأرض الدنيا أولى" ونقله عن الغزالي ابن العربي في القانون، وأقره، وأفتى به السبكي أيضًا، روى الشافعي والبيهقي عن طاوس مرسلا عن النبي ﷺ : "عادي الأرض لله ولرسوله، ثم لكم من بعد" قال الرافعي: يقال: للشيء القديم عادي نسبة إلى عاد الأولى، والمراد هنا الأرض غير المملوكة الآن، وإن تقدم ملكها ومضت عليه الأزمان، فلا يختص ذلك بقوم عاد، فالنسبة إليهم للتمثيل لما لم يعلم مالكه، وقوله: "لله ولرسوله" أي: مختص بهما، فهو فيء يتصرف فيه رسول الله ﷺ ، انتهى.стр. 3301
الفصل الرابع: ما اختص به ﷺ من الفضائل والكرامات:
الحواشي
(١) الفصل الرابع: ما اختص به ﷺ من الفضائل والكرامات:
"الفصل الرابع" وفي بعض نسخ: القسم الرابع، "ما"، أي: شيء "اختص به" على الأمة، وإن شاركه الأنبياء في بعضها " ﷺ " وتفسير ما بشيء لا يقتضي حصرًا ولا استيعابًا، ولا يفسر بالذي لأنه يصير معرفة، فيقتضي الحصر، والواقع أنه لم يستوعب جميع ما اختص به "من الفضائل" جمع فضيلة، وهي الفضل والخير، وهو خلاف النقيصة والنقص؛ كما في المصباح، وقضيته إنما لا نقص فيه ولا كمال، يسمى فضيلة وفضلا؛ لأنه خلاف النقص، والظاهر كما قال شيخنا أنه غير مراد، وأن الفضيلة ما فيه مزية لصاحبها على غيره، فما لا كمال فيه، ولا نقص، واسطة بين الفضيلة والنقيصة، انتهى.
وقد قال القرطبي في المفهم: الفضائل جمع فضيلة، وهي الخصال الجميلة التي يحصل لصاحبها بسببها شرف وعلو منزلة، إما عند الحق، وإما عند الخلق، والثاني لا عبرة به إلا إن أوصل إلى الأول، انتهى. "والكرامات" عطف خاص على عام: جمع كرامة أمر خارق للعادة غير مقرون بالتحدي، فيظهر على يد أولياء الله، ودرجة الأنبياء قبل النبوة لا تقصر عن الولاية، فيجوزстр. 3302
منها: أنه أول النبيين خلقًا، كما تقرر في أول هذا الكتاب، وأنه كان نبيًا وآدم بين الروح والجسد، رواه الترمذي من حديث أبي هريرة.
ومنها: أنه أول من أخذ عليه الميثاق كما مر.
ومنها: أنه أول من قال: "بلى" يوم "ألست بربكم" رواه أبو سهل القطان في جزء من أماليه.
ومنها: أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله، رواه البيهقي وغيره.
ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش.
الحواشي
(١) ظهورها على يدهم.
"منها: أنه أول النبيين خلقًا" وآخرهم بعثًا، رواه ابن أبي حاتم وغيره عن أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: "كنت أول" ... إلخ، ورواه هو والديلمي، وأبو نعيم، وغيرهم عن أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: "كنت أول النبيين في الخلق وآخرهم في البعث"؛ "كما تقرر في أول هذا الكتاب" بأدلته وتفسير معناه، "وأنه كان نبيًا وآدم بين الروح والجسد" ظرف زمان، بمعنى أنه محكوم بها ظاهرة بين خلق روح آدم وجسده، حيث نبأه في عالم الأرواح، وأمرها بمعرفة نبوته والإقرار بها، "رواه الترمذي" وقال: حديث حسن "من حديث أبي هريرة" أنهم قالوا: يا رسول الله! متى وجبت لك النبوة؟ قال: "وآدم بين الروح والجسد".
"ومنها: أنه أول من أخذ عليه الميثاق" يوم ألست بربكم؛ "كما مر" أول الكتاب.
"ومنها: أنه أول من قال: بلى" أنت ربنا "يوم ألست بربكم، رواه أبو سهل القطان في جزء من أماليه" عن علي بإسناد ضعيف.
"ومنها: أن آدم وجميع المخلوقات خلقوا لأجله رواه البيهقي وغيره"، كشيخه الحاكم، وصححه عن ابن عباس: "أوحى الله إلى عيسى أن آمن بمحمد وأمر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولولا محمد ما خلقت الجنة والنار" الحديث، وهو لا يقال رأيًا، فحكمه الرفع.
وروى ابن عساكر: "لقد خلقت الدنيا وأهلها، أعرفهم كرامتك ومنزلتك عندي ولولاك ما خلقت الدنيا".
"ومنها: أن الله كتب اسمه الشريف على العرش" لفظ الرواية عن كعب على ساق العرش كما مر في الأسماء، أي: قوائمه.
وروى ابن عدي: "لما عرج بي، رأيت مكتوبًا على ساق العرش لا إله إلا الله محمدстр. 3303
وعلى كل سماء، وعلى الجنان وما فيها. رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار.
ومنها: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين، آدم فمن بعده، أن يؤمنوا به وينصروه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ [آل عمران: ٨١] قال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبيًا من آدم فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك على قومه.
الحواشي
(١) رسول الله أيدته بعلي، "وعلى كل سماء" من السموات السبع، "وعلى الجنان وما فيها" من قصور وغرف، وعلى نحور الحور العين، وورق شجرة طوبى، وسدرة المنتهى، وأطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، "رواه ابن عساكر عن كعب الأحبار" قال: "أنزل الله على آدم عصيًا بعدد الأنبياء والمرسلين، ثم أقبل على ابنه شيث، فقال: أي بني أنت خليفتي من بعدي، فخذها بعمارة التقوى والعروة الوثقى، فكلما ذكرت الله، فاذكر اسم محمد، فإني أيت اسمه مكتوبًا على ساق العرش" الحديث بطوله، قدمه المصنف في الأسماء، وهو من الإسرائيليات، وحكم بعض الحفاظ بوضعه.
وأجاب شيخنا بأن الحكم بوضع جملة ألفاظه، لا يستلزم عدم ثبوت معانيها، إذ يجوز ثبوت معاني بعضها في أحاديث، فنظروا إليها من حيث وجودها في غير حديث كعب، كذا قال، وهو تجويز عقلي لا يلتفت إليه المحدثون، إذ كلامهم إنما هو في الإسناد الذي هو المرقاة وثبوت معنى الموضوع، ولو في القرآن فضلا عن تجويز ثبوته بأحاديث لا يؤيد الموضوع، فينفي عنه الوضع، كما هو مقرر عند أدنى من له إلمام بالفن.
"ومنها: أن الله تعالى أخذ الميثاق على النبيين آدم، فمن بعده" حتى عيسى إن قلنا بالمشهور، أنه ليس بينه وبين المصطفى نبي، أو من بعده أيضًا، كخالد بن سنان "أن يؤمنوا به وينصروه، قال الله تعالى: ﴿وَ﴾ اذكر ﴿إِذْ﴾ حين ﴿أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ عهدهم ﴿لَمَا﴾ بفتح اللام للابتداء، وتوكيد معنى القسم الذي في أخذ الميثاق، وكسرها متعلق بأخذ، وما موصولة على الوجهين، أي: للذي ﴿آتَيْتُكُمْ﴾ إياه، وقرئ: "آتيناكم", ﴿مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ﴾ من الكتاب والحكمة، وهو محمد ﷺ ، ﴿لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ﴾ الآية، جواب القسم وأممهم تبع لهم في ذلك. "قال علي بن أبي طالب" في تفسير هذه الآية فيما رواه ابن جرير: "لم يبعث الله نبيًا من آدم، فمن بعده إلا أخذ عليه العهد في محمد ﷺ لئن بعث، وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه ويأخذ العهد بذلك علىстр. 3304
ومنها: أنه وقع التبشير به في الكتب السالفة كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه لم يقع في نسبه من لدن آدم سفاح. رواه البيهقي والطبراني في الأوسط وأبو نعيم في الدلائل.
ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده رواه الخرائطي -في الهواتف- وغيره.
الحواشي
(١) قومه" الرواية بنصب يأخذ؛ كما أفاده عياض بالعطف على تؤمنن، بتقدير نون التوكيد الخفيفة، كذا وجهها الشمني والمصنف، ورد بأنه حينئذ يكون من جزاء الشرط، فيلزم أن الأخذ من الأمة بعد بعث المصطفى، وليس المقصود، فالعطف على جملة: لئن بعث ... إلخ على أنها في موضع مفرد، والوجه أن التقدير، وأمر أن يأخذ على حد:
وزججن الحواجب والعيونا
وفي البغوي: اختلف في معنى الآية، فقيل: أخذ ميثاق النبيين أن يصدق بعضهم، وأخذ العهد على كل نبي أن يؤمن بمن يأتي بعده، وينصره إن أدركه، وأن يأمر قومه بنصره، فأخذ الميثاق من موسى أن يؤمن بعيسى، ومن عيسى أن يؤمن بمحمد، وقيل: إنما أخذ عليهم الميثاق في محمد ﷺ .
واختلف على هذا، فقيل: الأخذ على النبيين وأممهم، واكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد على المتبوع عهد على التابع، وقيل: المراد أن الله أخذ عهد النبيين، أن يأخذوا الميثاق على أممهم بذلك، انتهى بحروفه، وقد مر بسط ذلك في أول هذا الكتاب.
"ومنها: أنه وقع التبشير به في الكتب السالفة" كالتوراة والإنجيل، ونعته فيها، ونعت أصحابه وخلفائه؛ "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" في النوع الرابع من المقصد السادس.
"ومنها: أنه لم يقع في نسبه من لدن آدم" أي: زمنه؛ لأن لدن وإن كان الأصل أنها ظرف مكان بمعنى عند، لكنها قد تستعمل للزمان، كما هنا، "سفاح" أي: زنا، بكسر السين المهملة من سفح الماء أو الدم أو الدمع إذا انصب؛ لأن الزاني يصب المني في غير حقه لعدم ثبوت النسب والتوارث فيه، ولكونه من الكليات الخمس التي لم تبح في ملة من الملل. قال بعض المحققين: والمراد بالسفاح ما لم يوافق شريعة، "رواه البيهقي والطبراني في الأوسط، وأبو نعيم في الدلائل" بإسناد حسن عن علي مرفوعًا: "خرجت من نكاح ولم أخرج من سفاح من لدن آدم إلى أن ولدني أبي وأمي، ولم يصبني من سفاح الجاهلية شيء".
"ومنها: أنه نكست الأصنام لمولده، رواه الخرائطي في الهواتف وغيره" كابن عساكر، عن عروة، أن نفرًا من قريش منهم ورقة بن نوفل، كانوا في صنم لهم يجتمعون إليه، فدخلوا عليه ليلة، فرأوه مكبوبًا على وجهه، فأخذوه، وردوه إلى حاله، فلم يلبث حتى انقلبстр. 3305
ومنها: أنه ولد مختونًا مقطوع السرة، رواه الطبراني وغيره، وتقدم ما فيه من البحث أول الكتاب.
ومنها: أنه خرج نظيفًا، ما به من قذر، رواه ابن سعد.
ومنها: أنه وقع ساجدًا رافعًا إصبعيه كالمتضرع المبتهل. رواه أبو نعيم من
الحواشي
(١) انقلابًا عنيفًا، فردوه إلى حاله، فانقلب الثالثة، فقالوا: إن هذا لأمر حدث، فكان ذلك ليلة ولد ﷺ ، وشاركه في هذه الخصوصية عيسى ﵊، روى عبد الرزاق عن وهب: لما ولد عيسى أتت الشياطين إبليس، فقالوا: أصبحت الأصنام منكوسة، فقال: هذا حادث حدث، فطاف خافقي الأرض، فلم ير شيئًا، ثم البحار فلم يقف على شيء، ثم طاف أيضًا، فوجد عيسى ﵇ قد ولد، والملائكة قد حفت حوله فرجع إليهم، فقال: إن نبيًا ولد البارحة.
"ومنها: أنه ولد مختونًا" أي: على صورة المختون، إذ الختن القطع، ولا قطع هنا. "مقطوع السرة" الأولى، حذف التاء؛ لأن السر، بالضم ما تقطعه القابلة من سرة الصبي، كما في النهاية وغيرها، إلا أن يكون سمي السرسرة مجاز العلاقة المجاورة، أو فيه حذف، أي: مقطوع منه ما يتصل بالسرة.
"رواه الطبراني وغيره" وفي عده من الخصائص نظر إذ ولد سبعة عشر نبيًا مختونين؛ كما مر نظمًا، وجماعة من هذه الأمة ولدوا مختونين، ولذا قال ابن القيم: ليس هذا من خصائصه، فإن كثير من الناس ولد مختونًا، قال الشامي: حتى في عصرنا أخبر بعضهم أنه ولد مختونًا، انتهى، ويمكن أن الخصوصية مجموع الختن وقطع السرة، وقيل: ختنه جده يوم سابعه، وصنع له مأدبة، وقيل: ختنه جبريل عند حليمة، والأرجح الأول، فقد قال الحاكم: به تواترت الأخبار، وابن الجوزي: لا شك أنه ولد مختونًا.
قال الخيضري: وأدلته مع ضعفها أمثل من أدلة غيره، انتهى، بل له طريق جيدة، صححها الضياء المقدسي وحسنها مغلطاي، وهي ما رواه الطبراني، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن أنس، رفعه: "من كرامتي على ربي أني ولدت مختونًا، ولم ير أحد سوأتي". "وتقدم ما فيه من البحث أول الكتاب" مع فوائد جليلة.
"ومنها: أنه خرج نظيفًا ما به قذر" مما جرت العادة به في المولود عقب ولادته، وهي صفة موضحة للمبالغة في نظافته، إذ القذر ضد النظافة، "رواه ابن سعد" من طريق همام بن يحيى، عن إسحاق بن عبد الله، عن آمنة.
"ومنها: أنه وقع" خرج من بطن أمه "ساجدًا" حقيقة، "رافعًا إصبعيه" أي: سبابتيه إلى السماء، قابضًا بقية أصابعه، "كالمتضرع، المتذلل، المبتهل، رواه أبو نعيم" في خبر طويل "منстр. 3306
حديث ابن عباس. ورأت أمه عند ولادته نورًا خرج منها أضاء له قصور الشام، وكذلك ترى أمهات الأنبياء. رواه أحمد، وكان مهده ﷺ يتحرك بتحريك الملائكة، كما ذكره ابن سبع في الخصائص، وكان القمر يحدثه وهو في مهده، ويميل إليه حيث أشار إليه، رواه ابن طغر بك في "النطق المفهوم" وغيره. وتكلم في المهد، رواه الواقدي وابن سبع.
الحواشي
(١) حديث ابن عباس" عن آمنة بلفظ: فوضعت محمدًا، فنظرت إليه، فإذا هو ساجد قد رفع أصبعيه إلى السماء، كالمتضرع المبتهل، وللطبراني: لما وقع إلى الأرض وقع مقبوضة أصابع يده، مشيرًا بالسبابة، كالمسبح بها، "ورأت أمه" رؤية عين بصرية، لا منامية، كما زعم، "عند ولادته نورًا خرج منها، أضاء له قصور الشام" أي: أضاء النور وانتشر حتى رأت قصور الشام، وأضاءت تلك القصور من ذلك النور، "وكذلك ترى أمهات الأنبياء" نورًا يخرج منهن عند الولادة، وإن لم يكن كالذي رأته آمنة من كل وجه، بحيث أن كل واحدة تضيء منها قصور الشام، هكذا ترجاه شيخنا، "رواه أحمد" والبزار، والطبراني، وصححه ابن حبان، والحاكم من حديث العرباض مرفوعًا، وأحمد أيضًا من حديث أبي أمامة وابن إسحاق عن خالد بن معدان، عن أصحاب رسول الله ﷺ ، وقال: وفيه أضاءت له قصور بصري من أرض الشام، "وكان مهده" أي: ما هيئ له لينام فيه، "يتحرك بتحريك الملائكة" له، قال بعض: ولم ينقل مثله لأحد من الأنبياء؛ "كما ذكره ابن سبع" بإسكان الموحدة، وقد تضم؛ كما في التبصير "في الخصائص" له، "كان القمر يحدثه، وهو في مهده، ويميل إليه حيث" أي: في أي وقت "أشار إليه" بأصبعه، فحيث هنا للزمان، "رواه ابن طغربك" بضم الطاء المهملة، وإسكان الغين المعجمة، وضم الراء، وفتح الموحدة، "في" كتاب "النطق المفهوم وغيره" كالبيهقي، والصابوني، والخطيب، وابن عساكر، عن العباس بن عبد المطلب، قلت: يا رسول الله! دعاني إلى الدخول في دينك إمارة لنبوتك، رأيتك في المهد تناغي القمر، وتشير إليه بأصبعك، فحيث أشرت إليه مال، قال: "إني كنت أحدثه ويحدثني، ويلهيني عن البكاء، وأسمع وجبته حين يسجد تحت العرش"، "وتكلم في المهد، رواه الواقدي" إن أول ما تكلم به لما ولد جلال ربي الرفيع، وروي أنه لما وقع على الأرض رفع رأسه، وقال بلسان فصيح: "لا إله إلا الله، وإني رسول الله"، وعند ابن عائذ: أول ما تكلم به حين خرج من بطن أمه: "الله أكبر كبيرًا، والحمد لله كثيرًا، وسبحان الله بكرة وأصيلا" وطريق الجمع؛ أنه قال ذلك كله، "وابن سبع" لكن عده من الخصائص فيه نظر، إذ ليس من خصائصه، ولا من خصائص الأنبياء، فقد تكلم فيه ابن ماشطة بنت فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، رواه أحمد، والحاكم مرفوعًا: "وابن المرأة منстр. 3307
وظللته الغمامة في الحر، رواه أبو نعيم والبيهقي، ومال إليه فيء الشجرة إذا سبق إليه، رواه البيهقي.
ومنها: شق صدره الشريف. رواه مسلم وغيره.
وغطه جبريل عند ابتداء الوحي ثلاث غلطات. عد هذه بعضهم من خصائصه كما نقله الحافظ ابن حجر، قال: ولم ينقل عن أحد من.
الحواشي
(١) أصحاب الأخدود"، رواه مسلم ومبارك اليمامة، رواه البيهقي، وكذا الطفل الذي مرت عليه أمة تنسب إلى الزنا، فقالت أمه: اللهم لا تجعل ولدي مثلها، فقال: اللهم اجعلني مثلها، فهؤلاء ستة تكلموا في المهد، وليسوا بأنبياء، وللسيوطي نظم شهير في جملة من تكلم، "وظللته الغمامة" السحابة "في الحر، رواه أبو نعيم والبيهقي" عن ابن عباس: كانت حليمة لا تدعه يذهب مكانًا بعيدًا، فغفلت عنه، فخرج مع أخته في الظهيرة، فخرجت حليمة تطلبه حتى تجده مع أخته، قالت: في هذا الحر، قالت: ما وجد أخي حرًا، رأيت غمامة تظل عليه إذا وقف وقفت، وإذا سار سارت، حتى انتهى إلى هذا الموضع ... الحديث، وهذا كان قبل النبوة، فهو من الكرامات.
وفي الصحيح: فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، ولذا قال ابن جماعة: من زعم أن حديث إظلال الغمامة لم يصح، فهو باطل، نعم قال السخاوي وغيره: لم يكن دائمًا لما في حديث الهجرة: أن الشمس أصابته، وظلله أبو بكر بردائه، وثبت أنه كان بالجعرانة ومعه ثوب قد أظل عليه، وإنهم كانوا إذا أتوا على شجرة ظليلة تركوها له ﵊ وغير ذلك، "ومال إليه فيء" ظل "الشجرة إذ سبق إليه" إكرامًا له، "رواه البيهقي" والترمذي، وحسنه، والحاكم، وصححه، وغيرهم عن أبي موسى الأشعري، قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه النبي ﷺ في أشياخ من قريش الحديث، وفيه: أن بحيرا الراهب صنع لهم طعاًا، وأتاهم به، وكان ﷺ في رعية الإبل، فقال بحيرا: أرسلوا إليه، فأقبل وعليه غمامة تظله، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه، فقال: انظرا إلى فيء الشجرة مال عليه.
"ومنها: شق صدره الشريف" أربع مرات ولم تثبت الخامسة، "رواه مسلم وغيره" وتقدم بسطه كجميع ما ذكره المصنف من أول هذا الفصل إلى هنا في المقصد الأول إلا كتابة اسمه على العرش وغيره، ففي المقصد الثاني، "وغطه" بغين معجمة، فطاء مهملة مشددة: ضمه وعصره "جبريل عند ابتداء الوحي ثلاث غطات" ليشغله عن الالتفات لشيء آخر، ولإظهار الشدة والجد في الأمر وأن يأخذ الكتاب بقوة، وقيل غير ذلك، كما مر، "عد هذه بعضهم من خصائصه؛ كما نقله الحافظ ابن حجر، قال: ولم ينقل عن أحد منстр. 3308
الأنبياء أنه جرى له عند ابتداء الوحي.
ومنها: أن الله ذكره في القرآن عضوًا عضوًا، فقلبه بقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] ، وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٤] ، ولسانه بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ [النجم: ٣] ، وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ﴾ [مريم: ٩٧] ، وبصره بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] ، ووجه بقوله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . يده وعنقه بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] ، وظهره وصدره بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ، وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ [الشرح: ١-٣] ، أخرجه البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن زيد قال: كان أبو طالب يقول:
الحواشي
(١) الأنبياء؛ أنه جرى له عند ابتداء الوحي" لا مرة ولا أكثر.
"ومنها: أن الله ذكره في القرآن" أي: ذكر أعضاءه التي أريد الإخبار عنها بصفة تعلقت بها فيها، ثناء عليه، مبينة، "عضوًا عضوًا" وهو بهذا المعنى لا يستلزم ذكره الجميع، فلا يرد أن بقي من أعضائه الفخذان والرجلان وغيرهما، "فقلبه" أي: فذكر قلبه "بقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ الآية، أي: ما رآه بقلبه، أي: ما أنكر قلبه ما رآه، ببصره من صورة جبريل، أو الله تعالى؛ فإن الأمور القدسية تدرك أولا بالقلب، ثم تنتقل منه إلى البصر أو ما قال فؤاده لما رآه لم أعرفك، لأنه عرفه بقلبه، كما رآه ببصره، والمعنى أنه ليس تخييلا، ويدل له أنه ﷺ سئل: هل رأيت ربك؟ فقال: "رأيته بفؤادي"، رواه ابن جرير عن ابن عباس.
"وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ " وفي قراءة بتشديد نزل ونصب الروح، والفاعل الله، "وذكر لسانه بقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ﴾ " بما يأتيكم به ﴿عَنِ الْهَوَى﴾ الآية، هوى نفسه، "وقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاه﴾ " سهلنا القرآن ﴿بِلِسَانِكَ﴾ الآية، لغتك، "وبصره بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ " الآية، أي: ما مال بصره ﷺ عن مرتبة المقصود له ولا جاوزه تلك الليلة، "ووجهه بقوله: ﴿قَدْ﴾ للتحقيق ﴿نَرَى تَقَلُّبَ﴾ تصرف ﴿وَجْهِكَ فِي﴾ جهة ﴿السَّمَاءِ﴾ الآية، متطلعًا إلى الوحي، ومتشوفًا إلى الأمر باستقبال الكعبة، وكان يود ذلك، لأنها قبلة إبراهيم ولأنه أدعى لإسلام العرب، "ويده وعنقه بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ الآية، أي: لا تمسكها عن الإنفاق كل المسك، "وظهره وصدره بقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ بالنبوة وغيرها، ﴿وَوَضَعْنَا﴾ حططنا ﴿عَنْكَ وِزْرَكَ، الَّذِي أَنْقَضَ﴾ أثقل ﴿ظَهْرَكَ﴾ ، الآية، وهذا كقوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ الآية، ويأتيстр. 3309
واشتق اسمًا من اسم المحمود، ويشهد له ما أخرجه البخاري في تاريخه الصغير من طريق علي بن زيد، قال: كان أبو طالب يقول:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وهو مشهور لحسان بن ثابت.
وسمي أحمد، ولم يسم به أحد قبله. رواه مسلم. ولأحمد من حديث عليّ: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد قبلي ... ". وذكر منها: "وسميت أحمد".
ومنها أنه ﷺ كان يبيت جائعًا، ويصبح طاعمًا يطعمه ربه ويسقيه من الجنة، كما سيأتي البحث فيه في صيامه ﷺ من مقصد عباداته.
الحواشي
(١) بيانه إن شاء الله تعالى.
"واشتق اسمًا من اسم المحمود" بالجر بدل والنصب، بتقدير أعني، والرفع بتقدير وهو، وقيل: من اسمه الحميد، ولكن المحمود أتم في الاشتقاق؛ لأن فيه ميمين، كمحمد بخلاف الحميد، "ويشهد له ما أخرجه البخاري في تاريخه الصغير من طريق عليّ بن زيد" بن عبد الله، بن زهير بن عبد الله، بن جدعان القرشي، التيمي، البصري، ضعيف من صغار التابعين، "قال: كان أبو طالب يقول: وشق" بالبناء للفاعل من شق الشيء، جعله قطعتين، أي: اشتق الله تعالى "له من اسمه" بقطع الهمزة للضرورة، اسمًا "ليجله" ليعظمه، "فذو العرش محمود، وهذا محمد" وقدم المصنف هذا الحديث بلفظه في أسمائه ﵇، "وهو مشهور لحسان بن ثابت" الأنصاري، المؤيد بروح القدس، فتوارد حسان مع أبي طالب، أو ضمنه شعره، وبه جزم بعض، "وسمي أحمد" أيس أحمد الحامدين لربه فالأنبياء حمادون وهو أحمدهم أي أكثرهن حمدًا "ولم يسم به أحد من قلبه" منذ خلقت الدنيا، حماية من الله لئلا يدخل، لبس على ضعيف القلب، أو شك في أنه المنعوت بأحمد في الكتب السابقة، هكذا قاله الأكثرون، وبه جزم عياض وغيره، وهو الصواب، والقول بأن الخضر اسمه أحمد مردود رواه، وكذا لم يتسم به أحد في حياته، وأول من سمي به بعده والد الخليل بن أحمد على المشهور؛ كما مر مفصلا.
"رواه مسلم" عن علي مرفوعًا: "أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب، وأعطيت مفاتيح خزائن الأرض، وسميت أحمد، وجعل لي التراب طهورًا، وجعلت أمتي خير الأمم". ولأحمد من حديث علي: "أعطيت أربعًا لم يعطهن أحد قبلي" وذكر منها: "وسميت أحمد" وقدم لفظه أوائل الخصائص.
"ومنها: أنه ﷺ كان يبيت جائعًا، ويصبح طاعمًا، يطعمه ربه ويسقيه من الجنة، فكان يواصل، "كما سيأتي في البحث فيه في صيامه ﷺ من مقصد عبادته" التاسع، "وكانстр. 3310
وكان يرى من خلفه كما يرى أمامه. رواه مسلم.
ويرى في الليل وفي الظلمة كما يرى بالنهار والضوء. رواه البيهقي.
وكان ريقه يعذب الماء الملح، رواه أبو نعيم. ويجزي الرضيع، رواه البيهقي.
ومنها: أنه ﷺ كان إذا مشى في الصخر غاصت قدماه فيه وأثرت فيه، كما هو مشهور قديمًا وحديثًا على الألسنة، ونطق به الشعراء في منظومهم، والبلغاء في منثورهم، مع اعتضاده بوجود أثر قدمي الخليل إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام في حجر المقام المذكور في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ وهو البالغ تعيينه -وأنه أثره- مبلغ التواتر، القائل فيه أبو طالب:
وموطئ إبراهيم في الصخر رطبة ... على قدميه حافيًا غير ناعل
الحواشي
(١) يرى من خلفه، كما يرى من أمامه، رواه مسلم" عن أنس رفعه، وفيه: "أيها الناس إني أمامكم، لا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود، فإني أراكم من أمامي ومن خلفي". "ويرى في الليل وفي الظلمة" بضم، فسكون وبضمتين ذهاب النور، واحترز به عما إذا كان قمر، "كما يرى بالنهار وفي الضوء، رواه البيهقي" في الدلائل عن ابن عباس به، وعنده أيضًا عن عائشة نحوه، وقدم المصنف بسط هذين في بصره من المقصد الثالث، "وكان ريقه يعذب الماء الملح، رواه أبو نعيم" وغيره، عن أنس: بزق في بئر في دار أنس، فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها، "ويجزي" يكفي "الرضيع" عن اللبن، "رواه البيهقي" في الدلائل بلفظ: أنه كان يدعو يوم عاشوراء برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة، فيتفل في أفواههم، ويقول للأمهات: "لا ترضعنهم إلى الليل". فكان ريقه يجزيهم، وقدم هذين في ريقه من المقصد الثالث.
ويقع في بعض النسخ هنا زيادة، وهي: "منها: أنه ﷺ كان إذا مشى في الصخر، غاصت قدماه فيه وأثرت فيه، كما هو مشهور قديمًا وحديثًا على الألسنة، ونطق به الشعراء في منظومهم، والبلغاء في منثورهم" وأنكره الحافظ السيوطي، وقال: لم أقف له على أصل، ولا سند، ولا رأيت من خرجه في شيء من كتب الحديث، وكذا أنكره غيره، وحاول المصنف خلافه، فقال: "مع اعتضاده" تقويته "بوجود أثر قدمي الخليل إبراهيم عليه أفضل الصلاة والسلام في حجر المقام المذكور في التنزيل في قوله تعالى: ﴿فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ﴾ منها ﴿مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ﴾ ، الآية أي: الحجر الذي قام عليه عند بناء البيت، فأثر قدماه فيه، "وهو البالغ تعيينه؛ وأنه أثره" أي: إبراهيم "مبلغ التواتر القائل فيه أبو طالب" في قصيدته اللامية، "وموطئ" بالجر عطفًا على المجرور قبله من قوله: أعوذ برب الناس، أي: محل وطء "إبراهيم في الصخر" الحجر "رطبة" حتى أثر فيه "على قدميه حافيًا غير فاعل" صفة كاشفة، "وبماстр. 3311
وبما في البخاري من حديث أبي هريرة مرفوعًا من معجزة تأثير ضرب موسى في الحجر ستًا أو سبعًا إذ فر بثوبه لما اغتسل. إذ ما خص نبي بشيء من المعجزات والكرامات إلا لنبينا ﷺ مثله، كما نصوا عليه، مع ما يؤيد ذلك: وهو وجود أثر حافر بغلته الشريفة -على ما قيل- في مسجد بطيبة، حتى عرف المسجد بها، فيقال مسجد البغلة، وما ذاك إلا من سره الساري فيها ليكون ذلك أقوى في الآية. وأوضح في الدلالة على إيتائه ﵊ هذه الآية التي أوتيها الخليل في حجر المقام على وجه أعلى منه.
بل قال الزبير بن بكار فيما نقله المجد الشيرازي في المغانم.
الحواشي
(١) في البخاري" ومسلم "من حديث أبي هريرة، مرفوعًا: "من معجزة تأثير ضرب موسى في الحجر" الذي كان يحمله معه في الأسفار، فيتفجر منه الماء "ستًا" من الآثار، "أو سبعًا" بالشك من الراوي، ولعله أوحي إليه أن يضربه، "إذ فر بثوبه لما اغتسل"، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة، ينظر بعضهم إلى بعض، وكان موسى يغتسل وحده، قالوا: والله ما يمنع موسى أن يغتسل، معنا إلا أنه آدر، فذهب مرة يغتسل، فوضع ثوبه على حجر، ففر الحجر بثوبه، فخرج موسى في أثره يقول: ثوبي يا حجر، ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل موسى، فقالوا: والله ما بموسى من بأس، وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربًا". قال أبو هريرة: والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة، رواه الشيخان.
قال الحافظ: فيه معجزة ظاهرة لموسى، وأن الآدمي يغلب عليه طباع البشر؛ لأن موسى مع علمه أن الحجر ما سار بثوبه إلا بأمر الله، عامله معاملة من يعقل حتى ضربه، ويحتمل أنه أراد بيان معجزة أخرى لقومه بتأثير الضرب بالعصا في الحجر، انتهى، وذكر وجه استشهاده به بقوله: "إذ ما خص نبي بشيء من المعجزات والكرامات إلا ولنبينا ﷺ مثله، كما نصوا عليه" لكن المثلية التي للمصطفى إما من جنسها، أو بغيرها أعلى أو مساوٍ؛ كما نصوا عليه، فمثل هذا لا يدفع إنكار وروده، "مع ما يؤيد ذلك، وهو وجود أثر حافر بغلته الشريفة على ما قيل في مسجد بطيبة حتى عرف المسجد بها، فيقال: مسجد البغلة" وهذا لو ثبت لا ينتج الدعوى، إذ لا يلزم من تأثير حافر بغلته، وإن كان إكرامًا له ومعجزوة، إن نفس قدميه يؤثر الذي هو المطلوب، "وما ذاك إلا من سره الساري فيها ليكون ذلك أقوى في الآية، وأوضح في الدلالة على إيتائه ﵊ هذه الآية التي أوتيها الخليل في حجر المقام على وجه أعلى منه" وهذا تصريح منه، بأنه لم يؤت مثله بخصوصه، فلم يثبت المطلوب، "بل قال الزبير بن بكار فيما نقله المجد الشيرازي" صاحب القاموس "في" كتابه "المغانمстр. 3312
المطابة بعد ذكره لأثر البغلة ومسجدها، وفي غربي هذا المسجد أثر كأنه أثر مرفق يذكر أن ﵊ اتكأ ووضع مرفقه الشريف عليه، وعلى حجر آخر أثر الأصابع، والناس يتبركون بهما.
وقال السيد نور الدين السمهودي في كتابه "وفاء الوفا" بعد إيراد ذلك: قلت ولم أقف في ذلك على أصل إلا أن ابن النجار قال في المساجد التي أدركها خرابًا بالمدينة ما لفظه، ومسجدان قرب البقيع، أحدهما يعرف بمسجد الإجابة، والثاني يعرف بمسجد البغلة، فيه إسطوان واحد، وهو خراب، وحوله نشز من الحجارة، فيه أثر يقولون إنه أثر حافر بغلة النبي ﷺ ، انتهى.
وكان إبطه ﷺ لا شعر عليه، قال القرطبي، وكان أبيض غير متغير اللون، كما ذكره الطبري وعده من الخصائص، وذكره بعض الشافعية، لحديث أنس -المتفق عليه- أنه ﷺ كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه.
وقال الشيخ جمال الدين.
الحواشي
(١) المطابة" في فضائل طابة، "بعد ذكره لأثر حافر البغلة ومسجدها، وفي غربي هذا المسجد أثر؛ كأنه أثر مرفق".
"ويذكر أنه ﵊ اتكأ عليه، ووضع مرفقه الشريف عليه، وعلى حجر آخر آثر الأصابع والناس يتبركون بهما" أي: أثر المرفق وأثر الأصابع، "وقال السيد" الشريف "نور الدين" على "السمهودي في كتابه وفاء الوفاء" تاريخ المدينة "بعد إيراد ذلك: ولم أقف في ذلك على أصل إلا أن ابن النجار" الحافظ الشهير، "قال" في تاريخ المدينة "في المساجد التي أدركها خرابًا بالمدينة ما لفظه: ومسجان قرب البقيع، أحدهما يعرف بمسجد الإجابة"؛ كأنه لإجابة الدعاء فيه، "والثاني يعرف بمسجد البغلة فيه أسطوان" عمود "واحد، وهو خراب وحوله نشز" بالزاي: مرتفع "من الحجارة فيه أثر، يقولون: إنه أثر خافر بغلة النبي صلى الله عليه وسل، انتهى" كلام السمهودي، وهذا آخر ما في بعض النسخ، وأكثرها سقوطها، ولعله أولى، "وكان إبطه ﵊ لا شعر عليه، قاله القرطبي".
"وكان أبيض غير متغير اللون" قيد به دفعًا لتوهم أن خلوه من الشعر لمرض منع ظهوره، "كما ذكره الطبري" الحافظ محب الدين المكي، "وعده في الخصائص، وذكره بعض الشافعية" كالأسنوي؛ "لحديث أنس المتفق، عليه" أي: الذي رواه الشيخان؛ "أنه ﷺ كان يرفع يديه في الاستسقاء حتى يرى بياض إبطيه" لفظ الحديث عندهما: كان لا يرفع يديه حتى يرى بياض إبطيه، فاقتصر المصنف على حاجته منه، "وقال الشيخ جمال الدين"стр. 3313
الأسنوي في "المهمات" إن بياض الإبط كان من خواصه ﷺ ، انتهى.
قال في شرح تقريب الأسانيد: وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه نظر، إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، بل لم يرد ذلك في شيء من الكتب المعتمدة، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من ذكر أنس وغيره، بياض إبطيه أن لا يكون له شعر، فإن الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه آثار الشعر، ولذلك ورد في حديث عبد الله بن أقرم الخزاعي، أنه صلى مع رسول الله ﷺ فقال: كنت أنظر إلى عفرة إبطيه إذا سجد، خرجه الترمذي، وحسنه، والنسائي، وابن ماجه. وقد ذكر الهروي في "الغريبين"، وابن الأثير في "النهاية" أن العفرة بياض ليس بالناصع ولكن كلون عفرة الأرض، وهو وجهها، وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر، وإلا فلو كان خاليًا من نبات الشعر جملة لم يكن أعفر.
الحواشي
(١) عبد الرحيم بن الحسن بن علي "الأسنوي" شيخ الشافعية وصاحب التصانيف السائرة، إمام زمانه البارع، توفي سنة سبع وسبعين وسبعمائة، وله أربع وسبعون سنة، "في" كتاب "المهمات: أن بياض الإبط كان من خواصه ﷺ ، انتهى".
"قال في شرح تقريب الأسانيد" الولي العراقي: "وما ادعاه من كون هذا من الخصائص فيه نظر، إذ لم يثبت ذلك بوجه من الوجوه، بل لم يرد ذلك في شيء من الكتب المعتمدة، والخصائص لا تثبت بالاحتمال" القائم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه، وإنما تثبت بالنص الصريح، "ولا يلزم من ذكر أنس وغيره بياض إبطيه؛ أن لا يكون له شعر" لاحتمال أنه كان يديم تعاهده، "فإن الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض، وإن بقي فيه آثار الشعر، ولذلك ورد في حديث عبد الله بن أقرم" بفتح الهمزة والراء، بينهما قاف ساكنة، ثم ميم، ابن زيد "الخزاعي" أبي معبد المدني، صحابي، نقل له حديثان، "أنه صلى مع رسول الله ﷺ ، فقال: كنت أنظر إلى عفرة" بضم المهملة، وسكون الفاء "إبطيه إذا سجد، خرجه الترمذي، وحسنه النسائي، وابن ماجه، وقد ذكر الهروي" بفتح الهاء والراء أحمد بن محمد، أبو عبيد المشهور "في الغريبين" للقرآن والحديث نسبة إلى هراة مدينة بخراسان، وليس هو عليًا أبا الحسن بن إدريس، كما توهم، "وابن الأثير في النهاية، أن العفرة بياض ليس بالناصع" أي: الخالص، "ولكن" هو "كلون عفرة الأرض، وهو وجهها، وهذا يدل على أن آثار الشعر هو الذي جعل المكان أعفر، وإلا فلو كان خاليًا من نبات الشعر جملة لم يكن أعفر" وقد تمنعстр. 3314
نعم الذي يعتقد فيه ﷺ أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفًا طيب الرائحة، كما ثبت في الصحيح.
وكان ﵊ يبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه صوت غيره ولا سمعه.
وكان تنام عينه ولا ينام قلبه. رواه البخاري.
وما تثاءب قط. كما رواه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه من مرسل يزيد ابن الأصم قال: ما تثاءب النبي ﷺ قط، وأرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد
الحواشي
(١) دلالته على ذلك يقول الحافظ: إن شأن المغابن أن يكون لونها في البياض دون لون بقية الجسد، "نعم الذي يعتقد فيه ﷺ " وجوبًا، "أنه لم يكن لإبطه رائحة كريهة، بل كان نظيفًا، طيب الرائحة؛ كما ثبت في الصحيح" عن أنس وغيره، وقد روى البزار عن رجل، قال: ضمني رسول الله ﷺ ، فسال علي من عرق إبطيه مثل رائحة المسك، "وكان ﵊ يبلغ صوته وسمعه ما لا يبلغه صوت غيره ولا سمعه" من الأصوات والأسماع المعتادين، فقد كان يخطب، فتسمعه العواتق في البيوت، ويسمع أطيط السماء؛ كما مر بسط ذلك في شمائله، "وكان تنام عينه ولا ينام قلبه" وكذلك الأنبياء، فهو خصوصية له على الأمم؛ كما مر مبسوطًا، "رواه البخاري" ومسلم، وغيرهما بلفظ: "يا عائشة إن عيني تنامان ولا ينام قلبي"، وأخرجه بلفظ المصنف الحاكم من حديث أنس: "كانت تنام".... إلخ.
وتقدم أيضًا. "وما تثاءب" بالهمز تثاؤبًا، وزان تثاقل تثاقلا، قيل: هي فترة تعتري الشخص، فيفتح عندها فمه وتثاوب بالواو عامي؛ كما في المصباح، وقال غيره: هو التنفس الذي ينفتح منه الفم لدفع البخار المنخفق في عضلات الفك "قط" وكلك الأنبياء، لأن سببه ناشئ عن إبليس، لأنه يدعو إلى الشهوات التي منها الامتلاء من الطعام الذي ينشأ عنه التثاؤب غالبًا، وهم معصومون من ذلك؛ "كما رواه ابن أبي شيبة والبخاري في تاريخه من مرسل يزيد" بباء قبل الزاي، "ابن الأصم" ضد السامع، ونسخة الأعصم بزيادة عين تصحيف من الجهال، واسم الأصم عمرو، وقيل: يزيد بن عمرو بن عبيد العامري، البكائي، بفتح الموحدة، والكاف الثقيلة، ابن أخت ميمونة أم المؤمنين، من الثقات، مات سنة ثلاث ومائة، "قال: ما تثاءب النبي ﷺ قط" وظاهر هذا اختصاصه، لكن في رواية عن يزيد المذكور عند ابن أبي شيبة أيضًا، بلفظ: "ما تثاءب نبي قط"؛ كما قدمه المؤلف في الصوت الشريف وهذا يعم جميع الأنبياء ونحوه قوله هنا: "وأخرج الخطابي من طريق مسلمة بن عبد الملك" بن مروان الأموي، الأمير، مقبول،стр. 3315
الملك، قال: ما تثاءب نبي قط ويؤيده ذلك. أن التثاؤب من الشيطان. رواه البخاري.
وما احتلم قط، وكذلك الأنبياء. ورواه الطبراني. وكان عرقه أطيب من المسك. رواه أبو نعيم وغيره.
وإذا مشى مع الطويل طاله، رواه البيهقي، ولم يقع له ظل على الأرض، ولا رؤي له ظل في شمس ولا قمر.
الحواشي
(١) روى له أبو داود، ولم يلق أحدًا من الصحابة، مات سنة خمس وعشرين ومائة أو بعدها، "قال: ما تثاءب نبي قط" هذا يعم الجميع، فهو من خصائصهم على الأمم.
"ويؤيده ذلك أن التثاؤب من الشيطان" لأنه الحامل على سببه بتزيين الشهوات، "رواه البخاري" ومسلم، عن أبي هريرة مرفوعًا: "التثاؤب من الشيطان، فإذا تثاءب أحدكم فليرده ما استطاع"، "وما احتلم قط" أي: ما رأى من منامه ما يقتضي خروج المني؛ لأنه من الشيطان ولا سبيل له عليك، "وكذلك الأنبياء" هذا هو المراد، إن أطلق الاحتلام لغة على الرؤيا المنامية، لا بهذا القيد، "رواه الطبراني" عن ابن عباس، قال: ما احتلم نبي قط، وإنما الاحتلام من الشيطان؛ كما قدمه في جماعة ﷺ ، "وكان عرقه أطيب من المسك، رواه أبو نعيم وغيره" بلفظ: كان عرقه في وجهه مثل اللؤلؤ، أي: في البياض والصفاء أطيب من المسك الأذفر بالمعجمة، أي: الطيب الريح، ومر بسط هذا في الشمائل.
"وإذا مشى مع الطويل طاله" أي:" زاد عليه في الطول، مع أنه ربعة إكرامًا من الله حتى لا يزيد عليه أحد صورة، كما لا يزيد معنى، فمثل ارتفاعه في عين الناظر يراه رفعة حسية، وهذا من المعجزات.
رواه البيهقي" وغيره عن عائشة، قالت: لم يكن بالطويل البائن، ولا بالقصير المتردد وكان ينسب إلى الربعة إذا مشي وحده، ولم يكن على حال يماشيه أحد من الناس ينسب إلى الطول الإطالة، ولربما اكتنفه الرجلان الطويلان فيطولهما، فإذا فارقاه ينسب إلى الربعة.
وروى عبد الله بن أحم عن علي: كان ﷺ ليس بالذاهب طولا وفوق الربعة، إذا جامع القوم غمرهم، بفتح المعجمة والميم، أي: زاد عليهم في الطول من غمر الماء إذا علا، ولذا زاد رزين وابن سبع: أنه كان إذا جلس يكون كتفه أعلى من جميع الجالسين، وتوقف بعض فيه؛ بأنه لم يره إلا في كلام رزين، وكلام الناقلين عنه تقصير، فإنه المجامعة شاملة للجلوس والمشي.
"ولم يقع له ظل على الأرض، ولا رؤي له ظل في شمس ولا قمر" رواه الحكيم الترمذي مرسلا، قال ابن سبع: لأنه كان نورًا كله، وقال رزين: لغلبة أنواره، قيل: وحكمته صيانتهстр. 3316
ويشهد له أنه ﷺ لما سأل الله تعالى أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورًا، ختم بقوله: واجعلني نورًا.
وكان ﷺ لا يقع على ثيابه ذباب قط. نقله الفخر الرازي، ولا يمتص دمه البعوض، كذا نقله الحجازي وغيره، وما آذاه القمل، قاله ابن سبع في "الشفاء" والسبتي في "أعظم الموارد".
ومنها: انقطاع الكهنة عند مبعثه، وحراسة السماء من استراق السمع.
الحواشي
(١) عن أن يطأ كافر ظله، وإطلاق الظل على القمر مجاز؛ لأنه إنما يقال ظلمة القمر ونوره، وروى ابن المبارك وابن الجوزي عن ابن عباس: لم يكن للنبي ﷺ ظل، ولم يقم مع الشمس قط إلا غلب ضوءه ضوء الشمس، ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوءه ضوء السراج، وتقدم هذا كله في مشيه ﷺ . ويشهد له أنه ﷺ لما سأل الله تعالى أن يجعل في جميع أعضائه وجهاته نورًا، ختم بقوله: "واجعلني نورًا" أي: النور لا ظل له، وبه يتم الاستشهاد، "وكان ﷺ لا يقع على ثيابه ذباب قط، نقله الفخر الرازي" عن بعضهم، "ولا يمتص دمه البعوض؛ كذا نقله الحجازي وغيره" ونوزع بعدم ثبوته، "وما أذاه القمل" لعدم وجوده فيه، "قاله" أبو ربيع سليمان "بن سبع" بإسكان الموحدة، وقد تضم السبتي "في" كتاب "الشفاء" أي: شفاء الصدور في إعلام نبوة الرسول وخصائصه، ولفظه: لم يكن فيه قمل، لأنه نور، ولأن أصله من العفونة، ولا عفونة فيه، وأكثره من العرق، وعرقه طيب.
"والسبتي" بفتح، فسكون، نسبة إلى سبتة بالمغرب، وجزم الرشاطي؛ بأن سبتة، بالفتح، والذي ينسب إليها السبتي، بالكسر "في" كتابه "أعظم الموارد" وأطيب الموالد، وقدم المصنف في اللباس، أنه يشكل عليه حديث عائشة: كان يفلي ثوبه، ومن لازمه وجود شيء يؤذيه قمل أو برغوث أو نحو ذلك، ويجاب بأن التفلي لاستقذار ما علق بثوبه من غيره، وإن لم يؤذه، وفيه: إن أذاه غذاؤه من البدن، وإذا امتنع الغذاء لم يعش الحيوان غالبًا، انتهى ملخصًا، ومر أن شيخنا دفع بحثه، بأن التفلية لإزالة القذر الحاصل من غيره، لا القمل ونحوه، ولا يلزم أنه حيوان، وبتقديره حيوانًا يجوز أنه فلاه قبل مضي مدة، لا يصبر فيها على عدم الغذاء.
"ومنها: انقطاع الكهنة" بمعنى الكهانة تجوز العلامة التعلق بينهما: فأطلق اسم المتعلق، وأراد به المتعلق، فهو مجاز لغوي، أو هو من مجاز النقص، أي: إخبار الكهنة؛ إذ نفس الكهنة لم ينقطعوا: جمع كاهن، وهو المخبر ببعض المغيبات كتابيًا أو غيره، "عند مبعثه" أي عقبه "وحراسة السماء من استراق السمع" أي: استراق الشياطين لاستماع ما تقوله الملائكةстр. 3317
والرمي بالشهب، قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها، فيلقون على الكهنة، فلما ولد عيسى ﵇ منعوا من ثلاث سموات، فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السموات كلها.
الحواشي
(١) فيخبرون به غيرهم، "والرمي" بالجر بباء مقدرة، أي: وحراسة السماء بالرمي "بالشهب"، أي: رمي الملائكة للشياطين عند استراق السمع، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ الآية، قيل: الأولى تأخير عند مبعثه عن هذا ليتعلق بالثلاثة، وجوابه أنهما عطف علة على معلول والعلة تقارن معلولها، في الزمان، فيفيد أن الثلاثة عند مبعثه، فلا فرق بين تقديمها وتأخيرها، ثم المتبادر من المصنف؛ أنه لم يتخلل زمن بين المبعث والرمي بالشهب، وذكر ابن الجوزي؛ أن قريشًا وبني لهب، بكسر اللام رأت الرمي بالنجوم بعد المبعث بعشرين يومًا، فاجتمعوا إلى كاهن اسمه حظر، أتت عليه مائتان وثمانون سنة، فذكر الخبر مطولا جدًا، وفي آخره أنه من أجل مبعوث عظيم الشأن، يبعث بالتنزيل والقرآن، من نجل هاشم الأكارم، يبعث بالملاحم، وقتل كل ظالم، هذا هو البيان، أخبرني به رئيس الجان أغمي عليه، فما أفاق إلا بعد ثالثة، فقال: لا إله إلا الله، فقال ﷺ : "لقد نطق عن مثل نبوة، وإنه يبعث يوم القيامة أمة وحده"، وفي سيرة ابن إسحاق: لما تقارب أمره ﷺ ، وحضر مبعثه، حجبت الشياطين عن السمع، وحيل بينها وبين المقاعد التي كانت تسترق فيها، فرموا بالنجوم، فعرف الجن أنه أمر حدث فأول من فزع من ذلك ثقيف، فأتوا عمرو بن أمية بن علاج، وكان أدهى العرب، وأفكرها رأيًا، فقال: إن كانت هي النجوم التي يهتدى بها في البر والبحر، ويعرف بها الأنواء، فهو طي الدنيا وهلاك الخلق، وإن كانت غيرها، وهي ثابتة على حالها، فهو لأمر أراد الله به هذا الخلق.
"قال ابن عباس: كانت الشياطين لا يحجبون عن السماوات، وكانوا يدخلونها ويأتون بأخبارها فيلقون على الكهنة" وفي تفسير ابن عطية: روي في الرمي بالشهب أحاديث صحاح، مضمونها أن الشياطين كانت تصعد إلى السماء، فتقعد لتسمع واحدًا فوق واحد، فيتقدم الأجسر نحو السماء، ثم الذي يليه ثم الذي يليه، فيقضي الله بأمر من أمر الأرض، فيتحدث به أهل السماء، فيسمعه، منهم الشيطان الأدنى، فيلقيه إلى الذي تحته فربما، أحرقه شهاب، وقد ألقى الكلام، وربما لم يحرقه جملة، فتنزل تلك الكلمة إلى الكهان، فيكذبون معها مائة كذبة، فتصدق تلك الكلمة، فيصدق الجاهلون الجميع، "فلما ولد عيسى ﵇ منعوا من ثلاث" كأن حكمة تخصيصه دون باقي الأنبياء على ظاهره تعظيم المصطفى لقرب زمنه؛ كما قال: "أنا أولى الناس بعيسى ليس بيني وبينه نبي"، "فلما ولد محمد ﷺ منعوا من السماوات كلها" وما وقع عند الزبير بن بكار، أن إبليس كان يخترق السماوات ويصل إلى أربع، فلما ولد المصطفى،стр. 3318
فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار، فلا يخطئ أبدًا، فمنهم من يقتله، ومنهم من يحرق وجهه، ومنهم من يخبله فيصير غولا يضل الناس في البراري، وهذا لم يكن ظاهرًا قبل مبعث النبي ﷺ ، ولم يذكره أحد قبل زمانه، وإنما ظهر في بدئ أمره، وكان ذلك أساسًا لنبوته.
الحواشي
(١) حجب من السبع، محمول على ما بعد ولادة عيسى، بدليل تفصيل ابن عباس المذكور، "فما منهم أحد يريد استراق السمع إلا رمي بشهاب، وهو الشعلة من النار" التي تشبه النجم المنقض، وبهذا جزم البيضاوي، ويأتي أنهم كانوا يرمون بنفس النجوم، "فلا يخطئ أبدًا" من حيث الإصابة، وإن كان قد يتخلف الإحراق، كما بينه بقوله: "فمنهم من يقتله" فيموت حريقًا، "ومنهم من يحرق وجهه" ولا يموت، "ومنهم من يخبله" بضم التحتية، وفتح الخاء المعجمة، وشد الباء أبلغ من فتح الياء، وسكون الخاء، وكسر الباء، أي: يفسد عقله أو عضوه، "فيصير غولا" أي: شيطانًا "يضل الناس في البراري" وفي الحديث: "إذا تغولت لكم الغيلان، فنادوا بالأذان".
وفي البغوي: فاتبعه شهاب ثاقب، كوكب مضيء لا يخطئه فيقتله أو يحرقه أو يخبله، وإنما يعودون إلى استراق السمع، مع علمهم أنهم لا يصلون إليه طمعًا في السلامة، ونيل المراد، كراكب البحر، قال عطاء: سمي النجم الذي يرمى به ثاقبًا؛ لأنه يثقبهم.
وفي البيضاوي: والشهاب ما يرمى به؛ كأنه كوكب انقض، وما قيل أنه بخار يصعد إلى الجو فيشتغل، فتخمين إن صح لم يناف ذلك، إذ ليس فيه ما يدل على أنه ينقض من الفلك، ولا ينافي قوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ الآية، فإن كل نير يحصل في الجو العالي، فهو مصباح لأهل الأرض، وزينة للسماء من حيث إنه يرى كأنه على سطحه، ولا يبعد أن يصير الحادث بما ذكر في بعض الأوقات رجمًا للشياطين، يتصعد إلى قرب الفلك للسمع، وما روي أن ذلكم حدث بميلاد النبي ﷺ إن صح، فلعل المراد كثرة وقوعه أو مصيره دحورًا، واختلف في أن المرجوم يتأذى به فيرجع أو يحرق به، لكن قد يصيب الصاعد مرة وقد لا يصيب كالموج لراكب السفينة ولذلك لا يرتدعون عنه رأسًا، ولا يقال: إن الشيطان من النار لا يحترق لأنه ليس من النار الصرف، كما أن الإنسان ليس من التراب الخالص، مع أن النار القوية إذا استولت على الضعيفة استهلكتها، انتهى، ولعل قوله: قد يصيب وقد لا، معناه: قد يحترق وقد لا، فلا خلف، "وهذا" أي: الرمي بالشهب "لم يكن ظاهرًا قبل مبعث النبي ﷺ ، ولم يذكره أحد قبل زمانه، وإنما ظهر في بدء أمره، وكان ذلك أساسًا لنبوته" وفيه إفادة أنه كان موجودًا، لكنه قليل بالنسبة لزمنه، فلا يخالف قوله: "وقال معمر" بنстр. 3319
وقال معمر قلت للزهري: أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال: نعم.
قلت: أفرأيت قوله: يقال ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] الآية، قال: غلظت وشدد أمرها حين بعث محمد ﷺ .
وقال ابن قتيبة: إن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة بعد مبعثه، وقيل: إن النجم كان ينقض ويرمي الشياطين ثم يعود إلى مكانه. ذكره البغوي.
ومنها أنه أتي بالبراق.
الحواشي
(١) راشد: "قلت للزهري" محمد بن مسلم بن شهاب: "أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ " أي: ما قبل البعثة، "قال: نعم، قلت: أفرأيت قوله تعالى: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ [الجن: ٩] الآية، فإن ظاهرها؛ أنه لم يكن يرمي بها في الجاهلية، "قال: غلظت، وشدد أمرها حين بعث محمد ﷺ " وقد روى ابن إسحاق، عن ابن عباس، عن نفر من الأنصار: أن النبي ﷺ ، قال لهم: "ما كنتم تقولون في هذا الذي يرمي به"؟، قالوا: يا نبي الله! كنا نقول مات ملك ملك ملك، ولد مولود مات، فقال ﷺ : "ليس ذلك، ولكن الله ﵎ كان إذا قضى في خلقه أمرًا، سمعه حملة العرش، فسبحوا، فسبح من تحتهم لتسبيحهم، فسبح من تحت ذلك، ولا يزال التسبيح يبسط حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيسبحوا، ثم يقول بعضهم لبعض: ممن سبحتم؟، فيقولون: سبح من فوقنا، فسبحنا بتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبحوا، فيقولون مثل ذلك حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيقال لهم: مم سبحتم؟ فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكا للأمر الذي كان، فيهبط الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السماء الدنيا، فيتحدثوا به، فيسترقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثونهم فيخطئون ويصيبون فيتحدث به الكهان فيصيبون بعضًا، ويخطئون بعضًا، ثم إن الله حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقضت الكهانة اليوم فلا كهانة".
"وقال ابن قتيبة: "إن الرجم كان قبل مبعثه، ولكن لم يكن في شدة الحراسة" كالشدة الكائنة "بعد مبعثه، وقيل: إن النجم كان ينقض ويرمي الشياطين، ثم يعود إلى مكانه" من السماء "ذكره البغوي" في تفسيره، وقضية هذا كله منعهم من الاستراق رأسًا؛ لكن قال السهيلي: إنه بقي من استراق السمع بقايا يسيرة، بدليل وجودهم على الندور في بعض الأزمنة وبعض البلاد، انتهى.
"ومنها: أنه أتي بالبراق" بضم الموحدة، وخفة الراء: دابة فوق الحمار ودون البغل منстр. 3320
ليلة الإسراء مسرجًا ملجمًا، وقيل وكانت الأنبياء إنما تركبه عريانًا.
ومنها أنه أسري به ﷺ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى وعرج به من المحل الأعلى، وأراه من آياته الكبرى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ البصر وما طغى، وأحضر الأنبياء له وصلى بهم وبالملائكة إمامًا. وأطلعه على الجنة والنار. وعزيت هذه للبيهقي.
ومنها: أنه رأى الله تعالى بعينيه، كما يأتي في مقصد الإسراء إن شاء الله تعالى، وجمع الله له بين الكلام والرؤية، وكلمة الله تعالى في الرفيع الأعلى، وكلم موسى بالجبل.
الحواشي
(١) البرق لسرعة سيره؛ لأنه يضع حافره عند منتهى طرفه، أو لشدة صفائه، لأنه أبيض، أو لأنه ذو لونين بياض وسواد، "ليلة الإسراء مسرجًا ملجمًا، قيل: وكانت الأنبياء إنما تركبه عريانًا" فيه تجوز؛ لأنه إنما يقال في الآدمي وفي غيره عرى، بضم فسكون.
"ومنها: أنه أسرى به ﷺ من المسجد الحرام" راكبًا على البراق، وحوله جبريل وغيره "إلى المسجد الأقصى" فربط البراق بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخل المسجد وصلى فيه ركعتين، "وعرج به من المحل الأعلى" الأقرب علوًا من الأرض إلى السماء، "وأراه من آياته الكبرى، وحفظه في المعراج حتى ما زاغ" مال "البصر وما طغى" ما تجاوز إلى رؤية ما لم يرد منه، بل جمع همته في توجهه إلى الحق بكليته، فما التفت إلى ما سواه، "وأحضر الأنبياء، له وصلى بهم وبالملائكة" في بيت المقدس، وفي السماوات "إمامًا" ليعلم أنه إمام الكل في الدنيا، والأخرى، "وأطلعه على الجنة والنار" يقظة ليلة الإسراء ليحصل على الإنس بأهوال يوم القيامة، وليتفرع فيه للشفاعة، ويقول: "أنا لها أنا لها وأمتي أمتي" حيث يقول غيره: نفسي نفسي، "وعزيت هذه" أي: اطلاعه عليهما "للبيهقي" ولفظ لأنموذج: عد هذه البيهقي، أي: من خصائصه.
"ومنها: أنه رأى الله تعالى بعينيه" يقظة على الراجح؛ "كما يأتي في مقصد الإسراء إن شاء الله تعالى، وجمع له بين الكلام والرؤية، وكلمه الله تعالى في الرفيع" بالفاء، أي: المكان "الأعلى" على سائر الأمكنة تشريفًا، له، لا لأنه تعالى في مكان يوصف بقرب أو بعد، "وكلم موسى بالجبل"، وذاك أشرف منه للفرق بين من رفعه الملك إلى محل شريف ليخاطبه فيه، وبين من خاطبه في محل يساويه فيه غيره، وقد روى ابن عساكر في حديث المعراج مرفوعًا: "هبط جبريل، فقال: إن ربك يقول: لقد وطئت في السماء موطئًا لم يطأه أحد قبلك ولا يطؤه أحد بعدك".стр. 3321
ومنها أن الملائكة تسير معه حيث سار يمشون خلف ظهره وقاتلت الملائكة معه -كما مر- في غزوة بدر وحنين.
ومنها: أنه يجب علينا أن نصلي ونسلم عليه، لآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] .
الحواشي
(١) وعنده أيضًا عن أنس مرفوعًا: "لما أسري بي قربني ربي حتى كان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى" وما أجمع قول الأنموذج، وبالإسراء وما تضمنه من اختراق السماوات السبع، والعلو إلى قاب قوسين، ووطئه مكانًا ما وطئه نبي مرسل، ولا ملك مقرب، وإحياء الإنبياء له، وصلاته إمامًا بهم وبالملائكة، وإطلاعه على الجنة والنار، عد هذه البيهقي، ورؤيته آيات ربه الكبرى، وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى، ورؤيته للباري تعالى مرتين، وبركوب البراق في أحد القولين، انتهى.
"ومنها: أن الملائكة تسير معه حيث سار، يمشون خلف ظهره" قال أبو نعيم: ليكونوا حرسًا له من أعدائه، ولا ينافيه: والله يعصمك من الناس؛ لأن هذا إن كان قبل نزول الآية، فطاهر، وإلا فمن عصمة الله له أن يوكل به جنده من الملأ الأعلى تشريفًا له، وقد روى ابن سعد عن جابر: خرج ﷺ ، وقال لأصحابه: "امشوا أمامي وخلوا ظهري للملائكة" أي: فرغوه لهم ليمشوا خلفي، وهذا كالتعليل لومر بالمشي للملائكة، وقيل: إنما كان يمشي خلف أصحاه، ليختبر حالهم، وينظر إليهم حال تصرفهم في معاشهم، ويربي من يحتاج إلى التربية، وهذا شأن الراعي مع الرعية.
قال النووي: وإنما تقدمهم في قصة جابر: لأن دعاهم إليه فجاؤوا تبعًا، كصاحب الطعام إذا دعا طائفة يمشي أمامهم، وقدمت هذا في مشيه، "وقاتلت الملائكة معه" ولم يكونوا مع غيره إلا مددًا، "كما مر في غزوة بدر" قتالهم عن جميع الجيش، "وحنين" على ما جزم به ابن القيم، نقله عنه المصنف في غزوتها عملا بظواهر أحاديث مرت، والجمهور على أنها لم تقاتل يوم حنين؛ كما قدمه المصنف في بدر، لأن الله قال: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية، ولا دلالة فيه على قتال، نعم في الصحيحين: أن ملكين قاتلا عن النبي ﷺ يوم أحد كأشد القتال، والمعروف من قتال الملائكة، كما قال ابن كثير: إنما هو يوم بدر، وكانوا فيما عداها عددًا ومددًا، ولا يرد هذا الحديث، لأنه عن المصطفى خاصة، لا عن عموم الجيش كبدر.
"ومنها: أنه يجب علينا أن نصلي ونسلم عليه" في الجملة اتفاقًا، فمرة في العمر عند المالكية، وفي التشهد الأخير عند الشافعية، وكلما ذكر عند جمع من المذاهب الأربع؛ "الآية" ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾стр. 3322
ولم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم.
ومنها: أنه أوتي الكتاب العزيز، وهو أمي لا يقرأ ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة.
ومنها: حفظ كتابه هذا من التبديل والتحريف.
الحواشي
(١) الآية، "ولم ينقل أن الأمم المتقدمة كان يجب عليهم أن يصلوا على أنبيائهم" قال في الأنموذج: ومن خواصه أنه ليس في القرآن، ولا غيره صلاة من الله على غيره، فهي خصيصية اختصه الله بها دون سائر الأنبياء.
"ومنها: أنه أوتي الكتاب العزيز" الغالب على كل كتاب بمعانيه وإعجازه، ونسخة أحكامها أو الذي لا نظير له، أو الممتنع مضاهاته لإعجازه أو من التغيير والتحريف لحفظ الله له، "وهو أمي، لا يقرأ، ولا يكتب، ولا اشتغل بمدارسة" ومن يقرأ ويكتب لتكون الحجة أثبت والشبهة أدحض، وهذا أعلى درجات الفضل له حيث كان كذلك، وأتى بالعلوم الجمة، والحكم المتوافرة، وأخبار القرون الماضية بلا تعلم خط ولا استفادة من كتاب بخلاف غيره؛ كما قدم المصنف بسط ذلك.
وروى ابن أبي حاتم عن عبادة رفعه: "أن جبريل أتاني، فقال: اخرج فحدث بنعمة الله التي أنعم الله عليك" الحديث، وفيه: "لقنني كلامه وأنا أمي"، وفي رواية: "وأتاني كتابه وأنا أمي".
"ومنها: حفظ كتابه هذا من التبديل والتحريف" على ممر الدهور، بخلاف غيره من الكتب؛ فإن بعضها بدل، وحرف للبيهقي عن الحسن في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية، ﴿عَلَى مُكْثٍ﴾ ، قال حفظه الله: فلا يزيد أحد فيه باطلا، ولا ينقص منه حقًا، وكأنه أخذ هذا التفسير من لازم الآية، وللبيهقي أيضًا عن يحيى بن أكثم دخل يهودي على المأمون، فأحسن الكلام، فدعاه إلى الإسلام، فأبى، ثم بعد سنة جاء مسلمًا، فتكلم على الفقه، فأحسن الكلام، فسأله المأمون ما سبب إسلامه، قال: انصرفت من عندك، فامتحنت هذه الأديان فعمدت إلى التوراة، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها البيعة، فاشتريت مني، وعمدت إلى القرآن، فكتبت ثلاث نسخ، فزدت فيها ونقصت، وأدخلتها الوراقين، فتصفحوها، فوجدوا فيها الزيادة والنقصان، فرموا بها فلم يشتروها، فعلمت أن هذا الكتاب محفوظ، فكان هذا سبب إسلامي.
قال يحيى: فحججت تلك السنة، فلقيت سفيان بن عيينة، فذكرت له هذا، فقال: مصداقه في الكتاب، قلت: في أي موضع؟، قال: في قوله في التوراة والإنجيل: بما استحفظوا من كتابстр. 3323
حتى سعى كثير من الملحدة والمعطلة، سيما القرامطة في تغييره وتبديل محكمه، فما قدروا على إطفاء.
الحواشي
(١) الله، فجعل حفظه إليهم، وقال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الآية، فحفظه الله تعالى فلم يضع، "حتى سعى كثير من الملحدة" من الإلحاد، وهو الميل، سموا بذلك لعدولهم عن ظواهر الشريعة وتأويلها بأمور سخيفة، ويسمون باطنية، وهم الإسماعيلية المنسوبون إلى إمامة إسماعيل بن جعفر الصادق، وغرضهم إبطال الشرع؛ لأنهم في الأصل يهود ومجوس، "والمعطلة" الذين نفوا الصانع، وتستروا بزي الإسلام خوفًا من القتل، وسعوا في نقض الدين وتزيين ما يروج على بعض العقول القاصرة، "سيما القرامطة" طائفة من الملحدين.
قال السمعاني في الأنساب: القرمطي، بكسر القاف، وسكون الراء، وكسر الميم والمهملة، نسبة إلى طائفة خبيثة من أهل هجر ولحيان، وأصلهم رجل من سواد الكوفة، يقال له: قرمط، وقيل: حمدان بن قرمط، وسبب ظهورهم؛ أن جماعة من أولاد بهرام جور ذكروا آباءهم وجددوهم وما كانوا فيه من العز والملك وزوال ذلك بالإسلام، فاتفقوا على رفعه، وقالوا: نفرقهم ونفسد الرعايا عليهم، فقسموا الدنيا أربعة أقسام لكل ربعها، فذهب واحد إلى الكوفة، فأول من أجابه حمدان بن قرمط، فأعانه على الدعوة، وقيل: سموا قرامطة، لأن النبي ﷺ رأى عامرًا يمشي، وهو من أهل المدينة فقال: "إنه ليقرمط في مشيه"، انتهى، أي: يقارب خطاه، ومنه الخط المقرمط، وعلى هذا فهو عربي، وقيل: معرب؛ وإن جدهم كان يمشي كرمد، بالكاف العجمية، ومعناه بالفارسية السفلة، فغيروه وعربوه قرمط، وكان أحمر البشرة والعينين، وكان ظهوره سنة ثمان وسبعين ومائتين، فأظهر زهدًا وصلاحًا حتى اجتمع عليه خلق كثير، فزعم أن النبي ﷺ بشر به؛ وأنه الإمام المنتظر، وابتدع مقالات في كتاب، وقال: إنه الكلمة والمهدي، وزعم أنه انتقل إليه كلمة المسيح وجعل الصلاة ركعتين بعد الصبح، ركعتين بعد المغرب، والصوم يومين بالنيروز والمهرجان، وجعل القبلة إلى بيت المقدس، فكانت لهم وقائع وحروب، ودعاة وخلفاء، مذكورة في التواريخ حتى ظهر منهم سليمان بن الحسن الجبائي، فعاث في البلاد وأفسد، وقصد مكة، فدخلها يوم التروية سنة سبع عشرة وثلاثمائة في خلافة المقتدر، فقتل الحجاج، ورماهم بزمزم، وقلع باب الكعبة، وأخذ كسوتها، وأخذ الحجر الأسود، فبقي عندهم اثنتين وعشرين سنة، فبذل لهم خمسون ألف دينار ليردوه، فأبوا، ثم ردوه مكسورًا فوضع في مكانه وتغلبوا على مصر والشام حتى قاتلهم جوهر، القائد فهزمهم وقتل منهم خلقًا كثيرًا، وكانت مدة خروجهم ستًا وثمانين سنة، حتى أهلكهم الله وأبادهم، وكانوا يحرفون القرآن ويتأولونه بتأويلات فاسدة لا تقبلها العقول، "في تغييره وتبديل محكمه، فما قدروا" في هذه المدة الطويلة "على إطفاء شيء من نوره" تمثيل لحالهم في سعيهمстр. 3324
شيء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلمه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه، قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢] الآية.
وكتابه يشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب، جامعًا لأخبار القرون السالفة والأمم البائدة، والشرائع الدائرة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ من أحبار أهل الكتاب، الذي قطع عمره في تعلم ذلك.
الحواشي
(١) في تحريف القرآن بمن أراد إطفاء نور عظيم منتشر في الآفاق، "ولا تغيير كلمة من كلمه" تفسير لما قبله بجعل كلام الله نورًا، "ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه" فضلا عن كلمة فهو ترق "قال تعالى: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ﴾ أي يتطرق إليه "من بين يديه ولا من خلفه" أي: من جهة الجهات "الآية، وكتابه يشتمل على ما اشتملت عليه جميع الكتب" الإلهية وزيادة، روى البيهقي عن الحسن: أنزل الله مائة كتاب وأربعة كتب، أودع علومها أربعة كتب: التوراة، والإنجيل، والزبور والفرقان، وأودع علوم التوراة، والإنجيل، والزبور في الفرقان، "جامعًا" كل شيء، قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَْءٍ﴾ [النحل: ٨٩] الآية.
روى ابن جرير وغيره عن ابن مسعود: من أراد العلم فعليه بالقرآن فإن فيه خير الأولين والآخرين، وأنزل فيه كل علم، وبين لنا فيه كل شيء، لكن علمنا يقصر عما بين فيه، كجمعه لأخبار القرون السالفة" أي الماضية "والأمم البائدة" الذاهبة المنقطعة؛ كما في القاموس، فهو مساوٍ لما قبله وما بعده، أو الهالكة على ما في المصباح، فهو مباين لما قبله مفهومًا، وإن اتحدا ما صدقا، "والشرائع الدائرة" بمهملة، ومثلثة من دثر إذا ذهب ولم يبق له أثر، وفي تعبيره نوع من البلاغة يسمى التفنن، لأن الثلاثة متغايرة اللفظ، متقاربة المعاني، وهذا لفظ الشفاء في الوجه الرابع من إعجاز القرآن، ثم المراد التي دثرت وذهبت أهاليها، إذ الأحكام باقية لم تدثر، فهو مجاز، وإليه يشير قوله: "مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفذ" الفرد الواحد "من أحبار" علماء "أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك" فيورده النبي ﷺ على وجهه، ويأتي به على نعته، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه؛ وأن مثله لم ينله بتعليم، قال عياض؛ وذلك لكبر كتبهم وعدم تقييد الأخبار بجملتها حتى قبل التوراة ستون سفرًا متفرقة بين أحبارهم بيد كل واحد سفر، فإذا وقعت حادثة وسئلوا عنها، قالوا: هذا في سفر فلان، وقال بعضهم: القرآن جامع لنبأ الأولين والآخرين، فعلم الأمم الماضية علم خاص وعلم هذه الأمة علم عام، وعلم أهل الكتاب قليل، وما أوتيتم من العلم إلا قليلا، وقرأ ابن عباس: وما أوتوا، وعلم هذه الأمة كثير، ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرًا كثيرًا، أنزل إليك الكتاب والحكمة، الكتابстр. 3325
ويسر حفظه لمتعلميه، وقربه على متحفيه، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] ، وسائر الأمم لا يحفظ كتبها الواحد منهم، فكيف بالجم الغفير على مرور السنين الكثيرة عليهم، والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة.
ومنها: أنه أنزل على سبعة أحرف تسهيلا علينا، وتيسيرًا وشرفًا ورحمة وخصوصية لفضلنا.
الحواشي
(١) القرآن، والحكمة فهمه، "ويسر" سهل "حفظه لمتعلميه" عن ظهر قلب، "وقربه" سهل فهمه "على متحفيه" أي: الذين أتحفوا به، أي: سروا بحفظه: وفي نسخة: على متحفظيه، أي: قرب تحصيله على المتحفظ، أي: المتمسك به، الخائف ذهابه منه، إذ نسيانه كبيرة، ولا يرد أنه مرفوع عن الأمة، لأن الذنب في التفريط في محفوظه بتعاهده ودرسه.
قال القرطبي: من حفظ القرآن أو بعضه، فقد علت رتبته، فإذا أخل بهاتيك الرتبة حتى تزحزح عنها، ناسب أن يعاقب، فإن ترك تعاهده يفضي إلى الجهل والرجوع إلى الجهل بعد العلم شديد؛ "كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا﴾ سهلنا أو هيأنًا ﴿الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ﴾ [القمر: ١٧] الآية" للأذكار والاتعاظ؛ بأن صرفنا فيه أنواع المواعظ والعبر، أو للحفظ بالاختصار وعذوبة اللفظ، ﴿فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ متعظ، "وسائر" أي: باقي "الأمم" غير هذه الأمة" لا يحفظ كتبها الواحد منهم" وإذا كان كذلك "فكيف" يتوهم "بالجم الغفير حفظه "على مرور السنين الكثيرة عليهم" وطول أعمالهم، فهو استفهام فيه تعجيب ممن يتوهم أن غير هذه الأمة شاركها في حفظ كتبهم، "والقرآن ميسر حفظه للغلمان في أقرب مدة" فغالبه يحفظه قبل البلوغ أو كثير منهم، وهو من أعظم النعم.
روى البخاري في تاريخه والبيهقي مرفوعًا: "من أعطاه الله تعالى حفظ كتابه، فظن أن أحدًا أعطي أفضل مما أعطي فقط غلط" وفي رواية: "صغر أعظم النعم، لأن قد أوتي النعمة العظمى التي كل نعمة، وإن عظمت فهي بالنسبة إليها حقيرة، فإذا رأى أن غيره ممن لم يعظ ذلك أوتي أفضل مما أوتي فقد صغر عظيمًا" ومن خواصه أنه نزل منجمًا، وأنه مستغن عن غيره؛ وأنه نزل من سبعة أبواب.
"ومنها: أنه أنزل على سبعة أحرف" كما في الصحيحين وغيرهما، واختلف في معناه على نحو أربعين قولا، بسطها في الإتقان، أشار المصنف إلى قول منها، فقال: وإنما نزل كذلك "تسهيلا علينا، وتيسيرًا، وشرفًا، ورحمة وخصوصية لفضلنا" فليس المراد حقيقة العدد، بل المراد ما ذكر، لأن سبعة يطلق على إرادة الكثرة في الآحاد، كما يطلق السبعون فيстр. 3326
ومنها: كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا.
ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه، فقال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
الحواشي
(١) العشرات والسبعمائة في المئين، ولإيراد العدد المعين إلى هذا جنح عياض ومن تبعه، ويرده حديث ابن عباس في الصحيحين مرفوعًا: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
وفي حديث أبي عند مسلم: "إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه أن هون على أمتي، فأرسل إليّ أن أقرأه على سبعة أحرف".
وفي لفظ عند النسائي: "أن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل على يميني وميكائيل على يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف".
وفي حديث أبي بكر عند أحمد: "فنظرت إلى ميكائيل، فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة" فهذا يدل على إرادة حقيقة العدد وانحصاره، وأقرب الأقوال قولان، أحدهما: أن المراد سبع لغات، وعليه أبو عبيدة، وثعلب، والزهري، وآخرون، وصححه ابن عطية، والبيهقي، وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها، والثاني: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع، وعليه سفيان بن عيينة، وابن وهب، وخلائق، ونسبة ابن عبد البر لأكثر العلماء.
قال السيوطي: والمختار أن هذا من المتشابه الذي لا يدري معناه، كمتشابه القرآن والحديث، وعليه ابن سعدان النحوي، لأن الحرف يصدق لغة على الهجاء، وعلى الكلمة وعلى المعنى، وعلى الجهة.
وفي فتح الباري قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات سبع، الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل، وقال مكي بن أبي طالب: من ظن أن قراءة هؤلاء القراء، كعاصم ونافع هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقط غلط غلطًا عظيمًا، ويلزم من هذا، أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خط المصحف؛ أن لا يكون قرآنًا وهذا غلط عظيم، انتهى.
"ومنها: كونه آية باقية لا تعدم" بفتح، فسكون، أي: لا تزول "ما بقيت الدنيا" مدة بقائها إلى قرب قيام الساعة فيرفع، كما في الأحاديث.
"ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه" دون غيره، فوكل حفظه إليهم، "فقال تعالى: ﴿إِنَّاстр. 3327
أي: من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
فإن قلت: هذه الآية تنفي الاختلاف فيه، وحديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف" المروي في البخاري وغيره عن عمر، يثبته، فأجاب الجعبري في أول شرحه للشاطبية: بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفي ختلاف تناقض، فموردهما مختلف، انتهى.
فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف.
الحواشي
(١) نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ أي: القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الآية، أي: من التحريف والزيادة والنقصان" فلم يقع فيه شيء منها، "ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن" " ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية" أي: ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده، "وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ الآية، تناقضًا في معانيه وتباينًا في نظمه، "فإن قلت: هذه الآية تنفي الاختلاف فيه، وحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، المروي في البخاري وغيره" كمسلم وأحمد، "عن عمر" وهو متواتر، رواه أحد وعشرون صحابيًا، ونص على تواتره أبو عبيد، وأخرج أبو يعلى أن عثمان قال على المنبر: اذكر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف"، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معهم، "يثبته" أي: الاختلاف، فهذا تناقض، قلت: "أجاب الجعبري" نسبة إلى جعبر، بموحدة، بوزن، جعفر، قلعة على الفرات، "في أول شرحه للشاطبية؛ بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفي اختلاف تناقض" بأن يكون مفهوم أحد المحلين إيجابًا، والآخر سلبًا لذلك الإيجاب، وهذا لا يقع منه شيء في القرآن، "فموردهما مختلف، انتهى" ولا يرد عليه أن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم قرئ برفع عباد ونصبه، فبينما تناف، إذ في الرفع إثبات أنها عباد مملوكون، مسخرون، مقهورون، والنصب نفي كونهم عبيدًا؛ لأن المراد النفي بقيد الصفة، أي: ليسوا مماثلين لكم في العقل والإدراك، بل هي أجسام تنحتونها بأيديكم، "فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف" وكان ابتدءا ذلك على يد أبي بكر بمشورة عمر، فقيض لذلك زيد بن ثابت؛ كما رواه البخاري مطولا، وروى ابن أبي داود بإسناد حسن عن علي: أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر، هو أول من جمع كتاب الله،стр. 3328
وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه.
فالجواب: كما قال الرازي -إن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال: وقال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من كل سورة، لأن الله قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونًا عن التغيير، وإلا لما كان محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لوجب أيضًا أن يظن بهم النقصان. وذلك يوجب الخروج عن كونه حجة.
الحواشي
(١) لكن عنده أيضًا عن علي: لما مات ﷺ آليت لا آخذ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن، فجمعه، قال الحافظ: وهذا الأثر ضعيف لانقطاعه وبتقدير صحته، فمراده بجمعه حفظه في صدره، ونازعه السيوطي، بأن له طريقًا آخر عند ابن الضريس، وثالثًا عند ابن أمية، وفيه: أن عليًا كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وابن سيرين، قال: تطلبته وكتب فيه إلى المدينة فلم أقف عليه، فكان ما جمع في عهد أبي بكر عنده حياته، ثم عند عمر، ثم حفصة بنته حتى قدم حذيفة على عثمان، فقال: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها، ثم نردها إليك، فأرسلتها، فأمر جماعة من الصحابة، فنسخوها في المصاحف، ثم ردها إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق؛ كما في البخاري.
"وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه" وكيف قال حذيفة ما ذكروا ووافقه عثمان، "فالجواب كما قال الرازي" الإمام فخر الدين: "إن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم" سببهم "لذلك" ويسره لهم.
"قال: وقال أصحابنا" الشافعية: "وفي هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من كل سورة؛ لأن الله قد وعد بحفظ القرآن" ولن يخلف الله وعده، "والحفظ لا معنى له إلا أن يبقي مصونًا عن التغيير" بالزيادة والنقص، "وإلا" نقل أنها آية من كل سورة، "لما كان محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا" البسملة أول كل سورة، "لوجب أيضًا أن يظن بهم النقصان" إذ لا فرق بينهم عقلا، "وذلك يوجب الخروج عن كونه حجة" ولا قائل بذلك، فثبت أنها قرآن بمنزلة سورة قصيرة للفصل بين السور، ومنهم من قال: ليست آية من الفاتحة، ولا من كل سورة إلا في النمل فقط، لكن يستحب افتتاحه بها في غير الصلاة،стр. 3329
واختلف فيه، كيف يحفظ القرآن؟
فقال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزًا مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه، لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه تغير نظم القرآن، فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن.
وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف.
وقال آخرون: المراد بحفظه هو أن أحدًا لو حاول أن يغير بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: إنه كذب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا، ولم يتفق لشيء، من الكتب مثل هذه الكتاب، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتغيير والتحريف.
الحواشي
(١) كما يستحب ابتداؤه بالاستعاذة إجماعًا ونصًا، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، والإجماع على أن الاستعاذة ليست منه، فليس في كتب البسملة ما يدل على الدعوى، بل ولا على أنها آية مستقلة.
"واختلف فيه كيف يحفظ القرآن" أي: في، أي: صفة حفظه له، "فقال بعضهم: حفظه بأن جعله، معجزًا مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه؛ لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه، تغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن" وهذا حفظ عظيم. "وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده؛ بأن قيض" الباء سببية، أي: بتقييض، وفي نسخة: بل قيض ببل الانتقالية "جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف" ولا تباين بين هذين القولين، فلا مانع من كونهما معًا بيانًا لصفة الحفظ، كالثالث، وهو: "وقال آخرون: المراد بحفظه هو أن أحدًا لو حاول أن يغير بحرف"، أي: بإبدال حرف منه بحرف آخر، "أو نقطة" بأن يزيدها أو ينقصها أو يسقطها؛ "لقال أهل الدنيا إنه كذب، حتى أن الشيخ المهيب" بوزن مبيع "لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم" فضلا عن الرجال: "أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا، ولم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الكتاب، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتغيير، والتحريف.
"وقد صان الله تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف" وحكمة ذلك مع أن الكتب السماوية كلها كلام الله؛ أنها إن غيرت جاء نبي بعده يبين ما غير أو بدل بخلاف القرآنстр. 3330
وقد صان الله تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده، وانقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة سنة، وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ.
ومنها: أنه ﵇ خص بآية الكرسي.
الحواشي
(١) نزل على خاتم النبيين، فلا نبي بعده يبين التغير لو وقع فيه، "مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة" حريصة ومجتمعة "على إبطاله" أصلا، "وإفساده وانقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة، وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ" وكذا انقضى ست بعد مائة وألف، وهو كذلك، ولا يزال حتى يرفع.
"ومنها: أنه ﵇ خص بآية الكرسي" يعني: أنها لم تنزل على غيره، روى الديلمي مسلسلا عن أبي أمامة: سمعت عليًا يقول: ما أرى رجلا أدرك عقله في الإسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية، وإلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ الآية، فلو تعلمون ما هي أو ما فيها لما تركتموها على حال، إن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت آية الكرسي من تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي" قال علي: فما بت ليلة منذ سمعتها من رسول الله ﷺ حتى أقرأها، قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من علي، ثم سلسله الباقون.
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس، عن علي: آية الكرسي أعطيها نبيكم من كنز تحت العرش، ولم يعطها نبي قبل نبيكم، وسميت بذلك لذكر الكرسي فيها، والآية العامة وآية القرآن على تمام الكلام، أو لأنها جماعة من كلمات القرآن، والآية تقال للجماعة، قال بعضهم: والكرسي فيه صور الأشياء كلها فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته، ففي الكرسي أمثلته، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته، فجمعت هذه الآية تفصيل المفصلات.
وقال ابن عربي: قد ثبت في القرآن الأخبار بتفاضل سوره، وإنافة بعضها على بعض في حق القارئ بالنسبة لما لنا فيه من الأجر، وقد ورد: آية الكرسي سيدة آي القرآن؛ لأنه ليس فيه آية ذكر الله فيها بين مضمر وظاهر ستة عشر موضعًا إلا آية الكرسي، قال شيخنا: ليس المراد أن الجلالة واقعة بين المضمر والظاهر، ولا أن المضمر واقع بين شيئين، أحدهما لفظ الجلالة، والآخر اسم ظاهر، بل المراد أن الله ذكر في ستة عشر موضعًا، وتلك المواضع منقسمة إلى كون بعضها مضمرًا وبعضها ظاهرًا، فالظاهر في خمسة، وهي: الله والحي القيوم العلي العظيم، والمضمر أحد عشر هو من لا إله إلا هو، والضمير البارز في لا تأخذه، ثالثها له، رابعها وخامسهاследующие страницы →