Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3326–3365 · переход к 3331.
стр. 3326
ومنها: كونه آية باقية لا تعدم ما بقيت الدنيا.
ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه، فقال تعالى:
﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩] .
الحواشي
(١) العشرات والسبعمائة في المئين، ولإيراد العدد المعين إلى هذا جنح عياض ومن تبعه، ويرده حديث ابن عباس في الصحيحين مرفوعًا: "أقرأني جبريل على حرف، فراجعته، فلم أزل أستزيده ويزيدني حتى انتهى إلى سبعة أحرف".
وفي حديث أبي عند مسلم: "إن ربي أرسل إلي أن أقرأ القرآن على حرف، فرددت عليه أن هون على أمتي، فأرسل إليّ أن أقرأه على سبعة أحرف".
وفي لفظ عند النسائي: "أن جبريل وميكائيل أتياني، فقعد جبريل على يميني وميكائيل على يساري، فقال جبريل: اقرأ القرآن على حرف، فقال ميكائيل: استزده حتى بلغ سبعة أحرف".
وفي حديث أبي بكر عند أحمد: "فنظرت إلى ميكائيل، فسكت، فعلمت أنه قد انتهت العدة" فهذا يدل على إرادة حقيقة العدد وانحصاره، وأقرب الأقوال قولان، أحدهما: أن المراد سبع لغات، وعليه أبو عبيدة، وثعلب، والزهري، وآخرون، وصححه ابن عطية، والبيهقي، وتعقب بأن لغات العرب أكثر من سبعة، وأجيب بأن المراد أفصحها، والثاني: أن المراد سبعة أوجه من المعاني المتفقة بألفاظ مختلفة، نحو: أقبل وتعال، وهلم، وعجل، وأسرع، وعليه سفيان بن عيينة، وابن وهب، وخلائق، ونسبة ابن عبد البر لأكثر العلماء.
قال السيوطي: والمختار أن هذا من المتشابه الذي لا يدري معناه، كمتشابه القرآن والحديث، وعليه ابن سعدان النحوي، لأن الحرف يصدق لغة على الهجاء، وعلى الكلمة وعلى المعنى، وعلى الجهة.
وفي فتح الباري قال أبو شامة: ظن قوم أن القراءات سبع، الموجودة الآن هي التي أريدت في الحديث، وهو خلاف إجماع أهل العلم قاطبة، وإنما يظن ذلك بعض أهل الجهل، وقال مكي بن أبي طالب: من ظن أن قراءة هؤلاء القراء، كعاصم ونافع هي الأحرف السبعة التي في الحديث، فقط غلط غلطًا عظيمًا، ويلزم من هذا، أن ما خرج عن قراءة هؤلاء السبعة مما ثبت عن الأئمة وغيرهم، ووافق خط المصحف؛ أن لا يكون قرآنًا وهذا غلط عظيم، انتهى.
"ومنها: كونه آية باقية لا تعدم" بفتح، فسكون، أي: لا تزول "ما بقيت الدنيا" مدة بقائها إلى قرب قيام الساعة فيرفع، كما في الأحاديث.
"ومنها: أنه تعالى تكفل بحفظه" دون غيره، فوكل حفظه إليهم، "فقال تعالى: ﴿إِنَّاстр. 3327
أي: من التحريف والزيادة والنقصان، ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ ، وقوله: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] .
فإن قلت: هذه الآية تنفي الاختلاف فيه، وحديث "أنزل القرآن على سبعة أحرف" المروي في البخاري وغيره عن عمر، يثبته، فأجاب الجعبري في أول شرحه للشاطبية: بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفي ختلاف تناقض، فموردهما مختلف، انتهى.
فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف.
الحواشي
(١) نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ أي: القرآن ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ الآية، أي: من التحريف والزيادة والنقصان" فلم يقع فيه شيء منها، "ونظيره قوله تعالى في صفة القرآن" " ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ﴾ ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية" أي: ليس قبله كتاب يكذبه ولا بعده، "وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ ، ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ الآية، تناقضًا في معانيه وتباينًا في نظمه، "فإن قلت: هذه الآية تنفي الاختلاف فيه، وحديث: "أنزل القرآن على سبعة أحرف"، المروي في البخاري وغيره" كمسلم وأحمد، "عن عمر" وهو متواتر، رواه أحد وعشرون صحابيًا، ونص على تواتره أبو عبيد، وأخرج أبو يعلى أن عثمان قال على المنبر: اذكر الله رجلا سمع النبي ﷺ قال: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، كلها شاف كاف"، فقاموا حتى لم يحصوا، فشهدوا بذلك، فقال: وأنا أشهد معهم، "يثبته" أي: الاختلاف، فهذا تناقض، قلت: "أجاب الجعبري" نسبة إلى جعبر، بموحدة، بوزن، جعفر، قلعة على الفرات، "في أول شرحه للشاطبية؛ بأن المثبت اختلاف تغاير، والمنفي اختلاف تناقض" بأن يكون مفهوم أحد المحلين إيجابًا، والآخر سلبًا لذلك الإيجاب، وهذا لا يقع منه شيء في القرآن، "فموردهما مختلف، انتهى" ولا يرد عليه أن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم قرئ برفع عباد ونصبه، فبينما تناف، إذ في الرفع إثبات أنها عباد مملوكون، مسخرون، مقهورون، والنصب نفي كونهم عبيدًا؛ لأن المراد النفي بقيد الصفة، أي: ليسوا مماثلين لكم في العقل والإدراك، بل هي أجسام تنحتونها بأيديكم، "فإن قلت: فلم اشتغلت الصحابة بجمع القرآن في المصحف" وكان ابتدءا ذلك على يد أبي بكر بمشورة عمر، فقيض لذلك زيد بن ثابت؛ كما رواه البخاري مطولا، وروى ابن أبي داود بإسناد حسن عن علي: أعظم الناس في المصاحف أجرًا أبو بكر، هو أول من جمع كتاب الله،стр. 3328
وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه.
فالجواب: كما قال الرازي -إن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم لذلك، قال: وقال أصحابنا: وفي هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من كل سورة، لأن الله قد وعد بحفظ القرآن، والحفظ لا معنى له إلا أن يبقى مصونًا عن التغيير، وإلا لما كان محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا لوجب أيضًا أن يظن بهم النقصان. وذلك يوجب الخروج عن كونه حجة.
الحواشي
(١) لكن عنده أيضًا عن علي: لما مات ﷺ آليت لا آخذ ردائي إلا لصلاة جمعة حتى أجمع القرآن، فجمعه، قال الحافظ: وهذا الأثر ضعيف لانقطاعه وبتقدير صحته، فمراده بجمعه حفظه في صدره، ونازعه السيوطي، بأن له طريقًا آخر عند ابن الضريس، وثالثًا عند ابن أمية، وفيه: أن عليًا كتب في مصحفه الناسخ والمنسوخ، وابن سيرين، قال: تطلبته وكتب فيه إلى المدينة فلم أقف عليه، فكان ما جمع في عهد أبي بكر عنده حياته، ثم عند عمر، ثم حفصة بنته حتى قدم حذيفة على عثمان، فقال: أدرك الأمة قبل أن يختلفوا اختلاف اليهود والنصارى، فأرسل إلى حفصة أن أرسلي إلينا بالصحف ننسخها، ثم نردها إليك، فأرسلتها، فأمر جماعة من الصحابة، فنسخوها في المصاحف، ثم ردها إلى حفصة، وأرسل إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا، وأمر بما سواه في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق؛ كما في البخاري.
"وقد وعد الله تعالى بحفظه، وما حفظه الله تعالى فلا خوف عليه" وكيف قال حذيفة ما ذكروا ووافقه عثمان، "فالجواب كما قال الرازي" الإمام فخر الدين: "إن جمعهم للقرآن كان من أسباب حفظ الله تعالى إياه، فإنه تعالى لما أراد حفظه قيضهم" سببهم "لذلك" ويسره لهم.
"قال: وقال أصحابنا" الشافعية: "وفي هذه الآية دلالة قوية على أن البسملة آية من كل سورة؛ لأن الله قد وعد بحفظ القرآن" ولن يخلف الله وعده، "والحفظ لا معنى له إلا أن يبقي مصونًا عن التغيير" بالزيادة والنقص، "وإلا" نقل أنها آية من كل سورة، "لما كان محفوظًا عن الزيادة، ولو جاز أن يظن بالصحابة أنهم زادوا" البسملة أول كل سورة، "لوجب أيضًا أن يظن بهم النقصان" إذ لا فرق بينهم عقلا، "وذلك يوجب الخروج عن كونه حجة" ولا قائل بذلك، فثبت أنها قرآن بمنزلة سورة قصيرة للفصل بين السور، ومنهم من قال: ليست آية من الفاتحة، ولا من كل سورة إلا في النمل فقط، لكن يستحب افتتاحه بها في غير الصلاة،стр. 3329
واختلف فيه، كيف يحفظ القرآن؟
فقال بعضهم: حفظه بأن جعله معجزًا مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه، لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه تغير نظم القرآن، فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن.
وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده بأن قيض جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف.
وقال آخرون: المراد بحفظه هو أن أحدًا لو حاول أن يغير بحرف أو نقطة لقال له أهل الدنيا: إنه كذب، حتى إن الشيخ المهيب لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم: أخطأت أيها الشيخ وصوابه كذا، ولم يتفق لشيء، من الكتب مثل هذه الكتاب، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف والتغيير والتحريف.
الحواشي
(١) كما يستحب ابتداؤه بالاستعاذة إجماعًا ونصًا، فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم، والإجماع على أن الاستعاذة ليست منه، فليس في كتب البسملة ما يدل على الدعوى، بل ولا على أنها آية مستقلة.
"واختلف فيه كيف يحفظ القرآن" أي: في، أي: صفة حفظه له، "فقال بعضهم: حفظه بأن جعله، معجزًا مباينًا لكلام البشر، يعجز الخلق عن الزيادة فيه والنقصان منه؛ لأنهم لو زادوا فيه أو نقصوا منه، تغير نظم القرآن فيظهر لكل العقلاء أن هذا ليس من القرآن" وهذا حفظ عظيم. "وقال آخرون: أعجز الخلق عن إبطاله وإفساده؛ بأن قيض" الباء سببية، أي: بتقييض، وفي نسخة: بل قيض ببل الانتقالية "جماعة يحفظونه ويدرسونه فيما بين الخلق إلى آخر بقاء التكليف" ولا تباين بين هذين القولين، فلا مانع من كونهما معًا بيانًا لصفة الحفظ، كالثالث، وهو: "وقال آخرون: المراد بحفظه هو أن أحدًا لو حاول أن يغير بحرف"، أي: بإبدال حرف منه بحرف آخر، "أو نقطة" بأن يزيدها أو ينقصها أو يسقطها؛ "لقال أهل الدنيا إنه كذب، حتى أن الشيخ المهيب" بوزن مبيع "لو اتفق له تغيير في حرف منه لقال الصبيان كلهم" فضلا عن الرجال: "أخطأت أيها الشيخ، وصوابه كذا، ولم يتفق لشيء من الكتب مثل هذا الكتاب، فإنه لا كتاب إلا وقد دخله التصحيف، والتغيير، والتحريف.
"وقد صان الله تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف" وحكمة ذلك مع أن الكتب السماوية كلها كلام الله؛ أنها إن غيرت جاء نبي بعده يبين ما غير أو بدل بخلاف القرآنстр. 3330
وقد صان الله تعالى هذا الكتاب العزيز عن جميع التحريف، مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة على إبطاله وإفساده، وانقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة سنة، وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ.
ومنها: أنه ﵇ خص بآية الكرسي.
الحواشي
(١) نزل على خاتم النبيين، فلا نبي بعده يبين التغير لو وقع فيه، "مع أن دواعي الملحدة واليهود والنصارى متوفرة" حريصة ومجتمعة "على إبطاله" أصلا، "وإفساده وانقضى الآن ثمانية وتسعون سنة وثمانمائة، وهو بحمد الله في زيادة من الحفظ" وكذا انقضى ست بعد مائة وألف، وهو كذلك، ولا يزال حتى يرفع.
"ومنها: أنه ﵇ خص بآية الكرسي" يعني: أنها لم تنزل على غيره، روى الديلمي مسلسلا عن أبي أمامة: سمعت عليًا يقول: ما أرى رجلا أدرك عقله في الإسلام يبيت حتى يقرأ هذه الآية: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الآية، وإلى قوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ الآية، فلو تعلمون ما هي أو ما فيها لما تركتموها على حال، إن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت آية الكرسي من تحت العرش، ولم يؤتها نبي قبلي" قال علي: فما بت ليلة منذ سمعتها من رسول الله ﷺ حتى أقرأها، قال أبو أمامة: وما تركتها منذ سمعتها من علي، ثم سلسله الباقون.
وأخرج أبو عبيد وابن الضريس، عن علي: آية الكرسي أعطيها نبيكم من كنز تحت العرش، ولم يعطها نبي قبل نبيكم، وسميت بذلك لذكر الكرسي فيها، والآية العامة وآية القرآن على تمام الكلام، أو لأنها جماعة من كلمات القرآن، والآية تقال للجماعة، قال بعضهم: والكرسي فيه صور الأشياء كلها فما في الأرض صورة إلا ولها في الكرسي مثل، فما في العرش إقامته، ففي الكرسي أمثلته، وما في السماوات إقامته ففي الأرض صورته، فجمعت هذه الآية تفصيل المفصلات.
وقال ابن عربي: قد ثبت في القرآن الأخبار بتفاضل سوره، وإنافة بعضها على بعض في حق القارئ بالنسبة لما لنا فيه من الأجر، وقد ورد: آية الكرسي سيدة آي القرآن؛ لأنه ليس فيه آية ذكر الله فيها بين مضمر وظاهر ستة عشر موضعًا إلا آية الكرسي، قال شيخنا: ليس المراد أن الجلالة واقعة بين المضمر والظاهر، ولا أن المضمر واقع بين شيئين، أحدهما لفظ الجلالة، والآخر اسم ظاهر، بل المراد أن الله ذكر في ستة عشر موضعًا، وتلك المواضع منقسمة إلى كون بعضها مضمرًا وبعضها ظاهرًا، فالظاهر في خمسة، وهي: الله والحي القيوم العلي العظيم، والمضمر أحد عشر هو من لا إله إلا هو، والضمير البارز في لا تأخذه، ثالثها له، رابعها وخامسهاстр. 3331
وبالمفصل وبالمثاني وبالسبع الطوال، كما في حديث ابن عباس بلفظ: "وأعطيت خواتيم سورة البقرة من كنوز العرش، وخصصت به دون الأنبياء
الحواشي
(١) عنده إلا بإذنه، سادسها المستتر في يعلم، سابعها البارز في علمه، ثامنها المستتر في شاء، تاسعها البارز في كرسيه، عاشرها البارز في لا يئوده، حادي عشرها المنفصل في قوله: وهو. وكأنه لم يعتبر الضمائر المستترة في الحي القيوم العلي العظيم؛ لأن المستتر فيه هو الاسم الظاهر، الدال على ذاته، فكأنه هو والضمير عبارة عن معنى واحد.
وقال الغزالي: إذا تأملت جملة معاني أسماء الله الحسنى من التوحيد والتقديس، وشرح الصفات العلا، وجدتها مجموعة في آية الكرسي، فلذا ورد أنها سيدة آي القرآن، فإن شهد الله ليس فيها إلا التوحيد، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ الآية، ليس فيها إلا التوحيد والتقديس، و ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية، ليس فيها إلا الأفعال وكمال القدرة، والفاتحة فيها رمز إلى هذه الصفات بلا شرح، وهي مشروحة في آية الكرسي، ويقرب منها في هذه المعاني آخر الحشر وأول الحديد، إذ تشتمل على أسماء وصفات كثيرة، لكنها آيات لا آية واحدة، وهذه ذا قابلتها بآحاد تلك الآيات وجدتها أجمع للمقاصد، فلذا استحقت السيادة على الآي، انتهى.
وفي هذا الحديث: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة، لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت"، رواه النسائي وابن حبان، وروي أن من أدمن قراءتها عقب كل صلاة؛ فإنه لا يتولى قبض روحه إلا الله، وخص "بالمفصل" ويسمى المحكم، سمي مفصلا، لأن سوره قصار، كل سورة كفصل من الكلام، وآخره الناس اتفاقًا، وهل أوله الحجرات، أو الجاثية، أو القتال، أو ق، أو الصافات، أو الصف، أقوال أرجحها الأول، "وبالمثاني وبالسبع الطوال" بكسر الطاء جمع طويلة، وأما بضمها، فمفرد كرجل طوال؛ كما في حديث ابن عباس بلفظ: "وأعطيت خواتيم سورة البقرة" من آمن الرسول، وقيل: من لله إلى آخرها، ويدل له ما روى أبو عبيد عن كعب، قال: إن محمدًا أعطي أربع آيات لم يعطها موسى ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [البقرة: ٢٥٥] الآية، حتى ختم البقرة، فتلك ثلاث، وآية الكرسي "من كنوز العرش"، قال الحافظ العراقي: معناه أنها ادخرت وكنزت له، فلم يؤتها أحد قبله، وكثير من القرآن منزل في الكتب السابقة باللفظ أو المعنى، وإن كان فيه أيضًا ما لم يؤت غيره، لكن في هذه الخصوصية لأمته، وهي وضع الإصر الذي على من قبل، ولذا قال: "وخصصت به دون الأنبياء" أي: بإعطاء ما ذكر من الخواتيم، وقال غيره: الله أعلم ما هذا الكنز، ويجوز كونه كنز اليقين، فهو كنز مخبوء تحت العرش، أخرج منه تعالى ثمانية مثاقيل من نور اليقين، فأعطي منهاстр. 3332
وأعطيت المثاني مكان التوراة، والمئين مكان الإنجيل، والحواميم مكان الزبور وفضلت بالمفصل". رواه أبو نعيم في الدلائل.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ أربعة، وزيد ذخيرة خصوصية للرسالة، فلذا وزن إيمانه بإيمان الخلق فرجح، انتهى وهو غريب.
وقد جرى على الأول الطيبي، فقال الكنز: النفائس المدفونة المدخرة، فهو إشارة إلى أنها ادخرت له، فلم تنزل على من قبله، وهو من إدخال الشيء في جنس، وجعله أحد أنواعه على التغليب، فالكنز نوعان متعارف، وهو المال الكثير، يجعل بعضه فوق بعض ويحفظ، وغير متعارف، وهو هذه الآيات الجامعة المكتنزة بالمعاني الإلهية.
وروى الطبراني، وأبو الشيخ، والضياء في المختار، عن أبي أمامة، رفعه: "أربع أنزلت من كنز تحت العرش، لم ينزل منه شيء غيرهن: أم الكتاب، وآية الكرسي، وخواتيم سورة البقرة، والكوثر". "وأعطيت المثاني مكان التوراة" أي: بدل ما فيها، "والمئين" بفتح الميم عند بعض، وكسرها عند آخر، وهو المناسب للمفرد، وكسر الهمزة، ومثناة تحتية ساكنة، أي: السور التي تلي السبع الطوال، أو التي أولها ما يلي الكهف، لزيادة كل منها على مائة آية، أو تقاربها أو التي فيها القصص، وقيل غير ذلك، "مكان الإنجيل، والحواميم مكان الزبور، وفضلت بالمفصل" أي: صيرت أفضل، أي: أزيد من غيري بما أنزل عليّ منه، "رواه أبو نعيم في الدلائل" ويعارضه ما روى أحمد، والبيهقي، والطبراني عن واثلة مرفوعًا: "أعطيت مكان التوراة السبع الطول، وأعطيت مكان الزبور المئين, وأعطيت مكان الإنجيل المثاني، وفضلت بامفصل".
وروى محمد بن نصر عن أنس مرفوعًا: "إن الله أعطاني السبع مكان التوراة، وأعطاني الراءات مكان الإنجيل، وأعطاني ما بين الطواسين إلى الحواميم مكان الزبور، وفضلني بالحواميم والمفصل، ما قرأهن نبي قبلي" وهذا مخالف لحديثي ابن عباس وواثلة معًا من وجهين، أحدهما: في المعطى مكان تلك الكتب، والثاني: صريحة أن الحواميم والمفصل مما أعطي، لا في مقابلة شيء، وصريح حديث ابن عباس، أن الحواميم مكان الزبور، فليطلب الجمع أو الترجيح.
وروى الحاكم عن معقل بن يسار مرفوعًا: "أعطيت سورة البقرة من الذكر الأول، وأعطيت طه، والطواسين، والحواميم من ألواح موسى، وأعطيت فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة، وتحت العرش، والمفصل نافلة" والطول في حديث واثلة، بضم الطاء، وفتح الواو، كما ضبطه السيوطي بالقلم، وفي النهاية الطول، بالضم، وفي القاموس السبع الطوال كصرد والذكر الأولстр. 3333
وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ [الحجر: ٨٧] ، وفي البخاري من حديث أبي هريرة، عنه ﷺ قال: "أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم" سائره.
الحواشي
(١) الصحف العشرة، والكتب الثلاثة، قال الكلابادي.
"وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ الآية، بيان لسبعًا من التثنية أو الثناء، فإنه مثنى، تكرر قراءته وألفاظه، أو قصصه ومواعظه، أو مثنى عليه بالبلاغة والإعجاز، ومثن على الله بما هو أهله من صفاته العظمى وأسمائه الحسنى، ﴿الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ﴾ عطف كل على بعض، أو عطف عام على خاص، وفي المثاني تفاسير ذكر بعضها مقدمًا أرجحها، فقال: "وفي البخاري" في تفسير سورة الحجر من حديث أبي هريرة عنه ﷺ قال: "أم القرآن هي السبع المثاني، والقرآن العظيم" وفي رواية الترمذي: "الحمد لله أم القرآن وأم الكتاب، والسبع المثاني".
قال الخطابي: وفي الحديث رد على ابن سيرين، حيث قال: لا يقال للفاتحة أم القرآن، وإنما يقال لها فاتحة الكتاب، ويقول أم الكتاب هو في اللوح المحفوظ، قال: وأم الشيء أصله، وسميت أم القرآن، لأنها أصل القرآن، وقيل: لأنها متقدمة، لأنها تؤمه "سائره" كذا وقع في النسخ.
وليست في البخاري ولا غيره، فسقط من المصنف لفظ، أي: التفسيرية، إشارة إلى أنه محذوف الخبر؛ كما قال الحافظ والقرآن، العظيم، عطف على أم القرآن مبتدأ خبره محوف، أو خبر مبتدأ محذوف، أي: والقرآن العظيم ما عداها، وليس عطفًا على السبع المثاني؛ لأن الفاتحة ليست هي القرآن العظيم، وإن جاز إطلاقه عليها، لأنها منه لكن ليست كله، ثم وجدت الحديث في تفسير ابن أبي حاتم عن أبي هريرة بلفظ: "القرآن العظيم الذي أعطيتموه"، أي هو الذي أعطيتموه، فيكون هذا هو الخبر، وقد روى الطبراني بإسنادين جيدين عن عمر، ثم عن علي السبع المثاني: فاتحة الكتاب، زاد عن عمر: تثنى في كل ركعة، وبإسناد حسن عن ابن عباس: "وقد آتيناك سبعًا من المثاني هي فاتحة الكتاب"، انتهى.
وقال التوربشتي: إن قيل كيف صح عطف القرآن على السبع المثاني: وعطف الشيء على نفسه لا يجوز، قلنا: ليس كذلك وإنما هو من باب ذكر الشيء بوصفين، أحدهما معطوف على الآخر، والتقدير: آتيناك ما يقال له السبع المثاني والقرآن العظيم، أي: الجامع لهذين النعتين.
وقال الطيبي: عطف القرآن على السبع المثاني؛ المراد منه الفاتحة من باب عطف العامстр. 3334
واختلفوا: لم سميت مثاني، فعن الحسن وابن عباس وقتادة لأنها تثنى في الصلاة، فتقرأ في كل صلاة، وقيل لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين، نصفها ثناء ونصفها دعاء، كما في حديث أبي هريرة عنه ﷺ : "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين".
الحواشي
(١) على الخاص، تنزيلا للتغاير في الوصف منزلة التغاير في الذات، وإليه أومأ ﷺ بقوله لأبي سعيد بن المعلى: "ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن" حيث نكر سورة وأفردها ليدل على أنك إذا تقصيت سورة سورة وجدتها أعظم منها، ونظيره في النسق، ولكن من عطف الخاص على العام؛ من كان عدوًا لله وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل، انتهى، وهو معنى كلام الخطابي.
قال الحافظ: وفيه بحث لاحتمال أن قوله: "والقرآن العظيم"، محذوف الخبر والتقدير ما بعد الفاتحة مثلا، فيكون وصف الفاتحة بقوله المثاني، ثم عطف والقرآن العظيم، أي: ما زاد على الفاتحة، وذكر ذلك رعاية لنظم الآية، فيكون التقدير: والقرآن العظيم هو الذي أوتيته زيادة على الفاتحة، قال: وعلى هذا، فالمراد بالسبع الآي؛ لأن الفاتحة سبع آيات بالإجماع، لكن جاء عن حسين بن علي الجعفي أنها ست آيات، لأنه لم يعد البسملة، وعن عمرو بن عبيد أنها ثمان آيات؛ لأنه عدها، وعد أنعمت عليهم، وقيل: ما بعدها، وعد إياك نعبد، وهذا أغرب الأقوال، انتهى.
"واختلفوا: لم سميت" الفاتة "مثاني؟ فعن الحسن" البصري، "وابن عباس" عبد الله، "وقتادة" بن دعامة: "لأنها تثنى"، أي: تكرر "في الصلاة، فتقرأ في كل صلاة": من ثنيت الشيء بالتثقيل، جعلته اثنين، لكن ليس المراد خصوص الاثنين، بل مطلق التكرير، كما أن المراد قراءتها في جميع الصلوات حتى الركعة كالوتر، ويدل له قول عمر عند ابن جرير: لأنها تثنى في كل ركعة، أي: تقرأ.
"وقيل: لأنها مقسومة بين الله وبين العبد نصفين" باعتبار المعنى لا اللفظ، لأن نصف الدعاء من قوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ الآية، يزيد على نصف الثناء، أو المراد قسمين، والنصف قد يراد به أحد قسمي الشيء، إن كان بينهما تفاوت "نصفها ثناء" على الله وعبادة له، "ونصفها دعاء" طلب منه تعالى ليثني العبد على ربه، ثم يدعوه فيجيب دعاءه؛ "كما في حديث أبي هريرة" عند مالك ومسلم، وأحمد، وأبي يعلى، عنه ﷺ : "يقول الله تعالى: قسمت الصلاة" أي: قراءتها بدليل تفسيره بها، قال المنذري. أو يعني الفاتحة، سميت صلاة لأنها لا تصح إلا بها؛ كقوله: "الحج عرفة" وقيل: من أسماء الفاتحة الصلاة، فهي المعنية في الحديث. "بيني وبين عبدي نصفين. ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّстр. 3335
وقيل: لأنها نزلت مرتين مرة بمكة ومرة بالمدينة. وعن مجاهد: لأن الله استثناها وادخرها لهذه الأمة، فما أعطاها غيرهم.
وعن سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها سورة البقرة وآخرها سورة الأنفال مع التوبة، وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأ
الحواشي
(١) الْعَالَمِينَ﴾ ، قال: حمدني عبدي، وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ، قال الله: أثنى علي عبدي، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ ، قال: مجدني عبدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ، قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ، صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ ، قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل"، هذا بقية الحديث عندهم.
قال الحافظ: لم يخرجه البخاري، لأنه ليس على شرطه، ولكن أشار إليه فيه، "وقيل: لأنها نزلت مرتين: مرة بمكة، ومرة بالمدينة" حكاه قوم؛ لأنه قد يتكرر النزول للتذكير، أو موعظة، أو تعظيم شأنه، لكن في فتح الباري يستنبط من تفسير السبع المثاني بالفاتحة؛ أنها مكية، وهو قول الجمهور خلافًا لمجاهد، ووجه الدلالة، أنه سبحانه امتن على رسوله بها، وسورة الحجر مكية اتفاقًا، فيدل لى تقدم نزول الفاتحة عليها.
قال الحسين بن الفضل: هذه هفوة من مجاهد؛ لأن العلماء على خلاف، قوله: وأغرب بعض المتأخرين، فنسب القول بذلك لأبي هريرة، والزهري, وعطاء بن يسار، وحكى القرطبي أن بعضهم زعم أنها نزلت مرتين، انتهى.
"وعن مجاهد: لأن الله استثناها وادخرها" بدال مهملة، وقد تعجم: أعدها "لهذه الأمة" عطف تفسير، "فما أعطاها غيرهم" روى البيهقي وغيره عن أنس، رفعه: "إن الله أعطاني فيما من علي، أن قال: إني أعطيتك فاتحة الكتاب، وهي من كنوز عرشي، ثم قسمتها بيني وبينك نصفين".
"وعن سعيد بن جبير، عن ابن عباس" فيما رواه النسائي، والطبري، والحاكم، بإسناد صحيح: "أن السبع المثاني هي السبع الطوال، أولها سورة البقرة، وآخرها سورة الأنفال مع التوبة" لأنهما في حكم سورة واحدة، ولذا لم يفصل بينهما بالبسملة، وفي لفظ للطبري: البقرة, وآل عمران, والنساء، والمائدة، والأنعام, والأعراف، قال الراوي: وذكر السابعة فنسيتها، "وقال بعضهم: سورة يونس بدل الأنفال" مع التوبة، قال الحافظ: رواه ابن أبي حاتم صحيحًا عن مجاهد وسعيد بن جبير، وعند الحاكم: أنها الكهف، وزاد: قيل له: ما المثاني؟ قال: تثنى فيهن القصص.стр. 3336
قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني لأن الفرائض والحدود والأمثال والعبر تثنت فيها.
وقال طاوس: القرآن كله مثاني، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] ، وسمي القرآن مثاني لأن القصص تثنت فيه والله أعلم.
ومنها: أنه أعطي مفاتيح الخزائن.
الحواشي
(١) "قال ابن عباس: وإنما سميت السبع الطوال مثاني؛ لأن الفرائض، والحدود، والأمثال والعبر تثنت" تعددت وتكررت "فيها" وهذا قول مشهور أيضًا في تفسير المثاني وإن رجح الأول، وقد أخرج الطبري من طريق أبي جعفر الرازي عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: السبع المثاني فاتحة الكتاب. قلت للربيع: إنهم يقولون: إنها السبع الطوال، قال: لقد أنزلت هذه الآية، وما نزل من الطوال شيء، وروى الطبري أيضًا عن زيادة بن أبي مريم، قال في ﴿لَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي﴾ ، قال: مر وانه، وبشر وأنذر، واضرب الأمثال، واعدد النعم والإيتاء، وحكي في الشفاء: أنها السبع كرامات: الهدى والنبوة، والرحمة والشفاعة، والولاية والتعظيم، والسكينة، ورجح ابن جرير الأول، أي: الفاتحة لصحة الخبر فيه عن رسول الله ﷺ .
"وقال طاوس: القرآن كله مثاني، قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا﴾ الآية يدل من أحسن، أي: قرءانًا ﴿مُتَشَابِهًا﴾ أي: يشبه بعضه بعضًا في النظم، وغيره ﴿مَثَانِي﴾ ، وسمي القرآن مثاني؛ لأن القصص تثنت فيه" ولأنه ثنى فيه الوعد والوعيد وغيرما.
وفي البيضاوي: وقيل سبع صحائف، وهي الإسباع، ويجوز أن يراد بالمثاني القرآن، أو كتب الله كلها، فتكون من للتبعيض، والقرآن العظيم إن أريد السبع آيات أو السور، فمن عطف الكل على البعض، أو العام على الخاص، وإن أريد الإسباع، فمن عطف أحد الوصفين على الآخر، "والله أعلم" بما أراد.
"ومنها: أنه أعطي مفاتيح الخزائن" أي خزائن الأرض، كما رواه البخاري وغيره، وأخرج أحمد، وابن حبان، والضياء برجال الصحيح عن جابر، مرفوعًا: "أتيت بمقاليد الدنيا على فرس أبلق، جاءني به جبريل، عليه قطيفة من سندس"، وفي رواية إسرافيل، ولا تنافي، لأنه إن تعدد المجيء، وإلا فالآتي جبريل وصحبته إسرائيل، وركوبه الفرس إشارة إلى أنه أوتي العز، وإلى إعزاز دينه، ولم يكن لونًا واحدًا إشارة إلى استيلاء أمته على خزائن جميع الملوك من أحمرстр. 3337
قال بعضهم: هي خزائن أجناس العالم ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم، فكل ما ظهر من رزق العالم فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلا عن محمد ﷺ الذي بيده المفاتيح، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، وأعطي هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن.
ومنها: أنه أوتي جوامع الكلم.
الحواشي
(١) وأبيض وأسود، على اختلاف ألوانها وأشكالها، إذ الأبلق ما خالط لونه بياضًا وسوادًا، ثم يحتمل أنها حيزوم فرس جبريل الذي ما خالط موطئ حافره مواتًا إلا صار حيوانًا، ويحتمل غيرها، والخزائن: جمع خزانة ما يخزن فيه، والمال مخزون عند أهل البلاد قبل فتحها، فهو استعارة تصريحة بفتح البلاد.
"قال بعضهم: هي خزائن أجناس" جمع جنس "العالم" مفرد عوالم، فاللام عوض عن المضاف إليه، أي: خزائن العالم السفلي بأسره؛ "ليخرج لهم بقدر ما يطلبونه لذواتهم" سواء تعلق بنفس الذوات، أو بمتعلقاتها، كالمواشي والزراعات، وهذا وجه في تقرير الاستعارة في إعطاء مفاتيح الخزائن، "فكل ما ظهر من رزق العالم، فإن الاسم الإلهي لا يعطيه إلا عن محمد ﷺ " أي: فكان من يوصله إلى العالم، كالوكيل في إعطائه لهم نيابة عنه؛ لأنه حقه "الذي بيده المفاتيح، كما اختص تعالى بمفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو، وأعطي هذا السيد الكريم منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن" فلا يخرج منها شيء إلا على يديه.
قال الزمخشري: المراد بالخزائن: المعان أو البلاد التي فيها ذلك، أو البلاد التي فتحت لأمته بعده؛ التي منها خزائن كسرى وقيصر، إذ الغالب على نقود خزائن كسرى الدنانير، وعلى قود ممالك قيصر الدراهم، وأشار في الكشاف إلى أن هذا، وما أشبهه من قبيل التمثيل والاستعارة، قال في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ الآية، ذكر الخزائن تمثيل، والمعنى، وما من شيء ينتفع به العباد إلا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به، فضرب الخزائن مثلا لاقتداره على كل مقدور.
"ومنها: أنه أوتي جوامع الكلم" أي: الكلم، الجوامع لمعان كثيرة بألفاظ قليلة، قال ﷺ : "أعطيت جوامع الكلم واختصر.لي الكلام اختصارًا" رواه البيهقي، وأبو يعلى، والدارقطني، يعني: أعطيت البلاغة والفصاحة، والتوصل إلى غوامض المعاني، وبدائع الحكم، ومحاسن العبارات، بلفظ موجز لطيف، وقيل: المراد بها القرآن، سمي به لإيجازه واحتواء لفظه القليل على المعنى الكثير، واشتماله على ما في الكتب السماوية، وجمعه ما فيها من العلوم،стр. 3338
فالكلم جمع كلمة، وكلمات الله لا تنفذ، فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع الكلم أعطي الإعجاز بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى، وهو المترجم عن الله تعالى. فوقع الإعجاز في الترجمة التي هي له، فإن المعاني المجردة عن المواد لا يتصور الإعجاز بها، وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف، فهو لسان الحق وسمعه وبصره.
ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة، قال بعضهم: وهو من الكفت، وهو الضم،
الحواشي
(١) وقال ﷺ : "أعطيت فواتح الكلم وجوامعه وخواتمه"، رواه الطبراني وغيره، "فالكلم جمع كلمة" في أحد الأقوال، وقيل: اسم جمع، وقيل: اسم جنس إفرادي يطلق على القليل والكثير، لكن خصه الاستعمال بالثلاثة فما فوق، والمختار أنه اسم جنس جمعي، يجوز في ضميره التذكير على الأصل، وهو الأكثر، نحو: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ الآية، والتأنيث ملاحظة للجمعية.
"وكلمات الله لا تنفذ" بفتح التاء والفاء، كما في التنزيل لا تفنى ولا تنقطع، وكأنه جعل هذا جواب سؤال، هو: هل تنحصر جوامع كلمة؟ فأجاب: لا تحصر، بل متى أرادها قدر عليها، لأنها من كلمات، الله ولا تنفد؛ "فالكلمة منه كلمات، ولما علم جوامع الكلم أعطي الإعجاز بالقرآن الذي هو كلام الله تعالى، وهو" أي: القرآن "المترجم" المبين، الكاشف "عن" الصفة القديمة، القائمة بذات "الله" حيث دل عليه، فتسميته مترجمًا، مجاز، علاقته المشابهة، فالترجمة تفسير كلام الغير بلسان آخر، ويحتمل أن ضمير هو للنبي ﷺ ، والظاهر الأول؛ لقوله: "فوقع الإعجاز" ذ هو إنما وقع في القرآن "في الترجمة التي هي له" أي: في الكلمات التي وقع التعبير بها على المعاني القائمة بذاته, حيث وقعت على أسلوب يعجز البشر عن الإتيان بمثله، "فإن المعاني المجردة عن المواد" جمع مادة، أي: الألفاظ التي تؤدي بها المعاني، إذ مادتها الألفاظ، لأنها قوالب المعاني، كأنها صبت فيها كالقالب "لا يتصور الإعجاز بها، وإنما الإعجاز ربط هذه المعاني بصور الكلم القائم من نظم الحروف" وهذا تعليل لكون الإعجاز بالكلمات المعبر بها عن المعاني، لا بالمعاني أنفسها، "فهو" أي القرآن "لسان الحق" لأنه المبين للمعاني القائمة به، المعبر عنها بالكلمات، "وسمعه وبصره" لأنه المبين للمسموعات والمبصرات.
"ومنها: أنه بعث إلى الناس كافة" أي: كلهم، ولا تقل الكافة، لأنها تدخل أل، ووهم الجوهري، فأدخل أل؛ كما في القاموس.
"قال بعضهم: وهو" مأخوذ "من الكفت، وهو الضم" للمناسبة بينهما، والكفت يتعدىстр. 3339
قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ [المرسلات: ٢٥] ، أي: تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها، كذلك ضمت شريعته ﷺ جميع الناس، فلا يسمع به أحد إلا لزمه الإيمان به، ولما سمع الجن القرآن يتلى قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] الآية، فضمت شريعته الإنس والجن، وعمت رحمته التي أرسل بها للعالم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] ، فمن لم تنله رحمته فما ذاك من جهته، وإنما ذلك من جهة القابل. فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعه.
الحواشي
(١) بنفسه، وبإلى، قال المجد: كفته يكفته، صرفه عن وجهه فانكفت، والشيء إليه ضمه وقبضه ككفته.
"قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا﴾ الآية، أي: تضم الأحياء على ظهرها، والأموات في بطنها" فكفاتًا بمعنى كافتة اسم لما يكفت، أي: يضم ويجمع؛ كما في البيضاوي: قال: أو مصدر نعت به، أو جمع كافت، كصائم وصيام، أو كفت، وهو الوعاء أجري على الأرض، أي: أطلق عليها باعتبار أقطارها، انتهى، فعلى الأخيرين أطلق كفاتًا على الأض من حيث جعل كل جزء منها كافتًا، أي: جامعًا لما يحتوي عليه، "كذلك ضمت شريعته ﷺ جميع الناس، فلا يسمع به أحد" عاقل، "إلا لزمه الإيمان به" لظهور المعجزات القطعية على يده، الدالة على حقية ما جاء به، وشمل أحد الإنس والجن، ولذا رتب عليه قوله: ومن ثم "لما سمع الجن القرآن يتلى، قالوا: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ محمد ﷺ إلى الإيمان، " ﴿وَآمِنُوا بِهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] الآية، فضمت شريعته الإنس والجن" إجماعًا، كما يأتي قريبًا بأدلته، "وعمت رحمته التي أرسل بها العالم" ودليله أنه "قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] الآية" لأن ما بعثت به سبب لإسعادهم، وموجب لصلاح معاشهم ومعادهم، ورحم الله به الخلق مؤمنهم وكافرهم بالأمن من الخسف والمسخ وعذاب الاستئصال، ومنافقهم بالأمن من القتل وتأخير العذاب.
قال ابن عطية: ويحتمل أن معناه أنه هو رحمة وهدى بين أخذ به من أخذ، وأعرض عنه من أعرض، انتهى، وإليه أشار بقوله: "فمن لم تنله رحمته" من الكفار فلم يؤمن به، "فما ذاك من جهته" ﷺ ، "وإنما ذلك من جهة القابل" حيث طبع الله على قلوبهم، واستحبوا الكفر على الإيمان، أنهما كافي التقليد، وإعراضًا عن النظر الصحيح، فلا ينفذ في قلوبهم الحق، وأسماعهم تنفر منه، ولا يجتلي لأبصارهم الآيات المنصوبة في الآفاق، "فهو كالنور الشمسي أفاض شعاعهстр. 3340
على الأرض، فمن استتر عنه في كن أو ظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه، وعدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع، انتهى.
فإن قلت: إن نوحًا كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، فإنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلا إليه، وقد جاء في حديث جابر وغيره: "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى كل أحمر وأسود". وفي رواية: "إلى الناس كافة".
أجاب الحافظ ابن حجر، رحمه الله تعالى: بأن هذا العموم الذي حصل لنوح عليه الصلاة لم يكن في أصل بعثته، وإنما اتفق بالحادث الذي وقع، وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس. وأما نبينا ﷺ فعموم رسالته من أصل البعثة فثبت اختصاصه بذلك.
الحواشي
(١) على الأرض، فمن استتر عنه في كن أو ظل جدار فهو الذي لم يقبل انتشار النور عليه، وعدل عنه، فلم يرجع إلى الشمس من ذلك منع" عن فيض شعاعها، "انتهى" كلام بعضهم.
"فإن قلت" يرد على أن بعثه إلى كافة الناس من خصائصه؛ "إن نوحًا كان مبعوثًا إلى أهل الأرض بعد الطوفان، فإنه لم يبق إلا من كان مؤمنًا معه، وقد كان مرسلا إليه، وقد جاء في حديث جابر" في الصحيحين "وغيره" النص على الخصوصية في قوله ﷺ : "أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي" ... الحديث، وفيه: "وكان النبي يبعث إلى قومه" المبعوث إليهم "خاصة، وبعثت إلى كل أحمر" وهم العجم أو الإنس، "وأسود" العرب أو الجن، وهذه رواية مسلم.
"وفي رواية" للبخاري: "وبعثت إلى الناس كافة" وفي رواية له أيضًا: "عامة"، وهما بمعنى، فظاهر الحديث أن كل واحدة من الخمس لم تكن لأحد قبله.
"أجاب الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى" في فتح الباري في التيمم: "بأن هذا العموم الذي حصل لنوح ﵇ لم يكن في أصل بعثته وإنما" هو اتفاقي "اتفق بالحادث الذي وقع" وبينه، فقال: "وهو انحصار الخلق في الموجودين بعد هلاك سائر الناس" بالغرق؛ كما في القرآن والقصة مبسوطة في التفاسير وغيرها.
"وأما نبينا ﷺ ، فموم رسالته من أصل البعثة، فثبت اختصاصه بذلك" قال في الفتح:стр. 3341
وأما قول أهل الموقف لنوح -كما صح في حديث الشفاعة- أنه أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله، وعلى تقدير أن يكون مرادًا فهو مخصوص بتنصيصه في عدة آيات على أن إرسال نوح كان إلى قومه، ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم.
واستدل بعضهم لعموم بعثته: بكونه دعا على جميع من في الأرض فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة، ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا، لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥] ، وقد ثبت أنه أول الرسل.
وأجيب: بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح.
الحواشي
(١) وغفل الداودي الشارح غفلة عظيمة، فقال: قوله: "لم يعطهن أحد قبلي"، يعني: لم تجتمع لأحد قبله، لأن نوحًا بعث إلى الناس كافة.
وأما لأربع فلم يعط أحد واحدة منهن، وكأنه نظر في أول الحديث، وغفل عن آخر؛ لأنه ﷺ نص على خصوصيته بهذه أيضًا بقوله: "وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه خاصة"، وفي رواية: "وكان كل نبي يبعث إلى قومه خاصة".
"وأما قول أهل الموقف لنوح، كما صح في حديث الشفاعة" عند الشيخين: "أنه أول رسول إلى أهل الأرض، فليس المراد به عموم بعثته، بل إثبات أولية إرساله" إلى من انحصر فيهم الوجود بعد الطوفان؛ فالأولية منصبة على الإرسال، فلا يلزم منه العموم، وأورد هذا آدم وإدريس على أنه كان قبل نوح، فإن حديث ابن حبان دل على أنهما رسولان، وأجيب: بأن المراد أول رسول بعث إلى الأرض بالإهلاك وإنذار قومه؛ لأن رسالة آدم كانت بمنزلة التربية والإرشاد للأولاد، لأنهم لم يكونوا كفارًا، وكذا رسالة إدريس.
"وعلى تقدير أن يكون مرادًا، فهو مخصوص بتنصيصه " أي ذكره "في عدة آيات؛ على أن إرسال نوح كان إلى قومه"؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ الآية، "ولم يذكر أنه أرسل إلى غيرهم"؛ كما قال لنبينا ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ ، ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ الآية، "واستدل بعضهم لعموم بعثته، بكونه دعا على جميع من في الأرض" بقوله: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ الآية، "فأهلكوا بالغرق إلا أهل السفينة" لإيمانهم، "ولو لم يكن مبعوثًا إليهم لما أهلكوا؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ الآية "وقد ثبت أنه أول الرسل، وأجيب بجواز أن يكون غيره أرسل إليهم في أثناء مدة نوح" لأنه كان في الزمن الأول إذاстр. 3342
وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا فدعا على من لم يؤمن من قومه وغيرهم.
فأجيب: وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نبئ في زمن نوح غيره. ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية لنبينا ﷺ في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره بصدد أن يبعث نبي في زمانه أو بعده فينسخ بعض شريعته، انتهى.
وأما قول بعض اليهود: إن نبينا محمد صلى الله علي وسلم مبعوث إلى العرب خاصة، ففاسد. والدليل عليه أنهم -أي اليهود- سلموا أنه رسول صادق إلى العرب، فوجب أن يكون كل ما يقوله.
الحواشي
(١) بعث نبي إلى قومه بعث غيره إلى آخرين، وكان يجمع في الزمن جماعة من الرسل؛ كما قاله ابن الجوزي، فمن جاء من الرسل بشريعة إلى قومه، وجب عليهم العمل بها دون غيرها من الشرائع، وإن بلغتهم عن أصحابها، "وعلم نوح بأنهم لم يؤمنوا، فدعا على من لم يؤمن به من قومه وغيرهم، فأجيب" دعاؤه بإهلاك الجميع بالطوفان، "وهذا جواب حسن، لكن لم ينقل أنه نبئ في زمن نوح غيره" فضلا عن كونه أرسل، "ويحتمل أن يكون معنى الخصوصية" بضم الخاء المعجمة، وتفتح؛ كما في القاموس، وفي المصباح، بالفتح والضم، لغة "لنبينا ﷺ " أي: جعلها له دون غيره "في ذلك بقاء شريعته إلى يوم القيامة، ونوح وغيره، بصدد أن يبعث نبي في زمانه أو بعده" فينسخ بعض شريعته، انتهى" ما نقله عن الحافظ، وترك بقيته، وهو: ويحتمل أن يكون دعاؤه قومه إلى التوحيد بلغ بقية الناس، فتمادوا على الشرك، فاستحقوا العذاب، وإلى هذا نحا ابن عطية في تفسير سورة هود، قال: وغير ممكن أن نبوته لم تبلغ القريب والبعيد لطول مدته.
ووجهه ابن دقيق العيد؛ بأن توحيد الله تعالى يجوز أن يكون عامًا في حق الأنبياء، وإن كان التزام فروع شريعته ليس عامًا، لأن منهم من قاتل غير قومه على الشرك، ولو لم يكن التوحيد لازمًا لهم لم يقاتلهم، ويحتمل أن لم يكن في الأرض عند إرسال نوح إلا وقوم نوح، فبعثته خاصة لكونها إلى قومه فقط، وهي عامة في الصورة لعدم وجود غيرهم، لكن لو اتفق وجود غيرهم لم يكن مبعوثًا إليهم، انتهى.
"وأما قول بعض اليهود: أن نبينا محمد ﷺ مبعوث إلى العرب خاصة، ففاسد، والدليل عليه" أي: على فساده، وفي نسخة: عليهم, أي: الحجة الرادة عليهم "أنهم، أي: اليهود سلموا أنه رسول صادق إلى العرب، صلة رسول، "فوجب أن يكون كل ما يقولهстр. 3343
حقًا، وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى كل الناس، فلو كذبوه فيه لزم التناقض، أشار إليه صاحب المعالم.
ومنها: نصره ﷺ بالرعب مسيرة شهر، والشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع، لعموم رعبه في قلوب أعدائه، فلا يقبل الرعب إلا عدو مقصود ليتميز السعيد من الشقي.
الحواشي
(١) حقًا، لاستحالة الكذب على الرسول.
"وقد ثبت بالتواتر أنه كان يدعي أنه رسول إلى كل الناس، فلو كذبوه فيه لزم التناقض، أشار إليه صاحب المعالم" أي: معالم السنن، شرح أبي داود للخطابي، مرت ترجمته.
"ومنها: نصره ﷺ بالرعب" بالضم الخوف؛ كما قال: "نصرت بالرعب، يقذف في قلوب أعدائي "مسيرة شهر" كما رواه جابر، وأبو أمامة وغيرهما، ولا ينافيه رواية ابن عباس عند الطبراني مسيرة شهرين؛ لحمله على ما إذا كان العدو أمامه وخلفه، فيصدق أنه مسيرة شهرين، ويدل له رواية السائب بن يزيد في الطبراني أيضًا مرفوعًا: "ونصرت بالرعب شهرًا أمامي وشهرًا خلفي".
قال الشامي: فيه أن العدو الواحد لا يكون في وجهين بعيدين، وإنما يكون أمامه أو خلفه، فهو يرعب، ولو لم يقابله، فأطلق الشهر باعتبار إحدى الجهتين، وكذا لو كانا عدوين في جهتين أمامه، وخلفه، فالشهر نهاية مسافة الخوف، ولم أر من نبه على هذا، وهو بديع.
"والشهر قدر قطع القمر درجات الفلك المحيط، فهو أسرع قاطع" حيث قطعها في شهر، فالرعب المقذوف في قلوب أعدائه، أسرع قاطع، لهم عن معاداته؛ "لعموم رعبه في قلوب أعدائه، فلا يقبل" بموحدة "الرعب" قبول تأثير ينتقل به من الكفر إلى الإيمان "إلا عدو مقصود" هدايته، فأثر بقلبه حتى آمن، ولم يقصد هدايته، وإن رعب، لكن لم يتأثر قلبه تأثيرًا يوجب له الإيمان، بل يؤثر ما يوجب سعيه في جمع الجيوش وإهلاك الأموال في حربه؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية، وإنما كان كذلك "ليتميز السعيد من الشقي" ومن ذلك ما للطبراني بسند حسن عن معاوية بن حيدة القشيري، قال: أتيت رسول الله ﷺ ، فلما دفعت إليه، قال: "أما أني سألت الله أن يعينني بالسنة، تحفيكم وبالرعب في قلوبكم" فقال: بيديه جميعًا أما أني قد حلفت هكذا وهكذا أن لا أؤمن بك فما زالت السنة تحفيني، وما زال الرعب يجعل في قلبي حتى قمت بين يديك، والسنة، بفتح السين المهملة، والنون الخفيفة:стр. 3344
ومفهوم هذا: أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة، ولا في أكثر منها، أما ما دونها فلا، لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب: "ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر". فالظاهر اختصاصه به مطلقًا.
وإنما جعل الغاية شهرًا، لأنه لم يكن بين بلده ﵊ وبين أعدائه أكثر من شهر وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق، حتى ولو كان وحده بغير عسكر، وهل هي حاصلة لأمته من بعده فيه احتمال.
ومنها: إحلال الغنائم ولم تحل لأحد قبله.
وكان.
الحواشي
(١) الجدب، وتحفيكم، بضم الفوقية، وسكون المهملة، وفاء تحتية: تستأصلكم وتبالغ في إهلاككم.
"ومفهوم هذا"، كما في الفتح: "أنه لم يوجد لغيره النصر بالرعب في هذه المدة" أي: الشهر، "ولا في أكثر منها" بالأولى، "أما ما دونها فلا" يختص به، بل يكون لغيره؛ "لكن لفظ رواية عمرو بن شعيب" عن أبيه، عن جده: "ونصرت على العدو بالرعب، ولو كان بيني وبينهم مسيرة شهر". "فالظاهر" من الإغياء بلو "اختصاصه به مطلقًا".
قال الحافظ: وليس المراد بالخصوصية مجرد حصول الرعب، بل هو وما ينشأ عنه من الظفر بالعدو، "وإنما جعل الغاية شهرًا؛ لأنه لم يكن بين بلده ﵊" المدينة، "وبين أعدائه أكثر من شهر" في جميع الجهات، "وهذه الخصوصية حاصلة له على الإطلاق حتى لو كان وحده بغير عسكر" ولا يشكل الاختصاص بخوف الجن وغيرهم من سليمان، لأن المراد على الوجه المخصوص الذي كان عليه ﷺ من عدم العلم بالتسخير، بل بمجرد الشجاعة والإقدام البشري.
وأما سليمان ﵇، فكل أحد علم أن له قوة التسخير، "وهل هي حاصلة لأمته من بعده، فيه احتمال" إلى هنا كلام الفتح، وأصل الاحتمال حديث أحمد: "والرعب يسعى بين يدي أمتي شهرًا" قال بعض: الأشهر أنهم رزقوا منه حظًا وافرًا، لكن ذكر ابن جماعة أن في رواية أنهم مثله.
"ومنها: إحلال الغنائم" له ولأمته، "ولم تحل لأحد قبله"، كما في حديث جابر في الصحيحين وغيرهما: "وأحلت لي الغنائم، ولم تحل لأحد قبلي" وقدم المصنف الحديث تامًا في ابتداء الخصائص واستأنف في جواب سؤال ماذا كان يعل فيها من قبله؟ فقال: "وكان"стр. 3345
من تقدم على ضربين، منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته.
قال بعضهم: أعطي ﷺ ما يوافق شهوة أمته، لأن النفوس لها التذاذ بها، لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة، فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوه من الشدة والتعب.
ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا.
الحواشي
(١) كما نقله الحافظ عن الخطابي، "من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد، فلم تكن له مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا غنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه" أي: يتصرفوا فيه، وخص الأكل، لأنه أقوى طرق الانتفاع، "وجاءت نار فأحرقته" إلا الذرية، كما استثناها الحافظ، والمراد بها نساء الكفار وصبيانهم وأرقاؤهم ومجانينهم، وقضية ذلك أنها كانت تحرق الحيوانات، ومجيء النار إذا لم يكن فيها غلول ولا خيانة، وإلا بقيت حتى تذريها الرياح؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين: "غزا نبي من الأنبياء" ... الحديث، وفيه: "فجمع الغنائم، فجاءت النار لتأكلها، فلم تطعمها، فقال: إن فيكم غلولا" , إلى أن قال: "فجاءوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعوها فجاءت النار فأكلتها ثم أحل الله لنا الغنائم، رأى عجزنا وضعفنا، فأحلها لنا". زاد الحافظ: وقيل: المراد أنه خاص بالتصرف في الغنيمة بصرفها حيث شاء، والأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلا.
"قال بعضهم" استئناف بياني، كأنه قيل: ما حكمة ذلك؟ فأجاب بأنه "أعطي صلى الله عليه وسم ما يوافق شهوة أمته؛ لأن النفوس لها التذاذ بها" يعني أن إحلالها له ولأمته، وإن كان تعظيمًا له وإكرامًا، ليس إلى الدنيا، ولا لرغبته فيها لنفسه، بل ذلك توسعة على أمته لاحتياجهم إليها ورغبتهم فيها؛ "لكونها حصلت لهم عن غير قهر منهم لتحصيلها وغلبة" بفتح الغين، أي: قهر، "فلا يريدون أن يفوتهم التنعم بها في مقابلة ما قاسوه" صلة التنعم، أي: يريدون التنعم في نظير ما قاسوه "من الشدة" بالكسر اسم من الاشتداد، "والتعب" عطف لازم على ملزوم، ثم لا يرد على ذلك؛ أن المراد بالغنيمة ما يشمل الفيء، لأن كلا منهما إذا انفرد عم الآخر، والفيء لا يشترط حصوله عن قهر وغلبة، بل يشمل ما انجلوا عنه بلا قتال، وما أهدوه والحرب قائمة وغير ذلك؛ لأن ذلك كله يصدق عليه أنه عن قهر في الجملة، إذ لولا خوفهم ما أهدوا وما جلوا عن شيء يتعلق بهم.
"ومنها: جعل الأرض له ولأمته مسجدًا وطهورًا" بفتح الطاء على المشهور؛ كماстр. 3346
والمراد: موضع سجود، أي: لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أن يكون مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه، لأنه لما جازت الصلاة في جميعها كانت كالمسجد في ذلك. وقيل المراد: جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا ولم تجعل له طهورًا، لأن عيسر كان يسيح في الأرض، ويصلي حيث أدركته الصلاة، قاله ابن التين ومن قبله الداودي. وقيل: إنما أبيح لهم في موضع يتيقنون طهارته، بخلاف هذه الأمة فأبيح لهم في جميع الأرض، إلا فيما تيقنوا نجاسته.
الحواشي
(١) قال ﷺ : "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل حيث كان"، رواه الشيخان وغيرهما عن جابر، وقدمه المصنف تامًا في مبدأ الخصائص، فعجيب قول الشارح لم يذكر المصنف الحديث الدال لهذه ولحل الغنائم، ولكن آفة العلم النسيان.
"والمراد: موضع سجود" تباح الصلاة فيه، حيث لا مانع كنجاسة، فأطلق السجود على الصلاة، مجازًا من تسمية الكل باسم الجزء، "أي: لا يختص السجود منها، بموضع دون غيره" بل يشمل كل مكان، "ويمكن أن يكون" المسجد "مجازًا عن المكان المبني للصلاة، وهو من مجاز التشبيه" أي: شبه الموضع الذي جاز فيه السجود، ولو في صحراء بالبيت المهيأ للصلاة، وأطلق عليه اسمه، وهو المسجد؛ "لأنه لما جازت الصلاة في جميعها، كانت كالمسجد في ذلك" فيكون استعارة تصريحية، أو أنه قصد تشبيهه به بتقدير الأداة، وكأنه قيل: الموضع الذي يباح فيه السجود، كالبيت المهيأ للصلاة في جوازها فيه، لكن هذا الثاني لا يطابق قوله، وهو من مجاز التشبيه.
"وقيل: المراد" ليس هذا مقابلا لما قبله، إذ الأول بيان لمدلول اللفظ، وهذا في جهة الخصوصية، ولفظ الفتح الذي نقل عنه المصنف ظاهر؛ لأنه ليس فيه هذه الواو وعبارته.
قال ابن التين: قيل المراد "جعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، وجعلت لغيري مسجدًا، ولم تجعل له طهورًا، لأن عيسى كان يسيح في الأرض ويصلي حيث أدركته الصلاة" فالخصوصية لنا الجمع بين جواز الصلاة في أي محل، وبين كون الصعيد طهورًا والمسجد شورك فيه على ما "قاله" عبد الواحد "ابن التين، ومن قبله" أحمد بن نصر "الداودي" كلاهما في شرح البخاري، وسبقهما ابن بطال لذلك، ولم يبنوا على هذا حكم أمة عيسى في صلاتهم، لكن الأصل أن ما شرع لنبي شرع لأمته.
"وقيل: إنما أبيح لهم في موضع يتيقنون طهارته بخلاف هذه الأمة، فأبيح لهم في جميع الأرض؛ إلا فيما تيقنوا نجاسته" فالخصوصية على هذا جواز الصلاة في مظنونстр. 3347
والأظهر: ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة نحو البيع والصوامع ويؤيده رواية عمرو بن شعيب بلفظ: "وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم" وهذا نص في موضع النزاع فتثبت الخصوصية، ويؤيده ما رواه البزار من حديث ابن عباس، نحو حديث جابر وفيه: ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه، قاله في فتح الباري.
ومنها: أن معجزته ﵊ مستمرة إلى يوم القيامة، ومعجزات
الحواشي
(١) الطهارة، "والأظهر ما قاله الخطابي، وهو أن من قبله إنما أبيحت لهم الصلاة في أماكن مخصوصة نحو البيع" كنائس النصارى "والصوامع" للرهبان، فإن تعذر مجيئهم لها لنحو سفر، لم يصلوا على ظاهره، فيسقط عنهم أداؤها، ويقضون إذا بلغوها.
قال بعض شراح الرسالة القيروانية: كان من مضى من الأمم إنما يصلون بالوضوء في مواضع اتخذوها وسموها بيعًا، وكنائس وصوامع، فمن غاب منهم عن موضع صلاته لم يجز له أن يصلي في غيره من بقاع الأرض حتى يعود إليه، ثم يقضي كل ما فاته، وكذا إذا عدم الماء لم يصل حتى يجده، ثم يقضي ما فاته، وخصت اليهود برفع الجنابة بالماء الجاري دون غيره، انتهى، وهو ظاهر الأحاديث المذكورة في قوله: "ويؤيده رواية عمرو بن شعيب" عن أبيه، عن جده، "بلفظ: "وكان من قبلي إنما يصلون في كنائسهم". وهذا" اللفظ "نص في موضع النزاع" وهو هل الخصوصية بالمسجد أيضًا كالطهارة، "فتثبت الخصوصية" بالمسجد، كما هي ثابتة بالطهارة، "ويؤيده" أيضًا "ما رواه البزار من حديث ابن عباس نحو حديث جابر" المتقدم قبل عد الخصائص في المتن، "وفيه: ولم يكن أحد من الأنبياء يصلي حتى يبلغ محرابه" فهاتان الروايتان صريحتان في سقوط الأداء، ويقضون إذا رجعوا؛ كما جزم به بعض، كما رأيت، ويؤيده ظاهر قوله: حتى يبلغ محرابه، فلا اتجاه لما قيل: هل سقط عنهم مطلقًا، أو أداؤها، ويقضون إذا رجعوا، أو محل الحصر في الكنائس ونحوها في الحضر لا السفر، ويكون محل خصوصية الأمة المحمدية الصلاة بأي محل، ولو بجوار المسجد، وسهولة الصلاة فيه، بل هو تقصير، ويمنع الثالث حديث ابن عباس المذكور والحصر في الحديث قبله، إذ التقييد لا بد له من دليل، "قاله في فتح الباري" في كتاب التيمم في شرح حديث جابر المتقدم.
"ومنها: أن معجزته ﵊" إضافة عهدية أي المتبادرة المعهودة شرعًا وهي القرآن، وبه أفصح السيوطي "مستمرة إلى" قرب "يوم القيامة" حتى ترفع "ومعجزاتстр. 3348
سائر الأنبياء انقرضت لوقتها، فلم يبق إلا خبرها.
والقرآن العظيم لم تزل حجته قاطعة ومعارضته ممتنعة.
ومنها: أنه أكثر الأنبياء معجزة. قال القاضي عياض: أما كونها كثيرة فهذا القرآن كله معجز، وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض الأئمة المحققين بسورة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أو آية في قدرها، وذهب بعضهم: إلى أن كل آية منه كيف كانت معجزة، وذهب آخرون إلى أن كل جملة منتظمة.
الحواشي
(١) سائر الأنبياء انقرضت لوقتها، فلم يبق إلا خبرها" ولم يشاهدها إلا من حضرها وأكثرها حسية تشاهد بالبصر كناقة صالح وعصا موسى لبلادة أممهم، "والقرآن العظيم" الذي أريد بالمعجزة المستمرة "لم تزل حجته قاطعة" وهي عقلية تشاهد بالبصيرة لفرط ذكاء هذه الأمة فلا يمر عصر إلا ويظهر فيه شيء أخبر بأنه سيكون، "ومعارضته ممتنعة" لإعجازه فكان من يتبعه لأجلها أكثر إذ ما يدرك بالعقل يشاهده كل من جاء بعد الأول، وجميع معجزات المصطفى آحاد إلا القرآن، وحكمة ذلك مرت للمصنف في انشقاق القمر عن الخطابي وغيره.
"ومنها: أنه أكثر الأنبياء معجزة" فقد قيل: إنها تبلغ ألفًا، وقيل: ثلاثة آلاف، حكاهما البيهقي سوى القرآن، ففيه ستون ألف معجزة تقريبًا. قال الحليمي: وفيها مع كثرتها معنى آخر وهو أنه ليس في شيء من معجزات غيره ما ينحو نحو اختراع الأجسام، وإنما ذلك في معجزات نبينا خاصة نقله في الأنموذج.
"قال القاضي عياض" في الشفاء: ومعجزات نبينا خاصة أظهر من سائر معجزات الرسل بوجهين كثرتها وأنه لم يؤت نبي إلا وعند نبينا مثلها، أو ما هو أبلغ منها وقد نبه اناس على ذلك. "أما كونها كثيرة، فهذا القرآن كله معجز" دليل لكثرتها، وفي نسخة من الشفاء: وهذا بالواو بدل الفاء، فالتقدير: فهذا القرآن موجود معروف وجميع أجزائه معجز فناهيك به كثرة، "وأقل ما يقع الإعجاز فيه عند بعض الأئمة المحققين بسورة" بباء الجر داخلة على الخبر، وفي نسخ إسقاطها ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، وهي أقصر سورة في القرآن، "أو آية في قدرها" أي: مساوية لها في الحروف والكلمات وهي ثلاث آيات فأقل ما يقع الإعجاز به ثلاث آيات سورة أولا بحيث يظهر فيه تفاصيل قوى البلاغة، "وذهب بعضهم إلى أن كل آية منه كيف كانت" مقدار سورة أم لا؟ "معجزة" وقال قوم: لا يحصل الإعجاز بآية بل تشترط الآيات الكثيرة إذ لم يقم دليل على عجزهم عن معارضة أقل من سورة، وقيل: يتعلق الإعجاز بسورة طويلة كانت أو قصيرة تشبثًا بظاهر قوله: ﴿بِسُورَةٍ﴾ . "وذهب آخرون إلى أن كل جملة منتظمة" أي: مفيدة تامةстр. 3349
منه معجزة، وإن كانت من كلمة أو كلمتين.
قال القاضي: والحق ما ذكرناه أولا، لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ [البقرة: ٢٣] فهو أقل ما تحداهم به، مع ما ينصر هذا القول من نظر وتحقيق يطول بسطه.
فإذا كان هذا، ففي القرآن من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف على عدد بعضهم.
الحواشي
(١) "معجزة وإن كانت من كلمة أو كلمتين" لا يرد كيف تكون جملة منتظمة وهي كلمة؛ لأنه يكون فيها مقدر كمدهامتان، وقال آخرون: يتعلق بقليل القرآن وكثيره بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ . قال القاضي: ولا دلالة في الآية لأن الحديث التام لا تتحصل حكايته في أول كلمات سورة.
"قال القاضي" عياض: "والحق ما ذكرناه أولا" أن المعجزة أقصر سورة أو مقدارها؛ "لقوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ﴾ أي سورة كانت ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ ، في الإعجاز ودخل مقدار السورة فيه بدلالة النص فلا يتوهم أنه ليس فيه دليل على مدعاه، "فهو" أي ما ذكر "أقل ما تحداهم" الله أو رسوله "به" أي طلب منهم معارضته "مع ما ينصر هذا القول" المذكور أولا، أي: يقويه ويؤيده "من نظر" أي فكر وتدبر "وتحقيق يطول بسطه" ببيان الأدلة والبراهين القائمة لمن تدبره، ونظير ما فيه من مراعاة كل مقام وما احتوى عليه من الجزالة واللطافة التي تحير العقول فقد تحداهم أولا بجملته، فقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ، ثم بعشر سور فأتوا بعشر سور مثله ثم بسورة فسجل عجزهم بعد إرخاء عنان التكليف، "فإذا كان هذا" أي ثبت أن ما تحداهم به هذا المقدر الأقل، "ففي القرآن من الكلمات نحو من سبعة وسبعين ألف كلمة ونيف" أي: زيادة عليه "على عدد بعضهم" إن هذا مقداره وفي قدر هذا الزائد خلف، قال في الإتقان: عد قوم كلمات القرآن سبعة وسبعين ألف كلمة وتسعمائة وأربعًا وثلاثين كلمة، وقيل: وأربعمائة وسبعًا وثلاثين، وقيل: ومائتان وسبع وسبعون وقيل غير ذلك، قيل: وسبب الاختلاف في عدد الكلمات أن الكلمة لها حقيقة ومجاز ولفظ ورسم واعتبار كل منها جائز، وكل من العلماء اعتبر أحد الجوائز، قال: والاشتغال باستيعاب ذلك مما لا طائل تحته وقد استوعبه ابن الجزري في فنون الأفنان فراجعه منه، فإن كتابنا موضوع للمهمات، لا لمثل هذه البطلات، وقد قال السخاوي: لا أعلم لعدد الكلمات والحروف فائدة؛ لأن ذلك إنما يفيد في كتاب يمكن فيه الزيادة والنقص، والقرآن لا يمكن فيه ذلك، انتهى. فلفظ: نحو للمصنف زائد؛ لأن واحد من هذه الأقوال يصدق عليه أنه نيف.стр. 3350
وعدد كلمات ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ عشر كلمات، فيتجزأ القرآن على نسبة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أزيد من سبعة آلاف جزء، كل واحد منها معجز في نفسه، ثم إعجازه -كما تقدم- بوجهين. بلاغته، وطريق نظمه، فصار في كل جزء من هذا العدد معجزاته فتضاعف العدد من هذا الوجه.
الحواشي
(١) "وعدد كلمات ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ عشر كلمات، فيتجزأ القرآن على نسبة ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أي: على مقدارها وأتى بنسبة ليشمل آية واحدة وقدرها؛ كما مر، فالنسبة مجاز عن المقدار "أزيد من سبعة آلاف جزء" أي: بسبعمائة جزء وشيء؛ لأن السبعين ألفًا إذا قسمت على العشرة خرج لكل واحد منها سبعة آلاف، وإذا قسمت السبعة آلاف خرج لكل واحد منها سبعمائة فيصير الحاصل أن كل جزء سبعة آلاف وسبعمائة والنيف يختلف الخارج منه بحسب الخلاف فيه، "كل واحد منها معجز في نفسه" أي: بقطع النظر عن غيره "ثم إعجازه" أي القرآن؛ "كما تقدم" من ذكر الاختلاف في قدره "بوجهين" الأول "بلاغته" أي: ما فيه من مراعاة الوجوه التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال فهي من جهة المعنى، "والثاني "طريق نظمه" أي أسلوبه وكونه على نسق لا يشبه غيره من الكلام نظمًا وسجعًا ونثرًا وتناسب كلماته وجملة وإيتاء كل كلمة منه ما تستحقه وتنزيلها في محل لا يليق بها غيره، كما يعرفه من ذاق طعم البلاغة، "فصار في كل جزء من هذا العدد معجزتان" من جهة بلاغته ونظمه، "فتضاعف" ماض من التفاعل أو مضارع من المفاعلة "العدد" أي: عدد معجزته "من هذا الوجه" المشتمل على البلاغة والنظم، قال ابن عطية: الصحيح والذي عليه الجمهور والحذاق في وجه إعجازه أنه بنظمه وصحة معانيه وتوالي فصاحة ألفاظه وذلك أن الله أحاط بكل شيء علمًا وأحاط بالكلام كله، فإذا تركبت اللفظة من القرآن علم بإحاطته أي لفظة تصلح أن تلي الأولى، وتبين المعنى بعد المعنى ثم كذلك من أول القرآن إلى آخره والبشر يعمهم الجهل والنسيان والذهول، ومعلوم ضرورة أن أحدًا من البشر لا يحيط بذلك فبهذا جاء نظم القرآن في الغاية القصوى من الفصاحة، وبهذا يبطل قول من قال: إن العرب كان في قدرتها الإتيان بمثله فصرفوا عن ذلك. والصحيح أنه لم يكن في قدرة أحد قط، ولهذا ترى البليغ يفتتح القصيدة أو الخطبة حولا ثم ينظر فيها يتعرفها وهلم جرًا، وكتاب الله سبحانه لو نزعت منه لفظة ثم أدير لسان العرب على لفظة أحسن منها لم يوجد، ونحن تتبين لنا البلاغة في أكثره ويخفى علينا وجهها في مواضع لقصرنا عن مرتبة العرب يومئذ في سلامة الذوق، وجودة القريحة، وإقامة الحجة على العالم بالقرآن؛ لأنهم كانوا أرباب الفصاحة ومظنة المعارضة كما قامت الحجة في معجزة موسى بالسحر، وفي معجزة عيسى بالطب، فكأن السحر انتهى في مدة موسى إلى غايته، وكذاстр. 3351
ثم فيه وجوه إعجاز آخر، من الإخبار بعلوم الغيب، فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئية الإخبار عن أشياء من الغيب، كل خبر منها بنفسه معجز، فتضاعف العدد كرة بعد أخرى.
ثم وجوه الإعجاز الآخر التي ذكرناها توجب التضعيف، هذا في حق القرآن، فلا يكاد يأخذ العد معجزاته، ولا يحوي الحصر براهينه.
ومن ذلك انشقاق القمر وتسليم الحجر، وحنين الجذع ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك، كما ذكره ابن عبد السلام وغيره، وتقدم ما فيه من المباحث.
ومنها: أنه خاتم الأنبياء والمرسلين.
الحواشي
(١) الطب في زمن عيسى، والفصاحة في زمن محمد ﷺ ، انتهى.
"ثم فيه وجوه إعجاز آخر" غير الطريقين "من الإخبار بعلوم الغيب" أي الأمور المغيبة سابقة أو لاحقة بيان لوجوه، "فقد يكون في السورة الواحدة من هذه التجزئة" أي الأجزاء المذكورة المضاعفة من جهتي الإعجاز "الإخبار عن أشياء من الغيب" الأمور المغيبة عن علمنا "كل خبر منها بنفسه معجز" باعتبار إخباره عن الغيب وقطع النظر عن غيره من وجوه الإعجاز، "فتضاعف" ماض أو مضارع؛ كما مر "العدد" المذكور، أي: العدد المضاعف لقوله: "كرة" أي: مرة "بعد أخرى" أي: بعد مضاعفته السابقة "ثم وجوه الإعجاز الآخر التي ذكرناها" وهي ذكر المغيبات "توجب التضعيف" الزيادة إلى ما لا يكاد يحصى كثرة "هذا في حق القرآن" دون غيره من المعجزات الزائدة على معجزات سائر الأنبياء، "فلا يكاد يأخذ العد" وفي نسخة: العدد، وهما بمعنى "معجزاته" أي: لا يحيط بها لكثرتها، فالمراد بالأخذ الإحاطة مجازًا بليغًا؛ كقوله: ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾ ، وهو مبالغة، ولذا قال: لا يكاد "ولا يحوي الحصر" أي: الإحاطة "براهينه" أي: أدلته القاطعة الدالة على ثبوت رسالته لسائر الخلق وبقية كلام الشفاء في هذا الوجه ثم الأحاديث الواردة في هذه الأبواب، أي: أبواب معجزاته وما دل على أمره مما أشرنا إلى جمل منه تبلغ نحوًا من هذا، أي: المقدار الكثير. "ومن ذلك انشقاق القمر، وتسليم الحجر، وحنين الجذع، ونبع الماء من بين أصابعه ﷺ ، ولم يثبت لواحد من الأنبياء مثل ذلك" المذكور من الأربع، وكذا اختراع الأجسام كتكثير التمر والطعام؛ "كما ذكره ابن عبد السلام عز الدين "وغيره وتقدم ما فيه من المباحث" في المعجزات.
"ومنها: أنه خاتم الأنبياء والمرسلين" كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمُстр. 3352
قال ﷺ : "مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتًا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به ويتعجبون له ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة، فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين". رواه البخاري ومسلم.
الحواشي
(١) النَّبِيِّينَ﴾ ، أي: آخرهم الذي ختمهم أو ختموا به على قراءة عاصم بالفتح، وروى أحمد والترمذي والحاكم بإسناد صحيح عن أنس مرفوعًا: "إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي"، وقيل: من لا نبي بعده يكون أشفق على أمته وهو كالوالد لولد ليس له غيره، ولا يقدح نزول عيسى بعده؛ لأنه يكون على دينه مع أن المراد أنه آخر من نبئ، وكذا الخضر والياس على بقائهما إلى آخر الزمان تابعان لأحكام هذه الملة.
قال ﵊: "مثلي" مبتدأ "ومثل الأنبياء قبلي" عطف عليه "كمثل رجل" خبره "بنى بيتًا فأحسنه وأكمله" وفي رواية جابر: كرجل بنى دارًا فأكملها وأحسنها "إلا موضع لبنة" بفتح اللام وكسر الموحدة بعدها نون وبكسر اللام وسكون الموحدة أيضًا قطعة طين تعجن وتعد للبناء من غير إحراق فإذا أحرقت فهي آجرة، "من زاوية من زواياه فجعل الناس يطوفون به" بالبيت "ويتعجبون له" أي: لأجله، وفي رواية جابر: فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون أي من حسنها، "ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة"؟ وزاد في رواية أحمد: فيتم بنيانك "فأنا تلك اللبنة وأنا خاتم النبيين" ومكمل شرائع الدين، فإن قيل: المشبه به واحد والمشبه جماعة، فكيف صح التشبيه؟ أجيب: فإنه جعل الأنبياء كرجل واحد لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل، وكذا الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان، ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلي وهو أن يؤخذ وصف من أوصاف المشبه ويشبه بمثله من أحوال المشبه به فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع يتم به صلاح ذلك البيت، وزعم ابن العربي: أن اللبنة المشار إليها كانت في أس الدار المذكورة، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار، قال: وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور. قال الحافظ: وهذا إن كان منقولا فهو حسن، وإلا فليس بلازم نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها، وقد وقع في رواية مسلم: "إلا موضع لبنة من زاوية من زواياها" فظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها ناقصًا وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى الشريعة المحمدية مع ما مضى من الشرائع الكاملة، "رواه البخاري" في أحاديث الأنبياء "ومسلم" في الفضائل من حديث أبي هريرة واللفظ له، ومن حديث جابر بنحوه، وفي الحديث ضرب الأمثال للتقريب للأفهام وفضل النبي ﷺ على سائر الأنبياء وأن الله ختم به النبيين وأكمل شرائع الدين.стр. 3353
ومنها: أن شرعه مؤبد إلى يوم الدين، وناسخ لجميع شرائع النبيين، وأنه أكثر الأنبياء تابعًا كما قال ﵇: فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة. رواه الشيخان من حديث أبي هريرة.
ومنها أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه.
الحواشي
(١) "ومنها: أن شرعه مؤبد" بموحدة: باق "إلى يوم الدين" أي: يوم الجزاء ومنه كما تدين تدان، وبيت الحماسة:
ولم يبق سوى العدوا ... ن دناهم كما دانوا
وقيل: الدين الشريعة والطاعة، فالمعنى يوم جزاء الدين وقد تكفل الله لشرعه ببقائه على ممر الدهور حتى ينزل عيسى فيحكم به ثم يضمحل عند قيام الساعة بموت الطائفة الذين لا يزالون قائمين بالحق لا يضرهم من خالفهم حتى يأتي الله، أي: ربح لينة تقبض أرواحهم فلا يبقى على الأرض من يقول لا إله إلا الله، فتقوم الساعة؛ كما بين في أحاديث.
"وناسخ لجميع شرائع النبيين" إجماعًا حكاه غير واحد نعم خصه الإمام الرازي بالشرائع السمعية لا العقلية فيمتنع نسخة كمعرفة الباري وطاعته، "وأنه أكثر الأنبياء تابعًا؛ كما قال ﵇": "ما من الأنبياء من نبي إلا وقد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة". ورجاؤه محقق وقد جزم به في مسلم عن أنس رفعه: "أنا أكثر الأنبياء تبعًا يوم القيامة"، وروى البزار: "يأتي معي من أمتي يوم القيامة مثل السيل والليل". وخصها لأنها يوم ظهور ذلك، "رواه الشيخان من حديث أبي هريرة" ورتب قوله: "فأرجو" ... إلخ، على ما تقدم من معجزات القرآن المستمرة لكثرة فائدة وعموم نفعه لاشتماله على الدعوة والحجة والإخبار بما سيكون فعم نفعه من حضر ومن غاب من وجد ومن سيوجد، فحسن ترتيب الرجاء على ذلك، وهذا قد تحقق فإنه أكثرهم تبعًا ودل الحديث على أن النبي لا بد له من معجزة تقتضي إيمان من شاهدها بصدقه ولا يضره من أصر على المعاندة، وقوله: ما مثله ما موصول وقعت مفعولا ثانيًا لأعطى ومثله مبتدأ وآمن خبره، والمثل يطلق ويراد به عين الشيء وما يساويه والمعنى أن كل نبي أعطي آية أو أكثر من شأن من يشاهدها من البشر أن يؤمن لأجلها وعليه بمعنى اللام أو الباء ونكتة التعبير بها تضمنها معنى الغلبة، أي: يؤمن بذلك مغلوبًا عليه بحيث لا يستطيع دفعه عن نفسه لكن قد يخذل فيعاند؛ كما قال تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ ، وقوله: "وإنما كان الذي أوتيته وحيًا"، أي: القرآن، المراد النوع المختص به أو أعظمها وأفيدها لا حصر معجزاته فيه؛ لأنها لم تنحصر فيه أو أنه لا مثل له لا صورة ولا حقيقة بخلاف غيره من المعجزات، فلا يخلو عن مثل، وقيل غير ذلك؛ كما بسطه في الفتح.
"ومنها: أنه لو أدركه الأنبياء لوجب عليهم اتباعه" لقوله ﷺ : "لو كان موسى حيًاстр. 3354
كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى.
ومنها أنه أرسل إلى الجن.
الحواشي
(١) ما وسعه إلا اتباعي"، رواه أبو نعيم وغيره، "كما سيأتي تقريره إن شاء الله تعالى" في المقصد السادس، وسبقت الإشارة إليه في ذا المقصد والمقصد الأول.
"ومنها: أنه أرسل إلى الجن" وهم كما قال الحافظ عن أبي يعلى بن الفراء الحنبلي: أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة يجوز. أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافًا لدعوى المعتزلة أنها رقيقة وأن امتناع رؤيتنا لهم من جهة رقتها، وهو مردود بأن الرقة لا تمنع الرؤية، ويجوز أن يخفي عن رؤيتنا بعض الأجساد الكثيفة إذا لم يخلق الله فينا إدراكها. وروى البيهقي عن الشافعي: من زعم أنه يرى الجن أبطلنا شهادته إلا أن يكون نبيًا، وهو محمول على من ادعى رؤيتهم على صورهم التي خلقوا عليها. وأما من ادعى أنه يرى شيئًا منهم بعد أن يتصور على صورة شيء من الحيوان، فلا يقدح فيه وقد تواترت الأخبار بتطورهم في الصور، واختلف المتكلمون هل هو تخيل فقط ولا ينتقل أحد عن صورته الأصلية، أو ينتقلون لكن لا اقتدار لهم على ذلك بل بضرب من الفعل إذا فعله انتقل كالسحر، وهذا قد يرجع إلى الأول. قال ابن عبد البر: الجن عند الجماعة مكلفون، قال عبد الجبار: لا نعلم خلافًا بين أهل النظر في ذلك إلا ما حكي عن بعض الحشوية أنهم مضطرون إلى أفعالهم وليسوا مكلفين. قال: والدليل للجماعة ما في القرآن من ذم الشياطين والتحرز من شرهم وما أعد لهم من العذاب، وهذه الخصال إنما تكون لمن خالف الأمر وارتكب النه مع تمكنه من أن لا يفعل والآيات والأخبار الدالة على ذلك كثيرة جدًا، وإذا تقرر تكليفهم فهم مكلفون بالتوحيد وأركان الإسلام. وأما ما عداه من الفروع ففيه خلاف، لما ثبت أن الروث والعظم زاد الجن، وفي رواية في الصحيح: أنهما طعام الجن، فدل على جواز تناولهم الروث وهو حرام على الإنس؛ كذا في فتح الباري ولا دليل في حديث الروث، لأنه علف دوابهم، كما في الصحيح. وقد نقل ابن عطية وغيره الإجماع على أن الجن متعبدون بهذه الشريعة، فإن قيل: لو كانت الأحكام بجملتها لازمة لهم لترددوا إلى النبي ﷺ حتى يتعلموها مع أنهم إنما اجتمعوا به قليلا، أجيب بأنه لا يلزم من عدم اجتماعهم به وحضورهم مجلسه وسماعهم كلامه أن لا يعلموا الأحكام فإن في الآثار والأخبار أن مؤمنيهم يصلون، ويصومون، ويحجون، ويطوفون، ويقرءون القرآن، ويتعلمون العلوم ويأخذونها عن الإنس، ويروون عنهم الأحاديث، وإن لم يشعروا بهم وبأنه يمكن اجتماعهم بالنبي ﷺ من غير أن يراهم المؤمنين، ويكون هو يراهم دون أصحابه بقوة يعطيها الله له زائد عن قوة أصحابه، ثم لا خلاف أنهم يعاقبون على المعاصي.стр. 3355
اتفاقًا، والدليل على ذلك قبل الإجماع: الكتاب والسنة، قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ، وقد أجمع المفسرون على دخول الجن في هذه الآية، وهو مدلول لفظها.
الحواشي
(١) واختلف: هل ينامون؟ وإليه ذهب الجمهور، وقال به الأئمة الثلاثة والأوزاعي وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعليه فهل يدخلون مدخل الإنس؟ وهو قول الأكثر والأشهر والأكثر أدلة، زاد الحارث بن أسد المحاسبي: ونراهم في الجنة ولا يرونا عكس الدنيا، قال الضحاك: ويأكلون فيها ويشربون، وقال مجاهد: يلهمون التسبيح والتقديس فيجدون فيه ما يجده الإنس من اللذة أو يكونون في ربض الجنة أو العراف أو الوقف أقوال، واستدل الإمام مالك على أن لهم الثواب وعليهم العقاب بقوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ ، ثم قال: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ، والعذاب للإنس والجن فإذا ثبت أن فيهم مؤمنين، ومن شأن المؤمنين أن يخاف مقام ربه ثبت المطلوب، واستدل ابن وهب بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ ، وابن عبد الحكم وغيره بقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ بعد قوله: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ، وذهب أبو حنيفة وليث بن أبي سليم أن ثواب الجن أن يجاروا من النار ثم يكونوا أترابًا، واحتجا بقوله تعالى: ﴿وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ ، وقوله: ﴿فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلَا يَخَافُ بَخْسًا وَلَا رَهَقًا﴾ ، قالا: فلم يذكر في الآيتين ثوابا غير النجاة من العذاب، وأجيب بأن الثواب مسكوت عنه وأن ذلك من قول الجن، فيجوز أنهم لم يطلعوا على ذلك وخفي عليهم ما أعد الله لهم من الثواب.
وروى ابن مردويه وأبو الشيخ وابن أبي الدنيا والحكيم الترمذي والديلمي بإسناد فيه ضعف عن أبي الدرداء مرفوعًا: "خلق الله الجن ثلاثة أصناف: صنف حيات وعقارب وخشاش الأرض، وصنف كالريح في الهواء، وصنف عليهم الحساب والعقاب" "اتفاقًا" أي: إجماعًا بدليل قوله: "والدليل على ذلك قبل الإجماع" المعلوم من الدين بالضرورة "الكتاب والسنة" أما الكتاب، فقد "قال الله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ منذرًا أو إنذارًا كالتكبير بمعنى الإنكار، "وقد أجمع المفسرون على دخول الجن في هذه الآية" ولا يقدح فيه القول بأن المراد الناس فقط؛ لأن كل واحد منهم من حيث اشتماله على نظائر ما في العالم الكبير من الجواهر والأعراض يعلم بها الصانع كما يعلم فيه عالم على حاله، ولذا أمر بالنظر إلى الأنفس في الآفاق، فقيل: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ أما الشذوذ فلم يعتد به حاكى الإجماع أو أن قائله ليس من المفسرين، "وهو مدلول لفظها" بناء على أن العالمين اسم جمع لمن يعقل خاصة، وهم الملائكة والثقلان لا جمع له؛ لأن العالم اسم لما سوى الله فلو كان جمعًا له للزم أن معنىстр. 3356
فلا يخرج عنه إلا بدليل.
وإن قيل إن الملائكة خارجون من ذلك فلا يضر، لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء والأصوليين، ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة.
وقال تعالى في الأحقاف: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ [الأحقاف: ٣١] ، فأمر بعضهم بعضًا بإجابته دليل على أنه داع لهم، وهو معنى بعثته لهم، إلى غير ذلك من الآيات.
الحواشي
(١) المفرد أكثر من معنى الجمع، وهذا أحد قولين. والثاني: أنه جمع شامل لذوي العلم وغيرهم، قال البيضاوي: العالم اسم لما يعلم به كالخاتم والقالب غلب فيما يعلم به الصانع وهو كل ما سواه من الجواهر والأعراض فإنها لإمكانها وافتقارها إلى مؤثر فيها واجب لذاته تدل على وجوده، وإنما جمعت ليشمل ما تحته من الأجناس المختلفة وغلب العقلاء منهم فجمعه بالياء والنون كسائر أوصافهم. وقيل: اسم وضع لذوي العلم من الملائكة والثقلين، انتهى. وإذا كان كذلك، "فلا يخرج عنه إلا بدليل" ولم يوجد فثبت دخولهم في اللفظ "وإن قيل: إن الملائكة خارجون من ذلك" العموم على مذهب الأكثر أنه ليس مرسلا إليهم فتضعف دلالة العام على إفراده لاحتماله التخصيص زيادة على ما خص به، فحيث ثبت استثناء الملائكة من العالمين جاز استثناء الجن أيضًا، فلا تدل الآية على أنه مرسل إليهم، "فلا يضر" ذلك في الاستدلال بها على دخول الجن؛ "لأن العام المخصوص حجة عند جمهور العلماء والأصوليين" مطلقًا لاستدلال الصحابة به من غير نكير، وقيل: إن خص بمعين لا مبهم كاقتلوا المشركين إلا بعضهم، وقيل: إن خص بمتصل كالصفة وقيل غير ذلك، ومحل الخلاف إن لم نقل إنه حقيقة وإلا احتج به جزمًا؛ كما قاله ابن السبكي فتقييد المصنف بالجمهور بناء على أنه مجاز، فإن قلنا حقيق كان حجة عند الجميع.
"ولو بطل الاستدلال بالعمومات المخصوصة" كما قيل به مطلقًا أيضًا، "لبطل الاستدلال بأكثر الأدلة" لكونها مخصوصة وهو خلاف عمل الصحابة والأئمة بعدهم، "وقال تعالى في الأحقاف" ذكر لمن يعلم أو شذ عنه: ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ﴾ ، فأمر بعضهم بعضًا بإجابته دليل على أنه داع لهم وهو معنى بعثته لهم إلى غير ذلك من الآيات" كقوله تعالى: ﴿لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغ﴾ والجن بلغهم القرآن، وقوله تعالى: ﴿سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَا الثَّقَلَانِ﴾ وهما الإنس والجن؛ لأنهما ثقلا الأرض أو لأنهما مثقلان بالذنوب. وقال: ولمن خاف مقام ربهстр. 3357
وأما السنة، ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست" فذكر منها، "وأرسلت إلى الخلق كافة" فإنه يشمل الجن والإنس، وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل فلا يجوز. والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان.
فإن قلت: إن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ٥٨] ، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] ظاهر في اختصاص رسالته ﵇ بالإنس، واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر.
فالجواب: إن هذا إنما يتمشى على مذهب الدقاق.
الحواشي
(١) جنتان ولذا قيل: من الجن مقربون وأبرار كالإنس.
"وأما السنة" قسيم لمقدر كما مر، "ففي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "فضلت على الأنبياء بست" من الخصال وليس المراد الحصر، لأنه فضل بأكثر بل أخبر بما أوحي إليه أولا ثم أخبر بالباقي؛ كما مر بسطه. "فذكر" الحديث المتقدم لفظه في المتن أول الخصائص، فلا ننقله من غيره.
منها: "وأرسلت إلى الخلق كافة" إرساله عامة محيطة بهم لأنها إذا شملتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم، وهذا أصرح الروايات وأشملها، "فإنه يشمل الجن والإنس" بل والملائكة كما يأتي، "وحمله على الإنس خاصة تخصيص بغير دليل، فلا يجوز" لأنه تحكم، "والكلام فيه كالكلام في آية الفرقان" المذكورة أولا إذ العالمين والخلق كل منهما عام، "فإن قلت: إن قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ حال من إليكم والخلق كل منهما عام، "وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ إلا إرساله عامة لهم من الكف؛ فإنها إذا لحقتهم فقد كفتهم أن يخرج منها أحد أو إلا جامعًا لهم في الإبلاغ فهو حال من الكاف والتاء للمبالغة، ولا يجوز جعلها حالا من الناس على المختار، قاله البيضاوي. "ظاهر" ما ذكر من الآيتين ولذا لم يقل ظاهر إن "في اختصاص رسالته ﵇ بالإنس" لأن الخطاب لهم، "واحتمال غير ذلك عدول عن الظاهر" فهل يخالف الآيات والأحاديث الدالة على بعثه إلى الجن؟ "فالجواب: إن هذا" السؤال "إنما يتمشى على مذهب" الأستاذ أبي علي الحسن بن علي النيسابوري "الدقاق" إمام عصره برع في الفقه والأصول والعربية والتصوف، قال الغزالي: كان زاهد زمانه وعالم أوانه له كرامات ظاهرة ومكاشفات باهرة، قيل له: لم زهدت في الدنيا؛ قال: لما زهدت في أكثرها أنفت عن الرغبة في أقلها، مات سنة خمس أو ست وأربعمائة:стр. 3358
القائل بأن مفهوم اللقب حجة، و"الناس" من قبيل اللقب، فإن المسألة المترجمة في الأصول "بمفهوم اللقب" لا تختص باللقب، بل الأعلام وأسماء الأجناس كلها كذلك ما لم تكن صفة. و"الناس" اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له. فهذه الآية ليس فيها أصلا ما يفهم منه أنه ليس رسولا إلى غيرهم إلا على مذهب الدقاق، بل ولا يتم على مذهبه التمسك بهذا المفهوم أيضًا لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض سواه في ذلك الاسم، وحيث غرض لا يقول بالمفهوم، بل يحمل التخصيص على ذلك الغرض، والغرض في الآية التعميم في جميع الناس، وعدم اختصاص الرسالة ببعضهم، فلا يلزم نفي الرسالة عن غيرهم، لا على مذهب الدقاق ولا على مذهب غيره، وإنما خاطب الناس لأنهم الذين تغلب رؤيتهم والخطاب معهم، فمقصود الآية خطاب الناس، والتعميم فيهم لا النفي عن.
الحواشي
(١) "القائل بأن مفهوم اللقب حجة" خصه لاشتهاره بذلك وإلا فقد قال به الصيرفي من الشافعية وهو أقدم منه وأجل وابن خويز منداد من المالكية إذ لا فائدة لذكره إلا نفي الحكم عن غيره كالصفة. وأجيب بأن فائدته استقامة الكلام إذ بإسقاطه يختل بخلاف إسقاط الصفة، "والناس من قبيل اللقب" عند الأصوليين وهو الاسم الجامد سواء كان عالمًا أو اسم جنس لا عند النحاة الذي هو ما أشعر برفعه المسمى أوضعته، "فإن المسألة المترجمة في الأصول بمفهوم اللقب لا تختص باللقب" المشعر بمدح أو ذم، "بل الأعلام كلها وأسماء الأجناس كلها، كذلك لم تكن صفة" ظاهره أنها من أسماء الأجناس، وفي المحلى خلافه فكأن مراده أن أسماء الأجناس لا تشمل الصفة فلا تدخل في اللقب، "والناس اسم جنس غير صفة فلا مفهوم له" فسقط السؤال، "فهذه الآية ليس فيه أصلا ما يفهم منه أنه ليس رسولا إلى غيرهم" أي: اإنس "إلا على مذهب الدقاق" وهو ضعيف "بل" انتقالية، "ولا يتم على مذهبه التمسك بهذا المفهوم أيضًا؛ لأن الدقاق إنما يقول به حيث لم يظهر غرض سواه" أي غيره "في ذلك الاسم" فيوافق الدقاق غيره على عدم اعتبار مفهوم اللقب، "وحيث ظهر غرض" كموافقة الغالب وما معها المذكور في الأصول، "لا يقول" الدقاق "بالمفهوم بل يحمل التخصيص على ذلك الغرض، والغرض في الآية التعميم في جميع الناس وعدم اختصاص الرسالة ببعضهم" كما زعم اليهود والنصارى لا نفي غير الناس، وحينئذ "فلا يلزم نفي الرسالة عن غيرهم لا على مذهب الدقاق ولا على مذهب غيره" وهم الجمهور، "وإنما خاطب الناس" فقط؛ "لأنهم الذين تغلب رؤيتهم والخطاب معهم، فمقصود الآية خطاب الناس والتعميم فيهم لا النفي عنстр. 3359
غيرهم، وهذا إذا قلنا إن لفظ الناس لا يشمل الجن، فإن قلنا إنه يشملهم فواضح.
والاختلاف فيه مبني على الاختلاف في اشتقاق الناس، هل هو من النوس، وهو الحركة، أو من الإنس وهو ضد الوحشة؟ فإذا قلنا بالأول أطلق على الفريقين، ولكن استعماله في الإنس أغلب، فحيث أطلق فالمراد به ولد آدم، وإذا قلنا بالثاني فلا، لأنا لا نبصر الجن ولا نأنس بهم، فدخول الجن في الآية إما ممتنع وإما قليل فلا يحمل عليه، وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بها، لكنها لا تدل على خلافه.
وأما قول الضحاك ومن تبعه: أن الرسل إلى الجن منهم، لقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٠] ، فهو ظاهر الآية،
الحواشي
(١) غيرهم" حتى يتأتى السؤال، "وهذا" كله إنما يحتاج إليه "إذا قلنا: إن لفظ الناس لا يشمل الجن" كما هو أحد القولين، "فإن قلنا: إنه يشملهم" كما هو القول الآخر، "فواضح" عدم تأتي السؤال وتكون الآيتان من جملة أدلة العموم، "واختلاف فيه" أي الشمول للجن "مبني على الاختلاف في اشتقاق الناس هل هو من النوس" المصدر "وهو الحركة" لأن أصل المشتقات المصدر على الراجح، وهو قول البصريين ولذا لم يقل من ناس إذا تحرك لابتنائه على قول الكوفيين إن أصلها الفعل، "أو من الإنس وهو ضد الوحشة، فإذا قلنا بالأول" من النوس "أطلق على الفريقين" لأن الجن يتحركون كالإنس، "ولكن" مع ذلك "استعماله في الإنس أغلب" من استعماله في الجن، "فحيث أطلق فالمراد به ولد آدم" لأنه الأغلب، "وإذا قلنا بالثاني" وهو الإنس، "فلا" يدخل الجن "لأنا لا نبصر الجن ولا نأنس بهم، فدخول الجن في الآية إما ممتنع" على أنه من الإنس. "وإما قليل" على أنه من النوس، "فلا يحمل عليه" الآية "وبهذا يتبين ضعف الاستدلال بها" على أنه مرسل إليهم؛ "لكنها لا تدل على خلافه" وهو خروج الجن عن كونه مرسلا إليهم بل هي ساكنة عنه.
"وأما قول الضحاك" من مزاحم الهلالي أبو القاسم أو أبو محمد الخراساني صدوق كثير الإرسال روى له الأربعة مات بعد المائة، "ومن تبعه: أن الرسل إلى الجن منهم؛ لقوله تعالى: ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ ، فهو ظاهر الآية" قال ابن جرير: لأن الله أخبر أن من الجن والإنس رسلا أرسلوا إليهم، فلو جاز أن المراد برسل الجن رسل الإنس لجاز عكسه وهو فاسد، وأجاب الجمهور بأن معنى الآية أن رسل الإنس رسل من قبل الله إليهم ورسل الجن يتهم الله في الأرض ليسمعوا كلام رسل الإنس ويبلغوه قومهم؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَىстр. 3360
لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملة. وإنما محل الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة، وأما في هذه الملة فنبينا محمد ﷺ هو المرسل إليهم وإلى غيرهم، ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقًا، ولا ينبغي أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع، على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس، ولم يكن من الجن قط رسول، لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك. ونظيره قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] ، وهما يخرجان من الملح دون العذب، وقيل الرسل من الجن رسل الرسل من بني آدم إليهم لا رسل الله، لقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
الحواشي
(١) قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾ الآية؛ "لكن لم يقل الضحاك ولا أحد غيره باستمرار ذلك في هذه الملة" المحمدية، "وإنما محل الخلاف في ذلك في الملل المتقدمة خاصة, وأما في هذه الملة فنبينا ﷺ هو المرسل إليهم وإلى غيرهم" إجماعًا حكاه ابن عبد البر وابن حزم وغيرهما: "ولم ينقل أحد عن الضحاك أن رسل الجن منهم مطلقًا" أي: في الأمم السابقة وهذه الأمة بدليل قوله: "ولا ينبغي أن ينسب إليه ما يخالف الإجماع" ويحتمل أن معنى الإطلاق لا بأنفسهم ولا عن أحد من البشر، فهو مقابل قوله الآتي، وقيل: الرسل من الجن وفيه بعد "على أن الأكثرين قالوا: لم تكن الرسل إلا من الإنس" خاصة، "ولم يكن من الجن رسول قط لكن لما جمعوا مع الجن في الخطاب صح ذلك" من باب الحكم على المجموع فلا يستلزم الحكم على الجميع، "ونظيره قوله: ﴿يَخْرُجُ﴾ بالبناء للفاعل والمفعول ﴿مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، وهما" إنما "يخرجان من الملح دون العذب" على الصحيح، وقول الجمهور: خلافًا لقوم أنه يخرج من العذب أيضًا، قال ابن عطية: وقد رد الناس هذا القول لأن الحسن يكذبه ووجهت آية ﴿يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ أيضًا بأنه لما كان النداء لهما معًا والتوبيخ جرى الخطاب عليهما على سبيل التجوز المعهود في كلام العرب تغليبًا للإنس لشرفهم وتأوله الفراء على حذف مضاف، أي: من أحدكم؛ كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ﴾ ، أي: من أحدهما وهو الملح؛ وكقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ ، أي: في إحداهن وهي سماء الدنيا، و ﴿يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ أراد بالذكر التكبير وبالأيام العشر، أي: أحد أيام العشر وهو يوم النحر.
"وقيل: الرسل من الجن رسل الرسل من بني آدم إليهم" فهم رسل الله بواسطة إذ هم رسل رسله، "لا رسل الله" بلا واسطة؛ "لقوله تعالى: ﴿وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ وهذاстр. 3361
قاله بعض العلماء.
ومنها أنه أرسل إلى الملائكة في أحد القولين، ورجحه السبكي.
الحواشي
(١) منقول عن ابن عباس والضحاك أيضًا ونقل بعضهم عنه موافقة الجمهور أيضًا، "قاله بعض العلماء" وقيل: بعث الله رسولا واحدًا من الجن إليهم اسمه يوسف ونقل عن ابن عباس أنه المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ واحتج ابن حزم على أن الرسل إلى الجن منهم في الأمم السابقة بقوله ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة"، وليس الجن من قوم الإنس فيثبت أنه كاهن منهم أنبياء إليهم، وفي استدلاله بالحديث نظر. وما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: "ومن الأرض مثلهن" قال: سبع أرضين في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم ونبي كنبيكم، فقال البيهقي: إسناده صحيح لكنه شاذ بمرة، يعني: فلا يلزم من صحة إسناده صحة متنه فقد يصح الإسناد، ويكون في المتن شذوذًا وعلة تقدح في صحته؛ كما تقرر عند المحدثين. قال ابن كثير: وهذا إن صح عنه يحمل على أنه أخذه من الإسرائيليات، وهذا أو أمثاله إذا لم يخبر به ويصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله، انتهى. وعلى تقدير ثبوته يكون المعنى أن ثم من يقتدي به مسمى بهذه الأسماء وهم الرسل المبلغون إلى الجن عن أنبياء الله سمي كل منهم باسم النبي الذي يبلغ عنه والله أعلم.
"ومنها: أنه أرسل إلى الملائكة" قال في فتح الباري: قال جمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة ومسكنها السماوات، وأبطل قول من قال إنها الكواكب أو الأنفس الخيرة التي فارقت أجسادها وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها، وجاء في صفتهم وكثرتهم أحاديث، منها ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعًا: "خلقت الملائكة من نور". الحديث، وأخرج الترمذي وابن ماجه والبزار عن أبي ذر مرفوعًا: "أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد". الحديث، وروى الطبراني عن جابر رفعه: "ما في السماوات موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد". وذكر في ربيع الأبرار عن سعيد بن المسيب، قال: الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا"، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يتناكحون، ولا يتوالدون، وفي قصة الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيد أنهم لا يأكلون. وأما ما وقع في قصة الأكل من الشجرة أنها الخلد التي تأكل منها الملائكة فليس بثابت، وفي هذا ما ورد من القرآن رد على أن من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة، انتهى.
في أحد القولين، ورجحه السبكي" والبارزي وابن حزم والسيوطي لأنهم مكلفونстр. 3362
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد ﵊، والعالم هو ما سوى الله تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، وبطل بذلك قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، لأن لفظ "العالمين" يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق.
ولو قيل لمدعي "خروج الملائكة من هذا العموم" أقم الدليل عليه ربما عجز عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذره ﷺ إما ليلة الإسراء وإما غيرها. لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكون.
الحواشي
(١) بالطاعات العملية؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ ، وإن لم يكونوا مكلفين بالوحدانية لظهورهم لهم فتكليفهم بها تحصيل للحاصل ودليل رجحان هذا القول. ما "قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ مخوفًا من عذاب الله، "ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد ﵊" إذ الإضافة عهدية وجاء استعماله بهذا اللفظ فيه: أسرى بعبده أنزل على عبده الكتاب، واشتهر حتى صار كالعلم المخصوص به ﷺ فهو دفع لتجويز أن المراد غيره، "والعالم" بفتح اللام والرفع استئناف "هو ما سوى الله" وليس بالخفض عطفًا على العبد؛ لأنه يكون التقدير ولا نزاع في أن المراد من العالم ما سواه "تعالى" مع أن فيه النزاع، قال المجد: العالم الخلق كله أو ما حواه بطن الفلك، وفي المصباح: العالم الخلق، وقيل: مختص بمن يعقل؛ "فيتناول جميع المكلفين" على أنه الخلق كله "من الجن والإنس والملائكة" وعلى أنه اسم للعاقل فالمكلفون مفهومه والتناول فيه باعتبار كل فرد أو نوع، "وبطل بذلك" أي: شمول الآية لجميع المكلفين "قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض" لمخالفة التخصيص لصريح الآية، "لأن لفظ العالمين يتناول جميع المخلوقات" توجيه للإبطال، "فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق" كلهم ومنهم الملائكة فثبت المطلوب. "ولو قيل لمدعي خروج الملائكة من هذا العموم: أقم الدليل عليه" لأن تخصيص العام لا بد له من دليل، "ربما عجز عنه" فإن اعتل بأنه قال نذيرًا فيخرج الملائكة لعصمتهم، ولأنه لم ينذرهم لم تقبل علته، "فإنه يحمل أن يكون من الملائكة من أنذره ﷺ إما ليلة الإسراء وإما غيرها" وإذا احتمل ذلك بطل تخصيصها بغير الملائكة إذ لا يثبت إلا بدليل، وظاهر الآية شمولها لهم وهو كاف في الاستدلال إذ ليس كل احتمال يقدح فيه بل إنما يقدح الاحتمال القوي، وكذا لا يلزم من العصمة عدم الإنذار ومن يقل منهم إني إله فقد أنذرهم مع العصمة، "لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكونстр. 3363
بالشريعة كلها.
وإذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنوا الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ.
والجمهور: على أن "العالمين" في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن
الحواشي
(١) بالشريعة كلها" إذ لا تتأتى كلها فيهم ومما يدل على شمول الآية للملائكة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ ، قال السيوطي: لم أقف على إنذار في القرآن للملائكة سوى هذه الآية، والحكمة في ذلك واضحة؛ لأن غالب المعاصي راجعة إلى البطن والفرج وذلك ممتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه.
"وإذا قلنا: إن الملائكة هم مؤمنوا الجن السماوية" كما ذهب إليه من زعم أن العقلاء الناطقين فريقان إنس وجان، وكل فريق أخيار وأشرار، فأخيار الإنس هم الأبرار منهم رسل وغير رسل، وأشرارهم الفجار كفار وغير كفار، وأخيار الجن هم الملائكة منهم رسل وغير رسل، وأشرارهم الشياطين، واستدل من قال الملائكة هم خيار الجن، بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ، والمراد قول الكفار: الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك، فدل على أن الملائكة من الجن، وبقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ، فلو كانت الملائكة صنفًا ثالثًا لما ترك التمدح بالقدرة على أشرف خلقه وذكر ما دونه، ورد بأن هذه الآية لبيان ما ركبه من خلق متقدم فلم تدخل الملائكة فيه لأنهم مخترعون، قال تعالى لهم كونوا فكانوا؛ كما قال للأصل الذي خلق منه الإنس والجن وهو التراب والماء والنار والهواء: ﴿كُنْ﴾ فكان، فالملائكة في الاختراع كأصول الإنس والجن لا كأعيانهم، فلذا لم يذكروا معهم كما في الحبائك. "فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه" أي: عموم رسالته للجن بأن يقال للملائكة مؤمنو الجن السماوية ورسالته إلى الجن مجمع عليها، "لزم عموم الرسالة" لهم؛ "لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ" لا اعتداد به؛ لقيام الأدلة على خلافه، ومن أصرحها قوله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". رواه مسلم. قال البيهقي: ففي فصله بينهما دليل على أنه نور آخر غير نور النار، انتهى.
"والجمهور على أن العالمين في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن" فيخرج الملائكة، وهذا من حين الاستدراك الذي قبله، ويمكن أن مراد الجمهور أنها مخصوصة بهما من حيث عمومها لجميع الأحكام من أمر ونهي، فلا ينافي أن إرساله للملائكة لأمر خاص؛ كماстр. 3364
كما فسر بهما حديث: "وأرسلت إلى الخلق كافة" المروي في مسلم.
وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه ﵊ لم يرسل إلى الملائكة، صرح في الباب الخامس عشر بانفكاكهم عن شرعه.
وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي، والبرهان النسفي: حكاية الإجماع في تفسير آي الفرقان على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه العلامة الجلال المحلي، والله أعلم.
وعبارة النسفي: ثم إنهم قالوا هذه.
الحواشي
(١) يقوله السبكي والمحققون، كشرفه ودخولهم تحت دعوته، واتباعه تشريفًا له على سائر المرسلين "كما فسر بهما حديث: "وأرسلت إلى الخلق كافة"، المروي في مسلم" بهذا اللفظ عن أبي هريرة؛ كحديثه عن جابر بلفظ: "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" وللبخاري: "إلى الناس كافة"، "وصرح الحليمي" العلامة البارع، رئيس أهل الحديث بما وراء النهر القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن محمد بن حليم، نسبه إلى جده هذا البخاري الشافعي من أصحاب الوجوه، وأذكياء زمانه، وفرسان النظر, له اليد الطولى في العلوم والأدب.
قال الذهبي: وما هو من فرسان هذا الشأن، أي: الحديث، مع أن له فيه عملا جيدًا، مات سنة ثلاث وأربعمائة، "والبيهقي" أحمد بن الحسين الحافظ الشهير، "في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه ﵊ لم يرسل إلى الملائكة، وصرح في الباب الخامس عشر" من الشعب "بانفكاكهم عن شرعه، وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي" المسمى بأسرار التنزيل "و" تفسير "البرهان النفسي حكاية الإجماع على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه" شارح جمع الجوامع في الكتاب السابع "العلامة الجلال" أي: جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم "المحلى" ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، واشتغل وبرع في الفنون فقهًا، وكلامًا، وأصولا، ونحوًا وغيرها وأخذًا عن الأقصراي والبيجوري والبساطي وغيرهم، وكان آية في الذكاء والفهم، قال في بعض أهل عصره: ذهنه يثقب ألماس، وقال: هو فهمي؛ لا يقبل الخطأ، ولم يكن يقدر على حفظ كراس، وكان ورعًا، صالحًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه، فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم بالدخول عليه، توفي أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة، "والله أعلم" بما في نفس الأمر.
"وعبارة "النسفي" ليست صريحة في حكاية إجماع الأمة، فإنه قال: "ثم إنهم قالوا: هذهстр. 3365
الآية تدل على أحكام: أولها: إن قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة. لكنا أجمعنا على أنه ﷺ لم يكن رسولا إلى الملائكة، بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعًا.
وقد تعقب الجلال المحلي العلامة كمال الدين بن أبي شريف فقال: اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمي: فإنه قال: هذا معنى كلام الحليمي، وفي قوله هذا إشعار التبري من عهدته، وبتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضي عنده. وأما الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة على الأنبياء ﵈. وما نقل عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه.
وأما ما ذكره من حكاية الراوي والنسفي الإجماع على أنه ﵊ لم.
الحواشي
(١) الآية تدل على أحكام، أولها إن قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الآية، يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا" لا نسلم تناوله للملائكة لأنا "أجمعنا على أنه لم يكن رسولا إلى الملائكة" وهذه العبارة تستعمل في إجماع الخصمين المتناظرين، كما يأتي، ويفرض تسليمه، فيمكن حمله على أنه لم يكن رسولا إليهم بشرع، يعملون به؛ لأنهم مطبوعون على ما به، أمروه حتى إن العبادة لهم كالأمور الضرورية لنا، بحيث لا يفترون عنها كالنفس للحيوان، فلا ينافي أنه رسول إليهم بغير ذلك، "بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعًا" بلا نزاع، "وقد تعقب الجلال" مفعول "المحلي" وفاعله، "العلامة كمال الدين بن أبي شريف" المقدسي، ثم المصري الفقيه الأصولي، "فقال: اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمي، فإنه قال هذا معنى كلام الحليمي، وفي قوله هذا إشعار بالتبري من عهدته" فلا ينبغي نسبته حكية الإجماع للبيهقي، "وبتقدير أن لا إشعار فيه" بالتبري، "فلم يصرح بأنه مرضي عنده" فكان ينبغي أن يقول: قال البيهقي: عن الحليمي.
"وأما الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنة، فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة على الأنبياء ﵈" ومحل الخلاف ما عدا نبينا، فإنه أفضل من الملائكة بإجماع حتى من المعتزلة؛ كما قاله جمع من المحققين، كالإمام الرازي، "وما نقل عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه" وهو مردود، فكذا ما بني عليه.
"وأما ما ذكره من حكاية الرازي والنسفي: الإجماع على أنه ﵊ لمследующие страницы →