← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.

стр. 3361

قاله بعض العلماء. ومنها أنه أرسل إلى الملائكة في أحد القولين، ورجحه السبكي.

стр. 3362

قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد ﵊، والعالم هو ما سوى الله تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، وبطل بذلك قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، لأن لفظ "العالمين" يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق. ولو قيل لمدعي "خروج الملائكة من هذا العموم" أقم الدليل عليه ربما عجز عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذره ﷺ إما ليلة الإسراء وإما غيرها. لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكون.

стр. 3363

بالشريعة كلها. وإذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنوا الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ. والجمهور: على أن "العالمين" في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن

стр. 3364

كما فسر بهما حديث: "وأرسلت إلى الخلق كافة" المروي في مسلم. وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه ﵊ لم يرسل إلى الملائكة، صرح في الباب الخامس عشر بانفكاكهم عن شرعه. وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي، والبرهان النسفي: حكاية الإجماع في تفسير آي الفرقان على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه العلامة الجلال المحلي، والله أعلم. وعبارة النسفي: ثم إنهم قالوا هذه.

стр. 3365

الآية تدل على أحكام: أولها: إن قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة. لكنا أجمعنا على أنه ﷺ لم يكن رسولا إلى الملائكة، بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعًا. وقد تعقب الجلال المحلي العلامة كمال الدين بن أبي شريف فقال: اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمي: فإنه قال: هذا معنى كلام الحليمي، وفي قوله هذا إشعار التبري من عهدته، وبتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضي عنده. وأما الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة على الأنبياء ﵈. وما نقل عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه. وأما ما ذكره من حكاية الراوي والنسفي الإجماع على أنه ﵊ لم.

стр. 3366

يكن رسولا إليهم، فقد وقع في نسخ من تفسير الرازي: لكنا بينا بدل أجمعنا، على أن قوله: "أجمعنا" ليس صريحًا في إجماع الأمة، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين، بل لو صرح به لمنع، فقد قال الإمام السبكي في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قال المفسرون كلهم في تفسيرها للجن والإنس، وقال بعضهم: وللملائكة، انتهى. وبالجملة: فالاعتماد على تفسير الرازي والنسفي في حكاية إجماع انفردا بحكايته أمر لا ينهض حجة على طريق علماء النقل، لأن مدارك نقل الإجماع من كلام الأئمة وحفاظ الأمة كابن المنذر وابن عبد البر، ومن فوقهما في الاطلاع كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة.

стр. 3367

ومن يلحق بهما في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان لها من الشهرة عند علماء النقل ما يغني عن بسط الكلام فيها. واللائق بهذه المسألة المتوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى القطع في شيء من الجانبين، انتهى.

стр. 3368

ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] قال السمرقندي: يعني للجن والإنس، وقيل لجميع الخلق، رحمة بالهداية للمؤمن ورحمة للمنافق بالأمان من القتل. وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبي إذا كذب أهلك الله من كذبه، ومحمد ﷺ أخر من كذبه إلى الموت أو القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة. فذاته ﵊ -كما روي- رحمة نعم المؤمن والكافر كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقال: "إنما أنا رحمة مهداة".

стр. 3369

رواه الدارمي والبيهقي من حديث أبي هريرة، وسيأتي في المقصد السادس مزيد لذلك إن شاء الله تعالى. والله الموفق. ومنها: أن الله خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم في القرآن، فقال: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا داود، يا زكريا، يا يحيى، يا عيسى، ولم يخاطبه هو إلا بـ"يا أيها الرسول" "يا أيها النبي" "يا أيها المزمل" "يا أيها المدثر". ومنها أنه حرم على الأمة نداءه باسمه، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] أي لا تجعلوا نداءه وتسميته

стр. 3370

كنداء بعضكم بعضًا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت.

стр. 3371

وقيل: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة. ومنها أنه حبيب الله، وجمع له بين المحبة والخلة، وسيأتي تحقيق ذلك وما فيه من المباحث في آخر المقصد السابع، إن شاء الله تعالى.

стр. 3372

ومنها أنه تعالى أقسم على رسالته وبحياته وببلده وعصره، كما سيأتي ذلك في المقصد الثالث إن شاء الله تعالى. ومنها أنه كلم بجميع أصناف الوحي، كما نقل عن ابن عبد السلام، وسبق تحقيقه في المبعث من المقصد الأول. ومنها أن إسرافيل هبط عليه، ولم يهبط على نبي قبله، أخرج الطبراني من حديث ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك أمرني أن أخيرك إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إليّ بيده أن تواضع

стр. 3373

فلو أني قلت نبيًا ملكًا، لسارت الجبال معي ذهبًا. ومنها أنه سيد ولد آدم، رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة"، وعند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر".

стр. 3374

وإنما قال ذلك إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثًا بنعمة الله عنده، وإعلامًا لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: "ولا فخر" أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها. ومنها أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

стр. 3375

قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ . قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه ﷺ أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة ولم ينقل أنه أخبر أحدًا من الأنبياء، بمثل ذلك ويدل له قولهم في الموقف: نفسي نفسي. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية -يعني آية الفتح- لم يشاركه فيها غيره. وقد أخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمدا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: فما فضله على أهل السماء، قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، وقال لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فقد كتب له براءة.

стр. 3376

قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وقال لمحمد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الإنس والجن. ومنها أنه أكرم الخلق على الله، فهو أفضل من كل المرسلين، وجميع الملائكة المقربين، وسيأتي الجواب عن قوله ﵊ في حديث ابن عباس، عند مسلم: ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى، ونحو ذلك في المقصد السادس إن شاء الله تعالى. ومنها إسلام قرينه. رواه مسلم من حديث ابن مسعود.

стр. 3377

والبزار من حديث ابن عباس. ومنها أنه لا يجوز عليه الخطأ، كما ذكره ابن أبي هريرة والماوردي: وذكره الحجازي في مختصر الروضة.

стр. 3378

وقال قوم: ولا النسيان، حكاه النووي في شرح مسلم. ومنها أن الميت يسأل عنه ﵊ في قبره، فعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس، فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله". الحديث رواه أحمد والبيهقي.

стр. 3379

ومنها أنه حرم نكاح أزواجه من بعده، وقال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، أي: هن في الحرمه كالأمهات، حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية، ولأنهن أزواج له في الآخرة، وهذا في غير المخيرات، فمن اختارت منهن الدنيا ففي حلها للأزواج طريقان: أحدهما طرد الخلاف، والثاني: القطع بالحل واختاره الإمام والغزالي. وأزواجه اللاتي توفي عنهن محرمات على غيره أبدًا، وفي جواز النظر إليهن وجهان: أشهرهما المنع، وثبت لهن حكم الأمومة في احترامهن وطاعتهن وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة بهن والنفقة عليهن والميراث.

стр. 3380

ولا يتعدى ذلك إلى غيرهن فلا يقال بناتهن أخوات للمؤمنين على الأصح. وقيل: إنما حرمن لأنه ﵇ حي في قبره، ولهذا حكى الماوردي أنه لا يجب عليهن عدة الوفاة. وفي التي فارقها في الحياة -كالمستعيذة- والتي رأى بكشحها بياضًا أوجه: أحدها، يحرمن أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي وصححه في الروضة، لعموم الآية، إذ ليس المراد بمن بعده بعدية الموت، بل بعدية النكاح. وقيل: لا. والثالث وصححه إمام الحرمين والرافعي في الصغير: تحريم المدخول بها فقط، لما روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر، فهم عمر برجمه.

стр. 3381

فأخبر بأنها لم تكن مدخولا بها فكف. وفي أمة فارقها بعد وطئها أوجه ثالثها: تحرم إن فارقها بالموت -كمارية- ولا تحرم إن باعها في الحياة، انتهى. ومنها ما عده ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على الله به وليس ذلك لغيره، قال ابن عبد السلام: هذا ينبغي أن يكون مقصورًا على النبي ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به لعلو درجته ومرتبته، انتهى. ومنها أنه يحرم رؤية أشخاص أزواجه في الأزر.

стр. 3382

وكذا يحرم كشف وجوههن وأكفهن لشهادة أو غيرها، كما صرح به القاضي عياض، وعبارته: فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما في الموطإ، أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها، انتهى. قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، فقد كن بعد النبي ﷺ يحجبن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص. انتهى.

стр. 3383

وأما حكم نظر غير أزواجه ﵊ ففي الروضة وأصلها عن الأكثرين: جواز النظر إلى وجه حرة كبيرة أجنبية وكفيها إذا لم تكن فتنة، مع الكراهة، وقوة كلام الشيخين: الرافعي والنووي تقتضي رجحانه، وصوبه في "المهمات" لتصريح الرافعي في الشرح بأن الأكثرين عليها، ولكن نقل ابن العراقي أن شيخه البلقيني قال: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في المنهاج، وقد جزم به في "التدريب"، وقوة كلام الشرح الصغير تقتضي رجحانه، وعلله باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات. ونقلا في الروضة وأصلها هذا الاتفاق وأقراه. وعورضا بنقل القاضي عياض عن العلماء مطلقًا: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في الطريق، وإنما هو سنة، وعلى الرجال غض البصر، وحكاه عنه النووي في شرح مسلم وأقره. قال الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون في تصحيح المنهاج، والله أعلم.

стр. 3384

وكان النكاح في حقه ﵊ عبادة مطلقًا، كما قاله السبكي، وهو في حق غيره ليس بعبادة عندنا، بل من المباحات, والعبادة عارضة له. ومنها أن أولاد بناته ينسبون إليه، قال ﵊ في الحسن: "إن ابني هذا سيد" رواه أبو يعلى.

стр. 3385

ومنها أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه. قال ﵊ كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي. والنسب بالولادة والسبب بالنكاح. قيل: ومعناه أن أمته ينتفعون بالنسبة إليه يوم القيامة بخلاف أمة غيره.

стр. 3386

ومنها: أنه لا يتزوج على بناته. فعن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن ثم لا آذن لهم

стр. 3387

إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها". أخرجه الشيخان، وصححه الترمذي. وعنه أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ ، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي ﷺ فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل.

стр. 3388

قال المسور: فقال النبي ﷺ فسمعته حين تشهد قال: "أما بعد، فإني أنكحت أبا العاصي بن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد بضعة مني، وإنما أكره أن يفتنوها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدًا". قال: فترك علي الخطبة أخرجه الشيخان.

стр. 3389

واسم بنت أبي جهل هذه: جويرية، أسلمت وبايعت، وتزوجها عتاب بن أسيد، ثم أبان بن سعيد بن العاصي. قال أبو داود: حرم على علي أن ينكح على فاطمة في حياتها، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] . وذكر الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص: أنه يحرم التزويج على بنات النبي ﷺ .

стр. 3390

ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بفاطمة ﵂، وقد علل ﷺ بأن ذلك يؤذيه، وإذايته حرام بالاتفاق، وفي هذا تحريم أذى من يتأذى النبي ﷺ بتأذيته، لأن إيذاء النبي ﷺ حرام اتفاقًا قليله وكثيره. وقد جزم ﵊ بأنه يؤذيه ما آذى فاطمة، فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء تأذت به فهو يؤذي النبي ﷺ بشهادة الخبر الصحيح.

стр. 3391

وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبي ﷺ أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان ﷺ يستكثر من الزوجات، ويوجد منهن الغيرة ومع ذلك ما راعى ﷺ ذلك في حقهن، كما رعاه في حق فاطمة. وأجيب: بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادة عليه وهو زوجهن ﷺ لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخاطر، بحيث إن كل واحدة منهن ترضى به بسبب خلقه وترضى بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قريب. ومنها: أنه لا يجتهد في محراب صلى إليه يمنة ولا يسرة، وأفتى شيخ الإسلام أبو زرعة.

стр. 3392

ابن العراقي في شخص امتنع من الصلاة إلى محراب النبي ﷺ وقال: أنا أجتهد وأصلي، بأنه إن فعل ذلك مع الاعتراف بأنه على ما كان في زمن النبي ﷺ فهو ردة، وإن ذكر تأويلا بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه في زمنه ﵊ بل غير عما كان عليه، فهذا سبب اجتهادي، لم يحكم بردته، وإن لم يكن هذا التأويل صحيحًا. ومنها أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا.

стр. 3393

فإن الشيطان لا يتمثل به. وفي رواية مسلم: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"، أو قال: "فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي".

стр. 3394

قال الحافظ ابن حجر: وقع عند الإسماعيلي: "فقد رآني في اليقظة" بدل قوله: "فسيراني" ومثله عند ابن ماجه وصححه الترمذي من حديث ابن مسعود. وفي رواية أبي قتادة -عند مسلم أيضًا: "من رآني فقد رأى الحق". وله أيضًا من حديث جابر: "من رآني في المنام فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي"، وفي رواية: "من رآني في المنام فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي".

стр. 3395

وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: "فإن الشيطان لا يتكونني". أي لا يتكون كوني، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل. وفي حديث أبي قتادة عند البخاري: "فإن الشيطان لا يتراءى بي"، بالراء، بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع أن يتمثل بي، يعني إن الله وإن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي ﷺ . وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من ضيق الذرع في ذلك حتى قال: لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة.

стр. 3396

وعن حماد بن زيد عن أيوب قال: كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف الذي رأيت، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح. وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب قال: حدثني أبي.

стр. 3397

قال: قلت لابن عباس، رأيت النبي ﷺ في المنام، قال: صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأيته، وسنده جيد. لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة". وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط. قال القاضي أبو بكر بن العربي: رؤيته بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال.

стр. 3398

قال: وقد شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلا. قال وقوله: "فسيراني" معناه فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق وغيب، وأما قوله: "فكأنما رآني" فهو تشبيه ومعناه: أنه لو رآني في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول حقًا وحقيقة، والثاني حقًا وتمثيلا. قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال. فإن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي، وعلى العكس فبالعكس. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "فقد رآني" أو: "فقد رأى الحق" أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت رؤياه حقًا، ومن رآه على

стр. 3399

غير صورته كانت رؤيا تأويل، انتهى. وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى. وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فقال: لم يظهر لي في كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالتين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا تحتاج إلى تعبير، والثانية: مما تحتاج إلى التعبير. وقال بعضهم: معناه، أن من رآه على صورته التي كان.

стр. 3400

عليها. ويلزم من قول من قال: "إنها لا تكون إلا على صورته المعلومة" أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام. ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدينا من الأحوال اللائقة به، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: فإن الشيطان لا يتمثل بي. فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته. فالصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثًا، بل هي حق في نفسها، ولو رؤي على غير صورته، فتصور تلك الصور ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله تعالى.
следующие страницы →