Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
قاله بعض العلماء.
ومنها أنه أرسل إلى الملائكة في أحد القولين، ورجحه السبكي.
الحواشي
(١) منقول عن ابن عباس والضحاك أيضًا ونقل بعضهم عنه موافقة الجمهور أيضًا، "قاله بعض العلماء" وقيل: بعث الله رسولا واحدًا من الجن إليهم اسمه يوسف ونقل عن ابن عباس أنه المراد في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ واحتج ابن حزم على أن الرسل إلى الجن منهم في الأمم السابقة بقوله ﷺ : "وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة"، وليس الجن من قوم الإنس فيثبت أنه كاهن منهم أنبياء إليهم، وفي استدلاله بالحديث نظر. وما أخرجه الحاكم والبيهقي عن ابن عباس في قوله: "ومن الأرض مثلهن" قال: سبع أرضين في كل أرض آدم كآدمكم ونوح كنوحكم وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم ونبي كنبيكم، فقال البيهقي: إسناده صحيح لكنه شاذ بمرة، يعني: فلا يلزم من صحة إسناده صحة متنه فقد يصح الإسناد، ويكون في المتن شذوذًا وعلة تقدح في صحته؛ كما تقرر عند المحدثين. قال ابن كثير: وهذا إن صح عنه يحمل على أنه أخذه من الإسرائيليات، وهذا أو أمثاله إذا لم يخبر به ويصح سنده إلى معصوم فهو مردود على قائله، انتهى. وعلى تقدير ثبوته يكون المعنى أن ثم من يقتدي به مسمى بهذه الأسماء وهم الرسل المبلغون إلى الجن عن أنبياء الله سمي كل منهم باسم النبي الذي يبلغ عنه والله أعلم.
"ومنها: أنه أرسل إلى الملائكة" قال في فتح الباري: قال جمهور أهل الكلام من المسلمين: الملائكة أجسام لطيفة أعطيت قدرة على التشكل بأشكال مختلفة ومسكنها السماوات، وأبطل قول من قال إنها الكواكب أو الأنفس الخيرة التي فارقت أجسادها وغير ذلك من الأقوال التي لا يوجد في الأدلة السمعية شيء منها، وجاء في صفتهم وكثرتهم أحاديث، منها ما أخرجه مسلم عن عائشة مرفوعًا: "خلقت الملائكة من نور". الحديث، وأخرج الترمذي وابن ماجه والبزار عن أبي ذر مرفوعًا: "أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع أربع أصابع إلا وعليه ملك ساجد". الحديث، وروى الطبراني عن جابر رفعه: "ما في السماوات موضع قدم ولا شبر ولا كف إلا وفيه ملك قائم أو راكع أو ساجد". وذكر في ربيع الأبرار عن سعيد بن المسيب، قال: الملائكة ليسوا ذكورًا ولا إناثًا"، ولا يأكلون ولا يشربون، ولا يتناكحون، ولا يتوالدون، وفي قصة الملائكة مع إبراهيم وسارة ما يؤيد أنهم لا يأكلون. وأما ما وقع في قصة الأكل من الشجرة أنها الخلد التي تأكل منها الملائكة فليس بثابت، وفي هذا ما ورد من القرآن رد على أن من أنكر وجود الملائكة من الملاحدة، انتهى.
في أحد القولين، ورجحه السبكي" والبارزي وابن حزم والسيوطي لأنهم مكلفونстр. 3362
قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: ١] ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد ﵊، والعالم هو ما سوى الله تعالى، فيتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، وبطل بذلك قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض، لأن لفظ "العالمين" يتناول جميع المخلوقات، فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق.
ولو قيل لمدعي "خروج الملائكة من هذا العموم" أقم الدليل عليه ربما عجز عنه، فإنه يحتمل أن يكون من الملائكة من أنذره ﷺ إما ليلة الإسراء وإما غيرها. لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكون.
الحواشي
(١) بالطاعات العملية؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾ ، وإن لم يكونوا مكلفين بالوحدانية لظهورهم لهم فتكليفهم بها تحصيل للحاصل ودليل رجحان هذا القول. ما "قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ﴾ تعالى: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ مخوفًا من عذاب الله، "ولا نزاع أن المراد من العبد ها هنا محمد ﵊" إذ الإضافة عهدية وجاء استعماله بهذا اللفظ فيه: أسرى بعبده أنزل على عبده الكتاب، واشتهر حتى صار كالعلم المخصوص به ﷺ فهو دفع لتجويز أن المراد غيره، "والعالم" بفتح اللام والرفع استئناف "هو ما سوى الله" وليس بالخفض عطفًا على العبد؛ لأنه يكون التقدير ولا نزاع في أن المراد من العالم ما سواه "تعالى" مع أن فيه النزاع، قال المجد: العالم الخلق كله أو ما حواه بطن الفلك، وفي المصباح: العالم الخلق، وقيل: مختص بمن يعقل؛ "فيتناول جميع المكلفين" على أنه الخلق كله "من الجن والإنس والملائكة" وعلى أنه اسم للعاقل فالمكلفون مفهومه والتناول فيه باعتبار كل فرد أو نوع، "وبطل بذلك" أي: شمول الآية لجميع المكلفين "قول من قال: إنه كان رسولا إلى البعض دون البعض" لمخالفة التخصيص لصريح الآية، "لأن لفظ العالمين يتناول جميع المخلوقات" توجيه للإبطال، "فتدل الآية على أنه رسول إلى الخلق" كلهم ومنهم الملائكة فثبت المطلوب. "ولو قيل لمدعي خروج الملائكة من هذا العموم: أقم الدليل عليه" لأن تخصيص العام لا بد له من دليل، "ربما عجز عنه" فإن اعتل بأنه قال نذيرًا فيخرج الملائكة لعصمتهم، ولأنه لم ينذرهم لم تقبل علته، "فإنه يحمل أن يكون من الملائكة من أنذره ﷺ إما ليلة الإسراء وإما غيرها" وإذا احتمل ذلك بطل تخصيصها بغير الملائكة إذ لا يثبت إلا بدليل، وظاهر الآية شمولها لهم وهو كاف في الاستدلال إذ ليس كل احتمال يقدح فيه بل إنما يقدح الاحتمال القوي، وكذا لا يلزم من العصمة عدم الإنذار ومن يقل منهم إني إله فقد أنذرهم مع العصمة، "لكن لا يلزم من الإنذار والرسالة إليهم في شيء خاص أن يكونстр. 3363
بالشريعة كلها.
وإذا قلنا إن الملائكة هم مؤمنوا الجن السماوية، فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه، لزم عموم الرسالة لهم، لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ.
والجمهور: على أن "العالمين" في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن
الحواشي
(١) بالشريعة كلها" إذ لا تتأتى كلها فيهم ومما يدل على شمول الآية للملائكة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ ، قال السيوطي: لم أقف على إنذار في القرآن للملائكة سوى هذه الآية، والحكمة في ذلك واضحة؛ لأن غالب المعاصي راجعة إلى البطن والفرج وذلك ممتنع عليهم من حيث الخلقة فاستغنى عن إنذارهم فيه.
"وإذا قلنا: إن الملائكة هم مؤمنوا الجن السماوية" كما ذهب إليه من زعم أن العقلاء الناطقين فريقان إنس وجان، وكل فريق أخيار وأشرار، فأخيار الإنس هم الأبرار منهم رسل وغير رسل، وأشرارهم الفجار كفار وغير كفار، وأخيار الجن هم الملائكة منهم رسل وغير رسل، وأشرارهم الشياطين، واستدل من قال الملائكة هم خيار الجن، بقوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾ ، والمراد قول الكفار: الملائكة بنات الله تعالى عن ذلك، فدل على أن الملائكة من الجن، وبقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ، وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ﴾ ، فلو كانت الملائكة صنفًا ثالثًا لما ترك التمدح بالقدرة على أشرف خلقه وذكر ما دونه، ورد بأن هذه الآية لبيان ما ركبه من خلق متقدم فلم تدخل الملائكة فيه لأنهم مخترعون، قال تعالى لهم كونوا فكانوا؛ كما قال للأصل الذي خلق منه الإنس والجن وهو التراب والماء والنار والهواء: ﴿كُنْ﴾ فكان، فالملائكة في الاختراع كأصول الإنس والجن لا كأعيانهم، فلذا لم يذكروا معهم كما في الحبائك. "فإذا ركب هذا مع القول بعموم الرسالة للجن الذي قام الإجماع عليه" أي: عموم رسالته للجن بأن يقال للملائكة مؤمنو الجن السماوية ورسالته إلى الجن مجمع عليها، "لزم عموم الرسالة" لهم؛ "لكن القول بأن الملائكة من الجن قول شاذ" لا اعتداد به؛ لقيام الأدلة على خلافه، ومن أصرحها قوله ﷺ : "خلقت الملائكة من نور وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم". رواه مسلم. قال البيهقي: ففي فصله بينهما دليل على أنه نور آخر غير نور النار، انتهى.
"والجمهور على أن العالمين في آية الفرقان عام مخصوص بالإنس والجن" فيخرج الملائكة، وهذا من حين الاستدراك الذي قبله، ويمكن أن مراد الجمهور أنها مخصوصة بهما من حيث عمومها لجميع الأحكام من أمر ونهي، فلا ينافي أن إرساله للملائكة لأمر خاص؛ كماстр. 3364
كما فسر بهما حديث: "وأرسلت إلى الخلق كافة" المروي في مسلم.
وصرح الحليمي والبيهقي في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه ﵊ لم يرسل إلى الملائكة، صرح في الباب الخامس عشر بانفكاكهم عن شرعه.
وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي، والبرهان النسفي: حكاية الإجماع في تفسير آي الفرقان على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه العلامة الجلال المحلي، والله أعلم.
وعبارة النسفي: ثم إنهم قالوا هذه.
الحواشي
(١) يقوله السبكي والمحققون، كشرفه ودخولهم تحت دعوته، واتباعه تشريفًا له على سائر المرسلين "كما فسر بهما حديث: "وأرسلت إلى الخلق كافة"، المروي في مسلم" بهذا اللفظ عن أبي هريرة؛ كحديثه عن جابر بلفظ: "وبعثت إلى كل أحمر وأسود" وللبخاري: "إلى الناس كافة"، "وصرح الحليمي" العلامة البارع، رئيس أهل الحديث بما وراء النهر القاضي أبو عبد الله الحسين بن الحسين بن محمد بن حليم، نسبه إلى جده هذا البخاري الشافعي من أصحاب الوجوه، وأذكياء زمانه، وفرسان النظر, له اليد الطولى في العلوم والأدب.
قال الذهبي: وما هو من فرسان هذا الشأن، أي: الحديث، مع أن له فيه عملا جيدًا، مات سنة ثلاث وأربعمائة، "والبيهقي" أحمد بن الحسين الحافظ الشهير، "في الباب الرابع من شعب الإيمان بأنه ﵊ لم يرسل إلى الملائكة، وصرح في الباب الخامس عشر" من الشعب "بانفكاكهم عن شرعه، وفي تفسير الإمام فخر الدين الرازي" المسمى بأسرار التنزيل "و" تفسير "البرهان النفسي حكاية الإجماع على أنه لم يكن رسولا إليهم، كما حكاه" شارح جمع الجوامع في الكتاب السابع "العلامة الجلال" أي: جلال الدين محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم "المحلى" ولد بمصر سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، واشتغل وبرع في الفنون فقهًا، وكلامًا، وأصولا، ونحوًا وغيرها وأخذًا عن الأقصراي والبيجوري والبساطي وغيرهم، وكان آية في الذكاء والفهم، قال في بعض أهل عصره: ذهنه يثقب ألماس، وقال: هو فهمي؛ لا يقبل الخطأ، ولم يكن يقدر على حفظ كراس، وكان ورعًا، صالحًا، آمرًا بالمعروف، ناهيًا عن المنكر، يواجه بذلك أكابر الظلمة والحكام، ويأتون إليه، فلا يلتفت إليهم، ولا يأذن لهم بالدخول عليه، توفي أول يوم من سنة أربع وستين وثمانمائة، "والله أعلم" بما في نفس الأمر.
"وعبارة "النسفي" ليست صريحة في حكاية إجماع الأمة، فإنه قال: "ثم إنهم قالوا: هذهстр. 3365
الآية تدل على أحكام: أولها: إن قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة. لكنا أجمعنا على أنه ﷺ لم يكن رسولا إلى الملائكة، بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعًا.
وقد تعقب الجلال المحلي العلامة كمال الدين بن أبي شريف فقال: اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمي: فإنه قال: هذا معنى كلام الحليمي، وفي قوله هذا إشعار التبري من عهدته، وبتقدير أن لا إشعار فيه فلم يصرح بأنه مرضي عنده. وأما الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنة فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة على الأنبياء ﵈. وما نقل عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه.
وأما ما ذكره من حكاية الراوي والنسفي الإجماع على أنه ﵊ لم.
الحواشي
(١) الآية تدل على أحكام، أولها إن قوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الآية، يتناول جميع المكلفين من الجن والإنس والملائكة، لكنا" لا نسلم تناوله للملائكة لأنا "أجمعنا على أنه لم يكن رسولا إلى الملائكة" وهذه العبارة تستعمل في إجماع الخصمين المتناظرين، كما يأتي، ويفرض تسليمه، فيمكن حمله على أنه لم يكن رسولا إليهم بشرع، يعملون به؛ لأنهم مطبوعون على ما به، أمروه حتى إن العبادة لهم كالأمور الضرورية لنا، بحيث لا يفترون عنها كالنفس للحيوان، فلا ينافي أنه رسول إليهم بغير ذلك، "بل يكون رسولا إلى الجن والإنس جميعًا" بلا نزاع، "وقد تعقب الجلال" مفعول "المحلي" وفاعله، "العلامة كمال الدين بن أبي شريف" المقدسي، ثم المصري الفقيه الأصولي، "فقال: اعلم أن البيهقي نقل ذلك عن الحليمي، فإنه قال هذا معنى كلام الحليمي، وفي قوله هذا إشعار بالتبري من عهدته" فلا ينبغي نسبته حكية الإجماع للبيهقي، "وبتقدير أن لا إشعار فيه" بالتبري، "فلم يصرح بأنه مرضي عنده" فكان ينبغي أن يقول: قال البيهقي: عن الحليمي.
"وأما الحليمي فإنه وإن كان من أهل السنة، فقد وافق المعتزلة في تفضيل الملائكة على الأنبياء ﵈" ومحل الخلاف ما عدا نبينا، فإنه أفضل من الملائكة بإجماع حتى من المعتزلة؛ كما قاله جمع من المحققين، كالإمام الرازي، "وما نقل عنه موافق لقوله بأفضلية الملائكة، فلعله بناه عليه" وهو مردود، فكذا ما بني عليه.
"وأما ما ذكره من حكاية الرازي والنسفي: الإجماع على أنه ﵊ لمстр. 3366
يكن رسولا إليهم، فقد وقع في نسخ من تفسير الرازي: لكنا بينا بدل أجمعنا، على أن قوله: "أجمعنا" ليس صريحًا في إجماع الأمة، لأن مثل هذه العبارة تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين، بل لو صرح به لمنع، فقد قال الإمام السبكي في قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ قال المفسرون كلهم في تفسيرها للجن والإنس، وقال بعضهم: وللملائكة، انتهى.
وبالجملة: فالاعتماد على تفسير الرازي والنسفي في حكاية إجماع انفردا بحكايته أمر لا ينهض حجة على طريق علماء النقل، لأن مدارك نقل الإجماع من كلام الأئمة وحفاظ الأمة كابن المنذر وابن عبد البر، ومن فوقهما في الاطلاع كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة.
الحواشي
(١) يكن رسولا إليهم" فغير مسلم، "فقد وقع في نسخ من تفسير الرازي: لكنا بينا بدل أجمعنا" وهذا لا إشعار فيه بإجماع "على أن قوله" في النسخ الأخرى: "أجمعنا" ومثله في النسفي "ليس صريحًا في إجماع الأمة؛ لأن مثل هذه العبارة" أي: هي ومثلها "تستعمل لإجماع الخصمين المتناظرين" فلا يلزم منها عدم الخلاف، فضلا عن الإجماع، "بل لو صرح به" بأن قال: أجمعت الأمة "لمنع" بوجود الخلاف، "فقد قال الإمام السبكي في" تفسير "قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ الآية".
"قال المفسرون كلهم في تفسيرها: للجن والإنس، وقال بعضهم" لهما "وللملائكة" فدعوى الإجماع على عدمها باطلة، فمن حفظ حجة، "انتهى" كلام السبكي، ومعناه: أنهم اتفقوا على إرساله للثقلين واختلفوا في الملائكة، كما هو واضح جدًا، ولم يفهمه من قال قوله، كلهم ينافي قوله: وقال بعضهم، فهذا من سوء الفهم ما تنبه للواو، "وبالجملة فالاعتماد على تفسير الرازي والنسفي في حكاية إجماع انفردا بحكايته، أمر لا ينهض حجة على طريق علماء النقل؛ لأن مدارك" جمع مدرك مصدر ميمي نفسي الإدراك، أو الشيء المدرك "نقل الإجماع من كلام الأئمة" متعلق بنقل، "وحفاظ الأمة كابن المنذر" محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، الحافظ، العلامة، الفقيه، شيخ الحرم، وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها، كان غاية في معرفة الخلاف، والدليل مجتهدًا لا يقلد أحدًا، مات بمكة سنة ثمان عشرة وثلاثمائة، "وابن عبد البر" يوسف بن عبد الله بن محمد بن عبد البر بن عاصم، الإمام، الحافظ ساد أهل الزمان في الحفظ والإتقان، كان فقيهًا، حافظًا، مكثرًا، عالما، بالقراءات والرجال، والحديث والخلاف، "ومن فوقهما في الاطلاع" الواسع؛ "كالأئمة أصحاب المذاهب المتبوعة" المقلدة أربابها، المدونة كتبها كالأربعة المشهورة، والسفيانين، والليث، وابن راهويه، وابن جرير، وداود الظاهريстр. 3367
ومن يلحق بهما في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان لها من الشهرة عند علماء النقل ما يغني عن بسط الكلام فيها.
واللائق بهذه المسألة المتوقف عن الخوض فيها على وجه يتضمن دعوى القطع في شيء من الجانبين، انتهى.
الحواشي
(١) والأوزاعي، فكان لكل من هؤلاء أتباع يفتون بقولهم ويقضون، وإنما انقرضوا بعد الخمسمائة لموت العلماء وقصور الهمم.
ذكره السيوطي، وذكر عياض أن أتباع الطبري انقرضوا بعد أربعمائة، وأن الثوري لم تكثر أتباعه ولم يطل تقليده، وانقطع مذهبه عن قريب، "ومن يلحق بهما" أي: ابن المنذر وابن عبد البر، وفي نسخة: بها، أي: الأئمة، وفي أخرى: بهم "في سعة دائرة الاطلاع والحفظ والإتقان" وقوله: "لها" خبر أن في قوله: لأن مدارك أي للمدارك "من الشهرة عند علماء النقل ما يغني عن بسط الكلام فيها" فكيف يعتمد على إجماع انفرد بنقله رجلان ليسا من الحفاظ، ولا لهما سعة اطلاع، وقد ذكر الحافظ أن الرازي نوزع في ذلك.
قال في الإصابة: هل تدخل الملائكة في حد الصحابي محل نظر، وقال بعضهم: إن ذلك ينبغي على أنه كان مبعوثا إليهم، أم لا؟ وقد نقل الرازي الإجماع على أنه لم يرسل إليهم، وتوزع في هذا النقل، بل رجح الشيخ تقي الدين السبكي إرساله إليهم، واحتج بأشياء يطول شرحها، وفي صحة بناء هذه المسألة على هذا الأصل نظر لا يخفى، انتهى.
وفي الإصابة أيضًا أنكر ابن الأثير على أبي موسى المديني ترجمة الجن في الصحابة، ولا معنى لإنكاره، لأنهم مكلفون، وقد أرسل إليهم النبي ﷺ .
وأما قوله: كان الأولى أن يذكر جبريل، ففيه نظر؛ لأنه ﷺ بعث إليهم قطعًا، وهم مكلفون، فيهم العصاة والطائعون، فمن عرف اسمه منهم لا ينبغي التردد في ذكره في الصحابة، وإن كان ابن الأثير عاب ذلك على أبي موسى فلم يستند في ذلك إلى حجة، وأما الملائكة فيتوقف عدهم فيهم على ثبوت بعثته إليهم، فإن فيه خلافًا بين الأصوليين حتى نقل بعضهم الإجماع على ثبوته وعكس بعضهم، انتهى.
"واللائق بهذه المسألة التوقف عن الخوض فيها" لا مطلقًا، "بل على وجه يتضمن دعوى القطع في شيء من الجانبين" لتعسره أو تعذره، "انتهى" كلام ابن أبي شريف.
وفي كشف الأسرار لابن العماد أن آدم ﵇ أرسل إلى الملائكة لينبئهم بما علم من الأسماء، نقله الحبائك، وهو منابذ لعده في الأنموذج من الخصائص التي اختص بها عن جميع الأنبياء، ولم يؤتها نبي قبله أنه أرسل إلى الملائكة في أحد القولين، ورجحه السبكي، زادстр. 3368
ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٧] قال السمرقندي: يعني للجن والإنس، وقيل لجميع الخلق، رحمة بالهداية للمؤمن ورحمة للمنافق بالأمان من القتل. وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبي إذا كذب أهلك الله من كذبه، ومحمد ﷺ أخر من كذبه إلى الموت أو القيامة. وأما من صدقه فله الرحمة في الدنيا والآخرة. فذاته ﵊ -كما روي- رحمة نعم المؤمن والكافر كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣] وقال: "إنما أنا رحمة مهداة".
الحواشي
(١) البارزي: وإلى الحيوانات والجمادات.
"ومنها: أنه أرسل رحمة للعالمين" منّ بها على عباده لطفًا منه تعالى، ومحض جود وفضل، لا وجوبًا، كما زعمت المعتزلة، "كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ ، قال أبو بكر بن ظاهر: زين الله تعالى محمدًا ﷺ بزينة الرحمة، فكونه وجميع شمائله وصفاته وحيائه وموته رحمة؛ كما قال: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم"، وقال: "إذا أراد الله رحمة بأمة قبض نبيها قبلها فجعله لها فرطًا وسلفًا".
"قال السمرقندي: يعني للجن والإنس" تفسير للعالمين، لإرشاده لهم ولطفه بهم، وحمله لهم على ذلك، الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء، "وقيل لجميع الخلق" أهم من الثقلين، وهو المتبادر من العالمين "رحمة بالهداية" للمؤمن، "ورحمة للمنافق بالأمان من القتل" وتأخير عذابهم، وللكفار بالأمن من المسخ والخسف، وعذاب الاستئصال "وقال ابن عباس: رحمة للبر والفاجر، لأن كل نبي إذا كذب أهلك الله من كذبه ومحمد ﷺ أخر من كذبه إلى الموت أو إلى القيامة"، والتأخير رحمة.
"وأما من صدقه، فله الرحمة في الدنيا والآخرة" بالشفاعة التي ادخرها لأمته في القيامة، "فذاته ﵊، كما روي رحمة، نعم المؤمن والكافر؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ﴾ بما سألوه ﴿وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية" لأن العذاب إذا نزل عم ولم تعذب أمة إلا بعد خروج نبيها، والمؤمنين منها.
"وقال ﵊: "إنما أنا رحمة" أي: ذو رحمة، أو بالغ في الرحمة حتى كأني عينها، لأن الرحمة ما يترتب عليه النفع ونحوه وذاته كذلك فصفاته التابعة لها، كذلك "مهداة" بضم الميم، وللطبراني: "بعثت رحمة مهداة".
قال ابن دحية: معناه أن الله بعثني رحمة للعباد، لا يريد لها عوضًا؛ لأن المهدي إذا كانت هديته عن رحمة لا يريد لها عوضًا، وقال غيره: أي ما أنا إلا رحمة أهداها الله للعالمين، فمنстр. 3369
رواه الدارمي والبيهقي من حديث أبي هريرة، وسيأتي في المقصد السادس مزيد لذلك إن شاء الله تعالى. والله الموفق.
ومنها: أن الله خاطب جميع الأنبياء بأسمائهم في القرآن، فقال: يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا داود، يا زكريا، يا يحيى، يا عيسى، ولم يخاطبه هو إلا بـ"يا أيها الرسول" "يا أيها النبي" "يا أيها المزمل" "يا أيها المدثر".
ومنها أنه حرم على الأمة نداءه باسمه، قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] أي لا تجعلوا نداءه وتسميته
الحواشي
(١) قبلها أفلح ونجا، ومن أبى خاب وخسر، ولا يشكل الحصر بوقوع الغضب منه كثيرًا؛ لأنه لم يقصد من بعثته، بل المقصود بالذات الرحمة الغضب بالتبعية بل في حكم العدم مبالغة، أو المعنى أنه رحمة على كل فرد، لأن غضبه لله كانتقامه؛ كقوله: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ الآية، أو أنه رحمة في الجملة، فلا ينافي الغضب في الجملة.
"رواه الدارمي" عبد الله بن عبد الرحمن الحافظ، وفي المقصد السادس الديلمي، "والبيهقي" وشيخه الحاكم "من حديث أبي هريرة" وقال: على شرطهما، وأقره الذهبي، وفي الصحيحين عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنما بعثت رحمة ولم أبعث عذابًا".
وروى ابن عساكر عن ابن عمر، رفعه: "إن الله بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع قوم وخفض آخرين"، أي: برفعهم بالسبق إلى الإيمان وإن كانوا من الضعفاء، وخفض من أبى وإن بلغ غاية الشرف؛ لأنه لم تنفع فيه الآيات والنذر، أي: أنه يضع قدرهم ويذلهم باللسان والسنان، "وسيأتي في المقصد السادس مزيد لذلك" قليل "إن شاء الله تعالى، والله الموفق" لا غيره.
"ومنها: أن الله خاطب جميع الأنبياء" الذين ذكرهم في القرآن، أو الذين بلغنا في القرآن أنه خاطبهم "بأسمائهم" فلا يرد أنه لم يقم دليلا على خطاب الجميع، إنما ذكر آيات ذكروا فيها بأسمائهم، وذلك لا يستلزم خطاب غيرهم لا باسمه ولا بغيره، "فقال: يا آدم" ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ "يا نوح" ﴿اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا﴾ الآية، "يا إبراهيم" ﴿أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ "يا موسى" ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾ الآية، "يا داود" ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، "يا زكريا" ﴿إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ﴾ الآية، "يا يحيى" ﴿خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ الآية، "يا عيسى" ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَي﴾ الآية، "ولم يخاطبه هو" تشريفًا وإجلالا "إلا بـ ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُول بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ الآية، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ﴾ الآية، ﴿قُمِ اللَّيْلَ﴾ ، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ، قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ الآية، ومشى هنا على قول السهيلي: ليسстр. 3370
كنداء بعضكم بعضًا باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات، ولكن قولوا: يا رسول الله، يا نبي الله، مع التوقير والتواضع وخفض الصوت.
الحواشي
(١) المزمل والمدثر باسم من أسمائه يعرف به، وإنما هو مشتق من حالته التي كان متلبسًا بها حالة الخطاب، ملاطفة على عادة العرب؛ كقوله ﷺ لعلي: "قم يا أبا تراب"، وقوله لحذيفة: "قم يا نومان"، لا على القول بأنهما من أسمائه لإشكاله، اللهم إلا أن يكون لم يرد بغير الأسماء ما يراد به مجرد الذات الشريفة، وأراد بغير الذات ما يراد به الذات مع صفة قائمة بها، ومنه المزمل والمدثر، ثم لا يخفى أن الخطاب نداء، فخرج به ذكره بلا داء من محمد رسول الله، ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ ، ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ، ﴿مُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ , ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ ؛ لأنه للتعريف بأنه الذي أخذ الله عهده على الأنبياء بالإيمان به، ولو لم يسمه لم يعرفوه.
وأما قول الله سبحانه يوم القيامة: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع إلى آخره، فتنويه بذكر اسمه الدال على الصفة التي يحمده بها جميع الخلائق، فانظر إلى هذا التعظيم يناديه في كل مقام بأشرف تعظيم يناسب ذلك المقام، ففي الدنيا بالنبوة والرسالة ليشهد له بهما، وفي الآخرة لما تحققت الحقائق، ناداه باسمه لما اشتمل عليه من المعنى المناسب لذلك اليوم، وليفجأه سبحانه بما يدل على صفة يحمده بها الخلق، ليستدل بالنداء بها على قبول شفاعته، ثم عقب ذلك بقوله: قل تسمع، وسل تعط فهو تكريم بعد تكريم، وتعظيم بعد تعظيم.
زاد في الأنموذج: وخاطبه بألطف مما خاطب به الأنبياء، أي كقوله لداود: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وقال للمصطفى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ تنويهًا له على ذلك بعد الإقسام عليه، وقال موسى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾ ، وقال عن نبينا: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، فكنى عن خروجه وهجرته بأحسن العبارات، ولم يذكره بالفرار الذي فيه نوع غضاضة.
"ومنها: أنه حرم على الأمة نداءه باسمه" في كتابه العزيز "قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ الآية، أي: لا تجعلوا دعاءه وتسميته" فهو من إضافة المصدر لمفعوله، أي: لا تجعلوا دعاءكم إياه "كنداء" تفسير لدعاء "بعضكم بعضًا" بخطابه "باسمه، ورفع الصوت به، والنداء وراء الحجرات" بجرهما عطفًا على اسمه، ذكرهما لتمام التشبيه المستفاد من الآية، لا بالرفع على نداؤه لذكره حكمهما بعد، ولأنه من تمام تفسير الآية بقوله: "ولكن قولوا يا رسول الله، يا نبي الله مع التوقير" أي التعظيم "والتواضع" التذلل، "وخفض الصوت" لحرمة رفعه عليه والظرف، أي: بينكم متعلق بتجعلوا، لا حال من الرسول لأنه يوهم نداؤه باسمه بعد وفاته، مع أن الحرمة ثابتة مطلقًا.стр. 3371
وقيل: لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة.
ومنها أنه حبيب الله، وجمع له بين المحبة والخلة، وسيأتي تحقيق ذلك وما فيه من المباحث في آخر المقصد السابع، إن شاء الله تعالى.
الحواشي
(١) "وقيل" المصدر مضاف إلى فاعله، أي: "لا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا" بظنكم مساواته "في جواز الإعراض والمساهلة في الإجابة" والرجوع بلا إذن فإن المبادرة إلى إجابته واجبة، قال تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ الآية، والرجوع بلا إذن حرام؛ كما قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾ الآية، فالمعنى: لا تظنوا أنه مثلكم فتقيسوا، إذ القياس إلحاق فرع بآخر، لظن القائس اتحاد الجامع، ولولا ملاحظة هذا لورد أن القيام ليس من معنى الجعل.
زاد البيضاوي: أو لا تجعلوا دعاءه عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فلا تنالوا بسخطه، فإن دعاءه موجب، أي: لحصول ما دعا به أو لا تجعلوا دعاءه ربه كدعاء صغيركم كبيركم، يجيبه مرة ويرده أخرى، فإن دعاءه مستجاب، انتهى، ومعناه عليهما، أي: لا تظنوا، أو تعتقدوا هذا، وكره الشافعي أن يقال في حقه الرسول لأنه ليس فيه من التعظيم، ما في الإضافة.
قال الحافظ: وعلى هذا فلا ينادى بكنيته، قال تلميذه الشيخ زكريا: وهو ممنوع، إذ الكية تعظيم باتفاق، ولذا احتيج للجواب عن تكنية عبد العزى في ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ الآية، مع أنه لا يستحق الكنية، لأنها تعظيم، فالأوجه جواز ندائه بكنيته، وإن كان نداؤه بوصفه أعظم، وتعقب بأن مقتضى آية النور المذكورة أنه ينادى بكنيته لأنهم كانوا يدعون بعضهم بعضًا بها، والحافظ لم يعلل الحكمة بترك التعظيم حتى يتوجه عليه ما قاله تلميذه.
"ومنها: أنه حبيب الله" قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، فإذا كان متابعوه أحباءه، فنفسه أولى، وروى البيهقي عن أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: "اتخذ الله إبراهيم خليلا، وموسى نجيًا واتخذني حبيبًا"، ثم قال: "وعزتي وجلالي لأوثرن حبيبي على خليلي ونجيي".
"وجمع له بين المحبة والخلة" قيل: هما سواء، وقيل: الخلة أرفع، والأكثر على أن المحبة أعلى، "وسيأتي تحقيق ذلك وما فيه من المباحث في آخر المقصد السابع إن شاء الله تعالى" في نحو ورقة.
وقد روى أبو يعلى في حديث المعراج، فقال له ربه: إني اتخذتك خليلًا وحبيبًا، وصح أنه ﷺ قال: "إن الله اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا".стр. 3372
ومنها أنه تعالى أقسم على رسالته وبحياته وببلده وعصره، كما سيأتي ذلك في المقصد الثالث إن شاء الله تعالى.
ومنها أنه كلم بجميع أصناف الوحي، كما نقل عن ابن عبد السلام، وسبق تحقيقه في المبعث من المقصد الأول.
ومنها أن إسرافيل هبط عليه، ولم يهبط على نبي قبله، أخرج الطبراني من حديث ابن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هبط علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي، وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك أمرني أن أخيرك إن شئت نبيًا عبدًا، وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى جبريل فأومأ إليّ بيده أن تواضع
الحواشي
(١) "ومنها: أنه تعالى أقسم على رسالته" بقوله تعالى: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ ، "وبحياته"، فقال: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ الآية، "وبلده" ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدْ﴾ الآية، "وعصره" ﴿وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإِنْسَانَ﴾ السورة، قال أبو هريرة: ما حلف الله بحياة أحد إلا بحياة محمد، رواه ابن مردويه؛ "كما سيأتي ذلك في المقصد الثالث إن شاء الله تعالى" مطولا.
"ومنها: أنه كلم" بالبناء للمفعول "بجميع أصناف الوحي، كما نقل عن" الشيخ عز الدين "بن عبد السلام، وسبق تحقيقه في المبحث من المقصد الأول".
"ومنها: أن إسرافيل هبط، عليه، ولم يهبط على نبي قبله" عد هذه ابن سبع، "أخرج الطبراني، من حديث" عبد الله "بن عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لقد هبط" نزل "علي ملك من السماء ما هبط على نبي قبلي، ولا يهبط على أحد بعدي" إذ لا نبي بعده "وهو إسرافيل، فقال: أنا رسول ربك إليك" استدل به السيوطي على ضعف مرسل الشعبي أن إسرافيل أتاه في ابتداء الوحي، فقرن بنبوته ثلاث سنين، قال: لأن هذه القصة بعد ابتداء الوحي بعدة سنين؛ كما قدمته.
"أمرني أن أخبرك إن شئت نبيًا عبدًا" قدم العبودية إشارة إلى أنه يختارها، "وإن شئت نبيًا ملكًا، فنظرت إلى جبريل" وكان جالسًا عنده قبل نزول إسرافيل، "فأومأ إليّ".
وفي رواية: فأشار جبريل إلي "بيده أن تواضع" وسبب هذا التخيير ما رواه الطبراني بإسناد حسن عن ابن عباس: كان ﷺ ذات يوم وجبريل على الصفاء، فقال: "يا جبريل والذي بعثك بالحق ما أمسى آل محمد سفة من دقيق، ولا كف من سويق"، فلم يكن كلامه بأسرع منстр. 3373
فلو أني قلت نبيًا ملكًا، لسارت الجبال معي ذهبًا.
ومنها أنه سيد ولد آدم، رواه مسلم من حديث أبي هريرة بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة"، وعند الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد، ولا فخر".
الحواشي
(١) أن سمع هدة من السماء أفزعته، فقال ﷺ : "أمر الله القيامة أن تقوم" قال: لا، ولكن أمر إسرافيل، فنزل إليك حين سمع كلامك، فأتاه إسرافيل، فقال: إن الله قد سمع ما ذكرت، فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك، أسير معك جبال تهامة زمردًا وياقوتًا وذهبًا وفضة، فإن شئت نبيًا ملكًا، وإن شئت نبيًا عبدًا، ثلاثًا، "فلو أني قلت نبيًا ملكًا لسارت الجبال معي ذهبًا".
وأخرج الترمذي عن أبي أمامة أنه ﷺ قال: "عرض علي ربي ليجعل لي بطحاء مكة ذهبًا، فقلت: لا يا رب" ... الحديث، ذكرهما المصنف في عيشه من المقصد الثالث، فمعيب نقل أحدهما من غيره، لكن آفة العلم النسيان، وبهما يعلم وجه ترتب قوله: "فلو أني قلت"، إذ هي قصة واحدة، طولها راوٍ واختصرها آخر، فلا يرد أنه لا تلازم بين قوله نبيًا ملكًا، وبين سير الجبال معه ذهبًا وفضة، وكأنه اقتصر عليها ي هذه الرواية مع ذكر إسرافيل له الزمرذ والياقوت أيضًا؛ لأن المخاطب لا يعلم غيرهما ولا يتعامل به.
"ومنها: أنه سيد ولد آدم" بضم الواو، وكسرها جمع ولد بفتحها، "رواه مسلم" في المناقب، وأبو داود في السنة "من حديث أبي هريرة، مرفوعًا بلفظ: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" خصه لأنه يوم مجموع له الناس فيه من سؤدده لكل أحد عيانًا، وصف نفسه بالسؤدد المطلق المفيد للعموم في المقام الخطابي على ما تقرر في علم المعاني، فيفيد تفوقه على جميع ولد آدم حتى أولي العزم من الرسل واحتياجهم إليه كيف لا هو واسطة كل فيض، وتخصيص ولد آدم ليس للاحتراز فهو أفضل حتى من الملائكة إجماعًا؛ كما حكاه الرازي وغيره، ولأن الآدمي أفضل من الملك وتتمة هذا الحديث في مسلم وأبي داود: "وأول من ينشق عنه القبر، وأول شافع، وأول مشفع".
"وعند الترمذي" في المناقب، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، والإمام أحمد "من حديث أبي سعيد الخدري" رفعه: "أنا سيد ولد آدم" دخل آدم لأن في ولده من هو أفضل منه كإبراهيم "يوم القيامة ولا فخر" أي: أقول ذلك شكرًا لا فخرًا، أي: لا أقوله تكبرًا على الناس وتعاظمًا وإن كان فيه فخر الدارين، فهو من قبيل قول سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية, وقيل غير ذلك، "وبيدي لواء الحمد" بالكسر والمد، علمه، والعلم فيстр. 3374
وإنما قال ذلك إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد، وتحدثًا بنعمة الله عنده، وإعلامًا لأمته ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه، ولهذا أتبعه بقوله: "ولا فخر" أي أن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله، لم أنلها من قبل نفسي، ولا بلغتها بقوتي، فليس لي أن أفتخر بها.
ومنها أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.
الحواشي
(١) العرصات مقامات لأهل الخير والشر، نصب في كل مقام لكل متبوع لواء يعرف به قدره، وأعلى مقامات الخير مقامات الحمد، فلما كان أعظم الخلائق أعطي أعظم الألوية، وهو لواء الحمد ليأوي إليه الأولون والآخرون، فهو حقيقي وعند الله علم حقيقته.
وأما ما روي من صفته فموضوع بين الوضع، كما أفاده المصنف في المقصد الأخير، فلا وجه لعدول الطيبي ونحوه عن الحقيقة، وحمله على انفراده بالحمد، وشهرته به على رءوس الخلائق، وبقية هذا الحديث عند الترمذي ومن معه: "وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أول شافع وأول مشفع ولا فخر"، وإنما قال ذلك" كما قال ابن الأثير في النهاية: "إخبارًا عما أكرمه الله به من الفضل والسؤدد وتحدثًا بنعمة الله عنده" امتثالا لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ الآية، "إعلامًا لأمته" فهو من البيان الذي يجب عليه تبليغه إليهم؛ "ليكون إيمانهم به على حسبه وموجبه" بفتح الجيم: ما يتسبب عن الشيء فهو تفسير لحسبه، والمعنى: ليكون على قدر ما علموه من فضله؛ بأن يكون إيمانًا تامًا لا شبهة فيه، لأنهم حيث علموا كمال فضله، استحق أن يعظموه ويعتقدوا فيه الكمال اللائق بمن قام به هذا الفضل، "ولهذا أتبعه بقوله: "ولا فخر"، أي: إن هذه الفضيلة التي نلتها كرامة من الله لم أنلها من قبل" بكسر، ففتح، أي: جهة "نفسي ولا بلغتها بقوتي" إذ ليست في طوق البشر، "فليس لي أن أفتخر بها" وإنما أفتخر بمن أعطانيها، وأما خبر: "لا تفضلوا بين الأنبياء" فمعناه تفضيل مفاخرة، وهو ادعاء العظم والمباهاة، أو في نفس النبوة، فلا تفاضل فيها. وإنما التفضيل بنحو الخصائص، ولا بد من اعتقاده: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، وقيل غير ذلك.
"ومنها: أنه غفر له ما تقدم من ذنبه" أنه لو كان كما قاله ابن عباس: أي أنه على سبيل الفرض والتقدير؛ لأنه كغيره من الأنبياء معصومون حتى من الصغائر قبل النبوة، ولو سهوًا على الأصح لكرامتهم على الله، خلافًا للأكثر في تجويز وقوع الصغائر منهم سهوًا إلا الدالة على خسة كتطفيف، وينبهون عليها، واحتجوا بظواهر، قالوا بها: أفضت بهم إلى حرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم، كما بسطه عياض في الشفاء، "وما تأخر" لا يشكل بأن الغفر الستر،стр. 3375
قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ .
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه ﷺ أنه أخبره الله تعالى بالمغفرة ولم ينقل أنه أخبر أحدًا من الأنبياء، بمثل ذلك ويدل له قولهم في الموقف: نفسي نفسي.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية -يعني آية الفتح- لم يشاركه فيها غيره.
وقد أخرج أبو يعلى والطبراني والبيهقي عن ابن عباس قال: إن الله فضل محمدا ﷺ على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: فما فضله على أهل السماء، قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٢٩] ، وقال لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فقد كتب له براءة.
الحواشي
(١) فكيف يتصور فيما لم يقع؛ لأن ما لم يقع يفوض وقوعه مبالغة، "قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ ومَا تَأَخَّرَ﴾ الآية" وفيها وجوه آخر، ذكر بعضها في المقصد السادس، وبعضها لا يرضي.
"قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: من خصائصه ﷺ أنه أخبره الله بالمغفرة، ولم ينقل أنه أخبر أحدًا من الأنبياء بمثل ذلك" فالخصوصية إخباره بذلك تعظيمًا له بإدخال السرور عليه، "ويدل قولهم في الموقف" يوم القيامة، حيث تطلب الشفاعة في فصل القضاء من آدم، ونوح، وإبراهيم، وموسى وعيسى، فيقول كل منهم: "نفسي نفسي، وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية، يعني آية الفتح: لم يشاركه فيها غيره" ولذا قال ابن عطية: المعنى التشريف بهذا الحكم، ولم تكن ذنوب البتة، "وقد أخرج أبو يعلى" أحمد بن علي الموصلي الحافظ الثقة، "والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب، "والبيهقي" أحمد بن الحسين، "عن ابن عباس، قال: إن الله فضل محمدًا على أهل السماء وعلى الأنبياء، قالوا: فما فضله على أهل السماء؟ قال: إن الله تعالى قال لأهل السماء" أي: الملائكة " ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ أي الله، أي غيره، ﴿فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية، وقال لمحمد ﷺ : ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا، لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ الآية، فقد كتب له براءة" من الذنوب أن يفعلها، وإذا منعه من فعلها فقد سترها عنه، وهذا من ألطف الأجوبة.стр. 3376
قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٤] ، وقال لمحمد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ [سبأ: ٢٨] فأرسله إلى الإنس والجن.
ومنها أنه أكرم الخلق على الله، فهو أفضل من كل المرسلين، وجميع الملائكة المقربين، وسيأتي الجواب عن قوله ﵊ في حديث ابن عباس، عند مسلم: ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى، ونحو ذلك في المقصد السادس إن شاء الله تعالى.
ومنها إسلام قرينه. رواه مسلم من حديث ابن مسعود.
الحواشي
(١) "قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ﴾ الآية" أي: بلغتهم، "وقال لمحمد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، فأرسله إلى الإنس والجن" جميعًا، تفضيلا له على جميع المرسلين.
"ومنها: أنه أكرم الخلق على الله" تعالى بنص قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، إذ خيريتها تستلزم خيرية نبيها، وإن صفاته أعلى وأجل، وذاته أفضل وأكمل، ويصرح به قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ الآية، "هو أفضل من كل المرسلين وجميع الملائكة المقربين" حتى الروح الأمين إجماعًا، وغلط الزمخشري في تفضيله عليه؛ بأن المعتزلة مجمعون على استثنائه من الخلاف في التفضيل بين البشر والملك فقد جهل مذهبه، "وسيأتي الجواب عن قوله ﵊ في حديث ابن عباس عند مسلم" والبخاري: "ما ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس بن متى" ونحو ذلك كحديث الصحيحين: "لا تفضلوني على الأنبياء".
وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء"، وأخرى: "لا تخيروا بين الأنبياء" وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ الآية، "في المقصد السادس إن شاء الله تعالى" بأجوبة سبعة، منها قول ابن أبي جمرة أنه بالنسبة إلى القرب والبعد، فمحمد ﷺ وإن أسري به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب، ويونس ﵊ وإن نزل به إلى قعر البحر، هما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله على حد واحد، وروى هذا الجواب عن مالك الإمام ونحوه لإمام الحرمين في قصة شهيرة.
"ومنها: إسلام قرينه" أي صاحبه الموكل من الجن، "رواه مسلم" وأحمد "من حديث ابن مسعود": أن النبي ﷺ قال: "ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه منстр. 3377
والبزار من حديث ابن عباس.
ومنها أنه لا يجوز عليه الخطأ، كما ذكره ابن أبي هريرة والماوردي: وذكره الحجازي في مختصر الروضة.
الحواشي
(١) الملائكة"، قالوا: وإياك؟ قال: "وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير" ومعلوم عصمة الملائكة وإيمانهم، فإنما المراد الإخبار بمصاحبة الملك والجني لكل أحد، فالجني يغوي بخلاف الملك، فقول بعض إسلام قرينه من الملائكة والشياطين لا معنى له بالنسبة للملائكة، ولا دلالة في الحديث عليه، اللهم إلا أن يريد بإسلام ملكه انقياده التام له، وفيه ما فيه، "والبزار من حديث ابن عباس" رفعه: "فضلت على الأنبياء بخصلتين، كان شيطاني كافرًا فأعانني الله عليه فأسلم"، قال: ونسيت الأخرى، فحديث ابن عباس نص في إيمانه.
وأما حديث ابن مسعود فروي بفتح الميم وضمها، أي: فأسلم أنا من فتنته وكيده، وصحيح الخطابي رواية الرفع، ورجح عياض والنووي الفتح لقوله: "فلا يأمرني إلا بخير".
قال الدميري: وهو المختار، والإجماع على عصمته من الشيطان، وإنما المراد تحذير غيره من فتنة القرين، ووسوسته وإغوائه، فأعلمنا أنه معنا لنحترز منه بحسب الإمكان، انتهى.
وقال غيره: اعترضت رواية بالضم؛ بأنه تعوذ منه بقوله: وأعوذ بك أن يتخبطني الشيطان عند الموت، أي يضرعني ويلعب بي، ويفسد ديني أو عقلي عند الموت؛ بنزعاته التي تزل بها الأقدام وتصرع العقول، وقد يستولي على الإنسان حينئذ فيضله، أو يمنعه التوبة، أو يعوقه عن الخروج عن مظلمة؛ أو يؤيسه من الرحمة، أو يكره له الموت فيختم له بسوء، والعياذ بالله تعالى، وأجيب بأنه إنما قاله تعليمًا لأمته ﷺ ، فإن شيطانه أسلم، ولا تسلط له ولا لغيره بحال، بل سائر الأنبياء لا تسلط لشياطينهم عليهم وإن لم يسلموا.
"ومنها: أنه لا يجوز عليه الخطأ" في اجتهاده، "كما ذكره ابن أبي هريرة، والماوردي، وذكره الحجازي في مختصر الروضة" لأنه لا نبي بعده يستدرك خطأه، فلذا عصم من بينهم، كذا في الشامية، وقال ابن السبكي: الصواب أن اجتهاده لا يخطئ تنزيهًا لمنصب النبوة عن الخطأ في الاجتهاد ومقتضى هذا التعميم، ثم هذا مبني على الصحيح عند الأصوليين من جواز الاجتهاد له ﷺ ووقوعه لقوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ ، فالعتاب لا يكون فيما صدر عن وحي، وقيل: يمتنع اجتهاده لقدرته على اليقين بانتظار الوحي، ورد بأن إنزاله ليس في قدرته، وثالثها، الجواز في الآراء والحروب فقط، والمنع في غيرها جمعًا بين الأدلة.стр. 3378
وقال قوم: ولا النسيان، حكاه النووي في شرح مسلم.
ومنها أن الميت يسأل عنه ﵊ في قبره، فعن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: "وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح أجلس، فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله". الحديث رواه أحمد والبيهقي.
الحواشي
(١) "وقال قوم: ولا النسيان، حكاه النووي في شرح مسلم" ما لم يترتب عليه تشريع، كسلامه من ركعتين وصلاته الظهر خمسًا.
"ومنها: أن الميت يسأل عنه ﵊" إذا وضع "في قبره"، وتولى عنه أصحابه، واختلف في اختصاصه فتنة القبر بهذه الأمة، وجزم الحكيم الترمذي بالاختصاص، فعن عائشة: أن رسول الله ﷺ ، قال: "أما فتنة الدجال، فإنه لم يكن نبي إلا وقد حذر أمته، وسأحذركموه بحديث لم يحذره نبي أمته: إنه أعور، وإن الله ليس بأعور، مكتوب بين عينيه كافر، يقرؤه كل مؤمن".
"وأما فتنة القبر فبي تفتنون وعني تسألون، فإذا كان الرجل الصالح" أي: المسلم "أجلس" في قبره غير فزع، كما هو لفظ الحديث، "فيقال له: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: محمد رسول الله" ... الحديث. بقيته: "جاءنا بالبينات من عند الله، فصدقناه، فيفرج له فرجة قبل النار، فينظر إليها يحطم بعضها بعضًا، فيقال له: انظر ما وقاك الله ثم يفرج له فرجة إلى الجنة فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال له: هذا مقعدك منها، ويقال: على اليقين كنت وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله؛ وإذا كان الرجل الوء أجلس في قبره فزعًا، فيقال له: ما كنت تقول؟ فيقول: لا أدري، فيقال: ما هذا الرجل الذي كان فيكم؟ فيقول: سمعت الناس يقولون قولا، فقلت كما قالوا: فيفرج له فرجة من قبل الجنة، فينظر إلى زهرتها وما فيها، فيقال: انظر إلى ما صرف الله عنك، ثم يفرج له فرجة قبل النار فينظر إليها، يحطم بعضها بعضًا، ويقال له: هذا مقعدك منها على الشك كنت، وعليه مت، وعليه تبعث إن شاء الله، ثم يعذب". "رواه" بتمامه الإمام "أحمد والبيهقي" وروى الشيخان وأحمد، وغيرهم عن أنس؛ أنه ﷺ قال: "إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه حتى إنه يسمع قرع نعالهم، أتاه ملكان يقعدانه، فيقولان له: ما كانت تقول في هذا الرجل محمد؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار، قد أبدلك الله به مقعدًا من الجنة، فيراهما جميعًا، ويفسح له في قبره سبعون ذراعًا، ويملأ عليه خضرًا إلى يوم يبعثون"стр. 3379
ومنها أنه حرم نكاح أزواجه من بعده، وقال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ ، أي: هن في الحرمه كالأمهات، حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية، ولأنهن أزواج له في الآخرة، وهذا في غير المخيرات، فمن اختارت منهن الدنيا ففي حلها للأزواج طريقان: أحدهما طرد الخلاف، والثاني: القطع بالحل واختاره الإمام والغزالي.
وأزواجه اللاتي توفي عنهن محرمات على غيره أبدًا، وفي جواز النظر إليهن وجهان: أشهرهما المنع، وثبت لهن حكم الأمومة في احترامهن وطاعتهن وتحريم نكاحهن، لا في جواز الخلوة بهن والنفقة عليهن والميراث.
الحواشي
(١) وأما الكافر والمنافق، فيقال له: ما كنت تقول في هذا الرجل؟ فيقول: لا أدري كنت أقول ما يقول الناس، فيقال له: لا دريت، ولا تليت، ثم يضرب بمطراق من حديد ضربة بين أذنيه، فيصيح صيحة، يسمعها من يليه غير الثقلين، ويضيق عليه قبره حتى تختلف أضلاعه".
"ومنها: أنه حرم نكاح أزواجه من بعده" بقوله تعالى: ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ الآية، "وقال الله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ الآية، أي: هن في الحرمة"، أي: الاحترام "كالأمهات" في استحقاق التعظيم والرعاية، ومن ذلك أنه "حرم نكاحهن عليهم بعده تكرمة له وخصوصية" له ﵊، حيث جعلن أمهات، والأم لا يحل نكاحها، "ولأنهن أزواج له في الآخرة" بنصه ﷺ ، ولا يليق بحرمته تزوج امرأة يعلم عودها له، ولأن المرأة لآخر أزواجها في الجنة على أحد الأقوال، فنكاح غيره لها المقتضى، لكونها تكون لمن هو آخر، يمنعه ما ثبت أنها تكون زوجًا له ﵇ في الجنة، "وهذا في غير المخيرات، فمن اختارت منهن الدنيا، ففي حلها للأزواج طريقان، أحدهما: طرد الخلاف" الآتي في قوله: وفي التي فارقها في الحياة أوجه. "والثاني: القطع بالحل" بلا خلاف، "واختاره الإمام" أي: إمام الحرمين، "والغزالي" وقال في الشرح الصغير أنه الأظهر، وإلا فلا معنى للتخيير، اعتمد الرملي الحرمة ولو اختارت قبل الدخول، "وأزواجه اللاتي توفي عنهن محرمات على غيره أبدًا" كما قال الله تعالى، وهذا مستأنف بيانيًا في جواب سؤال، تقديره ما ذكر في زوجاته؛ هل يشمل من مات عنهن، ومن فارقهن في الحياة مدخولا بهم، أم لا؟ "وفي جواز النظر إليهن" ولو لشهادة أو مداواة "وجهان، أشهرهما المنع، وثبت لهن حكم الأمومة في احترامهن وطاعتهن" فيما أمرن به، "وتحريم نكاحهن لا في جواز الخلوة بهن" فيحرم، "والنفقة عليهن" فلا تجب، "والميراث" فلا توارث بينهن وبين الأجانب منهن، "ولاстр. 3380
ولا يتعدى ذلك إلى غيرهن فلا يقال بناتهن أخوات للمؤمنين على الأصح.
وقيل: إنما حرمن لأنه ﵇ حي في قبره، ولهذا حكى الماوردي أنه لا يجب عليهن عدة الوفاة.
وفي التي فارقها في الحياة -كالمستعيذة- والتي رأى بكشحها بياضًا أوجه: أحدها، يحرمن أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي وصححه في الروضة، لعموم الآية، إذ ليس المراد بمن بعده بعدية الموت، بل بعدية النكاح.
وقيل: لا. والثالث وصححه إمام الحرمين والرافعي في الصغير: تحريم المدخول بها فقط، لما روي أن الأشعث بن قيس نكح المستعيذة في زمن عمر، فهم عمر برجمه.
الحواشي
(١) يتعدى ذلك" التحريم "إلى غيرهن، فلا يقال بناتهن أخوات للمؤمنين على الأصح" لأنه ﷺ أنكح عثمان وعليًا بناته، ولا لأمهاتهن جدات المؤمنين على قياسه، وإلا لزم أن كل من نكحها حرمت أمها على زوجها.
"وقيل: إنما حرمن، لأنه ﵇ حي في قبره" ويكون حاله عند صاحب ذا القيل كالنائم، وهذا مقابل قوله تكرمة له وخصوصية، لأنه يفيد انقطاع نكاحه بموته، وهذا يفيد أنه لم ينقطع، "ولهذا حكى الماوردي" وجهًا للشافعية "أنه لا يجب عليهن عدة الوفاة" لحياته ومثله يقال في غيره من الأنبياء على قياسه وذكر الخطابي عن ابن عيينة أنهن في معنى المعتدات، فلهن سكنى البيوت ما عشن، ولا يملكن رقابها، "وفي" الزوجات "التي فارقها في الحياة" وقدرنا ذلك لقوله الآتي: أحدها يحرمن، ولا يضر وصف الجمع بالمفرد، لأن جمع الإناث وما لا يعقل، يجوز وصفه بالمفرد، ولهم فيها أزواج مطهرة، "كالمستعيذة" التي قالت: أعوذ بالله منك، "والتي رأى بكشحها بياضًا" أي: برصًا فردها، وقال: "دلستم عليّ"، "أوجه، أحدها: يحرمن أيضًا، وهو الذي نص عليه الشافعي، وصححه في الروضة لعموم الآية" ﴿وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾ ، "إذ ليس المراد بمن بعده بعدية الموت" فقط، "بل بعدية النكاح، وقيل: لا" يحرمن مدخولا بها أم لا على ظاهر هذا الوجه، لكن في شرح البهجة الجزم بعدم حل المدخول بها.
"والثالث: وصححه إمام الحرمين والرافعي في" الشرح "الصغير" على وجيز الغزالي: "تحريم المدخول بها فقط" وحل من لم يدخل "لما روي أن الأشعث بن قيس" بن معد يكرب الكندي، صحابي نزل الكوفة، ومات سنة أربعين أو إحدى وأربعين، وهو ابن ثلاث وستين، "نكح المستعيذة في زمن عمر" بن الخطاب، "فهم عمر برجمه" بناء على أن نكاحهاстр. 3381
فأخبر بأنها لم تكن مدخولا بها فكف.
وفي أمة فارقها بعد وطئها أوجه ثالثها: تحرم إن فارقها بالموت -كمارية- ولا تحرم إن باعها في الحياة، انتهى.
ومنها ما عده ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على الله به وليس ذلك لغيره، قال ابن عبد السلام: هذا ينبغي أن يكون مقصورًا على النبي ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به لعلو درجته ومرتبته، انتهى.
ومنها أنه يحرم رؤية أشخاص أزواجه في الأزر.
الحواشي
(١) حرام، فهو زنا وحد زنا المحصن الرجم، "فأخبر بأنها لم تكن مدخولا بها فكف" عن رجمه الذي كان هم به، وذلك يدل على حل من لم يدخل بها، ومن أطلق التحريم يقول: هو اجتهاد من عمر "وفي أمة فارقها بعد وطئها أوجه" بالحرمة والحل، "ثالثها تحرم إن فارقها بالموت كمارية" القبطية، "ولا تحرم إن باعها في الحياة" واعتمد شارح البهجة وغيره التحريم، "انتهى".
"ومنها: ما عده ابن عبد السلام أنه يجوز أن يقسم على الله به" أخرج الترمذي، وابن ماجه، والحاكم عن عثمان بن حنيف أن رجلا أعمى أتى رسول الله ﷺ ، فقال: ادع الله أن يعافيني، فقال: "إن شئت أخرت لك وهو خير، وإن شئت دعوت"، قال: فادعه، فأمره أن يتوضأ ويصلي ركعتين، ويقول: اللهم إني أسألك وأتوسل إليك بنبيك محمد نبي الرحمة، اللهم إني توجهت بك إلى ربي في حاجتي، "وليس ذلك لغيره" من الأنبياء والملائكة والأولياء.
وأما الاستشفاع بهم بلا إقسام، فمستحب، لأن دعاءهم أرجى للإجابة، كما استشفع عمر بالعباس، فقال: اللهم إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، وإنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا فيسقون، رواه البخاري، وكذا بما فعل من خير يذكره في نفسه فيجعله شافعًا؛ لأن ذلك لائق بالشدائد، كما في خبر الثلاثة الذين آووا في الغار.
"قال ابن عبد السلام: وهذا ينبغي أن يكون مقصورًا على النبي ﷺ ، لأنه سيد ولد آدم، وأن لا يقسم على الله بغيره من الأنبياء والملائكة والأولياء، لأنهم ليسوا في درجته، وأن يكون هذا مما خص به لعلو درجته ومرتبته، انتهى".
وتعقب: بأنه لا اتجاه لما ذكره، لأن الخصائص لا تثبت بالاحتمال، بل في بعض الأخبار التصريح بخلافه، وذكر التستري عن معروف الكرخي أنه قال لتلامذته: إذا كان لكم إلى الله حاجة، فاقسموا عليه بي، فإني الواسطة بينكم وبينه الآن بحكم الوراثة عن المصطفى.
"ومنها: أنه يحرم رؤية أشخاص" أي: أجسام "أزواجه في الأزر"، ولا كذلك أزواجстр. 3382
وكذا يحرم كشف وجوههن وأكفهن لشهادة أو غيرها، كما صرح به القاضي عياض، وعبارته: فرض الحجاب مما اختصصن به، فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها، ولا إظهار شخوصهن وإن كن مستترات، إلا ما دعت إليه ضرورة من براز، ثم استدل بما في الموطإ، أن حفصة لما توفي عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها، وأن زينب بنت جحش جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها، انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن، فقد كن بعد النبي ﷺ يحجبن ويطفن، وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص. انتهى.
الحواشي
(١) غيره، قال المصباح: الشخص سواد الإنسان، يراه من بعد، ثم استعمل في ذاته.
قال الخطابي: ولا يسمى شخصًا إلا جسم مؤلف، له شخوص وارتفاع، "وكذا يحرم كشف وجوههن" مصدر مضاف إلى مفعوله، أي: أن يكشفن وجوههن "وأكفهن لشهادة أو غيرها" إكرامًا له ﷺ "كما صرح به القاضي عياض" وأقره النووي، "وعبارته" في شرح مسلم: "فرض الحجاب مما اختصصن به فهو فرض عليهن بلا خلاف في الوجه والكفين، فلا يجوز لهن كشف ذلك في شهادة ولا غيرها" بل يحرم عليهن، "ول اإظهار شخوصهن وإن كن مستترات" بالأزر ونحوها، "إلا ما دعت إليه ضرورة من" خروجهن إلى "براز" فترى أشخاصهن فلا حرمة، قال الجوهري وغيره: بالكسر ثقل الغذاء، وهو الغائط، وبالفتح اسم للقضاء الواسع، ولا يظهر معناه هنا إلا بكلفة، قاله النووي: أي يجعله مجازًا علاقته المجاورة، أو من تسمية الحال باسم المحل لخروجه بالفضاء، "ثم استدل بما في الموطأ؛ أن حفصة لما توفي" أبوها "عمر سترها النساء عن أن يرى شخصها" ولم ينكر عليهن، فكان إجمعًا، "وأن زينب بنت جحش" المتوفية بالمدينة في خلافة عمر سنة عشرين "جعلت لها القبة فوق نعشها ليستر شخصها" وذلك بمحضر الصحابة، ومنهم عمر الذي صلى عليه ولم ينكر، وفيه أنه يمنع رؤى أشخاصهن بعد الموت، "انتهى" كلام عياض.
"قال الحافظ ابن حجر: وليس فيما ذكره دليل على ما ادعاه من فرض ذلك عليهن" لجواز أنه فعل ذلك تكرمة لهن، بل قد ورد عنهن ما يدل على خلاف ذلك، "فقد كن بعد النبي ﷺ يحججن ويطفن" وفي البخاري قول ابن جريج لعطاء: لما ذكر له طواف عائشة أقبل الحجاب أو بعد؟ قال: إن أدركت ذلك إلا بعد الحجاب، "وكان الصحابة ومن بعدهم يسمعون منهن الحديث، وهن مستترات الأبدان" بثياب تمنع رؤية البشرة "لا الأشخاص" إذстр. 3383
وأما حكم نظر غير أزواجه ﵊ ففي الروضة وأصلها عن الأكثرين: جواز النظر إلى وجه حرة كبيرة أجنبية وكفيها إذا لم تكن فتنة، مع الكراهة، وقوة كلام الشيخين: الرافعي والنووي تقتضي رجحانه، وصوبه في "المهمات" لتصريح الرافعي في الشرح بأن الأكثرين عليها، ولكن نقل ابن العراقي أن شيخه البلقيني قال: الترجيح بقوة المدرك، والفتوى على ما في المنهاج، وقد جزم به في "التدريب"، وقوة كلام الشرح الصغير تقتضي رجحانه، وعلله باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات. ونقلا في الروضة وأصلها هذا الاتفاق وأقراه.
وعورضا بنقل القاضي عياض عن العلماء مطلقًا: أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في الطريق، وإنما هو سنة، وعلى الرجال غض البصر، وحكاه عنه النووي في شرح مسلم وأقره. قال الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون في تصحيح المنهاج، والله أعلم.
الحواشي
(١) لا يمنعها، لا كونها بهودج ونحوه بحيث لا يرى شخصها، "انتهى" ويمكن الجواب عن عياض بأن ذلك من جملة ما دخل في قوله: إلا ما دعت إليه ضرورة، وقوله: من براز مثال لا قيد.
"وأما حكم نظر غير أزواجه ﵊، ففي الروضة وأصلها عن الأكثرين" من الشافعية "جواز النظر إلى وجه حرة كبيرة أجنبية، وكفيها، إذا لم تكن" أي: توجد "فتنة مع الكراهة، وقوة كلام الشيخين الرافعي والنووي" في الروضة، "تقتضي رجحانه، وصوبه في المهمات" للأسنوي "لتصريح الرافعي في الشرح" لوجيز الغزالي "بأن الأكثرين عليه" وذلك يقتضي رجحانه "لكن نقل ابن العراقي: أن شيخه البلقيني قال في الترجيح بقوة المدرك" أي: الدليل "والفتوى على ما في المنهاج" للنووي من حرمة ذلك، "وقد جزم به في التدريب" للبلقيني، "وقوة كلام الشرح الصغير" للرافعي على الوجيز "تقتضي رجحانه، وعلله باتفاق المسلمين على منع النساء من الخروج سافرات"، كاشفات وجوههن، "ونقلا في الروضة وأصلها هذا الاتفاق وأقراه وعورضا بنقل القاضي عياض عن العلماء مطلقًا" عن التقييد بمذهب، فكأه قال: اتفق العلماء على "أنه لا يجب على المرأة ستر وجهها في الطريق، وإنما هو سنة و" يجب "على الرجال غض البصر، وحكاه عنه" أي: عياض "النووي في شرح مسلم وأقره" وهو ينقض دعوى اتفاق المسلمين على المنع، "قاله الشيخ نجم الدين بن قاضي عجلون في تصحيح المنهاج، والله أعلم" بالحق في ذلك،стр. 3384
وكان النكاح في حقه ﵊ عبادة مطلقًا، كما قاله السبكي، وهو في حق غيره ليس بعبادة عندنا، بل من المباحات, والعبادة عارضة له.
ومنها أن أولاد بناته ينسبون إليه، قال ﵊ في الحسن: "إن ابني هذا سيد" رواه أبو يعلى.
الحواشي
(١) "وكان النكاح في حقه ﵊ عبادة، مطلقًا" عن التقييد بالاحتياج وغيره "كما قاله السكبي، وهو في حق غيره ليس بعبادة" على الأصح "عندنا" أي: الشافعية، أي ليس مستحبًا لذاته، فيثاب فاعله مطلقًا، "بل من المباحات" لقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُم﴾ الآية، إذ العبادة لا تتعلق بالاستطابة، "والعبادة عارضة له" من جهة بقاء النسل وحفظ النسب، والاستعانة على المصالح الدينية، وصرحوا بأنه تجري فيه الأحكام الخمسة، وقيل: هو عبادة.
قال الحافظ: والتحقيق أن الصورة التي يستحب فيها تستلزم كونه عبادة، فمن نفى العبادة عنه نظر إليه في حد ذاته، ومن أثبت نظر إلى صورة مخصوصة، انتهى، أي: وأولى صورة الوجوب.
"ومنها: أن أولاد بناته ينسبون إليه" شرعًا، فهو عصبة لهم؛ مما قال ﷺ في حديث: "وكل ولد آدم، فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة، فإني أنا أبوهم وعصبتهم" رواه أبو نعيم عن عمر برجال ثقات، وقال ﷺ : "لكل بني آدم عصبة إلا ابني فاطمة أنا وليهما وعصبتهما"، أخرجه الحاكم عن جابر وأبو يعلى عن فاطمة، وقال ﷺ : "إن الله لم يبعث نبيًا قط إلا جعل ذريته من صلبه غيري، فإن الله جعل ذريتي من صلب علي". رواه الطبراني والخطيب بخلاف غيره، فأولاد بناته لا ينسبون إليه؛ كما قال الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا ... بنوهن أبناء الرجال الأباعد
"قال ﵊ في الحسن" بالتكبير: "إن ابني هذا سيد" وفي رواية: سيد باللام، أي: حليم، كريم، متجمل، شريف من السؤدد، وقيل: من السواد؛ لكونه يرأس على السواد العظيم من الناس، أي: الأشخاص العظيمة، ذكره ابن الأثير، وقال ﵇ لما ولد: "أروني ابني ما سميتموه"، وكذا لما ولد الحسين، وكذا لما ولد محسن أخوهما أخرجه أحمد، "رواه أبو يعلى" والبخاري في مواضع من صحيحه، وأحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي كلهم عن أبي بكرة، وقال: رأيت النبي ﷺ على المنبر، والحسن بن علي إلى جنبه، وهو يقبل على الناس مرة وعليه أخرى، ويقول: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين" فقصر المصنف وأوهم شديدًا، وقد صرح مغلطاي بأنه لا يجوزстр. 3385
ومنها أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة إلا سببه ونسبه. قال ﵊ كل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي. والنسب بالولادة والسبب بالنكاح.
قيل: ومعناه أن أمته ينتفعون بالنسبة إليه يوم القيامة بخلاف أمة غيره.
الحواشي
(١) لحديثي نقل حديث في أحد الكتب الستة من غيرها.
"ومنها: أن كل نسب وسبب منقطع يوم القيامة" قال تعالى: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ الآية، "إلا سببه ونسبه" فلا ينقطعان.
"قال ﵊" فيما رواه الحاكم والبيهقي عن عمر: "وكل سبب ونسب منقطع يوم القيامة إلا سببي ونسبي".
قال عمر: فتزوجت أم كلثوم لذلك، وأحببت أن يكون بيني وبينه نسب وسبب، رواه البزار، وهذا لا يعارضه حثه في إخباره لأهل بيته على خوف الله، وتقواه، وتحذيرهم الدنيا وغرورها، وإعلامهم بأنهم لا يغني عنهم من الله شيئًا؛ لأن معناه أنه لا يملك لهم نفعًا، لكن الله يملكه نفعهم بالشفاعة العامة والخاصة، فهو لا يملك إلا ما ملكه ربه، فقوله: "لا أغني عنكم"، أي: بمجرد نفسي من غير ما يكرمني الله به من نحو شفاعة، أو مغفرة، وخاطبهم بذلك رعاية لمقام التخويف، أو كان قبل علمه بأنه يشفع.
وفي رواية ابن عساكر: "كل نسب وصهر منقطع يوم القيامة إلا نسبي وصهري" "والنسب بالولادة، والسبب بالنكاح" حكاه الديلمي مصدرًا بأن السبب هنا الوصلة والمودة، وكل ما يتوصل به إلى الشيء لبعد عنه، فهو سبب.
وفي البيضاوي: فجعله نسبًا وصهرًا، أي: قسم البشر قسمين ذوي نسب أي ذكورًا ينسب إليهم، وذوات صهر، أي إناثًا يصاهر بهن؛ كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ الآية، ويمكن حمل المصنف عليه بجعل الولادة عبارة عن النسب إلى الآباء، والسبب عبارة عن القرابة من جهة النساء والتزوج بهن؛ كما قال الطيبي: السبب النسب ما رجع إلى ولادة قريبة من جهة الآباء، والصهر ما كان خلطة يشبه القرابة، يحدثها التزوج.
وأما حديث ابن عمر وابن عباس مرفوعًا: "الأنساب تنقطع يوم القيامة غير نسبي وسببي وصهري" فيراد بالصهر فيه خصوص النكاح، وبالسبب القرابة من جهة الأم لجمعه بين الثلاثة.
"قيل: ومعناه" أي: الحديث بقطع النظر عن تفسيره المذكور، فلا يرد عليه أنه لا يرتب على الولادة والنكاح، "أن أمته ينتفعون بالنسبة إليه يوم القيامة بخلاف أمة غيره" من سائر الأنبياء، فلا ينسبون إليهم، وقد ضعف هذا القيل بأنه تأويل نشأ من خفاء الجمع على قائله بينهстр. 3386
ومنها: أنه لا يتزوج على بناته. فعن المسور بن مخرمة أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "إن بني هاشم بن المغيرة استأذنوني في أن ينكحوا ابنتهم علي بن أبي طالب، فلا آذن لهم، ثم لا آذن ثم لا آذن لهم
الحواشي
(١) وبين حديث: "لا أغني عنكم من الله شيئًا" وقد علم الجمع بينهما بوجهين، وضعفه أيضًا الجلال البلقيني بما في الصحيح عن أبي سعد مرفوعًا: "يجيء نوح وأمته، فيقول الله: هل بلغت؟ فيقول: نعم، أي رب، فيقال لأمته: هل بلغكم" الحديث، فهو صريح في نسبة أمة نوح إليه يومئذ، وأجاب شيخنا، بأن مراده من خص الانتساب إلى نبينا والانتفاع به الشفاعة الحاصلة منه لأمته على وجوه متعددة، لا تحصل لغيره مع أمته.
وقيل: معناه ينتفع يومئذ بالنسبة إليه، ولا ينتفع بجميع الأنساب، ورجحه السيوطي وأيده بحديث عمر المتقدم، قال البلقيني: وهذا هو الطي يظهر، انتهى.
"ومنها: أنه لا يتزوج على بناته" أي: يحرم، "فعن المسور" بكسر الميم، وسكون المهملة، وفتح الواو "ابن مخرمة" بفتح الميم، وسكون المعجمة، وفتح الراء ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة القرشي، الزهري، أبي عبد الرحمن له ولأبيه ولأمه عاتكة بنت عوف أخت عبد الرحمن صحبة، ولد بعد الهجرة بسنتين، وقدم المدينة في ذي الحجة بعد الفتح سنة ثمان، وهو ابن ست سنين، وحفظ عن النبي ﷺ أحاديث، وفي الصحيحين في بعض طرق الحديث: سمعت رسول الله ﷺ وأنا يومئذ محتلم، وهذا يدل على أنه ولد قبل الهجرة لكن أطبقوا على أنه ولد بعدها، وقد تأول بعضهم قوله: محتلم على أنه من الحلم، بالكسر، لا من الحلم، بالضم، يريد أنه كان عاقلا ضابطًا لما يتحمله، مات سنة أربع وستين على الصواب بحجر أصابه من حجارة المنجنيق في حصار الجيش الذي أرسله يزيد بن معاوية لابن الزبير، وكان قائمًا يصلي، فأقام خمسة أيام، ومات يوم أتى نعي يزيد؛ كما في الإصابة. "أنه سمع رسول الله ﷺ على المنبر يقول: "إن بني هاشم" كذا وقع في مسلم وصوابه، كما في البخاري هشام "بن المغيرة" المخزومي، إذ بنو هشام هم أعمام بنت أبي جهل لأنه عمرو بن هشام بن المغيرة، وقد أسلم أخواه الحارث وسلمة ابنا هشام عام الفتح، "استأذنوني" وفي رواية: استأذنوا " في أن ينكحوا" بضم أوله من أنكح "ابنتهم علي بن أبي طالب" وعند الحاكم بسند صحيح إلى سويد بن غفلة، بفتح المعجمة والفاء، أحد المخضرمين ممن أسلم في حياة النبي ﷺ ولم يلقه، قال: خطب علي بنت أبي جهل إلى عمها الحارث فاستشار النبي ﷺ ، فقال: "أعن حسبها تسألني"؟، فقال: لا، ولكن أتأمرني، قال: "لا" الحديث، "فلا آذن لهم" في ذلك، "ثم لا آذن، ثم لا آذن لهم" بالتكرار ثلاثًا.
قال الكرماني: فإن قلت لا بد في العطف من المغايرة بين المعطوفين، قلت: الثاني فيهстр. 3387
إلا أن يحب ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي وينكح ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني يريبني ما رابها، ويؤذيني ما آذاها". أخرجه الشيخان، وصححه الترمذي.
وعنه أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ ، فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي ﷺ فقالت: إن قومك يتحدثون أنك لا تغضب لبناتك، وهذا علي ناكح ابنة أبي جهل.
الحواشي
(١) مغايرة للأول، فإن فيه تأكيد للأول، وفيه إشارة إلى تأييد مدة منع الإذن؛ كأنه أراد رفع المجاز، لاحتمال أن يحمل النفي على مدة بعينها، فقال: "ثم لا آذن"، أي: ولو مضت المدة المفروضة تقديرًا لا آذن بعدها، ثم كذلك أبدًا، "إلا أن يحب" هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري: إلا أن يريد "ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي" فكنى بمحبة الطلاق عن نفس الطلاق إشارة إلى أنه باختياره لا بإكراه، "وينكح" بفتح الياء من نكح "ابنتهم، فإنما ابنتي بضعة مني" بفتح الموحدة، وسكون المعجمة، وحكى ضم الموحدة وكسرها، أي قطعة لحم؛ كما ضبطه الحافظ وغيره، فمفاده أن الرواية بالفتح، ولذا اقتصر عليه المصنف في موضع "يريبني" بضم أوله "ما رابها" وفي نسخة: ما أرابها، وهما صحيحان، يقال: رابني فلان وأرابني إذا رأيت منه ما تكرهه، "ويؤذيني ما آذاها" فمن آذاها فقد آذاه، وهو حرام بإجماع، ولم يقل: ما يؤذيها إشارة إلى أن أذاه مسبب عن أذاها، فالمعنى إذا آذاها أحد آذاني وهذا تعليل لعدم إذنه يعني أن المانع لي من الإذن أنه يؤذيها كما يؤذيني، "أخرجه الشيخان" في مواضع، ومعلوم أنه أرفع الصحيح وإنما ذكر قوله "وصححه الترمذي" أي صرح بصحته، رد الزعم وضعه.
قال الحافظ: إنما قام ﷺ خطيبًا ليشيع الحكم الذي سيقرره، ويأخذوا به على سبيل الوجوب أو الأولوية، وغفل الشريف المرتضى عن هذه النكتة، فزعم أن هذا الحديث موضوع؛ لأنه من رواية المسور، وكان فيه انحراف على علي، وجاء من رواية ابن الزبير، وهو أشد في ذلك، ورد كلامه بإطباق أصحاب الصحيح على تخريجه، انتهى، والشريف هذا من رءوس الشيعة، وحمله على هذا قولهم: أن عليًا لا يمكن منه أن يفعل ذلك، "وعنه" أي عن المسور أيضًا "أن علي بن أبي طالب خطب بنت أبي جهل، وعنده فاطمة بنت النبي ﷺ " أخذ بعموم الجواز، فلما أنكره النبي ﷺ ترك الخطبة، "فلما سمعت بذلك فاطمة أتت النبي ﷺ ، فقالت: إن قومك يتحدثون".
وفي رواية: يزعم قومك "أنك لا تغضب لبناتك" إذ أوذوا، ولعل سبب التحدث أو الزعم مشاهدتهم حلمه، وأنه لا يغضب لنفسه، وإنما يغضب إذا انتهكت حرمات الله، "وهذا علي ناكح" أي يريد أن ينكح "بنت أبي جهل"، وفي مسلم والطبراني: ناكحًا بالنصب، أطلق عليهстр. 3388
قال المسور: فقال النبي ﷺ فسمعته حين تشهد قال: "أما بعد، فإني أنكحت أبا العاصي بن الربيع، فحدثني فصدقني، وإن فاطمة بنت محمد بضعة مني، وإنما أكره أن يفتنوها، والله لا تجتمع بنت رسول الله وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدًا". قال: فترك علي الخطبة أخرجه الشيخان.
الحواشي
(١) اسم ناكح مجازًا باعتبار قصده له.
"قال المسور: فقام النبي ﷺ " خطيبًا على المنبر، "فسمعته حين تشهد" زاد في رواية للبخاري ومسلم: وأنا يومئذ محتلم، قال: "أما بعد، فإني أنكحت أبا العاصي" لقيط أو مقسم، بكسر الميم، أو هشيم، أو غير ذلك "ابن الربيع" بن ربيعة بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف، ويقال بإسقاط ربيعة مشهور بكنيته وأمه هالة بنت خويلد أخت خديجة، أي: أنكحه أكبر بناته زينب قبل النبوة، "فحدثني فصدقني" بخفة الدال بعد الصاد المهملتين، أي في حديثه، زاد في رواية: "ووعدني فوفى لي".
قال الحافظ: ولعله كان شرط على نفسه أن لا يتزوج على زينب، وكذلك علي، فإن يكن كذلك فهو محمول على أن عليًا نسي ذلك الشرط، فلذلك أقدم على الخطبة، أو لم يقع عليه شرط، إذ لم يصرح به، لكن كان ينبغي له أن يراعي هذا القدر، فلذلك وقعت المعاتبة، وكان ﷺ قل أن يواجه أحدًا بما يعاب به، ولعله إنما جهر بمعاتبة علي مبالغة في رضا فاطمة، وكانت هذه الواعة بعد فتح مكة، ولم يكن حينئذ تأخر من بناته ﷺ غيرها، وكانت أصيبت بعد أمها بأخواتها، فكان إدخال الغيرة عليها مما يزيد حزنها، انتهى.
"وإن فاطمة بنت محمد بضعة مني" قال المصنف: بفتح الموحدة فقط، وسكون المعجمة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: مضغة بميم مضمومة بدل الموحدة، وغين معجمة بدل المهملة، واقتصر على الفتح، لأنه الرواية، وإلا فحكى الضم والفتح أيضًا كما مر.
وفي الكرماني قال الجوهري: بفتح الباء النووي بضمها صاحب النهاية بالفتح وقد تكسر، "وإنما أكره أن يفتنوها" لفظ مسلم، وله أيضًا وللبخاري: "إني أخاف أن تفتن في دينها"، وللبخاري في المناقب: "وإني أكره أن يسوءها" أي أحد عليّ أو غيره.
زاد في رواية للشيخين: "وإني لست أحرم حلالا ولا أحل حرامًا، ولكن والله لا تجتمع بنت رسول الله ﷺ وبنت عدو الله عند رجل واحد أبدًا". قال: المسور: "فترك على الخطبة" أعرض عنها وعزم أن لا ينكح ابنة أبي جهل، "أخرجه الشيخان" أيضًا مسلم في الفضائل والبخاري في مواضع.
قال ابن التين: أصح ما تحمل عليه هذه القصة أنه ﷺ حرم على علي أن يجمع بين ابنتهстр. 3389
واسم بنت أبي جهل هذه: جويرية، أسلمت وبايعت، وتزوجها عتاب بن أسيد، ثم أبان بن سعيد بن العاصي.
قال أبو داود: حرم على علي أن ينكح على فاطمة في حياتها، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] .
وذكر الشيخ أبو علي السنجي في شرح التلخيص: أنه يحرم التزويج على بنات النبي ﷺ .
الحواشي
(١) وبين ابنة أبي جهل؛ لأنه علل بأن ذلك يؤذيه، وأذيته حرام بالإجماع، ومعنى قوله: "لا أحرم حلالا" أنها حلال له لو لم تكن عنده فاطمة، وأما الجمع بينهما المستلزم تأذيه لتأذية فاطمة فلا، انتهى.
"واسم بنت أبي جهل هذه" المخطوبة "جويرية" بضم الجيم، وجزم بذلك لأنه أشهر الأقوال، قال في الفتح: اختلف في اسم بنت أبي جهل، فروى الحاكم في الإكليل: جويرية، وهو الأشهر، وفي بعض الطرق اسمها العوراء.
أخرجه ابن طاهر في المبهمات، وقيل: اسمها الحنفاء، ذكره ابن جرير الطبري، وقيل: جهدم، حكاه السهيلي.
وقيل: جميلة، ذكره شيخنا ابن الملق في شرحه، وكان لأبي جهل بنت تسمى صفية، تزوجها سهيل بن عمر، وسماها ابن السكيت وغيره، وقال: هي الحنفاء المذكورة، "أسلمت وبايعت" النبي ﷺ وحفظت عنه، "وتزوجها" فيما يقال كما في الفتح "عتاب" بفتح العين والفوقية الثقيلة "ابن أسيد" بفتح فكسر الصحابي، أمير مكة، فولدت له عبد الرحمن بن عتاب، "ثم" لما مات عنها تزوجها "أبان" بفتح الهمزة وخفة الموحدة، فألف، فنون "ابن سعيد بن العاصي" بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي، الأموي، الصحابي.
"قال أبو داود: حرم على علي" ﵁ "أن ينكح على فاطمة في حياتها"، أي: مدة حياتها، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه "لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ﴾ أعطاكم ﴿الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ الآية، وقد نهاه عن الزواج عليها، "وذكر الشيخ أبو علي السنجي" أحد عظماء الشافعية، أصحاب الوجوه، نسبة إلى سنج، بكسر المهملة، وسكون النون وجيم، قرية بمرو "في شرح التلخيص" لابن القاص "أنه يحرم التزويج" أي: والتزوج "على بنات النبي ﷺ " إلى هنا كلام أبي علي وهو يبطل النكاح مقتضى تحريمًا للنهي المستفاد من ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، البطلان لأن الأصل في النهيстр. 3390
ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بفاطمة ﵂، وقد علل ﷺ بأن ذلك يؤذيه، وإذايته حرام بالاتفاق، وفي هذا تحريم أذى من يتأذى النبي ﷺ بتأذيته، لأن إيذاء النبي ﷺ حرام اتفاقًا قليله وكثيره. وقد جزم ﵊ بأنه يؤذيه ما آذى فاطمة، فكل من وقع منه في حق فاطمة شيء تأذت به فهو يؤذي النبي ﷺ بشهادة الخبر الصحيح.
الحواشي
(١) الفساد.
وفي فتح الباري: لا يبعد أن يعد من خصائص النبي ﷺ أن لا يتزوج على بناته، "ويحتمل أن يكون ذلك خاصًا بفاطمة ﵂" لأنها كانت أصيبت بأمها ثم بأخواتها واحدة فواحدة، فلم يبق من تأنس به ممن يخفف عليها أمر الغيرة، انتهى كلام الفتح.
"وقد علل ﵇" المنع "بأن ذلك يؤذيه، وإذايته حرام بالاتفاق" أي الإجماع، "وفي هذا" كما في الفتح "تحريم أذى من يتأذى النبي ﷺ بتأذيه لأن أذى النبي ﷺ حرام اتفاقًا قليله وكثيره" ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية، "وقد جزم ﵊، بأن يؤذيه ما آذى فاطمة، فكل من وقع منه في حقها شيء تأذت به، فهو يؤذي النبي ﷺ بشهادة الخبر الصحيح" المذكور، زاد في الفتح: ولا شيء أعظم من إدخال الأذى عليها من قبل ولدها، ولهذا عرف بالاستقراء معاجلة من تعاطى ذلك بالعقوبة في الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد، انتهى.
وقال الشريف السمهودي: ومعلوم أن أولاد فاطمة بضعة منها، فيكونون بواسطتها بضعة منه، ومن ثم لما رأت أم الفضل في منامها أن بضعة منه وضعت في حجرها أوله النبي ﷺ ، بأن فاطمة تلد غلامًا، فيوضع في حجرها فولدت الحسن، فوضع فيه، فكل من يشاهد الآن من ذريتها بضعة من تلك البضعة، وإن تعددت الوسائط، ومن تأمل ذلك انبعث من قبله دواعي الإجلال لهم، وتجنب بغضهم على أي حال كانوا، انتهى.
وروى أحمد والحاكم، والطبراني: أن حسين بن حسين خطب بنت المسور بن مخرمة، فقال له: ما من نسب ولا صهر أحب إلي من نسبكم وصهركم، ولكن رسول الله قال: "فاطمة بضعة مني يغضبني ما يغضبها، ويبسطني ما يبسطها" وعندك بنتها ولو زوجتك أغضبها ذلك، فذهب عاذرًا له.
قال في ذخائر العقبي: فيه دليل على أن الميت يراعى منه ما يراعى من الحي، قال: ولعل مراد أبي علي بقوله: يحرم التزويج على بناته من ينسب إليه بالنبوة، ويكون هذا الحديث دليل.
قال السيوطي: فإن أخذ هذا على ظاهره، فمقتضاه أنه يحرم التزويج على ذرية بناته، وأنстр. 3391
وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبي ﷺ أقرب إلى خشية الافتتان في الدين، ومع ذلك فكان ﷺ يستكثر من الزوجات، ويوجد منهن الغيرة ومع ذلك ما راعى ﷺ ذلك في حقهن، كما رعاه في حق فاطمة.
وأجيب: بأن فاطمة كانت إذ ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها ويزيل وحشتها من أم أو أخت، بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك، وزيادة عليه وهو زوجهن ﷺ لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب وجبر الخاطر، بحيث إن كل واحدة منهن ترضى به بسبب خلقه وترضى بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قريب.
ومنها: أنه لا يجتهد في محراب صلى إليه يمنة ولا يسرة، وأفتى شيخ الإسلام أبو زرعة.
الحواشي
(١) يتعلق ذلك إلى يوم القيامة، وفيه وقفة، انتهى، بل لا يصح لقيام الإجماع الفعلي في كل عصر على خلافه، فهو خاص ببناته أو بفاطمة فقط على ما مر، وامتناع المسور من مزيد ورعه حملًا لما سمعه على عمومه.
"وقد استشكل اختصاص فاطمة بذلك، مع أن الغيرة على النبي ﷺ أقرب إلى خشية الافتتان في الدين" الذي خشيه على فاطمة في نحو قوله: "وإني أخاف أن تفتن في دينها" "ومع ذلك: فكان ﷺ يستكثر من الزوجات، ويوجد منهن الغيرة" عليه، "ومع ذلك ما راعى ﷺ ذلك في حقهن، كما راعاه في حق فاطمة" فهل لذلك حكمة؟ "وأجيب بأن فاطمة كانت إذا ذاك فاقدة من تركن إليه ممن يؤنسها، ويزيل وحشتها من أم" لموت أمها وهي صغيرة جدًا، "أو أخت" لموت أخواتها قبل ذلك واحدة بعد واحدة، "بخلاف أمهات المؤمنين، فإن كل واحدة منهن كانت ترجع إلى من يحصل لها معه ذلك" المذكور من الإيناس وإزالة الوحشة "وزيادة عليه، وهو زوجهن ﷺ لما كان عنده من الملاطفة وتطييب القلوب، وجبر الخاطر، بحيث أن كل واحدة منهن ترضى به بسبب حسن خلقه" بضمتين، وجميل خلقه، بفتح وسكون، إذ لا أجمل منه، "وترضى بجميع ما يصدر منه، بحيث لو وجد ما يخشى وجوده من الغيرة لزال عن قريب" حتى كأنه لم يكن كما يعلم من تصفح الأخبار.
"ومنها: أنه لا يجتهد في محراب" وهو ما ثبت أنه "صلى إليه" وإن لم يكن بمسجد "يمنة ولا يسرة" أي: لا يجوز ذلك، لأنه قطعي، أنه باجتهاده، إذ لا يقر على خطأ، فلو تحيل حاذق فيه يمنة أو يسرة، فحياله باطل، "وأفتى شيخ الإسلام" قاضي القضاة، "أبو زرعة" أحمدстр. 3392
ابن العراقي في شخص امتنع من الصلاة إلى محراب النبي ﷺ وقال: أنا أجتهد وأصلي، بأنه إن فعل ذلك مع الاعتراف بأنه على ما كان في زمن النبي ﷺ فهو ردة، وإن ذكر تأويلا بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه في زمنه ﵊ بل غير عما كان عليه، فهذا سبب اجتهادي، لم يحكم بردته، وإن لم يكن هذا التأويل صحيحًا.
ومنها أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا.
الحواشي
(١) "ابن" عبد الرحمن "العراقي" الحافظ ابن الحافظ في الفتاوى المكية، وهو نحو كراسين "في شخص امتنع من الصلاة إلى محراب النبي ﷺ وقال: أنا أجتهد وأصلي بأنه إن فعل ذلك مع الاعتراف بأنه على ما كان عليه في زمن النبي ﷺ ، فهو ردة" لتضمنه أنه كان مخطئًا في صلاته وهو ردة "وإن ذكر تأويلا، بأن قال: ليس هو الآن على ما كان عليه في زمنه ﵊، بل غير عما كان عليه، فهذا سبب اجتهادي لم يحكم بردته" لأنه لم يتضمن خطأ، "وإن لم يكن هذا التأويل صحيحًا" إذ خطأ تأويله يستلزم شيئًا في حقه ﷺ ، والله أعلم.
"ومنها: أن من رآه في المنام فقد رآه حقًا" قال القضاعي: هذه الخصوصية مما خص به دون غيره من الأنبياء، وجزم البغوي بمشاركة جميع الأنبياء والملائكة له في ذلك.
وحكى الشيخ أكمل الدين في شرح المشارق فيه خلافًا، فقال: هل ذلك مختص بالنبي ﷺ ، أم لا؟ قال بعضهم: رؤيا الله تعالى والأنبياء والملائكة والشمس والقمر والنجوم المضيئة والسحاب، الذي فيه الغيم ايتمثل الشيطان بشيء منها، وذكر المحققون أنه خاص به ﷺ ، وقالوا في ذلك أنه وإن ظهر بجميع أسماء الله تخلقًا وتحققًا، لكن المقصود من رسالته ﷺ هدايته للناس، وأن يكون مظهرًا لاسمه الهادي، والشيطان بخلاف ذلك، فهو ضال مضل، ولا يظهر أحدهما بصفة الآخر، ولو ظهر إبليس بصفته لالتبس على الناس، فضلوا بما يلقيه لهم لظنهم أنه الرسول، فعصم الله صورته من أن يتصور بها شيطان، انتهى.
والحكمة المذكورة تقتضي عمومه في جميع الأنبياء والملائكة، ثم أورد أعني الشيخ أكمل الدين، أن عظمة الله أتم من عظمة كل عظيم، مع أن إبليس يتراءى لكثير، وخاطبهم بأنه الحق ليضلهم، فضل جمع حتى ظهنوا أنهم رأوا الحق، وسمعوا خطابه، وأجاب: بأن كل عاقل يعلم بأن الحق لا صورة له معينة توجب الاشتباه بخلاف النبي، فصورته معينة معلومة؛ وبأن مقتضى الحكمة الحق أنه يضل من يشاء ويهدي من يشاء بخلاف النبي، فإنه متصف بالهداية ظاهر بصورتها ورسالته إنما هي لذلك لا للإضلال، فلا يكون منه إضلال لأحد البتة، فوجبстр. 3393
فإن الشيطان لا يتمثل به.
وفي رواية مسلم: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة"، أو قال: "فكأنما رآني في اليقظة، لا يتمثل الشيطان بي".
الحواشي
(١) عصمة صورته من أن يظهر بها شيطان، وقال عياض: لم يختلف العلماء في جواز صحة رؤيا الله في النوم، وإن رؤي علة صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام، لتحقق أن المرئي غير ذات الله، إذ لا يجوز عليه التجسم، ولا اختلاف الحالات رؤيا، بخلاف النبي ﷺ فكانت رؤياه تعالى في النوم من باب التمثيل والتخييل.
وقال ابن العربي: رؤيا الله في النوم أوهام وخواطر في القلب، لا تليق به الحقيقة، ويتعالى عنها، وهي دلالات للرأي على أمر كان أو يكون كسائر المرئيات، وقال غيره: رؤياه تعالى منامًا حق وصدق، لا كذب فيها في قول ولا فعل، "فإن الشيطان لا يتمثل به" كما أخرج أحمد والبخاري والترمذي عن أنس، قال: قال النبي ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإن الشيطان لا يتمثل بي".
"وفي رواية مسلم" من حديث أبي هريرة: "من رآني في المنام فسيراني في اليقظة" بفتح القاف، رؤية خاصة بصفة القرب منه.
قال الدماميني: وهذه بشارة لرائيه بالموت مسلمًا؛ لأن لا يراه في القيامة تلك الرؤية الخاصة، باعتبار القرب منه إلا من تحقق موته على الإسلام.
وقال شيخنا: أي: فسيراني في اليقظة على الصورة التي رآني عليها في المنام، وذلك يدل على أن من رآه في المنام كانت رؤياه صادقة، "أو قال" شك من الراوي: "فكأنما رآني في اليقظة".
قال الشيخ أكمل الدين: ومعناه غير الأول لأنه تشبيه، وهو صحيح؛ لأنه ما رآه في النوم مثالي، وما يرى في عالم الحس حسي، فهو تشبيه خيالي بحسي، انتهى.
"لا يتمثل الشيطان بي" هذا كالتتميم للمعنى، والتعليل للحكم، أي: لا يحصل للشيطان مثال صورتي، ولا يتشبه بي، فكما منعه الله أن يتصور بصورته في اليقظة، منعه ذلك في النوم لئلا يشتبه الحق بالباطل، أو هو استئناف في جواب ما سبب ذلك، يعني: ليس ذلك المنام من قبيل تمثل الشيطان في خيال الرائي ما شاء من التخيلات، وإنما عزاه لمسلم وحده لوقع الشك من راويه في لفظه.
وقد رواه البخاري ومسلم أيضًا بلا شك، كلاهما من حديث أبي هريرة: "من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة، ولا يتمثل الشيطان بي"، رواه الطبراني، وزاد: "ولا بالكعبة"، وقال: لا تحفظ هذه اللفظة إلا في هذا الحديث.стр. 3394
قال الحافظ ابن حجر: وقع عند الإسماعيلي: "فقد رآني في اليقظة" بدل قوله: "فسيراني" ومثله عند ابن ماجه وصححه الترمذي من حديث ابن مسعود.
وفي رواية أبي قتادة -عند مسلم أيضًا: "من رآني فقد رأى الحق".
وله أيضًا من حديث جابر: "من رآني في المنام فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل في صورتي"، وفي رواية: "من رآني في المنام فقد رآني فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتمثل بي".
الحواشي
(١) وروى الأزرقي عن عثمان بنساج، قال: بلغني عن النبي ﷺ ؛ أنه قال: "أول ما يرفع الركن، والقرآن ورؤيا النبي في المنام".
"قال الحافظ ابن حجر" في فتح الباري في شرح حديث أبي هريرة المذكور: "ووقع عند الإسماعيلي" في مستخرجه: "فقد رآني في اليقظة" بدل قوله: "فسيراني"، ومثله عند ابن ماجه، وصححه الترمذي من حديث ابن مسعود, ولا منافاة بينها وبين: "فسيراني"؛ لحمل هذه الرواية على أنها من التعبير بالماضي عن الآتي، لتحقق وقوعه نحو: أتى أمر الله، ولا بينها وبين فكأنما رآني؛ لحملها على التشبيه؛ كزيد أسد.
"وفي رواية أبي قتادة" الحارث، أو عمرو، أو النعمان الأنصاري، شهد أحدًا وما بعدها، "عند مسلم أيضًا" والبخاري بلفظه في التعبير، فلا وجه لقصر العز، وقال أبو قتادة: قال النبي ﷺ : "من رآني فقد رأى الحق" هكذا الرواية في الصحيحين، فما في نسخ من زيادة نون قبل الياء في رأي لا عبرة بها، أي: رأى الرؤيا الصادقة الصحيحة، وهي التي يريها الملك الموكل بضرب أمثال الرؤيا بطريق الحكمة لبشارة أو ندارة أو معاتبة، ليكون على بصيرة من أمره، وأبعد بعضهم، فقال: يمكن أن يراد بالحق الله مبالغة، تنبهًا على أن من رآه على وجه المحبة والاتباع، كأنه رأى الله؛ كقوله: "ومن أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله"، ورد بأنه يأباه قوله: "فإن الشيطان" ... إلخ.
"وله أيضًا من حديث جابر"، رفعه: "من رآني في المنام فقد رآني" أي: فليبشر بأنه رآني حقيقة، أي رأى حقيقتي، كما هي، فلم يتحد الشرط والجزاء، أو هو في معنى الإخبار، أي: من رآني، فأخبره بأن رؤياه حق لا أضغاث أحلام، ولا تخييل شيطان، ثم أردف ذلك بما هو تتميم للمعنى، وتعليل للحكم، فقال: "فإنه لا ينبغي" لا يصح ولا يتصور "للشيطان أن يتمثل في صورتي" لاستحالة ذلك، "وفي رواية" لمسلم أيضًا من وجه آخر عن جابر: "من رآني في المنام فقد رآني، فإنه لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي" والمعنى واحد.стр. 3395
وفي حديث أبي سعيد عند البخاري: "فإن الشيطان لا يتكونني". أي لا يتكون كوني، فحذف المضاف ووصل المضاف إليه بالفعل.
وفي حديث أبي قتادة عند البخاري: "فإن الشيطان لا يتراءى بي"، بالراء، بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع أن يتمثل بي، يعني إن الله وإن أمكنه من التصور في أي صورة أراد فإنه لم يمكنه من التصور في صورة النبي ﷺ .
وقد ذهب إلى هذا جماعة، فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان عليها، ومنهم من ضيق الذرع في ذلك حتى قال: لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها، حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة.
الحواشي
(١) "وفي حديث أبي سعيد" الخدري "عند البخاري" من إفراده عن مسلم: أنه سمع النبي ﷺ يقول: "من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتكونني" أي: لا يصير كائنًا في مثل صورتي، "أي لا يتكون كوني" أي: لا يتصور تصورًا كصورتي، "فحذف المضاف، ووصل المضاف إليه بالفعل، وفي حديث أبي قتادة عند البخاري" ومسلم أيضًا بلفظ: "من رآني فقد رأى الحق، فإن الشيطان لا يتراءى بي"، بالراء، بوزن يتعاطى، ومعناه: لا يستطيع أن يتمثل بي" أي: المقصود منه ذلك، إذ المعنى ما يعني من اللفظ، ولو مجازًا، فإن معناه الحقيقي النظر؛ كما في القاموس لا الاستطاعة، فاستعمله في لازمه، فإن من نظر شيئًا تصوره، أو ضمن ترائى معنى تصور فعداه بالباء وإلا فهو متعد بنفسه، وهذا على ما اقتصر عليه هنا من ن الرواية، بالراء المهملة، وهي رواية لأبي ذر وحده للبخاري، ورواه الباقون بالزاي المنقوطة، أي: لا يظهر في زيي، كما بينه المصنف وغيره، "يعني: إن الله وإن أمكنه من التصور في أي صورة أراد، فإنه لم يمكنه التصور في صورة النبي ﷺ " فهذا الحديث يقيد مطلق الأحاديث قليلة المفيدة أنه لا يتمثل به على أي صفة كانت، "وقد ذهب إلى هذا جماعة" منهم الحكيم الترمذي وعياض، "فقالوا في الحديث: إن محل ذلك إذا رآه الرائي على صورته التي كان"، أي وجد خلق "عليها في الدنيا، ومنهم من ضيق الذرع في ذلك" فبالغ "حتى قال: لا بد أن يراه على صورته التي قبض عليها حتى يعتبر عدد الشعرات البيض التي لم تبلغ عشرين شعرة" فإنما تصح رؤياه عند هؤلاء لأحد رجلين، صحابي رآه فعلم صفته، فانطبع في نفسه مثاله، فإنه رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم من الشيطان، والثاني رجل تكررت عليه صفاته المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفاته ومثاله المعصوم، كما حصل ذلك لمن شاهده فإذا رآه جزم برؤية مثاله، وأما غير هذين فلا يحصل الجزم بأنه رآه، ولو وجد في نفسه أنстр. 3396
وعن حماد بن زيد عن أيوب قال: كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف الذي رأيت، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح.
وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب قال: حدثني أبي.
الحواشي
(١) المرئي هو النبي، أو قال له قائل هذا النبي بل يجوز أنه رأى تمثاله، ويحتمل أنه من تخييل الشيطان، ولا يفسده قوله للذي يراه: أن رسول الله، ولا قول من يحضر معه، ذكر العلامة الشهاب القرافي في قواعده ناسبًا له للعلماء، أي بعضهم قائلا: إنه من المهم، وتعقبه من قال: لقد ضيقت واسعًا، وما على الذي قلته دليل ولا برهان إلا مجرد دعوى الحق في خلافها، والمعبرون على خلاف هذا الشرط، ويبطله رؤيا الله تعالى ورؤيا الملائكة، فإنه يلزمك أن لا تصلح رؤيا الله، فإنه لا صورة له حتى يتمثل لنا، انتهى.
وزعم بعض أن القرافي أخذ بعضه من كلام شيخه العز بن عبد السلام بعيد، فلفظه: كيف تقولون إنه رآه شابًا وشيخًا وأسود وأبيض وغير ذلك، وأجيب بأن هذه صفات الرائين، وأحوالهم تظهر فيه ﵊، وهو كالمرأة لهم، فإن قلت: كيف يبقى المثال مع هذه الأحوال المضادة له؟ قلت: لو كان لك أب شاب فغبت عنه، ثم وجدته شيخًا أو أصابه مرض فاصفر، أو اسود، أتشك أنه أبوك؟ فما ذاك إلا لما ثبت في نفسك من مثاله المتقدم عندك، فكذلك من ثبت عنده حال النبي ﷺ لا يشك فيه مع عروض هذه الأحوال، وإذا حصل له الضبط فرآه على غير صفته، دل على ظلم الرائي، انتهى، لكن هذا يشكل على الحكمة الثانية المتقدمة.
"وعن حماد بن زيد" بن درهم الأزدي البصري، ثقة، ثبت، فقيه، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة، "عن أيوب" بن كيسان السختياني، البصري، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله خمس وستون سن، "قال: كان محمد، يعني ابن سيرين" الأنصاري، أبو بكر البصري، ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، لا يرى الرواية بالمعنى مات سنة عشر ومائة، "إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ ، قال: صف الذي رأيت فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره" وإنما رأيت مثالا خيل لك أنه مثاله، أخرجه إسماعيل القاضي، "وسنده صحيح".
قال الشامي: وجرى عليه علماء التعبير، فإذا قال الجاهل: رأيته، سئل عن صفته، فإن وافقها فذاك، وإلا فلا يقبل منه.
"وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب" بن شهاب الجزمي، الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء، روى له مسلم والأربعة ومات سنة بضع وثلاثين ومائة، "قال: حدثني أبي" كليب بن شهاب بن المجنون، صدوق، من كبار التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، روى لهстр. 3397
قال: قلت لابن عباس، رأيت النبي ﷺ في المنام، قال: صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأيته، وسنده جيد.
لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة". وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: رؤيته بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال.
الحواشي
(١) الحسن بن علي، فشبهته به" لأنه كان يشبهه، كما قال الصديق، وقد حمله:
بأبي شبيه بالنبي ... ليس شبيهًا بعلي
وعلي يضحك كما في الصحيحين، "قال: قد رأيته، فدل ذلك على أن رؤياه إنما تصح لرائيه على صفته "وسنده جيد"، أي مقبول "لكن يعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة" قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة صورتي أو غيرها". وفي سنده ابن التوأمة، بفتح الفوقية وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة، وصوابه صالح مولى التوأمة، وهو صالح بن نبهان المدني، التابعي الصغير، "هو" صدوق اختلط فهو "ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط".
قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كان أبي ذئب وابن جرير، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، وأخأه من زعم أن البخاري أخرج له.
"قال القاضي أبو بكر" محمد "بن العربي" الحافظ الفقيه المالكي: "رؤيته ﷺ بصفته المعلومة" التي كان عليها "إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال" لا الحقيقة، فالأولى لا تحتاج إلى تعبير، والثانية تحتاجه، وللصوفية ما يوافق معنى هذا وإن اختلف اللفظ، حيث قالوا: هنا ميزان يجب التنبه به، وهو أن الرؤيا الصحيحة أن يرى بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فإن رآه بغيرها، كطويل، أو قصير، أو شيخ، أو شديد السمرة لم يكن رآه، وحصول الجزم في نفس الرائي بأنه رآه غير حجة، بل ذلك المرئيстр. 3398
قال: وقد شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلا.
قال وقوله: "فسيراني" معناه فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق وغيب، وأما قوله: "فكأنما رآني" فهو تشبيه ومعناه: أنه لو رآني في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول حقًا وحقيقة، والثاني حقًا وتمثيلا.
قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال. فإن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي، وعلى العكس فبالعكس.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "فقد رآني" أو: "فقد رأى الحق" أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت رؤياه حقًا، ومن رآه على
الحواشي
(١) صورة الشرع بالنسبة لاعتقاد الرائي، أو خياله، أو صفته، أو حكم من أحكام الإنسان، أو بالنسبة للمحل الذي رأى فيه تلك الصورة.
قال القونوي كابن العربي: وقد جربناه فوجدناه لم ينخرم.
"قال" القاضي ابن العربي: "وقد شذ بعض القدرية، فقال: الرؤيا" من حيث هي للنبي أو لغيره "لا حقيقة لها أصلا" لأنهم حالوا الوقوف على حقيقتها بالعقل، وهي لا تدرك به، وهم لا يصدقون بالسمع، فنفوا عنها الحقيقة، وقالوا: إنما هي خيالات لا أصل لها كما بينه ابن العربي نفسه، وكذا غيره.
"قال" ابن العربي: "وقوله: "فسيراني" معناه: فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق" في نفس الأمر "وغيب" عنًا.
وأما قوله: "فكأنما رآني"، فهو تشبيه، ومعناه: أنه لو رآني في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول، وهو رؤيته يقظة "حقًا وحقيقة" أي: محققًا، "والثاني" أي رؤيا المنام "حقًا وتمثيلا، قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة" بأن كان صحابيًا، أو تكررت عليه صفته من الكتب كما مر "فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال أي أمور شبهت له في المنام تدل على ما يحصل له يقظة "فإن رآه مقبلا عليه مثلا، فهو خير لرائي، وعلى العكس، أي: مدبرًا عنه "فبالعكس"، أي: فهو شر للرائي، لكن لا يظهر تفريع هذا على مقابله، إذ مجرد رؤياه مقبلا أو مدبرًا لا ينافي أنه رآه على صفته الأصلية، فالأولى لو مثل بنحو من رآه شيخًا، أو شابًا، أو جسمًا ملأ البلد الذي هو فيه.
"وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "فقد رآني"، أو: "فقد رأى الحق" أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت رؤياه حقًا، ومن رآه على غيرстр. 3399
غير صورته كانت رؤيا تأويل، انتهى.
وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى.
وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فقال: لم يظهر لي في كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالتين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا تحتاج إلى تعبير، والثانية: مما تحتاج إلى التعبير.
وقال بعضهم: معناه، أن من رآه على صورته التي كان.
الحواشي
(١) صورته كانت رؤيا تأويل" بأن يؤول بما يناسب ما رآه من خير وغيره، "انتهى".
"وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراح حقيقة، سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها. انتهى".
وتبعه عليه بعض المحققين، ثم قال: فإن قيل كيف يرى على خلاف صورته، ويراه شخصان في ليلة واحدة في مكانين، والبدن الواحد إنما يكون في مكان واحد، قلنا: التغيير في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحقق الإبصار، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي ظاهرًا على الأرض، أو مدفونًا فيها، وإنما الشرط كونه موجودًا، انتهى.
"وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، فقال: لم يظهر لي من كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك" الذي ذكره النووي أنه يراه حقيقة مطلقًا، "بل ظاهر قوله" أي: كلام عياض المذكور "أنه يراه حقيقة في الحالتين" رؤياه على صورة حياته وعلى غيرها؛ "لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا تحتاج إلى تعبير، والثانية مما تحتاج إلى التعبير" فإذا رآه على غير صورته، كان المراد منها أمرًا يحصل للرائي، فهي حق من هذا الوجه، وفي المفهم للقرطبي اختلف في معنى الحديث، فقال قوم من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رآه على حقيقته، كمن يراه في اليقظة سواء، وهو قول يدرك فساده ببادئ العقل، إذ يلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه اثنان في وقت واحد في مكانين وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويخلو قبره عنه فيزار مجرد القب، ويسلم على غائب، لأنه يرى ليلا ونهارًا على اتصال الأوقات وهذه جهالات لا يلتزمها من له أدنى مسكة من عقل، وملتزم ذلك مختل مخبول.
"وقال بعضهم" ولفظ القرطبي: طائفة، "معناه: أن من رآه على صورته التي كانстр. 3400
عليها. ويلزم من قول من قال: "إنها لا تكون إلا على صورته المعلومة" أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام. ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدينا من الأحوال اللائقة به، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: فإن الشيطان لا يتمثل بي. فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته.
فالصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثًا، بل هي حق في نفسها، ولو رؤي على غير صورته، فتصور تلك الصور ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله تعالى.
الحواشي
(١) عليها" فقد رآه حقًا، فهو شرط حذف جوابه، أو قوله على صورته معمول لمقدر، أي: من رآه على صورته، "ويلزم من قول من قال: إنها لا تكون إلا على صورته المعلومة"، أخصر منه قول القرطبي: ويلزم منه "أن من رآه على غير صفته، أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام" والأحاديث تأبى ذلك، "ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به" ومع ذلك تكون الرؤيا حقًا كما لو رآه ملأ بلدًا أو دارًا بجسمه، فإنه يدل على امتلاء البلدة بالحق والشرع، وتلك الدار بالبركة، وكثيرًا ما وقع ذلك.
هذا أسقطه المصنف من القرطبي، "ولو تمكن الشيطان من التمثل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: "فإن الشيطان لا يتمثل بي" إذ هو نفي مطلق، "فالأولى، أي الأحق "أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه" كعمامته ونحوها، "أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، أي: الاحترام والتعظيم، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته"، بفتح القاف، "فالصحيح في تأويل هذا الحديث؛ أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة" سواء كان صفته أم غيرها "ليست باطلة ولا أضغاثًا" أخلاط أحلام "بل هي حق في نفسها، ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله تعالى" مثل الله ذلك للرائي بشرى، فينبسط للخير، أو إنذارًا، فينزجر عن الشر تنبيهًا على خير يحصل، وقد ذكرنا أن المرئي في المنام أمثلة المرئيات لا أنفسها غير أن تلك الأمثلة تارة تطابق حقيقة المرئي، وتارة لا تتم المطابقة، وقد تظهر في اليقظة كذلك، فالمقصود بتلك الصورة معناها لا عينها، ولذا خالف المثال صورة المرئي بزيادة أو نقص، أو تغير لون، أوследующие страницы →