Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
وعن حماد بن زيد عن أيوب قال: كان محمد -يعني ابن سيرين- إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ قال: صف الذي رأيت، فإن وصف له صفة لا يعرفها قال: لم تره، وسنده صحيح.
وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب قال: حدثني أبي.
الحواشي
(١) المرئي هو النبي، أو قال له قائل هذا النبي بل يجوز أنه رأى تمثاله، ويحتمل أنه من تخييل الشيطان، ولا يفسده قوله للذي يراه: أن رسول الله، ولا قول من يحضر معه، ذكر العلامة الشهاب القرافي في قواعده ناسبًا له للعلماء، أي بعضهم قائلا: إنه من المهم، وتعقبه من قال: لقد ضيقت واسعًا، وما على الذي قلته دليل ولا برهان إلا مجرد دعوى الحق في خلافها، والمعبرون على خلاف هذا الشرط، ويبطله رؤيا الله تعالى ورؤيا الملائكة، فإنه يلزمك أن لا تصلح رؤيا الله، فإنه لا صورة له حتى يتمثل لنا، انتهى.
وزعم بعض أن القرافي أخذ بعضه من كلام شيخه العز بن عبد السلام بعيد، فلفظه: كيف تقولون إنه رآه شابًا وشيخًا وأسود وأبيض وغير ذلك، وأجيب بأن هذه صفات الرائين، وأحوالهم تظهر فيه ﵊، وهو كالمرأة لهم، فإن قلت: كيف يبقى المثال مع هذه الأحوال المضادة له؟ قلت: لو كان لك أب شاب فغبت عنه، ثم وجدته شيخًا أو أصابه مرض فاصفر، أو اسود، أتشك أنه أبوك؟ فما ذاك إلا لما ثبت في نفسك من مثاله المتقدم عندك، فكذلك من ثبت عنده حال النبي ﷺ لا يشك فيه مع عروض هذه الأحوال، وإذا حصل له الضبط فرآه على غير صفته، دل على ظلم الرائي، انتهى، لكن هذا يشكل على الحكمة الثانية المتقدمة.
"وعن حماد بن زيد" بن درهم الأزدي البصري، ثقة، ثبت، فقيه، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وله إحدى وثمانون سنة، "عن أيوب" بن كيسان السختياني، البصري، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة، وله خمس وستون سن، "قال: كان محمد، يعني ابن سيرين" الأنصاري، أبو بكر البصري، ثقة، ثبت، عابد، كبير القدر، لا يرى الرواية بالمعنى مات سنة عشر ومائة، "إذا قص عليه رجل أنه رأى النبي ﷺ ، قال: صف الذي رأيت فإن وصف له صفة لا يعرفها، قال: لم تره" وإنما رأيت مثالا خيل لك أنه مثاله، أخرجه إسماعيل القاضي، "وسنده صحيح".
قال الشامي: وجرى عليه علماء التعبير، فإذا قال الجاهل: رأيته، سئل عن صفته، فإن وافقها فذاك، وإلا فلا يقبل منه.
"وقد أخرج الحاكم من طريق عاصم بن كليب" بن شهاب الجزمي، الكوفي، صدوق رمي بالإرجاء، روى له مسلم والأربعة ومات سنة بضع وثلاثين ومائة، "قال: حدثني أبي" كليب بن شهاب بن المجنون، صدوق، من كبار التابعين، ووهم من ذكره في الصحابة، روى لهстр. 3397
قال: قلت لابن عباس، رأيت النبي ﷺ في المنام، قال: صفه لي، قال: فذكرت الحسن بن علي فشبهته به، قال: قد رأيته، وسنده جيد.
لكن يعارضه: ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة". وفي سنده ابن التوأمة وهو ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط.
قال القاضي أبو بكر بن العربي: رؤيته بصفته المعلومة إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال.
الحواشي
(١) الحسن بن علي، فشبهته به" لأنه كان يشبهه، كما قال الصديق، وقد حمله:
بأبي شبيه بالنبي ... ليس شبيهًا بعلي
وعلي يضحك كما في الصحيحين، "قال: قد رأيته، فدل ذلك على أن رؤياه إنما تصح لرائيه على صفته "وسنده جيد"، أي مقبول "لكن يعارضه ما أخرجه ابن أبي عاصم من وجه آخر عن أبي هريرة" قال: قال رسول الله ﷺ : "من رآني في المنام فقد رآني، فإني أرى في كل صورة صورتي أو غيرها". وفي سنده ابن التوأمة، بفتح الفوقية وسكون الواو بعدها همزة مفتوحة، وصوابه صالح مولى التوأمة، وهو صالح بن نبهان المدني، التابعي الصغير، "هو" صدوق اختلط فهو "ضعيف لاختلاطه، وهو من رواية من سمع منه بعد الاختلاط".
قال ابن عدي: لا بأس برواية القدماء عنه، كان أبي ذئب وابن جرير، مات سنة خمس أو ست وعشرين ومائة، روى له أبو داود والترمذي وابن ماجه، وأخأه من زعم أن البخاري أخرج له.
"قال القاضي أبو بكر" محمد "بن العربي" الحافظ الفقيه المالكي: "رؤيته ﷺ بصفته المعلومة" التي كان عليها "إدراك له على الحقيقة، ورؤيته على غير صفته إدراك للمثال، فإن الصواب أن الأنبياء لا تغيرهم الأرض، ويكون إدراك الذات الكريمة حقيقة، وإدراك الصفات إدراك المثال" لا الحقيقة، فالأولى لا تحتاج إلى تعبير، والثانية تحتاجه، وللصوفية ما يوافق معنى هذا وإن اختلف اللفظ، حيث قالوا: هنا ميزان يجب التنبه به، وهو أن الرؤيا الصحيحة أن يرى بصورته الثابتة بالنقل الصحيح، فإن رآه بغيرها، كطويل، أو قصير، أو شيخ، أو شديد السمرة لم يكن رآه، وحصول الجزم في نفس الرائي بأنه رآه غير حجة، بل ذلك المرئيстр. 3398
قال: وقد شذ بعض القدرية فقال: الرؤيا لا حقيقة لها أصلا.
قال وقوله: "فسيراني" معناه فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق وغيب، وأما قوله: "فكأنما رآني" فهو تشبيه ومعناه: أنه لو رآني في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول حقًا وحقيقة، والثاني حقًا وتمثيلا.
قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة، فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال. فإن رآه مقبلا عليه مثلا فهو خير للرائي، وعلى العكس فبالعكس.
وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "فقد رآني" أو: "فقد رأى الحق" أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت رؤياه حقًا، ومن رآه على
الحواشي
(١) صورة الشرع بالنسبة لاعتقاد الرائي، أو خياله، أو صفته، أو حكم من أحكام الإنسان، أو بالنسبة للمحل الذي رأى فيه تلك الصورة.
قال القونوي كابن العربي: وقد جربناه فوجدناه لم ينخرم.
"قال" القاضي ابن العربي: "وقد شذ بعض القدرية، فقال: الرؤيا" من حيث هي للنبي أو لغيره "لا حقيقة لها أصلا" لأنهم حالوا الوقوف على حقيقتها بالعقل، وهي لا تدرك به، وهم لا يصدقون بالسمع، فنفوا عنها الحقيقة، وقالوا: إنما هي خيالات لا أصل لها كما بينه ابن العربي نفسه، وكذا غيره.
"قال" ابن العربي: "وقوله: "فسيراني" معناه: فسيرى تفسير ما رأى، لأنه حق" في نفس الأمر "وغيب" عنًا.
وأما قوله: "فكأنما رآني"، فهو تشبيه، ومعناه: أنه لو رآني في اليقظة لطابق ما رآه في المنام، فيكون الأول، وهو رؤيته يقظة "حقًا وحقيقة" أي: محققًا، "والثاني" أي رؤيا المنام "حقًا وتمثيلا، قال: وهذا كله إذا رآه على صورته المعروفة" بأن كان صحابيًا، أو تكررت عليه صفته من الكتب كما مر "فإن رآه على خلاف صفته فهي أمثال أي أمور شبهت له في المنام تدل على ما يحصل له يقظة "فإن رآه مقبلا عليه مثلا، فهو خير لرائي، وعلى العكس، أي: مدبرًا عنه "فبالعكس"، أي: فهو شر للرائي، لكن لا يظهر تفريع هذا على مقابله، إذ مجرد رؤياه مقبلا أو مدبرًا لا ينافي أنه رآه على صفته الأصلية، فالأولى لو مثل بنحو من رآه شيخًا، أو شابًا، أو جسمًا ملأ البلد الذي هو فيه.
"وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد بقوله: "فقد رآني"، أو: "فقد رأى الحق" أن من رآه على صورته المعروفة في حياته كانت رؤياه حقًا، ومن رآه على غيرстр. 3399
غير صورته كانت رؤيا تأويل، انتهى.
وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراه حقيقة سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها، انتهى.
وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر فقال: لم يظهر لي في كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك، بل ظاهر قوله أنه يراه حقيقة في الحالتين، لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا تحتاج إلى تعبير، والثانية: مما تحتاج إلى التعبير.
وقال بعضهم: معناه، أن من رآه على صورته التي كان.
الحواشي
(١) صورته كانت رؤيا تأويل" بأن يؤول بما يناسب ما رآه من خير وغيره، "انتهى".
"وتعقبه النووي فقال: هذا ضعيف، بل الصحيح أنه يراح حقيقة، سواء كان على صفته المعروفة أو غيرها. انتهى".
وتبعه عليه بعض المحققين، ثم قال: فإن قيل كيف يرى على خلاف صورته، ويراه شخصان في ليلة واحدة في مكانين، والبدن الواحد إنما يكون في مكان واحد، قلنا: التغيير في صفاته لا في ذاته، فتكون ذاته مرئية وصفاته متخيلة غير مرئية، والإدراك لا يشترط فيه تحقق الإبصار، ولا قرب المسافة، ولا كون المرئي ظاهرًا على الأرض، أو مدفونًا فيها، وإنما الشرط كونه موجودًا، انتهى.
"وتعقبه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر، فقال: لم يظهر لي من كلام القاضي عياض ما ينافي ذلك" الذي ذكره النووي أنه يراه حقيقة مطلقًا، "بل ظاهر قوله" أي: كلام عياض المذكور "أنه يراه حقيقة في الحالتين" رؤياه على صورة حياته وعلى غيرها؛ "لكن في الأولى تكون الرؤيا مما لا تحتاج إلى تعبير، والثانية مما تحتاج إلى التعبير" فإذا رآه على غير صورته، كان المراد منها أمرًا يحصل للرائي، فهي حق من هذا الوجه، وفي المفهم للقرطبي اختلف في معنى الحديث، فقال قوم من القاصرين: هو على ظاهره، فمن رآه في النوم رآه على حقيقته، كمن يراه في اليقظة سواء، وهو قول يدرك فساده ببادئ العقل، إذ يلزم عليه أن لا يراه أحد إلا على صورته التي مات عليها، وأن لا يراه اثنان في وقت واحد في مكانين وأن يحيا الآن، ويخرج من قبره ويمشي في الأسواق، ويخاطب الناس ويخاطبوه، ويخلو قبره عنه فيزار مجرد القب، ويسلم على غائب، لأنه يرى ليلا ونهارًا على اتصال الأوقات وهذه جهالات لا يلتزمها من له أدنى مسكة من عقل، وملتزم ذلك مختل مخبول.
"وقال بعضهم" ولفظ القرطبي: طائفة، "معناه: أن من رآه على صورته التي كانстр. 3400
عليها. ويلزم من قول من قال: "إنها لا تكون إلا على صورته المعلومة" أن من رآه على غير صفته أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام. ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدينا من الأحوال اللائقة به، ولو تمكن الشيطان من التمثيل بشيء مما كان عليه أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: فإن الشيطان لا يتمثل بي. فالأولى أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه، أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته.
فالصحيح في تأويل هذا الحديث أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة ليست باطلة ولا أضغاثًا، بل هي حق في نفسها، ولو رؤي على غير صورته، فتصور تلك الصور ليس من الشيطان، بل هو من قبل الله تعالى.
الحواشي
(١) عليها" فقد رآه حقًا، فهو شرط حذف جوابه، أو قوله على صورته معمول لمقدر، أي: من رآه على صورته، "ويلزم من قول من قال: إنها لا تكون إلا على صورته المعلومة"، أخصر منه قول القرطبي: ويلزم منه "أن من رآه على غير صفته، أن تكون رؤياه من أضغاث الأحلام" والأحاديث تأبى ذلك، "ومن المعلوم أنه يرى في النوم على حالة بخلاف حالته في الدنيا من الأحوال اللائقة به" ومع ذلك تكون الرؤيا حقًا كما لو رآه ملأ بلدًا أو دارًا بجسمه، فإنه يدل على امتلاء البلدة بالحق والشرع، وتلك الدار بالبركة، وكثيرًا ما وقع ذلك.
هذا أسقطه المصنف من القرطبي، "ولو تمكن الشيطان من التمثل بشيء مما كان عليه، أو ينسب إليه لعارض عموم قوله: "فإن الشيطان لا يتمثل بي" إذ هو نفي مطلق، "فالأولى، أي الأحق "أن تنزه رؤياه، وكذا رؤيا شيء منه" كعمامته ونحوها، "أو مما ينسب إليه عن ذلك، فإنه أبلغ في الحرمة، أي: الاحترام والتعظيم، وأليق بالعصمة، كما عصم من الشيطان في يقظته"، بفتح القاف، "فالصحيح في تأويل هذا الحديث؛ أن مقصوده أن رؤيته في كل حالة" سواء كان صفته أم غيرها "ليست باطلة ولا أضغاثًا" أخلاط أحلام "بل هي حق في نفسها، ولو رؤي على غير صورته فتصور تلك الصورة ليس من الشيطان بل هو من قبل الله تعالى" مثل الله ذلك للرائي بشرى، فينبسط للخير، أو إنذارًا، فينزجر عن الشر تنبيهًا على خير يحصل، وقد ذكرنا أن المرئي في المنام أمثلة المرئيات لا أنفسها غير أن تلك الأمثلة تارة تطابق حقيقة المرئي، وتارة لا تتم المطابقة، وقد تظهر في اليقظة كذلك، فالمقصود بتلك الصورة معناها لا عينها، ولذا خالف المثال صورة المرئي بزيادة أو نقص، أو تغير لون، أوстр. 3401
وهذا قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره. ويؤيده قوله "فقد رأى الحق" أشار إليه القرطبي.
وقال ابن بطال: قوله: "فسيراني في اليقظة" يريد تصديق ذلك في اليقظة وصحتها وخروجها على الوجه الحق، وليس المراد أنه يراه في الآخرة، لأنه سيراه يوم القيامة في اليقظة جميع أمته، ومن رآه في النوم ومن لم يره.
وقال المازري: إن كان المحفوظ "فكأنما رآني في اليقظة" احتمل أن يكون أراد عصره ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة أن يراه بعد ذلك في اليقظة.
الحواشي
(١) زيادة عضو تنبيهًا على معاني الأمور.
هذا أسقطه من كلام القرطبي "وهذا قول القاضي أبي بكر" محمد "بن الطيب" بن محمد القاضي، المعروف بابن الباقلاني، الملقب بشيخ السنة ولسان الأمة، البصري، ثم البغدادي المالكي، وإليه انتهت رئاسة المالكية في وقته، وكان حسن الفقه، عظيم الجدل، وله بجامع المنصور ببغداد حلقة عظيمة، وورده عشرون ركعة كل ليلة، ما تركها حضرًا ولا سفرًا، وإذا قضى ورده كتب خمسًا وثلاثين ورقة تصنيفًا من حفظه مات سنة ثلاث وأربعمائة "وغيره، ويؤيده قوله: "فقد رأى الحق"، أشار إليه القرطبي" في شرح مسلم، وحاصل كلامه أن رؤياه بصفته إدراك لذاته، فلا تحتاج لتعبير، وبغيرها إدراك لمثاله، فتحتاج إلى التعبير.
وقال ابن بطال" أبو الحسن في شرح البخاري: "قوله: فسيراني في اليقظة"، يريد به أنه يرى "تصديق ذلك في اليقظة وصحتها"، أي: رؤياه "وخروجها على الوجه الحق" ولا يلزم منه أنه يرى ذاته يقظة، "وليس المراد أنه يراه في الآخرة؛ لأنه سيراه يوم القيامة جميع أمته، ومن رآه في النوم ومن لم يره" فلا معنى لقصر الحديث عليه، ويأتي الجواب بأنه يراه بصفة خاصة.
"وقال" أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي "المازري" بفتح الزاي وكسرها، نسبة إلى مازر جزيرة بصقلية، الإمام الفقيه، العلامة الشهير في شرح إحدى روايتي مسلم، وهي التي بالشك: "إن كان المحفوظ: فكأنما رآني في اليقظة، فمعناه ظاهر" لأنه تشبيه "وأن المحفوظ فسيراني في اليقظة"، وهو المجزوم به في الصحيحين.
"احتمل أن يكون أراد أهل عصه ممن لم يهاجر إليه، فإنه إذا رآه في المنام جعل ذلك علامة على أنه يراه بعد ذلك في اليقظة" فيوفقه الله للهجرة إليه والتشرف برؤيتهстр. 3402
وأوحى الله بذلك إليه ﷺ .
وقيل: معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها.
وأجاب القاضي عياض: باحتمال أن تكون رؤياه في النوم على الصفة التي عرف بها، ووصف عليها، موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه، أو الشفاعة له، بعلو الدرجة ونحو ذلك من الخصوصيات. قال: ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في القيامة بمنع رؤيته ﷺ مدة.
وحمله ابن أبي جمرة على محمل آخر فذكر عن ابن عباس أو غيره، أنه رأى النبي ﷺ في النوم، فبقي بعد اليقظة متفكرًا في هذا الحديث، فدخل على بعض أمهات المؤمنين -ولعلها خالته ميمونة- فأخرجت له المرآة التي كانت للنبي ﷺ فنظر فيها صورة النبي ﷺ ولم ير صورة نفسه.
الحواشي
(١) ولقائه، "وأوحى الله بذلك إليه ﷺ " فأخبر به "وقيل: معناه سيرى تأويل تلك الرؤيا في اليقظة وصحتها" أي: يرى يقظة ما يصلح أن يكون تأويلا للرؤيا وهذا اختاره ابن بطال نافيًا قول من قال: سيراه في الآخرة لأنها لا تختص بمن رآه منامًا.
"وأجاب القاضي عياض" عنه "باحتمال أن تكون رؤياه له في النوم على الصفة التي عرف بها ووصف عليها" في الأحاديث "موجبة لتكرمته في الآخرة، وأن يراه رؤية خاصة من القرب منه" عطف تفسير لتكرمته، أي: بالقرب منه "أو الشفاعة له بعلو الدرجة" في الجنة زيادة على الشفاعة العامة وعلى إدخال الجنة، "ونحو ذلك من الخصوصيات".
"قال" عياض: "ولا يبعد أن يعاقب الله بعض المذنبين في" يوم "القيامة" قبل دخول الجنة "بمنع رؤيته ﷺ مدة" فلا يضر قائل معنى: فسيراني في اليقظة أنه يراه في الآخرة، كون أمته جميعًا يرونه فيها، لأنهم وإن اشتركوا في الرؤية يختلفون في وقتها وصفتها.
"وحمله" الإمم "ابن أبي جمرة" بجيم وراء "على محمل آخر، فذكر عن ابن عباس أو غيره أنه رأى النبي ﷺ في النوم، فبقي بعد اليقظة متفكرًا في هذا الحديث" أي: معنى قوله: "فسيراني في اليقظة" "فدخل على بعض أمهات المؤمنين ولعلها خالته ميمونة"؛ إن كان الرائي ابن عباس لأنه لم يجزم به أولا، "فأخرجت له المرأة" بكسر الميم على وزن فعلاة معروفة، وجمعها مراء كنواص؛ كما في المصباح "التي كانت للنبي ﷺ فنظر فيها صورة النبي ﷺ ، ولم ير صورة نفسه" فدل ذلك على أن معناه رؤية صورته في مرآته وإن أمكن، ويأتي إن هذا أبعد المحامل.стр. 3403
وقال الغزالي: ليس معنى قوله: "فقد رآني" أنه رأى جسمي وبدني وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأذى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله: "فسيراني في اليقظة" ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني. قال: والآية تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية. والنفس غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. قال: ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره، ويكون ذلك المثال آلة حقًا في كونه واسطة في التعريف، فيقول الرائي: رأيت الله في المنام، ولا يعني أني رأيت ذات الله تعالى، كما يقول في حق غيره.
وقال الغزالي أيضًا في بعض فتاويه: من رأى الرسول -يعني في المنام- لم ير حقيقة شخصه الودع روضة المدينة، وإنما رأى مثاله لا شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة.
الحواشي
(١) "وقال الغزالي: ليس معنى قوله: "فقد رآني أنه رأى جسمي وبدني" حقيقة، "وإنما المراد أنه رأى مثالا صار ذلك المثال آلة يتأذى بها المعنى الذي في نفسي إليه، وكذلك قوله: "فسيراني في اليقظة" ليس المراد أنه يرى جسمي وبدني، بل المثال، "قال: والآلة تارة تكون حقيقية وتارة تكون خيالية. والنفس" أي الذات "غير المثال المتخيل، فما رآه من الشكل ليس هو روح المصطفى ولا شخصه بل هو مثال له على التحقيق. قال" الغزالي: "ومثل ذلك من يرى الله تعالى في المنام، فإن ذاته تعالى منزهة عن الشكل والصورة، ولكن تنتهي تعريفاته" أي: الأمور التي تتعقل بها ذاته "تعالى إلى العبد بواسطة مثال محسوس من نور أو غيره" تقريبًا لعقله، "ويكون ذلك المثال آلة حقًا في كونه واسطة في التعريف" أي: التعقل، "فيقول الرائي: رأيت الله في المنام، ولا يعني أني رأيت ذات الله تعالى، كما يقول في حق غيره، بل يعني أنه رأى مثالا علم به بعض صفاته المميزة له عن غيره؛ لأن رؤية ذات الله تعالى لا تجوز يقظة في الدنيا، فكذا منامًا لا ترى حقيقة، بل مثالا.
"وقال الغزالي أيضًا في بعض فتاويه: من رأى الرسول -يعني في المنام- لم ير حقيقة شخصه الودع روضة المدينة"، أي: قربها، إذ هي بين القبور المنبر؛ كما في الحديث، "وإنما رأى مثاله لا شخصه، ثم قال: وذلك المثال مثال روحه المقدسة عن الصورة والشكل"стр. 3404
والشكل.
وقال الطيبي: المعنى من رآني في المنام بأي صفة كنت فليبشر وليعلم أنه قد رآني الرؤيا الحق، أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: "فقد رآني" فالشرط والجزاء إذا اتحدا دل على الغاية في الكمال، أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء.
والحاصل من الأجوبة أنه على التشبيه والتمثيل ويدل عليه قوله "فكأنما رآني في اليقظة".
ثانيها: معناه، سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة.
ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه.
رابعها: المراد أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذلك، قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: وهذا من أبعد المحامل.
الحواشي
(١) فحاصله أن المرئي ليس ذات الروح ولا الشخص كما قاله قبل.
"وقال الطيبي" في شرح المشكاة: "المعنى: من رآني في المنام بأي صفة كنت فليبشر"، بفتح الياء والشين، "وليعلم أنه قد رآني الرؤيا الحق، أي رؤية الحق لا الباطل، وكذا قوله: "فقد رآني" فالشرط والجزاء إذا اتحدا" صورة "دل على الغاية في الكمال، أي فقد رآني رؤيا ليس بعدها شيء" أي: فقد رأى حقيقتي على كمالها، لا شبهة ولا ارتياب فيما رأى؛ كما هو بقية كلام الطيبي.
زاد الكرماني: أو هو في معنى الإخبار، أي: من رآني، فأخبره بأن رؤياه حق ليست من أضغاث الأحلام، ولا تخييلات الشيطان، ومثله قوله ﷺ ، أي في أسامة بن زيد: "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله" فيؤول بالإخبار، أي: إن طعنتم فيه، فأخبركم بأنكم طعنتم في أبيه أو يلازمه عند البيانية، أي: إن طعنتم فيه أثمتم بذلك.
"والحاصل من الأجوبة" المذكورة في قوله: "فسيراني في اليقظة" خمس تأويلات:
أولها: "أنه على التشبيه والتمثيل" عطف تفسير. ويدل عليه قوله: "فكأنما رآني اليقظة" بناء على ثبوته، إذ هو بالشك؛ كما مر.
"ثانيها: معناه، سيرى في اليقظة تأويلها بطريق الحقيقة".
"ثالثها: أنه خاص بأهل عصره ممن آمن به قبل أن يراه" فيهاجر ويراه.
"رابعها: المراد أنه يراه في المرآة التي كانت له إن أمكنه ذك".
"قال شيخ مشايخنا الحافظ ابن حجر: وهذا من أبعد المحامل" إذ لا دليل عليه، ورؤية ابن عباس أو غيره إن تثبت لا تدل على التخصيص.стр. 3405
خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية، لا مطلق من رآه حينئذ ممن لم يره في المنام.
والصواب كما قدمناه في رؤيته ﵊ التعميم، على أي حالة رآه الرائي بشرط أن تكون على صورته الحقيقية في وقت ما، سواء كان في شبابه أو رجوليته أو كهوليته، أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي، كما قال بعض علماء التعبير: إن رآه شيخًا فهو غاية سلم، ومن رآه شابًا فهو غاية حرب.
وقال أبو سعيد أحمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيًا على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح حال الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسًا مثلا فذلك دل على سوء حال الرائي.
الحواشي
(١) "خامسها: أنه يراه يوم القيامة بمزيد خصوصية" من نحو قرب أو شفاعة برفع درجات، "لا مطلق من رآه حينئذ ممن لم يره في المنام" وزيد سادس: وهو أنه يراه في الدنيا حقيقة ويخاطبه.
وقال القرطبي: من فوائد رؤياه ﷺ تسكين شوق الرائي لكونه صادقًا في محبته ليعمل على مشاهدته، وإلى ذلك الإشارة بقوله: "فسيراني في اليقظة"، أي: أن من رآني رؤية معظم لحرمتي ومشتاق إلى مشاهدتي، وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بمطلوبه.
قال: ويجوز أن يكون مقصود تلك الرؤيا معنى صورته، وهو دينه وشريعته، فتعبر بحسب ما يراء الرائي من زيادة أو نقصان، أو إساءة أو إحسان.
قال الحافظ: وهذا جواب سابع والذي قبله لم يظهر لي، وإن ظهر فهو ثامن.
"والصواب كما قدمناه في رؤيته ﵊ التعميم على أي حالة رآه الرائي" لأنه ظاهر الأحاديث الصحيحة، إذ لم يقيد فيها بأنه على صورته، "بشرط أن تكون على صورته الحقيقية في وقت ما"، أي: وقت كان، "سواء كان في شبابه أو رجوليته أن كهوليته، أو آخر عمره، وقد يكون لما خالف ذلك تعبير يتعلق بالرائي، كما قال بعض علماء التعبير: إنه رآه شيخًا فهو غاية سلم"، بالفتح والكسر: صلح، لأن الشيخ لا حرب عنده غالبًا "ومن رآه شابًا فهو غاية حرب"، لأنه دأب الشباب.
"وقال أبو سعيد أمد بن محمد بن نصر: من رأى نبيًا" أي نبي كان "على حاله وهيئته فذلك دليل على صلاح حال الرائي وكمال جاهه وظفره بمن عاداه، ومن رآه متغير الحال عابسًا مثلا فذلك دل على سوء حال الرائي"؛ لأن الأرض لا تغير الأنبياء، وهذا تقدم بمعناه عن ابن العربي.стр. 3406
وقال العارف ابن أبي جمرة: من رآه في صورة حسنة فذلك حسن في دين الرائي، وإن كان في جوارحه شين أو نقص فذلك خلل في الرائي من جهة الدين. قال: وهذا هو الحق. فقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أم لا؟ لأنه ﵊ نوراني مثل المرآة الصقيلة، ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها، وفي ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها، وكذلك يقال في كلامه ﵇ في النوم أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي، فرؤيا الذات الكريمة حق، والخلل إنما هو في سمع الرائي له أو بصره، قال: وهذا خير ما سمعته في ذلك، انتهى.
وقال بعضهم: ليست رؤياه ﷺ رؤيا عين، وإنما يرى بالبصائر، وذلك لا يستدعي حصر المرئي بل يرى من المشرق إلى المغرب.
الحواشي
(١) "وقال العارف" الرباني عبد الله "ابن أبي جمرة" المقرئ، نزيل مصر، عالم، عابد، خير، من بيت كبير بالمغرب، شهير الذكر: الشيطان لا يتصور بصورته أصلا، فـ"من رآه في صورة حسنة فذلك حسن في دين الرائي، وإن كان في جوارحه شين أو نقص فذلك خلل في الرائي من جهة الدين" فتدل رؤياه على شين أو نقص دينه أي: الطريق، "قال: وهذا هو الحق. فقد جرب ذلك فوجد على هذا الأسلوب، وبه تحصل الفائدة الكبرى في رؤياه حتى يتبين للرائي هل عنده خلل أم لا؟ لأنه ﵊ نوراني مثل المرآة الصقيلة، ما كان في الناظر إليها من حسن أو غيره تصور فيها، وهي في ذاتها على أحسن حال لا نقص فيها" فكذلك النبي ﷺ هو على صفته التي ليس شيء أحسن منها، والتغير إنما هو في صفة الرائي، "وكذلك يقال في كلامه ﵇ في النوم أنه يعرض على سنته، فما وافقها فهو حق، وما خالفها فالخلل في سمع الرائي" لأنه لا يضبط ما يقال له "فرؤيا الذات الكرمة حق، والخلل إنما هو في سمع الرائي له أو بصره".
"قال: وهذا خير ما سمعته" أي: أحسن الوجوه التي سمعتها "في ذلك" قال: ويؤخذ من قوله: "فإن الشيطان ... إلخ"، أن من تمثلت صورة المصطفى في خاطره من أرباب القلوب، وتصور له في عالم سره أنه يكلمه، أن ذلك يكون حقًا، بل هو أصدق من مرئي غيرهم. "انتهى" كلام ابن أبي جمرة رحمه الله تعالى.
"وقال بعضهم: ليست رؤياه ﷺ " في المنام "رؤيا عين" كرؤية اليقظة، "وإنما يرى بالبصائر، وذلك لا يستدعي حصر المرئي" في محل، "بل يرى من المشرق إلى المغرب،стр. 3407
ومن الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة في المرأة المحاذية لها، وليست الصورة متنقلة إلى جرم المرآة، وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة.
واختلاف رؤياه ﷺ بأن يراه بعضهم شيخًا وآخر شابًا، وآخر ضاحكًا وآخر باكيًا، يرجع إلى الرائين، كاختلاف الصورة الواحدة في مرائي مختلفة الأشكال والمقادير، ففي المرآة الكبيرة يرى وجهه كبيرًا، وفي الصغيرة صغيرًا، وفي المعوجة معوجًا، وفي الطويلة طويلا، إلى غير ذلك، فالاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائي، لا إلى وجه المرائي.
كذلك الراءون له ﵇ أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسمًا إليه دل على أن الرائي متمسك بسنته، والله أعلم.
وقد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال رؤية جماعة له ﷺ في آن واحد من أقطار متباعدة، مع أن رؤيته ﷺ حق بأنه ﷺ سراج، ونور الشمس في هذا العالم، مثال نوره في العوالم كلها، وكما أن
الحواشي
(١) "ومن الأرض إلى العرش، كما ترى الصورة في المرآة المحاذية لها، وليست الصورة متنقلة إلى جرم المرآة" إنما هي مثال، "وعين الناظر مقابلة جميع الكائنات كالمرآة واختلاف رؤياه ﷺ بأن يراه بعضهم شيخًا" أي: ما قابل الشباب فيشمل الكهل، "وآخر شابًا، وآخر ضاحكًا وآخر باكيًا، يرجع إلى الرائين، كاختلاف الصورة الواحدة في مرائي" بزنة نواص: جمع مرآة، بكسر الميم، "مختلفة الأشكال والمقادير، ففي المرآة الكبيرة يرى وجهه كبيرًا، وفي الصغيرة صغيرًا، وفي المعوجة معوجًا، وفي الطويلة طويلا، إلى غير ذلك، الاختلاف راجع إلى اختلاف أشكال المرائي" جمع مرآة، "لا إلى وجه المرائي" إذ لا تختلف ذاته، "كذلك الراءون له ﵇ أحوالهم بالنسبة إليه مختلفة، فمن رآه متبسمًا إليه، دل على أن الرائي متمسك بسنته، والله أعلم".
وفي الوردية:
رؤيا محمد سرور كامله ... وليس للشيطان أن يماثله
"وقد أجاب الشيخ بدر الدين الزركشي عن سؤال رؤية جماعة" إضافة بيانية "له ﷺ في آن واحد من أقطار" نواح "متباعدة، مع أن رؤيته ﷺ حق" وهو حي في قبره، يصلي فيه بأذان وإقامة، "بأنه ﷺ سراج"، كما قال تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ ، "ونور الشمس في هذا العالم، مثال نوره في العوالم" بكسر اللام: جمع عالم بفتحها لأن فاعل يجمع على فواعل، "وكما أنстр. 3408
الشمس يراها من في المشرق والمغرب في ساعة واحدة وبصفات مختلفة فكذلك النبي ﷺ ، ولله در القائل:
كالبدر من أي النواحي جئته ... يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبًا
وأما رؤيته ﷺ في اليقظة بعد موته ﵊ فقال شيخنا: لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة، ولا عن من بعدهم.
وقد اشتد حزن فاطمة عليه ﷺ حتى ماتت كمدًا بعده بستة أشهر -على الصحيح- وبيتها مجاور لضريحه الشريف، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه.
الحواشي
(١) الشمس يراها من في المشرق والمغرب في ساعة واحد"، وهي في محلها، "وبصفات مختلفة فكذلك النبي ﷺ " إذ نوره أتم وأعلى منها، "ولله در القائل"
"كالبدر من أي النواحي جئته ... يهدي إلى عينيك نورًا ثاقبًا"
كالشمس في كبد السماء وضوءها ... يغشى البلاد مشارقًا ومغاربا
وهذا الجواب نسبه بعضهم للصوفية، وقال: هو باطل، فإنه ﷺ يراه زيد في بيته، وعمرو كذلك في بيته بجملته، والشمس إنما ترى من أماكن عدة، وهي في مكان واحد، فلو رؤيت داخل بيت بجرمها، استحال رؤية جرمها داخل بيت آخر، وهذا هو الذي يوازي رؤيته ﷺ في بيتين، والإشكال، إنما يراد في رؤيته في مواضع عدة، وإذا ورد بحسب ما قلنا، فلا يتجه الجواب إلا بإثبات الأمثال وتعدادها، فالمرئي في آن واحد في مكانين مثالان، فلا إشكال.
"وإما رؤيته ﷺ في اليقظة" بفتح القاف "بعد موته ﵊ فقال شيخنا" السخاوي: "لم يصل إلينا ذلك عن أحد من الصحابة، ولا عن من بعدهم" كالتابعين، ولم يرد في ذلك شيء عن النبي ﷺ إلا ما قد يؤخذ من قوله: "فسيراني في اليقظة" على أحد الاحتمالات، بخلاف حديث رؤياه منامًا، فقال السيوطي: إنه متواتر، وأيد عدم الورود بقوله: "وقد اشتد حزن فاطمة" ﵂ "عليه ﷺ حتى ماتت كمدًا"، بفتح فسكون، وبفتحتين: حزنًا شديدًا "بعده بستة أشهر على الصحيح" الثابت في البخاري وغيره عن عائشة، وقيل: بثمانية أشهر، وقيل: أربعة، وقيل: شهرين، وقيل غير ذلك، "وبيتها مجاور لضريحه" أي قبره "الشريف، ولم ينقل عنها رؤيته في المدة التي تأخرتها عنه" فلو كان يرى في اليقظة لرأته لاشتداد حزنها، ولم يقع ذلك، إذ لو وقع لنقل، ورد هذا بأن عدم نقله لا يدل على عدم وقوعه، وتعقب أنه ظاهر لو جعله لمانع دليلا قطعيًا على أنه لا يرى يقظة، وإنما جعله ظاهرًا في عدم وقوعه لفاطمة، وقول غيرها أنه يراه يقظة مؤول فلا يتم أنه قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل.стр. 3409
وإنما حكى بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم، كما هو في كتاب "توثيق عرى الإسلام" للبارزي و"بهجة النفوس" لأبي محمد عبد الله بن أبي جمرة و"روض الرياحين" للعفيف اليافعي، وغيره من تصانيفه والشيخ صفي الدين ابن أبي المنصور في رسالته.
وعبارة ابن أبي جمرة: قد ذكر عن السلف والخلف إلى هلم جرا.
الحواشي
(١) "وإنما حكى بعض الصالحين حكايات عن أنفسهم" أنهم رأوه يقظة، "كما هو في كتاب توثيق عرى الإسلام" للبارزي" القاضي شرف الدين، "وبهجة النفوس" وتحليها بمعرفة ما عليها ولها "لأبي محمد عبد الله بن أبي جمرة" وهو اسم لشرحه على الأحاديث التي انتخبها من البخاري، "وروض الرياحين" للعفيف اليافعي، وغيره من تصانيفه والشيخ صفي الدين ابن أبي المنصور في رسالته، وعبارة ابن أبي جمرة" في بهجة النفوس في قوله ﷺ : "من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة" هل هذا على عمومه في حياته وبعد مماته، أو في حياته؟ وهل ذلك لكل من رآه مطلقًا أو خاص بمن فيه الأهلية والاتباع لسنته؟ اللفظ يقتضي العموم، ودعوى الخصوص بغير تخصيص عنه ﵇ تعسف، فإن خرق العادة قد يقع للزنديق إغواء وإملاء، ثم ذكر متقدم عن ابن عباس أو غيره من رؤية صورته في مرآته، ثم قال: "وقد ذكر عن السلف" لعله أراد بهم من دون من بعد الصحابة، فلا ينافي ما قدمه المصنف عن شيخه، أو أن نفي السخاوي إنما هو من جهة اصطلاح المحدثين بالأسانيد ولو ضعيفة، "والخلف إلى هلم جرا".
قال الشيخ جمال الدين بن هشام: هذا كلام مستعمل في العرف كثيرًا، وذكره الجوهري، فقال: تقول كان ذلك عام كذا وهلم جرا إلى اليوم، وفي عباب الصغني مثله.
وقال ابن الأنباري: معناها سيروا على هينتكم، أي: تثبتوا في سيركم ولا تجهدوا أنفسكم، مأخوذ من الجر، وهو ترك الإبل والغنم ترعى في السير.
وقال أبو حيان في الارتشاف: هلم جرًا معناه: تعال على هينتكم، ونصب جرًا على أنه مصدر في موضع الحال، أي جارين، قال البصريون، وقال الكوفيون: مصدر لأن معنى هلم جر، وقيل: نصب على التمييز، وأول من قاله عابدين بن زيد، قال:
فإن جاوزت مقفرة رمت بي ... إلى أخرى كتلك هلم
وتوقف ابن هشام في كونه عربيًا محضًا، وأطال في بيانه بأربعة أوجه، منها: أن الجوهري لا يقبل ما تفرد به، كما قال ابن الصلاح، ولم ينقله لغوي قبله، والصغاني تبعه، ثم قال: الظاهر لي على أنه عربي أن هلم هي القاصرة، بمعنى ائت وتعال إلا أن فيها تجوزين، أحدهما: ليسстр. 3410
عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث يعني من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أنهم رأوه ﷺ في النوم فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص.
ثم قال: والنكر لهذا لا يخلو إما أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء أو لا، فإن كان الثاني فقد سقط البحث معه، فإنه يكذب ما أثبتته السنة بالدلائل الواضحة، وإن كان الأول فهذه منها لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلوي.
الحواشي
(١) المراد المجيء الحسي، بل الاستمرار على الشيء والمداومة عليه، والثاني: أنه ليس المراد الطلب حقيقة، بل الخبر عبر عنه بالطلب، كما في ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾ . وجرًا، مصدر جره إذا سحبه، لكن ليس المراد الحسي، بل التعميم، فإن قيل: كان ذلك عام كذا، وهلم جرا، فكأنه قيل: واستمر في بقية الأعوام استمرار، فهو مصدر أو واستمر مستمرًا فهو حال مؤكدة، وبهذا ارتفع إشكال الضعف، فإن هلم جرًا حينئذ خبر وإشكال التزام إفراد الضمير، إذ فاعل هلم مفرد أبدًا.
"عن جماعة كانوا يصدقون بهذا الحديث يعني من رآني في المنام فسيراني في اليقظة أنهم رأوه ﷺ في النوم فرأوه بعد ذلك في اليقظة، وسألوه عن أشياء كانوا منها متشوشين فأخبرهم بتفريجها، ونص لهم على الوجوه التي منها يكون فرجها، فجاء الأمر كذلك بلا زيادة ولا نقص".
قال السيوطي: وأكثر من يقع له ذلك إنما يقع له قرب موته، أو عند الاحتضار، ويكرم الله من يشاء، "ثم قال" ابن أبي جمرة: "والمنكر لهذا لا يخلو، إما أن يكون ممن يصدق بكرامات الأولياء أو لا" يصدق بها، "فإن كان الثاني فقد سقط البحث معه، فإنه يكذب ما أثبتته السنة" أقواله، وأفعاله، وتقريره، وهممه، وعزمه ﷺ "بالدلائل" أي: الدلالات "الواضحة" جمع دلالة، وهي ما يقتضيه اللفظ عند إطلاقه لا جمع دليل، فلا يرد أنه لا معنى فثبات السنة بالدلائل إذ هي نفسها، أو المراد بالسنة ما نقل عنه ﷺ مما يدل على ثبوت الكرامات، وبالأدلة المثبتة لها الطرق الموصلة إلى العلم بها، أي: أسانيدها، أو المراد أهل السنة بتقدير مضاف أو استعمل السنة في أهلها مجازًا أولياء للتصوير لا متعلقة بأثبتته، أي: السنة التي هي الدلائل أو المراد الأحاديث الواضحة عن أشياء في إثبات كرامات الأولياء، "وإن كان الأول فهذه منها, لأن الأولياء يكشف لهم بخرق العادة عن أشياء في العالمين العلويстр. 3411
والسفلي عديدة مع التصديق بذلك.
وقال الشيخ ابن أبي المنصور في رسالته، ويقال: إن الشيخ أبا العباس بن القسطلاني دخل مرة على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : أخذ الله بيدك يا أحمد.
وعن الشيخ أبي السعود قال: كنت أزور شيخنا أبا العباس غيره من صلحاء مصر فلما انقطعت واشتغلت وفتح علي، لم يكن لي شيخ إلا النبي ﷺ وأنه كان يصافحه عقب كل صلاة.
وقال الشيخ أبو العباس الحرار: دخلت على النبي ﷺ مرة فوجدته يكتب مناشير الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخي محمد معهم منشورًا، فقلت: يا سيدي يا رسول الله، ما تكتب لي.
الحواشي
(١) والسفلي عديدة" صفة أشياء "مع التصديق بذلك" أي: متهم لظهور مطابقته الواقع عندهم، أو ممن علموا به، حيث صدقوا بما أخبروا به، ولم ينكروه عليهم، وهو حال من الهاء في لهم أو متعلق بيكشف.
"وقال الشيخ ابن أبي المنصور في رسالته، ويقال: إن الشيخ أبا العباس بن القسطلاني دخل مرة على النبي ﷺ فقال له النبي ﷺ : أخذ الله بيدك يا أحمد. وعن الشيخ أبي السعود" بن أبي العشائر بن سفيان بن الطيب الواسطي، ثم المصري، ذكره الحافظ المنذري في معجم شيوخه وأثنى عليه، وكان من أوسع الأولياء دائرة في السلوك، وله كرامات وخوارق، وكلام عال في الحقائق مات سنة سبع وأربعين وستمائة، ودفن بالقرافة، "قال: كنت أزور شيخنا أبا العباس" البصير، أحمد بن محمد بن عبد الرحمن الأنصاري، الخزرجي، الأندلسي برع في علوم الشرع ببلده، ثم سافر على قدم التجريد، فدخل الصعيد، ثم أقام بالقاهرة يقرئ الناس وينفعهم، أجاز سبعة آلاف رجل بالقراءات السبع، وكان بارعًا في الحديث، حافظًا لمتونه، عارفًا بعلله ورجاله، حسن الاستنباط بذهن وقاد. مات سنة ثلاث وعشرين وستمائة، "وغيره من صلحاء مصر فلما انقطعت واشتغلت وفتح علي، لم يكن لي شيخ إلا النبي ﷺ و" ذكر "أنه كان يصافحه عقب كل صلاة" وذلك يقظة، وحسبه بذلك شرفًا، "وقال الشيخ أبو العباس" بن أبي بكر "الحرار" بمهملات كما في الكواكب المضيئة المغربي، الأشبيلي، العابد، الزاهد، صاحب الكرامات، قدم مصر وأقام بها، ومات بعد الستمائة: "دخلت على النبي ﷺ مرة فوجدته يكتب" أي يأمر بأن يكتب "مناشير" جمع منشور، أي: كتب "الأولياء بالولاية، قال: وكتب لأخي محمد معهم منشورًا" كتابًا "فقلت: يا سيدي يا رسول الله، ما تكتب ليстр. 3412
كأخي؟ قال: أتريد أن تكون قهمارًا. وهذه لغة أندلسية، يعني طرقيًا، وفهم عنه أن له مقامًا غير هذا.
وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال": وهم -يعني أرباب القلوب- في يقظتهم يشاهدون الملائكة وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون منهم فوائد، انتهى.
ورأيت في كتاب المنح الإلهية في مناقب السادة الوفائية عن سيدي علي ابن سيدي محمد أنه قال في بعض مشاهده: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته يومًا فرأيت إنسانًا يقرأ عليه سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ وصحبته رفيق له وهو يلوي شدقيه بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجابًا، فرأيت النبي ﷺ يقظة لا منامًا وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص علي فقال لي: اقرأ فقرأت عليه سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ثم غاب عني، فلما بلغت إحدى وعشرين أحرمت.
الحواشي
(١) كأخي؟ قال: أتريد أن تكون قهمارًا. وهذه لغة أندلسية" بفتح الألف، والدال، وضم اللام، إقليم بالمغرب، "يعني طرقيًا" وخاطبه بها، لأنه من المغرب، "وفهم عنه أن له مقامًا غير هذا".
"وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه "المنقذ من الضلال": وهم يعني أرباب القلوب في يقظتهم يشاهدون الملائكة" على غير صورهم الأصلية، "وأرواح الأنبياء ويسمعون منهم أصواتًا ويقتبسون" أي: يكتسبون، "منهم فوائد" ثم يرتقي الحال من مشاهدة الصور والأمثال إلى درجات يضيق عنها نطاق النطق، "انتهى" كلام الغزالي بما زدته.
"ورأيت في كتاب المنح الإلهية في مناقب السادة الوفائية عن سيدي علي ابن سيدي محمد" وفي العارف الكبير ابن العارف الشهير، الغنيين بالشهرة عن التعريف، وتقدم بعضه، "أنه قال في بعض مشاهده: كنت وأنا ابن خمس سنين أقرأ القرآن على رجل يقال له الشيخ يعقوب، فأتيته يومًا فرأيت إنسانًا يقرأ عليه سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ الآية وصحبته رفيق له وهو يلوي" يميل "شدقيه" جانبي فمه "بالإمالة، ورفيقه يضحك إعجابًا" بقراءة القارئ، ومقتضى يلوي شدقيه أنها لم تكن حسنة، ولعله حكمة أمره ﵊ لسيدي علي بالقراءة، "فرأيت النبي ﷺ يقظة لا منامًا" محل الشاهد، "وعليه قميص أبيض قطن، ثم رأيت القميص عليّ فقال لي: اقرأ فقرأت عليه سورة ﴿وَالضُّحَى﴾ و ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ثم غاب عني، فلما بلغت إحدى وعشرين" سنة "أحرمت بصلاة الصبح بالقرافة"стр. 3413
بصلاة الصبح بالقرافة فرأيت النبي ﷺ قبالة وجهي فعانقني فقال لي: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت، وصريح هذا أيضًا أنه يقظة.
وأما ما حكاه الشيخ تاج الدين بن عطاء الله في "لطائف المنن" عن الشيخ أبي العباس المرسي، أنه كان مع الشيخ أبي الحسن الشاذلي بالقيروان في ليلة الجمعة سابع عشر رمضان، فذهب معه إلى الجامع. الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول الله ﷺ وهو يقول: يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل نفس ... إلخ، فيحتمل أن يكون منامًا.
الحواشي
(١) بزاويتهم، "فرأيت النبي ﷺ قبالة وجهي فعانقني فقال لي: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ ، فأوتيت لسانه من ذلك الوقت" بأن صرت أتكلم بالكلام الجامع المشتمل على الحكم الكثيرة، والمواهب الربانية، "انتهى، وصريح هذا أيضًا أنه يقظة".
"وأما ما حكاه الشيخ تاج الدين" أبو العباس أحمد بن محمد بن عبد الكريم "بن عطاء الله" الجذامي، الإسكندراني، الإمام المتكلم على طريقة الشاذلي، كان جامعًا لأنواع العلوم من تفسير وحديث ونحو وأصول وفقه مالكي، وتصوف، وكان أعجوبة زمانه، وله تصانيف كثيرة؛ كاختصار المدونة للبرادعي، مات سنة تسع وسبعمائة، ودفن بالقرافة، "في لطائف المنن" في مناقب الشيخ أبي العباس، والشيخ أبي الحسن،"عن الشيخ أبي العباس المرسي" بضم الميم نسبة إلى مرسية مدينة بالمغرب، أحمد بن عمر الأنصاري، المالكي، العارف الشهير قطب زمانه، ورأس أصحاب أبي الحسن الشاذلي، مات بالإسكندرية سنة ست وثمانين وستمائة، "أنه كان مع الشيخ أبي الحسن الشاذلي" بمعجمة، ومهملة، الشريف علي بن عبد الله بن عبد الجبار، العلوي الهاشمي، من ذرية محمد بن الحنفية.
قال ابن دقيق العيد: ما رأيت أعرف بالله منه، وقال ابن عطاء الله: نشأ بالمغرب الأقصى ومبدأ ظهوره بشاذلة، وله السياحات الكثيرة والمنازلات الجليلة والعلوم الكثيرة، لم يدخل في طريق الله تعالى حتى كان يعد للمناظرة في العلوم الظاهرة، ذو علوم جمة، جاء في هذا الطريق بالعجب العجاب، وشرح من علم الحقيقة بالأطناب، ووسع للسالكين الركاب وكان العز بن عبد السلام يحضر مجلسه، ويسمع كلامه، مات سنة ست وخمسين وستمائة، "بالقيروان" بفتح القاف، والراء، والواو بلد بأفريقية، "في ليلة الجمعة سابع عشر رمضان، فذهب معه إلى الجامع. الحكاية، إلى أن قال: ورأيت رسول الله ﷺ وهو يقول: "يا علي طهر ثيابك من الدنس تحظ بمدد الله في كل نفس" إلى آخره، فيحتمل أن يكون منامًا" لأنه لم يصرحстр. 3414
وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلاني: كنت أقرأ على أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي بالمدينة النبوية، فجئته يومًا في وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن فخرج إلي وقال لي: من أدبك بهذا الأدب؟ وعاب علي، فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت المسجد وقعدت عند قبر النبي ﷺ ، فبينما أنا جالس على تلك الحال، وإذا أنا بالشيخ قد جاءني وقال: قم، فقد جاء فيك شفيع لا يرد.
ونحوه ما حكاه السهروردي في "عوارف المعارف" عن الشيخ عبد القادر الكيلاني أنه قال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله ﷺ : تزوج.
وحكي عن السيد نور الدين الإيجي، والد السيد عفيف الدين، أنه في بعض زياراته للنبي ﷺ سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: عليك السلام يا ولدي.
وقال البدر حسن بن الأهدل في مسألة الرؤية له: إن وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار.
الحواشي
(١) "وكذلك قول الشيخ قطب الدين القسطلاني: كنت أقرأ على أبي عبد الله محمد بن عمر بن يوسف القرطبي بالمدينة النبوية، فجئته يومًا في وقت خلوة، وأنا يومئذ حديث السن فخرج إلي وقال لي: من أدبك بهذا الأدب؟ وعاب علي" المجيء هذا الوقت، ومراده تربيته وتأديبه، "فذهبت وأنا منكسر الخاطر، فدخلت المسجد" النبوي، "وقعدت عند قبر النبي ﷺ ، فبينما أنا جالس على تلك الحال، وإذا أنا بالشيخ قد جاءني وقال: قم، قد جاء فيك شفيع لا يرد" يعني النبي ﷺ ، فيحتمل أنه جاءه في المنام، "ونحوه ما حكاه السهروردي" بضم السين، وسكون الهاء، وضم الراء، وفتح، وسكون الراء، ومهملة نسبة إلى سهرورد بلد عند زنجان العلامة العارف شهاب الدين، تقدم بعض ترجمته "في عوارف المعارف عن الشيخ عبد القادر" بن موسى بن يحيى الشريف الحسني "الكيلاني" بكاف أو جيم مكسورتين، ولد ببغداد سنة سبعين وأربعمائة، وحسبك فيه قول العز بن عبد السلام: بلغت إمامته مبلغ القطع، ومات ببغداد سنة نيف وستين وخمسمائة، مناقبه شهيرة كثيرة، "أنه قال: ما تزوجت حتى قال لي رسول الله ﷺ : تزوج" فيحتمل أنه منام.
"وحكي عن السيد نور الدين الإيجي" بالكسر وتحتية، وجيم نسبة إلى إيج بلدة بفارس، "والد السيد عفيف الدين، أنه في بعض زياراته للنبي ﷺ سمع جواب سلامه من داخل القبر الشريف: عليك السلام يا ولدي" فهذا من سماع الصوت، وإن لم يكن برؤية، "وقال البدر حسن بن الأهدل في مسألة الرؤية له: إن وقوعها للأولياء قد تواترت بأجناسها الأخبار،стр. 3415
وصار العلم بذلك قويًا، انتفى عنه الشك، ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة، ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة حس وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة. ومراتبهم في الرؤية متفاوتة، وكثيرًا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد متصلة صحيحة عمن يوثق به, وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى منامًا، أو في غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالا أو نورًا فيظنه الرسول، وقد يلبس عليه الشيطان فيجب التحرز في هذا الباب
الحواشي
(١) "وصار العلم بذلك قويًا، انتفى عنه الشك" لاستحالة الكذب مع التواتر، "ومن تواترت عليه أخبارهم لم يبق له فيه شبهة، ولكن يقع لهم ذلك في بعض غيبة حس وغموض طرف، لورود حالة لا تكاد تضبطها العبارة. ومراتبهم في الرؤية" المذكورة في شبه اليقظة "متفاوتة" باعتبار مقاماتهم، فبعضهم أعلى فيها من بعض"، "وكثيرًا ما يغلط فيها رواتها، فقل ما تجد متصلة صحيحة عمن يوثق به" لأن غالبهم يكتمون الأمر.
"وأما من لا يوثق به فقد يكذب، وقد يرى منامًا، أو في غيبة حس، فيظنه يقظة، وقد يرى خيالا أو نورًا فيظنه الرسول" ﷺ ، واعترض هذا بأنه سوء ظن بهم، حيث يشتبه عليهم رؤية الغيبة برؤية اليقظة، وهذا لا يظن بأدون العقلاء، فكيف بالأكابر؟ "، "وقد يلبس" بكسر الباء: يخلط "عليه الشيطان" لعدم تمكنه.
أما المتمكن فلا، كما حكى أن العارف الكيلاني رأى مرة نورًا ملأ الأفق، ونودي منه أنا ربك، وقد أبحت لك المحرمات، فقال: اخسأ يا لعين، فانقلب النور دخانًا وظلامًا، فقال: نجوت مني بفقهك في أحكام منازلاتك، وقد أضللت بهذا سبعين صديقًا، فسئل بم عرفت أنه الشيطان؟ قال: بقوله أبحت لك المحرمات، "فيجب التحرز في هذا الباب" فإن رؤيته ﷺ في اليقظة باب ضيق وقل من يقع له ذلك إلا من كان على صفة عزيز وجودها في هذا الزمان بل عدمت غالبًا مع أنا لا ننكر من تقع له من الأكابر الذين حفظهم الله تعالى في بواطنهم وظواهرهم، قاله ابن الحاج في المدخل، قال: وقد أنكر بعض علماء الظاهرية رؤية النبي ﷺ يقظة؛ لأن العين الفانية لا ترى العين الباقية، والنبي في دار الباقية، والرائي في دار الفناء، ورده الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة بأن المؤمن إذا مات يرى الله تعالى، وهو لا يموت، والواحد منهم يموت في كل يوم سبعين مرة، انتهى، ويتأمل معنى موت الواحد في اليوم سبعين مرة، وفي روض الرياحين عن المرسي: لما جاء الغلاء الكبير إلى مصر توجهت لأن أدعو، فقيل لي: لا تدع، فلا يسمع لأحد منكم في هذا الأمر دعاء، فسافرت إلى الشام، فلما وصلت إلى قرب ضريح الخليل ﵇، تلقاني، فقلت: يا رسول الله! اجعل ضيافتي عندك الدعاء لأهل مصر، فدعا لهم،стр. 3416
وبالجملة: فالقول برؤيته ﷺ بعد موته بعين الرأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول، لاستلزامه خروجه ﷺ من قبره، ومشيه في الأسواق ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له، وخلو قبره عن جسده الشريف، فلا يبقى منه فيه شيء، بحيث يزار مجرد القبر، ويسلم على غائب. أشار إلى ذلك القرطبي في الرد على من قال بأن الرائي له في المنام رؤيا حقيقية، يراه بعد ذلك في اليقظة.
قال: وهذه جهالات لا يقول بشيء منها من له أدنى مسكة من المعقول، وملتزم شيء من ذلك مختل مخبول.
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعيني الرأس حقيقة.
الحواشي
(١) ففرج الله عنهم.
قال اليافعي، قوله: تلقاني الخليل قول حق، لا ينكره إلا جاهل بمعرفة ما يرد عليهم من الأحوال التي يشاهدون فيها ملكوت السماوات والأرض، وينظرون الأنبياء أحياء غير أموات، كما نظر النبي ﷺ موسى ﵇ في الأرض، ونظره أيضًا هو وجماعة من الأنبياء في السماوات، وسمع منهم مخاطبات، انتهى.
"وبالجملة: فالقول برؤيته ﷺ بعد موته بعين الرأس في اليقظة يدرك فساده بأوائل العقول" مبادئها بدون احتياج إلى تأمل، "لاستلزامه خروجه ﷺ من قبره، ومشيه في الأسواق" وقد لا يلزم ذلك، إذ من الجائز أن يكشف لهم عنه وهو في قبره، "ومخاطبته للناس ومخاطبتهم له" وهم في أماكنهم، وهو في ضريحه، ولا محذور في ذلك، "وخلو قبره عن جسده الشريف، فلا يبقى منه فيه شيء، بحيث يزار مجرد القبر، ويسلم على غائب" وقد علمت أن ذلك ليس بلازم كما يرى القمران والنجوم في أقطار الأرض شرقًا وغربًا، وهي في أماكنها، "أشار إلى ذلك القرطبي" الإمام أبو العباس في المفهم، "في الرد على من قال بأن الرائي له في المنام رؤيا حقيقية، يراه بعد ذلك في اليقظة" زاعمًا أن ذلك معنى "من رآني في المنام، فسيراني في اليقظة".
"قال" القرطبي: "وهذه جهالات لا يقول بشيء منها من له أدنى مسكة" بضم الميم: شيء يمسكه "من المعقول، وملتزم شيء من ذلك" فضلا عن جميعه، "مختل" مخدوع، "مخبول" مجنون ولا شك في ذلك أن التزامه أما إن قال بما أولناه، فلا. "وقال القاضي أبو بكر بن العربي" الفقيه، الحافظ، "وشذ بعض الصالحين فزعم أنها تقع بعني الرأس حقيقة"стр. 3417
وقال في فتح الباري -بعد أن ذكر كلام ابن أبي جمرة: وهذا مشكل جدًا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة.
وللشيخ مسلم شيخ الطائفة المسلمة:
فمن يدعي في هذه الدار أنه ... يرى المصطفى حقًا فقد فاه مشتطا
ولكن بين النوم واليقظة التي ... تباشر هذا الأمر مرتبة وسطا
وقد جعل القاضي أبو بكر بن العربي القول بأن الرؤيا في المنام بعين الرأس غلو وحماقة، ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين، وهو القول بأنها مدركة بعينين في القلب، وأنه ضرب من المجاز، انتهى.
فلا يمتنع من الخواص، أرباب القلوب القائمين بالمراقبة والتوجه على قدم الخوف، بحيث لا يسكنون لشيء مما يقع لهم من الكرامات، فضلا عن التحدث بها لغير ضرورة، مع السعي في التخلص من.
الحواشي
(١) فجعله شاذًا، لا يعتد به لعدم إمكانه عنده.
"وقال في فتح الباري بعد أن ذكر كلام ابن أبي جمرة" المتقدم قريبًا: "وهذا مشكل جدًا، ولو حمل على ظاهره لكان هؤلاء صحابة، ولأمكن بقاء الصحبة إلى يوم القيامة" وأجيب بأن شرط الصحبة رؤيته على الوجه المتعارف قبل موته ﷺ لا بعده، وإن كان حيًا في قبره، وهذه خوارق، والخوارق لا تنقض لأجلها القواعد، "وللشيخ مسلم شيخ الطائفة المسلمية:
"فمن يدعي في هذه الدار أنه ... يرى المصطفى حقًا فقد فاه مشتطا
"ولكن بين النوم واليقظة التي ... تباشر هذا الأمر مرتبة وسطا"
"وقد جعل القاضي أو بكر بن العربي القول بأن الرؤيا في المنام بعين الرأس غلو" تجاوز حدّ "وحماقة" قلة عقل، "ثم حكى ما نسب لبعض المتكلمين، وهو القول بأنها مدركة بعينين في القلب، وأنه ضرب من المجاز، انتهى" فإذا قيل ذلك في رؤيا المنام، فما بالك برؤية اليقظة؟ "فلا يمتنع" سيأتي فاعله في قوله: أن يتمثل "من الخواص، أرباب القلوب" النيرة السليمة من الأغبار، "القائمين بالمراقبة" لله في أقوالهم وأفعالهم، "والتوجه على قدم الخوف، بحيث لا يسكنون" أي: لا يركنون "لشيء مما يقع لهم من الكرامات" بحيث يعولون عليها، ويرون أن لهم مقامًا، "فضلا عن التحدث بها لغير ضرورة، مع السعي في التخلص منстр. 3418
المكدرات، والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم يود أن يخرج من أهله وماله، وأنه يرى النبي ﷺ ، كالشيخ عبد القادر الكيلاني: أن يتمثل صورته ﷺ في خاطره ويتصور في عالم سره أنه يكلمه، بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه، فإنه تزلزل أو اضطرب كان لمة من الشيطان، وليس ذلك خادشًا في علو مناصبهم لعدم عصمة غير الأنبياء.
فقد قال العلامة التاج ابن السبكي في جمع الجوامع تبعًا لغيره: وإن الإلهام ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره، وحينئذ فمن قال -ممن حكينا عنه أو غيره- بأن المرئي هو المثال، لا يمتنع حمله على هذا، بل حمل كل من أطلق عليه هو اللائق. وقريب منه قوله ﷺ : "إني رأيت الجنة والنار". مع مزيد استبعاد هناك أن يكون المراد بالرؤية رؤية العلم.
ويحكى عن الشيخ أبي العباس المرسي أنه قال: لو حجب عني.
الحواشي
(١) المكدرات، والإعراض عن الدنيا وأهلها جملة، وكون الواحد منهم يود أن يخرج من أهله وماله" مع عزتهما على البشر، "وأنه يرى النبي ﷺ ، كالشيخ عبد القادر الكيلاني: أن يتمثل صورته ﷺ في خاطره ويتصور في عالم سره أنه يكلمه، بشرط استقرار ذلك وعدم اضطرابه، فإنه تزلزل أو اضطرب كان لمة" مصدر محذوف: الزوائد من ألم إلمامًا "من الشيطان، وليس ذلك خادشًا في علو مناصبهم" مقاماتهم "لعدم" وجوب "عصمة غير الأنبياء" والملائكة، وإنما هي حائرة للغير، "فقد قال العلامة التاج ابن السبكي في جمع الجوامع" في الباب الخامس "تبعًا لغيره: وإن الإلهام" لفظه مسألة الإلهام: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر، يخص الله به بعض أصفيائه، و"ليس بحجة لعدم ثقة من ليس معصومًا بخواطره" لأنه لا يأمن من دسيسة الشيطان فيها خلافًا لبعض الصوفية في قوله: إنه حجة في حقه.
أما المعصوم كالنبي ﷺ ، فهو حجة في حقه وحق غيره إذا تعلق بهم كالوحي، "وحينئذ فمن قال ممن حكينا عنه أو غيره بأن المرئي هو المثال، لا يمتنع حمله على هذا" الذي قلناه أن يتمثل صورته في خاطره ... إلخ، لا حقيقة الرؤية، "بل حمل كل من أطلق" أنه رآه حقيقة "عليه" أي: على هذا التأويل "هو اللائق. وقريب منه قوله ﷺ " في حديث صلاة الكسوف: "إني رأيت الجنة والنار". "مع مزيد استبعاد هناك" أي: في هذا الحديث "أن يكون المراد بالرؤية رؤية العلم" لبعده من لفظه، وهو قوله ﷺ : "ما من شيء لم أكن رؤيته إلا رأيته في مقامي هذا، حتى الجنة والنار" الحديث في الصحيحين.
"ويحكى عن الشيخ أبي العباس المرسي، أنه قال" مرة: "لو حجب عنيстр. 3419
رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين.
وعلى هذا فيكون معنى "فسيراني في اليقظة" أي يتصور مشاهدتي وينزل نفسه حاضرًا معي بحيث لا يخرج عن أدابه وسنته ﷺ بل يسلك منهاجه ويمشي على شريعته وطريقته. ومنه قوله ﵊ في الإحسان: أن تعبد الله كأنك تراه ويحمل العموم في "من رآني" على الموقفين، وإليه يشير قول بعض المعتمدين: أي من رآني رؤية معظم لحرمتي ومشتاق لمشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه.
وقريب منه قول شارح المصابيح: أو أنه يراه في الدنيا حالة الذوق والانسلاخ عن العوائق الجسمانية، كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه في حالة الذوق.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ طرفة عين ما عددت نفسي من المسلمين" الكاملين؛ لدلالة الحجب على تقصيري، "وعلى هذا فيكون معنى" قوله: "فسيراني في اليقظة" أي يتصور مشاهدتي وينزل نفسه حاضرًا معي" لا مجرد تصور، وتنزيل بل "بحيث لا يخرج عن آدابه وسنته ﷺ بل يسلك منهاجه" طريقه، "ويمشي على شريعته وطريقته. ومنه قوله ﵊ في الإحسان" الإخلاص، أو إجادة الفعل جوابا لسؤال جبريل: "أن تعبد الله كأنك تراه" بعين إيمانك، مطلعًا على جميع أحوالك، حتى كأنك تشاهده عيانًا، فلا تنحرف عن الطريق الذي نهجه الشرع، وأدى إليه طريق المعرفة، وهذا من جوامع الكلم لجمعه مع الإيجاز بيان المراقبة في كل حال، وهو الإخلاص في جميع الأعمال، والحث عليه، بحيث لو فرض أنه عاينه، لم يترك شيئًا من ممكنه، "ويحمل العموم في" قوله: "من رآني" على الموقفين" لا عموم الناس، ويكفي في صدق العام عمومه في فرد، "وإليه يشير قول بعض المعتمدين" وهو الشيخ أبو العباس القرطبي في المفهم في قوله: "فسيراني في اليقظة"، "أي من رآني رؤية معظم لحرمتي" قال ابن عربي: التعظيم ملاحظة الجلال بلواحظ الوقار على بساط الأدب في مقام المعرفة بعظمة قدر الملحوظ، قال: والحرمة تعظيم مهاب بالغيب والشهادة، وحقيقتها الامتناع من تعدي الحد، "ومشتاق لمشاهدتي وصل إلى رؤية محبوبه وظفر بكل مطلوبه".
قال الحافظ: وهذا لم يظهر لي، وإن ظهر، فهو ثامن الأجوبة، كما مر، "وقريب منه قول شارح المصابيح: أو" معنى الحديث "أنه يراه في الدنيا حالة الذوق والانسلاخ عن العوائق الجسمانية" بكسر الجيم، "كما نقل ذلك عن بعض الصالحين أنه رآه في حالة الذوق".
قال ابن عربي: هو إدراك في القلب، يميز به بين أشخاص أصناف المعاني، هذا إذا صحстр. 3420
والشوق، وقد قال الشيخ الأهدل عقب الحكاية عن الشيخ أبي العباس المرسي: وهذا فيه تجوز يقع مثله في كلام الشيوخ، وذلك أن المراد أنه لم يحجب حجاب غفلة ونسيان عن دوام المراقبة واستحضارها في الأعمال والأقوال، ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين، فذلك مستحيل، والله أعلم.
ومما اختص به ﵊ أن التسمي باسمه.
الحواشي
(١) من علة داء الشرك الخفي، وحقيقته وجدان حلاوة في رياض روض الرضا، وغايته الاستغناء في تصور معاني الحقائق عن نصب الأدلة والبراهين السمعية والعقلية.
وقال غيره: الذوق أول مبادئ التجليات، والشرب أوسطها، والري نهايتها، والأذواق التي يشير لها القوم هي علوم لا تنال إلا لمن كان خالي القلب عن جميع العلائق والعوائق، "والشوق" وقال بعضهم: يعنون به قواصف قهر المحبة، بشدة ميلها إلى إلحاق المشتاق بمشوقه، والعاشق بمعشوقه.
وقال ابن عربي: الشوق انزعاج أثاره تعشق مسموع يوجب الاستشراف إلى لقيه، وحقيقته طلب يتعلق بمطلوب حجبه البعد، يصحبه قلق، وغايته تمني النفس ما لا بد لها منه، ولا قدرة لها على التوصل إليه، ولا قرار لها دون حصوله.
"وقد قال الشيخ الأهدل عقب الحكاية" السابقة "عن الشيخ أبي العباس المرسي": لو حجب إلى آخره، "وهذا فيه تجوز يقع مثله في كلام الشيوخ" جمع شيخ، وحقيقته عند الصوفية الإنسان البالغ في علم الشريعة والطريقة، الحقيقة إلى حد من بلغه، كان عالما ربانيًا، مربيًا، هاديًا، مهديًا، مرشدًا إلى طريق الرشاد، معينًا لمن أراد الاستعانة به على بلوغ رتب أهل السداد، وذلك مما وهبه الله من العلم اللدني الرباني، والطب المعنوي الروحاني، فهو طبيب الأرواح الشافي لها بما عمله الله من أدوية أدوائها المردية لها، "وذلك أن المراد أنه لم يحجب حجاب غفلة ونسيان" ولم يحجب "عن دوام المراقبة" المحافظة.
قال تعالى: ﴿كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، أي: الحفيظ، وهي عند الصوفية الملاحظة لما هو المقصود بالتوجه ظاهرًا وباطنًا، ويندرج فيها الرعاية والحرمة، "واستحضارها في الأعمال، والأقوال ولم يرد أنه لم يحجب عن الروح الشخصية طرفة عين، فذلك مستحيل" فلا يريده العارف المرسي، وتعقب هذا بأنه إن أراد الاستحالة العقلية، فباطل، أو الشرعية، فمن أي دليل أو قاعدة أخذ لك كلا لا استحالة لذلك بوجه، "والله أعلم" بما أراد رسوله ﵊.
"ومما اختص به ﵊ أن التسمي باسمه" المعهود، المشتهر به، وهوстр. 3421
ميمون ونافع في الدنيا والآخرة.
روينا عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يوقف عبدان بين يدي الله تعالى فيؤمر الله إلى الجنة؟ فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة، فإني آليت على نفسي
الحواشي
(١) محمد وأحمد، بدليل أحاديث الترجمة التي ذكرها "ميمون" أي مبارك بركة تامة لا توجد في التسمي باسم غيره من الأنبياء، وإن كان فيها أيضًا بركة، والتسمية بها مستحبة لقوله ﷺ : "تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" الحديث، رواه أبو داود والنسائي، لأنهم سادة الخلق، وأخلاقهم أشرف الأخلاق، وأعمالهم أصلح الأعمال، فأسماؤهم أشرف الأسماء، فالتسمي بها فيه شرف للمسمى، وحفظها وذكرها؛ وأن لا ينسى، فلذا ندب مع المحافظة على الأدب، قال ابن القيم: هذا هو الصواب، وكان مذهب عمر كراهته، ثم رجع.
"ونافع في الدنيا والآخرة" إن سماه تبركًا به وحبًا له، لا لكونه اسم أحد آبائه، أو اسم نحو أمير، ويشهد له ما رواه ابن عساكر والحسين بن أحمد بن عبد الله بن بكير، عن حامد بن حماد العسكري، حدثنا إسحاق بن يسار النضيبي، حدثنا حجاج بن منهال، حدثنا حماد بن سلمة، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن أبي أمامة مرفوعًا: "من ولد له مولود فسماه محمدًا حبًا لي وتبركًا باسمي، كان هو ومولوده في الجنة".
قال السيوطي: هذا أمثل حديث ورد في هذا الباب، وإسناده حسن، ونازعه تلميذه الشامي، فقال: وليس كذلك، ففي سنده أبو الحسين حامد بن حماد العسكري، شيخ ابن بكير، فيه قال في اللسان كالميزان، خبره هذا موضوع، وهو آفته وشيخه إسحاق بن يسار مجهول، كذا قال وفيه نظر، فإنه لم ينفرد به، فقد أخرجه الحافظ بن بكير أيضًا، عن شيخه محمد بن عبد الله الخضرمي، حدثنا حبيب بن نصر المهلبي، حدثنا عبد الصمد بن محمد العباداني، حدثنا منصور بن عكرمة، عن برد بن سنان، عن مكحول، عن أبي أمامة الباهلي، رفعه به، "روينا" مما أخرجه الحافظ أبو الطاهر السلفي، وابن بكير في جزئه من طريق حميد الطويل، "عن أنس بن مالك: أن رسول الله ﷺ قال: "يوقف عبدان بين يدي الله تعالى، فيأمر الله بهما إلى الجنة، فيقولان: ربنا بما استاهلنا الجنة، ولم نعمل عملا يجازينا"؟ أي: يجازينا الله بذلك العمل "الجنة" بأنه يجعله سببًا لدخولها، فإسناد المجازاة للعمل مجاز عقلي من إسناد الفعل إلى سببه، وفي نسخة: تجازينا به الجنة، وهي ظاهرة، "فيقول الله تعالى: ادخلا الجنة فإني آليت" أي: حلفت "على نفسي" والإيلاء إنما يتعدى بعلى للمحلوف عليه، وضمن في قولهстр. 3422
أن لا يدخل النار من اسمه أحمد ولا محمد".
وروى أبو نعيم عن نبيط ابن شريط قال قال رسول الله ﷺ قال الله تعالى: "وعزتي وجلالي، لا عذبت أحدًا تسمى باسمك في النار".
وعن علي بن أبي طالب قال: ما من مائدة وضعت فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين، رواه أبو منصور الديلمي.
الحواشي
(١) تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ الآية، معنى البعد فعدي بمن، كما في البيضاوي، فكان الظاهر: آليت على "أن لا يدخل" لكنه ضمن معنى فرضت، أو كتبت على نفسي أن لا يدخل "النار من اسمه أحمد ولا محمد" وهذان العبدان اسم أحدهما أحمد والآخر محمد، ويحتمل أن كلا اسمه أحمد ومحمد.
"وروى أبو نعيم عن نبيط" بضم النون، وفتح الموحدة، وسكون التحتية، وطاء مهملة، "ابن شريط" بفتح المعجمة، وكسر الراء، كما في الجامع والإصابة، فلا عبرة بقول القاموس: كزبير، فأهل الفن أعلم به؛ ابن أنس من مالك بن هلال الأشجعي، نزل الكوفة، له ولأبيه صحبة، روى أحمد عنه: إني لرديف أبي في حجة الوداع، إذ تكلم ﷺ ، فوضعت يدي على عاتق أبي: فسمعته يقول: "إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام" ... الحديث.
وأخرجه البغوي، وابن السكن من وجه آخر، عن نبيط بن شريط، عن أبيه، قال ابن أبي حاتم: بقي نبيط بعد النبي ﷺ زمانًا، "قال: قال رسول الله ﷺ : "قال الله تعالى: وعزتي وجلالي لا عذبت أحدًا تسمى باسمك" أحمد أو محمد "في النار" بل أعفو عنه.
"وعن علي بن أبي طالب، قال: "ما من مائدة وضعت، فحضر عليها من اسمه أحمد أو محمد إلا قدس الله ذلك المنزل كل يوم مرتين" رواه أبو منصور والديلمي" وهو موقوف لفظًا مرفوع حكمًا، إذ لا مدخل فيه للرأي، وقد ورد مرفوعًا عن علي، عن النبي ﷺ ، أخرجه ابن بكير في جزئه، وأخرج ابن عدي عن جابر أن النبي ﷺ قال: "ما أطعم طعام على مائدة، ولا جلس عليها وفيها اسمي إلا وقدسوا كل يوم مرتين" وفيه أحمد بن كنانة، قال: وقال في اللسان كالميزان: حديث مكذوب، وتعقب ذلك السيوطي، فقال: قد وجدت للحديث طريقًا آخر، ليس فيه أحمد بن كنانة، أخرجه أبو سعد النقاش في معجم شيوخه، عن جابر به، ورجاله ثقات، انتهى. وحديث علي المذكور شاهد له، وأخرجه الحاكم في تاريخه والديلمي والخطيب عن علي رفعه: "إذا سميتم الولد محمدًا، فأكرموه، وأوسعوا له في المجلس، ولا تقبحوا له وجهًا" أي: لا تقولوا له قبح الله وجهك، أو لا تنسبوه إلى القبح في شيء من أقواله وأفعاله،стр. 3423
وليس لأحد أن يتكنى بكنيته "أبي القاسم" سواء كان اسمه محمد أم لا، ومنهم: من كره الجمع بين الاسم والكنية، وجوز الإفراد، ويشبه أن يكون هو الأصح.
الحواشي
(١) وكنى بالوجه عن الذات.
وأخرج البزار عن أبي رافع مرفوعًا: "إذا سميتم محمدًا فلا تضربوه، ولا تحرموه"، وروى البزار، وأبو يعلى، والحاكم، عن أنس رفعه: "تسمون أولادكم محمدًا، ثم تلعنونهم"، وهذا استفهام إنكاري بحذف الأداة، أنكر اللعن إجلالا لاسمه كما منع ضرب الوجه تعظيمًا لصورة آدم، وشذ من أخذ من الحديث منع التسمية به، لأنه مدلوله النهي عن لعن من اسمه محمد، لا عن التسمية به.
وأخرج الطرائقي، وابن الجوزي عن علي مرفوعًا: "ما اجتمع قوم قط في مشورة، وفيهم رجل اسمه محمد، لم يدخلوه في مشورتهم إلا لم يبارك لهم فيه"، وذكر بعض الحفاظ أنه لم يصح في فضل التسمية بمحمد حديث، وزعم ابن تيمية أن كل ما ورد فيه موضوع متعقب.
وروى ابن سعد مرسلا: "ما ضر أحدكم لو كان في بيته محمد ومحمدان وثلاثة"، وقال مالك: ما كان في أهل بيت اسم محمد إلا كثرت بركته.
وفي فتاوى السخاوي ما رواه أبو شعيب الحراني عن عطاء: من أراد أن يكون حمل زوجته ذكرًا، فليضع يده على بطنها وليقل: إن كان ذكرًا فقد سميته محمدًا، فإنه يكون ذكرًا لم يرد مرفوعًا، ورفع بعضهم له، أورده ابن الجوزي في الموضوعات.
"و" منها: أنه "ليس لأحد أن يتكنى بكنيته" المشهورة المعروفة له قديمًا "أبي القاسم" باسم أكبر أولاده عند الجمهور، أو لأنه يقسم الجنة بين أهلها أو لقوله: "إني جعلت قاسمًا أقسم بينكم" قال المصنف في أسمائه: كنيته المشهورة أبو القاسم، كما جاء في عدة أحاديث صحيحة، ويكنى بأبي إبراهيم، كما في حديث أنس في مجيء جبريل، وقوله: السلام عليك يا أبا إبراهيم، وبأبي الأرامل ذكره ابن دحية، وبأبي المؤمنين ذكره غيره، انتهى، "سواء كان اسمه محمدًا أم لا" لظاهر حديث الصحيحين عن أنس، قال: نادى رجل رجلا بالبقيع: يا أبا القاسم، فالتفت إليه ﷺ ، فقال: يا رسول الله! إني لم أعنك، إنما دعوت فلانًا، فقال ﷺ : "تسموا باسمي، ولا تكنوا بكنيتي".
"ومنهم" أي: العلماء "من كره الجمع بين الاسم والكنية، وجوز الإفراد" أي التسمي بأحدهما، "ويشبه أن يكون هو الأصح" إذ سبب النهي اشتهاره بأبي القاسم، ولذا لا يكره تكنية من اسمه محمد بأبي إبراهيم، وأبي الأرامل، وأبي المؤمنين، وإن كني بها المصطفى، لأنه لم يكن ينادى بشيء منها، وقد قال ﷺ : "لولا أكره أن أحول كنيتي التي عرفت بها لتكنيت بأبيстр. 3424
قال النووي: في هذه المسألة مذاهب، الشافعي منع مطلقًا، وجوزه مالك، والثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمدًا، ومن جوز خص النهي بحياته، وهو الأقرب، انتهى.
ومنها أنه يستحب الغسل لقراءة حديثه والتطيب، ولا ترفع عند الأصوات، بل تخفض، كما في حياته إذا تكلم، فإن كلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه الشريف.
الحواشي
(١) إبراهيم، كما به كناني جبريل"، رواه الطبراني، ومن الغريب أنه قيل: يحرم التسمي بمحمد، والتسمي بالقاسم لئلا يكنى أبوه أبا القاسم، حكاهما المازري في شرح مسلم، وتبعه النووي، فأما الثاني فمحتمل، وأما الأول فقد قام الإجماع على خلافه.
"قال النووي: في هذه المسألة مذاهب" فصلها، فقال "الشافعي: منع مطلقًا" لمن اسمه محمد وغيره في حياته وبعده، "وجوز مالك" الجمع بينهما لمن اسمه محمد ولغيره بعده، وبه قال أكثر العلماء كما قال عياض: "والثالث: يجوز لمن ليس اسمه محمدًا، ومن جوز خص النهي بحياته" لأنه ﷺ أذن لعلي وغيره أن يسموا من يولد لهم بعده محمدًا، ويكنوه بأبي القاسم، فعلم من إذنه اختصاص النهي بحياته، ودعوى أنه خص به عليًا لا دليل عليها، إذ أباح لغيره ذلك أيضًا، ولذا رجحه النووي، فقال: "وهو الأقرب" وإن كان الأصح عند الشافعية الإطلاق، "انتهى".
وحكى غيره المنع مطلقًا في حياته، والتفصيل بعده بين من اسمه محمد، أو أحمد فيمنع، وإلا فيجوز.
قال الحافظ: وهذا أعدل المذاهب، وقال ابن أبي جمرة بعد أن أشار إلى ترجيح مذهب الجمهور: لكن الأولى الأخذ بالمذهب الأول، فإنه أبرأ للذمة، وأعظم للحرمة.
"ومنها: أنه يستحب الغسل" وكذا الوضوء "لقراءة حديثه" وروايته، واستماعه، وظاهره ولو سبق الغسل لسبب آخر، "والتطيب" لذلك، "و" يستحب أنه "لا ترفع عنده" أي عند قراءته "الأصوات" وقول ابن العربي. يجب، لعله أراد به تأكد الندب، "بل تخفض، كما في حياته إذا تكلم" تشبيه في مطلق الخفض، وإن كان الأول مستحبًا، والثاني واجبًا، "فإن" حرمته ميتًا كحرمته حيًا كما قال ابن العربي، قائلا: وإن "كلامه المأثور بعد موته في الرفعة مثل كلامه المسموع من لفظه الشريف" لا سيما إن تواتر أو صح، وكلامه شامل لمنع مساواة صوت قارئ الحديث.стр. 3425
وأن يقرأ على مكان مرتفع.
روينا عن مطرف قال: كان الناس إذا أتوا مالكًا ﵀ خرجت إليهم الجارية فتقول لهم: يقول لكم الشيخ: تريدون الحديث أو المسائل، فإن قالوا المسائل خرج إليهم في الوقت، وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله فاغتسل وتطيب ولبس ثيابًا جددًا وتعمم ولبس ساجه -والساج: الطيلسان- وتلقى له منصة فيخرج ويجلس عليها، وعليه الخشوع، ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ .
الحواشي
(١) زاد أبو بكر بن العربي: فإذا قرئ كلامه، وجب على كل حاضر أن لا يرفع صوته عليه، ولا يعرض عنه، كما كان يلزمه ذلك عند تلفظه به، وقد نبه الله تعالى على دوام الحرمة المذكورة على مرور الأزمنة بقوله: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ﴾ الآية، وكلامه ﷺ من الوحي له مثل ما للقرآن، إلا معاني مستثنى بيانها في كتب الفقه، وإذا كان رفع الصوت فوق صوته موجبًا لحبوط العمل، فما الظن برفع الآراء ونتائج الأفكار على سنته وما جاء به، انتهى.
"و" يستحب "أن يقرأ على مكان مرتفع" عال، زاد في الأنموذج: وقراءة حديثه عبادة، يثاب عليها، كقراءة القرآن في إحدى الروايتين، أي: والرواية الثانية اختصاص ذلك بالقرآن، لأنا تعبدنا بألفاظه، والحديث بمعانيه ولذا جازت روايته بالمعنى للعارف، ولا يجوز ذلك في القرآن مطلقًا.
"روينا عن مطرف" بن عبد الله بن مطرف اليساري، بالتحتانية والمهملة المفتوحتين، أبي مصعب المدني، ابن أخت مالك، وثقه ابن سعد والدارقطني، وروى عنه البخاري وغيره، ولم يصب ابن عدي في تضعيفه، مات سنة عشرين ومائتين على الصحيح، وله ثلاث وثمانون سنة، "قال: كان الناس إذا أتوا مالكًا ﵀" لطلب العلم، وهو داخل بيته، وطلبوا خروجه لإقرائهم، "خرجت إليهم الجارية، فتقول لهم: يقول لكم الشيخ تريدون" بتقدير أداة الاستفهام، أي: أتريدون "الحديث، أو المسائل" الفقهية، فتعريفه للعهد، "فإن قالوا المسائل، خرج إليهم في الوقت" على حالته التي هو عليها، "وإن قالوا الحديث، دخل مغتسله" المكان الذي أعده للغسل فيه، "فاغتسل وتطيب، ولبس ثيابًا جددًا" بضم أوله وثانيه: جمع جديد، كسرير وسرر، "وتعمم ولبس ساجه، والساج: الطيلسان" مطلقًا، أو الأخضر، أو الأسود، "وتلقى له منصة" بكسر الميم، لأنها آلة على ما في المصباح، وقال غيره، بالكسر والفتح شيء عال كالكرسي والسرير من نصصته، إذ رفعته، وهي في الأصل ما يوضع للعروس، يجلس عليه، أو يقف عند جلائها، "فيخرج ويجلس عليها، وعليه الخشوع" والسكينة والوقار، "ولا يزال يبخر بالعود حتى يفرغ من حديث رسول الله ﷺ " إجلالا له، فإنه كان يحب الرائحة الطيبة.стр. 3426
ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث.
قال ابن أبي أويس: فقيل له في ذلك، فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا. ويقال: إنه أخذ ذلك عن سعيد بن المسيب.
وقد كره قتادة ومالك وجماعة التحديث على غير طهارة، حتى كان الأعمش إذا كان على غيرها تيمم.
ولا شك أن حرمته ﷺ وتعظيمه وتوقيره بعد مماته عند ذكره، وذكر حديثه وسماع اسمه وسيرته كما كان في حياته، والله أعلم.
الحواشي
(١) فجعل مجلس حديثه كمجلسه حيًا ﷺ ، "ولم يكن يجلس على تلك المنصة إلا إذا حدث" فعلم أنه إنما فعله رعاية للحديث لا لنفسه، "قال" إسماعيل "بن أبي أويس" عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، ابن أخت الإمام مالك المدني، صدوق، روى عنه الشيخان، وروى له الباقون سوى النسائي، فأطلق القول بضعفه، مات سنة ست وعشرين ومائتين، "فقيل له في ذلك" أي: سئل عن سبب فعله جميع ما مر، "فقال: أحب أن أعظم حديث رسول الله ﷺ " لنسبته له، وردًا على المنافقين، ومن على سنتهم، "ولا أحدث به إلا على طهارة متمكنًا، ويقال إنه أخذ ذلك" المذكور من الغسل والتبخير والتطيب ... إلخ، "عن سعيد بن المسيب" أي: بواسطة، لأنه لم يلق سعيدًا، لأنه مات بعد التسعين وولد مالك سنة ثلاث وتسعين، وقد روى عن الزهري وغيره عن سعيد، "وقد كره قتادة" بن دعامة "ومالك الإمام، "وجماعة التحديث على غير طهارة حتى كان الأعمش" سليمان بن مهران، "إذا كان على غيرها تيمم" لأنه بدل الوضوء، حيث فقد لشدة اعتنائه بالحديث، "ولا شك أن حرمته ﷺ ، وتعظيمه وتوقيره بعد مماته عند ذكره وذكر حديثه، وسماع اسمه وسيرته، كما كان في حياته" ولذا استحبت الصلاة عليه كلما ذكر ﷺ ، "والله أعلم".
زاد في الشفاء: وكان مالك يكره أن يحدث في الطريق، أو هو قائم، وقال: أحب أن أفهم حديث رسول الله ﷺ .
وقال ابن المبارك: كنت مع مالك إل العقيق، فسألته عن حديث فانتهرني، وقال: كنت في عيني أجل من أن تسألني عن الحديث، ونحن نمشي، وسأله جرير بن عبد الحميد القاضي، عن حديث، وهو قائم، فضربه عشرين سوطًا، ثم أشفق عليه، فحدثه عشرين حديثًا، فقام هشام: وددت لو زادني سياطًا، ويزيدني حديثًا.стр. 3427
ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه أن يقوم لأحد، قال ابن الحاج في "المدخل": لأنه قلة أدب مع النبي ﷺ وقلة احترام وعدم مبالاة أن يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعه، وقد كان السلف لا يقطعون حديثه ولا يتحركون إن أصابهم الضرر في أبدانهم ويتحملون المشقة التي تنزل بهم إذ ذاك التحديث احترامًا لحديث نبيهم ﷺ .
وحسبك ما وقع لمالك ﵀ في لسع العقرب له سبع عشر مرة، وهو لم يتحرك، وتحمله للسعها توقيرًا لجناب حديثه ﷺ أن يكون يقرأ وهو يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل لبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغي من الكلام المعتاد، انتهى.
ومنها أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة، وأن قراء حديثه اختصوا بالتلقيب بالحفاظ.
الحواشي
(١) "ومنها: أنه يكره لقارئ حديثه" دون غيره من العلوم "أن يقوم لأحد، قال ابن الحاج في المدخل: لأنه" أي: القيام "قلة أدب مع النبي ﷺ وقلة احترام وعدم مبالاة أن" أي: بأن "يقطع حديثه لأجل غيره، فكيف لبدعه" وهي القيام، "وقد كان السلف لا يقطعون حديثه ولا يتحركون إن أصابهم الضرر في أبدانهم ويتحملون المشقة التي تنزل بهم إذ ذاك" أي: وقت "التحديث احترامًا لحديث نبيهم ﷺ ، وحسبك ما وقع لمالك ﵀ في لسع العقرب له سبع عشرة" وفي الشفاء: ست عشرة "مرة"، فصار يصفر ويتلوى حتى تم المجلس وتفرق الناس، وقال: صبرت للنبي ﷺ ، ولا ينافي قوله: "وهو لم يتحرك" لأن المراد حركة عنيفة لا اللالتواء، "وتحمله للسعها توقيرًا لجناب حديثه أن يكون يقرأ وهو يتحرك لضر أصابه، مع أنه معذور فيما وقع، فكيف بالحركة والقيام إذ ذاك لا لضرورة بل لبدعة، لا سيما إذا انضاف إلى ذلك ما لا ينبغي من الكلام المعتاد" نحو: ما حالكم أنتم طيبون، "انتهى" كلام ابن الحاج.
"ومنها: أن قراء حديثه لا تزال وجوههم نضرة" أي: حسنة ذات بهجة وسرور لقوله ﷺ : "نضر الله امرأ، سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها". رواه أحمد والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة، بل قال الحافظ: إنه مشهور، وعده بعضهم من المتواتر، لأنه ورد عن أربعة وعشرين صحابيًا وسردهم، "وأن قراء حديثه اختصوا بالتلقيب بالحفاظ" والحافظ من حفظ مائة ألف حديث متنًا وإسنادًا، ولو بتعدد الطرق والأسانيد، أو من روى ما يحتاج إليه.стр. 3428
وأمراء المؤمنين من بين سائر العلماء.
ومنها أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع به ﷺ لحظة، بخلاف التابعي مع الصحابي، فلا تثبت إلا بطول الاجتماع معه.
الحواشي
(١) وروى ابن أبي حاتم عن الزهري، قال: لا يولد الحافظ إلا في كل أربعين سنة، "وأمراء المؤمنين" في الحديث"من بين سائر العلماء" من المفسرين والفقهاء وغيرهم، واختصوا أيضًا بأنهم خلفاؤه لقوله ﷺ : "اللهم ارحم خلفائي الذين يأتون من بعدي، الذين يروون أحاديثي وسنتي، ويعلمونها الناس" رواه الطبراني، ويقع في بعض النسخ تأخير هذه عن التي بعدها، وتقديمها أنسب كما لا يخفى.
"ومنها" أي فضائله التي اختص بها عن أمته، "أنه تثبت الصحبة لمن اجتمع له ﷺ " وإن لم يره لعارض كعمى، ولو بلا مجالسة ومكالمة ذكرًا أو أنثى، إنسيًا أو جنيًا، روى عنه أم لا، مميزًا أم لا، فدخل من حنكه، أو مسح وجهه، أو تفل فيه، وهو رضيع على الأصح لكن أحاديث هؤلاء من قبيل مراسيل كبار التابعين، كما بينه الحافظ، ثم هذه صفة في الحقيقة لأصحابه، لكن لما كانت بركته بتأثيره فيهم، عدت من خصائصه أو التقدير، ومنها نور النبوة المفاض على من صبحه، وقد يكون هذا أولى، لأن السياق في خصائصه كما قرر شيخنا. "لحظة" مؤمنًا في حياته، وأما من رآه بعد موته وقبل دفنه، فالراجح أنه ليس بصحابي، وإلا لعد من اتفق أن يرى جسده المكرم، وهو في قبره، ولو في هذه الأعصار، وكذلك من كشف له عنه من الأولياء، فرآه كذلك على طريق الكرمة إذ حجة من أثبت الصحبة لمن رآه قبل دفنه أنه مستمر الحياة، وهذه الحياة ليست دنيوية، وإنما هي أخروية، لا تعلق لها بأحكام الدنيا، فإن الشهداء أحياء، ومع ذلك، فالأحكام المتعلقة بهم بعد القتل، جارية على أحكام غيرهم من الموتى، وكذا المراد بهذه الرؤية من اتفقت له، وهو يقظان، أما منامًا، فهو وإن كان رآه حقًا، فذلك مما يرجع إلى الأمور المعنوية، لا الأحكام الدنيوية، فذلك لا يعد صحابيًا، ولا يجب عليه أن يعمل بما أمره به في تلك الحالة، قاله الحافظ.
وقال البقاعي: يخرج من التعريف من رآه بعد الموت وقبل الدفن، كأبي ذؤيب الهزلي، فإن الإخبار الذي هو معنى النبوة انقطع، وأيضًا لا يعد ذلك لقيًا عرفًا، وقد صرحوا بأن عدم جعله صحابيًا أرجح، انتهى، فإن ارتد ومات عليها، فلا يسمى صحابيًا، فإن عاد، فقولان أطبق المحدثون على عد من وقع له ذلك؛ كالأشعث بن قيس الكندي في الصحابة، وعلى إخراج أحاديثهم في المسانيد، ويأتي تمام ذلك إن شاء الله تعالى في المقصد السابع، "بخلاف التابعي مع الصحابي، فلا تثبت" التابعية "إلا بطول الاجتماع معه" عرفًا، بحيث يعده ممن تلقى عنстр. 3429
على الصحيح عند أهل الأصول، والفرق عظم مرتبة النبوة ونورها، فمبجرد ما يقع بصره على الأعرابي الجلف ينطق بالحكمة.
ومنها أن أصحابه كلهم عدول، لظواهر الكتاب والسنة، فلا يبحث عن عدالة أحد منهم.
الحواشي
(١) الصحابي، وضبط ما قاله "على الصحيح عند أهل الأصول" لا المحدثين، فالأصح عندهم؛ كما عند ابن الصلاح والنووي: أنه من لقي الصحابي كما قاله الحاكم وغيره.
قال العراقي: وعليه عمل الأكثر، كمسلم وابن حبان وإن لم يسمع من الصحابي، ولم يميز، واشترط ابن حبان تمييزه، وقد أشار النبي ﷺ إلى الصحابة والتابعين بقوله: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني" ... الحديث، فاكتفى فيهما بمجرد الرؤية، انتهى باختصار، واختاره أيضًا الحافظ بن حجر، وهو صريح في أن فضل التابعية يحصل بمجرد اللقى والرؤية، وإن كانت روايته عن ذلك الصحابي الذي رآه لا تصح، إلا إذا ثبت سماعه منه، وإلا فهي منقطعة كما بين في علوم الحديث، ومن عكس هذا فقد وهم.
"والفرق" على ما صححه الأصوليون, ووافقهم طائفة من المحدثين، كالخطيب، "عظم مرتبة النبوة" أي: نبوته قال عهدية، أو عوض عن المضاف إليه، وجعلها جنسية يقتضي مشاركة الأنبياء له في ذلك، وإن لم يكن رسولا، ويحتاج لنقل صريح لعدم ثبوت الخصائص بالاحتال "و" لعظم "نورها، فمبجرد ما" مصدرية "يقع بصره على الأعرابي الجلف" بالكسر، أي: الجافي، ووقع بصره تمثيل لا تقييد، فلو رأى النبي على بعد، ولم يره النبي ﷺ ، كان صحابيًا "ينطق بالحكمة" لشرف منزلته، فيظهر أثر نوره في قلب من لقيه، وعلى جوارحه، فالاجتماع به يؤثر من النور القلبي أضعاف ما يؤثر الاجتماع الطويل بالصحابي وغيره، ولا يشترط إيمان التابعي وقت اجتماع بالصحابي، قال البقاعي: وإنما اشترط في الصحبة الإيمان لشرفها، فاحتيط لها، ولأنه تعالى شرط في الصحابة كونهم مع النبي ﷺ ، فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ولا يكونون معه إلا إذا آمنوا به، انتهى.
نعم، لو أسلم بعدما لقيه كافرًا، وحدث ما سمعه منه حالتئذ قبل، وإن لم يكن صحابيًا. قال العراقي:
وقبلوا من مسلم تحملا ... في كفره كذا صبي حملا
"ومنها: أن أصحابه كلهم عدول" بتعديل الله تعالى وتعديله ﵊ "لظواهر الكتاب" نحو: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ الآية، "والسنة" فتقبل رواياتهم ولو كان حجة لفعلهم كرواية علي قتل الخوارج وشهادتهم لا ثبوت عصمتهم واستحالة المعصية عليهم؛ كما نص عليه ابن الأنباري وغيره, وأشار إليه بقوله: "فلا يبحث عن عدالة أحد منهم"стр. 3430
كما يبحث عن سائر الرواة. قال الله تعالى خطابًا للموجودين حينئذ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣] ، أي: عدولا، وقال ﵇:
الحواشي
(١) في شهادة ولا رواية "كما يبحث عن سائر الرواة" وغيرهم لأنهم خير الأمة ومن طرأ له منهم قادح كسرقة وزنا عمل بمقتضاه، ولكن لا يفسقون بما يفسق به غيرهم كما ذكره الحلال المحلي في شرح الجوامع فتقبل رواياتهم وشهاداتهم، ولو وقعت كبيرة من بعضهم أقيم حدها أم لا؟ وإن لم يبلغنا توبته. ومن فوائد عدالتهم مطلقًا أنه إذا قيل عن رجل من أصحاب النبي، قال: سمعت النبي ﷺ كان حجة كتعيينه باسمه بخلاف غيرهم فلا يقبل المبهم لاحتمال أنه ليس عدلا وسواء من لابس الفتنة وغيره على المختار طال اجتماعهم به أو قصر، وقول المازري في شرح البرهان: لسنا نعني بعدالة الصحابة كل من رآه يومًا أو زاره أو اجتمع به لغرض وانصرف عن قرب، بل الذين لازموه وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. قال العلائي الحافظ: غريب لا يواف عليه، والجمهور على التعميم، انتهى. ويؤيد العموم رواية الأئمة أحاديثهم مطلقًا بدون تردد مع ورود النهي عن روايته عن غير العدل، قال ﷺ : "لا تأخذوا الحديث إلا عمن تجوزون شهادته"، رواه الخطيب وغيره عن ابن عباس، وقال ابن سيرين: هذا الحديث دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. وقال مالك: لا تحمل العلم عن أهل البدع، ولا تحمله عمن لم يعرف بالطلب، ولا عمن يكذب في حديث الناس، وإن كان في حديث رسول الله ﷺ لا يكذب، رواه ابن عساكر، وكان عروة بن الزبير يسمع الحديث يستحسنه ولا يرويه لكونه لا يثق ببعض رواته لئلا يؤخذ عنه رواه الشافعي، فلو لم تكن الصحابة كلهم عدولا لامتنع مالك وغيره من الأئمة عن رواية كثير منهم.
"قال الله تعالى خطابًا للموجودين حينئذ" يعني الصحابة: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ أي: كما هديناكم إلى صراط مستقيم أو جعلنا قبلتكم أفضل القبل، ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ ، أي عدولا" مزكين بالعلم والعمل أو خيارًا، وكذا قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ ، قال الحافظ العراقي: قيل اتفق المفسرون على أن الخطاب في الآيتين للصحابة الموجودين، انتهى. لكن البيضاوي والجلال جعلا الخطاب لأمة محمد الشامل لهم ولمن بعدهم إلى يوم القيامة، ويؤيده حديث البخاري وغيره في جحد الأمم تبليغ أنبيائهم فيؤتى بأمة محمد فيشهدون بالبلاغ ويزكيهم النبي ﷺ ويمكن الجمع بأن الخطاب للصحابة حقيقي لوجودهم، وإن كان المراد ما يشملهم وغيره لاشتراك الجميع في العلم.
"وقال ﵇" فيما أخرجه الشيخان وأصحاب السنن من حديث أبي سعيد الخدري، وفي بعض طرقه عند مسلم، قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوفстр. 3431
"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
الحواشي
(١) شيء فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم" وفي رواية: "فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا" كل يوم كما زاد في رواية البرقاني، قال: وهي زيادة حسنة: "ما بلغ مد أحدكم" بضم الميم، مكيال معروف، وحكى الخطابي أنه روي بفتح الميم، قال: والمراد به الفضل والطول ذكره الحافظ وتوقف الدماميمي، فقال: لا أدري هل أراد أنه روى في البخاري أو رواية في الحديث في الجملة، فينبغي تحريره، انتهى. وهو تشكيك لا طائل تحته، فالمتبادر أنه في البخاري. "ولا نصيفه" أي: المد من كل شيء يوزن رغيف، أي: نصفه كما يقال: عشر وعشير وثمن
.وثمين، وقيل: النصيف مكيال دون المد ذكره الفتح، وقال تلميذه شيخ الإسلام زكريا بفتح النون وضمها مصغرًا، أي: نصفه والنصف مثلث النون، فمجموع ذلك خمس لغات، انتهى. قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الأجر والفضل ما نال أحدهم بإنفاق مد أو نصفه وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية، قال الحافظ: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه وأشار بالأفضلية بسبب الاتفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما في آية: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ، ففيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به بخلاف ما وقع بعد ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا فلا يقع ذلك الموقع المتقدم، انتهى. وسبقه الطيبي، فقال: يمكن أن يقال فضيلتهم بحسب فضيلة إنفاقهم وعظم موقعها؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ ، وهذا في الإنفاق، فكيف بمجاهدتهم وبذلهم أرواحهم ومهجهم؟ قال الحافظ: وفي قوله: "فلو أن أحدكم" إشعار بأن المراد بقوله أصحابي أصحاب مخصصون وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: لو أن أحدكم أنفق، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي ﷺ وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدركه ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب أولى، وغفل من قال -يعني الكرماني- الخطاب بذلك لغير الصحابة، والمراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق، انتهى. وتعقبه العيني بأن الحديث الذي فيه قصة خالد لا يدل على أنه المخاطب بذلك الخطاب، وإن سلمنا أنه المخاطب فلا نسلم أنه كان إذ ذاك صحابيًا بالاتفاق إذ يحتاج إلى دليل، ولا يظهر ذلك إلا بالتاريخ ولم يجبстр. 3432
وقال ﵇: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" في آيات كثيرة وأحاديث تقتضي تعديلهم.
ولذلك: أجمع من يعتد به على ذلك، سواء في التعديل من لابس الفتنة منهم وغيره.
الحواشي
(١) الحافظ في انتقاض الاعتراض عن هذا التعقب لسقوطه، فإن عدم تسليمه صحبته حينئذ مع وجود الاتفاق عليها مجرد مكابرة وعناد، وقال في خطبة الانتقاض: أنه إنما يجيب عن الاعتراض الذي له نوع تماسك، وقال الشيخ زكريا: الخطاب للحاضرين من الصحابة ولغيرهم ولو من غير الصحابة ففيه تغليب الحاضر على الغائب، انتهى.
"وقال ﵇" فيما رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن مسعود: "خير الناس" أهل "قرني" أي: عصري من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، يعني: أصحابي ومن رآني أو من كان حيًا في عهدي. قال الحافظ: ومدتهم من البعثة مائة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الخلاف في وفاة أبي الطفيل آخر من مات من الصحابة، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ كان مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين، وفي رواية للشيخين: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم" أي: القرن الذي بعدهم وهم التابعون ومدتهم نحو سبعين أو ثمانين سنة، إن اعتبر من سنة مائة، "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين نحوًا من خمسين إلى حدود العشرين ومائتين، قال الحافظ: فظهر بهذا أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار كل زمان، واتفق أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله: من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاحشًا وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن العلماء ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله ﷺ ، ثم يفشوا الكذب ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان. قال: ووقع في رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم ذكر طبقة رابعة وهي رواية شاذة وأكثر الروايات مقتصر على ذكر الثلاثة ثم الجمهور على أن ذا الفضل باعتبار الإفراد، وقال ابن عبد البر باعتبار المجموع، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السابع وقبله في خصائص الأمة قريبًا، "في" أي: مع "آيات كثيرة وأحاديث" كثيرة جدًا "تقتضي تعديلهم، ولذلك أجمع من يعتد به على ذلك" من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة؛ كما في الاستيعاب. "سواء في التعديل من لابس الفتنة" الواقعة حين قتل عثمان كالجمل وصفين، "منهم وغيره" وهو من لم يلابسها خلافًا لمن قال: لا يحكم بعدالة من لابسها حتى يبحث عنه؛ لأن أحد الفريقين فاسق. وقيل: يقبل الداخل فيها إذا انفرد لأن الأصل العدالة، وشككنا في ضدها ولا يقبل إذا خولفстр. 3433
لوجوب حسن الظن بهم، حملا للملابس على الاجتهاد، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، من امتثال أوامره ﵇، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، مواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك. كل ذلك بحلول نظره ﵊.
وأفضلهم عند أهل السنة إجماعًا: أبو بكر ثم عمر، وأما بعدهما: فالجمهور على أنه عثمان ثم علي. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد السابع.
الحواشي
(١) لتحقق إبطال أحدهما من غير تعيين. وقيل: القول بالعدالة مختص بمن اشتهر منهم ومن عداهم كسائر الناس. "لوجوب حسن الظن بهم حملا للملابس على الاجتهاد" الواقع منه المقتضى لجواز فعله، بل قد يؤديه إلى وجوبه ولا التفات إلى ما يذكره الإخباريون فأكثره لم يصح، وما صح فله تأويل صحيح, وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله منها سيفنا فلا نخضب بها ألسنتنا. "ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر" الجليلة "من امتثال أوامره ﵇ وفتحهم الأقاليم" بعده، "وتبليغهم عنه الكتاب والسنة وهدايتهم الناس مع مواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات مع الشجاعة والبراعة" الفضل في العلم والشجاعة وغيرهما، "والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، كل ذلك بحلول نظره ﵊" وقد قال محمد بن كعب القرظي: أوجب الله لجميع الصحابة الجنة محسنهم منهم ومسيئهم. قال ابن جرير: وورد نص النبي ﷺ بالبشارة والشهادة بالجن لغير العشرة كالحسنين وأمهما وجدتهما وجمع أكثر من أن يحوى، انتهى. وأشار بذلك إلى أن لا تدافع بينه وبين تبشير العشرة في حديث واحد لأن العدد لا ينفي الزائد. وروى الترمذي وصححه الضياء عن بريدة رفعه: "ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائدًا ونورًا لهم يوم القيامة"، أي: إلا بعث ذلك الصحابي قائدًا لأهل تلك الأرض إلى الجنة ونورًا لهم يسعى بين أيديهم، فيمشي في ضوئه، وإطلاقه شامل للذكر وغيره وطول صحبته وملازمته ولغيره وقد عد هذا بعضهم من خصائصه. "وأفضلهم عند أهل السنة إجماعًا" منهم: "أبو بكر، ثم عمر" وإلزامًا للشيعة بما صح عن علي أنهما خير منه، "وأما بعدهما فالجمهور على أنه عثمان ثم علي" ومنهم من قدمه، ومنهم من وقف. "وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد السابع" مع فوائد نفيسة.стр. 3434
ومنها أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولا يخاطب غيره.
ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ويشهد له حديث أبي سعيد بن المعلى: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه. الحديث، وفيه: "ألم يقل الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] "، فإجابته فرض، يعصي المرء بتركها.
وهل تبطل الصلاة أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم: أنها لا تبطل.
الحواشي
(١) "ومنها: أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي" ورحمة الله وبركاته؛ كما في حديث التشهد والصلاة صحيحة، "ولا يخاطب غيره" من الخلق ملكًا أو شيطانًا أو جمادًا أو ميتًا، ولا ينافيه قوله ﷺ لإبليس: "ألعنك بلعنة الله"؛ لأنه خصوصية أو خطاب نفسي لا لما قيل إنه قبل تحريم الكلام في الصلاة، لأنه كان بالمدينة وتحريمه قبلها.
"ومنها: أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ويشهد له حديث أبي سعيد" بكسر العين "ابن المعلى" الأنصاري المدني، قا ابن عبد البر: اسمه الحارث بن نفيع بن المعلى على الأصح، ومن قال رافع بن المعلى فقد وهم؛ لأنه قتل ببدر مات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث. قالوا: وعاش أربعًا وستين سنة، قال في الإصابة: وهو خطأ، فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النبي ﷺ وهو صغير وسياق الحديث يأبى ذلك، روى البخاري في تفسير الفاتحة عنه، قال: "كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه" وللبخاري في تفسير الأنفال فلم آته حتى صليت ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل الله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ، ثم قال: "لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: "لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن"، قال: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". هذا لفظه، فاقتصر المصنف على حاجته منه مشيرًا إلى ما حذفه بقوله: "الحديث وفيه: "ألم يقل الله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " من أمر الدين لأنه سبب للحياة الأبدية، "فإجابته فرض يعصي المرء بتركها" اتفاقًا، "و" اختلف العلماء "هل تبطل الصلاة" بذلك "أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم" كالعلامة بهرام من المالكية في طائفة منهم "أنها لا تبطل" ولو فرضًا بل هي صحيحة ولو أجابه بالفعل فتجب ولا تبطل على الراجح، قال الإسنوي: وهو المتجه. قالстр. 3435
وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا أو غير مصل. أما كونه يخرج بالإجابة أو لا يخرج فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، والله أعلم.
ومنها: أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره.
الحواشي
(١) الخيضري: ومحله إذا اقتصر على لفظ يفهم منه الجواب كنعم أو لبيك، فإن زاد بطلت فيما يظهر، انتهى. لكن قال الرملي: لا فرق بين قليل الإجابة وكثيرها بالقول والفعل، فلو سأل مصليًا عن شيء وجبت إجابته وصحت صلاته كما ألحقه بعض بدعائه. أما لو ابتدأه المصلي بالكلام فإن تعلق بنحو الصلاة والسلام عليه اغتفر، وإلا كجاءك فلان أو نصرك الله يوم بدر، فالمتجه البطلان؛ لأنه كلام أجنبي غير محتاج إليه، ولا دعاء فيه للنبي ﷺ ولا جواب. "وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا سواء كان المخاطب مصليًا أو غير مصلٍ. أما كونه يخرج من الصلاة بالإجابة" لبطلانها، "أو لا يخرج" لعدمه "فليس في الحديث" أي: حديث ابن المعلى المذكور "ما يستلزمه" ويدل عليه، "فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة" وبعض المالكية أيضًا، وهو ضعيف والمعتمد في المذهبين الصحة، "والله أعلم" بالحكم. وهذا أخذه المصنف من فتح الباري، وزاد في الأنموذج: وكذلك الأنبياء، أي: تجب إجابتهم ولا تبطل الصلاة. وفي التحفة: وألحق به عيسى إذا نزل ولعل قائله غفل عن جعل هذا من خصائص نبينا، أو رأى أنه من خصائصه على الأمة لا على بقية الأنبياء وهو بعيد من كلامهم، وكذا قال: ويوافقه قول بعض تسن إجابة عيسى وتبطل بها الصلاة، والسيوطي حجة في النقل، وقد جزم بن الأنبياء مثله.
"ومنها: أن الكذب" أي: الإخبار عنه بشيء على خلاف ما هو "عليه" ولو في غير الأحكام كترغيب وترهيب ووعظ "ليس كالكذب على غيره" كما قال ﷺ : "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، أخرجه الشيخان من حديث المغيرة وأبو يعلى والبزار وكثيرون عن سعيد بن زيد، وظاهره حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان حكمة ذلك أنه يصير شرعًا مستمرًا، لأنه بصدد بعثة نبي بعده تبين ما كذب عليه بخلاف نبينا فلا نبي بعده، فمن قال الأنبياء مثله فيما يظهر فيه نظر للفرق، وأيضًا فالخصائص إنما تثبت بدليل صحيح لا بالاحتمال ولا مفهوم لقوله: "علي"، لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب، وقد اغتر قوم من الجهلة كالكرامية فجوزوا ووضعوا أحاديثследующие страницы →