← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.

стр. 3431

"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".

стр. 3432

وقال ﵇: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" في آيات كثيرة وأحاديث تقتضي تعديلهم. ولذلك: أجمع من يعتد به على ذلك، سواء في التعديل من لابس الفتنة منهم وغيره.

стр. 3433

لوجوب حسن الظن بهم، حملا للملابس على الاجتهاد، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، من امتثال أوامره ﵇، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، مواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك. كل ذلك بحلول نظره ﵊. وأفضلهم عند أهل السنة إجماعًا: أبو بكر ثم عمر، وأما بعدهما: فالجمهور على أنه عثمان ثم علي. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد السابع.

стр. 3434

ومنها أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولا يخاطب غيره. ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ويشهد له حديث أبي سعيد بن المعلى: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه. الحديث، وفيه: "ألم يقل الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] "، فإجابته فرض، يعصي المرء بتركها. وهل تبطل الصلاة أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم: أنها لا تبطل.

стр. 3435

وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا أو غير مصل. أما كونه يخرج بالإجابة أو لا يخرج فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، والله أعلم. ومنها: أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره.

стр. 3436

..............................................................

стр. 3437

ومن كذب عليه لم تقبل روايته أبدًا وإن تاب، فيما ذكره جماعة من المحدثين. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير أن رجلا كذب على النبي ﷺ .

стр. 3438

فبعث عليًا والزبير وقال: "اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه". ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ يكفر. لكن لم يوافقه أحد من الأئمة على ذلك. والحق أنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بها إلا إن استحله.

стр. 3439

وقال النووي: لم أر له في أصل المسألة دليلا، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة. ثم قال: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية: والمختار القطع بصحة توبته وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة. قال: فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، قال: وأجمعوا.

стр. 3440

على قبول شهادته ولا فرق بين الرواية والشهادة في هذا. قال شيخنا: ويمكن أن يقال: فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل عنه ودون أن الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدًا، فإن من سن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذ متعذرة ظاهرًا، وإن وجد مجرد اسمها. ومنها أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات. قال الله.

стр. 3441

تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ، أي: لكان الصبر خيرًا لهم، أي: لكان الصبر خيرًا من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم رسول الله ﷺ الموجبين للثناء والثواب. ومنها أنه يحرم الجهر له بالقول، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وقال ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ .

стр. 3442

كان أبو بكر لا يكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار، وروي أنه ﷺ ما كان يسمع عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته. وكان ثابت بن قيس بن شماس في أذنه وقر، وكان جهوريًا، فلما نزلت تخلف عن رسول الله ﷺ ، فتفقده ودعاه فقال: يا رسول الله! لقد أنزلت عليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال ﵊: "لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة"، قال أنس فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا.

стр. 3443

فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة. رأى ثابت بعض الانكشاف وانهزمت طائفة منهم فقاتل حتى قتل. ومنها أنه معصوم من الذنوب كبيرها وصغيرها، وعمدها وسهوها.

стр. 3444

وكذلك الأنبياء. ومنها أنه لا يجوز عليه الجنون لأنه نقص، ولا الإغماء الطويل الزمن، فيما ذكره الشيخ أبو حامد في التعليق، وجزم به البلقيني في حواشي الروضة، وكذلك الأنبياء. ونبه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو ناشئ عن غلبة الأوجاع للحواس الظاهرة دون القلب، لأنه قد ورد أنه إنما تنام أعينهم دون قلوبهم، فإذا حفظت قلوبهم وعصمت من النوم الذي هو أخف من الإغماء، فمن الإغماء.

стр. 3445

بطريق الأولى. قال السبكي: ولا يجوز عليهم العمى، لأنه نقص، ولم يعم نبي قط. وأما ما ذكر عن شعيب أنه كان ضريرًا فلم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت، انتهى. وقال الرازي: في قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ لما قاله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين، فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، وقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ كأنه من غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول: أن تأثير الحزن في غلبة البكاء، لا في حصول العمى، فلما حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنًا، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى.

стр. 3446

ثم قال: واختلفوا، فقال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية، فالله تعالى جعله بصيرًا في هذا الوقت، وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان بحيث صار يدرك إدراكًا ضعيفًا، فلما ألقوا القميص على وجهه وبشر بحياة يوسف عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه، انتهى. ومنها أن من سبه أو انتقصه قتل. واختلف هل يحتم قتله في الحال، أو يوقف على استتابته؟ وهل.

стр. 3447

الاستتابة واجبة أم لا؟ فمذهب المالكية: يقتل حدًا لا ردة: ولا تقبل توبته ولا عذره إن ادعى سهوًا أو غلطًا، وعبارة شيخهم العلامة خليل في مختصره، وإن سب نبيًا أو ملكًا، وإن عرض أو لعنه، أو عابه أو قذفه، أو استخف بحقه، أو غير صفته، أو الحق به نقصًا وإن في دينه

стр. 3448

أو خصلته أو غض من مرتبته أو وفور علمه أو زهده أو أضاف له ما لا يجوز عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل له: بحق رسول الله، فلعن وقال أردت العقرب قتل -ولم يستتب- حدًا، إلا أن يسلم الكافر، وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل أو سكر أو تهور.

стр. 3449

وهذا قد ذكره القاضي عياض في الشفاء وغيره، واستدلوا له بالكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، واللعنة من الله هي إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله في وبيل عقوبته، قال القاضي عياض: وإنما يستوجب اللعن من هو كافر، وحكم الكافر القتل. والأذى: هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قاله الخطابي وغيره. وإطلاق الأذى في حقه تعالى إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة. ويشهد لذلك الحديث الإلهي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني".

стр. 3450

وهذا بخلاف جانب الرسول. فالأذى في حق الله تعالى وحق رسوله كفر بشهادة هذه الآية، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك العذاب الأليم. وقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥] ، قال القاضي عياض: قال أهل التفسير: كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ . وأما السنة: فروى أبو داود والترمذي: أن رسول الله ﷺ قال: "من لنا بابن الأشرف"، وفي رواية أخرى "من لكعب بن الأشرف"، أي: من ينتدب لقتله.....

стр. 3451

"فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا" وفي رواية: "فإنه يؤذي الله ورسوله". قال القاضي عياض: ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من المشركين، وعلل بأذاه له، فدل على أن قتله إياه كان لغير الإشراك بل كان للأذى. وفي حديث مصعب بن سعد عند أبي داود: لما كان يوم الفتح أمن رسول الله ﷺ الناس، إلا أربعة فذكرهم ثم قال: وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان.

стр. 3452

فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك وهو يأبى، فبايعه بعد الثلاث، ثم أقبل ﷺ على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله"، قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين". وفيه: أنه أمر بقتل عبد الله بن خطل، لأنه كان يقول الشعر يهجو به النبي ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به.

стр. 3453

وكذلك قتل جاريتيه. فقالوا: إنه قد ثبت أمره بقتل من آذاه، ومن تنقصه، والحق له ﵇ وهو مخير فيه، فاختار القتل في بعضهم وعفا عن بعضهم وبعد وفاته تعذرت المعرفة بالعفو، لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه ﷺ فإنه لم يرد عنه الإذن في ذلك. وهذا جعله في الشفاء. وأما الإجماع: فقال القاضي عياض: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم.

стр. 3454

على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر، انتهى. ومذهب الشافعي: أن ذلك ردة، تخرج من الإسلام إلى الكفر، فهو مرتد كافر قطعًا لا نزاع في ذلك عند الجمهور من أمتنا، والمرتد يستتاب، فإن تاب

стр. 3455

وإلا قتل. وفي الاستتابة قولان: أصحهما وجوبها، لأنه كان محترمًا بالإسلام، وإنما عرضت له شبهة، فينبغي إزالتها، وقيل: تستحب لأنه غير مضمون الدم، فإن قلنا بالأول فتجب الاستتابة في الحال ولم يؤجل كغيره. وفي الصحيح: "من بدل دينه فاقتلوه". وفي قول: يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يتب وأصر -رجلا كان أو امرأة- قتل، وإن أسلم صح الإسلام وترك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] الآية. وعن ابن عباس: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب رسول الله ﷺ وهي ردة يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل، وأيما معاهد.

стр. 3456

سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد نقض العهد فاقتلوه. وأجيب عما تقدم من أدلة المالكية: فأما قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فليس فيه إلا كفر مؤذيه ﵇، وأما كونه يقتل فلا دلالة فيه أصلا، وأما ابن خطل فإنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجات القتل، ولأنه اتخذ الأذى ديدنا، فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة -وقلنا بكفره بها- وتاب ورجع إلى الإسلام، فالفرق واضح. لكن وكذلك قتل جاريته لأنهما جعلا ذلك ديدنا مع ما قام بهما من صفة الكفر.

стр. 3457

وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش ما لي أقتل من بينكم صبرًا، فقال له النبي ﷺ : "بكفرك وافترائك على رسول الله". فذكر له سببين في تحتم قتله، وهذا في غاية الظهور. وأما قول الخطابي وغيره: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا" فمحمول على التقييد بعدم التوبة. وأما سياق القاضي عياض لقصة الرجل الذي كذب على رسول الله ﷺ ، وأنه بعث عليًا والزبير ليقتلاه، فليس يفيد غرضًا في هذا المقام لأن الظاهر أن هذا كذب، فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين، لا سيما إن كان كافرًا، فيكون من محاربي الله ورسوله، مع السعي في الأرض بالفساد، فيكون متحتم القتل، وإلا فليس مطلق

стр. 3458

الكذب عليه مما يوجب القتل. وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ ، فقال: "من لي بها"؟ ٠ فقال رجل من فوقها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع، فإن في هذه القصة ونظائرها نظرًا واضحًا لقيام الكفر بالمحكي عنهم والزيادة منه، وقد أخبر ﵇ أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا

стр. 3459

بالإسلام، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصمه الله منهم بالإسلام. وإنما النافع له في مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على القول بكونه ردة، فرجع إلى الإسلام وتاب. وهذا هو محل النزاع وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين. أما ذكر كافرًا صلى بلغته دعوة النبي ﷺ وامتنع من إجابته وحاربه بيده ولسانه فلا نزاع في إهدار دمه قطعًا، لا سيما وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها كانت تعيب الإسلام، وتؤذي النبي وتحرض عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعًا. فقد تبين مما ساقه القاضي عياض أن أمره ﵇ بقتل سابه إنما نقل عن الكفرة.

стр. 3460

ولم ينقل أنه قتل مسلمًا بسبه، وإنما كان ذلك في أهل الكفر والعناد، ولو نقل فلا يتعين كونه حدًا، لاحتمال أن يكون قتله كفرًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فأعلمنا أن ما وراء الشرك في حيز إمكان المغفرة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] . فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. وهذا حق النبي ﷺ وليس لنا أن نسقطه.

стр. 3461

لأنه لم يرد إذنه في ذلك بخلافه هو ﷺ فإن له ذلك. فالجواب: لا بد لنا من نص على ذلك منه ﵇، كأن يقول من سبني مثلًا فاقتلوه، ولا تقبلوا له توبة ولا رجوعًا عن سبه، فإن نقل اتبعناه، ثم إنه من جهة النظر ينبغي إلحاق حقوق رسول الله ﷺ بحقوق الله، فكما أن حقوق الله مبناها على المسامحة، وكذلك حقوقه ﷺ ، فإنه متخلق بأخلاق الله تعالى. ومما عد من خصائصه أنه إذا قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه.

стр. 3462

حكاه النووي في زيادات الروضة عن جماعات من الأصحاب. ومن خصائصه ﵇ أنه كان يخص من شاء بما شاء من الأحكام. كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين. روى أبو داود عن عمارة ابن خزيمة بن ثابت عن عمه وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع من أعرابي فرسًا، فاستتبعه ليقبضه ثمن الفرس، فأسرع النبي ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي يساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن.

стр. 3463

رسول الله ﷺ قد ابتاعه، حتى زادوا على ثمنه. فذكر الحديث قال رسول الله ﷺ : فطفق الأعرابي يقول هلم شهيدًا يشهد أني قد بعتك، فمن جاء من المسلمين يقول: ويلك، إن رسول الله ﷺ لم يكن ليقول إلا الحق، حتى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع المراجعة فقال: أنا أشهد أنك قد بايعته ... الحديث، وفيه، قال: فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة برجلين. وفي البخاري من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين.

стр. 3464

وعند الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابي أتجحد، أنا أشهد أنك بعته، فقال الأعرابي: أن شهد علي خزيمة فأعطاني الثمن، فقال النبي ﷺ : "يا خزيمة إنا لم نشهدك، كيف تشهد"؟ قال: أنا أصدقك على خبر السماء، ألا أصدقك على ذا الأعرابي؟! فجعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين، فلم يكن في الإسلام من تعدل شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة. قال الخطابي: هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع به قوم من أهل البدع.

стр. 3465

إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شيء ادعاه، وإنما وجه الحديث أنه ﷺ حكم على الأعرابي بعلمه، وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد لقوله: والاستظهار على خصمه، فصار في التقدير بشهادة اثنين في غيرها من القضايا، انتهى. ومن ذلك ترخيصه في النياحة لأم عطية، روى مسلم عنها: "قالت: لما نزلت هذه الآية.

стр. 3466

﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ، ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] ، قالت: كان منه النياحة، فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال: "إلا آل فلان". قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، وللشارع أن يخص من العموم ما يشاء.

стр. 3467

ومن ذلك: ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله ﷺ : "تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت". ومن ذلك: الأضحية بالعناق لأبي بردة ابن نيار، رواه الشيخان من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب السنة".

стр. 3468

ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم"، قال: عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم

стр. 3469

فهل تجزي عني؟ قال: "نعم ولن تجزي عن أحد بعدك". و"نيار" بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء. وقوله "تجزي" بفتح أوله غير مهموز، أي تقضي. و"الجذع" بالجيم والذال المعجمة. وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية. ولكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر -عند البيهقي: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك". قال البيهقي: إن كانت هذه.

стр. 3470

الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة. قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، لأن في كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني ويحتمل في الجمع أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، لا مانع من ذلك، لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا. وفي كلام بعضهم: أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل الجمع وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قضية أبي بردة في الصحيح، وفي قضية عقبة بن عامر عند البيهقي، وأما ما عدا ذلك: فأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي ﷺ أعطاه عتودًا جذعًا، فقال: ضح به، فقلت إنه جذع أفأضحي به؟ قال: ضح به
следующие страницы →