Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3431–3470 · переход к 3436.
стр. 3431
"لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه".
الحواشي
(١) شيء فسبه خالد، فقال رسول الله ﷺ : "لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم" وفي رواية: "فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا" كل يوم كما زاد في رواية البرقاني، قال: وهي زيادة حسنة: "ما بلغ مد أحدكم" بضم الميم، مكيال معروف، وحكى الخطابي أنه روي بفتح الميم، قال: والمراد به الفضل والطول ذكره الحافظ وتوقف الدماميمي، فقال: لا أدري هل أراد أنه روى في البخاري أو رواية في الحديث في الجملة، فينبغي تحريره، انتهى. وهو تشكيك لا طائل تحته، فالمتبادر أنه في البخاري. "ولا نصيفه" أي: المد من كل شيء يوزن رغيف، أي: نصفه كما يقال: عشر وعشير وثمن
.وثمين، وقيل: النصيف مكيال دون المد ذكره الفتح، وقال تلميذه شيخ الإسلام زكريا بفتح النون وضمها مصغرًا، أي: نصفه والنصف مثلث النون، فمجموع ذلك خمس لغات، انتهى. قال البيضاوي: معنى الحديث لا ينال أحدكم بإنفاق مثل أحد ذهبًا من الأجر والفضل ما نال أحدهم بإنفاق مد أو نصفه وسبب التفاوت ما يقارن الأفضل من مزيد الإخلاص وصدق النية، قال الحافظ: وأعظم من ذلك في سبب الأفضلية عظم موقع ذلك لشدة الاحتياج إليه وأشار بالأفضلية بسبب الاتفاق إلى الأفضلية بسبب القتال كما في آية: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ﴾ ، ففيها إشارة إلى موقع السبب الذي ذكرته وذلك أن الإنفاق والقتال كان قبل فتح مكة عظيمًا لشدة الحاجة إليه وقلة المعتنى به بخلاف ما وقع بعد ذلك لأن المسلمين كثروا بعد الفتح ودخل الناس في دين الله أفواجًا فلا يقع ذلك الموقع المتقدم، انتهى. وسبقه الطيبي، فقال: يمكن أن يقال فضيلتهم بحسب فضيلة إنفاقهم وعظم موقعها؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ﴾ ، وهذا في الإنفاق، فكيف بمجاهدتهم وبذلهم أرواحهم ومهجهم؟ قال الحافظ: وفي قوله: "فلو أن أحدكم" إشعار بأن المراد بقوله أصحابي أصحاب مخصصون وإلا فالخطاب كان للصحابة، وقد قال: لو أن أحدكم أنفق، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي﴾ الآية، ومع ذلك فنهي بعض من أدرك النبي ﷺ وخاطبه بذلك عن سب من سبقه يقتضي زجر من لم يدركه ولم يخاطبه عن سب من سبقه من باب أولى، وغفل من قال -يعني الكرماني- الخطاب بذلك لغير الصحابة، والمراد من سيوجد من المسلمين المفروضين في العقل تنزيلا لمن سيوجد منزلة الموجود للقطع بوقوعه، ووجه التعقب عليه وقوع التصريح في نفس الخبر بأن المخاطب بذلك خالد بن الوليد وهو من الصحابة الموجودين إذ ذاك بالاتفاق، انتهى. وتعقبه العيني بأن الحديث الذي فيه قصة خالد لا يدل على أنه المخاطب بذلك الخطاب، وإن سلمنا أنه المخاطب فلا نسلم أنه كان إذ ذاك صحابيًا بالاتفاق إذ يحتاج إلى دليل، ولا يظهر ذلك إلا بالتاريخ ولم يجبстр. 3432
وقال ﵇: "خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم" في آيات كثيرة وأحاديث تقتضي تعديلهم.
ولذلك: أجمع من يعتد به على ذلك، سواء في التعديل من لابس الفتنة منهم وغيره.
الحواشي
(١) الحافظ في انتقاض الاعتراض عن هذا التعقب لسقوطه، فإن عدم تسليمه صحبته حينئذ مع وجود الاتفاق عليها مجرد مكابرة وعناد، وقال في خطبة الانتقاض: أنه إنما يجيب عن الاعتراض الذي له نوع تماسك، وقال الشيخ زكريا: الخطاب للحاضرين من الصحابة ولغيرهم ولو من غير الصحابة ففيه تغليب الحاضر على الغائب، انتهى.
"وقال ﵇" فيما رواه الشيخان وغيرهما من حديث ابن مسعود: "خير الناس" أهل "قرني" أي: عصري من الاقتران في الأمر الذي يجمعهم، يعني: أصحابي ومن رآني أو من كان حيًا في عهدي. قال الحافظ: ومدتهم من البعثة مائة وعشرون سنة أو دونها أو فوقها بقليل على الخلاف في وفاة أبي الطفيل آخر من مات من الصحابة، وإن اعتبر ذلك من بعد وفاته ﷺ كان مائة سنة أو تسعين أو سبعًا وتسعين، وفي رواية للشيخين: "خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم" أي: القرن الذي بعدهم وهم التابعون ومدتهم نحو سبعين أو ثمانين سنة، إن اعتبر من سنة مائة، "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين نحوًا من خمسين إلى حدود العشرين ومائتين، قال الحافظ: فظهر بهذا أن مدة القرن تختلف باختلاف أعمار كل زمان، واتفق أن آخر من كان من أتباع التابعين ممن يقبل قوله: من عاش إلى حدود العشرين ومائتين، وفي هذا الوقت ظهرت البدع ظهورًا فاحشًا وأطلقت المعتزلة ألسنتها ورفعت الفلاسفة رءوسها، وامتحن العلماء ليقولوا بخلق القرآن وتغيرت الأحوال تغيرًا شديدًا ولم يزل الأمر في نقص إلى الآن، وظهر قوله ﷺ ، ثم يفشوا الكذب ظهورًا بينًا حتى يشمل الأقوال والأفعال والمعتقدات والله المستعان. قال: ووقع في رواية أبي الزبير عن جابر عند مسلم ذكر طبقة رابعة وهي رواية شاذة وأكثر الروايات مقتصر على ذكر الثلاثة ثم الجمهور على أن ذا الفضل باعتبار الإفراد، وقال ابن عبد البر باعتبار المجموع، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السابع وقبله في خصائص الأمة قريبًا، "في" أي: مع "آيات كثيرة وأحاديث" كثيرة جدًا "تقتضي تعديلهم، ولذلك أجمع من يعتد به على ذلك" من المسلمين وهم أهل السنة والجماعة؛ كما في الاستيعاب. "سواء في التعديل من لابس الفتنة" الواقعة حين قتل عثمان كالجمل وصفين، "منهم وغيره" وهو من لم يلابسها خلافًا لمن قال: لا يحكم بعدالة من لابسها حتى يبحث عنه؛ لأن أحد الفريقين فاسق. وقيل: يقبل الداخل فيها إذا انفرد لأن الأصل العدالة، وشككنا في ضدها ولا يقبل إذا خولفстр. 3433
لوجوب حسن الظن بهم، حملا للملابس على الاجتهاد، ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر، من امتثال أوامره ﵇، وفتحهم الأقاليم، وتبليغهم عنه الكتاب والسنة، وهدايتهم الناس، مواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات، مع الشجاعة والبراعة والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك. كل ذلك بحلول نظره ﵊.
وأفضلهم عند أهل السنة إجماعًا: أبو بكر ثم عمر، وأما بعدهما: فالجمهور على أنه عثمان ثم علي. وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد السابع.
الحواشي
(١) لتحقق إبطال أحدهما من غير تعيين. وقيل: القول بالعدالة مختص بمن اشتهر منهم ومن عداهم كسائر الناس. "لوجوب حسن الظن بهم حملا للملابس على الاجتهاد" الواقع منه المقتضى لجواز فعله، بل قد يؤديه إلى وجوبه ولا التفات إلى ما يذكره الإخباريون فأكثره لم يصح، وما صح فله تأويل صحيح, وما أحسن قول عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله منها سيفنا فلا نخضب بها ألسنتنا. "ونظرًا إلى ما تمهد لهم من المآثر" الجليلة "من امتثال أوامره ﵇ وفتحهم الأقاليم" بعده، "وتبليغهم عنه الكتاب والسنة وهدايتهم الناس مع مواظبتهم على الصلاة والزكاة وأنواع القربات مع الشجاعة والبراعة" الفضل في العلم والشجاعة وغيرهما، "والكرم والأخلاق الحميدة التي لم تكن في أمة من الأمم المتقدمة، ولا يكون أحد بعدهم مثلهم في ذلك، كل ذلك بحلول نظره ﵊" وقد قال محمد بن كعب القرظي: أوجب الله لجميع الصحابة الجنة محسنهم منهم ومسيئهم. قال ابن جرير: وورد نص النبي ﷺ بالبشارة والشهادة بالجن لغير العشرة كالحسنين وأمهما وجدتهما وجمع أكثر من أن يحوى، انتهى. وأشار بذلك إلى أن لا تدافع بينه وبين تبشير العشرة في حديث واحد لأن العدد لا ينفي الزائد. وروى الترمذي وصححه الضياء عن بريدة رفعه: "ما من أحد من أصحابي يموت بأرض إلا بعث قائدًا ونورًا لهم يوم القيامة"، أي: إلا بعث ذلك الصحابي قائدًا لأهل تلك الأرض إلى الجنة ونورًا لهم يسعى بين أيديهم، فيمشي في ضوئه، وإطلاقه شامل للذكر وغيره وطول صحبته وملازمته ولغيره وقد عد هذا بعضهم من خصائصه. "وأفضلهم عند أهل السنة إجماعًا" منهم: "أبو بكر، ثم عمر" وإلزامًا للشيعة بما صح عن علي أنهما خير منه، "وأما بعدهما فالجمهور على أنه عثمان ثم علي" ومنهم من قدمه، ومنهم من وقف. "وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد السابع" مع فوائد نفيسة.стр. 3434
ومنها أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولا يخاطب غيره.
ومنها أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ويشهد له حديث أبي سعيد بن المعلى: كنت أصلي في المسجد، فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه. الحديث، وفيه: "ألم يقل الله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: ٢٤] "، فإجابته فرض، يعصي المرء بتركها.
وهل تبطل الصلاة أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم: أنها لا تبطل.
الحواشي
(١) "ومنها: أن المصلي يخاطبه بقوله: السلام عليك أيها النبي" ورحمة الله وبركاته؛ كما في حديث التشهد والصلاة صحيحة، "ولا يخاطب غيره" من الخلق ملكًا أو شيطانًا أو جمادًا أو ميتًا، ولا ينافيه قوله ﷺ لإبليس: "ألعنك بلعنة الله"؛ لأنه خصوصية أو خطاب نفسي لا لما قيل إنه قبل تحريم الكلام في الصلاة، لأنه كان بالمدينة وتحريمه قبلها.
"ومنها: أنه كان يجب على من دعاه وهو في الصلاة أن يجيبه، ويشهد له حديث أبي سعيد" بكسر العين "ابن المعلى" الأنصاري المدني، قا ابن عبد البر: اسمه الحارث بن نفيع بن المعلى على الأصح، ومن قال رافع بن المعلى فقد وهم؛ لأنه قتل ببدر مات سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة ثلاث. قالوا: وعاش أربعًا وستين سنة، قال في الإصابة: وهو خطأ، فإنه يستلزم أن تكون قصته مع النبي ﷺ وهو صغير وسياق الحديث يأبى ذلك، روى البخاري في تفسير الفاتحة عنه، قال: "كنت أصلي في المسجد فدعاني رسول الله ﷺ فلم أجبه" وللبخاري في تفسير الأنفال فلم آته حتى صليت ثم أتيته، فقلت: يا رسول الله! إني كنت أصلي، فقال: "ألم يقل الله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ ، ثم قال: "لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن قبل أن تخرج من المسجد" ثم أخذ بيدي فلما أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: "لأعلمنك سورة هي أعظم سورة في القرآن"، قال: "الحمد لله رب العالمين هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته". هذا لفظه، فاقتصر المصنف على حاجته منه مشيرًا إلى ما حذفه بقوله: "الحديث وفيه: "ألم يقل الله ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ " من أمر الدين لأنه سبب للحياة الأبدية، "فإجابته فرض يعصي المرء بتركها" اتفاقًا، "و" اختلف العلماء "هل تبطل الصلاة" بذلك "أم لا؟ صرح جماعة من أصحابنا الشافعية وغيرهم" كالعلامة بهرام من المالكية في طائفة منهم "أنها لا تبطل" ولو فرضًا بل هي صحيحة ولو أجابه بالفعل فتجب ولا تبطل على الراجح، قال الإسنوي: وهو المتجه. قالстр. 3435
وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا، سواء كان المخاطب مصليًا أو غير مصل. أما كونه يخرج بالإجابة أو لا يخرج فليس في الحديث ما يستلزمه، فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة، وإلى ذلك جنح بعض الشافعية، والله أعلم.
ومنها: أن الكذب عليه ليس كالكذب على غيره.
الحواشي
(١) الخيضري: ومحله إذا اقتصر على لفظ يفهم منه الجواب كنعم أو لبيك، فإن زاد بطلت فيما يظهر، انتهى. لكن قال الرملي: لا فرق بين قليل الإجابة وكثيرها بالقول والفعل، فلو سأل مصليًا عن شيء وجبت إجابته وصحت صلاته كما ألحقه بعض بدعائه. أما لو ابتدأه المصلي بالكلام فإن تعلق بنحو الصلاة والسلام عليه اغتفر، وإلا كجاءك فلان أو نصرك الله يوم بدر، فالمتجه البطلان؛ لأنه كلام أجنبي غير محتاج إليه، ولا دعاء فيه للنبي ﷺ ولا جواب. "وفيه بحث لاحتمال أن تكون إجابته واجبة مطلقًا سواء كان المخاطب مصليًا أو غير مصلٍ. أما كونه يخرج من الصلاة بالإجابة" لبطلانها، "أو لا يخرج" لعدمه "فليس في الحديث" أي: حديث ابن المعلى المذكور "ما يستلزمه" ويدل عليه، "فيحتمل أن تجب الإجابة ولو خرج المجيب من الصلاة" وبعض المالكية أيضًا، وهو ضعيف والمعتمد في المذهبين الصحة، "والله أعلم" بالحكم. وهذا أخذه المصنف من فتح الباري، وزاد في الأنموذج: وكذلك الأنبياء، أي: تجب إجابتهم ولا تبطل الصلاة. وفي التحفة: وألحق به عيسى إذا نزل ولعل قائله غفل عن جعل هذا من خصائص نبينا، أو رأى أنه من خصائصه على الأمة لا على بقية الأنبياء وهو بعيد من كلامهم، وكذا قال: ويوافقه قول بعض تسن إجابة عيسى وتبطل بها الصلاة، والسيوطي حجة في النقل، وقد جزم بن الأنبياء مثله.
"ومنها: أن الكذب" أي: الإخبار عنه بشيء على خلاف ما هو "عليه" ولو في غير الأحكام كترغيب وترهيب ووعظ "ليس كالكذب على غيره" كما قال ﷺ : "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد، فمن كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار"، أخرجه الشيخان من حديث المغيرة وأبو يعلى والبزار وكثيرون عن سعيد بن زيد، وظاهره حتى على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وكان حكمة ذلك أنه يصير شرعًا مستمرًا، لأنه بصدد بعثة نبي بعده تبين ما كذب عليه بخلاف نبينا فلا نبي بعده، فمن قال الأنبياء مثله فيما يظهر فيه نظر للفرق، وأيضًا فالخصائص إنما تثبت بدليل صحيح لا بالاحتمال ولا مفهوم لقوله: "علي"، لأنه لا يتصور أن يكذب له لنهيه عن مطلق الكذب، وقد اغتر قوم من الجهلة كالكرامية فجوزوا ووضعوا أحاديثстр. 3436
..............................................................
الحواشي
(١) في الترغيب والترهيب، وقالوا: إنه كذب له لا عليه، وهذا جهل باللغة العربية وما دروا أن قوله ﷺ : "من نقل عني ما لم أقل يقتضي الكذب على الله تعالى"؛ لأنه إثبات حكم سواء كان في الإيجاب أو الندب، وكذا مقابلهما وهو الحرام والمكروه، وقد اشتد النكير على من كذب على الله في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ﴾ ، فسوى بين من كذب عليه وبين الكافر. وقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ، والآيات في ذلك متعددة، فلذا شدد في الكذب عليه ﷺ وتمسك بعضهم بما ورد في بعض طرق الحديث من زيادة لم تثبت، وهي ما أخرجه البزار عن ابن مسعود: "من كذب علي ليضل به الناس" الحديث، ورجح الدارقطني والحاكم إرساله، ورواه الدارمي عن يعلى بن مرة بسند ضعيف وعلى تقدير ثبوته فليست اللام للعلة بل للصيرورة؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ﴾ ، والمعنى أن مآل أمره إلى الإضلال أو هو من تخصيص بعض أفراد العموم بالذكر فلا مفهوم له؛ كقوله: ﴿لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ ، ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ﴾ ، فقتلهم ومضاعفة الربا والإضلال إنما هو لتأكيد الأمر فيها لا لاختصاص الحكم؛ كما قاله الحافظ رحمه الله تعالى: قال: وقوله ﷺ : "من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار" رواه عنه خلق كثير من الصحابة، واعتنى جماعة من الحفاظ بجمع طرقه، فأول من وقفت على كلامه في ذلك علي بن المديني وتبعه يعقوب بن شيبة، فقالا: إنه ورد عن عشرين صحابيًا ثم إبراهيم الحربي والبزار، فقالا: ورد عن أربعين وزاد ابن صاعد قليلا. وقال الصيرفي: رواه ستون، وجمع الطبراني فزاد قليلا. وقال ابن منده: رواه أكثر من ثمانين، وجمع ابن الجوزي طرقه في مقدمة الموضوعات فجاوز تسعين، وبه جزم ابن دحية. وقال أبو موسى المديني: يرويه مائة صحابي وجمعها بعده الحافظ المزي وأبو علي البكري، وهما متعاصران، فوقع لكل ما ليس عند الآخر ومجموع ما ذكراه مائة على ما فيها من صحيح وحسن وضعيف وساقط مع أن فيها ما هو في مطلق ذم الكذب عليه من غير تقييد بهذا الوعيد الخالص ونقل النووي أنه جاء عن مائتين من الصحابة، ولأجل كثرة طرقه أطلق جماعة أنه متواتر، ونازع بعض مشائخنا في ذلك بأن شرط التواتر استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة، وليست موجودة في كل طريق بمفردها.
وأجيب: بأن المراد بإطلاقه كونه متواترًا رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى انتهائه في كل عصر، وهذا كاف في إفادة العلم وأيضًا فطريق أنس وحدها قد رواها عنه العدد الكثير، وتواترت عنهم. وحديث علي رواه عنه ستة من مشاهير التابعين، وكذا حديث ابن مسعود، وأبي هريرة، وعبد الله بن عمرو؛ فلو قيل في كل منها أنه متواتر عن صحابيه لكانстр. 3437
ومن كذب عليه لم تقبل روايته أبدًا وإن تاب، فيما ذكره جماعة من المحدثين.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر عن رجل عن سعيد بن جبير أن رجلا كذب على النبي ﷺ .
الحواشي
(١) صحيحًا، فإن العدد المعين لا يشترط في المتواتر بل ما أفاد العلم كفى، والصفات العلية في الرواية تقوم مقام العدد أو تزيد عليه كما قررته في نكت علوم الحديث وشرح النخبة، وبيت هناك الرد على من ادعى أن مثال المتواتر لا يوجد إلا في هذا الحديث فأمثلته كثيرة؛ كحديث: "من بنى لله مسجدًا" والمسح على الخفين ورفع اليدين والشفاعة والحوض ورؤية الله في الآخرة والأئمة من قريش، وغير ذلك.
وأما ما نقله البيهقي عن الحاكم ووافقه أنه جاء من رواية العشرة، وليس في الدنيا حديث أجمع العشرة على روايته غيره، فقد تعقبه غير واحد؛ لكن الطرق عنهم موجودة فيما جمعه ابن الجوزي فمن بعده، والصحاح منها علي، والزبير، والحسان، وطلحة، وسعد، وسعيد، وأبو عبيد. ومن الضعيف المتماسك طريق عثمان وبقيتها ضعيف أو ساقط ويخالفه قوله: قبل، وصح أيضًا في غير الصحيحين من حديث عثمان بن عفان، فإنه قال: أولا أنه في الصحيحين من حديث علي، وأنس، وأبي هريرة، والمغيرة، والبخاري عن الزبير وواثلة بن الأسقع، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، ومسلم عن أبي سعيد، وصح أيضًا في غير الصحيحين عن طلحة وسعيد بن أبي زيد، وأبي عبيدة، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر، وعمران، وسلمان، ومعاوية، ورافع بن خديج، وطارق الأشجعي، والسائب بن يزيد، وخالد بن عرفطة، وأبي أمامة، وأبي قرصافة، وأبي موسى، وعائشة؛ فهؤلاء ثلاثون من الصحابة. وورد أيضًا عن نحو خمسين غيرهم بأسانيد ضعيفة، وعن نحو عشرين آخرين بأسانيد ساقطة، انتهى. وقد استبعد العراقي في شرح الألفية قول النووي: جاء عن مائتين من الصحابة. قال السخاوي: ولعلها تصحفت من ثمانين، وهذا أقرب من قول شيخنا لعله تصحفه من مائة، انتهى. ونقل بعض عن ابن دحية أنه جاء من أربعمائة طريق خلاف نقل الحافظ عنه أزيد من تسعين وتبعه تلميذه السخاوي.
"ومن كذب عليه لم تقبل روايته" عطف علة على معلول "أبدًا، وإن تاب" بخلاف الكذب على غيره فتقبل إن تاب، "فيما ذكره جماعة من المحدثين" كالإمام أحمد وعبد الله بن الزبير الحميدي شيخ البخاري وابن معين وغيرهم. "وقال عبد الرزاق" بن همام الصنعاني الثقة الحافظ المصنف الشهير: "أخبرنا معمر" بن راشد الأزدي مولاهم البصري نزيل اليمن، ثقة، ثبت، "عن رجل" لم يسم "عن سعيد بن جبير" الأسدي مولاهم الكوفي ثقة ثبت فقيه تابعي روايته عن عائشة وأبي موسى ونحوهما مرسلة قتل بين يدي الحجاج سنة خمس وتسعين وله تسع وأربعون سنة وكونه من أواسط التابعين معلوم عند من له أدنى إلمام بالفن، فمن أين أن سياق المصنف يقتضي أنه صحابي، وليس كذلك. "أن رجلا كذب على النبي ﷺ " لفظстр. 3438
فبعث عليًا والزبير وقال: "اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه".
ولهذا حكى إمام الحرمين عن أبيه أن من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ يكفر.
لكن لم يوافقه أحد من الأئمة على ذلك. والحق أنه فاحشة عظيمة وموبقة كبيرة ولكن لا يكفر بها إلا إن استحله.
الحواشي
(١) رواية عبد الرزاق عن سعيد، قال: جاء رجل إلى ناس من الأنصار، فقال: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكم وزوجني فلانة، فبعث عليًا والزبير، فقال: "اذهبا فإن أدركتماه فاقتلاه, وما أراكما تدركانه" فوجداه ميتًا من لدغة حية، هذا بقية الحديث. قال البيهقي: وقد سمي هذا الرجل في راية عطاء بن السائب عن عبد الله بن الحارث جدجد الجندعي، وكذا أخرجه ابن منده عن عبد الله بلفظ: أن جديد الجندعي، فذكره وهو بجيمين مضمومتين بينهما دال ساكنة مهملة صحابي كما في الإصابة. "ولهذا" الحديث "حكى إمام الحرمين عن أبيه" الشيخ أبي محمد الجويني، وكان الأولى أن يقول: ولذا قال الجويني كما حكاه ابنه إذ الحديث ليس علة لحكاية الإمام عن أبيه بل علة لقول أبيه بذلك والخطب سهل "أن من تعمد الكذب على رسول الله ﷺ يكفر، لكن" لا حجة في الحديث لضعفه إذ فيه راوٍ مبهم، أي: لم يسم مع أنه مرسل وعلى تقدير صحته فهي قضية عينية يتطرق إليها الاحتمال لكن ليس منه علمه بأنه كافرًا صلى لأنه صحابي كما رأيت، ولذا ضعف إمام الحرمين قول أبيه وضعفه من بعده أيضًا كما في الفتح أيضًا، "لم يوافقه أحد من الأئمة على ذلك" قال ابنه إمام الحرمين: لم أره لأحد من الأصحاب وإنه هفوة عظيمة لكن في الفتح مال ابن المنير إلى اختياره، ووجهه بأن الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على استحلاله واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر، وفيما قاله نظر لا يخفى، والجمهور على أنه لا يكفي إلا إن اعتقد حل ذلك، انتهى.
"والحق أنه" أي: تعمد الكذب عليه "فاحشة عظيمة" فلو تعمد الكذب ولم يكن في الواقع كذبًا بأن صادف الواقع لم يدخل في الوعيد؛ لأن إثمه من جهة قصده، "وموبقة" مهلكة مصدر وبق "كبيرة، ولكن لا يكفر بها إلا إن استحله" قال بعض: وكلام الجويني محمول على ذلك وفيه نظر إذ لو حمل على ذلك ما خالفه أحد، قال في الفتح: فإن قيل الكذب معصية إلا ما استثنى في الإصلاح وغيره والمعاصي قد توعد عليها بالنار، فما الذي امتاز به الكاذب على رسول الله ﷺ من الوعيد على من كذب على غيره، فالجواب من وجهين، أحدهما: إن الكاذب عليه عمدًا يكفر عند الجويني، ثم قال: الثاني إن الكذب عليه كبيرةстр. 3439
وقال النووي: لم أر له في أصل المسألة دليلا، ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته فإنه يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة بخلاف الكذب على غيره والشهادة، فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة.
ثم قال: وهذا الذي ذكره هؤلاء الأئمة ضعيف، مخالف للقواعد الشرعية: والمختار القطع بصحة توبته وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها المعروفة.
قال: فهذا هو الجاري على قواعد الشرع، وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، قال: وأجمعوا.
الحواشي
(١) والكذب على غيره صغيرة، فافترقا ولا يلزم من استواء الوعيد في حق من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرهما واحد، أو طول إقامتهما سواء؛ فقد دل قوله ﷺ : "فليتبوأ" على طول الإقامة فيها بل ظاهره أنه لا يخرج منها لأنه يجعل له منزلا غيره لكن الأدلة القطعية قامت على أن خلود التأبيد مختص بالكافرين، وقد فرق بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، بقوله: "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد"، وقال: "فليتبوأ" أمر بمعنى الخبر أو التهديد أو التهكم أو دعاء، أي: بوأه الله ذلك. وقال الكرماني: يحتمل أنه على حقيقته والمعنى من كذب فليأمر نفسه بالتبوؤ ويلزم عليه كذا قال: وأولها أولاها فقد رواه أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر بلفظ: "يبنى له بيت في النار". قال الطيبي: فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه، أي: كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوؤ.
"وقال النووي" في شرح مسلم: "لم أر له" أي: للقو بعدم قبول رواية الكاذب عليه إذا تاب "في أصل المسألة دليلا" يعتد به وخبر ابن جبير ضعيف لا يعتد به وبفرضه يحتمل التأويل، كما مر. "ويجوز أن يوجه بأن ذلك جعل تغليظًا وزجرًا بليغًا عن الكذب عليه ﷺ لعظم مفسدته فإنه" أي: الكذب عليه إذا قبل ونقل "يصير شرعًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بخلاف الكذب على غيره والشهادة فإن مفسدتهما قاصرة ليست عامة" صفة كاشفة، "ثم قال: وهذا الذي قاله هؤلاء الأئمة" من عدم قبول روايته ولو تاب "ضعيف مخالف للقواعد الشرعية" أن التوبة مقبولة، "والمختار القطع" الجزم "بصحة توبته وقبول روايته بعدها إذا صحت توبته بشروطها" وهي الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والعزم على أن لا يعود إليها هذا حذفه من كلام النووي، وأبدله بقوله: "والمعرفة، قال: فهذا هو الجاري على قواعد الشرع" دون ما قاله أولئك الأئمة، "وقد أجمعوا على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، وأجمعواстр. 3440
على قبول شهادته ولا فرق بين الرواية والشهادة في هذا.
قال شيخنا: ويمكن أن يقال: فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل عنه ودون أن الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدًا، فإن من سن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذ متعذرة ظاهرًا، وإن وجد مجرد اسمها.
ومنها أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات. قال الله.
الحواشي
(١) على قبول شهادته ولا فرق بين الرواية والشهادة في هذا، قال شيخنا" السخاوي في شرح الألفية تعقبًا على النووي: "ويمكن أن يقال: فيما إذا كان كذبه في وضع حديث وحمل عنه ودون أن الإثم غير منفك عنه بل هو لاحق له أبدًا، فإن من سن سنة سيئة عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، والتوبة حينئذ متعذرة ظاهرًا، وإن وجد مجرد اسمها" فإنما تصح عند من قال بها بالنظر لإثم الكذب نفسه، لا لما ترتب عليه وتولد منه، قال -أعني السخاوي: ولا يستشكل بقبولها ممن لم يمكنه التدارك برد أو محالة، فالأموال الضائعة لها مرد وهو بيت المال والاعراض قد انقطع تجدد الإثم بسببها فافترقا، وأيضًا فعدم قبول توبة الظالم ربما يكون باعثًا له على الاسترسال والتمادي في غيه فيزداد الضرر به بخلاف الراوي فإنه لو اتفق استرساله فاسمه بالكذب مانع من قبول متجدداته، وأيضًا فقبول توبته قد يشتهر عند من حمل عنه كذبه فيبعثه على التمسك بما رواه عنه، بل قال الذهبي: من عرف بالكذب على الرسول لا يحصل لنا ثقة بقوله إني تبت، يعني كما قيل بمثله في المعترف بالوضع، وكما اتفق لزياد بن ميمون أنه تاب بحضرة ابن مهدي والطيالسي، وقال لهما: أرأيتما رجلا يذنب فيتوب، أليس يتوب الله عليه؟ قالا: نعم، ثم بلغهما أنه نقل عمن اعترف لهما بكذبه في سماعه منه فأتياه، فقال لهما أيضًا: أتوب، ثم بلغهما أيضًا التحديث عنه فتركاه، أخرجه مسلم في مقدمة صحيحه، انتهى.
وقال شيخ الإسلام زكريا: وقد كنت ملت لما قاله النووي، ثم ظهر لي أن الأوجه ما قاله الأئمة لما مر، يعني من الفرق بين الرواية والشهادة، وهو أن الحديث حجة لجميع المكلفين وفي جميع الأعصار، فكان حكمه أغلظ؛ لأن متعلقها عام مبالغة في الزجر عن الرواية له بلا إتقان وعن الكذب فيه عملا بقوله ﷺ : "إن كذبًا علي ليس ككذب على أحد" قال: ويؤيده قول أئمتنا أن الزاني إذا تاب لا يعود محصنًا ولا يحد قاذفه. وأما إجماعهم على صحة رواية من كان كافرًا فأسلم، فلنص القرآن على غفران ما سلف منه.
"ومنها: أنه يحرم نداؤه من وراء الحجرات" أي: من خارج حجرات، نسائه، "قال اللهстр. 3441
تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ، أي: لكان الصبر خيرًا لهم، أي: لكان الصبر خيرًا من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب وتعظيم رسول الله ﷺ الموجبين للثناء والثواب.
ومنها أنه يحرم الجهر له بالقول، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وقال ابن عباس لما نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ .
الحواشي
(١) تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ ، بأن أتوها حجرة حجرة، فنادوه أو تفرقوا عليها متطلبين له، لأنهم لم يعلموه بأيها ﴿أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ الآية، محلك الرفيع، وما يناسبه من التعظيم، "إذ العقل يقتضي حسن الأدب ومراعاة الحشمة" عطف سبب على مسبب، " ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ ، أي: لكان الصبر خيرا من الاستعجال لما فيه من حفظ الأدب، وتعظيم الرسول ﷺ الموجبين للثناء والثواب" وهذا نزل في وفد بني تميم، وسبقت قصتهم في المقصد الأول، وفيه تسلية له ﷺ ، وتلميح بالصفح عنهم، خصوصًا بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٥] الآية.
"ومنها: أنه يحرم الجهر له بالقول، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ إذا نطقتم "فوق صوت النبي" إذا نطق، "ولا تجهروا له بالقول" إذا ناجيتموه ﴿كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ﴾ ، بل دون ذلك إجلالا له، ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ الآية" أي: خشية ذلك بالرفع والجهر المذكورين.
روى البخاري عن ابن أبي مليكة، قال: كاد الخيران أن يهلكا أبو بكر وعمر لما قدم وفد بني تميم، قال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد، وقال عمر: أمر الأقرع بن حابس، فقال أبو بكر لعمر: إنما أردت خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما عند النبي ﷺ ، فنزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: ٢] الآية، إلى قوله: ﴿عَظِيمٌ﴾ [الحجرات: ٣] الآية.
قال ابن أبي مليكة، عن ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث النبي ﷺ ، حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه، ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني أبا بكر.
"وقال ابن عباس: لما نزل قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ﴾ الآية، "كان أبو بكرстр. 3442
كان أبو بكر لا يكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار، وروي أنه ﷺ ما كان يسمع عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته. وكان ثابت بن قيس بن شماس في أذنه وقر، وكان جهوريًا، فلما نزلت تخلف عن رسول الله ﷺ ، فتفقده ودعاه فقال: يا رسول الله! لقد أنزلت عليك هذه الآية وإني رجل جهير الصوت فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال ﵊: "لست هناك، إنك تعيش بخير وتموت بخير وإنك من أهل الجنة"، قال أنس فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا.
الحواشي
(١) لا يكلم رسول الله ﷺ إلا كأخي السرار".
قال المصنف: بكسر السين المهملة، أي: كصاحب السرار، أي: لا يرفع صوته إذا حدثه، بل يكلمه كلامًا مثل المساواة، وشبهها لخفض صوته.
قال الزمخشري: ولو أريد بأخي السرار المسارر كان وجهًا، والكاف على هذا في محل نصب على الحال، يعني: لأن التقدير حدثه حديثًا مثل المسارة، انتهى، فهو براءين، بينهما ألف، كما في النسخ، ومثله في صحيح البخاري، كما رأيت وصحفه من قال السر، فأسقط منه الألف والراء، وقال: أي كالأخ الذي يريد مسارة أخيه بما يريد كتمه، فلا يحب أن يطلع عليه غيره، فيخفي كلامه عند مخاطبته غاية الإخفاء، فهذا صحيح في نفسه، لكن ليس هو الرواية.
"وروي: أنه ﷺ ما كان يسمع عمر حتى يستفهمه مما يخفض صوته" ما مصدرية، قال الحافظ: وأما خبر ابن عباس وجابر في الصحيح أن نسوة كن يكلمن رسول الله ﷺ ، عالية أصواتهن، فالظاهر أنه كان قبل النهي، ويحتمل أن علو الصوت كان بالهيئة الاجتماعية، لا لانفراد كل منهن، وقال غيره: إنه بعده، لكنهن لم يعلمن به، ورد بأنه كان يجب عليه بيان الحكم لهن، ولم ينقل، "وكان ثابت بن قيس بن شماس" خطيبه ﷺ ، وخطيب الأنصار "في أذنه وقر" بسكون القاف، صمم، "وكان جهوريًا" أي: عالي الصوت، "فلما نزلت، تخلف عن رسول الله ﷺ " فقعد في بيته، وأغلق بابه، "فتفقده" المصطفى، "ودعاه، فقال: يا رسول الله! لقد أنزلت عليك هذه الآية، وإني رجل جهير الصوت، فأخاف أن يكون عملي قد حبط، فقال ﵊: "لست هناك" أي: في ذلك الموضع الذي يحبط فيه العمل، والمعنى: لست ممن يحبط عمله، "إنك تعيش بخير، وتموت بخير، وإنك من أهل الجنة".
وعند ابن سعد والدارقطني، فقال له ﷺ : "أما ترضى أن تعيش حميدًا وتقتل شهيدًا وتدخل الجنة" وأخرجه ابن جرير، وقال في آخره: فعاش حميدًا وقتل شهيدًا.
"قال أنس: فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدنا" وفي رواية: أظهرنا،стр. 3443
فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة. رأى ثابت بعض الانكشاف وانهزمت طائفة منهم فقاتل حتى قتل.
ومنها أنه معصوم من الذنوب كبيرها وصغيرها، وعمدها وسهوها.
الحواشي
(١) "فلما كان يوم اليمامة في حرب مسيلمة" بكسر اللام الكذاب، "رأى ثابت" من بعض المسلمين "بعض الانكشاف، وانهزمت طائفة منهم، فقاتل حتى قتل" وظهر بذلك مصداق خبره ﷺ ، وروى ابن أبي حاتم، قال أنس: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، ونحن نعلم أنه من أهل الجنة، فلما كان يوم اليمامة، كان في بعضنا بعض الانكشاف، فأقبل، وقد تكفن وتحنط، فقاتل حتى قتل.
وأخرج البخاري عن أنس أن النبي ﷺ افتقد ثابت بن قيس، فقال رجل: أنا أعلم لك علمه، فأتاه، فوجده جالسًا في بيته منكسًا في رأسه، فقال: ما شأنك؟ فقال: شر كان يرفع صوته فوق صوت النبي ﷺ ، فقد حبط عمله، وهو من أهل النار، فأتى الرجل النبي، فقال: إنه قال كذا وكذا، فرجع المرة الآخرة ببشارة عظيمة، فقال: اذهب إليه، فقل له: "إنك لست من أهل النار، ولكن من أهل الجنة"، وأخرجه مسلم من وجه آخر، عن أنس: سأل النبي ﷺ سعد بن معاذ: "ما شأن ثابت اشتكى"؟ فقال: إنه لجاري، وما علمت له شكوى، الحديث.
وروى ابن المنذر من طريق آخر عن أنس، فقال سعد بن عبادة: هو جاري، الحديث.
قال الحافظ: وهذا أشبه بالصواب لأن ابن عبادة من قبيلة ثابت، فهو أشبه أن يكون جاره من ابن معاذ لأنه من قبيلة أخرى.
وقد استشكل بعض الحفاظ رواي مسلم بأن نزول الآي في سنة تسع، وموت ابن معاذ في سنة خمس، ويمكن الجمع؛ بأن الذي نزل في قصة ثابت مجرد رفع الصوت، والذي نزل في قصة الأقرع أول الصورة، وهو ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ الآية، وقد نزل قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ الآية، في قصة عبد الله بن أبي بن سلول قبل أن يسلم عبد الله كما في الصحيح، وإسلامه كان بعد بدر، وللطبري وابن مردويه، عن ثابت: لما نزلت هذه الآية، قعد ثابت يبكي، فمر به عاصم بن عدي، فقال: ما يبكيك؟ قال: أتخوف أن تكون نزلت في فقال ﷺ : "أما ترضى أن تعيش حميدًا" الحديث، وهذا لا يغاير أن يكون الرسول إليه من النبي ﷺ سعد بن معاذ، انتهى، ولم يظهر لي جمعه المذكور مع ما في البخاري، كما مر أنها نزلت بسبب اختلاف العمرين فيمن يؤمره من القعقاع، أو الأقرع، وهما من وفد تميم، وقدومهم سنة تسع.
"ومنها: أنه معصوم من الذنوب" بعد النبوة وقبلها، "كبيرها وصغيرها، وعمدها وسهوها"стр. 3444
وكذلك الأنبياء.
ومنها أنه لا يجوز عليه الجنون لأنه نقص، ولا الإغماء الطويل الزمن، فيما ذكره الشيخ أبو حامد في التعليق، وجزم به البلقيني في حواشي الروضة، وكذلك الأنبياء.
ونبه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو ناشئ عن غلبة الأوجاع للحواس الظاهرة دون القلب، لأنه قد ورد أنه إنما تنام أعينهم دون قلوبهم، فإذا حفظت قلوبهم وعصمت من النوم الذي هو أخف من الإغماء، فمن الإغماء.
الحواشي
(١) على الأصح في ظاهره وباطنه، سره وجهره، جده ومزحه، رضاه وغضبه، كيف، وقد أجمع الصحب على اتباعه والتأسي به في كل ما يفعله، "وكذلك الأنبياء".
قال السبكي: أجمعت الأمة على عصمة الأنبياء فيما يتعلق بالتبليغ وغيره من الكبائر، وصغائر الخسة، والمداومة على الصغائر، ومن صغائر لا تحط من رتبتهم، خلاف ذهب المعتزلة وكثير من غيرهم إلى جوازها، والمختار المنع لأنا أمرنا بالاقتداء بهم فيما يصدر عنهم، فكيف يقع منهم ما لا ينبغي، ومن جوزه، لم يجوزه، بنص ولا دليل، انتهى، أي: وإنما تمسكوا بظواهر إن التزموها أفضت بهم إلى خرق الإجماع، وما لا يقول به مسلم؛ كما بسطه عياض.
"ومنها: أنه لا يجوز عليه الجنون" ولو قصر "لأنه نقص" وهو لا يجوز على الأنبياء لتأديته إلى النفرة عنهم، وعدم الانقياد إليهم، "ولا الإغماء الطويل الزمن فيما ذكره الشيخ أبو حامد" الغزالي "في التعليق، وجزم به البلقيني في حواشي الروضة".
أما القصير، كلحظة أو لحظتين، فيجوز، صرح به الدارمي، والقاضي، وارتضاه الأسنوي، "وكذلك الأنبياء" وإن لم يكونوا رسلا، "ونبه السبكي على أن إغماءهم يخالف إغماء غيرهم، وإنما هو ناشئ عن غلبة الأوجاع" عطف علة على معلول؛ كأنه قيل: لغلبة الأوجاع "للحواس الظاهرة دون القلب" بخلاف إغماء غيرهم، فيؤثر حتى في القلب، بحيث يصير المغمى عليه لا شعور له، وهل الإغماء سهو يلحق الإنسان مع فتور الأعضاء، لعلة أو امتلاء بطون الدماغ من بلغم بارد غليظ، أو هو الغشي، وهو تعطيل القوى المحركة، والأوردة الحساسة لضعف القلب، بسبب وجع شديد، أو برد أو جوع مفرط أقوال، وإنما خالف إغماء غيرهم؛ "لأنه قد ورد" في الصحيح؛ "أنه إنما تنام أعينهم دون قلوبهم، فإذا حفظت قلوبهم وعصمت من النوم الذي هو أخف من الإغماء" لسرعة زواله، غايته أن يمنع الإدراك والمعرفة، "فمن الإغماءстр. 3445
بطريق الأولى.
قال السبكي: ولا يجوز عليهم العمى، لأنه نقص، ولم يعم نبي قط. وأما ما ذكر عن شعيب أنه كان ضريرًا فلم يثبت، وأما يعقوب فحصلت له غشاوة وزالت، انتهى.
وقال الرازي: في قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ لما قاله: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ غلبه البكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين، فتصير العين كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء، وقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ كأنه من غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول: أن تأثير الحزن في غلبة البكاء، لا في حصول العمى، فلما حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنًا، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى.
الحواشي
(١) بطريق الأولى" لاستيلائه على الحواس الظاهرة والباطنة استيلاء تامًا، بحيث لا يزول إلا بعلاج، وربما دام، فلا يفيد علاجه.
"قال السبكي: ولا يجوز عليهم العمى لأنه نقص، ولم يعم نبي قط، وأما ما ذكر عن شعيب؛ أنه كان ضريرًا، فلم يثبت" ويفرض ثبوته وإنه حقيقي، فلا يضر، لأنه طارئ بعد تحقق النبوة بالآيات، فلا يغير الاعتقاد فيهم، والكلام في المقارن لابتداء الأنباء، لأنه ينفر، فلا تطمئن النفس بما جاءوا به، "وأما يعقوب، فحصلت له غشاوة، وزالت، انتهى".
وقال القاضي عياض: الأنبياء منزهون عن النقائص في الخلق، والخلق سالمون من العاهات والمعائب، ولا التفات لما يقع في التاريخ من وقوع بعض العاهات في بعضهم بل نزههم الله من كل عيب، وكل ما ينقص العيون، أو ينفر القلوب.
"وقال الرازي" الإمام فخر الدين "في" تفسير "قوله تعالى: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ﴾ الآية، لما قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ غلبه بالبكاء، وعند غلبة البكاء يكثر الماء في العين، فتصير العين؛ كأنها ابيضت من بياض ذلك الماء" أي: ولم يحصل له عمى، ولا نقص إبصار، "وقوله: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ الآية، كأنه من غلبة البكاء، والدليل على صحة هذا القول أن تأثير الحزن في غلبة البكاء، لا في حصول العمى، فلما حملنا الابيضاض على غلبة البكاء كان هذا التعليل حسنًا، ولو حملناه على العمى لم يحسن هذا التعليل، فكان ما ذكرناه أولى".стр. 3446
ثم قال: واختلفوا، فقال بعضهم: إنه كان قد عمي بالكلية، فالله تعالى جعله بصيرًا في هذا الوقت، وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان بحيث صار يدرك إدراكًا ضعيفًا، فلما ألقوا القميص على وجهه وبشر بحياة يوسف عظم فرحه وانشرح صدره وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره وزال النقصان عنه، انتهى.
ومنها أن من سبه أو انتقصه قتل.
واختلف هل يحتم قتله في الحال، أو يوقف على استتابته؟ وهل.
الحواشي
(١) قال البيضاوي: وفي الآية دليل على جواز التأسف والبكاء عند التفجع، ولعل أمثال ذلك لا تدل تحت التكليف؛ فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد، ولقد بكى ﷺ على إبراهيم، وقال: "القلب يجزع والعين تدمع ولا نقول ما يسخط الرب، وإنا عليك يا إبراهيم لمحزونون"، انتهى، وذلك الجزع والحزن لما جبلوا عليه من الرحمة، ولا ينافي ذلك الرضا بالقضاء، فلا ينافي أن الأنبياء عالمون بأن الله فعال لما يريد، وقضاؤه كائن ويؤخذ منه أن الإنسان إذا أصيب بمصيبة، لا يخرجه البكاء والحزن عن كونه صبرًا راضيًا، إذ كان قلبه مطمئنًا، بل قد يقال: إن من ينزعج من المصيبة، ويعالج نفسه على الصبر والرضا أرفع رتبة ممن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلا، أشار إلى ذلك ابن جرير، وأطال في بيانه، "ثم قال" الرازي: "واختلفوا، فقال بعضهم" كمقاتل: "إنه كان عمي بالكلية، فالله تعالى جعله بصيرًا في هذا الوقت" الذي ألقى فيه القميص على وجهه، "وقال آخرون: بل كان قد ضعف بصره من كثرة البكاء والأحزان، بحيث صار يدرك إدراكًا ضعيفًا، فلما ألقوا القميص على وجهه" وهو قميص إبراهيم الذي أتى به جبريل لإبراهيم حين ألقي في النار من حرير الجنة، فلما مات أخذه إسحاق، فلما مات أخذه يعقوب، فلما شب يوسف، جعله يعقوب في قصبة من فضة، وسد رأسها، وجعلها في عنقه، كالتعويذة لما يخاف عليه من العين، وكانت في عنق يوسف حين ألقي في الجب عريانًا، فأتاه جبريل، وأخرج ذلك القميص وألبسه إياه، فلما كان هذا الوقت أمره جبريل بإرساله لأبيه، وقال: إنه فيه ريح الجنة، ولا يلقى على مبتلى إلا عوفي؛ كما قاله مجاهد وغيره، وجزم به البغوي والجلال، "وبشر بحياة يوسف" من ابنه يهوذا جاءه بالقميص، وكان قد حمل قميص الدم، فأحب أن يفرحه، كما أحزنه، "عظم فرحه، وانشرح صدره، وزالت أحزانه، فعند ذلك قوي بصره، وزال النقصان عنه، انتهى" كلام الرازي.
"ومنها: أن من سبه" أي: شتمه "أو انتقصه" بأن وصفه بما يعد نقصًا عرفًا، "قتل" بإجماع، "واختلف هل يتحتم قتله في الحال، أو يوقف على استتابته" والامتناع منها، "وهلстр. 3447
الاستتابة واجبة أم لا؟
فمذهب المالكية: يقتل حدًا لا ردة: ولا تقبل توبته ولا عذره إن ادعى سهوًا أو غلطًا، وعبارة شيخهم العلامة خليل في مختصره، وإن سب نبيًا أو ملكًا، وإن عرض أو لعنه، أو عابه أو قذفه، أو استخف بحقه، أو غير صفته، أو الحق به نقصًا وإن في دينه
الحواشي
(١) الاستتابة واجبة، أم لا؟ فمذهب المالكية يقتل حدًا لا ردة" بمعنى أنه يتحتم قتله، ثم تارة يكون مرتدًا، وتارة لا، "ولا تقبل توبته" في إسقاط الحد منه، كتوبة الزاني والسارق بعد بلوغ الإمام، لا تفيدهما في عدم الحد، وليس المعنى أنه لا يقبل رجوعه للإسلام، إذ لا قائل به، "ولا عذره إن ادعى" وقوع ذلك منه "سهوًا أو غلطًا، وعبارة شيخهم العلامة خليل" بن إسحاق بن موسى الجندي المجموع على فضله، وديانته، وتحقيقه، ثاقب الذهن، أصيل البحث، الفاضل في المذهب، المشارك في الحديث، والعربية، والأصول، والفرائض، تخرج به جماعة فقهاء فضلاء، وجمع بين العمل، والعلم، والإقبال على نشره مع الزهد والانقباض عن أهل الدنيا، وحج وجاور بمكة.
قال ابن فرحون: اجتمعت به في القاهرة، وحضرت مجلسه يقرأ في الفقه والحديث، والعربية، وله تصانيف مفيدة، كمختصره الذي قصد فيه بيان المشهور، مجردًا عن الخلاف مع الإيجاز البليغ، مات سنة ست وسبعين وسبعمائة "وإن سب" مكلف "نبيًا أو ملكًا" مجمعًا على نبوته وعلى ملكيته بدليل ذكره، بعد أن يشدد عليه الأدب في سب من لم يجمع على نبوته، أي: أو ملكيته، كالخضر، وخالد بن سنان، وهاروت وماروت، فلا يقبل سابهما على المذهب خلافًا للقرافي، ثم المراد إجماع المسلمين، فلا عبرة بخلاف أهل الكتاب في بعضهم كسليمان، فيقتل سابه، "وإن عرض" بالسب بلا تصريح، "أو لعنه" بصيغة الفعل أو غيرها، "أو عابه" أي: نسبه للعيب، وهو خلاف المستحسن عقلا، أو شرعًا، أو عرفًا في خَلق أو خُلق أو دين، وهو أعم من السب، فإن من قال: فلان أعلم منه، فقد عابه ولم يسبه، "أو قذفه" بنسبته للزنا أو نفيه عن أبيه، "أو استخف بحقه" كلا أبالي بنهيه عن كذا، "أو غير صفته" كأسود، أو قصير، أو جبريل ينزل في صفة عبد أسود على النبي ﷺ ، "أو ألحق به نقصًا".
قال العلامة البساطي: ليست بجيدة، أي: لأن النقص لا يلحقه بإلحاقه، والأولى بدلها، أو ذكر ما يدل على النقص في بدن أو دين، انتهى، كعمى، وعرج أو حكم بالهوى، وأجابوا عمن قال: إن كان ابن عمتك. بأن تركه، لأن الحق له في حياته، وليس لنا بعده تركه، "وإن في دينه" كذا في كثير من نسخ المختصر، وهو الذي عند شارحه بهرام تلميذه، وتوقف فيها محشيهстр. 3448
أو خصلته أو غض من مرتبته أو وفور علمه أو زهده أو أضاف له ما لا يجوز عليه، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم، أو قيل له: بحق رسول الله، فلعن وقال أردت العقرب قتل -ولم يستتب- حدًا، إلا أن يسلم الكافر، وإن ظهر أنه لم يرد ذمه لجهل أو سكر أو تهور.
الحواشي
(١) العلامة محمد بن غازي، فذكر أن أكثر النسخ وإن في بدنه وفي بعضها، وإن في دينه؛ وتأمل ما يليق به الإغياء في كلامه، انتهى، "أو خصلته" طبيعته التي جبل عليها، كالكرم، "أو غض"، أي: نقص "من مرتبته، أو" غض من "وفور علمه، أو زهده، أو أضاف" أي: نسب "له ما لا يجوز عليه" كعدم التبليغ، "أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه" كنفي زهده؛ وأنه لم يكن حقيقيًا، ولو قدر على الطيبات أكلها، أو قال: ليس بمكي أو بحجازي؛ لأنه وصفه بغير صفته المعلومة نفي له وتكذيب، ومقصوده تعداد الألفاظ الموجبة للقتل، وقدم نظير ذلك في الإقرار والطلاق، فلا يعترض عليه بأن بعضها مكرر، وبعضها يستغنى عنه بذكر غيره "على طريق الذم" عائد لقوله: أو غض من مرتبته، ولقوله: أو أضاف له، وقوله: أو نسب ... إلخ، لكن مفهومه لا يعتمد، إذ هو لا يعتبره، فالمعتمد المبالغة بعده، "أو قيل له: بحق رسول الله" تفعل أو تقول كذا، "فلعن، وقال: أردت العقرب" لأن الله تعالى أرسلها إلى من تلدغه وساقها؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ﴾ الآية، وهذا حقيقة الإرسال، وإنكاره مابرة، لكنه لا يقبل من قائله، لأن رسول الله إنما يراد به الأنبياء، ولا يخطر ببال أحد غيره، ولذا قال في الشفاء عن حبيب بن الربيع؛ لأن ادعاءه التأويل في لفظ صراح لا يقبل، وهو غير معزر لرسول الله ﷺ ، ولا موقر له، فوجب إباحة دمه، انتهى.
"قتل" المسلم الكافر "ولم يستتب" أي: لا يطلب منه توبة، بل ولا يقبل منه من غير طلب، ولو جاء تائبًا قبل الاطلاع عليه على ظاهره لازدرائه، فهو حق آدمي، مبناه المشاحة، بخلاف الزنديق كما قدمه "حدًا" إن تاب، أو أنكر ما شهد به عليه, ويغسل ويصلى عليه، ويدفن بمقابر المسلمين، وإلا قتل كفرًا بلا استتابة، ويدفن بمقابر الكفار بدون غسل وصلاة، "إلا أن يسلم الكافر" فلا يقتل لأن الإسلام يجب ما قبله، والفرق بينه وبين المسلم، أنه زنديق لا تعرف توبته، والكافر كان على كفره، فاعتبر إسلامه، ولم يجعل سبه من جملة كفره، لأنا لم نعطه العهد على ذلك، ولا على قتل مسلم أو أخذ ماله، فإن قتل قتلناه، وإن كان يستحله في دينه، وبالغ على قتل الساب، وإن كان كافرًا بقوله: "وإن ظهر أنه لم يرد" الساب "ذمه" أي: المذكور من نبي أو ملك، "لجهل، أو سكر، أو تهور" في الكلام، وهو كثرته بلا ضبط، إذ لا يعذر أحد في الكفر بذلك، وخرج بالمكلف المجنون وصغير لم يميز، فلا يقتلان بالسب.стр. 3449
وهذا قد ذكره القاضي عياض في الشفاء وغيره، واستدلوا له بالكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [الأحزاب: ٥٧] ، واللعنة من الله هي إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله في وبيل عقوبته، قال القاضي عياض: وإنما يستوجب اللعن من هو كافر، وحكم الكافر القتل.
والأذى: هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا، كذا قاله الخطابي وغيره. وإطلاق الأذى في حقه تعالى إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة. ويشهد لذلك الحديث الإلهي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني".
الحواشي
(١) أما المميز، فإسلامه وردته معتبران، فإن بلغ ولم يتب قتل، وإن تاب أو أنكر ما شهد به عليه لم يقتل لوقوعه من غير مكلف، وفي المدخل من قال في نبي من الأنبياء في غير التلاوة والحديث عصى أو خالف فقد كفر، انتهى، ويتبادر منه أنه مرتد، ويحتمل أنه ساب.
"وهذا قد ذكره القاضي عياض في الشفاء" في أواخرها، "و" ذكره "غيره، واستدلوا له بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ يرتكبون ما يكرهانه من الكفر والمعاصي، ويؤذون رسول الله بكسر رباعيته، وقولهم شاعر مجنون، ونحو ذلك ﴿لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ أبعدهم ﴿وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا﴾ ذا إهانة، وهو النار، فأطلق في الآية وعمم، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ الآية، فقيد وشرط وغاير في الجزاء، "واللعنة من الله هي إبعاد الملعون عن رحمته وإحلاله في وبيل" بموحدة، فتحتية، أي: شديد "عقوبته" من إضافة الصفة للموصوف، أي: عقوبته الشديدة.
"قال القاضي عياض: وإنما يستوجب اللعن" أي: يستحقه وجوبًا "من هو كافر" وهذه مقدمة أولى من برهان منطقي على الحكم بقتله، "و" المقدمة الثانية هي "حكم الكافر القتل" لأنه غير معصوم بالذات، وإنما عرض له ما يمنع من قتله، ومن كفر بسببه أشد من الكافر الأصلي، فحتم قتله، "والأذى هو الشر الخفيف، فإن زاد كان ضررًا؛ كذا قال الخطابي وغيره، وإطلاق الأذى في حقه تعالى، إنما هو على سبيل المجاز لتعذر الحقيقة" إذ هو إيصال المكروه، وهو لا يتصور في حقه تعالى، لكنه لما خولف أمره وارتكبت معاصيه، عد ذلك أذى له على ما تعارفه الناس فيما بينهم، أو ذكر تهويلًا لأذية الرسول، وأن من يؤذيه، كمن يؤذي الله، ويشهد لذلك الحديث الإلهي: "يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني".стр. 3450
وهذا بخلاف جانب الرسول.
فالأذى في حق الله تعالى وحق رسوله كفر بشهادة هذه الآية، لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار، وكذلك العذاب الأليم.
وقال تعالى: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥] ، قال القاضي عياض: قال أهل التفسير: كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ .
وأما السنة: فروى أبو داود والترمذي: أن رسول الله ﷺ قال: "من لنا بابن الأشرف"، وفي رواية أخرى "من لكعب بن الأشرف"، أي: من ينتدب لقتله.....
الحواشي
(١) "وهذا بخلاف جانب الرسول" فتارة يكون حقيقيًا، كأذاه بما أصابه من كسر رباعيته، وشج وجهه؛ كما قاله ابن عباس وتارة مجاز أيضًا، كأذاه بارتكاب ما يكرهه "فالأذى في حق الله تعالى وحق رسوله كفر بشهادة هذه الآية لأن العذاب المهين إنما يكون للكفار" والمسلمون، وإن عذبوا بالنار، لكنه بلا إهانة، فلا تسود وجوههم، ولا تزرق أعينهم، "وكذلك العذاب الأليم" في آية: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [التوبة: ٦١] الآية، أي: مؤلم، وفيه مجاز عقلي.
"وقال تعالى" في المنافقين الذين قالوا، وهو ذاهب إلى تبوك: انظروا إلى هذا الرجل يريد فتح الشام، هيهات، هيهات: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ﴾ استفهام توبيخ على استهزائهم بمن لا يصح الاستهزاء به، وإلزامًا للحجة عليهم، ﴿لا تَعْتَذِرُوا﴾ باعتذاراتكم فإنها معلومة الكذب، ولا يعبأ باعتذار الكاذب، ﴿قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية أي: ظهر كفركم بعد إظهار الإيمان.
"قال القاضي عياض: قال أهل التفسير كفرتم بقولكم في رسول الله ﷺ " هو أذن، وفي البيضاوي بإيذاء الرسول والطعن فيه.
"وأما السنة" فكثيرة، منها ما رواه الدارقطني والطبراني، عن علي، رفعه: "من سب نبيًا فاقتلوه، ومن سب أصحابي فاضربوه"، وسنده ضعيف، لكن اعتضد بالإجماع، "فروي" جواب، إما بتقدير فما روى أو جوابها محذوف، أي: فكثيرة، كما قدرت منها ما روى أبو داود والترمذي أن رسول الله ﷺ ، قال: "من" يتكفل "لنا بابن الأشرف" أي: بقتله.
"وفي رواية أخرى" عند ابن عائذ عن عروة: "من لكعب بن الأشرف"، بفتح الهمزة وسكون المعجمة، وفتح الراء وبالفاء اليهودي حلفًا حالف بني النضير، "أي: من ينتدب لقتله"،стр. 3451
"فقد استعلن بعداوتنا وهجائنا" وفي رواية: "فإنه يؤذي الله ورسوله".
قال القاضي عياض: ووجه إليه من قتله غيلة دون دعوة، بخلاف غيره من المشركين، وعلل بأذاه له، فدل على أن قتله إياه كان لغير الإشراك بل كان للأذى.
وفي حديث مصعب بن سعد عند أبي داود: لما كان يوم الفتح أمن رسول الله ﷺ الناس، إلا أربعة فذكرهم ثم قال: وأما ابن أبي سرح فاختبأ عند عثمان بن عفان.
الحواشي
(١) أي: يتوجه له، "فقد استعلن" الفاء، تعليلية، والسين للتأكيد، أي: أعلن "بعداوتنا" أو للطلب والباء زائدة، أي: طلب إظهار عداوتنا حتى من غيره، "وهجائنا" عطف سبب عن مسبب.
"وفي رواية" في الصحيح عن جابر: "من لكعب بن الأشرف، فإنه يؤذي الله ورسوله" لأنه أعلن سب الرسول وهجاءه، ورثى أهل القليب، وذهب إلى المشركين يحرضهم عليه.
"قال القاضي عياض: ووجه إليه" أي: أرسل له، وأصله الإرسال لجهته "من قتله" وهو محمد بن مسلمة الأنصاري في أربعة، وتقدمت القصة في المغازي، "غيلة" بكسر المعجمة، وسكون التحتية، أي: خفية من غير شعور أحد، "دون دعوة" للإسلام، "بخلاف غيره من المشركين" مطلق الكفرة، فإنما يقتله بعد الدعوة والإنذار، "وعلل" ﷺ قتله "بأذاه له فدل على أن قتله إياه كان لغير الإشراك" مطلق الكفر؛ لأنه يهودي، وورد الإشراك بهذا المعنى أيضًا، "بل كان للأذى" لله ورسوله، فدلت قصته على أن من سب النبي ﷺ وآذاه من الكفار يقتل.
"وفي حديث مصعب بن سعد" بن أبي وقاص الزهري، المدني، التابعي، ثقة، روى له الجميع، مات سنة ثلاث ومائة، "عند أبي داود" عن مصعب، عن أبيه، لا أنه مرسل، كما أوهمه المصنف.
قال سعد: "لما كان يوم الفتح أمن رسول الله ﷺ الناس إلا أربعة فذكرهم" مفصلين، فقال عكرمة، وابن خطل، ومقيس، وابن أبي سرح، وفي رواية الحويرث بدل عكرمة، واسم ابن خطل عبد العزى، فلما أسلم سمي عبد الله، ومن قال اسمه هلال، التبس عليه بأخ له اسمه هلال؛ كما تقدم بسطه في فتح مكة؛ وأن جلة من هدر دمه تسع رجال وست نسوة، "ثم قال: وأما ابن أبي سرح" عبد الله بن سعد، "فاختبأ عند عثمان بن عفان" وكان أخاه منстр. 3452
فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة جاء به حتى أوقفه على رسول الله ﷺ فقال: يا نبي الله بايع عبد الله فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثًا، كل ذلك وهو يأبى، فبايعه بعد الثلاث، ثم أقبل ﷺ على أصحابه فقال: "أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله"، قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك، ألا أومأت إلينا؟ قال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين".
وفيه: أنه أمر بقتل عبد الله بن خطل، لأنه كان يقول الشعر يهجو به النبي ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به.
الحواشي
(١) الرضاعة؛ كما في ابن إسحاق، "فلما دعا رسول الله ﷺ الناس إلى البيعة، جاء به" عثمان "حتى أوقفه" بالألف لغة قليلة، وأنكرها الأصمعي، وقال الجوهري: إنها رديئة، والكثير وقفه "على رسول الله ﷺ فقال" عثمان: "يا نبي الله! بايع عبد الله، فرفع رأسه، فنظر إليه" ملا، أي: طويلًا "ثلاثًا كل" بالرفع "ذلك، وهو يأبى" أن يبايعه، "فبايعه بعد الثلاث، ثم" لما انصرف به عثمان كما في ابن إسحاق، "أقبل ﷺ على أصحابه، فقال" "أما" فهمزة الاستفهام مقدرة، "كان فيكم رجل رشيد"، نبيه، يفهم مرادي، "يقوم إلى هذا حين كففت يدي عن بيعته فيقتله" فالاستفهام للوم على عدم قتله، وعند ابن إسحاق: "لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيقتله"، "قالوا: ما ندري يا رسول الله ما في نفسك ألا" بالفتح والتخفيف لمجرد التنبيه، نحو: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ﴾ الآية، "أومأت" أشرت "إلينا" بحاجب أو يد، أو غيرهما، فقال: "إنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين" وهي الإيماء إلى مباح من نحو قتل أو ضرب، على خلاف ما يظهر، سميت بذلك لشبهها بالخيانة لإخفائها، كما لو أومأ لقتله حين طلب عثمان مبايعته، فإنه خلاف الظاهر من سكوته، وتجوز لغيره إلا في محظور، وعليه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ الآية، ففيه ذم النظر إلى ما لا يجوز؛ كما فسره به ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
وفسره السدي والضحاك بالرمز بالعين، وقد كان عبد الله بعد أن بايعه ممن حسن إسلامه، ولم يظهر منه شيء ينكر عليه، وله المواقف المحمودة في الفتوح، وولاه عمر صعيد مصر، ثم عثمان مصر كلها، واعتزل الفتنة بعده، "وفيه" أي حديث مصعب "أنه أمر بقتل عبد الله بن خطل" بفتح الخاء المعجمة، والطاء المهملة "لأنه كان يقول الشعر، يهجو به النبي ﷺ ويأمر جاريتيه أن تغنيا به" وفي الصحيح أنه ﵇ جاءه رجل، فقال: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: "اقتلوه"، زاد ابن حبان: فقتل.
وروى عمر بن شبة في كتاب مكة عن السائب بن يزيد، قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلمстр. 3453
وكذلك قتل جاريتيه.
فقالوا: إنه قد ثبت أمره بقتل من آذاه، ومن تنقصه، والحق له ﵇ وهو مخير فيه، فاختار القتل في بعضهم وعفا عن بعضهم وبعد وفاته تعذرت المعرفة بالعفو، لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه ﷺ فإنه لم يرد عنه الإذن في ذلك. وهذا جعله في الشفاء.
وأما الإجماع: فقال القاضي عياض: أجمعت الأمة على قتل منتقصه من المسلمين وسابه، قال ابن المنذر: أجمع عوام أهل العلم.
الحواشي
(١) استخرج من تحت أستار الكعبة ابن خطل فضربت عنقه صبرًا بين زمزم ومقام إبراهيم، وقال ﷺ : "لا يقتل قرشي بعد هذا صبرًا" وأصح الروايات في تعيين قاتله أنه أبو برزة كما قدمه المصنف في فتح مكة تبعًا للحافظ.
"وكذلك قتل" مصدر مجرور، عطف على عبد الله، أي: أمر بقتل "جاريتيه" اللتين كانتا تغنيان بهجائه، وهما فرتنى، بفتح الفاء، وإسكان الراء، ففوقية، فنون مقصورة وقريبة، بقاف، وموحدة، مصغر. قتلت، وأسلمت فرتنى، فلم تقتل؛ كما مر في الفتح، فلا يقرأ قتل فعلا، للإخبار بأنه قتلهما، لأنه خلاف الواقع، "فقالوا" في وجه الاستدلال: "أنه قد ثبت أمره بقتل من آذاه، ومن تنقصه، والحق له ﵇، وهو مخير فيه، فاختار القتل في بعضهم" كابن خطل ومقيس، "وعفا عن بعضهم" كابن أبي سرج وعكرمة، "وبعد وفاته تعذرت المعرفة بالعفو" فبقي الحكم على عمومه في القتل، "لعدم الاطلاع على العفو، وليس لأمته بعده أن يسقطوا حقه ﷺ ؛ فإنه لم يرد عنه الإذن في ذلك وهذا جعله في الشفاء" سؤالا وجوابًا، وأطال في بيان تفاصيله.
"وأما" مقامه "من المسلمين وسابه" بالشتم الذي هو معنى السب، فليس إطنابًا، إذ الانتقاص يشمل السب كما زعم ولكن في الاستدلال بهذا الجماع على قتله إذا تاب لأن محصله أنه يقتل فقط، والتوبة وعدمها لم يجمع عليه، وعياض نفسه لم يجعله دليلا على ذلك، وعبارته القسم الرابع في تصريف وجوه الأحكام فيمن تنقصه إلى أن قال: حرم الله أذاه في كتابه، وأجمعت الأمة ... إلخ. وقيد بالمسلمين للخلاف في الكافر، هل يقتل أو ينتقض عهده ويبلغ مأمنه، وقد عقد عياض لذلك فصلا بعد.
"قال ابن المنذر" أبو بكر محمد بن إبراهيم النيسابوري: "أجمع عوام" أي: جماعة "أهل العلم" جمع عامة، والمتقدمون يعبرون بهذه العبارة للعموم، فكأنه قيل: أجمع عموم، أي كل العلماء وليس المراد العامي، إذ لا عبرة بهم، ولا بإجماعهم، وأهل العلم ينادي عليه؛ لأن العاميстр. 3454
على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك: مالك بن أنس والليث وأحمد وإسحاق، وهو مذهب الشافعي، وقال الخطابي: لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا. وقال محمد بن سحنون: أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المنقص له كافر، والوعيد جار عليه بعذاب الله وحكمه عند الأمة القتل، ومن شك في كفره وعذابه كفر، انتهى.
ومذهب الشافعي: أن ذلك ردة، تخرج من الإسلام إلى الكفر، فهو مرتد كافر قطعًا لا نزاع في ذلك عند الجمهور من أمتنا، والمرتد يستتاب، فإن تاب
الحواشي
(١) لا يكون أهل علم، "على أن من سب النبي ﷺ يقتل، وممن قال ذلك مالك" بن أنس، "والليث" بن سعد المصري، الإمام، المجتهد، المشهور، "وأحمد" بن حنبل "وإسحاق" بن راهويه، "وهو مذهب الشافعي" المشهور عنه، وبعد هذا الإجماع يأتي الخلاف في تحتم قتله واستتابته وقبولها، وهذا لم يفهمه من اعترض حكاية الإجماع بمذهب الشافعي.
"وقال الخطابي" حمد، بسكون الميم، ابن محمد بن إبراهيم بن الخطاب، يقال إنه من نسل زيد بن الخطاب أخي عمر: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا" ولم يتب، وإنما الخلاف في الكافر.
"وقال محمد بن سحنون" الإمام، ابن الإمام، الجامع لخلال فلما اجتمعت في غيره من الفقه البارع، والعلم بالأثر، والجدل، والحديث، والذب عن مذهب أهل الحجاز، كريمًا في معاشرته، نفاعًا، مطاعًا، جوادًا بماله وجاهه، وجيها عند الملوك والعامة، جيد النظر في الملمات ألف نحو مائتي كتاب في فنون العلم، تفقه بأبيه، وسمع من جماعة غيره بالمغرب والمشرق، توفي سنة ست وخمسين ومائتين، وله أربع وخمسون، أو ست وخمسون سنة، ودفن بالقيروان.
"أجمع العلماء على أن شاتم النبي ﷺ المنقص له" لو عطفه كان أحسن "كافر مرتد، والوعيد" في القرآن والسنة، "جار عليه" لشموله له "بعذاب الله" كقوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية، "وحكمه عند الأمة" أمة الإجابة كلهم "القتل" إلا أن يتوب، فاختلفوا، "ومن شك في كفره وعذابه كفر" لتكذيبه لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ الآية، "انتهى".
"ومذهب الشافعي أن ذلك ردة تخرج من الإسلام إلى الكفر فهو مرتد كافر قطعًا لا نزاع في ذلك عند الجمهور من أئمتنا" بل جميعهم وجميع غيرهم، إنما النزاع في قتله إذا تاب، "والمرتد يستتاب، فإن تاب" قبلت توبته، ولم يجز قتله عند الشافعية، وإن تكررت ردته، لكنстр. 3455
وإلا قتل.
وفي الاستتابة قولان: أصحهما وجوبها، لأنه كان محترمًا بالإسلام، وإنما عرضت له شبهة، فينبغي إزالتها، وقيل: تستحب لأنه غير مضمون الدم، فإن قلنا بالأول فتجب الاستتابة في الحال ولم يؤجل كغيره. وفي الصحيح: "من بدل دينه فاقتلوه". وفي قول: يمهل ثلاثة أيام، فإن لم يتب وأصر -رجلا كان أو امرأة- قتل، وإن أسلم صح الإسلام وترك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ [التوبة: ٥] الآية.
وعن ابن عباس: أيما مسلم سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد كذب رسول الله ﷺ وهي ردة يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل، وأيما معاهد.
الحواشي
(١) يعزر لزيادة تهاونه، ويتحتم قتله عند المالكية وطائفة، "وإلا" يتب "قتل، وفي الاستتابة قولان، أصحهما وجوبهما؛ لأنه كان محرمًا بالإسلام، وإنما عرضت له شبهة" فأوقعته في الجناب الرفيع، "فينبغي" أي: يجب "إزالتها" بعد الإسلام على الأصح، وفي وجه يناظر أولا؛ لأن الحجة مقدمة على السيف.
"وقيل: تستحب" إزالتها "لأنه غير مضمون الدم" إذ لا يقتل قاتله حينئذ، "فإن قلنا بالأول، فتجب الاستتابة في الحال" أي: فورًا "ولم يؤجل" ثلاثة أيام "كغيره" من المرتدين.
"وفي الصحيح" للبخاري عن ابن عباس: أن النبي ﷺ ، قال: "من بدل دينه" أي: انتقل من الإسلام لغيره بقول أو فعل، وأصر "فاقتلوه" بعد الاستتابة وجوبًا وخص عمومه بدين الإسلام، فمن انتقل من كفر لآخر لم يقتل، "وفي قول يمهل" الساب "ثلاثة أيام، فإن لم يتب، وأصر" على الكفر، "رجلا كان أو امرأة قتل" الرجل بإجماع، والمرأة عند الأئمة الثلاثة لأن عموم من يشملها.
وقال أبو حنيفة: لا تقتل، لأن من الشرطية لا تعم المؤنث للنهي عن قتل النساء، فكما لا تقتل في الكفر الأصلي، لا تقتل في الطارئ، "وإن أسلم صح الإسلام وترك لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ "الآية" والذين قالوا بتحتم قتل الساب، وإن تاب خصوا منها المسلم، إذ سبه لأدلة أخرى.
"وعن ابن عباس: أيما مسلم سب الله، أو سب أحدًا من الأنبياء، فقد كذب رسول الله، وهي ردة يستتاب منها، فإن تاب وإلا قتل". وعجيب احتجاج المصنف بهذا، وابن عباس لم يرفعه، وهو مما يقال بالرأي وقول الصحابي ليس حجة عند الشافعية، "وأيما معاهدстр. 3456
سب الله أو سب أحدًا من الأنبياء فقد نقض العهد فاقتلوه.
وأجيب عما تقدم من أدلة المالكية:
فأما قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فليس فيه إلا كفر مؤذيه ﵇، وأما كونه يقتل فلا دلالة فيه أصلا، وأما ابن خطل فإنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى مع ما اجتمع فيه من موجات القتل، ولأنه اتخذ الأذى ديدنا، فلا يقاس عليه من فرط منه فرطة -وقلنا بكفره بها- وتاب ورجع إلى الإسلام، فالفرق واضح. لكن وكذلك قتل جاريته لأنهما جعلا ذلك ديدنا مع ما قام بهما من صفة الكفر.
الحواشي
(١) سب الله، أو سب أحدًا من الأنبياء، فقد نقض العهد، فاقتلوه" ظاهر قول ابن عباس الإطلاق، فهو مذهبه، فتنزيله على مذهب الشافعية أو غيرهم لا يليق.
"وأجيب عما تقدم من أدلة المالكية، فأما قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، فليس فيه إلا كفر مؤذيه ﵇، أما كونه يقتل" حتمًا، "فلا دلالة فيه أصلًا" لكن قد بين عياض وجه الدلالة من الآية على القتل بأن من لعنته في الدنيا القتل، بدليل قوله: ﴿مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ الآية، وقال في أذى المؤمنين ما دون القتل من الضرب والنكال، فكان حكم مؤذي الله ونبيه أشد، وهو القتل.
"وأما ابن خطل فإنما قتل ولم يستتب للكفر والزيادة فيه بالأذى، مع ما اجتمع فيه من موجبات القتل" كقتل مولاه المسلم حين خالفه في شيء أمره به، "ولأنه اتخذ الأذى ديدنا" أي: عادة مستمرة، ولم ينطق بالشهادتين عند الأمر بقتله، "فلا يقال عليه من فرض منه فرطة، وقلنا بكفره بها، وتاب ورجع إلى الإسلام" عطف تفسير "فالفرق واضح لكن" فيه أن وجه الدلالة منه أنه كان أسلم، وبعثه النبي ﷺ مصدقًا، ثم آذاه ﵇، فأمر بقتله، وإن تعلق بأستار الكعبة، ولم يأت في خبر أنه أمر باستتابته، مع أن استتابة المرتد واجبة، فدل على أن مؤذيه يقتل بلا استتابة، على أن شيخنا قال: هذا الفرق لا يتم فيمن تكررت منه الردة والعناد مرارًا كثيرة، "وكذلك قتل جاريتيه" أي: الأمر بقتلهما، والمقتول واحدة كما مر، "لأنهما جعلا ذلك ديدنًا مع ما قام بهما من صفة الكفر" لا يرد على مالك، لأنه قال: يقتل الكافر أيضًا إذا سبه، ما لم يسلم، وهما كانتا كافرتين، فقتلت الباقية عليه، وتركت المسلمة، فهو حجة لمالك لا عليه.стр. 3457
وقد روى البزار عن ابن عباس أن عقبة بن أبي معيط نادى: يا معشر قريش ما لي أقتل من بينكم صبرًا، فقال له النبي ﷺ : "بكفرك وافترائك على رسول الله". فذكر له سببين في تحتم قتله، وهذا في غاية الظهور.
وأما قول الخطابي وغيره: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا" فمحمول على التقييد بعدم التوبة.
وأما سياق القاضي عياض لقصة الرجل الذي كذب على رسول الله ﷺ ، وأنه بعث عليًا والزبير ليقتلاه، فليس يفيد غرضًا في هذا المقام لأن الظاهر أن هذا كذب، فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين، لا سيما إن كان كافرًا، فيكون من محاربي الله ورسوله، مع السعي في الأرض بالفساد، فيكون متحتم القتل، وإلا فليس مطلق
الحواشي
(١) "وقد روى البزار عن ابن عباس: أن عقبة بن أبي معيط" أحد أسرى بدر، لما قدم ليقتل بمحل على ثلاثة أميال من الروحاء قرب المدينة، "نادى" رافعًا صوته: "يا معشر قريش" ذكرهم بيانًا لحجته في عدم الفرق بينه وبين غيره، أو ليعطف عليه المسلمون منهم، "ما لي أقتل من بينكم" استفهام إنكاري، أي: دون غيري منكم، ومثله يستعمل للاختصاص "صبرًا" أي: بلا حرب، ولا غفلة، وأصل معناه الحبس، فقال له النبي ﷺ : "بكفرك وافترائك" أي تعمدك الكذب "على رسول الله". فذكر له سببين في تحتم قتله، وهذا في غاية الظهور" وهو من جملة أدلة المالكية، إذ هم قائلون بقتل الكافر إذا سبه، ولذا ذكره في الشفاء دليلا.
"وأما قول الخطابي وغيره: "لا أعلم أحدًا من المسلمين اختلف في وجوب قتله إذا كان مسلمًا فمحمول على التقييد بعدم التوبة" لأنه الإجماع الإجماع.
"وأما سياق القاضي عياض لقصة الرجل الذي كذب على رسول الله" المتقدمة قريبًا، ولفظ عياض، ويروى أن رجلا كذب على النبي " ﷺ وأنه بعث عليًا والزبير ليقتلاه" إن أدركاه، قال: "وما أراكما تدركانه"، فوجداه ميتًا من لدغة حية، "فليس يفيد غرضًا في هذا المقام" الذي هو تحتم قتل مؤذيه، وإن تاب إن كان مسلمًا "لأن الظاهر أن هذا كذب فيه إفساد وفتنة بين المؤمنين" هذا الاستظهار من عدم الاطلاع على الحديث، فإن لفظه جاء إلى ناس من الأنصار، فقال: إن رسول الله ﷺ أرسلني إليكن وزوجني فلانة، "لا سيما إن كان كافرًا، فيكون من محاربي الله ورسوله، مع السعي في الأرض بالفساد، فيكون متحتم القتل" لذلك، وفيه: أن المحارب لا يتحتم قتله، كما بين في القرآن مع أن منشأه القصور، فإن الرجل صحابي، وهو جدجد الجندعي، ذكره صاحب الإصابة وغيره، "وإلا فليس مطلقстр. 3458
الكذب عليه مما يوجب القتل.
وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة النبي ﷺ ، فقال: "من لي بها"؟ ٠ فقال رجل من فوقها: أنا يا رسول الله فنهض فقتلها فأخبر النبي ﷺ بذلك فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع، فإن في هذه القصة ونظائرها نظرًا واضحًا لقيام الكفر بالمحكي عنهم والزيادة منه، وقد أخبر ﵇ أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلا
الحواشي
(١) الكذب عليه مما يوجب القتل" ولا الكفر على الصواب، خلافًا للجويني، وإنما هو إذا كذب عليه بما فيه نقص له، كساحر ونحوه، والجواب عن عياض أنه لم يذكر هذه القصة دليلا مستقلا، إذ هو لا يقول، يقتل من كذب عليه ولا بكفره، وإنما ذكرها استئناسًا لما ساقه من الأدلة وأشار إلى ضعفها بقوله: ويروى، وقد علم أدنى الطلبة أنه لا يحتج بضعيف.
"وكذا سياقه حديث ابن عباس: هجت امرأة من خطمة" بفتح المعجمة، وسكون المهملة، وميم بطن من الأنصار، ينسبون إلى جدهم خطمة بن جشم من مالك بن الأوس، وهي عصماء بنت مروان اليهودية، نسبت إلى بني خطمة لأنها زوج يزيد بن زيد الصحابي، الخطمي، "النبي ﷺ ، فقال: "من لي بها"؟ أي: من يقوم لأجل حقي عليه بقتلها "فقال رجل من قومها" عمير بن عدي الخطمي، صحابي شهير، كان المصطفى يزوره، وكان أعمى، وسماه النبي ﷺ البصير: "أنا" لك بها أقتلها "يا رسول الله، فنهض" قام بسرعة عقب قوله: فجاءها ليلا ودخل عليها بيتها، وحولها نفر من ولدها نيام، منهم من ترضعه، فجسها ونحى الصبي عنها، "فقتلها" بأن وضع سيفه على صدرها، حتى أنفذه من ظهرها، ثم رجع، فصلى الصبح مع المصطفى، "فأخبر النبي ﷺ بذلك" أي: قتلها لما قال له، كما عند ابن سعد: "أقتلت ابنة مروان"؟، قال: نعم، هل علي في ذلك شيء؟ "فقال: "لا ينتطح فيها عنزان"، فكانت هذه الكلمة أول ما سمعت من النبي ﷺ ، "أي: لا يجري فيها خلف ولا نزاع" بل هي هدر، فضربه مثلا للأمر الذي يقع بلا خلف ولا نزاع لأن العنزين لا ينتطحان، بل يتشامان ويتفرقان، وإنما ينتطح التيوس والكباش، ومرت القصة في المغازي، "فإن في هذه القصة" أي: الاستدلال بها، "ونظائرها نظرًا واضحًا لقيام الكفر بالمحكي عنهم، والزيادة منه" وقد حاد المصنف ﵀ للحمية المذهبية عن سواء السبيل، فإنها كانت ذمية، يهودية، متزوجة بمسلم صحابي، فأمره بقتلها لأذاها له، مع أن نساء الحربيين، فضلا عن أهل الذمة، لا تقتل دليل لقول المالكية، يقتل الكافر بسبه ﷺ ما لم يسلم، فالدليل من قصتها شمس في رابعة النهار.
"وقد أخبر ﵇ أنه لا عصمة لأحد من الناس بعد دعواهم إلى الإسلام إلاстр. 3459
بالإسلام، فكل منهم مهدر الدم إلا من عصمه الله منهم بالإسلام. وإنما النافع له في مقام الاستدلال ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على القول بكونه ردة، فرجع إلى الإسلام وتاب. وهذا هو محل النزاع وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين.
أما ذكر كافرًا صلى بلغته دعوة النبي ﷺ وامتنع من إجابته وحاربه بيده ولسانه فلا نزاع في إهدار دمه قطعًا، لا سيما وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة أنها كانت تعيب الإسلام، وتؤذي النبي وتحرض عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعًا.
فقد تبين مما ساقه القاضي عياض أن أمره ﵇ بقتل سابه إنما نقل عن الكفرة.
الحواشي
(١) بالإسلام" بقوله: "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث، "فكل منهم مهدر الدم، إلا من عصمه الله منهم بالإسلام" أو بإعطاء الجزية كما في القرآن، أو عهد، أو أمان؛ كما بين في السنة، فما هذا الحصر من المصنف، "وإنما النافع له في مقام الاستدلال، ذكر من طرأ عليه من المسلمين وصمة الارتداد بالسب على القول، بكونه ردة" فيه نظر، إذ هو ردة إجماعًا كما مر، "فرجع إلى الإسلام وتاب، وهذا هو محل النزاع، وموضع الاستدلال لكل من المتنازعين" وسبحان الله، المصنف قد ذكر ذلك قبل، فإنه ذكر قصة ابن أبي سرح، وهو قد كان مسلمًا أصليًا، وأحد كتاب الوحي، ورجع إلى الإسلام، وامتنع النبي ﷺ من مبايعته ثلاث مرات، ولام أصحابه على عدم قتله حين امتنع من بيعته وإنما بايعه لأجل عثمان وهو ﷺ ولي ذلك، فله العفو دون غيره بعده، لعدم إذنه في ذلك.
"أما ذكر كافرًا صلى بلغته دعوة النبي ﷺ ، وامتنع من إجابته، وحارب بيده ولسانه، فلا نزاع في إهدار دمه قطعًا، لا سيما، وقد نقل عن هذه المرأة الكافرة" التي هي عصماء بنت مروان، "أنها كانت تعيب الإسلام" بفتح، فكسر من عاب يستعمل لازمًا متعديًا أو بضم ففتح وشد التحتية من عيبه إذ نسبه إلى العيب أو أحدث فيها عيبًا، "وتؤذي النبي ﷺ " عطف أعم على أخص؛ لأن عيب الإسلام ما يكون بذكر خلل في الدين، وإيذاء النبي يكون به وبغيره أو لازم على ملزوم، لأن عيب الإسلام يلزمه إيذاؤه، "وتحرض" تحث "عليه، فاجتمع فيها موجبات القتل إجماعًا" يعني: فلم يتعين أن قتلها للسب، وفيه أنه خلاف الظاهر من قول ابن عباس: هجت امرأة النبي ... الحديث، "فقد تبين مما ساقه القاضي عياض، أن أمره ﵇ بقتل سابه إنما نقل عن" بمعنى في "الكفرة" يرد عليه ابن أبي سرح فقد امتنع من بيعته بعدстр. 3460
ولم ينقل أنه قتل مسلمًا بسبه، وإنما كان ذلك في أهل الكفر والعناد، ولو نقل فلا يتعين كونه حدًا، لاحتمال أن يكون قتله كفرًا، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، فأعلمنا أن ما وراء الشرك في حيز إمكان المغفرة، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] .
فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى لا بالنظر إلى حقوق العباد، لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. وهذا حق النبي ﷺ وليس لنا أن نسقطه.
الحواشي
(١) إسلامه، ولام الصحابة على ترك قتله، كما مر، "ولم ينقل أنه قتل مسلمًا بسبه، وإنما كان ذلك في أهل الكفر والعناد" لكريم أخلاقه وحبه العفو والصفح، وهو ولي ذلك، فأحب العفو عمن وقع له ذلك وأسلم، وقد قال: "من سب نبيًا فاقتلوه" أخرجه الدارقطني والطبراني من حديث علي، ومن تشمل المسلم والكافر وأمره كفعله، "ولو نقل فلا يتعين كونه حدًا لاحتمال أن يكون قتله كفرًا" ويدفع هذا الاحتمال قتل ابن أبي سرح بعدما أسلم، ويؤيده عموم من سب نبيًا فاقتلوه، فإن ظاهره: ولو عاد إلى الإسلام.
وروى ابن قانع: أن رجلا جاء إلى النبي ﷺ ، فقال: إني سمعت أبي يقول فيك قولًا قبيحًا فقتلته، فلم يشق ذلك على النبي ﷺ ، فلو لم يكن قتل الساب مشروعًا، كان ذلك من أكبر الكبائر؛ لأنه قتل وعقوق، وظاهر قوله: فلم يشق أنه كان مسلمًا، إذ قتل الكافر لا يشق عليه حتى ينفى.
"وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ أي: الإشراك به، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ﴾ سوى ﴿ذَلِكَ﴾ من الذنوب ﴿لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية المغفرة له، فيدخله الجنة بلا عذاب، ومن شاء عذبه من المؤمنين بذنوبه ثم يدخله الجنة، "فأعلمنا أن ما وراء الشرك في حيز إمكان المغفرة" وهو كذلك بلا شك، لكنه لا يمنع إقامة الحدود، ألا ترى أن الزاني والسارق إذا تاب بعد بلوغ الإمام لا يسقط حده، فكذلك حد ساب الأنبياء إذا تاب نقول بتوبته وصحة إسلامه، ولكن نقيم حده، وهو القتل عملا بعموم قوله: "فاقتلوه".
"وقال تعال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآية، لمن تاب من الشرك، ولكن ليس ذلك مانعًا من إقامة الحدود، فالقاتل يقتل وإن تاب، فذكر المصنف هاتين الآيتين لا يفيد غرضًا في استدلاله، "فإن قلت: هذا بالنظر إلى ظلم النفس وحقوق الله تعالى" كصلاة وصوم، "لا بالنظر إلى حقوق العباد؛ لأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة وحقوق العباد مبنية على المشاحة، وهذا حق النبي ﷺ ، وليس لنا أن نسقطه؛ لأنه لمстр. 3461
لأنه لم يرد إذنه في ذلك بخلافه هو ﷺ فإن له ذلك.
فالجواب: لا بد لنا من نص على ذلك منه ﵇، كأن يقول من سبني مثلًا فاقتلوه، ولا تقبلوا له توبة ولا رجوعًا عن سبه، فإن نقل اتبعناه، ثم إنه من جهة النظر ينبغي إلحاق حقوق رسول الله ﷺ بحقوق الله، فكما أن حقوق الله مبناها على المسامحة، وكذلك حقوقه ﷺ ، فإنه متخلق بأخلاق الله تعالى.
ومما عد من خصائصه أنه إذا قصده ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه.
الحواشي
(١) يرد إذنه في ذلك بخلافه هو ﷺ فإن له ذلك"، لأن الحق له، ومن له حق، فله إسقاطه "
فالجواب: لا بد لنا من نص على ذلك منه ﵇، كأن يقول من سبني مثلا فاقتلوه، ولا تقبلوا له توبة ولا رجوعًا عن سبه، فإن نقل اتبعناه"، والجواب: أن ظاهر قوله: "من سب نبيًا فاقتلوه" عدم قبول توبته من ترك قتله لأنه حده، وإن قبلناها في إجراء أحكام الإسلام عليه من تغسيل، وتكفين، وصلاة، ودفن بمقابر المسلمين، كالقاتل والزاني المحصن ونحوهما، "ثم إنه من جهة النظر" العقلي "ينبغي إلحاق حقوق رسول الله ﷺ بحقوق الله، فكما أن حقوق الله مبناها على المسامحة، وكذلك حقوقه ﷺ ، فإنه متخلق بأخلاق الله تعالى" التي تليق به، كما أشارت إليه عائشة، بقولها: كان خلقه القرآن لكن منع من هذا الدليل العقلي قيام الأدلة الشرعية على خلافه في هذه المسألة بعد وفاته ﷺ ، وقد روى النسائي عن أبي برزة الأسلمي، قال: أتيت أبا بكر وقد أغلظ الرجل، فرد عليه، قال: فقلت: يا خليفة رسول الله دعني أضرب عنقه بسبه إياك، فقال: اجس فليس ذلك لأحد إلا لرسول الله ﷺ ، ومن ذلك أن عامل عمر بن عبد العزيز على الكوفة استشاره في قتل رجل سب عمر بن الخطاب فكتب إليه أنه لا يحل قتل امرئ مسلم سب أحد من الناس، إلا رجلا سب رسول الله ﷺ ، فمن سبه فقد حل دمه.
وقال أبو بكر الصديق: حد قذف الأنبياء ليس يشبه الحدود، رواه ابن سعد وابن عساكر، فهذه أدلة متظاهرة على قتل الساب، ولو تاب.
قال عياض: ويدل على قتله من جهة النظر والاعتبار أن من سبه ﷺ أو تنقصه قد ظهرت علامة مرض قلبه، وبرهان على سوء طويته وكفره، ولهذا حكم له كثير من العلماء بالردة، وهي رواية الشاميين عن مالك.
ومما عد من خصائصه: أنه إذا قصده ظالم، وجب على من حضره، أن يبذل" بضم الذال "نفسه دونه" أي: يجود بها، وإن أدى إلى قتله بخلاف غيره، فلا يجب الدفع مع خوفстр. 3462
حكاه النووي في زيادات الروضة عن جماعات من الأصحاب.
ومن خصائصه ﵇ أنه كان يخص من شاء بما شاء من الأحكام.
كجعله شهادة خزيمة بشهادة رجلين. روى أبو داود عن عمارة ابن خزيمة بن ثابت عن عمه وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع من أعرابي فرسًا، فاستتبعه ليقبضه ثمن الفرس، فأسرع النبي ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي يساومونه بالفرس، ولا يشعرون أن.
الحواشي
(١) ذلك، كما قاله الرافعي والنووي؛ لأن من قصد غيره مسلمًا لا يكفر، وقاصده ﷺ بذلك يكفر، "حكاه النووي في زيادات الروضة عن جماعات من الأصحاب" الشافعية؛ لقوله تعالى: النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وظاهره وإن كان له ﷺ قدرة على الدفع والدافع عاجز، قال الحافظ: ولم أر وقوع ذلك في شيء من الأحاديث صريحًا، ويمكن أن يستأنس له؛ بأن طلحة وفاه بنفسه يوم أحد، وكان أبو طلحة الأنصاري يتقي بترسه دونه، ونحو ذلك من الأحاديث.
"ومن خصائصه ﵇؛ أنه كان يخص من شاء بما شاء من الأحكام" وغيرها، "كجعله شهادة خزيمة" ابن ثابت بن الفاكه بن ثعلبة الأنصاري، الخطمي، أبي عمارة المدني، من كبار الصحابة، شهد بدرًا، وقتل مع علي بصفين سنة سبع وثلاثين "بشهادة رجلين" ولذا لقب ذا الشهادتين.
"روى أبو داود" واب خزيمة، وشيخهما فيه الذهلي، باللام عن شعيب، عن ابن شهاب، عن "عمارة بن خزيمة بن ثابت" الأوسي أبي عبد الله، أو أبي محمد المدني، تابعي، ثقة، مات سنة خمس ومائة، وهو ابن خمس وسبعين، روى له الأربعة، "عن عمه" قيل: اسمه عمارة قال ابن منده "وكان من أصحاب رسول الله ﷺ أن النبي ﷺ ابتاع" أي: اشترى "من أعرابي" هو سواء بن الحارث صحابي "فرسًا" هو المرتجز، أو الظرب، أو النجيب، أقوال ذكرها المصنف في خيله في تعيين هذا الفرس المشترى من أفراسه ﷺ ، وزاد غيره القول بأنه الملاوح، ويرد على ذلك أنه ردها على الأعرابي، فماتت من الغد؛ كما في رواية الحارث وتأتي، فهي صريحة في أنها لم تكن من خيله المعينة، المسماة بالأسماء المعلومة، "فاستتبعه" أي تبعه فالسين زائدة والأولى كونها للطلب، أي: طلب المصطفى من الأعرابي أن يتتبعه "ليقبضه ثمن الفرس، فأسرع النبي ﷺ المشي، وأبطأ الأعرابي" ومعه الفرس، "فطفق" بكسر الفاء وفتحها، أي: جعل "رجال يعترضون الأعرابي" أي: يعترضون له بالكلام معه، مأخوذ من اعترض على الأمير، أي مر عليه لينظر حاله، "يساومونه بالفرس" أي يطلبون بيعها منه، فالمفاعلة ليست مرادة، بل بمعنى السوم، والباء سببية، أو للمقابلة والعوض، أي يذكرون له ثمنًا في مقابلته، "ولا يشعرون أنстр. 3463
رسول الله ﷺ قد ابتاعه، حتى زادوا على ثمنه. فذكر الحديث قال رسول الله ﷺ : فطفق الأعرابي يقول هلم شهيدًا يشهد أني قد بعتك، فمن جاء من المسلمين يقول: ويلك، إن رسول الله ﷺ لم يكن ليقول إلا الحق، حتى جاء خزيمة بن ثابت فاستمع المراجعة فقال: أنا أشهد أنك قد بايعته ... الحديث، وفيه، قال: فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة برجلين.
وفي البخاري من حديث زيد بن ثابت قال: فوجدتها مع خزيمة الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين.
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ قد ابتاعه حتى زادوا على ثمنه، فذكر الحديث" وهو: فنادى الأعرابي فقال: إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه، وإلا بعته، فقال النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي: "أو ليس قد ابتعته منك"، قال الأعرابي: لا والله ما بعتك، فقال النبي ﷺ : "بلى قد ابتعته"، "قال: فطفق الأعرابي يقول: هلم" أحضر "شهيدًا يشهد أني قد بعتك، فمن جاء من المسلمين" بعد هذا "يقول" إنكارًا على الأعرابي: "ويلك إن رسول الله ﷺ لم يكن" مريدًا "ليقول" شيئًا "إلا الحق" فخبر يكن محذوف، يتعلق به الجار "حتى جاء خزيمة بن ثابت، فاستمع المراجعة" التي بين النبي ﷺ وبين الأعرابي، "فقال: أنا أشهد أنك قد بايعته" أي: بعته "الحديث، وفيه قال: فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة برجلين" هكذا رواه أبو داود وغيره من طريق عن عمه أخي خزيمة بدون تسمية الأعرابي، وقد رواه عمارة أيضًا عن أبيه، وسمي الأعرابي.
أخرج أبو بكر بن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن خزيمة، والطبراني عن عمارة بن خزيمة بن ثابت، عن أبيه: أن النبي ﷺ اشترى فرسًا من سواء بن الحارث فجحده، فشهد له خزيمة، فقال ﷺ : "ما حملك على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا" فقال: صدقتك بما جئت به، وعلمت أنك لا تقول إلا حقًا، فقال ﷺ : "من شهد له خزيمة، أو شهد عليه فحسبه".
"وفي البخاري" في التفسير "من حديث" خارجة، عن أبيه "زيد بن ثابت" بن الضحاك، الأنصاري، النجاري، صحابي مشهور، كتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، مات سنة خمس أو ثمان وأربعين، وقيل: بعد الخمسين، "قال" لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب، كنت أسمع رسول الله يقرؤها، "فوجدتها مع خزيمة.
وفي رواية لم أجدها مع أحد إلا مع خزيمة "الذي جعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادتين" ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ ، هذا بقية رواية البخاري.
قال العلماء: أي: لم أجدها مكتوبة مع كونها محفوظة عنده وعند غيره: إذ القرآنстр. 3464
وعند الحارث بن أبي أسامة في مسنده من حديث عن النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابي أتجحد، أنا أشهد أنك بعته، فقال الأعرابي: أن شهد علي خزيمة فأعطاني الثمن، فقال النبي ﷺ : "يا خزيمة إنا لم نشهدك، كيف تشهد"؟ قال: أنا أصدقك على خبر السماء، ألا أصدقك على ذا الأعرابي؟! فجعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين، فلم يكن في الإسلام من تعدل شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة.
قال الخطابي: هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع به قوم من أهل البدع.
الحواشي
(١) لا يثبت إلا بالتواتر.
"وعند الحارث بن أبي أسامة" واسمه داهر، "في مسنده من حديث" مجاهد، عن الشعبي، "عن النعمان بن بشير" ﵄: "أن رسول الله ﷺ اشترى من أعرابي فرسًا، فجحده الأعرابي، فجاء خزيمة فقال: يا أعرابي أتجحد؟ " بالاستفهام الإنكاري أي: وتطلب منه شهيدًا، "أنا أشهد أنك بعته، فقال الأعرابي: أن" بفتح الهمزة، أي لأجل إن، وكسرها بمعنى إذا تعليلية نحو:
أتغضب إن أذنا قتيبة حزنا
وفي نسخة، وهي ظاهرة، إذ "شهد علي خزيمة فأعطاني الثمن، فقال النبي ﷺ : "يا خزيمة إنا لم نشهدك" بالمبايعة، بمعنى لم تحضرها، كما في الرواية التي قدمتها؛ ما حملك على الشهادة ولم تكن معه حاضرًا: "كيف تشهد" على ما لم تعانيه ولم تحضره؟ "قال: أنا أصدقك على خبر السماء" والأرض، كما في رواية الحارث، فسقط من قلم المصنف والأرض؛ "ألا أصدقك على ذا الأعرابي؟! فجعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة
رجلين، فلم يكن في الإسلام من تعدل" لفظ الحارث من تجوز "شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة"، بتخصيص المصطفى له، ففيه أن يخص من شاء بما شاء، وبقية رواية الحارث عن النعمان: فرد ﷺ الفرس على الأعرابي وقال: "لا بارك الله لك فيها، فأصبحت من الغد شائلة برجلها" أي: ماتت، وهذا الأعرابي اسمه سواء بن الحارث من وفد محارب، وروى ابن منده، وابن شاهين، عن المطلب بن عبد الله، قال: قلت لبني الحارث: إن سواء أبوكم الذي جحد بيعة رسول الله ﷺ ، قالوا: لا تقل ذلك، فلقد أعطاه بكرة، فما أصبحنا نسوق سارحًا ولا بارحًا إلا منها. "قال الخطابي" في شرح أبي داود: "هذا الحديث حمله كثير من الناس على غير محمله، وتذرع" بذال معجمة توسع وتوسل "به قوم من أهل البدع" وبإهمال الدال، أي: تمسكوا به وجعلوه كالدرع في اتقاء ما يردстр. 3465
إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شيء ادعاه، وإنما وجه الحديث أنه ﷺ حكم على الأعرابي بعلمه، وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد لقوله: والاستظهار على خصمه، فصار في التقدير بشهادة اثنين في غيرها من القضايا، انتهى.
ومن ذلك ترخيصه في النياحة لأم عطية، روى مسلم عنها: "قالت: لما نزلت هذه الآية.
الحواشي
(١) عليهم، "إلى استحلال الشهادة لمن عرف عندهم بالصدق على كل شيء ادعاه" متعلق بالشهادة، وليس حمل الحديث على ذلك بصحيح، "وإنما وجه الحديث" أي: جهته التي ينبغي حمله عليها، "أنه ﷺ حكم على الأعرابي بعلمه" لأنه من خصائصه.
"وجرت شهادة خزيمة مجرى التوكيد" التقوية "لقوله: والاستظهار على خصمه، فصار في التقدير بشهادة اثنين في غيرها من القضايا" لأن شهادته متى وقعت كانت كشهادة رجلين، فلا يطلب له ثان، "انتهى" كلام الخطابي، وفيه نظر، فإن الأحاديث ظاهرة، بل صريحة في تخصيصه بذلك دائمًا، إلا لمجرد الحكم بعلمه، كيف! وفي رواية الحارث، فلم يكن في الإسلام من تجوز شهادته بشهادة رجلين غير خزيمة، وفي رواية محمد بن أبي عمر العدني في مسنده، فأجاز النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين حتى مات خزيمة، وروى أبو يعلى عن أنس، قال: افتخر الحيان الأوس والخزرج، فقالت الأوس: ومنا من جعل النبي ﷺ شهادته بشهادة رجلين ... الحديث، فإنه لو كان للحكم بعلمه لم يكن فخرًا أصلا، والغاية بقوله: حتى مات خزيمة، صريحة في ذلك إذ هو قد عاش بعد النبي سبعًا وعشرين سنة، نعم لا حجة فيه للمبتدعة، لأنه خصوصية لخزيمة، خصه بها من له تخصيص من شاء بما شاء، "ومن ذلك ترخيصه في النياحة" رفع الصوت على الميت بالندب، وهو عد محاسنه كواكهفاء، واجبلاه، "لأم عطية" نسيبة، بضم النون، وفتح المهملة، مصغر، ويقال بفتح أولها، وكسر السين بنت الحارث الأنصارية المدنية، ثم سكنت البصرة.
وقيل: بنت كعب، وأنكره أبو عمر؛ لأن بنت كعب هي أم عمارة، روت أم عطية عن النبي ﷺ ، وعن عمر، وعنها أنس ومحمد وحفصة، ولدا سيرين وآخرون.
وفي مسلم عنها غزوة مع رسول الله ﷺ سبع غزوات، كانت أخلفهم في رحالهم، وفي الصحيح أيضًا عن حفصة بنت سيرين: أن أم عطية قدما البصرة فنزلت قصر بني خلف.
"روى مسلم" في الجنائز من طريق حفصة، "عنها قالت: لما نزلت هذه الآية" ﴿يَا أَيُّهَاстр. 3466
﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ، ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] ، قالت: كان منه النياحة، فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال: "إلا آل فلان". قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، وللشارع أن يخص من العموم ما يشاء.
الحواشي
(١) النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية، إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ الآية، قالت" أم عطية: "كان منه" أي: من "النياحة" على الميت، وهي من كفر النعمة، لأن من ناح على الميت كفر نعمة أنه حي، "فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان" لم يسم، "فإنهم كانوا أسعدوني، في الجاهلية" الإسعاد: قيام المرأة مع الأخرى في المناحة تراسلها، أي: تساعدها، وهو خاص بهذا المعنى، ولا يستعمل إلا في المساعدة عليها، "فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال" رسول الله ﷺ "إلا آل فلان" وأخرجه البخاري في التفسير عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﷺ ، فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها، فما قال لها النبي ﷺ شيئًا فانطلقت، ورجعت فبايعها، وللنسائي قال: "اذهبي فاسعديها"، قالت: فذهبت فأسعدتها، ثم جئت فبايعته، وللترمذي، فأذن لها، ولأحمد قال: "اذهبي فكافئيهم".
قال الحافظ: التي قبضت يدها هي أم عطية، وفلانة لم أقف على اسمها انتهى. وكأنه ﷺ سكت أولا ثم أذن.
"قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية" خاصة، "في آل فلان خاصة وللشارع أن يخص من العموم ما يشاء" لمن يشاء.
قال المصنف كغيره، وأورد على النووي حديث ابن العباس عند ابن مردويه، قالت: لما أخذ رسول الله ﷺ على النساء، فبايعهن على ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، قالت خولة بنت حكيم: يا رسول الله كان أبي وأخي ماتا في الجاهلية، وإن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها ... الحديث، وحديث أسماء بنت يزيد الأنصارية عند الترمذي، قالت: قلت يا رسول الله إن بني فلان أسعدوني على عمي، ولا بد من قضائهن فأبى، قالت: فراجعته مرارًا، فأذن لي، ثم لم أنح بعد ذلك، وعند أحمد والطبراني من طريق مصعب بن نوح، قال: أدركت عجوزًا لنا، كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ ، قالت: فأخذ علينا أن لا تنحن، فقالت عجوز: يا نبي الله إن أناسًا كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأريد أن أسعدهم، قال: "اذهبيстр. 3467
ومن ذلك: ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله ﷺ : "تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت".
ومن ذلك: الأضحية بالعناق لأبي بردة ابن نيار، رواه الشيخان من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب السنة".
الحواشي
(١) فكافئيهم، فانطلقت، فكافأتهم، ثم إنها أتت فبايعته، وحينئذ فلا خصومة لأم عطية، والظاهر أن النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم تحريم، فيكون الإذن لمن ذكرنا، وقع لبيان الجواز مع الكراهة، ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم، فورد حينئذ الوعيد الشديد.
وفي حديث أبي مالك الأشعري عند أبي يعلى: أن رسول الله ﷺ قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران، ودرع من جرب". انتهى، "ومن ذلك ترك الإحداد" على الزوج، أي: ترخيصه في تركه "لأسماء بنت عميس" بضم العين، مصغر آخره سين مهملة، الخثعمية، صحابية تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت لهم، وماتت بعد علي، ولها أحاديث في البخاري والسنن، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمه، "أخرج ابن سعد" محمد "عن أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب" قتل بغزوة مؤتة، سنة ثمان من الهجرة "جعفر بن أبي طالب" الهاشمي، ذو الجناحين، الصحابي الجليل، له في النسائي، "قال لي رسول الله ﷺ : "تسلبي " أي: حدي على زوجك "ثلاثًا" قال المصباح: التسلب: امتناع المرأة من الزينة والخضاب بعد موت زوجها، وفي نسخة تسلي بدون موحدة؛ فإن صحت فالمعنى، تصبري، أي: صبري نفسك على الإحداد ثلاثة أيام، "ثم اصنعي ما شئت" فأباح لها ترك الإحداد بعدها، مع وجوبه على المرأة ما دامت في العدة، "ومن ذلك الأضحية بالعناق" بفتح المهملة، وخفة النون الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول، "لأبي بردة" بضم الموحدة، "ابن نيار" السلولي، حليف الأنصار، اسمه هانئ، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل: بعدها، "رواه الشيخان" البخاري في العيد، والأضاحي ومسلم في الذبائح، "من حديث البراء بن عازب" ﵄، "قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر" وفي رواية يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: "من صلى صلاتنا ونسك" بفتح النون والسين، "نسكنا" بضم النون والسين، ونصب الكاف، أي: ضحى مثل ضحيتنا، "فقد أصاب السنة" أي: الطريقة، وفي رواية فقد أصاب سنتنا، وفي رواية النسك، وفي أخرى: ومن ذبح بعد الصلاة فقد: تم نسكه وأصاب سنة المسلمين، "ومنстр. 3468
ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم"، قال: عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم
الحواشي
(١) نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم" وليست أضحية، فلا ثواب فيها، واستشكلت هذه الإضافة، بأن الإضافة إما معنوية مقدرة بمن، كخاتم حديد، أو اللام، كغلام زيد، أو في كضرب اليوم، أو لفظية مضافة إلى معلومها، كضارب زيد وحسن الوجه، ولا يصح شيء منها في شاة لحم، وأجيب بأن الإضافة بتقدير محذوف، أي: شاة طعام لحم لا طعام نسك، وما أشبه ذلك، يعني شاة لحم غير نسك، فهي مضافة إلى محذوف، أقيم المضاف إليه مقامه، وفي رواية للصحيح أيضًا، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء، "فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله لقد نسكت" شاتي، أي ذبحتها "قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب" بضم الشين، وتجويز الزركشي فتحها كما قيل به في أيام منى أيام أكل وشرب، رده الدماميني؛ بأنه ليس محل قياس، إنما المعتمد الرواية.
زاد في رواية: وأحببت أن تكون شاتي أول شاة تذبح في بيتي، وفي أخرى عن أنس في الصحيحين، فقال: يا رسول الله إن هذا يوم نشتهي فيه اللحم، أي: تجري العادة بكثرة الذبح فيه، فتشوف له النفس التذاذ به، "فتعجلت" وفي رواية: فذبحت شاتي، "وأكلت، وأطعمت أهلي وجيراني" قبل أن آتي الصلاة، "فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم" لا أضحية، فلا ثواب فيها، بل هي على عادة الذبح للأك المجرد عن القربة، فأفاد بإضافتها إلى اللحم نفي الأجزاء.
وفي رواية: فقال له النبي ﷺ : "أبدلها"، "قال" وفي رواية، فقال: "عندي عناق جذعة" بالتنوين فيهما، فالثاني عطف بيان، وفي رواية: عندي جذعة، وأخرى عندي عناق لبن إشارة إلى صغرها؛ وأنها قريبة من الرضاع، وفي أخرى: فإن عندنا عناقًا لنا جذعة، صفتان لـ"عناقا" المنصوب بأن.
وفي رواية: فإن عندي داجنًا جذعة، وما يوجد في بعض النسخ، فإن عندي عناق جذعة، وإن أمكن توجيهها بجعل اسم أن ضمير الشأن محذوفًا، والجملة خبر، لكنه ليس رواية، "هي خير من شاتي، لحم" لطيب لحمها وسمنها، فإن قيل: كيف تكون واحدة خيرًا من أضحيتين، بل العكس أولى: كعتق اثنين خير من عتق واحد، ولو كان أنفس، أجيب بأن القصد بالضحايا طيب اللحم وكثرة السمن، فشاة سمينة أفضل من هزيلتين، وأما العتق فالمقصود منه التقريب إلىстр. 3469
فهل تجزي عني؟ قال: "نعم ولن تجزي عن أحد بعدك".
و"نيار" بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء.
وقوله "تجزي" بفتح أوله غير مهموز، أي تقضي.
و"الجذع" بالجيم والذال المعجمة.
وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية.
ولكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر -عند البيهقي: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك". قال البيهقي: إن كانت هذه.
الحواشي
(١) الله بفك الرقبة، فعتق اثنين أفضل من عتق واحد، نعم إن عرض للواحد وصف يقتضي رفعته على غيره، كالعلم وأنواع الفضل، فجزم بعض المحققين أنه أفضل لعموم نفعه للمسلمين.
وفي رواية: هي خير من مسنة، وأخرى من مسنتين، بالتثنية، قال الجوهري: يكون ذلك في الظلف والحافر في الثالثة، وفي الخف في السادسة "فهل تجزي عني؟ قال: "نعم تجزي عنك"، وفي رواية قال: "اجعلها مكانها"، "ولن تجزي عن أحد بعدكم" أي: غيرك لأنه لا بد في تضحية المعز من الثنية، "ونيار، بكسر النون، وتخفيف المثناة التحتية، وآخره راء بعد ألف، "وقوله تجزي، بفتح أوله غير مهموز أي: تقضي"، كقوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ ، قال ابن بري: الفقهاء يقولون: لا يجزئ، بالضم والهمزة في موضع لا يقضي، والصواب الفتح بلا همز، ويجوز الضم والهمز، بمعنى الكفاية، في الأساس بنو تميم تقوله: نضم أوله، وأهل الحجاز، بفتح أوله، وبهما قرئ: "لا تجزى نفس عن نفس"، وجوز بعضهم هنا الضم من الرباعي، وبه قال الزركشي في تعليق العمدة اعتمادًا على نقل الجوهري، وغيره؛ أنها لغة تميم، وتعقب بأن الاعتماد إنما هو الرواية، لا مجرد النقل عن تميم، "والجذع، بالجيم والذال المعجمة" ثم عين مهملة ما استكمل سنة، فالعناق تجذع لسنة، وربما أجذعت قبل تمامها للخصب، فتسمن، فيسرع أجذاعها، "وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بأجزاء الجذع من المعز في الأضحية" على سبيل الصراحة، "ولكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر" الجهني، الفقيه، الفاضل، مات قرب الستين "عند البيهقي" وأصله في الصحيحين، عن عقبة قال: قسم النبي ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة، قال: "ضح بها".
زاد في رواية البيهقي: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك"، قال البيهقي: إن كانت هذهстр. 3470
الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة.
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، لأن في كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني ويحتمل في الجمع أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، لا مانع من ذلك، لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا.
وفي كلام بعضهم: أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل الجمع وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قضية أبي بردة في الصحيح، وفي قضية عقبة بن عامر عند البيهقي، وأما ما عدا ذلك: فأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي ﷺ أعطاه عتودًا جذعًا، فقال: ضح به، فقلت إنه جذع أفأضحي به؟ قال: ضح به
الحواشي
(١) الزيادة محفوظة" أي: ليست بشاذة، "كان هذا رخصة لعقبة، كما رخص لأبي بردة".
"قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، لأن في كل منهما صيغة عموم" وهو نفي الأجزاء عن غير المخاطب في كل منهما، "فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني" فلا يصح الجمع المذكور، "ويحتمل في الجمع أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، لا مانع من ذلك، لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا" لكن فيه دعوى النسخ بالاحتمال، وإنما يكون بمعرفة التاريخ، وإلى هذا أشار بقوله الآتي: وإن تعذر الجمع ... إلخ.
"وفي كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل" هذا البعض "الجمع" بحسب الظاهر، "وليس بمشكل" عند التحقيق، "فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قضية أبي بردة في الصحيح" للشيخين.
"وفي قضية عقبة بن عامر عند البيهقي، وأما ما عدا ذلك" فوقعت المشاركة في مطلق الأجزاء، لا في خصوص منع الغير، "فأخرج أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد" الجهني المدي، صحابي شهير مات بالكوفة سنة ثمان وستين، أو سبعين، وله خمس وثمانون سنة؛ "أن النبي ﷺ أعطاه عتودًا" بفتح المهملة، وضم الفوقية الخفيفة: ما قوى ورعى من أولاد المعز، وأتى عليه حول، أو العتود: الجذع من المعز ابن خمسة أشهر، وفي المحكم العتود الجدي الذي استكرش، وقيل: الذي بلغ السفاد "جذعًا" أي: صغيرًا، "فقال: "ضح به"، فقلت: إنه جذع" لا يجزي ضحية، أفأضحي به، قال: "ضح به" ولم يقل لا رخصة،следующие страницы →