Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3466–3505 · переход к 3471.
стр. 3466
﴿يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ، ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] ، قالت: كان منه النياحة، فقلت يا رسول الله إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية، فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال: "إلا آل فلان". قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية في آل فلان خاصة، وللشارع أن يخص من العموم ما يشاء.
الحواشي
(١) النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية، إلى قوله: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ الآية، قالت" أم عطية: "كان منه" أي: من "النياحة" على الميت، وهي من كفر النعمة، لأن من ناح على الميت كفر نعمة أنه حي، "فقلت: يا رسول الله إلا آل فلان" لم يسم، "فإنهم كانوا أسعدوني، في الجاهلية" الإسعاد: قيام المرأة مع الأخرى في المناحة تراسلها، أي: تساعدها، وهو خاص بهذا المعنى، ولا يستعمل إلا في المساعدة عليها، "فلا بد لي من أن أسعدهم، فقال" رسول الله ﷺ "إلا آل فلان" وأخرجه البخاري في التفسير عن حفصة بنت سيرين، عن أم عطية قالت: بايعنا رسول الله ﷺ ، فقرأ علينا: ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ ، ونهانا عن النياحة، فقبضت امرأة يدها، فقالت: أسعدتني فلانة، أريد أن أجزيها، فما قال لها النبي ﷺ شيئًا فانطلقت، ورجعت فبايعها، وللنسائي قال: "اذهبي فاسعديها"، قالت: فذهبت فأسعدتها، ثم جئت فبايعته، وللترمذي، فأذن لها، ولأحمد قال: "اذهبي فكافئيهم".
قال الحافظ: التي قبضت يدها هي أم عطية، وفلانة لم أقف على اسمها انتهى. وكأنه ﷺ سكت أولا ثم أذن.
"قال النووي: هذا محمول على الترخيص لأم عطية" خاصة، "في آل فلان خاصة وللشارع أن يخص من العموم ما يشاء" لمن يشاء.
قال المصنف كغيره، وأورد على النووي حديث ابن العباس عند ابن مردويه، قالت: لما أخذ رسول الله ﷺ على النساء، فبايعهن على ﴿أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية، قالت خولة بنت حكيم: يا رسول الله كان أبي وأخي ماتا في الجاهلية، وإن فلانة أسعدتني، وقد مات أخوها ... الحديث، وحديث أسماء بنت يزيد الأنصارية عند الترمذي، قالت: قلت يا رسول الله إن بني فلان أسعدوني على عمي، ولا بد من قضائهن فأبى، قالت: فراجعته مرارًا، فأذن لي، ثم لم أنح بعد ذلك، وعند أحمد والطبراني من طريق مصعب بن نوح، قال: أدركت عجوزًا لنا، كانت فيمن بايع رسول الله ﷺ ، قالت: فأخذ علينا أن لا تنحن، فقالت عجوز: يا نبي الله إن أناسًا كانوا أسعدونا على مصائب أصابتنا، وإنهم قد أصابتهم مصيبة، فأريد أن أسعدهم، قال: "اذهبيстр. 3467
ومن ذلك: ترك الإحداد لأسماء بنت عميس، أخرج ابن سعد عن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر بن أبي طالب، قال لي رسول الله ﷺ : "تسلبي ثلاثًا ثم اصنعي ما شئت".
ومن ذلك: الأضحية بالعناق لأبي بردة ابن نيار، رواه الشيخان من حديث البراء بن عازب قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر فقال: "من صلى صلاتنا ونسك نسكنا فقد أصاب السنة".
الحواشي
(١) فكافئيهم، فانطلقت، فكافأتهم، ثم إنها أتت فبايعته، وحينئذ فلا خصومة لأم عطية، والظاهر أن النياحة كانت مباحة، ثم كرهت كراهة تنزيه، ثم تحريم، فيكون الإذن لمن ذكرنا، وقع لبيان الجواز مع الكراهة، ثم لما تمت مبايعة النساء وقع التحريم، فورد حينئذ الوعيد الشديد.
وفي حديث أبي مالك الأشعري عند أبي يعلى: أن رسول الله ﷺ قال: "النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة عليها سربال من قطران، ودرع من جرب". انتهى، "ومن ذلك ترك الإحداد" على الزوج، أي: ترخيصه في تركه "لأسماء بنت عميس" بضم العين، مصغر آخره سين مهملة، الخثعمية، صحابية تزوجها جعفر بن أبي طالب، ثم أبو بكر، ثم علي، وولدت لهم، وماتت بعد علي، ولها أحاديث في البخاري والسنن، وهي أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين لأمه، "أخرج ابن سعد" محمد "عن أسماء بنت عميس، قالت: لما أصيب" قتل بغزوة مؤتة، سنة ثمان من الهجرة "جعفر بن أبي طالب" الهاشمي، ذو الجناحين، الصحابي الجليل، له في النسائي، "قال لي رسول الله ﷺ : "تسلبي " أي: حدي على زوجك "ثلاثًا" قال المصباح: التسلب: امتناع المرأة من الزينة والخضاب بعد موت زوجها، وفي نسخة تسلي بدون موحدة؛ فإن صحت فالمعنى، تصبري، أي: صبري نفسك على الإحداد ثلاثة أيام، "ثم اصنعي ما شئت" فأباح لها ترك الإحداد بعدها، مع وجوبه على المرأة ما دامت في العدة، "ومن ذلك الأضحية بالعناق" بفتح المهملة، وخفة النون الأنثى من ولد المعز قبل استكمالها الحول، "لأبي بردة" بضم الموحدة، "ابن نيار" السلولي، حليف الأنصار، اسمه هانئ، وقيل: الحارث بن عمرو، وقيل: مالك بن هبيرة، مات سنة إحدى وأربعين، وقيل: بعدها، "رواه الشيخان" البخاري في العيد، والأضاحي ومسلم في الذبائح، "من حديث البراء بن عازب" ﵄، "قال: خطبنا رسول الله ﷺ يوم النحر" وفي رواية يوم الأضحى بعد الصلاة، فقال: "من صلى صلاتنا ونسك" بفتح النون والسين، "نسكنا" بضم النون والسين، ونصب الكاف، أي: ضحى مثل ضحيتنا، "فقد أصاب السنة" أي: الطريقة، وفي رواية فقد أصاب سنتنا، وفي رواية النسك، وفي أخرى: ومن ذبح بعد الصلاة فقد: تم نسكه وأصاب سنة المسلمين، "ومنстр. 3468
ومن نسك قبل الصلاة فتلك شاة لحم، فقام أبو بردة بن نيار فقال: يا رسول الله، لقد نسكت قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب فتعجلت وأكلت وأطعمت أهلي وجيراني، فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم"، قال: عندي عناق جذعة هي خير من شاتي لحم
الحواشي
(١) نسك قبل الصلاة، فتلك شاة لحم" وليست أضحية، فلا ثواب فيها، واستشكلت هذه الإضافة، بأن الإضافة إما معنوية مقدرة بمن، كخاتم حديد، أو اللام، كغلام زيد، أو في كضرب اليوم، أو لفظية مضافة إلى معلومها، كضارب زيد وحسن الوجه، ولا يصح شيء منها في شاة لحم، وأجيب بأن الإضافة بتقدير محذوف، أي: شاة طعام لحم لا طعام نسك، وما أشبه ذلك، يعني شاة لحم غير نسك، فهي مضافة إلى محذوف، أقيم المضاف إليه مقامه، وفي رواية للصحيح أيضًا، فإنما هو لحم قدمه لأهله، ليس من النسك في شيء، "فقام أبو بردة بن نيار، فقال: يا رسول الله لقد نسكت" شاتي، أي ذبحتها "قبل أن أخرج إلى الصلاة، وعرفت أن اليوم يوم أكل وشرب" بضم الشين، وتجويز الزركشي فتحها كما قيل به في أيام منى أيام أكل وشرب، رده الدماميني؛ بأنه ليس محل قياس، إنما المعتمد الرواية.
زاد في رواية: وأحببت أن تكون شاتي أول شاة تذبح في بيتي، وفي أخرى عن أنس في الصحيحين، فقال: يا رسول الله إن هذا يوم نشتهي فيه اللحم، أي: تجري العادة بكثرة الذبح فيه، فتشوف له النفس التذاذ به، "فتعجلت" وفي رواية: فذبحت شاتي، "وأكلت، وأطعمت أهلي وجيراني" قبل أن آتي الصلاة، "فقال رسول الله ﷺ : "تلك شاة لحم" لا أضحية، فلا ثواب فيها، بل هي على عادة الذبح للأك المجرد عن القربة، فأفاد بإضافتها إلى اللحم نفي الأجزاء.
وفي رواية: فقال له النبي ﷺ : "أبدلها"، "قال" وفي رواية، فقال: "عندي عناق جذعة" بالتنوين فيهما، فالثاني عطف بيان، وفي رواية: عندي جذعة، وأخرى عندي عناق لبن إشارة إلى صغرها؛ وأنها قريبة من الرضاع، وفي أخرى: فإن عندنا عناقًا لنا جذعة، صفتان لـ"عناقا" المنصوب بأن.
وفي رواية: فإن عندي داجنًا جذعة، وما يوجد في بعض النسخ، فإن عندي عناق جذعة، وإن أمكن توجيهها بجعل اسم أن ضمير الشأن محذوفًا، والجملة خبر، لكنه ليس رواية، "هي خير من شاتي، لحم" لطيب لحمها وسمنها، فإن قيل: كيف تكون واحدة خيرًا من أضحيتين، بل العكس أولى: كعتق اثنين خير من عتق واحد، ولو كان أنفس، أجيب بأن القصد بالضحايا طيب اللحم وكثرة السمن، فشاة سمينة أفضل من هزيلتين، وأما العتق فالمقصود منه التقريب إلىстр. 3469
فهل تجزي عني؟ قال: "نعم ولن تجزي عن أحد بعدك".
و"نيار" بكسر النون وتخفيف المثناة التحتية وآخره راء.
وقوله "تجزي" بفتح أوله غير مهموز، أي تقضي.
و"الجذع" بالجيم والذال المعجمة.
وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بإجزاء الجذع من المعز في الأضحية.
ولكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر -عند البيهقي: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك". قال البيهقي: إن كانت هذه.
الحواشي
(١) الله بفك الرقبة، فعتق اثنين أفضل من عتق واحد، نعم إن عرض للواحد وصف يقتضي رفعته على غيره، كالعلم وأنواع الفضل، فجزم بعض المحققين أنه أفضل لعموم نفعه للمسلمين.
وفي رواية: هي خير من مسنة، وأخرى من مسنتين، بالتثنية، قال الجوهري: يكون ذلك في الظلف والحافر في الثالثة، وفي الخف في السادسة "فهل تجزي عني؟ قال: "نعم تجزي عنك"، وفي رواية قال: "اجعلها مكانها"، "ولن تجزي عن أحد بعدكم" أي: غيرك لأنه لا بد في تضحية المعز من الثنية، "ونيار، بكسر النون، وتخفيف المثناة التحتية، وآخره راء بعد ألف، "وقوله تجزي، بفتح أوله غير مهموز أي: تقضي"، كقوله: ﴿لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ﴾ ، قال ابن بري: الفقهاء يقولون: لا يجزئ، بالضم والهمزة في موضع لا يقضي، والصواب الفتح بلا همز، ويجوز الضم والهمز، بمعنى الكفاية، في الأساس بنو تميم تقوله: نضم أوله، وأهل الحجاز، بفتح أوله، وبهما قرئ: "لا تجزى نفس عن نفس"، وجوز بعضهم هنا الضم من الرباعي، وبه قال الزركشي في تعليق العمدة اعتمادًا على نقل الجوهري، وغيره؛ أنها لغة تميم، وتعقب بأن الاعتماد إنما هو الرواية، لا مجرد النقل عن تميم، "والجذع، بالجيم والذال المعجمة" ثم عين مهملة ما استكمل سنة، فالعناق تجذع لسنة، وربما أجذعت قبل تمامها للخصب، فتسمن، فيسرع أجذاعها، "وفي هذا الحديث تخصيص أبي بردة بأجزاء الجذع من المعز في الأضحية" على سبيل الصراحة، "ولكن وقع في عدة أحاديث التصريح بنظير ذلك لغير أبي بردة، ففي حديث عقبة بن عامر" الجهني، الفقيه، الفاضل، مات قرب الستين "عند البيهقي" وأصله في الصحيحين، عن عقبة قال: قسم النبي ﷺ بين أصحابه ضحايا، فصارت لعقبة جذعة، فقلت: يا رسول الله صارت لي جذعة، قال: "ضح بها".
زاد في رواية البيهقي: "ولا رخصة فيها لأحد بعدك"، قال البيهقي: إن كانت هذهстр. 3470
الزيادة محفوظة كان هذا رخصة لعقبة كما رخص لأبي بردة.
قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، لأن في كل منهما صيغة عموم، فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني ويحتمل في الجمع أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، لا مانع من ذلك، لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا.
وفي كلام بعضهم: أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل الجمع وليس بمشكل، فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قضية أبي بردة في الصحيح، وفي قضية عقبة بن عامر عند البيهقي، وأما ما عدا ذلك: فأخرج أبو داود وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد أن النبي ﷺ أعطاه عتودًا جذعًا، فقال: ضح به، فقلت إنه جذع أفأضحي به؟ قال: ضح به
الحواشي
(١) الزيادة محفوظة" أي: ليست بشاذة، "كان هذا رخصة لعقبة، كما رخص لأبي بردة".
"قال الحافظ ابن حجر: وفي هذا الجمع نظر، لأن في كل منهما صيغة عموم" وهو نفي الأجزاء عن غير المخاطب في كل منهما، "فأيهما تقدم على الآخر اقتضى انتفاء الوقوع للثاني" فلا يصح الجمع المذكور، "ويحتمل في الجمع أن تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، لا مانع من ذلك، لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا" لكن فيه دعوى النسخ بالاحتمال، وإنما يكون بمعرفة التاريخ، وإلى هذا أشار بقوله الآتي: وإن تعذر الجمع ... إلخ.
"وفي كلام بعضهم أن الذين ثبتت لهم الرخصة أربعة أو خمسة واستشكل" هذا البعض "الجمع" بحسب الظاهر، "وليس بمشكل" عند التحقيق، "فإن الأحاديث التي وردت في ذلك ليس فيها التصريح بالنفي إلا في قضية أبي بردة في الصحيح" للشيخين.
"وفي قضية عقبة بن عامر عند البيهقي، وأما ما عدا ذلك" فوقعت المشاركة في مطلق الأجزاء، لا في خصوص منع الغير، "فأخرج أبو داود، وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد" الجهني المدي، صحابي شهير مات بالكوفة سنة ثمان وستين، أو سبعين، وله خمس وثمانون سنة؛ "أن النبي ﷺ أعطاه عتودًا" بفتح المهملة، وضم الفوقية الخفيفة: ما قوى ورعى من أولاد المعز، وأتى عليه حول، أو العتود: الجذع من المعز ابن خمسة أشهر، وفي المحكم العتود الجدي الذي استكرش، وقيل: الذي بلغ السفاد "جذعًا" أي: صغيرًا، "فقال: "ضح به"، فقلت: إنه جذع" لا يجزي ضحية، أفأضحي به، قال: "ضح به" ولم يقل لا رخصة،стр. 3471
وفي الأوسط للطبراني من حديث ابن عباس أنه ﷺ أعطى سعد بن أبي وقاص جذعًا من المعز فأمره أن يضحي به. وأخرجه الحاكم من حديث عائشة، وفي سنده شدة ضعف.
فلا منافاة بين ذلك وحديثي أبي بردة وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزي، واختص أبو بردة، وعقبة بالرخصة في ذلك.
وإن تعذر الجمع بين حديث أبي بردة وحديث عقبة، فحديث أبي بردة أصح مخرجًا. وإن كان حديث عقبة عند البيهقي من مخرج الصحيح.
الحواشي
(١) أو لا يجزي عن أحد بعدك.
"وفي الأوسط للطبراني من حديث ابن عباس أنه ﷺ أعطى سعد بن أبي وقاص" مالكًا أحد العشرة "جذعًا من المعز، فأمره أن يضحي به، وأخرجه الحاكم من حديث عائشة" أنه أعطى سعد بن ... إلخ. "وفي سنده شدة ضعف" وإن خرجه الحاكم، وكذا وقع لعويمر بن أشقر، رواه ابن حبان، وابن ماجه، وروى أبو يعلى والحاكم عن أبي هريرة: أن رجلا قال: يا رسول الله هذا جذع من الضأن مهزولة، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما، أفأضحي به، فقال: "ضح به فإن لله الخير"، وسنده ضعيف، "فلا منافاة بين ذلك" كله "و" بين "حديثي أبي بردة وعقبة؛ لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء الأمر" مجزيًا، "ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزي، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك" لكن يبقى التعارض بين حديثيها، فإن ساغ أحد الجمعين المتقدمين فلا تعارض، "وإن تعذر الجمع بين حديث أبي بردة وحديث عقبة" لأن جمع البيهقي فيه نظر، بأن في كل منهما صيغة عموم، كما مر، والجمع باحتمال نسخ خصوصية الأول بالثاني لا ينهض، إذ النسخ لا يكون بالاحتمال رجعنا إلى الترجيح، "فحديث أبي بردة أصح مخرجًا" لاتفاق البخاري ومسلم عليه، هو أرفع الصحيح، فيقدم على حديث عقبة عند البيهقي، خصوصًا وقد أخرجه الشيخان بدون تلك الزيادة، "وإن كان حديث عقبة عند البيهقي من مخرج الصحيح" لأنه لا يلزم من إخراج الشيخين لرجاله أن يكون صحيحًا مثل تخريجهما بالفعل، وقد نبه على ذلك ابن الصلاح في مقدمة شرح مسلم، فقال: من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم عنه في الصحيح، بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، ذلك يتوقف على النظر في كيفية روايته عنه، وعلى أي وجه أخرج حديثه، انتهى.стр. 3472
ومن ذلك: إنكاح ذلك الرجل بما معه من القرآن، فيما ذكره جماعة، وورد به حديث مرسل أخرجه سعيد بن منصور عن أبي النعمان الأزدي، قال: زوج رسول الله ﷺ امرأة على سورة من القرآن.
الحواشي
(١) "ومن ذلك إنكاح ذلك الرجل" الذي كان عند المصطفى، لما عرضت امرأة نفسها عليه ﷺ ، فالإشارة إلى معلوم "بما معه من القرآن" أي: بتعليمه إياها، بأن جعله صداقًا، وذلك لا يجوز كونه صداقًا، فهو خصوصية "فيما ذكره جماعة" كأبي حنيفة وأحمد ومالك، وهو أحد قولين مرجحين عند أصحابه، وجوزه الشافعي والمصنف كغيره ممن ذكر الخصائص، غالبًا لا يقتصرون فيها على مذهبهم، بل يذكرون ما قيل أنه خصوصية، ولو كان ضعيفًا، فعجيب الاعتراض عليه بأنه مذهب الشافعي، وكان المعترض ما تنبه لقوله فيما ذكره جماعة "وورد به حديث مرسل".
"أخرجه سعيد بن منصور عن أبي النعمان الأزدي" ظاهر المصنف أنه تابعي لقوله مرسل، وقد أورده في الإصابة في الكنى في القسم الأول، وقال: ذكره أبو موسى عن الطبراني، وأخرج ابن السكن عن أبي النعمان الأزدي أن رجلا خطب امرأة، فقال ﷺ : "أصدقها" قال: ما عندي شيء، قال: "أما تحسن سورة من القرآن فأصدقها السورة، ولا يكون لأحد بعدك مهر". قال ابن السكن: لا تحفظ هذه الزيادة إلا في هذه الرواية، انتهى.
وفي التجريد للذهبي أبو النعمان: له حديث ساقه مطين وغيره في التزويج على سورة من القرآن؛ فهو صحابي قطعًا فمراد المصنف، كالسيوطي بقولهما مرسل ما سقط منه، رواه على أحد الأقوال لا ما رفعه التابعي، وإن كان هو المشهور في تعريفه، لأن الواقع أن أبا النعمان صحابي، لا تابعي، "قال زوج رسول الله ﷺ امرأة" يقال إنها خولة بنت الحكم، أو أم شريك، أو ميمونة، قال الحافظ في المقدمة: ولا يثبت شيء من ذلك، ولم يسم الرجل "على سورة من القرآن" أي على جنس، فلا ينافي رواية الصحيحين، قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا بعددها، فقال ﷺ : "أنكحتها بما معك من القرآن" ولأبي داود والنسائي، عن أبي هريرة سورة البقرة، أو التي تليها، وللدارقطني عن ابن مسعود البقرة وسورة من المفصل، ولتمام الرازي عن أبي أمامة قال زوج النبي ﷺ رجلا من الأنصار على سبع سور, وفي فوائد أبي عمر بن حبوبة عن ابن عباس، قال: معي أربع سور أو خمس سور، ذكره الحافظ.
وفي أبي داود بإسناد حسن عن أبي هريرة: "قم فعلمها عشرين -أي: آية- من القرآن، وهي امرأتك"، فظاهر حديث الصحيحين أنه جعل الصداق تعليمه إياها جميع ما معه من القرآن على اختلاف الروايات في تعيينه، ولا منافاة بينها، لأن كلا حفظ ما لم يحفظ الآخر، وأما الجمعстр. 3473
وقال: "لا يكون لأحد بعدك مهرًا".
الحواشي
(١) بجواز أن ما كان مع الرجل سورة، وعدتها عشرون آية، أو كان عنده سور قصار تبلغ عشرين آية، ففاسد لما رأيت من أن منها البقرة، أو آل عمران، هذا وإنما عدل المصنف كالسيوطي عن الصحيحين إلى المرسل، لأنه صرح فيه بالخصوصية بقوله: "وقال: لا يكون لأحد بعدك مهرًا" وتجويز المراد لا يقع أن أحدًا يجعل السورة صداقًا حتى لا يخالف الشافعي عدول عن الظاهر، وقد قال مكحول: ليس ذلك لأحد بعده، أي: أنه خصوصية بخلاف حديث الصحيحين، فإفادته الخصوصية بالقوة لا الصريح.
روى الشيخان عن سهل بن سعد: أن امرأة عرضت نفسها على النبي ﷺ ، وفي رواية لهما، فقالت: يا رسول الله إني قد وهبت نفسي إليك، فصعد فيها النظر، فقامت قيامًا طويلا، فقام رجل، فقال: يا رسول الله زوجنيها، إن لم يكن لك بها حاجة، قال: "ما عندك"؟ قال: ما عندي شيء قال: "اذهب فالتمس ولو خاتمًا من حديد". فذهب، ثم رجع، فقال: لا والله ما وجدت شيئًا ولا خاتمًا من حديد، ولكن هذا إزاري، ولها نصفه، قال سهل: وما له رداء؟ فقال ﷺ : "وما تصنع بإزارك، إن لبسته لم يكن عليها منه شيء، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء". فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام، فرآه النبي ﷺ ، فدعاه أو دعى له، فقال له: "ماذا معك من القرآن؟ ". قال: معي سورة كذا، وسورة كذا، وسورة كذا السور، يعدها، فقال النبي ﷺ : "أنكحتكها بما معك من القرآن".
هذا وزاد السيوطي ترخيصه في إرضاع سالم، مولى أبي حذيفة وهو كبير في تعجيل صدقة عامين للعباس، وفي الجمع بين اسمه وكنيته للولد الذي يولد لعلي، وفي المكث في المسجد جنبًا لعلي، وفي فتح باب داره في المسجد له، وفي فتح خوخة فيه لأبي بكر، وأكل المجامع في رمضان من كفارة نفسه، وفي لبس الحرير للزبير وعبد الرحمن فيما قاله جماعة، وهو وجه عندنا، وفي لبس الخاتم الذهب للبراء، وفي اشتراط الولاء لموالي بريرة، ولا يوفى به فيما ذكره بعضهم، وفي العزية لعلبة بن زيد الحارثي فيما ذهب إليه الواقدي، وفي خيار الغبن لحبان بن منقذ فيما ذكره النووي في شرح مسلم، وفي التحلل بالمرض لضباعة بنت الزبير في أحد القولين، وفي ترك مبيت منى لأجل السقاية لبني العباس في وجه، وبني هاشم في آخر، ولعائشة في صلاة ركعتين بعد العصر، ولمعاذ في قبول الهدية حين بعثه إلى اليمن، وفي المستدرك وغيره، عن أنس: أن أم سليم تزوجت أبا طلحة على إسلامه، قال ثابت: ما سمعت بامرأة كانت أكرم مهرًا منها في الإسلام، وأعاد امرأة أبي ركانة إليه بعد أن طلقها ثلاثًا من غير محلل، وأسلم رجل على أن لا يصلي إلا صلاتين، فقبل منه، وضرب لعثمان يوم بدر بسهم، ولم يضرب لغائب غيره، رواه أبو داود عن ابن عمر، كان يواخي الصحابة ويثبت بينهم التوارث،стр. 3474
ومنها أنه كان يوعك كما يوعك رجلان لمضاعفة الأجر.
ومنها أن جبريل أرسل إليه ثلاثة أيام في مرضه يسأله عن حاله، ذكره البيهقي وغيره.
الحواشي
(١) وليس ذلك لغيره، قاله علي بن زيد، وخص نساء المهاجرين بأنهن يرثن دون أزواجهن لأنهن غرائب لا مأوى لهن، وكان أنس يصوم من طلوع الشمس، لا من طلوع الفجر، فالظاهر أنها خصوصية، "ومنها أنه كان يوعك"، أي: يأخذه الوعك، بسكون العين، أي: شدة الحمى، أو ألمها، أو رعدتها، "كما يوعك رجلان لمضاعفة الأجر".
روى الشيخان عن ابن مسعود، قال: دخلت على النبي ﷺ ، وهو يوعك، فقلت: إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال: "أجل إني أوعك، كما يوعك رجلان منكم"، قلت: وذلك لأن لك أجرين، قال: "أجل ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة أوراقها".
زاد الأنموذج، وكذلك الأنبياء، وعصم من الأعلال الموحية، ذكر هذه القضاعي، الأعلال: بمهملة جمع علة، والموحية: بحاء مهملة القاتلة بسرعة، فلم يصب منها بشيء حياته.
وروى الطبراني عن أبي أمامة: كان ﷺ يتعوذ من موت الفجأة، وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت.
وروى ابن ماجه، وصححه الديلمي، عن أبي سعيد مرفوعًا: "إنا معاشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء، كما يضاعف لنا الأجر، كان النبي من الأنبياء يبتلى بالقمل حتى يقتله، وإنهم كانوا يفرحون بالبلاء، كما تفرحون بالرخاء".
وروى أحمد بسند حسن، والطبراني، عن فاطمة بنت اليمان، قالت: أتينا رسول الله ﷺ نعوده في نساء، فإذا شن معلق نحوه، يقطر ماؤه في فيه من شدة ما يجد من حر الحمى، فقلنا: يا رسول الله لو دعوت اله فشفاك، قال: "إنا معاشر الأنبياء يضاعف علينا البلاء".
"ومنها جبريل أرسل إليه ثلاثة أيام في مرضه" الذي مات فيه إكرامًا له وإجلالا، "يسأله عن حاله" كل يوم يقول: إن الله أرسلني إليك تفضيلا وخاصة، يسألك عما هو أعلم به منك، كيف تجدك؟ قال: "أجدني مكروبًا ومغمومًا" , وفي اليوم الثالث جاء، ومعه ملك الموت، فاستأذنه في قبض روحه، فأذن "ذكره" أي خرجه "البيهقي" في الدلائل "وغيره" وأشار البيهقي لضعفه، ولما نزل إليه ملك الموت نزل معه ملك يقال له إسماعيل، وهو على سبعين ألف ملك يسكن الهواء، لم يصعد السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قبل ذلك اليوم قط، وسبقهما جبريل، فقال له ما تقدم، فقال له: ملك الموت يستأذن عليك، ولم يستأذن على آدمي قبلك، فأذن له،стр. 3475
ومنها: أنه صلى عليه الناس أفواجًا أفواجًا بغير إمام، وبغير دعاء الجنازة المعروف ذكره البيهقي وابن سعد وغيرهما.
الحواشي
(١) فدخل، فوقف بين يديه، وقال: إن الله أرسلني إليك، وأمرني أن أطيعك، فإن أمرتني أقبض نفسك قبضتها، وإن أمرتني أن أتركها تركتها، فقال له جبريل: إن الله اشتاق إلى لقائك، أي: أراده، فقال ﷺ لملك الموت: "امض لما أمرت به"، رواه الشافعي والبيهقي عن علي بإسناد معضل.
وروى أبو نعيم عن علي: لما قبض ﷺ ، صعد ملك الموت باكيًا إلى السماء، والذي بعثه بالحق لقد سمعت صوتًا من السماء ينادي: وامحمداه.
"ومنها أنه صلى عليه الناس أفواجًا أفواجًا" أي: فوجًا بعد فوج، روى الترمذي أن الناس قالوا لأبي بكر، أنصلي على رسول الله؟ قال: نعم، قالوا: وكيف نصلي؟ قال: يدخل قوم يصلون ويدعون، ثم يدخل قوم فيصلون، فيكبرون ويدعون، فرادى "بغير إمام" قال علي: هو إمامكم حيًا وميتًا، فلا يقوم عليه أحد، فكان الناس تدخل رسلا فرسلا، فيصلون صفًا صفًا ليس لهم إمام، رواه ابن سعد.
قيل: وصلوا كذلك لعدم اتفاقهم على خليفة، وقيل: بوصية منه، روى الحاكم والبزار بسند فيه مجهول أنه ﷺ لما جمع أهله في بيت عائشة، قالوا: فمن يصلي عليك؟ قال: "إذا غسلتموني وكفنتموني، فضعوني على سريري، ثم اخرجوا عني، فإن أول من يصلي علي جبريل، ثم ميكائيل ثم إسرافيل، ثم ملك الموت مع جنوده من الملائكة بأجمعهم، ثم ادخلوا علي فوجًا بعد فوج، فصلوا علي وسلموا تسليمًا".
"وبغير دعاء الجنازة المعروف ذكره" أي: رواه "البيهقي، وابن سعد وغيرهما" عن علي أنهم كانوا يكبرون، ويقولون السلام عليك أيها النبي ورحمة الله، اللهم إنا نشهد أن محمدًا قد بلغ ما أنزل عليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيلك حتى أعز الله كلمته، فاجعلنا نتبع ما أنزل إليه، وثبتنا بعده، واجمع بيننا وبينه، فيقول الناس: آمين، أي: الناس الذين لم يكونوا مشغولين بالصلاة، أو من سبق بالسلام ولم ينصرف أو المصلون أنفسهم.
وروى الحاكم والبيهقي: أول من صلى الملائكة فرادى، ثم الرجال فرادى، ثم النساء، ثم الصبيان بوصية منه بذلك.
وروى البيهقي عن ابن عباس: لما مات ﷺ أدخل عليه الرجال فصلوا بغير إمام أرسالا حتى فرغوا، ثم أدخل النساء، فصلين عليه كذلك، ثم العبيد كذلك، ولم يؤمهم عليه أحد، وتكرار الصلاة عليه من خصائصه عند مالك وأبي حنيفة، وفي اقتصار المصنف على أنه بغير دعاء الجنازةстр. 3476
وترك بلا دفن ثلاثة أيام كما سيأتي، ففرش له في لحده قطيفة، والأمران مكروهان في حقنا، وأظلمت الأرض بعد موته كما سيأتي.
ومنها: أنه لا يبلى جسده.
الحواشي
(١) إفادة أنهم صلوا عليه الصلاة المعروفة، ولم يقتصروا على مجرد الدعاء، وهو كذلك.
قال عياض، وتبعه النووي: الصحيح الذي عليه الجمهور أن الصلاة على النبي ﷺ كانت صلاة حقيقية، لا مجرد الدعاء فقط، وعد طائفة من خصائصه أنه لم يصل عليه أصلا, وإنما كان الناس يدخلون أرسالا، فيدعون ويصدقون على ظاهر حديث علي، وعلل بأنه لفضله وشرفه غير محتاج للصلاة عليه، ورد بأن المقصود من الصلاة عليه عود التشريف على المسلمين، مع أن الكامل يقبل زيادة التكميل، "وترك بلا دفن ثلاثة أيام" لاختلافهم في موته، أو في محل دفنه، أو لاشتغالهم في أمر البيعة بالخلافة، حتى استقر الأمر على أبي بكر، "كما سيأتي" ذلك بتعليله في المقصد الأخير زاد غيره، أو لدهشتهم من ذلك الأمر الهائل الذي ما وقع قبله، ولا بعده مثله، فصار بعضهم كجسد بلا روح، وبعضهم عاجز عن النطق، وبعض عن المشي، أو خوف هجوم عدو أو لصلاة جم غفير، "ففرش له لحده قطيفة" نجرانية، كان يتغطى بها، وضعها مولاه شقران، وقال: والله لا يلبسه أحد بعدك، فوضعها خصوصية له، كما قال وكيع، فقد كره جمهور العلماء وضع قطيفة، أو مضربة، أو مخدة ونحو ذلك في القبر تحت الميت، وشذ البغوي، فجوزه، والصواب: الكراهة، وأجاب الجمهور عن هذا الحديث، بأن شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه أحد من الصحابة، ولا علموا بذلك، وإنما فعل ذلك كراهة أن يلبسها أحد بعده، قال النووي، وقد قال ابن عبد البر: أنها أخرجت لما فرغوا من وضع اللبنات التسع، ورجحه الحافظ وشيخه في الألفية، قال:
وفرشت في قبره قطيفة ... وقيل أخرجت وهذا أثبت
"والأمران" تأخير الدفن والفرش "مكروهان في حقنا" تنزيهًا، "وأظلمت الأرض بعد موته" رواه الترمذي عن أنس: لما كان اليوم الذي دخل فيه ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وما نفضنا أيدينا عن التراب، وإنا لفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا، "كما سيأتي" في المقصد العاشر.
زاد الأنموذج: ولا يضغط في قبره، وكذلك الأنبياء، ولم يسلم من الضغطة صالح، ولا غيره سواهم، وفي تذكرة القرطبي: إلا فاطمة بنت أسد ببركته، وتحرم الصلاة على قبره واتخاذه مسجدًا.
قال الأوزاعي: ويحرم البول عند قبور الأنبياء، ويكره البول عند قبور غيرهم.
"ومنها أنه لا يبلى" بالبناء للمفعول "جسده" أي: لا يتغير عن حالته التي كان عليها فيстр. 3477
وكذلك الأنبياء، رواه أبو داود وابن ماجه.
ومنها: أنه لا يورث، فقيل لبقائه على ملكه، وقيل لمصيره صدقة، وبه قطع الروياني، ثم حكى وجهين في أنه هل يصير وقفًا على ورثته؟ وأنه إذا صار وقفًا هل هو الواقف؟ وجهان.
قال النووي في زيادات الروضة: الصواب الجزم بزوال ملكه وأن ما تركه صدقة على المسلمين، لا يختص به الورثة، انتهى.
وقال في الشرح الصغير: المشهور أنه صدقة.
الحواشي
(١) الدنيا، فلا يقال هذه الخصوصية شارك الأنبياء فيها الشهداء وغيرهم، "وكذلك الأنبياء" ولا خلاف في طهارة ميتتهم وفي غيرهم خلاف، ولا يجوز للمضطر أكل ميتة نبي، "رواه أبو داود وابن ماجه" عن أوس، رفعه: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء".
وروى الزبير بن بكار من مرسل الحسن: "من كلمه روح القدس لم تأكل الأرض لحمه".
وروى البيهقي عن أبي العالية: "إن لحوم الأنبياء لا تبليها الأرض، ولا تأكلها السبع".
قال الشيخ أبو الحسن المالكي في شرح الترغيب: وحكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء، ومن ألحق بهم، أن التراب يمر على الجسد فيطهره والأنبياء لا ذنب لهم، فلم يحتج إلى تطهيرهم بالتراب.
"ومنها أنه لا يورث، فقيل لبقائه على ملكه" لأنه حي "وقيل: لمصيره صدقة، وبه قطع" جزم "الروياني" وهو المعتمد لقوله ﷺ : "لا نورث ما تركنا صدقة"، الرواية برفع صدقة، ونصبها الشيعة، ورد بأنه يبطل معنى الحديث؛ إذ كل من ترك ما لا حالة كونه صدقة كذلك، وبأن عليًا والعباس من أهل اللسان، وقد احتج الصديق عليهم بالحديث، فقبلوه، "ثم حكى وجهين في أنه هل يصير وقفًا على ورثته؟ " لو كان يورث "وأنه إذا صار وقفًا هل هو الواقف" أو صار وقفًا من غير إنشاء صيغة؟ "وجهان، قال النووي في زيادات الروضة: الصواب الجزم بزوال ملكه، وأن ما تركه صدقة على المسلمين لا يختص به الورثة، انتهى".
وقال الحافظ: يظهر أن ما تركه بعده من جنس الأوقاف المطلقة، ينتفع بها من يحتاج إليها، وتقر تحت يد من يؤتمن عليها، ولهذا كان له عند سهل بن قدح، وعند أنس آخر، وعند عبد الله بن سلام آخر، وكان الناس يشربون منها تبركًا، وكانت جبته عند أسماء بنت أبي بكر إلى غير ذلك مما هو معروف.
"وقال" الرافعي "في الشرح الصغير" على وجيز الغزالي: "المشهور أنه صدقة،стр. 3478
وذكر الرافعي في قسم الفيء أن الخمس كان له ﷺ ينفق منه على نفسه ومصالحه، ولم يكن يملكه ولا ينتقل إلى ورثته.
وقال في باب الخصائص: إنه ملكه، ويجمع بينهما: بأن لجهة الإنفاق مادتين: مملوكة وغير مملوكة، والخلاف جار في إحداهما، انتهى. والله أعلم.
وعلى هذا، فيباح له أن يوصي بجميع ماله للفقراء، ويمضي ذلك بعد موته بخلاف غيره فإنه لا يمضي مما أوصى به إلا الثلث بعد موته.
وكذلك الأنبياء لا يورثون، لما رواه النسائي من حديث الزبير مرفوعًا: "إنا معاشر الأنبياء لا نورث".
الحواشي
(١) وذكر الرافعي" في الشرح الكبير على الوجيز "في قسم الفيء أن الخمس كان له ﷺ ، ينفق منه على نفسه ومصالحه، ولم يكن يملكه، ولا ينتقل إلى ورثته" لو كان يورث، "وقال في باب الخصائص: إنه ملكه، ويجمع بينهما بأن لجهة الإنفاق مادتين مملوكة وغير مملوكة، والخلاف جار في إحداهما، انتهى والله أعلم".
"وعلى هذا، فيباح له أن يوصي بجميع ماله للفقراء، ويمضي" أي: ينفذ "ذلك بعد موته، بخلاف غيره، فإنه لا يمضي مما أوصى به إلا الثلث بعد موته" فالوصية بجميع المال في سائر الأحوال من غير حرمة، ولا كراهة من خصائص الأنبياء، لأنهم لا يورثون "وكذلك الأنبياء لا يورثون" لأنهم لو ورثوا لظن أن لهم رغبة في الدنيا لوارثهم، أو لأنهم أحياء، أو لئلا يتمنى ورثتهم، موتهم فيهلكون، "لما رواه النسائي من حديث الزبير" بن العوام "مرفوعًا: "إنا معاشر الأنبياء" نصب على الاختصاص أو المدح، والمعشر كل جمع أمرهم واحد، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، وهو معنى قول جمع المعشر: الطائفة الذين يشملهم وصف "لا نور" وهذا بمعنى ما اشتهر مما لم يثبت لفظة: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث".
"وقال الحافظ في تخريج المختصر": والحاصل أنه لم يوجد بلفظ نحن، ووجد بلفظ: إنا، ومفادهما واحد، فلعل من ذكره ذكره بالمعنى، وهو في الصحيحين عن أبي بكر ﵁ سمعت النبي ﷺ يقول: "لا نورث ما تركنا صدقة" بحذف إنا، وكذا في السنن الثلاث، انتهى، وصدقة، بالرفع خبر المبتدأ الذي هو ما تركنا، والكلام جملتان الأولى فعلية، والثانية اسمية.
قال الحافظ: ويؤيده وروده في بعض طرق الصحيح: "ما تركنا فهو صدقة"، وادعى بعض الرافضة أن الصواب قراءته بتحتية أوله، ونصب صدقة على الحال، والذي توارد عليه أهل الحديث في القديم والحديث بالنون، ورفع صدقة، انتهى.стр. 3479
وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] وقوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي﴾ [مريم: ٦] بأن المراد يرث النبوة والعلم.
الحواشي
(١) وفي شرح المصنف وحرفه الإمامية فقالوا: لا يورث بتحتية بدل النون، وصدقة نصب على الحال، وما تركنا مفعول لما لم يسم فاعله، فجعلوا الكلام جملة واحدة، ويكون المعنى: إن ما يترك صدقة لا يورث، وهذا تحريف يخرج الكلام عن نمط الاختصاص الذي دل عليه قوله في بعض طرق الحديث: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث"، ويقضي ما صرفوه إلى أمر لا يختص به الأنبياء لأن آحاد الأمة إذا وقفوا أموالهم أو جعلوها صدقة، انقطع حق الورثة عنها، فهذا من تحاملهم، أو تجاهلهم، وقد أورده بعض أكابر الإمامية على القاضي شاذان، صاحب القاضي أبي الطيب، فقال القاضي شاذان وكان ضعيف العربية، قويًا في علم الخلاف: لا أعرف نصب صدقة من رفعه، ولا احتياج إلى علمه، فإنه لا خفاء بي وبك أن عليًا وفاطمة من أفصح العرب، لا تبلغ أنت ولا أمثالك إلى ذلك منهما، فلو كان لهما حجة فيما لحظت لأبدياها لأبي بكر، فسكت ولم يجر جوابًا، وذهب النحاس إلى صحة نصب صدقة على الحال، وأنكره عياض لتأييده مذهب الإمامية، لكن قدره ابن مالك ما تركناه متروك صدقة فحذف الخبر، وبقي الحال كالعوض منه، ونظير قراءة بعضهم: "ونحن عصبة" بالنصب. انتهى، لكن في التوجيه نظر إذ لم تأت رواية بالنصب حتى توجه، ولأنه لم يتعين حذف الخبر، بل يحتمل ما قاله الإمامية، ولذا أنكره عياض وإن صح في نفسه، "وعلى هذا فيجاب عن قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ الآية، وقوله ﴿فَهَبْ لِي﴾ الآية، ويقع في نسخة: ﴿رَبِّ هَبْ لِي﴾ ، وهو تصحيف مخالف للتلاوة ﴿مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي﴾ الآية، "بأن المراد يرث النبوة والعلم" خلافًا لمن زعم أن خوف زكريا من مواليه كان على ما له، لأنه لا يخاف على النبوة، لأنها من فضل الله، يعطيها من شاء، فلزم أنه يورث، وهذا مدفوع بأن خوفه منهم لاحتمال شرتهم من جهة تغييرهم أحكام شرعه، فطلب ولدًا يرث نبوته ليحفظها.
"ومنها: أنه حي في قبره" قال البيهقي: لأن الأنبياء بعدما قبضوا ردت إليهم أرواحهم، فهم أحياء عند ربهم كالشهداء، وقد رأى نبينا ﷺ جماعة منهم وأمهم في الصلاة، وأخبر وخبره صدق أن صلاتنا معروضة عليه، وإن سلامنا يبلغه، وإن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء.
قال السيوطي: وكل نبي إلا وقد جمع مع النبوة وصف الشهادة، فيدخلون في عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآية. وأخرج أحمد، وأبو يعلى، والطبراني، والحاكم،стр. 3480
ومنها: أنه حي في قبره ويصلي فيه بأذان وإقامة وكذلك الأنبياء، ولهذا قيل: لا عدة على أزواجه.
وقد حكى ابن زبالة، وابن النجار أن الأذان ترك في أيام الحرة ثلاثة أيام وخرج الناس، وسعيد بن المسيب في المسجد، قال سعيد: فاستوحشت فدنوت من القبر فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر فصليت الظهر.
الحواشي
(١) والبيهقي عن ابن مسعود، قال: لأن أحلف تسعًا أن رسول الله ﷺ قتل، أحب إلي من أن أحلف واحدة أنه لم يقتل، وذلك أن الله اتخذه نبيًا واتخذه شهيدًا.
وأخرج البخاري والبيهقي، عن عائشة: كان ﷺ يقول في مرضه الذي توفي فيه: "لم أزل أجد ألم الطعام حين أكلت بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم"، "يصلي فيه بأذان وإقامة" من ملك موكل بذلك، إكرامًا له على ما يظهر، ويحتمل غير ذلك، "وكذلك الأنبياء" أحياء في قبورهم يصلون، روى أبو يعلى والبيهقي، عن أنس: أن النبي ﷺ ، قال: "مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره"، "ولهذا قيل: لا عدة على أزواجه" لأنه حي، فزوجيتهن باقية غايته أن انتقل من دار إلى دار وحياته باقية، وذلك مقتضى لبقاء العصمة، وكأن قائل هذا رأى أن روحه لما ردت بعد موته إليه، كأنه لم يمت، لا أنه لم يمت حقيقة بل هو أمر كهيئة الإغماء، نظن به موته، إذ لا قائل بذلك، ومثله يقال في بقية الأنبياء.
"وقد حكى" محمد بن الحسن "بن زبالة" بفتح الزاي وتخفيف الموحدة، المخزومي، أبو الحسن المدني، كذبوه ومات قبل المائتين، "وابن النجار أن الأذان ترك في أيام" وقعة "الحرة" بفتح الحاء المهملة، والراء الشديدة: أرض بظاهر المدينة ذات حجارة سود، كأنها أحرقت بالنار، كانت بها الوقعة بين أهل المدينة وبين عسكر يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين، بسبب خلع أهل المدينة يزيد، وولوا على قريش عبد الله بن مطيع وعلى الأنصار عبد الله بن حنظلة وأخرجوا عامل يزيد عثمان بن محمد بن أبي سفيان ابن عم يزيد من بين أظهرهم وكان عسكر يزيد سبعة وعشرين ألف فارس وخمسة عشر ألف راجل، قتل فيها خلق كثير من الصحابة وسيرهم، ونهبت المدينة وافتض فيها ألف عذارء.
وفي البخاري عن سعيد بن المسيب: إن هذه الفتنة لم تبق من أصحاب الحديبية أحدًا "ثلاثة أيام، وخرج الناس" من المسجد، "وسعيد بن المسيب في المسجد" لم يخرج، "قال سعيد: فاستوحشت" أي: حصلت لي وحشة، أي نفرة في نفسي لخلو المسجد ممن يستأنس به، "فدنوت من القبر" الشريف لنزول الوحشة، "فلما حضرت الظهر سمعت الأذان في القبر، فصليت الظهر" بذلك اكتفاء به لعلمه أنه حق، لكن مقتضى: فلما حضرت الظهر أنه علمстр. 3481
ثم مضى ذلك الأذان والإقامة في القبر لكل صلاة حتى مضت الثلاث ليال، ورجع الناس وعاد المؤذنون فسمعت أذانهم كما سمعت الأذان في قبر النبي ﷺ ، انتهى.
وقد ثبت أن الأنبياء يحجون ويلبون.
فإن قلت: كيف يصلون ويحجون ويلبون وهم أموات في الدار الآخرة وليست دار عمل؟
فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون.
الحواشي
(١) دخول الوقت قبل سماع الأذان، لكن روى الدارمي: أخبرنا مروان بن محمد، عن سعيد بن عبد العزيز، قال: لما كان أيام الحرة لم يؤذن في مسجد النبي ﷺ ثلاثًا ولم يقم، وأن سعيد بن المسيب لم يبرح مقيمًا، كان لا يعرف وقت الصلاة إلا بمهملة يسمعها من قبر النبي ﷺ ، "ثم مضى" استمر "ذلك الأذان والإقامة في القبر لكل صلاة" يحتمل من ملك عنده بقبره تعظيمًا له على الظاهر، ويحتمل غير ذلك "حتى مضت الثلاث ليال، ورجع الناس، وعاد المؤذنون، فسمعت أذانهم، كما سمعت الأذان في قبر النبي ﷺ ، انتهى.
وأشار بذلك إلى أن ما سمعه في القبر هو الأذان المعروف، لا الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ أخر، أو نبه بذلك على سماعه بعد عود الناس أذان المؤذنين دون القبر، وإن كان باقيًا، لأن سماعه تلك المدة كرامة له، وتأنس لاستيحاشه بانفراده في المسجد، وتجويز أنه انقطع الأذان في القبر بعد عود الناس لا يسمع، وكلامهم يأباه.
روى أبو نعم عن سعيد بن المسيب، قال: لقد رأيتني ليالي الحرة، وما في مسجد رسول الله ﷺ غيري، وما يأتي وقت صلاة إلا سمعت الأذان من القبر.
وروى الزبير بن بكار، عنه: لم أزل أسمع الأذان والإقامة في قبر رسول الله أيام الحرة حتى عاد الناس.
وأخرج ابن سعد، عنه: أنه كان يلازم المسجد أيام الحرة والناس يقتتلون، قال: فكنت إذا حانت الصلاة أسمع أذانًا من القبر الشريف، "وقد ثبت أن الأنبياء يحجون ويلبون" فيجب اعتقاده لنبوته، "فإن قلت: كيف يصلون ويحجون ويلبون وهم أموات في الدار الآخرة، وليست دار عمل" بل دار جزاء ونعيم للمؤمنين، "فالجواب: أنهم كالشهداء، بل أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون" كما في التنزيل، وقال ﷺ : "الشهداء على بارق نهر ببابстр. 3482
فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا، أو نقول: إن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا لأنه قبل يوم القيامة في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وأن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال في الآخرة من غير تكليف على سبيل التلذذ بها، ولهذا ورد أنهم يسبحون ويقرءون القرآن، ومن هذا سجود النبي ﷺ وقت الشفاعة.
وقد قال صاحب "التلخيص": إن ماله ﵇ قائم على نفقته وملكه، وعده من خصائصه.
ونقل إمام الحرمين عنه أنه ما خلفه بقي على ما كان عليه في حياته، فكان ينفق منه أبو بكر على أهله وخدمه، وكان يرى أنه باق على ملك النبي ﷺ . فإن الأنبياء أحياء.
الحواشي
(١) الجنة في قبة خضراء، يخرج عليهم رزقهم بكرة وعشية". رواه أحمد، "فلا يبعد أن يحجوا" ويلبوا "ويصلوا" وهذا لا يدفع السؤال: كيف تقع أعمال الدنيا في الآخرة، وليست دار عمل، وكما يرد هذا في الأنبياء يرد أيضًا في الشهداء، والأحسن الجواب بأنه ورد عن الشارع، وهو ممكن، فيجب قبوله، ولا يبحث فيه بشيء، وكون الآخرة ليست دار عمل، أي: مكلف به، وأعمالهم إنما هي لمجرد التلذذ وتيسيره لهم، فهو من جملة النعيم، "أو نقول" في الجواب: "أن البرزخ ينسحب" ينحر "عليه حكم الدنيا لأنه قبل يوم القيامة" وكل ما قبله يعد من الدنيا "في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وأن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف وقد تحصل الأعمال في الآخرة من غير تكليف على سبيل التلذذ بها" فهو من النعيم، وكان هذا تتمة الجواب الأول، "ولهذا" أي: حصول الأعمال في الآخرة تلذذًا، "ورد أنهم" أي أهل الآخرة "يسبحون ويقرءون القرآن" في الجنة، كما في مسلم مرفوعًا: "إن أهل الجنة يلهمون التسبيح والتحميد، كما يلهمون النفس"، "ومن هذا سجود النبي ﷺ وقت الشفاعة" ثلاث مرات.
"وقد قال صاحب التلخيص" ابن القاص: "أن ماله ﵇ قائم" أي: باق "على نفقته وملكه" فيصرف منه على أزواجه ومن كان ي نفقته في حياته "وعده من خصائصه، ونقل إمام الحرمين" وصححه "عنه أنه ما خلفه بقي على ما كان عليه في حياته، فكان ينفق منه أبو بكر على أهله" أي: زوجاته "وخدمه" ويصرف منه ما كان يصرف في حياته، "وكان يرى" يعتقد "أنه باقٍ على ملك النبي ﷺ ، فإن الأنبياء أحياء" ومال السبكي إليه لهذا التعليل،стр. 3483
وهذا يقتضي إثبات الحياة في أحكام الدنيا، وذلك زائد على حياة الشهيد.
والذي صرح به النووي: زوال ملكه ﵇ وأن ما تركه صدقة على جميع المسلمين لا يختص به ورثته.
فإن قلت: القرآن ناطق بموته ﵇، قال الله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ، وقال ﵇: "إني امرؤ مقبوض". وقال الصديق: فإن محمدًا قد مات، وأجمع المسلمون على إطلاق ذلك.
فأجاب الشيخ تقي الدين السبكي، بأن ذلك الموت غير مستمر، وأنه ﷺ أحيي بعد الموت، ويكون انتقال الملك ونحوه مشروطًا بالموت المستمر، وإلا فالحياة الثانية.
الحواشي
(١) "وهذا يقتضي إثبات الحياة في أحكام الدنيا، وذلك زائد على حياة الشهيد" لأنها وإن كانت واقعة، لكن يزول ملكه معها، وتعتد نساؤه ويورث ماله فلا ينفق شيء منه على زوجاته وخدمه اتفاقًا في ذلك كله بخلاف الأنبياء، ففيه خلاف.
"والذي صرح به النووي" وقال إنه الصواب، كما مر قريبًا "زوال ملكه ﵇" بالموت، "وأن ما تركه صدقه على جميع المسلمين، لا يختص به ورثته" وإنما أنفق منه على زوجاته لوجوب نفقتهن في تركته مدة حياتهن، لأنهن في معنى المعتدات لحرمة النكاح عليهن أبدًا، وليس ذلك لإرثهن منه، ولذلك اختصصن بمساكنهن مدة حياتهن، ولم يرثها ورثتهن بعدهن "فإن قلت" كيف يكون حيًا ويختلف في زوال ملكه عن ماله وفي عدة زوجاته، وهذا "القرآن ناطق بموته ﵇".
"قال الله تعالى" خطابًا له ﷺ : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَُّمْ مَيِّتُونَ﴾ أي: ستموت ويموتون، فلا شماتة بالموت، نزلت لما استبطأ الكفار موته ﵇، وقال ﵇: "إني امرؤ مقبوض". وقال الصديق" ومن كان يعبد محمدًا، "فإن محمدًا قد مات، وأجمع المسلمون على إطلاق ذلك" ورجع عمر عن قوله أنه ما مات، ولن يموت حتى يفني الله المنافقين، فقام لما بويع أبو بكر، واستوى على منبره ﵇، وتشهد، ثم قال: أما بعد، فإني قلت لكم مقالتي بالأمس، ولم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدتها في كتاب الله، ولا في عهدٍ عهِدَ إلى رسول الله ﷺ ، ولكني كنت أرجو أن يعيش حتى يكون آخرنا موتًا، فاختار الله له ما عنده، "فأجاب" أي: فأقول أجاب، لأن هذا ليس من المواضع التي تدخل عليها الفاء "الشيخ تقي الدين السبكي بأن ذلك الموت غير مستمر، وأنه ﷺ أحيي بعد الموت، ويكون انتقال الملك ونحوه" كاعتداد الزوجات "مشروطًا بالموت المستمر، وإلا فالحياة الثانية حياةстр. 3484
حياة أخروية، ولا شك أنها أعلى وأكمل من حياة الشهداء، وهي ثابتة للروح بلا إشكال، وقد ثبت أن أجساد الأنبياء لا تبلى، وعود الروح إلى الجسد ثابت في الصحيح لسائر الموتى فضلا عن الشهداء، فضلا عن الأنبياء، وإنما النظر في استمرارها في البدن، وفي أن البدن يصير حيًا كحالته في الدنيا، أو حيًا بدونها، وهي حيث شاء الله تعالى، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادي لا عقلي، فهذا مما يجوزه العقل، فإن صح به سمع اتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء.
ويشهد له صلاة موسى في قبره، فإن الصلاة تستدعي جسدًا حيًا، وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء، كلها صفات الأجسام، ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب وغير ذلك من صفات الأجسام.
الحواشي
(١) أخروية ولا شك أنها أعلى وأكمل من حياة الشهداء" لفضل الأنبياء عليهم، "وهي ثابتة للروح بلا إشكال" أي: بلا خلاف عند أهل السنة، إذ لا تموت بموت الأجساد في جميع الناس، ففي فنائها عند القيامة توفيه بظاهر قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ﴾ الآية، وعدمه قولان استقرب السبكي الثاني.
"وقد ثبت أن أجساد الأنبياء لا تبلى، وعود الروح إلى الجسد ثابت في الصحيح لسائر الموتى فضلا" أي: نهاية "عن الشهداء، فضلا عن الأنبياء، وإنما النظر في استمرارها في البدن، وفي أن البدن يصير حيًا كحالته في الدنيا، أو حيًا بدونها، وهي حيث شاء الله تعالى، فإن ملازمة الروح للحياة أمر عادي" أجرى الله به العادة، فيجوز تخلفه "لا عقلي" فيمتنع بخلفه "فهذا" أي: الحياة بلا روح "مما يجوزه العقل، فإن صح به سمع اتبع، وقد ذكره جماعة من العلماء، ويشهد له صلاة موسى في قبره" كما ثبت في الصحيح.
واختلف فيها، فقيل: الصلاة اللغوية، أي: يدعو الله ويذكره ويثني عليه وقيل: الشرعية، ولا مانع من ذلك، لأنه إلى الآن في الدنيا، وهي دار تعبد، وعلى هذا جرى القرطبي، فقال: الحديث يدل بظاهره على أنه رآه رؤية حقيقية في اليقظة، وأنه حي في قبره، يصلي الصلاة التي كان يصليها في الحياة، وذلك ممكن، "فإن الصلاة تستدعي جسدًا حيًا" سواء قلنا أنها الشرعية أو اللغوية، "وكذلك الصفات المذكورة في الأنبياء ليلة الإسراء، كلها صفات الأجسام، ولا يلزم من كونها حياة حقيقية أن تكون الأبدان معها، كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب، وغير ذلك من صفات الأجسام" لأن ذلك عادي لا عقلي،стр. 3485
التي نشاهدها بل يكون لها حكم آخر، فليس في العقل ما يمنع إثبات الحياة الحقيقية لهم.
وأما الإدراكات كالعلم والسماع فلا شك أن ذلك ثابت لهم بل ولسائر الموتى، حكاه الشيخ زين الدين المراعي، وقال: إنه مما يعز وجوده وفي مثله يتنافس المتنافسون.
الحواشي
(١) وهذه الملائكة أحياء، ولا يحتاجون إلى ذلك، وقيد بقوله: "التي نشاهدها" حتى لا يرد عليهم أنهم يأكلون ويشربون مما لا نشاهده.
وفي الفتاوى الرملية: الأنبياء والشهداء والعلماء لا يبلون، والأنبياء والشهداء يأكلون في قبورهم، ويشربون، ويصلون، ويصومون ويحجون، واختلف هل ينكحون نساءهم، أم لا؟ ويثابون على صلاتهم وحجهم، ولا كلفة عليهم في ذلك، بل يتلذذون، وليس هو من قبيل التكليف؛ لأن التكليف انقطع بالموت، بل من قبيل الكرامة لهم ورفع درجاتهم بذلك، "بل يكون لها حكم آخر، فليس في العقل ما يمنع من إثبات الحياة الحقيقية لهم".
"وأما الإدراكات كالعلم والسماع، فلا شك أن ذلك ثابت لهم، بل ولسائر الموتى" كما ورد ذلك في الأحاديث.
قال ﷺ : "ما من رجل يزور قبر أخيه، ويجلس عليه إلا استأنس ورد عليه حتى يقوم"، رواه ابن أبي الدنيا، وقال ﷺ : "ما من أحد يمر بقبر أخيه المؤمن، كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه، إلا عرفه ورد ﵇"، رواه ابن عبد البر، وصححه أبو محمد عبد الحق، وقال ﷺ : "إن الميت يعرف من يغسله ويحمله ويدليه في قبره"، رواه أحمد وغيره.
"حكاه الشيخ زين الدين المراعي" بفتح الميم، معجمة آخره المحدث، العالم النحرير، "وقال: إنه ما يعز وجوده، وفي مثله يتنافس المتنافسون" يرغبون بالمبادرة إليه لنفاسته، وفي نبأ الأذكياء حياة النبي ﷺ في قبره هو وسائر الأنبياء، معلومة عندنا علمًا قطعيًا لما قام عندنا من الأدلة في ذلك، وتواترت به الأخبار، وألف البيهقي في ذلك جزأ، وفي تذكرة القرطبي عن شيخه: الموت ليس بعدم محض، وإنما هو انتقال من حال إلى حال، ويدل على ذلك؛ أن الشهداء بعد قتلهم وموتهم أحياء عند ربهم يرزقون، فرحين مستبشرين، وهذه صفة الأحياء في الدنيا، وإذا كان هذا في الشهداء، فالأنبياء أحق بذلك وأولى، وقد صح أن الأرض لا تأكل أجسادهم؛ وأنه ﷺ اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماء، ورأى موسى قائمًا يصلي في قبره، وأخبره ﷺ بأنه يرد السلام على كل من يسلم عليه، إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإنстр. 3486
ومنها: أنه وكل بقبره ملك يبلغه صلاة المصلين عليه.
الحواشي
(١) كانوا موجودين أحياء، ولا يراهم أحد من نوعنا إلا من خصه الله تعالى بكرامة من أوليائه، انتهى، ولا تدافع بين رؤيته موسى يصلي في قبره، وبين رؤيته في السماء لأن للأنبياء مراتع ومسارح يتعرفون فيما شاءوا، ثم يرجعون، أو لأن أرواحهم بعد فراق الأبدان في الرفيق الأعلى، ولها إشراق على البدن وتعلق به، فيتمكنون من التعرف والتقرب، بحيث يرد السلام على المسلم، وبهذا التعلق رآه يصلي في قبره، ورآه في السماء، ورأى الأنبياء في بيت المقدس وفي السماء كما أن نبينا بالرفيق الأعلى، وبدنه في قبره يرد السلام على من يسلم عليه، ولم يفهم هذا من قال: رؤيته يصلي في قبره منامية، أو تمثيل، أو إخبار عن وحي، لا رؤية عين، فكلها تكلفات بعيدة.
وأخرج البيهقي في كتاب حياة الأنبياء والحاكم في تاريخه، عن أنس: أن النبي ﷺ قال: "إن الأنبياء لا يتركون في قبورهم بعد أربعين ليلة، ولكن يصلون بين يدي الله تعالى حتى ينفخ في الصور".
قال الحافظ في سنده: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى سيئ الحفظ، قال: وأما ما أوردهم الغزالي والرافعي، بلفظ: "أنا أكرم على ربي أن يتركني في قبري بعد ثلاث"، فلا أصل له إلا إن أخذ من رواية ابن أبي ليلى هذه، وليس الأخذ بجيد إذ تلك قابلة للتأويل، قال البيهقي: إن صح، فالمراد أنهم لا يتركون يصلون، إلا هذا المقدار، ويكونون مصلين بين يدي الله.
"ومنها: أنه وكل بقبره ملك" قائم على قبره إلى يقوم اليامة، "يبلغه صلاة المصلين عليه" بلفظ محمد وأحمد وغيرهما من أسمائه، كالعاقب والماحي، ولام المصلين للاستغراق، فهي للعموم، وعموم الأشخاص يستلزم عموم الأحوال ككون المصلي جنبًا، أو متعاطيًا لمحرم، أو في مكان لا يذكر الله فيه كالأخلية، ولا مانع من ذلك لجواز أن النهي لأمر خارج، وهو لا ينافي التبليغ الذي يترتب عليه الثواب، ويبلغها له عقب التلفظ بها، كما روى الديلمي عن أبي بكر، رفعه: "أكثروا الصلاة عليّ، فإن الله وكل بي ملكًا عند قبري، فإذا صلى علي رجل من أمتي قال لي ذلك الملك: يا محمد إن فلان بن فلان يصلي عليك الساعة"، وبه سقط توهم أنه لا حاجة إلى ذلك لأن أعمال أمته كلها تعرض عليه، والصلاة من جملتها لأنها تعرض ساعة التلفظ بها، وهو غير وقت عرض الأعمال، ولذا جعلوا من أدلة حياته على الدوام، وأن روحه لا تفارقه أبدًا، قوله ﷺ : "ما من أحد يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد ﵇"، رواه أبو داود بهذا اللفظ لاستحالة خلو الوجود كله من أحد يسلم عليه عادة، ويأتي إن شاء اللهстр. 3487
رواه أحمد والنسائي والحاكم وصححه بلفظ: "إن لله ملائكة سياحين في الأرض يبلغوني عن أمتي أمة السلام". وعند الأصفهاني عن عمارة: "إن لله ملكًا أعطاه الإجابة سمع العباد كلهم
الحواشي
(١) تعالى بسط هذا الحديث في المقصد العاشر، "رواه أحمد والنسائي" في الصلاة "والحاكم، وصححه" في التفسير، وابن حبان، والطبراني، وأبو الشيخ، والبيهقي عن ابن مسعود، "بلفظ" قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله ملائكة" جمع ملك نكره على معنى بعض صفته "سياحين" بسين مهملة من السياحة، وهي السير، يقال: ساح في الأرض، يسيح سياحة إذا ذهب فيها، وأصله من السيح، وهو الماء الجاري المنبسط "في الأرض" في مصالح بني آدم، وفي رواية: يدله في الهواء، "يبلغوني عن" وفي رواية: "من أمتي" أمة الإجابة، "السلام" ممن يسلم عليّ منهن، وإن بعد قطره وتناءت داره، أي: فيرد عليهم بسماعه منهم؛ كما في خبر آخر، وفيه تعظم له ﷺ ، وإجلال لأمته، حيث سخر الملائكة الكرام لذلك، وهذا الحديث في الصحيحين دون قوله: "سياحين" فلم يعزه المصنف لهما لزيادتهما، فإن ورد أنه لا يطابق ترجمته، إذ هي ملك يبلغه الصلاة، والحديث ملائكة تبلغه السلام، فالجواب: أنه أراد يملك الجنس، وهو نوعان، واحد موكل بالقبر وآخرون سياحون، وأراد بالصلاة ما يشمل السلام مجازًا، وفي الحديث الأول تبليغ السلام، والثاني تبليغ الصلاة فطابق الترجمة، ولا يجاب بأن السياحين يبلغون الموكل لأنه صرح برده عليهم، بسماعه منهم، ودعوى التجوز ممنوعة، فالأصل الحقيقة.
قال بعض: هل يبلغ السياحون غير السلام، أو الملك غير الصلاة؟ لم أقف على شيء في ذلك، والظاهر لا لأنه غير مشروع وكأنه أراد بغير الصلاة والسلام نحو ترضية وترحم عليه، لتعليله بأنه لم يشرع، ولأن الأمر توفيقي لا دخل فيه للقياس.
"وعند الأصفهاني" بكسر الهمزة وفتحها، وهي همزة قطع، قال النووي: ويجوز حذفها في الوصل، وبفتح الموحدة، وقد تكسر، ويقال بالفاء مفتوحة ومكسورة، مع كسر الهمزة وفتحها مدينة معروفة، وهو أبو الشيخ عبد الله بن محمد بن جعفر بن حيان، بفتح المهملة والتحتية، حافظ أصبهان، ومسند ذلك الزمان سنة ست وتسعين وثلاثمائة، أو أراد به الحافظ أبا القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل بن علي القرشي، التيمي، الطلحي، الأصفهاني الإمام الحافظ الكبير، الذي يضرب به المثل في الصلاة مات سنة خمس وثلاثين وخمسمائة، وكلاهما صحيح، فأبو الشيخ روى هذا الحديث في كتاب العظمة، وأبو القاسم رواه في كتاب الترغيب والترهيب له، وقصر المصنف في العزو، فقد رواه البخاري في تاريخه، والطبراني، والعقيلي، وابن النجار، كلهم عن عمار بن ياسر، أحد السابقين، وقوله: "عن عمارة" تصحيف من الكتاب، فالصواب إسقاط الهاء عن النبي ﷺ ، قال: "إن لله ملكًا أعطاه الإجابة سمع العباد كلهم,стр. 3488
فما من أحد يصلي عليّ صلاة إلا أبلغنيها".
الحواشي
(١) أي: قوة يقتدر بها على سماع ما ينطق به كل مخلوق من إنس وجن وغيرهما "فما" وفي رواية: فليس "من أحد يصلي علي صلاة إلا" سمعها و"أبلغنيها".
زاد الطبراني في روايته: "وإني سألت ربي أن لا يصلي علي عبد صلاة إلا صلى عليه عشر أمثالها" للطبراني أيضًا عن عمار بن ياسر، عن النبي ﷺ : "إن لله ملكًا أعطاه أسماع الخلائق كلها، وهو قائم على قبري، إذا مت إلى يوم القيامة، فليس أحد من أمتي يصلي عليّ صلاة إلا سماه باسمه واسم أبيه، وقال: يا محمد صلى عليك فلان من فلان، فيصلي الرب ﵎ عليه بكل واحدة عشرًا".
وروى الخطيب عن أبي هريرة، مرفوعًا: "من صلى عليّ عند قبري سمعته، ومن صلى علي نائيًا وكل الله به ملكًا يبلغني"، ورواه الديلمي بلفظ: "نائيًا أبلغته" أي: بعيدًا أبلغنيه الملك، فظاهره أن تبليغه ما لم يكن المصلي عند القبر الشريف، وإلا سمعه ﷺ بنفسه.
قال الشهاب بن حجر في فتاويه: والذي يظهر أن المراد بالعندية أن يكون في محل قريب من القبر، بحيث يصدق عليه عرفًا أنه عنده، وبالبعد عنه ما عدا ذلك، وإن كان بمسجده ﷺ وفي القول البديع: إذا كان المصلي عند قبره الشري سمعه ﷺ بلا واسطة، سواء كان ليلة الجمعة أو غيرها، وما يقوله بعض الخطباء ونحوهم أنه يسمع بأذنيه في هذا اليوم من يصلي عليه، فهو مع حمله على القريب لا مفهوم له، وسئل النووي عمن حلف بالطلاق الثلاث؛ أنه ﷺ يسمع الصلاة عليه هل يحنث أم لا؟ فأجاب: لا يحكم عليه بالحنث للشك في ذلك، والورع أنه يلزمه الحنث انتهى، لكن يعارضه خبر: "من صلى علي عند قبري، وكل الله به ملكًا يبلغني، وكفي أمر دنياه وآخرته، وكنت له شفيعًا، أو شهيدًا يوم القيامة". وجمع صاحب الجوهر المنظم بأنه يسمع الصلاة والسلام عند قبره بلا واسطة، ويبلغه الملك أيضًا إشعارًا بمزيد خصوصيته والاعتناء بشأنه، والاستمداد له بذلك.
وروى الطبراني وغيره عن الحسن بن علي، رفعه: "حيثما كنتم فصلوا عليّ، فإن صلاتكم تبلغني"، ومعناه: لا تتكلفوا المعاودة إلى قبري، لكن الحضور فيه مشافهة أفضل من الغيبة والمنهي عنه الاعتياد الرافع للحشمة، المخالف لكمال المهابة.
وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن أنس قال ﷺ : "إن أقربكم مني يوم القيامة في كل موطن" أكثركم عليّ صلاة في الدنيا، من صلى عليّ يوم الجمعة، وليلة الجمعة قضى الله له مائة حاجة، سبعين من حوائج الآخرة، وثلاثين من حوائج الدنيا، ثم يوكل الله بذلك ملكًا يدخله في قبري، كما يدخل عليكم الهدايا، يخبرني بمن صلى علي باسمه، ونسبه إلى عشيرته، فأثبته عندي في صحيفة بيضاء".стр. 3489
وتعرض أعمال أمته عليه، ويستغفر لهم، روى بن المبارك عن سعيد بن المسيب قال: "ليس من يوم إلا وتعرض على النبي ﷺ أعمال أمته غدوة وعشيًا فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم".
الحواشي
(١) وأخرج الطبراني والبيهقي عن أبي هريرة، وابن عدي عن أنس مرفوعًا: "أكثروا الصلاة علي في الليلة الغراء، واليوم الأزهر، فإن صلاتكم تعرض عليّ"، قالوا: وكيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ أي: بليت، فقال: "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، أي: لأنها نور، وهو لا يتغير بل ينتقل من حالة إلى حالة.
وروى ابن ماجه برجال ثقات عن أبي الدرداء مرفوعًا: "أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة فإنه يوم مشهود تشهده الملائكة، وإن أحدًا لن يصلي عليّ إلا عرضت عليّ صلاته حتى يفرغ منها" قلت: وبعد الموت؟ قال: "وبعد الموت، إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، أي: عرضت علي عرضًا خاصًا، زيادة شرف للمصلي في ذلك اليوم فلا ينافي أنها تعرض عليه في أي وقت صلى عليه ولذا قال: "أكثروا من الصلاة عليّ في يوم الجمعة وليلة الجمعة، فمن فعل ذلك كنت له شهيدًا وشافعًا يوم القيامة"، رواه البيهقي عن أنس بإسناد ضعيف لكنه حسن لشواهده، أي: شهيدًا بأعماله التي منها الصلاة عليّ، وشافعًا له شفاعة خاصة اعتناء به، وإلا فشفاعته عامة، ووجه مناسبة الإكثار من الصلاة عليه يوم القيامة وليلتها أن يومها سيد أيام الأسبوع، والنبي ﷺ سيد الخلق فللصلاة عليه فيه مزية ليست لغيره، وأيضًا فكل خير تناله الأمة في الدارين إنما هو بواسطته، وأعظم كرامة تحصل لهم في يوم الجمعة، وهي بعثهم إلى منازلهم في الجنة، وكما أنه عيد لهم في الدنيا، فكذا في الأخرى فإنه يوم المزيد الذي يتجلى لهم الحق تعالى فيه، وهذا حصل لهم بواسطته؛ فمن شكره إكثار الصلاة عليه فيه، وذكر أبو طالب في القوت: أن أقل الأكثرية ثلاثمائة مرة، وورد في الصلاة عليه ﷺ ألفاظ كثيرة، أشهرها: اللهم صلى على محمد، وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، ويأتي إن شاء الله تعالى مزيد لذلك في المقصد السابع والأخير.
"وتعرض عليه أعمال أمته" حسنها وسيئها فيحمد الله على حسنها، "ويستغفر لهم" سيئها، وروى البزار بسند جيد عن ابن مسعود، رفعه: "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم، تعرض عليّ أعمالكم، فما كان من حسن حمدت الله عليه، وما كان من سيئ استغفرت الله لكم" أي: طلبت مغفرة الصغائر وتخفيف عقوبات الكبائر، وظاهره أن المراد عرض أعمال المكلفين، إذ غير المكلف لا ذنب له، ويحتمل العموم، وذلك العرض كل يوم مرتين كما "روى ابن المبارك" عبد الله، الذي تستنزل الرحمة بذكره "عن سعيد بن المسيب" التابعي الجليل ابن الصحابي، "قال: ليس من يوم إلا وتعرض على النبي ﷺ أعمال أمته غدوة وعشيًا" زيادة إكرام لهم، "فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم" فيحمد الله ويستغفر لهم، فإذا علم المسيء ذلك قدстр. 3490
ومنها: أن منبره على حوضه كما في الحديث وفي رواية: "ومنبري على ترعة من ترع الجنة" وأصل الترعة الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المطمئن فهي روضة. ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره وأنه حق محسوس موجود، فإن القدرة صالحة لا عجز فيها، وكل ما أخبر به الصادق ﵊ من أمور الغيب فالإيمان به واجب.
الحواشي
(١) يحمله على الإقلاع، ولا يعارضه قوله ﷺ : "تعرض الأعمال كل يوم الاثنين والخميس على الله، وتعرض على الأنبياء والآباء والأمهات يوم الجمعة، فيفرحون بحسناتهم، وتزداد وجوههم بياضًا وإشراقًا، فاتقوا الله ولا تؤذوا موتاكم"، رواه الحكيم الترمذي، لجواز أن العرض على النبي ﷺ كل يوم على وجه التفصيل، وعلى الأنبياء، ومنهم نبينا على وجه الإجمال يوم الجمعة، فيمتاز ﷺ بعرض أعمال أمته كل يوم تفصيلا، ويوم الجمعة إجمالا، ويأتي إن شاء الله تعالى وجه أن مماته خير في المقصد العاشر.
"ومنها: أن منبره على حوضه" أي: ينقل المنبر الذي قال عليه هذه المقالة يوم القيامة، فينصب على الحوض، ثم تصير قوائمه رواتب في الجنة، كما روى الطبراني "كما في حديث" أخرجه الشيخان، وأحمد، والترمذي عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة، ومنبري على حوضي". "وفي رواية" عند النسائ في هذا الحديث بدل قوله: "ومنبري على حوضي": "ومنبري على ترعة " بضم، فسكون "من ترع" بضم، ففتح، جمع ترعة "الجنة" أي: موضع معين فيها، "وأصل الترعة" أي حقيقتها لغة "الروضة على المكان المرتفع خاصة، فإذا كانت في المطمئن، فهي روضة" وبهذه الحقيقة فسرها الديلمي، قال: وقيل هي الدرجة، وفي رواية لأحمد والطبراني عن بعض الصحابة تفسير الترعة بالباب، وسوى في القاموس بين هذه الحقائق، فظاهره أنها كلها لغوية، والروضة الموضع المعجب بالزهور لاستراضة المياه السائلة إليها، أي: سكونها بها، وعلم من المصنف أن الروضة تطلق على مجمع الزهور في المرتفع والمنخفض، ويخص المنخفض بالروضة دون الترعة.
"ولم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره" أي: إن المراد منبره الذي كان يخطب عليه في الدنيا، "وأنه حق محسوس" مشاهد بحاسة البصر، "موجود" في الجنة وعلى الحوض قبل، "فإن القدرة صالحة" لذلك "لا عجز فيها" تعليل لنفي الخلاف، "وكل ما أخبر به الصادق ﵊ من أمور الغيب، فالإيمان به واجب" إذ لا ينطق عن الهوى، لكن في نفس الخلاف نظر، فالخلاف موجود، فقيل: هو منبره الذي كان يخطب عليه.стр. 3491
ومنها أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنة، رواه البخاري بلفظ: "ما بين بيتي ومنبري"، وهذا يحتمل الحقيقة والمجاز.
أما الحقيقة: فبأن يكون ما أخبر عنه ﷺ بأنه من الجنة مقتطعًا منها، كما أن الحجر الأسود منها.
الحواشي
(١) قال السيوطي: وهو الأصح، وقيل: منبر يوضع له هناك، وقيل: التعبد عنده يورث الجنة، فكأنه قطعة منها، واستبعد الثاني بأن في رواية أحمد برجال الصحيح عن أبي هريرة، رفعه: "منبري هذا على ترعة من ترع الجنة" فاسم الإشارة ظاهرًا، وصريح في أنه منبره في الدنيا، والثالث: بأنه لا يكون خصوصية له، إذا التعبد في أي مكان يورث الجنة، اللهم إلا أن يجاب عن المصنف بأن المعنى لم يختلف أحد في أن المنبر على ظاهره، وإن اختلفوا في أنه الذي كان في الدنيا أو غيره، وفي أنه على حذف مضاف، أي: العمل عنده أم لا؟ ويحتمل أن لفظ أحد بمعنى الجماعة، أي: لم يختلف جماعة في هذا، وإن اختلف غيرهم على نحو قول البيضاوي في: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ أحد في معنى الجمع لوقوعه في سياق النفي، أو إن أحد بمعنى واحد، كما في القاموس، أي: لم يتردد واحد في ذلك، فلم يقل أراد بالمنبر المقام، وهذا قريب مما قبله لكن قال شيخنا: تقريرًا هذا من حيث اللفظ، ومرادهم بمثله حكاية الاتفاق، فالأقرب الأول.
"ومنها: أن ما بين منبره وقبره روضة من رياض الجنة، رواه البخاري" ومسلم وغيرهما، "بلفظ: "ما بين بيتي ومنبري" ووقع في رواية ابن عساكر للبخاري في فضل المدينة من صحيحه: وقبري بدل بيتي، قال الحافظ: وهو خطأ، فقد قدم البخاري الحديث في كتاب الصلاة بإسناده بلفظ: بيتي، وكذا هو في مسند مسدد شيخ البخاري فيه، نعم وقع في حديث سعد بن أبي وقاص عند البزار برجال ثقات، وابن عمر عند الطبراني بلفظ: قبري، فعلى هذا المراد بالبيت في قوله: بيتي أحد بيوته لا كلها، وهو بيت عائشة الذي صار فيه قبره، وقد ورد الحديث بلفظ: "ما بين المنبر وبيت عائشة روضة من رياض الجنة"، أخرجه الطبراني في الأوسط، "وهذا يحتمل الحقيقة" بأن يكون على ظاهره ولم يثبت خبر عن بقعة بخصوصها أنها من الجنة إلا هذه البقعة، "والمجاز. أما الحقيقة فبأن يكون ما أخبر عنه ﷺ بأنه من الجنة مقتطعًا منها" نقل ابن زبالة أن ذرع ما بين المنبر والبيت الذي فيه القبر الآن ثلاث وخمسون ذراعًا، وقيل: أربع وخمسون وسدس وقيل: خمسون إلا ثلثي ذراع.
قال الحافظ: وهو الآن كذلك، فكأنه نقص لما أدخل بين الحجرة في الجدار "كما أن الحجر الأسود منها" كما قال ﷺ : "الحجر الأسود من الجنة"، رواه أحمد عن أنس والنسائيстр. 3492
وكذلك النيل والفرات من الجنة، وكذلك الثمار الهندية من الورق التي أهبط بها آدم ﵇ من الجنة، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون في هذه الدار من مياه الجنة، ومن ترابها، ومن حجرها، ومن فواكهها، حكمة حكيم جليل.
وأما المجاز: فبأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن ملازمة ذلك المكان للصلاة والعبادة سبب في نيل الجنة، قاله ابن أبي جمرة، وهو معنى قول بعضهم: لكون العبادة فيه تئول إلى دخول العابد روضة الجنة.
وهذا فيه نظر: إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها.
الحواشي
(١) عن ابن عباس، والأصل الحقيقة، ويؤيده ما للخطيب وابن عساكر مرفوعًا: "والحجر الأسود ياقوتة بيضاء من ياقوت الجنة، وإنما سودته خطايا المشركين، يبعث يوم القيامة مثل أحد يشهد لمن استلمه وقبله من أهل الدنيا".
ووى الأزرقي مرفوعا: "الحجر الأسود نزل به ملك من السماء". "وكذلك النيل والفرات من الجنة".
وروى مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: "سيحان وجيحان والفرات والنيل كل من أنهار الجنة" , وهو على ظاهره على الأصل، وقيل: مؤول، "وكذلك الثمار الهندية من الورق التي أهبط بها آدم ﵇ من الجنة، فاقتضت الحكمة الإلهية أن يكون في هذه الدار من مياه الجنة" كالنيل والفرات، "ومن ترابها" وهو الأرض التي بين المنبر والقبر، "ومن حجرها" وهو الحجر الأسود، "ومن فواكهها" وهو الثمار الهندية، "حكمة حكيم جليل" ليتدبر العاقل، فيسارع إليها بالأعمال الصالحة، وقيل في معنى الحقيقة أن ذلك الموضع ينقل بعينه في الآخرة إلى الجنة.
"وأما المجاز، فبأن يكون من إطلاق اسم المسبب على السبب، فإن ملازمة ذلك المكان للصلاة والعبادة فيه سبب في نيل الجنة، قاله ابن أبي جمرة" بجيم وراء، وفيه تسمح إذ الروضة ليست مسببة من حيث ذاتها، بل الوصول إليها مسبب عن العمل، لكنها لما كانت المقصودة أطلق اسمها مريدًا التعبد الموصل إليها، "وهو معنى قول بعضهم لكون العبادة فيه تئول" أي: تؤدي، أي: تكون طريقًا "إلى دخول العابد روضة الجنة" ففيه تجوز أيضًا، لأن الأيلولة الرجوع، "وهذا فيه نظر؛ إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة على غيرها" فالعبادة في أي مكان كذلك وجوابه أنها سب قوي يوصل إليها على وجه أتم من بقية الأسباب، أو هي سبب لروضة خاصة أجل من مطلق الدخول والتنعم، فإن أهل الجنة يتفاوتون في منازلها بقدر أعمالهم.стр. 3493
في كتاب "بهجة النفوس" لابن أبي جمرة أيضًا حكاية قول: إن تلك البقعة تنقل فتكون في الجنة، يعني روضة من رياضها. قال: والأظهر الجمع بين الوجهين معًا، يعني احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها موجبًا لصاحبه روضة من رياض الجنة، ويأتي مزيد لذلك في فصل الزيارة من المقصد الأخير إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنه ﷺ أول من ينشق عنه القبر. وفي رواية مسلم: "أنا أول من تنشق عنه الأرض".
وهو أول من يفيق من الصعقة.
الحواشي
(١) "وفي كتاب بهجة النفوس" وتحليها بمعرفة ما عليها ولها "لابن أبي جمرة أيضًا حكاية قول إن تلك البقعة تنقل بعينها" يوم القيامة، "فتكون في الجنة، يعني روضة من رياضها، قال: والأظهر الجمع بين الوجهين معًا" إذ لا تخالف بينهما، "يعني احتمال كونها تنقل إلى الجنة، وكون العمل فيها موجبًا لصاحبه روضة من رياض الجنة" أخصر، وأجمع من هذا قول المصنف على البخاري، ولا مانع من الجمع، فهي من الجنة، والعمل فيها يوجب لصاحبه روضة من الجنة، وتنقل هي أيضًا إلى الجنة، "ويأتي مزيد لذلك في فصل الزيارة من المقصد الأخير إن شاء الله تعالى" وهو نقل كلام ابن أبي جمرة في الاستدلال على ذين الوجهين بالنظر والقياس بنحو ورقة، وقيل: في وجه المجاز أيضًا أنه من التشبيه البليغ، أي: كروضة من رياض الجنة في تنزل الرحمة وحصول السعادة.
"ومنها: أنه ﷺ أول من ينشق عنه القبر" كما قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأول من ينشق عني القبر، وأول شافع، وأول مشفع". رواه مسلم وأبو داود عن أبي هريرة، أي: أول من يعجل إحياؤه مبالغة في إكرامه، وتخصيصًا بتعجيل جزيل إنعامه.
"وفي رواية مسلم" أيضًا من حديث أبي هريرة: "أنا أول من تنشق عنه الأرض" فلا يتقدم عليه أحد، أي: أرض قبره، فهو مساوٍ للرواية قبله، زاد الترمذي وقال: حسن غريب، والحاكم من حديث ابن عمر: "ولا فخر، ثم أبو بكر، ثم عمر، ثم آتي أهل البقيع، فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين". قال السمهودي: وفيه بشرى عظيمة لكل من مات بالمدينة، وإشعار بذم الخروج منها مطلقًا، وهو عام أبدًا في كل زمان كما نقله المحب الطبري وارتضاه.
وروى الترمذي عن أنس مرفوعًا: "أنا أول الناس خروجًا إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وقدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، ولا فخر". "وهو أول من يفيق" بضم أوله "من الصعقة" وهي غشي يلحق من سمع صوتًا، أو رأى شيئًا يفزعстр. 3494
قال ﵊: "أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور". رواه البخاري.
والظاهر أنه ﵊ لم يكن عنده علم بذلك حتى أعلمه الله تعالى، فقد أخبر عن نفسه الكريمة أنه أول من ينشق عنه القبر.
وهو أول من.
الحواشي
(١) منه، واستشكل كون جميع الخلق يصعقون، مع أن الموتى لا إحساس لهم، فقيل: المراد من كان حيًا إذ ذاك والأموات هم المستثنون في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية، أي: من سبق له الموت قبل ذلك، فيصعق.
وأما الأنبياء، ففي حكم الأحياء، وقيل: المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض، وهي غشية تحصل للناس في الموقف.
قال ﵊: "أنا أول من يرفع رأسه بعد النفخة" الأخيرة، كما في الرواية، "فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش" أي بعمود من عمده، وللشيخين من حديث أبي هريرة، أيضًا: "باطش بجانب العرش"، أي: آخذ بشيء منه بقوة، فالبطش الأخذ بقوة، "فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور" لما تجلى ربه للجبل جعله دكا وخر موسى صعقًا، وفي الصحيحين، أيضًا: "فما أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثنى الله"؟، أي: في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية، فلم يصعق، وكل من الأمرين فضيلة ظاهرة لكن لا يلزم من فضله من هذه الجهة أفضليته مطلقًا، ولا منافاة بين الروايتين لأن المعنى لا أدري، أي: هذه الثلاثة كانت الإفاقة، أو الاستثناء، أو المحاسبة، "رواه البخاري" ومسلم وغيرهما، وبه استشكل كونه ﷺ أول من تنشق عنه الأرض وأول من يفيق، مع التردد في خروج موسى من قبره، وأجاب عياض باحتمال أن هذه الصعقة ليست النفخة الأولى ولا الثانية التي يعقبها النشور، بل صعقة تأتي يوم القيامة حين تنشق السماء والأرض، ورده القرطبي بأنه ﷺ صرح بأنه يخرج من قبره فيلقى موسى متعلقًا بالعرش، وهذا إنما هو عند نفخة البعث.
قال: ويؤيده أنه عبر بقوله: أفاق؛ لأنه إنما يقال: أفاق من الغشي وبعث من الموت، ولذا عبر عن صعقة الطور بالإفاقة، لأنها لم تكن موتًا بلا شك، وإذا تقرر ذلك ظهر صحة الحمل على أنها غشية تحصل للناس في الموقف، وأجاب المصنف كغيره، بقوله: "والظاهر أن ﵊ لم يكن عنده علم ذلك" أي: كونه أول "حتى أعلمه الله تعالى" بأنه أول، "فقد أخبر عن نفسه الكريمة أنه أول من ينشق عنه القبر" كما مر في الأحاديث المفيدة علمه بإفاقته قبل موسى، فحينئذ يكون ممن استثنى الله أو جوزي بصعقة الطور، "وهو أول من يجيز" بضم الياء،стр. 3495
يجيز على الصراط، رواه البخاري عن أبي هريرة.
وأنه يحشر في سبعين ألفًا من الملائكة، كما روي عن كعب الأحبار: ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألف ملك يحفون بقبره ﵊ يضربون بأجنحتهم حتى إذا أمسوا عرجوا وهبط سبعون ألف ملك، حتى إذا انشقت عنه الأرض خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوقرونه ﷺ . رواه ابن النجار في تاريخ المدينة.
وأنه يحشر راكبا البراق، رواه الحافظ السلفي، كما ذكره الطبري.
الحواشي
(١) وكسر الجيم، وبالزاي، أي: يمضي "على الصراط" ويقطعه، وفي رواية: يجوز، وهما بمعنى يقال أجزت الوادي وجزته، "رواه البخاري" ومسلم "عن أبي هريرة" في حديث طويل بلفظ: قال ﷺ : "فأكون أنا وأمتي أول من يجيز على الصراط, ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم". "وأنه يحشر في سبعين ألفًا من الملائكة، كما روي عن كعب الأحبار" جمع حبر، أي: ملجأ العلماء، الحميري أبي إسحاق الثقة المخضرم، كان من أهل اليمن، فسكن الشام، مات في خلافة عثمان أنه دخل على عائشة، فتذاكروا رسول الله ﷺ ، فقال كعب: "ما من فجر يطلع إلا نزل سبعون ألف ملك يحفون بقبره ﵊، يضربون بأجنحتهم" أسقط منها، أيضًا: يحفون بالقبر، يضربون بأجنحتهم، ويصلون على النبي ﷺ سبعون ألفًا بالليل، وسبعون ألفًا بالنهار، "حتى إذا انشقت عنه الأرض، خرج في سبعين ألفًا من الملائكة يوقرونه ﷺ ، رواه ابن النجار" الحافظ، الإمام البارع أبو عبد الله، محمد بن محمود بن الحسن بن هبة الله بن محاسن البغدادي، سمع ابن الجوزي وابن كليب وغيرهما، وكان من أعيان الحفاظ الثقات مع الدين والورع، والصيانة والفهم، وسعة الرواية، له ثلاث آلاف شيخ، ومؤلفات عدة، مات في خامس شعبان، سنة ثلاث وأربعين وستمائة، عن ست وستين سنة، رحل منها في الأقطار سبعًا وعشرين سنة للرواية "في تاريخ المدينة" المسمى بالدرر الثمينة، وكذا رواه أبو الشيخ، وابن المبارك، وابن أبي الدنيا، كلهم عن كعب، وكله من الكتب القديمة، لأنه حبرها.
"وأنه يحشر راكبا البراق" بضم الموحدة، "رواه الحافظ" العلامة، شيخ الإسلام الناقد، الدين، الخير، أبو طاهر عماد الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن إبراهيم الأصبهاني، "السلفي" بكسر السين المهملة، وفتح اللام، لقب جده أحمد، ومعناه الغليظ الشفة، وله التصانيف، وروى عنه الحفاظ، مات سنة ست وسبعين وخمسمائة؛ "كما ذكره الطبري" الحافظ محب الدين المكي في ذخائر العقبي، فقال: أخرج السلفي عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "تبعثстр. 3496
ويكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة. رواه البيهقي بلفظ، فأكسى حلة من الجنة لا يقوم لها البشر.
الحواشي
(١) الأنبياء على الدواب، ويحشر صالح على ناقته، ويحشر ابنا فاطمة على ناقتي العضباء والقصواء، وأحشر أنا على البراق، خطوها عند أقصى طرفها، ويحشر بلال على ناقة من نوق الجنة" انتهى. وأخرجه الطبراني والحاكم بلفظ: "تحشر الأنبياء على الدواب ليوافوا المحشر، ويبعث صالح على ناقته، وأبعث على البراق، ويبعث ابناي الحسن والحسين على ناقتين من نوق الجنة، ويبعث بلال على ناقة من نوق الجنة ينادي بالأذان محضًا، وبالشهادة حقًا، حتى إذا قال: أشهد أن محمدًا رسول الله شهد له المؤمنون من الأولين والآخرين، فقبلت ممن قبلت، وردت على من ردت"، وفيه مخالفة لما قبله فيما يركبه السبطان إلا أن يجمع بركوب ناقتيه، وبركوب ناقتي الجنة زيادة في تعظيمهما، ثم لا يعارض هذا ما ورد مرسلا، أن المؤمن يركب عمله، والكافر يركبه عمله؛ لأن بعضهم يركب الدواب، وبعضهم الأعمال، أو يركبونها فوق الدواب.
وروى النسائي والحاكم والبيهقي عن أبي ذر رفعه: "إن الناس يحشرون يوم القيامة على ثلاثة أفواج، فوج طاعمين كاسين راكبين، وفوج يمشون ويسعون، وفوج تسحبهم الملائكة على وجوههم" وأخرج الترمذي، وحسنه عن أبي هريرة، مرفوعًا: "يحر الناس يوم القيامة ثلاثة أصناف: صنفًا مشاة، وصنفًا ركبانًا، وصنفًا على وجوههم، إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادر على أن يمشيهم على وجوههم، أما إنهم يتقون بوجوههم على حدب وشوك".
هذا، وجزم الحليمي والغزالي، بأن الذين يحشرون ركبانًا يركبون من قبورهم، وقال الإسماعيلي: إنهم يمشون من قبورهم إلى الموقف، ويركبون من ثم جمعًا بينه وبين حديث الصحيحين: "يحشر الناس حفاة مشاة".
قال البيهقي: والأول أولى، وفي تاريخ ابن كثير: يحشر الناس مشاة، والنبي ﷺ راكب على ناقته الحمراء، فإذا كان هذا من خصائصه، فإنما يؤتون بالنجائب بعد الجواز على الصراط، وهو الأشبه، وفي حديث: "إنهم يؤتون بنجائب يركبونها عند قيامهم من قبورهم" وفي صحته نظر.
"ويكسى في الموقف أعظم الحلل من الجنة" بعد حشر الناس كلهم عراة، أو بعضهم كاسيًا، أو بعد خروجهم من قبورهم بثيابهم التي ماتوا فيها، ثم تتناثر عنهم عند ابتداء الحشر، فيحشرون عراة لحديث أبي سعيد عند أبي داود، وصححه ابن حبان، مرفوعًا: "إن الميت يبعث في ثيابه التي يموت فيها" "رواه البيهقي" في الأسماء، عن ابن عباس، مرفوعًا "بلفظ": "أول من يكسى إبراهيم حلة من الجنة ويؤتى بكرسي، فيطرح عن يمين العرش، ويؤتى به". "فأكسى حلة من الجنة لا يقوم" أي: لا يصلح "لها البشر" وفي نسخة بالباء بدل اللام، يقال: قام بالأمر إذاстр. 3497
ورواه كعب بن مالك بلفظ: "يحشر الناس يوم القيامة فأكون أنا وأمتي على تل، ويكسوني ربي حلة خضراء"، رواه الطبراني، وهو عند ابن أبي شيبة بلفظ: "يحشر الناس على تل، وأمتي على تل"، وعند الطبراني أيضًا من حديث ابن عمر: فيرقى هو -يعني محمدًا ﷺ وأمته على كوم فوق الناس.
الحواشي
(١) استقل به دون غيره، فاستعمله في لازم معناه اللغوي، وذلك اللازم عدم صلاحية غيره لتلك الحلة. وفي البخاري عن ابن عباس، مرفوعًا: "إنكم تحشرون حفاة عراة غرلا"، ثم قرأ: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ الآية، "وأول من يكسى يوم القيامة إبراهيم" ... الحديث، فعجيب عزو بعض له للبزار، قال الحافظ: قيل في حكمة خصوصية إبراهيم بذلك، لكونه ألقي في النار عريانًا، أو لأنه من لبس السراويل، ولا يلزم من ذلك تفضيله على نبينا لأن المفضول قد يمتاز بشيء يخص به، ولا يلزم منه الفضيلة المطلقة، ويمكن أن يقال: لا يدخل في عموم خطابه.
وقال القرطبي: قد جبر ﷺ عن هذا السبق بكونه يكسى حلتين؛ كما في حديث البيهقي، وأجاب الحليمي: بأنه يكسى إبراهيم أولا، ثم نبينا على ظاهر الخبر؛ لكن حلة نبينا أعلى وأكمل، فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية؛ على أنه يحتمل أن نبينا ﷺ خرج من قبره في ثيابه التي مات فيها، والحلة التي يكساها يومئذ حلة الكرامة بقرينة إجلاسه عند ساق العرش، فتكون أولية إبراهيم في الكسوة بالنسبة لبقية الخلق.
"ورواه كعب بن مالك" الأنصاري، السلمي، المدني، أحد الثلاثة الذي تيب عليهم، مرفوعًا. بلفظ: "يحشر الناس يوم القيامة، فأكون أنا وأمتي على تل" مكان عال، "ويكسوني ربي حلة خضراء" رواه الطبراني, فبين في هذه الرواية لونها، وهو عطف على أكون، والواو لا ترتب، فلا ينافي مقتضى التعقيب بالفاء في السابق، أن الكسورة تكون عقب الخروج من القبر، وفي الترمذي عن أبي هريرة: "أنا أول من ينشق عنه الأرض، فأكسى حلة من حلل الجنة" ... الحديث، وعلى احتمال أنه يقوم بثيابه التي مات فيها، ولا تبلى حتى يكسى، يكون ذلك له خصوصية أخرى، حيث تبلى ثياب الخلائق وثوبه لا يبلى، ولا ينافيه الفاء لأن التعقيب في كل شيء يحسبه.
"وهو عند ابن أبي شيبة" عن كعب، بلفظ: "يحشر الناس" كلهم "على تل وأمتي" أي: وهو معهم، كما قال قبل "على تل" أعلى من التل الذي عليه الناس.
"وعند الطبراني، أيضًا من حديث ابن عمر: فيرقى هو يعني محمدًا ﷺ وأمته على كوم" هو التل، بمعنى "فوق الناس" ولم يبين هل الكوم من كافور، أو مسك، أو نحوهما،стр. 3498
وأنه يقوم عن يمين العرش، رواه ابن مسعود عنه ﵊ وفيه: لا يقومه غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون.
ومنها: أنه يعطى المقام المحمود، قال مجاهد: هو جلوسه ﷺ على العرش، وعن عبد الله بن سلام، جلوسه على الكرسي، ذكرهما البغوي.
الحواشي
(١) "وأنه يقوم عن يمين العرش" خصيصية شرفه الله بها، "رواه ابن مسعود عنه ﵊" في حديث، "وفيه لا يقومه غيره يغبطه فيه" حال من المفعول، أي: يغبط النبي حالة كونه في ذلك المقام، أو في سببية، أي: يغبطونه بسببه.
وقد ذكر المصنف الحديث فيما يأتي، بلفظ: "يغبطه به"، أو الضمير لموقف الخلائق، فيكون حالا من فاعل يغبط، أي: يغبطه حال كونهم في مقامهم "الأولون والآخرون".
قال الحافظ الغبطة أن يتمنى أن يكون له مثل ما لغيره من غير أن يزول عنه، والحرص على هذا يسمى منافسة، فإن كان في الطاعة فمحمود، ومنه: ﴿فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾ الآية؛ وفي المعصية فمذموم، ومنه: "فلا تنافسوا"، وفي الجائز، فمباح، انتهى.
والمراد بالتمني هنا حالة تستدعي محبته واستحسانه لا الطلب لعلمهم أنه لا يكون لغيره، فغبطتهم له استحسانهم لمقامه المخصوص به، وعده مقامًا عظيمًا له، ففيه تجريد، إذ بالغبطة تمني المستحسن، فمجرد عن تمني، وأريد به الجزء الثاني، وهو المستحسن.
وروى الترمذي: وقال: حسن صحيح غريب، عن أبي هريرة، مرفوعًا: "أنا أول من تنشق عنه الأرض، فأكسى حلة من حلل الجنة، ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيري".
"ومنها: أنه يعطى المقام المحمود" قال تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ الآية، "قال مجاهد" لتابعي، المفسر المشهور، "هو جلوسه على العرش" حملا للمقام على أنه مصدر ميمي، لا اسم مكان.
"وعن عبد الله بن سلام" الصحابي: هو "جلوسه على الكرسي" وهو مغاير لما قبله على الأصح أنه غير العرش ومساوٍ على أنه هو، "ذكرهما البغوي" في تفسيره بعد أن صدر بأن المراد الشفاعة، وساق حديثها الطويل في إتيان الناس آدم ... إلخ، وهذان التفسيران من جملة ما زيف لأنه تفسير للشيء بخلاف ما فسره به صاحبه، فقد روى البخاري والترمذي عن ابن عمر، قال: سئل النبي ﷺ عن المقام المحمود، فقال: "هو الشفاعة".
وأخرج أبو نعيم والبيهقي، عن أبي هريرة: رفعه: "المقام المحمود الشفاعة" أي: الموعودстр. 3499
وسيأتي ما قيل في ذلك في ذكر تفضيله ﵊ بالمقام المحمود إن شاء الله تعالى.
ومنها أنه يعطى الشفاعة العظمى في فصل القضاء بين أهل الموقف، حين يفزعون إليه بعد الأنبياء، والشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفي ربع درجات ناس في الجنة.
كما جوز النووي اختصاص هذه والتي قبلها به.
الحواشي
(١) بها في فصل القضاء، ولذا قال الرازي وغيره: الصحيح المشهور أنه الشفاعة، ولابن أبي حاتم عن سعيد بن هلال، أحد صغار التابعين أنه بلغه أن المقام المحمود يوم القيامة يكون بين يدي الجبار، وبين جبريل، يضبطه بمقامه أهل الجمع، وهو مما زيف أيضًا لكن قال الحافظ: يمكن رده إلى القول بأنه الشفاعة، لأنه لما كان مقامه الذي يقوم فيه أقرب إليه من مقام جبريل، صار صفة للمقام المحمود الذي يشفع فيه ليقضي بين الخلائق. وقيل: هو إعطاؤه لواء الحمد، وقيل: ثناؤه على ربه، "وسيأتي ما قيل في ذلك" مبسوطًا "في ذكر تفضيله ﵊ بالمقام المحمود إن شاء الله تعالى" في المقصد العاشر.
"ومنها: أنه يعطي الشفاعة العظمى في فصل القضاء" بين أهل الموقف حين يفزعون إليه لما يطول عليهم الوقوف بعد إتيانهم الأنبياء: آدم، فنوح، فإبراهيم، فموسى فعيسى، "والشفاعة في إدخال قوم الجنة بغير حساب" لما في الصحيحين: "فأرفع رأسي، فأقول يا رب أمتي، يا رب أمتي، فيقال: أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة".
وروى هناد، وابن منيع، والديلمي بسند جيد، عن أبي هريرة، رفعه: "سألت الله الشفاعة لأمتي، فقال: لك سبعون ألفًا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، قلت: ب زدني، فحثى لي بيده مرتين عن يمينه وعن شماله"، والظاهر أن المراد التكثير، لا خصوص العدد، وضرب المثل بالحثيات؛ لأنه شأن المعطي الكريم إذا استزيد أن يحثي بكفيه بلا حساب، وربما ناوله بغير كف، وقال بعض: هذا كناية عن المبالغة في الكثرة، وإلا فلا كف ولا حثي.
"وفي رفع درجات ناس في الجنة كما جوز النووي اختصاص هذه" به، ولم يذكر لذلك مستندًا، "والتي قبلها به" وهي إدخال قوم الجنة بغير حساب، وفيه: أنه لم يجوزها، بل جزم به، وعبارته للنبي ﷺ : شفاعات خمس الشفاعة العظمى للفصل، وفي جماعة يدخلون الجنة بغير حساب، وفي ناس استحقوا النار فلا يدخلونها، وفي ناس دخلوها فيخرجون منها، وفي رفع درجات ناس في الجنة"، والمختص به الأولى والثانية، وتجوز الثالثة والخامسة. ا. هـ.
وبحث بعض في إثبات الخصوصية، بتجويز النووي بما صرحوا به أن الخصائص لا تثبتстр. 3500
ووردت الأحاديث به في التي قبل، وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير، والله المعين.
ومنها: أنه صاحب لواء الحمد، يوم القيامة، آدم فمن دونه تحته. رواه البزار.
ومنها: أنه أول من يقرع باب الجنة. روى مسلم من حديث المختار بن فلفل عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الناس تبعًا يوم القيامة
الحواشي
(١) باحتمال، "ووردت الأحاديث به في التي قبل" وهي الشفاعة العظمى، "وسيأتي مزيد لذلك إن شاء الله تعالى في المقصد الأخير" مع فوائد حسنة، "والله المعين" لا غيره.
"ومنها: أنه صاحب لواء الحمد" بالكسر والمد علمه، ورأيته "يوم القيامة" وأضيف إلى الحمد الذي هو الثناء على الله بما هو أهله؛ لأنه منصبه في الموقف، وهو المقام المحمود المختص به، والعرف جار؛ بأن اللواء إنما يكون مع كبير القوم ليعرف مكانه، إذ موضوعه أصالة شهرة مكان الرئيس، وتنصب في القيامة مقامات لأهل الخير والشر، لكل متبوع لواء يعرف به قدره، وأعلاها مقام الحمد، فأعطي لأعظم الخلائق لواء الحمد، وفي أنه حقيقي وعند الله علم حقيقته، أو معنوي، وهو انفراده بالحمد يومئذ، وشهرته على رءوس الخلائق، به رأيان رجح بعض الأول، وهو الأصل "آدم فمن دونه" أي: سواه "تحته، رواه البزار" وأخرجه أحمد والترمذي، وقال: حسن صحيح، وابن ماجه، عن أبي سعيد، مرفوعًا: "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي". الحديث.
"ومنها: أنه أول من يقرع" يطرق وينقر "باب اجنة" كما قال ﷺ : "أنا أول من يدق باب الجنة، فلم تسمع الآذان أحسن من طنين الخلق على تلك المصاريع" رواه ابن النجار، وجمع المصاريع باعتبار الأبواب، فإنه إذا قرع أعظمها، تحرك الجميع، أو لتعدد القرع، كأنه تعددت المصاريع، أو إن في كل مصراع مصاريع اعتبارية.
"روى مسلم" في الإيمان "من حديث المختار بن فلفل" بضم الفاءين، ولامين، الأولى ساكنة مولى عمرو بن حريث، صدوق له أوهام، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي ومسلم، "عن أنس، قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أكثر الناس" الذي رأيته في مسلم، وكذا نقله جمع من الحفاظ عنه الأنبياء "تبعًا" بفتح الفوقية، والباء الموحدة: جمع تابع، وفي القاموس وغيره: التبع محركة، يكون واحد أو جمعًا، ويجمع على أتباع ونصب على التمييز "يوم القيامة" خصه لأنه يوم ظهور ذلك الجمع، وهذا يوضحه خبر مسلم أيضًا: "إن من الأنبياء من يأتي يوم القيامةстр. 3501
وأنا أول من يقرع باب الجنة". وعنده أيضًا عن أنس قال ﷺ : "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن، بك أمرت
الحواشي
(١) ما معه مصدق غير واحد"، ولا يعارضه: "وأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا" إما لأن رجاءه محقق الوقوع، أو قاله قبل أن يكشف له عن أمته ويراهم، ثم حقق الله رجاءه، فجزم به، "وأنا أول من يقرع باب الجنة" أي يطرقه للاستفتاح، فيكون أول داخل.
"وعنده": أي: مسلم "أيضًا" في كتاب الإيمان من حديث ثابت عن أنس، قال: قال ﷺ : "آتي باب الجنة" أي أجيء بعد الانصراف من الحشر والحساب إلى أعظم المنافذ التي توصل إلى دار الثواب، وهو باب الرحمة، أو باب التوبة، كما في النوادر، وعبر بآتي دون أجيء للإشارة إلى أن مجيئه يكون بصفة من لبس خلعة الرضوان، فجاء على تمهل وأمان من غير نصف في الإتيان؛ إذ الإتيان، كما قال الراغب مجيء بسهولة، والمجيء أعم، ففي إيثاره عليه مزية "يوم القيامة فأستفتح" بسين الطلب، عبر بها إيماء إلى القطع بوقوع مدخولها وتحققه، أي: أطلب فتحه بالقرع؛ كما في الأحاديث، لا بالصوت.
وفي رواية أحمد: "آخذ بحلقة الباب"، والفاء للتعقيب إشارة إلى أنه قد أذن له من ربه غير واسطة خازن ولا غيره، وذلك أن من ورد باب كبير، وقف عادة حتى يستأذن له، فالتعقيب إشارة إلى أن ربه صانه عن ذل الوقوف، وأذن له في الدخول ابتداء، بحيث صار الخازن مأموره، منتظرًا قدومه، "فيقول الخازن": أي: الحافظ: وهو المؤتمن على ما استحفظه، وأل عهدية والمعهود رضوان، وخص مع كثرة الخزنة؛ لأنه أعظمهم، ومقدمهم، وعظيم الرسل إنما يتلقاه عظيم الخزينة، "بك أمرت" كذا في جميع ما رأيناه من نسخ المصنف، وفيه سقط منه أو من نساخه، فلفظ رواية مسلم: "فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت". وقد ساقه المصنف في المقصد الأخير تامًا، وإنما أجابه بالاستفهام، وأكده بالخطاب تلذذًًا بمناجاته، وإلا، فأبواب الجنة شفافة؛ كما في خبر، وهو العلم الذي لا يشتبه، والتمييز الذي لا يلتبس، وقد رآه رضوان الجنة قبل ذلك، وعرفه أتم معرفة، ولذا اكتفى بقوله: "فأقول محمد"، وإن كان المسمى به كثيرًا، ولا ينافي كون أبوبا الجنة شفافة.
خبر أبي يعلى عن أنس، رفعه: "أقرع باب الجنة فيفتح لي باب من ذهب وحلقه من فضة" لأن ما في الدنيا لا يشبه ما في الجنة إلا في مجرد الاسم، كما في حديث: فلا مانع من كونه ذهبًا شفافًا، ولم يقل أن لإبهامه، مع إشعاره بتعظيم النفس، وهو سيد المتواضعين، وهذه الكلمة جارية على ألسنة المتجبرين إذا ذكروا مفاخرهم وزهوا بأنفسهم.
وقال ابن الجوزي: أنا لا تخلو عن نوع تكبر؛ كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا نسبي، لسمو مقامي.стр. 3502
أنا لا أفتح لأحد قبلك".
الحواشي
(١) وقال بعض المحققين: ذهبت طائفة من العلماء وفرقة من الصوفية إلى كراهية إخبار الرجل عن نفسه؛ بأنا تمسكًا بظاهر الحديث، حتى قالوا: إنها كلمة لم تزل مشئومة على قائلها؛ كقول إبليس: أنا خير، وفرعون: أنا ربكم، وليس كما قرروا، بل الشؤم لما صحبه من الخير والربوبية، وأصابه الصوفية في دقائق العلوم والإشارات في التبري من الدعاوي الوجودية، لكن الذي أشاروا إليه بهذا راجع إلى معان تتعلق بأحوالهم دون القول كيف، وقد ناقضهم نصوص كثيرة: "إنما أنا بشر، أنا أول المسلمين، وما أنا من المتكلفين، أنا سيد ولد آدم، أنا أكثر الأنبياء تبعًا"، وغير ذلك.
وقد قال النووي: لا بأس أن يقول أن الشيخ فلان، أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلا به، وخلا عن الخيلاء والكبر، والباء في قوله: "بك" متعلقة بالفعل بعدها، وهي سببية، أي: بسببك أمرت بالبناء للمفعول والفاعل الله، "أن لا أفتح" كذا في نسخ، وفي أخرى بدون أن، وهي التي وقفت عليها في مسلم.
وذكره السيوطي في جامعيه بأن وتعقبه شارحه بأن، الذي في نسخ مسلم الصحيحة المقروءة بلا أن "لأحد قبلك" لا من الأنبياء ولا من غيرهم، إذ أحد من سياق النفي للعموم، فيفيد استغراق جميع الأفراد، وعلم منه أطلب الفتح إنما هو من الخازن، وإلا لما كان هو المجيب، فإن قيل: لم طلب الفتح من الخازن، ولم يطلبه منها بلا واسطة، فإنه ورد عن الحسن، وقتادة وغيرهما: أن أبوابها يرى ظاهرها من باطنها وعكسه، وأنها تتكلم وتكلم وتعقل ما يقال لها انفتحي انغلقي، أجيب: بأن الظاهر أنها مأمورة بعد الاستقلال بالفتح والغلق، وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها، المالك لأمرها بإذن ربها، وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم، وحكمة اتخاذ الخزنة للجنة، مع أن الخزنة عرفًا إنما تكون لما يخاف ضياعه، أو تلفه أو نقصه، فيفوت كله، أو بعضه، أو وصفه على صاحبه، ولا يمكن ذلك في الجنة، هي أن الغرض من تعيين الخزنة لها إنما هو مراعاة الداخلين إكرامًا لهم، فتقدم الخزنة لكل منهم ما أعد له من النعيم، ثم لا تعارض بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية، ووجهه الرازي وغيره، بأنه يوجب السرور والفرح حيث نظروها مفتحة من بعد وفيه الخلاص من ذل الوقوف للاستفتاح لأن أبوابها تفتح أولا بعد الاستفتاح من جمع، ويكون مقدمًا بالنسبة إلى البعض، كما يقتضيه خبر: "إن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام"، والظاهر أنها لا تغلق بعد فتحها للفقراء، وأجيب، أيضًا بخمسة أجوبة غير هذا، نوقش فيها، وهذا أحسنها كما قال: مض المحققين.стр. 3503
ورواه الطبراني بزيادة فيه، قال: "فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم لأحد بعدك"، وهذه خصوصية أخرى له ﷺ وهي: أن خازن الجنة لا يقوم لأحد غيره ﷺ ، فقيامه له ﷺ فيه إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنة يقوم لخدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله حتى مشى وفتح له الباب.
ومنها أنه ﷺ أول من يدخل الجنة، قال ﵊: "أنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين
الحواشي
(١) "ورواه الطبراني بزيادة فيه، قال: "فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك" كما أمرت، "ولا أقوم لأحد بعدك"، وهذه خصوصية أخرى له ﷺ ، وهي أن خازن الجنة لا يقوم لأحد غيره ﷺ ، فقيامه له فيه إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون لخدمته" أي: رضوان، "وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله حتى مشى وفتح له الباب" زيادة في إكرامه.
"ومنها: أنه أول من يدخل الجنة" كما في مسلم وغيره، واستشكل بإدريس حيث أدخل الجنة بعد موته وهو فيها كما ورد، بأن السبعين ألفًا الداخلين بغير حساب يدخلون قبله، وبحديث أحمد في رؤيا النبي ﷺ بلال سبقه في دخولها، وخبر أبي يعلى وغيره: "أول من يفتح له باب الجنة أنا، إلا أن امرأة تبادرني، فأقول: ما لك؟ أو من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على يتامى".
وخبر البيهقي: "أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه" وأجيب بأن دخوله ﷺ يتعدد، فالدخول الأول لا يتقدمه، ولا يشاركه فيه أحد، ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره.
وقد روى ابن منده في حديث، أنه كرر الدخول أربع مرات ونحوه في البخاري. وأما إدريس فلا يرد، لأن المراد الدخول التام يوم القيامة، وإدريس يحضر الموقف للسؤال عن التبليغ، وثم أجوبة أخرى هذا أظهرها، وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لمزيد الكلام على ذلك في المقصد الأخير.
قال ﵊: "وأنا أول من يحرك حلق الجنة" بفتح اللام جمع حلقة، بسكونها على غير قياس، وقيل: فتحها لغة، فالجمع قياسي، ولأحمد والترمذي، عن أنس مرفوعًا: "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة، فأقعقعها". "فيفتح الله لي" لا يخالف ما مر أن الفاتح رضوان لأن الفاتح الحقيقي هو الله تعالى، وتولى رضوان ذلك، إنما هو بأمره وإقداره وتمكينه، "فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين" أي: يدخلون عقبه بسرعة، فكأنهم دخلوا معه.стр. 3504
ولا فخر". رواه الترمذي.
ومن خصائصه ﷺ الكوثر، نهر في الجنة يسيل في حوضه مجراه على الدر والياقوت، ماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج.
الحواشي
(١) وروى أبو داود عن أبي هريرة، مرفوعًا: "إن أبا بكر أول من يدخل الجنة"، وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة، رفعه: "أنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، وأول من يدخل علي الجنة ابنتي فاطمة"، أي: من النساء، "وأبو بكر من الرجال" فلا خلف.
وروى ابن ماجه، وصححه الحاكم عن أبي، مرفوعًا: "أول من يصافحه الحق عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة". "ولا فخر" أي: لا أفتخر بذلك، بل بمن أعطانيه، أو أقول ذلك شكرًا لا فخرًا، وهو ادعاء العظمة والمباهاة، "رواه الترمذي" عن ابن عباس في حديث، ساقه المصنف بتمامه في المقصد العاشر.
"ومن خصائصه ﷺ الكوثر" كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ الآية، ونقل المفسرون فيه أقوالا تزيد على عشرة، وأولاها قول ابن عباس: إنه الخير الكثير لعمومه لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظه ﷺ ، فلا معدل عنه.
روى مسلم وغيره أنه ﷺ قرأ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ لآية، ثم قال: "أتدرون ما الكوثر"؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة" آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك".
ولأحمد أن رجلا قال: يا رسول الله! ما الكوثر؟ قال: "نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل". ولذا اقتصر المصنف هنا على قوله: "نهر في الجنة يسيل في حوضه" كما في حديث البخاري، ولأحمد: ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض "مجراه على الدر" اللؤلؤ الكبار، "والياقوت" وعند النسائي: ترابه النسك وحصاه اللؤلؤ والياقوت، "وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج" لعله سقط منه من اللبن، وأبرد من الثلج، فعند الحاكم من حديث أبي برزة: "ماؤه أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، أوانيه من فضة".
ولابن مردويه من حديث ابن عباس: "حافتاه الزبرجد" وفي حديث ثوبان: "لا يظمأ من شرب منه" رواه ابن ماجه فالمختص به ﷺ الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، وأن حوضه أكبر الحياض، وأكثر واردًا؛ كما قال ﷺ : "إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة" رواه الترمذي، وفي أثر أنстр. 3505
ومنها الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة.
الحواشي
(١) حوضه أعرض الحياض وأكثرها واردًا، قال القرطبي: وقول البكري المعروف بابن الواسطي: لكل نبي حوض إلا صالحًا، فحوضه ضرع ناقته، لم أقف على ما يدل عليه أو يشهد له، انتهى
"ومنها: الوسيلة" لما في مسلم مرفوعًا: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الوسيلة حلت عليه الشفاعة". "وهي أعلى درجة في الجنة" كما قال ﷺ : "الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله لي الوسيلة"، رواه أحمد.
قال ابن كثير: الوسيلة علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ ، وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقال غيره: فعليه من وسل إذا تقرب، وتطلق على المنزلة العلية؛ كما في الحديث؛ فإنها منزلة في الجنة على أنه ممكن ردها إلى الأول، فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقرية التي يتوسل بها، ولما كان ﷺ أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية، وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله، وأمر أمته أن يسألوها لينالوا بهذا الدعاء الزلفى وزيادة الإيمان، وأيضًا فالله قدرها له بأسباب، منها: دعاء أمته له بما نالوه على يده من الهدى.
وأما الفضيلة، فهي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أنها منزلة أخرى، وتفسير للوسيلة.
ولابن أبي حاتم عن علي: إن في الجنة لؤلؤتين، إحداهما بيضاء، واسمها الوسيلة لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء لإبراهيم وأهل بيته.
قال ابن كثير: هذا أثر غريب، ذكره المصنف في المقصد الأخير، وقال عبد الجليل القصري في شعب الإيمان: الوسيلة هي التوسل به ﷺ إلى الله، وذلك أنه في الجنة بمنزلة الوزير من الملك بغير تمثيل، لا يصل إلى أحد شيء إلا بواسطته، وهذا كما قال بعض: وإن كان حسنًا، لكنه تفسير للشيء بخلاف ما فسره هـ صاحبه على أنه يحتاج إلى توقيف.следующие страницы →