Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3501–3540 · переход к 3506.
стр. 3501
وأنا أول من يقرع باب الجنة". وعنده أيضًا عن أنس قال ﷺ : "آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن، بك أمرت
الحواشي
(١) ما معه مصدق غير واحد"، ولا يعارضه: "وأرجو أن أكون أكثرهم تبعًا" إما لأن رجاءه محقق الوقوع، أو قاله قبل أن يكشف له عن أمته ويراهم، ثم حقق الله رجاءه، فجزم به، "وأنا أول من يقرع باب الجنة" أي يطرقه للاستفتاح، فيكون أول داخل.
"وعنده": أي: مسلم "أيضًا" في كتاب الإيمان من حديث ثابت عن أنس، قال: قال ﷺ : "آتي باب الجنة" أي أجيء بعد الانصراف من الحشر والحساب إلى أعظم المنافذ التي توصل إلى دار الثواب، وهو باب الرحمة، أو باب التوبة، كما في النوادر، وعبر بآتي دون أجيء للإشارة إلى أن مجيئه يكون بصفة من لبس خلعة الرضوان، فجاء على تمهل وأمان من غير نصف في الإتيان؛ إذ الإتيان، كما قال الراغب مجيء بسهولة، والمجيء أعم، ففي إيثاره عليه مزية "يوم القيامة فأستفتح" بسين الطلب، عبر بها إيماء إلى القطع بوقوع مدخولها وتحققه، أي: أطلب فتحه بالقرع؛ كما في الأحاديث، لا بالصوت.
وفي رواية أحمد: "آخذ بحلقة الباب"، والفاء للتعقيب إشارة إلى أنه قد أذن له من ربه غير واسطة خازن ولا غيره، وذلك أن من ورد باب كبير، وقف عادة حتى يستأذن له، فالتعقيب إشارة إلى أن ربه صانه عن ذل الوقوف، وأذن له في الدخول ابتداء، بحيث صار الخازن مأموره، منتظرًا قدومه، "فيقول الخازن": أي: الحافظ: وهو المؤتمن على ما استحفظه، وأل عهدية والمعهود رضوان، وخص مع كثرة الخزنة؛ لأنه أعظمهم، ومقدمهم، وعظيم الرسل إنما يتلقاه عظيم الخزينة، "بك أمرت" كذا في جميع ما رأيناه من نسخ المصنف، وفيه سقط منه أو من نساخه، فلفظ رواية مسلم: "فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت". وقد ساقه المصنف في المقصد الأخير تامًا، وإنما أجابه بالاستفهام، وأكده بالخطاب تلذذًًا بمناجاته، وإلا، فأبواب الجنة شفافة؛ كما في خبر، وهو العلم الذي لا يشتبه، والتمييز الذي لا يلتبس، وقد رآه رضوان الجنة قبل ذلك، وعرفه أتم معرفة، ولذا اكتفى بقوله: "فأقول محمد"، وإن كان المسمى به كثيرًا، ولا ينافي كون أبوبا الجنة شفافة.
خبر أبي يعلى عن أنس، رفعه: "أقرع باب الجنة فيفتح لي باب من ذهب وحلقه من فضة" لأن ما في الدنيا لا يشبه ما في الجنة إلا في مجرد الاسم، كما في حديث: فلا مانع من كونه ذهبًا شفافًا، ولم يقل أن لإبهامه، مع إشعاره بتعظيم النفس، وهو سيد المتواضعين، وهذه الكلمة جارية على ألسنة المتجبرين إذا ذكروا مفاخرهم وزهوا بأنفسهم.
وقال ابن الجوزي: أنا لا تخلو عن نوع تكبر؛ كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر اسمي ولا نسبي، لسمو مقامي.стр. 3502
أنا لا أفتح لأحد قبلك".
الحواشي
(١) وقال بعض المحققين: ذهبت طائفة من العلماء وفرقة من الصوفية إلى كراهية إخبار الرجل عن نفسه؛ بأنا تمسكًا بظاهر الحديث، حتى قالوا: إنها كلمة لم تزل مشئومة على قائلها؛ كقول إبليس: أنا خير، وفرعون: أنا ربكم، وليس كما قرروا، بل الشؤم لما صحبه من الخير والربوبية، وأصابه الصوفية في دقائق العلوم والإشارات في التبري من الدعاوي الوجودية، لكن الذي أشاروا إليه بهذا راجع إلى معان تتعلق بأحوالهم دون القول كيف، وقد ناقضهم نصوص كثيرة: "إنما أنا بشر، أنا أول المسلمين، وما أنا من المتكلفين، أنا سيد ولد آدم، أنا أكثر الأنبياء تبعًا"، وغير ذلك.
وقد قال النووي: لا بأس أن يقول أن الشيخ فلان، أو القاضي فلان إذا لم يحصل التمييز إلا به، وخلا عن الخيلاء والكبر، والباء في قوله: "بك" متعلقة بالفعل بعدها، وهي سببية، أي: بسببك أمرت بالبناء للمفعول والفاعل الله، "أن لا أفتح" كذا في نسخ، وفي أخرى بدون أن، وهي التي وقفت عليها في مسلم.
وذكره السيوطي في جامعيه بأن وتعقبه شارحه بأن، الذي في نسخ مسلم الصحيحة المقروءة بلا أن "لأحد قبلك" لا من الأنبياء ولا من غيرهم، إذ أحد من سياق النفي للعموم، فيفيد استغراق جميع الأفراد، وعلم منه أطلب الفتح إنما هو من الخازن، وإلا لما كان هو المجيب، فإن قيل: لم طلب الفتح من الخازن، ولم يطلبه منها بلا واسطة، فإنه ورد عن الحسن، وقتادة وغيرهما: أن أبوابها يرى ظاهرها من باطنها وعكسه، وأنها تتكلم وتكلم وتعقل ما يقال لها انفتحي انغلقي، أجيب: بأن الظاهر أنها مأمورة بعد الاستقلال بالفتح والغلق، وأنها لا تستطيع ذلك إلا بأمر عريفها، المالك لأمرها بإذن ربها، وإنما يطالب بما يراد من القوم عرفاؤهم، وحكمة اتخاذ الخزنة للجنة، مع أن الخزنة عرفًا إنما تكون لما يخاف ضياعه، أو تلفه أو نقصه، فيفوت كله، أو بعضه، أو وصفه على صاحبه، ولا يمكن ذلك في الجنة، هي أن الغرض من تعيين الخزنة لها إنما هو مراعاة الداخلين إكرامًا لهم، فتقدم الخزنة لكل منهم ما أعد له من النعيم، ثم لا تعارض بين الحديث وبين قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ مُفَتَّحَةً لَهُمُ الْأَبْوَابُ﴾ ، ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية، ووجهه الرازي وغيره، بأنه يوجب السرور والفرح حيث نظروها مفتحة من بعد وفيه الخلاص من ذل الوقوف للاستفتاح لأن أبوابها تفتح أولا بعد الاستفتاح من جمع، ويكون مقدمًا بالنسبة إلى البعض، كما يقتضيه خبر: "إن الأغنياء يدخلون الجنة بعد الفقراء بخمسمائة عام"، والظاهر أنها لا تغلق بعد فتحها للفقراء، وأجيب، أيضًا بخمسة أجوبة غير هذا، نوقش فيها، وهذا أحسنها كما قال: مض المحققين.стр. 3503
ورواه الطبراني بزيادة فيه، قال: "فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم لأحد بعدك"، وهذه خصوصية أخرى له ﷺ وهي: أن خازن الجنة لا يقوم لأحد غيره ﷺ ، فقيامه له ﷺ فيه إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنة يقوم لخدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله حتى مشى وفتح له الباب.
ومنها أنه ﷺ أول من يدخل الجنة، قال ﵊: "أنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين
الحواشي
(١) "ورواه الطبراني بزيادة فيه، قال: "فيقوم الخازن فيقول: لا أفتح لأحد قبلك" كما أمرت، "ولا أقوم لأحد بعدك"، وهذه خصوصية أخرى له ﷺ ، وهي أن خازن الجنة لا يقوم لأحد غيره ﷺ ، فقيامه له فيه إظهار لمزيته ومرتبته، ولا يقوم لأحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون لخدمته" أي: رضوان، "وهو كالملك عليهم، وقد أقامه الله تعالى في خدمة عبده ورسوله حتى مشى وفتح له الباب" زيادة في إكرامه.
"ومنها: أنه أول من يدخل الجنة" كما في مسلم وغيره، واستشكل بإدريس حيث أدخل الجنة بعد موته وهو فيها كما ورد، بأن السبعين ألفًا الداخلين بغير حساب يدخلون قبله، وبحديث أحمد في رؤيا النبي ﷺ بلال سبقه في دخولها، وخبر أبي يعلى وغيره: "أول من يفتح له باب الجنة أنا، إلا أن امرأة تبادرني، فأقول: ما لك؟ أو من أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت على يتامى".
وخبر البيهقي: "أول من يقرع باب الجنة عبد أدى حق الله وحق مواليه" وأجيب بأن دخوله ﷺ يتعدد، فالدخول الأول لا يتقدمه، ولا يشاركه فيه أحد، ويتخلل بينه وبين ما بعده دخول غيره.
وقد روى ابن منده في حديث، أنه كرر الدخول أربع مرات ونحوه في البخاري. وأما إدريس فلا يرد، لأن المراد الدخول التام يوم القيامة، وإدريس يحضر الموقف للسؤال عن التبليغ، وثم أجوبة أخرى هذا أظهرها، وسيكون لنا إن شاء الله تعالى عودة لمزيد الكلام على ذلك في المقصد الأخير.
قال ﵊: "وأنا أول من يحرك حلق الجنة" بفتح اللام جمع حلقة، بسكونها على غير قياس، وقيل: فتحها لغة، فالجمع قياسي، ولأحمد والترمذي، عن أنس مرفوعًا: "أنا أول من يأخذ بحلقة باب الجنة، فأقعقعها". "فيفتح الله لي" لا يخالف ما مر أن الفاتح رضوان لأن الفاتح الحقيقي هو الله تعالى، وتولى رضوان ذلك، إنما هو بأمره وإقداره وتمكينه، "فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين" أي: يدخلون عقبه بسرعة، فكأنهم دخلوا معه.стр. 3504
ولا فخر". رواه الترمذي.
ومن خصائصه ﷺ الكوثر، نهر في الجنة يسيل في حوضه مجراه على الدر والياقوت، ماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج.
الحواشي
(١) وروى أبو داود عن أبي هريرة، مرفوعًا: "إن أبا بكر أول من يدخل الجنة"، وأخرج أبو نعيم عن أبي هريرة، رفعه: "أنا أول من يدخل الجنة ولا فخر، وأول من يدخل علي الجنة ابنتي فاطمة"، أي: من النساء، "وأبو بكر من الرجال" فلا خلف.
وروى ابن ماجه، وصححه الحاكم عن أبي، مرفوعًا: "أول من يصافحه الحق عمر، وأول من يسلم عليه، وأول من يأخذ بيده فيدخله الجنة". "ولا فخر" أي: لا أفتخر بذلك، بل بمن أعطانيه، أو أقول ذلك شكرًا لا فخرًا، وهو ادعاء العظمة والمباهاة، "رواه الترمذي" عن ابن عباس في حديث، ساقه المصنف بتمامه في المقصد العاشر.
"ومن خصائصه ﷺ الكوثر" كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ الآية، ونقل المفسرون فيه أقوالا تزيد على عشرة، وأولاها قول ابن عباس: إنه الخير الكثير لعمومه لكن ثبت تخصيصه بالنهر من لفظه ﷺ ، فلا معدل عنه.
روى مسلم وغيره أنه ﷺ قرأ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ لآية، ثم قال: "أتدرون ما الكوثر"؟، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "إنه نهر وعدنيه ربي عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة" آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك".
ولأحمد أن رجلا قال: يا رسول الله! ما الكوثر؟ قال: "نهر في الجنة أعطانيه ربي، لهو أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل". ولذا اقتصر المصنف هنا على قوله: "نهر في الجنة يسيل في حوضه" كما في حديث البخاري، ولأحمد: ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض "مجراه على الدر" اللؤلؤ الكبار، "والياقوت" وعند النسائي: ترابه النسك وحصاه اللؤلؤ والياقوت، "وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج" لعله سقط منه من اللبن، وأبرد من الثلج، فعند الحاكم من حديث أبي برزة: "ماؤه أحلى من العسل، وأبيض من اللبن، وأبرد من الثلج، وألين من الزبد، أوانيه من فضة".
ولابن مردويه من حديث ابن عباس: "حافتاه الزبرجد" وفي حديث ثوبان: "لا يظمأ من شرب منه" رواه ابن ماجه فالمختص به ﷺ الكوثر الذي يصب من مائه في حوضه، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، وأن حوضه أكبر الحياض، وأكثر واردًا؛ كما قال ﷺ : "إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة" رواه الترمذي، وفي أثر أنстр. 3505
ومنها الوسيلة، وهي أعلى درجة في الجنة.
الحواشي
(١) حوضه أعرض الحياض وأكثرها واردًا، قال القرطبي: وقول البكري المعروف بابن الواسطي: لكل نبي حوض إلا صالحًا، فحوضه ضرع ناقته، لم أقف على ما يدل عليه أو يشهد له، انتهى
"ومنها: الوسيلة" لما في مسلم مرفوعًا: "إذا سمعتم المؤذن، فقولوا مثل ما يقول، ثم صلوا علي، فإنه من صلى علي صلاة صلى الله عليه عشرًا، ثم سلوا الله لي الوسيلة، فإنها منزلة في الجنة، لا تنبغي إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو، فمن سأل الوسيلة حلت عليه الشفاعة". "وهي أعلى درجة في الجنة" كما قال ﷺ : "الوسيلة درجة عند الله ليس فوقها درجة، فسلوا الله لي الوسيلة"، رواه أحمد.
قال ابن كثير: الوسيلة علم على أعلى منزلة في الجنة، وهي منزلة رسول الله ﷺ ، وداره في الجنة، وهي أقرب أمكنة الجنة إلى العرش، وقال غيره: فعليه من وسل إذا تقرب، وتطلق على المنزلة العلية؛ كما في الحديث؛ فإنها منزلة في الجنة على أنه ممكن ردها إلى الأول، فإن الواصل إلى تلك المنزلة قريب من الله، فتكون كالقرية التي يتوسل بها، ولما كان ﷺ أعظم الخلق عبودية لربه، وأعلمهم به، وأشدهم له خشية، وأعظمهم له محبة، كانت منزلته أقرب المنازل إلى الله، وأمر أمته أن يسألوها لينالوا بهذا الدعاء الزلفى وزيادة الإيمان، وأيضًا فالله قدرها له بأسباب، منها: دعاء أمته له بما نالوه على يده من الهدى.
وأما الفضيلة، فهي المرتبة الزائدة على سائر الخلائق، ويحتمل أنها منزلة أخرى، وتفسير للوسيلة.
ولابن أبي حاتم عن علي: إن في الجنة لؤلؤتين، إحداهما بيضاء، واسمها الوسيلة لمحمد ﷺ وأهل بيته، والصفراء لإبراهيم وأهل بيته.
قال ابن كثير: هذا أثر غريب، ذكره المصنف في المقصد الأخير، وقال عبد الجليل القصري في شعب الإيمان: الوسيلة هي التوسل به ﷺ إلى الله، وذلك أنه في الجنة بمنزلة الوزير من الملك بغير تمثيل، لا يصل إلى أحد شيء إلا بواسطته، وهذا كما قال بعض: وإن كان حسنًا، لكنه تفسير للشيء بخلاف ما فسره هـ صاحبه على أنه يحتاج إلى توقيف.стр. 3506
خصائص أمته ﷺ :
وأما خصائص أمته ﷺ
الحواشي
(١) خصائص أمته ﷺ :
"وأما خصائص أمته ﷺ " في الدنيا والآخرة، أي: بعضها في الدارين لتركه كثيرًا فيهما،стр. 3507
وزادها شرفًا، فأعلم إنه لما أنشأ العالم على غاية من الإتقان، وأبرز جسد نبينا ﷺ للعيان، وظهرت عنايته بأمته الإنسانية، بحضوره وظهوره فيها، وإن كان العالم الإنساني والناري كله أمته، ولكن لهؤلاء خصوص وصف، فجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وجعلهم ورثة الأنبياء، وأعطاهم الاجتهاد في نصب الأحكام، فيحكمون بما أدى إليه اجتهادهم.
وكل من دخل في زمان هذه الأمة من الأنبياء ﵈ بعد نبيها ﷺ ، كعيسى ﵇.
الحواشي
(١) "وزادها شرفًا" والمراد أمة الإجابة، "فاعلم أنه لما أنشأ العالم على غاية من الإتقان، وأبرز جسد نبينا" أي: شخصه، وهو الصورة التي يرى عليها " ﷺ للعيان" بكسر العين، "وظهرت عنايته" رعايته واهتمامه "بأمته الإنسانية" بمعاملته لهم معاملة من يريد نفع غيره، "بحضوره وظهوره فيها" عطف تفسير، "وإن كان العالم الإنساني والناري" أي: عالم الجن "كله أمته" لبعثه إليهم إجماعًا، "ولكن لهؤلاء" أي العالم الإنساني "خصوص وصف" من إضافة الصفة للموصوف، أي: وصف خاص بهم لا يتجاوزهم إلى غيرهم وهو الخيرية المشار إليها بقوله: ﴿فَجَعَلَهُمْ﴾ جواب لم دخلت عليه الفاء على قلة، أو هو عطف على مقدر، أي: لما أنشأ العالم على ما ذكر، وخص الأمة المحمدية بصفة زائدة، ميزهم على غيرهم، وفضلهم فجعلهم ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية وجعلهم ورثة الأنبياء؛ كما قال ﷺ : "العلماء ورثة الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم"، رواه أبو داود والترمذي وأحمد وغيرهم، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما.
وأما خبر: "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، فقال الحافظ، ومن قبله الدميري والزركشي: لا أصل له، وسئل عنه الحافظ العراقي، فقال: لا أصل له، ولا إسناد بهذا اللفظ، ويغني عنه: "العلماء ورثة الأنبياء"، وهو صحيح، وأخرج ابن عدي وأبو نعيم والديلمي، عن النبي ﷺ : "العلماء مصابيح الأرض وخلفاء الأنبياء, وورثتي وورثة الأنبياء". "وأعطاهم الاجتهاد في نصب الأحكام" من الكتاب والسنة وغيرهما، "فيحكمون بما أدى إليه اجتهادهم" ويؤجرون ولو أخطئوا فيه، ولعل هذين من عطف بعض الأسباب على المسبب؛ لأن كونهم ورثة الأنبياء وإعطاءهم الاجتهاد من أسباب الخيرية المبينة في الآية بقوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، وكان هذا هو الحامل على إدخال الأمرين في الخيرية، "وكل من دخل في زمان هذه الأمة من الأنبياء ﵈ بعد نبيها ﷺ ، كعيسى ﵇"، فإنه حين ينزل من هذه الأمة اتفاقًا مع بقائه على نبوته، بل ذهب جمع من العلماء إلى أنهстр. 3508
أو على تقدير دخوله كالخضر، فإنه لا يحكم في العالم إلا بما شرعه محمد ﷺ في هذه الأمة، فإذا نزل سيدنا عيسى ﵊ فإنما يحكم بشريعة نبينا ﷺ بإلهام أو اطلاع على الروح المحمدي، أو بما شاء الله تعالى
الحواشي
(١) صحابي لاجتماعه بالنبي ﷺ وهو حي، مؤمنًا ومصدقًا، وكان اجتماعه به مرات في غير ليلة الإسراء.
روى ابن عساكر عن أنس: قلنا يا رسول الله! رأيناك صافحت شيئًا ولا نراه؟ قال: "ذاك أخي عيسى ابن مريم، انتظرته حتى قضى طوافه، فسلمت عليه".
وروى ابن عدي عن أنس: بينا نحن مع النبي ﷺ إذ رأينا بردًا ويدًا، فقلنا: يا رسول الله! ما هذا البرد الذي رأينا واليد؟ قال: "قد رأيتموه"؟ قلنا: نعم، قال: "ذاك عيسى ابن مرين سلم عليّ"، "أو على تقدير دخوله، كالخضر" على أنه نبي، وإلياس على أنهما باقيان، "فإنه لا يحكم في العالم إلا بما شرعه محمد ﷺ في هذه الأمة" لا بشرائعهم التي كانت قبله، "فإذا نزل سيدنا عيسى ﵊، فإنما يحكم بشريعة نبينا ﷺ " ويكون وصولها إليه "بإلهام" بأحكامها، "أو اطلاع على الروح المحمدي" فيخبره بشريعته، "أو بما شاء الله تعالى" من استنباطه لها من الكتاب والسنة ونحو ذلك، وقد سئل السيوطي بأي طريق تصل أحكام شريعتنا إلى عيسى، فأجاب بأن الأنبياء كانوا يعلمون في زمانهم بجميع شرائع من قبلهم، ومن بعدهم بالوحي من الله على لسان جبريل وبالتنبيه على بعض ذلك في الكتاب الذي أنزل عليهم وبأن عيسى ينظر في القرآن، فيفهم منه جميع أحكام هذه الملة من غير احتياج إلى مراجعة الأحاديث؛ كما فهم النبي ﷺ ذلك من القرآن، فإنه قد أنطوى على جميع أحكام الشريعة وفهمها نبينا بفهمه الذي اختص به، ثم شرحها لأمته في السنة، وإفهام الأمة تقصر عن إدراك ما أدركه صاحب النبوة، وعيسى نبي، فلا بد أن يفهم من القرآن كفهم النبي ﷺ ، وبأن عيسى معدود في الصحابة لأنه اجتمع بالنبي ﷺ غير مرة، فلا مانع أنه تلقى منه أحكام شريعته المخالفة لشريعة الإنجيل؛ لعلمه بأنه سينزل في أمته، ويحكم فيهم بشرعه، فأخذها عنه بلا واسطة، وإلى هذا أشار جماعة من العلماء.
قال: ورأيت عبارة السبكي نصها: إنما يحكم عيسى بشريعة نبينا بالقرآن والسنة، فترجح أن أخذه السنة بطريق المشافهة بلا واسطة، وبأنه إذا نزل يجتمع بالنبي ﷺ في الأرض، كما صرح به في أحاديث فلا مانع من أن يأخذ عنه ما احتاج إليه من أحكام شريعته. واستدل السيوطي لكل واحد من هذه الأربع بما يطول ذكره، وذكر أنه اعترض عليه في الجواب الأول بلزوم أن القرآن مضمن في الكتب السابقة فأجاب بأنه لا مانع من ذلك، فقد دلت الأحاديث على ثبوت هذه اللازم، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى قوله: ﴿وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ﴾ ؛ ثم ساق أدلة ذلك في نحو ورثة، ثم قال:стр. 3509
فيأخذ عنه ما شرع الله له أن يحكم به في أمته، فلا يحكم في شيء من تحريم وتحليل إلا بما كان يحكم به نبينا ﷺ ، ولا يحكم بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته ودولته، فهو تابع لنبينا ﷺ , وقد نبه على ذلك الترمذي الحكيم في كتاب ختم الأولياء، وأعرب عنه صاحب "عنقاء مغرب" وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح عقائد النسفي
الحواشي
(١) إن السائل نفسه سأله ثانيًا: هل ثبت أن عيسى ينزل عليه الوحي بعد نزوله؟ فأجاب: نعم. روى مسلم وغيره أثناء حديث: "أوحى الله إلى عيسى أني قد أخرجت عبادًا من عبادي لا يد لك بقتالهم"، فهذا صريح في أنه يوحى إليه بعد نزوله، والذي نقطع به أن الجائي إليه جبريل لأنه السفير بين الله وبين أنبيائه كما صرحت الآثار بذلك وساقها، ثم قال: وقد زعم أن عيسى إذا نزل لا يوحى إليه حقيقة بل وحي إلهام وهو ساقط مهمل لمنابذته لحديث مسلم وغيره، ولأن ما توهمه من تعذر الوحي الحقيقي فاسد لأنه نبي، فأي مانع من نزول الوحي إليه؟ فإن تخييل أنه ذهب منه وصف النبوة فهو قول يقارب الكفر لأن النبوة لا تذهب أبدًا ولا بعد موته، وإن تخيل اختصاص الوحي بزمن دون زمن فهو قول لا دليل عليه، ويبطله ثبوت الدليل على خلافه، انتهى.
"فيأخذ عنه ما شرع الله له أن يحكم به في أمته فلا يحكم بشيء من تحريم وتحليل إلا بما كان يحكم به نبينا ﷺ ولا يحكم" عيسى "بشريعته التي أنزلت عليه في أوان رسالته ودولته فهو" أي عيى تابع لنبينا ﷺ وقد نبه على ذلك الترمذي الحكيم" محمد بن علي من طبقة البخاري حافظ واعظ زاهد له تصانيف "في كتاب ختم الأولياء" أحد تصانيفه، "وأعرب" بمهملة بين "عنه صاحب عنقاء" بالمحد مجرور بالفتحة لا ألف التأنيث الممدودة "مغرب" قال الدميري: طائر غريب يبيض بيضًا كالجبال ويبعد في طيرانه، وقيل سميت بذلك لأنه كان في عنقها بياض كالطوق، وقيل هو طائر يكون عند مغرب الشمس وأطال الدميري الكلام فيها، فعلى الأخير ميمه مفتوحة وعلى الأولين مضمومة، واقتصر عليه القاموس فقال: عنقاء مغرب بالرفع على الوصف وبالجر مضافة وهي بضم الميم، طائر معروف الاسم مجهول الجسم وهو اسم كتاب للعارف القطب محيي الدين بن علي بن محمد بن عربي الطائي الأندلسي، مات بدمشق سنة ست وثلاثين وستمائة، وعند الشعراوي كتابه هذا من الكتب التي لا يكاد يفهم العلماء منها معنى مقصودًا لقائله أصلًا لأنه لسان قدسي لا يعرفه إلا من تجرد عن هيكله من البشر. "وكذا الشيخ سعد الدين التفتازاني في شرح عقائد النسفي" أبي الفضل محمد بن محمد بن محمد ثلاثية المعروف بالبرهان الحنفي له مختصر تفسير الرازي ومقدمة في الخلاف وتصانيف كثيرة في علم الكلام وغيره، وأجاز للبرزالي، وتوفيстр. 3510
وصحح أنه يصلي بالناس ويؤمهم ويقتدي به المهدي لأنه أفضل منه، فإمامته أولى، انتهى.
فهو ﵇ وإن كان خليفة في الأمة المحمدية، فهو رسول ونبي
الحواشي
(١) سنة سبع وثمانين وستمائة وهو متأخر عن النسفي عمر بن محمد صاحب التفسير والفتاوى وغيرهما.
توفي سنة سبع وثلاثين وخمسمائة، وغير صاحب الكنز والمدارك والمنار وغيرها، واسمه عبد الله بن أحمد بن محمود وغير أبي المعين ميمون بن محمد، وكلهم حنفيون من نسف بفتح النون والسين المهملة وبالفاء مدينة بما وراء النهر.
"وصحح أنه" أي عيسى "يصلي بالناس ويؤمهم" يصلي بهم إمامًا ويقتدي به المهدي" محمد بن عبد الله الحسني الحسيني الخليفة الآتي آخر الزمان، وفي حديث ضعيف المهدي بعد المائتين "لأنه" أي عيسى "أفضل منه" أي المهدي "فإمامته أولى انتهى" كذا جزم به اعتمادًا على تعليله وورد ما يشهد له في بعض الآثار وعورض بحديث الصحيحين عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "كيف أنتم إذا نزل ابن مريم فيكم وإمامكم منكم" ولمسلم أيضًا: "كيف بكم إذا نزل ابن مريم فيقال صل بنا فيقول: لا إن بعضكم على بعض أمراء تكرهه لهذه الأمة ولا حمد" ومن حديث جابر: فإذا هم بعيسى فيقال: تقدم، فيقول: ليتقدم إمامكم فليصل بكم، ولابن ماجه في حديث أبي أمامة وكلهم أي: المسلمين ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح قد تقدم ليصلي بهم إذ نزل عيسى فرجع الإمام ينكص ليتقدم عيسى فيقف عيسى بين كتفيه ثم يقول: تقدم فإنها لك أقيمت. وروى أبو نيم عن أبي سعيد مرفوعًا: "منا الذي يصلي عيسى ابن مريم خلفه" أي: منا أهل البيت. وجمع بأن عيسى يقتدي بالمهدي أولا ليظهر أنه نزل تابعًا لنبينا حاكمًا بشرعه، ثم بعد ذلك يقتدي المهدي به على أصل القاعدة من اقتداء المفضول بالفاضل. قال ابن الجوزي: لو تقدم عيسى إمامًا لوقع في النفس إشكال ولقيل أتراه تقدم نائبًا أو مبتدئًا شرعًا فيصلي مأمومًا لئلا يتدنس بغبار الشبهة وجه قوله: "لا نبي بعدي" وفي صلاة عيسى خلف رجل من هذه الأمة مع كونه في آخر الزمان وقرب قيام الساعة دلالة للصحيح من الأقوال أن الأرض لا تخلو عن قائم لله بحجة، وقيل: معنى وإمامكم منكم أنه يحكم بالقرآن لا بالإنجيل كما في رواية لمسلم وإمامكم منكم، قال ابن أبي ذئب: معناه أمكم بكتاب ربكم وعليه لم يتبين أن عيسى إذا نزل يكون إمامًا أو مأمومًا لكن يعكر عليه رواية أحمد ومسلم فإنهما صريحتان لا يقبلان هذا التأويل، وقال أبو الحسن: ألا ترى في مناقب الشافعي تواترت الأخبار أن المهدي من هذه الأمة وأن عيسى يصلي خلفه، ذكر ذلك رد الحديث ابن ماجه عن أنس ولا مهدي إلا عيسى "فهو ﵇ وإن كان خليفة في الأمة المحمدية فهو رسول ونبيстр. 3511
كريم على حاله، لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدًا من هذه الأمة، نعم هو واحد من هذه الأمة لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا ﷺ والحكم بشريعته.
فإن قلت: قد ورد في صحيح مسلم قوله ﷺ : "ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكمًا مقسطًا، فيكسر الصليب ويقتل الخنزير ويضع الجزية"، وأن الصواب في معناه: أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام أو القتل.
الحواشي
(١) كريم على حاله لا كما يظن بعض الناس أنه يأتي واحدًا من هذه الأمة" بدون نبوة ورسالة وجهل أنهما لا يزولان بالموت كما تقدم فكيف بمن هو حي؟ "نعم هو واحد من هذه الأمة" مع بقائه على نبوته ورسالته لما ذكر من وجوب اتباعه لنبينا ﷺ والحكم بشريعته" لا بشرع الإنجيل لنسخه.
"فإن قلت: قد ورد في صحيح مسلم" والبخاري أيضًا: فما هذا الإبهام، كلاهما عن أبي هريرة، "قوله ﷺ ": "والذي نفسي بيده ليوشك" بكسر المعجمة، أي: ليقربن، أي لا بد من ذلك سريعًا "أن ينزل فيكم"، أي: في هذه الأمة، فإنه خطاب لبعضها ممن لا يدرك نزوله "ابن مريم حكمًا" أي: حاكمًا "مقسطًا" أي: عادلا بخلاف القاسط، فهو الجائر، ولمسلم أيضًا: "إمامًا مقسطًا"، ولفظ البخاري: "حكمًا عدلا ".
وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: "ينزل عيسى ابن مريم على المنارة البيضاء شرقي دمشق" وفي الصحيحين عنه، رفعه: "ينزل عيسى، فيقتل الدجال". "فيكسر الصليب" تفريع على عدله، أي: فسبب عدله يكسره حقيقة، أو يبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه، "ويقتل الخنزير" فيبطل دين النصرانية، وفيه تحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله ونجاسته؛ لأن الشيء المنتفع به لا يشرع إتلافه، لكن في الطبراني الأوسط، بإسناد لا بأس به، عن أبي هريرة: ويقتل الخنزير والقرد، فلا يصح الاستدلال به على نجاسة عين الخنزير، لأن القرد ليس بنجس العين اتفاقًا، وفيه أيضًا تغيير المنكرات، وكسر آلة الباطل، زاد في رواية لمسلم: "ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاد". "ويضع الجزية" وفي رواية: "ويضع الحرب"، وبقية الحديث في الصحيحين: "ويفيض المال حتى لا يقبله أحد حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها". ثم يقول أبو هريرة: اقرءوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾ [النساء: ١٥٩] الآية.
قال الحافظ: والمعنى أن الذين يصيرون واحدًا، فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدي الجزية، وقيل: معناه يكثر المال، فلا يبقى من يمكن صرف مال الجزية له، فيترك الجزية استغناء عنها.
وقال عياض: يحتمل أن المراد بوضعها تقريرها على الكفار من غير محاباة وتكون كثرة المال بسبب ذلك، وتعقبه النووي، "و" قال: "أن الصواب في معناه؛ أنه لا يقبل الجزية، ولا يقبل إلا الإسلام، أو" "القتل" إن امتنعوا منه.стр. 3512
وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل الجزية وجب قبولها ولم يجز قتله ولا إكراهه على الإسلام، وإذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى ﵇ حاكمًا بشريعة نبينا ﷺ ؟
فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى ﵊ إنما ينزل حاكمًا بهذه الشريعة المحمدية ولا ينزل نبي برسالة مستقلة وشريعة ناسخة، بل هو حاكم من حكام هذه الأمة.
وأما حكم الجزية وما يتعلق بها فليس حكمًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى، وقد أخبر نبينا ﷺ بنسخه، وليس عيسى ﵇ هو الناسخ، بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ، فدل على أن الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية هو شرع نبينا ﷺ . أشار إليه النووي في شرح مسلم.
الحواشي
(١) قال الحافظ: ويؤيده رواية أحمد من وجه آخر، وتكون الدعوى واحدة، "وهذا خلاف ما هو حكم الشرع اليوم، فإن الكتابي إذا بذل" أي: أعطي "الجزية وجب قبولها، ولم يجز" بالزاي "قتله" لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ﴾ الآية، وفي نسخة: لم يجب بالباء بدل الزاي، وكأنه عبر بها لمطابقة ظاهر الآية، فلا ينافي أنه لا يجوز قتله وعلى قاتله ديته؛ لأن ذلك ثبت بدليل آخر، "ولا إكراهه على الإسلام، وإذا كان كذلك، فكيف يكون عيسى ﵊ حاكمًا بشريعة نبينا ﷺ ، فالجواب: أنه لا خلاف أن عيسى إنما ينزل حاكمًا بهذه الشريعة المحمدية" لحديث عبد الله بن مغفل: "ينزل عيسى ابن مريم مصدقًا بمحمد على ملته" رواه الطبراني، "ولا ينزل نبي برسالة مستقلة وشريعة ناسخة" لأن هذه الشريعة لا تنسخ، "بل هو حاكم من حكام هذه الأمة" كقاض بين الخصوم بالملة المحمدية.
"وأما حكم الجزية وما يتعلق بها" من إقرارهم على إبقاء صليبهم وخنزيرهم ونحوهما حيث لم يظهروها، "فليس حكمًا مستمرًا إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى" فوضعها بعد نزوله من شريعتنا.
"وقد أخبر نبينا ﷺ بنسخه" بهذا الحديث، كما في عبارة النووي "وليس عيسى هو الناسخ، بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ"، بقوله: ويضع الجزية، "فدل على أن الامتناع في ذلك الوقت من قبول الجزية، وهو شرع نبينا ﷺ " في ذلك الوقت لا قبله، "أشار إليه النووي في شرح مسلم" ولخصه الحافظ بأوجز عبارة، بقوله قال النووي معنى وضع الجزية، مع أنهاстр. 3513
فإن قلت: ما المعنى في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى ﵊ في قبول الجزية؟
فأجاب ابن بطال: بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى ﵊ عند خروجه إلى مال، لأنه يفيض في أيامه المال حتى لا يقبله أحد، فلا يقبل إلا القتل أو الإيمان بالله وحده، انتهى.
وأجاب الشيخ ولي الدين ابن العراقي: بأن قبول الجزية من اليهود.
الحواشي
(١) مشروعة في هذه الشريعة؛ أن مشروعيتها مقيدة بنزول عيسى؛ كما دل عليه هذا الخبر، وليس عيسى بناسخ لحكمها، بل نبينا ﷺ هو المبين للنسخ بقوله هذا.
"فإن قلت: ما المعنى" أي: السر والحكمة "في تغيير حكم الشرع عند نزول عيسى ﵊ في" منع "قبول الجزية" أهو تعبدي أم معقول المعنى، "فأجاب" أي: فأقول في ذلك، أجاب: فلا حاجة للفاء لدخولها على ماض مترف، وهو صالح لكونه جواب الشرط، ونقل البدر بن مالك جوازه، اعترض بأن ظاهره الإطلاق، وليس كذلك، بل الماضي المتصرف، المجرد ثلاثة أضرب: ضرب لا يجوز اقترانه بالفاء، وهو المستقبل الذي لم يقصد به وعد أو وعيد، نحو: إن قام زيد قام عمرو، وضرب يجب اقترانه بالفاء، وهو المستقبل الماضي لفظًا ومعنى، نحو: ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ﴾ ، وقد معه مقدرة، وضرب يجوز اقترانه بالفاء وهو المستقبل معنى، وقصد به وعد أو وعيد، نحو: ومن جاء بالسيئة فكبت، لأنه إذا كان وعدًا أو وعيدًا حسن أن يقدر ماضي المعنى، فعومل معاملة الماضي حقيقة، وقد نص أبوه على هذا التفصيل في شرح كافيته "ابن بطال" أبو الحسن علي في شرح البخاري، "بأنا إنما قبلناها نحن لاحتياجنا إلى المال، وليس يحتاج عيسى ﵊ عند خروجه" أي: ظهوره ونزوله من السماء إلى الأرض "إلى مال لأنه يفيض" بفتح أوله، وكسر الفاء، وبالضاد المعجمة، أي: يكثر "في أيامه المال حتى لا يقبله أحد" كما قال في الصحيحين ولمسلم في رواية: وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد.
قال الحافظ: وسبب كثرته نزول البركات بسبب العدل وعدم الظلم، وحينئذ تخرج الأرض كنوزها ويقل الراغب في اقتناء المال لعلمهم بقرب الساعة، "فلا يقبل إلا القتل" أي: لا يحكم إلا به، فعبر بنفي القبول عن فعل القتل تجوزًا، نحو: وزججن الحواجب والعيونا، "أو الإيمان بالله وحده، انتهى" جواب ابن بطال.
"وأجاب الشيخ ولي الدين" أحمد "ابن العراقي؛ بأن قبول الجزية من اليهودстр. 3514
والنصارى لشبهة ما بأيديهم من التوراة والإنجيل, وتعلقهم بزعمهم بشرع قديم، فإذا نزل عيسى ﵊ زالت تلك الشبه بحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم، فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام، والحكم يزول بزوال علته. قال وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له. قال: وهذا أولى مما ذكره ابن بطال، انتهى.
الحواشي
(١) والنصارى لشبهة" بالضم، أي: التباس "ما بأيديهم من التوراة والإنجيل" عليهم، فظنوا بسبب الالتباس حقية ما هم عليه، "وتعلقهم بزعمهم بشرع قديم" وهذه الشبهة، والتعلق وإن كانا باطلين لقيام الأدلة الواضحة على حقية الإسلام وبطلان ما سواه، لكنهم عذروا في الجملة لذلك، فاكتفى منهم بما دل على ذلهم وانقيادهم لبعض أحكام الإسلام، قهرًا عليهم، "فإذا نزل عيسى ﵊ زالت تلك الشبهة بحصول معاينته، فصاروا كعبدة الأوثان في انقطاع شبهتهم وانكشاف أمرهم، فعوملوا معاملتهم في أنه لا يقبل منهم إلا الإسلام والحكم يزول بزوال علته" وهذا أيضًا ملحظ جواب ابن بطال.
"قال: وهذا معنى حسن مناسب لم أر من تعرض له، قال: وهذا أولى مما ذكره ابن بطال، انتهى" وكان وجه أولويته، أنه مبني على علة معنوية معقولة دون جواب ابن بطال، وهو ظاهر في زوال شبهة النصارى بنزول.
وأما زوالها عن اليهود بنزوله، فكأنه لأنهم زعموا هم والنصارى بقاء شرعهما مع شريعة الإسلام، وفي الفتح قال العلماء: الحكمة في نزول عيسى دون غيره من الأنبياء للرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه، فبين الله كذبهم؛ وأنه الذي يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غرها، وقيل: إنه دعا الله لما رأى صفة محمد وأمته أن يجعله منهم، فاستجاب الله دعاءه وأبقاه حتى ينزل في آخر الزمان مجددًا لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، والأول أوجه.
وفي مسلم عن ابن عمرو: أنه يمكث في الأرض بعد نزوله سبع سنين، وروى نعيم بن حماد في كتاب الفتن من حديث ابن عباس: أن عيسى إذ ذاك يتزوج في الأرض، ويقيم بها تسع عشرة سنة، وبإسناد فيه مبهم عن أبي هريرة: يقيم بها أربعين سنة.
وروى أحمد وأبو داود بإسناد صحيح، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل عيسى ﵇ وعليه ثوبان ممصران، فيدق الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويهلك الله في زمانه الملل كلها إلا الإسلام، وتقع الأمنة في الأرض حتى ترتع الأسود مع الإبل، وتلعب الصبيان بالحيات، فيمكث في الأرض أربعين سنة ثم يتوفى ويصلي عليه المسلمون"، انتهى.стр. 3515
.............................................................................
الحواشي
(١) قال ابن كثير: يشكل عليه خبر مسلم أنه يمكث في الأرض سبع سنين، اللهم إلا أن تحمل هذه السبع على مدة إقامته بعد نزوله، وتكون مضافة إلى مكثه فيها قبل رفعه إلى السماء، وكان عمره إذ ذاك ثلاثًا وثلاثين سنة على المشهور، قال في مرقاة الصعود: وقد أقمت سنين أجمع بذلك، ثم رأيت البيهقي قال في كتاب البعث والنشور في هذا الحديث: إن عيسى يمكث في الأرض أربعين سنة، وفي مسلم من حديث عبد الله بن عمرو في قصة الدجال: فيبعث الله عيسى ابن مريم فيطلبه فيهلكه ثم يلبث الناس بعده سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة.
قال البيهقي: ويحتمل أن قوله: ثم يلبث الناس بعده، أي: بعد موته، فلا يكون مخالفًا للأول، انتهى، فترجح عندي هذا التأويل من وجوه، أحدها: إن حديث مسلم ليس نصًا في الإخبار عن مدة لبث عيسى، وخبر أبي داود نص فيها، والثاني: أن ثم تؤيد هذا التأويل، لأنها في التراخي. والثالث: قوله: يلبث الناس بعده، فيتجه أن الضمير فيه لعيسى؛ لأنه أقرب مذكور، والرابع: أنه لم يرد في ذلك سوى هذا الحديث المحتمل، ولا ثاني له، وورد مكث عيسى أربعين سنة في عدة أحاديث من طرق مختلفة، فحديث أبي داود، وهذا هو صحيح، وأخرج الطبراني، عن أبي هريرة مرفوعًا: "ينزل عيسى ابن مريم، فيمكث في الناس أربعين سنة" وأخرج أحمد في الزهد عنه، قال: "يلبث عيسى في الأرض أربعين سنة لو يقول للبطحاء سيلي عسلا لسالت"، وأخرج ي المسند، عن عائشة مرفوعًا في حديث الدجال: "فينزل عيسى فيقتله، ثم يمكث عيسى في الأرض أربعين سنة إمامًا عادلا وحكمًا مقسطًا". وورد أيضًا من حديث ابن مسعود عند الطبراني: فهذه الأحاديث المتعددة الصريحة أولى من ذلك الحديث الواحد المحتمل، انتهى.
ويؤيده أن حديث رفعه، وهو ابن ثلاث وثلاثين، إنما يروى عن النصارى، فعند الحاكم عن وهب بن منبه، قال: "إن النصارى تزعم"، فذكر الحديث إلى أن قال: "وإنه رفع وهو ابن ثلاث وثلاثين"، وفيه عبد المنعم بن إدريس كذبوه، ولو صح، فهو عن النصارى كما ترى، والثابت في الأحاديث النبوية أنه رفع، وهو ابن مائة وعشرين.
روى الطبراني والحاكم في المستدرك عن عائشة: أن النبي ﷺ قال في مرضه الذي توفي فيه لفاطمة: " إن جبريل كان يعارضني القرآن في كل عام مرة، وإنه عارضني بالقرآن العام مرتين، وأخبرني أنه لم يكن نبي إلا عاش نصف الذي قبله، وأخبرني أن عيسى ابن مريم عاش عشرين ومائة سنة، ولا أراني إلا ذاهبًا على رأس الستين". ورجاله ثقات وله طرق، وذكر ابن عساكر؛ أن وفاة عيسى تكون بالمدينة، فيصلي عليه هنالك، ويدفن بالحجرة النبوية، وروى الترمذي عن عبد الله بن سلام، قال: مكتوب في التوراة صفة محمد وعيسى ابن مريم يدفن معه،стр. 3516
وكذلك من يقول من العلماء بنبوة الخضر.
الحواشي
(١) واختلف في موته قبل رفعه لظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ [آل عمران: ٥٥] الآية.
قال الحافظ: وعليه إذا نزل إلى الأرض، ومضت المدة المقدورة له يموت ثانيًا، وقيل: معنى متوفيك رافعك من الأرض، فعليه لا يموت إلا في آخر الزمان، وقال في موضع آخر: رفع عيسى وهو حي على الصحيح، ولم يثبت رفع إدريس وهو حي من طريق مرفوعة قوية، انتهى.
وفي الإصابة: عيسى ابن مريم بنت عمران رسول الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، ذكره الذهبي في التجريد مستدركًا على من قبله، فقال: رأى النبي ﷺ ليلة الإسراء، وسلم عليه، فهو نبي وصحابي، وهو آخر من يموت من الصحابة، وألغزه القاضي تاج الدين السبكي في قصيدته التي في أواخر القواعد له، فقال:
من باتفاق جميع الخلق أفضل من ... خير الصحاب أبي بكر ومن عمر
ومن علي ومن عثمان وهو فتى ... من أمة المصطفى المختار من مضر
وأنكر مغلطاي على من ذكر خالد بن سنان في الصحابة، كأبي موسى المديني، وقال: إن ذكره لكونه ذكر النبي صلى الله عليه وسم، فكان ينبغي له أن يذكر عيسى وغيره من الأنبياء، أو من ذكره هو من الأنبياء غيرهم، ومن المعلوم أنهم لا يذكرون في الصحابة، انتهى.
ويتجه ذكر عيسى خاصة لأمور اقتضت ذلك، وهي رفعه حيًا على أحد القولين، وأنه ينزل إلى الأرض، فيقتل الدجال، وأنه يحكم بشريعة محمد ﷺ ؛ فبهذه الثلاث يدخل في تعريف الصحابي، وهو الذي عليه عول الذهبي، انتهى كلام الإصابة.
ويؤيده اجتماعه بالمصطفى مرات في غير ليلة الإسراء في الطواف وغيره؛ كما تقدم قريبًا من رواية ابن عساكر وابن عدي عن أنس، ونقل السيوطي عن العلم القرافي؛ أنه تعقب قول الناظم وهو فتى؛ بأنه إن كان عني عيسى؛ فلا يطلق اسم الفتى على الأنبياء، إنما يسمى به الصبيان والعبيد والخدم، وإن أراد إبراهيم ابن النبي ﷺ ، فلا يطلق عليه فتى، فقد نص الأزهري على أن الصبي لا يسمى فتى حتى يراهق، وإن أراد الحسن فأبو بكر أفضل منه، فلو قال شخص بدل فتى صح على عيسى وعلى إبراهيم وعلى فاطمة؛ لحديث: "فاطمة بضعة مني"، قال مالك: لا أفضل على بضعة من النبي ﷺ أحدًا، انتهى.
"وكذلك من يقول" وهم الجمهور؛ كما قال ابن عطية، والمازري، والبغوي، والقرطبي "من العلماء بنبوة الخضر" قائلين: لأن قوله تعالى: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ الآية، يدل على أنه نبي يوحى إليه، ولأن النبي لا يتعلم ممن هو دونه، ولأن الحكم بالباطن لا يطلع عليه إلا الأنبياء، ثم اختلفوا في أنه رسول الله أم لا؟ فقال الثعلبي: الخضر نبي بعثه الله بعد شعياء، وقالتстр. 3517
وأنه باق إلى اليوم، فإنه تابع لأحكام هذه الملة.
الحواشي
(١) طائفة منهم القشيري: هو ولي، وأجابوا عن الآية باحتمال بعيد جدًا، هو: أن الله أوحى إلى نبي ذلك العصر، بأن يأمر الخضر بذلك، وهو بفتح الخاء، وكسر الضاد المعجمتين، وقد تسكن مع كسر الخاء، وكنيته أبو العباس.
وفي الصحيحين، عن أبي هريرة مرفوعًا: "إنما سمي الخضر، لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من تحته خضراء".
زاد عبد الرزاق: الفروة الحشيش الأبيض وما أشبهها، قال عبد الله بن أحمد: أظن هذا تفسيرًا من عبد الرزاق، وبه جزم عياض، ويوافقه قول الحربي: الفروة من الأرض قطعة يابسة من حشيش، وقال ابن الأعرابي: الفروة أرض بيضاء، ليس فيها نبات، وبه جزم الخطابي ومن تبعه، وحكى مجاهد: أنه قيل له الخضر، لأنه كان إذا صلى اخضر ما حوله، واختلف في اسمه واسم أبيه ونسبه، فالأصح الذي نقله أهل السير وثبت عن النبي ﷺ ؛ كما قال البغوي وغيره: أن اسمه بليا، بفتح الموحدة، وسكون اللام، فتحتية، فألف، وبخط الدمياطي في أول الاسم نقطتان، وقيل: كالأول بزيادة ألف بعد الباء، وقيل: اسمه إلياس، وقيل: اليسع، وقيل: عامر، وقيل: إرميا بكسر أوله، وقيل بضمه وأشبعها بعضهم واوًا، وقيل: المعمر، وقيل: خضرون، وقيل غير ذلك ابن ملكان، بفتح الميم، وسكون اللام ابن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشذ بن سام بن نوح، وعلى هذا فمولده قبل إبراهيم؛ لأنه يكون ابن عم جد إبراهيم.
وحكى الثعلبي قولين في أنه كان قبل الخليل أو بعده، وروى الدارقطني عن ابن عباس، قال: هو ابن آدم لصلبه، قال الحافظ: وهذا ضعيف منقطع، وحكى أبو حاتم السختياني أنه ابن قابيل بن آدم، وقيل: ابن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وقيل: ابن غاييل بن معمر بن عيصور بن إسحاق بن إبراهيم، وقيل: الخضر بن فرعون صاحب موسى، وهو غريب جدًا، وقيل: ابن بنت فرعون، وقيل: كان أبوه فارسيًا.
وحكى السهيلي عن قوم أنه كان ملكًا من الملائكة وليس من بني آدم، قال النووي: وهو غريب ضعيف أو باطل، وقيل: إنه من ذرية بعض من آمن بإبراهيم، وقيل: إنه الذي أماته الله مائة عام، ثم بعثه، فلا يموت حتى ينفخ في الصور، رواه الدارقطني وزاد: مد للخضر في أجله حتى يكذب الدجال.
ونقل عبد الرزاق عن معمر، قال: بلغني أن الخضر هو الذي يقتله الدجال ثم يحييه، "وأنه باقٍ إلى اليوم، فإنه تابع لأحكام هذه الملة" قال ابن الصلاح: هو حي عند جمهور العلماء، والعامة معهم في ذلك، وإنما شذ بإنكاره بعض المحدثين، وتبعه النووي، وزاد: وفي ذلك متفقстр. 3518
.................................................................
الحواشي
(١) عليه بين الصوفية وأهل الصلاح، وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به، والأخذ عنه، وسؤاله وجوابه، ووجوده في المواضع الشريفة أكثر من أن تحصر، وأشهر من أن تذكر.
قال في الإصابة: لا يقال يستفاد من هذه الأخبار التواتر المعنوي؛ لأن المتواتر لا يشترط فيه عدالة، إنما العمدة على وروده بعدد تحيل العادة تواطأهم على الكذب، فإن اتفقت ألفاظه فذاك، وإن اختلفت فمهما اجتمعت فهو التواتر المعنوي، وهذه الحكايات تجتمع في أن الخضر حي، لأنا نقول بطرق حكاية القطع قول جماعة من الصوفية لكل زمان، وأنه نقيب الأولياء، وكلما مات نقيب أقيم نقيب مقامه، وسمي الخضر، فلا نقطع مع هذا أن الذي ينقل عنه الخضر صاحب موسى، بل هو خضر ذلك الزمان، ويؤيده اختلافهم في صفته، فمنهم من يراه شيخًا، أو كهلا، أو شابًّا، وهو محمول على تغاير المرئي وزمانه، انتهى.
وروى ابن إسحاق في المبتدأ عن أصحابه: أن آدم أخبر بنيه عند الموت بأمر الطوفان، ودعا لمن يحفظ جسده حتى يدفنه بالتعمير، فجمع نوح بينه لما وقع الطوفان، وأعلمهم بذلك، فحفظوه حتى كان الذي تولى دفنه الخضر.
وروى خيثمة بن سليمان، عن جعفر الصادق، عن أبيه: أن ذا القرنين كان له صديق من الملائكة، فطلب منه أن يدله على شيء يطول به عمره، فدله على عين الحياة، وهي داخل الظلمة، فسار إليها والخضر على مقدمته، فظفر بها الخضر، فشرب منها، وتوضأ، واغتسل فيها، ولم يظفر بها ذو القرنين، فلا يموت حتى يرفع القرآن.
وأخرج ابن عدي بسند ضعيف عن عمرو بن عوف: أن النبي ﷺ سمع وهو في المسجد كلامًا، فقال: "يا أنس اذهب إلى هذا القائل، فقل له يستغفر لي". فذهب إليه، فقال: قل إن الله فضلك على الأنبياء بما فضل به رمضان على الشهور، وفضل أمتك على الأمم مثل ما فضل يوم الجمعة على سائر الأيام، فذهبوا ينظرونه، فإذا هو الخضر.
وروى ابن عساكر نحوه، عن أنس بإسناد، أوهى منه، قال ابن المنادى: حديث واهٍ منكر الإسناد سقيم المتن، لم يراسل الخضر بينه وبين النبي ﷺ ولم يلقه، واستبعده ابن الجوزي من جهة إمكان لقيه له ﷺ ، واجتماعه معه ثم لا يجيء إليه وجاء في اجتماعه ببعض الصحابة أخبار أكثره واهي الإسناد، وقد جزم بموته، وأنه غير موجود الآن: البخاري وإبراهيم الحربي، وأبو جعفر بن المناد، وأبو يعلى بن الفراء، وأبو طاهر العبادي، وأبو بكر بن العربي وطائفة.
قال ابن عطية: أخرج النقاش أخبارًا كثيرة تدل على بقائه، لا يقوم بشيء منها حجة، قال: لو كان باقيًا كان له في ابتداء الإسلام ظهور، ولم يثبت شيء من ذلك؛ انتهى، وعمدتهم الحديث المشهور عن ابن عمر وجابر، وغيرهما: أن النبي ﷺ قال في آخر حياته: "لا يبقىстр. 3519
وكذلك إلياس..................................................
الحواشي
(١) على وجه الأرض بعد مائة سنة ممن هو عليها اليوم أحد". قال ابن عمر: أراد بذلك انخرام قرنه، وأجاب: من أثبت حياته، بأنه كان حينئذ على وجه البحر، أو هو مخصوص من الحديث؛ كما خص منه إبليس باتفاق، ومن حجج من أنكر ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ الآية، وحديث ابن عباس: "ما بعث الله نببيًا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه". ولم يأت في خبر صحيح، أنه جاء إلى النبي ﷺ ولا قاتل معه، وقد قال ﷺ يوم بدر: "اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد في الأرض"، فلو كان الخضر موجودًا لم يصح هذا النفي، وقال ﷺ : "رحم الله موسى، لوددنا لو كان صبر حتى يقص الله علينا من خبرهما"، فلو كان الخضر موجودًا لما حسن هذا التمني ولأحضره بين يديه، وأراه العجائب، وكان أدعى لإيمان الكفرة لا سيما أهل الكتاب، وقد بسط الكلام فيه في الإصابة بنحو كراس، وألم بشيء منه في فتح الباري من جملته: روى يعقوب بن سفيان في تاريخه، وأبو عروبة عن رياح بتحتية ابن عبيدة، قال: رأيت رجلا يماشي عمر بن عبد العزيز معتمدًا على يديه، فلما انصرف، قلت له: من الرجل؟، قال: رأيته؟ قلت: نعم، قال: أحسبك رجلا صالحًا، ذاك أخي الخضر، بشرني أني سألي وأعدل، لا بأس برجاله، ولم يقع لي إلى الآن خبر، ولا أثر بسند جيد غيره، وهذا لا يعارض الحديث في مائة سنة؛ لأنه كان قبل المائة، انتهى.
قال في الإصابة: وعلى بقائه إلى زمن النبي ﷺ وحياته بعده، فهو داخل في تعريف الصحابي على أحد الأقوال، ولم أر من ذكره فيهم من القدماء، مع ذهاب الأكثر إلى الأخذ بما ورد من أخباره في تعميره وبقائه.
"وكذلك إلياس" بهمزة قطع اسم عبراني، وأما قوله تعالى: ﴿سَلَامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ﴾ الآية، فقرأه الأكثر بصورة الاسم المذكورة، وزيادة ياء ونون في آخره، وقرأه أهل المدينة: "آل ياسين"، بفصل آل من ياسين، وبعضهم تأول أن المراد آل محمد، وهو بعيد، ويؤيد الأولى أن الله تعالى إنما أخبر في كل موضع ذكر فيه نبيًا من الأنبياء في هذه السورة بأن السلام عليه، فكذلك السلام في هذا الموضع على المبدأ بذكره في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ إِلْيَاسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ الآية، وإنما زيدت فيه الياء والنون، كما قالوا في إدريس إدراسين، ونقل بعضهم الإجماع على أن إدريس جد نوح، وفيه نظر؛ لأنه إن ثبت قول ابن عباس: أن إلياس هو إدريس، لزم أن إدريس من ذرية نوح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ الآية، إلى أن قال: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾ الآية، سواء كان ضمير ذريته لنوح أو لإبراهيم؛ لأن من كان من ذريته هو من ذرية نوح لا محالة.
وذكر ابن إسحاق: أن إلياس هو ابن نسي بن فينحاس، ابن العزر بن هارون أخي موسى بنстр. 3520
على ما صححه أبو عبد الله القرطبي أنه حي أيضًا.
وليس في الرسل من يتبعه رسول إلا نبينا ﷺ ، وكفى بهذا شرفًا لهذه الأمة المحمدية زادها الله شرفًا.
فالحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة، وأسبغ علينا هذه النعمة، ومن علينا بما عمنا به من الفضائل الجمة، ونوه بنا في كتابه العزيز بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، فتأمل قوله ﴿كُنْتُمْ﴾ .
الحواشي
(١) عمران، "على ما صححه أبو عبد الله" محمد بن فرج "القرطبي" المفسر، "أنه حي أيضًا" ذكر وهب في المبتدأ أن إلياس عمر، كما عمر الخضر، وأنه يبقى إلى آخر الزمان.
وروى الدارقطني عن ابن عباس مرفوعًا: "يجتمع الخضر وإلياس كل عام في الموسم، فيحلق كل واحد منهما رأس صاحبه ويتفرقان عن هؤلاء الكلمات: بسم الله، ما شاء الله، لا يسوق الخير إلا الله، لا يصرف السوء إلا الله، بسم الله، ما شاء الله، ما كان من نعمة فمن الله، بسم الله، ما شاء الله، لا حول ولا قوة إلا بالله"، وإسناده ضعيف، ورواه ابن الجوزي بسنده واهٍ جدًا، وزاد: قال ﷺ : "ما من عبد قالها في كل يوم إلا أمن من الغرق والحرق والسرق، وكل شيء يكرهه حتى يمسي، وكذلك حتى يصبح"، ورواه أحمد في الزهد بسند حسن، لكنه معضل، عن عبد العزيز بن أبي رواد، وزاد: "ويشربان من زمزم شربة تكفيهما إلى قابل، ويصومان رمضان ببيت المقدس".
وروي عن كعب الأحبار، قال: أربعة من الأنبياء أحياء، اثنان في الأرض، الخضر وإلياس، واثنان في السماء: إدريس وعيسى.
وروى الحاكم في المستدرك عن أنس: أإلياس اجتمع بالنبي ﷺ ، وأكلا جميعًا، وأن طوله ثلاثمائة ذراع، وأنه قال: إنه لا يأكل في السنة إلا مرة واحدة، قال الذهبي: هذا خبر باطل.
وفي الإصابة: يلزم من ذكر الخضر في الصحابة أن يذكر إلياس، ومن أغرب ما روي فيه: أنه هو الخضر، فأخرج ابن مردويه في تفسير سورة الأنعام عن ابن عباس مرفوعًا: "الخضر هو إلياس".
"وليس في الرسل من يتبعه رسول" عاملا بشريعته، تاركًا للشرع الذي أوحي إليه به، "إلا نبينا ﷺ " لأنه نبي الأنبياء، "وكفى بهذا شرفًا لهذه الأمة المحمدية، زادها الله شرفًا، فالحمد لله الذي خصنا بهذه الرحمة، وأسبغ" أفاض وأتم "علينا هذه النعمة، ومن علينا بما عمنا به من الفضائل الجمة" الكثيرة "ونوه بنا" أي: رفع ذكرنا "في كتابه العزيز، بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] الآية، "فتأمل قوله: ﴿كُنْتُمْ﴾ الدال علىстр. 3521
أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم في علم الله.
فينبغي لمن هو من هذه الأمة المحمدية أن يتخلق بالأخلاق الزكية، ليثبت له ما لهذه الأمة الشريفة من الأوصاف المرضية، ويتأهل لما لها من الخيرية.
قال مجاهد: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ إذا كنتم على الشرائط المذكورة، أي: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ .
وقيل: إنما صارت أمة محمد ﷺ خير أمة لأن المسلمين منهم أكثر، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أشهر.
وقيل: هذا لأصحاب محمد ﷺ كما قال ﵊: "خير الناس قرني
الحواشي
(١) ثبوت قدم الخيرية لهم من قبل وجود الأمم، "أي: في اللوح المحفوظ، وقيل: كنتم في علم الله" والقصد بهذين القولين تحقيق معنى المضي، وقيل: معنى: ﴿كُنْتُمْ﴾ أنتم؛ كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا﴾ الآية، وفي موضع آخر: ﴿إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ﴾ الآية.
وأشار البغوي إلى ترجيح الأول بما أخرجه هو وأحمد والترمذي وغيرهم عن معاوية بن حيدة؛ أنه سمع النبي ﷺ يقول في قوله : ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية، قال: "إنكم تتمون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله". "فينبغي لمن هو من هذه الأمة المحمدية أن يتخلق بالأخلاق الزكية" بملازمة الطاعات واجتناب المنهيات، "ليثبت له ما لهذه الأمة الشريفة" بشرف نبيها "من الأوصاف المرضية" لله وعباده التقين، "ويتأهل لما لها من الخيرية".
"قال مجاهد" في تفسير قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ : إذا كنتم على الشرائط المذكورة، أي" قوله: ﴿تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية؛ لأن ذلك استئناف لبيان الخيرية فهو شرط فيها فمن لم يكن كذلك لم يتصف بالخيرية.
"وقيل: إنما صارت" أي كانت ووجدت "أمة محمد ﷺ خير أمة؛ لأن المسلمين منهم أكثر والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أشهر" وهذا كله على أن الخطاب للأمة كلهم، "وقيل: هذا" الخطاب "لأصحاب محمد ﷺ " كما قال ﵊" في الصحيحين وغيرهما: "خير الناس" وفي رواية: خير أمتي، "قرني" أي: أهل عصري، يعنيстр. 3522
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم"، وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل من بعدها. وإلى هذا ذهب معظم العلماء.
وإن من صحبه ﷺ ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل، هذا مذهب الجمهور.
وذهب أبو عمر بن عبد البر: إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وإن قوله ﵊: "خير الناس قرني" ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه ﵊ جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان، وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحدود، وقد روى أبو أمامة أنه ﷺ قال: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات
الحواشي
(١) الصحابة، ومدتهم من البعثة مائة وعشرون سنة أو دونها، أو فوقها بقليل على الخلاف في وفاة آخر الصحابة موتا أبي الطفيل، وإن اعتبر من وفاته ﷺ كان مائة أو تسعين أو سبعا وتسعين، "ثم الذين يلونهم" أي: القرن الذين بعدهم، وهم التابعون، ومدتهم نحو سبعين أو ثمانين سنة إن اعتبر من سنة مائة، "ثم الذين يلونهم" وهم أتباع التابعين من خمسين إلى حدود عشرين ومائتين، فمدة القرن تختلف باختلاف أعمار كل زمان، ومر الحديث قريبًا.
"وهذا يدل على أن أول هذه الأمة أفضل من بعدها، وإلى هذا ذهب معظم العلماء، وإن من صحبه ﷺ ورآه ولو مرة من عمره أفضل من كل من يأتي بعده، وإن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل" عطف علة على معلول، "هذا مذهب الجمهور" إطناب مساو لقوله معظم العلماء.
"وذهب أبو عمر بن عبد البر إلى أنه قد يكون فين يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة" كمن رآه مرة، "وإن قوله ﵊: "خير الناس قرني"، ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول، وقد جمع قرنه ﵊ جماعة من المنافقين المظهرين للإيمان" لكن في الاستظهار بذكر هؤلاء على الدعوى شيء، إذ هؤلاء كفار، والكلام في المؤمنين، "وأهل الكبائر الذين أقام عليهم وعلى بعضهم الحدود" وفي الاستظهار بهم أيضا شيء، فالحدود جوابر على الصحيح، "وقد روى أبو أمامة" الباهلي، صدي بالتصغير ابن عجلان، صحابي مشهور، سكن الشام، ومات بها سنة ست وثمانين، "أنه ﷺ قال: "طوبى" تأنيث أطيب، أي: راحة وطيب عيش، حاصل "لمن رآني وآمن بي، وطوبى سبع مرات"، المتبادر أنه قال: هذا اللفظ، لا أنه كرر طوبى سبعًاстр. 3523
لمن لم يرني وآمن بي".
وفي مسند أبي داود الطيالسي عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ فقال: "أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟ " قلنا: الملائكة.
الحواشي
(١) "لمن لم يرني وآمن بي" لأن الله مدح المؤمنين بإيمانهم بالغيب، وإيمان الصحابة بالله واليوم الآخر غيبًا، وبالنبي ﷺ شهودًا للآيات والمعجزات، ومن بعدهم آمنوا غيبًا بما آمنوا به شهودًا، فلذا أثنى عليهم، وحديث أبي أمامة هذا أخرجه أحمد والبخاري في التاريخ، وابن حبان والحاكم بلفظ: "طوبى لمن رآني وآمن بي مرة، وطوبى لمن لم يرني وآمن بي سبع مرات"، فزاد مرة وأخر سبع مرات، وصححه الحاكم وتعقب، لكن له شاهد من حديث أنس عند أحمد.
وروى الطيالسي وعبد بن حميد عن ابن عمر، قال: سئل رسول الله ﷺ ، فقيل له: أرأيت من آمن بك ولم يرك، وصدقك ولم يرك؟ قال: "أولئك إخواني أولئك معي، طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن آمن بي ولم يرني ثلاث مرات"، ولا يعارض ما قبله؛ لأنه أخبر بما علمه أولا، ثم زيد فأخبر به، ويدل على ذلك حديث الطبراني عن ابن عمر، وابن النجار عن أبي هريرة رفعاه: "طوبى لمن أدركني وآمن بي، وطوبى لمن لم يدركني، ثم آمن بي"، فأخبر أن كلا له طوبى، ولم يذكر عددًا، لأنه قبل أن يوحى إليه بالعدد.
وأخرج أحمد وابن حبان عن أبي سعيد، أن رجلا قال: يا رسول الله! طوبى لمن رآك وآمن بك، فقال ﷺ : "طوبى لمن رآني وآمن بي، ثم طوبى، ثم طوبى، ثم طوبى لمن آمن بي ولم يرني"، فقال رجل: يا رسول الله! وما طوبى؟ قال: "شجرة من الجنة مسيرة مائة سنة، ثياب أهل الجنة تخرج من أكمامها".
وروى الطبراني برجال ثقات، والحاكم عن عبد الله بن يسر، مرفوعًا: "طوبى لمن رآني وآمن بي، وطوبى لمن رأى من رآني، وطوبى لمن رأى من رأى من رآني، طوبى لهم وحسن مآب".
"وفي مسند أبي داود" سليمان بن داود بن الجارود "الطيالسي"، البصري، ثقة، حافظ، روى له مسلم والأربعة، ومات سنة أربع ومائتين، "عن محمد بن أبي حميد" إبراهيم الأنصاري، الزرقي، المدني، ضعيف روى له الترمذي وابن ماجه، "عن زيد بن أسلم" العدوي، المدني ثقة، عالم من رجال الجميع مات سنة ست وثلاثين ومائة، "عن أبيه" أسلم مولى عمر، ثقة مخضرم، روى له الجميع ومات سنة ثمانين، وقيل: بعد سنة ستين، وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة، "عن عمر" بن الخطاب، "قال: كنت جالسًا عند رسول الله ﷺ ، فقال: "أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا؟ " قلنا: الملائكة" لأنهم لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون،стр. 3524
قال: "وحق لهم، بل غيرهم". قلنا: الأنبياء، قال: "وحق لهم، بل غيرهم"، ثم قال ﷺ : "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانًا".
وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن أكتب إلى بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر فأنت أفضل من عمر، لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر، قال: وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل قول سالم.
قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها وحسنها، التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل، إلا أهل بدر والحديبية. ومن تدبر هذا
الحواشي
(١) "قال: وحق" بفتح الحاء من حق لازمًا، أي: ثبت "لهم"، وبضم الحاء من المتعدي، أثب: أثبت ويبنى منه للمفعول، فيقال: حق لك أن تفعل كذا بالضم؛ كما في القاموس، واقتصر المصباح على اللازم "بل" مرادي "غيرهم" أو غيرهم المراد، فهو بالرفع، ويحتمل النصب بتقدير أريد غيرهم، "قلنا: الأنبياء، قال: "وحق لهم، بل غيرهم"، ثم قال ﷺ : "أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني فهم أفضل الخلق إيمانًا" أعاده تأكيدًا، والمراد: من أفضل، فلا ينافي قوله ﷺ : "أفضل المؤمنين إسلامًا من سلم المسلمون من لسانه ويده، وأفضل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا". رواه الطبراني بإسناد حسن.
وروى ابن ماجه، وصححه الحاكم مرفوعًا: "أفضل المؤمنين أحسنهم خلقًا"، ولا قوله ﷺ : "أفضل المؤمنين إيمانًا المقل، الذي إذا سأل أعطى، وإذا لم يعط استغنى"، رواه ابن ماجه والخطيب، ويجمع بينهما أيضًا باعتبار الجهة، أي: أفضل الخلق من جهة الإيمان بالغيب، وهكذا.
"وروي أن عمر بن عبد العزيز" الإمام العادل "لما ولي الخلافة، كتب إلى الم بن عبد الله" بن عمر، أحد الفقهاء: "أن اكتب إلي بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها، فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر، فأنت أفضل من عمر؛ لأن زمانك ليس كزمان عمر ولا رجالك كرجال عمر" أي: ولا يمكنك ذلك، لأنه يتصور، فالتعليق على محال.
"قال: وكتب إلى فقهاء زمانه فكلهم كتب بمثل قول سالم"، ترغيبًا له، وحثا على العدل الذي رامه.
"قال أبو عمر" عبد البر بعد ذكر هذا، وأحاديث آخر: "فهذه الأحاديث تقتضي مع تواتر طرقها" تواترًا معنويًا لاتفاقها على تفضيل العامل في أي زمان، "وحسنها" باعتبار المجموعстр. 3525
الباب بأن له الصواب، انتهى.
وإسناد حديث أبي داود الطيالسي عن عمر ضعيف فلا يحتج به، لكن روى أحمد والدارمي والطبراني عن أبي عبيدة -ابن الجراح: يا رسول الله، أحد خير منا؟ أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ قال: "قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني". وإسناده حسن وصححه الحاكم.
والحق ما عليه الجمهور: أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل لمشاهدة رسول الله ﷺ ، والدلائل على أفضلية الصحابة على غيرهم كثيرة متظاهرة لا نطيل بذكرها وسيأتي بقية مباحث ذلك في فضل الصحابة من المقصد السابع إن شاء الله تعالى.
وقد خص الله تعالى هذه الأمة الشريفة بخصائص لم يؤتها أمة.
الحواشي
(١) "التسوية بين أول هذه الأمة وآخرها في فضل العمل إلا أهل بدر والحديبية" لنصه ﷺ على أفضلية أهلهما على من سواهما، فمحل النزاع فيمن لم يحصل له إلا مجرد المشاهدة، "ومن تدبر هذا الباب؛ بأن له الصواب، انتهى؛ وإسناد حديث أبي داود الطيالسي، عن عمر ضعيف" لضعف محمد بن أبي حميد، "فلا يحتج به" فتحسين ابن عبد البر ما حكم على المجموع؛ لأنه قال: وحسنها بعد أحاديث عدة، وأبرز سند حديث عمر، أو باعتبار شاهده الذي استدركه بقوله: "لكن روى أحمد والدارمي، والطبراني عن أبي عبيدة" عامر "ابن الجراح" أحد العشرة، أنه قال: "يا رسول الله! أحد" بتقدير أداة الاستفهام همزة، أو هل أحد "خير منا، أسلمنا معك وجاهدنا معك؟ "قال: خير منكم " قوم يكونون من بعدكم يؤمنون بي ولم يروني"، وإسناده حسن، وصححه الحاكم" وهو بمعنى حديث عمر، فهو شاهده.
"والحق ما عليه الجمهور: أن فضيلة الصحبة لا يعدلها عمل؛ لمشاهدة رسول الله ﷺ ولو مرة، وذلك لا يكون لمن بعد الصحابة ولو بلغوا ما بلغوا، "والدلائل على أفضلية الصحابة على غيرهم كثيرة متظاهرة، لا نطيل بذكرها، وسيأتي بقية مباحث ذلك في فضل الصحابة من المقصد السابع إن شاء الله تعالى" بما منه ما محصله: أنه يمكن تأويل الأحاديث المتدمة، بأن زيادة الأجر والخيرية بسبب الإيمان بالغيب دون مشاهدة الآيات، لا تستلزم الأفضلية المطلقة، فإنما يقع التفاضل بالنسبة إلى ما يماثله، وما فاز به من شاهده ﷺ لم يفز به من لم يقع له ذلك، فلا يعدله فيه أحد.
"وقد خص الله تعالى هذه الأمة الشريفة" أي: أمة الإجابة "بخصائص لم يؤتها أمةстр. 3526
قبلهم، أبان بها فضلهم، والأخبار والآثار ناطقة بذلك.
فخرج أبو نعيم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى ﵊ لما نزلت عليه التوراة وقرأها، فوجد فيها ذكر هذه الأمة، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون، فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة
الحواشي
(١) قبلهم" كالصفة الكاشفة لما قبلها، فإن عدم إيتائها لمن قبلهم هو معنى تخصيصهم بها، "أبان" أظهر "بها فضلهم" على غيرهم، وكذلك خص أمة الدعوة برفع ما كان من أنواع العذاب في الأمم السابقة، كالخسف ونحوه؛ لكن لم تعد كمالات لهم لكفرهم، ولأنها لم تنجهم من العذاب الأشد، ومتاع الدنيا قليل، "والأخبار والآثار" عطف خاص على عام، أو مباين "ناطقة بذلك" أي: دالة دلالة قوية، كالنطق، وبين بعضها مقتصرًا عليه؛ لأن دلالتها أوضح، وكافية في المقصود بقوله: "فخرج أبو نعيم" أحمد بن عبد الله الأصفهاني، "عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن موسى ﵊ لما نزلت عليه التوراة وقرأها، فوجد فيها ذكر هذه الأمة" بالأوصاف الحميدة التي لم توجد لغيرها، "قال: يا رب إني أجد في الألواح" التي أنزلت التوراة فيها، وكانت تسعة ألواح، وقيل: عشرة، وفي الحديث: "كانت من سدر الجنة، طول اللوح اثنا عشر ذراعًا" وقال الحسن: كانت من خشب، والكلبي: كانت من زبرجدة خضراء، وسعيد بن جبير: من ياقوت أحمر، والربيع بن أنس: كانت من برد، وابن جريج: من زمرد، أمر الله جبريل حت جاء بها من عدن، وكتبها بالقلم الذي كتب به الذكر، واستمد من نهر النور.
قال وهب: أمره الله بقطع ألواح من صخرة صماء، لينها الله له، فقطعها بيده، ثم شققها بأصبعه.
قالت الرواة: كانت التوراة سبعة أسباع، فلما ألقى الألواح تكسرت، فرفعت سنة أسباعها، وبقي سبع، فرفع ما كان من أخبار الغيب، وبقي ما فيه المواعظ والأحكام، والحلال والحرام؛ كذا في المعالم. "أمة هم الآخرون" زمانًا في الدنيا، "السابقون" أهل الكتاب وغيرهم منزلة وكرامة في الحشر والحساب، والقضاء لهم قبل الخلائق، وفي دخول الجنة قبل الأمم.
وفي الصحيحين عن أبي هريرة: سمع رسول الله ﷺ يقول: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة بيد أنهم أتوا الكتاب من قبلنا". الحديث.
وفي رواية مسلم: "نحن الآخرون من أهل الدنيا، والسابقون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق"، "فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمةстр. 3527
أناجيلهم في صدورهم يقرءونها فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة
الحواشي
(١) أناجيلهم" مصاحفهم، أي: ما فيها محفوظ "في صدورهم" أي: قلوبهم.
قال في الإتقان: فيه تسمية القرآن إنجيلا، وروى ابن الضريس وغيره عن كعب، قال: في التوراة يا محمد إني منزل عليك توراة حديثة، تفتح أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، ففيه تسمية القرآن توراة، ومع هذا لا يجوز الآن أن يطلق عليه ذلك، وهذا كما سميت التوراة فرقانًا في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الآية، وسمى ﷺ الزبور قرآنًا في قوله: "خفف على داود القرآن". "يقرءونها" وكان من قبلهم يقرءون كتبهم ولا يحفظونها.
قال الربيع بن أنس: نزلت التوراة سبعون وقر، بعير الجزء منها في ستة، لم يقرأها إلا أربعة: موسى، ويوشع، وعزير وعيسى، وبتفسير الأناجيل بالمصاحف يكون تجوز بكتاب عيسى عن بقية الكتب تسمية للمطلق باسم المقيد، ثم استعملها في القرآن خاصة، وجمعه نظرًا إلى أن ما يلفظ به قارئ مغاير لما يلفظ به غيره من حيث التلفظ، وإن كان المقروء واحدًا، إذ القرآن اللفظ المنزل على محمد ﷺ ، ولا يتعدد بتعدد محله، فالمقروء على لسانه ﵊ هو المتلو الآن، والمختلف التلفظ لا نفس الألفاظ، وإلا لكان ما يقرؤه المصطفى غير ما قرأه جبريل، وهو باطل قطعًا، "فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم" أي: ما يصرفونه على أنفسهم وأهاليهم "يؤجرون" أي: يثابون "عليها" ثواب الصدقة بالمال على الغير؛ لأنه ينكف بذلك عن السؤال، ويكف أهله؛ كما قال ﷺ : "كل معروف صدقة، وما أنفق المسلم من نفقة على نفسه وأهله كتب له بها صدقة" الحديث، رواه عبد بن حميد، والحاكم، وصححه عن جابر، وفي كتاب البشر لابن ظفر: هكذا الرواية، يأكلون كفاراتهم وصدقاتهم، ومعنى ذلك أنهم يطعمونها مساكينهم، ولا يحرقونها، كما كانت الأمم تفعل، وجاء في حديث غير هذا مما هو منسوب إلى كتب الله السالفة: يأكلون قرابينهم في بطونهم، فالمراد بهذا اللفظ الضحايا وما يؤكل من الهدايا، انتهى.
وتبعه بعضهم، فقال: أي يأكلها فقراؤهم الذين هم منهم، وكان من قبلهم إنما تأكل صدقاتهم وقرابينهم نار تنزل من السماء إن كانت مقبولة، وإلا بقيت بحالها، انتهى، وهو وإن صح في نفسه، إلا أن اللفظ والامتنان عليه بذلك ينبو عنه ويبعده، فالحمل الأول أولى لا سيما ويؤيده أحاديث: "فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمةстр. 3528
يأكلون الفيء فاجعلها أمتي قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة وإن عملها كتبت له عشر حسنات فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وإن عملها كتبت سيئة واحدة
الحواشي
(١) يأكلون الفيء" أي: ما أخذ من الكفار بلا قهر أو به فيشمل الغنيمة؛ لأن كلا منهما إذا انفرد عم الآخر هكذا ثبتت هذه الجملة في أصل صحيح عليه خط المصنف، وسقطت في غالب النسخ. "فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة" أي: عقد عزمه عليهم، "فلم يعملها"، بفتح الميم، "كتبت له حسنة واحدة" كاملة لا نقص فيها، وإن نشأت عن مجرد الهم، سواء كان الترك لمانع، أو لا، قيل: ما لم يقصد به الإعراض عنها، وإلا لم تكتب.
وفي الصحيحين: فمن هم بحسنة، فلم يعملها، كتبها الله له عنده حسنة كاملة، أي: قدرها أو أمر الحفظة بكتابتها، "وإن عملها" بكسر الميم "كتبت له عشر حسنات" لأنه أخرجها من الهم إلى العمل ومن جاء بالحسنة، فله عشر أمثالها.
وفي الصحيحين: فإن هم بها، فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة، فالعشرة أقل ما وعد به من الأضعاف حتى قيل: المراد بها الكثرة لا العدد، "فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد: قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة، إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها" بجوارحه ولا بقلبه، "لم تكتب عليه" سيئة، بل تكتب حسنة؛ كما في الصحيحين، وإن هم بسيئة لم يعملها، كتبها الله عنده حسنة كاملة، "وإن عملها كتبت سيئة واحدة" لم توصف بكاملة تفضلا منه؛ ولمطابقة قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ الآية، ولإفادة أنها لا تتضاعف.
قال العز بن عبد السلام: ولإفادة أنها لا تكتب اثنتين، واحدة للعمل، وواحدة لهم، حيث انضم له العمل، واستثنى بعضهم الحرم المكي، فتضاعف فيه السيئات كالحسنات لتعظيم حرمته، والجمهور على التعميم في الأزمنة والأمكنة، ولا يرد على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية؛ لأنه ورد تعظيمًا لحقه ﷺ ، لأن وقوعه من نسائه يقتضي أمرًا زائدًا على الفاحشة، وهو أذاه، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ الآية، قال قتادة ومجاهد: الإلحاد هو الشرك وعبادة غير الله، وقال عطاء: دخول الحرم بلا إحرام أو ارتكاب شيء من محظورات الحرم من قتل صيد، أو قطع شجر.стр. 3529
فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر، فيقتلون المسيح الدجال، فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين، فقال: يا موسى إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي، فخذ ما آتيك وكن من الشاكرين، قال: قد رضيت يا رب".
الحواشي
(١) وقال ابن عباس: هو أن تقتل من لا يقتلك، أو تظلم من لا يظلمك، وقال قوم: هو كل شيء كان منهيًا عنه من قول أو فعل حتى شتم الخادم، ولكنه لا يدل على تضعيف العدد، "فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول" الذي أنزل على الأنبياء قبل المصطفى، "والعلم الآخر" الذي نزل على نبينا ﷺ من الأحكام التي ليست من الشرائع السابقة، "فيقتلون المسيح الدجال" نسبه إليهم لقتله في زمانهم على يد عيسى ﵇، وهو واحد منهم، "فاجعلها أمتي، قال: تلك أمة أحمد، قال: يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين" أي: أخبر بأن الله أكرمه بهما، فلا ينافي أن الرسالة والكلام سابقان على ذلك.
وفي رواية كعب الأحبار: فلما عجز موسى، قال: يا ليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله إليه ثلاث آيات يرضيه بها، "فقال: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ الموودين في زمانك وهارون، وإن كان نبيًا، كان مأمورًا باتباعه، ولم يك كليمًا، ولا صاحب شرع، ﴿بِرِسَالَاتِي﴾ بالتوحيد قراءة أهل الحجاز، وبالجمع قراءة غيرهم، ﴿وَبِكَلَامِي﴾ تكليمي إياك، "فخذ ما آتيتك" من الفضل، "وكن من الشاكرين" لأنعمي.
قال البغوي: فإن قيل ما معنى اصطفائه بالرسالة، وقد أعطاها غيره لما لم يكن على العموم في حق الناس كافة، استقام قوله: ﴿اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية، وإن شاركه فيه غيره، كما تقول: خصصتك بمشورتي وإن شاورت غيره إذا لم تكن المشورة على العموم ويكون مستقيمًا، وفي الفقه أن موسى لما كلمه ربه لم يستطع أحد أن ينظر إليه، غشى وجهه من النور ولم يزل على وجهه برقع حتى مات، وقالت له امرأته: أنا أيم منك منذ كلمك ربك، فكشف لها عن وجهه، فأخذها مثل شعاع الشمس، فوضعت يدها على وجهها وخرت لله ساجدة، وقالت: ادع الله أن يجعلني زوجك في الجنة، قال: ذاك إن لم تتزوجي بعدي، فإن المرأة لآخر أزواجها، انتهى.
وفي الأنوار روي أن سؤال الرؤية كان يوم عرفة، وإعطاء التوراة كان يوم النحر، "قال: قد رضيت يا رب"، وروى البغوي من طريق أبي العباس السراج بسنده عن كعب الأحبار: هذاстр. 3530
وروى ابن طغر بك في "النطق المفهوم" عن ابن عباس رفعه: "قال موسى: يا رب، فهل في الأمم أكرم عليك من أمتي، ظللت عليهم الغمام، وأنزلت عليهم المن والسلوى، فقال: : يا موسى، أما علمت أن فضل أمة محمد على سائر الأمم، كفضلي على جميع خلقي؟ قال: يا رب فأرينيهم، قال: لن تراهم، ولكن أسمعك كلامهم، فناداهم الله تعالى، فأجابوا كلهم بصوت واحد: لبيك اللهم لبيك، وهم في أصلاب آبائهم وبطون أمهاتهم فقال سبحانه: صلاتي عليكم، ورحمتي سبقت غضبي، وعفوي سبق
الحواشي
(١) الحديث مطولا غير مرفوع، وقال في آخره: فلما عجز موسى عن الخير الذي أعطى الله محمدًا وأمته، قال: يا ليتني من أصحاب محمد، فأوحى الله ثلاث آيات يرضيه بهن: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ﴾ ، ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ﴾ الآية، قال: فرضي موسى كل الرضا.
"وروى ابن طغر بك" بضم الطاء المهملة والراء، بينهما معجمة ساكنة، ثم موحدة مفتوحة، كأنه علم مركب من طغر وبك لقب للإمام، العلامة المحدث سيف الدين أبي جعفر عمر بن أيوب بن عمر الحميري التركاني الدمشقي، الحنفي، لم أر له في ابن خلكان ترجمة، إنما فيه آخر من الأمراء بهذا الضبط، وزيادة لام ساكنة بعد الراء، وقدمت هذا في أول الكتاب "في" كتاب "النطق المفهوم"، عن ابن عباس رفعه": لفظة استعملها المحدثون بمعنى، قال ﷺ : "قال موسى: يا رب، فهل من الأمم أكرم عليك من أمتي، ظللت عليهم الغمام" سترتهم بالسحاب الرقيق من حر الشمس في التيه، "وأنزلت عليهم" فيه "المن والسلوى" هما الترنجبين، والطير السماني، بتخفيف الميم والقصر، "فقال" الله " : يا موسى أما علمت أن فضل أمة محمد على سائر" باقي "الأمم كفضلي على جميع خلقي" وتلك مزايا لا تقتضي التفضيل، "قال: يا رب فأرينيهم، قال: لن تراهم، ولكن أسمعك كلامهم، فناداهم الله تعالى، فأجابوا كلهم بصوت واحد، لبيك اللهم لبيك" إجابة لك بعد إجابة، "وهم في أصلاب آبائهم وبطون أمهاتهم" أي: بعض أصول هذه الأمة، كان حينئذ في أصلاب الآباء، وبعضهم في بطون الأمهات بخلافه حين أخذ العهد على الذرية، فلم يكن أحدًا موجودًا في بطون الأمهات، ولذا لم تذكر في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ الآية، "فقال : صلاتي" رحمتي ومغفرتي "عليكم، ورحمتي سبقت" وفي رواية: غلبت، أي: غلبت آثار رحمتي على آثار "غضبي" والمراد لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، وإليه أشار بقوله: "وعفوي سبق عذابي" وفي مسلم، عنстр. 3531
عذابي، أستجيب لكم قبل أن تسألوني، فمن لقيني منكم يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله غفرت له ذنوبه".
الحواشي
(١) أبي هريرة مرفوعًا: قال الله تعالى: "سبقت رحمتي غضبي" وفي البخاري، عنه رفعه: "إن الله لما قضى الخلق كتب عنده فوق عرشه إن رحمتي سبقت غضبي".
قال في الفتح: في رواية غلبت، والمراد من الغضب لازمه، وهو إرادة إيصال العذاب إلى من يقع عليه الغضب، والسبق والغلبة باعتبار التعلق، أي: تعلق الرحمة غالب سابق على تعلق الغضب؛ لأن الرحمة مقتضى ذاته المقدسة، وأما الغضب، فيتوقف على سابقه عمل من العبد الحادث، وبهذا التقرير يندفع استشكال من أورد وقوع العذاب قبل الرحمة في بعض المواطن، كمن يدخل النار من الموحدين، ثم يخرج بالشفاعة وغيرها، وقيل: معنى الغلبة الكثيرة والشمول، تقول: غلب على فلان الكرم، أي: هو أكثر أفعاله، وهذا كله بناء على أن الرحمة والغضب من صفات الذات.
وقال بعض العلماء: إنهما من صفات الفعل، لا من صفات الذات، ولا مانع من تقدم بعض الأفعال على بعض، فتكون الإشارة بالرحمة إلى إسكان آدم الجنة أول ما خلق مثلا، ومقابله ما وقع من إخراجه منها، وعلى ذلك استمرت أحوال الأمم تتقدم الرحمة في حقهم بالتوسيع عليهم في الرزق وغيره، ثم يقع بهم العذاب على كفرهم.
وأما ما أشكل من أمر من يعذب من الموحدين، فالرحمة سابقة في حقهم أيضًا، ولولا جودها لخلدوا أبدًا.
وقال الطيبي: في سبق الرحمة إشارة إلى أن قسط الخلق منها أكثر من قسطهم من الغضب، وأنها تنالهم من غير استحقاق، وأن الغضب لا ينالهم إلا باستحقاق، فالرحمة تشمل الشخص جنينًا، ورضيعًا، وفطيمًا، وناشئًا قبل أن يصدر منه شيء من الطاعات، ولا يلحقه الغضب إلا بعد أن يصدر عنه من الذنوب ما يستحق معه ذلك، انتهى.
وفي المصابيح: الرحمة إرادة الثواب، والغضب إرادة العاب، والصفات لا توصف بغلبة، ولا يسبق بعضها بعضًا، لكن هذا ورد على الاستعارة، ولا منع من جعل الرحمة والغضب صفتي فعل لا ذات، فالرحمة الثواب والإحسان، والغضب الانتقام والعذاب، فتكون الغلبة على بابها، انتهى.
"أستجيب لكم قبل أن تسألوني" زيادة في الإكرام، "فمن لقيني منكم، يشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، غفرت له ذنوبه" وفي مسلم، عن عبادة مرفوعًا: "من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله حرم الله عليه النار".стр. 3532
قال ﷺ : "فأراد الله أن يمن عليّ ذلك فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: ٤٦] "، أي: أمتك حتى أسمعنا موسى كلامهم.
ورواه قتادة, وزاد: فقال: يا رب، ما أحسن أصوات أمة محمد ﷺ أسمعني مرة أخرى.
وفي الحلية لأبي نعيم، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أوحى الله تعالى إلى موسى، نبئ بني إسرائيل أنه من لقيني وهو جاحد بأحمد أدخلته النار، قال: يا رب، ومن أحمد؟ قال: ما خلقت خلقًا أكرم علي منه
الحواشي
(١) وفي الصحيحين مرفوعًا: "من شهد أن لا إله إلا الله, وجبت له الجنة". وفي الطبراني رفعه: "من شهد أن لا إله إلا الله, خالصًا من قلبه، دخل الجنة، ولم تمسه النار". وفي بسط الكلام في هذا طول.
قال ﷺ : "فأراد الله أن يمن عليّ بذلك، فقال: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ﴾ ", الجبل ﴿إِذْ نَادَيْنَا﴾ ، أي: أمتك حين أسمعنا موسى كلامهم. وفي البغوي: قيل نادينا موسى: خذ الكتاب بقوة، وقال وهب: قال موسى: يا رب أرني محمدًا، قال: إنك لن تصل إلى ذلك، وإن شئت ناديت أمته، وأسمعت صوتهم، قال: بلى يا رب، قال الله تعالى: يا أمة محمد، فأجابوه من أصلاب آبائهم.
وقال أبو زرعة عن عمرو بن جرير: "نادى يا أمة محمد قد أجبتكم قبل أن تدعوني، وأعطيتكم قبل أن تسألوني".
وروى عن ابن عباس ورفعه: "بعضهم قال الله: يا أمة أحمد، فأجابوا من أصلاب الآباء وأرحام الأمهات: لبيك الله، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك، قال تعالى: يا أمة محمد إن رحمتي سبقت غضبي، وعفوي عقابي، قد أعطيتكم من قبل أن تسألوني، وقد أجبتكم من قبل أن تدعوني، وقد غفرت لكم من قبل أن تعصوني، من جاءني يوم القيامة بشهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبدي ورسولي دخل الجنة، وإن كانت ذنوبه أكثر من زبد البحر"، انتهى.
ورواه قتادة، وزاد: "فقال يا رب ما أحسن أصوات أمة محمد ﷺ أسمعني مرة أخرى" أصواتهم ولم أر هل أسمعه أم لا؟
"وفي" كتاب "الحلية" أي: حلية الأولياء وطبقات الأصفياء "لأبي نعيم" أحمد بن عبد الله الأصفهاني، الحافظ الشهير، "عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "أوحى الله تعالى إلى موسى نبئ" خبر "بني إسرائيل" يعقوب, "أنه من لقيني وهو جاحد بأحمد، أدخلته النار" خالدًا فيها لكفره به، "قال: يا رب ومن أحمد؟ قال: ما خلقت خلقًا أكرم عليّ منه".стр. 3533
كتبت اسمه مع اسمي في العرش قبل أن أخلق السماوات والأرض، إن الجنة محرمة على جميع خلقي حتى يدخلها هو وأمته، قال: ومن أمته؟ قال: الحمادون، يحمدون صعودًا وهبوطًا وعلى كل حال, يشدون أوساطهم
الحواشي
(١) بل هو الأكرم، وكان الظاهر في جواب السؤال أن يقال، هو: أحمد بن عبد الله الهاشمي، من ذرية عمك إسماعيل بن إبراهيم، مثلا ليتميز عند السائل عن غيره، لكنه عدل عن ذلك إلى ما يفهم منه الجواب زيادة في تبجيله؛ كما أشار إليه بقوله: "كتبت اسمه مع اسمي في العرش" أي: عليه "قبل أن أخلق السماوات والأرض" حين خلقت العرش فاضطرب، وهو أول المخلوقات بعد النور المحمدي.
روى أبو الشيخ والحاكم، وصححه، عن ابن عباس: "أوحى الله إلى عيسى آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة، ولا النار، ولقد خلقت العرش على الماء فاضطرب، فكتبت عليه لا إله إلا الله، محمد رسول الله فسكن". وهذا لا يقال رأيًا فحكمه الرفع.
"إن الجنة" دار الثواب، "محرمة" ممنوعة "على جميع خلقي حتى يدخلها هو وأمته" حكم على الجملة، فلا ينافي أن الأنبياء تدخلها قبل هذه الأمة؛ كما رواه ابن ماجه، وللطبراني والدارقطني، عن عمر مرفوعًا: "إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلا أمتي"، "قال: ومن أمته؟ قال: الحمادون" صيغة مبالغة، أي الكثيرون الحمد، وتعريف الطرفين يفيد الحصر، فكثرة الحمد مختصة بهم، وهو بالنظر إلى الغالب، أو المجموع، أو الموفقين منهم، أو هذا من شأنهم، وكأنه قيل: ما سبب وصفهم بالمبالغة، فأجاب بقوله: "يحمدون" على الاستئناف البياني، جوابًا لسؤال اقتضته الأولى، ولذا ترك العاطف "صعودًا" إلى المحل العالي "وهبوطًا" إلى الأسفل. وقال ابن القيم: كان النبي ﷺ وأصحابه إذا علو الثنايا كبروا، وإذا هبطوا سبحوا، فوضعت الصلاة على ذلك، "وعلى كل حال" من قيام، وقعود، واضطجاع، وحضر، وسفر، وسراء، وهو سعة العيش والسرور، وضراء، كالأمراض والمصائب، فهم راضون عن الله في كل حال.
وروى النسائي عن ابن عباس مرفوعًا: "المؤمن بخير على كل حال تنزع نفسه من بين جنبيه، وهو يحمد الله" ولما أحس معاذ بالموت، قال: مرحبًا بحبيب جاء على فاقة، لا أفلح من ندم، الحمد لله، والحمد لا يلزم كونه في مقابلة نعمة كالشكر، فلا يحتاج الحمد في الضراء للتوجيه بمنفعة الثواب عليها، "ويشدون أوساطهم" بالأزر، كما ثبت في هذا الحديث المرفوع، ومثله نقل عن التوراة والإنجيل، وللديلمي مرفوعًا: "ائتزروا، كما رأيت الملائكة تأتزر عند ربهاстр. 3534
ويطهرون أطرافهم، صائمون بالنهار، رهبان بالليل، أقبل منهم اليسير وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله، قال: اجعلني نبي تلك الأمة، قال: نبيها منها، قال: اجعلني من أمة ذلك النبي، قال: استقدمت واستأخر، ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال".
الحواشي
(١) إلى أنصاف سوقها"، ولذا عد من خصائص هذه الأمة، وتوقف فيه، بأنه ليس فيه أن الأمم الماضية لم تكن تأتزر، ولا تثبت الخصوصية بالاحتمال، ويدفع بأن المتبادر من وصفهم بذلك الاختصاص، ولا يلزم النص على لفظ الخصوصية.
نعم، يحتمل أن المراد بشد الأزر الاجتهاد في العبادة، بحيث يقومون لها بنشاط وفراغ قلب، نحو ما قيل في خبر: "كان إذا دخل العشر الأخير من رمضان شد مئزره" ويكون وجه الاختصاص إتيانهم بها على وجه أكمل من الأمم السابقة، "ويطهرون أطرافهم" أي: يتوضئون، "صائمون بالنهار، رهبان" عباد "بالليل، أقبل منهم" العمل "اليسير" وأثيبهم عليه الثواب الكثير رحمة منه بهم.
روى مالك، وأحمد، والبخاري وغيرهم عن ابن عمر مرفوعًا: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها، حتى إذا انتصف النهار، عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملا، قال: هل ظلمتكم من أجركم شيء؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء".
قال السيوطي: والمراد تشبيه من تقدم بأول النهار إلى الظهر والعصر في كثرة العمل الشاق والتكليف، وتشبيه هذه الأمة بما بين العصر والليل في قلة ذلك وتخفيفه، وليس المراد طول الزمن وقصره، إذ مدة هذه الأمة أول من مدة أهل الإنجيل.
قال إمام الحرمين: الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي لضرب الأمثال، انتهى.
"وأدخلهم الجنة بشهادة أن لا إله إلا الله" يعني: وأن محمدًا رسول الله، فاكتفى بأحدهما عن الأخرى، لكونهما صارا كالشيء الواحد.
"قال" موسى: "اجعلني نبي تلك الأمة" فإن قيل: كيف ساغ سؤال موسى ﵇ ذلك مع إخبار الله تعالى أنهم أمة أحمد، قلت: "قال نبيها منها، قال: اجعلني من أمة ذلك النبي، قال: استقدمت" في الوجود الزماني، "واستأخر" أحمد فيه، بحيث كان خاتم النبيين، فلا يمكن أن تكون من أمته. "ولكن سأجمع بينك وبينه في دار الجلال" يوم القيامة في الجنة،стр. 3535
وعن وهب بن منبه قال: أوحى الله إلى سعيا: إني باعث نبيًا أميًا، أفتح به آذانًا صمًا، وقلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، مولده بمكة ومهاجره طيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع الحبيب المنتخب
الحواشي
(١) ولا يرد اجتماعه به ليلة الإسراء في بيت المقدس، وفي السماوات له مرار عديدة في أمر الصلوات؛ لأن المراد الاجتماع المتعارف في الدنيا بلا موت.
"وعن وهب بن منبه" بضم الميم، وفتح النون، وكسر الباء، ابن كامل اليماني، أبي عبد الله الأنباري، التابعي، الثقة من رجال الصحيحين، مات سنة بضع عشرة ومائة، "قال: أوحى الله تعالى إلى سعيا" بسين مهملة وإعجامها لغة ابن أبي أمصيا نبي بشر بعيسى؛ كما في القاموس: "إني باعث" إلى جميع العالمين "نبيًا أميًا" لا يقرأ ولا يكتب "أفتح به آذانًا صمًا" بضم الصاد، وشد الميم جمع صماء كعمى وعمياء، لا تسمع، وفتحها إزالته مجاز، استعير الصمم لعدم الإذعان للحق والانتفاع به؛ لأنها لما لم تسمع السمع المعتد به، نزل منزلة الصمم، فلما أرشدهم ﷺ للحق، وكشف عنهم الحجب المظلمة، وانقادوا مذعنين، كانوا كمن زال صممه، "وقلوبًا" جمع قلب العضو المعروف: ويراد به العقل، وبه فسر، وهو الظاهر؛ لقوله: "غلفًا" بضم المعجمة، وسكون اللام: جمع أغلف، أي: مغطاة في أكنة، ومعناه: أن قلوبهم كانت محجوبة عن الهداية، فأزال الله تعالى بالنبي ﷺ حجابها، وكشف غطاءها حتى اهتدت، "وأعينا" جمع قلة لعين، عدل عن عيونًا جمع كثرة، وإن كان أنسب هنا؛ لأن جمع القلة قد يكون للكثرة، كعكسه، أو لعده قليلا بالنسبة لقدرة الله، أو لأنها كانت قليلة في الابتداء "عميًا" جمع عمياء، وهو عدم البصر عما هو من شأنه استعير لعدم انتفاعهم بها فهي كالمفقودة، ولا ينافيه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ﴾ الآية؛ لأنه فيمن طبع على قلبه، وهذا في غيره: "مولده" يكون "بمكة، ومهاجره" أي: هجرته، أي مكان هجرته "طيبة" المدينة المنورة، "وملكه"، أي ظهوره "بالشام" لاشتماله على الأمراء الذين يتصرفون في الدنيا تصرف الملوك بخلاف الحجاز، وإن كان مبدؤه فيهم، لكنهم لم يكونوا كالملوك، بل كانوا حريصين على اتباع خلافة النبوة، وقد قال ﷺ : "الخلافة بالمدينة، والملك بالشام" رواه البيهقي، أي: خلافة النبوة التي ذكرها بقوله الخلافة بعدي ثلاثون، ثم تكون ملكًا عضودًا "عبدي المتوكل" الذي يكل أمره إلى الله، فإذا أمره بشيء نهض بلا جزع "المصطفى" أي: المختار من أشهر أسمائه، وفي أحاديث: إن الله اصطفاه، " المرفوع" الدرجات على جميع الخلائق، "الحبيب" فعيل من المحبة بمعنى مفعول؛ لأنه محبوب الله، أو بمعنى فاعل، لأنه محب له تعالى، "المنتخب" بالخاء المعجمة، أو بالجيم، كلاهما بمعنى المختار، وهما من أسمائه ﵇.стр. 3536
المختار، لا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيمًا بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ولليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش.
الحواشي
(١) وفي نسخة: المتحبب، بكسر الباء اسم فاعل من تحبب إليه تودد، وأظنها تصحيفًا، ولم يذكره المصنف في الأسماء، "المختار" اسم مفعول من الاختيار، وهو الاصطفاء؛ كما في الصحاح، وهما أيضًا معدودان في أسمائه؛ كما مر. "لا يجزي" بفتح أوله "بالسيئة" لأنه خلقه القرآن، وفيه جزاء سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح، فأجره على الله، وقال فاصفح عنهم، ولذا قال: "ولكن يعفو"، فلا يسيء لمن أساء عليه، "ويصفح" يعرض عنه إغضاء وتكرمًا، فلا يقول: لم فعلت كذا يا فلان، بل يقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا"، "ويغفر" يستر ويدفع بالتي هي أحسن وذكر الغفر بعد العفو تأكيد إن كانا بمعنى أو يعفو تارة ويستر أخرى، واستدرك، لأنه لا يلزم من عدم جزائها بمثلها الغفر، لجواز أن يكله إلى الله ويؤخره للآخرة، "رحيمًا بالمؤمنين" كما في الكتاب المبين: "يبكي للبهيمة المثقلة" لشدة شفقته على خلق الله، "ويبكي لليتيم في حجر الأرملة" ويقوم به، "ليس بفظ" سيئ الخلق جاف، "ولا غليظ" قاسي القلب، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، لأن النفي محمول على طبعه الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة للمؤمنين، والأمر بالنسبة للكفار والمنافقين، كما هو مصرح به في نفس الآية، "ولا صخاب" بصاد وسين روايتان، وهما لغتان، والصاد أشهر وأفصح، والسين لغة أثبتها الفراء وغيره، وضعفها الخليل وخاء معجمة ثقيلة، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه، ولا يكثر الصياح عليهم "في الأسواق" بل يلين جانبه، ويرفق بهم، وفيه ذم أهل السوق، الموصوفين بصفة مذمومة من صخب ولغط، وزيادة مدح وذم لما يتبايعونه وأيمان خانثة، ولذا ورد أنها شر البقاع لما يغلب على أهلها من الأحوال المذمومة
"ولا متزين" روي بزاي منقوطة وتحتية ونون، وروي بدال مهملة من الدين، وروي متزي، بزاي بلا نون من الزي، وهو اللباس والهيئة، أي: لا يتلبس "بالفحش" أو يتحمل أو يباهي وهو القبح، والقول السيئ، ولا يرد إبهام ظاهره؛ أنه قد يأتي به غيره متزين به؛ لأنه لا مفهوم له، لجريه على عادة أرباب الفحش في المباهاة به.
وقيل: التزين بمعنى الاتصاف على التجريد، أو المراد؛ أنه لا يرى الفحش زينة وهذا من علاماته ﷺ ؛ لأنه نشأ بين قوم يتزينون بالفواحش، كالقتل والطواف عراة، فأتى بخلافهم.стр. 3537
ولا قوال للخنا، ولو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرًا ونذيرًا إلى أن قال: وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وتوحيدًا لي وإيمانًا بي، وإخلاصًا لي، وتصديقًا لما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس والقمر، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد،
الحواشي
(١) "ولا قوال" صيغة مبالغة، أي: كثير القول "للخنا" بخاء معجمة، ونون، مقصور قبيح الكلام، وهذا مع ما قبله يفيد أنه لا يصدر عنه شيء منه لا قليل ولا كثير؛ لأن الفحش بمعناه أو فعال هنا للنسبة كتما ونبال، أي: ليس بذي قول للخنا، "ولو يمر إلى جنب السراج" المصباح، والجمع سرج، ككتاب وكتب، "لم يطفئه" بفتح أوله "من سكينته" بفتح السين، وكسر الكاف مخففة.
وحكى عياض في المشارق كسر السين، وشد القاف، وبها قرئ شاذًا فعلية من السكون، أي: وقاره وطمأنينته، "ولو يمشي على القصب" كل نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبًا، قاله في مختصر العين الواحدة قصبة "الرعراع" أي: الطويل؛ كما في القاموس: "لم يسمع من تحت قدميه" لأن مشيه بتؤدة، وهو نبي، "أبعثه مبشرًا" من صدقه بالجنة، "ونذيرًا" منذرًا من كذبه بالنار، وهذا كله من صفاته ﵊ "إلى أن قال: وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر" تمييز، أي: من جهة الأمر والنهي، أو حال بمعنى أمرين وناهين، "وتوحيدًا لي وإيمانًا بي" كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، "وإخلاصًا لي وتصديقًا لما جاءت به رسلي" والمنصوبات تمييزًا وأحوال، كما علم، "وهم رعاة الشمس والقمر" للعبادة والذكر، قال ﷺ : "إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله تعالى". رواه الحاكم والطبراني، أي: يرصدون دخول الأوقات بها لأجل ذكر الله من الأذان للصلاة، ثم إقامتها، ولإيقاع الأوراد في أوقاتها المحبوبة.
وأخرج الطبراني والخطيب مرفوعًا: لو أقسمت لبررت أن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر، وإنهم ليعرفون يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله" وقال في عدهم: "ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة".
"طوبى" فرح وقرة عين، وشجرة في الجنة "لتلك القلوب" بإخلاصها في الإيمان والعبادة، "والوجوه والأرواح التي أخلصت لي" صفة، قامت مقام التعليل، "ألهمهم التسبيح والتكبير، والتحميد، والتوحيد" وثواب ذلك لا يعلمه إلا الله، وفي الحديث: "أفضل الذكر:стр. 3538
في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، ويصفون في مساجدهم كصفوف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قيامًا وقعودًا وركعًا وسجودًا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفًا، ويقاتلون صفوفًا، أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم، ويدخل في دينهم.
الحواشي
(١) لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله". رواه الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وقال ﷺ : "أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت". رواه مسلم والنسائي.
وروى البزار بإسناد حسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "أما يستطيع أحدكم أن يعمل كل يوم مثل أحد عملا"؟ قالوا: ومن يستطيعه؟ قال: "كلكم يستطيع ذلك" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "سبحان الله أعظم من أحد، والحمد لله أعظم من أحد، ولا إله إلا الله أعظم من أحد، والله أكبر أعظم م أحد"، وأحاديث الباب كثيرة.
"في مساجدهم" جمع مسجد في الصلاة ودونها، "ومجالسهم، ومضاجعهم، ومتقلبهم" منصرفهم لأشغالهم بالنهار، "ومثواهم" مأواهم إلى مضاجعهم بالليل، والمراد، أنه يلهمهم ذلك على أي حال كانوا، "ويصفون في مساجدهم" مصلاهم "كصفوف الملائكة حول عرشي" قال ﷺ : "ألا تصافون، كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف"، رواه مسلم وغيره.
"هم أوليائي" فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، "وأنصاري" كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ الآية، والمراد: أنصار دينه ورسوله، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ الآية، "أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان" إكرامًا لهم وابتلاء؛ كما قال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآية، الآيتين، "يصلون لي قيامًا وقعودًا" للعذر في الفرض وبدونه في النفل، والمراد: يصلون على أي حال كانوا، "وركعًا وسجدًا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي، ألوفًا" لأجل الجهاد، "ويقاتلون في سبيلي" جهاد الكفار "صفوفًا" بعضهم بجنب بعض من شدة حبهم للقتال، وفي القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ الآية، أي: ملزق بعضه إلى بعض ثابت، "أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان" فلا كتاب ولا شرع ينسخ كتابهم ودينهم، "فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهمстр. 3539
وشريعتهم فليس مني، وهو مني برئ، وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطًا شهداء على الناس، إذا غضبوا هللوني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلول والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأنا جيلهم في صدورهم، رهبانًا بالليل ليوثًا بالنهار، طوبى لمن كان معهم، وعلى دينهم ومنهاجهم وشريعتهم، وذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. رواه أبو نعيم.
وقد ذكر الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقل، قال السبكي: إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم.
الحواشي
(١) وشريعتهم فليس مني" لكفره، "وهو مني بريء، وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطًا" خيارًا عدولا، "شهداء على الناس" يوم القيامة، إن رسلهم بلغتهم، "إذا غضبوا هللوني" قالوا: لا إله إلا الله، ولا يعملون بمقتضى الغضب، "وإذا تنازعوا" في شيء بينهم "سبحوني" فهم يذكرونه في جميع أحوالهم، "يطهرون الوجوه والأطراف" الأيدي والأرجل في الوضوء، "ويشدون الثياب إلى الأنصاف" من سوقهم، اقتداء بنبيهم، ولا يرخونها إلى أسفل من ذلك تيها وتكبرًا، "ويهللون على التلول" جمع تل الأمكنة العالية، "والأشراف" جمع شرف، بفتحتين المكان العالي، فالعطف مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ ومراعاة الفاصلتين، "قربانهم دماؤهم" أي: أضاحيهم وهداياهم، أو المراد أنهم متهيئون للجهاد في سبيل الله، فكأنهم يتقربون إلى الله بدماء أنفسهم، أو بدماء من قتلوه من الكفار؛ كما قال كعب بن زهير في مدح الأنصار:
يتقربون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
وفي الأنموذج قربانهم ودماؤهم، وروى ابن عدي مرفوعًا: "إن الصلاة قربان المؤمن"، وفي حديث: "الصلاة قربان كل تقي"، أي: الصلاة من المتقي بمنزلة الهدايا والضحايا لفاقدهما. "وأناجيلهم" مصاحفهم محفوظة "في صدورهم، رهبانًا" عبادًا "بالليل ليوثًا" أسدًا على الأعداء، "بالنهار طوبى" فرح وقرة عين وشجرة في الجنة، "لمن كان معهم وعلى دينهم ومنهاجهم" طريقتهم، "وشريعتهم، وذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل" الإحسان "العظيم" فلا حجر في تخصيصهم بهذه الفضائل دون غيرهم، "رواه أبو نعيم" الأصبهاني.
"وقد ذكر الإمام فخر الدين" الرازي: "أن من كانت معجزاته أظهر، يكون ثواب أمته أقل"، لأن قوة ظهورها يلجئ إلى الإيمان.
قال السبكي: "إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم".стр. 3540
ومن خصائص هذه الأمة إحلال الغنائم، ولم تحل لأحد قبلها
الحواشي
(١) فضلا من الله ونعمة.
"ومن خصائص هذه الأمة إحلال الغنائم" وابتداء ذلك في غزوة بدر، وفيها نزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية، كما في الصحيح من حديث ابن عباس، وعند ابن إسحاق: أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي كان عليها عبد الله بن جحش، وهو قبل بدر بشهرين.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد؛ أنه ﷺ أخر غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم أهل بدر، "ولم تحل لأحد" من الأمم، وفي نسخة لأمة "قبلها" والمراد بها ما أخذ من الكفار بقهر وغيره، فنعم الفيء؛ إذ كل منهما انفرد عن الآخر.
روى النسائي، عن أبي هريرة رفعه: "إن الله أطعمنا الغنائم، رحمة رحمنا بها، تخفيفًا خففه عنا، لما رأى من ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا".
وفي حديث جابر في الصحيحين: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي".
قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا اغتنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته.
وقيل: المراد أنه خاص بالتصرف في الغنيمة، يصرفها حيث شاء، والأقل الأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلا، ذكره الحافظ، ويرجع ما صوبه قوله: "ولم تحل لأحد قبلي"؛ لأنه التقييد بالقبلية بطريق المفهوم؛ أنها حلت له ولأمته.
وروى الترمذي بسند صحيح، عن أبي هريرة رفعه: "لم تحل الغنائم لأحد، سود الرءوس من قبلكم، كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها".
قال في الفتح: كان من مضى يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وإسلابهم، لكن لا يتصرفون فيها، بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم أن تنزل نار من السماء فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا ينزل، ومن أسباب عدم القبول الغلول، وقد من الله على هذه الأمة بشرف نبيها عنده، فأحل لهم الغنيمة، وستر عليهم الغلول، وستر عليهم فضيحته، ودخل في عموم أكل النار الغنيمة السبي وفيه بعد، لأن مقتضاه إهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء، ويمكن أن يستثنوا من ذلك، ويلزم منه استثناؤهم من تحريم الغنائم عليها، ويؤيده أنه كانت لهم عبيدًا وإماء، فلو لم يجز لهم السبي لما كان لهم أرقاء، ولم أر من صرح بذلك انتهى، ونظر فيه شيخنا بأنه كان في شرع يعقوب إذا سرق إنسان شيئًا، ووجد عنده جعل السارق رقيقًا للمسروق منه، وجزم بعضهم باستثناء الذرية من أكلследующие страницы →