Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
المختار، لا يجزي بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيمًا بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ولليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا صخاب في الأسواق، ولا متزين بالفحش.
الحواشي
(١) وفي نسخة: المتحبب، بكسر الباء اسم فاعل من تحبب إليه تودد، وأظنها تصحيفًا، ولم يذكره المصنف في الأسماء، "المختار" اسم مفعول من الاختيار، وهو الاصطفاء؛ كما في الصحاح، وهما أيضًا معدودان في أسمائه؛ كما مر. "لا يجزي" بفتح أوله "بالسيئة" لأنه خلقه القرآن، وفيه جزاء سيئة مثلها، فمن عفا وأصلح، فأجره على الله، وقال فاصفح عنهم، ولذا قال: "ولكن يعفو"، فلا يسيء لمن أساء عليه، "ويصفح" يعرض عنه إغضاء وتكرمًا، فلا يقول: لم فعلت كذا يا فلان، بل يقول: "ما بال أقوام يفعلون كذا"، "ويغفر" يستر ويدفع بالتي هي أحسن وذكر الغفر بعد العفو تأكيد إن كانا بمعنى أو يعفو تارة ويستر أخرى، واستدرك، لأنه لا يلزم من عدم جزائها بمثلها الغفر، لجواز أن يكله إلى الله ويؤخره للآخرة، "رحيمًا بالمؤمنين" كما في الكتاب المبين: "يبكي للبهيمة المثقلة" لشدة شفقته على خلق الله، "ويبكي لليتيم في حجر الأرملة" ويقوم به، "ليس بفظ" سيئ الخلق جاف، "ولا غليظ" قاسي القلب، وهو موافق لقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية، ولا يعارضه قوله تعالى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، لأن النفي محمول على طبعه الذي جبل عليه، والأمر محمول على المعالجة، أو النفي بالنسبة للمؤمنين، والأمر بالنسبة للكفار والمنافقين، كما هو مصرح به في نفس الآية، "ولا صخاب" بصاد وسين روايتان، وهما لغتان، والصاد أشهر وأفصح، والسين لغة أثبتها الفراء وغيره، وضعفها الخليل وخاء معجمة ثقيلة، أي: لا يرفع صوته على الناس لسوء خلقه، ولا يكثر الصياح عليهم "في الأسواق" بل يلين جانبه، ويرفق بهم، وفيه ذم أهل السوق، الموصوفين بصفة مذمومة من صخب ولغط، وزيادة مدح وذم لما يتبايعونه وأيمان خانثة، ولذا ورد أنها شر البقاع لما يغلب على أهلها من الأحوال المذمومة
"ولا متزين" روي بزاي منقوطة وتحتية ونون، وروي بدال مهملة من الدين، وروي متزي، بزاي بلا نون من الزي، وهو اللباس والهيئة، أي: لا يتلبس "بالفحش" أو يتحمل أو يباهي وهو القبح، والقول السيئ، ولا يرد إبهام ظاهره؛ أنه قد يأتي به غيره متزين به؛ لأنه لا مفهوم له، لجريه على عادة أرباب الفحش في المباهاة به.
وقيل: التزين بمعنى الاتصاف على التجريد، أو المراد؛ أنه لا يرى الفحش زينة وهذا من علاماته ﷺ ؛ لأنه نشأ بين قوم يتزينون بالفواحش، كالقتل والطواف عراة، فأتى بخلافهم.стр. 3537
ولا قوال للخنا، ولو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع لم يسمع من تحت قدميه، أبعثه مبشرًا ونذيرًا إلى أن قال: وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وتوحيدًا لي وإيمانًا بي، وإخلاصًا لي، وتصديقًا لما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس والقمر، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد،
الحواشي
(١) "ولا قوال" صيغة مبالغة، أي: كثير القول "للخنا" بخاء معجمة، ونون، مقصور قبيح الكلام، وهذا مع ما قبله يفيد أنه لا يصدر عنه شيء منه لا قليل ولا كثير؛ لأن الفحش بمعناه أو فعال هنا للنسبة كتما ونبال، أي: ليس بذي قول للخنا، "ولو يمر إلى جنب السراج" المصباح، والجمع سرج، ككتاب وكتب، "لم يطفئه" بفتح أوله "من سكينته" بفتح السين، وكسر الكاف مخففة.
وحكى عياض في المشارق كسر السين، وشد القاف، وبها قرئ شاذًا فعلية من السكون، أي: وقاره وطمأنينته، "ولو يمشي على القصب" كل نبات يكون ساقه أنابيب وكعوبًا، قاله في مختصر العين الواحدة قصبة "الرعراع" أي: الطويل؛ كما في القاموس: "لم يسمع من تحت قدميه" لأن مشيه بتؤدة، وهو نبي، "أبعثه مبشرًا" من صدقه بالجنة، "ونذيرًا" منذرًا من كذبه بالنار، وهذا كله من صفاته ﵊ "إلى أن قال: وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر" تمييز، أي: من جهة الأمر والنهي، أو حال بمعنى أمرين وناهين، "وتوحيدًا لي وإيمانًا بي" كما قال تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية، "وإخلاصًا لي وتصديقًا لما جاءت به رسلي" والمنصوبات تمييزًا وأحوال، كما علم، "وهم رعاة الشمس والقمر" للعبادة والذكر، قال ﷺ : "إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله تعالى". رواه الحاكم والطبراني، أي: يرصدون دخول الأوقات بها لأجل ذكر الله من الأذان للصلاة، ثم إقامتها، ولإيقاع الأوراد في أوقاتها المحبوبة.
وأخرج الطبراني والخطيب مرفوعًا: لو أقسمت لبررت أن أحب عباد الله إلى الله لرعاة الشمس والقمر، وإنهم ليعرفون يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله" وقال في عدهم: "ورجل يراعي الشمس لمواقيت الصلاة".
"طوبى" فرح وقرة عين، وشجرة في الجنة "لتلك القلوب" بإخلاصها في الإيمان والعبادة، "والوجوه والأرواح التي أخلصت لي" صفة، قامت مقام التعليل، "ألهمهم التسبيح والتكبير، والتحميد، والتوحيد" وثواب ذلك لا يعلمه إلا الله، وفي الحديث: "أفضل الذكر:стр. 3538
في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومتقلبهم ومثواهم، ويصفون في مساجدهم كصفوف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يصلون لي قيامًا وقعودًا وركعًا وسجودًا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفًا، ويقاتلون صفوفًا، أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم، ويدخل في دينهم.
الحواشي
(١) لا إله إلا الله، وأفضل الدعاء: الحمد لله". رواه الترمذي وحسنه، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم وصححه، وقال ﷺ : "أحب الكلام إلى الله أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت". رواه مسلم والنسائي.
وروى البزار بإسناد حسن عن عمران بن حصين قال: قال رسول الله ﷺ : "أما يستطيع أحدكم أن يعمل كل يوم مثل أحد عملا"؟ قالوا: ومن يستطيعه؟ قال: "كلكم يستطيع ذلك" قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: "سبحان الله أعظم من أحد، والحمد لله أعظم من أحد، ولا إله إلا الله أعظم من أحد، والله أكبر أعظم م أحد"، وأحاديث الباب كثيرة.
"في مساجدهم" جمع مسجد في الصلاة ودونها، "ومجالسهم، ومضاجعهم، ومتقلبهم" منصرفهم لأشغالهم بالنهار، "ومثواهم" مأواهم إلى مضاجعهم بالليل، والمراد، أنه يلهمهم ذلك على أي حال كانوا، "ويصفون في مساجدهم" مصلاهم "كصفوف الملائكة حول عرشي" قال ﷺ : "ألا تصافون، كما تصف الملائكة عند ربها يتمون الصفوف الأول ويتراصون في الصف"، رواه مسلم وغيره.
"هم أوليائي" فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، "وأنصاري" كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ﴾ الآية، والمراد: أنصار دينه ورسوله، كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ الآية، "أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان" إكرامًا لهم وابتلاء؛ كما قال: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا﴾ الآية، الآيتين، "يصلون لي قيامًا وقعودًا" للعذر في الفرض وبدونه في النفل، والمراد: يصلون على أي حال كانوا، "وركعًا وسجدًا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي، ألوفًا" لأجل الجهاد، "ويقاتلون في سبيلي" جهاد الكفار "صفوفًا" بعضهم بجنب بعض من شدة حبهم للقتال، وفي القرآن: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ الآية، أي: ملزق بعضه إلى بعض ثابت، "أختم بكتابهم الكتب، وبشريعتهم الشرائع، وبدينهم الأديان" فلا كتاب ولا شرع ينسخ كتابهم ودينهم، "فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهمстр. 3539
وشريعتهم فليس مني، وهو مني برئ، وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطًا شهداء على الناس، إذا غضبوا هللوني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف، ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلول والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأنا جيلهم في صدورهم، رهبانًا بالليل ليوثًا بالنهار، طوبى لمن كان معهم، وعلى دينهم ومنهاجهم وشريعتهم، وذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل العظيم. رواه أبو نعيم.
وقد ذكر الإمام فخر الدين: أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقل، قال السبكي: إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم.
الحواشي
(١) وشريعتهم فليس مني" لكفره، "وهو مني بريء، وأجعلهم أفضل الأمم، وأجعلهم أمة وسطًا" خيارًا عدولا، "شهداء على الناس" يوم القيامة، إن رسلهم بلغتهم، "إذا غضبوا هللوني" قالوا: لا إله إلا الله، ولا يعملون بمقتضى الغضب، "وإذا تنازعوا" في شيء بينهم "سبحوني" فهم يذكرونه في جميع أحوالهم، "يطهرون الوجوه والأطراف" الأيدي والأرجل في الوضوء، "ويشدون الثياب إلى الأنصاف" من سوقهم، اقتداء بنبيهم، ولا يرخونها إلى أسفل من ذلك تيها وتكبرًا، "ويهللون على التلول" جمع تل الأمكنة العالية، "والأشراف" جمع شرف، بفتحتين المكان العالي، فالعطف مساوٍ حسنه اختلاف اللفظ ومراعاة الفاصلتين، "قربانهم دماؤهم" أي: أضاحيهم وهداياهم، أو المراد أنهم متهيئون للجهاد في سبيل الله، فكأنهم يتقربون إلى الله بدماء أنفسهم، أو بدماء من قتلوه من الكفار؛ كما قال كعب بن زهير في مدح الأنصار:
يتقربون يرونه نسكا لهم ... بدماء من علقوا من الكفار
وفي الأنموذج قربانهم ودماؤهم، وروى ابن عدي مرفوعًا: "إن الصلاة قربان المؤمن"، وفي حديث: "الصلاة قربان كل تقي"، أي: الصلاة من المتقي بمنزلة الهدايا والضحايا لفاقدهما. "وأناجيلهم" مصاحفهم محفوظة "في صدورهم، رهبانًا" عبادًا "بالليل ليوثًا" أسدًا على الأعداء، "بالنهار طوبى" فرح وقرة عين وشجرة في الجنة، "لمن كان معهم وعلى دينهم ومنهاجهم" طريقتهم، "وشريعتهم، وذلك فضلي أوتيه من أشاء، وأنا ذو الفضل" الإحسان "العظيم" فلا حجر في تخصيصهم بهذه الفضائل دون غيرهم، "رواه أبو نعيم" الأصبهاني.
"وقد ذكر الإمام فخر الدين" الرازي: "أن من كانت معجزاته أظهر، يكون ثواب أمته أقل"، لأن قوة ظهورها يلجئ إلى الإيمان.
قال السبكي: "إلا هذه الأمة، فإن معجزات نبيها أظهر، وثوابها أكثر من سائر الأمم".стр. 3540
ومن خصائص هذه الأمة إحلال الغنائم، ولم تحل لأحد قبلها
الحواشي
(١) فضلا من الله ونعمة.
"ومن خصائص هذه الأمة إحلال الغنائم" وابتداء ذلك في غزوة بدر، وفيها نزل: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية، كما في الصحيح من حديث ابن عباس، وعند ابن إسحاق: أول غنيمة خمست غنيمة السرية التي كان عليها عبد الله بن جحش، وهو قبل بدر بشهرين.
قال الحافظ: ويمكن الجمع بما ذكر ابن سعد؛ أنه ﷺ أخر غنيمة تلك السرية حتى رجع من بدر، فقسمها مع غنائم أهل بدر، "ولم تحل لأحد" من الأمم، وفي نسخة لأمة "قبلها" والمراد بها ما أخذ من الكفار بقهر وغيره، فنعم الفيء؛ إذ كل منهما انفرد عن الآخر.
روى النسائي، عن أبي هريرة رفعه: "إن الله أطعمنا الغنائم، رحمة رحمنا بها، تخفيفًا خففه عنا، لما رأى من ضعفنا وعجزنا، فأحلها لنا".
وفي حديث جابر في الصحيحين: "وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي".
قال الخطابي: كان من تقدم على ضربين منهم من لم يؤذن له في الجهاد فلم يكن لهم مغانم، ومنهم من أذن له فيه، لكن كانوا إذا اغتنموا شيئًا لم يحل لهم أن يأكلوه، وجاءت نار فأحرقته.
وقيل: المراد أنه خاص بالتصرف في الغنيمة، يصرفها حيث شاء، والأقل الأول أصوب، وهو أن من مضى لم تحل لهم الغنائم أصلا، ذكره الحافظ، ويرجع ما صوبه قوله: "ولم تحل لأحد قبلي"؛ لأنه التقييد بالقبلية بطريق المفهوم؛ أنها حلت له ولأمته.
وروى الترمذي بسند صحيح، عن أبي هريرة رفعه: "لم تحل الغنائم لأحد، سود الرءوس من قبلكم، كانت تجمع فتنزل نار من السماء فتأكلها".
قال في الفتح: كان من مضى يغزون ويأخذون أموال أعدائهم وإسلابهم، لكن لا يتصرفون فيها، بل يجمعونها، وعلامة قبول غزوهم أن تنزل نار من السماء فتأكلها، وعلامة عدم قبوله أن لا ينزل، ومن أسباب عدم القبول الغلول، وقد من الله على هذه الأمة بشرف نبيها عنده، فأحل لهم الغنيمة، وستر عليهم الغلول، وستر عليهم فضيحته، ودخل في عموم أكل النار الغنيمة السبي وفيه بعد، لأن مقتضاه إهلاك الذرية ومن لم يقاتل من النساء، ويمكن أن يستثنوا من ذلك، ويلزم منه استثناؤهم من تحريم الغنائم عليها، ويؤيده أنه كانت لهم عبيدًا وإماء، فلو لم يجز لهم السبي لما كان لهم أرقاء، ولم أر من صرح بذلك انتهى، ونظر فيه شيخنا بأنه كان في شرع يعقوب إذا سرق إنسان شيئًا، ووجد عنده جعل السارق رقيقًا للمسروق منه، وجزم بعضهم باستثناء الذرية من أكلстр. 3541
وجعلت لهم الأرض مسجدًا ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيع والكنائس، وجعلت تربتها لهم طهورًا وهو التيمم. وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: "وجعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا وطهورًا". وفي رواية مسلم من حديث حذيفة: "وجعلت لنا الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا إذا لم نجد الماء".
الحواشي
(١) النار، يفهم منه أنها كانت تحل لغير هذه الأمة. وفي شرح المشارق للشيخ أكمل الدين أنهم كانوا إذا أغنموا حيوانات تكون ملكًا للغانمين دون أنبيائهم، وإذا أغنموا غير الحيوانات، جمعوها، فتجيء نار فتحرقها.
"وجعلت لهم الأرض مسجدًا" أي: موضع سجود، لا يختص السجود منها بموضع دون غيره، ويمكن أنه مجاز عن المكان المبني للصلاة من مجاز التشبيه؛ لأنه لما جازت الصلاة جميعها كانت كالمسجد في ذلك.
"ولم تكن الأمم تصلي إلا في البيع" كنائس النصارى، وقيل: اليهود، فقوله "والكنائس" عطف تفسير على الأول: جمع كنيسة، متعبد النصارى، وقيل: اليهود، وعبارة المصنف فيما مر عن الفتح إلا في نحو البيع والصوامع، أي: متعبد الرهبان، فإن تعذر مجيئهم لها لنحو سفر، لم يصلوا على ظاهره، فيسقط عنهم أداؤها، ويقضون إذا رجعوا؛ كما جزم به بعض شراح الرسالة في فقه المالكية.
ويؤيده ظاهر قوله في حديث ابن عباس: "ولم يكن من الأنبياء أحد يصلي حتى يبلغ محرابه"، فما قيل: هل تسقط عنهم مطلقًا أو محل الحضر في نحو البيع في الحضر.
أما في السفر، فتباح في غيرها، ويكون محل خصوصيتنا الصلاة بأي محل، ولو بجوار المسجد، وسهولة الصلاة فيه تقصير، ويمنع الثاني أن القيد لا بد له من دليل، مع أن ظاهر قوله حتى يبلغ محرابه يمنعه، وتقدم هذا مرتين: "وجعلت تربتها لهم طهورًا" بفتح الطاء على المشهور، أي مطهرًا لغيره، لا طاهرًا، وإلا لزم تحصيل الحاصل، ولم تثبت الخصوصية، "وهو التيمم" لفقد الماء حسدًا، أو حكمًا بعدم القدرة على استعماله.
وفي رواية أبي أمامة عند البخاري: "وجعلت الأرض كلها لي، ولأمتي مسجدًا وطهورًا" فصرح بمشاركة أمته له فيهما.
وفي رواية مسلم من حديث حذيفة: "وجعلت لنا الأرض كلها لي ولأمتي مسجدًا، وجعلت تربتها طهورًا، إذا لم نجد الماء". أو لم نقدر على استعماله، وبه احتج للشافعي وأحمد على تخصيص التيمم بالتراب، وأجيب بأن تربة كل مكان ما فيه من تراب أو غيره، وقد قال تعالىстр. 3542
ومن خصائص هذه الأمة أيضًا الوضوء، فإنه لم يكن إلا للأنبياء دون أممهم، ذكره الحليمي، واستدل بحديث البخاري: "إن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء".
الحواشي
(١) ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ، والصعيد: ما صعد على الأرض ترابًا أو غيره، وفي حديث جابر في الصحيحين: "وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا" وبهذا احتج لمالك وأبي حنيفة على جواز التيمم بجميع أجزاء الأرض.
وأما قوله في رواية ابن خزيمة وغيره: "وجعل ترابها طهورًا"، وقوله في حديث علي: "وجعل التراب لي طهورًا"، رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن، فالنص على التراب في هاتين الروايتين لبيان أفضليته، لا لأنه لا يجزئ غيره، وليس مخصصًا لعموم قوله: وطهورًا، لأن شرط المخصص أن يكون منافيًا للعام، ولذا قال القرطبي هو من باب النص على بعض أشخاص العموم، كقوله تعالى: ﴿فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ﴾ الآية، "ومن خصائص هذه الأمة أيضًا الوضوء، فإنه لم يكن إلا للأنبياء دون أممهم" بخلاف هذه الأمة، فهو لها كنبيها، "ذكره الحليمي" قال السيوطي: وهو الأصح، ونوزع بما يأتي بيانه، "واستدل بحديث البخاري" ومسلم، عن أبي هريرة أنه ﷺ : "إن أمتي" أمة الإجابة لا الدعوة، "يدعون" بضم أوله، أي: ينادون أو يمون، ولفظ مسلم: يأتون "يوم القيامة" أي: موقف الحساب، أو الميزان، أو الصراط، أو الحوض، أو غير ذلك "غرًا" بالضم والتشديد، جمع أغر، أي: ذي غرة، بضم الغين، بياض في جبهة الفرس فوق درهم، ثم استعملت في الجمال والشهرة وطيب الذكر، شبه به ما يكون لهم من النور في الآخرة، ونصب مفعول يدعون، أو حالا، أي: إذ دعوا يوم التناد على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، أو كانوا على هذا النعت.
قال الطيبي: ولا يبعد التسمية باعتبار الوصف الظاهر؛ كما يسمى رجل به حمرة الأحمر، للمناسبة بين الاسم والمسمى، "محجلين" من التحجيل، وهو بياض في قوائم الفرس أو في ثلاث منها، أو في غيره قل أو أكثر بعدما تجاوز الأرساغ، ولا يجاوز الركبتين.
"من آثار الوضوء" بضم الواو، وجوز ابن دقيق العيد فتحها على أنه الماء، وظاهر هذا، كقوله في رواية لمسلم: "أنتم الغر المحجلون يوم القيامة، من إسباغ الوضوء" أن هذه السيما إنما تكون لمن توضأ في الدنيا، ففيه رد لما نقله الزناتي الفاسي في شرح الرسالة عن العلمي: إن الغرة والتحجيل لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لا؛ كما يقال لهم أهل القبلة من صلى ومن لا. انتهى.
وفي القياس على الإيمان نظر؛ لأنه التصديق والشهادة، وإن ترك الواجب وفعل الحرام،стр. 3543
لكن قال في فتح الباري: فيه نظر: لأنه ثبت في البخاري في قصة سارة ﵍ مع الملك الذي أعطاها هاجر: لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي.
الحواشي
(١) بخلاف الغرة والتحجيل، فمجرد فضيلة وتشريف للمتوضئ، فلا يكونان لسواه، ومن ثم قال شيخ الإسلام زكريا في شرح البخاري، لا تحصل الغرة والتحجيل إلا لمن توضأ بالفعل، أما من لم يتوضأ، فلا يحصلان له.
قال شيخنا في حواشي الرملي: ومن نقل عنه خلاف ذلك فقد أخطأ إنما هو قول للزناتي لا لشيخ الإسلام، وينبغي على قوله أن ذلك خاص بمن توضأ حال حياته، فلا يدخل من وضأه الغاسل، وبقي أيضًا ما لو تيمم ولم يتوضأ، هل يحصل له ذلك أم لا؟ وفيه نظر، وينبغي أن يحصل لقيامه مقام الوضوء، انتهى.
"لكن قال في فتح الباري: فيه" أي: استدلاله بهذا الحديث "نظر" لأن الذي دل على أنه خصوصية إنما هو الغرة والتحجيل، لا أصل الوضوء، "لأنه ثبت في البخاري في قصة سارة" بخفة الراء، وقيل بتشديدها، واختلف في اسم أبيها، فقيل: هاران ملك حران، تزوجها إبراهيم لما هاجر من بلاد قومه إلى حران، وإن هذا هو السبب في إعطاء الملك لها هاجر، وأنه قال لإبراهيم: رأيتها تطحن، وهي لا تصلح أن تخدم نفسها، وقيل هي بنت أخيه، وكان ذلك جائزًا في شرعه، حكاه ابن قتيبة والنقاش واستبعد، وقيل: بنت عمه، وتوافق الاسمان، وقيل: اسم أبيها نويل "﵍" وهي إحدى النسوة اللاتي قيل بنبوتهن "مع الملك الذي أعطاها هاجر" بالهاء، رواه البخاري في أحاديث الأنبياء، وبهمزة بدلها، رواه في البيوع، وكذا مسلم، وفتح الجيم عليهما اسم سرياني، يقال: إن أباها كان من ملوك القبط، من حفن، بفتح المهملة، وسكون الفاء قرية بمصر كانت مدينة، وهي الآن كفر من عمل أنصنا بالبر الشرقي من الصعيد، وفيها آثار عظيمة باقية، "لما هم الملك" عمرو بن امرئ القيس بن سبأ، وكان على مصر، ذكره السهيلي، وهو قول ابن هشام في التيجان.
وقيل: اسمه صادف، وكان على الأردن، حكاه ابن قتيبة، وقيل سنان بن علوان بن عبيد بن جريج بن عملاق بن لاوذ بن سام بن نوح، حكاه الطبري، ويقال: إنه الضحاك الذي ملك الأقاليم: "بالدنو منها، قامت تتوضأ وتصلي"، ففيه أن الوضوء كان مشروعًا للأمم قبلنا، وليس مختصًا بهذه الأمة، ولا بالأنبياء لثبوت ذلك عن سارة، والجمهور أنها ليست نبية.
أخرج البخاري من طريق أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، قال: قال النبي ﷺ : "هاجر إبراهيم بسارة، فدخل بها قرية ملك من الملوك، أو جبار من الجبابرة، فقيل: دخل إبراهيمстр. 3544
.........................................
الحواشي
(١) بامرأة، وهي من أحسن النساء، فأرسل إليه أن يا إبراهيم من أين هذه التي معك؟ فقال: أختي، ثم رجع إليها، فقال: لا تكذبي حديثي فإني أخبرتهم أنك أختي، والله ما على الأرض مؤمن غيري وغيرك، فأرسل بها إليه، فقام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، فقالت: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك، وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي الكافر، فغط حتى ركض برجله".
قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن: إن أبا هريرة قال: قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل، ثم قام إليها، فقامت تتوضأ وتصلي، وتقول: اللهم إن كنت تعلم أني آمنت بك وبرسولك وأحصنت فرجي إلا على زوجي، فلا تسلط علي هذا الكافر، فغط حتى ركض برجله، قال الأعرج: قال أبو سلمة: قال أبو هريرة: قالت: اللهم إن يمت يقال هي قتلته، فأرسل في الثانية أو في الثالثة، فقال: ما أرسلتم إلي إلا شيطانًا، أرجعوها إلى إبراهيم وأعطوها أجر، فرجعت إلى إبراهيم، فقالت: أشعرت أن الله كبت الكافر، وأخدم وليدة، أخرجه أيضًا مسلم وأحمد وغيرهما من طرق في ألفاظها اختلاف، ليس هذا موضع بيانه.
قال في فتح الباري: قوله: فأرسل إليه ظاهر في أنه سأله عنها أولا، ثم أعلمها بذلك لئلا تكذبه عنده، وفي رواية هشام بن حسان عن ابن سرين عن أبي هريرة عند البزار والنسائي وابن حبان، أنه قال لها: إن هذا الجبار إن يعلم أنك امرأتي يغلبني عليك، فإن سألك فأخبريه أنك أختي، وإنك أختي في الإسلام، فلما دخل أرضه رآها بعض أهل الجبار، فأتاه، فقال: لقد قدم أرضك امرأة لا ينبغي أن تكون إلا لك، فأرسل إليها، فيجمع بينهما بأن إبراهيم أحس بأنه سيطلبها منه، فأوصاها، فلما وقع ما خشيه، أعاد عليها الوصية، واختلف في السبب الحامل له على الوصية، مع أن مراده غصبها أختًا كانت أو زوجة، فقيل: كان من شأنه أن لا يتعرض إلا لذات الزوج، فأراد إبراهيم دفع أعظم الضررين بارتكاب أخفهما؛ لأن اغتصابه واقع لا محالة، لكن إن علم لها زوجًا حملته على قتله، أو حبسه وإضراره، بخلاف الأخ، فالغيرة حينئذ من قبله خاصة، لا من قبل الجبار، فلا يبالي به، وهذا تقرير جاء صريحًا عن وهب بن منبه، رواه عبد بن حميد عنه.
وذكر ابن الجوزي في مشكل الصحيحين، وتبعه المنذري في حواشي السنن عن بعض أهل الكتاب، أن الجبار كان من رأيه أن لا يقرب ذات زوج حتى يقتله، فلذا قال إبراهيم: هي أختي؛ لأنه إن كان عادلا خطبها منه ثم يرجو مدافعته عنها، وإن كان ظالمًا خلص من القتل، وليس هذا يبعد من الأول.
وقيل: كان من دين الجبار أن الأخ أحق بأن أخته زوجته، فقال: هي أختي اعتمادًا علىстр. 3545
وفي قصة جريج الراهب: أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام.
الحواشي
(١) ما يعتقده الجبار، فلا ينازعه فيها، وتعقب بأنه لو كان كذلك لقال: هي أختي وأنا زوجها، فلم اقتصر على قوله هي أختي، وأيضًا فهذا الجواب إنما يفيد لو كان الجبار يريد أن يتزوجها لا أن يغصبها نفسها، وقيل: أراد إبراهيم أنه إن علم أنك امرئتي ألزمني بالطلاق، ولا يشكل قوله: ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك بلوط، وقد قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ﴾ الآية، لأن مراده بالأرض التي وقع له فيها ذلك، ولم يكن لوط معه فيها، وقوله: فغط بضم المعجمة.
وحكى ابن التين: فتحها والصواب الضم حتى ركض برجله، يعني أنه اختنق كأنه مصروع، وفي رواية مسلم: فلما دخلت عليه لم يتمالك أن بسط يده إليها، فقبضت قبضة شديدة، ويمكن الجمع بأنه عوقب تارة بقبض يده، وتارة بصرعه، ويجاب عن قولها إن كنت تعلم أنها قاطعة بأنه تعالى يعلم ذلك، بأنها قالته على سبيل الفرض هضمًا لنفسها، وفيه إجابة الدعاء بإخلاص النية، وكفاية الرب، لمن أخلص بعمله الصالح، ونظيره قصة أصحاب الغار، وابتلاء الصالحين لرفع درجاتهم، ويقال: إن الله كشف لإبراهيم حتى رأى حال الملك مع سارة معاينة، وأنه لم يصل منها إلى شيء ذكره في التيجان، ولفظه: فأمر بإدخال إبراهيم وسارة عليه ثم نحى إبراهيم إلى خارج القصر، وقام إلى سارة، فجعل الله القصر لإبراهيم، كالقارورة الصافية، فصار يراهما ويسمع كلامهما، انتهى.
"وفي قصة جريج" بجيمين مصغر "الراهب" روى أحمد عن أم سلمة: كان رجل يقال له جريج من بني إسرائيل تاجرًا، وكان ينقص مرة ويزيد أخرى، فقال: ما في هذه التجارة خير، لألتمسن تجارة هي خير من هذه، فبى صومعة، وترهب فيها، الحديث.
قال الحافظ: دل أنه كان بعد عيسى ومن أتباعه، لأنهم الذين ابتدعوا الترهب، وحبس النفس في الصوامع "أنه قام، فتوضأ وصلى" ركعتين، كما في حديث عمران، "ثم كلم الغلام"، نفيه أن الوضوء لا يختص بهذه الأمة خلافًا لزاعمه، روى الشيخان وغيرهما عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له جريج يصلي، جاءته أمه، فدعته، فقال: أجيبها، أو أصلي؟ فقالت اللهم لا تمته حتى تريه وجوه المومسات، وكان جريج في صومعته، فتعرضت له امرأة، فكلمته، فأبى، فأتت راعيًا، فأمكنته من نفسها فولدت غلامًا، فقالت: من جريج، فأتوه، فكسروا صومعته، فأنزلوه وسبوه، فتوضأ وصلى، ثم أتى الغلام، فقال: من أبوك يا غلام؟ قال: الراعي، قالوا: نبني صومعتك من ذهب، قال: لا إلا من طين" ... الحديث.стр. 3546
فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل، لا أصل الوضوء.
الحواشي
(١) قال الحافظ: لم أقف في شيء من الطرق على اسم أم جريج، ولا على اسم الزانية، لكن في حديث عمر أنها كانت بنت ملك القرية، ولأحمد: فذكر بنو إسرائيل عبادة جريج، فقالت: بغي منهم إن شئتم لأفتننه، قالوا: قد شئنا فأتته، فتعرضت له، فلم يلتفت إليها، فأمكنت نفسها من راعٍ كان يؤوي غنيمة إلى أصل صومعته، وله من وجه آخر، وكانت تأوي إلى صومعته راعية ترعى الغنم، وفي أخرى: كان عند صومعته راعي ضأن، وراع معز، ويمكن الجمع بين هذه الروايات، بأنها خرجت من دار أبيها بغير علم أهلها متنكرة، وكانت تعمل الفساد إلى أن ادعت أنها تستطيع أن تفتن جريجًا، فاحتالت بأن خرجت في صورة راعية، ليمكنها أن تأوي إلى ظل صومعته لتتوصل بذلك إلى فتنته، وفي رواية: أنه طعن الغلام بأصبعه، فقال: بالله يا غلام من أبوك؟ قال: أنا ابن الراعي.
وفي مرسل الحسن عند ابن المبارك؛ أنه سألهم أن ينظروه، فأنظروه، فرأى في المنام من أمره أن يطعن في بطن المرأة، فيقول: أيتها السخلة من أبوك؟ ففعل، فقال: راعي الغنم.
وفي رواية: ثم مسح رأس الصبي، فقال: من أبوك؟ قال: راعي الضأن، ولأحمد: فوضع أصبعه على بطنها، وفي رواية: فأتى بالمرأة والصبي وفمه في ثديها، فقال له جريج: يا غلام من أبوك؟ فنزع الغلام فاه من الثدي، وقال: أبي راعي الضأن، وفي أخرى: فلما أدخل على ملكه، قال جريج: أين الصبي الذي ولدته؟ فأتى فقال له: من أبوك؟ فسمى أباه، ولم أقف على اسم الراعي، ويقال: اسمه صهيب.
وأما الابن، فللبخاري في أواخر الصلاة بلفظ، فقال: يا ناموس، وليس اسمه كما زعم الداودي، إنما المراد به الصغير.
وفي حديث عمران: ثم انتهى إلى شجرة، فأخذ منها غصنًا، ثم الغلام، وهو في مهده فضربه بذلك الغصن، فقال: من أبوك؟ ولأبي الليث السمرقندي بلا إسناد، قال للمرأة: أين أصبتك؟ قالت: تحت شجرة، فقال: يا شجرة أسألك بالذي خلقك من زنى بهذه المرأة؟ فقال: كل غصن منها راعي الغنم، ويجمع بين هذا الاختلاف بوقوع جميع ما ذكر، بأنه مسح رأس الصبي، ووضع أصبعه على بطن أمه، وطعنه بأصبعه وضربه بطرف العصا التي كانت معه، وأبعد من جمع بينها بتعدد القصة؛ وأنه استنطقه، وهو في بطن أمه مرة قبل أن تلد ثم بعد أن ولد، زاد في رواية: فوثبوا إلى جريج فجعلوا يقبلونه، وفي أخرى: فأبرأ الله جريجًا، وأعظم الناس أمره، انتهى ملخصًا، وحيث ثبت وضوء سارة وجريج وليسا نبيين.
"فالظاهر أن الذي اختصت به هذه الأمة هو الغرة والتحجيل" زاد بعضهم أو التثليث أو الكيفية، أو مزيد الحث عليه، والمبالغة في التأكيد "لا أصل الوضوء" وقول ابن بطال: يحتملстр. 3547
وقد صرح بذلك في رواية لسملم عن أبي هريرة مرفوعًا، قال: "لكم سيما ليست لغيركم". أي: علامة.
ومنها مجموع الصلوات الخمس، ولم تجمع لأحد غيرهم، أخرج الطحاوي عن عبيد الله بن محمد.
الحواشي
(١) أن يكون جريج نبيًا، فيكون معجزة لا كرامة، إنما هو احتمال لا تثبت به نبوته، "وقد صرح بذلك في رواية لمسلم عن أبي هريرة مرفوعًا" أن رسول الله ﷺ قال: "إن حوضي أبعد من أيلة من عدن، لهو أشد بياضًا من الثلج، وأحلى من العسل باللبن، ولآنيته أكثر من عدد النجوم، وإني لأصد الناس عنه، كما يصد الرجل إبل الناس عن حوضه"، قالوا: يا رسول الله أتعرفنا يومئذ؟ قال: "نعم لكم سيما" بكسر، فسكون "ليست لغيركم" لفظ مسلم: "ليست لأحد من الأمم، تردون الحوض علي غرًا محجلين من أثر الوضوء". هذا لفظ مسلم تامًا في الوضوء، وأخرج نحوه من حديث حذيفة، وقوله: سيما، "أي: علامة" كقوله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ الآية، وهي نور وبياض يعرفون به في الآخرة أنهم سجدوا في الدنيا، وقد قال صاحب المطامح: تعلق بحديث أنتم الغر المحجلون إلى آخره الداودي، وغيره من ضعفاء النظر على أن الوضوء من خصائصنا، وهو غير قاطع؛ لاحتمال أن الخاص بنا الغرة والتحجيل بقرينة خبر هذا وضوئي، ووضوء الأنبياء من قبلي، وقصره على الأنبياء دون أممهم برده أن الوضوء إذا كان معروفًا عند الأنبياء، فالأصل أنه شرع ثابت لأممهم حتى يثبت خلافه، انتهى.
وتعقب بأن حديث: هذا وضوئي، ضعيف لا حجة فيه، مع احتمال أن الوضوء من خصائص الأنبياء دون أممهم إلا هذه الأمة على أنه صرح فيه بأن الوضوء للأمم المتقدمة.
روى الطبراني عن بريدة: دعا النبي ﷺ بوضوء، فتوضأ واحدة واحدة، قال: "هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة به إلا مرتين"، وقال: "هذا وضوء الأمم قبلكم"، ثم توضأ ثلاثًا ثلاثًا، وقال: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي".
"ومنها مجموع الصلوات الخمس" على هذه الكيفية، "ولم تجمع لأحد غيرهم" من الأنبياء والأمم، والحجة لذلك قوله ﷺ : "اتقوا الله وصلوا خمسكم"، رواه الترمذي وقال: حسن صحيح وابن حبان والحاكم، فإضافتها إليهم تعطي ذلك، ولا يعارضه قول جبريل في حديث المواقيت حين صلى الخمس بالنبي ﷺ ، هذا وقتك ووقت الأنبياء قبلك، لأن المراد، كما قال الرافعي أنه وقتهم إجمالا، وإن اختص كل منهم بوقت فقد. "أخرج الطحاوي عن عبيد الله" بضم العين "ابن محمد" بن حفص بن عمر بن موسى بن عبد الله بن معمر التيمي,стр. 3548
ابن عائشة قال: إن آدم لما تيب عليه عند الفجر صلى ركعتين فصارت الصبح، وفدى إسحاق عند الظهر، فصلى أربع ركعات، فصارت الظهر، وبعث عزير عند العصر، فقيل له: كم لبثت قال: يومًا، فرأى الشمس فقال: أو بعض يوم فصلى أربع ركعات فصارت العصر، وغفر لداود عند المغرب، فقام يصلي أربع ركعات فجهد فجلس في الثالثة فصارت المغرب ثلاثًا. وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا ﷺ .
الحواشي
(١) ثقة، رمي بالقدر ولا يثبت، مات سنة ثمان وعشرين ومائتين، روى له أبو داود والترمذي والنسائي، ويقال له "ابن عائشة"، والعائشي، والعيشي، نسبة إلى عائشة بنت طلحة، لأنه من ذريتها، "قال: إن آدم لما تيب عليه عند الفجر صلى ركعتين، فصارت الصبح" فكان يصليها إلى أن مات، "وفدى إسحاق عند الظهر" من الذبح، ففيه حجة لقول الجمهور أنه الذبيح؛ كقوله ﷺ : "الذبيح إسحاق". رواه الدارقطني وغيره بإسناد جيد، ومر بسطه، وتسمح من قال بناء على أنه الذبيح، والصحيح أنه إسماعيل؛ لأن هذا إخبار عن بلاغ، فلا يبنى على خلاف العلماء، "فصلى" إبراهيم "أربع ركعات" سقط إبراهيم من قلم المصنف أو نساخه مع أنه في رواية الطحاوي: فأوهم سقوطه أن المصلي إسحاق وليس كذلك، "فصارت الظهر؛ وبعث عزير" بالصرف ابن سروحا لما مر على قرية هي بيت المقدس، أو غيرها راكبًا على حمار ومعه سلة تين وقدح عصير بعد ما خرب القرية بختنصر، قال: استعظامًا لقدرة الله تعالى أنى يحيي هذه الله بعد موتها، فأماته الله مائة عام، ثم بعثه: أحياه ليريه كيفية ذلك "عند العصر، فقيل له: كم لبثت؟ " مكثت هنا، "قال: لبثت يومًا، فرأى الشمس، فقال: أو بعض يوم" لأنه نام أول النهار، فقبض وأحيي أثناء نهار غيره فظن أنه يوم النوم، "فصلى أربع ركعات" وقد اختلف أهل التفسير في المراد بقوله تعالى: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ﴾ الآية، فالمشهور أنه عزير، وأخرجه الحاكم وغيره عن علي، والخطيب عن عبد الله بن سلام وعن ابن عباس، وقيل: كان نبيًا اسمه أرميا، وقيل الخضر، وقيل: حزقيل، وقيل: هو كافر بالبعث، وقيل غير ذلك؛ إلا أن ما أفاده بقوله: "فصارت العصر" أنها كانت له مخالف لما في شرح المسند للرافعي أن العصر لسليمان "وغفر لداود" بن إيشاء، بكسر الهمزة، وسكون التحتية، ومعجمة ابن عوبد، بمهملة، وموحدة، بزنة جعفر, ابن باعر، بموحدة، ومهملة مفتوحة، ابن سلمون بن يارب، بتحتية، آخر ابن رام بن حضرون، بمهملة، ثم ابن فارض بفاء، وآخره مهملة، ابن يهود بن يعقوب، "عند المغرب، فقام يصلي أربع ركعات، فجهد" تعب، "فجلس في الثالثة، فصارت المغرب ثلاثًا"، وفيه مخالفة لنقل الرافعي أن المغرب ليعقوب، "وأول من صلى العشاء الآخرة نبينا ﷺ " فهي من خصائصنا، وعورض بما في شرح المسند أنстр. 3549
وأخرج أبو داود في سننه، وابن أبي شيبة في مصنفه والبيهقي في سننه عن معاذ بن جبل قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العتمة ليلة حتى ظن الظان أنه قد صلى, ثم خرج فقال: "أعتموا بهذه الصلاة فإنكم فضلتم بها على سائر الأمم ولم تصلها أمة قبلكم".
الحواشي
(١) العشاء ليونس؛ لكن يؤيد خبر الطحاوي حديث معاذ، وهو المذكور بقوله: "وأخرج أبو داود في سننه" في الصلاة، "وابن أبي شيبة في مصنفه، والبيهقي في سننه" بإسناد حسن، "عن معاذ بن جبل، قال: أخر رسول الله ﷺ صلاة العتمة" أي: العشاء الآخرة "ليلة، حتى ظن الظان أنه قد صلى" لفظ الرواية: حتى ظن الظان أنه ليس بخارج، والقائل منا يقول قد صلى، "ثم خرج" فقالوا له كما قالوا: كما في الحديث، أي: القول الذي قالوا قبل خروجه، فقال: "أعتموا" بفتح الهمزة، وكسر الفوقية "بهذه الصلاة" صلاة العشاء. والباء للتعدية، أي: أدخلوها في العتمة، وهي ما بعد غيبوبة الشفق، أو للمصاحبة، أي: ادخلوا في العتمة متلبسين بها، قال البيضاوي: أعتم الرجل: دخل العتمة، وهي ظلمة الليل، أي: صلوها بعدما دخلتم في الظلمة، وتحققتم سقوط الشفق، ولا تستعجلوا فيها، فتوقعوها قبل وقتها، وعليه فلا يدل على أفضلية التأخير، ويحتمل أنه من العتم الذي هو الإبطاء، يقال: أعتم الرجل إذا أخر. انتهى. "فإنكم فضلتم" بالبناء للمفعول "بها على سائر الأمم، ولم تصها أمة قبلكم".
وأورد الحافظ الولي العراقي ما المناسبة بين تأخيرها واختصاصها بنا دون سائر الأمم، حتى يجعل الثاني علة للأول، وأجاب بأن المراد إذا أخروها منتظرين خروج النبي ﷺ كانوا في صلاة، وكتب لهم ثواب المصلي، فقوله: فضلتم بها يعارض رواية أن العشاء ليونس، ورواية ابن سعد: أن إبراهيم وإسماعيل أتيا منى، فصليا بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء, والصبح، وهو ظاهر قول جبريل: هذا وقتك ووقت الأنبياء من قبلك، وجمع الهروي وغيره بأن المصطفى أول من صلاها مؤخرًا لها إلى ثلث الليل أو نحوه، أما الرسل فكانوا يصلونها عند أول مغيب الشفق، ويدل لذلك، بل يصرح به قوله في أثر الطحاوي نفسه العشاء إلا آخره، وجمع البيضاوي في شرح المصابيح؛ بأن العشاء كانت تصليها الرسل ناقلة لهم، ولم تكتب على أممهم كالتهجد، وجب على نبينا دوننا. انتهى.
واحتج بحديث معاذ من قال: الأفضل تأخير العشاء، وإليه ذهب جمع شافعية ومالكية، والمعتمد في المذهبين تفضيل التقديم، وورد ما يدل على نسخ التأخير.
روى أحمد والطبراني بسند حسن عن أبي بكرة، قال: أخر النبي ﷺ العشاء تسع ليال إلى ثلث الليل، فقال له أبو بكر: يا رسول الله لو أنك عجلت لكان أمثل لقيامنا من الليل، فعجل بعد ذلك.стр. 3550
ومنها الأذان والإقامة.
ومنها البسملة، قال بعضهم فيما نقله الشيخ شهاب الدين الحلبي النحوي في تفسيره، قال: ولم ينزلها الله على أحد من الأمم قبلنا إلا على سليمان بن داود، فهي مما اختصت به هذه الأمة، انتهى.
ومنها التأمين، روى الإمام أحمد من حديث عائشة: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ استأذن رجل من اليهود، فذكر الحديث.
الحواشي
(١) "ومنها الأذان والإقامة" للصلاة بدليل تحيرهم فيما يجتمعون به للصلاة، حتى رأى عبد الله بن زويد الرؤيا المشهورة كما تقدم، ولا يعارضه ما روى عند الحاكم وابن عساكر، أن آدم لما نزل بالهند استوحش، فنزل جبريل فنادى بالأذان، لأن مشروعيته للصلاة هي الخصوصية، "ومنها البسملة" أي قول: بسم الله الرحمن الرحيم، بهذه الألفاظ العربية على هذا الترتيب، وما روي أن آدم لما أراد الخروج من الجنة قالها، فقال له جبريل: لقد تكلمت بكلمة عظيمة، قف ساعة، لعل أن يظهر من الغيب لطف لا يرد، لأنها لم تنزل عليه، وإنما ألهمها، ومحل الخصوصية نزولها على نبينا، وصارت لأمته، كما "قال بعضهم فيما نقله الشيخ شهاب الدين" أحمد بن يوسف بن عبد الدائم، "الحلبي النحوي" نزيل القاهرة، الشهير باسمين.
قال الحافظ ابن حجر: تعالى النحو فمهر فيه، ولازم أبا حيان، إلى أن فاق أقرانه، وأخذ القراءات عن التقي الصائغ، ومهر فيها، وولى تدريس القرآن بجامع ابن طولون، والإعادة بالشافعي، وناب في الحكم، وله تفسير القرآن، وإعراب القرآن، وشرح التسهيل، وشرح الشاطبية، مات في جمادى الآخرة، سنة ست وخمسين وسبعمائة "في تفسيره" وهو كبير في عدة أجزاء غير إعراب القرآن له، كما علم، "ولم ينزلها الله على" نبي "أحد من الأمم قبلنا إلا على سليمان بن داود" وما شرع لنبي شرع لأمته، فالمراد بقوله: "فهي مما اختصت به هذه الأمة" أي: نزر لها قرآنًا يتلى.
وأما بالنسبة لسليمان فلعله التبرك بها كذا قال: شيخنا، وأحسن منه قول بعض المحققين: الأصح أنها بهذه الألفاظ العربية على هذا الترتيب من خصائص المصطفى وأمته، وما في سورة النمل جاء على جهة الترجمة عما في الكتاب، لأنه لم يكن عربيًا، "انتهى".
نقله الشهاب الحلبي، وقد روى الطبراني بريدة، رفعه: "أنزل علي آية لم تنزل على نبي بعد سليمان غيري: بسم الله الرحمن الرحيم". "ومنها التأمين" عقب الفاتحة، للمأموم على ما يفهمه قول خلف الإمام، "وروى الإمام أحمد من حديث عائشة: بينما أنا عند النبي ﷺ إذ استأذن رجل من اليهود، فذكر الحديث" وهو فأذن له، فقال: السام عليك، فقال النبي: "وعليك"،стр. 3551
وفيه: أن النبي ﷺ قال: "إنهم لم يحسدونا على شيء كما حسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها وضلوا عنها
الحواشي
(١) قالت فهممت أن أتكلم، ثم دخل الثانية، فقال: مثل ذلك، فقال النبي ﷺ ، ثم دخل الثالثة، فقال: السام عليك، قالت: قلت: بل السام عليكم، وغضب الله إخوان القردة والخنازير، أتحيون رسول الله بما لم يحيه به الله، فنظر إليّ، فقال: "مه إن الله لا يحب الفحش ولا التفحش، قالوا: قولا فرددناه عليهم، فلم يضرنا شيئًا ولزمهم إلى يوم القيامة". "وفيه" عقب هذا: أن النبي ﷺ قال: "إنهم لم يحسدونا" كذا في النسخ، وفي مسند أحمد: لا يحسدونا، فلعله حذف نون الرفع تخفيفًا، وقد اختلف في أن لا تخلص الفعل للاستقبال أم لا "على شيء، كما حسدونا على الجمعة التي هدانا الله لها" بأن نص لنا عليها أو بالاجتهاد، ويشهد له أثر ابن سيرين في جمع أهل المدينة قبل قدوم النبي ﷺ ، فإنه يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أنه ﷺ علمه بالوحي بمكة، فلم يتمكن من إقامتها، وقد جاء بذلك حديث ابن عباس عه الدارقطني، ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما ذكر ابن إسحاق وغيره، فحصلت الهداية بجهتي البيان والتوفيق، قاله الحافظ، ملخصًا وأسقط من الحديث هنا قوله: "وضلوا عنها"، أي: لأنه فرض عليهم يوم من الجمعة يقيمون فيه شريعتهم، ووكل إلى اختيارهم، فاختلفوا في أي الأيام؟ وهو لم يهتد، واليوم الجمعة، قاله ابن بطال، وقواه عياض، ورجح الحافظ أنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه، فاختاروا السبت.
فقد روى ابن أبي حاتم عن السدي: أن الله فرض على اليهود الجمعة، فأبوا وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئًا، فاجعله لنا، فجعل عليهم، وليس هذا بعجيب من مخالفتهم كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الآية، وغير ذلك، وهم القائلون: سمعنا وعصينا، وأسقط أيضًا من الحديث قوله: "وعلى القبلة التي هدانا الله لها". أي: بصريح البيان بالأمر المكرر، أولا لبيان تساوي حكم السفر وغيره، وثانيًا للتأكيد، "وضلوا عنها" لأنهم لم يؤمروا باستقبال الصخرة، بل كان عن مشورة منهم، كما عند أبي داود عن خالد بن يزيد بن معاوية، وعنده أيضًا أن يهوديًا خاصم أبا العالية في القبلة، فقال أبو العالية: كان موسى يصلي عند الصخرة، ويستقبل البيت الحرام، وكانت الكعبة قبلته، وكانت الصخرة بين يديه.
وقال اليهودي: بيني وبينك مسجد صالح النبي ﵇، فقال أبو العالية: فإني صليت في مسجد صالح وقبلته إلى الكعبة، وفي مسجد ذي القرنين وقبلته إليها.
وفي البغوي في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً﴾ الآية، روى ابن جريج عن ابنстр. 3552
وعلى قولنا خلفا الإمام آمين".
قال الحافظ ابن حجر: وهذا حديث غريب لا أعرفه بهذه الألفاظ إلا من هذا الوجه، لكن لبعضه متابع حسن في التأمين.
الحواشي
(١) عباس، قال: كانت الكعبة قبلة موسى ومن معه، انتهى.
وقد رجح الحافظ العلائي: أن الكعبة قبلة الأنبياء كلهم، كما دلت عليه الآثار، قال بعضهم: وهو الأصح، واختار ابن العربي وتلميذه السهيلي أن قبلة الأنبياء بيت المقدس، قال بعضهم، وهو الصحيح المعروف، فعد صاحب الأنموذج من خصائص المصطفى وأمته: استقبال الكعبة إنما هو على أحد قولين مرجحين، نعم ذكر فيما اختص به على جميع الأنبياء والمرسلين الجمع له بين القبلتين، "وعلى قولنا خلف الإمام آمين" فإنها مختصة بنا بقيد الخلفية في الصلاة، وكذا عقب الدعاء، لكن شارك هارون في ذلك كما روى الحارث بن أسامة، وابن مردويه، عن أنس مرفوعًا: "أعطيت ثلاث خصال: أعطيت الصلاة في الصفوف، وأعطيت السلام، وهو تحية أهل الجنة، وأعطيت آمين، ولم يعطها أحد ممن كان قبلكم، إلا أن يكون الله أعطاها نبيه هارون، فإن موسى كان يدعو الله ويؤمن". أي: أعطي الخصلة الثالثة، فإنه كان يؤمن على دعاء موسى، كما قال تعالى: ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا﴾ الآية، وفي أول الآية، وقال موسى: ربنا، فدل على أنه الداعي، وهارون يؤمن، فسماه داعيًا، لأنه لتأمينه عليه مشارك له.
وفي مسند الفردوس، مرفوعًا: "الداعي والمؤمن في الأجر شريكان" فعلم أن الخصلتين الأوليين من خصوصيات هذه الأمة مطلقا، وكذا الثالثة بالنسبة لغير هارون في غير الصلاة.
"قال الحافظ ابن حجر: وهذا حديث غريب لا أعرفه بهذه الألفاظ إلا من هذا الوجه" وقال شيخه الزين العراقي: دخول اليهودي عليه ثلاثًا، واستئذانه وما بعده الألفاظ لم أره في شيء منها، أي: الأحاديث غير هذا، "لكن لبعضه متابع" بكسر الباء، أي: عليه، "حسن في التأمين" متعلق بمتابع بيان لبعضه، أي: دون الجمعة والقبلة، "أخرجه ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، كلاهما من رواية سهيل" بالتصغير، "ابن أبي صالح" ذكوان المدني، أبي يزيد، صدوق، تغير حفظه بآخره. وروى له الستة، إلا أن البخاري روى له مقرونًا، وتعليقًا "عن أبيه" ذكوان السمان الزيات المدني، تابعي، ثقة، ثبت، كان يجلب الزيت إلى الكوفة، مات سنة إحدى ومائة.
"وعن عائشة عن النبي ﷺ "، قال: "ما حسدتنا اليهود على شيء ما حسدتنا" أي: مثل حسدهم، أو مثل الذي حسدتنا "على السلام" عند التلاقي، ففيه دلالة على أنه مختص بنا دونهم، "والتأمين" أي ختم القارئ قراءته في الصلاة وغيرها، بقول: آمين أو الداعي دعاء بلفظстр. 3553
أخرجه ابن ماجه وصححه ابن خزيمة كلاهما من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن عائشة عن النبي ﷺ قال: "ما حسدتنا اليهود على شيء ما حسدتنا على السلام والتأمين".
ومنها الاختصاص بالركوع، عن علي ﵁ قال: أول صلاة ركعنا فيها العصر، فقلت: يا رسول الله، ما هذا؟ قال: "بهذا أمرت". رواه البزار والطبراني في الأوسط.
ووجه الاستدلال منه أنه ﵇ صلى قبل ذلك الظهر، وصلى قبل فرض الصلوات الخمس قيام الليل، فكون الصلاة السابقة بلا ركوع قرينة لخلو صلاة الأمم السابقة منه. قاله بعض العلماء.
قال: وذكر جماعة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: ٤٣] أن مشروعية الركوع في الصلاة خاص بهذه الأمة، وأنه لا ركوع في صلاة بني إسرائيل، ولذا أمرهم بالركوع
الحواشي
(١) آمين، لكن خص من هذا هارون كما روى ابن ماجه بإسناد ضعيف عن ابن عباس رفعه: "ما حسدتكم اليهود على شيء ما حسدتكم على آمين، فأكثروا من قول آمين".
"ومنها" أي: خصائص الأمة "الاختصاص بالركوع" في الصلاة، وكأنه زاد الاختصاص زيادة تأكيد، لأن فيه نزاعًا، وميله للاختصاص، وإلا فالكلام فيه وأيضًا ضمير منها عائد له، "عن علي ﵁، قال: أول صلاة ركعنا فيها العصر، فقلت: يا رسول الله ما هذا؟ " الفعل الذي لم نعرفه قبل، قال: "بهذا أمرت"، رواه البزار والطبراني في" معجمه "الأوسط" الذي ألفه في غرائب شيوخه، كان يقول هذا الكتاب روحي؛ لأنه تعب عليه، "ووجه الاستدلال منه؛ أنه ﵇ صلى قبل ذلك الظهر" فالصلاة التي ركع فيها هي عصر صبيحة الإسراء، "وصلى قبل فرض الصلوات الخمس قيام الليل" وكذا غيره مما كان يصليه نهارًا، "فكون" أي: وجود "الصلاة السابقة بلا ركوع قرينة لخلو صلاة الأمم السابقة منه" بناء على أن شرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ، ويمكن بناؤه على القول الآخر، وتقدر القرينة بأنه لو كان في صلاة الأمم السابقة ركوع لكان النبي ﷺ أولى بأنه لا يصلي بدونه صلاة واحدة، لئلا تكون صلاة غيره أتم من صلاته، "قاله بعض العلماء" يعني الجلال السيوطي، كما يعلم من الشامية.
"قال: وذكر جماعة من المفسرين في قوله تعالى" لبني إسرائيل: " ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الآية، أن مشروعية الركوع في الصلاة خاص بهذه الأمة، وأنه ركوع في صلاة بني إسرائيل، ولذا أمرهم بالركوع" إظهارًا في محل الإضمار، زيادة في البيان، "مع أمةстр. 3554
مع أمة محمد ﷺ .
وهذا يعارضه قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [آل عمران: ٤٣] ، المفسر بأمرت بالصلاة في الجماعة بذكر أركانها مبالغة في المحافظة عليها.
قالوا: وقدم السجود قبل الركوع إما لكونه كذلك في شريعتهم، أو للتنبيه على أن "الواو" لا توجب الترتيب.
وقيل: المراد بالقنوت إدامة الطاعة، لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا﴾ [الزمر: ٩] وبالسجود الصلاة والركوع الخشوع والإخبات الخضوع.
ومنها الصفوف في الصلاة، كصفوف الملائكة.
الحواشي
(١) محمد ﷺ " إذ لو كان في صلاتهم لم يحسن أمرهم به مع قوله قبله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية، "وهذا يعارضه قوله تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ الآية، المفسر" صفة، أي: إنما يعارضه على تفسيره "بأمرت بالصلاة في الجماعة، بذكر أركانها" من سجود وركوع "مبالغة في المحافظة عليها" ومريم من بني إسرائيل، فهو ظاهر في أن الركوع ليس من خواص هذه الأمة، "قالوا: وقدم السجود على الركوع، إما لكونه كذلك في شريعتهم" أي: بني إسرائيل، "أو للتنبيه على أن الواو لا توجب الترتيب" بل مجرد العطف، وكلا الجوابين تقوية للمعارضة لا دفع لها؛ كما هو ظاهر، وأجيب عن المعارضة بأن المراد به من مريم ليس كذلك، بدليل ما بعده على أن المعارضة إنما تتم لو كان المفسر بهذا هم الجماعة المتقدمون، أما إن كانوا غيرهم فلا، لأنه مقبل أولئك ومثبت الخصوصية معترف بذلك بقوله: ذكر جماعة من المفسرين.
"وقيل: المراد بالقنوت إدامة الطاعة لقوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ﴾ بتخفيف الميم ﴿هُوَ قَانِتٌ﴾ قائم بوظائف الطاعات ﴿آَنَاءَ اللَّيْلِ﴾ ساعاته ﴿سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآَخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ الآية، أي: كمن هو عاص بالكفر وغيره، وفي قراءة: "أم من" بمعنى بل والهمزة، "وبالسجود الصلاة" تسمية للكل باسم البعض، "والركوع الخشوع" لا مقابل السجود، فلا معارضة على هذا التفسير أصلا، "والإخبات" عطف تفسير قال البيضاوي: ﴿وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ﴾ : اطمأنوا إليه وخشعوا له من الخبت، وهي الأرض المطمئنة.
"ومنها الصفوف في الصلاة كصفوف الملائكة" أي: التراص وإتمام الأول فالأول،стр. 3555
رواه مسلم من حديث حذيفة.
ومنها تحية الإسلام لحديث عائشة السابق.
الحواشي
(١) وكانت الأمم السابقة يصلون منفردين، وكل واحد على حدة، قال بعضهم: وحكمة الأمر بتسوية الصفوف، أن المصلين دعوا إلى حالة واحدة مع الحق، وهي الصلاة، فساوى في هذه الدعوة بين عباده، فلتكن صفتهم فيها إذا أقبلوا إلى ما دعاهم إليه تسوية الصفوف لأن الداعي إنما دعاهم ليناجيهم من حيث أنهم جماعة على السواء، لا يختص واحد عنهم دون آخر، فلا يتأخر واحد عن الصف، ولا يتقدم بشيء من بدنه يؤدي إلى اعوجاجه.
وقال ابن العربي: شرعت الصفوف في الصلاة ليتذكر الإنسان بها وقوعه بين يدي الله يوم القيامة في ذلك المواطن المهول، والشفعاء من الأنبياء والملائكة والمؤمنين بمنزلة الأئمة في الصلاة يتقدمون الصفوف، وصفوفهم في الصلاة كصفوف الملائكة عند ربها، وقد أمرنا بذلك، وإن كانت الملائكة لا يلزم من خلل صفوفها لو اتفق أن يدخلها خلل كصفوفنا، إذ السماء ليست محلا لدخول الشياطين، وإنما تتراص الملائكة لتناسب الأنوار حتى يتصل بعضها ببعض، فتتنزل متصلة إلى صفوف المصلين، فتعمهم تلك الأنوار، فإن كان فيها خلل ودخلت فيه الشياطين أحرقتهم تلك الأنوار، "رواه مسلم من حديث حذيفة" بن اليمان عن النبي ﷺ ، قال: "فضلنا على الناس بثلاث، جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة" ... الحديث، وتقدم بتمامه أول مبحث الخصائص، فيستحب انضمام بعض المصلين إلى بعض، بحيث لا يبقى بينهم فرجة ولا خلل، كأنهم بنيان مرصوص، فإن الشيطان إبليس، أو أعم إذا رأى فرجة دخلها، كما في الحديث.
وقال ﷺ : "من وصل صفًا وصله الله، ومن قطع صفًا قطعه الله". رواه النسائي، وصححه الحاكم على شرط مسلم، أي: وصله برحمته، ورفع درجته، وقطعه بإبعاده عن ذلك وعن الثواب، فالجزاء من جنس العمل.
"ومنها تحية الإسلام" أي: السلام عند التلاقي؛ لأنه فتح باب المودة وتأليف للقلوب، مؤد لكمال الإيمان، وفي مسلم عن أبي هريرة، مرفوعًا: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا، ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم، أفشوا السلام بينكم". "لحديث عائشة السابق" قريبًا عن النبي ﷺ : "ما حسدتنا اليهود على شيء ما حسدتنا على السلام والتأمين" ففيه أنه شرع لنا دونهم، وفي مسلم عن أبي ذر في قصة إسلامه: وكنت أول من حياه بتحية الإسلام، فقال: "وعليك السلام ورحمة الله". للطبراني والبيهقي عن أبي أمامة، رفعه: "إن الله جعل السلام تحية لأهل ملتنا، وأمانا لأهل ذمتنا"، ولأبي داود عن عمران بن حصين: كنا نقولстр. 3556
ومنها الجمعة، قال ﷺ : "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيد
الحواشي
(١) في الجاهلية أنعم الله بك عينًا وأنعم صباحًا، فلما جاء الإسلام نهينا عن ذلك. ورجاله ثقات، لكنه منقطع.
وأخرج ابن أبي حاتم عن مقاتل بن حبان، قال: كانوا يقولون في الجاهلية: حييت مساء، حييت صباحًا، فغير الله ذلك بالسلام، ففي هذا كله أنه خاص بهذه الأمة دون من تقدمهم، لكن عورض بحديث الصحيحين عن أبي هريرة رفعه: "خلق الله آدم على صورته، وطوله ستون ذراعًا، ثم قال له: اذهب، فسلم على أولئك النفر من الملائكة، فاسمع ما يحيونك فإنها تحيتك وتحية ذريتك، فذهب فقال: السلام عليكم، فقالوا: السلام عليك ورحمة الله فزادوه ورحمة الله". الحديث.
قال القرطبي: فيه دليل على تأكيد السلام، وأنه من الشرائع القديمة التي كلف بها آدم، ثم لم ينسخ في شريعة، انتهى، وجمع بأن المراد بالذرية بعضهم، وهم المسلمون، أو المراد تحية ذريته من جهة الشرع، وكلاهما تعسف، وقد ذكر المعارضة في الفتح وما تنزل للجمع.
"ومنها الجمعة" بضم الميم على المشهور، وقد تسكن، وقرأ بها الأعمش، وحكى الواحدي عن الفراء فتحها، وحكى الزجاج الكسر أيضًا، سمي بذلك مع الاتفاق على أنه كان يسمى في الجاهلية العروبة، بفتح المهمة، وضم الراء، وبالموحدة، لأن خلق آدم جمع فيه أصح الأقوال.
قال ﷺ : "نحن الآخرون" زمانًا، "السابقون" أي: الأولون منزلة "يوم القيامة" والمراد أن هذه الأمة وإن تأخر وجودها في الدنيا عن الأمم الماضية، فهي سابقة لهم في الآخرة؛ بأنهم أول من يحشر، وأول من يحاسب، وأول من يقضى بينهم، وأول من يدخل الجنة.
وفي حديث حذيفة عند مسلم: "نحن الآخرون من أهل الدنيا، والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق". وقيل: المراد بالسبق هنا فضيلة، اليوم السابق بالفضل وهو يوم الجمعة، وإن سبق بسبب قبله، لكن لا يتصور اجتماع الأيام الثلاثة متوالية إلا ويكون يوم الجمعة سابقًا، وقيل: المراد بالسبق إلى القبول والطاعة التي حرمها أهل الكتاب، فقالوا: سمعنا وعصينا. قال الحافظ: والأول أقوى.
"بيد" بموحدة، فتحتية ساكنة مثل غير وزنًا ومعنى، وبه جزم خليل والكسائي، ورجحه ابن سيدة، وقال الشافعي: معنى بيد من أجل، واستبعده عياض، ولا بعد فيه، إذ المعنى إنا سبقنا بالفضل، مع تأخرنا في الزمان، بسبب أنهم ضلوا عنها مع تقدمهم، ويشهد له ما وقع في فوائد ابن المقري بلفظ نحن الآخرون في الدنيا، ونحن أول من يدخل الجنة، لأنهم أتوا الكتاب من قبلنا.стр. 3557
أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه
الحواشي
(١) وفي الموطأ رواية سعيد بن عقير عن مالك، بلفظ: "ذلك أنهم أوتوا الكتاب"، وقال الداودي: هي بمعنى على أو مع، قال القرطبي: إن كانت بمعنى غير، فنصب على الاستثناء، وإن كانت بمعنى مع فنصب على الظرف، وقال الطبري: هي للاستثناء، وهو من تأكيد المدح بما يشبه الذم، والمعنى: نحن السابقون للفضل، غير "أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا" أي: التوراة والإنجيل، فاللام للجنس، قال: ووجه التأكيد فيه ما أدمج فيه من معنى النسخ، لأن الناسخ هو السابق في الفضل وإن تأخر في الوجود، وبهذا التقرير يظهر قوله: نحن الآخرون مع كونه أمرًا واضحًا.
وقال القرطبي: المراد بالكتاب التوراة، وفيه نظر لقوله: وأوتينا من بعدهم، فأعاد الضمير على الكتاب، فلو كان المراد التوراة لما صح الإخبار، ولأنا إنما أوتينا القرآن، وسقط من الأصل، وأوتيناه من بعدهم، وهي ثانية في رواية أبي زرعة الدمشقي عن أبي اليمان، شيخ البخاري، فيه أخرجه الطبراني في مسند الشاميين، وكذا مسلم من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد، وذكره البخاري تامًا بعد أبواب من وجه آخر، عن أبي هريرة: "ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم" كذا للحموي، ورواه الأكثر بإسقاط الجلالة، أي: فرض تعظيمه، وأشير إليه بهذا، لكونه ذكر في أول الكلام عند مسلم من طريق آخر عن أبي هريرة، ومن حديث حذيفة، قال: قال رسول الله ﷺ : "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا".
قال ابن بطال: ليس المراد أن يوم الجمعة فرض عليهم بعينه، فتركوه لأنه لا يجوز لأحد ترك ما فرض عليه وهو مؤمن، وإنما يدل، والله أعلم, أنه فرض عليهم يوم من الجمعة، وكل إلى اختيارهم ليقيموا فيه شريعتهم فاختلفوا في أي الأيام هو، ولم يهتدوا ليوم الجمعة، ومال عياض إلى هذا، ورشحه بأنه فرض عليهم بعينه، لقيل: فخالفوا بدل "فاختلفوا فيه" وقال النووي: يمكن أنهم أمروا به صريحًا، فاختلفوا هل يلزم بعينه، أم يسوغ إبداله بيوم آخر، فاجتهدوا في ذلك، فأخطئوا انتهى، ويشهد له ما رواه الطبري بإسناد صحيح، عن مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية، قال: أرادوا الجمعة فأخطئوا وأخذوا السبت مكانه ويحتمل أن يراد بالاختلاف اختلاف اليهود والنصارى في ذلك، وقد روى ابن أبي حاتم عن السدي التصريح بأنه فرض عليهم يوم الجمعة بعينه فأبوا، ولفظه: أن الله فرض على اليهود الجمعة فأبوا، وقالوا: يا موسى إن الله لم يخلق يوم السبت شيئًا فاجعله لنا، فجعل عليهم، وليس ذلك بعجيب من مخالفتهم، كما وقع لهم في قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾ الآية، وغير ذلك، وكيف لا وهم القائلون: سمعنا وعصينا، قاله في فتح الباري.
قال المصنف: ويشهد له بقوله: هذا يومهم الذي فرض عليهم، فإنه ظاهر، أو نص فيстр. 3558
فهدانا الله له، فالناس لنا فيه تبع، اليهود غدًا والنصارى بعد غد"
الحواشي
(١) التعيين، وذكر أبو عبد الله الأبي عن بعض الآثار، أن موسى عين لهم يوم الجمعة، وأخبرهم بفضله، فناظروه بأن السبت أفضل، فأوحى الله: "دعهم وما اختاروا"، أي: بأن قالوا هو يوم فراغ وقطع عمل، فإن الله فرغ من خلق السماوات والأرض، فينبغي انقطاعنا عن العمل فيه للتعبد، قالت النصارى: الأحد لأنه يوم الخلق الموجب الشكر والتعبد، ووفق الله هذه الأمة للصواب، فعينوا الجمعة، لأن الله خلق الإنسان للعبادة، وكان خلقه يومها، فالعبادة فيه أحق، لأنه أوجد سائر الأيام ما ينفع الإنسان، وفي الجمعة أوجد نفس الإنسان، فالشكر على نعمة الوجود، "فهدانا الله له" بالنص عليه، أو بالاجتهاد، ويشهد للثاني ما رواه عبد الرزاق بإسناد صحيح، عن محمد بن سيرين قال: جمع أهل المدينة قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ ، وقبل أن ينزل الجمعة، فقالت الأنصار: إن لليهود يومًا يجتمعون فيه كل سبعة أيام وللنصارى مثل في ذلك، فهلم، فلنجعل يومًا نجتمع فيه، فنذكر الله، ونصلي ونشكره، فجعلوه يوم العروبة، واجتمعوا إلى أسعد بن زرارة، فصلى بهم يومئذ، وأنزل الله بعد ذلك: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ [الجمعة: ٩] الآية، وهذا وإن كان مرسلا، فله بإسناد حسن أخرجه أحمد وأبو داود وابن ماجه، وصححه ابن خزيمة، وغير واحد من حديث كعب بن مالك، قال: كان أول من صلى بنا الجمعة قبل مقدم رسول الله ﷺ المدينة أسعد بن زرارة ... الحديث، فمرسل ابن سيرين يدل على أن أولئك الصحابة اختاروا يوم الجمعة بالاجتهاد، ولا يمنع ذلك أن يكون النبي ﷺ علمه بالوحي، وهو بمكة، فلم يتمكن من إقامتها، ثم وقد ورد فيه حديث ابن عباس عند الدارقطني، ولذا جمع بهم أول ما قدم المدينة، كما حكاه ابن إسحاق وغيره.
وعلى هذا فقد حصلت الهداية للجمعة بجهتي البيان والتوفيق، وقيل: في حكمة اختيارهم الجمعة وقوع خلق آدم فيه، والإنسان إنما خلق للعبادة، فناسب الاشتغال بها، ولأن الله أكمل في الموجودات وأوجد فيه الإنسان الذي ينتفع بها، فناسب أن يشكر على ذلك بالعبادة، ذكره الحافظ.
"فالناس لنا فيه تبع اليهود غدًا" أي: السبت، "والنصارى بعد غد" أي: الأحد, وفي رواية ابن خزيمة: "فهو لنا، ولليهود يوم السبت، وللنصارى يوم الأحد". والمعنى: أنه لنا بهداية الله، ولهم باختيارهم، وخطئهم في اجتهادهم.
قال القرطبي: غدا منصوب على الظرف، متعلق بمحذوف، تقديره اليهود يعظمون غدًا، وكذا قوله بعد غد، ولا بد من هذا التقدير، لأن ظرف الزمان لا يكون خبرًا من الجنة، وقال: ابن مالك: الأصل أن يكون المخبر عنه بظرف الزمان من أسماء المعاني، كقولك: غدًا التأهب، وبعد غد الرحيل، فيقدر هنا مضافان، يكون ظرفا الزمان خبرين عنهما، أي: تبعية اليهود غدًا، وتبعية النصارى بعد غد. انتهى.стр. 3559
رواه البخاري.
ومنها ساعة الإجابة التي في الجمعة، واختلف في تعيينها على أقوال تزيد على الثلاثين
الحواشي
(١) قال الحافظ: وسبقه إلى نحو ذلك عياض وهو أوجه من كلام القرطبي، وفيه فرضية الجمعة، كما قال النووي لقوله: فرض عليهم، فهدانا الله له، فإن التقدير فرض عليهم وعلينا، فضلوا وهدينا، وفي رواية لمسلم، بلفظ: كتب علينا، وفيه إن الهداية والإضلال من الله، كما هو قول أهل السنة، وإن سلامة الإجماع من الخطأ، مخصوص بهذه الأمة، وإن استنباط معنى من الأصل يعود عليه بالإبطال باطل، وإن القياس مع وجود النص فاسد، وإن الاجتهاد في زمن الوحي جائز، وإن الجمعة أول الأسبوع شرعًا، ويدل عليه تسمية الأسبوع كله: جمعة، وكانوا يسمون الأسبوع: سبتًا، كما في حديث أنس في الاستسقاء: فمطرنا سبتًا، وذلك أنهم كانوا مجاورين لليهود، فتبعوهم في ذلك، وفيه بيان واضح لمزيد فضل هذه الأمة على الأمم السالفة، زادها الله تعالى. انتهى. "رواه البخاري" ومسلم، والنسائي عن أبي هريرة.
"ومنها: ساعة الإجابة التي في" يوم "الجمعة" المشار إليها بحديث الصحيحين، من طريق مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ ذكر يوم الجمعة، فقال: "فيها ساعة لا يوافقها مسلم، وهو قائم يصلي يسأل الله تعالى فيها شيئًا إلا أعطاه إياه". وأشار بيده يقللها، وقوله: شيئًا، أي: مما يليق بالمسلم سؤاله من ربه.
وفي رواية لمسلم، كالبخاري في الطلاق: "يسأل الله خيرًا"، وفي ابن ماجه من حديث أبي لبابة: "ما لم يسأل حرامًا"، ولأحمد عن سعد بن عبادة: "ما لم يسأل إثمًا أو قطيعة رحم"، وهو خاص على عام للاهتمام به، فقطيعة الرحم من الإثم.
وروى البزار وأبو يعلى، عن أنس مرفوعًا: "أتاني جبريل في يده مرآة بيضاء، فيها نكتة سوداء، قلت: ما هذه؟ قال: الجمعة فرضها عليك ربك لتكون لك عيدًا ولقومك؟ قلت: ما هذه النكتة السوداء؟ قال: هذه الساعة". وحقيقة الساعة هنا جزء من الزمان مخصوص ويطل على جزء من اثني عشر من مجموع النهار أو على جزء ما غير مقدر من الزمان، فلا يتحقق أو على الوقت الحاضر.
وفي حديث جابر مرفوعًا عند أبي داود وغيره بإسناد حسن ما يدل للأول، ولفظه: "يوم الجمعة ثنتا عشرة ساعة فيها ساعة" ... إلى آخره، قال ابن المنير: الإشارة إلى تقليلها للترغيب فيها والحض عليها ليسارة وقتها وغزارة فضلها.
"واختلف في تعيينها على أقوال تزيد على الثلاثين" وقال غيره: على نحو خمسينстр. 3560
ذكرتها في "لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار".
الحواشي
(١) قولا، "ذكرتها في لوامع الأنوار"، اسم كتاب للمصنف "في الأدعية والأذكار"، وقد سردها في فتح الباري ثنتين وأربعين قولا، هل رفعت، وكذب أبو هريرة قائله: أو في جمعة واحدة من كل سنة أو مخفية في جميع اليوم، أو تنتقل يوم الجمعة، ولا تلزم ساعة: لا ظاهرة ولا مخفية، أو عند أذان الغداة، أو من الفجر إلى طلوع الشمس، أو منه كذلك، ومن العصر للغروب، أو في هذين الوقتين، وما بين النزول من المنبر حتى يكبر، أو أول ساعة بعد طلوع الشمس، أو عند طلوعها، أو آخر الساعة الثالثة من النهار، أو الزوال، حتى يصير الظل نصف ذراع، أو كذلك حتى يصير ذراعًا، أو بعد الزوال بقليل إلى ذراع، أو إذا زالت الشمس، أو إذا أذن المؤذن للجمعة، أو من الزوال حتى يدخل الرجل في الصلاة, أو منه حتى يخرج الإمام، أو منه إلى الغروب، أو ما بين خروج الإمام إلى أن تقام الصلاة، أو عند خروجه، أو ما بين خروجه إلى انقضاء الصلاة، أو ما بين حرمة البيع وحله، أو ما بين الأذان إلى انقضاء الصلاة، أو ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة، ويمكن اتحاد هذا القول مع اللذين قبله، أو عند التأذين، وعند تذكير الإمام، وعند الإقامة، أو إذا أذن وإذا رقى، وإذا أقيمت وهذا مثل ما قبله، أو إذا أخذ الخطيب في الخطبة، أو عند الجلوس بين الخطبتين، أو عند نزوله من المنبر، أو حين الإقامة حتى يقوم الإمام في مقامه، أو من إقامة الصف إلى تمام الصلاة، أو هي الساعة التي كان ﵇ يصلي فيها الجمعة، ومغايرته لما قبله من جهة إطلاقه وتقييد هذا، أو من صلاة العصر إلى الغروب، أو في صلاة العصر أو بعده لآخر وقت الاختيار، أو بعده مطلقًا، أو من وسط النهار إلى قرب آخره، أو من الصفرة للغروب، أو آخر ساعة بعد العصر، أو من حين يغيب نصف قرص الشمس، أو تدليها للغروب إلى تكامل غروبها، وبسط الكلام عليها بأدلتها، مع بيان الصحة، أو الضعف، أو الرفع، أو الوقوف، والإشارة إلى مأخذ بعضها بما يصلح أنه تأليف مفرد.
قال: وليست كلها متغايرة، بل كثير منها يمكن اتحاده مع غيره، ثم نقل ابن المنير الجمع، بأن ساعة الإجابة واحدة منها لا بعينها، فيصادفها المجتهد في الدعاء في جميعها، وليس المراد من أكثرها، أنها تستوعب جميع الوقت الذي عين، بل إنها تكون في أثنائه؛ لقوله: يقللها.
وقوله في رواية أخرى: "وهي ساعة خفيفة"، وفائدة ذكر الوقت؛ أنها تنتقل فيه، فيكون ابتداء مظنتها ابتداء الخطبة مثلا، وانتهاؤه انتهاء الصلاة، وكان كثيرًا من القائلين عين ما اتفق له وقوعه فيها من ساعة في أثناء وقت من الأوقات، فبهذا التقريب يقل الانتشار جدًا، ولا شك أن أرجح الأقوال حديث أبي موسى، وحديث عبد الله بن سلام، وما عداهما إما ضعيف الإسناد، أو موقوف، استند قائله إلى اجتهاد دون توقيف، ولا يعارضهما حديث أبي سعيد؛ أنه ﷺ أنسيها بعد أن علمها؛ لاحتمال أنهما سمعا ذلك منه قبل أن ينسى، أشار إليه البيهقي وغيره.стр. 3561
......................................
الحواشي
(١) فأما حديث أبي موسى، فروى مسلم، وأبو داود، عن أبي موسى: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "هي ما بين أن يجلس الإمام على المنبر إلى أن تنقضي الصلاة".
وأما حديث ابن سلام، فروى الإمام مالك، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، عن أبي هريرة، أنه قال لعبد الله بن سلام، أخبرني، ولا تضن عليّ، فقال عبد الله بن سلام: "هي آخر ساعة من يوم الجمعة" قال أبو هريرة: قلت: كيف تكون آخر ساعة، وقد قال ﷺ : "لا يصادفها عبد مسلم وهو يصلي"، وتلك ساعة لا يصلى فيها، فقال ابن سلام: ألم يقل رسول الله ﷺ : "من جلس مجلسًا ينتظر الصلاة فهو في صلاة حتى يصلي"، قال أبو هريرة: فقلت: بلى، قال: هو ذلك. ولذا استشكل قوله في حديث أبي هريرة السابق وهو قائم، وكان ابن وضاح يأمر بطرحه لأنه لو كان ثابتًا عند أبي هريرة لاحتج به على ابن سلام، ولم يعارضه بأنها ليست ساعة صلاة، وقد ورد النص على الصلاة، وأجابه بالنص الآخر؛ أن منتظر الصلاة في حكم المصلي، وسلم له أبو هريرة الجواب، وارتضاه وأفتى به بعده، وأجيب بحمل الصلاة على الدعاء، أو الانتظار وحمل القيام على الملازمة، أو المواظبة، ولفظ: "وهو قائم"، ثابت عند أكثر رواة الموطأ، وهي زيادة محفوظة عن أبي الزناد من رواية مالك وورقاء وغيرهما عنه.
واختلف السلف في أي الحديثين أرجح، فقال مسلم: حديث أبي موسى أجد شيء من هذا الباب وأصحه، وبذلك قال البيهقي وابن العربي وجماعة، وقال القرطبي: هو نص في موضع الخلاف، فلا يلتفت إلى غيره.
وقال النووي: هو الصحيح، بل الصواب، وجزم في الروضة، بأنه الصواب، ورجح أيضًا بكونه مرفوعًا صريحًا، وفي أحد الصحيحين، ورجح آخرون قول ابن سلام كإسحاق بن راهويه وأحمد، فقال: أكثر الأحاديث عليه. وقال ابن عبد البر: إنه أثبت شيء في هذا الباب.
وروى سعيد بن منصور، بإسناد صحيح، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن: أن ناسًا من الصحابة اجتمعوا، فتذاكروا ساعة الجمعة ثم افترقوا فلم يختلفوا أنها آخر ساعة من يوم الجمعة.
وحكى العلائي أن شيخه ابن الزملكاني كان يختاره، ويحكيه عن نص الشافعي، وأجابوا بأن الترجيح بما في الصحيحين، أو أحدهما إنما هو حيث لا يكون مما انتقده الحفاظ؛ كحديث أبي موسى هذا؛ فإنه أعل بالانقطاع والاضطراب، وبينهما بما يطول، ثم قال: واختار صاحب الهدى انحصارها في أحد الوقتين المذكورين، وأن أحدهما لا يعارض الآخر؛ لاحتمال أنه ﷺ دل على أحدهما في وقت، وعلى الآخر في وقت آخر، وهذا كقول ابن عبد البر: الذي ينبغي الاجتهاد في الدعاء في الوقتين المذكورين، وسبق إلى نحو ذلك الإمام أحمد، وهو أولى في طريق الجمع.стр. 3562
ومنها: أنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله تعالى إليهم، ومن نظر إليه لم يعذبه، أبدًا، وتزين الجنة فيه، وخلوف أفواه الصائمين.
الحواشي
(١) وقال ابن المنير: إذا علم أن فائدة إبهام هذه الساعة كليلة القدر بعث الدواعي على الإكثار من الصلاة والدعاء، ولو بين لاتكل الناس على ذلك وتركوا ما عداها، فالعجب بعد ذلك ممن يجتهد في طلب تحديدها، انتهى.
وقال السيوطي: هنا أمر، وهو أن ما أورده أبو هريرة على ابن سلام وارد على حديث أبي موسى أيضًا لأن حال الخطبة ليست ساعة صلاة، ويتميز ما بعد العصر، بأنها ساعة دعاء، وقد قال: "يسأل الله شيئًا"، وليس حال الخطبة ساعة دعاء لأنه مأمور فيها بالإنصات، وكذا غالب الصلاة، ووقت الدعاء منها إما عند الإقامة، أو في السجود أو التشهد، فإن حمل الحديث على هذه الأوقات اتضح، ويحمل قوله: وهو قائم يصلي على حقيقته في هذين الموضعين، وعلى مجازه في الإقامة، أي: قائم يريد الصلاة، وهذا تحقيق حسن, فتح الله به، وبه يظهر ترجيح رواية أبي موسى على قول ابن سلام لإبقاء الحديث على ظاهره من قوله: يصلي ويسأل، فإنه أولى من حمله على انتظار الصلاة؛ لأنه مجاز بعيد، ويوهم أن انتظار الصلاة شرط في الإجابة، ولأنه لا يقال في منتظر الصلاة قائم يصلي، وإن صدق أنه في صلاة، لأن لفظ قائم يشعر بملامسة الفعل، انتهى.
وفي الفتح: فإن قيل ظاهر الحديث حصول الإجابة لكل داع بالشرط المتقدم مع اختلاف الزمان باختلاف البلاد والمصلي، فيتقدم بعض على بعض، وساعة الإجابة متعلقة بالوقت، فكيف تتفق مع الاختلاف؟ أجيب: باحتمال أن ساعة الإجاب متعلقة بفعل كل مصل، كما قيل نظيره في ساعة الكراهة، ولعل هذه فائدة جعل الوقت الممتد مظنة لها، وإن كانت هي خفيفة، ويحتمل أنه عبر عن الوقت بالفعل، فيكون التقدير وقت جواز الخطبة أو الصلاة ونحو ذلك، قال: وقول صاحبنا العلامة شمس الدين الجزري في الحصن الحصين: وأذن لي في روايته عنه: الذي أعتقده أنها وقت قراءة الفاتحة في صلاة الجمعة، إلى أن يقول آمين، جمعًا بين الأحاديث التي صحت، يخدش فيه أنه يفوت على الداعي حينئذ الإنصات لقراءة الإمام. انتهى.
"ومنها: إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله تعالى إليهم" أي: الأمة المحمدية نظر رحمة وغفران، "ومن نظر إليه" كذلك "لم يعذبه أبدًا" لأن الكريم لا يرجع فيما أعطى، ولا أكرم منه سبحانه، "وتتزين الجنة فيه" تبشيرًا للصائمين، فإذا علموا ذلك بخبر الصادق، زاد نشاذهم، وتلقوه بمزيد القبول والمحبة، وإعلامًا للملائكة، أنه بمنزلة عظيمة عند الله، "وخلوف" بضم الخاء وفتحها خطأ، وقيل: لغة قليلة، أي: تغير ريح "أفواه الصائمين" لخلو معدتهم عنстр. 3563
أطيب عند الله من ريح المسك، وتستغفر لهم الملائكة في كل يوم وليلة حتى يفطروا، وإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعًا. رواه البيهقي بإسناد لا بأس به.
الحواشي
(١) الطعام، "أطيب عند الله" أي: في الآخرة؛ كما جزم به العز بن عبد السلام؛ لأن في رواية لمسلم يوم القيامة، أو في الدنيا والآخرة معًا، كما جزم به ابن الصلاح لأن رواية ابن حبان: "لخلوف فم الصائم حين يخلف أطيب عند الله" وروى الحسن بن سفيان من حديث جابر: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا"، قال: "وأما الثانية فإنهم يمسون، وخلوف أفواههم أطيب عند الله من ريح المسك"، فكل واحد من الحديثين صريح في أنه وقت وجود الخلوف في الدنيا، يتحقق وصفه بذلك، قال: وقد ذكر العلماء شرقًا وغربًا معنى ما ذكرته، ولم يذكر أحد تخصيصه بالآخرة، بل جزموا بأنه عبارة عن الرضا والقبول ونحوهما مما هو ثابت في الدارين، وأما ذكر يوم القيامة في رواية مسلم، فلأنه يوم الجزاء، وفيه يظهر رجحان الخلوف في الميزان على المسك المستعمل لدفع الرائحة الكريهة، طلبًا لرضا الله حيث يؤمر باجتنابها، واجتلاب الرائحة الطيبة للمساجد والصلوات وغيرها من العبادات، فخص يوم القيامة بالذكر في تلك الرواية لذلك؛ كما خص في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ﴾ الآية، وأطلق في باقي الروايات نظرًا إلى أن أصل أفضليته ثابت في الدارين، "من ريح المسك" اختلف في معناه؛ لأنه تعالى منزه عن استطابة الروائح، فقال الماوردي: هو مجاز؛ أنه جرت العادة بتقريب الروائح الطيبة لنا، فاستعير ذلك لتقريب الصوم من الله، فالمعنى أنه أطيب عند الله من ريح المسك عندكم، أي: أنه يقرب إليه أكثر من تقريب المسك إليكم.
وقيل: إن ذلك في حق الملائكة, إنهم يستطيبون ريح الخلوف أكثر مما يستطيبون ريح المسك.
وقيل: المعنى أن الله يجزيه في الآخرة بكونه نكهته أطيب من المسك كما يأتي المكلوم، وريح جرحه يفوح مسكًا.
وقيل: المعنى أن الخلوف أكثر ثوابًا من المسك المطلوب في الجمع والأعياد، ومجالس الذكر والخير، وصححه النووي.
ونقل القاضي حسين في تعليقه: إن للطاعات يوم القيامة ريحًا يفوح، قال: فرائحة الصيام فيها بين العبادات كالمسك، "وتستغفر لهم" أي: للصائمين "الملائكة في كل يوم وليلة حتى يفطروا" حين انقضاء الشهر، "وإذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعًا".
وزاد في رواية للبيهقي، وأحمد والبزار: قيل: يا رسول الله! هي ليلة القدر، قال: "لا، ولكن العامل إنما يوفى أجره عند انقضاء عمله". "رواه البيهقي بإسناد لا بأس به" أي: مقبول عنстр. 3564
بلفظ: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي ... وتستغفر لهم الحيتان حتى يفطروا". رواه البزار. "وتصفد مردة الشياطين" رواه أحمد والبزار.
الحواشي
(١) جابر، "بلفظ" إن رسول الله ﷺ قال: "أعطيت أمتي في شهر رمضان خمسًا لم يعطهن نبي قبلي أما واحدة؛ فإنه إذا كان أول ليلة من شهر رمضان نظر الله إليهم، ومن نظر إليه لم يعذبه أبدًا، وأما الثانية: فإن خلوف أفوافهم حين يمسون أطيب عند الله من ريح المسك، وأما الثالثة: فإن الملائكة تستغفر لهم في كل يوم وليلة، وأما الرابعة: فإن الله يأمر جنته، فيقول لها: استعدي، وتزيني لعبادي، أوشك أن يستريحوا من تعب الدنيا إلى داري وكرامتي، وأما الخامسة: فإنه إذا كان آخر ليلة غفر لهم جميعًا". فقال رجل من القوم: أهي ليلة القدر؟ قال: "لا، ألم تر العمال يعملون، فإذا فرغوا من أعمالهم وفوا أجورهم". وهذا لفظ رواية البيهقي.
وأخرجه الحسن بن سفيان من حديث جابر أيضًا، وحسنه أبو بكر بن السمعاني في أماليه، وتبعه ابن الصلاح، وله شاهد بنحوه من حديث أبي هريرة، رواه أحمد والبزار والبيهقي، "وتستغفر لهم الحيتان حتى يفطروا". رواه البزار, وأحمد، والبيهقي من حديث أبي هريرة المذكور، ورواه أبو الشيخ بلفظ: الملائكة بدل الحيتان، "وتصفد" تشد وتربط بالأصفاد، وهي القيود "مردة الشياطين" أي: عتاتهم، وفي حديث ابن عباس عند البيهقي: "ويقول الله: يا جبريل اهبط إلى الأرض فاصفد مردة الشياطين وغلهم بالأغلال، ثم اقذفهم في البحار حتى لا يفسدوا على أمة محمد صيامهم". "رواه أحمد والبزار" من حديث أبي هريرة، فزيادة: "فلا يخلصوا فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غيره". وفي الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا دخل رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصفدت الشياطين".
قال القاضي عياض: يحتمل أنه على ظاهره وحقيقته، وذلك علامة للملائكة بدخول الشهر وتعظيمه، والتصفيد ليمنعوا من إيذاء المؤمنين والتهويش عليهم، ويحتمل أنه مجاز عن كثرة الثواب والعفو، وأن الشياطين يقل إغواؤهم وإيذاؤهم، فيصيرون كالمصفدين، ويكون تصفيدهم عن أشياء لناس دون ناس، ويحتمل أن فتح أبواب الجنة عبارة عما يفتحه الله لعباده من الطاعات في هذا الشهر التي لا تقع في غيره عمومًا؛ كالصيام والقيام، وفعل الخيرات، والانكفاف عن كثير من المخالفات، وهذه أسباب لدخول الجنة وأبواب لها، وكذا تغليق أبواب النار، وتصفيد الشياطين عبارة عما ينكفون عنه من المخالفات، ومعنى صفدت: غلت، والصفد، بفتح الفاء الغل، انتهى.
ونقله النووي، ولم يزد عليه، ورجح ابن المنير الأول، وقال: لا ضرورة تدعو إلى صرفстр. 3565
ومنها السحور، وتعجيل الفطر، رواه الشيخان
الحواشي
(١) اللفظ عن ظاهره، وكذا رجحه القرطبي، وقال: فإن قيل: فكيف ترى الشرور والمعاصي واقعة في رمضان كثيرًا، فلو صفدت لم يقع ذلك، فالجواب إنها إنما تغل عن الصائمين الصوم الذي حوفظ على شروطه، وروعيت آدابه، والمصفد بعض الشياطين، وهو المردة لا كلهم؛ كما في رواية الترمذي وغيره مردة الجن، والمقصود تقليل الشرور فيه، وهذا أمر محسوس؛ فإن وقوع ذلك فيه أقل من غيره إذ لا يلزم من تصفيد جميعهم أن لا يقع شر ولا معصية؛ لأن لذلك أسبابًا غير الشياطين، كالنفوس الخبيثة والعادات القبيحة، والشياطين الإنسية.
وقال الحليمي: يحتمل أن المراد بالشياطين مسترقوا السمع منهم؛ لأنهم كانوا منعوا في زمن نزول القرآن من استراق السمع، فزيدوا التسلسل في رمضان مبالغة في الحفظ.
وقال الطيبي: فائدة تفتيح أبواب الجنة توقيف الملائكة على استحماد فعل الصائمين، وأنه من الله بمنزلة عظيمة، وإذا علم المكلف ذلك بإخبار الصادق، زاد في نشاطه، وتلقاه بأريحية.
"ومنها: السحور" بفتح السين وضمها، ويحصل بأقل ما يتناوله المرء من مأكول أو مشروب؛ كما في الفتح وغيره، "وتعجيل الفطر" عند تحقق الغروب، وما يفعله الفلكيون من التمكين بعد الغروب بدرجة، فمخالف للسنة، فلذا قل الخير، قاله المصنف.
"رواه الشيخان" عن سهل بن سعد؛ أن رسول الله ﷺ قال: "لا يزال الناس بخير ما علوا الفطر" زاد أبو داود، وابن ماجه، وغيرهم من حديث أبي هريرة: "لأن اليهود والنصارى يؤخرون". ولابن حبان، والحاكم من حديث سهل: "لا تزال أمتي على سنتي ما لم تنتظر بفطرها النجوم". وليس في رواية الشيخين تصريح، بأنه من خصوصياتنا، إنما هو في غيرهما كما رأيت.
وأما السحور، فروى مسلم عن عمرو بن العاصي، أن النبي ﷺ قال: "فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحور". وفصل، بصاد مهملة، وقراءته بمعجمة تصحيف، ولم يخرجه البخاري، نعم رويا معًا أنس، قال: قال النبي ﷺ : "تسحروا فإن في السحور بركة" , وهذا لا تصريح فيه بالخصوصية.
قال في الفتح: بفتح السين وضمها روايتان لأن المراد بالبركة الأجر والثواب، فيناسب الضم لأنه مصدر بمعنى التسحر أو البركة، كونه يقوى على الصوم وينشط له، ويخفف مشقته، فيناسب الفتح لأنه ما يتسحر به، وقيل: البركة ما تضمنه من الاستيقاظ والدعاء في السحر، والأولى أنها تحصل بجهات متعددة: اتباع السنة، ومخالفة أهل الكتاب، والتقوي على العبادة، والزيادة في النشاط، والتسبب بالصدقة على من يسأل إذ ذاك، أو يجتمع معه على الأكل، والتسبب للذكر والدعاء ومظنة الإجابة، وتدارك نية الصوم لمن أغفلها قبل أن ينام، ووقع لبعضстр. 3566
وإباحة الأكل والشرب والجماع ليلا إلى الفجر، وكان محرمًا على من قبلنا بعد النوم، وكذا في صدر الإسلام ثم نسخ.
الحواشي
(١) المتصوفة: أن حكمة الصوم كسر شهوة البطن والفرج: والسحور قد يباين ذلك.
قال ابن دقيق العيد: والصواب أن من زاد قدره حتى تعدم هذه الحكمة بالكلية لا يستحب، كتأنق المترفين في المآكل، وكثرة الاستعداد لها، وما عداه تختلف مراتبه، انتهى، وقيل: المراد بالبركة نفي التبعية.
روى البزار والطبراني عن ابن عباس مرفوعًا: "ثلاثة ليس عليهم حساب فيما طعموا إن شاء الله إذا كان حلالا: الصائم، والمتسحر، والمرابط في سبيل الله". وذكره في الفردوس، بلفظ: "ثلاثة لا يحاسب عليها العبد: أكلة السحور، وما أفطر عليه، وما أكل مع الإخوان". وقيل: يبارك في قليله، بحيث يعين على الصوم، فروى ابن عدي: "تسحروا ولو بشربة من ماء"، وللطبراني: "ولو بتمرة، ولو بحبات من زبيب" هذا والخصوصيتان للأمة على الأمم، لا على الأنبياء؛ لقوله ﷺ : "إنا معاشر الأنياء أمرنا أن نعجل إفطارنا ونؤخر سحورنا، ونضع أيماننا على شمائلنا في الصلاة". رواه الطيالسي بإسناد صحيح.
"وإباحة الأكل والشرب والجماع" للصائم "ليلا" ولو نام "إلى الفجر" كما قال تعالى ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ الآية، "وكان محرمًا على من قبلنا بعد النوم، وكذا كان" محرمًا علينا "في صدر الإسلام، ثم نسخ" روى البخاري عن البراء: كان أصحاب النبي ﷺ إذا كان الرجل صائمًا، فحضر، فنام قبل أن يفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري، كان صائمًا، فلما حضر الإفطار أتى امرأته، فقال: هل عندك طعام؟ فقالت: لا، ولكن أنطلق فأطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عينه، وجاءت امرأته، فلما رأته قالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت هذه الآية: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ الآية، ففرحوا بها فرحًا شديدًا، ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ [البقرة: ١٨٧] .
وأخرج أحمد وابن جرير عن كعب بن مالك، قال: كان الناس في رمضان إذا صام الرجل، فأمسى فنام، حرم عليه الطعام والشراب والنساء، حتى يفطر من الغد، فرجع عمر من عند النبي ﷺ وقد سمر عنده، فأراد امرأته، فقالت: إني قد نمت، قال: وأنا ما نمت ووقع عليها، وصنع كعب بن مالك مثل ذلك، فغدا عمر إلى النبي ﷺ فأخبره، فنزلت الآية.
وروى البخاري عن البراء: لما نزل صوم شهر رمضان كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، فكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] الآية.стр. 3567
ومنها: ليلة القدر، كما قاله النووي في شرح المهذب.
وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأمة أم لا؟ إن قلنا إن التشبيه الذي دلت عليه كاف "كما" في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٣] على حقيقته فيكون رمضان كتب على من قبلنا.
وذكر ابن أبي حاتم عن ابن عمر رفعه: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم". وفي إسناده مجهول.
وإن قلنا المراد مطلق الصيام دون قدره ووقته فيكون التشبيه واقعًا على مطلق الصوم، وهو قول الجمهور.
الحواشي
(١) وروى الباري عن سهل بن سعد، قال: نزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ الآية، ولم ينزل من الفجر، فكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود، فلا يزال يأكل ويشرب حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعد: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ ، فعلموا إنما يعني الليل والنهار.
"ومنها: ليلة القدر" لخبر الديلمي عن أنس، مرفوعًا: "إن الله وهب لأمتي ليلة القدر، ولم يعطها من كان قبلهم". "كما قاله النووي في شرح المهذب" وعبارته: "ليلة القدر مختصة بهذه الأمة، لم تكن لمن قبلنا"، هذا هو الصحيح المشهور الذي قطع به أصحابنا كلهم، وجمهور العلماء، قال الحافظ: وجزم به ابن حبيب من المالكية وسبقهم كلهم الحكيم الترمذي فجزم بذلك، "وهل صيام رمضان من خصائص هذه الأة" كما ذهب إليه الجمهور، منهم معاذ، وابن مسعود، وجماعة من الصحابة والتابعين، والحجة لهم قوله ﷺ : "إن الله افترض صوم رمضان، وسننت لكم قيامه" رواه النسائي والبيهقي بإسناد حسن، عن عبد الرحمن بن عوف، فهو ظاهر في الاختصاص "أم لا؟ " كما ذهب إليه جمع، منهم الحسن والشعبي.
"إن قلنا: إن التشبيه الذي دلت عليه" لفظة، "كما في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ﴾ فرض ﴿عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، على حقيقته" أي: تشبيهًا تامًا، "فيكون رمضان كتب على من قبلنا" من جميع الأمم، وعن السدي هم النصارى كتب عليهم رمضان، "وذكر" أي روى ابن أبي حاتم عن ابن عمر، رفعه: "صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم". فهذا يؤيد تمام التشبيه، ويرد على السدي تخصيصهم بالنصارى، "و" لكن "في إسناده مجهول" فهو ضعيف، لكن له شاهد في الترمذي.
"وإن قلنا: المراد مطلق الصيام دون قدره ووقته" وهو شهر رمضان، "فيكون التشبيه واقعًا على مطلق الصوم" فلا ينافي اختصاصنا برمضان، "وهو قول الجمهور" من الصحابةстр. 3568
ومنها أن لهم الاسترجاع عند المصيبة، قال سعيد بن جبير فيما رواه ابن جرير والبيهقي وغيرهما عنه: لقد أعطيت هذه الأمة عند المصيبة ما لم يعط الأنبياء ﵈ مثله: إنا لله وإنا إليه راجعون. ولو أعطيت الأنبياء لأعطيه يعقوب ﵇ إذ قال: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] .
ومنها: أن الله تعالى رفع عنهم الإصر الذي كان على الأمم قبلهم، قال تعالى:
الحواشي
(١) والتابعين وغيرهم.
قال الزمخشري: وبالجملة، فالصوم عبادة أصلية قديمة، ما أخلى الله أمة من افتراضه عليهم.
"ومنها: أن لهم الاسترجاع عند المصيبة" لقوله ﷺ : "أعطيت أمتي شيئا لم يعطه أحد من الأمم أن يقولوا عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون"، رواه الطبراني وابن مردويه عن ابن عباس.
"قال سعيد بن جبير، فيما رواه ابن جرير، والبيهقي، وغيرهما عنه: "لقد أعطيت هذه الأمة"، أي: أمة الإجابة أن يقول المصاب منهم "عند المصيبة"، أي مصيبة كانت، لقوله ﷺ : "كل شيء ساء المؤمن فهو مصيبة"، رواه ابن السني، "ما لم يعط الأنبياء ﵈ مثله" وهو "إنا لله" ملكا وعبدا يفعل بنا ما شاء، "وإنا إليه راجعون" في الآخرة فيجاز بنا.
وروى أبو داود في مراسيله: إن مصباح النبي ﷺ طفئ، فاسترجع، فقالت عائشة: إنما هذا مصباح، فقال: "كل ما ساء المؤمن فهو مصيبة".
وفي الحديث: "من استرجع عند المصيبة، آجره الله فيها، وأخلف عليه خيرا". وظاهره أن المأمور به مرة واحدة فورا، وذلك في الموت عند الصدمة الأولى، وخير إذا ذكرها، ولو بعد أربعين عاما، فاسترجع، كان له أجرها يوم وقوعها، كما ورد؛ لأنه زيادة فضل، لا ينافي الطلب بفور وقوع المصيبة.
"ولو أعطبت الأنبياء لأعطيه يعقوب ﵇، إذ قال: ﴿يَا أَسَفَى﴾ " الألف بدل من ياء الإضافة، أي: يا حزني ﴿عَلَى يُوسُفَ﴾ وهذا ظاهر في أنه من خصوصيات هذه الأمة، حتى على الأنبياء، إذ قوله: "لقد أعطيت"، لا دخل للرأي فيه، فلا يكون إلا عن بلاغ.
وأما: ولو أعطيت ... إلخ، فإن كان من البلاغ فواضح، وإن كان استنبطه، فهو استظهار وتقوية لسابقه ببعض أفراده، فلا يقال: لا يلزم منه أنه لم يشرع لغيره من الأنبياء.
"ومنها: أن الله تعالى رفع عنهم الإصر" الأمر الذي يثقل حمله عليهم، أي: لم يوجبه عليهم، ولم يجعله من شرعهم، لا أنه جعله عليهم، ثم رفعه "الذي كان على الأمم قبلهم" أي: على بعضهم، وهم بنو إسرائيل؛ كما "قال تعالى": ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِيстр. 3569
﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ، أي: ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة، وقطع كتعيين القصاص في العمد والخطأ وقطع الأعضاء الخاطئة، وقطع موضع النجاسة، وقتل النفس في التوبة.
الحواشي
(١) يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، ويحل لهم الطيبات، ويحرم عليهم الخبائث، ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ﴾ ثقلهم، ﴿وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ فأتى بالآية دليلا على أن من قبلهم كان عليهم الإصر، فالوضع عن بني إسرائيل الذين آمنوا بالمصطفى حقيقي، وبه يستدل على رفعه عن الأمة بطريق الأولى، بمعنى أنه لم يوضع عليهم بدليل: ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الآية، "أي: ويخفف عنهم ما كلفوا به من التكاليف الشاقة" فالأغلال استعارة شبه الأمور الشاقة التي كلفوا بها بالأغلال التي تجعل في الأعناق: جمع غل، وهو طوق حديد.
وعن عطاء: كانت بنو إسرائيل إذا قاموا يصلون، لبسوا المسوح، وغلوا أيديهم إلى أعناقهم، وربما نقب الرجل ترقوته وجعل فيها طرف السلسلة، وأوثقها إلى السارية، يحبس نفسه على العبادة "كتعيين القصاص في العمد والخطأ" لخبر البخاري: كان في بني إسرائيل القصاص، أي: تحتمه حتى في الخطأ، ولم تكن فيهم الدية في نفس أو جرح؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا﴾ [المائدة: ٤٥] الآية، فهو شرع اليهود.
أما النصارى، فيتعين عندهم العفو عن القود، والمراد بالخطأ العمد، وهو أن يقصد شيئا، فيخالف لغيره ما قصد، لا ضد الصواب؛ كما زعم، لأن تعمد الإثم يسمى خطأ بالمعنى الثاني، ولا يمكن إرادته هنا.
"وقطع الأعضاء الخاطئة" كاللسان في الكذب، والذكر في الزنى، وفقء العين في النظر للأجنبية، "وقطع موضع النجاسة" أخرج البخاري عن أبي وائل، قال: كان أبو موسى يشدد في البول، ويبول في قارورة، ويقول: إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه، فقال حذيفة: ليته أمسك ... الحديث، أي: قطعه.
قال الحافظ: ووقع في مسلم جلد أحدهم، قال القرطبي: مراده الجلد، واحد الجلود التي كانوا يلبسونها، وحمله بعضهم على ظاهره، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه، ويؤيده رواية أبي داود: كان إذا أصاب أحدهم، لكن رواية البخاري صريحة في الثياب, فلعل بعضهم رواه بالمعنى، انتهى.
"وقتل النفس في التوبة" كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال الجلال: أي ليقتل البريء منهم المجرم، فأرسل سحابة سوداء لئلا يبصر بعضهم بعضًا، فيرحمه، حتى قتل منهم نحو سبعين ألفًا.стр. 3570
وقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب فيصبح قد كتب على باب بيته: إن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما.
وأصل الإصر: الثقل الذي يأصر صاحبه، أي يحبسه من الحراك لثقله.
ومنها أن الله تعالى أحل لهم كثيرًا مما شدد على من قبلهم، ولم يجعل عليهم في الدين من حرج، قال تعالى:
الحواشي
(١) وروى ابن أبي حاتم عن علي، قال الذين عبدوا العجل: يا موسى ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضًا، فأخذوا السكاكين، فجعل الرجل يقتل أباه وأمه وأخاه، حتى قتل سبعون ألفًا، فأوحى الله إليه، فليرفعوا أيديهم فقد غفر لهم.
وروى من طرق نحوه عن ابن عباس وغيره، وقول البيضاوي: أو المراد بالقتل قطع الشهوات؛ كما قيل: من لم يعذب نفسه لم ينعمها، ومن لم يقتلها لم يحيها.
قال السيوطي: هذا ذكره بعض أرباب الخواطر، قال جماعة: ولا يجوز أن يفسر به بإجماع المفسرين على أن المراد القتل الحقيقي، انتهى. وفي الجليل استبعده جماعة بإجماع المفسرين على أن المراد القتل الحقيقي؛ بأن يسلم من عبد العجل نفسه للبريء ليقتلها، فلا يرد عليه قول بعضهم: أجمع المفسرون على أنهم ما قتلوا أنفسهم بأيديهم، إذ لو كانوا مأمورين بذلك؛ لصاروا عصاة بتركه، "وقد كان الرجل من بني إسرائيل يذنب الذنب، فيصبح قد كتب على باب بيته إن كفارته أن تنزع عينيك فينزعهما" وروى ابن جرير مرفوعًا: "كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم الخطيئة وجدها مكتوبة على بابه وكفارتها، فإن كفرها كانت له خزيًا في الدنيا، وإلا كانت له خزيًا في الآخرة، "وقد أعطاكم الله خيرًا من ذلك ومن يعمل سوءًا أو يظلم نفسه"، وروى البيهقي مرفوعًا: "كان بنو إسرائيل إذا أذنب أحدهم ذنبًا، أصبح وقد كتبت كفارته على أسكفة بابه، وجعلت كفارة ذنوبكم قولا تقولونه، تستغفرون، الله فيغفر لكم".
"وأصل الإصر الثقل" بكسر المثلثة، وفتح القاف، وتسكن للتخفيف ضد الخفة، وأما واحد الأثقال، فبالسكون، كحمل وأحمال والثقل، بفتحتين متاع المسافر وحشمه، أو مطلق المتاع "الذي يأصر"، بكسر الصاد "صاحبه أي: يحبسه من الحراك" بفتح أوله وثانيه، "لثقله"، فلا يقدر على التحرك.
"ومنها: إن الله تعالى أحل لهم كثيرًا مما شدد على من قبلهم" يريد الله بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر، وقال ﷺ : "إن الله رضي لهذه الأمة اليسر، وكره لها العسر"، رواه الطبراني برجال الصحيح، "ولم يجعل عليهم في الدين من حرج" بل سهله، "قال تعالى" ﴿هُوَстр. 3571
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] أي: ضيق بتكليف ما اشتد القيام به عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، يعني من لم يستطع أن يصلي قائمًا فليصل قاعدًا، وأباح للصائم الفطر في السفر، والقصر فيه.
وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجًا، وفتح لهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العباد. قاله البيضاوي.
وروى عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة.
الحواشي
(١) اجتباكم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية.
روى أحمد عن حذيفة: سجد ﷺ ، فلم يرفع رأسه حتى ظننا أن نفسه قبضت، فلما فرغ، قال: "ربي استشارني" الحديث، وفيه: "وأحل لنا كثيرًا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فلم أجد شكرًا إلا هذه السجدة"، "أي: ضيق بتكليف ما اشتد القيام به عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه، ولا عذر لهم في تركه" لعدم مشقة فعله عليهم، "يعني: من لم يستطع أن يصلي قائمًا، فليصل قاعدًا" ومن لا فمضطجعًا على ما بين في الفروع، "وأباح للصائم الفطر في السفر" وإن كان الصوم أفضل، "والقصر فيه" للصلاة، وجعله أفضل من الإتمام، بل ذهب الحنفية إلى أنه عزيمة، فلا يجوز الإتمام.
زاد البيضاوي: أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم؛ لقوله ﵊: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، "وقيل ذلك"، أي: معنى الآية "بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجًا" بأن رخص لهم في المضائق، هكذا في البيضاوي قبل قوله: "وفتح لهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه" كالحنث في اليمين به، "والأروش والديات في حقوق العباد" دون تعين القود، "قاله البياوي" في تفسير الآية.
"وروي" عند ابن أبي حاتم، "عن ابن عباس، أنه" قيل له: أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال: "بلى"، قيل: فما جعل عليكم في الدين من حرج؟ "قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة" بمعنى أنه لم يجعله عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الآية، قال البيضاوي: حملا مثل حملك إياه من قبلنا، أو مثل الذي حملته إياهم، فيكون صفة لإصرًا،стр. 3572
وعن كعب، أعطى الله هذه الأمة ثلاثًا لم يعطهن إلا الأنبياء: جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال: ادعوني أستجب لكم.
ومنها: إن الله تعالى رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ.
الحواشي
(١) أو المراد به ما كلف به بني إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، وخمسين صلاة في اليوم والليلة، وصرف ربع المال للزكاة، أو ما أصابهم من الشدائد والمحن.
قال السيوطي: قول خمسين صلاة غلط، فلم يفرض على بني إسرائيل خمسون صلاة قط، بل ولا خمس صلوات، ولم تجتمع الخمس إلا لهذه الأمة، وإنما فرض على بني إسرائيل صلاتان فقط؛ كما في الحديث.
وقال شيخ الإسلام: نسب التكليف بها إلى بني إسرائيل لم يفرض عليهم خمسون، بل ولا خمس صلوات، مع أن من حفظ حجة على من لم يحفظ؛ كذا قال وفيه ما لا يخفى، فكون المراد من بني إسرائيل اليهود، لا يدفع الرد بأن الخمسين لم تفرض عليهم، فليس ملحظ الرد إبهامه أنها فرضت على جميع بني إسرائيل، مع أنها إنما فرضت على اليهود منهم، فيجاب، بأنهم المراد من بني إسرائيل، وكون من حفظ حجة لا يجدي هنا؛ لأن النافي صحبه دليل نفيه، وهو قوله: كما في الحديث، يشير إلى ما في حديث المعراج في مراجعة موسى لنبينا، وفيه ما لفظه: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان، فما قاموا بهما، أخرجه النسائي من حديث أنس.
"وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثًا" لفظه ثلاث خصال، "لم يعطهن إلا الأنبياء، كان النبي يقال له: بلغ، ولا حرج، وأنت شهيد على أمتك، وادع أجبك، "جعلهم شهداء على الناس" يوم القيامة، بأن رسلهم بلغتهم، "وما جعل عليهم في الدين من حرج" بل سهله، وقال ﷺ : "خير دينكم أيسره"، أي: ما لا مشقة فيه ولا إصر، لكن بعضه أيسر من بعض، فأمر بعدم التعمق فيه، فإنه لن يغالبه أحد إلا غلبه، وجاءت الأنبياء السابقة بتكاليف، وآصار بعضها أغلظ من بعض، "وقال: ادعوني" اسألوني "أستجب لكم" دعاءكم، وقيل: المعنى اعبدوني أثبكم بقرينة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية، وأجاب من فسر الدعاء بالسؤال، بأن الاستكبار الصارف عنه منزل منزلته للمبالغة، أو المراد بالعبادة الدعاء؛ لأنه من أبوابها.
أخرج الفريابي عن كعب: أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم يعطهن الأنبياء، كان النبي يقال له: بلغ ولا حرج، وأنت شهيد على أمتك، وادع أجبك، وقال لهذه الأمة: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية، فاقتصر المصنف على حاجته منه.
"ومنها: إن الله تعالى رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ" أي: إثمه لا حكمه، إذ حكمه منстр. 3573
والنسيان، وما استكرهوا عليه، وحديث النفس، وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا مما أمروا أو أخطئوا في شيء عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب.
وقد قال ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
الحواشي
(١) الضمان لا يرتفع، أو عن حكمه على القول الثاني أو عنهما، قيل: وهو أقرب لعموم التناول وعدم المرجح، ولا ينافيه ضمان المال والدية، ونحوهما لخروجه بدليل منفصل، "والنسيان" بالكسر ضد الذكر والحفظ، ويطلق على الترك، وليس بمراد هنا، "وما استكرهوا عليه" أي: حملوا على فعله قهرًا، وخص بغير الزنا، وقتل المسلم وقطعه، فلا يبيح ذلك الإكراه، "وحديث النفس" رفع عن هذه الأمة المؤاخذة به، أي: ما يقع في قلوبهم من القبائح ظهرًا؛ لقوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل"، رواه الشيخان.
روى أحمد، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله ﷺ ، فجثوا على الركب، وقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال: "أتريدون أن تقولوا، كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ الآية، إلى آخرها.
وروى مسلم وغيره عن ابن عباس نحوه، وعند الفريابي عن محمد بن كعب، قال: ما بعث من نبي، ولا أرسل من رسول، أنزل عليه الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، فكانت الأمم تأتي على أنبيائهم ورسلهم ويقولون: نؤاخذ بما تحدث به أنفسنا، ولم تعمل جوارحنا، فيكفرون ويضلون، فلما نزلت على النبي ﷺ اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم، فقالوا: أنؤاخذ بما تحدث به أنفسنا ولم تعمل جوارحنا، قال: "نعم، فاسمعوا وأطيعوا" فذلك قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية، فرفع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح، "وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا مما أمروا به أو أخطئوا في شيء، عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب" عقوبة من الله لهم "على حسب ذلك الذنب" من كبر وصغر، "وقد قال ﷺ : "إن الله وضع"، وفي رواية: رفع "عن أمتي" أمة الإجابة، فقوله: أمتي دليل على أن ذلك كان على من قبلهم "الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" حديث جليل، قال بعض العلماء: ينبغي أنстр. 3574
رواه أحمد وابن حبان والحاكم وابن ماجه.
ومنها أن الإسلام وصف خاص بهم، لا يشركهم فيه غيرهم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] إذ لو لم يكن خاصًا بهم لم يكن في الامتنان عليهم بذلك فائدة.
الحواشي
(١) يعد نصف الإسلام؛ لأن الفعل إما عن قصد واختيار أولا، الثاني: ما يقع عن خطأ، أو نسيان، أو إكراه, وهذا القسم معفو عنه اتفاقًا، وإنما اختلف هل المعفو عنه الإثم أو الحكم، أو هما معًا؟ وهو ظاهر الحديث وما خرج عنه، كضمان الدم الخطأ وإتلاف المال خطأ ونحوهما، فبدليل منفصل، وفيه: "إن طلاق المكره لا يقع"، "رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن ماجه" والطبراني، والدارقطني، بأسانيد جيدة، وفي بعضها كلام لا يضر، كما بينه النور الهيثمي، وتليمذه الحافظ، وحسنه النووي في الروضة، وأخرجه الطبراني عن ثوبان، بلفظ: "رفع عن أمتي" ... إلخ، وخفي على الكمال بن الهمام، فقال: هذا الحديث يذكره الفقهاء بهذا اللفظ، ولا يوجد شيء من كتب الحديث، كذا قال والكمال لله.
قال البيضاوي: ومفهوم الخبر أن الخطأ والنسيان كان مؤاخذًا بهما أولًا، أي: في الأمم السابقة ولا يمتنع ذلك عقلًا، فإن الذنوب كالسموم، فكما أن تناولها يؤدي إلى الهلاك، وإن كان خطأ، فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة؛ لكنه تعالى وعدنا التجاوز عنه رحمة وفضلا، ومن ثم أمر الإنسان بالدعاء، استدامة واعتدادًا بالنعمة.
"ومنها: أن الإسلام وصف خاص بهم، ولا يشركهم فيه غيرهم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" كما ذهب إليه جمع من العلماء، فشرفت هذه الأمة بأن وصفت بالوصف الذي كان يوصف به الأنبياء، تكريمًا لها؛ "لقوله تعالى": ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، وفي التوراة والإنجيل وسائر كتبه على أن ضمير هو عائد لله؛ كما قاله جمع من المفسرين، كابن عباس ومجاهد عند ابن المنذر، وعلى بن زيد عند ابن أبي حاتم، وكذا روى عن قتادة وابن عيينة ومقاتل، قالوا: ﴿وَفِي هَذَا﴾ ، يعني القرآن، وأيد بأنه قرئ "الله سماكم المسلمين" الآية، فلو لو يكن ذلك خاصًا به، كالذي ذكر قبله لم يكن لتخصيصه بالذكر، ولا لاقترانه بما قبله معنى، وهذا ما فهمه السلف من الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] الآية، فإنه ظاهر في الاختصاص، "إذ لو لم يكن خاصا بهم لم يكن في الامتنان عليهم بذلك فائدة" لأنه لوстр. 3575
وقد يجاب: بأن رضي الإسلام دينًا لهم، وتسميه إبراهيم إياها بذلك، لا ينفي اتصاف غيرهم بذلك. وفائدة ذلك: الإعلام بالإنعام عليهم بما أنعم به على غيرهم من الفضائل.
وقيل: لا يختص بهم، بل يطلق على غيرهم أيضًا، وهو اسم لكل دين حق لغة وشرعًا. كما أجاب به ابن الصلاح لقوله تعالى: حكاية عن وصية يعقوب ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] .
الحواشي
(١) رضيه لغيرهم ما حسن الامتنان به عليهم ولا تقديم لكم، "وقد يجاب بأن رضا الإسلام دينًا لهم" في هذه الآية، "وتسمية إبراهيم إياها بذلك" في الآية التي ساقها قبلها؛ بناء على أن الضمير لإبراهيم؛ لأنه أقرب مذكور، كما قاله جماعة، كابن زيد في أحد قوليه، قال: وهو إبراهيم ألا ترى إلى قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ الآية، ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ، "لا ينفي اتصاف غيرهم بذلك" الوصف، "وفائدة ذلك" أي: الامتنان على هذه الأمة مع الاشتراك "الإعلام بالإنعام عليم بما أنعم به على غيرهم من الفضائل" ودفع السيوطي هذا الجواب بأنه جهل بقواعد المعاني؛ فإن تقديم "لكم" يستلزمه؛ كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الآية، أن تقديم "هم" تعريض بأهل الكتاب؛ وأنهم لا يوقنون بالآخرة، وكما قال الأصفهاني في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ الآية، أن تقديم "هم" يفيد أن غيرهم يخرجون منها، وهم الموحدون.
"وقيل: لا يختص بهم، بل يطلق على غيرهم أيضًا، وهو اسم لكل دين حق لغة وشرعًا، كما أجاب به ابن الصلاح؛ لقوله تعالى حكاية عن وصية يعقوب" ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الآية.
قال السيوطي: هذا من قول إبراهيم ويعقوب لبنيهما، وفي بني كل الأنبياء، فلا يحسن الاستدلال به على غيرهم، مع أنه لا يلزم منه طرده في أمة موسى وعيسى، لما علم أن ملة إبراهيم تسمى الإسلام، وبها بعث النبي ﷺ ، وكان أولاد إبراهيم ويعقوب، عليها فصح أن يخاطبوا بذلك، ولا يتعدى إلى من ملته اليهودية والنصرانية، قال: وأما قوله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ الآية، فجوابه أن ذلك إما على سبيل التبعية له إن لم يكونوا أنبياء، مع أن فيهم يوسف وهو نبي قطعًا، فلعله هو الذي تولى الجواب، وأخبر عن نفسه بالإصابة، وأدرج أخوته معه تغليبًا، وإن كانوا أنبياء كلهم، فلا إشكال من أدلة العموم قوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وأجاب عنه السيوطي بما حققه صاحب القول الراجح:следующие страницы →