Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3571–3610 · переход к 3576.
стр. 3571
﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] أي: ضيق بتكليف ما اشتد القيام به عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه ولا عذر لهم في تركه، يعني من لم يستطع أن يصلي قائمًا فليصل قاعدًا، وأباح للصائم الفطر في السفر، والقصر فيه.
وقيل ذلك بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجًا، وفتح لهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه، والأروش والديات في حقوق العباد. قاله البيضاوي.
وروى عن ابن عباس أنه قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة.
الحواشي
(١) اجتباكم ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ الآية.
روى أحمد عن حذيفة: سجد ﷺ ، فلم يرفع رأسه حتى ظننا أن نفسه قبضت، فلما فرغ، قال: "ربي استشارني" الحديث، وفيه: "وأحل لنا كثيرًا مما شدد على من قبلنا، ولم يجعل علينا في الدين من حرج، فلم أجد شكرًا إلا هذه السجدة"، "أي: ضيق بتكليف ما اشتد القيام به عليهم، إشارة إلى أنه لا مانع لهم عنه، ولا عذر لهم في تركه" لعدم مشقة فعله عليهم، "يعني: من لم يستطع أن يصلي قائمًا، فليصل قاعدًا" ومن لا فمضطجعًا على ما بين في الفروع، "وأباح للصائم الفطر في السفر" وإن كان الصوم أفضل، "والقصر فيه" للصلاة، وجعله أفضل من الإتمام، بل ذهب الحنفية إلى أنه عزيمة، فلا يجوز الإتمام.
زاد البيضاوي: أو إلى الرخصة في إغفال بعض ما أمرهم به حيث شق عليهم؛ لقوله ﵊: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم"، "وقيل ذلك"، أي: معنى الآية "بأن جعل لهم من كل ذنب مخرجًا" بأن رخص لهم في المضائق، هكذا في البيضاوي قبل قوله: "وفتح لهم باب التوبة، وشرع لهم الكفارات في حقوقه" كالحنث في اليمين به، "والأروش والديات في حقوق العباد" دون تعين القود، "قاله البياوي" في تفسير الآية.
"وروي" عند ابن أبي حاتم، "عن ابن عباس، أنه" قيل له: أما علينا في الدين من حرج في أن نسرق أو نزني؟ قال: "بلى"، قيل: فما جعل عليكم في الدين من حرج؟ "قال: الحرج ما كان على بني إسرائيل من الإصر والشدائد، وضعه الله عن هذه الأمة" بمعنى أنه لم يجعله عليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ الآية، قال البيضاوي: حملا مثل حملك إياه من قبلنا، أو مثل الذي حملته إياهم، فيكون صفة لإصرًا،стр. 3572
وعن كعب، أعطى الله هذه الأمة ثلاثًا لم يعطهن إلا الأنبياء: جعلهم شهداء على الناس، وما جعل عليهم في الدين من حرج، وقال: ادعوني أستجب لكم.
ومنها: إن الله تعالى رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ.
الحواشي
(١) أو المراد به ما كلف به بني إسرائيل من قتل الأنفس، وقطع موضع النجاسة، وخمسين صلاة في اليوم والليلة، وصرف ربع المال للزكاة، أو ما أصابهم من الشدائد والمحن.
قال السيوطي: قول خمسين صلاة غلط، فلم يفرض على بني إسرائيل خمسون صلاة قط، بل ولا خمس صلوات، ولم تجتمع الخمس إلا لهذه الأمة، وإنما فرض على بني إسرائيل صلاتان فقط؛ كما في الحديث.
وقال شيخ الإسلام: نسب التكليف بها إلى بني إسرائيل لم يفرض عليهم خمسون، بل ولا خمس صلوات، مع أن من حفظ حجة على من لم يحفظ؛ كذا قال وفيه ما لا يخفى، فكون المراد من بني إسرائيل اليهود، لا يدفع الرد بأن الخمسين لم تفرض عليهم، فليس ملحظ الرد إبهامه أنها فرضت على جميع بني إسرائيل، مع أنها إنما فرضت على اليهود منهم، فيجاب، بأنهم المراد من بني إسرائيل، وكون من حفظ حجة لا يجدي هنا؛ لأن النافي صحبه دليل نفيه، وهو قوله: كما في الحديث، يشير إلى ما في حديث المعراج في مراجعة موسى لنبينا، وفيه ما لفظه: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان، فما قاموا بهما، أخرجه النسائي من حديث أنس.
"وعن كعب: أعطى الله هذه الأمة ثلاثًا" لفظه ثلاث خصال، "لم يعطهن إلا الأنبياء، كان النبي يقال له: بلغ، ولا حرج، وأنت شهيد على أمتك، وادع أجبك، "جعلهم شهداء على الناس" يوم القيامة، بأن رسلهم بلغتهم، "وما جعل عليهم في الدين من حرج" بل سهله، وقال ﷺ : "خير دينكم أيسره"، أي: ما لا مشقة فيه ولا إصر، لكن بعضه أيسر من بعض، فأمر بعدم التعمق فيه، فإنه لن يغالبه أحد إلا غلبه، وجاءت الأنبياء السابقة بتكاليف، وآصار بعضها أغلظ من بعض، "وقال: ادعوني" اسألوني "أستجب لكم" دعاءكم، وقيل: المعنى اعبدوني أثبكم بقرينة، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية، وأجاب من فسر الدعاء بالسؤال، بأن الاستكبار الصارف عنه منزل منزلته للمبالغة، أو المراد بالعبادة الدعاء؛ لأنه من أبوابها.
أخرج الفريابي عن كعب: أعطيت هذه الأمة ثلاث خصال لم يعطهن الأنبياء، كان النبي يقال له: بلغ ولا حرج، وأنت شهيد على أمتك، وادع أجبك، وقال لهذه الأمة: ﴿مَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ، ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الآية، فاقتصر المصنف على حاجته منه.
"ومنها: إن الله تعالى رفع عنهم المؤاخذة بالخطأ" أي: إثمه لا حكمه، إذ حكمه منстр. 3573
والنسيان، وما استكرهوا عليه، وحديث النفس، وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا مما أمروا أو أخطئوا في شيء عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب على حسب ذلك الذنب.
وقد قال ﷺ : "إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه".
الحواشي
(١) الضمان لا يرتفع، أو عن حكمه على القول الثاني أو عنهما، قيل: وهو أقرب لعموم التناول وعدم المرجح، ولا ينافيه ضمان المال والدية، ونحوهما لخروجه بدليل منفصل، "والنسيان" بالكسر ضد الذكر والحفظ، ويطلق على الترك، وليس بمراد هنا، "وما استكرهوا عليه" أي: حملوا على فعله قهرًا، وخص بغير الزنا، وقتل المسلم وقطعه، فلا يبيح ذلك الإكراه، "وحديث النفس" رفع عن هذه الأمة المؤاخذة به، أي: ما يقع في قلوبهم من القبائح ظهرًا؛ لقوله ﷺ : "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل"، رواه الشيخان.
روى أحمد، ومسلم، وغيرهما، عن أبي هريرة قال: لما نزلت ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، اشتد ذلك على الصحابة، فأتوا رسول الله ﷺ ، فجثوا على الركب، وقالوا: قد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها، فقال: "أتريدون أن تقولوا، كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا، بل قولوا سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير" فلما اقترأها القوم، وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ الآية، فلما فعلوا ذلك نسخها الله، فأنزل ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ الآية، إلى آخرها.
وروى مسلم وغيره عن ابن عباس نحوه، وعند الفريابي عن محمد بن كعب، قال: ما بعث من نبي، ولا أرسل من رسول، أنزل عليه الكتاب إلا أنزل عليه هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، فكانت الأمم تأتي على أنبيائهم ورسلهم ويقولون: نؤاخذ بما تحدث به أنفسنا، ولم تعمل جوارحنا، فيكفرون ويضلون، فلما نزلت على النبي ﷺ اشتد على المسلمين ما اشتد على الأمم قبلهم، فقالوا: أنؤاخذ بما تحدث به أنفسنا ولم تعمل جوارحنا، قال: "نعم، فاسمعوا وأطيعوا" فذلك قوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: ٢٨٥] الآية، فرفع الله عنهم حديث النفس إلا ما عملت الجوارح، "وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا مما أمروا به أو أخطئوا في شيء، عجلت لهم العقوبة، فحرم عليهم شيء من مطعم أو مشرب" عقوبة من الله لهم "على حسب ذلك الذنب" من كبر وصغر، "وقد قال ﷺ : "إن الله وضع"، وفي رواية: رفع "عن أمتي" أمة الإجابة، فقوله: أمتي دليل على أن ذلك كان على من قبلهم "الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه" حديث جليل، قال بعض العلماء: ينبغي أنстр. 3574
رواه أحمد وابن حبان والحاكم وابن ماجه.
ومنها أن الإسلام وصف خاص بهم، لا يشركهم فيه غيرهم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لقوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ [الحج: ٧٨] ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] إذ لو لم يكن خاصًا بهم لم يكن في الامتنان عليهم بذلك فائدة.
الحواشي
(١) يعد نصف الإسلام؛ لأن الفعل إما عن قصد واختيار أولا، الثاني: ما يقع عن خطأ، أو نسيان، أو إكراه, وهذا القسم معفو عنه اتفاقًا، وإنما اختلف هل المعفو عنه الإثم أو الحكم، أو هما معًا؟ وهو ظاهر الحديث وما خرج عنه، كضمان الدم الخطأ وإتلاف المال خطأ ونحوهما، فبدليل منفصل، وفيه: "إن طلاق المكره لا يقع"، "رواه أحمد، وابن حبان، والحاكم، وابن ماجه" والطبراني، والدارقطني، بأسانيد جيدة، وفي بعضها كلام لا يضر، كما بينه النور الهيثمي، وتليمذه الحافظ، وحسنه النووي في الروضة، وأخرجه الطبراني عن ثوبان، بلفظ: "رفع عن أمتي" ... إلخ، وخفي على الكمال بن الهمام، فقال: هذا الحديث يذكره الفقهاء بهذا اللفظ، ولا يوجد شيء من كتب الحديث، كذا قال والكمال لله.
قال البيضاوي: ومفهوم الخبر أن الخطأ والنسيان كان مؤاخذًا بهما أولًا، أي: في الأمم السابقة ولا يمتنع ذلك عقلًا، فإن الذنوب كالسموم، فكما أن تناولها يؤدي إلى الهلاك، وإن كان خطأ، فتعاطي الذنوب لا يبعد أن يفضي إلى العقاب، وإن لم يكن عزيمة؛ لكنه تعالى وعدنا التجاوز عنه رحمة وفضلا، ومن ثم أمر الإنسان بالدعاء، استدامة واعتدادًا بالنعمة.
"ومنها: أن الإسلام وصف خاص بهم، ولا يشركهم فيه غيرهم إلا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام" كما ذهب إليه جمع من العلماء، فشرفت هذه الأمة بأن وصفت بالوصف الذي كان يوصف به الأنبياء، تكريمًا لها؛ "لقوله تعالى": ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية في أم الكتاب، وهو اللوح المحفوظ، وفي التوراة والإنجيل وسائر كتبه على أن ضمير هو عائد لله؛ كما قاله جمع من المفسرين، كابن عباس ومجاهد عند ابن المنذر، وعلى بن زيد عند ابن أبي حاتم، وكذا روى عن قتادة وابن عيينة ومقاتل، قالوا: ﴿وَفِي هَذَا﴾ ، يعني القرآن، وأيد بأنه قرئ "الله سماكم المسلمين" الآية، فلو لو يكن ذلك خاصًا به، كالذي ذكر قبله لم يكن لتخصيصه بالذكر، ولا لاقترانه بما قبله معنى، وهذا ما فهمه السلف من الآية، ولقوله تعالى: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] الآية، فإنه ظاهر في الاختصاص، "إذ لو لم يكن خاصا بهم لم يكن في الامتنان عليهم بذلك فائدة" لأنه لوстр. 3575
وقد يجاب: بأن رضي الإسلام دينًا لهم، وتسميه إبراهيم إياها بذلك، لا ينفي اتصاف غيرهم بذلك. وفائدة ذلك: الإعلام بالإنعام عليهم بما أنعم به على غيرهم من الفضائل.
وقيل: لا يختص بهم، بل يطلق على غيرهم أيضًا، وهو اسم لكل دين حق لغة وشرعًا. كما أجاب به ابن الصلاح لقوله تعالى: حكاية عن وصية يعقوب ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦] .
الحواشي
(١) رضيه لغيرهم ما حسن الامتنان به عليهم ولا تقديم لكم، "وقد يجاب بأن رضا الإسلام دينًا لهم" في هذه الآية، "وتسمية إبراهيم إياها بذلك" في الآية التي ساقها قبلها؛ بناء على أن الضمير لإبراهيم؛ لأنه أقرب مذكور، كما قاله جماعة، كابن زيد في أحد قوليه، قال: وهو إبراهيم ألا ترى إلى قوله: ﴿مِنْ ذُرِّيَّتِنَا﴾ الآية، ﴿أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ ، "لا ينفي اتصاف غيرهم بذلك" الوصف، "وفائدة ذلك" أي: الامتنان على هذه الأمة مع الاشتراك "الإعلام بالإنعام عليم بما أنعم به على غيرهم من الفضائل" ودفع السيوطي هذا الجواب بأنه جهل بقواعد المعاني؛ فإن تقديم "لكم" يستلزمه؛ كما قال صاحب الكشاف في قوله تعالى: ﴿وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾ الآية، أن تقديم "هم" تعريض بأهل الكتاب؛ وأنهم لا يوقنون بالآخرة، وكما قال الأصفهاني في قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ الآية، أن تقديم "هم" يفيد أن غيرهم يخرجون منها، وهم الموحدون.
"وقيل: لا يختص بهم، بل يطلق على غيرهم أيضًا، وهو اسم لكل دين حق لغة وشرعًا، كما أجاب به ابن الصلاح؛ لقوله تعالى حكاية عن وصية يعقوب" ﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ الآية.
قال السيوطي: هذا من قول إبراهيم ويعقوب لبنيهما، وفي بني كل الأنبياء، فلا يحسن الاستدلال به على غيرهم، مع أنه لا يلزم منه طرده في أمة موسى وعيسى، لما علم أن ملة إبراهيم تسمى الإسلام، وبها بعث النبي ﷺ ، وكان أولاد إبراهيم ويعقوب، عليها فصح أن يخاطبوا بذلك، ولا يتعدى إلى من ملته اليهودية والنصرانية، قال: وأما قوله تعالى حكاية عن أولاد يعقوب: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ الآية، فجوابه أن ذلك إما على سبيل التبعية له إن لم يكونوا أنبياء، مع أن فيهم يوسف وهو نبي قطعًا، فلعله هو الذي تولى الجواب، وأخبر عن نفسه بالإصابة، وأدرج أخوته معه تغليبًا، وإن كانوا أنبياء كلهم، فلا إشكال من أدلة العموم قوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ وأجاب عنه السيوطي بما حققه صاحب القول الراجح:стр. 3576
إلى غير ذلك. ولأن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب كثير من العلماء، وليس خاصًا بهذه الأمة، بل يوصف به كل من دخل في شريعة مقرًا بالله وبأنبيائه.
الحواشي
(١) أن هذا الوصف يطلق على الأنبياء والبيت المذكور بيت لوط، ولم يكن فيه مسلم إلا هو وبناته، وهو نبي فصح إطلاقه عليه بالأصالة، وعلى بناته بالتغليب أو على التبعية، إذ لا مانع أن تختص أولاد الأنبياء بخصائص لا يشاركهم فيها بقية الأمة، كما اختصت فاطمة؛ بأنه لا يتزوج عليها وأخوها إبراهيم بأنه لو عاش لكان نبيًا، وذكر أمورًا استظهارًا على ذا الجواب "إلى غير ذلك" كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ الآية، وأجاب السيوطي بحمله على التغليب؛ لأنه خاطبهم وفيهم هارون ويوشع، وهما نبيان، فأدرج بقية القوم في الوصف تغليبًا، أو يحمل على أالمراد: إن كنتم متقادين لي فيما آمركم به، قال: والتحقيق الذي قامت عليه الأدلة ما رجحناه من الخصوصية بالنسبة إلى الأمم، وأن كل ما ورد من إطلاق ذلك فيمن تقدم فإنما أطلق على نبي، أو ولده تبعًا، أو جماعة فيهم نبي غلب لشرفه، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آَمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾ الآية، فإن الحواريين فيهم أنبياء منهم الثلاثة المذكورون في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ، إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ الآية، نص العلماء على أنهم من حواري عيسى، وأحد قولي العلماء، أن الثلاثة أنبياء، ويرشحه ذكر الوحي إليهم؛ "ولأن الإيمان" لكونه التصديق القلبي "أخص من الإسلام" لأنه الانقياد للأحكام المأمور بها، فإن صحبه تصديق قلبي فمسلم فقط تجري عليه أحكام الدنيا، ولا ينفعه ذلك عند الله، "كما هو مذهب كثير من العلماء، وليس خاصًا بهذه الأمة بل يوصف به" أي: بالإيمان "كل من دخل في شريعة مقرًا بالله تعالى وبأنبيائه كما قاله الراغب" فقياس الوصف بالأخص الوصف بالأعم، وجوابه أنه قياس في معرض النصوص الظاهرة بخلافه، فلا يعتبر. وقد حكى السيوطي القولين في تأليف سماه إتمام النعمة، ورجح القول بالاختصاص، وذكر له ثلاثة وعشرين دليلا، منها ما رواه ابن راهويه، وابن أبي شيبة عن مكحول: كان لعمر على رجل حق، فأتاه يطلبه، فقال عمر: لا والذي اصطفى محمدًا على البشر، لا أفارقك، فقال اليهودي: والله ما اصطفاه، فلطمه عمر، فأتى النبي فأخبره، فقال ﷺ : "بل يا يهودي آدم صفي الله, وإبراهيم خليل الله، وموسى نجي الله، وعيسى روح الله، وأنا حبيب الله، بل يا يهودي تسمى الله باسمين سمى بهما أمتي هو السلام، وسمى أمتي المسلمين، وهو المؤمن, وسمي أمتي المؤمنين" الحديث، وهو صريح في اختصاصنا بوصف الإسلام، وإلا لم يحسن إيراده في معرض التفضيل، إذ كان اليهودي يقول: ونحن وسائر الأمم كذلك.стр. 3577
كما قال الراغب.
الحواشي
(١) وأخرج البخاري في تاريخه، والنسائي، وابن مردويه، عن الحارث الأشعري، عن النبي ﷺ : "من دعا بدعوى الجاهلية، فإنه من جثا جهنم" قال رجل: وإن صام وصلى، قال: "نعم، فادعوا الله بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين والمؤمنين عباد الله". ولابن جرير عن قتادة: ذكر لنا أنه يمثل لأهل كل دين دينهم يوم القيامة، فأما الإيمان فيبشر أصحابه وأهله, ويعدهم الخير حتى يجيء الإسلام، فيقول: يا رب أنت السلام وأنا الإسلام، فصريحه اختصاص الإسلام بنا لفرقه بينه وبين الإيمان المتعلق بأهل الأديان، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ الآية، دليل على الخصوص، وإلا لقال: الكتابيون نحن مسلمون وديننا الإسلام، وذكر في آخره قول السبكي: القصد من تكثير الأدلة أن الآية الواحدة والآيتين قد يمكن تأويلها، ويتطرق لها الاحتمال، فإن كثرت قد تترقى إلى حد يقطع بإرادتها ظاهرًا، ونفي الاحتمال والتأويل، قال: ولذا ذكرت ثلاثة وعشرين دليلا؛ لأن كلا على انفراده يمكن تأويله، وتطرق الاحتمال، فلما كثرت غلب على الظن إرادة ظاهرها، ونفي الاحتمال والتأويل، وعبرت بغلب على الظن دون القطع، لأجل ما عارضها من الآيات التي استدل بها للقول الآخر.
ومنها: قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ، وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ الآية، والجواب أن مسلمين اسم فاعل مراد به الاستقبال على حقيقته، وهو الأصل لا الحال ولا الماضي الذي هو مجاز، والتقدير: إنا كنا من قبل مجيئه عازمين على الإسلام به إذا جاء لما كنا نجده في كتبنا، ويرشحه أن السياق يرشد إلى أن قصدهم الإخبار بحقية القرآن، وإنهم كانوا على قصد الأسلام به إذا جاء به ﷺ لما عندهم من صفاته وقرب زمانه، وليس قصدهم الثناء على أنفسهم، بأنهم كانوا بصفة الإسلام؛ لأنه ينبو عنه المقام أو يقدر في الآية: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ الآية، توصف الإسلام سببه القرآن لا التوراة والإنجيل ويرشحه ذكر الصلة في قوله: ﴿قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، فدل على أنها مراده في الثانية، وحذفت كراهة لتكرارها مرتين في آية واحدة لذكرها في قوله: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ الآية، أو وصفهم به من أول أمرهم اعتبارًا بما ختم لهم من الدخول في الإسلام؛ كقول الأشعري: من كتب الله أن يموت مؤمنًا، فيسمى عند الله مؤمنًا، ولو في حالة كفر سبقت منه، وكذا عكسه فإذا وصف الكافر حال كفره بالإيمان للخاتمة، فلأن يوصف بالإسلام من كان على دين حق لما قدر له من دخوله فيه من باب أولى، انتهى.
هذا ومن خصوصيات الإسلام، أنه يجب ما قبله، أي: يقطع، روى ابن سعد والطبراني،стр. 3578
ومنها أن شريعتهم أكمل من جميع الشرائع المتقدمة، وهذا مما لا يحتاج إلى بيانه لوضوحه. وانظر إلى شريعة موسى ﵇, فقد كانت شريعة جلال وقهر، أمروا بقتل نفوسهم في التوبة، وحرمت عليهم الشحوم، وذوات الظفر وغيرها من الطيبات، وحرمت عليهم الغنائم وعجل لهم في العقوبات ما عجل، وحملوا من الآصار والأغلال.
الحواشي
(١) عن الزبير وجبير بن مطعم، مرفوعًا: "الإسلام يجب ما كان قبله" وفي رواية: يهدم، أي: من كفر وعصيان، وما يترتب عليهما من حقوق الله، أما حقوق عباده، فلا تسقط إجماعًا، ولو كان المسلم ذميًا والحق ماليًا، وظاهره أساء بعده أو أحسن، وأما خبر: "من أحسن في الإسلام لم يؤخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر". رواه الشيخان، فوارد على نهج التحذير.
وروى مسلم عن عمرو بن العاصي، قلت: يا رسول الله تبايعني على أن تغفر لي، فقال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحج يهدم ما كان قبله". ففيه أن كل واحد بمفرده يكفر ما قبله.
قال ابن تيمية: واختص صحبه ﷺ باسم الأنصار والمهاجرين، فهما اسمان شرعيان جاء بهما الكتاب والسنة، وسماهما الله بهما، كما سماهم بالمسلمين.
"ومنها: أن شريعتهم أكمل من جميع الشرائع المتقدمة" لا زيادة تشديد فيها، فيصعب القيام بها، ولا زيادة تخفيف، بل على غاية الاعتدال وخير الأمور أوسطها، "وهذا مما لا يحتاج إلى بيانه لوضوحه" لأنك إذا تدبرت في أي حكم منها وجدته معتدلا، واستظهر على ذلك بقوله: "وانظر إلى شريعة موسى ﵇، فقد كانت شريعة جلال، وقهر أمروا بقتل نفوسهم في التوبة" وقد امتن الله علينا بعدم ذلك، وذكرنا بهذه النعمة في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ الآية، أي: إنه رحمنا فلم يكتب علينا ذلك، كما كتبه على بني إسرائيل، "وحرمت عليهم الشحوم" وهي الثروب وشحم الكلى من البقر والغنم، إلا ما حملت على ظهورهما ... إلخ، "وذوات الظفر" وهو ما لم تفرق أصابعه كالإبل والنعام والطيور، "وغيرها من الطيبات" بعد حلها؛ كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ ، أي: الإبل لما حصل له عرق النسا، بالفتح والقصر، فنذر إن شقي لا يأكلها، فحرم عليه، "وحرمت عليهم الغنائم" وعلى غيرهم سوانا، فجعلت لنا من أحل أموالنا، "وعجل لهم من العقوبات ما عجل" من عذاب وغيره، كعقابهم بتحريم ما كان لهم حلالا، "وحملوا من الآصار والأغلال" عطف تفسير، أي: التكاليف الشاقة، "ما لم يحملهстр. 3579
ما لم يحمله غيرهم.
وكان موسى ﵇ من أعظم خلق الله هيبة ووقارًا وأشدهم بأسًا وغضبًا لله، وبطشًا بأعداء الله، فكان لا يستطاع النظر إليه.
وعيسى ﵇ كان في مظهر الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان، وكان لا يقاتل ولا يحاب، وليس في شريعته قتال ألبتة، والنصارى يحرم عليهم في دينهم القتال، وهم به عصاة، فإن الإنجيل يأمر فيه: من لطمك على خدك الأيمن فأدر له خدك الأيسر، ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك، ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين، ونحو هذا، وليس في شريعتهم مشقة ولا آصار ولا أغلال.
الحواشي
(١) غيرهم" بسبب ظلمهم، "وكان موسى ﵇ من أعظم خلق الله هيبة ووقارًا" كسحاب رزانة، "وأشدهم بأسًا" شدة، "وغضبًا لله وبطشًا بأعداء الله، فكان لا يستطاع النظر إليه" لذلك، ونبينا ﷺ : وإن كان أعظم في كل ذلك منه، لكنه كان يعامل أمته بالرفق واللين، فيقدمون عليه ويكلمونه، "وعيسى ﵇ كان في مظهر" أي: محل ظهور "الجمال، وكانت شريعته شريعة فضل وإحسان" لا من كل وجه، بل فيها بعض تشديد، لكنها تخفيف بالنسبة لشريعة موسى؛ لقوله "وكان لا يقاتل ولا يحارب، وليس في شريعته قتال البتة، والنصارى يحرم عليهم في دينهم القتال وهم به عصاة" لحرمته عليهم، "فإن الإنجيل" كتابهم، "يأمر فيه" بقوله: "من لطمك" ضربك بكفه، مفتوحة، ويكون على الخد وعلى غيره من الجسد، ولذا قال: "على خدك الأيمن، فأدر له خدك الأيسر" إشارة إلى عدم الانتقام، "ومن نازعك ثوبك فأعطه رداءك، ومن سخرك ميلا فامش معه ميلين، ونحو هذا" مما كله كناية عن المساهلة مع الناس في الأخذ والعطاء والمعاشرة؛ كما يدل عليه سوقه في مقام تخفيف شرع عيسى، لا الأمر بشيء مما ذكر حقيقة، "وليس في شريعتهم مشقة، ولا آصار، ولا أغلال" تفسيري؛ كما في شرع موسى، فلا يخالف قول ابن الجوزي: بدء الشرائع كان على التخفيف، ولا يعرف في شرع صالح ونوح وإبراهيم تثقيل، ثم جاء موسى بالتشديد والأثقال، وجاء عيسى بنحوه، وجاءت شريعة نبينا بنسخ تشديد أهل اكتاب، ولا يطلق على تسهيل من كان قبلهم، فهي على غاية الاعتدال، فقوله: وجاء عيسى بنحوه ظاهر في خلاف كلام المصنف، لكن يمكن تأويله، بأنه تشديد نسبي، وإن كان بعيدًا يأباه لفظ الإنجيل المذكور، فإن ظاهره أن لا تشديد فيها البتة، فلعل أصل العبارة: وجاء عيسى بضده فتحرفت بنحوه.стр. 3580
وأما النصارى فابتدعوا تلك الرهبانية من قبل أنفسهم ولا تكتب عليهم.
وأما نبينا ﷺ فكان مظهر الكمال، الجامع لتلك القوة والعدل والشدة في الله، واللين والرأفة والرحمة فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك تأتي شريعته ﷺ بالعدل إيجابًا له وفرضًا، وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا، وبالشدة في موضع الشدة، وباللين في موضع اللين، ووضع السيف موضعه، ووضع الندى موضعه، فيذكر الظلم ويحرمه، والعدل ويأمر به، والفضل ويندب إليه في بعض آية، كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] الآية، فهذا عدل.
الحواشي
(١) "وأما النصارى، فابتدعوا تلك الرهبانية" وهي رفض النساء واتخاذ الصوامع "من قبل أنفسهم، ولا تكتب عليهم" أي: لم يؤمروا بها؛ كما قال تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ﴾ الآية، وهو منقطع، أي: لكن فعلوها ابتغاء ... إلخ، وقد قال ﷺ : "لا خزم، ولا زمام، ولا سياحة، ولا تبتل، ولا ترهب في الإسلام" رواه عبد الرزاق، وقال ﷺ : "عليكم بالجهاد فإنه رهبانية الإسلام"، رواه أحمد وقال ﵊: "تزوجوا فأني مكاثر بكم الأمم، ولا تكونوا كرهبانية النصارى"، رواه البيهقي.
"وأما نبينا ﷺ ، فكان مظهر" بفتح الميم محل ظهور، "الكمال الجامع لتلك القوة، والعدل والشدة في الله، واللين والرأفة، والرحمة، فشريعته أكمل الشرائع، وأمته أكمل الأمم، وأحوالهم ومقاماتهم أكمل الأحوال والمقامات، ولذلك" المذكور من كونه مظهر ... إلخ، "تأتي" بمعنى أتت "شريعته بالعدل"، أي: الحكم المشمل عليه وهو القصد، أي: التوسط في الأمور، ثم تنوع ذلك الحكم إلى واجب وغيره؛ كما قال "إيجابًا له" أي: للعدل بمعنى الحكم، كما علم، "وفرضًا" مساوٍ "وبالفضل ندبًا إليه واستحبابًا" لا فرضًا وإيجابًا كالعفو عن الجاني، "وبالشدة في موضع الشدة" كقتال الكفار ونحوهم، "وباللين في موضع اللين" كالعفو عن الأسارى، "ووضع السيف موضعه، ووضع الندى" أي الخير "موضعه" أي: المحل اللائق به شرعًا، "فيذكر الظلم ويحرمه والعدل ويأمر به، والفضل ويندب" أي: يدعو "إليه في بعض آية؛ كقوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ ، سميت الثانية بذلك لمشابهتها للأولى صورة، وإن كانت عدلا لوقوعها جزءًا، والسيئة هي الفعلة القبيحة.
قال الجلال: وهذا ظاهر فيما يقتص منه من الجراحات، قال بعضهم: وإذا قال له: أخزاك الله، فيقول له: أخزاك الله، "فهذا عدل" ولذا قال ﷺ لهبار بن الأسود: "سب من سبك"، لماстр. 3581
﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ، فهذا فضل ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ [الشورى: ٤٠] ، فهذا تحريم للظلم.
وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ، فهذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦] ندب إلى الفضل.
وكذلك تحريم ما حرم على هذه الأمة صيانة وحمية لهم، حرم عليهم كل خبيث وضار، وأباح لهم كل طيب ونافع، فتحريمه عليهم رحمة، وعلى من كان قبلهم لم يخل من عقوبة، كما أشرت إليه قريبًا.
وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم كيوم الجمعة، كما سأذكره إن شاء الله تعالى في.
الحواشي
(١) كانوا يسبونه بعد إسلامه بما كان منه قبله، فكفوا عنه، ﴿فَمَنْ عَفَا﴾ عن ظلمه ﴿وَأَصْلَحَ﴾ الود بينه وبينه بالعفو عنه، ﴿فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ أي: إن الله يأجره لا محالة، "فهذا فضل.
وقد قال ﷺ : "من عفا عند القدرة عفا الله عنه يوم العسرة"، رواه الطبراني، وقال: "من عفا عن دم لم يكن له ثواب إلا الجنة". رواه الخطيب.
وقال ﵇: "من عفا عن قاتله دخل الجنة"، رواه ابن منده، أي: مع السابقين، أو بلا سبق عذاب أو هو إعلام بوفاته على الإسلام وإلا من سوء الخاتمة ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ أي: البادين بالظلم فيرتب عليه عقابهم، "فهذا تحريم للظلم" وفي الحديث القدسي: "يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا". "وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ ، هذا إيجاب للعدل وتحريم للظلم" وهو العقاب بغير مثل ما عوقبوا به، ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾ عن العقاب، ﴿لَهُوَ﴾ أي الصبر ﴿خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ ندب على الفضل دون إيجابه فترتاح النفوس، بذكره وتسمح به، "وكذلك تحريم ما حرم الله على هذه الأمة صيانة وحمية لهم" عما يضرهم كالميتة والدم المسفوح، "حرم عليهم كل خبيث" كما قال ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ ، "وضار" كالخنزير، "وأحل لهم كل طيب" أي: مستلذ لا ضر فيه؛ كما قال: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ ، "ونافع" للبدن والعقل، "فتحريمه عليهم رحمة وعلى من كان قبلهم لم يخل من عقوبة؛ كما أشرت إليه قريبًا" في قوله: "وقد كان بنو إسرائيل إذا نسوا شيئًا مما أمروا به وأخطئوا عجلت لهم العقوبة"، فحرم عليه شيء من مطعم أو مشرب، "وهداهم لما ضلت عنه الأمم قبلهم؛ كيوم الجمعة كما سأذكره إن شاء الله تعالى فيстр. 3582
مقصد عباداته ﵇، وتقدم ما يشهد له.
ووهب لهم من علمه وحلمه، وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم، كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله، كما كمل في كتابهم من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله، وكذلك في شريعته.
فهذه الأمة هم المجتبون، كما قال إلههم: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨] ، وجعلهم شهداء على الناس، فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم، أشار إليه ابن القيم.
ومنها: أنهم لا يجتمعون على ضلالة. رواه أحمد في مسنده، والطبراني في الكبير، وابن أبي خيثمة في تاريخه عن أبي بصرة.
الحواشي
(١) مقصد عباداته ﵇ وتقدم ما يشهد له" قريبًا، "ووهب لهم من علمه وحلمه" كمالات كثيرة لم تحصل لغيرهم، "وجعلهم خير أمة أخرجت للناس، وكمل لهم من المحاسن ما فرقه في الأمم" فجمعوا محاسن كل أمة، "كما كمل لنبيهم من المحاسن ما فرقه في الأنبياء قبله" وزاده عليهم "وكما كمل في كتابهم من المحاسن ما فرقه في الكتب قبله، وكذلك في شريعته فهذه الأمة هم المجتبون" أي: الذين اختارهم الله لدينه ولنصره؛ "كما قال إلههم" جل وعلا: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ، أي: ضيق "وجعلهم شهداء على الناس, فأقامهم في ذلك مقام الرسل الشاهدين على أممهم أشار إليه ابن القيم"، وذكر ابن عبد السلام أنهم نزلوا منزلة العدول من الحكام فيشهدون على الناس أن رسلهم بلغتهم ما جاءوا به عن الله، قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ ، قال: وهذه خصيصية لم تثبت لغيرهم.
"ومنها: أنهم لا يجتمعون على ضلالة" أي: محرم، باعتقاد خلاف لواقع، فيشمل كل حكم اعتقد فيه خلاف ما هو عليه في نفس الأمر، فلا يجتمعون على نفي مكروه، لا ندب مندوب، ولا إباحة مباح، بل متى اجتمعوا على حكم، كان عند الله كذلك؛ كما أفاده كلام الشيخ ولي الدين، ويأتي، ولكن قيدوا الأمة هنا بالعلماء، لأن العامة عنها تأخذ دينها، وإليها يفزع في النوائب، فاقتضت الحكمة حفظها، "رواه أحمد في مسنده والطبراني" سليمان بن أحمد بن أيوب "في" معجمه "الكبير، وابن أبي خيثمة" أحمد بن زهير بن حرب البغدادي "في تاريخه" وهو كبير، قال في محمد بن سلام الجمحي: لا أعرف أغزر من فوائده، "عن أبي بصرة" بفتح الموحدة، وإسكان الصاد المهملة، واسمه حميل، بضم الحاء المهملة، ولام آخره،стр. 3583
الغفاري مرفوعًا في حديث: "سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة فأعطانيها". ورواه ابن أبي عاصم والطبراني أيضًا من حديث أبي مالك الأشعري رفعه: "إن الله أجاركم من ثلاث، -وذكر منها- وأن لا تجتمعوا على ضلالة".
الحواشي
(١) وقيل: بفتح أوله، وقيل: بالجيم ابن بصرة، بفتح الموحدة، ابن وقاص بن حبيب بن غفار، وقيل: ابن حاجب بن غفار "الغفاري" روى عن النبي ﷺ وعنه أبو هريرة، وجماعة، وهو وأبوه وجده صحابة، قال ابن يونس: شهد فتح مصر واختط بها، ومات بها، ودفن في مقبرتها، وقال أبو عمر: كان يسكن الحجاز، ثم تحول إلى مصر، ويقال: إن عزة صاحبة كثير من ذريته، وأنكر ذلك ابن الأثير، "مرفوعًا في حديث: "سألت ربي أن لا تجتمع أمتي" أي: أمة الإجابة "على ضلالة، فأعطانيها" أي: هذه الخصلة، "ورواه ابن أبي عاصم" الحافظ الكبير، الإمام أبو بكر أحمد بن عمرو بن النبيل، أبي عاصم الشيباني الزاهد، قاضي أصبهان، له الرحلة الواسعة والتصانيف النافعة.
قال ابن أبي حاتم: ذهبت كتبه بالبصرة في فتنة الزنج فأعاد من حفظه خمسين ألف حديث.
وقال ابن الأعرابي: كان من حفاظ الحديث والفقه، ظاهري المذهب، مات في ربيع الآخر سنة سبع وثمانين ومائتين، "والطبراني أيضًا" وغيرهما، كلهم "من حديث أبي مالك الأشعري".
قال الحافظ في تخريج أحاديث المختصر: اختلف في أبي مالك راوي هذا الحديث؛ فإن في الصحب ثلاثة، يقال لكل منهم أبو مالك الأشعري، أحدهم راوي حديث المعازف، مشهور بكنيته، وفي اسمه خلف الثاني الحارث بن الحارث، مشهور باسمه أكثر الثالث كعب بن عاصم، مشهور دون كنيته، حتى قال المزي في ترجمته: لا يعرف له كنية، وتعقب بأن اليخين والنسائي كنوه، وذكر المزي هذا الحديث في ترجمة الثاني، ووضح لي أنه الثالث؛ لأن ابن أبي عاصم لما خرج الحديث المذكور، قال في سابق سنده، عن كعب بن عاصم الأشعري، فدل على أنه هو إلا أن يكون ابن أبي عاصم تصرف في التسمية بظنه وهو بعيد. "إن الله تعالى أجاركم" حماكم ومنعكم، وأنقذكم "من ثلاث" خلال: أن لا يدعو عليكم نبيكم فتهلكوا جميعًا، وأن لا يظهر أهل الباطل على أهل الحق، هذا ما أشار إلى حذفه، بقوله: "وذكر منها" تلو هذا ما لفظه: "وأن لا تجتمعوا على ضلالة".
قال الطيبي: حرف النفي في القرآن زائد؛ كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ لَا تَسْجُدَ﴾ الآية، وفائدته معنى الفعل وتحقيقه، وذلك أن الإجارة إنما تستقيم إذا كانت الخلال مثبتة لا منفية.стр. 3584
قال شيخنا: وبالجملة، فهو حديث مشهور المتن، وأسانيده كثيرة وله شواهد متعددة في المرفوع وغيره.
ومنها: إن إجماعهم حجة.
الحواشي
(١) "قال شيخنا" يعني السخاوي في المقاصد: "وبالجملة، فهو حديث مشهور المتن" أي: لفظ الحديث، وإنما قال السخاوي هذا القول شيخه الحافظ في إسناده انقطاع، وله طرق لا يخلو واحد منها من مقال، لكنه قال في موضع آخر: إسناده حسن؛ لأنه من رواية أبي بكر بن عياش عن الشاميين، وهي مقبولة.
قال: وله شاهد عند أحمد، رجاله ثقات، لكن فيه راوٍ لم يسم، "وأسانيده كثيرة" متعددة الطرق والمخارج، وذلك علامة القوة، فلا ينزل عن الحسن، فأخرجه أبو نعيم والحاكم، وأعله اللالكائي في السنة له، وابن منده، ومن طريقه الضياء في المختارة، عن ابن عمر رفعه: "أن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة أبدًا، وإن يد الله مع الجماعة، فاتبعوا السواد الأعظم، فإن من شذ شذ في النار"، وكذا أخرجه الترمذي، لكن بلفظ: "هذه الأمة"، أو قال: "أمتي"، ورواه ابن ماجه، والدارقطني وغيرهما، عن أنس مرفوعًا: "أن أمتي لا تجتمع على ضلالة، فإذا رأيتم اختلافًا فعليكم بالسواد الأعظم"، والحاكم عن ابن عباس، رفعه: "لا يجمع الله هذه الأمة على ضلالة، ويد الله مع الجماعة". وابن أبي عاصم وغيره، مرفوعا عن عقبة بن عمر الأنصاري، مرفوعًا في حديث: "عليكم بالجماعة، فإن الله لا يجمع هذه الأمة على ضلالة"، والطبري في تفسيره عن الحسن مرسلا بلفظ أبي بصرة، "وله شواهد متعددة في المرفوع" إلى النبي ﷺ ؛ كقوله: "أنتم شهداء الله في الأرض"، "و" في "غيره" أي: غير المرفوع، وهو الموقوف؛ كقول ابن مسعود: إذا سئل أحدكم، فلينظر في كتاب الله، فإن لم يجد، ففي سنة رسول الله، فإن لم يجد، فلينظر ما اجتمع عليه المسلمون وإلا فليجتهد، هذا، والاختلاف شامل لما كان في أمر الدين كالعقائد، أو الدنيا كالإمامة العظمى، ومعنى: "فعليكم بالسواد الأعظم". الزموا متابعة جماهير المسلمين الذين يجتمعون على طاعة السلطان وسلوك المنهج القويم، فهو الحق الواجب، والفرض الثابت الذي يحرم خلافه، فمن خالفه مات ميتة جاهلية.
"ومنها: أن إجماعهم حجة" قاطعة، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى الله ورسوله، إذ الواحد منهم غير معصوم، بل كل أحد يؤخذ من قوله، ويرد عليه إلا النبي ﷺ ؛ كما قال مالك.
قال الحافظ الولي العراقي: والمراد به الاتفاق، أي: الاشتراك في القول، أو الفعل، أو الاعتقاد، أو ما في معناها من السكوت عند من يقول به، ويتناول الأمور الشرعيات واللغويات بلاстр. 3585
وإن اختلافهم رحمة، وكان اختلاف من قبلهم عذابًا، روى البيهقي في المدخل في حديث من رواية سليمان بن أبي كريمة، عن جويبر عن الضحاك عن ابن عباس قال:
الحواشي
(١) نزاع، والعقليات والدنيويات على الراجح، "وأن اختلافهم" أي: الأمة، أي: مجتهديها في الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها "رحمة" أي: توسعة على الناس، ونعمة كبيرة، وفضيلة جسيمة بجعل المذاهب كشرائع متعددة، بعث ﷺ بكلها لئلا تضيق بهم الأمور، فالمذاهب التي استنبطها الصحابة فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوعها كشرائع متعددة له، وقد وعد بوقوع ذلك، فوقع، فهو من معجزاته.
أما الاجتهاد في العقائد فضلال، والحق ما عليه أهل السنة والجماعة، فإنما الحديث في الاختلاف في الأحكام؛ كما في تفسير البيضاوي، قال: فالنهي مخصوص بالتفرق في الأصول لا في الفروع.
قال السبكي: لا شك أن الاختلاف في الأصول ضلال، وسبب كل فساد؛ كما أشار إليه القرآن، قال: وما ذهب إليه جمع؛ أن المراد الاختلاف في الحرف والصنائع، فمردود بأنه كان المناسب أن يقال: اختلاف الناس إذ لا خصوصية للأمة، فإن كل الأمم مختلفون في الصنائع والحرف، فلابد من خصوصية، قال: وما ذكره إمام الحرمين، كالحليمي؛ أن المراد اختلافهم في المناصب والدرجات والمراتب، فلا ينساق الذهن من لفظ الاختلاف إليه، "وكان اختلاف من قبلهم عذابًا" ومن جملته أنه كان في شرع بني إسرائيل نسخ الحكم إذا رفعه الخصم إلى حاكم آخر يرى خلافه، كما في الخصائص بخلاف شرعنا فيرفع، فتصير المسألة، كالمجمع عليها، فليس لحاكم آخر نقضه، بل عليه تنفيذه، وإن كان يرى غيره أصوب على الأرجح، إلا أن يكون مما ينقض.
"روى البيهقي" وفي نسخة: رواه بالضمير، والأول أصوب؛ لأنه لم يروِ الترجمة إلا أن يكون المراد بمعناه، فقد ذكر السمهودي, وغيره أن اختلاف الصحابة في معنى اختلاف الأمة "في المدخل" إلى السنن الكبرى "في حديث من رواية سليمان بن أبي كريمة عن جويبر" تصغير جابر، ويقال اسمه: جابر وجويبر لقب ابن سعيد الأزدي، أبي القاسم، نزيل الكوفة، راوي التفسير، مات بعد الأربعين ومائة، "عن الضحاك" بن مزاحم الهلالي الخراساني، صدوق، مات بعد المائة، روى له الأربعة.
"عن ابن عباس، قال: قال رسول الله ﷺ ": "مهما أوتيتم من كتاب الله، فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله، فسنة مني ماضية، فإن لم تكن سنة مني،стр. 3586
"واختلاف أصحابي لكم رحمة".
الحواشي
(١) فما قال أصحابي، إن أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فأيما أخذتم به اهتديتم". "واختلاف أصحابي لكم رحمة" ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني، والديلمي بلفظه سواء، فاقتصر المصنف على حاجته منه، والأوجه أن المراد اختلافهم في الأحكام، ويؤيده ما رواه البيهقي في المدخل، عن عمر بن عبد العزيز: ما سرني لو أن أصحاب محمد لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة؛ وكذا قول يحيى بن سعيد الآتي: أهل العلم ... إلخ، وقول مالك لما سأله الرشيد الخروج معه إلى العراق، وأن يحمل الناس على الموطأ، كما حمل عثمان الناس على القرآن، أما حمل الناس على الموطأ فلا سبيل إليه؛ لأن الصحابة افترقوا في الأمصار، فعند كل أهل مصر علم صريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام، وما نقله ابن الصلاح عن مالك؛ أنه قال في اختلاف الصحابة: مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد، وليس كما قال ناس فيه توسعة، فإنما هو بالنسبة إلى المجتهد؛ لقوله "فعليك بالاجتهاد"، فالمجتهد مكلف بما أدى إليه اجتهاده، فلا توسعة عليه في اختلافهم، وإنما التوسعة على المقلد، فقوله: اختلاف أمتي وأصحابي رحمة للناس، أي: المقلدين.
وفي قول مالك: مخطئ ومصيب، رد على القائل إن المجتهد يقلد الصحابة دون غيرهم؛ كما أفاده السمهودي، ثم لا يرد على هذا كله نهي الله عن الاختلاف بقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ الآية، وبقوله: ﴿لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ الآية، لأن المنهي عنه الاختلاف على الرسل فيما جاءوا به.
قال ابن العربي وغيره: إنما ذم الله كثرة الاختلاف على الرسل كفاحًا بدليل خبر: "إنما أهلك الذين من قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم"، أما هذه الآية، فمعاذ الله أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين، لأنه أوعد الذين اختلفوا بعذاب عظيم، والمعترض موافق على أن اختلاف الأمة في الفروع، مغفور لمن أخطأ منهم، فتعين أن الآية فيمن اختلف على الأنبياء، فلا تعارض بينها وبين الحديث، وفيه رد على المتعصبين لبعض الأئمة على بعض، وقد عمت به البلوى.
قال الذهبي: وبين الأئمة اختلاف كثير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غلطات، وزلقات، ومفردات منكرة، وإنما أمرنا باتباع أكثرهم صوابًا، وتجزم بأن غرضهم ليس إلا اتباع الكتاب والسنة، وكل ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل، فإذا رأيت فقيهًا خالف هذين أورد حديثًا أو حرف معناه، فلا تبادر لتغليطه، وقد قال علي لمن قال له: أتظن أن طلحة والزبير كانا على باطل، يا هذا إنه ملبوس عليك أن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحق تعرف أهله، وما زال الاختلاف بين الأئمة في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكل على تعظيم البارئ وأنه ليسстр. 3587
وجويبر: ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس: منقطع.
وهو كما قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: حديث مشهور على الألسنة، وقد أورده ابن الحاجب في المختصر في مباحث القياس بلفظ: "اختلاف أمتي رحمة للناس". قال: وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمة أنه لا أصل له، لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطردًا، وقال: اعترض على هذا الحديث رجلان، أحدهما ماجن والآخر ملحد، وهما: إسحاق.
الحواشي
(١) كمثله شيء، وأن ما شرعه رسوله حق، وأن كتابهم واحد، ونبيهم واحد، وقبلتهم واحدة، وإنما وضعت المناظرة لكشف الحق، وإفادة العالم الأزكى العلم لمن دونه وتنبيه الأغفل الأضعف، فإن داخلها هو من الأكمل وانكسار من الأصغر فذاك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن الله، فما الظن بالنفوس الشريرة، انتهى.
"وجويبر ضعيف جدًا، والضحاك عن ابن عباس منقطع" لأنه لم يسمع منه، والضحاك كثير الإرسال، وقد عزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب العلم والحلم، بلفظ: "اختلاف أصحابي رحمة لأمتي"، قال: وهو مرسل ضعيف.
"وهو كما قال الحافظ شيخ الإسلام ابن حجر: حديث مشهور على الألسنة" لفظ المقاصد: قرأت بخط شيخنا، يعني الحافظ ابن حجر، أي حديث "واختلاف أصحابي لكم رحمة"، معنى حديث مشهور على الألسنة، وبهذا يتضح قوله: "وقد أورده ابن الحاجب في المختصر" الأصولي في مباحث القياس بلفظ: "اختلاف أمتي رحمة للناس" وإنما كان بمعناه؛ لأن اختلاف الصحابة في معنى اختلاف الأمة، كما أفصح به غيره، وكذا أورده نصر المقدسي في كتاب الحجة له، والبيهقي في الرسالة الأشعرية، ولم يذكرا له سندًا، ولا صحابيًا، وكذا إمام الحرمين والقاضي حسين.
قال السيوطي: ولعله خرج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إليها، "قال" الحافظ: "وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمة؛ أنه لا أصل له" بهذا اللفظ، "لكن ذكره الخطابي في غريب الحديث مستطردًا" مصدر ميمي، أي: استطرادًا لمناسبة.
"وقال: اعترض على هذا الحديث رجلان، أحدهما ماجن" بكسر الجيم: اسم فاعل من مجن مجونًا، طلب وغلظ، ومنه الماجن لمن لا يبالي قولا وفعلا كأنه صلب الوجه، "والآخر ملحد" طاعن في الدين، قال بعض الأئمة: وهم في زماننا الباطنية المدعون أن للقرآن ظاهرًا وباطنًا، وأنهم يعلمون الباطن، فأحالوا بذلك الشريعة، لأنهم تأولوا بما يخالف العربية التي نزل بها القرآن، وقال أبو عبيدة: ألحد إلحادًا، جادل ومارى، ذكره المصباح، "وهما إسحاقстр. 3588
الموصلي، وعمرو بن بحر الجاحظ وقالا جميعًا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابًا، قال: ثم تشاغل الخطابي برد هذا الكلام، ولم يقع في كلامه نص في عزو الحديث، ولكن أشعر بأن له أصلا عنده.
ومن حديث الليث بن سعد عن يحيى بن سعيد قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا، أشار إليه شيخنا في المقاصد الحسنة.
ومنها أن الطاعون لهم شهادة ورحمة، وكان على الأمم عذابًا.
الحواشي
(١) الموصلي" بفتح، فسكون وكسر المهملة، نسبة إلى مدينة بالجزيرة، الماجن المغني في الدولة العباسية، "وعمرو بن بحر الجاحظ" لقب لعمرو الملحد لجحظ كان بعينيه، وكان قبيح الشكل جدًا حتى قيل فيه:
لو يمسخ الخنزير مسخًا ثانيا ... ما كان إلا دون قبح الجاحظ
رجل ينوب عن الجحيم بوجهه ... وهو القذى في عين كلا ملاحظ
"وقالا جميعًا: لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق عذابًا، قال" الحافظ: "ثم تشاغل الخطابي برد هذا الكلام، ولم يقع في كلامه نص في عزو الحديث، ولكن أشعر بأن له أصلا عنده" وهو من كبار الحفاظ، "ومن حديث" عطف على قوله: من رواية سليمان، أي: وروى البيهقي أيضًا في المدخل من حديث "الليث بن سعد" بن عبد الرحمن الفهمي، المصري، الإمام، الثقة، الثبت، الفقيه، المشهور، مات في شعبان سنة خمس وسبعين ومائة، "عن يحيى بن سعيد" بن قيس الأنصاري، المدني، ثقة، ثبت، من رجال الجميع، مات سنة أربع وأربعين ومائة أو بعدها، "قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون، فيحل هذا ويحرم هذا، فلا يعيب هذا على هذا" لأنه بحسب فهم الأدلة في الأحكام الاجتهادية، "أشار إليه شيخنا" السخاوي "في المقاصد الحسنة" في الأحاديث المشهورة على الألسنة.
"ومنها: أن الطاعون" فاعول من الطعن، عدلوا به عن أصله، ووضعوه دالا على الموت العام، كالوباء، ذكره الجوهري، "لهم شهادة" أي: سبب لكون الميت به شهيدًا، وظاهرًا يشمل الفاسق، فيكون شهيدًا، لكنه لا يساوي مرتبة مسلم غير فاسق في أنه يغفر له جميع ذنوبه، وإنما يغفر له غير حق الآدمي، أخذًا من خبر: إن الشهداء يغفر لهم كل ذنب إلا الدين، قال شيخ الإسلام زكريا وهو ظاهر، "ورحمة" رحم بها المؤمنين، وهل المراد بهم الكمل أو أعم احتمالان، "وكان على الأمم عذابًا" ففيه مزيد عناية بهذه الأمة، حيث جعل ما كان عذابًاстр. 3589
رواه أحمد والطبراني في الكبير، عن حديث أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ .
ورجال أحمد ثقات ولفظه: "الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز على الكافرين".
الحواشي
(١) لغيرهم وبلاء رحمة لهم؛ لحصول الشهادة لهم به، وأن العادة لا تؤثر بنفسها؛ لأنه كان بلاء بنفسه لمن تقدم، ثم عاد بنفسه وصفته رحمة، والصفة واحدة لم تتغير، "رواه أحمد والطبراني في الكبير من حديث أبي عسيب مولى رسول الله ﷺ " مشهور بكنيته، قيل: اسمه أحمر براء آخره، وقيل: سفينة، قال في الإصابة: والراجح أنه غيره.
ووقع في الاستيعاب أحمر بن عسيب، وتعقب: ويحتمل أن كنيته وافقت اسم أبيه، "ورجال أحمد ثقات، ولفظه: "الطاعون شهادة لأمتي ورحمة لهم ورجز" بكسر الراء، أي: عذاب "على الكفار" ووقع في بعض الأصول رجس، بسين بدل الزاي، والمعروف بالزاي.
وروى أحمد والبخاري عن عائشة: أنها سألت النبي ﷺ عن الطاعون، فقال: "الطاعون كان عذابًا يبعثه الله على من يشاء وإن الله جعله رحمة للمؤمنين، فليس من أحد يقع الطاعون، فيمكث في بلده صابرًا محتسبًا، يعلم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له إلا كان له مثل أجر شهيد"، وسر التعبير بمثل أن من لم يمت به له مثل أجره، وإن لم يحصل له درجة الشهادة نفسها.
قال الحافظ: ويؤخذ منه أن من اتصف بالصفات المذكورة، ثم مات بالطاعون له أجر شهيدين، ولا مانع من تعدد الثواب بتعدد الأسباب، كمن يموت غريبًا، أو نفساء بالطاعون، والتحقيق أنه يكون شهيدًا بوقوعه له، ويضاف له مثل أجر شهيد لصبره، فإن درجة الشهادة شيء وأجرها شيء، قال: ويؤخذ منه أن من لم يتصف بذلك لا يكون شهيدًا؛ وإن مات بالطاعون، وذلك ينشأ من شؤم الاعتراض الناشئ عن الضجر والسخط للقدر, وفي الصحيحين مرفوعًا: "الطاعون رجز أو عذاب، أرسل على طائفة من بني إسرائيل فإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارًا منه، وإذا وقع بأرض ولستم بها فلا تهبطوا عليها".
قال الخطابي: أحد الأمرين تأديب وتعليم، والآخر تفويض وتسليم، وروى أحمد برجال ثقات عن عائشة مرفوعًا: "الطاعون غدة كغدة البعير المقيم به، كالشهيد والفار منه كالفار من الزحف".
وروى الطبراني وأبو نعيم بإسناد حسن، عن عائشة مرفوعًا: "الطاعون شهادة لأمتي، ووخز أعدائكم من الجن غدة كغدة الإبل، تخرج في الآباط والمراق، من مات منه مات شهيدًا، ومن أقام به، كالمرابط في سبيل الله، ومن فر منه كالفار من الزحف".
وروى الحاكم، عن أبي موسى مرفوعًا: "الطاعون وخز أعدائكم من الجن"، وخز بفتح الواو وسكون المعجمة، ثم زاي: أي: طعن، وفي النهاية تبعًا للهروي، إخوانكم، قال الحافظ:стр. 3590
ومنها أنهم إذا شهد اثنان منهم لعبد بخير وجبت له الجنة، وكانت الأمم السالفة إذا شهد منهم مائة.
ومنها أنهم أقل الأمم عملا، وأكثرهم أجرًا.
الحواشي
(١) ولم أره بلفظ إخوانكم بعد التتبع الطويل البالغ في شيء من طرق الحديث المسندة، ولا في الكتب المشهورة، ولا الأجزاء المنثورة، وعزاه بعض لمسند أحمد، والطبراني وابن أبي الدنيا، ولا وجود له فيها.
قال السيوطي: وأما تسميتهم إخوانًا في حديث المطعم، فباعتبار الإيمان، فإن الأخوة في الدين لا تستلزم الاتحاد في الجنس.
"ومنها: أنهم إذا شهد اثنان منهم" عدلان، لا نحو فاسق ومبتدع، "لعبد بخير" بعد موته؛ بأن أثنيا عليه بخير، فليس المراد الشهادة عند القاضي، ولا لفظ أشهد بخصوصه، "وجبت له الجنة" قال الحافظ: أي ثبتت، أو هو في صحة الوقوع كالواجب، إذ لا يجب على الله شيء، بل الثواب فضل، والعقاب عدل، لا يسأل عما يفعل، والمراد مع السابقين الأولين، أو من غير سبق عذاب، وإلا فكل من مات مسلمًا دخلها، ولا بد شهد له أحد، أم لا.
روى أحمد والبخاري والنسائي عن عمر، مرفوعًا: "أيما مسلم شهد له أربعة أدخله الله الجنة" قيل: وثلاثة؟ قال: "وثلاثة"، قيل: واثنان؟ قال: "واثنان" ثم لم نسأله عن الواحد.
قال النووي: في معناه قولان: أحدهما: أن هذا الثناء بالخير لمن أثنى عليه أهل الفضل، وكان ثناؤهم مطابقًا لأفعاله، فيكون من أهل الجنة، فإن لم يكن كذلك، فليس هو مراد بالحديث.
والثاني: وهو الصحيح المختار، أنه على عمومه وإطلاقه، وإن كل مسلم مات فألهم الله تعالى الناس أو معظمهم الثناء، عليه كان ذلك دليلا على أنه من أهل الجنة، سواء كانت أفعاله تقتضي ذلك، أم لا؟ لأنه وإن لم تكن أفعاله تقتضيه فلا تتحتم عليه العقوبة، بل هو في المشيئة، فإذا ألهم الله الناس الثناء عليه، دل ذلك على أنه شاء المغفرة له، وبهذا تظهر فائدة الثناء، وقوله ﷺ : "وجبت وأنتم شهداء الله"، ولو كان لا ينفعه ذلك إلا أن تكون أعماله تقتضيه، لم يكن للثناء فائدة، وقد أثبت ﷺ له فائدة، انتهى، وترك الشهادة بالشر لفهم حكمه قياسًا أو اختصارًا، وهو أظهر؛ كما قال الحافظ، وبه صرح حديث أنس في الصحيحين مرفوعًا: "من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض". "وكانت الأمم السالفة إذا شهد منهم مائة" لحديث أبي يعلى، أن الأمم السابقة المائة، أمة إذا شهدوا لعبد بخير وجبت له الجنة، وأن أمتي الخمسون، منهم أمة، فإذا شهدوا لعبد بخير وجبت له الجنة.
"ومنها: أنهم أقل الأمم عملا، وأكثرهم أجرًا" لخبر مالك، وأحمد، والبخاري، عن ابنстр. 3591
وأقصرهم أعمارًا، وأوتوا العلم الأول والآخر، وآخر الأمم فافتضحت الأمم عندهم ولم يفتضحوا.
ومنها: أنهم أوتوا الإسناد، وهو خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة.
الحواشي
(١) عمر مرفوعًا: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم، كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة، فعملوا بها حتى انتصف النهار، عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى العصر، ثم عجزوا فأعطوا قيراطًا قيراطًا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس، فأعطينا قيراطين قيراطين، فقال أهل الكتاب: ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين، وأعطيتنا قيراطًا قيراطًا، ونحن أكثر عملا! قال: هل ظلمتكم من أجركم شيئا؟ قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء".
قال السيوطي: والمراد تشبيه من تقدم بأول النهار إلى الظهر والعصر في كثرة العمل الشاق والتكليف، وتشبيه هذه الأمة بما بين العصر والليل في قلة ذلك، وتخفيفه، وليس المراد طول الزمن وقصره، إذ مدة هذه الأمة أطول من مدة أهل الإنجيل.
قال إمام الحرمين: الأحكام لا تؤخذ من الأحاديث التي لضرب الأمثال، "وأقصرهم أعمارًا" رحمة من الله بهم، وعطفًا عليهم أخرهم في الأصلاب حتى أخرجهم إلى الأرحام بعد نفاذ الدنيا، وجعل أعمالهم قصيرة ليقل التباسهم بالدنيا وتدنسهم بها، وكان الأمم الماضون أعمارهم، وأجسادهم، وأرزاقهم أضعاف ذلك، كان أحدهم يعمر ألف سنة، وحبة القمح ككلية البقر، والرمانة يحملها عشرة، وهكذا، فلطف الله بهذه الأمة ليأخذوا من الدنيا أرزاقًا قليلة بأجسام ضعيفة في مدة قصيرة، لئلا يأروا ويبطروا، ثم ضاعف لهم الحسنات، فجعل الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، إلى ما لا يعلمه إلا الله.
"وأتوا العلم الأول" الذي أوتيه الأمم قبلهم "والآخر" الذي أوتوه، فجمع لهم ما فرق في غيرهم وزيدوا، "وآخر الأمم، فافتضحت الأمم عندهم" بما قص عليهم في القرآن من وقائع بعضهم الشنيعة، ومخالفتهم، وتعنتهم على أنبيائهم، وكفى بقول بني إسرائيل لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ , ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآية، وغير ذلك، "ولم يفتضحوا".
"ومنها: أنهم أوتوا الإسناد" وهو حكاية طريق المتن، والسند الطريق الموصلة إلى المتن، وقد يستعمل أحدهما في الآخر, والأمر سهل، "وهو خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة لم يؤتها أحد من الأمم قبلهم، "وسنة بالغة من السنن المؤكدة".
قال ابن المبارك: الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء، وعنه مثل الذيстр. 3592
وقد روينا من طريق أبي العباس الدغولي قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة وشرفها وفضلها بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها عن غير الثقات.
وهذه الأمة الشريفة -زادها الله شرفًا بنبيها- إنما تنص الحديث عن الثقة المعروف
الحواشي
(١) يطلب أمر دينه بلا إسناد، كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم، وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فإذا لم يكن معه سلاح، فبأي شيء يقاتل؟ وقال الشافعي: مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد، كمثل حاطب ليل.
وفي تاريخ الحاكم عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، قال: كان عبد الله بن طاهر إذا سألني عن حديث فذكرته له بلا إسناد سألني عن إسناده، ويقول: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمنى. فإن إسناد الحديث كرامة من الله تعالى لأمة محمد، وقيل في قوله تعالى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ : إسناد الحديث، وقال بقية: ذاكرت حماد بن زيد بأحاديث، فقال: ما أجودها لو كان لها أجنحة، يعني إسنادًا.
"وقد روينا من طريق" الإمام "أبي العباس" محمد بن عبد الرحمن "الدغولي" بفتح الدال المهملة، والغين المعجمة، فواو، فلام، نسبة إلى دغول رجل، ويقال للخبز الذي ليس رقيقًا بسرخس دغول.
قال ابن الأثير: فلعل بعض أجداد المنتسب كان يخبزه، "قال: سمعت محمد بن حاتم بن المظفر يقول: إن الله تعالى قد أكرم هذه الأمة، وشرفها، وفضلها، بالإسناد، وليس لأحد من الأمم كلها قديمها وحديثها إسناد موصول، إنما هو صحف في أيديهم، وقد خلطوا بكتبهم أخبارهم، فليس عندهم تمييز بين ما نزل من التوراة والإنجيل وبين ما ألحقوه بكتبهم من الأخبار التي اتخذوها" أي: نقلوها "عن غير الثقات".
قال ابن حزم: نقل الثقة حتى يبلغ به النبي ﷺ مع الاتصال شيء خص به المسلمون دون جميع الملل، أما مع الإرسال والإعضال، فيوجد في اليهود، لكن لا يقربون به من موسى قرينًا من نبينا، بل يقفون حيث يكون بينهم وبينه أكثر من ثلاثين نفسًا، وإنما يبلغون به إلى مانوح وشمعون.
وأما النصارى، فليس عندهم من صفة هذا النقل إلا تحريم الطلاق، "وهذه الأمة الشريفة زادها الله شرفًا بنبيها إنما تنص" أي: تروي "الحديث عن الثقة المعروف فيстр. 3593
في زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم، ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ فالأحفظ، والأضبط فالأضبط، والأطول مجالسة لمن فوقه ممن كان أقصر مجالسة، ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا وأكثر، حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه ويعدوه عدًا، فهذا من فضل الله على هذه الأمة، فنستودع الله تعالى شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه.
وقال أبو حاتم الرازي: لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله تعالى آدم أمناء يحفظون آثار الرسل إلا في هذا.
الحواشي
(١) زمانه بالصدق والأمانة عن مثله حتى تتناهى أخبارهم" لكن هذا الحصر إنما يكون لرواة الصحيح، والحسن؛ إذ الضعيف بأنواع قد رووه كثيرًا، "ثم يبحثون أشد البحث حتى يعرفوا الأحفظ، فالأحفظ، والأضبط فالأضبط" لما حفظ في صدره، بأن يثبت ما سمعه، بحيث يتمكن من استحضاره متى شاء، أو بكتابه، بصيانته عنده منذ سمع فيه، وصححه إلى أن يؤدي منه، "والأطول مجالسة لمن فوقه" أي: شيخه "ممن كان أقصر مجالسة" له؛ فإن قدم السماع من أقسام العلو النسبي، "ثم يكتبون الحديث من عشرين وجهًا" تارة "وأكثر" أخرى، "حتى يهذبوه من الغلط والزلل، ويضبطوا حروفه، ويعدوه عدًا" ويبينوا الألفاظ التي اختلفت فيها الرواة، وعذر أصحاب الحديث في تكثير طرق الحديث، الواحد ليعتمد عليه، إذ المقبول ما اتصل سنده، وعدلت رجاله، أو اعتضد بعض طرقه ببعض حتى تحصل القوة بالصورة المجموعة، ولو كان كل طريق منها لو انفردت لم تكن القوة فيها مشروعة، والإعراض عن ذلك يستلزم ترك العمل بكثير من الأحاديث، اعتمادًا على ضعف الطريق التي فيها مقال، وقد قال عبد الله بن جعفر بن خالد: سألت إبراهيم بن سعيد الجوهري، ابغدادي، يعني شيخ مسلم، وأصحاب السنن، عن حديث لأبي بكر الصديق، فقال لجاريته: أخرجي لي الجزء الثالث والعشرين من مسند أبي بكر، فقلت: لا يصح لأبي بكر خمسون حديثًا فمن أين ثلاثة وعشرون جزءا؟ فقال: كل حديث لا يكون عندي من مائة وجه، فأنا فيه يتيم، "فهذا من فضل الله على هذه الأمة، فنستودع الله تعالى شكر هذه النعمة وغيرها من نعمه" فإنه إذا استودع شيئًا حفظه.
"وقال أبو حاتم" محمد بن إدريس بن داود "الرازي" الحنظلي، عن أحمد وقتيبة، وخلق، وعنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وآخرون، قال الخطيب: كان أحد الأئمة الحفاظ الأثبات، مشهورًا بالعلم، مذكورًا، بالفضل، وثقه النسائي وغيره، قال ابن يونس: قدم مصر قديمًا، وكتب بها، وكتب عنه، مات بالري سنة خمس، وقيل سنة سبع وسبعين ومائتين، "لم يكن في أمة من الأمم مذ" أي: حين "خلق الله آدم أمناء" جمع أمين، "يحفظون آثار الرسل إلا في هذهстр. 3594
الأمة.
ومنها: أنهم أوتوا الأنساب والإعراب، قال أبو بكر محمد بن أحمد: بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء لم يعطها من قبلها: الإسناد والأنساب والإعراب، انتهى. وهو مروي عن أبي علي الجياني.
الحواشي
(١) الأمة" وهذا رواه ابن عساكر، عن الرازي المذكور بلفظ: "لم يكن في أمة من الأمم منذ خلق الله آدم أمة يحفظون آثار نبيهم وأنساب خلفهم كهذه الأمة".
وفي تاريخ ابن عساكر أيضًا، عنه: "لم يكن في أمة من الأمم أمة يحفظون آثار نبيهم غير هذه الأمة" فقيل له: ربما رووا حديثًا لا أصل له، قال علماؤهم: يعرفون الصحيح من السقيم، فروايتهم للواهي للمعرفة ليتبين لمن بعدهم أنهم ميزوا الآثار فيه وحفظوها.
وأخرج الحاكم، وأبو نعيم، وابن عساكر، عن علي مرفوعًا: "إذا كتبتم الحديث فاكتبوه بإسناده؛ فإن يك حقًا كنتم شركاء في الأجر، وإن يكن باطلا كان وزره عليه"، وفيه شرف أصحاب الحديث، ورد على من كره كتابته من السلف، والنهي عنه في خبر آخر منسوخ أو مؤول.
"ومنها: أنهم أوتوا الأنساب" أي: معرفتها "والإعراب" أي: الإبانة والكلام الفصيح، وكل منهما مما يتنافس فيه المتنافسون، وقد قال ﷺ : "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، فإن صلة الرحم محبة في الأهل، مثراة في المال، منساة في الأثر"، رواه أحمد، والترمذي، والحاكم صحيحًا عن أبي هريرة، ولا يعارضه قوله ﷺ : "علم النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر"، رواه أبو نعيم وغيره عن أبي هريرة؛ لأن المنهي عنه الاسترسال فيه، بحيث يشتغل به عما هو أهم منه، كما يفيده قوله: "وجهالة لا تضر".
أما علمه بقدر ما يصل به رحمه، فمحبوب مطلق، فقد قال ﷺ : "تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم، ثم انتهوا وتعلموا من العربية ما تعرفون به كتاب الله، ثم انتهوا" رواه ان زنجويه.
"قال أبو بكر محمد بن أحمد" بن عبد الباقي، بن منصور البغدادي، الحافظ، الإمام، القدوة، كان فاضلا، حسن القراءة للحديث، ورعًا، ثبتًا، زاهدًا، ثقة، قائمًا باللغة، علامة في الأدب، مات في ثاني ربيع الأول، سنة تسع وثمانين وأربعمائة، "بلغني أن الله خص هذه الأمة بثلاثة أشياء، لم يعطها من قبلها من الأمم الإسناد، والأنساب والإعراب، انتهى، وهو مروي عن أبي علي" الإمام، الحافظ، الثبت، الحسين بن محمد الأندلسي، "الجياني" بفتح الجيم، والتحتية الثقيلة، ونون. بلدة كبيرة بالأندلس، ولد في محرم سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، وأخذстр. 3595
ومنها: أنهم أوتوا تصنيف الكتب، ذكره بعضهم.
ولا تزال طائفة منهم ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله. رواه الشيخان.
الحواشي
(١) عن الباجي، وابن عتاب، وابن عبد البر، وخلق، ولم يخرج من الأندلس، وكان من جهابذة الحفاظ، بصيرًا باللغة، والعربية، والشعر، والأنساب صنف في كل ذلك، ورحل إليه الناس، وتصدر بجامع قرطبة، وأخذ عنه الأعلام مع التواضع والصيانة، توفي ليلة الجمعة، ثاني عشر شعبان، سنة ثمان وتسعين وأربعمائة.
"ومنها: أنهم أوتوا تصنيف الكتب، ذكره بعضهم" قال ابن العربي في شرح الترمذي: لم يكن قط في أمة من الأمم من انتهى إلى حد هذه الأمة من التصرف في التصنيف والتحقيق، ولا جاراها في مداها من التفريع والتدقيق، وتصنيف الكتب، وتدوين العلوم، وحفظ سنة نبيهم، أي: أقواله وأفعاله، فتدوين العلوم، وتصنيفها، وتقرير القواعد، وكثرة التفريع وفرض ما لم يقع، وبيان حكمه، وتفسير القرآن والسنة، واستخراج علوم الأدب، وتتبع كلام العرب أمر مندوب إليه، وأهله خير الخليقة.
وقال العراقي في شرح المحصول: من خصائصه ﷺ أن الواحد من أمته يحصل له في العمر القصير من العلوم والفهوم ما لم يحصل لأحد من الأمم السابقة في العمر الطويل، ولهذا تهيأ للمجتهدين من هذه الأمة من العلوم، والاستنباطات، والمعارف ما تقصر عنه أعمارهم انتهى.
وقال قتادة: أعطى الله هذه الأمة من الحفظ ما لم يعطه أحدًا من الأمم، خاصة خصهم بها، وكرامة أكرمهم بها، انتهى.
"ولا تزال طائفة منهم" أي: من أمة الإجابة "ظاهرين" أي: غالبين "على الحق" منصورين على من خالفهم، واحتمال أن المراد بالظهور الشهرة، وعدم الاستتار بعيد، "حتى يأتي أمر الله" وهو وقوع الآيات العظام التي يعقبها قيام الساعة، ولا يتخلف عنها إلا قليلا.
وفي مسلم عن جابر بن سمرة، رفعه: "لن يرح هذا الدين قائمًا، تقاتل عليه عصابة من المسلمين حتى تقوم الساعة"، أي: إلى قرب قيامها، أو المراد: تقوم ساعتهم وهي حين تأتي الريح فتقبض روح كل مؤمن، فلا تنافي بينه وبين خبر مسلم: "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس"، وخبر مسلم والترمذي عنه ﷺ : "لا تقوم الساعة حتى لا يقال في الأرض الله الله". "رواه الشيخان" من حديث المغيرة بن شعبة، رفعه: "لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".
قال البخاري في الصحيح: والطائفة أهل العلم، وقال النووي في التهذيب: حمله العلماءстр. 3596
ومنها: أن فيهم أقطابًا.
الحواشي
(١) أو جمهورهم على أهل العلم، وقد دعا لهم النبي ﷺ بقوله: "نضر الله امرأ، سمع مقالتي فوعاها، فأداها كما سمعها". وجعلهم عدولا في حديث: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالبين وانتحال المبطلين". وهذا إخبار منه بصيانة العلم وحفظه، وعدالة ناقليه، وأنه تعالى يوفق له في كل عصر عدولا يحملونه وينفون عنه، وهو من أعلام نبوته، ولا يضر معه كون بعض الفساق يعرفون شيئًا من العلم؛ لأن الحديث إنما هو إخبار بأن العدول يحملونه، لا أن غيرهم لا يعرف منه شيئًا.
وقال النووي أيضًا: يجوز أن تكون الطائفة جماعة متعددة من أنواع الأمة، ما بين شجاع وبصير بالحرب، وفقيه ومفسر، ومحدث، وقائم بالأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وزاهد وعابد، ولا يلزم اجتماعهم في بلد واحد، بل يجوز اجتماعهم في قطر واحد، وتفرقهم في الأقطار، وأن يكونوا في بعض دون بعض، ويجوز إخلاء الأرض كلها من بعضهم أولا فأولا إلى أن لا يبقى إلا فرقة واحدة ببلد واحد، فإذا انقرضوا جاء أمر الله بقيام الساعة. انتهى.
وفيه معجزة بيته، فإن أهل السنة لم يزالوا ظاهرين في كل عصر إلى الآن، فمن حين ظهرت البدع على اختلاف نوفها من خوارج، ومعتزلة، ورافضة وغيرهم؛ لم يقم لأحد منهم دولة، ولم تستمر لهم شوكة، بل كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله بنور الكتاب والسنة، وزعمت المتصوفة أن الإشارة إليهم، لأنهم لزموا الاتباع بالأحوال، وأغناهم الاتباع عن الابتداع.
"ومنها أن فيهم" أي: الأمة "أقطابًا" ولا يلزم منه تعددهم في زمن واحد، فلا يخالف قوله الآتي: والغوث واحد وتصريح غيره بأن القطب واحد كلما مات أبدل، قال اليافعي في الكفاية: سمي قطبًا لدورانه في جهات الدنيا الأربع كدوران الفلك في أفق السماء، وقد سترت أحوال القطب وهو الغوث عن العامة والخاصة غيره من الحق عليه غير أنه يرى عالمًا كجاهل وأبله كفطن آخذًا تاركًا قريبًا بعيدًا سهلا عسرًا آمنًا حذرًا. وقال غيره: الأقطاب جمع قطب وهو الخليفة الباطن وسيد أهل زمانه سمي قطبًا لجمعه جميع المقامات والأحوال ودورانها عليه مأخوذ من القطب، وهو الحديدة التي تدور عليها الرحى ولا يعرف القطب من الأولياء إلا القليل جدًا، بل قال جمع: لا يراه أحد إلا بصورة استعداد الرائين فإذا رآه لم يره حقيقة. وذهب قوم إلى أن مرتبة القطبانية ثقيلة جدًا قل أن يقيم فيها أحد أكثر من ثلاثة أيام، وجمع إلى أنها كغيرها من الولايات يقيم فيها صاحبها لا ينعزل إلا بموت، وأول من تقطب بعد النبي ﷺ الخلفاء الأربعة على ترتيبهم في الخلافة، ثم الحسن هذا ما عليه الجمهور، وذهب بعض الصوفية إلى أن أول من تقطب بعده ابنته فاطمة، قال بعضهم: ولم أره لغيره. وأول من تقطب بعد الصحابة عمر بن عبد العزيز، وإذا مات القطب خلفه أحد الإمامين لأنهما بمنزلة الوزيرين له أحدهما مقصور علىстр. 3597
وأوتادًا ونجباء وأبدالا.
عن أنس مرفوعًا: "الأبدال أربعون رجلا
الحواشي
(١) عالم الملكوت والآخر على عالم الملك، والأول أعلى مقامًا من الثاني. "وأوتادًا" أربعة في كل زمان لا يزيدون ولا ينقصون وهم العمد وهم حكم الجبال في الأرض، ولذا سموا أوتادًا يحفظ الله بأحدهم المشرق، والآخر المغرب، والآخر الجنوب، والآخر الشمال. وروى ابن عساكر من حديث علي الأوتاد من أبناء الكوفة، أي: أصلهم لا أنها مقرهم. وروى الحكيم الترمذي عن أبي الدرداء أن الأنبياء كانوا أوتاد الأرض، فلما انقطعت النبوة أبدل الله مكانهم قومًا من أمة محمد ﷺ لم يفضلوا الناس بكثرة صوم ولا صلاة لكن بحسن الخلق والنية وصدق الورع وسلامة القلوب للمسلمين والنصح لله في ابتغاء مرضاته بصبر وحلم ولب وتواضع في غير مذلة فهم خلفاء الأنبياء قوم اصطفاهم الله لنفسه، واستخلصهم لعلمه يدفع الله بهم المكاره عن الأرض والبلايا عن الناس وبهم يرزقون ويمطرون. قال الحكيم: فهؤلاء أمان هذه الأمة فإذا ماتوا أفسدت الأرض وخربت الدنيا؛ وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ "ونجباء" سبعون مسكنهم مصر ورتبتهم فوق النقباء ودون الأبدال على ما يأتي، "وأبدالا" بفتح الهمز جمع بدل سموا بذلك؛ لأنه إذا مات واحد أبدل مكانه آخر أو لأنهم أعطوا من القوة أن يتركوا بدلهم حيث يريدون، أي: أخلفوا صورة تحاكي صورتهم بحيث أن كل من رآها لا يشك في أنه هو، وهو لفظ مشترك يطلقونه على من تبدلت أوصافه الذميمة لمحمودة، ويطلقونه على عدد خاص مختلف في قدره، قاله ابن عربي. وأخرج الحاكم في كتاب الكنى له عن عطاء بن أبي رباح مرسلا، الأبدال من الموالي ولا يبغض الموالي إلا منافق، قال الحافظ ابن حجر في فتاويه: الأبدال ورد في عدة أخبار منها ما يصح وما لا. وأما القطب فورد في بعض الآثار، وأما الغوث بالوصف المشتهر بين الصوفية فلم يثبت، انتهى. عن أنس مرفوعًا: "ألإبدال أربعون رجلا" وفي حديث عبادة: ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم، وكل منهم يعكر على قول الرافعي الأصح أنها سبعة، وقيل: أربعة عشر. وجمع بين الحديثين بأن ثلاثين منهم قلوبهم على قلب إبراهيم والعشرة ليسوا كذلك؛ كما صرح به خبر الحكيم الترمذي عن أبي هريرة؛ ومرده حديث ابن مسعود: "لا يزال أربعون رجلا من أمتي على قلب إبراهيم". وجمع بأن البدل له إطلاقًا كما يفيده الأحاديث في تخالف علاماتهم وصفاتهم أو أنهم يكونون في زمان أربعين وفي آخر ثلاثين، ورد بقوله: ولا الأربعون، أي: ينقصون كلما مات رجل ... إلخ، أو أن تلك الأعداد اصطلاح لوقوع الخلاف في بعضهم كالأبدال فقد يكون في ذلك العدد نظروا إلى مراتب عبروا عنها بالأبدال والنقباء والنجباء والأوتاد، وغير ذلك, والحديث نظر إلى مراتب أخرى والكل متفقونстр. 3598
وأربعون امرأة، كلما مات رجل أبدل الله رجلا مكانه، وإذا ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة". رواه الخلال في "كرامات الأولياء".
ورواه الطبراني في الأوسط بلفظ: "لن تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن ﵊، فبهم يسقون وبهم ينصرون
الحواشي
(١) على وجود تلك الأعداد وبعد هذا لا يخفى، والأولى في الجمع بين الحديثين أن الإخبار بالثلاثين كان قبل أن يعلمه الله بالأربعين بدليل زيادة النساء في حديث أنس هذا، بقوله: "وأربعون امرأة كلما مات رجل أبدل الله رجلا مكانه وإذا ماتت امرأة أبدل الله مكانها امرأة" فإذا كان عند قيام الساعة ماتوا جميعًا، "رواه" أبو محمد الحسن بن أبي طالب بن محمد بن الحسن بن علي "الخلال" بفتح الخاء المعجمة وشد اللام الحافظ البغدادي ولد سنة اثنتين وخمسين وثلاثمائة، وسمع ابن شاذان وغيره وعنه الخطيب وعدة، قال الخطيب: كان ثقة خرج المسند على الصحيحين، مات سنة تسع وثلاثين وأربعمائة "في" كتابه المؤلف في "كرامات الأولياء" وأورده ابن الجوزي في الموضوعات، ثم سرد أحاديث الأبدال وطعن فيها واحدًا، وحكم بوضعها وتعقبه السيوطي بأن خبر الإبدال صحيح وإن شئت قلت متواتر، وأطال في بيان ذلك مثل هذا بالغ حد التواتر المعنوي بحيث يقطع بصحة وجود الأبدال ضرورة، "ورواه" أي: حديث أنس "الطبراني في الأوسط" قال الحافظ نور الدين الهيثمي بإسناد حسن بلفظ: "لن" قال الطيبي لتأكيد النفي في المستقبل وتقريره "تخلو الأرض من أربعين رجلا مثل خليل الرحمن إبراهيم ﵇" أي: انفتح لهم طريق إلى الله على طريق إبراهيم، وفي إيثار الرحمن والخلة مزيد مقام وإيماء إلى مناسبة المقام إذ من كان مرضيًا للرحمن حقه أن ينشأ عنه صفة الرحمة من نفع البلاد والعباد، "فبهم يسقون وبهم ينصرون" على الأعداء، أي: بوجودهم أو بدعائهم وهو الأظهر فقد فسره ابن مسعود ولتفسيره مزية لأنه أدرى بما يسمع روى أبو نعيم عن ابن مسعود، قال: قال رسول الله ﷺ : "إن لله في الخلق ثلاثمائة قلوبهم على قلب آدم ولله في الخلق أربعون قلوبهم على قلب موسى ولله سبعة في الخلق قلوبهم على قلب إبراهيم، ولله في الخالق خمسة قلوبهم على قلب جبريل، ولله في الخلق ثلاثة قلوبهم على قلب ميكائيل، ولله واحد قلبه على قلب إسرافيل فإذا مات الواحد أبدل الله مكانه من الثلاثة، وإذا مات من الثلاثة أبدل الله مكانه من الخمسة، وإذا مات من الخمسة أبدل الله مكانه من السبعة، وإذا مات من السبعة أبدل الله مكانه من الأربعين، وإذا مات من الأربعين أبدل الله مكانه من الثلاثمائة، وإذا مات من الثلاثمائة أبدل الله مكانه من العامة فيهم يحيي ويميت ويمطر وينبت ويرفع البلاء". قيل لابن مسعود: كيف يحيي ويميت؟ قال: لأنهم يسألون الله إكثار الأمم فيكثرون،стр. 3599
ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر".
ورواه ابن عدي في كامله بلفظ: "البدلاء أربعون، اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق، كلما مات منهم أحد بدل الله مكانه آخر، فإذا جاء الأمر قبضوا كلهم، فعند ذلك تقوم الساعة".
وكذا يروى كما عند أحمد في المسند، والخلال، من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا. "لا يزال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم خليل الرحمن، كلما مات واحد أبدل الله تعالى مكانه
الحواشي
(١) ويدعون على الجبابرة فيقصمون، ويستقون فيسقون، ويسألون فتنبت الأرض، ويدعون فيدفع بهم أنواع البلاء، قال في الفتوحات: معناه أنهم يتقلبون في المعارف الإلهية تقلب ذلك الشخص إذا كانت واردات العلوم الإلهية إنما ترد على القلوب فكل علم لم يرد على قلب ذلك الكبير من ملك أو رسول يرد على هذه القلوب التي هي على قلبه، وربما يقول بعضهم فلان على قدم فلان، ومعناه ما ذكر. وقال اليافعي في الكفاية عن بعض العارفين: الواحد الذي على قلب إسرافيل هو القطب ومكانه في الأولياء كالنقطة في الدائرة التي هي مركز لها به يقع صلاح العالم، وقال عن بعضهم: لم يذكر أن أحدًا على قلبه ﷺ ؛ لأنه لم يخلق الله في عالم الخلق والأمم أعز وألف وأشرف من قلبه، فقلوب الأنبياء والملائكة والأولياء بالإضافة إلى قلبه كإضافة سائر الكواكب إلى كامل الشمس، انتهى. وهذا يرد قول ابن عربي أحد الأوتاد على قلبه ﵇، وله ركن الحجر الأسود "ما مات منهم أحد إلا أبدل الله مكانه آخر" بأن إقامته في التصرف الذي كان أمر به في حياته، فلا يرد أن الأولياء يتصرفون بعد موتهم بتصرفات خاصة تمكنوا منها وفعلوها لا لكونهم مأمورين بها لزوال التكليف بالموت، رواه ابن عدي في كامله بلفظ: "البدلاء أربعون اثنان وعشرون بالشام وثمانية عشر بالعراق، كلما مات منهم أحد أبدل الله مكانه آخر، فإذا جاء الأمر". قرب الساعة وهو الريح التي تأتي بقبض روح كل مؤمن ومؤمنة "قبضوا كلهم" وليس المراد بالأمر النفخة الأولى، لأن هؤلاء من خيار الخلق وقد قال ﷺ : "لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس". رواه مسلم. وقال هنا: "فعند ذلك" أي: مجيء الأمر "تقوم الساعة" وجعل قيامها بعقب موتهم؛ لأنه يقرب من قيامها والقريب من الشيء يعده العرف عنده أو المراد ساعتهم كما مر نظيره، "وكذا يروى كما عند أحمد في المسند والخلال" نسبة إلى الخل المأكول "من حديث عبادة بن الصامت مرفوعًا" بإسناد حسن: "ولا يزال في هذه الأمة ثلاثون مثل إبراهيم" وفي لفظ لأحمد من حديث عبادة: "الأبدال في هذه الأمة ثلاثون رجلا قلوبهم على قلب إبراهيم". "خليل الرحمن كلما مات واحد" وفي لفظة: رجل " أبدل الله تعالىстр. 3600
رجلا".
وفي لفظ الطبراني في الكبير: "بهم تقوم الأرض وبهم يمطرون وبهم ينصرون".
ولأبي نعيم في الحلية، عن ابن عمر رفعه: "خيار في كل قرن خمسمائة والأبدال أربعون، فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر، وهم في الأرض كلها".
وفي الحلية أيضًا عن ابن مسعود رفعه: "لا يزال أربعون رجلا من أمتي على
الحواشي
(١) مكانه رجلا"، قيل: فلذا سموا أبدالا، وقيل: لأنهم بدلوا الأخلاق السيئة حسنة وراضوا أنفسهم حتى صارت محاسن أخلاقهم حلية أعمالهم، قال العارف المرسي: كنت جالسًا بين يدي أستأذي الشاذلي، فدخل جماعة فقال: هؤلاء أبدال فنظرت ببصيرتي فلم أرهم أبدالا فتحيرت، فقال الشيخ: من بدلت سيآته حسناته فهو بدل فعلمت أنه أول مراتب البدلية، وعند ابن عساكر أن ابن المثنى سأل أحمد بن حنبل: ما تقول في بشر بن الحارث؟ قال: رابع سبعة من الأبدال، وقال المرسي: جلت في الملكوت فرأيت أبا مدين معلقا بساق العرش رجل أشقر أزرق العين، فقلت: ما علومك وما مقامك؟ قال: علومي أحد سبعون علمًا ومقامي رابع الخلفاء ورأس الأبدال السبعة، قلت: فالشاذلي قال ذاك بحر لا يحاط به، فظاهر هذا كله أن مراتب الثلاثين مختلفة.
"وفي لفظ الطبراني في الكبير" بإسناد صحيح من حديث عبادة الأبدال: "في أمتي ثلاثون بهم تقوم الأرض" أي: تعمر وينتظم أمر أهلها ببركتهم ودعائهم "وبهم يمطرون وبهم ينصرون على الأعداء". "ولأبي نعيم في الحلية" بإسناد ضعيف لا موضوع كما زعم ابن الجوزي والذهبي، فغاية ما في إسناده رجلان مجهولان، وذلك لا يقتضي اوضع بحال، "عن ابن عمر" بن الخطاب "رفعه: "خيار أمتي في كل قرن خمسمائة" من الناس "والأبدال أربعون" رجلا، "فلا الخمسمائة ينقصون ولا الأربعون" ينقصون "كلما مات رجل أبدل الله مكانه آخر" وبقية هذا الحديث في الحلية، قالوا: يا رسول الله دلنا على أعمالهم؟ قال: "يعفون عمن ظلمهم ويحسنون إلى من أساء إليهم ويتواسون فيما أتاهم الله". "وهم في الأرض كلها" فلا يختص وجودهم بمكان دون آخر ويؤيد هذا ما رواه الحكيم الترمذي: "إن الأرض شكت إلى ربها انقطاع النبوة، فقال تعالى: فسوف أجعل على ظهرك أربعين صديقًا كلما مات منهم رجل أبدلت مكانه رجلا". ولا يعارضه حديث: "الأبدال بالشام" لجواز أنها مقرهم ولكن يتصرفون في الأرض كلها.
وفي الحلية أيضًا عن ابن مسعود رفعه: "لا يزال أربعون رجلا من أمتي على قلبстр. 3601
قلب إبراهيم، يدفع الله بهم عن أهل الأرض، يقال لهم الأبدال، إنهم لم يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة"، قال: فيما أدكروها يا رسول الله؟ قال: "بالسخاء والنصيحة للمسلمين".
الحواشي
(١) إبراهيم" أي: على حال مثل قلبه، فتخصيصه وقلبه لإفادة الصبر على البلاء بذبح الولد الاحتساب بالمولى والرضا مع التلذذ بما يرضاه الحبيب والتحبب إلى الخلق والبذل والكرم، المبادرة إلى التكاليف بأصدق الهم. "يدفع الله بهم عن أهل الأرض". كلها وخبر: "الأبدال في أهل الشام وبهم ينصرون وبهم يرزقون"، رواه الطبراني بسند حسن عن عوف بن مالك ونحوه حديث علي عند أحمد لا يخالفه، لأن نصرتهم لمن هم في جوارهم أتم وإن كانت أعم. "يقال لهم الأبدال إنهم لم يدركوها بصلاة ولا بصوم ولا بصدقة". قال: فبم أدركوها يا رسول الله؟ قال: "بالسخاء والنصيحة للمسلمين". ولا يرد هذا على قول أبي طالب في قوله يصير الأبدال أبدالا بالصمت والعزلة والجوع والسهر؛ لأن من بهذه الصفات يتصف بالسخاء والنصيحة. ولابن أبي الدنيا عن علي، قلت: يا رسول الله صفهم لي؟ قال: "ليسوا بالمتنطعين ولا بالمبتدعين ولا بالمتعمقين لم ينالوا ما نالوا بكثرة صيام ولا صلاة، ولكن بسخاء الأنفس وسلامة القلوب والنصيحة لأئمتهم". قال ابن عربي في كتاب حلية الأبدال: أخبرني صاحب لنا قال: بينا أنا ليلة في مصلاي قد أكملت وردي وجعلت رأسي بين ركبتي أذكر الله تعالى إذ أحسست بشخص قد نقض مصلاي من تحتي وبسط حصيرًا بدلها، وقال: صل عليه فداخلني منه فزع، فقال: من يأنس بالله لم يجزع، ثم قال: اتق الله في كل حال ثم ألهمت الصبر، فقلت: بماذا تصير الأبدال أبدالا؟ قال: بالأربعة التي ذكر أبو طالب في القوت الصمت والعزلة والجوع والسهر، ثم انصرف ولا أعرف كيف دخل ولا خرج وبابي مغلق. قال ابن عربي: وهذا رجل من الأبدال اسمه معاذ بن أشرس والأربعة المذكورة هي عماد هذا الطريق وقوامه زمن لا قدم له فيها ولا رسوخ فهو تائه عن طريق الله، قال: وإذا رحل البدن عن موضع ترك فيه بدله حقيقة روحانية تجتمع إليها أرواح أهل ذلك الموطن الذي رحل عنه هذا الولي، فإن ظهر شوق شديد من أناس ذلك الموطن لهذا الشخص تجسدت لهم تلك الحقيقة الروحانية التي تركها بدله فكلمتهم وكلموه وهو غائب عنهم، وقد يكون هذا في غير البدن لكن الفرق بينهما أن البدن يرجع ويعلم أنه ترك غيره، وغيره البدل لا يعرف ذلك وإن تركه، لأنه لم يحكم هذه الأربعة المذكورة، قال: وفي ذلك قلت:
يا من أراد منازل الأبدال ... من غير قصد منه للأعمال
لا تطمعن بها فلست من أهلها ... إن لم تزاحمهم على الأحوالстр. 3602
وعن معروف الكرخي: من قال اللهم ارحم أمة محمد في كل يوم كتبه الله من الأبدال. وهو في الحلية بلفظ: من قال في كل يوم عشر مرات اللهم أصلح أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد كتب في الأبدال.
وعن غيره قال: من علامة الأبدال أن لا يولد لهم، ويروى في مرفوع معضل: "علامة أبدال أمتي أنهم لا يلعنون شيئًا أبدًا".
الحواشي
(١) واصمت بقلبك واعتزل عن كل من ... يدينك من غير الحبيب الوالي
وإذا سهرت وجعت نلت مقامهم ... وصحبتهم في الحل والترحال
بيت الولاية قسمت أركانه ... ساداتنا فيه من الأبدال
ما بين صمت اعتزال دائم ... والجوع والسهر النزيه العالي
"وعن معروف" بن فيروز "الكرخي" بفتح فسكون فخاء معجمة نسبة إلى كرخ ببغداد الإمام شيخ السلسلة، أستاذ السري السقطي، لم يكن في العراق من يربي المريدين في زمنه مثله، حتى عرف جميع المشايخ فضله، وكان ابن حنبل وابن معين يختلفان إليه يسألاه ولم يكن مثلهما في علم الظاهر، فيقال لهما مثلكما يفعل ذلك، فيقولان: كيف نفعل إذا جاءنا أمر لم نجده في كتاب الله ولا سنة رسوله، وقد قال ﷺ : "سلوا الصالحين". وكرامته كثيرة وكان يهدى إليه طيبات الطعام فيأكل، فقيل له: إن أخاك بشرا الحافي لا يأكل، فيقول: أخي قبضه الورع وأنا بسطتني المعرفة، إنما أنا ضيف في دار مولاي مهما أطعمني أكلت، مات سنة إحدى ومائتين. "من قال: اللهم ارحم أمة محمد في كل يوم كتبه الله من الأبدال" إن فعل الطاعات واجتنب المنهيات أو أن قائل ذلك وإن كان مرتكبًا للحرام، يوفق للتوبة النصوح إلى أن يكون منهم، ثم لا يلزم من كتبه منهم في الأجر كونه منهم حقيقة نحو حديث: "من حفظ على أمتي أربعين حديثًا"، وخبر: "أعطي أجر الشهيد" "وهو في الحلية" عن معروف "بلفظ من قال في كل يوم عشر مرات: اللهم أصلح أمة محمد، اللهم فرج عن أمة محمد، اللهم ارحم أمة محمد كتب من الأبدال" مصاحبة ووصفًا بحيث يحشر معهم لا ذاتًا، فلا ينافي أن قائل ذلك يكون منهم وإن ولدهم أولاد كثيرة "وعن غيره قال: من علامة الأبدال أن لا يولد لهم" لئلا يشغلوا عما أقيموا فيه، ولا يرد على ذلك الأنبياء ونحوهم لأن البدلاء لم يصلوا إلى مقامهم، "ويروى في مرفوع" إلى النبي ﷺ "معضل" بأن سقط من سنده اثنان ففوق، وهذا رواه ابن أبي الدنيا في كتاب الأولياء عن بكر بن خنيس بمعجمة، ونون ومهملة مصغر الكوفي صدوق له أغلاط قال: قال النبي ﷺ : "علامة أبدال أمتي أنهم لا يلعنون شيئًا" من المخلوقات "أبدًا" لأن اللعن: الطرد والبعد عن الله وهم إنما يقربون إلى الله ولا يبعدون عنه ويروى عن معاذ مرفوعًا: "ثلاث من كن فيه فهو من الأبدال الرضاстр. 3603
وقال يزيد بن هارون: الأبدال هم أهل العلم، وقال الإمام أحمد، إن لم يكونوا أصحاب الحديث فمن هم؟
وفي تاريخ بغداد للخطيب، عن الكتاني، قال: النقباء ثلاثمائة، والنجباء سبعون، والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة، والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب، ومسكن النجباء مصر، ومسكن الأبدال الشام.
الحواشي
(١) بالقضاء والصبر عن محارم الله والغضب في ذات الله"، رواه الديلمي. "وقال يزيد" بتحتية أوله فزاي "ابن هارون" السلمي مولاهم أبو خالد الوسطى، ثقة متقن من رجال الجميع عابد، مات سنة ست ومائتين، وقد قارب التسعين "الأبدال هم أهل العلم" النافع، وهو علم الظاهر والباطن لا الظاهر وحده، "وقال أحمد" الإمام ابن حنبل: "إن لم يكونوا أصحاب الحديث فمن هم" قال الحافظ ابن رجب الحنبلي في فضل الشام له: مراد أحمد بأصحاب الحديث من حفظه وعلمه وعمل به، فإنه نص أيضًا من عمل بالحديث لا من اقتصر على طلبه، ولا ريب أن من علم سنن النبي ﷺ وعمل بها وعلمها الناس، فهو من خلفاء الرسل وورثة الأنبياء ولا أحد أحق بأن يكون من الأبدال منه، انتهى. وقال غيره مراده من هو مثله ممن جمع بين علمي الظاهر والباطن، وأحاط بالأحكام والحكم والمعارف كسائر الأئمة الأربعة ونظرائهم، فهؤلاء خيار الأبدال والنجباء والأوتاد، فاحذر أن يسوء بأحد منهم وأن يسول لك الشيطان، ومن استولى عليه ممن لم يهتد بنور المعرفة إن المجتهدين لم يبلغوا تلك المرتبة، وقد اتفقوا على أن الشافعي كان من الأوتاد، وقيل: إنه تقطب قبل موته، "وفي تاريخ بغداد للخطيب" وتاريخ الشام لابن عساكر كلاهما، "عن الكتاني" بالفتح والفوقية نسبة إلى الكتان، وعمله الإمام المحدث المتقن أبي محمد عبد العزيز بن محمد بن علي التميمي الدمشقي محدث دمشق، ومفيدها سمع الكثير وألف وجمع. قال الذهبي: ويحتمل أن يوصف بالحفظ في زمنه، ولو وجد في زماننا لعد في الحفاظ. وقال ابن الأثير: حافظ كبير متقن: روى عن تمام بن محمد وغيره وعنه الخطيب وابن ماكولا وغيرهما، مات سنة تسع وثمانين وثلاثمائة "قال: النقباء ثلاثمائة" لعلهم الذين قال فيهم: قلوبهم على قلب آدم، "والنجباء سبعون والبدلاء أربعون، والأخيار سبعة، والعمد أربعة" وهم الأوتاد "والغوث واحد، فمسكن النقباء المغرب ومسكن النجباء مصر" المدينة المعروفة، فلا تصرف كقوله: ﴿ادْخُلُوا مِصْرَ﴾ ، "ومسكن الأبدال الشام" أي: أكثرهم فلا يخالف ما مر أن ثمانية عشر بالعراق إن صح، ثم المراد محل إقامتهم، فلا ينافي تصرفهم في الأرض كلها كما مر في حديث: "وهم في الأرض"، "والأخيار سياحون في الأرض" لا يستقرون بمكان، "والعمد" الأوتاد "في زوايا الأرض، أي: جهاتها الأربع" واحد بالمشرق وآخر بالمغرب، وآخر بالجنوب، وآخر بالشمال. قال ابن عربي: ولكل ركن من البيت، ويكون على قلبстр. 3604
ومسكن الغوث مكة، فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل النقباء ثم النجباء ثم الأبدال ثم الأخيار ثم العمد، فإن أجيبوا وإلا ابتهل الغوث، فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته، انتهى.
ومنها أنهم يدخلون قبورهم بذنوبهم، ويخرجون منها.
الحواشي
(١) إبراهيم العراق وقلب عيسى اليماني وقلب محمد له ركن الحجر الأسود. كذا قال وهو مخالف لما سبق أن قلب المصطفى لا يضارعه أحد، فلذا لم يذكر أن أحدًا على قلبه "ومسكن الغوث" وهو القطب الفرد الجامع "مكة" وقيل اليمن، رواه ابن عساكر عن أبي سليمان الداراني، والأصح أن إقامته لا تختص بمكة ولا بغيرها، بل جوال وقلبه طواف في حضرة الحق يقدس لا يخرج من حضرته أبدًا، ويشهده في كل جهة ومن كل جهة مما جاء فيه كما قال بعض المحدثين: خبر أبي نعيم مرفوعًا: "إن لله تعالى في كل بدعة كيد بها الإسلام وأهله، وليًا صالحًا يذب عنه ويتكلم بعلاماته، فاغتنموا حضور تلك المجالس بالذب عن الضعفاء وتوكلوا على الله وكفى بالله وكيلا". "فإذا عرضت الحاجة من أمر العامة ابتهل فيها النقباء، ثم النجباء، ثم الأبدال، ثم الأخيار، ثم العمد فإن أجيبوا" بخصوص تلك الحاجة "وإلا ابتهل الغوث" فلا يخاف ما ورد أن دعوة المؤمن لا ترد، لا سيما وحال هؤلاء يقتضي إجابة دعائهم دائمًا، إلا أن الإجابة قد تكون بخصوص المسئول وقد تكون بغيره، قد تدخر للقيامة، وقد تؤخر الإجابة فتشد الضرورة لحصول المطلوب في ذلك الوقت، فيبتهل الغوث لتنجيز المسئول دفعًا للضرورة ما أمكن، "فلا تتم مسألته حتى تجاب دعوته" لطفًا من الله بعباده, وقد زعم ابن الجوزي أن أحاديث الأبدال كلها موضوعة، ونازعه السيوطي، وقال: خبر الأبدال صحيح وإن شئت قلت: متواترًا يعني: تواترا معنويًّا كما أشار إليه بعده. وقال السخاوي له طرق عن أنس بألفاظ مختلفة كلها ضعيفة، ثم ساق ما ذكره المصنف وزيادة، ثم قال: وأحسن مما تقدم ما رواه أحمد من حديث شريح، يعني: ابن عبيد قال: ذكر أهل الشام عند علي وهو بالعراق، فقالوا: العنهم يا أمير المؤمنين، قال: لا إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "البدلاء يكونون بالشام، وهم أربعون رجلا، كلما مات رجل أبدل الله مكانه رجلا يستقي بهم الغيث وينتصر بهم على الأعداء، ويصرف عن أهل الشام العذاب". رجاله من رواة الصحيح إلا شريحًا، وهو ثقة، انتهى. وقال السيوطي حديث أخرجه أحمد والطبراني، والحاكم من طرق أكثر من عشرة، انتهى. قال السخاوي: ومما يقوي الحديث ويدل لانتشاره بين الأئمة، قول الشافعي في بعضهم: كنا نعده من الأبدال، وقول البخاري في غيره كانوا لا يشكون أنه من الأبدال، وكذا وصف غيرهما من النقاد والحفاظ والأئمة غير واحد بأنهم من الأبدال، ويقال: ما تغرب الشمس يومًا ويطوف بالبيت رجل من الأبدال، ولا يطلع الفجر من ليلة إلا ويطوف به واحد من الأوتاد، وإذا انقطع ذلك كان سبب رفعه من الأرض.
"ومنها: أنهم يدخلون قبورهم بذنوبهم" غير معرضين عنها ولا تائبين، "ويخرجون منهاстр. 3605
بلا ذنوب، تمحص عنهم باستغفار المؤمنين لهم. رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "أمتي أمة مرحومة تدخل قبورها بذنوبها، وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها، تمحص عنها باستغفار المؤمنين لها
الحواشي
(١) بلا ذنوب تمحص عنهم باستغفار المؤمنين لهم"بيان لسبب خروجهم بلا ذنوب، كأنه قال: لأنها تمحص عنهم بسبب طلب المغفرة لهم، والتمحيص تنقيص الشيء شيئًا فشيئًا إلى أن يذهب، فاستغفار المؤمنين يزيل الذنوب شيئًا فشيئًا، حتى تذهب، فيخرج من قبره طاهرًا منها، وقد يكون بحسابه في قبره، ويستوفي منه فيه إما بعقابه على جميعها، أو على بعضها، مع العفو عن باقيها، فيخرج أيضًا طاهرًا منها.
قال الحكيم الترمذي: إنما حوسب المؤمن في قبره ليكون أهون عليه في الموقف، فتمحص ذنوبه في البرزخ، فيخرج منه، وقد اقتص منه، وأيضًا لسرهم في المحشر حيث لم يكن عليهم ما يفتضحون به على رءوس الأشهاد، "رواه الطبراني في الأوسط من حديث أنس، ولفظه: قال رسول الله ﷺ : "أمتي" أي: أمة الإجابة "أمة مرحومة" من الله، أو من بعضهم لبعض، مغفور لها من بارئها، متوب عليها من الله، بمعنى: أنه لا يتركا مصرة على الذنب، ورواه ابن ماجه والبيهقي في البعث، بلفظ: "إن هذه الأمة مرحومة". "تدخل قبورها بذنوبها" والروايتان متفقتان معنى في صدر الحديث، ولفظًا ومعنى في باقيه، "وتخرج من قبورها لا ذنوب عليها، تمحص عنها باستغفار المؤمنين لها" فنزول جميعها حقيقة أو حكمًا بزوال معظمها للأدلة القطعية أنه لا بد من دخول طائفة من عصاة هذه الأمة النار، لكنه لما قل بالنسبة لما ذهب نزل منزلة العدم، حتى كأنها غفرت جميعها.
وروى أبو داود وغيره: "أمتي هذه أمة مرحومة ليس عليها عذاب في الآخرة، إنما عذابها في الدنيا في الفتن، والزلازل، والقتل، والبلايا"، ونفي عذابها في الآخرة، بمعنى أن من عذب منهم لا يحس بألم النار إلا قليلا؛ كما ورد مرفوعًا: "إذا أدخل الموحدين النار أماتهم فيها إماتة، فإذا أراد أن يخرجهم منها أمسهم ألم العذاب تلك الساعة"، رواه الديلمي ولخفة ألمها، قال ﷺ : "إنما حر جهنم على أمتي كحر الحمام". رواه الطبراني برجال ثقات، ولا تناقض بين الخبرين؛ لأنها تكون عليهم عند إحيائهم، والأمر بإخراجهم كحر الحمام اللطيف الذي لا يؤذي الجسم ولا يوهنه.
وروى الدارقطني عن ابن عباس رفعه: "إن حظ أمتي من النار طول بلائها تحت التراب" وزعم أن المراد لا عذاب عليها في عموم الأعضاء؛ لأن أعضاء الوضوء لا تمسها النار تكلف مستغنى عنه، وقوله: "الفتن"، أي: الحروب والهرج بينهم، والبلايا التي منها استيفاء الحد ممن فعل موجبه، وعجلت العقوبة على الذنب في الدنيا؛ لأن شأن الأمم السالفة كان يجري علىстр. 3606
ومنها أنهم اختصوا في الآخرة بأنهم أول من تنشق عنهم الأرض من الأمم. رواه أبو نعيم عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "وأنا أول من تنشق الأرض عني وعن أمتي ولا فخر".
ومنها: أنهم يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، رواه البخاري.
والغرة: بياض في وجه الفرس. والتحجيل: بياض في قوائمه وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالا.
فشبه ﷺ النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل، ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه لا مما يشينه، يعني أنهم إذا دعوا على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، أو كانوا على هذه الصفة.
الحواشي
(١) سبيل العدل وأساس الربوبية، وشأن هذه الأمة يجري على نهج الفضل، فمن ثم ظهر في بني إسرائيل السياحة والرهبانية، وعليهم في شريعتهم الأغلال والآصار، وظهرت في هذه الأمة السماحة، ففك عنهم الأغلال، ووضع عنهم الآصار؛ كما مر.
"ومنها: أنهم اختصوا في الآخرة؛ بأنهم أول من تنشق عنهم الأرض من الأمم" بعد الأنبياء، "رواه أبو نعيم عن ابن عباس، مرفوعًا" في حديث، "بلفظ: "وأنا أول من تنشق الأرض عني"، قيل الأنبياء، وعن أمتي" قبل الأمم، "ولا فخر" أعظم من ذلك، أو لا أقول ذلك، افتخارًا، بل تحدثا بالنعمة.
"ومنها: أنهم يدعون يوم القيامة" إلى موقف الحساب، أو الميزان، أو الصراط، أو الحوض، أو غير ذلك "غرًا" بضم المعجمة والتشديد: جمع أغر، أي: ذي غرة "محجلين من آثار الوضوء" رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، "والغرة بياض في وجه" أي: جبهة "الفرس" فوق الدرهم "والتحجيل" أصله من الحجل، بكسر الحاء: الخلخال، "بياض في قوائمه" الأربع، أو في ثلاث منها أو في غيرها، "وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالا، فشبه ﷺ النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل، ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه" بفتح أوله "لا مما يشينه" دفعًا لتوهم البرص لو قال: يدعون بيضًا مثلا، "يعني: أنهم إذا دعوا على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف" بأن يقال لهم: يا غر يا محجلون، "أو كانا على هذه الصفة" وهي النور الكائن في أعضائهم، وإن نودوا بأسمائهم، وظاهره حجة للشافعي من ندب إطالة الغرة بغسل زائد على ما وجب من اليدين والرجلين ومع الوجه مقدم الرأس، وصفحة العنق، وذهب الأئمة الثلاثةстр. 3607
ومنها أنهم يكونون في الموقف على مكان عال. رواه ابن جرير وابن مردويه من حديث جابر مرفوعًا بلفظ: "أنا وأمتي على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودَّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد له أنه بلغ رسالة ربه".
وعند ابن مردويه من حديث كعب قال ﷺ : "أنا وأمتي على تل".
ومنها: أن لهم سيما في وجوههم من أثر السجود. قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . وهل هذه العلامة في الدنيا أو في الآخرة؟، فيه قولان:
أحدهما: أنها في الدنيا، قال ابن عباس في رواية أبي طلحة: السمت الحسن. وقال في رواية مجاهد: ليست السيمات بالتي ترون، هي سمة الإسلام وسيماه وخشوعه.
الحواشي
(١) إلى عدم ندب ذلك، وأولوا الإطالة في قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل بإدامة الوضوء".
"ومنها: أنهم يكونون في الموقف" مع نبيهم "على مكان عال" عبر عنه في الحديث تارة بكوم، وأخرى بتل، "رواه ابن جرير، وابن مردويه، من حديث جابر، مرفوعًا بلفظ: "أنا وأمتي" نكون "على كوم" فهو صلة محذوف، "مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ود" تمنى "أنه منا" لنيل هذا المقام والاستراحة، مما في الموقف من الزحام، "وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد له أنه بلغ رسالة ربه" كما قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، قال ابن عد السلام: وهذه خصوصية لم تثبت لغيرهم.
"وعند ابن مردويه من حديث كعب" من مالك الأنصاري، قال ﷺ : "أنا وأمتي على تل" مكان عال، زاد في الأنموذج: ولهم نوران كالأنبياء، وليس لغيرهم إلا نور واحد.
"ومنها: أن لهم سيما" فعلى من سامه إذا أعلمه، وقد قرئت ممدودة، "في وجوههم من أثر السجود، قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم مبتدأ ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ ، خبره ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ متعلق بما علق به الخبر، أي: كائنة، وأعرب حالًا من ضميره المنتقل إلى الخبر، "وهل هذه العلامة في الدنيا أو في الآخرة، فيه قولان، أحدهما: أنها في الدنيا".
"قال ابن عباس في رواية أبي طلحة" عنه: هي "السمت الحسن" أي: السكينة والوقار، "وقال" ابن عباس "في رواية مجاهد" عنه: "ليست السيمات بالتي ترون" من الأثر في جباه الساجدين، بل "هي سمة الإسلام، وسيماه وخشوعه"، وفي البيضاوي تفسيرها بالأثر،стр. 3608
وقيل: الصفرة في الوجه من أثر السجود، فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى.
والقول الثاني: أنه في الآخرة يعني أن مواضع السجود من وجوههم تكون أشد بياضًا يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنهم سجدوا في الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس, وعن شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر.
الحواشي
(١) قال: يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، "وقيل" هي "الصفرة في الوجه من أثر السجود، فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى" وذلك محمود بخلاف ما إذا لم يكن للغير سجود ولا علة.
روى أبو نعيم في الطب، عن أنس، رفعه: "إذا رأيتم الرجل أصفر الوجه من غير مرض ولا عبادة فذاك من غش الإسلام في قلبه" وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعًا: "احذروا صفر الوجوه؛ فإنه لم يكن من علة أو سهر، فإنه من غل في قلوبهم للمسلمين".
"والقول الثاني: أنه في الآخرة، يعني: أن مواضع السجود من وجوههم تكون أشد بياضًا يوم القيامة" من بقية أجسادهم، "يعرفون بتلك العلامة؛ أنهم سجدوا في الدنيا، رواه العوفي" بفتح المهملة، وسكون الواو، وبالفاء عطية بن سعد بن جنادة، بضم الجيم، بعدها نون خفيفة، أبو الحسن الكوفي، صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا، مات سنة إحدى عشرة ومائة، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو المراد عند الإطلاق؛ كما في الأنساب من التقريب، فليس المراد به يحيى بن يعمر، قاضي مرو، كما توهم من قول اللباب، يروي عن ابن عباس وابن عمر، "عن ابن عباس، وروى "عن شهر بن حوشب" الأشعري، الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، تابعي، صدوق: كثير الإرسال والأوهان، مات سنة اثنتي عشرة ومائة، روى له مسلم وأصحاب السنن: "تكون" يوم القيامة "مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر" وأيد ذ القول بقوله ﷺ : "أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء"، رواه الترمذي عن عبد الله بن بسر، بضم الموحدة، وسكون المهملة، أي: من أثر سجودهم في الصلاة، أثر وضوئهم في الدنيا، وقد سجدت الأمم قبلهم، فلم يظهر على جباههم ذلك النور، وتطهروا فلم يظهر على أطرافهم من ذلك شيء، فهو علامة هذه الأمة في الموقف، بها يعرفون، ذكره الحكيم الترمذي.
ولا تنافي بين هذا الحديث وبين حديث الصحيحين: "أن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء" لأن وجه المؤمن يكسى في القيامة نورًا من أثر السجود، ونورًا من أثر الوضوء، نور على نور، فمن كان أكثر نورًا، وأكثر وضوءا في الدنيا، كان وجهه أعظم ضياءстр. 3609
وقال عطاء الخراساني: ودخل في هذه الآية من حافظ على الصلوات الخمس.
ومنها أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم. رواه البزار.
ومنها: أن نورهم يسعى بين أيديهم. أخرجه أحمد بإسناد صحيح.
ومنها: أن لهم ما سعوا، وما يسعى لهم، وليس لمن قبلهم إلا ما سعى، قاله عكرمة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، ففيها
الحواشي
(١) وأشد إشراقًا من غيره، فيكونون فيه على مراتب في عظم النور والأنوار لا تتزاحم، ألا ترى أنه لو أدخل سراج في بيت ملأه نورًا، فإذا أدخل فيه آخر وآخر تزايد النور، ولا يزاحم الثاني الأول، ولا الثالث الثاني، وهكذا.
"وقال عطاء" بن أبي مسلم أبو عثمان "الخراساني" واسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله صدوق، يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، روى له النسائي وابن ماجه ولم يصح أن البخاري أخرج له: "ودخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس" فليس المراد النوافل فقط، فما تقرب متقرب إلى الله بأحب من أداء ما افترضه عليه.
"ومنها: أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، رواه البزار" وغيره.
"ومنها: أن نورهم يسعى بين أيديهم" أمامهم على الصراط، ويكون بإيمانهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] الآية، أي: إلى الجنة، "أخرجه أحمد بإسناد صحيح" عن النبي ﷺ : "إني لأعرف أمتي يوم القيامة من بين الأمم، أعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم"، زاد الأنموذج: "ويمرون على الصراط كالبرق والريح، ويشفع محسنهم في مسيئهم".
"ومنها: أن لهم ما سعوا" أي: عملوا، فكتب لهم ثواب أعمالهم، "وما يسعى لهم" أ: يعمل لأجلهم من صدقة ودعاء وغيرهما على ما يأتي، "وليس لمن قبلهم إلا ما سعى، قاله عكرمة" رواه ابن أبي حاتم وغيره عنه.
"وما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ قال البيضاوي: إلا سعيه، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير، لا يثاب بفعله، وما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت، فلكون الناوي له كالنائب عنه، "ففيها" أي: ففي الجواب عنهاстр. 3610
أجوبة:
أحدها: أنها منسوخة، روي ذلك عن ابن عباس، نسخها قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] ، فجعل الولد الطفل في ميزان أبيه، ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء، بدليل قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] .
الحواشي
(١) "أجوبة" فالظرفية هنا اعتبارية، فلا يقال كان المتبادر فعنها، وليس من معاني عن في، فلا ترد بمعناها، فقد ذكر صاحب المغني جملة ما ذكر لعن عشرة معان ليس فيه ورودها بمعنى في، "أحدها: أنها منسوخة، روى ذلك عن ابن عباس نسخها، قوله تعالى" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ معطوف على آمنوا ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الكبار والصغار ﴿بِإِيمَانٍ﴾ من الكبار ومن الآباء في الصغار، ثم الذين آمنوا مبتدأ، والخبر قوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُْ﴾ الآية، المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم، "فجعل الولد الطفل في ميزان أبيه" أي: في درجته أو في دخول الجنة، "ويشفع الله تعالى للآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء" أي: يأذن لكل منهم في الشفاعة فيشفع، وإذا شفع قبل شفاعته، "بدليل قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، خبره ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ الآية، في الدنيا والآخرة، فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس، وإنما العالم هو الله تعالى، ففرض لكم الميراث.
أخرج ابن مردويه، وصححه الضياء المقدسي، عن ابن عباس، رفعه: "إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك أو عملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق به"، وأخرجه الطبراني، والبزار، وأبو نعيم، عن ابن عباس مرفوعًا، بلفظ: "ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، قال: ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين هذا، وقد ضعف ابن عطية هذا القول بالنسخ، بأن قوله: ﴿وَأَنْ لَيَسَ﴾ الآية خبر، والخبر لا ينسخ؛ ولأن شروط النسخ ليس هنا، قال: اللهم إلا أن يتجوز في لفظ النسخ، وقال ابن القيم في كتاب الروح: ذهبت طائفة إلى أنها منسوخة.
وروي عن ابن عباس، وهو ضعيف، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس ولا غيره أنها منسوخة، قال: والجمع بين الآيتين غير متعذر؛ كذا قال: وفيه أنه إن صح ما روي عن ابن عباس، كان حكمه الرفع؛ لأنه لا مجال للرأي فيه.следующие страницы →