Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3606–3645 · переход к 3611.
стр. 3606
ومنها أنهم اختصوا في الآخرة بأنهم أول من تنشق عنهم الأرض من الأمم. رواه أبو نعيم عن ابن عباس مرفوعًا بلفظ: "وأنا أول من تنشق الأرض عني وعن أمتي ولا فخر".
ومنها: أنهم يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء، رواه البخاري.
والغرة: بياض في وجه الفرس. والتحجيل: بياض في قوائمه وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالا.
فشبه ﷺ النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل، ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه لا مما يشينه، يعني أنهم إذا دعوا على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف، أو كانوا على هذه الصفة.
الحواشي
(١) سبيل العدل وأساس الربوبية، وشأن هذه الأمة يجري على نهج الفضل، فمن ثم ظهر في بني إسرائيل السياحة والرهبانية، وعليهم في شريعتهم الأغلال والآصار، وظهرت في هذه الأمة السماحة، ففك عنهم الأغلال، ووضع عنهم الآصار؛ كما مر.
"ومنها: أنهم اختصوا في الآخرة؛ بأنهم أول من تنشق عنهم الأرض من الأمم" بعد الأنبياء، "رواه أبو نعيم عن ابن عباس، مرفوعًا" في حديث، "بلفظ: "وأنا أول من تنشق الأرض عني"، قيل الأنبياء، وعن أمتي" قبل الأمم، "ولا فخر" أعظم من ذلك، أو لا أقول ذلك، افتخارًا، بل تحدثا بالنعمة.
"ومنها: أنهم يدعون يوم القيامة" إلى موقف الحساب، أو الميزان، أو الصراط، أو الحوض، أو غير ذلك "غرًا" بضم المعجمة والتشديد: جمع أغر، أي: ذي غرة "محجلين من آثار الوضوء" رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة، "والغرة بياض في وجه" أي: جبهة "الفرس" فوق الدرهم "والتحجيل" أصله من الحجل، بكسر الحاء: الخلخال، "بياض في قوائمه" الأربع، أو في ثلاث منها أو في غيرها، "وذلك مما يكسبه حسنًا وجمالا، فشبه ﷺ النور الذي يكون يوم القيامة في أعضاء الوضوء بالغرة والتحجيل، ليفهم أن هذا البياض في أعضاء الإنسان مما يزينه" بفتح أوله "لا مما يشينه" دفعًا لتوهم البرص لو قال: يدعون بيضًا مثلا، "يعني: أنهم إذا دعوا على رءوس الأشهاد نودوا بهذا الوصف" بأن يقال لهم: يا غر يا محجلون، "أو كانا على هذه الصفة" وهي النور الكائن في أعضائهم، وإن نودوا بأسمائهم، وظاهره حجة للشافعي من ندب إطالة الغرة بغسل زائد على ما وجب من اليدين والرجلين ومع الوجه مقدم الرأس، وصفحة العنق، وذهب الأئمة الثلاثةстр. 3607
ومنها أنهم يكونون في الموقف على مكان عال. رواه ابن جرير وابن مردويه من حديث جابر مرفوعًا بلفظ: "أنا وأمتي على كوم مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ودَّ أنه منا، وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد له أنه بلغ رسالة ربه".
وعند ابن مردويه من حديث كعب قال ﷺ : "أنا وأمتي على تل".
ومنها: أن لهم سيما في وجوههم من أثر السجود. قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: ٢٩] . وهل هذه العلامة في الدنيا أو في الآخرة؟، فيه قولان:
أحدهما: أنها في الدنيا، قال ابن عباس في رواية أبي طلحة: السمت الحسن. وقال في رواية مجاهد: ليست السيمات بالتي ترون، هي سمة الإسلام وسيماه وخشوعه.
الحواشي
(١) إلى عدم ندب ذلك، وأولوا الإطالة في قوله: "فمن استطاع منكم أن يطيل غرته، فليفعل بإدامة الوضوء".
"ومنها: أنهم يكونون في الموقف" مع نبيهم "على مكان عال" عبر عنه في الحديث تارة بكوم، وأخرى بتل، "رواه ابن جرير، وابن مردويه، من حديث جابر، مرفوعًا بلفظ: "أنا وأمتي" نكون "على كوم" فهو صلة محذوف، "مشرفين على الخلائق، ما من الناس أحد إلا ود" تمنى "أنه منا" لنيل هذا المقام والاستراحة، مما في الموقف من الزحام، "وما من نبي كذبه قومه إلا ونحن نشهد له أنه بلغ رسالة ربه" كما قال تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣] الآية، قال ابن عد السلام: وهذه خصوصية لم تثبت لغيرهم.
"وعند ابن مردويه من حديث كعب" من مالك الأنصاري، قال ﷺ : "أنا وأمتي على تل" مكان عال، زاد في الأنموذج: ولهم نوران كالأنبياء، وليس لغيرهم إلا نور واحد.
"ومنها: أن لهم سيما" فعلى من سامه إذا أعلمه، وقد قرئت ممدودة، "في وجوههم من أثر السجود، قال تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ﴾ علامتهم مبتدأ ﴿فِي وُجُوهِهِمْ﴾ ، خبره ﴿مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ متعلق بما علق به الخبر، أي: كائنة، وأعرب حالًا من ضميره المنتقل إلى الخبر، "وهل هذه العلامة في الدنيا أو في الآخرة، فيه قولان، أحدهما: أنها في الدنيا".
"قال ابن عباس في رواية أبي طلحة" عنه: هي "السمت الحسن" أي: السكينة والوقار، "وقال" ابن عباس "في رواية مجاهد" عنه: "ليست السيمات بالتي ترون" من الأثر في جباه الساجدين، بل "هي سمة الإسلام، وسيماه وخشوعه"، وفي البيضاوي تفسيرها بالأثر،стр. 3608
وقيل: الصفرة في الوجه من أثر السجود، فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى.
والقول الثاني: أنه في الآخرة يعني أن مواضع السجود من وجوههم تكون أشد بياضًا يوم القيامة، يعرفون بتلك العلامة أنهم سجدوا في الدنيا، رواه العوفي عن ابن عباس, وعن شهر بن حوشب: تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر.
الحواشي
(١) قال: يريد السمة التي تحدث في جباههم من كثرة السجود، "وقيل" هي "الصفرة في الوجه من أثر السجود، فتحسبهم مرضى وما هم بمرضى" وذلك محمود بخلاف ما إذا لم يكن للغير سجود ولا علة.
روى أبو نعيم في الطب، عن أنس، رفعه: "إذا رأيتم الرجل أصفر الوجه من غير مرض ولا عبادة فذاك من غش الإسلام في قلبه" وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعًا: "احذروا صفر الوجوه؛ فإنه لم يكن من علة أو سهر، فإنه من غل في قلوبهم للمسلمين".
"والقول الثاني: أنه في الآخرة، يعني: أن مواضع السجود من وجوههم تكون أشد بياضًا يوم القيامة" من بقية أجسادهم، "يعرفون بتلك العلامة؛ أنهم سجدوا في الدنيا، رواه العوفي" بفتح المهملة، وسكون الواو، وبالفاء عطية بن سعد بن جنادة، بضم الجيم، بعدها نون خفيفة، أبو الحسن الكوفي، صدوق، يخطئ كثيرًا، وكان شيعيًا مدلسًا، مات سنة إحدى عشرة ومائة، روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، وهو المراد عند الإطلاق؛ كما في الأنساب من التقريب، فليس المراد به يحيى بن يعمر، قاضي مرو، كما توهم من قول اللباب، يروي عن ابن عباس وابن عمر، "عن ابن عباس، وروى "عن شهر بن حوشب" الأشعري، الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، تابعي، صدوق: كثير الإرسال والأوهان، مات سنة اثنتي عشرة ومائة، روى له مسلم وأصحاب السنن: "تكون" يوم القيامة "مواضع السجود من وجوههم، كالقمر ليلة البدر" وأيد ذ القول بقوله ﷺ : "أمتي يوم القيامة غر من السجود، محجلون من الوضوء"، رواه الترمذي عن عبد الله بن بسر، بضم الموحدة، وسكون المهملة، أي: من أثر سجودهم في الصلاة، أثر وضوئهم في الدنيا، وقد سجدت الأمم قبلهم، فلم يظهر على جباههم ذلك النور، وتطهروا فلم يظهر على أطرافهم من ذلك شيء، فهو علامة هذه الأمة في الموقف، بها يعرفون، ذكره الحكيم الترمذي.
ولا تنافي بين هذا الحديث وبين حديث الصحيحين: "أن أمتي يدعون يوم القيامة غرًا محجلين من آثار الوضوء" لأن وجه المؤمن يكسى في القيامة نورًا من أثر السجود، ونورًا من أثر الوضوء، نور على نور، فمن كان أكثر نورًا، وأكثر وضوءا في الدنيا، كان وجهه أعظم ضياءстр. 3609
وقال عطاء الخراساني: ودخل في هذه الآية من حافظ على الصلوات الخمس.
ومنها أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم. رواه البزار.
ومنها: أن نورهم يسعى بين أيديهم. أخرجه أحمد بإسناد صحيح.
ومنها: أن لهم ما سعوا، وما يسعى لهم، وليس لمن قبلهم إلا ما سعى، قاله عكرمة.
وأما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩] ، ففيها
الحواشي
(١) وأشد إشراقًا من غيره، فيكونون فيه على مراتب في عظم النور والأنوار لا تتزاحم، ألا ترى أنه لو أدخل سراج في بيت ملأه نورًا، فإذا أدخل فيه آخر وآخر تزايد النور، ولا يزاحم الثاني الأول، ولا الثالث الثاني، وهكذا.
"وقال عطاء" بن أبي مسلم أبو عثمان "الخراساني" واسم أبيه ميسرة، وقيل: عبد الله صدوق، يهم كثيرًا ويرسل ويدلس، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، روى له النسائي وابن ماجه ولم يصح أن البخاري أخرج له: "ودخل في هذه الآية كل من حافظ على الصلوات الخمس" فليس المراد النوافل فقط، فما تقرب متقرب إلى الله بأحب من أداء ما افترضه عليه.
"ومنها: أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، رواه البزار" وغيره.
"ومنها: أن نورهم يسعى بين أيديهم" أمامهم على الصراط، ويكون بإيمانهم، قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ [التحريم: ٨] الآية، أي: إلى الجنة، "أخرجه أحمد بإسناد صحيح" عن النبي ﷺ : "إني لأعرف أمتي يوم القيامة من بين الأمم، أعرفهم يؤتون كتبهم بأيمانهم، وأعرفهم بسيماهم في وجوههم من أثر السجود، وأعرفهم بنورهم يسعى بين أيديهم"، زاد الأنموذج: "ويمرون على الصراط كالبرق والريح، ويشفع محسنهم في مسيئهم".
"ومنها: أن لهم ما سعوا" أي: عملوا، فكتب لهم ثواب أعمالهم، "وما يسعى لهم" أ: يعمل لأجلهم من صدقة ودعاء وغيرهما على ما يأتي، "وليس لمن قبلهم إلا ما سعى، قاله عكرمة" رواه ابن أبي حاتم وغيره عنه.
"وما قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ قال البيضاوي: إلا سعيه، أي: كما لا يؤاخذ أحد بذنب الغير، لا يثاب بفعله، وما جاء في الأخبار من أن الصدقة والحج ينفعان الميت، فلكون الناوي له كالنائب عنه، "ففيها" أي: ففي الجواب عنهاстр. 3610
أجوبة:
أحدها: أنها منسوخة، روي ذلك عن ابن عباس، نسخها قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ﴾ [الطور: ٢١] ، فجعل الولد الطفل في ميزان أبيه، ويشفع الله تعالى الآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء، بدليل قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ [النساء: ١١] .
الحواشي
(١) "أجوبة" فالظرفية هنا اعتبارية، فلا يقال كان المتبادر فعنها، وليس من معاني عن في، فلا ترد بمعناها، فقد ذكر صاحب المغني جملة ما ذكر لعن عشرة معان ليس فيه ورودها بمعنى في، "أحدها: أنها منسوخة، روى ذلك عن ابن عباس نسخها، قوله تعالى" ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ﴾ معطوف على آمنوا ﴿ذُرِّيَّتُهُمْ﴾ الكبار والصغار ﴿بِإِيمَانٍ﴾ من الكبار ومن الآباء في الصغار، ثم الذين آمنوا مبتدأ، والخبر قوله: ﴿أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُْ﴾ الآية، المذكورين في الجنة، فيكونون في درجتهم وإن لم يعملوا بعملهم تكرمة للآباء باجتماع الأولاد إليهم، "فجعل الولد الطفل في ميزان أبيه" أي: في درجته أو في دخول الجنة، "ويشفع الله تعالى للآباء في الأبناء، والأبناء في الآباء" أي: يأذن لكل منهم في الشفاعة فيشفع، وإذا شفع قبل شفاعته، "بدليل قوله تعالى: ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ﴾ مبتدأ، خبره ﴿لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا﴾ الآية، في الدنيا والآخرة، فظان أن ابنه أنفع له فيعطيه الميراث فيكون الأب أنفع وبالعكس، وإنما العالم هو الله تعالى، ففرض لكم الميراث.
أخرج ابن مردويه، وصححه الضياء المقدسي، عن ابن عباس، رفعه: "إذا دخل الرجل الجنة، سأل عن أبويه وزوجته وولده، فيقال: إنهم لم يبلغوا درجتك أو عملك، فيقول: يا رب قد عملت لي ولهم، فيؤمر بالإلحاق به"، وأخرجه الطبراني، والبزار، وأبو نعيم، عن ابن عباس مرفوعًا، بلفظ: "ذرية المؤمن في درجته، وإن كانوا دونه في العمل لتقر بهم عينه"، ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ، قال: ما نقصنا الآباء مما أعطينا البنين هذا، وقد ضعف ابن عطية هذا القول بالنسخ، بأن قوله: ﴿وَأَنْ لَيَسَ﴾ الآية خبر، والخبر لا ينسخ؛ ولأن شروط النسخ ليس هنا، قال: اللهم إلا أن يتجوز في لفظ النسخ، وقال ابن القيم في كتاب الروح: ذهبت طائفة إلى أنها منسوخة.
وروي عن ابن عباس، وهو ضعيف، ولا يرفع حكم الآية بمجرد قول ابن عباس ولا غيره أنها منسوخة، قال: والجمع بين الآيتين غير متعذر؛ كذا قال: وفيه أنه إن صح ما روي عن ابن عباس، كان حكمه الرفع؛ لأنه لا مجال للرأي فيه.стр. 3611
الثاني: أنها مخصوصة بالكافر، وأما المؤمن فله ما سعى غيره. قال القرطبي: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره, وفي الصحيح عن النبي ﷺ : "من مات وعليه صيام صام عنه وليه"، وقال ﷺ للذي حج عنه غيره: "حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة"، وعن عائشة أنها اعتكفت عن أخيها عبد الرحمن وأعتقت عنه.
وقال سعد للنبي ﷺ : إن أمي توفيت.
الحواشي
(١) "الثاني: أنها مخصوصة بالكافر" أي: كافرًا وكافر مخصوص اختلف فيه على ما يأتي، "وأما المؤمن، فله ما سعى" أي: عمل "غيره" عنه بنيته على تفصيل وخلاف مقرر في الفروع.
"قال القرطبي: وكثير من الأحاديث يدل على هذا القول، وأن المؤمن يصل إليه ثواب العمل الصالح من غيره" عنه بالنية، "وفي الصحيح" للبخاري ومسلم عن عائشة، عن النبي ﷺ : "من مات" عام في المكلفين بقرينة قوله: "وعليه صيام" وهذا لفظ الصحيحين، ولم يصب من عزاه لهما بلفظ صوم، "صام عنه" ولو بغير إذنه، "وليه" جوازًا لا لزومًا، وإليه ذهب الشافعي في القديم وعمل به الجمهور.
وقال في الجديد: وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: لا يجوز الصوم عن الميت؛ لأنه عبادة بدنية، والمراد بوليه على الأول كل قريب أو الوارث أو عصبته، وخرج الأجنبي، فإنما يصوم بإذنه أو وليه بأجر أو دونه.
"وقال ﷺ للذي حج عن غيره" كما روى أبو داود، وابن ماجه، برجال ثقات، ن ابن عباس: أن النبي ﷺ سمع رجلا يقول: لبيك عن شبرمة، فقال: "من شبرمة"؟ فقال: أخ أو قريب لي، قال: "حججت عن نفسك"؟ قال: لا، قال: "حج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة" بضم الشين المعجمة، وإسكان الموحدة، وضم الراء، قال الحافظ في تخريج أحاديث الشرح الكبير: زعم ابن باطيس أن اسم الملبي تبيشة، ومن النوادر أن بعض القضاة ممن أدركنا صحف شبرمة، فقال: شبرمنت، بلفظ القرية التي بالجيزة، انتهى، فمن عليه حج الفرض لا يصح حجه عن غيره، فإن أحرم عنه وقع عن نفسه وعليه الشافعي، وصححه أبو حنيفة ومالك مع الكراهة، والجمهور على كراهة إجارة الإنسان نفسه للحج، لكن حمل على قصد الدنيا، أما لقصد الآخرة لاحتياجه للأجرة ليصرفها في واجب أو مندوب، فلا.
وعن عائشة: أنها اعتكفت عن أخيها" شقيقها "عبد الرحمن، وأعتق عنه" بعد موته فجأة، سنة ثلاث وخمسين، وقيل بعدها في طريق مكة، "وقال سعد" بن عبادة سيد الخزرج "للنبي ﷺ : إن أمي" عمرة بنت مسعود الصحابية "توفيت" سنة خمس والنبي ﷺ في غزوةстр. 3612
أفأتصدق عنها؟ قال: "نعم"، قال: فأي الصدقة أفضل؟، قال: "سقي الماء".
وفي الموطأ عن عبد الله بن أبي بكر عن عمته أنها حدثته عن جدته: أنها جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس: أنها تمشي عنها.
ومن المفسرين من قال: إن "الإنسان" في الآية، أبو جهل، ومنهم من قال: عقبة بن أبي معيط، ومنهم من قال: الوليد بن المغيرة، ومنهم من قال: إخبار عن شرع من قبلنا
الحواشي
(١) دومة الجندل في شهر ربيع ومعه سعد، فلما جاء النبي ﷺ المدينة أتى قبرها، فصلى عليها، ذكره سعد، "أفأتصدق عنها، قال: "نعم"، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: "سقي الماء" ولعله كان وقت السؤال، الناس أحوج إلى الماء من غيره لقلته في ذلك الموضع، أو لشدة حرارته، كما هو الغالب في الحجاز، وإلا فالصدقة بالطعام وإن قل عند كثرة الماء وتيسره أفضل والنبي ﷺ سيد الحكماء، فيجيب كل سائل بما هو الأفضل في حقه.
قال ابن القيم في كتاب الروح: وأفضل الصدقة ما صادف حاجة من المتصدق عليه، وكان دائمًا مستمرًا، ومنه قوله: "أفضل الصدقة سقي الماء" وهذا في موضع يقل فيه الماء، ويكثر العطش، وإلا فسقي الماء على الأنهار والقنى لا يكون أفضل من إطعام الطعام عند الحاجة.
"وفي الموطأ" للإمام مالك، "عن عبد الله بن أبي بكر" بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني القاضي، مات سنة خمس وثلاثين ومائة، وهو ابن سبعين سنة، "عن عمته" أم كلثوم أو أم عمرو، فهي عمته الحقيقية لا المجازية التي هي عمرة بنت حزم جد عبد الله الصحابية؛ لأنه لم يدركها؛ "أنها حدته عن جدته؛ أنها جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه" أي: لم تفعله، "فأفتى عبد الله بن عباس أنها تمشي عنها" ففي هذا كله دلالة على أن للمؤمن ما سعى غيره، لكن هذا مذهب صحابي، وقد عقبه في الموطأ بقوله: قال يحيى: سمعت مالكًا يقول: لا يمشي أحد عن أحد، على أن الراجح أن من نذر مشيًا إلى غير بيت الله الحرام وما ألحق به، لا يجب عليه لا لعبادة ولا لغيره عند الشافعية، وقال مالك: من نذر المشي إلى المدينة أو إيلياء فليس عليه ذلك إلا أن ينوي صلاة بمسجديهما، فيركب.
"ومن المفسرين من قال: إن الإنسان في الآية أبو جهل" فرعون هذه الأمة، "ومنهم من قال: عقبة بن أبي معيط" الكافر المقتول بعد انصرافهم من بدر صبرًا، "ومنهم من قال: الوليد بن المغيرة" الميت على كفره قبل وقعة بدر، فعمومها على هذه الأقوال مخصوص بواحد مختلف في تعيينه، "ومنهم من قال" الآية "إخبار عن شرع من قبلنا" لأن قبلها أم لم ينبأ بما في صحف موسىстр. 3613
وقد دل شرعنا على أن الإنسان له سعيه، وما سعى له، ومنهم من قال: الإنسان بسعيه في الخير وحسن صحبته وعشرته اكتسب الأصحاب، وأهدى لهم الخير وتودد إليهم فصار ثوابهم له بعد موته من سعيه.
ومنهم من قال "الإنسان" في الآية للحي دون الميت. ومنهم من قال: لم ينف في الآية انتفاع الرجل بسعي غيره له، وإنما نفي ملكه لسعي غيره، وبين الأمرين فرق:
فقال الزمخشري في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ : فإن
الحواشي
(١) وإبراهيم، "وقد دل شرعنا على أن الإنسان له سعيه وما سعى له" وهذا قول عكرمة.
"ومنهم من قال: الإنسان بسعيه في الخير، وحسن صحبته وعشرته اكتسب الأصحاب" أي: تسبب في وقوع الصحبة بينه وبين غيره، "وأهدى لهم الخير، وتودد إليهم، فصار ثوابهم له بعد موته من سعيه" لأن الدال على الخير كفاعله، وقد انتفع أصحابه منه بمعرفة الخصال الحميدة، فعملوا بها فحصل له بتسببه في حصول ذلك لهم مثل ثواب ما عملوه.
"ومنهم من قال: الإنسان في الآية للحي دون الميت" يعني إن الحي لا يسقط عنه الحج مثلًا ما دام حيًا، يحج غيره عنه بخلاف ما لو فعل عنه بعد موته، فينفعه عند هذا القول.
قال ابن القيم في كتاب الروح: وهذا أيضًا من النمط الأول في الفساد، وكله من سوء التصرف في اللفظ العام، وصاحب هذا التصرف لا ينفذ تصرفه في دلالات الألفاظ وحملها على خلاف موضوعها وما يتبادر إلى الذهن منها، وهو تصرف فاسد قطعًا، يبطله السياق والاعتبار، وقواعد الشرع وأدلته وعرفه، وسبب هذا التصرف السيئ أن صاحبه يعتقد قولا، ثم يرد كل ما دل على خلافه بأي طريق اتفقت له، فالأدلة المخالفة له كالصائل لا يبالي بأي شيء دفعه، وأدلة الحق لا تتعارض ولا تتناقض، بل يصدق بعضها بعضًا، انتهى.
"ومنهم من قال: لم ينف في الآية انتفاع الرجل بسعي غيره له، وإنما نفى ملكه لسعي غيره"، لأن قاتل ذلك يرى أن اللام في الإنسان للملك، وو أخص من مجرد انتفاع الإنسان بمال غيره، وهو المراد هنا؛ فمن تصدق عن غيره مثلا بمال لا يصير المال مقصورا نفعه على من تصدق عنه، بحيث ينتفي ثوابه بالكلية عن المتصدق، وإليه أشار بقوله: "وبين الأمرين فرق" وإذا أردت بيانه، "فقال الزمخشري" ما يفيده "في قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ، فإن قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت والحج عنه"، وهما سعي غيره؟ "قلت: فيه جوابان".стр. 3614
قلت: أما صح في الأخبار الصدقة عن الميت والحج عنه؟ قلت: فيه جوابان.
أحدهما: إن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيًا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنًا مصدقًا، كان سعي غيره كأنه سعي نفسه لكونه تبعًا له، وقائمًا مقامه.
والثاني: إن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه، ولكن إذا نواه له فهو في حكم الشرع كالنائب عنه، والوكيل القائم مقامه.
والصحيح من الأجوبة أن قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ، عام مخصوص بما تقدم من الأجوبة.
وقد اختلف العلماء في ثواب القراءة، هل يصل للميت؟
الحواشي
(١) "أحدهما: أن سعي غيره لما لم ينفعه إلا مبنيًا على سعي نفسه، وهو أن يكون مؤمنًا مصدقًا" فالصدقة على الكافر ونحوها لا تنفعه، بل يحرم على المسلم فعل ذلك عنه، وإنما تنفعه الصدقة ونحوها إذا كان مسلمًا، فهو أس، وسبب في حصول فعل غيره له، فذلك "كان سعي غيره كأنه سعي نفسه؛ لكونه تبعًا له وقائمًا مقامه" أي: موجود الأجل وجود الإيمان منه، فنزل إيمانه الذي هو سبب في حصول ذلك له منزلة ما لو تصدق هو عن نفسه.
"والثاني: أن سعي غيره لا ينفعه إذا عمله لنفسه" أي: الغير، "ولكن إذا نواه له، فهو في حكم الشرع كالنائب عنه والوكيل القائم مقامه" فيصل ثوابه إليه تنزيلا له منزلة المتصدق، واستبعده إمام الحرمين؛ بأنه لم يأمر به، وأوله بأنه يقع عن المتصدق، وينال الميت ببركته، ورده ابن عبد السلام؛ بأن ما ذكروه من وقوع الصدقة نفسها عن الميت حتى يكتب له ثوابها هو ظاهر السنة، "والصحيح من الأجوبة إن قوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ، عام مخصوص بما تقدم من الأجوبة" فالآية محكمة، كما عليه الجمهور لا منسوخة.
قال ابن عطية: والتحرير عندي أن ملاك المعنى في اللام من قوله للإنسان، فإذا حققت الشيء الذي حق لإنسان أن يقول لي، كذا لم يجز إلا سعيه، وما زاد من رحمة لشفاعة، أو رعاية أب صالح، أو ابن صالح، أو تضعيف حسنات ونحو ذلك، فليس هو للإنسان، ولا يصح أن تقول لي كذا إلا على تجوز وإلحاق بما هو له حقيقة، وسأل عبد الله بن طاهر والي خراسان، الحسين بن الفضل عن هذه الآية مع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ ، فقال: ليس له بالعدل إلا ما سعى، وله بفضل الله ما شاء الله.
"وقد اختلف العلماء في ثواب القراءة هل تصل للميت فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو المشهور من مذهب الشافعي" لكن المحققون من متأخري مذهبه على الوصول،стр. 3615
فذهب الأكثرون إلى المنع، وهو المشهور من مذهب الشافعي ومالك، ونقل عن جماعة من الحنفية.
وقال كثير من الشافعية والحنفية: يصل وبه قال أحمد بن حنبل ﵀ بعد أن قال: القراءة على القبر بدعة، بل نقل عن الإمام أحمد: يصل إلى الميت كل شيء من صدقة وصلاة وحج واعتكاف وقراءة وذكر وغير ذلك.
الحواشي
(١) أي: وصول مثل ثواب القارئ للميت وأولوا المنع على معنى وصول عين الثواب الذي للقارئ، أو على قراءته لا يحضره الميت ولا بنية القارئ ثواب قراءته له، نواه ولم يدع.
قال ابن الصلاح: وينبغي الجزم بنفع اللهم أوصل ثواب ما قرأناه، أي: مثله، فهو المراد؛ وأن يصرح به لفلان؛ لأنه إذا نفعه الدعاء بما ليس للداعي، فما له أولى، ويجري ذلك في سائر الأعمال.
"ومالك" لكن قال الإمام ابن رشد في نوازله: إن قرأ، ووهب ثواب قراءته لميت جاز، وحصل للميت أجره ووصل إليه نفعه، وقال أبو عبد الله الأبي: إن قرأ ابتداء الميت وصل إليه ثوابه، كالصدقة والدعاء، وإن قرأ، ثم وهبه له لم يصل؛ لأن ثواب القراءة للقارئ لا ينتقل عنه إلى غيره.
وقال العلامة الشهاب القرافي: الذي يتجه أن يحصل للموتى بركة القراءة، كما يحصل لهم بركة الرجل الصالح يدفن عندهم أو يدفنون عنده، ووصل القراءة للميت، وإن حصل الخلاف فيها، فلا ينبغي إهمالها، فلعل الحق الوصول، فإن هذه الأمور معيبة عنا، وليس الخلاف في حكم شرعي إنما هو في أمر هل يقع كذلك أم لا؟ وكذلك التهليل الذي عادة الناس يعملونه اليوم، ينبغي أن يعمل ويعتمد فضل الله وجوده وإحسانه، هذا هو اللائق بالعبد، انتهى.
"ونقل عن جماعة من الحنفية، وقال كثير من الشافعية والحنفية: يصل، وبه قال أحمد بن حنبل بعد أن، قال: القراءة على القبر بدعة" مكروهة، وهو أصل مذهب مالك، "بل نقل عن الإمام أحمد يصل إلى الميت كل شيء من صدقة وصلاة وحج واعتكاف وقراءة وذكر وغير ذلك" كالدعاء له، فقد صح خبر: "إن الله يرفع درجة العبد في الجنة باستغفار ولده له"، ومعنى نفعه بالدعاء حصول المدعو له إذا استجيب، واستجابته محض فضل منه تعالى، ولا يسمى في العرف ثوابًا.
أما نفس الدعاء وثوابه فللداعي، لأنه شفاع أجرها للشافع، ومقصودها للمشفوع له، نعم دعاء الولد يحصل ثوابه نفسه للوالد الميت؛ لأن عمل ولده لتسببه في وجوده من جملة عمله،стр. 3616
وذكر الشيخ شمس الدين بن القطان العسقلاني: إن وصول ثواب القراءة إلى الميت من قريب أو أجنبي هو الصحيح، كما تنفعه الصدقة والدعاء والاستغفار بالإجماع.
وقد أفتى القاضي حسين: بأن الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر جائز، كالاستئجار للأذان وتعليم القرآن.
لكن قال الرافعي وتبعه النووي: عود المنفعة إلى المستأجر شرط في الإجارة، فيجب عود المنفعة في هذه الإجارة إلى المستأجرة أو ميته، لكن المستأجر لا ينتفع بأن يقرأ الغير له، ومشهور أن الميت لا يلحقه ثواب القراءة المجردة، فالوجه تنزيل الاستئجار على صورة انتفاع الميت بالقراءة وذكروا له طريقين.
أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت من قريب أو أجنبي، فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أقرب إلى الإجابة وأكثر بركة.
والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم الشالوسي:
الحواشي
(١) كما صرح به خبر: "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث"، ثم قال: "أو ولد صالح" أي: مسلم يدعو له، فجعل دعاءه من جملة عمل الوالد، وإنما يكون منه، ويستثنى من انقطاع العمل إن أريد نفس الدعاء لا المدعو به.
"وذكر الشيخ شمس الدين بن القطان العسقلاني: إن وصول ثواب القراءة إلى الميت من قريب أو أجنبي هو الصحيح" مع النية، وهو المعتمد عند متأخري الشافعية؛ "كما تنفعه الصدقة" عنه، "والدعاء والاستغفار" له "بالإجماع" المؤيد بصريح كثير من الأحاديث، "وقد أفتى القاضي حسين؛ بأن الاستئجار لقراءة القرآن على رأس القبر جائز" وإن قلنا بكراهة القراءة على القبر؛ لأن المكروه من الجائز، كالاستئجار للأذان وتعليم القرآن. لكن قال الرافعي، وتبعه النووي: عود المنفعة إلى المستأجر شرط في الإجارة، فيجب عود المنفعة في هذه الإجارة إلى المستأجر أو ميته، لكن المستأجر لا ينتفع بأن يقرأ الغير له، ومشهور أن الميت لا يلحقه ثواب القراءة المجردة" عن نيته بها أو الدعاء بوصول ثوابها له، "فالوجه تنزيل الاستئجار على صورة انتفاع الميت بالقراءة، وذكروا له طريقين".
"أحدهما: أن يعقب القراءة بالدعاء للميت من قريب أو أجنبي، فإن الدعاء يلحقه، والدعاء بعد القراءة أقرب إلى الإجابة، وأكثر بركة".
"والثاني: ذكر الشيخ عبد الكريم" بن أحمد بن الحسن بن محمد الفقيه "الشالوسي" بشين معجمة، ولام مضمومة، ثم سين مهملة؛ كما ضبطه ابن السمعاني وغيره، نسبة إلى شالوسстр. 3617
أنه إن نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، لكن لو قرأ ثم جعل ما حصل من الأجر له، فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت فينتفع الميت.
قال النووي في زيادات الروضة: ظاهر كلام القاضي حسين صحة الإجارة مطلقًا وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة وتنزل الرحمة. وهذا مقصود: بنفع الميت.
وقال الرافعي وتبعه النووي في الوصية: الذي يعتاد من قراءة القرآن على رأس القبر قد ذكرنا في باب الإجارة طريقين في عودة فائدتها إلى الميت كالحي الحاضر، فترجى له الرحمة ووصول البركة إذا أهدى الثواب إليه القارئ.
وقال الشالوسي: إذا نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه، إذا جعل
الحواشي
(١) قرية كبيرة بنواحي آمل بطبرستان، كان فقيه عصره بآمل ومدرسها، واعظًا، زاهدًا، وبيته بيت العلم والزهد، مات سنة خمس وستين وأربعمائة.
قال الأسنوي: ووهم النووي في التهذيب، فأهمل سينه الأولى أيضًا، وأهل المشرق، خصوصًا ابن السمعاني أعرف ببلادهم من أهل الشام، ولا شك أن النووي هنا لم ينظر إلى ابن السمعاني ولا غيره، وإنما اعتمد على ما يتعلق به كثير من المتفقهة الذين لا اطلاع لهم على ذلك، "أنه إن نوى القارئ بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه" قال شيخنا: المعتمد أنه يلحقه ثوابها حيث قرأ بحضرته أو دعا له عقبها أو نواه بها، وإن لم يكن عنده ولا دعا له؛ "لكن لو قرأ، ثم جعل ما حصل من الأجر له، فهذا دعاء بحصول ذلك الأجر للميت، فينتفع الميت" بذلك الدعاء.
"قال النووي في زيادات الروضة: ظاهر كلام القاضي حسين صحة الإجارة مطلقًا وهو المختار، فإن موضع القراءة موضع بركة وتنزل الرحمة، وهذا مقصود بنفع الميت".
"وقال الرافعي: وتبعه النووي في" باب "الوصية: الذي يعتاد" مبني للمجهول "من قراءة القرآن على رأس القبر، قد ذكرنا في باب الإجارة طريقين" هما السابقان "في عود فائدتهما إلى الميت".
"وعن القاضي أبي الطيب طريق ثالث، وهو أن الميت كالحي الحاضر، فترجى له الرحمة ووصول البركة إذا أهدى الثواب إليه القارئ" قريبًا أو أجنبيًا، "وقال" أبو عبد الله "الشالوسي: إذا نوى بقراءته أن يكون ثوابها للميت لم يلحقه إذا جعل ذلك قبل حصوله" أي: الثواب، "وتلاوته عبادة البدن فلا تقع عن الغير، وإن قرأ، ثم جعل ما حصل من الثوابстр. 3618
قبل حصوله، وتلاوته عبادة البدن فلا تقع عن الغير، وإن قرأ ثم جعل ما حصل من الثواب للميت فينفعه، إذا قد جعل من الأجر لغيره.
لكن إطلاق أن الدعاء ينفع الميت، اعترض عليه بعضهم بأنه موقوف على الإجابة.
ويمكن أن يقال: الدعاء للميت مستجاب -كما أطلقوه- اعتمادًا على سعة فضل الله.
وقال الرافعي وتبعه النووي: يستوي في الصدقة والدعاء، الوارث والأجنبي. قال الشافعي: وفي وسع الله أن يثيب المتصدق أيضًا.
وقال الأصحاب: يستحب أن ينوي المتصدق بالصدقة عن أبويه مثلا، فإن الله ينيلهما الثواب ولا ينقص من أجره شيئًا.
وذكر صاحب العدة: أنه لو أنبط بعلمه عينًا أو حفر بئرًا، أو غرس شجرًا، أو
الحواشي
(١) للميت، فينفعه إذا قد جعل من الأجر لغيره" أي: لأنه جعل بدعائه عقب القراءة شيئًا من أجرها للميت، فينفعه؛ "لكن إطلاق أن الدعاء ينفع الميت اعترض عليه بعضهم، بأنه موقوف على الإجابة" ونحن لا نعلمها، "ويمكن أن يقال" في الجواب: "الدعاء للميت مستجاب، كما أطلقوه اعتمادًا على سعة فضل الله" فلا اعتراض، وهو جواب لين.
"قال الرافعي، وتبعه النووي: يستوي في الصدقة والدعاء الوارث والأجنبي" على ظاهر الأخبار.
"قال الشافعي: وفي وسع الله" من فضله "أن يثيب المتصدق أيضًا، و" من ثم "قال الأصحاب: يستحب أن ينوي المتصدق الصدقة عن أبويه مثلا، فإن الله ينيلهما الثواب ولا ينقص من أجره شيئًا" وقول الزركشي: ما ذكر في الوقف يلزمه تقدير دخوله في ملكه وتمليكه الغير، ولا نظير له، رد بأن هذا يلزم في الصدقة أيضًا، وإنما لم ينظر له؛ لأن جعله كالمصدق محض فضل، فلا يضر خروجه عن القواعد لو احتيج لذلك التقدير، مع أنه غير محتاج إليه، بل يصح نحو الوقف عن الميت، وللفاعل ثواب البر، وللميت ثواب الصدقة المرتبة عليه، ذكره الرملي.
"وذكر صاحب العدة؛ أنه لو أنبط" بفتح الهمزة، وإسكان النون، فموحدة مفتوحة، فطاء مهملة، أي: استخرج "بعمله عينًا، أو حفر بئرًا، أو غرس شجرًا" ويأتي الحديث نخلا؛ فكأنه لأنه غالب شجر المدينة، "أو وقف مصحفًا في حال حياته، أو فعل غيره" ذلك "عنه بعد موته يلحق الثواب بالميت".стр. 3619
وقف مصحفًا في حال حياته، أو فعل غيره عنه بعد موته، يلحق الثواب بالميت.
وقال الرافعي والنووي: إن هذه الأمور إذا صدرت من الحي فهي صدقات جارية يلحقه ثوابها بعد الموت، كما ورد في الخبر، ولا يختص الحكم بوقف
الحواشي
(١) "وقال الرافعي والنووي: إن هذه الأمور إذا صدرت من الحي، فهي صدقات جارية يلحقه ثوابها بعد الموت؛ كما ورد في الخبر" كقوله ﷺ : "إن مما يلحق المؤمن من عمله وحسناته بعد موته علمًا نشره، وولدًا صالحًا تركه، ومصحفًا ورثه، ومسجدًا بناه أو بيتًا لابن السبيل بناه، أو نهرًا أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في صحته وحياته تلحقه من بعد موته"، رواه ابن ماجه عن أبي هريرة بإسناد حسن.
وروى البزار، عن أنس مرفوعًا: "سبع يجري للعبد أجرها بعد موته وهو في قبره من علم علمًا، أو أجرى نهرًا، أو حفر بئرًا، أو غرس نخلا، أو بنى مسجدًا، أو ورث مصحفًا، أو ترك ولدًا يستغفر له بعد موته".
وروى ابن عساكر عن أبي سعيد، رفعه: "من علم آية من كتاب الله أو بابًا من علم، أنمى الله أجره إلى يوم القيامة".
وروى أحمد والطبراني، عن أبي أمامة، رفعه: "أربعة تجري عليهم أجورهم بعد الموت: من مات مرابطًا في سبيل الله" الحديث، فتحصل من هذه الأحاديث أحد عشر أمرًا تلحق بعد الموت نظمها السيوطي، فقال:
إذا مات ابن آدم ليس يجري ... عليه من فعال غير عشر
علوم بثها ودعاء نجل ... وغرس نخل والصدقات تجري
وراثة مصحف ورباط ثغر ... وحفر البئر أو إجراء نهر
وبيت للغريب بناه يأوي ... إليه أو بناء محل ذكر
وتعليم لقرآن كريم ... فخذها من أحاديث بحصر
ولا يرد أن هذه أحد عشر، فينافي قوله غير عشر؛ لأنه نوع التاسع لشيئين، أو ترجم لشيء وزاد عليه، أو قال البيت الأخير بعد ذلك، ويدل له أنه بخطه في شرح ابن ماجه لم يذكر الأخير، وهو وتعليم لقرآن، ولا يعارض هذه قوله ﷺ : "إذا مات الإنسان"، وفي رواية: "ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: إلا من صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". رواه مسلم وغيره عن أبي هريرة؛ لأن هذه الثلاثة في الحقيقة أمهات يرد إليها كثيرًا من الأنواع.
"ولا يختص الحكم بوقف المصحف، بل يلتحق به كل من وقف" كما صرح به الحديث في قوله: "مسجدًا" ... إلخ، ومعنى قوله في الخبر: ومصحفًا ورثه بالتشديد، خلفهстр. 3620
المصحف، بل يلتحق به كل من وقف، وهذا القياس يقتضي جواز التضحية عن الميت، فإنها ضرب من الصدقة، لكن في التهذيب: أنه لا تجوز التضحية عن الغير بغير أمره، وكذا من الميت إلا أن يكون أوصى به.
وقد روي عن علي أو غيره من الصحابة أنه كان يضحي عن النبي ﷺ بعد موته، وعن أبي العباس محمد بن إسحاق السراج قال: ضحيت عن النبي ﷺ سبعين أضحية.
وأما إهداء القراءة إلى رسول الله ﷺ فلا يعرف فيه خبر ولا أثر، وقد أنكره جماعة منهم الشيخ برهان الدين بن الفركاح لأن الصحابة لم يفعله أحد منهم.
وحكى صاحب "الروح":
الحواشي
(١) لوارثه، قال بعض: ويظهر أن مثله كتب الحديث كالصحيحين، "وهذا القياس يقتضي جواز التضحية عن الميت" بلا كراهة، "فإنها ضرب من الصدقة، لكن في التهذيب؛ أنه لا يجوز التضحية عن الغير بغير أمره، وكذا عن الميت إلا أن يكون أوصى به" وهذا هو المعتمد في المنهاج وغيره.
"وقد روي عن علي أو غيره من الصحابة أنه كان يضحي عن النبي ﷺ بعد موته"؛ لأنه أوصاه بذلك.
روى الترمذي عن علي: أوصاني رسول الله ﷺ أن أضحى عنه على أن جماعة ذكروا في خصائصه جواز التضحية عنه.
"وعن أبي العباس محمد بن إسحاق" بن إبراهيم بن مهران "السراج" الثقفي، مولاهم النيسابوري، الإمام الحافظ، الثقة شيخ خراسان، صاحب المسند والتاريخ، مات سنة ثلاث عشرة وثلاثمائة، "قال: ضحيت عن النبي ﷺ سبعين أضحية" لأنه خصوصية.
"وأما إهداء القراءة إلى رسول الله ﷺ ، فلا يعرف فيه خبر ولا أثر، بل أنكره جماعة، منهم الشيخ برهان الدين بن الفركاح" بكسر الفاء، وإسكان الراء؛ "لأن الصحابة لم يفعله أحد منهم" وهم أحق بالاتباع، لكن اختار السبكي وغيره خلاف ذلك، وكذا أنكر البرهان القراري قولهم: اللهم أوصل ثواب ما تلوته إلى فلان خاصة، وإلى المسلمين عامة؛ لأن ما اختص بشخص لا يتصور التعميم فيه، وده الزركشي؛ بأن الظاهر خلاف ما قاله، فإن الثواب يتفاوت فاعلاه ما خصه، وأدناه ما عمه، وغيره والله تعالى يتصرف فيما يعطيه من الثواب، على أن المراد مثل ثواب ما تلوته لفلان خاصة، ومثل ذلك عامة، وهذا متصور.
"وحكى صاحب الروح" الشمس بن القيم، والروح جزء نحو خمسة عشر كراسة، سماه بذلك لتكليمه فيه على الروح وما يتعلق بها: "أن من الفقهاء المتأخرين من استحبه، ومنهمстр. 3621
أن من الفقهاء المتأخرين من استحبه ومنهم من رآه بدعة، قالوا: والنبي ﷺ غني عن ذلك، فإن له أجره من عمل خيرًا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء.
قال الشافعي: ما من خير يعمله أحد من أمة النبي ﷺ إلا والنبي ﷺ أصل فيه.
قال في تحقيق النصرة: فجميع حسنات المسلمين وأعمالهم الصالحة في صحائف نبينا ﷺ زيادة على ما له من الأجر، مع مضاعفة لا يحصرها إلا الله تعالى، لأن كل مهتد وعامل إلى يوم القيامة يحصل له أجر، ويتجدد لشيخه مثل ذلك الأجر ولشيخ شيخه مثلاه، وللشيخ الثالث أربعة, وللرابع ثمانية وهكذا، تضعيف كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النبي ﷺ .
وبهذا تعلم تفضيل السلف على الخلف. فإذا فرضت المراتب عشرة بعد النبي ﷺ ، كان للنبي ﷺ من الأجر ألف وأربعة وعشرون.
الحواشي
(١) من رآه بدعة" مذمومة، "قالوا: والنبي ﷺ غني عن ذلك" لكن ليس في كونه غنيًا ما يقتضي منع ذلك، بل يجوز أن يكون إهداؤها سببًا في ثواب يصل إليه زائدًا على الثواب الواصل له من كل خير عملته أمته، "وأن له أجر كل من عمل خيرا من أمته من غير أن ينقص من أجر العامل شيء" لقوله ﷺ : "من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجر من تبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا"، رواه مسلم أصحاب السنن، عن أبي هريرة، ومن ثم "قال الشافعي: ما من خير يعمله أحد من أمة النبي ﷺ إلا والنبي ﷺ أصل فيه" لأنه إنما علم بإرشاده.
"قال في تحقيق النضرة" للزين المراغي المحدث: "فجميع حسنات المسلمين وأعمالهم الصالحة في صحائف نبينا ﷺ زيادة على ما له من الأجر مع مضاعفة لا يحصرها إلا الله تعالى، لأن كل مهتد وعامل إلى يوم القيامة يحصل له أجر، ويتجدد لشيخه مثل ذلك الأجر" لدلالته له عليه، "ولشيخ شيخه مثلاه، وللشيخ الثالث أربعة، وللرابع ثمانية، وهكذا تضعيف كل مرتبة بعدد الأجور الحاصلة بعده إلى النبي ﷺ ".
"وبهذا تعلم تفضيل السلف على الخلف" لأن السلف يحصل لهم ثواب ما عملوه، ويزيد عليه ثواب بمن أخذ منهم بواسطة أو بدونها، مضاعفًا على ما علم، فيفضلون الخلف، وهو من تأخر عنهم بذلك، "فإذا فرضت المراتب عشرة بعد النبي ﷺ كان النبي ﷺ من الأجر ألف وأربعة وعشرون" لعل ذلك بواسطة ما يحصل لكل عامل من المضاعفة، مضمومًا إلى بقية أعمال من دونه، مثلا ما يكتب للرابع من الثمانية يكتب للنبي مثله، مع عمل من دونه من الأولстр. 3622
فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر صار أجر النبي ﷺ ألفين وثمانية وأربعون، وهكذا كلما ازداد واحد يتضاعف ما كان قبله أبدًا، كما قاله بعض المحققين، انتهى، ولله در القائل، وهو سيدي محمد وفا:
فلا حسن إلا من محاسن حسنه ... ولا محسن إلا له حسناته
وبهذا يجاب عن استشكال دعاء القارئ له ﷺ بزيادة الشرف مع العلم بكماله ﵊ في سائر أنواع الشرف. فكأن الداعي لحظ أن قبول قراءته يتضمن لمعلمه نظير جزء، وهكذا حتى يكون للمعلم الأول -وهو الشارع ﷺ نظير جميع ذلك كما قدرته.
ومن ذلك ما شرع عند رؤية الكعبة من قوله: اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، فثمرة الدعاء بذلك عائد إلى الداعي، لاشتماله على طلب قبول القراءة، وهذا كما قالوا في الصلاة عليه -زاده الله شرفًا لديه- إن ثمرتها عائدة على المصلي أشار لنحوه الحافظ ابن حجر.
الحواشي
(١) والثاني والثالث، "فإذا اهتدى بالعاشر حادي عشر صار أجر النبي ﷺ ألفين وثمانية وأربعين، وهكذا كلما ازداد واحد يتضاعف ما كان قبله أبدًا؛ كما قاله بعض المحققين، انتهى" كلام تحقيق النصرة، "ولله در القائل، وهو سيدي محمد وفا" إمام العارفين، العالم المشهور:
فا حسن إلا من محاسن حسنه ... ولا محسن إلا له حسناته
لأنه الجامع لذلك والدال عليه، "وبهذا" المذكور عن تحقيق النصرة، "يجاب عن استشكال دعاء القارئ له ﷺ بزيادة الشرف، مع العلم بكماله ﵊ في سائر أنواع الشرف، فكان الداعي لحظ أن قبول قراءته يتضمن لمعلمه نظير جزء، وهكذا حتى يكون للمعلم الأول، وهو الشارع" ﷺ "نظير جميع ذلك كما قدرته، ومن ذلك ما شرع عند رؤية الكعبة من قوله" أي: الرائي المفهوم من رؤية: "اللهم زد هذا البيت تشريفًا وتعظيمًا، فثمرة الدعاء بذلك عائدة على الداعي لاشتماله على طلب قبول القراءة، وهذا كما قالوا في الصلاة عليه زاده الله شرفًا لديه أن ثمرتها عائدة على المصلي" وهذا نظيره عند من قال به، وإلا فالراجح أنها تصل إلى النبي ﷺ ، لأن الكامل يقبل التكميل، "أشار لنحوه الحافظ ابن حجر" ووقع السؤال عما يقع من الداعين عقب الختمات من قولهم: اللهم اجعل ثواب ما قرئ زيادة في شرفه ﷺ ، ثم يقول: واجعل مثل ثواب ذلك وأضعاف أمثاله إلى روح فلان، أو في صحيفته، أو نحو ذلك هل يجوز أم يمتنع لما فيه من إشعار تعظيم المدعو لهстр. 3623
ومن خصائص هذه الأمة أنهم يدخلون الجنة قبل سائر الأمم، رواه الطبراني -في الأوسط- من حديث عمر بن الخطاب مرفوعًا: "حرمت الجنة على الأنبياء حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي".
ومنها: أنه يدخل منهم الجنة سبعون ألفًا بغير حساب رواه الشيخان
الحواشي
(١) بذلك، حيث اعتنى به، فدعا له بأضعاف مثل ما دعا للنبي ﷺ ، وأجاب شيخنا؛ بأن الظاهر أن ذلك لا يمتنع؛ لأن الداعي لم يقصد بذلك تعظيم غيره ﷺ ، بل كلامه محمول على إظهار احتياج غيره للرحمة منه سبحانه، فاعتناؤه بل للاحتياج المذكور، وللإشارة إلى أنه ﷺ لقرب مكانته من الله جل وعز الإجابة بالنسبة له محققة، وغيره لبعد رتبته عما أعطيه ﷺ لله، لا تحقق الإجابة له، بل قد لا تكون مظنونة، فناسب تأكيد الدعاء له وتكريره رجاء الإجابة، انتهى، وهو توجيه وجيه، لكن الأولى ترك ما يوهم ببادئ الرأي، ولا يصحح إلا بمزيد تحقيق وتدقيق.
"ومن خصائص هذه الأمة: أنهم يدخلون الجنة قبل سائر الأمم" كما رواه ابن ماجه عن عمر، "وروى الطبراني في الأوسط من حديث عمر بن الخطاب، مرفوعًا" إلى النبي ﷺ ، قال: "حرمت" أي: منعت "الجنة على الأنبياء" زاد في رواية الدارقطني: كلهم "حتى أدخلها وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي" أي: أن المطيع الذي لم يعذب من أمته يدخلها قبل المطيع الذي لم يعذب من أمة غيره، والداخل للنار من أمته يدخل الجنة قبل الداخل للنار من أمة غيره، فالمراد أن جملة أمته، وتمام دخولها الجنة سابق على دخول أمة غيره، فلا يرد ما قد يتوهم أنه لا يدخل أحد من سابقي الأمم الطائفين إلا بعد خروج العاصين من الأمة المحمدية من النار، وقد أخذ من الحديث أن هذه الأمة يخفف عن عصاتها أو يخرجون قبل عصاة غيرها.
قال ابن القيم: فهذه الأمة أسبق الأمم خروجًا من الأرض، وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وإلى ظل العرش، وإلى فصل القضاء، وإلى الجواز على الصراط، وإلى دخول الجنة.
"ومنها: أنه يدخل منهم الجنة سبعون الفًا" زمرة واحدة "بغير حساب" ولا عذاب، بدليل رواية: "ولا حساب عليهم ولا عذاب"، "رواه الشيخان" عن أبي هريرة: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "يدخل الجنة من أمتي زمرة، هم سبعون ألفًا، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر"، فقام عكاشة بن محصن الأسدي يرفع نمرة عليه، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال: "اللهم اجعله منهم". ثم قام رجل من الأنصار، فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم؟ فقال: "سبقك بها عكاشة".
وفي الصحيحين عن ابن عباس عن النبي ﷺ : "عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي ليس معه أحد، ورفع لي سواد عظيم، فظننت أنهمстр. 3624
............................................................
الحواشي
(١) أمتي، فقال جبريل: هذا موسى وقومه، ولكن انظر إلى الأفق، فنظرت، فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك وهؤلاء سبعون ألفًا قدامهم لا حساب عليهم ولا عذاب، قلت: ولم؟ قال: لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، وفي رواية: "هم الذين لا يرقون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، ولا يكتوون، وعلى ربهم يتوكلون".
وروى الشيخان أيضًا عن سهل بن سعد: قال النبي ﷺ : "ليدخلن من أمتي الجنة سبعون ألفًا أو سبعمائة ألف متماسكين، آخذًا بعضهم ببعض، حتى يدخل أولهم وآخرهم، وجوههم على صورة القمر ليلة البدر". قال السبكي في شفاء الغرام: ظاهر قوله سبعون ألفًا، أنهم لا يزيدون على ذلك، وأنهم كلهم بالصفة المذكورة ورجح غيره أن المراد الكثرة باختلاف الأخبار في المقدار، فروى: "مائة ألف، ومع كل ألف سبعون ألفًا، ومع كل واحد سبعون ألفًا". وليس في الحديث نفي دخول أحد على الصفة المذكورة غير هؤلاء، كالأنبياء، والشهداء والصديقين والصالحين.
قال عياض: ويحتمل أن معنى كونهم متماسكين أنهم على صفة الوقار فلا يسابق بعضهم بعضًا بل يكون دخولهم جميعًا.
وقال النووي: معناه أنهم يدخلون معترضين صفًا واحدًا، بعضهم بجنب بعض، فيدخل الجميع دفعة واحدة، وفي ذلك إشارة إلى سعة الباب الذي يدخلون منه، ووصفهم بالأولية والآخرية باعتبار الصفة التي جازوا فيها الصراط، ثم هذا الحديث يخص عموم الحديث الذي أخرجه مسلم عن أبي برزة الأسلمي، رفعه: "اتزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع: عن عمره فيم أفناه، وعن جسده فيم أبلاه، وعن علمه ما عمل فيه، وماله من أين اكتسبه، وفيم أنفقه"؛ لأنه وإن كان عامًا لأنه نكرة في سياق النفي، لكنه مخصوص بمن يدخل الجنة بغير حساب، وبمن يدخل النار من أول وهلة، على ما دل عليه قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾ ، الآية، قال القرطبي.
قال الحافظ: وفي سياق حديث أبي برزة إشارة إلى الخصوص، لأنه ليس كل أحد عنده علم يسأل عنه، وكذا المال، فهو مخصوص بمن له علم ومال دون من لا علم له ولا مال، وأما السؤال عن الجسد والعمر فعام، ويخص من المسئولين من ذكر، انتهى.
وجزم ابن عبد السلام؛ بأن هذه الخصوصية لم تثبت لغير نبينا.
وقال السبكي: لم يرد فيه شيء بنفي ولا إثبات في الأمم السابقة، واستظهر أبو طالب، عقيل بن عطية أن فيهم من هو كذلك، انتهى، وفيه أن الاستظهار لا دخل له هنا، إذ هو من الأشياء التي لا تكون إلا بمحض النقل.
وروى الحاكم والبيهقي عن جابر مرفوعًا: "من زادت حسناته على سيئاته، فذاك الذيстр. 3625
وعند الطبراني والبيهقي في البعث: "إن ربي وعدني أن يدخل من أمتي الجنة سبعين ألفًا لا حساب عليهم، وإني سألت ربي المزيد فأعطاني مع كل واحد من السبعين ألفًا سبعين ألفًا".
وبالجملة: فقد اختصت هذه الأمة بما لم يعطه غيرها من الأمم تكرمة لنبيها ﵊ وزيادة في شرفه، وتفضيل فضلها وخصائصها يستدعي سفرًا بل أسفارًا، وذلك فضل الله، يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم.
الحواشي
(١) يدخل الجنة بغير حساب، ومن استوت حسناته، فذاك الذي يحاسب حسابًا يسيرًا، ومن أوبق نفسه فهو الذي يشفع فيه بعد أن يعذب". وقال ﷺ : "إن الله يدخل الجنة من أمتي يوم القيامة سبعين ألفًا، ومع كل ألف سبعين ألفًا"، رواه الترمذي.
"وعند الطبراني والبيهقي في البعث" عن النبي ﷺ : "إن ربي وعدني أن يدخل من أمتي" أمة الإجابة، وفي إضافتها إليه إخراج غيرها من الأمم من العدد المذكور "الجنة سبعين ألفًا لا حساب عليهم" أي: ولا عذاب، "وإني سألت ربي المزيد فأعطاني مع كل واحد" المراد بالمعية مجرد دخولهم الجنة بغير حساب، وأن دخولها في الزمرة الثانية أو ما بعدها، "من السبعين ألفًا سبعين ألفًا" زاد في رواية البزار من حديث أنس: "وهم الذين لا يكتوون، ولا يسترقون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون"، ومر في حديث ابن عباس وصف السبعين ألفًا بذلك أيضًا، فيكون الكل موصوفين به.
وأخرج أحمد والديلمي عن أبي بكر، مرفوعًا: "أعطيت سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلب رجل واحد، فاستزدت ربي، فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا".
"وبالجملة فقد اختصت هذه الأمة بما لم يعطه غيرها من الأمم، تكرمة لنبيها ﵊، وزيادة في شرفه وتفضيل" بصاد مهملة، "فضلها" بمعجمة، "وخصائصها يستدعي سفرًا، بل أسفارًا، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء" النبي أو أمته، "والله ذو الفضل العظيم" وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا دائمًا أبدًا، ولله الحمد على ما أنعم.стр. 3626
فهرس المجلد السابع: من شرح المواهب اللدنية
الفهرس:
٣ معجزة نبع الماء الطهور من بين أصابعه ﷺ .
١٧ تفجر الماء ببركته وابتعاثه بمسه ودعوته ﷺ .
٣٩ تكثير الطعام القليل ببركته ودعائه ﷺ .
٦١ إبراء ذوي العاهات وإحياء الموتى وكلامهم له وكلام الصبيان وشهادتهم له بالنبوة.
٧٤ الفصل الثاني فيما خصه الله تعالى به من المعجزات وشرفه به على سائر الأنبياء من الكرامات والآيات البينات.
١٤٠ القسم الثاني ما اختص به ﷺ مما حرم عليه.
١٥٢ القسم الثالث ما اختص به ﷺ من المباحات.
١٨٥ الفصل الرابع ما اختص به ﷺ من الفضائل والكرامات.
٣٨٩ خصائص أمته ﷺ .
стр. 3627
المجلد الثامن
المقصد الخامس: في تخصيصه ﵊ بخصائص المعراج والإسراء
...
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقصد الخامس: في تخصيصه ﵊ بخصائص المعراج
والإسراء، وتعميمه بعموم لطائف التكريم في حضرة التقريب بالمكالمة والمشاهدة والآيات الكبرى.
اعلم -منحني الله وإياك الترقي في معارج السعادات، وأولصلنا به إليه في حظائر الكرامات- أن قصة الإسراء والمعراج من أشهر المعجزات وأظهر البراهين البينات، وأقوى الحجج المحكمات وأصدق الأنباء، وأعظم الآيات، وأتم الدلالات الدالة على تخصيصه ﵊ بعموم الكرامات.
الحواشي
(١) "المقصد الخامس: في" بيان "تخصيصه ﵊ بخصائص المعراج والإسراء" أي: جعلها مخصوصة به لا تتجاوزه إلى غيره، والمراد به الأمور الخارقة التي اختص بها ليلته كرؤية الله والجنة، وقطعه في زمن قليل، واتساع الزمن حتى صلى بالأنبياء التي غير ذلك، فلمان كانت تلك الأمور كلها لم تتعده إلى غيره جعل المصنف همته في الترجمة بيانها؛ لأنه صار بها مقدمًا على من عداه ومقربًا في حضرة التقديس عن كل ما سواه، وقدم المعراج في الذكر لتعلقه بالحضرة الإلهية، وآخره في الترتيب مطابقة للواقع.
"وتعميمه"، أي: تغطيته وستره "بعموم،" أي: كثرة "لطائف التكريم" أي: النعم التي أكرمه الله بها التي لا تحصى بجعلها شاملة كالملاءة التي تشتمل على جميع جسد من جعلت عليه طفي حضرة التقريب،" أي: المكان الذي خاطبه فيه، "بالمكالمة والمشاهدة" له "والآيات الكبرى" العظمى.
"اعلم منحني" أعطاني، "الله وإياك الترقي في معارج السعادات" أي: المراتب المحصلة لها لمن أراد الله به الخير والمعراج عند أهل الطريق منتهى سير المقربين الذي هو عروجهم، أي: سلوكهم؛ لأن كل سالك إلى طريق كان غايته الحق بشرط فوزه منه بسعادة ما، فذلك السالك صاحب معراج وسلوكه عروج، "وأصولنا" الله "به"، أي: النبي ﷺ "إليه"، أي: إلى قرب المكانة إلى الله "في حظائر الكرامات"، أي: المحلات التي تنزل بها الكرمات وتليق بها، أو المراد بها الجنهة، وأصل الحظيرة ما يعمل للإبل من الشجر ليقيها البرد، ونحوه، "أن قصة الإسلاء والمعراج"، بزنة مفتاح السلم، وجمعه معارج ومعاريج، ويقال: معرج للواحد، بكسر الميم وفتحا "من أشهر المعجزات وأظهر البراهين البينات" الواضحات، "وأقوى الحجج" بالضم، جمع حجة "المحكمات وأًدق الأنباء"، جمع نبأ، بالهمز، وهو الخبر، "وأعظم الآيات وأتم الدلالات الدالة على تخصيصه ﵊ بعمو الكرامات" لما اشتملت عليه من الأمور الخارقة للعادة التي تقصر العقول عن إدراك مثلها.стр. 3628
وقد اختلف العلماء في الإسراء.
هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة؟ يقظة أو منامًا؟ أو إسراءان كل واحد منهما في ليلة، مرة بروحه وبدنه يقظة ومرة منامًا، أو يقظة بروحه وجسده؟ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم منامًا من المسجد الأقصى إلى العرش، أو هي أربع إسراءات؟
احتج القائلون بأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي -بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ؛ لأن الرؤيا مصدر الحلمية، وأما البصرية: فالرؤية بالتاء، وقد أنكر ابن مالك والحريري وغيرهما -كما أفاده الشيخ بدر الدين الزركشي- ورود "الرؤيا" للبصرية، ولحنوا المتنبي في قوله:
ورؤياك أحلى من العيون من الغض وأجيب: بأنه إنما قال: "الرؤيا" لوقوع ذلك المرئيفي الليل، وسرعة تفضيه كأنه
الحواشي
(١) "وقد اختلف العلماء" بحسب اختلاف الأخبار "في الإسراء" أي: في جواب قول السائل: "هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة"، فقيل: كان كذلك، ثم اختلف بناء على ذا القول هل كان "يقظة أو منامًا"، وعلى أنه يقظة هل إلى المسجد الأقصى فقط، أو إلى العرش منامًا، "أو" هما "إسراءان" واحد يقظة، وآخر منامًا، "كل واحد منهما في ليلة مرة بروحه وبدنه يقظة، ومرة منامًا"، وليلة اليقظة غير ليلة المنام، وبهذا فارق القول الذي قبله، "أو يقظة بروحه وجسده في المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم منامًا من المسجد الأقصى إلى العرش،" فالإسراء كان يقظة، والمعراج منامًا، عند هذا القائل، وقد علم تفريع هذا القول على اتحاد الليلة فيهما، "أو هي أربع إسراءات" يقظة كلها كما يأتي.
"احتج القائلون بأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] ، ليلة الإسراء، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ، أهل مكة إذ كذبوا بها، وارتد بعضهم لما أخبرهم؛ "لأن الرؤيا" بالألف "مصدر
الحلمية"، وهي المنامية، منسوبة إلى الحلم "بضمتين وقد تسكن اللام تخفيفًا" "وأما البصرية، فالرؤية بالتاء" بالألف "وقد أنكر ابن مالك والحريري وغيرهما، كما أفاده الشيخ بدر الدين الزركشي ورود الرؤيا" بالألف "للبصرية، ولحنوا" أبا الطيب أحمد بن الحسين "المتنبي" الشاعر المشهور "في قوله: ورؤياك أحلى في العيون من الغض"؛ لأنه استعمل الرؤيا بالألف في البصرية التي بالتاء، "وأجيب: بأنه" لا حجة في الآية على أنه منام؛ لأنه "إنما قال: الرؤيا لوقوع ذلك المرئي في وقد اختلف العلماء في الإسراء.
هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة؟ يقظة أو منامًا؟ أو إسراءان كل واحد منهما في ليلة، مرة بروحه وبدنه يقظة ومرة منامًا، أو يقظة بروحه وجسده؟ من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم منامًا من المسجد الأقصى إلى العرش، أو هي أربع إسراءات؟
احتج القائلون بأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي -بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] ؛ لأن الرؤيا مصدر الحلمية، وأما البصرية: فالرؤية بالتاء، وقد أنكر ابن مالك والحريري وغيرهما -كما أفاده الشيخ بدر الدين الزركشي- ورود "الرؤيا" للبصرية، ولحنوا المتنبي في قوله:
ورؤياك أحلى من العيون من الغض وأجيب: بأنه إنما قال: "الرؤيا" لوقوع ذلك المرئيفي الليل، وسرعة تفضيه كأنه
_________
"وقد اختلف العلماء" بحسب اختلاف الأخبار "في الإراء" أي: في جواب قول السائل: "هل هو إسراء واحد في ليلة واحدة،" فقيل: كان كذلك، ثم اختلف بناء على ذا القول هل كان "يقظة أو منامًا"، وعلى أنه يقظة هل إلى المسجد الأقصى فقط، أو إلى العرش منامًا، "أو" هما "إسراءان" واحد يقظة، وآخر منامًا، "كل واحد منهما في ليلة مرة بروحه وبدنه يقظة، ومرة منامًا،" وليلة اليقظة غير ليلة المنام، وبهذا فارق القول الذي قبله، "أو يقظة بروحه وجسده في المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم منامًا من المسجد الأقصى إلى العرش،" فالإسراء كان يقظة، والمعراج منامًا، عند هذا القائل، وقد علم تفريع هذا القول على اتحاد الليلة فيهما، "أو هي أربع إسراءات" يقظة كلها كما يأتي.
"احتج القائلون بأنه رؤيا منام مع اتفاقهم على أن رؤيا الأنبياء وحي بقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ﴾ [الإسراء: ٦٠] ، ليلة الإسراء، ﴿إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ ، أهل مكة إذ كذبوا بها، وارتد بعضهم لما أخبرهم؛ "لأن الرؤيا" بالألف "مصدر
الحلمية"، وهي المنامية، منسوبة إلى الحلم "بضمتين وقد تسكن اللام تخفيفًا" "وأما البصرية، فالرؤية بالتاء" بالألف "وقد أنكر ابن مالك والحريري وغيرهما، كما أفاده الشيخ بدر الدين الزركشي ورود الرؤيا" بالألف "للبصرية، ولحنوا" أبا الطيب أحمد بن الحسين "المتنبي" الشاعر المشهور "في قوله: ورؤياك أحلى في العيون من الغض"؛ لأنه استعمل الرؤيا بالألف في البصرية التي بالتاء، "وأجيب: بأنه" لا حجة في الآية على أنه منام؛ لأنه "إنما قال: الرؤيا لوقوع ذلك المرئي فيстр. 3629
منام، وبأن "الرؤيا" و"الرؤية" واحدة كقربى وقربة، ويشهد له قول ابن عباس في الآية -كما عند البخاري-: هي رؤية أريها ﷺ ليلة أسري به، وزاد سعيد بن منصور عن سفيان في آخر الحديث: وليس رؤيا منام: ولم يصرح في رواية البخاري بالمرئي.
وعند سعيد بن منصور من طريق أبي مالك هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس، وهذا مما يستدل به على إطلاق لفظ: "الرؤيا" على ما يرى بالعين في
الحواشي
(١) الليل وسرعة تقضيه" حتى "كأنه منام"، فهو مجاز علاقته المشابهة، "وبأن الرؤيا" بالألف "والرؤية" "بالتاء" "واحدة"، يعني أن كلا منهما يستعمل موضع الآخر "كقربى وقربة"، وهذا نقله ابن دحية ولفظه.
قال أهل اللغة: رأيت رؤية ورؤيا مثل قربة وقربى، "ويشهد له قول ابن عباس" وهو من أئمة اللسان "في" تفسير "الآية، كما عند البخاري: هي رؤية عين أريها ﷺ ليلة أسرى به"، فاستعمل ابن عباس الرؤيا "بالألف" في البصرية، "وزاد سعيد بن منصور عن سفيان" بن عيينة راويه عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس، "في آخر الحديث وليس منام"، فهو دليل قوي على استعمال كل منهما موضع الآخر.
قال الحافظ: وقد تمسك بكلام ابن عباس هذا من قال: الإسراء منام، ومن قال: يقظة فالأول أخذه من لفظ الرؤيا لاختصاصها برؤيا المنام، والثاني من قوله: أريها ليلة الإسراء إذ لو كان منامًا كذبه الكفار ولا فيما هو أبعد منه، وإذا كان يقظة والمعراج تلك الليلة تعين كونه يقظة أيضًا إذ لم ينقل أنه نام لما وصل بيت المقدس، ثم عرج به وهو نائم، "ولم يصرح في رواية البخاري بالمرئي"، بل لفظه ما قدمه المصنف.
قال الحافظ عقب ما نقلته عنه: وإذا كان يقظة فإضافة الرؤيا إلى العين للاحتراز عن رؤيا القلب، وقد أثبت الله في القرآن رؤيا القلب، فقال: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] الآية، ورؤيا العين، فقال: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى، لَقَدْ رَأَى﴾ [النجم: ١٧-١٨] .
وروى الطبراني في الأوسط بإسناد قوي عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه مرتين ومن وجه آخر قال: نظر محمد إلى ربه، جعل الكلام لموسى والخلة لإبراهيم والنظر لمحمد، فإذا تقرر ذلك ظهر أن مراد ابن عباس هنا برؤيا العين جميع ما ذكره ﷺ من الأشياء في تلك الليلة.
"وعند سعيد بن منصور من طريق أبي مالك هو ما أري في طريقه إلى بيت المقدس" مما يأتي بعضه، "وهذا مما يستدل به على إطلاق لفظ الرؤيا على ما يرى بالعين في اليقظة"، كما تطلق على رؤيا المنام، "وهو يرد من خطا المتنبي", ولا عبرة بإنكار ذلكстр. 3630
اليقظة، وهو يرد على من خطأ المتنبي.
على أنه اختلف المفسرون في هذه الآية.
فقيل: أن الرؤيا التي أريناك ليلة المعراج، قال البيضاوي: ففسر الرؤيا بالرؤية.
وقيل: رؤيا عام الحديبية، حين رأى أنه دخل مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس.
وقيل: رؤيا وقعة بدر، وسأل ابن النقيب شيخه أبا العباس القرطبي فقال:
الحواشي
(١) إذ من حفظ حجة خصوصًا وابن عباس من فصحاء بني هاشم وأئمة اللسان.
وفي كلام الأشموني إفادة أن مصدر رأي: حلمية، أو بصرية أو علمية بالدليل، أو السمع يجيء بالألف في لغة، وأن المشهور كونها مصدرًا للحلمية؛ "على أنه اختلف المفسرون في هذه الآية" على هذه للاستدراك، وقيل: تتعلق بما قبلها من الكلام، وقيل: لا تتعلق بشيء، "فقيل: إن الرؤيا التي أريناك ليلة المعراج" كما مر عن ابن عباس.
"قال البيضاوي:" وتعلق به من قال في المنام، ومن قال: كان في اليقظة، "ففسر الرؤيا" "بالألف" "بالرؤية" "بالتاء"، "وقيل: رؤيا عام الحديبية حين رأى أنه دخل" المسجد الحرام، فسافر قاصدًا "مكة فصده المشركون وافتتن بذلك ناس"، أي: تحيروا من ذلك؛ لأن رؤياه وحي حتى قال ﷺ : "أقلت لكم في هذا العام"، وفي الفتح قال هذا القائل والمراد بقوله: فتنة للناس ما وقع من صد المشركين له في الحديبية عن دخول المسجد الحرام، وهذا وإن أمكن أنه مراد الآية لكن الاعتماد في تفسيرها على ترجمان القرآن أولى.
"وقيل: رؤياه وقعة بدر، وسأل ابن النقيب" الإمام المفسر العلامة المفتي جمال الدين أبو عبد الله محمد بن سليمان بن حسن البلخي، ثم المقدسي الحنفي مدرس العاشورية بالقاهرة، ولد سنة إحدى عشرة وستمائة، قدم مصر فسمع بها من يوسف المخلي، وأقام مدة بالجامع الأزهر، وصنف بها تفسيرًا كبيرًا إلى الغاية، وكان إماما ابدًا زاهدًا، أمارًا بالمعروف، كبير القدر، يتبرك بدعائه وزيارته، مات بالقدس في المحرم سنة ثمان وتسعين وستمائة، ذكره الذهبي في العبر "شيخه أبا العباس" أحمد بن عمر بن إبراهيم "القرطبي" الأنصاري، المالكي، الفقيه المحدث، نزيل الإسكندرية، ولد سنة ثمان وسبعين وخمسمائة، وسمع الكثير وقدم الإسكندرية، فأقام بها يدرس، وصنف المفهم في شرح صحيح مسلم، واختصر الصحيحين، مات في ذي القعدة سنة ست وخمسين وستمائة، وليس المراد بابن النقيب هنا شهاب الدين بن النقيب أحمد أبو العباس، أحد علماء الشافعية؛ لأنه ولد بالقاهرة سنة اثنين وسبعمائة، ومات بها في رمضانстр. 3631
الصحيح أنها رؤية عين، أراه جبريل مصارع القوم ببدر، فأرى النبي ﷺ الناس مصارعهم التي أراه جبريل، فتسامعت به قريش فاستخروا منه. انتهى.
واستدل القائلون بأنها رؤيا منام أيضًا بقول عائشة: "ما فقد جسده الشريف".
وأجيب بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذا ذاك زوجًا، ولا في سن من يضبط، أو لم تكن ولدت بعد على الخلاف في الإسراء متى كان.
الحواشي
(١) سنة تسع وستين، كما ذكر السيوطي فلم يدرك القرطبي، "فقال: الصحيح أنها رؤية عين أراه جبريل مصارع القوم ببدر، فأري النبي ﷺ الناس" أصحابه الحاضرين "مصارعهم،" أي: القوم الهالكين ببدر من المشركين "التي أراه جبريل،" فصار يقول قبل الوقعة واضعًا يده على الأرض: "هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان"، "فتسامعت به قريش
فاستخروا" مثل سخروا، أي: هزؤوا "منه،" فلما التقى الجمعان كان كما قال "انتهى".
لكن ما صححه خلاف ما صححه الشامي أنها رؤيا عين ليلة الإسراء، ونحوه للحافظ في الفتح قائلًا: وما روى ابن مردويه عن ابن عباس؛ أن المراد رؤيا الحديبية، وعن الحسن بن علي مرفوعًا، "إني أريت كأن بني أمية يتعاورون منبري هذا، فقيل: دنيا تنالهم"، ونزلت الآية، فكلاهما إسناده ضعيف.
"واستدل القائلون بأنها منام أيضًا عائشة" المروي عند ابن إسحق، حدثني بعض آل أبي بكر أن عائشة كانت تقول: "ما فقد جسده الشريف" ولكن أسري بروحه.
قال الشامي: كذا فيما وقفت عليه من نسخ السير فقد بالبناء للمفعول، والذي وقفت عليه من نسخ الشفاء ما فقدت بالبناء للفاعل وإسناد الفعل لتاء المتكلم، كذا قال وقد حكاهما في الشفاء، روايتين، فقال أولًا: وأما قول عائشة: ما فقد جسده، فهي لم تحدث به عن مشاهدة ... إلخ" ثم قال بعد أسطر، وأيضًا قد روي حديث عائشة: ما فقدت، يعني بالبناء للفاعل، قال: ولم يدخل بها النبي ﷺ إلا بالمدينة، وكل هذا يوهنه، بل الذي يدل عليه صحيح قولها: إنه بجسده الشريف لإنكارها رؤيته لربه رؤية عين، ولو كانت عندها لم تنكره، وحديثها هذا ليس بالثابت عنها انتهى، يعني لما في متنه من العلة القادحة، وفي سنده من انقطاع وراو مجهول.
وقال ابن دحية في التنوير: إنه حديث موضوع عليها، وقال في معراجه الصغير: قال إمام الشافعية أبو العباس بن سريج: هذا حديث لا يصح، وإنما وضع ردًا للحديث الصحيح.
"وأجيب" على تقدير صحته؛ "بأن عائشة لم تحدث به عن مشاهدة؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجًا، ولا في سن من يضبط"؛ لأنها سنة الهجرة، وكانت بنت ثمان سنين، "أو لم تكنстр. 3632
وقال التفتازاني: أي ما فقد جسده عن الروح، بل كان مع روحه، وكان المعراج للجسد والروح جميعًا، انتهى.
واحتج القائون بأنه بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح، بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] ، فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب به بعظيم القدرة، والتمدح بتشريف النبي ﷺ وإظهار الكرامة له بالإسراء، ولو كان الإسراء بجسده إلى زائد على المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح.
الحواشي
(١) ولدت بعد،" بالناء على الضم، أي: بعد هذه القصة، وهي ضد قبل، ويستعملان في التقدم والتأخر المتصل والمنفصل، والمراد هنا الأول، أو المراد زمن وقوعه للمحاورة والتضاد، وهو استعمال شائع "على الخلاف في الإسراء متى كان"، فعلى أنه كان بعد المبعث بعام لم تكن ولدت، وعلى أنه قبل الهجرة بعام تكون ابنة سبع، وعلى أنه قبلها بأكثر تكون أصغر من سبع.
قال عياض: وإذا لم تشاهد ذلك عائشة دل على أنها حدثت بذلك عن غيرها، فلم يرجح خبرها على خبر غيرها، وكان الظاهر أن يقول: فرجح خبر غيرها على خبرها، أي: لعدم ثبوته عنها كما أفصح به بعد، وقد قدمت كلامه لا لروايتها عن مجهول إذ لو ثبت لكان مرسل صحابي وهو حجة.
"وقال التفتازاني" في الجواب على تقدير الصحة، "أي: ما فقد جسده عن الروح، بل كان مع روحه وكان المعراج للجسد والروح جميعًا. انتهى"، وهو جواب حسن على ما فيه من كونه خلاف المتبادر من اللفظ.
"واحتج القائلون بأنه بالجسد يقظة إلى بيت المقدس، وإلى السماء بالروح،" فالإسراء يقظة، والمعراج منام، "بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] الآية، فجعل المسجد الأقصى غاية الإسراء الذي وقع التعجب به"، من الكفاء تعجب استحالة، ومن المؤمنين تعجب تعظيم "بعظيم القدرة" بالباء الجارة، وفي نسخة بالفوقية منصوب على أنه مفعول له، أي: لتعظيم قدرة الله الباهرة "والتمدح بتشريف النبي ﷺ وإظهار الكرامة له بالإسراء، ولو كان الإسراء بجسده إلى" مكان "زائد عن المسجد الأقصى لذكره، فيكون أبلغ في المدح،" فلما لم يقع ذكر المعراج في هذا الموضع من كون شأنه أعجب وأمره أغرب بكثير من الإسراء دل على أنه كانстр. 3633
وأجيب: بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له على سبيل الامتحان على ما شاهدوه وعرفوه، من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه، فيجيبهم بما عاين ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع، ولهذا لم يسألوه عما رأى في السماء، ولا عهد لهم بذلك.
وقال النووي في فتاويه: وكان الإسراء به ﵊ مرتين: مرة في المنام، ومرة في اليقظة.
وذكر السهيلي تصحيح هذا المذهب عن شيخه القاضي أبي بكر بن العربي،
الحواشي
(١) منامًا، وأما الإسراء فلو كان منامًا، لما كذبوه ولا استنكروه لجواز وقوع مثل ذلك وأبعد منه لآحاد الناس.
"وأجيب" كما ذكر ابن المنير؛ "بأن حكمة التخصيص بالمسجد الأقصى سؤال قريش له على سبيل الأمتحان على ما شاهدوه وعرفوه من صفة بيت المقدس، وقد علموا أنه لم يسافر إليه فيجيبهم بما عاين"، كما يأتي بيانه؛ "ويوافق ما يعلمونه، فتقوم الحجة عليهم، وكذلك وقع، ولهذا لم يسألوه عما أرى في السماء، ولا عهد لهم بذلك"، عطف علة على معلول، أي: لأنه لا عهد أي: لا علم لهم به.
وفي الشامي، وأجب الأئمة عن ذلك، بأنه استدرجهم إلى الإيمان بذكر الإسراء، فلما ظهرت أمارات صدقه، ووضحت له براهين رسالته، واستأنسوا بتلك الآية أخبرهم بما هو أعظم منها، وهو المعراج فحدثهم به، وأنزله الله في سورة النجم.
قال الحافظ: ويؤيد وقوع الإسراء عقب المعراج في ليلة واحدة رواية ثابت عن أنس عند مسلم: "أتيت بالبراق فركبت حتى أتيت بيت المقدس"، فذكر القصة إلى أن قال: "ثم عرج بنا إلى السماء الدنيا"، وحديث أبي سعيد عند ابن إسحاق، فلما فرغ مما كان في بيت المقدس أتي بالمعراج.
"وقال النووي في فتاويه: وكان الإسراء ﵊ مرتين: مرة في المنام، ومرة في اليقظة"، وإلى هذا ذهب المهلب شارح البخاري، وحكاه عن طائفة، وأبو نصر بن القشيري ومن قبلهم أبو سعد في شرف المصطفى قال: كان للنبي ﷺ معاريج، منها ما كان في اليقظة، ومن ما كان في المنام.
"وذكر السهيلي تصحيح هذا المذهب عن شيخ القاضي أبي بكر بن العربي" واختاره؛ "وأن مرة النوم توطئة له" وتمهيد "وتيسير عليه، كما كان بدء نبوته الرؤيا الصادقة"،стр. 3634
وأن مرة النون توطئة وتيسير عليه، كما كان بدء نوبته الرؤيا الصادقة ليسهل عليه أمر النبوة، فإنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية، وكذلك الإسراء سهلت عليه بالرؤيا؛ لأن هوله عظيم، فجاءت اليقظة على توطئة وتقدمة، رفقًا من الله بعبده وتسهيلًا عليه.
وقد جوز بعض قائلي ذلك أن تكون قصة المنام قبل المبعث، لأجل قول شريك في روايته: "وذلك قبل أن يوحى إليه"، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى.
واحتج القائلون بأنه أربع إسراءات يقظة بتعدد الروايات في الإسراء، واختلف ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئًا لم يذكر الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا ذكره الآخر.
وأجيب: بأنه لا يدل على التعدد؛ لأن بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر للعلم به، أو ينساه، وقال الحافظ ابن كثير: من جعل كل رواية خالفت الأخرى
الحواشي
(١) كما قالت عائشة: أول ما بدئ به رسول الله ﷺ الرؤيا الصادقة، وفي رواية: الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، "ليسهل عليه" بالرؤيا "أمر النبوة، فإنه أمر عظيم تضعف عنه القوى البشرية"، فقد ذكر أبو ميسرة التابعي الكبير، وغيره؛ أن ذلك وقع في المنام، وجمعوا بينه وبين حديث عائشة؛ بأن ذلك وقع مرتين كما في الفتح، "وكذلك الإسراء سهلت" قصته عليه "بالرؤيا" في النوم قبل اليقظة؛ "لأن هوله عظيم، فجاءت اليقظة على توطئة وتقدمة رفقًا من الله بعبده وتسهيلًا عليه".
"وقد جوز بعض قائلي ذلك؛ أن تكون قصة المنام قبل المبعث لأجل قول شريك" بن أبي نمر "في روايته" عن أنس؛ "وذلك قبل أن يوحى إليه، وسيأتي البحث في ذلك إن شاء الله تعالى" قريبًا مع الجواب عن إشكاله بالإجماع، على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء فكيف يكون قبل الوحي.
"واحتج القائلون، بأنه أربع إسراءات يقظة،" كما ذهب إليه جماعة "بتعدد الروايات في الإسراء واختلاف ما يذكر فيها، فبعضهم يذكر شيئًا لم يذكره الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا لم يذكره الآخر، وبعضهم يسقط شيئًا ذكره الآخر، وأجيب بأنه لا يدل على التعدد؛ لأن بعض الرواة قد يحذف بعض الخبر للعلم به أو ينساه،" أو ما يذكر هو الأهم عنده، أو ينشط تارة فيسوقه كله، وتارة يحدث المخاطب با هو أنفع له.стр. 3635
مرة على حدة فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب، وهرب إلى غير مهرب، ولم يحصل على مطلب، ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي ﷺ أمته، بذلك ولنقله الناس على التعدد والتكرار. انتهى.
وقد وقع في رواية عبثر بن القاسم الزبيدي -بموحدة ثم مثلثة بوزن جعفر- في روايته عن حصين بن عبد الرحمن، عند الترمذي والنسائي: لما أسري برسول الله ﷺ جعل يمر بالنبي ومعه الواحد، الحديث، فإن كان ذلك محفوظًا
الحواشي
(١) "وقال الحافظ ابن كثير: من جعل كل رواية خالقت الأخرى مرة على حدة، فأثبت إسراءات متعددة فقد أبعد وأغرب"، جاء بشيء غريب لا يعرف، "وهرب إلى غير مهرب"، يعني أن ذلك لا يجد به نفعًا في دفع التعارض، "ولم يحصل على مطلب"، حذف من كلام ابن كثير في تاريخه تعليله بقوله؛ لأن كل السياقات فيها تعريفه بالأنبياء، وفي كلها تفرض عليه الصلاة، فكيف يدعي تعدد ذلك، هذا في غاية البعد، ووصله بقوله: "ولم ينقل ذلك عن أحد من السلف، ولو تعدد هذا التعدد لأخبر النبي ﷺ أمته بذلك، ولنقله الناس على التعدد والتكرار،" ولم يقع ذلك. "انتهى".
ونحوه في الفتح، وزاد: ويلزم أيضًا وقوع التعدد في سؤاله ﷺ عن كل نبي، وسؤال أهل كل باب هل بعث إليه وفرض الصلوات الخمس وغير ذلك؟، فإن تعدد مثل ذلك في القصة لا يتجه، فتعين رد بعض الروايات المختلفة إلى بعض أو الترجيح.
وقال ابن القيم: هذه طريقة ضعفاء الظاهرية الذين إذا رأوا في القصة لفظة تخالف سياق بعض الرواة جعلوه مرة أخرى، فكلما اختلفت عليهم الرواة عددوا لهم الوقائع والصواب الذي عليه أئمة النقل؛ أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة، ويا عجبًا لهؤلاء الذين زعموا أنه وقع مرارًا كيف ساغ أن يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه تعالى وبين موسى حتى يظنوا أنه في كل مرة تفرض عليه الصلاة خمسين، ثم يتردد بين ربه تعالى وبين موسى حتى تصير خمسًا، فيقول: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي، ثم يعيدها في المرة الثانية خمسين، ثم يحطها عشرًا عشرًا.
"وقد وقع رواية عبثر بن القسم الزبيدي" "بضم الزاي" أبو زبيد، كذلك الكوفي الثقة من رجال الجميع، مات سنة تسع وسبعين ومائة، وعبثر بفتح العين المهملة، و"بموحدة" ساكنة، "ثم مثلثة" مفتوحة، ونسخحة فمثناة تحريف، فالذي في التقريب: وفتح المثلثة "بوزن جعفر في روايته عن حصين بن عبد الرحمن" السلمي، الكوفي، ثقة، روي له الجماعة وتغير حفظه في الآخر، مات سة ست وثلاثين ومائة، وله ثلاث وتسعون سنة.
"عند الترمذي والنسائي: لما أسري برسول الله ﷺ جعل يمر بالنبي ومعه الواحد ...стр. 3636
كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضًا غير الذي وقع بمكة.
قال في فتح الباري: والذي يتحرر في هذه المسألة أن الإسراء الذي وقع بالمدينة ليس فيه ما وقع بمكة، من استفتاح أبواب السماء بابا بابًا، ولا من التقاء الأنبياء كل واحد في سماء، ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفرض الصلوات، ولا طلب تخفيفها وسائر ما يتعلق بذلك، وإنما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك رآها ﷺ فمنها بمكة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض، ومعظمها في المنام والله أعلم. انتهى.
الحواشي
(١) الحديث، فإن كان ذلك محفوظًا كان فيه قوة لمن ذهب إلى تعدد الإسراء، وأنه وقع بالمدينة أيضًا" إسراء "غير الذي وقع بمكة"، فغير صفة محذوف.
"قال في فتح الباري: والذي يتحرر من هذه المسألة أن الإسراء الذي وقع بالمدينة ليس فيه وما وقع بمكة من استفتاح أبوب السماء بابًا بابًا" بالتكرير، "ولا من التقاء الأنبياء كل واحد في سماء، ولا المراجعة مع موسى فيما يتعلق بفروض الصلوات، ولا طلب تخفيفها وسائر ما يتعلق بذلك، وإنما تكررت قضايا كثيرة سوى ذلك رآها النبي ﷺ فمنها بمكة البعض، ومنها بالمدينة بعد الهجرة البعض، ومعظمها في المنام" ضد اليقظة، "والله أعلم، انتهى".
وفي فتح الباري أيضًا: وجنح الإمام أبو شامة إلى وقوع المعراج مرارًا، واستند إلى ما أخرجه البزار، وسعيد بن منصور عن أنس رفعه: بينا أنا جالس إذ جاء جبريل، فوكز بين كتفي، فقمنا إلى شجرة فيها مثل وكري الطائر، فقعدت في أحدهما، وقعد جبريل في الآخر، فارتفعت حتى سدت الخافقين.. الحديث، وفيه: ففتح لي باب من السماء، فرأيت النور الأعظم، وإذا حجاب رفرف الدر والياقوت، ورجاله لا بأس بهم، إلا أن الدارقطني ذكر له علة تقتضي إرساله، وعلى كل حال، فهي قصة أخرى، الظاهر أنها وقعت بالمدينة، لا بعد في وقوع أمثالها، وإنما المستبعد وقوع التعدد في قصة المعراج الذي وقع سؤاله عن كل نبي، وسؤال أهل كل باب هل بعث إليه وفرض الصلوات الخمس وغير ذلك، فإن تعدد ذلك في اليقظة لا يتجه، فتعين رد بعض الروايات المخلتفة إلى بعض، أو الترجيح، إلا أنه بعد في وقوع جميع ذلك في المنام توطئة، ثم وقوعه في اليقظة على وفقه كما قدمته، ومن المستغرب قول ابن عبد السلام في تفسيره: وكان الإسراء في النوم واليقظة ووقع بمكة والمدينة، فإن أراد تخصيص المدينة بالنوم،стр. 3637
وقال بعض العارفين: إن له ﷺ أربعة وثلاثين مرة، والذي أسري به منها واحد بجسمه، والباقي بروحه رؤيا رآها. انتهى.
فالحق: أنه إسراء واحد، بروحه وجسده يقظة، في القصة كلها.
وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، لا ينبغي العدول عن ذلك، إذ ليس في العقل ما يحيله.
الحواشي
(١) ويكون كلامه على طريق اللف والنشر غير المرتب، فيحتمل، ويكون الإسراء الذي اتصل به المعراج، وفرضت فيه الصلاة بمكة، والآخر في المنام بالمدينة، وينبغي أن يزاد فيه أن الإسراء بالمنام تكرر بالمدينة النبوية.
"وقال بعض العارفين؛ أن له ﷺ أربعة وثلاثين مرة" من الإسراءات "الذي أسري به منها واحد بجسمه، والباقي بروحه" دون جسده "رؤيا رآها انتهى".
"فالحق" وهو الصحيح "أنه إسراء واحد برروحه وجسده يقظة في القصة كلها، وإلى هذا ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين، وتواردت عليه ظواهر الأخبار الصحيحة، ولا ينبغي العدول": الرجوع والميل "عن ذلك" الظاهر، "إذ ليس في العقل ما يحيله" حتى يعدل عنه، وإنما عده محالًا صدر من كفار قريش وبعض ضعفاء المسلمين، لتوهمهم أن قطع مثل هذه المسافة ذهابًا وإيابًا في بعض ليلة محال لبعدها، فتقطع في أيام كثيرة، ومن بعض أرباب علم الهيئة، الزاعمين أن الأفلاك لا فرجة فيها ولا تقبل الخرق والالتئام، وكلاهما خطا عقلًا ونقلًا. ألاى ترى نقل عرش بلقيس في طرفة عين مع بعد مسافته، وقد نطقت النصوص بأن للسماء أبوابًا تفتح وتغلق، فلا عبرة بأوهام الفلاسفة.
قال التفتازاني: ادعاء استحالة المعراج باطل؛ لأنه إنما ينبني على أصول الفلاسفة من امتناع الخرق والالتئام على السموات، وإلا فلخرق والالتئام على السموات واقع عند أهل الحق، والأجسام العلوية والسفلية متماثلة مركبة من الجواهر الفردة المتماثلة ما يصح على كل من الأجسام ما يصح على الآخر ضرورة التماثل المذكور، فإن أمكن خرق الأجسام السفلية أمكن خرق الأجسام العلوية، والله قادر على الممكنات كلها، فهو قادر على خرق السموات وقد ورد به السمع، فيجب تصديقه.
وقال البيضاوي تبعًا للرازي الاستحالة مدفعوة بما ثبت في الهندسة، أما ما بين طرفي قرص الشمس ضعف ما بين طرفي كرة الأرض مائة ونيفًا وستين مرة، ثم إن طرفها الأسفل ليصل لموضع طرفها الأعلى في أقل من درجة، والأجسام كلها متساوية في قبول الإعراض، والله قادرстр. 3638
قال الرازي: قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح سيدنا محمد ﷺ وجسده من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر.
أما القرآن فهو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ ، وتقرير الدليل: أن "العبد" اسم للجسد والروح، فواجب أن يكون الإسراء حاصلًا بجميع الجسد والروح، ويدل عليه قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩] ولا شك أن المراد هنا مجموع الجسد والروح، وأيضًا: قال في سورة الجن: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] ، والمردج: جميع الروح والجسد وكذا ههنا، في قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ ، انتهى.
واحتجوا أيضًا: بظاهر قوله ﵊: "أسري بي"؛ لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة حتى تدل دليل على خلافه.
الحواشي
(١) على كل الممكنات، فيقدر أن يخلق مثل هذه الحركة السريعة في بدن النبي ﷺ ، أو فيما حمله، والتعجب من لوازم المعجزات.
"ال الرازي" الإمام فخر الدين: "قال أهل التحقيق: الذي يدل على أنه تعالى أسرى بروح سيدنا محمد ﷺ وجسده" معا يقظة "من مكة إلى المسجد الأقصى القرآن والخبر" أي: الحديث، "أما القرآن، فهو قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: ١] الآية، إلا بعد، "وتقرير الدليل أن العبد اسم للجسد والروح، فواجب أن يكون الإسراء حاصلا بجميع الجسد والروح" إذ لو كان مناما لقال بروح عبده.
"ويدل عليه قوله: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى، عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩] الآية, ولا شك أن المراد هنا مجموع الجسد والروح"؛ لأن العبد هنا محمد ﷺ والناهي له عن الصلاة أبو جهل، وهو لا ينهاه عن الصلاة بروحه، "وأيضا قال في سورة الجن: وأنه بالفتح عطفا، وبالكسر استئنافا، والضمير للشأن ﴿لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ﴾ محمد ﷺ ﴿يَدْعُوهُ﴾ ، يعبده ببطن نخلة، "والمراد" في تينك الآيتين "جميع الروح والجسد، وكذلك ههنا" في قوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا﴾ [الإسراء: ١] الآية، إذ الآيات تحمل على نظيرها. انتهى.
وأما الخبر فأشار إليه بقوله: "واحتجوا أيضا بظاهر قوله ﵊: "أسري بي"؛ لأن الأصل في الأفعال أن تحمل على اليقظة حتى يدل دليل على خلافه" عقلي أو شرعي.стр. 3639
وإن ذلك لو كان منامًا لما كان فيه فتنة للضعفاء، ولا استعبده الأغبياء.
ولأن الدواب لا تحمل الأرواح وإنما تحمل الأجسام، وقد تواترت الأخبار بأنه أسري به على البراق.
فإن قلت: ما الحكمة في كونه تعالى جعل الإسراء ليلًا؟
أجيب: بأنه إنما جعل ليلًا تمكينًا للتخصيص بمقام المحبة؛ لأنه تعالى اتخذه ﷺ حبيبًا وخليلًا، والليل أخص زمان للمحبين لجمعهما فيه، والخلوة
الحواشي
(١) قال عياض وتبعه غيره: الحق والصحيح أنه إسراء بالجسد في القصة كلها، وتدل عليه الآية نصًا، وصحيح الأخبار إلى السموت استفاضة، ولا يعدل عن الظاهر والحقيقة إلى التأويل إلا عند الاستحالة، وليس في الإسراء بجسده حال يقظته استحالة تؤذن بتأويل، إذ لو كان منامًا لقال بروح عبده ولم يقل بعبده، وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] الآية، أي: ما عدل عن رؤية ما أمر به من عجائب الملكوت، وما جاوزها لصراحة ظاهره في أنه بجسده يقظه؛ لأنه أضاف الأمر إلى البصر، وهو لا يكون إلا يقظة بجسده، بشهادة لقد رأى من آيات ربه الكبرى، ولو كان منامًا لما كانت فيه آية ولا معجزة خارقة للعادة، دالة على صدقه وإن كانت رؤيا الأنبياء وحيًا، وليس فيها من الأبلغية وخرق العادة ما فيه يقظة على أن ذلك إنما يعرف من صدقه وصدق خبره، "وإن ذلك لو كان منامًا لما كان فيه فتنة للضعفاء" الذين كانوا أسلموا فارتدوا فوقعوا في فتنة، أي: بلية عظيمة توقعهم في العاب لردتهم وتكذيبهم وإنكارهم لخبر الصادق بما هو خارق للعادة، "ولا استبعده الأغبياء": جمع غبي بمعجمة، أي: الكفار ولا كذبوه، فيه؛ لأن مثل هذا من المنامات لا ينكر، بل لم يكن منهم ذلك إلا وقد علموا أن خبره إنما كان عن إسرائه بجسده وحال يقظته؛ "ولأن الدواب لا تحمل الأرواح وإنما تحمل الأجسام، وقد تواترت الأخبار، بأنه أسري به على البراق" وهو دابة، فوجب كونه بالجسد والروح معًا.
"فإن قلت ما الحكمة في كونه تعالى جعل الإسراء ليلًا،" مع أن غالب الفرائض كالصوم والجهاد والصبح والظهر والعصر والابتغاء من فضل الله، إنما هو بالنهار، وإن وقع جهاد ليلًا فنادر لنحو غارة، وفيه الصلاة الوسطى، والصوم الذي قال الله فيه: "كل عمر ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به"، ومن ثم صحح الشرف المناوي أنه أفضل من الليل، وصحح غيره تفصيل الليل.
"أجيب بأنه إنما جعل ليلًا تمكينا للتخصيص بمقام المحبة؛ لأنه تعالى أتخذه ﵇ حبيبًا وخليلًا"، فجمع له من بين المقامين، وهذا دليل لما أفهمه قوله بمقام المحبة، "والليل أخص زمان للمحبين" بفتح الباء المشددة تثنية محب، أي: أولى زمان يلخلو فيهстр. 3640
بالحبيب متحققة بالليل.
وقال ابن المنير: ولعل تخصيص الإسراء بالليل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا بالغيب، وليفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، إذ الليل أخفى حالًا من النهار، قال: ولعله لو عرج به نهارًا لفات المؤمن فضيلة الإيمان بالغيب، ولم يحصل ما وقع من الفتنة على من شقي وجحد، انتهى.
وفي ذلك حكمة أخرى على طريق أهل الإشارات، ذكرها العلامة ابن مرزوق، وهي: أنه قيل؛ لأن الله تعالى لما محا آية الليل وجعل آية النهار مبصرة انكسر الليل، فجبر بأن أسري فيه بمحمد ﷺ وقيل: افتخر النهار على الليل
الحواشي
(١) المحب بحبيب "لجمعهما فيه"، فليس المراد بأخص هنا مقابل الأعم، ثم المحب لغة من وقعت منه المحبة، والحبيب والمحبوب من وقت عليه فغلب المحب على المحبوب، فقال المحبين، أو إشارة إلى أن المتحابين إذا صدقت محبة كل منهما لصاحبه كان محبًا ومحبوبًا باعتبارين، "والخلوة بالحبيب متحققة" بالليل من تحقق الأمر إذا ثبت، ويجوز فتح القاف اسم مفعول أي: مثبتة، والأول أولى.
"وقال ابن المنير: ولعل تخصيص الإسراء بالليل ليزداد الذين آمنوا إيمانًا بالغيب، وليفتتن الذين كفروا زيادة على فتنتهم، إذ الليل أخفى حالًا من النهار"، فما وقع فيه لا يطلع عليه غالبًان فكان من الغيب، وما وقع نهارًا يطلع عليه غالبًا لمشاهدته، فإذا أخبر ﷺ عما وقع له ليلًا صدقه المؤمنون فزادوا به إيمانًا، وكذبه الكافرون فزادت فتنتهم.
"قال ابن المنير": ولعله لو عرج به نهارًا لفات المؤمن من فضيلة الإيمان بالغيب"، وقد أثنى الله على الذين يؤمنون بالغيب، ففيه فضل عظيم، "ولم يحصل ما وقع من الفتنة على من شقي وجحد"، عطف علة على معلول أي: شقي بجحوده "انتهى".
"وفي ذلك حكمة أخرى" ثالثة "على طريق أهل الإشارات"، وهم المحققون من الصوفية، والإشارات الحقائق التي يأخذونها من نص القرآن وغيره، ولا يقصدون أن ما أخذوه تفسير صريح النص، كما قاله العز بن عبد السلام وغيره.
"ذكرها العلامة" محمد "بن مرزوق، وهي أنه قيل: لأن الله تعلى لما محا آية الليل" طمس نورها بالظلام لنكسن فيه، والإضافة للبيان، "وجعل آية النهار مبصرة"، أي: مبصرًا فيها بالضوء، وفائدة إضافة البيان تحقيق مضمون الجملة السابقة، "انكسر الليل، فجبر بأن أسري فيها بمحمد ﷺ " وذلك أعظم الجبر، "وقيل: افتخر النهار على الليل بالشمس، فقيل له:стр. 3641
بالشمس فقيل له: لا تفتخر، فإن كانت الشمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء، وقيل: لأنه ﷺ سراج، والسراج إنما يوقد بالليل، وأنشد:
قلت: يا سيدي فلم تؤثر الليـ ... ـل على بهجة النهار المنير
قال: لا أستطيع تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدور
إنما زرت في الظلام لكيما ... يشرق الليل من أشعة نوري
فإن قلت: أيما أفضل، ليلة الإسراء أم ليلة القدر؟
فالجواب: كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش -أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي ﷺ من ليلة القدر، وليلة القدر أفضل في حق الأمة؛ لأنها لهم خير لهم
الحواشي
(١) لا تفتخر، فإن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء،" وهذا أيضًا من كلام أهل الإشارات، "وقيل: لأنه ﷺ سراج"، كما قال تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] الآية، "والسراج إنما يوقد بالليل"، أي: إنما يحصل الانتفاع بإيقاده ليلًا، ويذم بإيقاده نهارًا.
قال الفرزدق:
فك والد لك يا جرير كأنه ... قمر المجرة أو سراج نهار
"وأنشد" في ذلك المعنى يقول:
"قلت: يا سيدي فلم تؤثر الليـ ... ـل على بهجة النهار المنير
قال: لا أستطيع تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدرو
إنما زرت في الظلام لكيما ... يشرق الليل من أشعة نوري"
وحاصل معنى الأبيات أنه سأل محبوبه عن حكمة زيارته ليلًا دون النهار، فقال: أنا بدر، وهو إنما يظهر أثره ليلًا ولا يستطيع تغيير ذلك الأثر، وإن في زيارته ليلًا فائدة لا تظهر لو زاره نهارًا، وهي إشراق الليل بنوره، فصار الليل في حقه كالنهار في الإضاءة والإشراق.
"فإن قلت: إيما أفضل ليلة الإسراء أم ليلة القدر" التي هي خير من ألف شهر؟، "فالجواب كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش، أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي ﷺ من ليلة القدر،" لما أكرم به فيها من خوارق العادات التي أجلها رؤيته لله تعالى على الصحيح.
"وليلة القدر أفضل في حق الأمة؛ لأنها" أي: العمل فيها "خير لهم من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم"، بإلغاء الكسر، وهو ثلاث سنين وثلث سنة، بناء على أن المراد حقيقة العددстр. 3642
من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم، وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف، ولذلك لم يعينها النبي ﷺ لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن ولا إلى أن تقوم الساعة فيها شيء، ومن قال فيها شيئًا فإنما قال من كيسه لمرجع ظهر له استأنس به، ولهذا تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شيء، ولو تعلق بها نفع للأمة، ولو بذرة، لبينه لهم نبيهم ﷺ انتهى.
الحواشي
(١) وهو ألف شهر، وصدر البيضاوي، بأن المراد التكثير.
"وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح،" أراد به ما يشمل الحسن بدليل قوله، "ولا ضعيف، ولذلك لم يعينها النبي ﷺ لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن، ولا" يصح "إلى أن تقوم الساعة فيها شيء"؛ لأنه إذا لم يصح من أول الزمان، لزم أن لا يصح في بقيته، لعدم إمكان تجدد واحد عادة يطلع على ذلك بعد الزمن الطويل، وهذا لا يشكل عليه ما قيل أنه كان ليلة سبع عشرة، أو سبع وعشرين خلت من شهر ربيع الأول، أو سبع وعشرين من رمضان، أو من ربيع الآخر، أو من رجب، واختير وعليه العمل؛ لأن ابن النقاش لم ينف الخلاف فيها من أصله، وإنما نفى تعيين ليلة بخصوصها للإسراء وأنها أصح.
"ومن قال فيها شيئًا، فإنما قال من كيسه"، أي: من عند نفسه دون استناد لنص يعتمد عليه "لمرجع ظهر له، استأنس به" لما جزم به، "ولهذا" أي: عدم إتيان شيء فيها "تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شيء ولو تعلق بها نفع للأمة ولو بذرة"، أي: شيئًا قليلًا جدًا "لبينه لهم نبيهم ﷺ "؛ لأنه حريص على نفعهم. "انتهى" كلام أبي أمامة.
زاد الشامي عقبه: ويؤخذ من قول الإمام البلقيني في قصيدته التي مدخ فيها المصطفى:
فأولاك رؤيته في ليلة فضلت ... ليالي القدر فيها الرب رضاكا
إن ليلة الإسراء أفضل من لية القدر، قال في الاصطفاء: ولعل الحكمة في ذلك اشتمالها على رؤيته تعالى التي هي أفضل كل شيء، ولهذا لم يجعلها ثوابًا عن عمل من الأعمال مطلقًا بل من بها على عباده يوم القيامة تفضلًا منه تعالى انتهى، لكن هذا لا يصادم كلام ابن النقاش، إذ ليس في النظم أنها أفضل في حق الأمة وإن كان فضل الزمان، والمكان لا يختص بالعمل فيهما عل ما رجحه الشهاب القرافي وغيره، فهو خاص بتلك الليلة، لا يتعداها لمماثلها كل سنة لعدم ورود شيء فيه.
وفي الهدى لابن القيم، أن ابن تيمية سئل هل ليلة الإسراء أفضل أم ليلة القدر؟ فأجاب،стр. 3643
فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره ﷺ من الأنبياء؟
أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية لم تكن لأحد من الأنبياء، إلا لنبينا ﷺ انتهى.
وإنما قال تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به، ليعلم أن الإسراء من عبده هبة إلهية، وعناية ربانية، سبقت له ﵇، مما لم يخطر بسره، ولا اختلج في ضميره.
الحواشي
(١) بأن القائل ليلة الإسراء أفضل إن أراد أنها ونظائرها كل عام أفضل، فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاضطرار، وإن أراد أنها بخصوصها أفضل؛ لأنه حصل له ﷺ فيها ما لم يحصل له في غيرها، وما لم يحصل لغيره، فهو صحيح إن سلم إن إنعام الله على نبيه ليلة الإسراء أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر، وهذا لا يعلم إلا بوحي، ولا يجوز التلم فيه بلا علم، ولا يعرف عن أحد من الصحابة، أنه خص ليلة الإسراء بأمر من الأمور.
"فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره ﷺ من الأنبياء" أم هو من خصائصه عليهم؟، "أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات:" "بفتح الضاد" جمع حضرة، أي: المراتب "العلية لم تكن لأحد من الأنبياء إلا لنبينا ﷺ انتهى".
وعبارة الأنموذج في الخصائص التي اختص بها على الأنبياء ولم يؤتها نبي قبله لفظها، وبالإسراء وما تضمنه من اختراق السموات السبع والعلو إلى قاب قوسين، ووطئه مكانًا ما وطئه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وإحياء الأنبياء له، وصلاته إمامًا بهم وبالملائكة، وإطلاعه على الجنة والنار، عد هذه البيهقي، ورؤيته آيات ربه الكبرى وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى، ورؤيته للباري تعالى مرتين، وبركوب البراق في أحد القولين، "وإنما قال تعالى: ﴿أَسْرَى﴾ مأخوذ من السرى، وهو سير الليل، تقول: أسرى وسرى إذا سار ليلًا، هذا قول الأكثر.
وقال الحوفي: أسرى: سار ليلًا، وسرى: سار نهارًا، وقيل: أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، وهذا أقرب ﴿بِعَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ اتفاقًا، والضمير لله تعالى، والإضافة للتشريف، والمراد جعل البراق يسري به كما يقال: أمضيت كذا، أي: جعلته يمضي، وحذف المفعول لدلالة السياق عليه؛ ولأن المراد ذكر المسرى به لا ذكر الدابة، قاله في الفتح "إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به ليعلم أن الإسراء من عبده هبة إلهية، وعناية ربانية سبقت له عليه اسلام مما لم يخطر بسره ولا اختلج في ضميره،" ولعل وجه الإعلام بذلك، إنه إذا كان تعالى هو المسافر به أفاد أنه لم يكن منه فعل في الإسراء بل هو من ونعمة منه عليه،стр. 3644
وأدخل "باء" المصاحبة في قوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه، بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية، ويشهد له قوله ﵊: "اللهم أنت الصاحب في السفر".
وتأمل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] ، وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ تلح لك خصوصية مصاحبة الرسول ﵊ الحق دون عموم الخلق.
وقرن "التسبيح" بهذا الإسراء، ولينفي عن قلب صاحب الوهم
الحواشي
(١) "وأدخل باء المصاحبة" على قول المبرد والسهيلي؛ لأن الفعل اللازم، إذا تعدى بالباء غيرت الباء معناه، بخلاف بقية الحروف إذا تعدى بها الفعل، فلا يغير شيء منها معناه، فلذا جعلت للمصحابة "في قوله: ﴿بِعَبْدِه﴾ ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية"، بيان لمعنى صحبة الله لعبده لاستحالة المصاحبة الحقيقية عليه، هكذا جزم المبرد والسهيلي، أن الباء تقتضي مصاحبة الفعل للمفعول في الفعل بخلاف الهمزة، حتى قال السهيلي: إذا قلت قعدت به، فلا بد من مشاركة ولو باليد، وبه جزم ابن دحية وابن المنير.
زاد ابن دحية، "ويشهد له،" أي: لوصفه تعالى بالصحبة "قوله ﵊: "اللهم أنت الصاحب في السفر"،" والجمهور أن الباء للتعدية وترادف الهمزة، ولا تقتضي المصاحبة، ورد على المبرد وأتباعه بقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ [البقرة: ١٧] الآية؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور، وبقول الشاعر:
ديار التي كانت ونحن على منى ... تحل بنا لولا نجاء الركائب
أي: تحلنا، فالباء هنا للتعدية، ولم يقتضي المشاركة؛ لأن الديار لم تكن حرامًا فتصير حلالًا، ولكن الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما، فلا يقال: أذهبت بزيد، "وتأمل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [يونس: ٢٢] الآية، وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ تلح لك خصوصية مصاحبة الرسول ﵊ الحق دون عموم الخلق؛" لأنه أتى بباء المصاحبة في "بعبده"، وأتى بـ"في" في العموم إشارة إلى الفرق بين لطفه بعبده وبين غيره من الخق، "وقرن التسبيح بهذا الإسراء"، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ وأصلها التنزيه، ويطلق في موضع التعجب، فعلى الأول المعنى تنزه الله عن أن يكون رسوله كذابًا، وعلى الثاني عجب الله عباده بما أنعم به على رسوله، ويحتمل أنه بمعنى الأمر، أي: سبحوا الذي أسرى، قاله في الفتح "ينفي عن قلب صاحب الوهم ومن يحكم عليه خياله منстр. 3645
ومن يحكم عليه خياله من أهل التشبيه، والتجسيم ما يتخيله في حق الحق سبحانه من الجهة والحد والمكان، ولذا قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ يعني ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه يقول: ما أسريت به إلا لرؤيته الآيات، لا "إلي" فإني لا يحدني مكان، ونسبة الأمكنة إلى نسبة واحدة، فكيف أسري به إلي، وأنا عبده، وأنا معه أينما كان، ولله در القائل لا محا معنى ما ذكر:
سبحان من أسرى إليه بعبده ... ليرى الذي أخفاه من آياته
كحضوره في غيبة وكسكره ... في صحوه والمحو في إثباته
ويرى الذي عنه تكون سره ... في منعه إن شاءه وهباته
الحواشي
(١) أهل التشبيه والتجسيم ما يتخليه في حق الحق سبحانه من الجهة والحد والمكان" حملًا لقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ﴾ ، على ظاهره، فيكون معناه صاحبه في سيره من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ولذلك محال في حقه.
وفي البيضوي تصديره بالتسبيح للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد.
"ولذا قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ، ويعني ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه ، يقول: ما أسريت به إلا لرؤيته الآيات، لا إلي فإني لا يحدني مكان؛" لأنه الخالق له وموجده فكيف يحده "ونسبة الأمكنة إلى نسبة واحدة، فكيف أسري
به" "بضم الهمزة مضارع من أسرى"، أي: كيف أنقله من المكان الذي هو به لأحضره "إلي، وأنا عنده وأنا معه أينما كان،" أي: في أي مكان حل به، "ولله در القائل: لا محا معنى ما ذكر:"
"سبحان من أسرى إليه بعبده ... ليرى الذي أخفاه من آياته"
أي: ستره عن عامة خلقه، ويرى مبني للفاعل بفتح أوله أو بضمه وحذف المفعول، أي: ليريه، ومثل لذلك على طريق أهل الإشارات بقوله: "كحضوره في غيبة" يعنون بها غيبة القلب عن علم ما يجري من أحكام الخلق لشغل الحس بما ورد عليه من الحق حتى إنه قد يغيب عن إحساسه بنفسه فضلًا عن غيره، والغيبة بإزاء الحضور، والغيب بإزاء الشهادة، فيقال: الغيب عن عالم الشهادة حضور في عالم الغيب، والحضور في عالم القدس غيبة عن عالم الحس، "وكسكره"، وهو غيبة بوارد قوي "في صحوه"، وهو الرجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي، وذلك أن العبد إذا كوشف بنعت الجمال سكر وطرب وهام قلبه، فإذا عاد من سكره سمى صاحيًا، "والمحو" رفع أوصاف العادة "في إثباته" وهو إقامة أحكام العادة مقابل للمحو.
"ويرى الذي عنه تكون سره،" السر يعني به عن حصة كل موجود من الحق بالتوجهследующие страницы →