← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.

стр. 3641

بالشمس فقيل له: لا تفتخر، فإن كانت الشمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء، وقيل: لأنه ﷺ سراج، والسراج إنما يوقد بالليل، وأنشد: قلت: يا سيدي فلم تؤثر الليـ ... ـل على بهجة النهار المنير قال: لا أستطيع تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدور إنما زرت في الظلام لكيما ... يشرق الليل من أشعة نوري فإن قلت: أيما أفضل، ليلة الإسراء أم ليلة القدر؟ فالجواب: كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش -أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي ﷺ من ليلة القدر، وليلة القدر أفضل في حق الأمة؛ لأنها لهم خير لهم

стр. 3642

من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم، وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف، ولذلك لم يعينها النبي ﷺ لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن ولا إلى أن تقوم الساعة فيها شيء، ومن قال فيها شيئًا فإنما قال من كيسه لمرجع ظهر له استأنس به، ولهذا تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شيء، ولو تعلق بها نفع للأمة، ولو بذرة، لبينه لهم نبيهم ﷺ انتهى.

стр. 3643

فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره ﷺ من الأنبياء؟ أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية لم تكن لأحد من الأنبياء، إلا لنبينا ﷺ انتهى. وإنما قال تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به، ليعلم أن الإسراء من عبده هبة إلهية، وعناية ربانية، سبقت له ﵇، مما لم يخطر بسره، ولا اختلج في ضميره.

стр. 3644

وأدخل "باء" المصاحبة في قوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه، بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية، ويشهد له قوله ﵊: "اللهم أنت الصاحب في السفر". وتأمل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] ، وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ تلح لك خصوصية مصاحبة الرسول ﵊ الحق دون عموم الخلق. وقرن "التسبيح" بهذا الإسراء، ولينفي عن قلب صاحب الوهم

стр. 3645

ومن يحكم عليه خياله من أهل التشبيه، والتجسيم ما يتخيله في حق الحق سبحانه من الجهة والحد والمكان، ولذا قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ يعني ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه يقول: ما أسريت به إلا لرؤيته الآيات، لا "إلي" فإني لا يحدني مكان، ونسبة الأمكنة إلى نسبة واحدة، فكيف أسري به إلي، وأنا عبده، وأنا معه أينما كان، ولله در القائل لا محا معنى ما ذكر: سبحان من أسرى إليه بعبده ... ليرى الذي أخفاه من آياته كحضوره في غيبة وكسكره ... في صحوه والمحو في إثباته ويرى الذي عنه تكون سره ... في منعه إن شاءه وهباته

стр. 3646

ويريه ما أبدى له من جوده ... بوجوده والفقد من هيآته سبحانه من سيد ومهيمن ... في ذاته وسماته وصفاته وأكد الله تعالى بقوله: ﴿لَيْلًا﴾ مع أن الإسراء لا يكون في اللسان العربي إلا ليلًا، لا نهارًا، "ليدفع الإشكال حتى لا يتخيل أنه أسرى بروحه فقط، ويزيل من خاطر من يعتقد من الناس أن الإسراء ربما يكون نهارًا، فإن القرآن وإن كان نزوله بلغة العرب، فإنه خاطب به الناس أجمعين، أصحاب اللسان العربي وغيرهم.

стр. 3647

وقال البيضاوي تبعًا لصاحب الكشاف: وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء، ولذلك قرئ "من الليل" أي بعضه: كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾ [الإسراء: ٧٩] وتعقبه القطب في حاشيته على الكشاف كما نبهت عليه في حاشية الشفاء. والمعاريج ليلة الإسراء عشرة، سبع إلى السموات، والثامن إلى سدرة المنتهى، والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصاريف

стр. 3648

الأقدار، والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية وسمع الخطاب المكافحة، والكشف الحقيقي. وقد وقع له ﵇ في سني الهجرة العشرة ما كان فيه مناسبات لطيفة بهذه المعاريج العشرة، ولهذا ختمت سني الهجرة، بالوفاة، وهي لقاء الحق ﷻ ، والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، والعروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصدق، وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة، وهي المنزلة الرفيعة. كما ختمت معاريج الإسراء باللقاء والحضور بحظيرة القدس. وقد أفاد الإمام الذهبي أن الحافظ عبد الغني جمع أحاديث الإسراء في جزأين، ولم يتيسر لي الوقوف عليهما بعد الفحص الشديد. وقد صنف الشيخ أبو إسحاق النعماني ﵀ في الإسراء والمعراج كتابًا جامعًا لإطناب بزيادة الرقائق والإشحان بفواضل الحقائق، ولم أقف عليه

стр. 3649

حال كتابتي هذا المقصد الشريف. والله تعالى يرحم شيح الإسلام والحافظ الشهاب ابن حجر العسقلاني، فإنه جمع في كتابه "الفتح" كثيرًا مما تشتت من طرق حديث الإسراء وغيره من الأحاديث، مع تدقيق مباحث فقهية، والكشف عن أسرار معاني كلمه وبدائع ألفاظه وحكمه. وكل من صنف في شيء من المنح النبوية، والمناقب المحمدية لا يستغني عن استجناء معارف اللطائف من رياض "عياض" والاستشفاء من أدواء المشكلات بدواء "شفائه" والمبرئ لمعضل الأمراض. والله تعالى يفيض عليه وعلى سائر علماء الأمة سجال رحمته ورضوانه، ويسكننا معهم في بحبوحة جنانه. وقد وردت أحاديث الإسراء من حديث أنس، وأبي بن كعب، وجابر بن

стр. 3650

عبد الله، وبريدة، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عمرو، وحذيفة بن اليمان، وشدبد بن أوس، وصهيب، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، ومالك بن صعصعة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وأبي حبة، وأبي

стр. 3651

ذر، وأبي سعيد الخدري، وأبي سفيان بن حرب، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وأم هانئ، وأم سلمة، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين. وفي تفسير الحافظ ابن كثير من ذلك ما يكفي ويشفي. وبالجملة: حديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة

стр. 3652

الملحدون، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] . وقد روى البخاري، عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله ﷺ حدثه عن ليلة أسري به. "بينما أنا نائم في الحطيم" -وربما قال: في الحجر- "مضطجعًا"، إذ أتاني آت فقد -قال: سمعته يقول: فشق- ما بين هذه إلى هذه. قال: فقلت للجارود وهو

стр. 3653

"إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغره نحره إلى شعرته. فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانًا، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد".

стр. 3654

"ثم أتيت بدابة، دون البغل وفوق الحمار أبيض" -فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم -يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاسفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال:

стр. 3655

"ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح النبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاسفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم

стр. 3656

"المجيء جاء ففتح لنا، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح".

стр. 3657

"ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح".

стр. 3658

"ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا، به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتى".

стр. 3659

"ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح. ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل"

стр. 3660

"آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، و"أما الظاهران، فالنيل والفرات. ثم رفع إلى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت".

стр. 3661

"بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك".

стр. 3662

"ثم فرضت علي الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع".

стр. 3663

"عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي".

стр. 3664

وفي رواية له: "ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه". وفي رواية شريك: فحشى به صدره ولغاديده وهي بلام مفتوحة وغين معجمة، أي عروق حلقه، وفي النهاية: جمع لغدودة: وهي لحمة مشرفة عند اللهاة. والشك في قوله: وربما قال في الحجر من قتادة، كما بينه أحمد بن عفان، ولفظه: "بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال قتادة: في الحجر والمراد بالحطيم هنا: الحجر".

стр. 3665

ووقع عند البخاري في أول بدء الخلق بلفظ: "بينما أنا عند البيت" وهو أعم. وفي رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة". وفي رواية الواقدي بأسانيده: "أنه أسري به من شعب أبي طالب". وفي حديث أم هانئ -عند الطبراني- أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من الليل، فقال: "إن جبريل أتاني". والجمع بين هذه الأقوال -كما في فتح الباري- أنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه؛ لأنه كان يسكنه فنزل منزله الملك، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك فأخرجه من المسجد إلى باب

стр. 3666

المسجد، فأركبه البراق، قال: وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع. فإن قيل: لم فرج سقف بيته ﵊ ونزل منه الملك، ولم يدخل من الباب، مع قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] . أجيب: بأن الحكمة من ذلك أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة على جهة الاستقامة، ولم يعرج على شيء سواه، فكان نزوله على السقف مبالغة في المفاجأة، وتنبيها على أن الطلب وقع على غير ميعاد، كرامة له ﵊. وهذا بخلاف موسى ﵊، فكانت كرامته بالمناجاة عن ميعاد واستعداد بخلاف نبينا محمد ﷺ فإنه حمل عنه ألم الانتظار، كما حمل عنه ألم

стр. 3667

الاعتذار، ويؤخذ من هذا: أن مقام نبينا ﵊ بالنسبة إلى مقام موصى ﵊ مقام المراد بالنسبة إلى مقام المريد، ويحتمل أن يكون توطئة وتميهدًا لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم التئام السقف على الفور كيفية ما يصنع به، وقرب له الأمر في نفسه بالمثال المشاهد في بيته، لطفًا في حقه ﵊ وتثبيتًا لصبره، والله أعلم بحقيقة السر. وقوله: مضطجعًا، زاد في بدء الخلق بين النائم واليقظان. وهو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه البراق، استمر في يقظته. وأما ما وقع في رواية شريك عنده أيضًا فلما استيقظت فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أن المراد استيقظت: أفقت: يعني أنه أفاق مما كان فيه

стр. 3668

من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوي، فالمراد: الإفاقة البشرية من الغمرة الملكية. وقوله: "إذ أتاني آت هو جبريل ﵇"، وفي رواية شريك أنه جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم وكانت تلك الليلة -أي كانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا- فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما

стр. 3669

يرى قلبه وتنام عليه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه ... وقد أنكر الخطابي قوله: قبل أن يوحى إليه ولذلك قال القاضي عياض والنووي، وعبارة النووي: وقع في رواية شريك -يعني هذه- أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله: قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، قبل الوحي. انتهى، فقد صرح هؤلاء بأن شريكًا تفرد بذلك. لكن قال الحافظ ابن حجر: في دعوى التفرد نظر، وافقه كثير بن خينس -بالمعجمة ونون مصغرًا- عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي له من طريقه. قال: ولم يقع التعيين بين المجيئين،

стр. 3670

فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد الوحي، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي أو عدد سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة وسقط تشنيع الخطابي وغيره بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وأقوى ما يستدل به على أن المعراج كان بعد البعثة، قوله في هذا الحديث نفسه: إن جبريل قال لبواب السماء إذ قال: أبعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة. ووقع في رواية ميمون بن سياه -عند الطبراني-: فأتاه جبريل وميكائيل،

стр. 3671

فقال: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاؤه وهم ثلاثة نفر، وفي رواية مسلم: سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت فانطلق بي، والمراد بالرجلين: حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، وكان النبي ﷺ نائمًا بينهما. وقوله: "فقد" بالقاف والدال الثقيلة وفي رواية فشق. "من ثغره" بضم المثلة وسكونة الغين المعجمة بعدها، راء الموضع المنخفض الذي بين الترقوتين. إلى شعرته بكسر الشين المعجمة، أي شعر العانة الشريفة، وفي رواية مسلم: إلى أسفل البطن.

стр. 3672

وفي رواية البخاري: إلى مراق البطن. وفي رواية شريك: فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته -بفتح اللام وتشديد الموحدة- وهو موضع القلادة من الصدر. وقد أنكر القاضي عياض في "الشفاء" وقوع شق صدره الشريف ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي قبل الوحي في بني سعد. ولا إنكار في ذلك -كما قاله الحافظ أبو الفضل العسقلاني ﵀ فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم

стр. 3673

في الدلائل، ولكل منها حكمة: فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس: فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ولعل هذا الشق كان سببًا في إسلام قرينه المروي عند البزار من حديث ابن عباس، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى حظ الشيطان المباين كالعفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه. وأما شق الصدر عند البعث، فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما يوحى إليه بقلب

стр. 3674

قوي على أكمل الأحوال من التطهير. وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء فللتهيؤ للترقي إلى الملأ الأعلى، والثبوت في المقام الأسنى، والتقوى لاستجلاء الأسماء الحسنى، ولهذا لما لم ينفق لموسى ﵇ مثل هذ التهيؤ لم تتفق له الرؤية، وكيف يثبت الرجل لما لا يثبت له الجبل؟!. ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل، لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه ﵇. ثم أن جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من

стр. 3675

الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك. قال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن قدرة الله تعالى لا يعجزها ممكن، ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده، وليست مربوطة بالعادة إلا حيث شاءته القدرة؛ لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر مهما شق بطنه كله وانجرح القلب مات ولم يعش، وهذ النبي ﷺ قد شق بطنه المكرمة، حتى أخرج القلب وغسل،

стр. 3676

وقد شق بطنه كذلك أيضًا وهو صغير وشق قلبه وأخرج منه نزغة الشيطان، ومعلوم أن القلب مهما وصل له الجرح مات صاحبه، وهذا النبي ﵊ شق بطنه في هاتين المرتين، ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أن أراد الله تعالى أن لا يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة، وقد رمي إبراهيم ﵊ في النار فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا وسلامًا. انتهى. وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه ﵇ بتحقيق ما أوتي من الصبر، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدًا وكتفًا وتلا للجبين، وإهواء بالمدية إلى المنحر فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِن

стр. 3677

شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ [الصافات: ١٠٢] ، ووفي بما وعد الله تعالى، فأكره الله بالثناء على صبره إلى الأبد. ولا مرية أن الذي حصل من صبر نبينا ﷺ أشد وأجل؛ لأن تلك مقدمات وهذه نتيجة، وتلك معاريض وهذه حقيقة، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل إلا صورة القتل لا فعله، وشق صدر نبينا ﷺ واستخراج قلبه، ثم شقه ثم كذا مقاتل عديدة وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر. فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما

стр. 3678

انخرقت في إبقاء الحياة انخرقت في دقع المشاق وحمل الآلام. أجيب: بأنه ورد في حديث شق صدره: فأقبل وهو منقع اللون أو ممتقع، بالميم بدل النون، وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق. انتهى. قال القاضي عياض: وأصل "انتقع" صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة. وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شقه عليه، فيحمل على أنه صبر صبر من لا يشق عليه. انتهى. وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا ﷺ بعيد ما

стр. 3679

فطم، وأيضًا: فإنه كان منفردًا عن أمه ويتيما من أبيه، واختطف من بين الأطفال، وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلًا لما يلقاه في المآل، وتعظيمًا لما يناله على الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما شج وجهه الشريف وجرح وكسرت رباعيته قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، زاده الله شرفًا وفضلًا. وقوله: "ثم أتيت بطست من ذهب" إنما أتي بالطست؛ لأنه أشهر آلات الغسل عرفًا. فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه ﵇ فكيف استعمل الطست الذهب هنا؟. أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به

стр. 3680

في هذه الدار، وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا، لقوله ﵇: "هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة"، قال: ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه ﵊ وإنما كان غيره في السائق له والمتناول لما كان فيه حتى وضعت في القلب المبارك. فسوقان الطست من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررنا. انتهى. وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك لمن الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يحرم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم، ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، ولعل ذلك كان قبل أن يحرم الذهب في هذه
следующие страницы →