Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
بالشمس فقيل له: لا تفتخر، فإن كانت الشمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء، وقيل: لأنه ﷺ سراج، والسراج إنما يوقد بالليل، وأنشد:
قلت: يا سيدي فلم تؤثر الليـ ... ـل على بهجة النهار المنير
قال: لا أستطيع تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدور
إنما زرت في الظلام لكيما ... يشرق الليل من أشعة نوري
فإن قلت: أيما أفضل، ليلة الإسراء أم ليلة القدر؟
فالجواب: كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش -أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي ﷺ من ليلة القدر، وليلة القدر أفضل في حق الأمة؛ لأنها لهم خير لهم
الحواشي
(١) لا تفتخر، فإن كانت شمس الدنيا تشرق فيك فسيعرج شمس الوجود في الليل إلى السماء،" وهذا أيضًا من كلام أهل الإشارات، "وقيل: لأنه ﷺ سراج"، كما قال تعالى: ﴿وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٦] الآية، "والسراج إنما يوقد بالليل"، أي: إنما يحصل الانتفاع بإيقاده ليلًا، ويذم بإيقاده نهارًا.
قال الفرزدق:
فك والد لك يا جرير كأنه ... قمر المجرة أو سراج نهار
"وأنشد" في ذلك المعنى يقول:
"قلت: يا سيدي فلم تؤثر الليـ ... ـل على بهجة النهار المنير
قال: لا أستطيع تغيير رسمي ... هكذا الرسم في طلوع البدرو
إنما زرت في الظلام لكيما ... يشرق الليل من أشعة نوري"
وحاصل معنى الأبيات أنه سأل محبوبه عن حكمة زيارته ليلًا دون النهار، فقال: أنا بدر، وهو إنما يظهر أثره ليلًا ولا يستطيع تغيير ذلك الأثر، وإن في زيارته ليلًا فائدة لا تظهر لو زاره نهارًا، وهي إشراق الليل بنوره، فصار الليل في حقه كالنهار في الإضاءة والإشراق.
"فإن قلت: إيما أفضل ليلة الإسراء أم ليلة القدر" التي هي خير من ألف شهر؟، "فالجواب كما قاله الشيخ أبو أمامة بن النقاش، أن ليلة الإسراء أفضل في حق النبي ﷺ من ليلة القدر،" لما أكرم به فيها من خوارق العادات التي أجلها رؤيته لله تعالى على الصحيح.
"وليلة القدر أفضل في حق الأمة؛ لأنها" أي: العمل فيها "خير لهم من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم"، بإلغاء الكسر، وهو ثلاث سنين وثلث سنة، بناء على أن المراد حقيقة العددстр. 3642
من عمل في ثمانين سنة لمن قبلهم، وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح ولا ضعيف، ولذلك لم يعينها النبي ﷺ لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن ولا إلى أن تقوم الساعة فيها شيء، ومن قال فيها شيئًا فإنما قال من كيسه لمرجع ظهر له استأنس به، ولهذا تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شيء، ولو تعلق بها نفع للأمة، ولو بذرة، لبينه لهم نبيهم ﷺ انتهى.
الحواشي
(١) وهو ألف شهر، وصدر البيضاوي، بأن المراد التكثير.
"وأما ليلة الإسراء فلم يأت في أرجحية العمل فيها حديث صحيح،" أراد به ما يشمل الحسن بدليل قوله، "ولا ضعيف، ولذلك لم يعينها النبي ﷺ لأصحابه، ولا عينها أحد من الصحابة بإسناد صحيح، ولا صح إلى الآن، ولا" يصح "إلى أن تقوم الساعة فيها شيء"؛ لأنه إذا لم يصح من أول الزمان، لزم أن لا يصح في بقيته، لعدم إمكان تجدد واحد عادة يطلع على ذلك بعد الزمن الطويل، وهذا لا يشكل عليه ما قيل أنه كان ليلة سبع عشرة، أو سبع وعشرين خلت من شهر ربيع الأول، أو سبع وعشرين من رمضان، أو من ربيع الآخر، أو من رجب، واختير وعليه العمل؛ لأن ابن النقاش لم ينف الخلاف فيها من أصله، وإنما نفى تعيين ليلة بخصوصها للإسراء وأنها أصح.
"ومن قال فيها شيئًا، فإنما قال من كيسه"، أي: من عند نفسه دون استناد لنص يعتمد عليه "لمرجع ظهر له، استأنس به" لما جزم به، "ولهذا" أي: عدم إتيان شيء فيها "تصادمت الأقوال فيها وتباينت، ولم يثبت الأمر فيها على شيء ولو تعلق بها نفع للأمة ولو بذرة"، أي: شيئًا قليلًا جدًا "لبينه لهم نبيهم ﷺ "؛ لأنه حريص على نفعهم. "انتهى" كلام أبي أمامة.
زاد الشامي عقبه: ويؤخذ من قول الإمام البلقيني في قصيدته التي مدخ فيها المصطفى:
فأولاك رؤيته في ليلة فضلت ... ليالي القدر فيها الرب رضاكا
إن ليلة الإسراء أفضل من لية القدر، قال في الاصطفاء: ولعل الحكمة في ذلك اشتمالها على رؤيته تعالى التي هي أفضل كل شيء، ولهذا لم يجعلها ثوابًا عن عمل من الأعمال مطلقًا بل من بها على عباده يوم القيامة تفضلًا منه تعالى انتهى، لكن هذا لا يصادم كلام ابن النقاش، إذ ليس في النظم أنها أفضل في حق الأمة وإن كان فضل الزمان، والمكان لا يختص بالعمل فيهما عل ما رجحه الشهاب القرافي وغيره، فهو خاص بتلك الليلة، لا يتعداها لمماثلها كل سنة لعدم ورود شيء فيه.
وفي الهدى لابن القيم، أن ابن تيمية سئل هل ليلة الإسراء أفضل أم ليلة القدر؟ فأجاب،стр. 3643
فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره ﷺ من الأنبياء؟
أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات العلية لم تكن لأحد من الأنبياء، إلا لنبينا ﷺ انتهى.
وإنما قال تعالى: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به، ليعلم أن الإسراء من عبده هبة إلهية، وعناية ربانية، سبقت له ﵇، مما لم يخطر بسره، ولا اختلج في ضميره.
الحواشي
(١) بأن القائل ليلة الإسراء أفضل إن أراد أنها ونظائرها كل عام أفضل، فهذا باطل لم يقله أحد من المسلمين، وهو معلوم الفساد بالاضطرار، وإن أراد أنها بخصوصها أفضل؛ لأنه حصل له ﷺ فيها ما لم يحصل له في غيرها، وما لم يحصل لغيره، فهو صحيح إن سلم إن إنعام الله على نبيه ليلة الإسراء أعظم من إنعامه عليه بإنزال القرآن ليلة القدر، وهذا لا يعلم إلا بوحي، ولا يجوز التلم فيه بلا علم، ولا يعرف عن أحد من الصحابة، أنه خص ليلة الإسراء بأمر من الأمور.
"فإن قلت: هل وقع الإسراء لغيره ﷺ من الأنبياء" أم هو من خصائصه عليهم؟، "أجاب العارف عبد العزيز المهدوي: بأن مرتبة الإسراء بالجسم إلى تلك الحضرات:" "بفتح الضاد" جمع حضرة، أي: المراتب "العلية لم تكن لأحد من الأنبياء إلا لنبينا ﷺ انتهى".
وعبارة الأنموذج في الخصائص التي اختص بها على الأنبياء ولم يؤتها نبي قبله لفظها، وبالإسراء وما تضمنه من اختراق السموات السبع والعلو إلى قاب قوسين، ووطئه مكانًا ما وطئه نبي مرسل ولا ملك مقرب، وإحياء الأنبياء له، وصلاته إمامًا بهم وبالملائكة، وإطلاعه على الجنة والنار، عد هذه البيهقي، ورؤيته آيات ربه الكبرى وحفظه حتى ما زاغ البصر وما طغى، ورؤيته للباري تعالى مرتين، وبركوب البراق في أحد القولين، "وإنما قال تعالى: ﴿أَسْرَى﴾ مأخوذ من السرى، وهو سير الليل، تقول: أسرى وسرى إذا سار ليلًا، هذا قول الأكثر.
وقال الحوفي: أسرى: سار ليلًا، وسرى: سار نهارًا، وقيل: أسرى: سار من أول الليل، وسرى: سار من آخره، وهذا أقرب ﴿بِعَبْدِهِ﴾ محمد ﷺ اتفاقًا، والضمير لله تعالى، والإضافة للتشريف، والمراد جعل البراق يسري به كما يقال: أمضيت كذا، أي: جعلته يمضي، وحذف المفعول لدلالة السياق عليه؛ ولأن المراد ذكر المسرى به لا ذكر الدابة، قاله في الفتح "إشارة إلى أنه تعالى هو المسافر به ليعلم أن الإسراء من عبده هبة إلهية، وعناية ربانية سبقت له عليه اسلام مما لم يخطر بسره ولا اختلج في ضميره،" ولعل وجه الإعلام بذلك، إنه إذا كان تعالى هو المسافر به أفاد أنه لم يكن منه فعل في الإسراء بل هو من ونعمة منه عليه،стр. 3644
وأدخل "باء" المصاحبة في قوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه، بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية، ويشهد له قوله ﵊: "اللهم أنت الصاحب في السفر".
وتأمل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس: ٢٢] ، وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ تلح لك خصوصية مصاحبة الرسول ﵊ الحق دون عموم الخلق.
وقرن "التسبيح" بهذا الإسراء، ولينفي عن قلب صاحب الوهم
الحواشي
(١) "وأدخل باء المصاحبة" على قول المبرد والسهيلي؛ لأن الفعل اللازم، إذا تعدى بالباء غيرت الباء معناه، بخلاف بقية الحروف إذا تعدى بها الفعل، فلا يغير شيء منها معناه، فلذا جعلت للمصحابة "في قوله: ﴿بِعَبْدِه﴾ ليفيد أنه تعالى صحبه في مسراه بالألطاف والعناية والإسعاف والرعاية"، بيان لمعنى صحبة الله لعبده لاستحالة المصاحبة الحقيقية عليه، هكذا جزم المبرد والسهيلي، أن الباء تقتضي مصاحبة الفعل للمفعول في الفعل بخلاف الهمزة، حتى قال السهيلي: إذا قلت قعدت به، فلا بد من مشاركة ولو باليد، وبه جزم ابن دحية وابن المنير.
زاد ابن دحية، "ويشهد له،" أي: لوصفه تعالى بالصحبة "قوله ﵊: "اللهم أنت الصاحب في السفر"،" والجمهور أن الباء للتعدية وترادف الهمزة، ولا تقتضي المصاحبة، ورد على المبرد وأتباعه بقوله تعالى: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِم﴾ [البقرة: ١٧] الآية؛ لأن الله تعالى لا يوصف بالذهاب مع النور، وبقول الشاعر:
ديار التي كانت ونحن على منى ... تحل بنا لولا نجاء الركائب
أي: تحلنا، فالباء هنا للتعدية، ولم يقتضي المشاركة؛ لأن الديار لم تكن حرامًا فتصير حلالًا، ولكن الباء بمعنى الهمزة لا يجمع بينهما، فلا يقال: أذهبت بزيد، "وتأمل قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْر﴾ [يونس: ٢٢] الآية، وقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِه﴾ تلح لك خصوصية مصاحبة الرسول ﵊ الحق دون عموم الخلق؛" لأنه أتى بباء المصاحبة في "بعبده"، وأتى بـ"في" في العموم إشارة إلى الفرق بين لطفه بعبده وبين غيره من الخق، "وقرن التسبيح بهذا الإسراء"، فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى﴾ وأصلها التنزيه، ويطلق في موضع التعجب، فعلى الأول المعنى تنزه الله عن أن يكون رسوله كذابًا، وعلى الثاني عجب الله عباده بما أنعم به على رسوله، ويحتمل أنه بمعنى الأمر، أي: سبحوا الذي أسرى، قاله في الفتح "ينفي عن قلب صاحب الوهم ومن يحكم عليه خياله منстр. 3645
ومن يحكم عليه خياله من أهل التشبيه، والتجسيم ما يتخيله في حق الحق سبحانه من الجهة والحد والمكان، ولذا قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ يعني ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه يقول: ما أسريت به إلا لرؤيته الآيات، لا "إلي" فإني لا يحدني مكان، ونسبة الأمكنة إلى نسبة واحدة، فكيف أسري به إلي، وأنا عبده، وأنا معه أينما كان، ولله در القائل لا محا معنى ما ذكر:
سبحان من أسرى إليه بعبده ... ليرى الذي أخفاه من آياته
كحضوره في غيبة وكسكره ... في صحوه والمحو في إثباته
ويرى الذي عنه تكون سره ... في منعه إن شاءه وهباته
الحواشي
(١) أهل التشبيه والتجسيم ما يتخليه في حق الحق سبحانه من الجهة والحد والمكان" حملًا لقوله: ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ﴾ ، على ظاهره، فيكون معناه صاحبه في سيره من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ولذلك محال في حقه.
وفي البيضوي تصديره بالتسبيح للتنزيه عن العجز عما ذكر بعد.
"ولذا قال: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ ، ويعني ما رأى في تلك الليلة من عجائب الآيات، كأنه ، يقول: ما أسريت به إلا لرؤيته الآيات، لا إلي فإني لا يحدني مكان؛" لأنه الخالق له وموجده فكيف يحده "ونسبة الأمكنة إلى نسبة واحدة، فكيف أسري
به" "بضم الهمزة مضارع من أسرى"، أي: كيف أنقله من المكان الذي هو به لأحضره "إلي، وأنا عنده وأنا معه أينما كان،" أي: في أي مكان حل به، "ولله در القائل: لا محا معنى ما ذكر:"
"سبحان من أسرى إليه بعبده ... ليرى الذي أخفاه من آياته"
أي: ستره عن عامة خلقه، ويرى مبني للفاعل بفتح أوله أو بضمه وحذف المفعول، أي: ليريه، ومثل لذلك على طريق أهل الإشارات بقوله: "كحضوره في غيبة" يعنون بها غيبة القلب عن علم ما يجري من أحكام الخلق لشغل الحس بما ورد عليه من الحق حتى إنه قد يغيب عن إحساسه بنفسه فضلًا عن غيره، والغيبة بإزاء الحضور، والغيب بإزاء الشهادة، فيقال: الغيب عن عالم الشهادة حضور في عالم الغيب، والحضور في عالم القدس غيبة عن عالم الحس، "وكسكره"، وهو غيبة بوارد قوي "في صحوه"، وهو الرجوع إلى الإحساس بعد الغيبة بوارد قوي، وذلك أن العبد إذا كوشف بنعت الجمال سكر وطرب وهام قلبه، فإذا عاد من سكره سمى صاحيًا، "والمحو" رفع أوصاف العادة "في إثباته" وهو إقامة أحكام العادة مقابل للمحو.
"ويرى الذي عنه تكون سره،" السر يعني به عن حصة كل موجود من الحق بالتوجهстр. 3646
ويريه ما أبدى له من جوده ... بوجوده والفقد من هيآته
سبحانه من سيد ومهيمن ... في ذاته وسماته وصفاته
وأكد الله تعالى بقوله: ﴿لَيْلًا﴾ مع أن الإسراء لا يكون في اللسان العربي إلا ليلًا، لا نهارًا، "ليدفع الإشكال حتى لا يتخيل أنه أسرى بروحه فقط، ويزيل من خاطر من يعتقد من الناس أن الإسراء ربما يكون نهارًا، فإن القرآن وإن كان نزوله بلغة العرب، فإنه خاطب به الناس أجمعين، أصحاب اللسان العربي وغيرهم.
الحواشي
(١) الإيجادي المنبه عليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون﴾ [النحل: ٤٠] الآية، "في منعه إن شاءه"، أي: المنع "وهباته": جمع هبة، ذكره كله في لطائف الأعلام، "ويريه" من الإراءة "ما أبدى": أظهر "له من جوده" تعالى عليه ﷺ "بوجوده والفقد من هيئاته".
"سبحانه من سيد" من أسمائه تعالى، كما في حديث "ومهيمن"، كما في التنزيل، المهيمن، أي: الشاهد الحافظ، أو المؤمن، أو الرقيب، أو القائم على خلقه، "في ذاته وسمائه" "بتثليث السين" لغة
في الأسماء، وهو ما دل على الذات باعتبار صفة "وصفاته": جمع صفة، وهي المعنى القائم بالذات، "وأكد الله تعالى بقوله ليلًا مع أن الإسراء لا يكون في اللسان العربي إلا ليلًا لا نهارًا" وكذا سرى عند الأكثر كما مر.
قال الحافظ: "ولم تختلف القراء في ﴿أَسْرَىْ﴾ بخلاف قوله تعالى في قصة لوط ﴿فَأَسْر﴾ [هود: ٨١] ، فقرئت بالوصل والقطع، ففيه تعقب على من قال سرى وأسرى بمعنى واحد.
قال السهيلي: السرى من سريت إذا سرت ليلًا، يعني فهو لازم، والإسراء يتعدى في المعنى، لكن حذف مفعوله حتى ظن أنهما بمعنى واحد، وإنما معنى ﴿أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾ جعل البراق يسري به، كما تقول: أمضيت كذا، أي: جعلته يمضي، لكن حذف المفعول لقوة الدلالة عليه والاستغناء عن ذكره، إذ المقصود بالذكر المصطفى لا الدابة التي سارت به.
وأما قصة لوط، فالمعنى سر بهم على ما يتحملون عليه من دابة ونحوها، هذا معنى قراءة القطع، ومعنى الوصل سر بهم ليلًا، ولم يأت مثل ذلك في الإسراء؛ لأنه لا يجوز أن يقال: سرى بعبده بوجه من الوجوه.
قال الحافظ: والنفي الذي جزم به إنما هو من هذه الحيثية التي قصد فيها الإشارة قصد فيه الإشارة إلى أنه سار ليلًا على البراق، وإلا فلو قال قائل: سرت بزيد، بمعنى صاحبته لكان المعنى صحيحًا "ليدفع الإشكال حتى لا يتخيل أنه أسرى بروحه فقط" دون جسده "ويزيل من خاطر من يعتقد منстр. 3647
وقال البيضاوي تبعًا لصاحب الكشاف: وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء، ولذلك قرئ "من الليل" أي بعضه: كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾ [الإسراء: ٧٩] وتعقبه القطب في حاشيته على الكشاف كما نبهت عليه في حاشية الشفاء.
والمعاريج ليلة الإسراء عشرة، سبع إلى السموات، والثامن إلى سدرة المنتهى، والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام في تصاريف
الحواشي
(١) الناس أن الإسراء ربما يكون نهارًا، فإن القرآن وإن كان نزوله بلغة العرب، فإنه خاطب به الناس أجمعين أصحاب اللسان العربي وغيرهم".
وهذا على قول الأكثر من اختصاصه بالليل وإلا ففي الفتح ليلًا ظرف للإسراء للتأكيد، وفائدته دفع توهم المجاز؛ لأنه قد يطلق على سير النهار أيضًا.
"وقال البيضاوي تبعًا لصاحب الكشاف" الزمخشري، "وفائدته الدلالة بتنكيره على تقليل مدة الإسراء" أي: أنه وقع في بعض الليل لا في جميعه، والعرب تقول: سرى فلان ليلًا إذا سار بعضه، وسرى ليلة إذا سار جميعها، كما في الفتح، "ولذلك قرئ" في الشواذ": من الليل، أي: بعضه، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾ [الإسراء: ٧٩] الآية".
وقيل: يقال: أسرى ليلًا إذا سار أثناء الليل، وإذا سار في أوله، ويقال: أدلج منه، ومنه قوله تعالى في قصة موسى: ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلًا﴾ [الدخان: ٢٣] الآية، أي: من وسط الليل، "وتعقبه القطب في حاشيته على الكشاف، كما نبهت عليه في حاشية الشفا،" أي: نقل القطب التعقب عن غيره وأقره، فلذا نسبه إليه، وعبارته قال بعضهم، وفيه نظر؛ لأن التنكير للتقليل لا يكون إلا فيما يقبل القلة والكثرة، والليل لا يقبلهما ولا يسلم له أيضًا على تقدير أنه بالاعتبار؛ لأن هذا
المعنى وهو البعض حاصل ولو لم ينكر، فإن قولك: دخل زيد البلد الليل، أو ليلًا، يفيد هذا المعنى، إذ ليس الدخول في كل الليل انتهى.
قال النعماني: وفيه نظر، إذ لا نسلم أن هذا وزانه، وإنما وزانه طاف الأمير البلد ليلًا، فإن طوافه قد يكون مستغرقًا لكل الليلة، ولما استشعر صاحب الكشاف هذا استشهد بقراءة عبد الله وحذيفة من الليل، ولا يسلم أيضًا كونها تبعيضية، بل يجوز أنها ابتدائية، فالسؤال باق انتهى.
"والمعارج ليلة الإسراء عشرة، سبع إلى السموات" السبع، "والثامن إلى سدرة المنتهى، والتاسع إلى المستوى الذي سمع فيه صريف الأقلام:" تصويتها "في تصاريفстр. 3648
الأقدار، والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية وسمع الخطاب المكافحة، والكشف الحقيقي.
وقد وقع له ﵇ في سني الهجرة العشرة ما كان فيه مناسبات لطيفة بهذه المعاريج العشرة، ولهذا ختمت سني الهجرة، بالوفاة، وهي لقاء الحق ﷻ ، والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، والعروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصدق، وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة، وهي المنزلة الرفيعة. كما ختمت معاريج الإسراء باللقاء والحضور بحظيرة القدس.
وقد أفاد الإمام الذهبي أن الحافظ عبد الغني جمع أحاديث الإسراء في جزأين، ولم يتيسر لي الوقوف عليهما بعد الفحص الشديد.
وقد صنف الشيخ أبو إسحاق النعماني ﵀ في الإسراء والمعراج كتابًا جامعًا لإطناب بزيادة الرقائق والإشحان بفواضل الحقائق، ولم أقف عليه
الحواشي
(١) الأقدار، والعاشر إلى العرش والرفرف والرؤية" لله ، "وسمع الخطاب" منه "بالمكافحة": المخاطبة "والكشف الحقيقي، وقد وقع له ﵊ في سني الهجرة": بكسر السين، جمع سلامة لسنة، وبسكون الياء، فحذفت النون للإضافة، فالتقى ساكنان الياء واللام، فحذفت الياء لفظًا لالتقاء الساكنين، فبقي هكذا سني خطأ فتكتب الياء ولا تقرأ "العشرة ما كان فيه مناسبات لطيفة بهذه المعاريج العشرة"، ويأتي ذكرها للمصنف، "ولهذا ختمت سني الهجرة"، كذا في جميع النسخ بالياء والصواب سنو بالواو؛ لأنه جمع مذكر سالم نائب فاعل، ختمت "بالوفاة، وهي لقاء الحق ﷻ والانتقال من دار الفناء إلى دار البقاء، والعروج بالروح الكريمة إلى المقعد الصدق"، مجلس حق لا لغو فيه ولا تأثيم وأريد به الجنس، وقرئ مقاعد صدق، والمعنى أن مجالس الجنات سالمة من اللغو والتأثيم بخلال مجالس الدنيا، فقل أن تسلم من ذلك، "وإلى الموعد الحق وإلى الوسيلة، وهي المنزلة الرفيعة، كما ختمت معاريج الإسراء باللقاء والحضور بحظيرة القدس، وقد أفاد الإمام الذهبي" محمد الحافظ، العالم الشهير، نسبة إلى الذهب "أن الحافظ عبد الغني" المقدسي "جمع أحاديث الإسراء في جزأين، ولم يتيسر لي الوقوف عليهما بعد الفحص" الطلب "الشديد، وقد صنف الشيخ أبو إسحاق" إبراهيم "النعماني،" تلميذ الحافظ ابن حجر "﵀ في الإسراء والمعراج كتابًا جامعًا للإطناب بزيادة الرقائق والإشحان بفواضل الحقائق،" أي: بزيادة بيانها، "ولم أقف عليها حال كتابتي هذا المقصد الشريف"، وقدстр. 3649
حال كتابتي هذا المقصد الشريف.
والله تعالى يرحم شيح الإسلام والحافظ الشهاب ابن حجر العسقلاني، فإنه جمع في كتابه "الفتح" كثيرًا مما تشتت من طرق حديث الإسراء وغيره من الأحاديث، مع تدقيق مباحث فقهية، والكشف عن أسرار معاني كلمه وبدائع ألفاظه وحكمه.
وكل من صنف في شيء من المنح النبوية، والمناقب المحمدية لا يستغني عن استجناء معارف اللطائف من رياض "عياض" والاستشفاء من أدواء المشكلات بدواء "شفائه" والمبرئ لمعضل الأمراض.
والله تعالى يفيض عليه وعلى سائر علماء الأمة سجال رحمته ورضوانه، ويسكننا معهم في بحبوحة جنانه.
وقد وردت أحاديث الإسراء من حديث أنس، وأبي بن كعب، وجابر بن
الحواشي
(١) وقفت عليه، "والله تعالى يرحم شيخ الإسلام، والحافظ الشهاب ابن حجر العسقلاني فإنه جمع في كتابه الفتح كثيرًا مما تشتت من طرق حديث الإسراء وغيره من الأحاديث مع تدقيق مباحث فقهية، والكشف عن أسرار معاني كلمه وبدائع ألفاظه وحكمه"، وأكثر ما ذكره المصنف هنا منه، "وكل من صنف في شيء من المنح": العطايا: "النبوية والمناقب المحمدية لا يستغني عن استجناء معارف اللطائف من رياض عياض"، أي: فوائده المذكورة في الشفا، سماها رياضًا لكثرة نفعها، كنفع الأشجار المثمرة للعامة، "والاستشفاء من أدواء المشكلات بدواء شفائه المبرئ لمعضل" بكسر الضاد، أي: شديد "الأمراض، والله تعالى يفيض عليه وعلى سائر علماء الأمة سجال رحمته ورضوانه، ويسكننا معهم في بحبوحة" بضم الباءين، "جنانه"، أي: وسطها.
"وقد وردت أحاديث الإسراء من حديث أنس" بن ملك في روايته عن النبي ﷺ بلا واسطة، رواه أحمد ومسلم عن ثابت، والشيخان عن شريك، وابن مردويه عن كثير بن خنيس، والنسائي وابن مردويه عن يزيد بن أبي مالك، وابن أبي حاتم، وابن جرير، وابن مردويه، والبيهقي عن عبد الرحمن بن هاشم، وعبد العزيز بن صهيب والطبراني عن ميمون بن سيار، وابن جرير عن كثير بن سليم، وابن مردويه عن أبي هاشم، وعلي بن زيد، وثمامة، وابن سعد، وسعيد بن منصور، والبزار عن أبي عمراني الجوني، الأحد عشر عن أنس عن المصطفى بلا واسطة، "وأبي بن كعب" رواه عن ابن مردويه عن طريق عبيد بن عمير، ومن طريق مجاهد عن ابن عباس،стр. 3650
عبد الله، وبريدة، وسمرة بن جندب، وابن عباس، وابن عمر، وابن مسعود، وابن عمرو، وحذيفة بن اليمان، وشدبد بن أوس، وصهيب، وعلي بن أبي طالب، وعمر بن الخطاب، ومالك بن صعصعة، وأبي أمامة، وأبي أيوب، وأبي حبة، وأبي
الحواشي
(١) وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند، بلفظ حديث عن أبي ذر حرفًا حرفًا.
قال الحافظ في أطراف المسند، أنه وقع فيه تحريف، وكان في الأصل عن أبي ذر، فسقط من النسخة لفظة ذر، فظن أنه ابن كعب فأدرج في مسند أبي بن كعب غلطًا.
قال الشامي: نبه الدارقطني في العلل على أن الوهم فيه من أبي حمزة أنس بن عياض، "وجابر بن عبد الله" عند الشيخين، ورواه الطبراني وابن مردويه بلفظ آخر بسند صحيح، "وبريدة" "بضم الموحدة وفتح الراء وسكون التحتية" ابن الحصيب" "بمهملتين مصغر"، رواه الترمذي والحاكم وصححه، "وسمرة بن جندب" عند ابن مردويه، "وابن عباس" عبد الله رواه أحمد، والشيخان، وأبو يعلى، وأبو نعيم، وابن مردويه، والنسائي، والبزار بطرق كلها مختصرة "وابن عمر" رواه أبو داود والبيهقي، "وابن مسعود" رواه مسلم، وابن عرفة، وأحمد، وابن ماجه، والبزار، وأبو يعلى، والطبراني، والبيهقي بطرق عندهم عنه، "وابن عمرو" بفتح العين" ابن العاصي عند ابن سعد، وابن عساكر، "وحذيفة بن اليمان" عند ابن أبي شيبة، وأحمد والترمذي وصححه، "وشداد بن أوس" عند البزار، والطبراني والبيهقي وصححه، "وصهيب" بن سنان عند الطبراني وابن مردويه، "وعلي بن أبي طالب" عند أحمد وابن مردويه، "وعمر بن الخطاب" رواه أحمد وابن مردويه، "ومالك بن صعصعة" رواه أحمد، والشيخان، وابن جرير، والبيهقي وغيرهم، "وأبي أمامة" عد ابن مردويه في تفسيره، "وأبي أيوب" الأنصاري، رواه الشيخان في أثناء حديث أبي ذر، "وأبي حبة" "بموحدة على الصحيح" الأنصاري، الألوسي، البدري، رواه ابن مردويه.
قال في الإصابة: وقع ذكره في الصحيح من رواية الزهري عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبي حبة البدري، عقب حديث الزهري، عن أنس، عن أبي ذر في الإسراء، وروي عنه أيضًا عمار بن عمار وحديثه عنه في مسند ابن أبي شيبة، وأحمد، وصححه الحاكم، وصرح بسماعه منه، وعلى هذا فهو غير الذي ذكر ابن إسحاق أنه استشهد بأحد.
قال أبو حاتم: اسمه عامر بن عبد عمرو بن عمير بن ثابت، وقال أبو عمر: يقال بالموحدة وبالنون وبالياء والصواب بالموحدة، وقيل: اسمه عامر، وقيل: مالك، وبالنون ذكره ابن عقبة وابن أبي خيثمة، وأمكر الواقدي أن يكون في البدري من يكنى أبا حبة بالموحدة، وقد خلطه غير واحد بأبي حبة بن غزية بن عمرو الخزرجي، النجاري، وفرق بينهما غير واحد، وصوبه ابن عبدстр. 3651
ذر، وأبي سعيد الخدري، وأبي سفيان بن حرب، وأبي هريرة، وعائشة، وأسماء بنت أبي بكر، وأم هانئ، وأم سلمة، وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
وفي تفسير الحافظ ابن كثير من ذلك ما يكفي ويشفي.
وبالجملة: حديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة
الحواشي
(١) البر، فقال: هذا خزرجي، وذاك أوسي، وهذا لم يشهد بدرًا، وذاك شهدها، "وأبي ذر" رواه الشيخان، "وأبي سعيد الخدري" رواه ابن جرير وابن أبي حاتم والبيهقي من طريق هارون العبدي، وهو متكلم فيه.
وقد روى البيهقي عن أبي الأزهر، قال: حدثنا زيد بن أبي حكيم، قال: رأيت رسول الله ﷺ في النوم فقلت: يا رسول الله رجل من أمتك يقال له: سفين لا بأس به، فقال ﷺ : "لا بأس به".
حدثنا عن أبي هارون عن أبي سعيد، عنك؛ أمك ليلة أسري بك قلت: رأيت في السماء، فحدثته بالحديث، فقال: نعم، فقلت: إن إناسًا من أمتك يحدثون عنك في الإسراء بعجائب فقال: ذاك حديث القصاص.
"وأبي سفيان بن حرب" عند أبي نعيم في الدلائل، "وأبي هريرة" رواه مطولًا ابن جرير، وابن أبي حاتم، والبيهقي، والحاكم، وصححه مختصرًا الشيخان، وأحمد، وابن ماجه، وابن مردويه، وابن سعد، والطبراني، وسعيد بن منصور بطرق عنه، "وعائشة" عند الحاكم وصححه، والبيهقي وابن مردويه" وأسماء بنت أبي بكر" روه ابن مردويه، "وأم هانئ" عند الطبراني، "وأم سلمة" عند الطبراني، وأبي يعلى، وابن عساكر، وابن إسحاق "وغيرهم،" فأخرجه ابن عساكر عن سهل بن سعد، والبزار، والبغوي، وابن قانع عن عبد الله أسعد بن زرارة، والطبراني عن أبي الحمراء، وابن مردويه والطبراني عن أبي ليلى الأنصاري، وسعيد بن منصور عن عبد الرحمن بن قرط، وذكره ابن دحية عن أبي بكر الصديق، وعبد الرحمن بن عابس، وأبي سلمة وعياض.
وذكره أبو حفص النسفي عن العباس بن عبد المطلب، وعثمان بن عفان، وأبي الدرداء، وأبي سلمى راعي النبي ﷺ وأم كلثوم بنت المصطفى، وبلال بن حمامة، وبلال بن سعد، وابن الزبير، وابن أبي أوفى، وأسماة بن زيد.
ال الشامي: ولم أقف على حديثه، فهؤلاء خمسة وأربعون صحابة رووا القصة "رضي الله تعالى عنهم أجمعين".
"وفي تفسير الحافظ ابن كثير من ذلك ما يكفي ويشفي، وبالجملة حديث الإسراءстр. 3652
الملحدون، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ [الصف: ٨] .
وقد روى البخاري، عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة أن نبي الله ﷺ حدثه عن ليلة أسري به.
"بينما أنا نائم في الحطيم" -وربما قال: في الحجر- "مضطجعًا"، إذ أتاني آت فقد -قال: سمعته يقول: فشق- ما بين هذه إلى هذه. قال: فقلت للجارود وهو
الحواشي
(١) أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة الملحدون،" لاستحالته في زعمهم الكاذب، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا﴾ منصوب بأن مقدرة، واللام مزيدة ﴿نُورَ اللَّهِ﴾ "، وشرعه وبراهينه " ﴿بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ "، بأقوالهم فيه، " ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ﴾ " مظهر " ﴿نُورِهِ وَلَوْ كَرَِ الْكَافِرُونَ﴾ " [الصف: ٨] الآية، ذلك وقد، ساق البرهان النعماني غالب ألفاظ الصحابة الذين رووا القصة، والمصنف اقتصر على حديث البخاري في باب المعراج، وتكلم بعده بما غالبه في فتح الباري، فقال: "وقد روى البخاري" بسنده، وهو حدثنا هدبة بن خالد، حدثنا همام "عن قتادة" بن دعامة، وليس هذا من التعليق في شيء، "عن أنس بن مالك،" وكذا رواه مسلم والنسائي، وأخرجه البخاري في بدء الخلق من وجه آخر عن قتادة، حدثنا أنس، فزال ما يخشى من تدليس قتاده لتصريحه بالتحديث، "عن مالك بن صعصعة" بن وهب بن عدي بن مالك الأنصاري، من بني النجار ما له في البخاري ولا في غيره سوى هذا الحديث، ولا يعرف من روى عنه إلا أنس قاله في الفتح.
وذكر في الإصابة الخلاف في أنه من بني عدي بن النجار، وبه جزم ابن سعد أو من بني مازن بن النجار، وبه جزم البغوي، وقال: سكن المدينة.
وروي عن النبي ﷺ حديثين، وذكر الخطيب في المبهمات أنه الذي قال له النبي ﷺ : "أكل تمر خيبر هكذا"؟، "أن نبي الله ﷺ حدثه عن ليلة أسري به" فيها صفة الليلة، هكذا رواه الكشميهني والنسفي، ورواه الأكثر عن ليلة الإسراء وبين ما حدثه به بقوله، "بينما"، أي: فقال المصطفى: "بينما" وثبت في بعض نسخ البخاري قال: "بينما" بالميم، "أنا نائم في الحطيم، وربما قال: في الحجر" بكسر فسكون، والشك من قتادة كما يأتي، والمراد بالحطيم الحجر، "مضطجعًا" نصب على الحال "إذا أتاني آت" هو جبريل، "فقد" بالقاف والدال الثقيلة، "قال" قتادة: "سمعته" أي: أنسا "يقول:" فالقائل قتادة، والمقول عنه أنس، ولأحمد قال قتادة: وربما سمعت أنسا يقول: قاله الحافظ، فلم يصب من قال الظاهر أن ضمير قال لمالك بن صعصعة، "فشق ما بين هذه إلى هذه، قال" قتادة: "فقلت للجارود:" بفتح الجيم فألف فراء مضمومة فواو فدال مهملة.стр. 3653
"إلى جنبي: ما يعني به؟ قال: من ثغره نحره إلى شعرته. فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوءة إيمانًا، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد".
الحواشي
(١) قال الحافظ: لم أر من نسبه من الرواة ولعله ابن أبي سبرة البصري، صاحب أنس، فقد أخرج له أبو داود من روايته، عن أنس حديثًا غير هذا انتهى، وجزم المصنف بما تراجاه، "وهو إلى جنبي ما يعني" أنس "به"، أي: بقوله: فشق ما بين هذه إلى هذه، "قال:" يعني "من ثغره نحره" بضم المثلثة وسكون المعجمة: الموضع المنخفض بين الترقوتين "إلى شعرته" بكسر المعجمة، أي: شعر العانة، ووقع السؤال: هل كان شق صدره الشريف بآلة أم لا؟، ولم يجب عنه أحد، ولم أر من تعرض له بعد التتبع، وظاهر قوله: فشق أنه كان بآلة، ويدل له قول الملك في حديث أبي ذر خط بطنه فخاطه، وفي لفظ عتبة بن عبد حصه فحاصه.
وفي حديث أنس: كانوا يرون أثر المخيط في صدره ﷺ ذكره الشامي، وزعم بعض أن الشق في المرات كلها لم يكن بآلة، ولم يسل منه دم، ولم يجد لذلك ألما، كما صرح في بعض الروايات؛ لأنه من خرق العادات وظهور المعجزات، "فاستخرج قلبي، ثم أتيت" "بضم الهمزة" "بطست" "بفتح الطاء وبكسرها وسكون السين المهملة وبمثناة وقد تحدف"، وهو الأكثر إثباتها لغة طيئ، وأخطأ من أنكرها، قاله الحافظ "من ذهب" قبل تحريم استعماله، "مملوءة" بالجر على الصفة والتأنيث على لفظ الطست؛ لأنها مؤنثة "إيمانًا" نصب على التمييز ملئًا حقيقة، وتجسد المعاني جائز، كتمثيل الموت كبشًا، ووزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب، أو مجازًا، من باب التمثيل إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوي بالحسي، ثم هذا لفظ البخاري في المعراج، وله في بدء الخلق بطست ملئ حكمة وإيمانًا بالتذكير باعتبار الإناء، وللمستملي والحموي ملآن بفتح الميم وسكون اللام وهمزة ونون، وللكشميهني ملأى بفتح الميم وسكون اللام وفتح الهمزة مؤنث على لفظ الطست، فزاد في هذه الرواية حكمة.
قال ابن أبي جمرة فيه، إن الحكمة ليس بعد الإيمان أجل منها، ولذا قرنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦٩] الآية، وأوضح ما قيل فيها، أنها وضع الشيء في محله أو الفهم في كتاب الله، وعلى الثاني قد توجد الحكمة دون الإيمان، وقد لا توجد وعلى الأول قد يتلازمان؛ لأن الإيمان يدل على الحكمة، "فغسل" بضم الغين، أي: غسل جبريل "قلبي".
وفي مسلم والبخاري في الصلاة بماء زمزم؛ لأنه أفضل المياه ويقوي القلب، "ثم حشي" بضم المهملة، وكسر المعجمة إيمانًا وحكمة، "ثم أعيد" موضعه من الصدر المقدس، وللبخاريстр. 3654
"ثم أتيت بدابة، دون البغل وفوق الحمار أبيض" -فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم -يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاسفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال:
الحواشي
(١) "في الصلاة: ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه" "ثم أتيت" بضم الهمزة، "بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض"، ذكر باعتبار كونه مركوبًا أو نظرًا للفظ البراق، وحكمة كونه بهذه الصفة الإشارة إلى أن الركوب في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك عادة.
"فقال له الجارود: هو البراق" استفهام حذفت أداته "يا أبا حمزة" بمهملة وزاي، كنية أنس، "قال أنس "نعم": هو البراق بضم المواحجة وتخفيف الراء، ضبطه الحافظ وغيره، وكثيرًا ما يخطئ المتشدقون، فيقرؤنه بكسر الباء، "يضع خطوه" بفتح المعجمة المرة الواحدة وبضمنا الفعلة "عند أقصى طرفه" بسكون الراء، وبالفاء، أي: نظره، أي: يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره.
قال الحافظ: والتعبير بالخطو مجاز؛ لأنه مصدر وهو لا يتصف بالوضع، "فحملت عليه" بضم الحاء مبنيًا للمفعول، "فانطلق بي جبريل أتى السماء الدنيا"،ظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء، وليس بمراد، بل هذا اختصار من الراوي، ويأتي بسطه للمصنف.
وقال النعماني: ما المانع من أنه ﷺ رقي المعراج فوق ظهر البراق بظاهر هذا الحديث انتهى، والمانع من ذلك ربطه ببيت المقدس، كما يأتي بيانه، "فاستفتح"، أي: طلب فتح باب السماء بقرع أو صوت، والأِشبه الأول؛ لأن صوته معروف، قاله الحافظ، وصرح به في رواية مسلم عن ثابت عن أنس بلفظ: "فقرع الباب.
وفي حديث أبي ذر: قال جبريل لخازن السماء: افتح، فيجمع بينهما بأنه فعل القرع والصوت معًا، والتعليل بمعرفة صوته لا ينهض مع كون السماء شفافة.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي في ذكر الأنبياء إلى باب من أبواب السماء الدنيا، يقال له باب الحفظة، وعليه مالك يقال له: إسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك.
وفي حديث جعفر بن محمد عند البيهقي أيضًا: يسكن الهواء لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط إلا يوم مات النبي ﷺ .
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي في الدلائل وبين يديه سبعون ألف ملك مع كل ملك جنده مائة ألف.
"قيل: من هذا" الذي يقرع الباب؟، "قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد"،стр. 3655
"ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا فيها آدم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح النبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاسفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم
الحواشي
(١) وهذا يشعر بأنهم أحسوا معه برفيق إما بمشاهده؛ لأن السماء شفافة، وإما بأمر معنوي، كزيادة أنوار ونحوها، تشعر بتجدد أثر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة، وإلا كان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟، "قيل: وقد أرسل إليه" للعروج إلى السماء على الأظهر لقوله إليه؛ لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى، كما يأتي في المتن، "قال: نعم، قيل: مرحبًا به"، أي: لقي رحبًا "بضم الراء وفتحها وسكون الحاء وبفتحها" وسعة، وكني بذلك عن
الانشراح، "فنعم" لفظ البخاري في المعراج، وله في بدء الخلق، ولنعم "المجيء جاء".
قال ابن مالك: فيه شاهد على الاستغناء
بالصلة عن الموصول، أو الصفة ن الموصوف في باب نعم؛ لأنها تحتاج إلى فاعل هو المجيء وإلى مخصوص، بمعناها وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم، وفاعلها، فهو في هذا وشبهه موصول أو موصوف بحاء، والتقدير نعم المجيء الذي جاء، أو نعم المجيء مجيء جاء، وكونه موصولًا أجود؛ لأنه مخبر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة انتهى، فلا حذف فيه ولا تقديم خلافًا لقول المظهري المخصوص المدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير تقديره جاء، فنعم المجيء مجيئه، "ففتح" الباب، "فلما خلصت" بفتح اللام، أي: وصلت، "فإذا فيها آدم".
وفي حديث أنس عن أبي ذر عند البخاري في الصلاة: "فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة، وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقلت لجبريل: من هذا"؟، "قال: هذا أبوك"، ووقع ذكر الاسم هنا في بعض النسخ، والصواب إسقاطه، إذ ليس في حديث أنس عن مالك بن صعصعة الذي هو في سياق لفظه، وإنما هو في حديث أنس عن أبي ذر، كما في البخاري، "فسلم عليه"، لأن المار يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل، "فسلمت عليه، فرد علي السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح"، فيه إشارة إلى افتخاره، بأبوة "النبي ﷺ "والصالح" القائم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق
العباد، فلذا كانت كلمة جامعة لمعاني الخير وتوارد الأنبياء على وصفة بها، وكررها كل منهم عند كل صفة.
"ثم صعد بي إلى السماء الثانية، فاستفتح" جبريل بابها، "وقيل: من هذا؟ قال: جبريل: قال: ومن معك؟ قال: محمد، "قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحبًا به،стр. 3656
"المجيء جاء ففتح لنا، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردا ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح".
الحواشي
(١) "فنعم المجيء" مجيء جاء، أو الذي "جاء، ففتح لنا" الخازن الباب، "فلما خلصت إذا يحيى" بن زكريا "وعيسى" ابن مريم.
زاد في حديث أبي سعيد عن ابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي شبيه أحدهما بصاحبه ثيابهما وشعرهما ومعهما نفر من قومهما، وإذا عيسى جعد مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأس، كأنوما خرج من ديماس، أي: حمام شبهه بعروة بن مسعود الثقفي، "وهما ابنا الخالة"؛ لأن أم يحيى إيشاع، بنت فاقود أخت حنة بمهملة ونون شديدة، بنت فاقود أم مريم، وذلك أن عمران بن ماثان تزوج حنة، وتزوج زكريا إيشاع، فولدت إيشاع يحيى، وولدت حنة مريم، فتكون إيشاع خالة مريم، وحنة خالة يحيى، فهما ابنا خالة بهذا الاعتبار وليس عمران هذا أبا موسى، إذ بينهما فيما قيل ألف وثمانمائة سنة.
قال ابن السكيت: يقال: ابنا خالة ولا يقال: ابنا عمة، ويقال: ابنا عم ولا يقال: ابنا خال.
قال الحافظ: والسبب فيه أن ابني الخالة أم كل منهما خالة الآخر لزوما بخلاف ابني العمة، "قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فلسمت عليهما فردا" علي السلام، "ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة، فاستفتح" جبريل الباب، "قيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت، إذا يوسف قال" لي جبريل: "هذا يوسف فسلم عليه"، ولعل حكمة أمره بالسلام على كل من ورد عليه، ولم يكتف بالأمر الأول مع حصول العلم بطلب السلام على كل من مر عليه منهم، الإشارة إلى استحقاق كل منهم للتعظيم، وإن من مر على جماعة مترتبين يطلب منه السلام على كل منهم بخصوصه، "فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح"، زاد في مسلم في رواية ثابت عن أنس: "فإذا هو قد أعطى شطر الحسن، أي: الذي أوتيه نبينا ﷺ ، كماстр. 3657
"ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت إذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح".
الحواشي
(١) قال ابن المنير، أو المراد غير المصطفى بالمرة، ويأتي بسطه للمصنف، "ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل: قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء" الذي "جاء، فلما خلصت، فإذا إدريس"، زاد في حديث أبي سعيد عند ابن جرير، وابن أبي حاتم والبيهقي: قد رفعه الله مكانًا عليًا، واستشكل بأنه رأى هرون وموسى وإبراهيم في مكان أرفع منه، واجيب بأن وجهه ما ذكر كعب الأحبار؛ أن إدريس خص من بين جميع الأنبياء برفعه حيًا، رفعه الملك الموكل بالشمس، وكان صديقًا له، وكان إدريس يسأله أن يريه الجنة، فأذن له الله في ذلك، فلما كان في السماء الرابعة، رآه ملك الموت، فعجب، وقال: أمرت أن أقبض روح إدريس في السماء الرابعة، فقبضه هناك، فرفعه حيًا إلى ذلك المقام، خاص به دون الأنبياء، قاله السهيلي، وتعقبه الحافظ في كتاب الأنبياء، فقال: فيه نظر؛ لأن عيسى أيضًا رعف وهو حي على الصحيح، وكون إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية.
وروى الطبري، أن كعبًا قال لابن عباس: إن إدريس سأل صديقًا له من الملائكة، فحمله بين جناحيه، ث صعد به، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت، فقال له: أريد أن تعلمني كم بقي من أجل إدريس؟، قال: وأين إدريس؟، قال: هو معي، قال: إن هذا لشيء عجيب، أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة: فقلت: كيف ذلك وهو في الأرض، فقبض روحه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] الآية، وهذا من الإسرئيليات، والله أعلم بصحته انتهى.
والجواب عن السهيلي؛ أنه قيد خصوصية إدريس برفعه حيًا إلى السماء الرابعة، فلا يرد عيسى؛ لأنه رفع حيًا إلى السماء الثانية، وذكر ابن قتيبة، أن إدريس رفع وهو ابن ثلاثمائة وخمسين سنة.
"قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح"، قيل: فيه رد على النسابة في قولهم: إدريس جد نوح، وإلا لقال: والابن الصالح، كما قال آدم، ولا رد فيه؛ لأنه خاطبه بالأخوة نادبًا وتلطفًا، وإن كان أبا، والمؤمنون إخوة وكان وجه الخطاب بذلك لرفعه مكانًا عليًا، "ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة،стр. 3658
"ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا، به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فسلمت عليه فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت بكى، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي؛ لأن غلاما بعث من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتى".
الحواشي
(١) "فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا هارون" زاد في حديث أبي سعيد عند ابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي، ونصف لحيته بيضاء، ونصف لحيته سوداء، تكاد تضرب إلى سرته من طولها.
وفي حديث أبي هريرة عند ابن جرير، والبيهقي وغيرهما: وحوله قوم من بني إسرائيل، وهو يقص عليهم، "قال: هذا هارون، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح، فقيل: من هذا؟ قال: جبيرل، قال: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم"، هكذا ثبت في البخاري في باب المعراج هنا، وفي السابعة قال: نعم أيضًا وسقط في الموضعين في بدء الخلق، وهو الذي وقف عليه الشارح فتجرأ وقال: لم يذكر البخاري، قال: نعم، لا في السادسة ولا في السابعة، "قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا موسى" بن عمران، رجل آدم طوال، كأنه من رجال شنوأة، كما في البخاري عن أبي هريرة، ومسلم عن ابن عباس.
وفي حديث أبي سعيد: كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعره دونهما، "قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت"، بجيم وزاي حذف الضمير المنصوب، "بكى" موسى، "فقيل له: ما يبكيك؟، قال: أبكي؛ لأن غلامًا" صغير السن بالنسبة إليه، وقد أنعم الله عليه بما لم ينعم به عليه من طول عمره، "بعث من بعدي، يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي"، وليس بكاؤهстр. 3659
"ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبيل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، فقال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل"
الحواشي
(١) حسدًا، معاذ الله، فإنه منزوع عن آحاد المؤمنين في ذلك العالم، فكيف بمن اصطفاه الله، بل لا وجه تأتي في المتن.
"ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قال: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟، قال: نعم، قال: مرحبًا، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال" جبريل: "هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، قال: فسلمت عليه، فرد السلام، فقال":بالفاء وحذفها روايتان في البخاري "مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح"، زاد في حديث أبي أيوب عند ابن أبي حاتم، وابن حبان، وابن مردويه، وأحمد، وقال: مر أمتك فليكثروا من غراس الجنة، فإن تربتها طيبة وأرضها واسعة، فقال له: وما غراس الجنة؟، قال: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
وأخرج الترمذي وقال: حسن، والطبراني عن ابن مسعود رفعه؛ أن إبراهيم قال: أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر.
قال لنووي: وقد من الله الكريم، فجعل لنا سندًا متصلًا بخليله إبراهيم.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة وهو، أي: المصطفى، أشبه ولد إبراهيم به، ويأتي في المتن توجيه روايته لهؤلاء الأنبياء في السموات، ولهم ولغيرهم في بيت المقدس مع أن أجسادهم في قبورهم.
"ثم رفعت" كذا للأكثر بضم الراء وسكون العين، وضم التاء من رفعت بضمير المتكلم، وبعده حرف الجر، وهو "إلى سدرة المنتهى"، وللكشميهني رفعت بفتح العين، وسكون التاء أي: من أجلي، وسدرة المنتهى بالرفع نائب فاعل رفعت، وكذا في بدء الخلق، ويجمع بين الروايتين، بأن المراد أنه رفع إليها، أي: ارتقى به، وظهرت له، والرفع إلى الشيء يطلق على التقريب منه، وقد قيل في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَة﴾ [الواقعة: ٣٤] الآيةأي: تقرب لهم، "فإذا نبقها" بفتح النون، وكسر الموحدة وبسكونها أيضًا، قال ابن دحية: والأول هو الذي ثبت في الرواية، أي: التحريك المعروف، وهو ثمر السدر، "مثل قلال"، قال الخطابي: بالكسر، جمع قلةстр. 3660
"آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، و"أما الظاهران، فالنيل والفرات.
ثم رفع إلى البيت المعمور، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم أتيت".
الحواشي
(١) "بالضم" هي الجرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين فلذا وقع التمثيل بها، وهي التي وقع تحديد الماء الكثير بها في قوله: "إذا بلغ الماء قلتين"، "هجر" بتفح الهاء والجيم، بلدة لا تنصرف للتأنيث والعلمية، ويجوز الصرف، "وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" بكسر الفاء، وفتح التحتية بعدها لام: جمع فيل، وفي بدء الخلق مثل آذان الفيول، وهو جمع فيل أيضًا، قاله كله في فتح الباري، وقول الزركشي: الفيلة بفتح الفاء والياء سهو، قاله في المصابيح، "قال" جبريل: "هذه سدرة المنتهى"، ووجه تسميتها بذلك بينه ﷺ بقوله: "وإليها انتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها وإليها، ينتهي ما يبسط من فوقها فيقبض منها": رواه مسلم من حديث ابن مسعود.
قال الحافظ: وأورده النووي بصيغة التمريض، فقال: وحكي عن ابن مسعود، أنها سميت بذلك ... إلخ، فأشعر بضعفه عنده، ولا سيما ولم يصرح برفعه، وهو صحيح مرفوع انتهى، ويأتي بعض هذا في المتن، "وإذا أربعة أنهار" تخرج من أصلها "نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: أما الباطنان فنهران في الجنة"، ويجريان في أصل سدرة المنتهى، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض ثم يسيران فيها، وقال مقاتل: الباطنان السلسبيل والكوثر، كذا في شرح المصنف، ويأتي في المتن أبسط منه، "وأما الظاهران فالنيل" نهر مصر "والفرات" بالفوقية خطا ووقفًا، لا بالهاء نهر بغداد.
قال الحافظ: هذه في القراءات المشهورة، وجاء في قراءة شاذة، أنها هاء تأنيث، وشبهها أبو المظفر بن الليث بالتابوت، والتابوه، "ثم رفع إلى البيت المعمور"، زاد الكشميهني "يدخله كل يوم سبعون ألف ملك"، وتقدمت هذه الزيادة في بدء الخلق بزيادة إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم، كذا وقع مضمومًا إلى رواية قتادة عن أنس، عن مالك بن صعصعة، وهو مدرج من رواية قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة؛ لأن البخاري عقب الحديث في بدء الخلق بقوله، وقال عمام عن قتادة، عن الحسن، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في البيت المعمور. قال الحافظ: ثمة يريدان هما ما فصل في سياقه قصة البيت المعمور من قصة الإسراء، فروي أصل الحديث عن قتادة، عن أنس، وقصة البيت عن الحسن البصري، وأما سعيد، وهو ابن أبي عروبة، وهشام وهو الدستوائي، فأدرجا قصة البيت المعمور في حديث أنس، والصواب رواية همام، وهيстр. 3661
"بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك".
الحواشي
(١) موصولة هنا عن هدبة عنه، ووهم من زعم أنها معلقة، فقد روى الحسن بن سفيان الحديث بطوله عن هدبة إلى قوله: فرفع لي البيت المعمور.
فقال: قال قتادة: فحدثنا الحسن عن أبي هريرة، أنه ﷺ رأى البيت المعمور يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون فيه، وعرف بذلك مراد البخاري بقوله في البيت المعمور.
وأخرج الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة، قال: ذكر لنا أن رسول الله ﷺ قال: "البيت المعمور مسجد في السماء بحذاء الكعبة لو خر لخر عليها، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، إذا خرجوا منه لم يعودوا، وهذا وما قبله يشعر بأن قتادة كان يدرج قصة البيت المعمور في حديث أنس، وتارة يفصلها، وحين يفصلها تارة يذكرها سندها، وتارة يبهمه انتهى".
"ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن،" فشربت منه، "فقال جبريل: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك".
وفي حديث أبي هريرة عند البخاري في الأشربة: ولو أخذت الخمر غوت أمتك، وفي حديث أنس عند البيهقي: ولو شربت الماء غرقت وغرقت أمتك.
وفي مسلم من حديث ثابت عن أنس: أن إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ولفظه: "ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر، وإناء من لبن، فأخذت اللبن، فقال جبريل: أخذت الفطرة، ثم عرج بي إلى السماء، وجمع الحافظ بحمل، ثم على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا، أو بوقوع عرض الآنية مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المدس، وسببه ما وقع له من العطش، ففي حديث شداد: فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين أحدهما اللبن، والآخر عسل، فعدلت بينهما، ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يدي، يعني لجبريل، أخذ صاحبك الفطرة، ومرة عند وصوله إلى سدة المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة".
وأما الاختلاف في عدد الآنية وما فيها فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر، ومجموعها أربعة أشياء من الأنهار التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى، وهي الماء واللبن والعسل والخمر، كما في حديث أبي هريرة عند الطبري، فلعله عرض عليه من كل نهر إناء.
وجاء عن كعب أن نهر العسل نهر النيل، ونهر اللبن نهر جيحان، ونهر الخمر نهر الفرات ونهر الماء نهر سيحان.стр. 3662
"ثم فرضت علي الصلاة، خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى، فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع".
الحواشي
(١) وفي حديث أبي هريرة عند ابن عائذ بعد ذكر إبراهيم: "ثم انلطقنا فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال لي جبريل: يا محمد ألا تشرب مما سقاك ربك، فتناولت أحدها فإذا هو عسل، فشربت منه قليلًا، ثم تناولت الآخرن فإذا هو لبن، فشربت منه حتى رويت، فقال: ألا تشرب من الثالث؟، قلت: قد رويت، قال: وفقك الله".
وفي رواية البزار: أن الثالث كان خمرًا، لكن وقع عنده أن ذلك كان ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل، ويأتي مزيد لذلك في كلام المصنف.
"ثم فرضت" بالبناء للمفعول "علي الصلاة" بالإفراد، وفي رواية: "الصلوات بالجمع"، "خمسين صلاة كل يوم"،أي: وليلة، وللنسائي عن أنس: "وأتيت سدرة المنتهى، فغشيتني ضبابة، فخررت ساجدًا، فقيل لي: إني يوم خلقت السموات والأرض فرضت عليك وعلى أمتك خمسين صلاة، فقم بها أنت وأمتك، قال ﷺ : "فرجعت".
وفي حديث أنس عند ابن أبي حاتم، فمر علي إبراهيم، فلم يقل شيئًا، "فمررت على موسى"، زاد في حديث أبي سعيد: ونعم الصاحب كان لكم، "فقال: بما" ولأبي ذر: بم، "أمرت" بضم الهمزة مبني للمفعول، وفغي حديث أنس عند النسائي وغيره: ما فرض ربك عليك وعلى أمتك، "قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم"، ولمسلم عن ثابت عن أنس قال: "فرض علي وعلى أمتي خمسين صلاة كل يوم وليلة".
"قال" موسى: "إن أمتك لا تستطيع" أن تصلي، "خمسين صلاة كل يوم" وليلة "وإني والله قد جربت".
وفي رواية: خبرت "الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة"، مثل المزاولة، يعني مارستهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم.
وفي رواية النسائي: فإنه فرض على بني إسرائيل صلاتان، فما قاموا بها.
وفي الصحيحين من رواية شريك عن أنس: وبلوت بني إسرائيل، وعالجتهم أشد المعالجة على أدنى من هذا، فضعفوا وتركوه، وأمتك أضعف أجسادًا، وأبدانا وأبصارًا وأسماعًا، فالتفت النبي ﷺ إلى جبريل يستشيسره فأشار إليه جبريل أن نعم إن شئت، "فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله:" إن أمتك لاстр. 3663
"عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، فقال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك. قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم.
قال: فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي".
الحواشي
(١) تستطيع إلى آخره. " فرجعت فوضع عني عشرًا" من الأربعين، "فرجعت إلى موسى"، فأخبرته، "فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا" من الثلاثين "فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات"، بالإضافة.
وفي رواية بتنوين عشر، "كل يوم" وليلة، "فرجعت إلى موسى، فقال مثله: فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم"، كما في لفظ الحديث، أي: وليلة، "فرجعت إلى موسى، فقال: بم"؟ "بلا ألف" رواية أبي ذر، ولغيره بما، بألف بعد الميم، "أمرت؟، قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك".
وفي رواية: فسله، والأصل فسأله؛ لأنه أمر من السؤال، فنقلت حركة الهمزة إلى السين، فحذفت تخفيفًا، واستغنى عن همزة الوصل فحذفت، "قال" ﷺ لموسى: "سألت ربي حتى استحييت، ولكني" رواية أبي ذر عن الكشميهني وغيره، ولكن "أرضى وأسلم".
"قال" الحافظ: فيه حذف وتقدير الكلام، سألت ربي حتى استحييت، فلا أرجع، فإني إن رجعت صرت غير راض ولا مسلم، ولكني أرضى وأسلم، "فلما جاوزت ناداني مناد: أمضيت فريضتني، وخففت عن عبادي". قال الحافظ: هذا من أقوى ما استدل به على أنه تعالى كلم نبيه محمدًا ليلة الإسراء بلا واسطة.
وفي رواية النسائي عن أنس: "فخمس بخمسين، فقم بها أنت وأمتك، فعرفت أنها عزمة من الله، فرجعت إلى موسى، فقال: ارجع، فلم أرجع".
وفي الصحيح من طريق شريك عن أنس، فقال: "اهبط باسم الله"، قال المصنف، أي: قال جبريل لا موسى، وإن كان ظاهر السياق.
"وفي رواية له"، أي: للبخاري، وكذا مسلم، كلاهما من حديث أنس عن أبي ذر: أنстр. 3664
وفي رواية له: "ففرج صدري ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري ثم أطبقه".
وفي رواية شريك: فحشى به صدره ولغاديده وهي بلام مفتوحة وغين معجمة، أي عروق حلقه، وفي النهاية: جمع لغدودة: وهي لحمة مشرفة عند اللهاة.
والشك في قوله: وربما قال في الحجر من قتادة، كما بينه أحمد بن عفان، ولفظه: "بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال قتادة: في الحجر والمراد بالحطيم هنا: الحجر".
الحواشي
(١) رسول الله ﷺ قال: فرج سقف بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريل، "ففرج" بفتحان، أي: شق "صدري".
وفي رواية: عن صدري، بزيادة عن لمجرد التأكيد، أو فرج مضمن معنى كشف، والمراد بالصدر القلب، أي: كشف عن قلبي ما منع الوصول إليه، وذلك بشق الصدر، "ثم غسله بماء زمزم"، قال ابن أبي جمرة: إنما لم يغسل بماء الجنة، لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك برقاء بركة النبي ﷺ في الأرض، وقال السهيلي: لما كانت زمزم حفرة جبريل روح القدس لأم إسماعيل جده ناسب أن يغسل بها عند دخوله حضرة القدس لمناجاته، "ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأغرفعه في صدري، ثم أطبقه"، أي: الصدر الشريف.
وفي رواية مسلم: "فاستخرج قلبي، فغسل بماء زمزم، ثم أعيد مكانه، ثم حشي إيمانًا وحكمة".
"وفي رواية شريك" بن أبي نمر عن أنس عند الشيخين، "فحشى به صدره ولغاديده وهي"، أي: هذه اللفظة "بلام مفتوحة وغين معجمة، أي: عروق حلقه".
"وفي النهاية" لابن الأثير: "جمع لغدودة، وهي لحمة مشرفة عند اللهاة والشك في قوله، وربما قال في الحجر" كائن "من قتادة، كما بينه" الإمام "أحمد" في روايته هذا الحديث، "عن عفان" بتشديد الفاء" ابن مسلم بن عبد الله الباهلي، البصري، ثقة، ثبت روي له الجميع، مات في سنة تسع عشرة ومائتين، "ولفظه: "بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال قتادة في الحجر"، أي: أنه كان يحدث به تارة، فيقول: في الحطيم، وتارة يقول: في الحجر، لشكه في خصوص اللفظ الذي سمعه من أنس، وإن كان المعنى واحدًا كما قال، "والمرد بالحطيم هنا الحجر،" زاد الحافظ، وأبعد من قال: المراد به ما بين الركن والمقام، أو بين زمزم والحجر،стр. 3665
ووقع عند البخاري في أول بدء الخلق بلفظ: "بينما أنا عند البيت" وهو أعم.
وفي رواية الزهري عن أنس عن أبي ذر: "فرج سقف بيتي وأنا بمكة".
وفي رواية الواقدي بأسانيده: "أنه أسري به من شعب أبي طالب".
وفي حديث أم هانئ -عند الطبراني- أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من الليل، فقال: "إن جبريل أتاني".
والجمع بين هذه الأقوال -كما في فتح الباري- أنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه؛ لأنه كان يسكنه فنزل منزله الملك، فنزل منه الملك فأخرجه من البيت إلى المسجد، فكان به مضطجعا وبه أثر النعاس، ثم أخرجه الملك فأخرجه من المسجد إلى باب
الحواشي
(١) وهو وإن كان مختلفًا في الحطيم، هل هو الحجر أم لا؟، لكن المراد هنا البقعة التي وقع ذلك فيها، ومعلوم أنها لم تتعدد؛ لأن القصة متحدة لاتحاد مخرجها.
"ووقع عند البخاري في أول بدء الخلق" أولية نسبة، إذ هو في باب ذكر الملائكة بعد خمسة أبواب من كتاب بدء الخلق من طريق قتادة، عن أنس، عن مالك بن صعصعة أيضًا، "بلفظ: "بينا"،بإسقاط ما المذكورة في باب المعراج، "أنا عند البيت، وهو أعم" من قوله: في الحطيم، وربما قال: في الحجر، أي: أنه محتمل لهما، ولمحل آخر من المسجد بقرب البيت.
"وفي رواية الزهري عن أنس، عن أبي ذر،" عند البخاري ومسلم: "فرج" بضم الفاء وكسر الراء أي: فتح، "سقف بيتي وأنا بمكة" جملة حالية إسمية.
"وفي رواية الواقدي بأسانيده، أنه أسري به من شعب أبي طالب" بكسر الشين المعجمة.
"وفي حديث أم هانئ" فاخته، أو هند، أو عاتكة شقيقة علي، لها أحاديث في الكتب الستة وغيرها، "عند الطبراني؛ أنه بات في بيتها، قالت: ففقدته من الليل،" فسألته لما رجع ذهب إلى أي: محل في الوقت الذي فقدته فيه، "فقال: إن جبريل أتاني"، فذكر الحديث ...
"والجمع بين هذه الأقوال،" أي: الروايات، "كما في فتح الباري، أنه بات في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب" أبيها، "ففرج سقف بيته، وأضاف البيت إليه"، في رواية أبي ذر: "لأنه كان يسكنه، فنزل منزلة الملك:" والإضافة تكون بأدنى ملابسة؛ ولأن البيت ينسب لساكنه، "فنزل منه الملك" جبريل، "فأخرجه من البيت إلى المسجد" الحرام، "فكان به مضطجعًا، به وأثر النعاس" فلذا قال: "أنا نائم في الحطيم، مضطعجًا"، "ثم أخرجهстр. 3666
المسجد، فأركبه البراق، قال: وقع في مرسل الحسن عند ابن إسحاق أن جبريل أتاه فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع.
فإن قيل: لم فرج سقف بيته ﵊ ونزل منه الملك، ولم يدخل من الباب، مع قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] .
أجيب: بأن الحكمة من ذلك أن الملك انصب من السماء انصبابة واحدة على جهة الاستقامة، ولم يعرج على شيء سواه، فكان نزوله على السقف مبالغة في المفاجأة، وتنبيها على أن الطلب وقع على غير ميعاد، كرامة له ﵊.
وهذا بخلاف موسى ﵊، فكانت كرامته بالمناجاة عن ميعاد واستعداد بخلاف نبينا محمد ﷺ فإنه حمل عنه ألم الانتظار، كما حمل عنه ألم
الحواشي
(١) الملك فأخرجه من المسجد إلى باب المسحد، فأركبه البراق".
"قال" في الفتح: "وقد وقع في مرسل الحسن" البصري "عند ابن إسحاق: أن جبريل أتاه، فأخرجه إلى المسجد، فأركبه البراق، وهو يؤيد هذا الجمع"، تأييدًا قويًا، "فإن قيل: لم فرج سقف بيته ﵊، ونزل منه الملك، ولم يدخل من الباب مع قوله تعالى: ﴿وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩] "أجيب" كما قال ابن دحية: "بأن الحكمة في ذلك أن الملك انصب"، أي: نزل "من السماء، انصبابة واحدة على جهة الاستقامة، ولم يعرج على شيء سواه"، أي: من غير تعريج عن الجهة التي نزل منها إلى غيرها؛ "فكان نزوله على السقف مبالغة في المفاجأة، وتنبيها على أن اللب وقع على غير ميعاد، كرامة له ﵊"، كما أفهمه قوله: بينما أنا نائم، إذ مجيئه له فجأة يشعر بأنه لا موعد بينهما، وكذا قوله: فرج سقف بيتي، إذ لو كان بينهما موعد لانتظر مجيئه له فيه، ولأتاه من الباب على عادة الجائي لمن ينتظره، وفيه إشارة إلى طلب الاستقامة في الأمور وإلى المبادرة إليها، وأخذها من أقرب الطرق، "وهذا بخلاف موسى ﵊، فكانت كرامته بالمناجاة" لله ، "عن ميعاد واستعداد" بالصوم قال تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً﴾ ، قال الجلال: أي؛ نكلمه عند انتهائها بأن يصومها، وهي ذو القعدة، فلما تمت أنكر خلوف فمه، فاستاك، فأمره الله تعالى بعشرة أخرى ليكلمه بخلوف فمه، كما قال تعالى: ﴿وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] الآية، أي: من ذي الحجة، "بخلاف نبينا ﵊، فإنه حمل عنه ألم الانتظار" الواقع لموسى مدة الصوم، حتى كلمه ربه، "كما حملстр. 3667
الاعتذار، ويؤخذ من هذا: أن مقام نبينا ﵊ بالنسبة إلى مقام موصى ﵊ مقام المراد بالنسبة إلى مقام المريد، ويحتمل أن يكون توطئة وتميهدًا لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف ثم التئام السقف على الفور كيفية ما يصنع به، وقرب له الأمر في نفسه بالمثال المشاهد في بيته، لطفًا في حقه ﵊ وتثبيتًا لصبره، والله أعلم بحقيقة السر.
وقوله: مضطجعًا، زاد في بدء الخلق بين النائم واليقظان.
وهو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد فأركبه البراق، استمر في يقظته.
وأما ما وقع في رواية شريك عنده أيضًا فلما استيقظت فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أن المراد استيقظت: أفقت: يعني أنه أفاق مما كان فيه
الحواشي
(١) عنه ألم الاعتذار" الذي اعتذر به موسى، أنه إنما استاك لإنكار رائحة فمه، "ويؤخذ من هذا أن مقام نبينا ﷺ بالنسبة إلى مقام موسى ﵊ مقام المراد" حيث طلب للمناجاة بلا سؤال، "بالنسبة إلى مقام المريد" بقوله: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْك﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، "ويحتمل أن يكون توطئة وتمهيد لكونه فرج عن صدره، فأراه الملك بإفراجه عن السقف، ثم التئام السقف على الفور كيفية" أي: صفة "ما يصنع به، وقرب له الأمر في نفسه بالمثال المشاهد في بيته لطفًا في حقه ﵇ وتثبيتا لبصره" وفي الفتح قيل: الحكمة في نزوله عليه من السقف الإشارة إلى المبالغة في مفاجآته بذلك، والتنبيه على أن المراد منه أن يعرج به إلى جهة العلو، "والله أعلم بحقيقة السر" في ذلك، "وقوله: مضطجعًا، زاد" البخاري "في بدء الخلق بين النائم واليقظان"، أي: أن نومه قريب من اليقظة، "وهو محمول على ابتداء الحال، ثم لما خرج به إلى باب المسجد، فأركبه البراق استمر في يقظته" التي لا يخالطها نوم.
وفي نسخة: لما أخرج به بزيادة الباء في المفعول، والأصل أخرجه فهو مبني للفاعل، "وأما ما وقع في رواية شريك عنده،" أي: البخاري أيضًا" في كتاب التوحيد في آخر الحديث، "فلما استقظت" لفظ الحديث في الصحيح: واستيقظ وهو بالمسجد الحرام، "فإن قلنا بالتعديد" للمعاريج، "فلا إشكال"؛ لأنه معراج آخر في النوم، "وإلا حمل على أن المراد استيقظت أفقت، يعني أنه أفاق مما كان فيه من شغل البال بمشاهدة الملكوت"، باطنстр. 3668
من شغل البال بمشاهدة الملكوت ورجع إلى العالم الدنيوي، فالمراد: الإفاقة البشرية من الغمرة الملكية.
وقوله: "إذ أتاني آت هو جبريل ﵇"، وفي رواية شريك أنه جاءه ثلاثة نفر، قبل أن يوحى إليه، وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم: أيهم هو؟ قال أوسطهم: هو خيرهم، فقال آخرهم: خذوا خيرهم وكانت تلك الليلة -أي كانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا- فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما
الحواشي
(١) الملك، "ورجع إلى العلام الدنيوي فالمراد: الإفاقة البشرية" التي يكون البشر عليها عادة "من الغمرة الملكية" التي كان عليها.
وقال ابن أبي جمرة: لو قال ﷺ أنه كان يقظانًا لأخبر بالحق؛ لأن نومه ويقظته سواء، وعينه أيضًا لم يكن النوم تمكن منها، ولكن تحرى الصدق في الأخبار بالواقع، فيؤخذ منه أنه لا يعدل عن حقيقة اللفظ إلا لضرورة.
"وقوله: إذ أتاني آت، وهو جبريل ﵇"، ووقع في بدء الخلق، وذكر بين الرجلين وهو مختصر، أوضحته رواية مسلم بلفظ: إذ سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت، فانطلق بي، والمراد بالرجلين حمزة وجعفر، كان ﷺ نائمًا بينهما.
قال ابن أبي جمرة: وفيه تواضعه وحسن خلقه، إذ أنه في الفضل حيث هو، ومع ذلك كان يضطجع مع الناس، ويقعد معهم، ولم يجعل لنفسه مزية عليهم، وفيه جواز نوم جماعة في موضع واحد، لكن بشرط أن يكون لكل واحد منهم ما يستر به جسده.
"وفي رواية شريك،" عن أنس في الصحيحين: "أنه جاءه" بكسر الهمزة، وللكشميهني: إذ بدل أنه، والأولى أولى، وللحموي والمستملي؛ أنه بفتح الهمزة، وجاء بلا ضمير، "ثلاثة نفر".
قال الحافظ: لم أقف على أسمائهم صريحًا، لكن في رواية الطبري: فأتاه جبريل: وميكائيل انتهى.
وكذا رواه ابن جرير وأبو يعلى، ويقال: إن الثالث إسرافيل، "قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام، فقال أولهم" جبريل، "أيهم هو؟ "؛ لأنه كان نائمًا بين حمزة وجعفر كما علم، "قال: أوسطهم"، أي: الثلاثة الذين جاوه وهو ميكائيل، "هو خيرهم، فقال آخرهم:" الثالث.
ولأبي ذر عن الكشميهني: أحدهم بالدال، أي: أحد الثلاثة، "خذوا خيرهم، وكانت تلك الليلة، أي: كانت تلك القصة الواقعة تلك الليلة ما ذكر هنا" بالضمير المستتر في كانتстр. 3669
يرى قلبه وتنام عليه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم، فلم يكلموه حتى احتملوه ...
وقد أنكر الخطابي قوله: قبل أن يوحى إليه ولذلك قال القاضي عياض والنووي، وعبارة النووي: وقع في رواية شريك -يعني هذه- أوهام أنكرها العلماء، أحدها قوله: قبل أن يوحى إليه وهو غلط لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء، قبل الوحي. انتهى، فقد صرح هؤلاء بأن شريكًا تفرد بذلك.
لكن قال الحافظ ابن حجر: في دعوى التفرد نظر، وافقه كثير بن خينس -بالمعجمة ونون مصغرًا- عن أنس، كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في كتاب المغازي له من طريقه. قال: ولم يقع التعيين بين المجيئين،
الحواشي
(١) المحذوف، وكذا خبر كان، وهذا شرح من المصنف لقوله، وكانت تلك الليلة، "فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى" هي ثالثة على ما يفيده رواية ابن مردويه عن أنس بلفظ: حتى أتوه ليلة أخرى، فقال الأول: هو هو، فقال الأوسط: نعم، وقال الآخر: خذوا سيد القوم: فرجعوا عنه، حتى إذا كانت الليلة الثالثة رآهم، فقال الأول: هو، فقال الأوسط: نعم، وقال الآخر: خذوا سيد القوم الأوسط بين الرجلين، فاحتملوه حتى جاءوا به زمزم، فاستلقوه عن ظهره، وكان مجيء الملائكة له، "فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم،" الثابت في الروايات أنه كان يقظة، فإن قلنا بالتعدد فلا إشكال، وإلا حمل على أنه كان في طرفي القصة نائمًا، وليس في ذلك ما يدل على كونه نائمًا في كلها، "فلم يكلموه" ﷺ "حتى احتملوه،" فوضعوه عند بئر زمزم فتولاه منهم جبريل، كما في نفس حديث شريك.
"وقد أنكر الخطابي قوله قبل أن يوحى إليه، ولذلك قال القاضي عياض، والنووي"، وابن حزم وعبد الحق، "وعبارة النووي: وقع في رواية شريك، يعني هذه أوهام،" أزيد من عشرة، فصلها الافظ، وأجاب عن بعضها، "أنكرها العلماء أحدها" مبتدأ خبره "قوله: قبل أن يوحى إليه، وهو غلط" من شر يك، "لم يوافق عليه، وأجمع العلماء على أن فرض الصلاة كان ليلة الإسراء"، فكيف يكون الإسراء "قبل الوحي. انتهى" كلام النووي.
"فقد صرح هؤلاء" الخطابي ومن بعده، "بأن شريكًا تفرد بذلك، لكن قال الحافظ ابن حجر في دعوى التفرد نظر، فقد وافقه كثير من خنيس "بالمعجمة ونون مصغرًا" عن أنس كما أخرجه سعيد بن يحيى بن سعيد" بن أبان بن سعيد بن العاصي، "الأموي" أبو عثمانстр. 3670
فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد الوحي، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج، وإذا كان بين المجيئين مدة فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي أو عدد سنين، وبهذا يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة وقبل الهجرة وسقط تشنيع الخطابي وغيره بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة، وأقوى ما يستدل به على أن المعراج كان بعد البعثة، قوله في هذا الحديث نفسه: إن جبريل قال لبواب السماء إذ قال: أبعث؟ قال: نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة.
ووقع في رواية ميمون بن سياه -عند الطبراني-: فأتاه جبريل وميكائيل،
الحواشي
(١) البغدادي، ثقة، روى له الشيخان وغيرهما، وربما أخطأ، مات سنة تسع وأربعين ومائتين،"في كتاب المغازي له من طريقه".
"قال" الحافظ مجيبًا عن إشكال قوله: قبل أن يوحى إليه، "ولم يقع التعيين بين المجييئين" أي: زمن، "فيحمل على أن المجيء الثاني كان بعد الوحي، وحينئذ وقع الإسراء والمعراج،" فقوله: قبل أن يوحى إليه ظرف للمجيء الأول، لا لهما الذي هو منشأ التغليظ، "وإذا كان بين المجيئين مدة، فلا فرق بين أن تكون تلك المدة ليلة واحدة، أو ليالي" كثيرة، "أو عدد سنين، وبهذا" التقرير "يرتفع الإشكال عن رواية شريك، ويحصل به الوفاق" على "أن الإسراء كان في اليقظة بعد البعثة، وقبل الهجرة،" وفي ليلته فرضت الصلاة، "وسقط تشنيع الخطابي وغيره؛ بأن شريكًا خالف الإجماع في دعواه أن المعراج كان قبل البعثة".
وقال الحافظ أبو الفضل بن طاهر تعليل الحديث بتفرد شريك، ودعوى ابن حزم؛ أن الآفة منه شيء لم يسبق إليه، فإن شريكًا قبله أئمة الجرح والتعديل، ووثقوه ورووا عنه، وأدخلوا حديثه في تصانيفهم، واحتجوا به قال: وحديثه هذا رواه عنه سليمان بن بلال، وهو ثقة، وعلى تقدير تفرد بقوله: قبل أن يوحى إليه، فلا يقتضي طرح حديثه، فوهم الثقة في موضع من الحديث لا يسقط جميع الحديث، ولا سيما إذا كان الوهم لا يستلزم ارتكاب محذور، ولو ترك حديث من وهم في تاريخ، لترك حديث جماعة من أئمة المسلمين انتهى.
"وأقوى ما يستدل به على أن المعراج كان بعد البعثة قوله في هذا الحديث نفسه، أن جبريل قال لبواب السماء: إذ قال: أبعث" إليه لم يقع في لفظ الحديث إليه، لكن حملها على المصنف كغيره، فقال إليه للاستواء وصعود السماوات وليس الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة؛ لأنه لا يخفى إلى هذه المدة، ولاشتهار أمر النبوة في الملكوت الأعلى، "قال:стр. 3671
فقال: أيهم؟ وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقال: أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاؤه وهم ثلاثة نفر، وفي رواية مسلم: سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت فانطلق بي، والمراد بالرجلين: حمزة بن عبد المطلب وجعفر بن أبي طالب، وكان النبي ﷺ نائمًا بينهما.
وقوله: "فقد" بالقاف والدال الثقيلة وفي رواية فشق.
"من ثغره" بضم المثلة وسكونة الغين المعجمة بعدها، راء الموضع المنخفض الذي بين الترقوتين.
إلى شعرته بكسر الشين المعجمة، أي شعر العانة الشريفة، وفي رواية مسلم: إلى أسفل البطن.
الحواشي
(١) نعم، فإنه ظاهر في أن المعراج كان بعد البعثة"، ولفظه: ثم عرج به إلى السماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل السماء من هذا؟، فقال: جبريل قالوا: ومن معك؟، قال: محمد، قال وقد بعث؟، قال: نعم.
"ووقع في رواية ميمون بين سياه" بكسر السين المهملة وخفة التحتية، البصري، أبي بجر التابعي، صدوق، عابد، يخطئ، روى له البخاري والنسائي "عند الطبراني، فأتاه جبريل وميكائيل، فقالا:" المطلوب "أيهم؟،" أي: الثلاثة حمزة، وجعفر والمصطفى، "وكانت قريش تنام حول الكعبة، فقال": الملك الآخر الذي لم يسم، "أمرنا بسيدهم، ثم ذهبا، ثم جاؤه وهم ثلاثة نفر،" كما جاؤه أولًا، وكون هذا يقتضي أن الجائين جاؤه أولًا اثنان فقط، ليس بمراد؛ لأن الثالث لم يسم كما مر.
"وفي رواية مسلم" من طريق سعيد، عن قتادة، عن أنس، "سمعت قائلًا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين، فأتيت، فانطلب بي، والمراد بالرجلين حمزة بن عبد المطلب، وجعفر بن أبي طالب، وكان النبي ﷺ نائمًا بينهما"، من مزيد تواضعه، وأجيب أيضًا؛ بأن المراد قبل أن يوحى إليه في شأن الصلاة، ومنهم من أجراه على ظاهره، ملتزمًا أن الإسراء كان مرتين قبل النبوة وبعدها، حكاه في المصابيح.
"وقوله: فقد -بالقاف والدال الثقيلة- وفي رواية: فشق" وأخرى فرج والمعنى واحد، "من ثغرة": نحره، "بضم المثلثة وسكون الغين المعجمة بعدها راء" الموضع المنخفض الذي بين الرقوتين" تثنية ترقوة، بزنة فعلوة بفتح الفاء وضم اللام، وهي العظم الذي بين ثغره النحر والعاتق من الجانبين، والجمع التراقي.
قال بعضهم: ولا تكون الترقوة لشيء من الحيوان إلا للإنسان، خاصة "إلى شعرتهстр. 3672
وفي رواية البخاري: إلى مراق البطن.
وفي رواية شريك: فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته -بفتح اللام وتشديد الموحدة- وهو موضع القلادة من الصدر.
وقد أنكر القاضي عياض في "الشفاء" وقوع شق صدره الشريف ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي قبل الوحي في بني سعد.
ولا إنكار في ذلك -كما قاله الحافظ أبو الفضل العسقلاني ﵀ فقد تواترت الروايات به، وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم
الحواشي
(١) "بكسر الشين المعجمة، أي: شعر العانة الشريفة،" أي: الشعر النابت عليها، من إضافة اسم الحال للمحل.
قال الأزهري: وجماعة العانة منبت الشعر فوق قبل المرأة، وذكر الرجل والشعر النابت عليها يقال له: الإسب بكسر الهمزة، وسكون المهملة وموحدة، وقال الجوهري: هي شعر الركب بالتحري: أي: فتح الراء والكاف، منبت العانة للمرأة خاصة عند الخليل، وللرجل أيضًا عند الفراء.
وقال ابن السكيت وابن الأعرابي: استعان واستحد حد عانته، وعلى هذا فالعانة الشعر النابت، وذكر الكرماني؛ أنه وقع في رواية إلى ثنته، بضم المثلثة وتشديد النون، أي: ما بين السرة والعانة.
"وفي رواية مسلم إلى أسفل البطن، وفي رواية البخاري" في بدء الخلق "إلى مراق" بفتح الميم وخفة الراء فألف فقاف ثقيلة، وأصله مرافق بقافين، فأدغمت الأولى في الثانية، أي: ما سفل من بطنه ورق من جلده.
"وفي رواية شريك" عن أنس، "فشق جبريل ما بين نحره إلى لبته" حتى فرغ من صدره وجوفه "بفتح اللام وتشديد الموحدة -وهو موضوع القلادة من الصدره" وفيه تنحر الإبل، "وقد أنكر القاضي عياض في الشفاء"، وسبقه إلى الإنكار ابن حزم "وقوع شق صدره الشريف ليلة الإسراء، وقال: إنما كان وهو صبي، وقبل الوحي" يعني "في بني سعد" بن بكر، وهو عند مرضعته حليمة، وادعى ابن حزم وعياض؛ أن ذلك من تخليط شريك.
قال الحافظ العراقي: وليس كذلك، فقد ثبت في الصحيحين من غير طريق شريك، وقال في المفهم: لا يلتفت لإنكاره؛ لأن رواته ثقات مشاهير، "ولا إنكار في ذلك كما قاله الحافظ أبو الفضل" أحمد بن حجر "العسقلاني ﵀" في الفتح، "فقد تواترت الروايات به"، فقدстр. 3673
في الدلائل، ولكل منها حكمة:
فالأول: وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس: فاستخرج منه علقة فقال: هذا حظ الشيطان منك، وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ولعل هذا الشق كان سببًا في إسلام قرينه المروي عند البزار من حديث ابن عباس، ويحتمل أن يكون الإشارة إلى حظ الشيطان المباين كالعفريت الذي أراد أن يقطع عليه صلاته وأمكنه الله منه.
وأما شق الصدر عند البعث، فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما يوحى إليه بقلب
الحواشي
(١) ثبت في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة، وفي مسلم وغيره عن أنس في روايته عن النبي ﷺ بلا واسطة، وفي الصحيحين من رواية أنس عن أبي ذر وله طرق أخرى.
"وثبت شق الصدر أيضًا عند البعثة، كما أخرجه أبو نعيم في الدلائل"، والطيالسي والحارث بن أبي أسامة، والبيهقي في الدلائل من حديث عائشة، وقدمته في المقصد الأول في المبعث النبوي، "ولكل منها،" أي: المرات الثلاث المذكورة في بني سعد، ثم عند المبعث، ثم ليلة الإسراء، "حكمة، فالأول" الذي وقع، وهو عند حليمة "وقع فيه من الزيادة، كما عند مسلم من حديث أنس"؛ أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه وصرعه، فشق عن قلبه، واستخرج القلب، ثم شقه، "فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان،" أي: الموضع الذي يتوصل منه إلى وسوسة الناس، ولا ينافيه قوله: "منك" لجواز تقدير مضاف، أي: من مثلك من بني آدم، وبقية خبر مسلم، ثم غسله من طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، فأعاده مكانه، وجعل الغلمان يسعون إلى أمه، يعني ظئره، فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فجاؤوا وهو منتقع اللون.
قال أنس: فلقد كنت أرى أثر المخيط في صدره، "وكان هذا في زمن الطفولية، فنشأ على أكل الأحوال من العصمة من الشيطان" وغيره، وخلقت هذه العلقة؛ لأنها من جملة الأجزاء الإنسانية، فخلقت تكملة للخلق الإنساني، ونزعها كرامة ربانية أبلغ من خلقه بدونها، قاله التقي السبكي، وقال غيره: لو خلق سليمًا منها لم يطلع الآدميون على حقيقته، فأظهره الله على يد جبريل ليتحققوا كمال باطنه، كما برز لهم مكمل الظاهر.
"ولعل هذا الشق كان سببًا في إسلام قرينه،" أي: صاحبه الموكل به من الجن، "المروي عند البزار من حديث ابن عباس،" رفعه: فضلت على الأنبياء بخصلتين: "كان شيطاني كافرًا، فاعانني الله عليه، فأسلم"، قال: ونسيت الأخرى، "ويحتمل أن يكون" قوله هذا حظ الشيطان منك، "الإشارة إلى حظ الشيطان المباين،" أي: خلاف القرين، "كالعفريت الذيстр. 3674
قوي على أكمل الأحوال من التطهير.
وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء فللتهيؤ للترقي إلى الملأ الأعلى، والثبوت في المقام الأسنى، والتقوى لاستجلاء الأسماء الحسنى، ولهذا لما لم ينفق لموسى ﵇ مثل هذ التهيؤ لم تتفق له الرؤية، وكيف يثبت الرجل لما لا يثبت له الجبل؟!.
ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل، لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثالثة، كما تقرر في شرعه ﵇.
ثم أن جميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من
الحواشي
(١) أراد أن يقطع عليه صلاته، وأمكنه الله منه،" وقدمت لفظ الحديث قريبًا في الخصائص، وإن لفظ عفريت ظاهر في أن المراد غير إبليس، كما قال الحافظ.
"وأما شق الصدر عند البعث فلزيادة الكرامة، وليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوي على كمل الأحوال من التطهير،" وكذلك كان.
"وأما شقه عند إرادة العروج إلى السماء، فللتهيؤ للترقي إلى الملأ الأعلى والثبوت في المقام الأسنى، والتقوى لاستجلاء" بالجيم، "الأسماء الحسنى،" يعني رؤية الله سبحانه، بدليل قوله، "ولهذا لما يتفق لموسى ﵇ مثل هذا التهيؤ، لم تتفق له الرؤية" مع كونه سألها، "وكيف يثبت الرجل لما لا يثبت له الجبل" المذكور في قوله: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، والحافظ قال حكمة ذلك ليتأهب للمناجاة، "ويحتمل أن تكون الحكمة في هذا الغسل لتقع المبالغة في الإسباغ بحصول المرة الثلاثة، كما تقرر في شرعه ﵇،" كذا أبدى هذا الاحتمال تبعًا للحافظ، مع أنه قال في المقصد الأول.
روى أبو نعيم الشق أيضًا، وهو بن عشر قال: وروى خامسة، ولا تثبت، وحكمته أن العشر قريب من سن التكليف، فشق قلبه وقدس حتى لا يتلبس بشيء مما يعاب على الرجال، إلا أن يكون جعل مرتي الصبا بمنزلة المرة الواحدة.
قال النعماني: وقد سن لداخل الحرم الغسل، فما ظنك بداخل الحضرة المقدسة، فلما كان الحرم من عالم الملك، وهو ظاهر الكائنات نيط الغسل له بظاهر البدن في عالم المعاملات، ولما كانت الحضرة الشريفة من عالم الملكوت، وهو باطن الكائنات، نيط لها الغسل بباطن البدن في التحقيقات، وقد عرج به لتفرض عليه الصلوات، وليصلي بملائكة السماوات، ومن شأن الصلاة الطهور، فقدس ظاهرًا وباطنًا قال: وقد رأيت في بعض المعاريج أنстр. 3675
الأمور الخارقة للعادة، مما يجب التسليم له دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك.
قال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن قدرة الله تعالى لا يعجزها ممكن، ولا تتوقف لعدم شيء ولا لوجوده، وليست مربوطة بالعادة إلا حيث شاءته القدرة؛ لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر مهما شق بطنه كله وانجرح القلب مات ولم يعش، وهذ النبي ﷺ قد شق بطنه المكرمة، حتى أخرج القلب وغسل،
الحواشي
(١) جبريل وضأه بعد غسل قلبه قلت: ليصير مطهرًا متطهرًا انتهى.
"ثم إن جميع ما ورد،" وبينه بقوله: "من شق الصدر واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة" كاختراق السماوات "مما يجب التسليم له،" أي: تسليمه، فاللازم زائدة للتقوية "دون التعرض لصرفه عن حقيقته لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شيء من ذلك؛" لأن القدرة إنما تتعلق بالممكن دون المستحيل، هكذا قاله القرطبي في المفهم، والطيبي، والتوربشتي والحافظ في الفتح، والسيوطي وغيرهم، ويؤيده الحديث الصحيح أنهم كانوا يرون أثر المخيط في صدره.
قال السيوطي: وما وقع من بعض جهلة العصر من إنكار ذلك، وحمله على الأمور المعنوي، وإلزام قائله القول بقلب الحقائق، فهو جعل صراح، وخطأ قبيح، نشأ من خذلان الله تعالى لهم، وعكوفهم على العلوم الفلسفية، وبعدهم عن دقائق السنة، عافانا الله من ذلك انتهى.
"قال العارف ابن أبي جمرة" بجيم وراء، "فيه دليل على أن قدرة الله تعالى لا يعجزها ممكن"، أي: لا يمنعها من التعلق به، بل يجوز تعلقها بسائر الممكنات، لا بالمستحيلات، فلا تتعلق بها أصلا، ولذا قي بممكن، فلا يفهم منه أنها تعجز عن التعلق بالمستحيل؛ لأنها لا تتعلق به أصلا، فلا يلتفت إلى مثل هذا الإيهام، "ولا تتوقف"، أي: لا تتخلف عن إيجادها إرادة، "لعدم" وجود "شيء" يؤثر فيها تعلقت به، "ولا لوجوده"، أي: شيء يمنع تأثيرها فيما تعلقب به، "وليست مربوطة بالعادة"، أي: ليس تأثيرها قاصرا على ما جرت به العادة، بل عام في جميع الممكنات، "إلا حيث شاءته"، أي: ربط التأثير بالعادة "القدرة،" ونسبة المشيئة إلى القدرة تسمح، إذ المشيئة إنما تنسب للقادر لا لشيء من صفاته فهو إما على حذف مضاف، أي: ذو القدرة أو مصدر بمعنى القادر؛ "لأنه على ما يعهد ويعرف أن البشر" "بفتحتين" ذكروا أو أثنى، واحد أو جمعا، وقد يثنى ويجمع أبشارا، كما في القاموس.
وفي المصباح؛ أن العرب ثنوه ولم يجمعوه من التثنية، أنؤمن لبشرين، "مهما شق بطنه كله، وانجرح القلب مات ولم يعش"، وكذا سائر الحيوان واقتصر على البشر لكونстр. 3676
وقد شق بطنه كذلك أيضًا وهو صغير وشق قلبه وأخرج منه نزغة الشيطان، ومعلوم أن القلب مهما وصل له الجرح مات صاحبه، وهذا النبي ﵊ شق بطنه في هاتين المرتين، ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أن أراد الله تعالى أن لا يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة، وقد رمي إبراهيم ﵊ في النار فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا وسلامًا. انتهى.
وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه ﵇ بتحقيق ما أوتي من الصبر، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدًا وكتفًا وتلا للجبين، وإهواء بالمدية إلى المنحر فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِن
الحواشي
(١) المصطفى منهم لا لإخراج غيره، "وهذا النبي ﷺ قد شق بطنه المكرمة"، أنثه باعتبار الجارحة، وإلا فالبطن خلاف الظهر مذكر، "حتى أخرج القلب وغسل" وهو حي، "وقد شق بطنه كذلك"، كهذا الشق الواقع في المعراج "أيضًا، وهو صغير، وشق قلبه، وأخرج منه نزغة الشيطان"، أي: محل نزغته، أي: وسوسته الحاملة على خلاف ما أمر به كاعتراه غضب وفكر، ومعلوم أن القلب مهما وصل له الجرح، مات صاحبه، وهذا النبي ﷺ شق بطنه في هاتين المرتين" وأخرج قلبه وشق، "ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أراد الله تعالى أن لا يؤثر ما"، أي: شيئًا، أو الذي "أجرى به العادة أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة"، جواب لما، ودخول فيه قليل قاله شيخنا، والأظهر أن اللام في لما تعليلية لعدم موته، فالفاء للتفريع على التعليل.
"وقد رمي إبراهيم ﵊ في النار، فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا وسلامًا"، أي: إن شق الدر الشريف، وإن كان خارقًا للعادة، لا بعد فيه؛ لأنه ممكن، وقد وقع مثله للخليل حيث فعل به ما هو مهلك عادة، ولم يؤثر فيها شيء، فذكره للتقريب. "انتهى" كلام ابن أبي جمرة.
"وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه ﵇ بتحقيق ما أوتي من الصبر"، بجعله صفة قائمة به، وكان ذلك تحقيقًا له لبروزه إلى الوجود الخارجي، "فهو من جنس ما أكره به إسماعيل الذبيح" على أحد القولين الشهيرين، والثاني إسحاق، وليت شعري، أي: اقتضاء فيمن حكى هذين القولين في الذبيح أن إبراهيم ليس له غيرهما من الأولاد، مع أن أولاده ثلاثة عشر، كلهم ذكور، كما في تاريخ ابن كثير، أو خمس منهم أناث على ما في الروض "بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدًا وكتفًا، وتلا" إلقاء "للجبين، وأهواء بالمدية" السكين، "إلىстр. 3677
شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ [الصافات: ١٠٢] ، ووفي بما وعد الله تعالى، فأكره الله بالثناء على صبره إلى الأبد.
ولا مرية أن الذي حصل من صبر نبينا ﷺ أشد وأجل؛ لأن تلك مقدمات وهذه نتيجة، وتلك معاريض وهذه حقيقة، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل إلا صورة القتل لا فعله، وشق صدر نبينا ﷺ واستخراج قلبه، ثم شقه ثم كذا مقاتل عديدة وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر.
فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما
الحواشي
(١) النحر"، يعني أنه لما تله للجبين بأن ألقاه على جنبه انقلب على جبهته، أو أنه فعل ذلك بإشارته لئلا يرى فيه تغيرًا فيرق له فلا يذبحه، "فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ، على الذبح، أو على قضاء الله، وترتيب ما ذكر على ما قبله يقتضي أن قوله ذلك بعده، وسوق الآية صريح أنه قال ذلك جوابًا لقول أبيه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ، إلا أن تجعل الفاء في المصنف بمعنى الواو، ولفظ ابن المنير متبوع المؤلف، وقد قال: ستجدني بالواو، "ووفي بما وعد الله تعالى" بقوله: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ الآية "فأكرمه الله بالثناء على صبره إلى الأبد، ولا مرية" بكسر
الميم، أي: لا شك، "أن الذي حصل من صبر نبينا -صلى الله عليه وسم- أشد وأجل؛ لأن تلك" الأحوال الواقعة لإسماعيل من الشد والكتف والتل "مقدمات" للذبح، "وهذه" الواقعة للمصطفى "نتيجة" ما يفعل بمن أريد ذبحه، أو نحوه من الأثر الذي قصد ترتبه على الفعل.
"وتلك معاريض"، أي: مقدمات لا حقائق، وتسميتها معاريض تجوز، إذ هي لغة التورية فشبه المقدمات بالمعاريض، واستعار له اسمه لما سبق في علم الله، أن حقيقة ما أمر به أبوه من الذبح لا يقع، "وهذه حقيقة، والمنحر مقتل"، أي: يصدق عليه، وليس مفهومهما واحدًا، إذ المنحر موضع النحر من الحلق، ويكون مصدرًا أيضًا، "وما أصابه"، أي: المنحر "من إسماعيل" ظاهره أنه أمر السكين على منحره، مع أن الفداء وقع قبل مرور السكين إليه، فقوله: "إلا صورة القتل لا فعله"، أي: الصورة التي تحصل عند إرادة القتل، "وشق صدر نبينا ﷺ واستخراج قلبه ثم شقه، ثم كذا"، أي: نزع العلقة منه وغسله، ونحو ذلك، "مقاتل عديدة": جمع مقتل "وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر".стр. 3678
انخرقت في إبقاء الحياة انخرقت في دقع المشاق وحمل الآلام.
أجيب: بأنه ورد في حديث شق صدره: فأقبل وهو منقع اللون أو ممتقع، بالميم بدل النون، وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق. انتهى.
قال القاضي عياض: وأصل "انتقع" صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة.
وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شقه عليه، فيحمل على أنه صبر صبر من لا يشق عليه. انتهى.
وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا ﷺ بعيد ما
الحواشي
(١) وفي المصباح: المقتل الموضع الذي إذا أصيب لا يكاد صاحبه يسلم، والواقع للمصطفى أسباب تفضي إلى القتل، فلعل المقاتل في المصنف جمع: مقتل، بمعنى القتل، وأطلقه على سببه مجازًا، "فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما انخرقت في إبقاء الحياة"، أي: لم تؤثر إزالتها، بل استمرت بعدما يوجب إزالتها عادة، وفي نسخ في بقاء، وهي أظهر؛ لأن البقاء استمرار الحياة، وهو أثر الإبقاء، "انخرقت" أيضًا "في دفع المشاق وحمل الآلام"، فلا تتم المفاضلة المذكورة بينه وبين الذبح، "أجيب"، أي: أجاب ابن المنير، "بأنه ورد في حديث شق صدره" في بني سعد وهو صغير، "فأقبل، وهو منتقع اللون" بنون فوقية فقاف مفتوحة، أي: متغير، "أو ممتقع بالميم بدل النون" روايتان قاله ابن المنير.
قال الكسائي: انتقع مبنيا إذا تغير من حزن أو فزع، قال: وكذا ابتقع بالموحدة، وامتقع بالميم أجود، قاله الجوهري، أي: مبنيا للمفعول، صرح به المجد وغيره، وفي المصباح ما يفيد بناءه للفاعل، "وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق" فتتم المفاضلة. "انتهى: ما أجيب به.
"قال القاضي عياض: وأصل انتقع صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة"، إذ لا يصير كلون الأموات إلا بعد مشقة شديدة، "وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شق عليه"، أي ما آلمه ذلك الشق، "فيحمل على أنه صبر صبر من لم يشق عليه"، ويحمل أيضًا على أنه ما شق عليه المشقة التي تحصل مثلها عادة من ذلك الفعل، فلا ينافي حصول مشقة دون المعتاد فنزلها منزلة العدم، "انتهى" كلام ابن المنير.стр. 3679
فطم، وأيضًا: فإنه كان منفردًا عن أمه ويتيما من أبيه، واختطف من بين الأطفال، وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلًا لما يلقاه في المآل، وتعظيمًا لما يناله على الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما شج وجهه الشريف وجرح وكسرت رباعيته قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، زاده الله شرفًا وفضلًا.
وقوله: "ثم أتيت بطست من ذهب" إنما أتي بالطست؛ لأنه أشهر آلات الغسل عرفًا.
فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه ﵇ فكيف استعمل الطست الذهب هنا؟.
أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به
الحواشي
(١) وفي الشامي: اختلف هل وقع له مع ذلك مشقة أم لا؟، فقال الحافظ: من غير مشقة، وبه جزم ابن الجوزي، فقال: فشقه وما شقه عليه، وقال ابن دحية، بمشقة عظيمة، ولهذا انتقع لونه أي: صار كلون النقع، قلت: رواية انتقع لونه حكاية لما وقع في المرة الأولى وهو صغير في بني سعد، وأما ما وقع بعدها، فلم ينقل أنه تأثر لذلك. انتهى.
"وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا ﷺ بعيد"، بلفظ التصغير، "ما فطم" بشهرين أو ثلاثة، وكان فطامه بعد عامين، "وأيضًا كان منفردًا عن أمه" في بني سعد، وأمه بمكة، "ويتيمًا من أبيه"، لموته وهو حمل على الصحيح، "واختطف من بين الأطفال" الذين كان معهم في البرية، "وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلًا لما يلقاه في المآل، وتعظيمًا لما يناله على الصبر من الثواب والثناء" من الكبير المتعال، "ولهذا لما شج وجهه الشريف" في أحد، "وجرح وكسرت رباعيته" بفتح الراء الموحدة وخفة التحتية، "قال: "اللهم اغفر لقومي" مغفرة
تصرف عنهم عذاب الاستئصال، "فإنهم لا يعملون" رفع قدري عندك، فأعتذر عنهم بالجهل الحكمي، وإن كان عد الآيات البينات ليس بعذر، ولم يقل: يجهلون تحسينا للعبارة ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخهلم بعظيم عفوه، حرم الأمان، "زاده الله شرفًا وفضلًا" ﷺ .
"وقوله: "ثم أتيت بطست من ذهب"، إنما أتى بالطست؛ لأنه أشهر"، أي: أظهر "آلات الغسل عرفًا" من حيث إن استعماله للغسل أكثر من استعمال غيره، "فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه ﵇"، بنصه على حرمته، "فكيف استعمل الطست الذهبстр. 3680
في هذه الدار، وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا، لقوله ﵇: "هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة"، قال: ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه ﵊ وإنما كان غيره في السائق له والمتناول لما كان فيه حتى وضعت في القلب المبارك.
فسوقان الطست من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررنا. انتهى.
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك لمن الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يحرم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم، ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، ولعل ذلك كان قبل أن يحرم الذهب في هذه
الحواشي
(١) هنا"، قلت: "أجاب العارف ابن أبي جمرة، بأن تحريم الذهب"، أي: علته، "إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه الدار" الدنيا، "وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا لقوله ﵇: "هو لهم في الدنيا" الفانية، "وهو لنا في الآخرة" " الباقية، وما هنا كان الغالب أنه من أحوال الآخرة.
"قال" ابن أبي جمرة: "ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه ﵊" حتى يجيء السؤال، "وإنما كان غيره في السائق"، أي: الحامل "له" حتى أحضره له، يقال: ساق الصداق إلى امرأته: حمله إليها، "والمتناول لما كان فيه حتى وضعه في القلب المبارك فسوقان" مصدر على فعلان هذا ظاهره، ولم يذكره الجوهري، ولا المجد ولا غيرهما، وإنما قالوا في مصدر ساق سوقًا، وسياقة ومساقًا، فينظر سند المصنف "الطست من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام"، أي: إعلائه، "فانتفى التعارض بدليل ما قررنا، انتهى" جواب ابن أبي جمرة، وهو مشتمل على جوابين، أحدهما مسلم وهو الأول.
"و" الثاني: تعقبه الحافظ ابن حجر؛ بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم"؛ لأنه صين عما يخالف شرعه حتى قبل النبوة، يمكن أن يقال" في الجواب: "إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب": ما غاب من مشاهدة الناس، "فيلحق بأحوال الآخرة"، وهذا مستفاد من الجواب الأول لابن أبي جمرة، فأشار إلى توافقهما عليه، والحافظ لم ينقل كلامه إنما قال:следующие страницы →