Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
وقد شق بطنه كذلك أيضًا وهو صغير وشق قلبه وأخرج منه نزغة الشيطان، ومعلوم أن القلب مهما وصل له الجرح مات صاحبه، وهذا النبي ﵊ شق بطنه في هاتين المرتين، ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أن أراد الله تعالى أن لا يؤثر ما أجرى به العادة، أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة، وقد رمي إبراهيم ﵊ في النار فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا وسلامًا. انتهى.
وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه ﵇ بتحقيق ما أوتي من الصبر، فهو من جنس ما أكرم به إسماعيل الذبيح بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدًا وكتفًا وتلا للجبين، وإهواء بالمدية إلى المنحر فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِن
الحواشي
(١) المصطفى منهم لا لإخراج غيره، "وهذا النبي ﷺ قد شق بطنه المكرمة"، أنثه باعتبار الجارحة، وإلا فالبطن خلاف الظهر مذكر، "حتى أخرج القلب وغسل" وهو حي، "وقد شق بطنه كذلك"، كهذا الشق الواقع في المعراج "أيضًا، وهو صغير، وشق قلبه، وأخرج منه نزغة الشيطان"، أي: محل نزغته، أي: وسوسته الحاملة على خلاف ما أمر به كاعتراه غضب وفكر، ومعلوم أن القلب مهما وصل له الجرح، مات صاحبه، وهذا النبي ﷺ شق بطنه في هاتين المرتين" وأخرج قلبه وشق، "ولم يتألم بذلك، ولم يمت لما أراد الله تعالى أن لا يؤثر ما"، أي: شيئًا، أو الذي "أجرى به العادة أن يؤثر بها موت صاحبها، فأبطل تلك العادة"، جواب لما، ودخول فيه قليل قاله شيخنا، والأظهر أن اللام في لما تعليلية لعدم موته، فالفاء للتفريع على التعليل.
"وقد رمي إبراهيم ﵊ في النار، فلم تحرقه، وكانت عليه بردًا وسلامًا"، أي: إن شق الدر الشريف، وإن كان خارقًا للعادة، لا بعد فيه؛ لأنه ممكن، وقد وقع مثله للخليل حيث فعل به ما هو مهلك عادة، ولم يؤثر فيها شيء، فذكره للتقريب. "انتهى" كلام ابن أبي جمرة.
"وقد حصل من شق صدره الكريم إكرامه ﵇ بتحقيق ما أوتي من الصبر"، بجعله صفة قائمة به، وكان ذلك تحقيقًا له لبروزه إلى الوجود الخارجي، "فهو من جنس ما أكره به إسماعيل الذبيح" على أحد القولين الشهيرين، والثاني إسحاق، وليت شعري، أي: اقتضاء فيمن حكى هذين القولين في الذبيح أن إبراهيم ليس له غيرهما من الأولاد، مع أن أولاده ثلاثة عشر، كلهم ذكور، كما في تاريخ ابن كثير، أو خمس منهم أناث على ما في الروض "بتحقيق صبره على مقدمات الذبح شدًا وكتفًا، وتلا" إلقاء "للجبين، وأهواء بالمدية" السكين، "إلىстр. 3677
شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِين﴾ [الصافات: ١٠٢] ، ووفي بما وعد الله تعالى، فأكره الله بالثناء على صبره إلى الأبد.
ولا مرية أن الذي حصل من صبر نبينا ﷺ أشد وأجل؛ لأن تلك مقدمات وهذه نتيجة، وتلك معاريض وهذه حقيقة، والمنحر مقتل وما أصابه من إسماعيل إلا صورة القتل لا فعله، وشق صدر نبينا ﷺ واستخراج قلبه، ثم شقه ثم كذا مقاتل عديدة وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر.
فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما
الحواشي
(١) النحر"، يعني أنه لما تله للجبين بأن ألقاه على جنبه انقلب على جبهته، أو أنه فعل ذلك بإشارته لئلا يرى فيه تغيرًا فيرق له فلا يذبحه، "فقال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: ١٠٢] ، على الذبح، أو على قضاء الله، وترتيب ما ذكر على ما قبله يقتضي أن قوله ذلك بعده، وسوق الآية صريح أنه قال ذلك جوابًا لقول أبيه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ ، إلا أن تجعل الفاء في المصنف بمعنى الواو، ولفظ ابن المنير متبوع المؤلف، وقد قال: ستجدني بالواو، "ووفي بما وعد الله تعالى" بقوله: ﴿سَتَجِدُنِي﴾ الآية "فأكرمه الله بالثناء على صبره إلى الأبد، ولا مرية" بكسر
الميم، أي: لا شك، "أن الذي حصل من صبر نبينا -صلى الله عليه وسم- أشد وأجل؛ لأن تلك" الأحوال الواقعة لإسماعيل من الشد والكتف والتل "مقدمات" للذبح، "وهذه" الواقعة للمصطفى "نتيجة" ما يفعل بمن أريد ذبحه، أو نحوه من الأثر الذي قصد ترتبه على الفعل.
"وتلك معاريض"، أي: مقدمات لا حقائق، وتسميتها معاريض تجوز، إذ هي لغة التورية فشبه المقدمات بالمعاريض، واستعار له اسمه لما سبق في علم الله، أن حقيقة ما أمر به أبوه من الذبح لا يقع، "وهذه حقيقة، والمنحر مقتل"، أي: يصدق عليه، وليس مفهومهما واحدًا، إذ المنحر موضع النحر من الحلق، ويكون مصدرًا أيضًا، "وما أصابه"، أي: المنحر "من إسماعيل" ظاهره أنه أمر السكين على منحره، مع أن الفداء وقع قبل مرور السكين إليه، فقوله: "إلا صورة القتل لا فعله"، أي: الصورة التي تحصل عند إرادة القتل، "وشق صدر نبينا ﷺ واستخراج قلبه ثم شقه، ثم كذا"، أي: نزع العلقة منه وغسله، ونحو ذلك، "مقاتل عديدة": جمع مقتل "وقعت كلها، ولكن انخرقت العادة ببقاء الحياة، فهذا الابتلاء أعظم من ابتلاء الذبيح بما ذكر".стр. 3678
انخرقت في إبقاء الحياة انخرقت في دقع المشاق وحمل الآلام.
أجيب: بأنه ورد في حديث شق صدره: فأقبل وهو منقع اللون أو ممتقع، بالميم بدل النون، وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق. انتهى.
قال القاضي عياض: وأصل "انتقع" صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة.
وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شقه عليه، فيحمل على أنه صبر صبر من لا يشق عليه. انتهى.
وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا ﷺ بعيد ما
الحواشي
(١) وفي المصباح: المقتل الموضع الذي إذا أصيب لا يكاد صاحبه يسلم، والواقع للمصطفى أسباب تفضي إلى القتل، فلعل المقاتل في المصنف جمع: مقتل، بمعنى القتل، وأطلقه على سببه مجازًا، "فإن قلت: إنما يتحقق الصبر أن لو كانت هناك مشقة، فلعل العادة لما انخرقت في إبقاء الحياة"، أي: لم تؤثر إزالتها، بل استمرت بعدما يوجب إزالتها عادة، وفي نسخ في بقاء، وهي أظهر؛ لأن البقاء استمرار الحياة، وهو أثر الإبقاء، "انخرقت" أيضًا "في دفع المشاق وحمل الآلام"، فلا تتم المفاضلة المذكورة بينه وبين الذبح، "أجيب"، أي: أجاب ابن المنير، "بأنه ورد في حديث شق صدره" في بني سعد وهو صغير، "فأقبل، وهو منتقع اللون" بنون فوقية فقاف مفتوحة، أي: متغير، "أو ممتقع بالميم بدل النون" روايتان قاله ابن المنير.
قال الكسائي: انتقع مبنيا إذا تغير من حزن أو فزع، قال: وكذا ابتقع بالموحدة، وامتقع بالميم أجود، قاله الجوهري، أي: مبنيا للمفعول، صرح به المجد وغيره، وفي المصباح ما يفيد بناءه للفاعل، "وهو يدل على أن الصبر على مشقة المعالجة المذكورة محقق" فتتم المفاضلة. "انتهى: ما أجيب به.
"قال القاضي عياض: وأصل انتقع صار كلون النقع، والنقع الغبار، وهو شبيه بلون الأموات، وهذا يدل على غاية المشقة"، إذ لا يصير كلون الأموات إلا بعد مشقة شديدة، "وأما قول ابن الجوزي: فشقه وما شق عليه"، أي ما آلمه ذلك الشق، "فيحمل على أنه صبر صبر من لم يشق عليه"، ويحمل أيضًا على أنه ما شق عليه المشقة التي تحصل مثلها عادة من ذلك الفعل، فلا ينافي حصول مشقة دون المعتاد فنزلها منزلة العدم، "انتهى" كلام ابن المنير.стр. 3679
فطم، وأيضًا: فإنه كان منفردًا عن أمه ويتيما من أبيه، واختطف من بين الأطفال، وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلًا لما يلقاه في المآل، وتعظيمًا لما يناله على الصبر من الثواب والثناء، ولهذا لما شج وجهه الشريف وجرح وكسرت رباعيته قال: "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون"، زاده الله شرفًا وفضلًا.
وقوله: "ثم أتيت بطست من ذهب" إنما أتي بالطست؛ لأنه أشهر آلات الغسل عرفًا.
فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه ﵇ فكيف استعمل الطست الذهب هنا؟.
أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأن تحريم الذهب إنما هو لأجل الاستمتاع به
الحواشي
(١) وفي الشامي: اختلف هل وقع له مع ذلك مشقة أم لا؟، فقال الحافظ: من غير مشقة، وبه جزم ابن الجوزي، فقال: فشقه وما شقه عليه، وقال ابن دحية، بمشقة عظيمة، ولهذا انتقع لونه أي: صار كلون النقع، قلت: رواية انتقع لونه حكاية لما وقع في المرة الأولى وهو صغير في بني سعد، وأما ما وقع بعدها، فلم ينقل أنه تأثر لذلك. انتهى.
"وكذلك الابتلاء أيضًا من حيث الشق، فإن ذلك وقع لنبينا ﷺ بعيد"، بلفظ التصغير، "ما فطم" بشهرين أو ثلاثة، وكان فطامه بعد عامين، "وأيضًا كان منفردًا عن أمه" في بني سعد، وأمه بمكة، "ويتيمًا من أبيه"، لموته وهو حمل على الصحيح، "واختطف من بين الأطفال" الذين كان معهم في البرية، "وفعل به ما فعل من الأهوال تسهيلًا لما يلقاه في المآل، وتعظيمًا لما يناله على الصبر من الثواب والثناء" من الكبير المتعال، "ولهذا لما شج وجهه الشريف" في أحد، "وجرح وكسرت رباعيته" بفتح الراء الموحدة وخفة التحتية، "قال: "اللهم اغفر لقومي" مغفرة
تصرف عنهم عذاب الاستئصال، "فإنهم لا يعملون" رفع قدري عندك، فأعتذر عنهم بالجهل الحكمي، وإن كان عد الآيات البينات ليس بعذر، ولم يقل: يجهلون تحسينا للعبارة ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخهلم بعظيم عفوه، حرم الأمان، "زاده الله شرفًا وفضلًا" ﷺ .
"وقوله: "ثم أتيت بطست من ذهب"، إنما أتى بالطست؛ لأنه أشهر"، أي: أظهر "آلات الغسل عرفًا" من حيث إن استعماله للغسل أكثر من استعمال غيره، "فإن قلت: إن استعمال الذهب حرام في شرعه ﵇"، بنصه على حرمته، "فكيف استعمل الطست الذهبстр. 3680
في هذه الدار، وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا، لقوله ﵇: "هو لهم في الدنيا وهو لنا في الآخرة"، قال: ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه ﵊ وإنما كان غيره في السائق له والمتناول لما كان فيه حتى وضعت في القلب المبارك.
فسوقان الطست من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام فانتفى التعارض بدليل ما قررنا. انتهى.
وتعقبه الحافظ ابن حجر: بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك لمن الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يحرم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم، ويمكن أن يقال: إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع في تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحوال الآخرة، ولعل ذلك كان قبل أن يحرم الذهب في هذه
الحواشي
(١) هنا"، قلت: "أجاب العارف ابن أبي جمرة، بأن تحريم الذهب"، أي: علته، "إنما هو لأجل الاستمتاع به في هذه الدار" الدنيا، "وأما الآخرة فهو للمؤمنين خالصًا لقوله ﵇: "هو لهم في الدنيا" الفانية، "وهو لنا في الآخرة" " الباقية، وما هنا كان الغالب أنه من أحوال الآخرة.
"قال" ابن أبي جمرة: "ثم إن الاستمتاع بهذا الطست لم يحصل منه ﵊" حتى يجيء السؤال، "وإنما كان غيره في السائق"، أي: الحامل "له" حتى أحضره له، يقال: ساق الصداق إلى امرأته: حمله إليها، "والمتناول لما كان فيه حتى وضعه في القلب المبارك فسوقان" مصدر على فعلان هذا ظاهره، ولم يذكره الجوهري، ولا المجد ولا غيرهما، وإنما قالوا في مصدر ساق سوقًا، وسياقة ومساقًا، فينظر سند المصنف "الطست من هناك، وكونه كان من ذهب دال على ترفيع المقام"، أي: إعلائه، "فانتفى التعارض بدليل ما قررنا، انتهى" جواب ابن أبي جمرة، وهو مشتمل على جوابين، أحدهما مسلم وهو الأول.
"و" الثاني: تعقبه الحافظ ابن حجر؛ بأنه لا يكفي أن يقال: إن المستعمل له ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة؛ لأنه إذا كان قد حرم عليه استعماله لتنزه أن يستعمله غيره في أمر يتعلق ببدنه المكرم"؛ لأنه صين عما يخالف شرعه حتى قبل النبوة، يمكن أن يقال" في الجواب: "إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا، وما وقع تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب": ما غاب من مشاهدة الناس، "فيلحق بأحوال الآخرة"، وهذا مستفاد من الجواب الأول لابن أبي جمرة، فأشار إلى توافقهما عليه، والحافظ لم ينقل كلامه إنما قال:стр. 3681
الشريعة، ويظهر ههنا مناسبات: منها أنه من أواني الجنة، ومنها أنه لا تأكله النار ولا التراب، ومنها أنه لا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب قلبه ﵊؛ لأنه من أواني أحوال الجنة، ولا تأكله النار ولا التراب، كما قال ﷺ : "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء"، ولا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب قلبه ﵊؛ لأنه من أواني أحوال الجنة، وأنه أثقل من كل قلب عدل به، وفيه مناسبة أخرى وهي ثقل الوحي فيه. انتهى.
قلت: قوله: "ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة"، قد جزم هو في أول الصلاة من كتابه فتح الباري: بأنه تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة.
قال السهيلي: وابن دحية: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهابه
الحواشي
(١) "ولعل ذلك كان قبل أن يحرم الذهب في هذه الشريعة"، ولا يكفي أن يقال إلى آخر ما ذكر المصنف، فقوله: ولعل جواب مستقل فهي ثلاثة، وقال: أعني الحافظ في أول كلامه: خص الذهب لكونه أعلى الأواني الحسنة، وأصفاها؛ ولأن فيه خواص ليست لغيره، ووصل هذا بقوله: "ويظهر" لها "ههنا مناسبات" للناظر في المقام، لا من خصوص ما قدمه "منها، أنه من أواني الجنة"، كما قال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٧١] ، "ومنها أنه لا تأكله النار"، وكذلك القرآن لا تأكله النار، ولا قلبنا وعاه، ولا بدنا عمل به يوم القيامة، ففيه مناسبة له، "ولا التراب" لا يأكله، ولا يغيره، وكذلك القرآن لا يستطاع تغييره، كذا في الروض.
"ومنها أنه لا يلحقه الصدأ" بفتح المهملتين مهموز.
ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب قلبه ﵊؛ لأنه من أواني أحوال الجنة"، أي: من الأواني التي تستعمل في الأحوال التي تقع في الجنة وتحتاج إلى إناء، وعبارة الحافظ: ومنها أنه أثقل الجواهر، فناسب ثقل الوحي، "ولا تأكله النار ولا التراب كما قال ﷺ : "إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء" "، ولا يلحقه الصدأ، بخلاف غيره، كما قال: إن القلوب لتصدأ.
"وأنه أثقل من كل قلب عدل به، وفيه مناسبة أخرى، وهو ثقل الوحي فيه. انتهى" كلام الحافظ.
"قلت قوله: ولعل ذلك قبل أن يحرم استعمال الذهب في هذه الشريعة"، يشعر أنه لم يطلع فيه على شيء، وإنما ترجاه من نفسه، وينافيه أنه قد جزم هو في أول الصلاة من كتابه فتح الباري، بأنه تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة"، حيث قال: أبعد من استدل به، أي: حديث المعراج على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب؛ لأن المستعمل له الملك، فيحتاج إلىстр. 3682
الرجس عنه ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى معناه، فلوضاءته ونقائه وصفاته. انتهى.
والمراد بقوله: ملئ حكمة وإيمانًا أن الطست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسمي حكمة وإيمانًا مجازًا.
والملء يحتمل أن يكون حقيقة وبجسد المعاني جائز، كما جاء أن سورة البقرة
الحواشي
(١) ثبوت كونهم مكلفين بما كلفنا به وراء ذلك أن ذلك كان على أصل الإباحة؛ لأن تحريم الذهب إنما وقع بالمدينة كما سيأتي واضحًا في اللباس انتهى.
"قال السهيلي و" تلميذه "ابن دحية: أن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهابه الرجس الإثم والسوء عنه، ولكونه وقع عند الذهاب إلى ربه، وإن نظر إلى معناه فلوضاءته ونقائه وصفائه"، ولثقله ورثوبته، والوحي ثقيل، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا﴾ [المزمل: ٥] ﴿مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢] الآية؛ ولأنه أعز الأشياء في الدنيا، والقرآن هو الكتاب العزيز. "انتهى" كلام السهيلي بهذا الذي زدته.
زاد ابن دحية: ولأنه رأس الإيمان وقيمة المتلفات، فهو إذا أصل الدنيا، والإيمان أصل الدين، فوقع التنبيه على أن أصل الدنيا آلة لأصل الدين، وخادم له ووسيلة إليه، وأنه إذا قضيت الحاجة منه عدل عنه.
قال بعض: ومن المناسبات خلق سرور القلب عند رؤيته، كما قال تعالى في البقرة، ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِين﴾ [البقرة: ٦٩] الآية، ويكون جعل الذهب آنية الإيمان من جنس قوله: "الدنيا مطية الآخرة" "والمراد بقوله: ملئ حكمة وإيمانًا، أن الطست جعل فيها شيء يحصل به كمال الإيمان والحكمة، فسمي حكمة وإيمانًا مجازًا".
وأورد السهيلي كيف يكون الإيمان والحكمة في طست من ذهب، والإيمان عرض من الأعراض لا يوصف بها إلا محلها الذي تقوم به، ولا يجوز فيها الانتقال؛ لأنه صفة الأجسام لا الأعراض، وأجاب؛ بأنه إنما غبر عما في الطست بهما، كما عبر عن اللبن الذي شربه وأعطى فضله عمر بالعلم، فكان تأويل ما أفرغ في قلبه إيمانا وحكمة، ولعل الذي كان في الطست ثلجًا، وبردًا، كما في الحديث الأول، فعبر في المرة الثانية بما يؤول إليه، وعبر عنه في الأولى بصورته التي رآها؛ لأنه كان طفلًا فلما رأى الثلج في طست الذهب، اعتقده ثلجا حتى عرف تأويله بعد، وفي المرة الأخرى كان نبيًان فلما رأى طست الذهب مملوءة ثلجًا علم التأويل لحينه، أي: لوقته، واعتقده في ذلك المقام حكمة وإيمانًا، فكان لفظه في الحديثين على حسب اعتقاده في المقامين، انتهى.стр. 3683
تجئ يوم القيامة، كأنها ظلة، والموت في صورة كبش، وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك.
وقال البيضاوي: لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط، وفائدته كشف المعنوي بالمحسوس.
الحواشي
(١) "و" هذا "الملء يحتمل أن يكون حقيقة، وبجسد المعاني جائز، كما جاء أن سورة البقرة تجيء يوم القيامة كأنها ظلة"، كما قال ﷺ : "اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران، فإنهما يأتيان يوم القيامة كأنهما غمامتان، أو غيايتان، أو كأنهما فرقان من طير صواف"، الحديث رواه مسلم، وأو للتنويع وتقسيم القارئين، فالأول لمن قرأهما بلا فهم معناهما، والثاني لمن قرأهما مع فهمه، والثالث لمن ضم إليهما تعليم المستفيد، وإرشاد الطالب، وبيان حقائقهما، وكشف ما فيهما، الأول عام في كل أحد، والثاني يختص بمثل الملوك، والثالث أرفع كما كان سليمان، وغمامتان "بالميم"، وغيايتان "بتحتية": كل شيء أظل الإنسان فوق رأسه كالسحابة وغيرها، كما في النهاية.
قال البيضاوي: ولعله أراد ما يكون له صفاء وضوء، إذ الغيابة ضوء شعاع الشمس، "والموت"، وهو عرض يمثل "في صورة كبش" كما قال ﷺ : "يؤتى بالموت كأنه كبش أملح، حتى يوقف على السور بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة، ويا أهل النار، هل تعرفون هذا؟، فيقولون: نعم، هذا الموت، فيضجع ويذبح، فلولا أن الله قضى لأهل الجنة الحياة والبقاء لماتوا فرحًا، ولو أن الله قضى لأهل النار الحياة فيها لماتوا ترحًا".
وفي رواية: "فيذبح وهم ينظرون، فلو أن أحدًا مات فرحًا لمات أهل الجنة، ولو أن أحدًا مات حزنا لمات أه النار"، رواهما الترمذي عن أبي سعيد، والقول: إن الموت جسم لا يصح.
قال الحافظ: من الأخبار الواهية في صفة البراق ما ذكره الماوردي عن مقاتل، وأورده القرطبي في التذكرة، ومن قبله الثعلبي من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: الموت والحياة جسمان، فالموت ليس يجد ريحه شيء إلا مات، والحياة فرس بلقاء أنثى، وهي التي كان جبريل والأنبياء يركبونها، لا تمر بشيء، ولا يجد ريحها شيء إلا حيي، "وكذلك وزن الأعمال وغير ذلك" من أحوال الغيب.
"وقال البيضاوي" في شرح المصابيح: "لعل ذلك من باب التمثيل، إذ تمثيل المعاني قد وقع كثيرًا، كما مثلت له الجنة والنار في عرض الحائط" بضم العين، أي: جانبه، وهذا تنظير؛ لأن الجنة والنار ليستا من المعاني التي تنتقل في الذهن، ولا صور لها خارجية، فلا يصحстр. 3684
وقال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن الإيمان والحكمة جواهر محسوسات لا معاني؛ لأنه ﵇ قال عن الطست: "إنه أتي به مملوءا حكمة وإيمانًا"، ولا يقع الخطاب إلا على ما يفهم ويعرف، والمعاني ليس لها أجسام حتى تملأ، وإنما يملأ الإناء بالأجسام والجواهر، وهذا نص من الشارع ﵊ بضد ما ذهب إليه المتكلمون في قولهم: إن الإيمان والحكمة أعراض.
والجمع بين الحديث وما ذهبوا إليه، هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس فيها إدراك، ولا من النبوة إخبار عن حقيقتها غير محققة، وإنما هي غلبة ظن؛ لأن للعقل -بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق- حدًا يقف عنده، ولا يتسلط فيما عدا ذلك، ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها؛ لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي ذكرها الشارع ﷺ في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصل إلى هذه الحقيقة
الحواشي
(١) جعلهما مثالين للمعاني، لكنه قصد تقريب تعقل تصور المعاني بتصوير الجنة والنار، فإنهما مع عظمهما صور له في عرض الحائط، فكما وقع خرق العادة بذلك كذلك لا بعد في تصوير المعاني بصور محسوسة خرقًا للعادة "وفائدته كشف المعنوي"، إظهاره وتصويره "بالمحسوس" أي: تصويره بصورته للتقريب.
"وقال العارف ابن أبي جمرة: فيه دليل على أن الإيمان، والحكمة جواهر محسوسات، لا معاني؛ لأنه ﵇ قال عن الطست: "إنه أتى به مملوء حكمة وإيمانًا، ولا يقع الخطاب إلى على ما يفهم ويعرف" للمخاطبين، فالمتبادر منه أنها جواهر، "والمعاني ليس لها أجسام حتى تملأ" الطست، "وإنما يلمأ الإناء بالأجسام والجواهر"، لا بالأعراض، "وهذا نص من الشارع ﵊ بضد ما ذهب إليه المتكلمون في قولهم: إن الإيمان والحكمة أعراض، والجمع بين الحديث" المذكور الدال على أنها جواهر قائمة بأنفسها، "وما ذهبوا إليه" من أنها أعراض تقوم بغيرها لا بأنفسها، "هو أن حقيقة أعيان المخلوقات التي ليس للحواس فيها إدراك، ولا" ثبت من "جهة النبوة أخبار عن حقيقتها"، فلم يخبر بها أحد من الأنبياء "غير محققة، وإنما هو غلبة ظن؛ لأن للعقل بالإجماع من أهل العقل المؤيدين بالتوفيق حدًا يقف عنده، ولا يتسلط فيما عدا ذلك، ولا يقدر أن يصل إليه، فهذا وما أشبهه منها؛ لأنهم تكلموا على ما ظهر لهم من الأعراض الصادرة عن هذه الجواهر التي كذرها الشارع ﵇ في الحديث، ولم يكن للعقل قدرة أن يصلстр. 3685
التي أخبر بها ﷺ فيكون الجمع بينهما أن يقال: ما قاله المتكلمون حق؛ لأنه الصادر عن الجواهر وهو الذي يدرك بالعقل، والحقيقة ما ذكره ﵊ في الحديث.
ولهذا نظائر كثيرة بين المتكلمين وآثار النبوة، ويقع الجمع بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه، ثم مثل بمجيء الموت في هيئة كبش أملح، ثم بالأذكار والتلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا معان، وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات؛ لأنها توزن، ولا يوزن في الميزان إلا جواهر.
قال: وفي ذلك دليل لأهل الصوفية وأصحاب المعاملات والتحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم جواهر
الحواشي
(١) إلى هذه الحقيقة التي أخبر بها ﵇، فيكون الجمع بينهما أن يقال ما قاله المتكلمون حق؛ لأنه الصادر عن الجواهر، وهو الذي يدرك بالعقل والحقيقة ما ذكره ﵊ في الحديث" المفيد، أنها جواهر محسوسات؛ لأنه شاهدها، والتمكلمون لم يشاهدوها، فوقفوا على ما أدركته عقولهم، "ولهذا نظائر كثيرة" واقعة "بين المتكلمين، و" ناشئة عن "آثار النبوة"، بأن تكلم بها الأنبياء، أو أخذت مما جاء عنهم، "ويقع الجمع بينهما على الأسلوب الذي قررناه وما أشبهه" فيحمل كل من الكلامين المتخالفين على وجه لا يخرج عن قواعد الشرع، "ثم مثل" ابن أبي جمرة للنظائر، "بمجيء الموت في هيئة"، أي: صورة "كبش أملح، ثم" مثل "بالأذكار والتلاوة، ثم قال: لأن ما ظهر منها هنا" في دار الدنيا "معان، وتوجد يوم القيامة جواهر محسوسات؛ لأنها توزن، ولا يوزن في الميزان إلا جواهر"، لاستحالة وزن المعاني، "قال: وفي ذلك دليل لأهل الصوفة"، واحدة الصوف، أي: القطعة منه، وهم السادة الصوفية، سموا بذلك للبسهم الصوف، أو لصفاء قلوبهم، أو لغير ذلك مما هو معلوم، "وأصحاب المعاملات"، وهي عند الطائفة توجه النفس الإنساني إلى باطنها الذي هو الروح الروحاني والسر الرباني، واستمدادها منهما ما يزل به الحجب عنها، فيحصل لها قبول المراد في إزالة كل حجاب، ومنازل هذه المعاملات عشرًا: الرعاية، والمراقبة، والحرمة، والإخلاص، والتهذيب، والاستقامة، والتوكل، والتفويض، والثقة، والتسليم، سميت هذه المنازل بالمعاملات؛ لأن العبد لا تصلح له المعاملة للحق حتى يتحقق بهذه المقامات، كما في اللطائف، وقول شيخنا: هم الذين يعاملون الله تعالى بالتمادي فيстр. 3686
محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح، ومنهم من يعاينه مثل الشمعة، ومنهم من يعاينه مثل المشعل وهو أقواها. ويقولون: بأنه لا يكون المحقق محققًا، حتى يعاين قلبه بعين بصيرته، كما يعاين كفه بعين بصره فيعرف الزيادة فيه من النقصان.
فإن قلت: ما الحكمة في شق صدره الشريف ثم ملئه إيمانًا وحكمة، ولم لم يوجد الله تعالى ذلك فيه من غير أن يفعل به ما فعل؟
أجاب العارف ابن أبي جمرة: بأنه ﷺ لما أعطي كثرة الإيمان وقوي
الحواشي
(١) الطاعات، واجتناب المنهيات، سمي ذلك معاملة أخذًا من قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [البقرة: ٢٤٥] .
قال البيضاوي: إقراضه مثل لتقديم العمل الذي يطلب ثوابه، أي: إقراضصا حسنًا مقرونًا بالإخلاص وطيب النفس، أو مقرضًا حلالًا طيبًا، وقيل: القرض الحسن المجاهدة والإنفاق في سبيل الله، صحيح في نفسه، لكنه غير ما يعنيه الصوفية، وإن رجع إلى بعض ما قالوا.
"والتحقيق القائلين بأنهم يرون قلوبهم وقلوب إخوانهم، وإيمانهم وإيمان إخوانهم بأعين بصائرهم": جمع بصيرة، وهي قوة للقلب المنور بنور القدس، يرى بها حقائق الأشياء، وبواطنها بمثابة البصر للعين، يرى به صور الأشياء وظاهرها قاله ابن الكمال.
"جواهر محسوسات، فمنهم من يعاين إيمانه مثل المصباح"، أي السراج، أي: الفتيلة الموقودة، "ومنهم من يعانيه مثل الشمعة" واحدة الشمع بفتح الميم وتسكن تخفيفًا، وقيل: الفتح، لغة العرب والسكون لغة المولدين، "ومنهم من يعاينه مثل المشعل"، كمقعد القنديل، كما في القاموس، والمراد هنا معناه العرفي، وهو الشعلة العظيمة، وإلا ساوى المصباح، ونافى قوله: "وهو أقواها"، أي: أكثر من ضوء المصباح والشمعة.
"ويقولون: بأنه لا يكون المحقق محققًا حتى يعاين قلبه بعين بصيرته" قلبه، فله عين، كما أن للجسد عينًا، "ما يعاين كفه بعين بصره، فيعرف الزيادة من النقصان"، وحينئذ يكون محققًا.
"فإن قلت: ما الحكمة في شق صدره الشريف، ثم ملئه"؟ بكسر الميم وسكون اللام، من عطف الاسم على الاسم، هكذا في نسخة صحيحة، وهي ظاهرة.
وفي نسخة: ثم ملئ وينبغي تأويله بالمصدر ليحصل التناسب بين المتعاطفين "إيمانًا وحكمة، ولم لم يوجد الله تعالى ذلك" المذكور من الإيمان والحكمة "فيه"، أي: القلب،стр. 3687
التصديق إذ ذاك، أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف في جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له ﵇ قوة الإيمان، من ثلاثة أوجه: بقوة
التصديق، والمشاهد، وعدم الخوف من العادات المهلكات فكمل له ﵊ بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله ، وعدم الخفو مما سواه.
ولأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه كان ﵇ في العالمين أشجعهم، وأثبتهم وأعلاهم حالًا ومقالًا.
ففي العلوى: كان -كما أخبر ﵇ أن جبريل لما وصل إلى مقامه قال: ها أنت وربك، وهذا مقامي لا أتعداه، فزج به في النور زجة، ولم يتوان ولم
الحواشي
(١) "من غير أن يفعل به ما فعل" من الشق قلت: "أجاف العارف ابن أبي جمرة: بأنه ﵇ ولما أعطى كثرة الإيمان" أي: خصاله وشعبه، أو الأسباب المحصلة لكماله، فلا يرد أن الإيمان هو التصديق، هو شيء واحد لا تعدد فيه ولا تكثر، وإنما التكثر في متعلقاته من صلاة وصوم ونحوهما.
"وقوي" بضم القاف أولى من فتحها، لاحتياجه لتقدير قوي "التصديق" منه بذلك، لكل ما ورد عليه من قبل الله، "إذ ذاك" ليس هذا من الإضافة إلى المفرد، بل إلى الجملة الإسمية أو الفعلية، والتقدير إذا ذاك، كذلك، أو إذ كان ذاك كذلك "أعطي برؤية شق البطن والقلب عدم الخوف في جميع العادات الجارية بالهلاك، فحصلت له ﵇ قوة الإيمان من ثلاثة أوجه، بقوة التصديق"،: أي: الحاصلة بزيادة الإيمان، والحكمة، "وبالمشاهدة" لشق الصدر وغسل القلب، "وعدم الخوف" المترتب على عدم حصول أذى له بعد فعل ما يهلك به عادة "من العادات"، أي: مما تجري به العادات "المهلكات": جمع عادة، وتجمع أيضًا على عادة وعوائذ، وجعل المشاهدة وعدم الخوف من قوة الإيمان بناء على أنه يزيد وينقص، فلا يرد أنهما خارجان عن التصديق الذي هو مسمى الإيمان، "فكمل له عله الصلاة والسلام بذلك ما أريد منه من قوة الإيمان بالله وعدم الخوف، مما سواه، ولأجل ما أعطيه مما أشرنا إليه، كان ﵇ في العالمين أشجعهم وأثبتهم وأعلاهم حالًا ومقالًا"، أي: قولًا مصدر، قال كقولًا ومقالة، "ففي" أي: فرفعة حاله وشأنه في العالم "العلوي": بضم العين وكسرها مع سكون اللام، المكان المرتفع من نسبة الكلي، وهو المكان العالي من حيث هو إلى جزئية، وهو ما وصل إليه تلك الليلة، فإنه جزئي، من جزئيات مطلق المكان.
"كان كما أخبر ﵇ أن جبريل لما وصل إلى مقامه"، أي: جبريل المشار إليهстр. 3688
يلتفت، فكان هناك في الحضرة كما أخبر عنه ربه بقول: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] .
وأما حاله ﵇ في هذا العالم: فكان إذا حمي الوطيس في الحرب ركض بغلته في نحر العدو، وهم شاكون في سلاحهم، ويقول: "أنا النبي لا كذب".
ثم إن في العناية بتطهير قلبه المقدس، وإفراغ الإيمان والحكمة، فيه إشارة إلى مذهب أهل السنة في أن محل العقل ونحوه من أسباب الإدراكات كالنظر أو
الحواشي
(١) بقوله: "وما منا إلا له مقام معلوم، وهو سدرة" المنتهى التي لم يتجاوزها أحد إلا نبينا، ﷺ ، قاله النووي، "قال: ها أنت وربك وهذا مقامي" بفتح الميم، أي: موضعي، "لا أتعداه، فزج به في النور زجة، ولم يتوان، ولم يلتفت"، أي: ألقى نفسه بلا توقف لما عنده من الثبات وقوة القلب، "فكان هناك في الحضرة، كما أخبر عنه ربه بقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ "، ما مال بصره -صلى اله عليه وسلم- عما رآه، " ﴿وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] الآية، ما تجاوزه، بل أثبته إثباتا صحيحًا متيقنا، أو ما عدل عن رؤية العجائب التي أمر برؤيتها، وما جاوزها، وما أحسن اختصار الحافظ لهذا كله بقوله في الفتح.
قال ابن أبي جمرة: الحكمة في شق بطنه مع القدرة على أن يمتلئ قلبه إيمانًا وحكمة بغير شق، الزيادة في قوة اليقين؛ لأنه أعطى بشق بطنه وعدم تأثره بذلك، م أمن معه من جميع المخاوف العادية، فلذا كان أشجع الناس وأعلاهم حالًا ومقالًا، ولذلك وصف بقوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى﴾ [النجم: ١٧] الآية.
"وأما حاله ﵇ في هذ العالم: فكان إذا حمي الوطيس" التنور، أي: اشتد الحرب كما فسر به حديث: "الآن حمي الوطيس"، فالأولى إسقاط قوله: "في الحرب" اللهم إلا أن يجرد عن معناه، بأن يقال: المعنى إذا اشتد الأمر "ركض بغلته"، أي: ضربها لتعدو "في نحر العدو"، أي: صدورهم فلا يهاب أحدًا منهم، ولا يمنعه من ذلك كثرتهم ولا شدتهم في الحرب، "وهم شاكون" أي: داخلون "في سلاحهم" دروعًا وغيرها، فهي محيطة بكل بدنهم، وفيه مسامحة، إذ لا يتأتى أن تكون الأسلحة لهم غير الدروع ظروفًا، فالظرفية اعتبارية فيه كما في جذوع النخل بالغ في جعل السلاح ظرفًا لهم، كأنهم لشدة تمكنهم منها واستيلائهم عليها مظروفون فيها.
"ويقول: "أنا النبي لا كذب": لأن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه قال: أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذب، أنا ابن عبد المطلب، فركوبه البلغة مزيد ثبات؛ لأنهاстр. 3689
الفكر إنما هو القلب لا الدماغ، خلافًا للمعتزلة والفلاسفة.
وأما الحكمة في غسل قلبه المقدس ﵊ بماء زمزم، فقيل: لأنه ماء زمزم يقوي القلب ويسكن الروع، قال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل به قلبه ﵊ ليلة الإسراء ليقوى على رؤية الملكوت، واستدل شيخ الإسلام السراج البلقيني، بغسل قلبه الشريف به على أنه أفضل من ماء الكوثر.
الحواشي
(١) ليست من مراكب الحرب، بل الأمن، فالحرب عنده كالسلم، وكذا إشهار نفسه مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو، ومر بسط هذا في حنين ثم إن في العناية"، أي: الاهتمام "بتطهير قلبه المقدس، وإفراغ الإيمان والحكمة فيه إشارة إلى مذهب أهل السنة، في أن محل العقل ونحوه من أسباب الإدراكات كالنظر أو الفكر، إنما هو القلب لا الدماغ، خلافًا للمعتزلة والفلاسفة" وبعض أهل السنة كالحنفية، وعبد الملك بن الماجشون من المالكية، لكن مذهب الأكثرين ظاهر على إثبات القوى الباطنية، ولم يقولوا بها، فوصفها بأن لها محلًا تسمح، والمراد أنه جعل للقلب حالة يدرك بها الأمور المعقولة، وفي قوله: من أسباب الإدراك إشعار بأن المدرك هو العقل، وما عداه طريق لإدراكه، وفي العقل تعاريف نقل المجد منا جملة، وقد نقل كلامه المصنف في الفصل الثاني من المقصد الثالث.
"وأما الحكمة في غسل قلبه المقدس عليه الصلة والسلام"، كما مر في رواية البخاري: ففرج صدري ثم غسله "بماء زمزم فقيل: لأن ماء زمزم يقوي القلب ويسكن الروع" بالفتح، الفزع.
"قال الحافظ الزين العراقي: ولذلك غسل به قلبه ﵊ ليلة الإسراء، ليقوى على رؤية الملكوت": باطن الملك.
وقال ابن أبي جمة: إنما لم يغسل بماء الجنة، لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقر في الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة النبي ﷺ في الأرض.
وقال السهيلي: لما كانت زمزم حفرة جبريل روح القدس لأم إسماعيل جد النبي ﷺ ناسب أن يغسل عند دخوله حضرة القدس لمناجاته.
وقال غيره: لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل، وقد ربي عليها ونما قلبه وجسده وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق، كذلك ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك بعد وفاته، فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح، فجعل السقاية للعباس وولده، وحجابة البيت لعثمان بن شيبة، وعقبه إلى يوم القيامة.
"واستدل شيخ الإسلام السراج البلقيني بغسل قلبه الشريف به"، بماء زمزم، "على أنهстр. 3690
قال: لأنه لم يغسل قلبه المكرم إلا بأفضل المياه، وإليه يومئ قول العارف ابن أبي جمرة في كتابه "بهجة النفوس".
الحواشي
(١) أفضل من ماء الكوثر، قال: لأنه لم يغسل قلبه المكرم إلا بأفضل المياه"، وتوقف السيوطي فيه بأن كونه لا يغسل إلا بأفضل المياه مسلم، ولكن بأفضل مياه الدنيا، إذ الكوثر من متعلقات دار البقاء، فلا يستعمل في دار الفناء، ولا يشكل بكون الطست الذي غسل منه صدره ﷺ من الجنة؛ لأن استعمال هذا ليس فيه ذهاب عين بخلاف ذاك.
وأجاب في الإيعاب، بأنه إذا سلم أنه لا يغسل إلا بأفضل المياه لزمه تسليم قول البلقيني، وتخصيصه بأفضل مياه الدنيا، لما ذكره لا دليل عليه، وكون ماء الكوثر من الجنة لا يقضي عدم الغسل به؛ لأن المناسب لحاله ﷺ أن يستعمل له الأفضل مطلقًا لا بالنسبة لدار الدنيا، إذ لا أصل في الأفضل على الإطلاق أن لا يستعمل له إلا الأفضل، كذلك والفرق بينه وبين الطست بما ذكره لا تأثير له؛ لأن ذلك الوقت وقت إظهار كرامته وخرق العادة له وإلا لحرم استعمال الذهب، فلما جاز علمنا أن القصد به خرق العادة لمزيد إظهار الكرامة، وهذا مقتضى استعمال الذهب، فلما جاز علمنا أن القصد به خرق العادة لمزيد إظهار الكرامة، وهذا مقتضى لاستعمال ماء الكوثر، لو كان أفضل، فلما نزل إلى ماء زمزم اقتضى ذلك بقرينة المقام أنه أفضل منه.
قال: وبهذا يرد على من نازع البلقيني أيضًا، يعني السيوطي، بخبر لقاب قوس أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها، وأجاب عن الغسل به دون مائها؛ بأنه قد ألفه ونشأ عليه كجده إسماعيل، إذ هو أول ماء نبع بمكة لأجله، ووجه رد أن الخبر مخصوص والألفة لا تقتضي ما ذكر، سيما في مقام إظهار شرفه.
ونازعه أيضًا بأن الحكمة الغسل به، قول الزين العراقي: إنه يقوى به على رؤية الملكوت؛ لأن من خواصه أنه يقوي القلب، ويسكن الروع، فإذا ثبت هذا لم يكن في الغسل به دلالة على أفضليته؛ لأن سلب هذا المعنى عن ماء الكوثر لا يقتضي أن ماء زمزم أفضل منه؛ لأن سبب انتفائه عنه أنه من مياه الجنة وهي لا روع فيها حتى يحتاج لسلبه، فسلبه عنده لعدم المحل القابل، لا لعجز الفاعل، وبأن الكوثر مما من الله به على نبيه، وأنزل فيه القرآن وزمزم من عطاء إسماعيل، ولم ينزل فيها ما نزل من القرآن فيه، ومن خصوصياته أن من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبدًا، وغير ذلك انتهى.
ووجه رده أن ما ذكر من الحكمة لم يثبت على أنه يكفي في تقوية قلبه، وتسكين روعه، ما وقع له من تكرر شق الصدر المنبئ عن بلوغه في قولة القلب، وسكون الروع إلى الغاية القصوى، فلا يحتاج لشيء آخر، وعلى التنزل، فكونه غسل به لأجل ذلك لا يقتضي أنه غسل به لذلك، بل يحتمل أنه لذلك، ولإظهار شرفه، فالأمران يحتمل أنهما مقصودان، فما الليل علىстр. 3691
وأما قوله ﵊: $"فغسل صدري" فالظاهر أن المراد به القلب كما في الرواية الأخرى، وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، ويقع الجمع بأن يقال: أخبر ﵊ مرة بغسل صدره الشريف ولم يتعرض لذكر قلبه، وأخبر مرة أخرى بغسل قلبه ولم يتعرض لذكر صدره، فيكون الغسل قد حصل فيهما معًا مبالغة في تنظيف المحل المقدس، ولا شك أن المحل الشريف كان طاهر مطهرًا، وقابلًا لجميع ما يلقى إليه من الخير، وقد غسل أولًا
وهو ﵇ طفل، وأخرج من قلبه نزغة الشيطان، وإنما كان ذلك إعظامًا وتأهبا لما يلقى هناك، وقد جرت الحكمة بذلك في غير موضع مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفًا؛ لأن الوضوء في حقه إنما هو إعظام، وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته، فكذلك
الحواشي
(١) قصره على أحدهما، وكون الكوثر مما من الله به على نبينا بخلاف زمزم لا يكون صريحًا في الأفضلية، وما ذكر فيه من الخصوصية ورد في زمزم أعظم منه، وهو أن من شرب منها للأمن من العطش يوم القيامة أعطيه، كما يصرح به الحديث الصحيح، خلافًا لمن نازع فيه ماء زمزم لما شرب له، وقول ابن الرفعة والماء النابع من بين أصابعه ﷺ أشرف المياه، لا يرد على البلقيني؛ لأن قوله إلا بأفضل المياه، أي: الموجودة إذ ذاك، والنابع لم يكن موجودًا إذ ذاك، ولا يرد على ابن الرفعة الحديث الصحيح خير ماء على وجه الأرض ماء زمزم؛ لأن ما نبع من أصابعه لم يكن موجودًا عند قوله ذلك انتهى.
"وإليه يومئ قول العارف ابن أبي جمرة في كتابه بهجة النفوس"، اسم شرحه على الأحاديث التي انتخبها من البخاري.
"وأما قوله ﵊: $"فغسل صدري" فالظاهر أن المراد به القلب، كما في الرواية الأخرى" في البخاري عن مالك بن صعصعة: فغسل قلبي، وفي رواية مسلم: فاستخرج قلبي فغسل بماء زمزم، "وقد يحتمل أن تحمل كل رواية على ظاهرها، ويقع"، أي: يحصل، "الجمع" بينهما، "بأن يقال: أخبر ﵊ مرة بغسل صدره الشريف، ولم يتعرض لذلك قلبه، وأخبر مرة أخرى بغسل قلبه، ولم يتعرض لذكر صدره، فيكون الغسل قد حصل فيهما" مرة لقلبه بعد إخراجه، ومرة لصدره بعد شقه، "معًا مبالغة في تنظيف المحل المقدس، ولا شك أن المحل الشريف كان طاهرًا مطهرًا، وقابلًا لجميع ما يلقى إليه من الخير"، ومنه الإيمان والحكمة، "وقد غسل أولًا وهو ﵇ طفل، وأخرج من قلبه نزغة الشيطان، وإنما كان ذلك إعظامًا وتأهبًا لما يلقى هناك" لا لإزالة أمر مستقذر فيه لكمال خلقه، والعلقة التي أخرجت منه لم يكن للشيطان عليها لو لم تخرج سبيل، وإنما قصدстр. 3692
غسل جوفه الشريف هنا، وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] ، فكان الغسل له ﵇ من تعظيم شعائر الله، وإشارة لأمته بالفعل بتعظيم شعائر الله، كما نص عليه بالقول.
وأما قوله: " ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، يضع خطوه عند أقصى طرفه فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا"، وفي رواية عنده في الصلاة ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء.
فظاهره: أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء.
قال العارف ابن أبي جمرة: أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون في الهواء، وقد
الحواشي
(١) بإخراجها المبالغة في إظهار تعظيمه، وتكميله من بين أفراد أنواعه.
"وقد جرت الحكمة بذلك في غير موضع"، وفي نسخة بزيادة ما للتأكيد، "مثل الوضوء للصلاة لمن كان متنظفًا"، ولو نظافة حسية، بأن غسل بدنه، وبالغ في تنظيفه، ولم يأت بأفعال الوضوء على الوجه المعتبر فيه شرعًا؛ "لأن الوضوء" الشرعي "في حقه، إنما هو إعظام وتأهب للوقوف بين يدي الله تعالى ومناجاته"؛ لأن المصلي يناجي ربه، والقصد بالوضوء إعظامه، إذ ليس ثم دنس محسوس يزيله الوضوء، ولا ينافي هذا قول الفقهاء أن الحدث أمر اعتباري يقوم بالأعظاء يمنع صحة الصلاة حيث لا مرخص لجواز أنهم أرادوا بالاعتباري معنى أراده الشارع منافيًا لكمال التعيظم مع خلو الأعضاء من الدنس الحسي، "فكذلك غس جوفه الشريف هنا" ليس لعدم القابل، بل للإعظام والتأهب للمناجاة.
"وقد قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] "، أي: فإن تعظيمها منه من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات والعائد إلى من، وذكر القلوب؛ لأنها منشأ التقوى والفجور والآمرة بهما، قاله البيضاوي.
"فكان الغسل له ﵇ من تعظيم شعائر الله وإشارة لأمته بالفعل"، من الملك معه بتعظيم شعائر الله كما نصل عليه بالقول" في الآية المذكورة.
"وأما قوله: "ثم أتيت بدابة دون البلغ وفوق الحمار أبيض"، ذكر باعتبار أنه مركوب أو نظر اللفظ البراق: "يضع خطوه عند أقصى طرفه" براء ساكنة وفاء، أي: نظره، "فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا".
"وفي رواية عنده": أي: البخاري "في الصلاة، "ثم أخذ بيدي فعرج بي السماء، فظاهره أنه استمر على البراق حتى عرج إلى السماء"، وهذا الظاهر ليس بمراد لما ثبت أنه ربط البراق ببيت المقدس، ورقي السماء على المعراج كما يأتي بيانه، ومشى على ظاهره ابنстр. 3693
جرت العادة بأن البشر لا يمشي في الهواء، سيما وكان راكبًا على دابة من ذوات الأربع، لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان، فكما بسط تعهالى لهم الأرض يمشون عليها، كذلك يمشيهم في الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية، وقد سئل ﵇ حين أخبر عن الأشقياء الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة كيف يمشون فقال ﵇: "الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم قادر أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم". انتهى.
وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليه لم يذكر هنا.
فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار أنه لم يكن على البراق، بل رقي في المعراج وهو السلم، كما وقع التصريح به في حديث عن ابن إسحاق
الحواشي
(١) أبي جمرة في قوله، والقدرة كانت صالحة؛ لأن يصعد بنفسه من غير براق، لكن ركوب البراق كان زيادة في تشريفه؛ لأنه لو صعد بنفسه كان في صورة ماش، والراكب أعز من الماشي.
"قال العارف ابن أبي جمرة" عقب هذا: "أفاد ذلك أنهم كانوا يمشون في الهواء، وقد جرت العادة بأن البشر لا يمشي في الهواء، سيما وكان راكبًا على دابة من ذوات الأربع"، يعني البراق، "لكن لما أن شاءت القدرة ذلك كان"، أي: شاء ذو القدرة، ففيه مضاف، أو مصدر، بمعنى اسم الفاعل، أي القادر، وأنث الفعل نظرًا للفظ، فلا يرد أن القدرة صفة لا تنسب لها المشيئة، وإنما تنسب لله تعالى، "فكما بسط تعالى لهم الأرض يمشون عليها، كذلك يمشيهم في الهواء، كل ذلك بيد قدرته، لا ترتبط قدرته تعالى بعادة جارية"، أي: لا يتوقف تأثيرها على موافقة عادة، بل تؤثر في كل ممكن أراد تأثيرها فيه وإن خالف العاد.
"وقد سئل ﵇ حين أخبر عن الأشقياء" الكفار، "الذين يمشون على وجوههم يوم القيامة، كيف يمشون؟ فقال ﵇": "إن الذي أمشاهم في الدنيا على أقدامهم" في رواية: "على أرجلهم"، "قادر على أن يمشيهم يوم القيامة على وجوههم"، والحديث في الصحيحين عن أنس. "انتهى" كلام ابن أبي جمرة.
"وقد استدل بعضهم بهذا الحديث على أن المعراج، كان في ليلة غير ليلة الإسراء إلى بيت المقدس، لكون الإسراء إليه لم يذكر هنا"، إذ ظاهر قوله: فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، أنه استمر سائرًا به إليها، ثم إلى حيث شاء الله، ولم ينزل بيت المقدس، "فأما المعراج ففي غير هذه الرواية من الأخبار" ما يدل على "أنه لم يكن على البراق، بلстр. 3694
والبيهقي في الدلائل كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
ويموكن أن يقال: ما وقع هنا اختصار من الراوي، والإتيان بـ"ثم" المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما: الانطلاق والعروج.
وحاصله: أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر، وثابت البناني قد حفظ الحديث، ففي روايته عند مسلم: أنه أتى بيت المقدس فصلى به ثم عرج إلى السماء كما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وقد قيل: إن الحكمة في الإسراء به راكبًا، مع القدرة على طي الأرض له، إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسًا له بالعادة، في مقام خرق العادة؛ لأن العادة جرت أن الملك إذا استدعى من يختص به بعث إليه بمركوب سني يحمله عليه في
الحواشي
(١) رقي في المعراج، وهو المسلم كما وقع التصريح به في حديث عند ابن إسحاق، والبيهقي في الدلائل" النبوية، من حديث أبي سعيد "كما سيأتي إن شاء الله تعالى" قريبًا "ويمكن أن يقال" في الجمع "ما" الذي "وقع هنا اختصار من الراوي"، فيرد ما هنا إلى تلك الرواية، كأن يقال قوله: "حتى أتى السماء الدنيا"، ذكر غاية ما وصل به جبريل، ولم ينظر لتفاصيل، ما دون ذلك، "والإتيان بثم المقتضية للتراخي لا ينافي وقوع الإسراء بين الأمرين المذكورين، وهما الانطلاق" المذكور في قوله: "فانطلق بي جبريل"، "والعروج" المذكور بقوله: "حتى أتى السماء"، وفي نسخة: الإطباق "بكسر الهمزة فطاء ساكنة فموحدة ثم قاف"، أي: إطباق صدره كما كان، وفيه تعسف، "وحاصله"، أي: هذا الجمع "أن بعض الرواية ذكر ما لم يذكره الآخر".
وقال النعماني: ما المانع من أنه ﷺ رقي المعراج فوق ظهر البراق لظاهر الحديث ... انتهى، والمانع موجود، وهو أحاديث ربطه البراق بالحلقة كما يأتي.
"وثاب البناني" "بضم الموحدة وبالنون"، "قد حفظ الحديث، ففي روايته عند مسلم" عن أنس، "أنه أتى إلى بيت المقدس، فصلى به، ثم عرج إلى السماء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى"، ومن قواعد المحدثين تقديم رواية من حفظ القصة وفصلها، فيرد إليه رواية من أجمل أو نقص فيها.
"وقد قيل: إن الحكمة في الإسراء به راكبًا مع القدرة على طي الارض له إشارة إلى أن ذلك وقع تأنيسا له بالعادة"، حيث أسرى به راكبًا مع إمكان إيصاله بلا ركوب، بل لو أراد حضوره بغير شيء كان "في مقام العادة"، حيث قطع تلك المسافات الكثيرة ذهابًا وإيابًا في أقل زمن؛ "لأن العادة جرت أن الملك إذا استدعى"، أي: طلب من يختص به بعث إليهстр. 3695
وفادته إليه.
وفي كلام بعض أهل الإشارات: لما كان ﷺ ثمرة شجرة الكون، ودرة صدقة الوجود، وسر معنى كلمة "كن" ولم يكن بد من عرض هذه الثمرة بين يدي مثمرها رفعها إلى حضرة قدسه، والطواف بها على ندمان حضرته، أرسل إليه أعزل خدام الملك عليه، فلما ورد عليه قادمًا، وافاه على فراشه نائمًا، فقال له: "قم يا نائم، فقد هيئت لك الغنائم، قال: "يا جبريل إلى أين"؟ قال: يا محمد ارفع "الأين" من البين، إنما أنا رسول للقدم أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا محمد أنت مراد الإرادة، الكل مراد لأجلك، وأنت مراد لأجله، أنت صفوة كأس المحبة،
الحواشي
(١) بمركوب سني"، أي: شريف، "يحمله عليه في وفادته إليه"، فعامله بذلك تأنيسًا وتعظيمًا.
"وفي كلام بعض أهل الإشارات"، أي: محقق الصوفية، "لما كان ﷺ ثمرة شجرة الكون"، يعنون بالشجرة في اصطلاحهم الإنسان الكامل المشار إليه في آية النور، وهو الشجرة المباركة الزيتونة، التي لا شرقية ولا غربية، لاعتدالها بين طرفي الإفراط والتفريط في الأقوال والأحوال، "ودرة صدقة الوجود وسر معنى كلمة كن" السر، يعني به حصة كل موجود من الحق بالتوجه الإيجادي المنبه عليه، بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠] ، فقولهم: لا يحب الحق إلا الحق، ولا يطلب الحق إلا الحق، ولا يعلم الحق إلا الحق؛ إنما أشاروا بذلك إلى السر المصحب من الحق للخلق على الوجه الذي عرفت، فإنه هو الطالب للحق، والمحبب له، والعالم به، كذا في الأعلام بإشارات أهل الإلهام، "ولم يكن بد" فراق ومحالة، "من عرض هذه الثمرة بين يدي مثمرها، رفعها إلى حضرة قدسه والطواف": الدوران "بها على ندمان حضرته، أرسل إليه" جبريل، "أعز خدام الملك" "بكسر اللام" سبحانه "عليه، فلما ورد عليه قادمًا وافاه على فراشه نائمًا، فقال": بلسان الحال، "قم يا نائم، فقد هيئت لك الغنائم": جمع غنيمة، "فقال" بلسان حاله: "يا جبريل إلى أين؟، فقال: يا محمد ارفع الأين من البين، إنما أنا رسول للقدم"، أي: لذي القدم، وهو الحق تعالى، "أرسلت إليك لأكون من جملة الخدم، يا محمد أنت مراد الإرادة" المراد عبارة عن المجذوب عن إرادته مع تهيؤ الأمور له، فجاوز الرسوم كلها، والمقامات من غير مكابدة وهزاهز، وهذا مراد شيخ الإسلام أبي إسماعيل الأنصاري بقوله: المراد هو المختطف من وادي التفرق إلى ربوة الجمع، وهذا هو الإنسان الذي اجتباه الحق واستخلصه "الكل"، أي: كل المخلوقات "مراد لأجلك" كما قال تعالى لآدم: لولا محمد ما خلقتك، رواه الحاكم مرفوعًا.стр. 3696
أنت درة هذه الصدفة، أنت شمس المعرف، أنت بدر اللطائف، ما مهدت الدار إلا لأجلك، ما حمي ذلك الحمى إلا لوصلك، وما روق كأس المحبة إلا لشربك.
فقال ﵇: "يا جبريل فالكريم يدعوني إليه، فما الذي يفعل"؟ قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر، قال: يا جبريل هذا لي، فما لعيالي وأطفالي؟ قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٦] ، قال: الآن طاب قلبي ها أنا
الحواشي
(١) وروى أبو الشيخ والحاكم، وصححه عن ابن عباس: "أوحى الله إلى عيسى؛ آمن بمحمد ومر أمتك أن يؤمنوا به، فلولا محمد ما خلقت آدم ولا الجنة ولا النار"، وذكر ابن سبع وغيره عن علي: أن الله قال لنبيه: من أجلك أسطح البطحاء، وأموج الموج، وأرفع السماء، وأجعل الثواب والعقاب، "وأنت مراد لأجله، أنت صفوة كأس المحبة، أنت درة هذه الصدفة، أنت شمس المعارف"، هي في اصطلاح القوم عبارة عن إحاطة العبد بعينه، وإدراك ما له وعليه، كما قال الإمام الجنيد: أن تعرف ما لك وما له، "أنت بدر اللطائف": جمع لطيفة، وهي كل إشارة دقيقة المعنى، تلوحك في الفهم لا تسعها العبارة، "ما مهدت الدار إلا لأجلك، ما حمى ذلك الحمى إلا لوصلك، ما روق كأس المحبة إلا لشريك"، فسر شيخ الإسلام الهروي في منازل السائرين المحبة؛ بأنها تعلق القلب بين الهمة والأنس في البذل والمنع، أي: بذل النفس للمحبوب، ومنع القلب من التعرض إلى ما سواه، وإنما يكون ذلك بإقرار المحب لمحبوبه بالتوجه إليه، والأعرض عما عداه، وذلك عندما ينسى أوصاف نفسه في ذكر محاسن حبه، فتذهب ملاحظته الثنوية، وإلى هذا المعنى أشار القائل: بقوله:
شاهدته وذهلت عني غيرة ... مني عليه فذا المثنى مفرد
وإنما كانت المحبة حالة بين الهمة والأنس، كما أشار إليه الشيخ؛ لأن المحب لما كان أشد الراغبين طلبًا صارت الهمة من جملة أوصافه، إذ المراد بالهمة شدة طلب القلب للحق، طلبًا خالصًا عن رغبة في ثواب، أو رهبة من عقاب، ولما كان الطلب بالهمة قد يعرى عن الأنس، ومن شرط المحب كونه مستأنسًا بمحاسن محبوبه مستغرقًا، وجب أن يكون المحب موصوفًا بالأنس، فلذا اكتفت المحبة بالهمة الأنس.
"فقال ﵇" بلسان الحال: "يا جبريل، فالكريم يدعوني إليه، فما الذي يفعل؟، قال: ليغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر"، أي: يستر الذنب عنك، فلا تلابسه، "قال: يا جبريل هذا لي، فما لعيالي": أمتي "وأطفالي" أصحابه وآلي، "قال: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٦] الآية، فقال ﷺ : "إذن لا أرضى ووالاحد من أمتي في النار". روى البيهقي عن ابن عباس في هذ الآية قال: رضاه أن يدخل أمته كلهم الجنة.стр. 3697
ذاهب إلى ربي، ثم قال جبريل: يا محمد إنما جيء بي إليك الليلة لأكون خادم دولتك، وحاجب حاشيتك، وحامل غاشيتك، وجيء بالمركوب إليك لإظهار كرامتك؛ لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيبًا، أو استدعوا قريبًا وأرادوا ظهور كرامته واحترامه أرسلو أخص خدامهم وأعز قوامهم لنقل أقدامهم، فجئناك على رسم عادة الملوك وآداب السلوك، ومن اعتقد أنه يصل إليه بالخطا فقد وقع بالخطأ، ومن ظن أنه محجوب بالغطا فقد حرم العطا. انتهى.
والحكمة في كون البراق دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، ولم يكن
الحواشي
(١) وفي مسلم عن ابن عمر أنه ﷺ تلا قول الله عن إبراهيم: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [إبراهيم: ٣٦] الآية، وعن عيسى: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُك﴾ [المائدة: ١١٨] ، ثم رفع يديه فقال: "اللهم أمتي"، وبكى، فقال الله: يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل له: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك "قال: "الآن طاب قلبي": لذ وزكا، "ها أنا ذاهب إلى ربي، ثم قال جبريل: يا محمد، إنما جيء بي إليك الليلة لأكون خادم دولتك وحاجب حاشيتك"، جانبك.
قال المصباح: حاشية الثوب: جانبه، والجمع الحواشي، وحاشية النسب كأنه مأخوذ منه، وهو الذي يكون على جانبه كالعم وابنه، "وحامل غاشيتك" بغين وشين معجمتين، اسم لشيء نفيس يحمل أمام الأكابر، ويمشي به بين يديهم عرفًا والغشاء في الأصل الغطاء وزنًا ومعنى، "وجيء بالمركوب إليك لإظهار كرامتك؛ لأن من عادة الملوك إذا استزاروا حبيبًا": طلبوا زيارته، "أو استدعوا قريبًا، وأرادوا ظهور كرامته واحترامه، أرسلوا أخص خدامهم، وأعز قوامهم لنقل أقدامهم"، أي: الذين أرسل إليهم، وجمعه حملًا على أن المراد بالحبيب الجنس الصادق بالواحد والمتعدد، "فجئناك على رسم عادة الملوك"، تأنيسًا بالعادة "وآداب السلوك"، وهو في اصطلاح الطائفة عبارة عن الترقي في مقامات القرب إلى حضرات الرب فعلًا وحالًا، وذلك بأن يتحد باطن الإنسان وظاهره فيما هو بصدده، مما يتكلفه من فنون المجاهدات، وما يقاسيه من مشاق المكابدات، بحيث لا يجد في نسفه حرجًا من ذلك، "ومن اعتقد أنه يصل إليه بالخطأ": بالضم، جمع خطوة، ما بين القدمين، "فقد وقع في الخطأ": بالفتح خلاف الصواب، "ومن ظن أنه محجوب بالغطاء" بغين معجمة، "فقد حرم العطاء انتهى".
"والحكمة في كون البراق"، الذي أعد له وتعلق علمه تعالى بأنه سيسري به عليه، "دابة دون البغل وفوق الحمار أبيض" أو فيه حذف، أي: الحكمة في المجيء له بالبراقстр. 3698
على شكل الفرس، إشارة إلى أن الركوب كان في سلم وأمن لا في حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراء الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة، وذكره بقوله: أبيض، باعتبار كونه مركوبًا، أو عطفًا على لفظ البراق.
واختلف في تسميته بذلك، فقيل: من البريق، وقال القاضي عياض: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود، وقيل: من البرق؛ لأنه وصف بسرعة السير، ويحتمل أن يكون مشتقًا.
ووصفه بأنه يضع خطوه عند أقصى طرفه -بسكون الراء وبالفاء- أي يضع رجله عند منتهى ما يرى بصره، وقال ابن المنير: يقطع ما انتهى إليه بصره في
الحواشي
(١) الموصوف بما ذكر، فلا يدر أنه ليس المراد بيان حكمة خلق البراق على هذه الصورة، فحق العبارة الحكمة في المجيء له بالبراق دون فرس مثلًا، "ولم يكن على شكل الفرس" التي هي أشرف الدواب المركوبة، "إشارة" خبر الحكمة، "إلى أن الركوب كان في سلم وأمن، لا في حرب وخوف"، فإن الحرب هي التي يعتد لها نحو الفرس، وصورة البراق لم يعهد عليه قتال البتة، "أو لإظهار المعجزة"، أي: المبالغة في إظهارها "بوقوع الإسراء الشديد بدابة لا توصف بذلك في العادة"، لكن البياض لا دخل له فغي الحكمتين، فلعل ذكره لبيان الواقع، أو لإظهار السرور؛ لأن البياض يختار عادة لإظهاره، "وذكره بقوله: أبيض باعتبار كونه مركوبًا أو عطفًا" لغويا، أي: ميلًا، يقال: عطفت على كذا، ملت له، "على لفظ البراق"، على بمعنى إلى، ولفظ الفتح أو بالنظر للفظ البراق.
"واختلف في" اشتقاق "تسميته بذلك" لقوله الآتي، ويحتمل أن لا يكون مشتقًا، "فقيل" مشتق "من البريق" اللمعان، أي: سمي بذلك للمعان بدنه لصفاء بياضه، "وقال القاضي عياض: لكونه ذا لونين، يقال: شاة برقاء، إذا كان في خلال صوفها الأبيض طاقات سود".
قال الحافظ: ولا ينافيه وصفه في الحديث بأنه أبيض؛ لأن البرقاء من الغنم معدودة في البيض. انتهى.
ولكن اعترض بأن هذا الوصف لم يثبت للبراق، وما يأتي أن صدره ياقوتة حمراء ضعيف.
"وقيل": مشتق "من البرق" ما يلمع من السحاب؛ "لأنه وصف بسرعة السير" فأشبه البرق في سيره، "ويحتمل أن لا يكون مشتقًا"، فلا يلاحظ في تسميته أخذه من مادة أصلًا، وإنما هو اسم له، "ووصفه بأنه يضع خطوه عند أقصى طرفه بسكون الراء وبالفاء" أي: نظره، "أي: يضع رجله"، بيان للمراد بخطوه، فليس المراد نفس المصدر "عند منتهى ما يرى بصره"،стр. 3699
خطوة واحدة، قال: فعلى هذا يكون قطع من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة؛ لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء، فبلغ أعلى السماوات في سبع خطوات. انتهى.
وفي حديث ابن مسعود عد أبي يعلى والبزار -كما أفاده في الفتح-: "إذا أتى على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه".
وفي رواية لابن سعد عن الواقدي بأسانيده: "له جناحان"، قال الحافظ ابن حجر: ولم أرها لغيره.
الحواشي
(١) فالطرف بمعنى البصر، فقوله: أقصى طرفه، في المكن الذي هو غاية منتهى ما يصل إليه بصره.
"وقال ابن المنير: يقطع ما انتهى إليه بصره في خطوة واحدة، قال: فعلى هذا يكون قطع من الأرض إلى السماء في خطوة واحدة؛ لأن بصر الذي في الأرض يقع على السماء، فبلغ أعلى السموات في سبع خطوات"، أخبار عما وصف به في حالة عروجه؛ لأنه يرى كل سماء، وهو فيما دونها. "انتهى" كلام ابن المنير، وهو مبني على أنه عرج به على البراق أخذا بظاهر الحديث، والصحيح خلافه.
"وفي حديث ابن مسعود عند أبي يعلى والبزار، كما أفاده في التح ما لفظه: "إذا أتى"، بمعنى أقبل، "على جبل ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه"، فلا مشقة على راكبه في صعود ولا هبوط.
"وفي رواية لابن سعد" محمد، "عن الواقدي" محمد بن عمر بن واقد، "بأسانيده: له جناحان".
"قال الحافظ ابن حجر: ولم أرها لغيره"، وهو عجب مع قول الشامي قوله: "له جناحان في فخذيه يحفز بهما"، رواه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر عن الحسن البصري مرسلًا، ورواه ابن سعد من طريق الواقدي، وابن عساكر من حديث جماعة من الصحابة، ويحفز بفتح التحتية وسكون المهملة وكسر الفاء فزاي: يحث بهما رجليه على سرعة السير.
قال ابن الأثير: الحفز الحث والإعجال، ولعل سر كونهما في فخذيه لثقل مؤخر الدابة، أو؛ لأن ذلك جار على هذا الأمر في خرق العادة، أو؛ لأنهما لو كانا في جنبيه على العادة لكانا تحت فخذي الراكب، أو فوقهما، ويحصل له مشقة بضمهما ونشرهما خصوصًا مع السرعة العظيمة انتهى.стр. 3700
وعند الثعلبي -بسند ضعيف- عن ابن عباس في صفة البراق: له خد كخد إنسان وعرف كعرف الفرس، وقوائم كالإبل، وأظلاف وذنب كالبقر، وكان صدره ياقوتة حمراء.
وفي رواية أبي سعد في "شرف المصطفى"، فكان الذي أمسك بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل.
وفي رواية معمر عن قتادة عن أنس: أن رسول الله ﷺ أتي بالبراق ليلة أسري به مسرجًا ملجمًا، فاستصعب عليه، فقال له جبريل: ما حملك على هذا، ما
الحواشي
(١) "وعند الثعلبي بسند ضعيف عن ابن عباس في صفة البراق له خد كخد إنسان، وعرف" "بضم المهملة وإسكان الراء وقد تضم وبالفاء" "كعرف الفرس"، وهو شعره النابت في محدب رقبته، "وقوائم كالإبل"، أي: كقوائمها، "وأظلاف": بمعجمة: جمع ظلف بالكسر، للبقرة والشاة بمنزلة القدم لنا، "وذنب كالبقر" عائد لهما، أي: لها أظلاف كالبقر وذنب كالبقر، "وكان صدره ياقوتة حمراء" تشبيه بليغ، أي: كياقوتة لا أن ذاته ياقوتة بالفعل، هذا إن قرئ كان بالفعل، فإن قرئ بالتشديد والهمز، فهو تشبيه حقيقي، لكن ظاهر السياق الأول.
"وفي رواية أبي سعد" هكذا في نسخة صحيحة بأداة الكنية وإسكان العين، واسمه عبد الرحمن بن الحسن الأصفهاني، النيسابوري، الحافظ المشهور، الثقة، المتوفى سنة سبع وثلاثمائة، وقد وصفه الذهي في تاريخه الحافظ، وأغفله من طبقات الحفاظ، والسهيلي يكنيه أبا سعيد بالياء، ورده مغلطاي بأنه إنما هو سعد بسكون العين، ويقع في نسخ ابن سعد، وهي خطأ لقوله: "في شرف المصطفى"، إذ هذا الكتاب إنما هو لأبي سعد عبد الرحمن، لا لابن سعد محمد، والذي في التفح وغيره أبي سعد، "فكان الذي أمسك بركابه جبريل، وبزمام": بكسر الزاي مقود "البراق ميكائيل"، ولا ينافي ذلك أن جبريل كان راكبًا معه كما يأتي؛ لأنه أمسك ركابه حتى ركب، فركب أمامه.
نعم يعارضه رواية: وجبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره، رواه سعيد بن منصور والطبراني وابن مردويه، فإنه ظاهر في عدم الركوب، إلا أن يكون ذلك إخبارًا عن مبدأ سيره، ثم ركب جبريل قدامه رفقًا به، والعلم لله.
"وفي رواية معمر عن قتادة، عن أنس: أن رسول الله ﷺ أتى بالبراق ليلة أسري به مسرجًا ملجمًا" حالان من البراق، "فاستصعب عليه"، أي: عسر وامتنع، "فقال له جبريل: ما حملك على هذا"؟، يعني أي: شيء أغراك بهذا، أي: ما منعك من الانقياد له، مع أنه أعظم من يستحق غاية التعيظم؛ لأنه "ما ركبك خلق"، أي: مخلوق، "أكرم على الله منه"، بل هوстр. 3701
ركبك خلق أكرم على الله منه، قال: فارفض عرقًا، أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب وصححه ابن حبان.
وذكر ابن إسحاق عن قتادة: أنه لما شمس وضع جبريل ﵇ يده على معرفته وقال: أما تستحيي وذكر نحوه، لكنه مرسل؛ لأنه لم يذكر أنسا.
وفي رواية وثيمة عند ابن إسحاق: "نعست حتى لصقت بالأرض فاستويت عليها".
في رواية للنسائي وابن مردويه من طريق يزيد بن أبي مالك عن أنس نحوه موصولًا، وزاد: وكانت تسخر للأنبياء قبله، ونحوه في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن إسحاق.
الحواشي
(١) أكرم من ركبك على مفاد النفي عرفًا، وإن صدق لغة بالمساواة، "قال: فارفض" سال وجرى، "عرقا" منصوب على التمييز من الفاعل، ولهذا ورد مخففًا، والمعنى خجل من الاستصعاب وعرق من خجل العتاب، قاله في الآيات الباهرة، "أخرجه الترمذي وقال: حسن غريب، وصححه ابن حبان" من حديث أنس، وأخرجه أبو داود، والطبراني والبيهقي، وصححه من حديث شداد بن أوس.
"وذكر ابن إسحاق" حيث قال: حدثت "عن قتادة؛ أنه لما شمس" بفتح المعجمة والميم فسين مهملة، أي: منع ظهره من ركوبه بامتناعه، "وضع جبريل ﵇ يده على معرفته": بفتح فسكون ففتح موضع نبات العرف، أي: الشعر النابت على عنقه، "وقوال: أما تستحيي" وذكره نحوه"، فقال: "أما تستحيي يا براق مما تصنع، فوالله ما ركبكك عبد لله قبل محمد أكرم عليه منه، فاستحيا حتى ارفض عرقًا، ثم قر حتى ركبته"، "لكنه مرسل؛ لأنه لم يذكر أنسا"، إنما قال قتادة: حدثت عن رسول الله ﷺ قال: لما دنوت منه لأركبه شمس فذكره.
"وفي رواية وثيمة" بمثلثة وتحتية وميم "عند ابن إسحاق: نعست" الدابة، كذا في النسخ، وهو تصحيف فالذي في الفتح وغيره، فارتعشت "حتى لصقت بالأرض، فاستويت عليها".
"وفي رواية للنسائي وابن مردويه" بفتح الميم ويكسر، كما مر "من طريق يزيد" بتحتية فزاي، "ابن أبي مالك" عبد الرحمن الهمداني بالسكون، الدمشقي، القاضي، صدوق ربما وهم، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، روى له أبو داود والنسائي وابن ماجه "عن أنس نحوه موصولًا، وزاد وكانت تسخر للأنبيء قبله ونحوه في حديث أبي سعيد الخدري عند ابن إسحاق"стр. 3702
وفيه دلالة على أن البراق كان معدًا لركوب الأنبياء، خلاف لمن نفى ذلك، كابن دحية، وأول قول جبريل: "فما ركبك أكرم على الله منه" أي: ما ركبك أحد قط، فكيف يركبك أكرم منه؟ فيكون مثل قول امرئ القيس:
على لاحب لا يهتدي لمناره
فيفهم أن له منارًا لا يهتدي له، وليس المراد: إلا أنه لا منار له البتة، فتأمله.
وقد جزم السهيلي بأن البراق إنما استصعب عليها لبعد عهد ركوب الأنبياء قبله.
قال النووي: قال صاحب مختصر العين، وتبعه صاحب التحرير: كان الأنبياء يركبون البراق، قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح، انتهى وقد تقدم النقل بذلك.
قال في الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء.
الحواشي
(١) محمد صاحب السيرة، "وفيه دلالة على أن البراق كان معدًا لركوب الأنبياء خلافًا لمن نفى ذلك كابن دحية، وأول قول جبريل: فما ركبك أكرم على الله منه، أي: ما ركبك أحد قط، فكيف يركبك أكرم منه"، فيكون من نفي الموصوف، فينتفي ذلك الوصف بانتفائه، وهي طريقة معلومة خرجوا عليها قوله تعالى: ﴿لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ [البقرة: ٢٧٣] ، أي: لا سؤال، فلا إلحاق، ولم يرد إثبات السؤال، ونفي الإلحاف بدليل يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف، إذ التعفف لا يجامع المسألة، وقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨] : لا شافع، فلا شفاعة بغير عمد ترونها، أي: لا عمدة، فلا رؤية، "فيكون مثل قول امرئ القيس على لاحب" بمهملة وموحدة، طريق واضح، "لا يهتدي لمناره"، أي: عمله، "فيفهم أن له منارًا لا يهتدي له، وليس المراد إلا أنه لا منار له البتة"، فالمراد نفي المنار من أصله لا إثبات منار انتفى عنه الاهتداء "فتأمله"؛ لأن شرط التخريج على هذا إذا وجد ما يدل عليه، وليس كذلك هنا، كيف "وقد جزم السهيلي؛ بأن البراق إنما استصعب عليه لبعد عهد ركوب الأنبياء قبله"، فصرح بأنه ليس خاصًا به، وهو من الحفاظ الكبار، وهو مثبت فيقدم على نفي تلميذه ابن دحية وإن وافقه ما "قال النووي: قال صاحب مختصر العين" الزبيدي، "وتبعه صاحب التحرير: كان الأنبياء يركبون البراق".
"قال" النووي متعقبًا لهما، "وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. انتهى. وتقدم النقل بذلك قريبًا".
"قال في الفتح: ويؤيده ظاهر قوله: فربطته"، أي: شددته "بالحلقة التي تربط" بكسرстр. 3703
انتهى، فليتأمل فإنه ليس فيه فربطته التي تربطه بها الأنبياء، وإنما قال: تربط بها الأنبياء وسكت عن ذكر المربوط ما هو؟ فيحتمل -كما قال ابن المنير- أن يكون غير البراق، ويحتمل أن يريد ارتباط الأنبياء أنفسهم بتلك الحلقة، أي تمسكهم بها، ويكون من جنس العروة الوثقى، انتهى.
ولكن وقع التصريح بذلك في حديث أبي سعيد عند البيهقي ولفظه: "فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه". وقد وقع عند ابن إسحاق من رواية وثيمة في ذكر الإسراء أيضًا: "فاستصعب البراق وكانت الأنبياء تركبها قبلي وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت في الفترة".
وفي مغازي ابن عائذ، من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب قال: البراق هي الدابة التي كان يزور إبرهيم عليها إسمعيل، وعلى ذلك فلا يكون ركوب
الحواشي
(١) الباء وضمها لغة "بها الأنبياء، انتهى، فليتأمل، فإنه ليس فيه، فربطته بالحلقة التي تربطه بها الأنبياء" بالضمير، "وإنما قال: تربط بها الأنبياء، وسكت عن ذكر المربوط ما هو، فيحتمل كما قال ابن المنير أن يكون غير البراق"، ويصير تقديره ترتبط بها الأنبياء دوابهم، وذلك لا يستلزم كون البراق مركوبًا لهم، وهذا لا يرد على الحافظ؛ لأنه لم يقل: يؤيده قوله، إنما قال: ظاهر قوله، ولا شك أن ظاهره ربط البراق؛ لأنه المحدث عنه، وأما هذا الاحتمال فبعيد وأبعد منه قوله.
"ويحتمل أن يريد ارتباط الأنبياء أنفسهم بتلك الحلقة، أي: تمسكهم بها، ويكون من جنس العروة الوثقى"، وهو متمسك المححق من النظر الصحيح؛ والرأي: القويم، كما في البيضاوي. "انتهى" كلام ابن المنير، ثم استدرك المصنف تعقبه على الحافظ؛ بأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، فتعين أن المراد تربط بها البراق لا الدواب ولا أنفسهم، قال: "لكن وقع التصريح بذلك في حديث أبي سعيد عند البيهقي، ولظفه: "فأوثقت"، أي: ربطت "دابتي بلحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه، وقد وقع عند ابن إسحاق" في المبتدأ "من رواية وثيمة في ذكر الإسراء أيضًا، فاستصعب البراق، وكانت الأنبياء تركبها قبلي، وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت في الفترة" التي بينه وبين عيسى، وهي ستمائة على الصحيح.
"وفي مغازي ابن عائذ من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب، قال البراق: هي الدابة التي كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل".
وفي أوائل الروض للسهيلي: أن إبراهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بهاстр. 3704
البراق من خصائصه ﷺ . نعم قيل: ركوبه مسرجًا ملجمًا لم يرو لغيره من الأنبياء ﵈.
فإن قلت: ما وجه استصعاب البراق عليه؟
أجيب: بأنه تنبيه على أنه لم يذلل قبل ذلك، إن قلنا: إنه لم يركبه أحد قبله، أو لبعد العهد إن قلنا: إنه ركب قبله.
ويحتمل أن يكون استصعابه تيها وزهوًا بركوبه ﷺ وأراد جبريل "أبمحمد تستعصب"؟ استنطاقه بلسان الحال أنه لم يقصد الصعوبة وإنما تاه زهوًا لمكان الرسول ﵇ منه، ولهذا قال: فارفض عرقًا، فكأنه أجاب بلسان الحال متبريًا
الحواشي
(١) وبولدها.
وفي كتاب مكة للفاكهي والأزرقي: أن إبراهيم كان يحج على البراق، فهذه آثار يشد بعضها بعضًا، وجاءت آثار أخرى تشهد لذلك لم أر الإطالة بإيرادها قاله الحافظ، "وعلى ذلك" كله، "فلا يكون ركوب البراق من خصائصه ﷺ ".
قال النعماني: ولعل النافي ركوب غيره لم يستحضر هذه الأحاديث والآثار؛ لأنه اقتصر على الحديثين، ولم أر نصًا ينفي ركوب غيره من الأنبياء عليه، ومعارضه النص بتأويل قول جبريل فيه نظر، بل ورد ما يدل على أن غير الأنبياء ركبه.
ففي أوائل روض السهيلي: أن إبراهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بها وبولدها، وفيه أيضًا عن الطبري أوحى إلى أرمياء أن اذهب إلى بختنصر، فأعلمه أني قد سلطته على العرب، فاحمل معدًا على البراق، كي لا تصيبه النقمة، فإني مستخرج من صلبه نبيًا كريمًا أختم به الرسل، فحمله معه على البراق إلى أرض الشام انتهى.
"نعم، قيل: ركوبه مسرجًا ملجما لم يروا لغيره من الأنبياء ﵉"، فيحمل القول بأن ركوبه من خصائصه على ركوبه مسرجًا ملجمًا لا مطلقًا، فلا ينافي أن غيره ركبه لا بهذه الصفة، "فإن قلت: ما وجه استصعاب البراق عليه، أجيب"، أي: أجاب ابن المنير، "بأنه"، أي: وجهه، "تنبيه": إعلام، "أنه لم يذلل قبل ذلك إن قلنا: إن لم يركبه أحد قبله، أو لبعد العهد به، إن قلنا: إنه ركب قبله"، وهم قولان، أرجحهما الثاني كما علم، "ويحتمل أن يكون استصعابه تيهًا" بكسر الفوقية، وسكون التحتية، تكبرًا "وزهوا" عطف تفسير.
ففي القاموس: الزهو: التيه والفخر "بركوبه ﷺ وأراد جبريل" بقوله: "أبمحمد تستصعب استنطاقة بلسان الحال، أنه لم يقصد الصعوبة، وإنما تاه زهوًا لمكان الرسول عليهстр. 3705
من الاستصعاب، وعرق من خجل العتاب، ومثل هذا رجفة الجبل به حتى قال: "أثبت أحد فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان"، فإنها هزة الطرب لا هزة الغضب.
وكذا البراق لما قال له جبريل: اسكن فما ركبك أحد أكرم على الله منه أقر فاستقر وخجل من ظاهر الاستصعاب، وتوجه الخطاب فعرق حتى غرق.
ووقع في حديث حذيفة عند الإمام أحمد قال: أتي رسول الله ﷺ بالبراق فلم يزل على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس، وهذا لم يسنده حذيفة عن النبي ﷺ ، فيحتمل أنه قاله عن اجتهاده، ويحتمل أن يكون قوله: "هو وجبريل" متعلقًا مرافقته في السير، لا في الركوب. وقال ابن دحية معناه: وجبريل قائد أو سائق بمرافقته في السير، لا في الركوب، وقال ابن دحية معناه: وجبريل قائد أو سائق أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك؛ لأن قصة المعراج كانت كرامة للنبي ﷺ فلا مدخل لغيره فيها.
الحواشي
(١) السلام منه"، أي: لوجوده عنده وإرادته ركوبه، "ولهذا قال: فارفض عرقًا، فكأنه أجاب بلسان الحال متبريًا من الاستصعاب، وعرق من خجل العتاب"، أي: عتاب جبريل له، "ومثل هذا رجقه الجبل" تحركه "به، حتى قال": كما في الصحيح عن أنس أن النبي ﷺ صعد أحدًا، وأبو بكر، وعمر وعثمان، فرجع بهم، فقال: "أثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق" أبو بكر، "وشهيدان" عمر وعثمان، "فإنهما هزة الطرب": الفرح، "لا هزة الغضب"، فلذا قر الجبل وسكن، "وكذا البراق لما قال له جبريل: أسكن فما ركبك أحد أكرم على الله منه أقر فاستقر": سكن "وخجل من ظاهر الاستصعاب، وتوجه الخطاب" إليه بالعتاب، "فعرق حتى غرق" أي: عمه العرق، فشبه عمومه له بالغرق في الماء.
"ووقع في حديث حذيفة" بن اليمان "عند الإمام أحمد، قال: أتى رسول الله ﷺ بالبراق، فلم يزل على ظهره هو وجبريل، حتى انتهيا إلى بيت المقدس، وهذا لم يسنده حذيفة عن النبي ﷺ فيحتمل أنه قاله عن اجتهاد"، ولم تبلغه الأحاديث التي فيها نزوله في أماكن قبل بيت المقدس.
"ويحتمل أن يكون قوله: "هو وجبريل" متعلقًا بمرافقته في السير، لا في الركوب" إلى بيت المقدس دون نزول قبله، فلا يخالفه أحاديث نزوله قبله في أماكن، "وقال ابن دحية معناه: وجبريل قائد أو سائق، أو دليل، قال: وإنما جزمنا بذلك؛ لأن قصة المعراج كانت كارمة للنبي ﷺ فلا مدخل لغيره فيها"، وتبعه ابن المنير وغيره، والتعليل لا ينهض، فإن من جملة كرامته إكرام صاحبه.стр. 3706
وقد تعقب الحافظ ابن حجر التأويل المذكور: بأن في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود: أن جبريل حمله على البراق رديفًا له، وفي رواية الحارث في مسنده: أتي بالبراق فركبه خلف جبريل فسار بهما، فهذا صريح في ركوبه معه، والله أعلم. انتهى.
وقد وقع غير هذه الرواية بيان ما رآه في ليلة الإسراء، فمن ذلك:
ما وقع في حديث شداد بن أوس -عند البزار والطبراني، وصححه البيهقي في الدلائل- أنه أول ما أسري به مر بأرض ذات نخل، فقال له جبريل: انزل
الحواشي
(١) "وقد تعقب الحافظ ابن حجر"، فقال: يرد "التأويل المذكور؛ بأن في صحيح ابن حبان من حديث ابن مسعود، أن جبريل حمله على البراق رديفًا له"، أي: جاعلًا له خلفه.
"وفي رواية الحارث" بن أبي أسامة "في مسنده" عن ابن مسعود: "أتي بالبراق فركبه خلف جبريل"، وكأنه لسرعة السير، وكونه ليلًا، وكونها دابة غير مألوفة، فخفف عليه لئلا ينزعج، فلم يجعله أمامه، "فسار بهما، فهذا صريح في ركوبه معه، والله أعلم انتهى".
ومعلوم تقديم صريح المنقول على مقتضى العقول، "وقد وقع في غير هذه الرواية بيان ما رآه ليلة الإسراء"، قبل إتيانه بيبت المقدس، فلا يحسن إبقاء قول حذيفة استمرا على ظهر البراق حتى انتهيا إلى بيت المقدس على ظاهره، وكذا قوله في حديث مالك بن صعصعة: "ثم أتيت بدابة، فحملت عليها، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا"، لا يليق بقاؤه على ظاهره؛ لأنه مجمل، فيقضي عليه المفصل الأحاديث المذكور فيها ما رآه في ذهابه وإيابه وفي السماوات، ولما كانت ما صيغة عموم تغيد استيعاب جميع ما رآه، أتى بقوله: "فمن ذلك" لإفادة أنه لم يستوعب ذلك.
"ما وقع في حديث شداد بن أوس عند البزار والطبراني، وصححه البيهقي في الدلائل؛ أنه أول ما"، أي: شيء رآه ليلة "أسري به، مر بأرض ذات نخل"، فهو أول المرئيات، أو سماه أول باعتبار قطع المسافة سريعًا، فلا يقال: بين مكة ويثرب مسافة طويلة، فلا يصدق الخبر على المبتدأ، وهو أول فعلى هذا فالخبر جملة قوله مر.. إلخ، بتقدير أنه واسمها ضمير الشأن، أو يجوز نصب أول على أنه ظرف متعلق بمر، فما مصدرية، واسم إن ضمير للنبي ﷺ أي: أنه مر أول إسرائه بأرض، والأولية نسبية أي: إنه عد المرور أول إسرائه مع تأخره لقصر سيره فيه، وقرر شيخنا أن هذا أحسن.
"فقال له جبريل": أنزل فصل"، فنزل، "فصلى"، ثم ركب "فقال له: أتدري أينстр. 3707
فصل، فصلى، فقال له: أتدري أين صليت؟ صليت بيثرب، ثم مر بأرض بيضاء فقال: انزل فصل، فصلى، فقال له جبريل: صليت بمدين، ثم مر ببيت لحم فقال له جبريل: انزل فصل، فصلى، فقال صليت حيث ولد عيسى.
الحواشي
(١) صليت"؟، فقلت: الله أعلم، هكذا في حديث شداد نفسه قبل قوله: "صليت بيثرب"، صليت بطيبة، هكذا جمع بينهما في حديث شداد، فيثرب؛ لأنها إنما كانت مشهورة بهذا الاسم، فقصد إخباره بالمحل وطيبة، للإشارة إلى أنها تسمى به بعد حلوله فيها.
وفي حديث أنس عند النسائي: أتدري أين صليت؟، صليت بطيبة وإليها المهاجر "بفتح الجيم"، فجبريل تبرع بإخباره بذلك بعد سؤاله، هل يدري المحل صلى فيه أولًا قاصدًا إدخال السرور عليه، ولم يسأله النبي ﷺ عنه على الظاهر المتبادر.
"ثم مر بأرض بيضاء، فقال: انزل فصل، فصلى"، ثم ركب، "فقال له جبريل": أتدري أين صليت؟، قال: "لا"، قال: "صليت بمدين" عند شجرة موسى، كما في خبر شداد، ومدين: "بفتح الميم، والتحتية، وإسكان المهملة بينهما" بلد ابالشام، تلقاء غزة، سميت باسم بانيها مدين بن إبراهيم ويحتمل أن المراد بشجرة موسى الشجرة التي كلمه الله عندها لما خرج من عند شعيب، بعد انقضاء الأجل، قاصدًا مصر، فنودي منها: ﴿أَنْ يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [القص: ٣٠] ، أو المراد الشجرة التي أوى بعد سقي الغنم للمرآتين المذكورة في قوله: ﴿فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ﴾ [القصص: ٢٤] ، فإنه كان ظل سمرة، قاله ابن عطية عن ابن عباس، وعلى هذا، ففي إطلاق مدين على بقعتها تجوز؛ لأنها بالطور، وليس هو مدين، لكنه لقربه منه سماه بذلك.
وفي حديث شداد تلو قوله: عند شجرة موسى، ثم ركب فانطلق البراق يهوي به، ثم قال له: انزل فصل، ففعل، ثم ركب، فقال: أتدري أين صليت؟، قال: "لا"، قال: صليت بطور سيناء، حيث كلم الله موسى، فصرح بأنه صلى في الموضعين عند الشجرة وعند الجبل، وكلمه الله عندهما معًا، لكن بين التكليمين لموسى مدة طويلة، فالتكليم الأول الذي نبئ فيه كان عمره أربعين سنة، كما في ابن عطية، والثاني كان بعد غرق فرعون واستقرار الأمر لموسى بعد الأمر بالصوم وانقضاء مدة الوعد المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ [الأعراف: ١٤٢] ، "ثم مر ببيت لحم: بلام مفتوحة، فمهملة ساكنة، قرية من الشام، بلقاء بيت المقدس، والمصنف اختصر الحديث، وإلا فلفظ حديث شداد عند من عزاه لهم عقب قوله: "حيث كلم الله موسى" الآية، ثم بلغ أرضًا بدت له قصور، "فقال له جبريل: انزل فصل، فصلى"، ثم ركب، وانطلق البراق يهوي به، "فقال" له جبريل: أتدري أين صليت؟،стр. 3708
وفي حديث أنس عند البيهقي في الدلائل: لما جاء جبريل بالبراق إليه ﷺ فكأنها أصرت أذنيها، فقال لها جبريل: مه يا براق، فوالله ما ركبك مثله، فسار رسول الله ﷺ فإذا هو بعجوز على جنب الطريق، فقال: "ما هذه يا جبريل"؟ قال: سر يا محمد، فسار ما شار الله أن يسير، فإذا هو بشيخ يدعوه منحنيًا متنحيا عن الطريق يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر، وأنه مر بجماعة فسلموا عليه فقالوا: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا حاشر، فقال له جبريل: أردد ﵈، فرد، الحديث، وفي آخره فقال له جبريل: أما العجوز التي رأيت جانب الطريق، فلم يبق من الدنيا إلا ما بقي من عمر تلك العجوز،
الحواشي
(١) قال: "لا"، قال: "صليت" ببيت لحم، "حيث ولد عيسى" بن مريم.
"وفي حديث أنس عند البيهقي في الدلائل: لما جاء جبريل بالبراق إليه ﷺ استصعب عليه، "فكأنها" بسبب ذلك "أطرت أذنيها"، أي: جمعت بينهما، فهو مفرع على محذوف، وأصل الصر الجمع والشد، كما في النهاية، "فقال لها جبريل: معه"، أي: انكفي عن هذا واتركيه وانقادي له، "يا براق، فوالله ما ركبك مثله" "بكسر الكاف" ليناسب أصرت، وإن جاز فتحها، "فسار رسول الله ﷺ فإذا هو بعجوز على جنب الطريق": ناحيتها، سقط من البيهقي عن أنس، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك، فلم يلتفت إليها، "فقال: "ما هذه يا جبريل:، قال: سر يا محمد"، أمره بالسير خشية أن يسمع سؤالها رقة عليها لسنها، لما جعل الله في قلبه من الرأفة والرحمة، "فسار ما شاء الله أن يسير، فإذا هو بشيخ يدعوه منحنيًا" من شدة الكبر "متنحيا"، مصروفًا، مباعدًا "عن الطريق، يقول: هلم يا محمد، فقال له جبريل: سر" يا محمد، لئلا يرق له لسنه، فيقبل عليه.
"و" في حديث أنس المذكور: "أنه بجماعة" في مسيره ذلك. ولفظه: وبينما هو يسير، إذ لقيه خلق من خلق الله تعالى، "فسلموا عليه، فقالوا: السلام عليك يا أول" من أسمائه ﷺ ؛ لأنه أول الأنبياء خلقًا، وأول من قال: بلى يوم ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُم﴾ ، والأول عودًا، فهو أول من تنشق عنه الأرض، وأول من يدخل الجنة، وأول شافع، وأول مشفع، "السلام عليك يا آخر"؛ لأنه آخر الأنبياء بعثًا، "السلام عليك يا حاشر"؛ لأنه يحشر الناس على قدميه، أي: يقدمهم وهم خلفه، أو يسبقهم، فيحشر قبلهم، والثلاثة من أسمائه، كما مر في مقصدها، "فقال: له جبريل: أردد ﵈، فرد ... الحديث""، أسقط منه، ثم لقيه الثانية، فقال له مثل ذلك، ولقيه الثالثة، فقال له مثل ذلك.
"وفي آخره، فقال له جبريل: أما العجوز التي رأيت جانب الطريق، فلم يبق من الدنياстр. 3709
والذي دعاك إبليس، والعجوز الدنيا، أما لو أجبتها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة، وأما الذين سلموا عليك فإبراهيم وموسى وعيسى ﵈، قال الحافظ عماد الدين بن كثير: في ألفاظه نكارة وغرابة.
وفي رواية: أنه ﷺ مر بموسى ﵇، وهو يصلي في قبره، قال أنس: ذكر كلمة فقال: أشهد أنك رسول الله، ولا مانع أن الأنبياء ﵈ يصلون في
الحواشي
(١) إلا ما بقي من عمر تلك العجوز، والذي دعاك إبليس"، أراد أن تميل إليه، كما في نفس الحديث، "والعجوزالدنيا"، أي: أنها صورت لها بصورة عجوز إشارة إلى قرب انقضائها، وإلا فهي نقيض الآخر، لا صورة لها يرى فيها.
"أما" "بالتخفيف" "لو أجبتها، لاختارت أمتك الدنيا على الآخرة"، تجعلها نصب أعينهم، وعبادتهم دون الله، فلا يرد الله، فلا يرد أن كثيرًا من أمته، بل أكثرهم يبتغون الدنيا، ويتهالكون عليها؛ لأنهم وإن فعلوا ذلك، لكن لأغراض قامت عندهم مع اعتقاد كمال قدرة الله ووحدانيته، فلا يصدق عليهم اتباعهم للدنيا، "وأما الذين سلموا عليك، فإبراهيم وموسى وعيسى ﵈"، سلموا عليه ثلاثًا، زيادة في المحبة.
"قال الحافظ عماد الدين بن كثير في ألفاظه"، أي: هذا الحديث: "نكارة وغرابة"، لمخالفته لما في حديث أبي سعيد: أن جبريل أجابه بقوله: لو أجبتها ... إلخ، لما تمثلت بامرأة حاسرة عن ذراعيها، عليها من كل زينة، خلقها الله، وأما حين تمثلها بعجوز -فأجابه بأنه لم يبق من الدنيا ... إلخ، ومن جهة تفرده بذكر لقائه لهؤلاء الثلاثة في ذهابه إلى بيت المقدس قبل دخوله.
"وفي رواية" عند أبي يعلى الموصلى عن أنس، بلفظ: "أنه ﷺ مر بموسى ﵇، وهو يصلي في قبره".
"قال أنس" روايه، "ذكر كلمة، فقال: أشهد أنك رسول الله"، بيان لكملة، ويحتمل أن الجملة غيرها، وقوله: أشهد ... إلخ، ناشئ عنها، والحديث في مسلم والنسائي وغيرهما عن أنس؛ أن النبي ﷺ قال: "مررت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلي في قبره".
وفي حديث ابن مسعود عند الحسن بن عرفة، والطبراني وأبي نعيم وغيرهم، رجل طوال سبط آدم، كأنه من رجال شنوأة، وهو يقول برفع صوته: أكرمته وفضلته، فدفعنا إليه، فسلمنا عليه، فرد السلام، وقال: من هذا معك يا جبريل؟، قال: هذا أحمد، قال: مرحبًا بالنبي الأمي العربي، الذي بلغ رسالة ربه، ونصح لأمته، ودعا له بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر، ثم أبعدстр. 3710
قبورهم؛ لأنهم: ﴿أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [ألاعراف: ١٦٩] ، فهم يتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم، لا بما يلزمون به، كما يلهم أهل الجنة الذكر، وسيأتي الإشارة إلى ذلك في حجة الوداع إن شاء الله تعالى.
وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني والبزار: أنه ﵊ مر علي قوم يزرعون ويحصدون في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال لجبريل: ما هذا؟ قال: هؤلاء المجاهدون، في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه، وهو خير الرازقين، ثم أتى على قوم ترضخ
الحواشي
(١) عنا، فقلت: "ما هذا يا جبريل": قال: هذا موسى بن عمران، قلت: "ومن يعاتب"؟ قال: يعاتب ربه، قلت: "أيرفع صوته على ربه"؟، قال: إن الله قد عرف له حدته، فذكر الحديث، وفيه: أنه لقي إبراهيم في طريقه، ثم دخل الأقصى، وصلى بالأنبياء.
قال النعماني: وفيه غرابة، "وبلا مانع أن الأنبياء ﵈ يصلون في قبورهم" الصلاة الشرعية، التي كانوا يصلونها في الحياة الدنيا؛ لأنهم إلى الآن في الدنيا؛ لأنهم إلى الآن في الدنيا، وهي دار تعبد، وقيل: المراد الصلاة اللغوية، أي: يدعون الله ويذكورنه ويثنون عليه، وجزم القرطبي الأول؛ لأنه ظاهر الحديث.
"لأنهم ﴿أَْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُون﴾ [الأعراف: ١٦٩] حياة حقيقة، والصلاة تستدعي جسدًا حيًا، سواء قلنا: إنها الشرعية، أو اللغوية، ولا يلزم من كونها حقيقة أن تكون الأبدان معها، كما كانت في الدنيا من الاحتياج إلى الطعام والشراب ونحوهما من صفات الأجسام التي نشاهدها؛ لأن ذلك عادي لا عقلي، وهذه الملائكة أحياء ولا يحتاجون إلى ذلك.
"فهم يتعبدون بما يجدون من دواعي أنفسهم"، فتعبدهم بذلك لذة، أي: لذة، "لا بما"، أي: شيء، "يلزمون به"؛ لأنه لا تكليف بعد الموت، "كما يلهم أهل الجنة الذكر"، ويجدون اللذة القوية، ولا تكليف في الجنة، "وسيأتي الإشارة" القليلة "إلى ذلك في حجة الوداع إن شاء الله تعالى"، وسبق في الخصائص بأبسط مما في الموضعين.
"وفي حديث أبي هريرة عند الطبراني، والبزار"، والبيهقي، وابن جرير، وأبي يعلى؛ "أنه ﵊ مر على قوم يزرعون ويحصدون" بكسر الصاد وضمها "في يوم، كلما حصدوا عاد كما كان، فقال لجبريل: "ما هذا"؟، قال: هؤلاء المجاهدون، في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة إلى سبعمائة ضعف، وما أنفقوا من شيء، فهو يخلفه"، إخبار عن حالهم، ولم يقصد القرآن، فلا بد أن التلاوة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ"، وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] "، والمراد أن ما يتنعمون به من فواقكه وغيرها، إذا نفذ في ذلك الوقت،стр. 3711
رؤسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤسهم عن الصلاة المكتوبة، ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام، يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم، قال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيئ في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من
الحواشي
(١) جيء لهم بغيره على التوالي، وبذلك يتميزون عن غيرهم من أهل الجنة، أو أنه إخبار بأنه ما أنفقه المجاهدون يعوضون به في الدنيا سريعًا، ولا يؤخر ثوابهم للآخرة.
"ثم أتى على قوم ترضخ"، أي تشدخ، كما في التقريب، وفي المصباح: تكسر "رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم" بضم أوله وفتح الفاء وشد الفوقية، أي: لا يخفف عنهم "من ذلك" الرضخ "شيء"، أو هو بفتح الياء وضم الفوقية مخففًا، أي: لا يرتفع عنهم ذلك، ولا يسهل، "فقال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة"، بالتساهل فيها، إما بتركها أصلًا، أو بإخراجها عن وقتها، كلا أو بعضها، "ثم أتى على قوم أقبالهم رقاع": جمع قبل، كأعناق وعنق، وهو من كل شيء خلاف دبره، قيل: سمي قبلًا؛ لأن صاحبه يقابل به غيره، "وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام" الذي في رواية البزار، والبيهقي وغيرهما، كما تسرح الإبل والغنم، "يأكلون الضريع": الشوك اليابس، أو نبات أحمر، منتن الريح، يرمي به البحر، "والزقوم": ثمر، شجر كريه الطعم، قيل: لا يعرف في شجر الدنيا، وإنما هي في النار، يكره أهل النار على أكلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤] ، وفي القاموس: الزقوم كتنور الزبد بالتمر، وشجرة بجنهم، ونبات بالبادية، له زهر ياسميني الشكل، وطعام أهل النار.
وأخرج ابن جرير عن قتادة، قال: قال أبو جهل: زعم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، وإنا والله ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد، فأنزل الله: حين عجبوا أن يكون في النار شجرة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ . "ورضف جهنم": بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء الحجارة المحماة، واحدها رضفة بسكون الضاد وتفتح: "قال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟، قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم الله" شيئًا، "وما الله بظلام"، أي: بذي ظلم "للعبيد"، فيعذبهم بلا ذنب.
"ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج": مستو "في قدر، ولحم نيئ"، بالهمز،стр. 3712
النيئ الخبيث، ويدعون النضيج، فقال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟ قال جبريل: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبا، فتأتي رجلًا خبيثًا فتبيت عنده حتى تصبح، ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها، قال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، قال: ثم أتى على
الحواشي
(١) وزان حمل كل شيء شأنه أن يعالج بطبخ، أو شيء لم يطبخ، فيقال: لحم نيئ والإبدال والإدغام عامي "في قدر خبيث" بالرفع نعت لحم، "فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث، ويدعون النضيج، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟، قال جبريل: هذا الرجل من أمتك، تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح"، ولعله قيد بأمته؛ لأن لغيرهم عذابًا أعظم من هذا، أو؛ لأن الغرض إعلامه بما أعد لمرتكبي ذلك لينكفوا عنه، "والمرأة تقم من عند زوجها حلالًا طيبًا، فتأتي رجلًا خبيثًا عنده، حتى تصبح"، ولعل التقييد بذلك؛ لأنه الأغلب، والمراد الزنا، وإن لم يكن بيات حتى الصباح، ويؤيده أن الحافظ اختصر الحديث بقوله: قال: هؤلاء الزناة.
"ثم أتى على رجل قد جمع حزمة": بضم فسكون ما حزم من أي شيء، وفي فتح الباري: حزمة حطب، "عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها" أي: بضم إليها غيرها، "قال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده"، أي: في جهته، "أمانات الناس، لا يقدر على أدئها"، أي: الخروج من عهدتها، فدخل فيها ما تحت يده كوديعة، وما وكل على بيعه، وما تحت يده من مال يتيم ونحوه، وما فوض إليها كإمامة، وخطابة وغيرهما من المناصب الشرعية، مما لا يوصف بكونه تحت يده حسا، "وهو يريد أن يحمل"، أي: يزيد "عليها" ما يحتاج إلى حمله معها، مع عدم قدرته على حمل الأولى.
"ثم أتى على قوم تقرض": تقطع "ألسنتهم وشفاههم": جمع شفة مخففة "بمقاريض": حمع مقراض بكسر الميم، "من حديد، كلمات قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: "ما هذا يا جبريل"؟:، قال: هؤلاء خطباء الفتنة"، أي: الذين يقولون ما لا يفعلون، فيفتنون الناس بذلك لعدم مطابقة قولهم لفعلهم، وأسقط من الرواية خطباء أمتك، يقولون ما لا يفعلون، والمراد بالخطباء كل من تصدى لتعليم العامة ما طلب منهم، ونهيهم عما نهوا،стр. 3713
جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد فيه ريحًا طيبة باردة، كريح المسك، وسمع صوتًا، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول: رب آتني بما وعدتني، فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي، ومرجاني وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي، ومراكبي، وعسلي
الحواشي
(١) فدخل العالم الواعظ وغيرهما.
"قال: ثم أتى على جحر": بضم الجيم وسكون المهملة، ثقب مستدير، "صغير يخرج منه ثور عظيم": بمثلثة، ذكر البقر، "فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج، لا يستطيع، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة"، من سخط الله، "ثم يندم عليها، فلا يستطيع أن يردها" لعدم إمكانه.
"ثم أتى على واد، فودد فيه ريحًا طيبة باردة، كريح المسك، وسمع صوتًا، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول" بلاسان القال على الظاهر المتبادر، فلا مانع من أن يخلق لها إدراك ونطق، "رب آتني" بالمد، "بما وعدتني"، بزيادة الباء في المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] ؛ لأن آتى يتعدى بنفسه، كقوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك﴾ [البقرة: ٢٥١] ، "فقد كثرت غرفي": بالضم، جمع غرفة، وهي العلية، "واستبرقي" ثخين الديباج، وفي البيضاوي: ثخين الحرير، "وحريري" عطف عام على خاص، "وسندسي" رقيق الديباج، "وعبقري"، قيل: هو الديباج، أو البسط الموشية، أو الطنافس الثخان، وأصله فيما قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجن، فيما يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا، مما يصعب علمه ويدق، أو شيئًا عظيما في نفسه، نسبوه إليها، فقالوا: عبقري.
وفي القاموس: العبقري الكامل في كل شيء، والسيد الذي ليس فقوه شيء، وعليه فالمراد هنا، وكثرت نفائسي الكاملة من ثياب وغيرها، ويكون من ذكر العام بعد الخاص، "ولؤلؤي" بهمزتين، وبحذفهما، وبإثبات الأولى دون الثانية، "ومرجاني"، قال الأزهري وغيره: هو صغار اللؤلؤ.
قوال الطرسوسي: هو عروق حمر، تطلع من البحر كأصابع الكف، قال: وهكذا شاهدناه بمغارب الأرض، "وفضتي، وذهبي وأكوابي": جمع كوب إناء لا عروة له ولا خرطوم، "وصحافي": جمع صحفة إناء كالقصعة، "وأباريقي" جمع أبريق إناء له عروة وخرطوم،стр. 3714
ومائي ولبني وخمري، فائتني بما وعدتني، قال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا، ولم يشرك بي شيئًا، ولم يتخذ من دوني أنددًا، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جازيته، ومن توكل علي كفيته، إنني أنا الله، لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت، ثم أتى على واد فسمع صوتًا منكرًا، ووجد ريحا منتنة فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت جهنم، تقول: رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري، فآتني بما وعدتني، قال: لك كل
الحواشي
(١) "ومراكبي": ما يركب، "وعسلي، ومائي، ولبني وخمري" بالأنهار الأربعة، "فأتني بما وعدتني".
"قال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي، وبرسلي، وعمل صالحًا" الطاعات، "ولم يشرك بي شيئًا"، بل لا يرائي أحدًا بعبادته لي، وحلمناه على هذا ليغاير قوله: "ولم يتخذ من دوني اندادًا" شركاء يخصهم بالعبادة، "ومن خشيني"، خافني مع الإجلال، "فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني" بإنفاقه في سبيلي لأجلي، "جازيته" جزاء مضاعفًا، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] ، "ومن توكل علي كفيته، إنني أنا الله لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد"، الوعد بالبعث والجزاء، "وقد" للتحقيق "أفلح" فاز "المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين"، أي: المقدرين، بزنهة اسم الفاعل، ومميز أحسن محذوف للعلم به، أي: خلقًا "قلت" الجنة: "قد رضيت ثم أتى على واد، فسمع صوتًا منكرًا" ينكره سامعه لعدم سماع نظيره في الأصوات المعتادة لشناعته وقبحه، "ووجد ريحًا منتنة": بضم الميم وكسر التاء اسم فاعل من أنتن كذا، ويجوز كسر الميم للاتباع، وضم التاء اتباعًا للميم، قليل كما في المصباح، "فقال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هذا صوت جهنم تقول" بلسان القال: "رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي": جمع سلسلة، "وأغلالي": قيودي، "وسعيري": ناري، وسعرتها وأسعرتها: أوقدتها، وحميمي": مائي الحار غاية الحرارة، "وغساقي": بخفة السين وتثقيلها، أي: ما يسيل: ويخرج مني، لشدة حرارتي.
وفي البيضاوي وغيره: الغساق أن يسيل من صديد أهل النار، فإنهم يذوقونه، "وعذابي وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة"، عطف عام على خاص؛ لأن المشرك إذا جمع مع الكافر أريد به من جعل للهстр. 3715
مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل جبار عنيد لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت، قال: فسار حتى أتى بيت المقدس.
وفي رواية أبي سعيد عند البيهقي: "دعاني داع عن يميني: انظرني أسألك، فلم أجبه، ثم دعاني آخر عن يساري كذلك فلم أجبه، وفيه: إذا امرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى فقالت: يا محمد انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، وفيه أن جبريل قال له: أما الداعي الاول فهو داعي اليهود، ولو أجبته لتهودت أمتك، وأما الثاني فداعي النصارى ولو أجبته لتنصرت أمتك، وأما المرأة فالدنيا، وفيه: أنه صعد إلى السماء الدنيا ورأى فيها آدم، وأنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد، وأخرى عليها لحم نتن عليها ناس يأكلون، قال
الحواشي
(١) شريكًا كعباد الأوثان، والكافر يشمل ذلك وغيره، "وكل جبار" كافر "لا يؤمن بيوم الحساب" يوم القيامة"، "قالت: قد رضيت، قال: فسار حتى أتى بيت المقدس"، وفي نسخة: أتيت، أي: فسار بي حتى أتيت.
"وفي رواية أبي سعيد" الخدري سعد بن مالك بن سنان، "عند البيهقي"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، مردويه: "دعاني آخر عن يساري": يا محمد، انظر لي أسألك، كما في الرواية، واختصرها بقوله: "كذلك، فلم أجبه، وفيه"،أي: حديث أبي سعيد المذكور، وبينما هو يسير "إذا امرأة حاسرة": كاشفة "عن ذراعيها" اسم فاعل من حسر، إذا كشف، "وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، وفيه"، أي: الحديث المذكور، "أن جبريل قال له: أما الداعي الأول" الذي هو عن يمينه، "فهو داعي اليهود، ولو أجبته لتهودت أمتك"، لعل حكمة ذلك لو وقع أن الله جعل إجابته سببًا لذلك في سابق علمه، وكذا يقال في قوله.
"وأما الثاني فداعي النصارى، ولو أجبته لتنصرت أمتك، وأما المرأة فالدنيا"، أما أنك لو أجبتها، اختارت أمتك الدنيا على الآخرة، هكذا في حديث أبي سعيد، المذكور وتصورت له أيضًا بصورة عجوز، إشارة إلى قلة ما بقي منها كما مر.
"وفيه": أي: الحديث المذكور، "أنه صعد إلى السماء الدنيا، ورأى فيها آدم، وأنه" بعد اجتماعه، بآدم، مضى هنيهة، و"رأى أخونة": جمع خوان بكسر المعجمة وضمها، الذي يؤكل عليه، وقال الخليل: هو المائدة "عليها لحم طيب، ليس عليها أحد" يأكل منها،следующие страницы →