Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
رؤسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم من ذلك شيء، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤسهم عن الصلاة المكتوبة، ثم أتى على قوم على أقبالهم رقاع، وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام، يأكلون الضريع والزقوم ورضف جهنم، قال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟ قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد، ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج في قدر، ولحم نيئ في قدر خبيث، فجعلوا يأكلون من
الحواشي
(١) جيء لهم بغيره على التوالي، وبذلك يتميزون عن غيرهم من أهل الجنة، أو أنه إخبار بأنه ما أنفقه المجاهدون يعوضون به في الدنيا سريعًا، ولا يؤخر ثوابهم للآخرة.
"ثم أتى على قوم ترضخ"، أي تشدخ، كما في التقريب، وفي المصباح: تكسر "رؤوسهم بالصخر، كلما رضخت عادت كما كانت، ولا يفتر عنهم" بضم أوله وفتح الفاء وشد الفوقية، أي: لا يخفف عنهم "من ذلك" الرضخ "شيء"، أو هو بفتح الياء وضم الفوقية مخففًا، أي: لا يرتفع عنهم ذلك، ولا يسهل، "فقال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصلاة المكتوبة"، بالتساهل فيها، إما بتركها أصلًا، أو بإخراجها عن وقتها، كلا أو بعضها، "ثم أتى على قوم أقبالهم رقاع": جمع قبل، كأعناق وعنق، وهو من كل شيء خلاف دبره، قيل: سمي قبلًا؛ لأن صاحبه يقابل به غيره، "وعلى أدبارهم رقاع، يسرحون كما تسرح الأنعام" الذي في رواية البزار، والبيهقي وغيرهما، كما تسرح الإبل والغنم، "يأكلون الضريع": الشوك اليابس، أو نبات أحمر، منتن الريح، يرمي به البحر، "والزقوم": ثمر، شجر كريه الطعم، قيل: لا يعرف في شجر الدنيا، وإنما هي في النار، يكره أهل النار على أكلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ، طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٤] ، وفي القاموس: الزقوم كتنور الزبد بالتمر، وشجرة بجنهم، ونبات بالبادية، له زهر ياسميني الشكل، وطعام أهل النار.
وأخرج ابن جرير عن قتادة، قال: قال أبو جهل: زعم صاحبكم هذا أن في النار شجرة، والنار تأكل الشجر، وإنا والله ما نعلم الزقوم إلا التمر والزبد، فأنزل الله: حين عجبوا أن يكون في النار شجرة: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ﴾ . "ورضف جهنم": بفتح الراء وسكون الضاد المعجمة بعدها فاء الحجارة المحماة، واحدها رضفة بسكون الضاد وتفتح: "قال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟، قال: هؤلاء الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وما ظلمهم الله" شيئًا، "وما الله بظلام"، أي: بذي ظلم "للعبيد"، فيعذبهم بلا ذنب.
"ثم أتى على قوم بين أيديهم لحم نضيج": مستو "في قدر، ولحم نيئ"، بالهمز،стр. 3712
النيئ الخبيث، ويدعون النضيج، فقال: "ما هؤلاء يا جبريل"؟ قال جبريل: هذا الرجل من أمتك تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة فيبيت عندها حتى يصبح، والمرأة تقوم من عند زوجها حلالًا طيبا، فتأتي رجلًا خبيثًا فتبيت عنده حتى تصبح، ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها، قال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده أمانات الناس لا يقدر على أدائها، وهو يريد أن يحمل عليها، ثم أتى على قوم تقرض ألسنتهم وشفاههم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة، قال: ثم أتى على
الحواشي
(١) وزان حمل كل شيء شأنه أن يعالج بطبخ، أو شيء لم يطبخ، فيقال: لحم نيئ والإبدال والإدغام عامي "في قدر خبيث" بالرفع نعت لحم، "فجعلوا يأكلون من النيئ الخبيث، ويدعون النضيج، فقال: ما هؤلاء يا جبريل؟، قال جبريل: هذا الرجل من أمتك، تكون عنده المرأة الحلال الطيب، فيأتي امرأة خبيثة، فيبيت عندها حتى يصبح"، ولعله قيد بأمته؛ لأن لغيرهم عذابًا أعظم من هذا، أو؛ لأن الغرض إعلامه بما أعد لمرتكبي ذلك لينكفوا عنه، "والمرأة تقم من عند زوجها حلالًا طيبًا، فتأتي رجلًا خبيثًا عنده، حتى تصبح"، ولعل التقييد بذلك؛ لأنه الأغلب، والمراد الزنا، وإن لم يكن بيات حتى الصباح، ويؤيده أن الحافظ اختصر الحديث بقوله: قال: هؤلاء الزناة.
"ثم أتى على رجل قد جمع حزمة": بضم فسكون ما حزم من أي شيء، وفي فتح الباري: حزمة حطب، "عظيمة لا يستطيع حملها، وهو يزيد عليها" أي: بضم إليها غيرها، "قال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هذا الرجل من أمتك تكون عنده"، أي: في جهته، "أمانات الناس، لا يقدر على أدئها"، أي: الخروج من عهدتها، فدخل فيها ما تحت يده كوديعة، وما وكل على بيعه، وما تحت يده من مال يتيم ونحوه، وما فوض إليها كإمامة، وخطابة وغيرهما من المناصب الشرعية، مما لا يوصف بكونه تحت يده حسا، "وهو يريد أن يحمل"، أي: يزيد "عليها" ما يحتاج إلى حمله معها، مع عدم قدرته على حمل الأولى.
"ثم أتى على قوم تقرض": تقطع "ألسنتهم وشفاههم": جمع شفة مخففة "بمقاريض": حمع مقراض بكسر الميم، "من حديد، كلمات قرضت عادت كما كانت، لا يفتر عنهم من ذلك شيء، قال: "ما هذا يا جبريل"؟:، قال: هؤلاء خطباء الفتنة"، أي: الذين يقولون ما لا يفعلون، فيفتنون الناس بذلك لعدم مطابقة قولهم لفعلهم، وأسقط من الرواية خطباء أمتك، يقولون ما لا يفعلون، والمراد بالخطباء كل من تصدى لتعليم العامة ما طلب منهم، ونهيهم عما نهوا،стр. 3713
جحر صغير يخرج منه ثور عظيم، فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج فلا يستطيع، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة ثم يندم عليها فلا يستطيع أن يردها. ثم أتى على واد فوجد فيه ريحًا طيبة باردة، كريح المسك، وسمع صوتًا، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول: رب آتني بما وعدتني، فقد كثرت غرفي واستبرقي وحريري وسندسي وعبقري ولؤلؤي، ومرجاني وفضتي وذهبي، وأكوابي وصحافي وأباريقي، ومراكبي، وعسلي
الحواشي
(١) فدخل العالم الواعظ وغيرهما.
"قال: ثم أتى على جحر": بضم الجيم وسكون المهملة، ثقب مستدير، "صغير يخرج منه ثور عظيم": بمثلثة، ذكر البقر، "فجعل الثور يريد أن يرجع من حيث خرج، لا يستطيع، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة"، من سخط الله، "ثم يندم عليها، فلا يستطيع أن يردها" لعدم إمكانه.
"ثم أتى على واد، فودد فيه ريحًا طيبة باردة، كريح المسك، وسمع صوتًا، فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت الجنة، تقول" بلاسان القال على الظاهر المتبادر، فلا مانع من أن يخلق لها إدراك ونطق، "رب آتني" بالمد، "بما وعدتني"، بزيادة الباء في المفعول، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٥] ؛ لأن آتى يتعدى بنفسه، كقوله: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْك﴾ [البقرة: ٢٥١] ، "فقد كثرت غرفي": بالضم، جمع غرفة، وهي العلية، "واستبرقي" ثخين الديباج، وفي البيضاوي: ثخين الحرير، "وحريري" عطف عام على خاص، "وسندسي" رقيق الديباج، "وعبقري"، قيل: هو الديباج، أو البسط الموشية، أو الطنافس الثخان، وأصله فيما قيل: إن عبقر قرية يسكنها الجن، فيما يزعمون، فكلما رأوا شيئًا فائقًا غريبًا، مما يصعب علمه ويدق، أو شيئًا عظيما في نفسه، نسبوه إليها، فقالوا: عبقري.
وفي القاموس: العبقري الكامل في كل شيء، والسيد الذي ليس فقوه شيء، وعليه فالمراد هنا، وكثرت نفائسي الكاملة من ثياب وغيرها، ويكون من ذكر العام بعد الخاص، "ولؤلؤي" بهمزتين، وبحذفهما، وبإثبات الأولى دون الثانية، "ومرجاني"، قال الأزهري وغيره: هو صغار اللؤلؤ.
قوال الطرسوسي: هو عروق حمر، تطلع من البحر كأصابع الكف، قال: وهكذا شاهدناه بمغارب الأرض، "وفضتي، وذهبي وأكوابي": جمع كوب إناء لا عروة له ولا خرطوم، "وصحافي": جمع صحفة إناء كالقصعة، "وأباريقي" جمع أبريق إناء له عروة وخرطوم،стр. 3714
ومائي ولبني وخمري، فائتني بما وعدتني، قال: لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحًا، ولم يشرك بي شيئًا، ولم يتخذ من دوني أنددًا، ومن خشيني فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني جازيته، ومن توكل علي كفيته، إنني أنا الله، لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد، وقد أفلح المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين، قالت: قد رضيت، ثم أتى على واد فسمع صوتًا منكرًا، ووجد ريحا منتنة فقال: "ما هذا يا جبريل"؟ قال: هذا صوت جهنم، تقول: رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وعذابي، وقد بعد قعري واشتد حري، فآتني بما وعدتني، قال: لك كل
الحواشي
(١) "ومراكبي": ما يركب، "وعسلي، ومائي، ولبني وخمري" بالأنهار الأربعة، "فأتني بما وعدتني".
"قال: لك كل مسلم ومسلمة، ومؤمن ومؤمنة، ومن آمن بي، وبرسلي، وعمل صالحًا" الطاعات، "ولم يشرك بي شيئًا"، بل لا يرائي أحدًا بعبادته لي، وحلمناه على هذا ليغاير قوله: "ولم يتخذ من دوني اندادًا" شركاء يخصهم بالعبادة، "ومن خشيني"، خافني مع الإجلال، "فهو آمن، ومن سألني أعطيته، ومن أقرضني" بإنفاقه في سبيلي لأجلي، "جازيته" جزاء مضاعفًا، كما قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ﴾ [الحديد: ١١] ، "ومن توكل علي كفيته، إنني أنا الله لا إله إلا أنا، لا أخلف الميعاد"، الوعد بالبعث والجزاء، "وقد" للتحقيق "أفلح" فاز "المؤمنون، وتبارك الله أحسن الخالقين"، أي: المقدرين، بزنهة اسم الفاعل، ومميز أحسن محذوف للعلم به، أي: خلقًا "قلت" الجنة: "قد رضيت ثم أتى على واد، فسمع صوتًا منكرًا" ينكره سامعه لعدم سماع نظيره في الأصوات المعتادة لشناعته وقبحه، "ووجد ريحًا منتنة": بضم الميم وكسر التاء اسم فاعل من أنتن كذا، ويجوز كسر الميم للاتباع، وضم التاء اتباعًا للميم، قليل كما في المصباح، "فقال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هذا صوت جهنم تقول" بلسان القال: "رب آتني ما وعدتني، فقد كثرت سلاسلي": جمع سلسلة، "وأغلالي": قيودي، "وسعيري": ناري، وسعرتها وأسعرتها: أوقدتها، وحميمي": مائي الحار غاية الحرارة، "وغساقي": بخفة السين وتثقيلها، أي: ما يسيل: ويخرج مني، لشدة حرارتي.
وفي البيضاوي وغيره: الغساق أن يسيل من صديد أهل النار، فإنهم يذوقونه، "وعذابي وقد بعد قعري، واشتد حري، فآتني بما وعدتني، قال: لك كل مشرك ومشركة، وكافر وكافرة"، عطف عام على خاص؛ لأن المشرك إذا جمع مع الكافر أريد به من جعل للهстр. 3715
مشرك ومشركة وكافر وكافرة، وكل جبار عنيد لا يؤمن بيوم الحساب، قالت: قد رضيت، قال: فسار حتى أتى بيت المقدس.
وفي رواية أبي سعيد عند البيهقي: "دعاني داع عن يميني: انظرني أسألك، فلم أجبه، ثم دعاني آخر عن يساري كذلك فلم أجبه، وفيه: إذا امرأة حاسرة عن ذراعيها وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى فقالت: يا محمد انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، وفيه أن جبريل قال له: أما الداعي الاول فهو داعي اليهود، ولو أجبته لتهودت أمتك، وأما الثاني فداعي النصارى ولو أجبته لتنصرت أمتك، وأما المرأة فالدنيا، وفيه: أنه صعد إلى السماء الدنيا ورأى فيها آدم، وأنه رأى أخونة عليها لحم طيب ليس عليها أحد، وأخرى عليها لحم نتن عليها ناس يأكلون، قال
الحواشي
(١) شريكًا كعباد الأوثان، والكافر يشمل ذلك وغيره، "وكل جبار" كافر "لا يؤمن بيوم الحساب" يوم القيامة"، "قالت: قد رضيت، قال: فسار حتى أتى بيت المقدس"، وفي نسخة: أتيت، أي: فسار بي حتى أتيت.
"وفي رواية أبي سعيد" الخدري سعد بن مالك بن سنان، "عند البيهقي"، وابن جرير، وابن أبي حاتم، مردويه: "دعاني آخر عن يساري": يا محمد، انظر لي أسألك، كما في الرواية، واختصرها بقوله: "كذلك، فلم أجبه، وفيه"،أي: حديث أبي سعيد المذكور، وبينما هو يسير "إذا امرأة حاسرة": كاشفة "عن ذراعيها" اسم فاعل من حسر، إذا كشف، "وعليها من كل زينة خلقها الله تعالى، فقالت: يا محمد، انظرني أسألك، فلم ألتفت إليها، وفيه"، أي: الحديث المذكور، "أن جبريل قال له: أما الداعي الأول" الذي هو عن يمينه، "فهو داعي اليهود، ولو أجبته لتهودت أمتك"، لعل حكمة ذلك لو وقع أن الله جعل إجابته سببًا لذلك في سابق علمه، وكذا يقال في قوله.
"وأما الثاني فداعي النصارى، ولو أجبته لتنصرت أمتك، وأما المرأة فالدنيا"، أما أنك لو أجبتها، اختارت أمتك الدنيا على الآخرة، هكذا في حديث أبي سعيد، المذكور وتصورت له أيضًا بصورة عجوز، إشارة إلى قلة ما بقي منها كما مر.
"وفيه": أي: الحديث المذكور، "أنه صعد إلى السماء الدنيا، ورأى فيها آدم، وأنه" بعد اجتماعه، بآدم، مضى هنيهة، و"رأى أخونة": جمع خوان بكسر المعجمة وضمها، الذي يؤكل عليه، وقال الخليل: هو المائدة "عليها لحم طيب، ليس عليها أحد" يأكل منها،стр. 3716
"يا جبريل: ما هذا"؟ قال جبريل: هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام، وفيه: أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت كلما نهض أحدهم خر، وأن جبريل قال له: هم أكلة الربا، وأنه مر بقوم مشارفهم كالإبل يلتقمون حمرًا، فيخرج من أسافلهم، وأن
الحواشي
(١) "وأخرى عليها لحم نتن، عليها ناس يأكلون"منها، "قال: يا جبريل ما هذا؟ قال جبريل: هؤلاء الذين يتركون الحلال ويأكلون الحرام"، وفي لفظ عند البيهقي أيضًا وغيره: فإذا هو بأقوام على مائدة لحم عليها شوى كأحسن ما رؤي من اللحم، وإذا حوله جيف، فجعلوا يقبلون على الجيف، يأكلون منها، ويدعون اللحم، فقال: "من هؤلاء يا جبريل"؟، قال: هؤلاء الزناة، يحلون ما حرم الله عليهم، وتركوا ما أحل الله لهم.
"وفيه"، أي: حديث أبي سعيد المذكور؛ "أنه مر بقوم بطونهم أمثال البيوت، كلما نهض أحدهم خر": سقط من قيام، "وأن جبريل قال له" جوابًا لقوله: "يا جبريل من هؤلاء"؟، قال: "هم أكلة الربا"، أي: الذين يتناولون من الأموال ما أخذوه على وجه الربا، وهو خاص بالمطعومات والنقود، إذا أخذت بالعقد المسمى بعقد الربا، بأن اشتمل أحد العوضين يه على زيادة، أو تأخير في البدلين، أو أحدهما، وخرج بذلك المأخوذ بعقود فاسدة، كفقد رؤية، أو شرط فاسد مع انتفاء الربا عنها، فلا يكون لفاعها ذلك الوصف، وإن أثم، ولم يملك ما أخذه.
وقد أفاد المصنف أنه اختصر الحديث، وهو كذلك، ولفظه في هذه الجملة، ثم مضى هنيهة، فإذا هو بقوم بطونهم مثال البيوت، فيه الحيات ترى من خارج بطونهم، كلما نهض أحدهم خر، يقول: اللهم لا تقم الساعة، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السابلة فتطؤهم، فسمعهم يضجون إلى الله تعالى، فقال: "يا جبريل من هؤلاء"؟، قال: هؤلاء من أمتك، الذين يأكلون الربا، لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، والسابلة أبناء السبيل المختلفة، وجعلوا بطريق آل فرعون يمرون عليهم غدوا وعشيًا؛ لأن آل فرعون هم أشد الناس عذابًا، يطؤنهم فضلًا عن غيرهم من الكفار، وهم لا يستطيعون القيام، ومعنى ذلك؛ أن الله وقف أمرهم بين أن ينتهوا، فيكون جزاء لهم، وبين أن يعودوا ويصروا، فيدخلهم النار واستشكل بأن هذه الحالة إن كانت عبارة عن حالهم في الآخرة، فآل فرعون قد دخلوا أشد العذاب، وإنما يعرضون على النار غدوا وعشيًا في البرزخ، وإن كانت هذه الحال التي رآهم عليها، فأي: بطون لهم، وقد صاروا عظامًا ورفاتا، ومزقوا كل ممزق، وأجيب بأنه إنما رآهم في البرزخ؛ لأنه حدث عما رأى، وهذه الحال هي حال أرواحهم بعد الموت، وفيه تصحيح لمن قال: الأرواح أجسادًا لطيفة، قابلة للنعيم والعذاب، فخلق الله تعالى في تلك الأرواح من الألم ما يجده من انفتخ بطنه حتى وطئ بالأقدام، ولا يستطيع معه قيامًا، ولا دليل فيه على أنهم أشد عذابًا من آل فرعون، بلстр. 3717
جبريل قاله له: هؤلاء الذين يأكلون أموال اليتامى ظلمًا، وأنه مر بنساء يعلقن بثديهن وأنهن الزواني، وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم فيطعمون، وأنهم الغمازون اللمازون.
الحواشي
(١) فيه دليل على أن آل فرعون وغيرهم من الكفار الذين لا يأكلون الربا يطؤونهم ما داموا في البرزخ إلى أن يقوموا يوم القيامة، كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس، ثم ينادي منادي الله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ ، ذكره السهيلي؛ "وأنه مر بقوم مشافرهم": بفتح الميم، وخفة المعجمة، فألف ففاء مكسورة فراء، أي: شفاههم، "كالإبل"، لفظ الرواية: كمشافر الإبل، وعبر عن شفاههم بذلك مجازًا، إذ يقال: شفة الإنسان، ومشفر البعير: وجحفل الفرس، "يلتقمون جمرًا، فيخرج من أسافلهم".
وفي رواية: يجعل في افواههم صخر من جهنم، ثم يخرج من أسافلهم، فسمعهم يضجون إلى الله تعالى؛ "وأن جبريل قال له" جوابًا لقوله: "يا جبريل من هؤلاء"؟، قال: "هؤلاء: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ، كما في بقية جواب جبريل.
"وأنه مر بنساء يعلقن بثديهن": بضم المثلثة، ويقال بكسرها وكسر المهملة، جمع ثدي يذكر ويؤنث، فيقال: هو الثدي، وهي الثدي، وهو معروف، "وأنهن الزواني"، يجوز أنه رأى أرواحهن، وقد خلق فيها من الآلام ما يجده من هذه حاله، وأن يكون مثلث له حالهن في الآخرة، قاله السهيلي.
ولفظ الحديث: ثم مضى هنيهة، فإذا هو بنساء معلقات بثديهن، ونساء منكسات بأرجلهن، فسمعهن يضججن إلى الله، فقال: "من هؤلاء يا جبريل"؟، قال: هؤلاء اللاتي يزين ويقتلن أولادهن.
"وأنه مر بقوم يقطع من جنوبهم اللحم، فيطعمون، وأنهم الغمازون"، كذا في نسخ بغين معجمة، أي: المشيرون بأعينهم أو حواجبهم لمعايب الناس، ولما فيه ضررهم، لكن لفظ الرواية: الهمازون، بالهاء بدل الغين، وهم الذين يغتابون الناس بلا مواجهة، "اللمازون": العيابون، كما في الشامي، أي: الذين يكسرون من أعراض الناس.
قال البيضاوي: اللمز: الكسر كالهمز، شاعا في كسر أعراض الناس، والطعن فيهم.
ولفظ الحديث: ثم مضى هنيهة، فإذا هو بأقوام يقطع من جنوبهم اللحم، فيلقمون، فيقال له: كل كما كنت تأكل لحم أخيك، فقال: "يا جبريل من هؤلاء"؟، قال: هؤلاء الهمازون، من أمتك اللمازون.стр. 3718
وفي حديث أبي هريرة -عند البزار والحاكم- أنه ﷺ صلى ببيت المقدس مع الملائكة، وأنه أتي هناك بأرواح الانبياء فأثنوا على الله، وفيه قول إبراهيم: لقد فضلكم محمد.
وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم عن أنس: ثم بعث له آدم فمن دونه فأمهم تلك الليلة.
وفي حديث أم هانئ عند أبي يعلى: ونشر لي رهط من الأنبياء، منهم إبراهيم وموسى وعيسى.
وفي رواية أبي سملة ثم حانت الصلاة فأممتهم، أخرجه مسلم.
الحواشي
(١) "وفي حديث أبي هريرة عند البزار، والحاكم" والبيهقي: "أنه ﷺ صلى ببيت المقدس" قبل صعوده كما هو، سياق الحديث عند الثلاثة ولفظه: ثم صار إلى بيت المقدس فنزل فربط فرسه إلى صخرة بيت المقدس، ثم دخل، فصلى "مع الملائكة"، ويأتي أنه صلى بالأنبياء أيضًا، "وأنه أتى هناك بأرواح الأنبياء، فأثنوا على الله -وفيه"، أي: الحديث، "قول إبراهيم"، لما أثنى نبينا على ربه، بعد ثناء الأنبياء، "لقد فضلكم محمد"، أي: زاد عليكم، وتميز بما أثنى به على ربه، قال ذلك إبراهيم إظهارًا لشرف المصطفى وفضله، وليس ضميرًا فيه عائدًا لما أثنوا به كما توهم؛ لأن ثنائهم إنما كان على الله، والمصنف، اختصر الحديث هنا، وسنذكره تامًا عن قريب.
"وفي رواية عبد الرحمن بن هاشم، عن أنس"، عند الطبراني والبيهقي، "ثم بعث له آدم"، أي: أمر بالمجيء إليه، "فمن دونه" من الأنبياء، كما في نفس حديث أنس، "فأمهم تلك الليلة"، أي: صلى بهم إمامًا.
"وفي حديث أم هانئ عند أبي يعلى، ونشر"، أي: سيق "لي رهط من" جملة "الأنبياء"، وجمعوا حولي، عبر عن ذلك بالنشر إشارة إلى كثرتهم وتفرقهم، "منهم: إبراهيم وموسى وعيسى"، أو المعنى: أخرجوا من قبورهم عبر عنه بالنشر، تشبيهًا له ببعثهم من قبورهم وسعيهم إلى المحشر وحضورهم فيه، ويحتمل أن المراد جميع الأنبياء، مأخوذ من نشر الراعي غنمه نشرًا، من باب قتل إذا بثها، ولا ينافيه لفظ رهط من الأنبياء، لجواز أن من للبيان، وسماهم رهطًا، نظرً لقلتهم بالنسبة لغيرهم من الناس، هذا وإن كان بعيدًا لكن الحامل عليه الجمع بينه وبين قوله في الحديث: قبله آدم، فمن دونه من الأنبياء.
"وفي رواية أبي سلمة" بن عبد الرحمن بن عوف اسمه عبد الله، وقيل: إسماعيل عنстр. 3719
وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط: ثم أقيمت الصلاة فتدافعوا حتى قدموا محمدًا ﷺ .
وفي رواية ثابت البناني عن أنس عند مسلم قال: "فربطته"، يعني البراق، بالحلقة -وهي بإسكان اللام على الأشهر- التي تربط به الأنبياء بتذكير الضمير، إعادة على معنى الحلقة وهو الشيء، والمراد حلقة باب مسجد بيت المقدس، قاله صاحب التحرير- قال ﵇: "ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم
الحواشي
(١) أبي هريرة، رفع، "ثم حانت الصلاة"، أي: دخل وقتها، ويأتي للمصنف الخلاف في أنها الصبح، أو العشاء، ويأتي تضعيفهما، وأن الأظهر أنها من النفل المطلق، أو من الفرض الذي كان قبل الخمس، فالمراد بحانت الصلاة، دخل الوقت المأمور بالصلاة فيه، "فأممتهم": صليت بهم إمامًا، "أخرجه مسلم".
"وفي حديث أبي أمامة عند الطبراني في الأوسط: ثم أقيمت الصلاة"، أي: تهيؤا وقاموا لها، لا الإقامة المشروعة الآن؛ لأنها إنما شرعت بالمدينة، "فتدافعوا"، أي: منع كل نفسه الإمامة بعد أن طلب منه أن يكون إمامًا، وطلب من غيره التقدم عليه، "حتى قدموا محمدً ﷺ "، لا ينافيه حديث ابن مسعود الآتي: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ جبريل بيدي، فقدمني، فصليت بهم المفيد، ظاهره أنهم لم يتدافعوا، ولم يقدموه؛ لأن انتظار من يؤم لا ينافي تدافعهم، أي: قول بعضهم لبعض تقدم أنت مثلًا، ولما قدمه جبريل رضوا به، فنسب هنا تقديمه إليهم لرضاهم به وسرورهم.
وفي رواية ثابت البناني عن أنس"، رفعه "عن مسلم"، قال: "أتيت بالبراق"، فوصفه، "قال": "فركبته حتى أتيت بيت المقدس، فربطته" "فربطته، يعني البراق"، تفسير من المصنف لإسقاطه أول الحديث كما ترى، "بالحلقة، وهي بإسكان اللام على الأشهر"، وقد تفتح لامها وتكسر، أو ليس في الكلام حلقة بفتح اللام، إلا جمع حالق، أو لغة ضعيفة، حكاه القاموس: "التي تربط به الأنبياء" البراق، كما رواه البيهقي لأدوابهم، كما توهمه بعض، وقد تقدم.
قال النووي: قوله به كذا في الأصول، "بتذكير الضمير إعادة"، أي: إرجاعًا للضمير، مذكرًا حملًا "على معنى الحلقة، وهو"، أي: المعنى "الشيء"، وإلا فكان الظاهر أن يقول بها؛ لأن الحلقة مؤنثة تأنيثًا لفظيًا.
وقال غيره: روي بالتأنيث والتذكير في مسلم والشفاء، "والمراد حلقة باب مسجد بيت المقدس، قاله صاحب التحرير"، أي: بابه المعهود المعروف، وإن كان للمسجد أبواب متعددة.стр. 3720
"خرجت، فجاءني جبريل ﵇ بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة".
أي اخترت اللبن الذي عليه بنيت الخلقة، وبه نبت اللحم ونشز العظم،
الحواشي
(١) وعند البيهقي، والطبراني والبزار من حديث شداد: ودخل المدينة، من بابها اليمني، ودخل المسجد من باب يميل فيه الشمس والقمر.
وروى الواسطي في فضائل بيت المقدس عن الوليد بن مسلم، قال: حدثني بعض أشياخنا، أن النبي ﷺ رأى عن يمين المسجد، وعن يساره نورين ساطعين، فقال: "يا جبريل ما هذان النوران"؟، قال: أما الذي عن يمينك فإن محراب أخيك داود، وأما الذي عن يسارك فعلى قبر أختك مريم.
"قال ﵇" في رواية مسلم، عن ثابت، عن أنس: "ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين"، غير الصلاة التي صلاها بالأنبياء: كما صرح به في حديث ابن مسعود الآتي، ومن ثم قيل: يحتمل أنها تحتية المسجد وأنها غيرها، "ثم خرجت" بعد صلاته بالأنبياء، الواقعة بعد هذين الركعتين، كما صرح به حديث أبي هريرة، ثم حانت الصلاة، فأممتهم، رواه مسلم.
وعند ابن إسحاق، عن أبي سعيد، فصلى بهم، أي: الأنبياء ثم أتي بإناء فيه لبن ... إلخ، فعرض الأواني إنما كان بعد صلاته بالأنبياء، ففي هذا السياق اختصار، فليس المراد أنه خرج من المسجد بعد صلاة الركعتين، بل بعد صلاته بالأنبياء.
"فجاءني جبيل عليه اللام بإناء من خمر، وإناء من لبن"، فلم يقع في رواية مسلم هذه، وإناء من عسل، خلاف ما يوجد في نسخ سقيمة من المصنف، وإناء من عسل بعد قوله: من خمر، نعم هو ثابت في غير ما رواية، فلس النزاع في أنه أتي بإناء فيه عسل، إنما هو في العز.
ولمسلم ما ليس فيه في روايته من طريق ثابت عن أنس مرفوعًا بلا وسطة، "فاخترت"، وفي رواية، فأخذت، "اللبن، فقال جبيل: اخترت" وفي رواية: أخذت "الفطرة" "بكسر الفاء".
قال ابن دحية: تطلق الفطرة على الإسلام، كخبر كل مولود يولد على الفطرة، وتطلق على أصل الخلقة، كقوله تعالى: ﴿فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠] ، و ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يوسف: ١٠١] ، أي: مبدئ خلقهما، وقول جبريل: اخترت الفطرة، "أي: اخترت اللبن الذي عليه"، أي: بسببه، "بنيت الخلقة"، وبين بناءها عليه بقوله: "وبه نبت اللحم ونشز": "بزاي منقوطة" أي: ارتفع "العظم" وغلظ، "واخترته؛ لأنه الحلال الدائم"، هو "في دينстр. 3721
واخترته؛ لأنه الحلال الدائم في دين الإسلام بخلاف الخمر فحرام فيما يستقر عليه الأمر.
وقال النووي: المراد بالفطرة هنا، في قول جبريل: أخذت الفطرة الإسلام والاستقامة، قال: ومعناه -والله أعلم-: اخترت علامة الإسلام والاستقامة، قال: وجعل اللبن علامة لكونه سهلًا طيبًا طارهًا سائغًا للشاربين، سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث، وجالبة الأنواع الشر في الحال والمآل. انتهى.
الحواشي
(١) الإسلام" فاستتر الضمير الفاعل، وحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، أي الدائم حله كـ ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَة﴾ [الحاقة: ٢١] ، "بخلاف الخمر، فحرام فيما يسقر عليها الأمر".
وقد روى أبو يعلى، والبزار من حديث أبي هريرة: أتي بآنية ثلاثة مغطاة أفواهها، فأتي بإناء منها فيه ماء، فشرب منه قليلًا، وفي لفظ: فلم يشرب منه شيئًا، ثم دفع إليه إناء آخر فيه لبن، فشرب منه حتى روي منه، ثم دفع إليه إناء آخر فيه خمر، فقيل له: اشرب، قال: "لا أريده قد رويت"، فقال جبريل: أما إنها ستحرم على أمتك".
قال ابن دحية أيضًا: وقد تكون الإشارة بتقديم اللبن إلى أنه شعار العلم في التعبير، كما ورد أنه ﷺ قال: "رأيت كأني أتيت بقدح من لبن، فشربت حتى أرى الري يخرج من أظفاري، ثم ناولت فضلي عمر بن الخطاب، قالوا: يا رسول الله ما أولته، قال: العلم" والإسراء، وإن كان يقظة، إلا أنه ربما وقعت في اليقظة إشارة إلى حكم الفأل، فيعبر كما يعبر في المنام، ولذا كان ﷺ يحب الفأل الحسن، فكأنه لما لمئ قلبه إيمانا وحكمة، أردف ذلك بالعلم مطلقًا ويجعل الله تعالى شرب ذلك اللبن سببًا في ترادف العلوم، وإشحان القلب النبوي بأنوارها.
"وقال النووي: المراد بالفطرة هنا في قول جبريل: أخذت الفطرة الإسلام والاستقامة"، وبه فسرت الآية، أي: بملة الإسلام، فإنهم لو خلوا وما خلقوا عليه، لأدى بهم إليها، وفسرت أيضًا بخلقته التي خلقهم عليها، وهي قبولهم للحق، وتمكنهم من إدراكه، وبالعهد المأخوذ من آدم وذريته.
"قال: ومعناه، والله أعلم، اخترت علامة الإسلام، و"علامة "الاستقامة" بالجر، ففيه حذف مضاف، إذ شرب اللبن ليس هو هما، "قال: وجعل اللبن علامة لكونه سهلًا طيبًا" لذيذًا، "طاهرا" لا يشوبه شيء من الفرث والدم من لون، أو طعم أو ريح، وهو بينهما "سائغا للشاربين" سهل المرور في حلقهم، لا يغص به، "سليم العاقبة" في الحالة والمآل، وهذا كله تعليل لجعله علامة الإسلام والاستقامة.
"أما الخمر، فإنها أم الخبائث" كما ورد مرفوعًا عند القضاعي، بلفظ الخمر أمстр. 3722
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة لكون أول شيء يدخل جوف المولود، ويشق أمعاءه، والسر في ميل النبي ﷺ إليه دون غيره لكونه مألوفًا له أولًا، انتهى.
وإذا كانت الخمرة مباحة؛ لأنها إنما حرمت بالمدينة والإسراء كان بمكة، فما وجد تعيينه ﵇ لأحد المباحين، وما وجه عد ذلك صوابًا وعد الآخر خطأ، وهما سواء في الإباحة؟
فيحتمل أن يكون توقاها تورعًا وتعريضًا بأنها ستحرم، وأنه لما وافق الصواب في علم الله تعالى قال له جبريل: أصبت الفطرة، أو أصبت أصاب الله
الحواشي
(١) الخبائث، أي: أصلها الذي تنشأ عنه لحملها الشارب على مجاوزة الحدود، "وجالبة لأنواع الشر في الحال والمآل. انتهى".
وقد قال ﷺ : "الخمر أم الفواحش، وأكبر الكبائر، من شربها ترك الصلاة، ووقع على أمه وخالته وعمته"، رواه الطبراني.
"وقال القرطبي" شارح مسلم في المفهم: "ويحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة، لكونه أول شيء يدخل جوف المولود، ويشق أمعاءه، والسر"، أي: السبب "في ميل النبي ﷺ إليه دون غيره لكونه مألوفًا أولًا"، ولكونه لا ينشأ عن جنسه مفسدة، "انتهى" كلام القرطبي بما زدته.
وحقيقة السر ما يكتم، وهو خلاف الإعلان، فإطلاقه على السبب مجاز مرسل من تسمية الجزئي باسم الكلي، "وإذا كانت الخمر مباحة؛ لأنها إنما حرمت بالمدينة، والإسراء كان بمكة"، وجواب إذا الشرطية قوله: "فما وجه تعيينه عليها سلام لأحد المباحين"، باختياره الشرب منه، "وما وجه عد ذلك صوابًا، وعد الآخر خطأ، وهما سواء في الإباحة"، وفرع على ذلك بجواب شرط هو، وإذا أردت بيان الوجه، "فيحتمل أن يكون توقاها تورعًا" لما في تنافي تناوله الغائلة المتوقعة، وإن كان مباحًا، ولا خلاف أن مثل هذا الورع يثاب عليه، قال ابن المنير، "وتعريضًا بأنها ستحرم"، ولعل سبب التعريض، انه أوحى إليه بذلك، ولو بالإلهام، فتركها تنبيهًا على أن حلها لا يستمر، "وأنه لما وافق الصواب في علم الله تعالى، قال له جبريل: أصبت الفطرة، أو أصبت، أصاب الله بك، كما رويا" الأول في الصحيح، والثاني في غيره.
قال ابن المنير: فدل قول جبريل ذلك على أن اختيار الخمر خطأ عصم منه ﷺ ، وأنстр. 3723
بك، كما رويا، وإن قلنا: أنها كانت من خمر الجنة، فيكون سب تجنبها صورتها ومضاهاتها الخمر المحرمة، أي في علم الله تعالى، وذلك أبلغ في الورع.
ويستفاد منه: أن من اتخذ من ماء الرمان أو غيره، ولو ماء قراحًا، وضاهى به الخمر في الصورة وهيأه في الهيآت التي يتعاطاها أهل السماعات الشهوات من الاجتماعات فقد أتى منكرًا، وإن كان لا يحد عليه، قاله ابن المنير.
الحواشي
(١) المسألة اجتهادية؛ لأن الخمر لم تكن حرمت، قال: وفيه دليل على المذهب المشهور لمالك والشافعي، وغيرهما أن المسائل الاجتهادية لله فيها حكم معين، من أصابه فقد أصاب الحق، ومن أخطأه الحق، خلافًا للقول؛ بأن حكم الله على كل مجتهد ما غلب على ظنه انتهى.
وفيه إفادة وجه، كون اختيار الخمر خطأ، وهو أن حكم الله فيها تحريمها بعد أبدًا، وإن كانت مباحة حينئذ لأمور خفيت علينا، ثم الخمر المحضرة، أنها من خمر الدنيا، وأنها من خمر الجنة التي لا يصدعون عنهان ولا ينزفون، فإذا قلنا: من خمر الدنيا، فوجه تجنبها ما تقدم.
"وإن قلنا: إنها"، أي الخمر المحضرة له، "كانت من خمر الجنة، فيكون سبب تجنبها، صورتها، ومضاهاتها" مشابهتها "الخمر المحرمة، "أي: في علم الله تعالى، وذلك أبلغ في الورع"، فإن قلت: فيلزم اجتنابها في الجنة تورعًا من صورتها، قلت: لا يلوم؛ لأن الجنة ليست دار تكاليف، قاله ابن المنير.
"ويستفاد منه؛ أن من اتخذ من ماء الرمان أو غيره" شيئًا يستعمله على الصفة المعتادة بين شربة الخمر، "ولو ماء قراحًا": صرفا، "وضاهى به الخمر في الصورة وهيأه في الهيئات التي يتعاطاها أهل السماعات"، لفظ ابن المنير أهل الشهوات من الاجتماعات، فقد أتى منكرًا، وإن كان لا يحد عليه".
قال، أعني ابن المنير: وقد نص العلماء على هذا، فينبغي أن يؤخذ من حديث الإسراء كما بيناه، "قاله ابن المنير" في المقتفى فيما لخصه المصنف منه فأحسن، وإلا فهو قد أتى بعبارة طويلة استطرد فيها فوائد نفيسة على عادته، وأورد قبل ذك إحضار الخمر واللبن، هل أريد إباحتها معًا أو أحدهما؟، لا بعينه، وعلى كل فمشكل؛ لأنه إن كان المراد إباحتهما معًا، كما لو أحضرت طعامين لضيف، وأبحتهما له، فما معنى اختياره لأحدهما، وتصويت جبريل له، وإن كان في أحدهما لا بعينه، بحيث يكون الآخر ممنوعًا، لزم التخيير بين ممنوع ومباح، وذلك لا يتصور.стр. 3724
وينظر فيما يعمله كثير من فقراء اليمن بمكة المشرفة وجدة وغيرهما من ماء قشر اللبن ويسمونه بالقهوة، وهو اسم من أسماء الخمر.
وفي حديث ابن عباس -عند أحمد-: فلما أتى المسجد الأقصى قام يصلي، فلما انصرف جيء بقدحين في أحدها لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن.
وفي رواية البزار: بثلاث أوان، وأن الثالث كان خمرًا، وأن ذلك وقع ببيت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل.
وفي حديث شداد بن أوس: "فصليت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني
الحواشي
(١) قال: والذي يرفع الإشكال؛ أن المراد تفويض الأمر في تحريم ما يحم، وتحليل ما يحل إلى اجتهاده ﷺ ، وسداد نظره المعصوم، فلما نظر فيهما أداه اجتهاده إلى تحريم الخمر وتحليل اللبن، فوافق الصواب في حكم الله تعالى، فقال له جبريل: أصبت، وفيه اجتهاده فيما لم يوح إليه فيه، وهي مسألة خلاف، وهذا الحديث يحقق الجواز مع اتفاق المسلمين على أن اجتهاده معصوم، من الخطأ بخلاف غيره من العلماء.
"وينظر فيما يعلمه كثير من فقراء اليمن بمكة المشرفة وجدة": بضم الجيم، ساحل البحر بمكة، "وغيرهما من ماء قشر البن"، ثم صاروا بعد ذلك يعملونه من البن أيضًا، ويسمونه بالقهوة، وهو اسم من" أشهر "أسماء الخمر"، هل يحرم تناوله لتسميتهم بالخمر، فكأنهم شهبوه بها، وجوابه لا حرمة؛ لأنه لا يشرب على الهيئة التي يشرب عليها الخمر، ومجرد تسميته قهوة لا يقتضي أن يعطى حكمها.
"وفي حديث ابن عباس عند أحمد؛ فلما أتى المسجد الأقصى، قام يصلي، فلما انصرف" من صلاته بالأنبياء، "جيء بقدحين، في أحدهما لبن، وفي الآخر عسل، فأخذ اللبن"، وهاذ موافق لرواية مسلم؛ أن إتيانه بالآنية كان ببيت المقدس قبل المعراج، ومر لفظه قريبًا.
"وفي رواية البزار" من حديث أبي هريرة، أنه جيء له "بثلاث أوان، وأن الثالث كان خمرًا، وأن ذلك وقع ببت المقدس، وأن الأول كان ماء، ولم يذكر العسل"، وأخرجه ابن عائذ من هذا الوجه في حديث المعراج بعد ذكر إبراهيم قال: "ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال لي جبريل: يا محمد ألا تشرب مما سقاك ربك، فتناولت إحداها، فإذا هو عسل، فشربت منه قليلا، ثم تناولت الآخر، فإذا هو لبن، فشربت منه حتى رويت، قال: ألا تشرب من الثالث، قلت: قد رويت، قال: وفقك الله".
"وفي حديث شداد بن أوس" عند البزار، والطبراني، والبيهقي: "فصليت" في جانبстр. 3725
"من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين أحدهما لبن والآخر عسل، ثم هداني الله فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يدي -يعني لجبريل-: أخذ صاحبك الفطرة".
وقد كان إتيانه بالأواني مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى ورؤية الأنهار الأربعة.
وممن صرح بأنه كان مرتين الحافظ عماد الدين بن كثير، وعلى هذا فيكون
الحواشي
(١) "من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشد ما أخذني، فأتيت بإناءين أحدهما لبن، والآخر عسل"، فعدلت بينهما، هكذا في الحديث قبل قوله: "ثم هداني الله، فأخذت اللبن، فقال شيخ بين يدين" أسقط من الرواية، متكئ على منبر له، "يعني لجبريل: أخذ صاحبك الفطرة"، وإنه لمهدي، كما في بقية حديث شداد.
وفي حديث أبي هريرة عند الشيخين: أتي رسول الله ﷺ ليلة أسري به بإيلياء بإناء فيه خمر، وإناء فيه لبن، فنظر إليهما، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفطرة، لو أخذت الخمر غوت أمتك.
وفي حديث أنس عند البيهقي: فعرض عليه الماء والخمر واللبن، فأخذ اللبن، فقال له جبريل: أصبت الفطرة، لو شربت الماء لغرقت وغرقت أمتك، ولو شربت الخمر لغويت وغويت أمتك.
قال الحافظ: ويجمع بين هذا الاختلاف في عدد الآنية وما فيها، بحمله على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكر الآخر، ومجموعها أربعة آنية، فيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى، فلعله عرض عليه من كل نهر إناء، انتهى، وسيأتي هذا في كلام المصنف.
وأما الاختلاف، أن عرض الأواني في بيت المقدس، أو بعد سدرة المنتهى، والبيت المعمور، فالجمع بينهما ما ذكره بقوله:
"وقد كان إتيانه بالأواني مرتين، مرة عند فراغه من الصلاة" ببيت المقدس، وسببه ما وقع له من العطش، قاله الحافظ، "ومرة عند وصله إلى سدرة المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة" التي رآها تخرج من أصل سدرة المنتهى، وفي هذا أعمال لجميع الروايات لصحتها كلها، وهو أولى من جمع الحافظ أيضًا بحمل، ثم في رواية مالك بن صعصعة؛ أنه أتى بالأواني بعد سدرة المنتهى. ورفع البيت المعمور له على غير بابها من الترتيب، وإنما هي بمعنى الواو هنا.
"وممن صرح" على طريق الترجي؛ "بأنه كان مرتين الحافظ عماد الدين بن كثير"، لا الجزم كما يوهمه المصنف، فعبارة الشامي.стр. 3726
تكرار جبريل ﵇ بالتصويب حيث اختار اللبن تأكيدًا للتحذير مما سواه.
وقد أنكر حذيفة ربط البراق بالحلقة، فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة قال: يحدثون أنه ربطه، أخاف أن يفر منه، وقد سخره له عالم الغيب والشهادة؟ وكذا أنكر حذيفة أيضًا صلاته ﵇ ببيت المقدس.
وتعقبه البيهقي وابن كثير: بأن المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربط البراق والصلاة في بيت المقدس معه زيادة علم على من نفي ذلك، فهو أولى بالقبول.
الحواشي
(١) قال السيهلي، وابن دحية، وابن المنير، وابن كثير والحافظ: ولعله قدم مرتين، أي: جمعا بين الروايات، "وعلى هذا، فيكون تكرار جبريل ﵇ للتصويب، حيث اختار اللبن تأكيدًا للتحذير مما سواه"، أي: اللبن، وذلك السوي هو الخمر خاصة، "وقد أنكر حذيفة"، بن اليمان ﵄ "ربط البراق بالحلقة، فروى أحمد والترمذي من حديث حذيفة قال: يحدثون أنه ربطه"، أي: البراق، "أخاف أن يفر منه"، كذا في النسخ الصحيحة، بهمزة الإنكار، ومثلها في الفتح، والنعماني، والشامي والغيطي، فيما في نسخ: خاف بحذفها سهو من قلم المصنف أو نساخه.
"و" الحال أنه "قد سخره له عالم الغيب والشهادة" فكيف يخاف أن يفر منه، وتجويز أن خاف بلا همزة، حكاية عن كلام المحدث عنهم، وأنه رد عليهم بقوله، وقد ممنوع، إذ جميع الذين حدثوا بأنه ربطه، لم يقل أحد منهم أنه خاف أن يفر منه، والجواب عما وجه به إنكار ربطه؛ أنه لم يفعل ذلك خوفًا.
قال النووي في ربط البراق: الأخذ بالاحتياط في الأمور وتعاطي الأسباب، وأن ذلك لا يقدح في التوكل، إذا كان الاعتماد على الله.
وقال السهيلي: فيه من الفقه التنبيه على الأخذ بالحزم مع صحة التوكل، وأن الإيمان بالقدر لا يمنع الحزم من توقي المهالك.
كما روي عن وهب بن منبه، "وكذا أنكر حذيفة أيضًا" في هذا الحديث "صلاته ﵇ ببيت المقدس"، واحتج بأنه لو صلى فيه لكتب عليكم الصلاة فيه، كما كتبت عليكم الصلاة في البيت العتيق.
"وتعقبه البيهقي وابن كثير، بأن المثبت مقدم على النافي، يعني من أثبت ربط البراق والصلاة في بيت لمقدس"، وهم جمهور الصحابة "معه زيادة علم على من نفى ذلك، فهو أولى بالقبول" من النافي؛ لأنه لم يصحبه دليل نفيه.стр. 3727
ووقع في رواية بريدة عند البزار: "لما كان ليلة أسري بي، فأتى جبريل الصخرة التي ببيت المقدس فوضع أصبعه فيها فخرقها، فشد البراق"، ونحوه للترمذي.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: "حتى أتيت ببيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء ترطبها فيه، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس،
الحواشي
(١) قال الحافظ: والجواب عنه منع التلازم في الصلاة إن كان أراد بقوله: كتب عليكم الفرض، وأن أراد التشريع، فنلتزمه، وقد شرع النبي ﷺ فيه، فقرنه بالمسجد الحرام ومسجده في شد الرحل، وذكر فضيلة الصلاة فيه في غير ما حديث.
"ووقع في رواية بريدة عند البزار: "لما كان ليلة أسري بي، فأتى جبريل الصخرة"، بالفاء، في جواب لما، وهو قليل، أجازه ابن مالك ورده ابن هشام "التي ببيت المقدس" التي كانت قبلة.
قال البرقي في غريب الموطأ: هي من غرائب الدنيا، فإن جميع المياه تخرج من تحتها، وهي صخرة صماء في وسط المسجد الأقصى، كجبل بين السماء والأرض، معلقة لا يمسكها إلا الله، وفي أعلاها موضع قدم النبي ﷺ حين ركب البراق ليلة الإسراء، فمالت من تلك الجهة من هيبته، وفي الجهة الأخرى أثر أصابع الملائكة التي أمسكتها إذا مالت، وكان بعضها أبعد من الأرض من بعض، وتحتها غاز عليه باب يفتح لمن يدخله للصلاة والدعاء.
"فوضع أصبعه فيها، فخرقها، فشد بها البراق، ونحوه للترمذي"، وابن حبان والحاكم، وصححه عن بريدة، قال: قال ﷺ : "لما أنتهينا إلى بيت المقدس ليلة أسري بي، قال جبريل: بأصبعه، فخرق بها الحجر، وشد به البراق"، والمراد بالحجر صخرة بيت المقدس: كما في رواية البزار، فلذا اختار سياقه لصراحته، والجمع بين هذا وبين قوله في حديث أنس عند مسلم: "فربطته بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء"، ما قاله بعضهم؛ أنه ﷺ ربطه أولًا بالحلقة تأدبًا واتباعًا للأنبياء، فأخذه جبريل وحله من الحلقة، وخرق الصخرة وشده بها، كأنه يقول: أنت لست ممن يكون مركوبه بالباب، بل أنت أعلى وأغلى، قلا يكون مركوبك إلا في داخل المحل، وهذا أمر مشاهدج في العادة بين الكبراء، وأما جواب الطيبي؛ بأن المراد بالحلقة الموضع الذي كان فيه الحلقة، وقد اشتد، فخرقه جبريل فرده النجم؛ بأن الحلقة وموضعها الباب، والذي خرقه جبريل بأصبعه إنما هو الصخرة، وهي داخل المسجد بعيدة عن الباب انتهى.
"وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: حتى أتيت بيت المقدس، فأوثقت دابتي بالحلقة التي كانت الأنبياء تربطها فيه، فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس، فصلى كلстр. 3728
فصل كل واحد منا ركعتين.
وفي رواية ابن مسعود نحوه، وزاد: "ثم دخلت المسجد فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد، ثم أذن مؤذن فأقيمت الصلاة فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدي جبريل فقدمني فصليت بهم".
وفي حديث ابن مسعود أيضًا -عند مسلم-: "وحانت الصلاة فأممتهم".
وفي حديث ابن عباس، عند أحمد: لما أتى ﷺ الأقصى قام يصلي، فإذا
الحواشي
(١) واحد منا ركعتين" غير الصلاة التي صلاها بالأنبياء كما هو صريحه.
قال بعضهم: يحتمل أنهما تحية المسجد، ويحتمل غير ذلك، أي: ككونهما من صلاة الليل، أو القصد بهما شغل البقعة.
قال ابن دحية: وفيه دليل على أن الصلاة لم تزل معهودة قبل أن تفرض، ومعهودة مثنى مثنى.
قال النعماني: وقد فرضت الصلاة قبل الهجرة ركعتين.
"وفي رواية ابن مسعود" عند الحسن بن عرفة وأبي نعيم "نحو، وزاد" ابن مسعود عن النبي ﷺ : "ثم دخلت المسجد، فعرفت النببين ما بين قائم وراكع"، أي: خاشع كخشوع الراكع، فلا يرد أن الركوع من خصائص الأمة، وما صلاه المصطفى قبل الإسراء لا ركوع فيه، وكذا ظهر عقب الإسراء، وأول صلاة بركوع العصر بعدها، "وساجد، ثم أذن" كذا في النسخ، وفيها سقط، فليس هذا من رواية ابن مسعود، إنما هو عن أنس، ففي فتح الباري بعد قوله: "وساجد، ثم أقيمت الصلاة فأممتهم"، وفي رواية يزيد بن أبي مالك عن أنس عند ابن أبي حاتم: "فلم ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن -أي: أعلم بطلب الصلاة- فأقيمت الصلاة"، أي: تهيئوا لها، وشرعوا فيها، فلا يرد أن الأذان والإقامة إنما شرعًا بالمدينة، والإسراء كان بمكة، "فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا"، وفي نسخة: ننتظر وهي بمعنى ننتظر، كقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾ ، أي: ما ينتظرون، "فأخذ بيدي جبريل، فقدمني، فصليت بهم" إمامًا.
"وفي حديث ابن مسعود أيضًا عند مسلم: "وحانت الصلاة"، دخل وقت طلبهم بها، "فأممتهم": صليت بهم إمامًا.
"وفي حديث ابن عباس عند أحمد: فلما أتى ﷺ " المسجد "الأقصى، قام يصلي" بعد انتظارهم من يؤمهم، وتقديم جبريل للمصطفى، "فإذا النبيون أجمعون يصلون معه"، كماстр. 3729
النبيون أجمعون يصلون معه.
وفي حديث أبي سعيد: "ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فربط فرسه إلى صخرة، ثم دخل فصلى مع الملائكة، فلما قضيت الصلاة قالوا: يا جبريل من هذا
الحواشي
(١) في الحديث قبله، فليس المراد ظاهره؛ أنه قام يصلي وحده، فاقتدوا به؛ لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضًا، فإن قيل: كيف يصلي الأنبياء وهم أموات في الدار الآخرة، وليست دار عمل، أجاب عياض، وتبعه السبكي؛ بأنهم كالشهداء، بل أفضل، والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون، فلا يستبعد أن يحجوا ويصلوا، وأن يتقربوا إلى الله ما استطاعوان؛ لأنهم وإن ماتوا فهم في هذه الدنيا التي هي دار العمل حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبها الآخرة التي هي دار الجزاء انطقع العمل، وحاصله أن البرزخ ينسحب عليه حكم الدنيا في استكثارهم من الأعمال وزيادة الأجور، وبأن المنقطع في الآخرة إنما هو التكليف، وقد تحصل الأعمال من غير تكليف على سبيل التلذذ بها والخضوع لله، ولذا أصح عن أهل الجنة أنهم يسبحون ويدعون ويقرؤون القرآن، كما في الحديث: "إنهم يلهمون التسبيح، كما يلهمون النفس"، وهو معنى قوله: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ﴾ [يونس: ١٠] الآية، وانظر إلى سجوده ﷺ وقت الشفاعة، أليس ذلك عبادة وعملًا، وعلى كلا الجوابين لا يمتنع حصول هذه الأعمال في مدة البرزخ، وقد صح عن ثابت البناني التابعي أنه قال: اللهم إن كنت أعطيت أحدًا أن يصلي في قبره، فأعطني ذلك، فرأي بعد موته يصلي في قبره، وتكفي رؤيته ﷺ قائمًا يصلي في قبره؛ ولأن جميع الأنبياء لم يقبضوا حتى خيروا في البقاء في الدنيا وبين الآخرة، ولا شك أنهم لو بقوا في الدنيا لازدادوا من الأعمال الصالحة، ثم انتقلوا إلى الجنة، فلو لم يعلموا أن انتقالهم إلى الله أكمل لما اختاروه، ولو كان انتقالهم من هذه الدار يفوت عليهم زيادة فيما يقوب إلى الله لما اختاروه. انتهى.
"وعن أبي سعيد" الخدري، "ثم سار حتى أتى بيت المقدس، فربط فرسه"، أي: البراق، سماه فرسًا، تجوزًا لقرب صورته منها، ولا؛ لأن الفارس يطلق على مقابل الماشي، سواء ركب فرسًا، أو بغلًا، أو حمارًا؛ وتجويز أن جبريل ركب معه فرسًا لا يصح لحديث؛ أنه ركب معه على البراق، وقد جاء تسمية البراق فرسًا في ر واية أخرى؛ أنه أتى بفرس؛ فحمل عليه، وضمن ربط معنى ضم، فعداه بإلى في قوله "إلى صخرة"، أو إلى بمعنى الباء، أو عند كقوله:
أشهى إلي من الرحيق السلسل
والمراد بالصخرة هنا الحلقة التي بالباب، لا التي بداخل المسجد، بدليل قوله: "ثم دخل، فصلى مع الملائكة"، إمامًا بهم على المتبادر، فضمير صلى للنبي ﷺ بعد صلاته ركعتين، وهو وجبريل كما مر قريبًا.стр. 3730
معك؟ قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين، قالوا: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قالوا: حياه الله من أخ ومن خليفة، فنعم الأخ ونعم الخليفة، ثم لقوا أرواح الأنبياء فأثنوا على ربهم.
فقال إبراهيم ﵇: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا، وأعطاني ملكًا عظيمًا، وجعلني أمة قانتًا يؤتم بي، وأنقذني من النار، وجعلها علي بردًا وسلامًا.
الحواشي
(١) وترجيح ضمير صلى بجبريل، وأن المعنى صلى مع الملائكة لما وجدهم يصلون بعيد جدًا، بل يمنعه ما رواه الواسطي عن كعب، فأذن جبريل، ونزلت الملائكة من السماء، وحشر الله له المرسلين، فصلى النبي ﷺ بالملائكة والمرسلين، "فلما قضيت الصلاة"، بالنباء للمفعول، أي: تمت، وفرغوا منها، "قالوا: يا جبريل من هذا معك"؟، خبر بعد خبر، أو حال، "قال: هذا محمد رسول الله خاتم النبيين" والرسل، "قالوا: وقد أرسله إليه"، أي: طلب للحضور، لا أرسل إليه بالوحي، أم لا لقوله لهم رسول الله، "قال: نعم، قالوا: حياه الله"، أي: أبقاه، وسلمه وملكه ما أعظمه وأكرمه "من أخ"، فمن متعلق بمحذوف، أو مبنية للضمير، أو زائدة، وجعلواه أخا لهم؛ لأن المراد أخوة الإيمان، "ومن خليفة" لله تعالى لعمارة الأرض وسياستها، وتكميل النفوس البشرية، وتنفيذ الأوامر الإلهية، لا لاحتياجه تعالى، بل لقصور الخلق عن التلقي بلا واسطة فنعم الأخ، ونعم الخليفة، ثم لقوا"، أي: المصطفى واملائكة ببيت المقدس بعد انقضاء الصلاة "أرواح الأنبياء" متشكلة بصور أجسادهم، "فأثنوا"، أي: الأنبياء "على ربهم"، وتجويز أن المثنى الملائكة لملاقاتهم الأنبياء، كما يقول: من رأى صالحًا، الحمد لله الذي من علي بلقائك، يمنعه قوله، "فقال إبراهيم ﵇: الحمد لله الذي اتخذني خليلًا" صفيًا خالص المحبة له، "وأعطاني ملكًا عظيمًا".
قال ابن دحية: لا يعهد لإبراهيم ملك عرفي، فإما أن يراد بالملك الإضافة إليه نفسه، لقهره عظماء الملوك، وناهيك بنمروذ وقد قهره الله لحليله وعجزه عنه، وغاية الملك العظيم قهر الملك العظيم، فالقاهر أعظم من المقهور قطعًا، أو يراد الإضافة إلى بنيه وذريته نحو ملك يوسف، ولهم جرًا، كملك داود وسليمان، والكل من ولد إبراهيم، وفي التنزيل: ﴿آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٥٤] ، والإشارة هنا إلى ذريته، وإما أن يراد ملك النفس في مظنة الاضطرار مثل ملكه لنفسه، وقد سأله جبريل: ألك حاجة؟ قال: "أما إليك فلا"، "وجعلني أمة": إمامًا جامعًا لخصال الخير، وفضائل لا تكاد توجد إلا مفرقة في أشخاص كثيرة، والجامع لذلك أمة لقيامه مقام الجماعة، كأنه اجتمع فيه ما تفرق في غيره، كقوله:стр. 3731
ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد الله الذي كلمني تكليمًا، واصطفاني، وأنزل علي التوراة، وجعل هلاك فرعون ونجاة بني إسرائيل على يدي، وجعل من أمتي قومًا يهدون بالحق وبه يعدلون.
ثم إن داود أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا وعلمني الزبور، وألان لي الحديد، وسخر لي الجبال يسبحن معي والطير وآتاني الحكمة وفصل الخطاب.
الحواشي
(١) وليس على الله بمستنكر ... أن يجمع العالم في واحد
"قانتًا" مطيعًا، "ثؤتم": يقتدى "بي، وأنقذني من النار، وجعلها علي بردًا": ذهبت حرارتها: فلم تحرق غير وثاقه، وبقيت إضاءتها، "وسلامًا" سلم من الموت ببردها، "ثم إن موسى ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي كلمني تكليمًا" بلا واسطة "واصطفاني"، واختارني على أهل زماني.
قال تعالى: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ، "وأنزل علي التوراة" فيها هدى ونور، وسماها الله تعالى الفرقان لفرقها بين الحق والباطل، والحلال والحرام، وبصائر للناس، وهدى ورحمة، "وجعل هلاك فرعون" على يدي، "ونجاة بني إسرائيل على يدي"، يتنازعه هلالك ونجاة، "وجعل من أمتي قومًا يهدون" الناس "بالحق، وبه يعدلون" ويحكمون، "ثم إن داود أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي جعل لي ملكًا عظيمًا" في بني إسرائيل، ولم يجتمعوا على نبي قبله، "وعلمني الزبور": كتاب الله المنزل عليه، "وألان في الحديد"، فكان في يدي كالعجين، "وسخر لي الجبال، يسبحن معي" بالعشي، وقت صلاة العشاء، والإشراق وقت صلاة الضحى، وهو أن تشرق الشمس ويتناهى ضوءها.
وفي التنزيل: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ [سبأ: ١٠] ، أي: سبحي معه، قاله مجاهد: رواه الفريابي، وعن الضحاك: هو التسبيح، بلغة الحبشة، قال ابن كثير: فيه نظر، فالتأويب لغة الترجيح، وقال وهب: نوحي معه، وذلك إما بخلق صوت مثل صوته فيها، أو بحملها إياه على التسبيح، إذا تأمل فيها، وقيل: سيري معه حيث سار والتضعيف للتكثير، "والطير"، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] ، للتسبيح معه لأمره به، إذا وجد فترة لينشط للتسيبح، "وآتاني الحكمة" النبوة والإصابة في الأمور، "وفصل الخطاب"، البيان الشافي في كل قصد.
وفي البيضاوي: وفصل الخصام بتمييز الحق عن الباطل، أو الكلام الملخص الذي ينبهстр. 3732
ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد الله الذي سخر لي الرياح، وسخر لي الشياطين، يعملون ما شئت من محاريب وتماثيل، وعلمني منطق الطير وآتاني من كل شيء فضلًا، وسخر لي جنود الشياطين والإنس والجن، والطير وآتاني ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي، وجعل لي ملكًا طيبًا ليس علي فيه حساب.
الحواشي
(١) المخاطب على المقصود من غير التباس، يراعى في مظان الفصل والوصل، والعطف والاستئناف، والإضمار والإظهار، والحذف والتكرار، ونحوها.
"ثم إن سليمان ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد لله الذي سخر لي الرياح"، ذللها لطاعتي إجابة لدعوتي، تجري بأمره رخاء: لينة من الرخاوة، لا تزعزع، أو لا تخالف إرادته، كالمأمور المنقاد حيث أصاب، أي: أراد، "وسخر لي الشياطين يعملون" لي "ما شئت من محاريب": أبنية مرتفعة يصعد إليها بردج كالقصور، سميت بها؛ لأنها يذب عنها ويحارب عليها، "وتماثيل": جمع تمثال، وهو كل شيء مثلثه بشيء، أي: صورًا من نحاس وزجاج ورخام، ولم يكن اتخاذ الصور حرامًا في شريعته.
وأسقط المصنف من حديث أبيس سعيد: وجفان كالجوابي وقدور راسيات، وكذا هو ثابت في حديث أبي هريرة عند البيهقي وغيره، وهو موافق للقرآن، فكأنه سقط من قلم المصنف سهوًا، والجوابي: جمع جابية وهي حوض كبير: يجتمع على الجفنة ألف رجل يأكلون منها، وقدور راسيات ثابتات لها قوائم، لا تحرك عن أماكنها: تتخذ من الجبال باليمن يصعد إليها بالسلاليم.
"وعلمني منطق الطير"، أي: فهم أصواته، "وآتاني من كل شيء" يؤتاه الأنبياء والملوك "فضلًا" مبينًا ظاهرًا، "وسخر لي جنود الشياطين، أي: أعوانا هم الشياطين، فهو من إضافة الأعم إلى الأخص، أو إضافة بيانية، "والإنس والجن" ظاهره أنهم غير الشياطين، وهو كذلك باعتبار الإيمان، فمن كفر من الجن يقال له: شيطان، كما في حياة الحيوان وغيرها، "والطير" أسقط من الحديث: وفضلني عل كثير من عباده المؤمنين، قبل قوله "وآتاني ملكًا لا ينبغي"، لا يكون "لأحد من بعدي"، أي: سواء، ولو في حياتي، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣] ، أي: سواء، "وجعل لي ملكًا طيبًا ليس علي فيه حساب" ولا عقاب، كما في الرواية، لعصمته من الظلم المؤدي إلى ذلك، فهو وإن اتسع ملكه بحيث تجري العادة في مثله بترتب الحساب والعقاب، لم يحصل فيه شيء يقتضيهما للملوك، لا سيما الجبابرة.стр. 3733
ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه فقال: الحمد لله الذي جعلني كلمته وجعلني مثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون، وعلمني الكتاب والحكمة والتوراة والإنجيل وجعلني أخلق من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وجعلني أبرئ الأكمه والأبرص، وأحيي الموتى بإذن الله، ورفعني وطهرني وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم، فلم يكن للشيطان علينا سبيل.
قال: وإن محمدًا ﷺ على ربه فقال: كلكم أثنى على ربه وأنا أثني على ربي: فأٌول الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين، وكافة للناس بشيرًا
الحواشي
(١) "ثم إن عيسى ﵇ أثنى على ربه، فقال: الحمد الله الذي جعلني كلمته"، أي: مكونًا بها، وهي قوله تعالى: كن من غير واسطة أب ولا نطفة، "وجعلني مثل آدم"، كشأنه في خلقه من غير أب، وهو من تشبيه الغريب بالأغرب، ليكون أقطع للخصم، وأوقع في النفس "خلقه"، أي: آدم، أي: قالبه "من تراب، ثم قال له: كن" بشرًا، "فيكون"، أي: فكان، وكذلك عيسى قاله له: كن من غير أب، فكان، والجملة مفسرة للتمثيل، مبينة لما به الشبه، "وعلمني الكتاب" الخط، أو جنس الكتب الإلهية، "والحكمة"، أي: العلوم وتهذيب الأخلاق، "والتوراة" النازلة قبله على موسى، "والإنجيل" المنزل على عيسى، "وجعلني أخلق"، أصور "من الطين كهيئة الطير"، مثل صورته والكاف اسم مفعول، "فأنفخ فيه"، الضمير للكاف، أو للطين، أو للطير، وهكذا بالتذكير في آل عمرا، وبالتأنيث في المائدة، عائدًا للهيئة، وهنو تفنن على عدة العرب في التفنن في الكلام، "فيكون طيرًا بإذن الله"، أي: بإرادته، "وجعلني أبرئ": أشفي "الأكمه" الذي ولد أعمى: "والأبرص": وخصا؛ لأنهما داء أعياء، وكان بعثه في زمن الطب، فأبرأ في يوم خمسين ألفًا بالدعاء، بشرط الإيمان، "وأحيي الموتى بإذن الله"، بإرادته، فأحيا عاذر صديقا له، وابن العجوز، وابن العاشر، فعاشوا وولد لهم، وسام بن نوح، ومات في الحال، "ورفعني" إليه من الدنيا بلا موت، "وطهرني": بعدني من الذين كفروا، "وأعاذني وأمي من الشيطان الرجيم" المطرود، "فلم يكن للشيطان علينا سبيل": قال ﷺ : "ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد: فيستهل صارخًا إلا مريم وابنها"، رواه الشيخان.
"قال: وإن محمدًا ﷺ أثنى على ربه، فقال: "كلكم" يا هؤلاء الذين أثنوا، "أثنى على ربه، وأنا أثني على ربي، فأقول: الحمد لله الذي أرسلني رحمة للعالمين" المسلمين، لسعادتهم في الدارين في معاشهم ومعادهم، والكافرين، بأمنهم من الخسف، والمسخ والاستئصال، "وكافة للناس"، بيان لعموم رسالته، فهو إما صفة مصدر، أي: إرساله كافة، أي:стр. 3734
"ونذيرًا، وأنزل علي الفرقان، فيه تبيان كل شيء، وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس، وجعل أمتي أمة وسطًا، وجعل أمتي هم الأولون والآخرون وشرح لي صدري، ووضع عني وزري، ورفع لي ذكري، وجعلني فاتحًا وخاتمًا".
الحواشي
(١) عامة كفتهم عن الخروج منها، فهو مفعول مطلق لأرسلني، أو اسم فاعل حال من الياء، أي: حال كوني كافا للناس، فالتاء للمبالغة وكونه حالًا من الناس، مقدمًا على صاحبها المجرور قول ضعيف، "بشيرًا"، أي: مبشرؤًا بالخير لمن آمن وأتقى، "ونذيرًا": منذرًا، محذرًا من كفر وعصى، وهو حال مترادفة، أو متداخلة حمدًا، لا على ما أنعم عليه، ثم ثنى بماله من المنافع والفوائد، وبعبارة كافة، أي: جامعًا في الإنذار والإبلاغ من الكف، بمعنى الجمع، ومنه كف الثواب، وهو جمعه بالخياطة، والهاء للمبالغة، كعلامة ونحوها، وقيل: معناه مانعًا ورادعًا من الكفر، وسائر المعاصي من الكف، بمعنى المنع، والهاء للمبالغة أيضًا، ونصب كافة على الوجهين حال من المفعول في أرسلني، "وأنزل علي الفرقان": من أسماء القرآن؛ لأنه فرق بين الحق والباطل، وهذا عام لغة، وعليه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ [الأنبياء: ٤٨] ، ثم خص عرفًا بالقرآن، فصار علمًا له بالغلبة، وأصله تبارك الذي نزل الفرقان على عبده، وهو مصدر بمعنى الفارق، أو المفرق آياته، أو إنزاله "فيه تبيان كل شيء": بكسر التاء البيان الشافي، كما قال تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] ، أي: يحتاج إليه من الأمور المهمة الشرعية، تفصيلًا في بعض، وإجمالًا في بعض، وأحاله على الرسول عغليه السلام في أمره باتباعه بقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: ٧] ، وعلى الإجماع بقوله، ويتبع غير سبيل المؤمنين وهو شامل للقياس والاجتهاد، كما في الكشاف وغيره.
"وجعل أمتي خير أمة أخرجت للناس" كم في الكتاب العزيز: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، "وجعل أمتي أمة وسطًا"، أي: خيارًا عدولًا، جامعين بين العمل والعلم، وسائر الصفات التي بين التفريط والإفراط.
"وجعل أمتي هم الأولون" في دخول الجنة، "والآخرون" في الوجود، وهم ضمير مبتدأ مفيد للحصر، لا ضمير فصل؛ لأنه لو كان كذلك لقيل: الأولين، "وشرح لي صدري": وسعه بالعلم والإيمان والحكمة واليقين: بحيث لا أحزن على أمر من أمور الدنيا، أو شقه وملأه بالأنوار، كما مر، "ووضع عني وزري": طهر قلبي من حظ الشيطان، وعصمني فلا أرتكب ذنبًا، ولذا قال: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ [القلم: ٢] ، فسوى بينهما لعدم وقوعهما، أو خفف أعباء النبوة والتبليغ بإفاضة منته علي، والجملتان في غاية التناسب، "ورفع لي ذكري": جعلني مذكورًا في الملأ الأعلى، وجعل اسمي طراز الجنان، ومقرونا باسمه تعالى على كلстр. 3735
فقال إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، ثم ذكر أنه عرج به إلى السماء الدنيا، ومن سماء إلى سماء، ذكره القاضي عياض في "الشفاء" مختصرًا من حديث أبي هريرة من غير عزو.
ورواه البيهقي من حديث أبي سعيد الخدري، وهذا لفظه.
الحواشي
(١) لسان، وعلى المنابر في إقامة وأذان، قال حسان:
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه ... إذا قال في الخمس المؤذن: أشهد
"وجعلني فاتحًا" لأبوب الإيمان والهداية إلى الصراط المستقيم، ولبيان أسباب التوفيق، وما استغلق من العلم، أو هو من الفتح بمعنى الحكم، فجعله حاكمًا كما في خلقه، ففتح ما انغلق بين الخصمين، بإحيائه الحق وإيضاحه، وإماتته الباطل وإدحاضه، أو فاتحًا بالشفاعة يوم القيامة، "وخاتمًا" للنبيين، أي: آخرهم بعثًا.
"فقال إبراهيم: بهذا"، أي: بمجموع ما ذكر، وبكل واحدة منها لا بالأولى فقط، كما زعم "فضلكم محمد"، أي: زاد فضله عليكم، وقدم المعمول للحصر، وقال هذا إبراهيم خطابًا للأنبياء إذاعة لفضله لما سمع ثناءه، "ثم ذكر" في هذا الحديث؛ "أنه عرج به إلى السماء الدنيا": القريبة إلينا من بين السبع سموات، "ومن سماء إلى سماء، ذكره القاضي عياض في الشفاء مختصرًا"، بمعنى أنه لم يذكر ثناء الأنبياء، بل قال: فأثنوا على ربهم، وذكر كلام كل واحد منهم، وهم: إبراهيم وموسى، وعيسى، وداود، وسليمان؛ ثم ذكر كلام النبي ﷺ ، فقال: "كلكم".... فذكره بلفظ المصنف هنا "من حديث أبي هريرة من غير عزو" لمخرج، وقد أخرجه أبو يعلى، والبزار، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي، كلهم من حديث أبي هريرة، فما يوهمه قول المصنف، "ورواه"، أي: الحديث الذي ذكره أولًا بقوله.
وعن أبي سعيد: ثم سار حتى أتى بيت المقدس إلى هنا، لا قوله: ثم عرج به إلى السماء، كما زعمه من لم يقف على شيء.
"البيهقي من حديث أبي سعيد" الخدري، "وهذا لفظه": من أن البيهقي لم يروه عن أبي هريرة، وأن عياضًا، وهم في نسبته له، ليس بمراد، وروى أحمد، وابن ماجه، وصححه الحاكم عن ابن مسعود، مرفوعًا: "لقيت ليلة أسري بي إبراهيم، وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى، فقال: أما وجبتها، فلا يعلم بها أحد إلى الله، وفيما عهد إلى ربي أن الدجال خارج، ومعي قضيبان، فإذا رآني، ذاب كما يذوب الرصاص، فيهكله الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر ليقول: يا مسلم إن تحتي كافرًا، فتعال فاقتله، فيهلكهم الله، ثم ترجع الناسстр. 3736
وفي رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن أنس: لما بلغ بيت المقدس، فبلغ المكان الذي يقال له: باب محمد، أتى إلى الحجر الذي به فغمز جبريل بأصبعه فثقبه ثم ربطها، ثم صعدا، فلما استويا في سرحة المسجد قال جبريل: يا محمد، هل سألت ربك أن يريك الحور العين؟ قال: "نعم"، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة
الحواشي
(١) إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون، فيطؤون بلادهم لا يطؤون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه، ثم ترجع الناس إلي فيشكونهم، فأدعوا الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم حتى تجوى الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم حتى يقذفهم في البحر، ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم، ففيما عهد إلي ربي أن ذلك إذا كان كذلك، فإن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها متى تفجؤهم بولادتها، ليلًا أو نهارًا، وتجوى "بالجيم": أي تنتن وقوله: فيهلكه الله إذا رآني، أي: على يدي، بقتلي له بعد هروبه، لا بمجرد رؤيته، وقوله: حتى إن الشجر غاية لمقدر، ففي حديث أبي أمامة عند ابن ماجه، وصححه ابن خزيمة والحاكم، مرفوعًا: "فإذا انصرف، أي: من الصلاة خلف المهدي، قال عيسى: افتحوا الباب، فيفتحون وراءه الدجال، معه سبعون ألف يهودي، كلهم ذو سيف محلى، وساج، فإنا نظر إليه الدجال ذاب، كما يذوب الملح في الماء، وينطلق هارًا، ويقول عيسى: إن لي فيك ضربة لن تسبقني، فيدركه عند باب لد الشرقي، فيقتله، فيهزم الله اليهود فلا يبقى شيء مما خلق الله ، تتوافى به دابة إلا الغرقدة، فإنها من شجرهم، لا تنطق، إلا قال: يا عبد الله المسلم هذا يهودي فتعال اقتله".
"وفي رواية ابن أبي حاتم في تفسيره، عن أنس: لما بلغ بيت المقدس، فبلغ"، أي: فسار حتى بلغ، "المكان الذي يقال له باب محمد" الآن بعد دخوله ﷺ منه، ويحتمل أنه كان معروفًا عندهم قبل المعراج، وبهاذ الاسم من الأنبياء والكتب القديمة، "أتى إلى الحجر" جواب لما "الذي به" وهو الصخرة المعروفة، "فغمز جبريل بإصبعه، فثقبه، ثم ربطها" أي: الدابة، وهو البراق، وفي نسخة: ثم "صعدا" أي: مرا بعد ربط البراق، وإلا فلا معنى للصعود هنا، وأكثر النسخ بإسقاطها وهي ظاهرة.
"فلما استويا في سرحة" بسين مهملة وراء وحاء، أي: فناء "المسجد"، أي ساحته التي في وسطه، وفي نسخة: صراحة المسجد بصاد مهملة، وهي ظاهرة، أي: ساحته وفي نسخة: عرضه المسجد، أي: ساحته التي لا بناء فيها، ونقل الشامي هذا الحديث بعينه، بلفظ: في صخرة المسجد، أي: عندها.
"قال جبريل: يا محمد هل سألت ربك أن يريك الحور العين": بكسر العين جمع عيناء، حسنة العينين واسعتهما، والحور: النساء البيض، اللواتي بأعينهن حور، وهو شدة بياض بياضها،стр. 3737
"فسلم عليهن: قال: فسلمت عليهن فرددن علي السلام، فقلت: لمن أنتن؟ ققلن: خيرات حسان، نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا، وأقاموا فلم يظعنوا، وخلدوا فلم يموتوا، قال: ثم انصرفت فلم ألبث إلا يسيرًا، حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة، قال: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ جبريل ﵇ بيدي فقدمني فصليت بهم، فلما انصرفت قال لي جبريل: أتدري من صلى خلفك؟ قلت: لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله".
قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون ﷺ صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس، ثم صعد منهم إلى السماء من ذكر أنه ﵇ رآه في السماوات ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء، فهبطوا أيضًا، والأظهر أن
الحواشي
(١) وسواد سوادها، وقيل: الحور اسوداد المقلة كلها، كعيون الظباء، قالوا: ولا حور في الإنسان وإنما قيل ذلك في النساء على التشبيه، "قال: "نعم"، قال: فانطلق إلى أولئك النسوة"، فإنهن من الحور العين، "فسلم عليهن، قال" ﷺ : فانطلقت، "فسلمت عليهن، فرددن علي السلام، فقلت: لمن أنتن؟، فقلن: خيرات" أخلاقًا، "حسان" وجوها: جمع حسناء، وقيل: خيرات: جمع خيرة بفتح فسكون، وهي الحوارء، "نساء قوم أبرار، نقوا فلم يدرنوا" بفتح الياء والراء، أو بضم الياء وكسر الراء، أي: لم يصبهم درن، وهو الوسخ، "وأقاموا، فلم يظعنوا"، يرتحلوا من محل لآخر، فتصيبهم مشقة الظعن، "وخلدوا، فلم يموتوا، قال: ثم انصرفت" من عند الحور، "فلم ألبث إلا يسيرًا حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن وأقيمت الصلاة"، تقدم المراد بهما؛ "قال: فقمنا صفوفًا ننتظر من يؤمنا، فأخذ جبريل ﵇ بيدي، فقدمني، فصليت بهم، فلما انصرفت" من السلاة، "قال لي جبريل: أتدري من صلى خلفك؟، قلت: لا، قال: صلى خلفك كل نبي بعثه الله" تعالى، أي: أوحي إليه بشرع، فشمل الأنبياء والمرسلين لقوله في الحديث السابق: "فإذا النبيون أجمعون يصلون معه"، ثم ظاهر سياق هذا الحديث يخالف قوله في الرواية السابقة، ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين قائم وراكع وساجد، ثم أقيمت الصلاة، فأممتهم.
"قال القاضي عياض: يحتمل أن يكون ﷺ صلى بالأنبياء جميعًا في بيت المقدس قبل العروج.
قال الشامي: وهو الذي تظافرت به الروايات، واستظهره الحافظ "ثم صعد منهم إلى السماء من ذكر أنه ﵇ رآه في السموات" آدم، فيحيى وعيسى، فيوسف، فإدريس، فهارون فموسى فإبراهيم، "ويحتمل أن يكون صلى بهم بعد أن هبط من السماء فهبطوا أيضًا"стр. 3738
صلاته بهم في بيت المقدس كان قبل العروج. انتهى.
وقال ابن كثير: صلى بهم ببيت المقدس قبل العرج وبعده، فإن في الحديث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه، انتهى.
وقد اختلف في هذه الصلاة، هل هي فرض أو نفل؟ وإذا قلنا: إنها فرض، فأي صلاة هي؟
قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى على قول من قال: إنه ﷺ صلى بهم قبل عروجه إلى السماء، وأما على قول من قال:
الحواشي
(١) للصلاة معه.
قال الشامي: وصححه ابن كثير، وقوله: والأظهر أن صلاته بهم ببيت المقدس كان قبل العوج، انتهى" ظاهره أنه من كلام عياض، وليس كذلك.
إنما هو للحافظ، ذكره في فتح الباري بعد كلام عياض، وكذا عزاه له تلميذه النعماني، ثم الشامي، ثم الغيطي.
"وقال ابن كثير: صلى بهم ببيت المقدس قبل العروج وبعده، فإن في الحديث ما يدل على ذلك، ولا مانع منه، انتهى"، وهذا منابذ لنقله عن ابن كثير نفسه، ومن قوله: الظاهر أنه بعد رجوعه إلى ما يأتي بعد أسطر، وقد نسب النعماني ما هنا لنفسه، وتبعه الشامي فعزا له.
"وقد اخلتف في هذه الصلاة"؛ هل هي الشرعية المعروفة، أو اللغوية؟، وصواب الأول؛ لأن النص يحمل على حقيقته الشرعية قبل اللغوية ما لم يتعذر حمله على الشرعية، ولم يتعذر هنا، فوجب حمله على الشرعية، وعلى هذا اختلف "هل هي فرض"؟، ويدل عليه، كما قال النعماني حديث أنس عند ابن أبي حاتم المتقدم قريبًا للمصنف، "أو نفل، وإذا قلنا: إنها فرض، فأي: صلاة هي؟، قال بعضهم: الأقرب أنها الصبح، ويحتمل أن تكون العشاء، وإنما يتأتى على قول من قاله: إنه ﷺ صلى بهم قبل عروجه إلى السماء.
وفي النعماني: إنما يتأتلى على أن الإسراء من أول الليل، لكن قال بعض رواة حديث الإسراء: إنه بعد صلاة العشاء، "وأما على قول من قال: صلى بهم بعد العروج، فتكون الصبح"؛ والاحتمالان، كما قال الشامي ليسا بشيء، سواء قلنا: صلى بهم قبل العروج أو بعده؛ لأن أول صلاة صلاها النبي ﷺ من الخمس مطلقًا الظهر بمكة باتفاق، ومن حمل الأولية على مكة، فعليه الدليل، قال: والذي ظهر أنها كانت من النفل المطلق، أو كانت من الصلاة المفروضة عليه قبل ليلة الإسراء، وفي فتاوى النووي ما يؤيد الثاني.стр. 3739
صلى بهم بعد العروج فتكون الصبح.
قال ابن كثير: ومن لناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، والظاهر أنه بعد رجوعه إليهم؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل من يسأل جبريل عنهم واحدًا بعد واحدًا، وهو يخبره بهم، ثم قال: وهذا هو اللائقق؛ لأنه أولًا كان مطلوبًا إلى الجناب العلوي، ليفرض الله عليه وعل أمته ما يشاء، ثم لما فرغ مما أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه عليهم بتقدمه في الإمامة.
وفي رواية ابن إسحاق: أنه ﵇ قال: "لما فرغت مما كان في بيت
الحواشي
(١) "قال ابن كثير: ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس"، فهو الواجب القبول، "والظاهر أنه بعد رجوعه إليهم؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم" من السماوات "جعل من يسأل جبريل عنهم واحدًا بعد واحد، وهو يخبره بهم"، فلو رآهم قبل العروج ما حسن السؤال ولا الجواب، ولكن هذا عقلي يدفعه قوله: ثم دخلت المسجد، فعرفت النبيين ما بين قائم، وراكع وساجد، والسؤال عنهم بعد ذلك في السماوات لا يستلزم أنه لم يرهم قبل، لجواز اختلاف الصفة.
وقد نقل الحافظ، أن رؤيته الذين صلوا ببيت المقدس تحتمل الأرواح خاصة، والأرواح بأجسادها، وأما في السماء، فمحمولة على الأرواح إلا عيسى، لما أثبت أنه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك، ويأتي ذلك للمصنف.
"ثم قال" ابن كثير: "وهذ هو اللائق؛ لأنه أولًا كان مطلوبًا إلى الجناب العلوي، ليفرض الله عليه وعلى أمته ما يشاء، ثم لما فرغ مما أريد به اجتمع هو وإخوانه من النبيين"، وهذا أيضًا عقلي لا ينهض حجة في المدعي؛ لأنه قدم على هذا الأمر العظيم الذي ليس في طوق بشر يناسبه بالانتقال من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وما رآه في سيره من الآيات، ثم دخوله الأقصى وصلاته ركعتين، فناسب أن يجتمع بإخوانه ليزيد إيناسه بالاجتماع بجنسه "ثم أظهر شرفه عليهم بتقديمه في الإمامة"، ثم ثناء من أثنى منهم على ربه، وزيادة ثنائه عليهم، وقول إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، فيتلقى المعراج بقلب قوي، فلا يكون عنده وحشة في العالم العلوي.
"وفي رواية ابن إسحاق"، عن أبي سعيد، "أنه ﵇ قال: "لما فرغت مما كان في بيت المقدس" من صلاته الركعتين، وصلاته بالأنبياء وثنائهم على الله، "أتي بالمعراج"стр. 3740
"المقدس، أتي بالمعراج، ولم أر قط شيئًا أحسن منه، وهو الذي يمد إليه الميت عينيه إذا احتضر، فأصعدني صاحبي جبريل فيه حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء".
وفي روياة كعب: "فوضعت له مرقاة من فضة ومرقاة من ذهب حتى عرج هو وجبريل".
وفي "شرف المصطفى" أنه أتي بالمعراج من جنة الفردوس، وأنه منضد باللؤلؤ عن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة.
وفي رواية أبي سعيد -عند البيهقي- "ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت حين يشق
الحواشي
(١) الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، كما في الرواية الآتية، "ولم أر قط شيئًا أحسن منه، وهو الذي يمد إليه الميت عينيه إذا احتضر"، ولو كان الميت أعمى، كما في شرح الصدور، فالميت يكشف له إذا احتضر عن المعراج، فيراه، فيمد عينه إليه، فإذا قبضت روحه، صعدت فيه إلى حيث شاء الله، "فأصعدني صاحبي جبريل فيه، حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء"، أي: الدنيا، كما مر في الحديث.
"وفي رواية كعب" عند الواسطي في فضائل بيت المقدس؛ "فوضعت له مرقاة من فضة، ومرقاة من ذهب"، وهو المعراج، "حتى عرج هو وجبريل" عليها، والمرقاة موضع الرقي، ويجوز فتح الميم على أنه موضع الارتقاء، وكسرها تشبيها باسم الآلة، كالمطهرة، وأنكره أبو عبيد وقال: لم تقله العرب.
"وفي" رواية لابن سعد في كتاب "شرف المصطفى؛ أنه أتي بالمعراج من جنة الفردوس"، قال ﷺ : "الفردوس أعلى الجنة ووسطها، وفوقه عرض الرحمن، ومنها تفجر أنهار الجنة، فإذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس" رواه ابن ماجه، وصححه الحاكم.
"وأنه منضد اللؤلؤ"، أي: جمع عليه بحيث عمه بجعل بعضه فوق بعض، "وعن يمينه ملائكة، وعن يساره ملائكة".
"وفي رواية أبي سعيد عند البيهقي: ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم، فلم تر الخلائق أحسن من المعراج، أما رأيت الميت"، استفهام قصد به تقرير المبالغة في حسنه، "حين يشق بصره"، أي: تنفتح عيناه عند الاحتضار انفتاحًا لا يرتد عما رآه، قال المجد: شق بصر الميت، نظر إلى شيء لا يرتد إليه طرفه، ولا تقل شق الميت بصره فأفاد أنه لازم، وفسره الفقهاء بيشخص بصره، ولعله إشارة إلى أنه صار كالشاخص الذي لا يتحرك منстр. 3741
"بصره طامحًا إلى السماء، فإن ذلك عجبه بالمعراج".
وقد تقدم في حديث البخاري السابق: "فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاسفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم".
ولم يقل جبريل ﵇: أنا، حيث قال له: من هذا؟ إنما سمى نفسه فقال: جبريل؛ لأن لفظ "أنا" فيه إشعار بالعظمة، وفي الكلام السائر: أول من قال: "أنا" إبليس فشقي، وأيضًا فقوله: "أنا" مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير كافية في البيان.
وعلى هذا ف ينبغي للمستأذن إذا قيل له: من أنت؟ لا يقول: "أنا"، بل
الحواشي
(١) شدة نظره للمعراج الذي تعرج روحه عليه، وترى بصرية حالة كونه، "طامحًا"، أي: رافقًا بصره إلى السماء، "فإن ذلك"، أي: سببه "عجبه بالمعراج، وقد تقدم في حديث البخاري السابق" عن مالك بن صعصعة "فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح، قيل: من هذا؟، قال: جبريل: قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل: أوقد أرسل إليه؟، قال: نعم، ولم يقل جبريل ﵇: أنا حيث قال له: من هذا؟، إنما سمى نفسه، فقال جبريل"، واقتصر عليه؛ لأنه ليس في الملائكة من تسمى بهذا الاسم غيره؛ "لأن لفظ أنا فيه إشعار بالعظمة" التي لا تخلو عن نوع تكبر، كأنه يقول: أنا لا أحتاج إلى ذكر سمي لسمو مقامي، قاله ابن الجوزي.
قال بعضهم: وعادة العارفين المتقنين، أن يذكر أحدهم اسمه بدل قوله أنا، ولا في نحو إقرار، بحق، فالضمير أولى، "وفي الكلام السائر" الجاري بين الناس، "أول من قال أنا إبليس، فشقي"، وقال فرعون: أنا ربكم الأعلى فتعس، "وأيضًا، فقوله أنا مبهمة لافتقار الضمير إلى العود، فهي غير كافية في البيان"، والضمير إذا عاد وتعين مضمره كان أعرف المعارف، والمستأذن محجوب عن المستأذن عليه، غير متعين عنده، فكأنه أحاله على جهالة، كما في ابن المنير وغيره.
"وعلى هذا فينبغي للمستأذن إذا قيل له: من أنت؟، أن لا يقول: أنا، بل يقول: فلان"، ويصف نفسه بما يميزه عن غيره، فلا يكفي أن يقول محمدًا مثلًا، إلا إذا كان معروفًا للمخاطب بذلك الاسم، وقد أنكر النبي ﷺ على الذي استأذن عله، فقال: "من هذا؟، فقال: أنا، فقال ﷺ : أنا أنا" إنكارًا عليه، قاله ابن المنير وغيره.
وقال بعض المحققين: ذهبت طائفة من العلماء، وفرقة من الصوفية إلى كراهة إخبار الرجلстр. 3742
يقول: فلان.
وفي رواية للبخاري ومسلم: فعرج، وهو بفتح العين بمعنى صعد.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء يقال له: باب الحفظة، وعليه مالك يقال له: إسماعيل تحت يده اثنا عشر ألف ملك.
الحواشي
(١) عن نسفه بأنا، تمسكا بظاهر الحديث حتى قالوا: كلمة أنا لم تزل مشؤومة على أصحابها، وزادوا أن إبليس إنما لعن بقولها، وليس كما قالوا، بل النهي عنه لما صحبه من النظر إلى نفسه بالخيرية: ولا تنكر إصابة الصوفية في دقائق علومهم، وإشاراتهم في التبري من الدعاوي الوجودية، لكن الذي أشاروا إليه بهذا راجع إلى معان تتعلق بأحوالهم دون ما فيه من التعلق بالقول، كيف وقد ناقض أقوالهم نصوص كثيرة، وهم أشد الناس فرارًا من مخالفتها، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠] ، ﴿أَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِين﴾ [الأعراف: ١٤٣] ، ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِين﴾ [ص: ٨٦] ، وقوله ﷺ : "أنا سيد ولد آدم"، والحاصل كما قال بعض الأفاضل؛ أن ذلك يتفاوت بتفاوت الأحوال والمقامات، فالمتردد في الأحوال، المتحول في الفناء والتلوين ينافي حاله أن يقول أنا، ومن رقي إلى مقام البقاء بالله، وتصاعد إلى درجات التمكين فلا يضره.
"وفي رواية البخاري" ففي الصلاة وغيرها، "ومسلم" في الإيمان من حديث أنس، عن أبي ذر: "فعرج" بي جبريل إلى السماء الدنيا، بدل قوله في رواية ابن صعصعة: فانطلق، "وهو بفتح العين" والفاء والراء، "بمعنى صعد".
"وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي" وابن إسحاق: "حتى انتهى إلى باب من أبواب السماء، يقال له: بال الحفظة وعليه ملك يقال له إسماعيل"؛ وهو صاحب سماء الدنيا، كما في رواية البيهقي عن أبي سعيد.
وفي حديث جعفر بن محمد عند البيهقي معضلًا أيضًا: يسكن الهواء، لم يصعد إلى السماء قط، ولم يهبط إلى الأرض قط إلا يوم مات النبي ﷺ ومعلوم أن علم ذلك بإخباره عليه السلم به قبل موته؛ لأن هذا لا مدخل فيه للرأي.
"تحت يده اثنا عشر ألف ملك"، ينقادون لأمره ونهيه كالجند، زاد في رواية ابن إسحاق: مع كل ملك اثنا عشر ملك، وروى ابن جرير والبيهقي في الدلائل من حديث أبي سعيد: وبين يديه سبعون ألف ملك، مع كل ملك جنده مائة ألف.
وفي رواية للبزار: تحت يده سبعون ألف ملك، تحت يد كل ملك سبعون ألف ملك، ولعل المراد التكثير، فلا يخالف مائة ألف، ولعل الإثني عشر ألفًا رؤساء السبعين ألفًا، وكذا الإثناстр. 3743
وفي رواية شريك -عند البخاري أيضًا- ثم عرج به إلى سماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل سماء الدنيا: من هذا؟ قال: جبريل، قالوا: ومن معك قال: محمد. قالوا: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قالوا: مرحبًا وأهلًا، فيستبشر به اهل السماء، لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعلمهم، أي على لسان من شاء كجبريل.
ووقع في هذه الرواية أيضًا أنه رأى في سماء الدنيا النيل والفرات عنصرهما.
وظاهرها يخالف حديث مالك بن صعصعة فإن فيه بعد ذكر سدرة المنتهى: وإذا في أصلها أربعة أنهار.
ويجمع بينهما: بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى ومقرهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض.
الحواشي
(١) عشر ألفًا الذين مع كل ملك رؤساء على باقي المائة ألف، فلا خلف، والله أعلم.
"وفي رواية شريك" بن عبد الله المدني، عن أنس، "وعند البخاري أيضًا، ثم عرج" جبريل "به"، بالنبي ﷺ "إلى سماء الدنيا، فضرب بابا من أبوابها، فناداه أهل سماء الدنيا"، أي: جنسهم الصادق بالحفظة للباب: "من هذا"؟، الذي يدق الباب.
وفي حديث أبي ذر: فلما جئت إلى السماء، قال جبريل لخازن السماء الدنيا: افتح قال: من هذا؟، "قال: جبريل قالوا: ومن معك؟، قال: محمد، قالوا: وقد بعث إليه؟، قال: نعم، قالوا: مرحبًا وأهلًا، فيستبشر به أهل السماء"، سقطت الفاء من رواية الأصيلي، وزاد الدنيا، "لا يعلم أهل السماء بما يريد الله به في الأرض حتى يعملهم، أي: على لسان من شاء، كجبريل" ﵇، "ووقع في هذه الرواية"، أي: رواية شريك عن أنس "أيضًا، أنه رأى في سماء الدنيا النيل والفرات، عنصرهما" بضم المهملتين، بينهما نون ساكنة أصلهما الذي تميزا به عن نهري الجنة، فينزلان إلى سمءا الدنيا، ثم ينزلان إلى الأرض بدل مما قبله.
ولفظ رواية شريك: فإذ هو في السماء الدنيا بنهرين يطردان: فقال: ما هذان النهران يا جبريل؟، قال: هذا الني والفرات عنصرهما، "وظاهرها"، أي: هذه الرواية "يخالف حديث مالك بن صعصعة، فإن فيه بعد ذكر سدرة المتنتهى، وإذا في أصلها أربعة أنهار"، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟، قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات، "ويجمع بينهما؛ بأن أصل نبعهما من تحت سدرة المنتهى، ومقرهما في السماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض" وجمع ابن دحية، بأنه رأى هذين عند سدرة المنتهىстр. 3744
ووقع في هذه الروياة أيضًا: ثم مضى به في السماء الدنيا فإذا هو بنهر آخر، عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، وأنه الكوثر.
وهو مما استشكل من رواية شريك، فإن الكوثر من الجنة، والجنة فوق السماء السابعة، ويحتمل أن يكون تقديره: ثم مضى في سماء الدنيا إلى السابعة فإذا هو بنهر.
ثم إن قوله في الحديث: "استفتح" دلالة على أنه صادف أبواب السماء مغلقة، والحكمة في ذلك -والله أعلم- التنويه بقدره ﵇، وتحقيق أن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتحة لم يتحرر أنها فتحت
الحواشي
(١) مع نهري الجنة، ورآههما في السماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بالعنصر عنصر انشتارهما السماء الدنيا، وكان الحافظ لم يرتضه لقوله، كذا قال ابن دحية انتهى، وتبعه المصنف فيما يأتي وجمع غيره بأن منبعهما من السدرة، وإذا نزلا إلى الأرض، يسلكان أولًا على الجنة، فيدخلانها، ثم ينزلان إلى الأرض بعد ذلك، ويأتي مزيد لذلك إن شاء الله قريبًا.
"ووقع في هذه الروياة أيضًا: ثم مضى به في السماء الدنيا، فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد، وأنه" فسره جبريل بقوله: هذا "الكوثر"، ولفظه عقب زبرجد، فضرب يده، فإذا هو مسك، قال: "ما هذا يا جبريل"؟، قال: هذا الكوثر الذي خبا لك ربك، "وهو مما استشكل من رواية شريك، فإن الكوثر في الجنة، والجنة فوق السماء السابعة، ويحتمل الجمع برد رواية شريك إلى هذا، وهو "أن يكون" هناك حذف "تقديره: ثم مضى في سماء الدنيا إلى السابعة، فإذا هو بنهر"، كذا ذكره الحافظ، واستبعده تلميذه القطب الخيضري في الخصائص، بأن بين الأولى والسابعة خمس سماوات، كل منها له صفة غير صفة الأخرى، ولها أبواب وخدام غير الأخرى، فإطلاق المسير إليها بعيد، وذكرها بعد السادسة مما يبعده أيضًا لكن قد يقال من غير استبعاد؛ أن أصل الكوثر في الجنة، وجعل الله تعالى منه فرعًا في السماء الدنيا، عجل لنبيه رؤيته استبشارًا؛ لأنها أول المراتب العلوية بعد السفلية، ويؤيد هذا قول جبريل: خبا لك ربك انتهى.
"ثم إن قوله في الحديث: استفتح، دلالة" صريحة "على أنه صادف أبواب السماء مغلقة"، وأصرح منه قوله في حديث أبي ذر: قال جبريل لخازن السماء: افتح، وكذا ضربه الباب.
"والحكمة"، كما قال ابن المنير "في ذلك، والله أعلم، التنويه بقدره"، أي: إظهاره ورفعه "﵇، وتحقيق أن السماوات لم تفتح أبوابها إلا من أجله، ولو وجدها مفتحةстр. 3745
لأجله، فلما فتحت له تحقق غليه السلام أن المحل مصون، وأن فتح له كرامة وتبجيل.
وأما قوله في الحديث: "أرسل إليه"؟ وفي رواية وقد "بعث إليه"؟ فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعروج إلى السماء، وهو الأظهر لقوله: "إليه"؛ لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى.
وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة الله تعالى عليه بذلك، أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن من الله تعالى، وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه.
قيل: إن الله تعالى أراد أراد إطلاع نبيه على أنه معروف عند الملأ الأعلى،
الحواشي
(١) لم يتحرر"، أي: لم يعلم "أنها فتحت لأجله"، ولا بد، بل كان يحتمل أنها مفتوحة دائمًا، وأنها فتحت لغيره، تصادف مجيئه بعده، "فلما فتحت له تحقق ﵇ أن المحل مصون، وأن فتحه له كرامة وتبجيل": تعظيم وقال ابن دحية: وإنما لم تهيأ له بالفتح قبل مجيئه، وإن كان أبلغ في الإكرام؛ لأنه لو رآها مفتحة لظن أنها لا تزال كذلك، ففعل ذلك ليعلم أن ذلك فعل من أجله؛ ولأن الله تعالى أراد أن يطلعه على كونه معروفًا عند أهل السماوات.
"وأما قوله في الحديث: أرسل إليه"، بهمزة واحدة، ولأبي ذر: أأرسل بهمزتين، الأولى للاستفهام، والثانية للتعدية، وهي مضمومة، وللكشميهني أوأرسل، بواو مفتوحة بين الهمزتين.
"وفي رواية" لشريك عن أنس: "وقد بعث إليه، فيحتمل أن يكون استفهم عن الإرسال إليه للعرود إلى السماء" والإسراء، "وهو الأظهر لقوله: إليه"، إذ لو كان المراد أصل البعثة، لم يحتج لقوله إليه؛ "لأن أصل بعثه قد اشتهر في الملكوت الأعلى"، فلا يخفى عليهم إلى هذه المدة.
قال الحافظ: بعدها استظهر هذا تبعًا لابن المنير وغيره: ويحتمل أن يكون خفي عليه أصل إرساله لاشتغاله بعبادته، قال: ويؤيده رواية شريك: وقد بعث إليه. انتهى، وقد يقال: لا تأييد فيه؛ لأن المراد البعث الخاص للإسراء وصعود السماوات، لا عن أصل البعثة.
"وقيل: سألوا تعجبًا من نعمة الله تعالى عليه بذلك، أو استبشارًا به، وقد علموا أن بشرًا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى"، إذ لا قدرة له على ذلك حتى يأذن، "وأن جبريل لا يصعد بمن لم يرسل إليه"، فليس سؤالًا حقيقيًا.
"وقيل: إن الله تعالى أراد اطلاع نبيه على انه معروف عند الملأ الأعلى؛ لأنهمстр. 3746
لأنهم قالوا: وقد بعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا؟ ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع، على المعروف من عادة العرب.
وأما قوله: "من معك"؟ فيشعر بأنهم أحسوا به ﵊، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوي كزيادة أنوارها ونحوه، قاله الحافظ ابن حجر.
ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في "بهجته": الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه من زيادة الأنوار وغيرها من
الحواشي
(١) قالوا: وقد بعث إليه"، بحذف همزة الاستفهام، للعلم بها، "أو أرسل إليه"، بحذفها وإثباتها روايتان كما علم، "فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له" ﷺ "وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا، ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع": المبالغة في إظهار قدره وشرفه بين الملائكة، بناء "على المعروف من عادة العرب"، فيمن خاطبوه بذلك، وهذا ذكره ابن أبي جمرة.
وذكر ابن المنير: أن موقع قول الخازن، وقد بعث إليه استنطاق جبريل بالسبب الموجب للإذن، والفتح؛ لأن مجرد قوله: معي محمد، لا يوجب الإذن إلا بواسطة البعث من الله تعالى، ويلزم منه الإذن في إزالة الموانع وفتح أبواب السماء، فلم يتوقف الخازن على أن يوحى إليه بالفتح؛ لأنه لزم عنده من البعث الإذن.
"وأما قوله: من معك، فيشعر بأنهم أحسوا به ﵊"، لفظ الحافظ؛ بأنهم أحسوا عه برفيق، "وإلا لكان السؤال بلفظ أمعك أحد؟، وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة" لا تحجب ما وراءها، "وإما لأمر معنوي، كزيادة أنوار ونحوها، قاله الحافظ ابن حجر" في فتح الباري: "ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في بهجته"، أي: كتابه بهجة النفوس وتحليلها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه على الأحاديث التي انتخبها من البخاري.
"الثاني: أن يكون سؤالهم له" لجبريل، "لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه" على جبريل "منстр. 3747
المآثر الحسان زيادة على ما يعهدونه منه، قال: وهذا هو الأظهر، كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك؟ فأخبرهم بما أردوا وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه، انتهى.
وقد قال بعض العلماء: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] أنه ﷺ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة.
وأما قولهم له: "مرحبًا به ولنعم المجيء جاء" فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته ﵇ التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء فنعم المجيء مجيئه، وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك،
الحواشي
(١) زيادة الأنوار وغيرها"، بيان لما رأوا "من المآثر الحسان، زيادة على ما يعهدونه منه، قال: وهذا هو الأظهر" من احتمال أن ذلك؛ لأن السماء شفافة، "كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا، وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه. انتهى.
"و" يؤيده أنه "قد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] ، أنه ﷺ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت، فإذا هو عروس المملكة" لشدة أنواره "وأما قولهم له: مرحبًا به"، أي: أصاب رحبًا وسعة، كنى بذلك عن الانشراح، وأخذ منه ابن المنير جواز رد السلام بغير لفظه، وتعقب بأن مرحبًا به ليس ردًا؛ لأنه كان قبل فتح الباب، والسياق يرشد إليه وقد نبه على ذلك ابن أبي جمرة.
"ولنعم المجيء جاء، فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته ﵇ التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه"، وفيه دللة على أن للحاشية إذا فهموا من سيدهم عزمًا إكرام وافد أن يبشروه بذلك، وإن لم يأذن لهم فيه، ولا يكون إفشاء سر؛ لأن الخازن أعلم النبي ﷺ حال استدعاء؛ أنه استدعاء إكرام وإعظام، فعجل بالبشرى والفراسة الصادقة عند أهلها، وفي محلها تحصل العلم، كما يحصله الوحي، قاله ابن المنير.
"وفيه تقديم وتأخير، والتقدير جاء، فنعم المجيء مجيئه" كذا قاله بعض الشراح وخرجه ابن مالك في التوضيح على وجه لا تقديم فيه ولا تأخير، فقال: في هذا الكلام شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو الصفة عن الموصوف في باب، نعم؛ لأنها تحتاج إلى فاعل على المجيء وإلى مخصوص بمعناها، وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها فهو في هذا الكلام، وشبهه موصول أو موصوف بجاء والتقدير نعم المجيء الذي جاء، أو نعم المجيءстр. 3748
بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة؛ لأنه حياة قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي ﷺ خطاب، ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له؛ لأن "هاء" الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب.
وأما قوله في الحديث: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت: لجبريل: "من هذا"؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن
الحواشي
(١) مجيء جاء، وكونه موصولًا أجود؛ لأنه مخبر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة، نقله في الفتح، وقدمته في شرح الحديث.
"وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك، بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة؛ لأنه حياه قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي ﷺ خطاب"، ولهذا قال الملك لجبريل: ومن معك؟، فخاطبه بصيغة الخطاب؛ لأن جبريل خاطب الملك، فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانب، قاله ابن المنير.
"ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له؛ لأن هاء الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب"، لما فيها من إجلال المخاطب على مخاطبه؛ لأنه لم ينزل نفسه أهلًا لخطابه، لجلالته عليه، وهذان الاحتمالان ذكرهما ابن المنير.
"وأما قوله في الحديث" ليس يعني به حديث مالك بن صعصة الذي قدمه؛ لأنه ليس فيه ذكر النسم، كما في البخاري ومسلم، وإنما عني به حديث أنس عن أبي ذر عند البخاري أول كتاب الصلاة، ولفظه: "فلما فتح علونا السماء الدنيا، "فإذا"" بالفاء وللأصيلي وابن عساكر بدونها، "رجل قاعد عن يمينه أسودة" أشخاص: جمع سواد، كأزمنة جمع زمان، "وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة "يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال" ذلك الرجل القاعد: "مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح".
وفي رواية شريك: فقال: مرحبًا وأهلًا يا بني، نعم الابن أنت، والصالح القائم بما يلزمه من حقوق الله، وحقوق العباد فهي صفة جامعة لمعاني الخير، فوصفه بها مكررًا مع النبوة، والبنوة إشارة إلى أنه جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنه قال مرحبًا بالنبي التام في نبوته، والابن البار في نبوته وفيه افتخار بأبوته للنبي ﷺ ، ولجمع الصلاح لخلال الخير، اقتصر الأنبياء على وصفه بالصالح وتواردوا على ذلك، وكررها كل منهم عند كل صفة، ولم يقولوا بالنبي الصادق، أو الأمين، قال بعضهم: وصلاح الأنبياء غير صلاح الأمم، فصلاح الأنبياء صلاح كامل؛ لأنهم يزول بهم كل فساد، فلهم صلاح خاص لا يتناول عموم الصالحين؛ لأن كثيرًا منстр. 3749
يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.
فالأسودة: بوزن أزمنة، مفرد سواد، هي الأشخاص.
والنسيم: بالنون والسين المفتوحتين جمع نسمة، وهي الروح.
وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟
الحواشي
(١) الأنبياء تمنى أن يلحق بالصالحين، ولا يتمنى الأعلى أن يلحق بالأدنى، فهذا يحقق أن صلاح الأنبياء غير صلاح الأمم، ومن دونهم الأمثل فالأمثل، فكل واحد يستحق اسم الصلاح على قدر ما زال به، أو منه من الفساد.
"قلت لجبريل: "من هذا"؟، قال: هذا آدم"، ظاهره أنه سأله عنه بعد أن قاله له آدم مرحبًا ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة فتحمل هذه عليها، إذ ليس في هذه أداة ترتيب كذا في فتح الباري، وتبعه الشامي، أي: لأنه لم يقل هنا، فقلت لجبريل، بالفاء، إنما قال قلت: فيحمل على أن القول وقع قبل قول آدم مرحبًا، والمراد بالعكس المخالفة، فلظ رواية ابن صعصعة: "فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح".
"وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسيم بنيه": أرواحهم، "فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك" سرورًا، "وإذ نظر قبل شماله بكى" حزنًا، "فالأسودة بوزن أزمنة مفرد سواد" بوزن زمان، "هي الأشخاص" من كل شيء وتطلق بمعان آخر، "والنسيم: بالنون والسين المفتوحتين، جمع نسمة" بزنة قصب وقصبة "وهي الروح" بيان للمراد بها هنا، وإلا ففي المصباح النسم والنسمة نفس الريح، ثم سميت به النفس بالسكون.
قال الحافظ: وحكى ابن التين؛ أنه رواه شيم: "بكسر الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف بعدها ميم"، وهو تصحيف وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل.
"وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين": مكان يعذبون فيه أسفل السافلين، كما في ابن المنير وفي المصنف: في سجين الأرض السابعة، وفي القاموس: سجين موضع فيه كتاب الفجار، وواد في جهنم.
"وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة"، روى الطبراني والبيهقي بسند حسن عن أمстр. 3750
وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق عرضها مرور النبي ﷺ ويدل على كونهم في النار في أوقات دون أوقات، قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] .
واعتراض: بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن.
والجواب عنه: ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله: وكان يكشف له عنهما، ولا يلزم من رؤية آدم لها -وهو في السماء- أن تفتح لها أبواب السماء ولا تلجها.
وفي حديث أبي هريرة عند البزار: فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر وإذا نظر عن
الحواشي
(١) مبشر، وكعب بن مالك، أن النبي ﷺ قال: "إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجين"، وسئل النبي ﷺ عن أرواح المؤمنين، فقال: "في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت"، قالوا: وأرواح الكفار، قال: "محبوسة في سجين"، رواه الطبراني "يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا" مع أرواح الكفار في سجين الأرض السابعة.
"وأجاب"عياض: "بأنه يحتمل أنها تعرض على آجم أوقاتًا، فوافق": صادف "عرضها مرور النبي ﷺ ، ويدل على أن كونهم في النار في أوقات دون أوقات قوله" تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٦] صباحًا ومساء، "واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص اقرآن" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ "والجواب عنه ما أبداه هو، احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله، كان يكشف له عنهما"، وحين مر المصطفى على آدم كشف له عن ذلك، فرأى ما رآه آدم، وإلى هنا جواب عياض، كما في الفتح.
زاد المصنف: "ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء؛ أن تفتح لها أوبا السماء ولا تلجها"، فلا اعتراض على عياض، وإن كان الحافظ في الفتح، إنما ذكر هذا عقب احتمال؛ أن المراد من خرجت من أجسادها حين خروجها، لا أنها مستقرة ولا يلزم إلى آخر ما هنا، ويأتي كلامه.
"وفي حديث أبي هريرة عند البزار"،وأبي يعلى، وابن جرير والبيهقي: "فإذا عن يمينه"، أي: آدم، "باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينهследующие страницы →