← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.

стр. 3746

لأنهم قالوا: وقد بعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا؟ ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع، على المعروف من عادة العرب. وأما قوله: "من معك"؟ فيشعر بأنهم أحسوا به ﵊، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوي كزيادة أنوارها ونحوه، قاله الحافظ ابن حجر. ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في "بهجته": الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه من زيادة الأنوار وغيرها من

стр. 3747

المآثر الحسان زيادة على ما يعهدونه منه، قال: وهذا هو الأظهر، كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك؟ فأخبرهم بما أردوا وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه، انتهى. وقد قال بعض العلماء: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] أنه ﷺ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة. وأما قولهم له: "مرحبًا به ولنعم المجيء جاء" فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته ﵇ التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء فنعم المجيء مجيئه، وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك،

стр. 3748

بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة؛ لأنه حياة قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي ﷺ خطاب، ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له؛ لأن "هاء" الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب. وأما قوله في الحديث: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت: لجبريل: "من هذا"؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن

стр. 3749

يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى. فالأسودة: بوزن أزمنة، مفرد سواد، هي الأشخاص. والنسيم: بالنون والسين المفتوحتين جمع نسمة، وهي الروح. وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟

стр. 3750

وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق عرضها مرور النبي ﷺ ويدل على كونهم في النار في أوقات دون أوقات، قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] . واعتراض: بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن. والجواب عنه: ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله: وكان يكشف له عنهما، ولا يلزم من رؤية آدم لها -وهو في السماء- أن تفتح لها أبواب السماء ولا تلجها. وفي حديث أبي هريرة عند البزار: فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر وإذا نظر عن

стр. 3751

شماله حزن، وهذا -لو صح- لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف، قاله الحافظ ابن حجر.

стр. 3752

وأما قوله في الحديث: "ثم صعد بي، حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردًا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح إلى قوله: ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد

стр. 3753

"السلام وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح". فهذه الرواية موافقة لروية ثابت عن أنس عن مسلم: أن في السماء الأولى؛ آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم. وخالف ذلك ابن شهاب الزهري في روايته عن أنس عن أبي ذر -كما في أول الصلاة من البخاري أيضًا- أنه لم يثبت كيف منازلهم، وقال فيه: وإبراهيم في السماء السادسة. وفي رواية شريك عن أنس أن إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة، بتفضيل

стр. 3754

كلام الله تعالى، وسياقه يدل على أنه لم يضبط منازلهم أيضًا كما صرح به الزهري. ورواية من ضبط أولى، لا سيما من اتفاق، قتادة وثابت، وقد وافهما يزيد بن أبي مالك عن أنس، إلا أنه خالف في إدريس وهارون فقال: "هارون في الرابعة، وإدريس في الخامسة". ووافقهم أبو سعيد الخدري إلا أن في روايته: يوسف في الثانية، وعيسى ويحيى في الثالثة. والمشهور في الروايات: أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة: بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور.

стр. 3755

فمع التعدد: فلا إشكال. ومع الاتحاد فقد جمع: بأن موسى كان حالة العروج في السادسة وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط: كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض على أمته من الصلاة، كما كلمه موسى ﵇، والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، كما ثبت في جميع الروايات. ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا

стр. 3756

له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة، قاله في فتح الباري، وقال: إن النووي أشار إلى شيء من ذلك. وفي رواية شريك عن أنس في قصة موسى: "لم أظن أن أحدًا يرفع علي". قال ابن بطال: فهم موسى ﵊ من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر: لقوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم، وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمدًا ﵊ بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك.

стр. 3757

وفي حديث أبي سعيد قال موسى: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني، زاد الأمور في روايته: ولو كان هذا وحده لهان علي، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله. وفي حديث مالك بن صعصعة: "ولما جاوزته -بقي موسى- يبكي، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي". ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان اسفًا على ما فاته من

стр. 3758

الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا ﷺ مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة. وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا ﷺ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباه الرحماء"، والأنبياء

стр. 3759

عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان بموسى ﵊ من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته؛ لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة. فإن قال قائل: كيف يكون هذا، وأمته لا تخلو من قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة، والذي مات على الكفر لم يدخل الجنة أبدًا فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ؛ لأن الحكم فيهم قد مر ونفذ. قيل: إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا وقدر أن ينفذ على كل الأحوال، وقدر قدرًا وقدر أن لا ينفذ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك، فلأجل ما ركب في موسى ﵊ من اللطف ...

стр. 3760

والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله تعالى، وقدر ارتفاعه بسب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى؛ لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم، ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم، فطمع الكليم لعل أن يحلق لأمته نصيبًا من هذا الخير العظيم وقد قال نبينا ﷺ : "إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله"، وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت

стр. 3761

القدرة بأنها فيه تؤثر، وما كان قضاء نافذا لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب، حتم قد لزم. وفي بكائه ﵊ وجه آخر، وهو البشارة لنبينا ﷺ ، وإدخال السرور عليه، وذلك قول موسى عليه السلاة والسلام - الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا: إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد ﷺ أكثر مما يدخلها من أمتي. وأما قول موسى ﵊: لأن غلامًا ولم يقل غير ذلك من الصيغ، فإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليه. وفي القاموس: الغلام، الطار الشارب، والكهل ضد. وقال الخطابي: العرب تسمي الرجال المستجمع السن غلامًا، ما دامت فيه

стр. 3762

بقية من القوة في الكهولة. قال في فتح الباري: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا ﵇ من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه في قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفًا أبا بكر، أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه ﵇ في العمر أسن من أبي بكر والله أعلم. انتهى. وقد ذكرت ذلك في الهجرة من المقصد الأول.

стр. 3763

وقد وقع في حديث أبي هريرة عند الطبري في ذكر إبراهيم: "فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي". وفي رواية مسلم من حديث ثابت عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فإذا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذ هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، إلى يوم القيامة وفيه، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي

стр. 3764

شطر الحسن. وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند الطبري: "فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله: قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب". وهذا ظاهره أن يوسف ﵇ كان أحسن من جميع الناس، لكن روى

стр. 3765

الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا"، فعلى هذا يحتمل حديث المعراج على أن االمراد غير النبي ﷺ ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه. وحمل ابن المنير حديث الباب على أن المراد: أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ . وأما قوله في الحديث عن إدريس: ثم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح فيحمل على أخوة النبوة والإسلام؛ لأنها تجمع الوالد والولد، وقال ابن المنير: وفي طريق شاذة: مرحبًا بالابن الصالح، وهذه هي القياس؛ لأنه جده الأعلى.

стр. 3766

وقيل: إن إدريس الذي لقيه ليس هو الجد المشهور، ولكنه إلياس، فإن كان كذلك ارتفع الإشكال. فإن قلت: لم يكن هؤلاء الانبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء؟ وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه؟ ولم كان في السماء الثانية بخصوصها اثنان؟ أجيب عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، بأنهم أمروا بملاقاة

стр. 3767

نبينا ﷺ فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهم من فاته. وقيل: إشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه، من مظير ما وقع لكل منهم: فأما آدم ﵇ فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع لنبينا ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنه الذي خرج منه.

стр. 3768

وبعيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه. وبيوسف، على ما وقع له مع إخوته على ما وقع لنبينا ﷺ من قريش، من

стр. 3769

نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار عغليه السلام إلى ذلك يوم الفتح بقوله لقريش: كما قال يوسف: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء"، أي العتقاء.

стр. 3770

وبإدريس على رفيع منزلته عند الله تعالى. وبهارون إذ رجع قومه إلى محبته بعد إن آذوه.

стр. 3771

وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك ﵊ بقوله: " لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر". وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور، بما ختم الله له ﷺ في آخر عمره من إقامة نسك الحج، وتعظيم البيت الحرام.

стр. 3772

وأجاب العارف ابن أبي جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء: بأن الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء،

стр. 3773

وهو الأصل، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة. وأما عيسى فإنما كان في السماء الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء إلى النبي ﷺ ولا انمحت شريعة عيسى ﵇ إلا بشريعة سيدنا محمد ﷺ ؛ ولأنه ينزل في آخر الزمان لأمة محمد ﷺ على شريعته ويحكم بها، ولهذا قال ﵇: "أنا أولى الناس بعسيى"، فكان في الثانية لأجل هذا المعنى. وإنما كان يحيى ﵇ معه هناك؛ لأنه ابن خالته، وهما كالشيء الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معًا.

стр. 3774

وإنما كان يوسف ﵇ في السماء الثالثة؛ لأن على حسنه تدخل أمة النبي ﷺ الجنة، فأري له هناك لكي يكون ذلك بشارة له ﵇ فيسر بذلك. وإنما كان إدريس ﵇ في السماء الرابعة؛ لأنه هناك توفي ولم تكن له تربة في الأرض على ما ذكر. وإنما كان هارون عليه الئلام في السماء الخامسة؛ لأنه ملازم لموسى عليه

стр. 3775

السلام، لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه، فكان هناك لأجل هذا المعنى، وإنما لم يكن مع موسى في السماء السادسة؛ لأن لموسى مزية وحمرة وهي كونه كليمًا واختص بأشياء لم تكن لهارون فلأجل هذا المعنى لم يكن معه. وإنما كان موسى في السماء السادسة لأجل ما اختص به من الفضائل؛ ولأنه الكليم، وهو أكثر الأنبياء أتباعًا بعد نبينا ﷺ . وإنما كان إبراهيم ﵊ في السماء السابعة؛ لأنه الخليل والأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبي ﵇ بلقياه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وهو اختراق الحجب، وأيضًا؛ لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب، والحبيب ها هو قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل لأجل خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص مما زاد به عليهم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ

стр. 3776

بَعْضَهُمْ دَرَجَات﴾ [البقرة: ٢٥٣] فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة، والنبوة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى الحكمة ترفيعًا للمرفوع دون تنقيص بالمنزول، انتهى فليتأمل. وقد اختلف في رؤية نبينا ﷺ لهؤلاء الأنبياء ﵈، فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى، لما ثبت أنه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك. وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل: الأجساد بأرواحها.

стр. 3777

وقيل: يحتمل أن يكون ﵇ عاين كل واحد منهم في قبر في الأرض على الصورة التي أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه، فيكون الله قد أعطاه من القوة في البصرة، والبصيرة ما أدرك به ذلك، ويشهد له رؤيته ﵊ رآهما من ذلك الموضع، أو مثل له صورتهما في عرض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما. وقيل: يحتمل أن يكون الله لما أراد بإسراء نبينا، رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكرامًا لنبيه ﵇ وتعظيمًا له حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن.

стр. 3778

وكل هذه الوجوه محتملة، ولا ترجيح لأحدها على الآخر إذ القدرة صالحة لكل ذلك. انتهى. وأما قوله في الحديث: "ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال

стр. 3779

هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران فقلت: وما هذا يا جبريل: قال: أما الباطنان فنهران في

стр. 3780

الجنة"، وأما الظاهران: فالنيل والفرات. وفي رواية عند البخاري أيضًا: "فإذا في أصلها -أي سدرة المنتهى- أربعة أنهار". وعند مسلم: "يخرج من أصلها". وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة: "أربعة أنهار من الجنة، النيل والفرات وسيحان وجيحان". فيحتمل: أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من أصلها، فيصح أنها من الجنة. ووقع في رواية شريك، كما عند البخاري في التوحيد: أنه رأى في سماء

стр. 3781

الدنيا نهران يطردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما. والجمع بينهما: أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في سماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بـ"العنصر" عنصر انتشارهما بسماء الدنيا كذا قال ابن دحية. وروى ابن أبي حاتم عن أنس أنه ﷺ بعد أن رأى إبراهيم قال: "ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي

стр. 3782

أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك". وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة، وسيأتي

стр. 3783

المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره مدخل ... المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره، وشهادته له بصدق

стр. 3784

نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته، واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلًا، ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل وغير ذلك.

стр. 3785

تمهيد: اعلم أطلعني الله وإياك على أسرار التنزيل، ومنحنا بلطفه تبصرة تهدينا إلى سواء السبيل، أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو محله الرفيع ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناؤه تعالى عليه وإظهاره عظيم شأنه لديه، وقسمه تعالى بحياته، ونداؤه بـ"الرسول" و"النبي" ولم يناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء، فناداهم بأسمائهم إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة قدره العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده، ومن تأمل القرآن العظيم وجنده طافحًا بتعظيم الله تعالى
следующие страницы →