Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3746–3785 · переход к 3751.
стр. 3746
لأنهم قالوا: وقد بعث إليه؟ أو: أرسل إليه؟ فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له، وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا؟ ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع، على المعروف من عادة العرب.
وأما قوله: "من معك"؟ فيشعر بأنهم أحسوا به ﵊، وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟ وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما لأمر معنوي كزيادة أنوارها ونحوه، قاله الحافظ ابن حجر.
ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في "بهجته": الثاني أن يكون سؤالهم له لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه من زيادة الأنوار وغيرها من
الحواشي
(١) قالوا: وقد بعث إليه"، بحذف همزة الاستفهام، للعلم بها، "أو أرسل إليه"، بحذفها وإثباتها روايتان كما علم، "فدل على أنهم كانوا يعرفون أن ذلك سيقع له" ﷺ "وإلا لكانوا يقولون: ومن محمد مثلًا، ولذلك أجابوا بقولهم: مرحبًا به، ولنعم المجيء جاء، وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالته وتحقيق رسالته؛ ولأن هذا أحسن ما يكون من حسن الخطاب والترفيع": المبالغة في إظهار قدره وشرفه بين الملائكة، بناء "على المعروف من عادة العرب"، فيمن خاطبوه بذلك، وهذا ذكره ابن أبي جمرة.
وذكر ابن المنير: أن موقع قول الخازن، وقد بعث إليه استنطاق جبريل بالسبب الموجب للإذن، والفتح؛ لأن مجرد قوله: معي محمد، لا يوجب الإذن إلا بواسطة البعث من الله تعالى، ويلزم منه الإذن في إزالة الموانع وفتح أبواب السماء، فلم يتوقف الخازن على أن يوحى إليه بالفتح؛ لأنه لزم عنده من البعث الإذن.
"وأما قوله: من معك، فيشعر بأنهم أحسوا به ﵊"، لفظ الحافظ؛ بأنهم أحسوا عه برفيق، "وإلا لكان السؤال بلفظ أمعك أحد؟، وهذا الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة" لا تحجب ما وراءها، "وإما لأمر معنوي، كزيادة أنوار ونحوها، قاله الحافظ ابن حجر" في فتح الباري: "ولعله أخذه من كلام العارف ابن أبي جمرة، حيث قال في بهجته"، أي: كتابه بهجة النفوس وتحليلها بمعرفة ما لها وعليها، وهو اسم شرحه على الأحاديث التي انتخبها من البخاري.
"الثاني: أن يكون سؤالهم له" لجبريل، "لما رأوا حين رأوا إقبالهم عليه" على جبريل "منстр. 3747
المآثر الحسان زيادة على ما يعهدونه منه، قال: وهذا هو الأظهر، كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك؟ فأخبرهم بما أردوا وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه، انتهى.
وقد قال بعض العلماء: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] أنه ﷺ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة.
وأما قولهم له: "مرحبًا به ولنعم المجيء جاء" فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته ﵇ التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء فنعم المجيء مجيئه، وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك،
الحواشي
(١) زيادة الأنوار وغيرها"، بيان لما رأوا "من المآثر الحسان، زيادة على ما يعهدونه منه، قال: وهذا هو الأظهر" من احتمال أن ذلك؛ لأن السماء شفافة، "كأنهم قالوا: من الشخص الذي من أجله هذه الزيادة التي معك فأخبرهم بما أرادوا، وهو تعيين الشخص باسمه حتى عرفوه. انتهى.
"و" يؤيده أنه "قد قال بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨] ، أنه ﷺ رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت، فإذا هو عروس المملكة" لشدة أنواره "وأما قولهم له: مرحبًا به"، أي: أصاب رحبًا وسعة، كنى بذلك عن الانشراح، وأخذ منه ابن المنير جواز رد السلام بغير لفظه، وتعقب بأن مرحبًا به ليس ردًا؛ لأنه كان قبل فتح الباب، والسياق يرشد إليه وقد نبه على ذلك ابن أبي جمرة.
"ولنعم المجيء جاء، فيحتمل أن يكونوا قالوه لما عاينوه من بركاته ﵇ التي سبقته للسماء مبشرة بقدومه"، وفيه دللة على أن للحاشية إذا فهموا من سيدهم عزمًا إكرام وافد أن يبشروه بذلك، وإن لم يأذن لهم فيه، ولا يكون إفشاء سر؛ لأن الخازن أعلم النبي ﷺ حال استدعاء؛ أنه استدعاء إكرام وإعظام، فعجل بالبشرى والفراسة الصادقة عند أهلها، وفي محلها تحصل العلم، كما يحصله الوحي، قاله ابن المنير.
"وفيه تقديم وتأخير، والتقدير جاء، فنعم المجيء مجيئه" كذا قاله بعض الشراح وخرجه ابن مالك في التوضيح على وجه لا تقديم فيه ولا تأخير، فقال: في هذا الكلام شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو الصفة عن الموصوف في باب، نعم؛ لأنها تحتاج إلى فاعل على المجيء وإلى مخصوص بمعناها، وهو مبتدأ مخبر عنه بنعم وفاعلها فهو في هذا الكلام، وشبهه موصول أو موصوف بجاء والتقدير نعم المجيء الذي جاء، أو نعم المجيءстр. 3748
بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة؛ لأنه حياة قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي ﷺ خطاب، ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له؛ لأن "هاء" الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب.
وأما قوله في الحديث: فإذا رجل قاعد عن يمينه أسودة وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح قلت: لجبريل: "من هذا"؟ قال: هذا آدم، وهذه الأسودة التي عن
الحواشي
(١) مجيء جاء، وكونه موصولًا أجود؛ لأنه مخبر عنه، والمخبر عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة، نقله في الفتح، وقدمته في شرح الحديث.
"وإنما لم يقل الخازن: مرحبًا بك، بصيغة الخطاب، بل قال به بصيغة الغيبة؛ لأنه حياه قبل أن يفتح الباب، وقبل أن يصدر من النبي ﷺ خطاب"، ولهذا قال الملك لجبريل: ومن معك؟، فخاطبه بصيغة الخطاب؛ لأن جبريل خاطب الملك، فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانب، قاله ابن المنير.
"ويحتمل أن يكون حياه بصيغة الغيبة تعظيمًا له؛ لأن هاء الغيبة ربما كانت أهم من كاف الخطاب"، لما فيها من إجلال المخاطب على مخاطبه؛ لأنه لم ينزل نفسه أهلًا لخطابه، لجلالته عليه، وهذان الاحتمالان ذكرهما ابن المنير.
"وأما قوله في الحديث" ليس يعني به حديث مالك بن صعصة الذي قدمه؛ لأنه ليس فيه ذكر النسم، كما في البخاري ومسلم، وإنما عني به حديث أنس عن أبي ذر عند البخاري أول كتاب الصلاة، ولفظه: "فلما فتح علونا السماء الدنيا، "فإذا"" بالفاء وللأصيلي وابن عساكر بدونها، "رجل قاعد عن يمينه أسودة" أشخاص: جمع سواد، كأزمنة جمع زمان، "وعن يساره أسودة، إذا نظر قبل" بكسر القاف وفتح الموحدة، أي: جهة "يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى، فقال" ذلك الرجل القاعد: "مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح".
وفي رواية شريك: فقال: مرحبًا وأهلًا يا بني، نعم الابن أنت، والصالح القائم بما يلزمه من حقوق الله، وحقوق العباد فهي صفة جامعة لمعاني الخير، فوصفه بها مكررًا مع النبوة، والبنوة إشارة إلى أنه جمع بين صلاح الأنبياء وصلاح الأبناء، كأنه قال مرحبًا بالنبي التام في نبوته، والابن البار في نبوته وفيه افتخار بأبوته للنبي ﷺ ، ولجمع الصلاح لخلال الخير، اقتصر الأنبياء على وصفه بالصالح وتواردوا على ذلك، وكررها كل منهم عند كل صفة، ولم يقولوا بالنبي الصادق، أو الأمين، قال بعضهم: وصلاح الأنبياء غير صلاح الأمم، فصلاح الأنبياء صلاح كامل؛ لأنهم يزول بهم كل فساد، فلهم صلاح خاص لا يتناول عموم الصالحين؛ لأن كثيرًا منстр. 3749
يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر عن شماله بكى.
فالأسودة: بوزن أزمنة، مفرد سواد، هي الأشخاص.
والنسيم: بالنون والسين المفتوحتين جمع نسمة، وهي الروح.
وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة، يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا؟
الحواشي
(١) الأنبياء تمنى أن يلحق بالصالحين، ولا يتمنى الأعلى أن يلحق بالأدنى، فهذا يحقق أن صلاح الأنبياء غير صلاح الأمم، ومن دونهم الأمثل فالأمثل، فكل واحد يستحق اسم الصلاح على قدر ما زال به، أو منه من الفساد.
"قلت لجبريل: "من هذا"؟، قال: هذا آدم"، ظاهره أنه سأله عنه بعد أن قاله له آدم مرحبًا ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة فتحمل هذه عليها، إذ ليس في هذه أداة ترتيب كذا في فتح الباري، وتبعه الشامي، أي: لأنه لم يقل هنا، فقلت لجبريل، بالفاء، إنما قال قلت: فيحمل على أن القول وقع قبل قول آدم مرحبًا، والمراد بالعكس المخالفة، فلظ رواية ابن صعصعة: "فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبا بالابن الصالح والنبي الصالح".
"وهذه الأسودة التي عن يمينه وشماله نسيم بنيه": أرواحهم، "فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر قبل يمينه ضحك" سرورًا، "وإذ نظر قبل شماله بكى" حزنًا، "فالأسودة بوزن أزمنة مفرد سواد" بوزن زمان، "هي الأشخاص" من كل شيء وتطلق بمعان آخر، "والنسيم: بالنون والسين المفتوحتين، جمع نسمة" بزنة قصب وقصبة "وهي الروح" بيان للمراد بها هنا، وإلا ففي المصباح النسم والنسمة نفس الريح، ثم سميت به النفس بالسكون.
قال الحافظ: وحكى ابن التين؛ أنه رواه شيم: "بكسر الشين المعجمة وفتح الياء آخر الحروف بعدها ميم"، وهو تصحيف وظاهره أن أرواح بني آدم من أهل الجنة والنار في السماء، وهو مشكل.
"وقد قال القاضي عياض: جاء أن أرواح الكفار في سجين": مكان يعذبون فيه أسفل السافلين، كما في ابن المنير وفي المصنف: في سجين الأرض السابعة، وفي القاموس: سجين موضع فيه كتاب الفجار، وواد في جهنم.
"وأن أرواح المؤمنين منعمة في الجنة"، روى الطبراني والبيهقي بسند حسن عن أمстр. 3750
وأجاب: بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتًا، فوافق عرضها مرور النبي ﷺ ويدل على كونهم في النار في أوقات دون أوقات، قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦] .
واعتراض: بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن.
والجواب عنه: ما أبداه هو احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله: وكان يكشف له عنهما، ولا يلزم من رؤية آدم لها -وهو في السماء- أن تفتح لها أبواب السماء ولا تلجها.
وفي حديث أبي هريرة عند البزار: فإذا عن يمينه باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينه استبشر وإذا نظر عن
الحواشي
(١) مبشر، وكعب بن مالك، أن النبي ﷺ قال: "إن نسمة المؤمن تسرح في الجنة حيث شاءت، ونسمة الكافر في سجين"، وسئل النبي ﷺ عن أرواح المؤمنين، فقال: "في طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت"، قالوا: وأرواح الكفار، قال: "محبوسة في سجين"، رواه الطبراني "يعني: فكيف تكون مجتمعة في سماء الدنيا" مع أرواح الكفار في سجين الأرض السابعة.
"وأجاب"عياض: "بأنه يحتمل أنها تعرض على آجم أوقاتًا، فوافق": صادف "عرضها مرور النبي ﷺ ، ويدل على أن كونهم في النار في أوقات دون أوقات قوله" تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا﴾ [غافر: ٤٦] صباحًا ومساء، "واعترض بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص اقرآن" في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ﴾ "والجواب عنه ما أبداه هو، احتمالًا أن الجنة كانت في جهة يمين آدم، والنار كانت في جهة شماله، كان يكشف له عنهما"، وحين مر المصطفى على آدم كشف له عن ذلك، فرأى ما رآه آدم، وإلى هنا جواب عياض، كما في الفتح.
زاد المصنف: "ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء؛ أن تفتح لها أوبا السماء ولا تلجها"، فلا اعتراض على عياض، وإن كان الحافظ في الفتح، إنما ذكر هذا عقب احتمال؛ أن المراد من خرجت من أجسادها حين خروجها، لا أنها مستقرة ولا يلزم إلى آخر ما هنا، ويأتي كلامه.
"وفي حديث أبي هريرة عند البزار"،وأبي يعلى، وابن جرير والبيهقي: "فإذا عن يمينه"، أي: آدم، "باب يخرج منه ريح طيبة، وعن شماله باب يخرج منه ريح خبيثة، إذا نظر عن يمينهстр. 3751
شماله حزن، وهذا -لو صح- لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم، ولكن سنده ضعيف، قاله الحافظ ابن حجر.
الحواشي
(١) استبشر، وإذا نظر عن شماله حزن، وهذا لو صح لكان المصير إليه أولى من جميع ما تقدم"، لعدم احتياجه لتأويل؛ لأن المستفاد منه رؤية البابين حين مروره على آدم، وهو لا يستلزم أن عنده شيئًا من النسم التي رآها عند آدم، لجواز أنه رآها من الأبواب، "ولكن سنده ضعيف، قاله الحافظ ابن حجر" في كتاب الصلاة ببعض تصرف من المصنف.
وفيه أيضًا قبل ذكر هذا الحديث الضعيف، ويحتمل أن النسم المرئية هي التي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله، وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يستبشر إذا نظر إلى من على يمينه، ويحزن إذا نظر إلى من على يساره، بخلاف التي في الأجساد، فليست مرادة قطعًا، وبخلاف التي انتقلت من الأجساد إلى مستقرها، فليست مرادة أيضًا فيما يظهر، وبهذا يندفع الإيراد، ويعرف أن قوله: نسم بنيه عام مخصوص، أو أريد به الخصوص انتهى، وهو مبني على أن الأرواح كلها خلقت قبل الأجساد، كما جزم به، ثم إذا أراد الله إحياء شخص أرسل الروح التي سبق في علمه أنها معدة لذلك الجسد.
وقال في الفتح هنا في باب المعراج: وظهر لي الآن احتمال آخر، وهو أن يكون المراد من خرجت من الأجساد حين خروجها إلا أنها مستقرة، ولا يلزم من رؤية آدم لها، وهو في السماء أن تفتح لها أبواب السماء، ول تلجها.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي ما يؤيده ولفظه: "فإذا أنا بآدم تعرض عليه أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة، اجعلوها في عليين، ثم تعرض عليها أرواح ذريته الفجار، فيقول: روح خبيثة، اجعلوها في سجين"، ويظهر منه ومن حديث أبي هريرة عدم اللزوم المذكور، وهذا أولى مما جمع به القرطبي في المفهم؛ أن ذلك حالة مخصوصة. ا. هـ، وهو مخصص للأرواح بالخارجة من الأجساد حين الموت لا مطلقًا، فهو أيضًا عام مخصوص، أو أريد به الخصوص، وأجاب بعضهم عن الإشكال بحمل الأسودة التي عن شماله على العصاة من الموحدين، لا على الجاحدين، وعضده ببكاء آدم رحمة لهم، ولا يرحم الكفار.
وتعقبه ابن المنير، بأن المؤمنين، برهم وفاجرهم، مطيعهم وعاصيهم من أهل اليمين، وقد فسر الله أصحاب الشمال بالكفار، فقال: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ، فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ، وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ﴾ [الواقعة: ٤١] ، وهذا إنما هو لكافر لا حظ له في الإيمان، ولا حجة في بكاء آدم؛ لأنه ليس فيه استغفار لهم، ولا خلاف أن من مات أبوه كافرًا، وهو مسلم، لا يحمر عليه البكاء عليه، لا سيما الطبيعي والرقة الطبيعية.стр. 3752
وأما قوله في الحديث: "ثم صعد بي، حتى أتى السماء الثانية، فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، فقيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى، وهما ابنا الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى فسلم عليهما، فسلمت عليهما فردًا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح إلى قوله: ثم صعد بي إلى السماء السابعة فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلم عليه، قال: فسلمت عليه فرد
الحواشي
(١) وقال ابن دحية: فإن قيل: كيف يكون نسم السعداء كلهم في السماء، وقد كان حين الإسراء جماعة من الصحابة في الأرض وهم من السعداء، فالجواب أن آدم إنما رآهم في مواضعهم ومقارهم في الأرض، ولكنه يراهم من الجانب الأيمن، فالتقييد للنظر لا للمنظور. ا. هـ، وتبعه ابن المنير وهو واضح.
وقال السهيلي: فإن قيل: كيف رأى عن يمينه أرواح أصحاب اليمين، ولم يكن إذا ذاك منهم إلا نفر قليل، ولعله لم يكن مات تلك الليلة منهم أحد.
وظاهر الحديث يقتضي أنهم جماعة، فالجواب أن الإسراء إن كان منامًا، فتأويله أن ذلك سيكون وإن كان يقظة، فمعناه أن أرواح المؤمنين رآها هنالك؛ لأن الله يتوفى الخلق في منامهم، فصعد بالأرواح إلى هنالك، فرآها، ثم أعيدت إلى أجسادها انتهى، وهو مبني على تخصيص الأرواح بالخارجة من الأجساد بالموت، ولو بالنوم.
"وأما قوله في الحديث"، أي: حديث مالك بن صعصعة، "ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية"، كذا في رواية أبي ذر، للبخاري ولغيره: "ثم صعد بي إلى السماء"،وهي التي قدمه المصنف، "فاستفتح فقيل: من هذا؟، قال: جبريل، قيل: ومن معك؟، قال: محمد، قيل وقد أرسله إليه؟، قال: نعم"، أرسل إليه، "فقيل: مرحبًا بن، فنعم المجيء جاء، ففتح" الخازن الباب، "فلما خلصت إذا بيحيى وعيسى، وهما ابن الخالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت عليهما، فردا" علي السلام، "ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح، إلى قوله: ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟: قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟، قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء فلما خلصت" "فتح اللام، وصلت "فإذا إبراهيم قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، قال: فسملت عليه، فرد السلام، وقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابنстр. 3753
"السلام وقال: مرحبًا بالنبي الصالح والابن الصالح".
فهذه الرواية موافقة لروية ثابت عن أنس عن مسلم: أن في السماء الأولى؛ آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس، وفي الخامسة هارون وفي السادسة موسى وفي السابعة إبراهيم.
وخالف ذلك ابن شهاب الزهري في روايته عن أنس عن أبي ذر -كما في أول الصلاة من البخاري أيضًا- أنه لم يثبت كيف منازلهم، وقال فيه: وإبراهيم في السماء السادسة.
وفي رواية شريك عن أنس أن إدريس في الثانية وهارون في الرابعة، وآخر في الخامسة لم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة وموسى في السابعة، بتفضيل
الحواشي
(١) الصالح"، وقصد المصنف زيادة البيان لطول العهد لفظ الحديث، وإلا فالأوجز لو قال، وأما ما ذكره في الحديث من أماكن الأنبياء في السماوات.
"فهذه الرواية موافقة لرواية ثابت" البناني، "عن أنس عند مسلم" وفيه: "أن في السماء الأولى آدم، وفي الثانية يحيى وعيسى، وفي الثالثة يوسف، وفي الرابعة إدريس وفي الخامسة هارون، وفي السادسة موسى، وفي السابعة إبراهيم" فهذا بيان للموافقة محكي بالمعنى.
"وخالف ذلك ابن شهاب الزهري في روايته، عن أنس، عن أبي ذر، كما في أول الصلاة من البخاري أيضًا".
وقد خرج مسلم حديثه أيضًا في الإيمان، وذكر "أنه لم يثبت" من الإثبات، أبو ذر، "كيف منازلهم"، أي: لم يعين أبو ذر، لكل نبي سماء، والمراد منازل الجميع، فلا ينافي أنه قال آدم في السماء الدنيا.
"وقال فيه: وإبراهيم في السماء السادسة"، ولفظ البخاري، قال أنس: فذكر، أي: أبو ذر أنه وجد في السماوات آدم، وإدريس، وموسى، وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم، غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السماء السادسة.
"وفي رواية شريك، عن أنس" في الصحيحين: ثم عرج به إلى السابعة، فقالوا له مثل ذلك، كل سماء فيها أنبياء، قد سماهم وعيت منهم "أن إدريس في الثانية، وهارون في الرابعة وآخر في الخامسة، ولم أحفظ اسمه، وإبراهيم في السادسة، وموسى في السابعة بتفضيل كلام الله تعالى"، أي: بسبب أن له فضل كلام الله إياه، وفيه دلالة على أن شريكاстр. 3754
كلام الله تعالى، وسياقه يدل على أنه لم يضبط منازلهم أيضًا كما صرح به الزهري.
ورواية من ضبط أولى، لا سيما من اتفاق، قتادة وثابت، وقد وافهما يزيد بن أبي مالك عن أنس، إلا أنه خالف في إدريس وهارون فقال: "هارون في الرابعة، وإدريس في الخامسة".
ووافقهم أبو سعيد الخدري إلا أن في روايته: يوسف في الثانية، وعيسى ويحيى في الثالثة.
والمشهور في الروايات: أن الذي في السابعة هو إبراهيم، وأكد ذلك في حديث مالك بن صعصعة: بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور.
الحواشي
(١) ضبط كون موسى في السابعة، فيتعين أحد الجموع الآتية.
"وسياقه يدل على أنه لم يضبط منازلهم"، أي: جميعهم، وإلا فقد صرح بقوله: وعيت، أنه ضبط أربعة، "أيضًا، كما صرح به الزهري" محمد بن مسلم بن شهاب في حديث أبي ذر.
"ورواية من ضبط أولى"، أحق بتقديمها على من لم يضبط، "لا سيما" مع ما حصل فيها من القوة "من" أجل "اتفاق"، ولفظ الفتح مع اتفاق فلا يحتاج لهذا التعسف "قتادة" بن دعامة عند الشيخين، "وثابت" البناني عند مسلم، "وقد وافقهما يزيد بن أبي مالك"، هو ابن عبد الرحمن، نسب إلى جده الهمداني "بالسكون" الدمشقي، القاضي، صدوق، ربما وهم، مات سنة ثلاثين ومائة أو بعدها، ولنه أكثر من سبعين سنة، روى له أبو داود، والنسائي وابن ماجده، "عن أنس: إلا أنه خالف في إدريس وهارون، فقال: "هارون في الرابعة"، فوافق شريكا في ذلك، "وإدريس في الخامسة"، فخالف قتادة وثابتًا في أنه في الرابعة، وشريكا في أنه في الثانية، "ووافقهم أبو سعيد الخدري" عند ابنه مردويه، وكان الأولى وافقهما بتثنية الضمير، عائدًا على قتادة وثابت وجمعه قد يوهم موافقه أبي ذر، وشريك، وليس بمراد، فإن رواية أبي سعيد إنما وافقت رواية قتادة وثابت "إلا أن في روايته يوسف في الثانية، وعيسى ويحيى في الثالثة"، وجمع باحتمال الانتقال لا التعدد؛ لأنه خلاف الصحيح.
"والمشهور في الروايات" كلها، غير روايتي أبي ذر وشريك، "أن الذي في السابعة هو إبراهيم.
قال الحافظ: وهو الأرجح، "وأكد": قوى "ذلك في حديث مالك بن صعصعة، بأنه كان مسندًا ظهره إلى البيت المعمور".стр. 3755
فمع التعدد: فلا إشكال.
ومع الاتحاد فقد جمع: بأن موسى كان حالة العروج في السادسة وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط: كان موسى في السابعة؛ لأنه لم يذكر في القصة أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض على أمته من الصلاة، كما كلمه موسى ﵇، والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط، فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو الذي خاطبه في ذلك، كما ثبت في جميع الروايات.
ويحتمل أن يكون لقي موسى في السادسة فأصعد معه إلى السابعة تفضيلًا
الحواشي
(١) قال الحافظ: وهو في السابعة، بلا خلاف، وما جاء عن علي أنه في السادسة عند شجرة طوبى، فإن ثبت، حمل على البيت الذي في السادسة بجانبه شجرة طوبى، لأنه جاء عنه؛ أن في كل سماء بيتا يحاذي الكعبة، وكل منهما معمور بالملائكة، وكذا القول فيما جاء عن الربيع بن أنس وغيره، أن البيت المعمور في السماء الدنيا، فإن محمول على أول بيت يحاذي الكعبة من بيوت السماوات، "فمع التعدد"، أي: مع القول بتعدد المعراج، "فلا إشكال" بين الثابت المشهور في الروياات أنه في السابعة، وبين روايتي أبي وشريك؛ أذرنه في السادسة يحمل كل على مرة، "ومع الاتحاد" الذي هو الصحيح وقول الجمهور.
"فقد جمع بأن موسى كان حالة العروج في السادسة، وإبراهيم في السابعة على ظاهر حديث مالك بن صعصعة، وعند الهبوط كان موسى في السابعة"؛ بأن يكون صعد معه أو بعده، لأجل المراجعة في مر الصلاة؛ "لأنه لم يذكر في القصة، أن إبراهيم كلمه في شيء مما يتعلق بما فرض على أمته من الصلاة"، لكن لا يلزم من عدم الكلام أن يكون في السادسة حين الرجوع الذي هو تمام الجمع بين الروايتين، إذ تركه وإن كان في السابعة؛ لأن الخليل شأنه التسليم لخليله، "كما كلمه موسى ﵇"، وجزاه عنا خيرًا، "والسماء السابعة هي أول شيء انتهى إليه حالة الهبوط"، مما هو أعلى منها.
"فناسب أن يكون موسى بها؛ لأنه هو ال ذي خاطبه في ذلك"، أي: أمر الصلاة، "كما ثبت في جميع الروايات"؛ لأن شأن الكليم التكلم، ولا بأس بهذا الجمع، لكن قد علمت أن تمامه بوجوده إبراهيم حين رجع في السادسة، وأن تعليله بعدم تكلمه في الصلاة لا ينهض بل قد يخدش فيه قوله في حديث أنس عند أبن أبي حاتم ثم انجلت عنه السحابة، وأخذ بيده، فانصرف سريعًا، فأتى على إبراهيم، فلم يقل شيئًا، فظاهر هذا أنه مر على إبراهيم قبل موسى.
"ويحتمل" في الجمع أيضًا، "أن يكون لقي موسى في السادسة، فأصعد معه إلىстр. 3756
له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك في كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة، قاله في فتح الباري، وقال: إن النووي أشار إلى شيء من ذلك.
وفي رواية شريك عن أنس في قصة موسى: "لم أظن أن أحدًا يرفع علي".
قال ابن بطال: فهم موسى ﵊ من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر: لقوله تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم، وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمدًا ﵊ بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك.
الحواشي
(١) السابعة، تفضيلًا له على غيره من أجل كلام الله تعالى، وظهرت فائدة ذلك مع كلامه مع نبينا فيما يتعلق بأمر أمته في الصلاة"، وهو قريب من الاحتمال قبله، ولم يعرج في هذا أيضا على رواية: وإبراهيم في السادسة: "قاله في فتح الباري".
"وقال: إن النووي أشار إلى شيء من ذلك"، وجمع الكرماني في كتاب الصلاة، بأنه رأى إبراهيم في السادسة: ثم ارتقى إبراهيم إلى السابعة، ليراه في مكانين تعظيمًا له، وتبعه شيخ الإسلام زكريا، وهو عندي أولى من الاحتمالين.
"وفي رواية شريك، عن أنس في قصة موسى": تلو قوله بتفضيل كلام الله، فقال موسى: رب "لم أظن" فيما مضى، "أحدا يرفع علي"، لا في الماضي ولا في المستقبل، ولفظ الصحيح: لم أظن أن يرفع على أحد.
قال المصنف: بضم التحتية وفتح الفاء، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن ترفع على أحدًا بالنصب وفتح الفوقية.
"قال ابن بطال: فهو موسى ﵊ من اختصاصه بكلام الله تعالى له في الدنيا دون غيره من البشر، لقوله تعالى": تعليل لفهم اختصاصه، ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] ، أن المراد بالناس هنا: البشر كلهم"، من في زمنه ومن تقدمه ومن تأخره، "وأنه استحق بذلك أن لا يرفع عليه أحد، فلما فضل الله تعالى محمدًا ﵊ بما أعطاه من المقام المحمود وغيره، ارتفع على موسى وغيره بذلك"، فكان المراد بالناس ناس زمانه، لا جميع البشر.стр. 3757
وفي حديث أبي سعيد قال موسى: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني، زاد الأمور في روايته: ولو كان هذا وحده لهان علي، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله.
وفي حديث مالك بن صعصعة: "ولما جاوزته -بقي موسى- يبكي، فنودي: ما يبكيك؟ قال: رب، هذا غلام بعثته من بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخل من أمتي".
ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله، فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين، فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان اسفًا على ما فاته من
الحواشي
(١) "وفي حديث أبي سعيد" عند البيهقي وغيره، "قال موسى: تزعم بنو إسرائيل إني أكرم الخلق على الله، وهذا أكرم على الله مني"، وأخرج البزار، والبيهقي وغيرهما من حديث أبي هريرة، قال موسى: تزعم بنو إسرائيل أني أكرم بني آدم على الله، وهذا رجل من بني آدم خلفني في دنيا، وأنا في أخرى، فلو أنه بنفسه لم أبال، ولكن مع كل نبي أمته.
"زاد" سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاصي بن أمية، "الأموي" بفتح الهمزة، على غير قياس، وضمها على القياس وهو الأشهر عندهم، كما في المصباح نسبة لجده الأعلى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف، وجزم الجوهري بالفتح، ثم قال: وربما ضموا "في روايته" لحديث المعراج في مغازيه، "ولو كان هذا وحده لهان علي، ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند الله"، ومعلوم أن هذا من الغبطة لا الحسد، معاذ الله.
"وفي حديث مالك بن صعصعة: "ولما جاوزته بقي موسى يبكي، فنودي" لفظ الحديث، كما مر: فلما تجاوزت بكى، قيل له: ما يبكيك"؟، وكذا هو لفظ البخاري في المعراج، وبدء الخلق وكذا لفظ مسلم وغيره، "ما يبكيك"؟، قال": قال ابن أبي جمرة: الظاهر أن قائل ذلك له الباري ﵎، يدل على هذا قوله في الجواب، "رب هذا غلام بعثته من بعدي، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتي"، وفي رواية أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود، عن أبيه أنه مر بموسى ﵇ يرفع صوته، فيقول: "أكرمته وفضلته، فقال جبريل: هذا موسى قلت: من يعاتب؟ قال: يعاتب ربه، قلت: ويرفع صوته على ربه؟، قال: إن الله قد عرف له حدته".
قال العلماء: "ولم يكن بكاء موسى حسدًا، معاذ الله"، مفعول مطلق حذف عامله، أي: أعوذ، أي: أعتصم بالله معاذا من توهم أن بكاءه حسدًا، "فإن الحسد في ذلك العالم منزوع من آحاد المؤمنين فكيف بمن اصطفاه الله تعالى، بل كان آسفًا على ما فاته من الأجر.стр. 3758
الأجر الذي يترتب عليه رفع الدرجات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزمة لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبي مثل أجر كل من اتبعه، ولهذا كان من اتبعه في العدد دون من اتبع نبينا ﷺ مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة.
وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والرحمة لأمتهم، وركبهم على ذلك، وقد بكى نبينا ﷺ فقيل له: ما يبكيك؟ قال: "هذا رحمة وإنما يرحم الله من عباه الرحماء"، والأنبياء
الحواشي
(١) الذي يترتب عليه رفع الدرحات له بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم المستلزمة لتنقيص أجره؛ لأن لكل نبي مثل أجر كل من تبعه"، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، "ولهذا كان من أتبعه في العدد دون من أتبع نبينا ﷺ مع طول مدتهم بالنسبة لمدة هذه الأمة، وقال العارف ابن أبي جمرة: قد جعل الله تعالى في قلوب أنبيائه عليهم الصلاة والسلام الرأفة والراحمة لأمتهم وركبهم"، أي: ركب بنيتهم في أصل خلقتهم، مجبولة "على ذلك"، حتى كأنهم خلوقا من الرأفة والرحمة، "وقد بكى نبينا فقيل له: ما يبكيك"؟.
روى الشيخان عن أسامة: أرسلت بنت النبي ﷺ ؛ أن ابني قد احتضر، فأشهدنا، فأرسل يقرئ السلام، ويقول: "إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب، فأرسلت إليه تقسم عليه ليأتينها، فقام ومعه سعد بن عبادة، ومعاذ بن جبل وأبي بن كعب، وزيد بن ثابت ورجال: فدفع إليه الصبي، فأقعده في حجره، ونفسه تقعقع، ففاضت عيناه، فقال سعد: يا رسول الله ما هذا؟، "قال: "هذا رحمة" جعلها الله في قلوب عباده، "وإنما يرحم الله من عباده الرحماء"، روي بالنصب مفعول يرحم، على أن ما في إنما كافة، أو أداة حصر، وبالرفع خبر أن على أنها موصولة بمعنى الذين، والرحماء جمع رحيم من صيغ المبالغة، فمقتضاه أن رحمة الله تختص بالمتصف بالرحمة الكاملة، لخلاف من فيه رحمة ما.
لكن قضية خبر أبي داود الراحمون يرحمهم الله، شموله له، ورجح، وإنما بولغ في الأول؛ لأن ذكر الجلالة دال على العظمة، فناسب فيه التعيظم والمبالغة.
وقال شيخنا: لعل مراد الحديث أنه يرحم، كثير الرحمة رحمة تامة، بحيث تمنع من قامت به من العذاب، فلا يرد أن يرحم الكافر بتخفيف العذاب عنه، وبتأخيره في سعة عيش وصحة، وغيرهما إلى وقت قبض روحه، وقد يخفف عنه عذاب غير الكفر.стр. 3759
عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم، فلأجل ما كان بموسى ﵊ من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته؛ لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود لعل أن يكون وقت القبول والإفضال فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة.
فإن قال قائل: كيف يكون هذا، وأمته لا تخلو من قسمين: قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مات على الإيمان لا بد له من دخول الجنة، والذي مات على الكفر لم يدخل الجنة أبدًا فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ؛ لأن الحكم فيهم قد مر ونفذ.
قيل: إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا وقدر أن ينفذ على كل الأحوال، وقدر قدرًا وقدر أن لا ينفذ، ويكون رفعه بسبب دعاء أو صدقة أو غير ذلك، فلأجل ما ركب في موسى ﵊ من اللطف ...
الحواشي
(١) "والأنبياء عليهم الصلاة والسلام قد أخذوا من رحمة الله أوفر نصيب، فكانت الرحمة في قلوبهم لعباد الله أكثر من غيرهم فلأجل ما كان بموسى ﵊ من الرحمة واللطف بكى إذ ذاك رحمة منه لأمته؛ لأن هذا وقت إفضال وكرم وجود، فرجًا" حصول ما يتمناه من الثواب لأمته، فقال: "لعل أن يكون"، والرجاء يستعمل بمعنى التمني والخوف؛ لأن الراجي يخاف أن لا يدرك ما يترجاه، "وقت القبول والإفضال"، أي: الزيادة من النعم والخير على العباد، فيرحم الله أمته ببركة هذه الساعة"؛ لأن لله أوقاتًا يتجلى فيها بالرحمة على العباد، فلا يرد فيها سائلًا ولا يمنع راجيًا "فإن قال قائل: كيف يكون هذا": الواقع من موسى "وأمته لا تخلو من قسمين" جملة حالية، مقررة للإشكال، "قسم مات على الإيمان، وقسم مات على الكفر، فالذي مت على الإيمان لا بد له من دخول الجنة"، وإن كثر عصيانه في الدنيا، "والذي مات على الكفر لا يدخل الجنة أبدًا" ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ، "فبكاؤه لأجل ما ذكر لا يسوغ؛ لأن الحكم فيم قد مر ونفذ"، عطف تفسير، "قيل" في الجواب: "إن الله تعالى قدر قدره على قسمين، فقدر قدرًا، وقدر أن ينفذ على كل الأحوال"، فلا بد من وقوعه، "وقد قدرًا، وقدر أن لا ينفذ"، أي: أن لا يوجد خارجا، ولكن "يكون رفعه بسب دعاؤه أو صدقه، أو غير ذلك" مما علق عليه في الأول، وحصل ذلك المعلق عليه، "فلأجل ما ركب في موسى ﵊ من اللطف والرحمة بالأمة، طمع" في ذلك، وقال: "لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذيстр. 3760
والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله تعالى، وقدر ارتفاعه بسب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى؛ لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم، ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم، فطمع الكليم لعل أن يحلق لأمته نصيبًا من هذا الخير العظيم وقد قال نبينا ﷺ : "إن لله نفحات فتعرضوا لنفحات الله"، وهذه نفحة من النفحات فتعرض لها موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت
الحواشي
(١) قدره الله تعالى، وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع إليه، وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى؛ لأنه وقت أسرى فيه بالحبيب الكريم ليخلع عليه خلع": بكسر ففتح، جمع خلعة، بزنة سدرة وسدر: "القرب والفضل العميم، فطمع الكليم، لعل أن يلحق لأمته نصيبًا من هذ الخير العظيم".
"وقد قال نبينا ﷺ : إن لله نفحات، فتعرضوا"، أي: تصدوا، أو من التعرض، وهو الميل إلى الشيء من أحد جوانبه، "لنفحات الله"، أي: اسلكوا طرقها حتى تصير عادة، وطبيعة وسجية، وتعاطوا أسبابها، وهو فعل الأوامر، وتجنب المناهي، رجاء أن تهب من رياح رحمته نفحة بسعدكم، أو المعنى تعرضوا لها بطلبكم منه.
قال الصوفية: التعرض للنفحات: الترقب لورودها بدوام اليقظة والانتباه من سنة الغفلة، حتى إذا مرت، نزلت بفناء القلوب.
قال بعضهم: ومقصود الحديث إن لله فيوضًا ومواهب، تبدو لموامعها من أبواب خزائن الكر والمنن في بعض الأوقات، فتهب فورتها ومقدماتها، كالأنموذج لما وراءها من مدد الرحمة، فمن تعرض لها مع الطهارة الظاهرة والباطنة، بجمع همة وحضور قلب، حصل له منها في دفعة واحدة، ما يزيد على النعم الدارة في الأزمنة الطويلة على طول الأعمال، فإن خزائن الثواب بمقدار على طريق الجزاء، وخزائن المنن، النفحة منها تفوق، فما يعطى على الجزاء له مقدار ووقت معلوم، ووقت النفحة مبهم في الأزمنة، والساعات ليداوم على الطلب بالسؤال، كما في ليلة القدر، وساعة الجمعة، فقصد أن يكونوا متعرضين له في كل الأوقات قيامًا، وقعودًا، وعلى جنوبهم، وفي وقت التصرف في أشغال الدنيا، فإنه إذا دام أوشك أن يوافق الوقت الذي ينفخ فيه فيسعد بسعادة الأبد، فقال ﷺ : "اطلبوا الخير دهركم كله، وتعرضوا لنفحات رحمة الله، فإن لله نفحات، تصيب من يشاء من عباده"، الحديث، أخرجه البيهقي من حديث أنس وأبي هريرة.
"وهذه نفحة من النفحات"، عطية من العطيات، قال المصباح: النفحة: العطية، وقيل: مبدأ شيء قليل من كثير، وفي المصباح: نفح الطيب: فاح، ونفحت الريح: هبت، "فتعرض لهاстр. 3761
القدرة بأنها فيه تؤثر، وما كان قضاء نافذا لا تؤثر فيه ولا ترده الأسباب، حتم قد لزم.
وفي بكائه ﵊ وجه آخر، وهو البشارة لنبينا ﷺ ، وإدخال السرور عليه، وذلك قول موسى عليه السلاة والسلام - الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا: إن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد ﷺ أكثر مما يدخلها من أمتي.
وأما قول موسى ﵊: لأن غلامًا ولم يقل غير ذلك من الصيغ، فإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليه.
وفي القاموس: الغلام، الطار الشارب، والكهل ضد.
وقال الخطابي: العرب تسمي الرجال المستجمع السن غلامًا، ما دامت فيه
الحواشي
(١) موسى، فكان أمرًا قد قدر، والأسباب لا تؤثر إلا بما سبقت القدرة؛ بأنها فيه تؤثر" من تعليقه على سبب وقوعه، "وما كان قضاء نافذًا لا تؤثر فيه، ولا ترده الأسباب"؛ لأنه "حتم قد لزم"، ومثال ذلك دعاء النبي ﷺ لأمته، أن يظهر عليهم عدو من غيرهم، وأن لا يهلكهم بالسنين، فأعطيهما، وأن لا يجعل بأسهم بينهم، فمنعها، فأستجيب له في الاثنتين دون الثالثة، وقيل له: هذا أمر قدرته، أي: أنفذته، فكانت الاثنتان من القدر الذي قدره الله، وقدر أن لا ينفذه بسبب الدعاء، والثالثة من القدر الذي قدره، وقدر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد.
"وفي" حكمة "بكائه"، أي: موسى، "﵊: وجه آخر: وهو البشارة لنبينا ﷺ وإدخال السرور عليه"، بكثرة أمته المستلزمة لكثرة أجره، "وذلك قول موسى ﵊، الذي هو أكثر الأنبياء أتباعًا، أن الذين يدخلون الجنة من أمة محمد ﷺ أكثر مما يدخلها من أمتي"، فكباؤه حين جاوزه المصطفى، وقبل أن يبعد عنه، لأجل أن يسمعه هذه البشارة، إذ لو لم يكن لذلك لترك لبكاء حتى يبعد عنه، فلا يسمعه، ولم يبك حين كان معه، بل رحب به وأثنى عليه، ودعا له بخير لئلا يشوش عليه.
"وأما قول موسى ﵊: لأن غلامًا، ولم يقل غير ذلك من الصيغ"، كرجلًا، أو نبيًا، "فإشارة إلى صغر سنه"، أي: المصطفى، "وبالنسبة إليه"، إلى موسى، "وفي القاموس: الغلام الطار"، أي: النابت، "الشارب، والكهل ضد"، فيحتمل أنه استعمله بمعنى الكهل لاستعماله فيه وفي الكهل.
"وقال الخطابي: العرب تسمى الرجال المستجمع السن"، أي: البالغ مبلغ الرجال، بأن بلغ أشده، واستوت لحيته "غلامًا، ما دامت فيه بقية من القوة في الكهولة"، إشارة إلى مدحهстр. 3762
بقية من القوة في الكهولة.
قال في فتح الباري: ويظهر لي أن موسى ﵇ أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا ﵇ من استمرار القوة في الكهولة إلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه في قوته نقص، حتى إن الناس في قدومه المدينة لما رأوه مردفًا أبا بكر، أطلقوا عليه اسم الشاب وعلى أبي بكر اسم الشيخ، مع كونه ﵇ في العمر أسن من أبي بكر والله أعلم. انتهى.
وقد ذكرت ذلك في الهجرة من المقصد الأول.
الحواشي
(١) بقوة الشاب مع أنه كهل.
وقال ابن أبي جمرة: العرب إنما يطلقون على المرء غلامًا إذا كان سيدًا فيهم، فلأجل ما في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من ألفاظ الأفضلية، ذكره موسى دون غيره تعظيمًا للنبي ﷺ .
"قال في فتح الباري: ويظهر لي أن موسى ﵇، أشار إلى ما أنعم الله به على نبينا ﵇، من استمرار القوة في الكهولة، إلى أن دخل في سن الشيخوخة، ولم يدخل على بدنه هرم، ولا اعتراه في قوته نقص"، وهذا غير كلام الخطابي؛ لأنه قال بقية من القوة، وهذا صرح ببقاء قوته كلها، "حتى أن الناس في قدومه المدينة لما رآوه مردفًا أبا بكر" على راحلته، وإن كان له راحلة، إكرامًا له، أو على راحلة أخرى، قال تعالى: ﴿بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِين﴾ [الأنفال: ٩] ، أي: يتلو بعضهم بعضًا، قاله الداودي.
ورجح ابن التين الأول، وقال: لا يصح الثاني؛ لأنه يلزمه منه أن يمشي أبو بكر بين يديه ﷺ ورده الحافظ؛ بأنه إنما يلزم ذلك لو جاء الخبر بالعكس، فأما، ولفظه وهو مردف أبا بكر فلا.
وفي البخاري من وجه آخر، عن أنس، فكأني أنظر إلى النبي ﷺ على راحلته، وأبو بكر ردفه، "أطلقوا عليه اسم الشاب، وعلى أبي بكر اسم الشيخ".
قال أنس: أقبل ﷺ إلى المدينة، وهو مردف أبا بكر، وأبو بكر شيخ يعرف، والنبي -صلى الله عليه وسل- شاب لا يعرف، الحديث في البخاري، "مع كونه ﵇ في العمر أسن من أبي بكر"، بأزيد من عامين؛ لأنه استكمل بمدة خلافته عمر المصطفى، "والله أعلم انتهى. وقد ذكرت ذلك"، أي: حديث أنس المذكور "في الهجرة من المقصد الأول".
قال الحافظ: وقد وقع من موسى في هذه القصة من مراعاة جانب النبي ﷺ ، أنه أمسكстр. 3763
وقد وقع في حديث أبي هريرة عند الطبري في ذكر إبراهيم: "فإذا هو برجل أشمط جالس عند باب الجنة على كرسي".
وفي رواية مسلم من حديث ثابت عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء السابعة فإذا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذ هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك ثم لا يعودون إليه، إلى يوم القيامة وفيه، فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطي
الحواشي
(١) عن جميع ما وقع له حتى فارقه النبي ﷺ أدبًا معه وحسن عشرة، فلما فارقه بكى، وقال ما قال. انتهى.
"وقد وقع في حديث أبي هريرة عند الطبري" محمد بن جرير، "في ذكر إبراهيم"، فإذا هو برجل أشمط"، أي: أبيض الرأس يخالط سواده، "جالس عند باب الجنة على كرسي"، وفي حديث أبي سعيد: "فإذا بإبراهيم خليل الرحمن مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، كأحسن الرجال".
"وفي رواية مسلم من حديث ثابت" البناني، "عن أنس، ثم عرج" بالبناء للفاعل وضمير، "بنا" للمصطفى، وجبريل، ويجوز بناؤه للمفعول، "إلى السماء السابعة، فإذا إبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور".
قال أبو عبيدة: معنى المعمور: الكثير الغاشية، ويقال له الضراح "بضم المعجمة"، واهمًا لها غلط بين، كما في ربيع الأبرار، سمي به؛ لأنه ضرح عن الأرض، أي: بعد.
قال الحافظ: فيه جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وبغيره؛ لأن البيت المعمور كالكعبة في أنه قبلة من كلة جهة، وقد أسند إبراهيم ظهره إليه. انتهى.
وقال التلمساني قيل: فيه دلالة على أن الأفضل في غيره الصلاة إسناد الظهر للقبلة، وقيل: الأفضل استقبالها، ولعل إبراهيم أسند ظهره ليتوجه للمصطفى ويخاطبه. انتهى.
وقد يقال: إنما دل على الجواز لا على أنه أفضل، كيف وفي الحديث: "أشرف المجالس ما استقبل به القبلة" رواه الطبراني.
"وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك"، للعبادة، "ثم لا يعودن إليه"؛ لأن حجة مرة، كفرض الحج علينا، أو لإشغال غير دخوله، هذا في مسلم، وزاد ابن إسحاق من حديث أبي سعيد إلى يوم القيامة، هكذاب بينه في الفتح، فما أوهمه قوله: "إلى يوم القيامة" من أنه في رواية مسلم خطأ نشأ عن سقط، ثم وجدت في نسخ صحيحة عدمها، ووقعت هذه الزيادة عند البخاري في بدء الخلق، مضمومة إلى رواية قتادة عن أنس، عن مالك بن صعصعة، بلفظ: "إذا خرجوا لم يعودوا آخر ما عليهم"، وهي مدرجة من رواية قتادة عن الحسن، عن أبي هريرة، كماстр. 3764
شطر الحسن.
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند الطبري: "فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله: قد فضل الناس بالحسن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب".
وهذا ظاهره أن يوسف ﵇ كان أحسن من جميع الناس، لكن روى
الحواشي
(١) بينه في الفتح، وإليه أشار البخاري، وقد قدمته، وآخر روي بالرفع بتقدير ذلك آخر، والنصب على الظرف.
قال عياض: والرفع أجود، قال الحافظ: واستدل به على أن الملائكة أكثر المخلوقات؛ لأنه لا يعرف من جميع العوالم من يتحدد من جنسه في كل يوم سبعون ألفًا، غير ما ثبت من الملائكة في هذا الخبر. انتهى.
ويأتي مزيد لهذا في المصنف، وسئل علي عنه، فقال: "بيت في السماء السابعة بحيال البيت، حرمته كحرمة هذا في الأرض، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه"، أخرجه ابن راهويه، وحكمه الرفع، إذ لا يقال رأيا.
"وفيه"، أي: حديث ثابت، المذكور عن أنس: ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فذكر مثل الأول، "ففتح لنا"، "فإذا أنا بيوسف، وإذا هو قد أعطى شطر الحسن"، أي: نصفه، والناس كلهم بعده شركاء في النصف الآخر، هذا ظاهر ببادي الرأي، لكن الحقيقة والمراد منه أنه أوتي شطر الحسن الذي أوتي المصطفى جملته، قاله ابن المنير.
وقال بعض شراح المصابيح: المراد بالشطر البعض؛ لأن الشطر، كما يراد به نصف الشيء قد يراد به بعضه مطلقًا.
قال الطيبي: وقد يراد به الجهة أيضًا، نحو: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَام﴾ [البقرة: ١٥٠] ، أي: جهة من الحسن، ومسحة منه، كما يقال على وجهه مسحة ملك، ومسحة جمال، أي: ظاهر، ولا يقال ذلك إلا يقال ذلك إلا في المدح.
"وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي، وأبي هريرة عند الطبري" محمد بن جرير: "فإذا أنا برجل"، يعني يوسف، "أحسن ما خلق الله، قد فضل"، زاد، "الناس بالحسن، كالقمر ليلة البدر"، أربعة عشر، وهو أعلى ما يكون البدر "على سائر الكواكب، وهذا ظاهره؛ أن يوسف ﵇، كان أحسن من جميع الناس، لكن" هذا الظاهر ليس بمراد، إذ لا نزاع أن المصطفى أحسن منه.
وقد "روى الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت،стр. 3765
الترمذي من حديث أنس: "ما بعث الله نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا"، فعلى هذا يحتمل حديث المعراج على أن االمراد غير النبي ﷺ ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل في عموم كلامه.
وحمل ابن المنير حديث الباب على أن المراد: أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا ﷺ .
وأما قوله في الحديث عن إدريس: ثم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح فيحمل على أخوة النبوة والإسلام؛ لأنها تجمع الوالد والولد، وقال ابن المنير: وفي طريق شاذة: مرحبًا بالابن الصالح، وهذه هي القياس؛ لأنه جده الأعلى.
الحواشي
(١) وكان نبيكم أحسنهم وجهًا، وأحسنهم صوتًا"، فصرح بأنه أحسن من يوسف وغيره.
"فعلى هذا يحمل حديث المعراج"، المذكور من رواية أبي سعيد، وأبي هرير، "على أن المراد غير النبي ﷺ "، فلا تعارض بينه وبين حديث أنس المذكور.
"ويؤيده قول من قال" من أهل الأصول، "أن المتكلم لا يدخل في عموم كلامهن وحمل ابن المنير حديث الباب"، المروي في مسلم، "على أن المراد، أن يوسف أعطي شطر الحسن الذي أوتيه نبينا"، أي: أوتي جملته، كما عبر به ابن المنير قائلًا، فالنبي ﷺ قد بلغ الغاية، ويوسف ﵇ بلغ نصفها، قال: ويحقق هذا حديث ما بعث الله نبيًا، فذكره أو المراد به البعض، أو الجهة، كما مر عن الطيبي وغيره.
"وأما قوله في الحديث عن إدريس، ثم قال: مرحبًا بالنبي الصالح والأخ الصالح"، فسماه بالأخ، مع أنه جد له أعلى؛ لأنه إدريس بن يارد بن مهلائيل بن قينان بن أنوش بن شيث بن آدم، فكان قياسه أن يقول بالابن، كما قال إبراهيم وآدم، "فيحمل على أخوة النبوة والإسلام؛ لأنها تجمع الوالد والد"، فلا إشكال في خطابه له بالأخوة؛ لأنه، كما هو والده نسبًا أخوه في النبوة والإسلام، وعدل للأخوة تلطفًا وتأدبًا.
"وقال ابن المنير: وفي طريق شاذة: مرحبًا بالابن الصالح"، هكذا ذكره في الفوائد من معراجه، وقال قبل ذلك في أوائله أكثر الطرق على أنه خاطبه بالأخ، وقال لي ابن أبي الفضل: صحت لي طريق أنه خاطبه بالابن الصالح، انتهى وكأنه بين مراه أولًا، فالشاذ ما خلف فيه الثقة غيره، "وهذه هي القياس"، وإن قال بعضهم: في صحتها نظر؛ "لأنه جدهстр. 3766
وقيل: إن إدريس الذي لقيه ليس هو الجد المشهور، ولكنه إلياس، فإن كان كذلك ارتفع الإشكال.
فإن قلت: لم يكن هؤلاء الانبياء عليهم الصلاة والسلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء؟
وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه؟
ولم كان في السماء الثانية بخصوصها اثنان؟
أجيب عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، بأنهم أمروا بملاقاة
الحواشي
(١) الأعلى"، إذ هو سبط شيث، كما علم، وجد أبي نوح بن لمك "بفتح اللام وإسكان الميم وكاف"، ابن متوشلخ "بفتح الميم، وشد الفوقية مضمومة وسكون الواون وفتح المعجمة، واللام آخره معجمة"، ابن خنوخ، وهو إدريس، سمي به لكثرة درسه للحف؛ على أنه عربي مشق من الدراسة، وقيل: سرياني.
"وقيل: إن إدريس الذي لقيه ليس هو الحد المشهور، ولكنه إلياس" بن ياسين، سبط هارون أخي موسى، بعث بعده، ويسمى إدريس أيضًا؛ لأنه قرئ إدريس وإدراس مكان إلياس.
وفي البخاري، يذكر عن ابن مسعود، وابن عباس؛ أن إدريس هو إلياس، واختار هذا القول ابن العربي وتلميذه السهيلي، لحديث المعراج حيث سماه أخا، "فإن كان كذلك ارتفع الإشكال"، وإن كان هو الجد الأعلى، فيحمل على أخوة النبوة والإسلام؛ لأنها تجمع الوالد والولد، وإنما خص إبراهيم ونوح، وآدم بالأبوة لعرف خاص، كما يشتهر الإنسان بأحد أجداده دون من سواه من الأعلين والأدنين، كاشتهار محمد بن إدريس بالشافعي، نسبة إلى أحد أجداده شافع، وهكذا أسماء القبائل كلها، يشتهر واحد من طبقة الأجداد، فينسب إله الأولاد دون من فوقه وتحته، هذا بقية كلام ابن المنير.
"فإن قلت: لم كان هؤلاء الأنبياء" الثمانية، المذكورون في حديث مالك بن صعصعة: آدم فيحيى وعيسى، فيوسف، فإدريس، فهارون، فموسى، فإبراهيم "عليهم الصلاة والسلام في السماوات دون غيرهم من الأنبياء"، لعل المراد أنه إنما وجد هؤلاء دون غيرهم في السموات وإلا، فكونه مر على هؤلاء لا يلزم منه أن لا يكون فيها غيرهم، ولا يأتي نص بنفي كون غيرهم فيها.
"وما وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء تخصه، ولم كن في السماء الثانية بخصوصها اثنان" يحيى وعيسى، "أجيب عن الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء بأنهم أمروا بملاقاة نبينا ﷺ فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهمстр. 3767
نبينا ﷺ فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحقه، ومنهم من فاته.
وقيل: إشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه، من مظير ما وقع لكل منهم:
فأما آدم ﵇ فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض، بما سيقع لنبينا ﷺ من الهجرة إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنه الذي خرج منه.
الحواشي
(١) من فاته" على عرف الناس، إذا تلقوا الغئب مبتدرين للقائه، فلا بد غالبًا أن يسبق بعضهم بعضًا، ويصادف بعضهم اللقاء، ولا يصادف بعضهمن وإلى هذا أشار ابن بطال.
قال السهيلي: فلم يصنع شيئًا، انتهى لكن هذا الجواب لا يطابق سؤال المصنف إلا بتقدير مضاف، أي: لم كان انتظار هؤلاء لملاقاة النبي في السماوات، فحذف المضاف لفهمه من الجواب.
وفي فتح الباري اختلف في حكمة اختصاص كل منهم بالسماء التي التقاه بها، فقيل: ليظهر تفاضلهم في الدرجات، وقيل: لمناسبة تتعلق بالحكمة في الاقتصار على هؤلاء دون غيرهم من الأنبياء، فقيل: أمروا بملاقاته، فمنهم من أدركه من أول وهلة، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا زيفه السهيلي، فأصاب، انتهى، فلو أتى المصنف بهذا كان أفيد مما ذكره، وأسلم من الإيراد.
"وقيل": الحكمة في الاقتصار على المذكورين، "إشارة إلى ما سيقع له ﷺ مع قومه من نظير ما وقع لكل منهم"، ووجه الإشارة؛ أن رؤيته لصورهم كالفال، فتفسر رؤية كل واحد بما يشبه ما وقع له، فهو تنبيه على الحالات الخاصة بهم، وتمثيل بما سيقع للمصطفى مما اتفق لهم مما قصه الله عنهم في كتابه، والنبي ﷺ كان يحب الفأل الحسن، ويستدل به على حسن العاقبة، وبالضد من ذلك، والفأل في اليقظة نظير الرؤيا في المنام، وهل التعبير يقولون: من رأى نبيًا من الأنبياء بعينه في المنام، فإن رؤياه تؤذن بما يشبه من حال ذلك النبي من شدة أو رخاء أو غير ذلك من الأمور التي أخبر بها عن الأنبياء في القرآن والحديث، أشار إلى هذا ابن المنير وغيره.
"فأما آدم ﵇، فوقع التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة" التي كان فيها في أمن الله وجواره، "إلى الأرض بما سيقع لنبينا ﷺ من الهجرة" من مكة، وهي حرم الله وأمنه، وقطانها جيران الله؛ لأن فيها بيته "إلى المدينة، والجامع بينهما ما حصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألفه من الوطن، ثم كان عاقبة كل منهما أن يرجع إلى وطنهстр. 3768
وبعيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة من عداوة اليهود، وتماديهم على البغي عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه.
وبيوسف، على ما وقع له مع إخوته على ما وقع لنبينا ﷺ من قريش، من
الحواشي
(١) الذي خرج منه"، فآدم رجع إلى السماء بعد أن أهبط منها، والمصطفى رجع إلى مكة لما فتحها وصارت في يده، وهذا معنى كلام السهيلي، وزاد تلميذه ابن دحية، وتبعه ابن المنير؛ أن فيه تنبيهًا على أنه يقوم مقامه في مبدأ الهجرة؛ لأن مقام آدم التهيئة، والنشأة وعمارة الدنيا بأولاده، وكذا كان مقام المصطفى أول سنة من الهجرة مقام تنشئة الإسلام، وتربية أهله، واتخاذ الأنصار لعمارة الأرض كلها بهذا الدين الذي أظهره الله على الدين كله، وزوي الأرض لنبيه حتى أراه مشارقها ومغاربها.
وقال ﷺ : "ليبلغن ملك أمتي ما زوى لي منها"، واتفق في ذلك في زمن هشام بن عبد الملك، جيء إليه خراج الأرض شرقًا وغربًا، وكان إذا نشأت سحابة يقول: أمطري حيث شئت، فسيصل إلي خراجك "وبعيسى ويحيى على ما وقع له أول الهجرة"، وهي ثاني حاله له، والأولى بمكة "من عداوة اليهود وتماديهم" بالدال، أي: استمرارهم.
وفي نسخ: تماليهم باللام، أي: تعاونهم أو اجتماعهم "على البغي عليه وإرادتهم وصول السوء إليه"، وهذا لفظ الفتح قائلًا: إنه لخصه من السهيلي، وهو محتاج لبيان، ولفظ السهيلي واضح، وهو: ثم رأى في الثانية عيسى ويحيى، وهما الممتحنان باليهود، أما عيسى، فكذبته اليهود وآذوه، وهموا بقتله، فرفعه الله، أما يحيى، فقتلوه، ورسول الله ﷺ بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان، وكانت محنته فيها باليهود آذوه، وظاهروه عليه، وهموا بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه، فنجاه الله، كما نجى عيسى، ثم سموه في الشاة، فلم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره.
وقال ابن دحية: كانت حالة عيسى ومقامته معالجة بني إسرائيل والصبر على معالجة اليهود وحيلهم ومكرهم، وطلب عيسى الانتصار عليهم بقوله: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّه﴾ ، أي: مع الله، قال الحواريون: نحن أنصار الله، فهذه كانت حالة نبينا ﷺ في السنة الثانية من الهجرة، ففيها طلب الأنصار إلى بدر العظمى، فأجابوه ونصروه، فلقاؤه لعيسى في السماء الثانية، تنبيه على أنه سيلقى مثل حاله ومقامه في السنة الثانية من الهجرة.
"وبيوسف على ما وقع له مع أخوته، على ما وقع لنبينا ﷺ من قريش": أقاربه، "من نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار ﵇ إلى ذلك يومстр. 3769
نصبهم الحرب له، وإرادتهم إهلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار عغليه السلام إلى ذلك يوم الفتح بقوله لقريش: كما قال يوسف: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء"، أي العتقاء.
الحواشي
(١) الفتح، بقوله لقريش" بعد الخطبة: "يا معشر قريش ما ترون أني فاعل فيكم"؟، قالوا: خيرًا أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت، فقال: "أقول كما قال" أخي "يوسف لا تثريب": عتب "عليكم اليوم"، خصه بالذكر؛ لأنه مظنة التثريب، فغيره أولى، "يغفر الله لكم، وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء" "بضم المهملة وفتح اللام وقاف" جمع طليق.
قال المصنف في فتح مكة أي: الذين أطلقوا فلم يسترقوا، ولم يؤسروا، والطليق الأسير إذا أطلق، فتفسيره هنا بقوله، "أي: العتقاء": جمع عتيق بمعنى معتوق، فيه تجوز؛ لأن حقيقة العتيق من أزيل عنه الرق، وهؤلاء لم يسترقوا، لكن لما كان المصطفى متمكنا منه، ورفعه عنهم، شبههم بمن أزيل عنه الرق، وأطلق عليه اسمه، ثم هذا الذي ذكره المصنف إلى قوله: "اليوم يغفر"، هو ما ذكر في الفتح؛ أنه لخصه من السهيلي.
وأما لفظه في الروض، فهو: وأما لقاؤه ليوسف في الثالثة، فيؤذن بحالة ثالثة تشبه حال يوسف، وذلك أنه ظفر بأخوته بعد إخراجه من بين ظهرانيهم، فصفح عنهم، وقال: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُم﴾ [يوسف: ٩٢] ، وكذا نبينا أسر يوم بدر جملة من أقاربه الذين أخرجوه، فيهم عمه العباس، وابن عمه عقيل، فمنهم من أطلق، ومن من فدى، ثم ظهر عليهم عام الفتح، فقال: أقول، كما قال أخي يوسف: ﴿لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُم﴾ . انتهى.
وال ابن دحية: مناسبة لقائه ليوسف في الثالثة، أن الثالثة من الهجرة اتفقت فيها غزوة أحد، وكانت على المسلمين، لم يصابوا بنازلة قبلها ولا بعدها مثلها، فإنها كانت وقعة أسف وحزن، وأهل التعبير يقولون: من رأى أحدًا اسمه يوسف، آذن ذلك من حيث الاشتقاق، ومن حيث قصة يوسف بأسف يناله.
قال ابن دحية: فإن كان يوسف النبي، فالعاقبة حميدة والآخرة خير من الأولى، ومما اتفق في أحد من المناسبة شيوع قتل المصطفى، فناسب ما حصل للمسلمين من الأسف على فقد نبيهم، ما حصل ليعقوب من الأسف على يوسف، لاعتقاد أنه فقد إلى أن وجد ريحه بعد تطاول الأمد.
ومن المناسبة أيضًا بين القصتين؛ أن يوسف كيف وألقي في غيابة الجب حتى أنقذه الله على يد من شاء.стр. 3770
وبإدريس على رفيع منزلته عند الله تعالى.
وبهارون إذ رجع قومه إلى محبته بعد إن آذوه.
الحواشي
(١) قال ابن إسحاق: وأكبت الحجارة على جبهته ﷺ من قريش حتى سقط لجنبه في حفرة، كان أبو عامر الفاسق حفرها مكيدة للمسلمين، فأخذ علي بيده ﷺ ، واحتضنه طلحة حتى قام، "وبإدريس على رفيع منزلته عند الله تعالى"، لفظ الروض، ثم لقاؤه لإدريس في الرابعة، وهو المكان الذي سماه الله مكانًا عليًا، وهو أول من خط بالقلم، فكان ذلك مؤذنا بحالة رابعة، وهو علو شأنه ﷺ حتى أخاف الملوك، وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان وهو عند ملك الروم حين جاءه كتاب النبي ﷺ ورأى ما رأى من خوف هرقل، لقد أمر ابن أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر، وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض، فمنهم من أتبعه على دينه، كالنجاشي وملك عمان، ومنهم من هادنه، وأهدى إليه وأتحفه، ما أوتي إدريس. انتهى، ولا يفهم من قوله بحالة رابعة وقوع الكتابة إلى الملوك في رابعة الهجرة، كما ظن ابن المنير، فقال: فلعل ذلك صادف السنة الرابعة، مطابقًا للقاء إدريس في السماء الرابعة.
انتهى، فإنه سهو عجيب، فإن كتابته للملوك كانت أو السنة السابعة، كما تقدم في المكاتبات.
قال ابن المنير: واختلف هل رفع إدريس بعد الوفاة، أو رفع حيًا كعيسى، وفي المكان العلي هل هو السماء الرابعة، أو الجنة، فإن كان هو الجنة فقد شاركه المصطفى بلقائه فيها، وزاد عليه في الارتفاع إلى أعلى الجنان، وأرع الدرجات انتهى ملخصًا.
"وبهارون إذ رجع قومه إلى محبته بعد أن آذوه"، ولفظ الروض: ولقاؤه في الخامسة لهارون المحبب في قومه، يؤذون بحب قريش وجميع العرب له بعد بغضهم فيه.
وقال تلميذه ابن دحية: ما نال هارون من بني إسرائيل من الأذى، ثم الانتصار عليهم، والإيقاع بهم، وقصر التوبة فيهم على القتل دون غيره من العقوبات المنحطة عنه، وذلك أن هارون عندما تركه موسى في بني إسرائيل، وذهب للمناجاة، تفرقوا على هارون وتحزبوا عليه، وداروا حول قتله، ونقضوا العهد، وأخلفوا الموعد، واستصغروا جانبه، كما حكى الله تعالى ذلك عنهم، وكانت الجناية العظمى الصادرة منهم عبادة العجل، فلم يقبل الله منهم التوبة إلا بالقتل، فقتل في ساعة واحدة سبعون ألفًا، كان نظير ذلك في حقه ﷺ ما لقيه في خامسة الهجرة من يهود قريظة، والنضير وقينقاع، فإنهم نقضوا العهد وخربوا الأحزاب، وجمعوها، وحشدوا، وحشروا، وأظهروا عداوة النبي ﷺ وأرادوا قتله، وذهب إليهم قبل الوقعة بزمن يسير، يستعينهمстр. 3771
وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك ﵊ بقوله: " لقد أوذي موسى بأكثر من هذا فصبر".
وبإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور، بما ختم الله له ﷺ في آخر عمره من إقامة نسك الحج، وتعظيم البيت الحرام.
الحواشي
(١) في دية قتيلين، فأظهروا إكرامه، وأجلسوه تحت جدار، ثم تواعدوا أن يلقوا عليه رحى، فنزل جبريل، فأخبره بمكرهم الذي هموا به، فمن حينئذ عزم على حربهم وقتلهم، وفعل الله تعالى ذلك، وقتل قريظة بتحكيمهم سعد بن معاذ، فقتلوا شر قتلة، وحاق المكر السيئ بأهله، ونظير استضعاف اليهود لهارون استضعافهم للمسلمين في غزوة الخندق.
"وبموسى على ما وقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك ﵊ بقوله": "لما آثر ناسًا ليؤلفهم في قسمة غنائم حنين"، فقال رجل: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، وما أريد بها وجه الله، فتغير وجهه، ثم قال: فمن يعدل إن لم يعدل الله، ورسوله ثم قال: "لقد أوذي موسى بأكثر من هذا، فصبر"، رواه الشيخان.
ولفظ السهيلي: ولقاؤه في السادسة لموسى يؤذن بحالة تشبه حالة موسى حين أمر بغزو الشام، فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد إهلاك عدوهم، وكذلك غزا ﷺ تبوك من أرض الشام، وظهر على صاحب دومة الجندل حتى صالحه على الجزية بعد أن أتى به أسيرًا وافتتح مكة، ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه.
وقال ابن دحية: يؤذن لقاؤه له في السادسة بمعالجة قومه، فإن موسى ابتلي بمعالجة بني إسرائيل، والصبر على أذاهم، وما عالجة المصطفى في السنة السادسة: لم يعالج قبله ولا بعده مثله، ففيها افتتح خيبر وفدك وجميع حصون اليهود، وكتب الله عليهم الجلاء، وضربهم بسوط البلاء، وعالج ﷺ في هذه السنة، كما عالج موسى من قومه، أراد أن يقيم الشريعة في الأرض المقدسة، وحمل قومه على ذلك، فتقاعدوا عنه، وقالوا: ﴿إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا﴾ ، وفي الآخر سجلوا بالقنوط: ﴿إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا﴾ ، فغضب الله عليهم، وحال بينهم وبينها، وأوقعهم في التيه، وكذلك أراد ﷺ في السادسة أن يدخل بمن معه مكة، يقيم بها شريعة الله وسنة إبراهيم، فصدوه فلم يدخلها في هذا العام، فكان لقاؤه لموسى تنبيهًا على التأسي به، وجميل الأثر في السنة القابلة.
"و" وقع التنبيه "بإبراهيم في استناده إلى البيت المعمور بما ختم الله له ﷺ في آخر عمره في إقامة نسك الحج وتعظيم البيت الحرام" ولفظ الروض: ثم لقاؤه في السابعة لإبراهيم لحكمتين إحداهما: أن البيت المعمور بحيال الكعبة، وإليه تحج الملائكة، كما أن إبراهيم هوстр. 3772
وأجاب العارف ابن أبي جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء:
بأن الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء، وأول الآباء،
الحواشي
(١) الذي بنى الكعبة، وأذن في الناس بالحج إليها، والثانية؛ أن آخر أحواله ﷺ حجه إلى البيت الحرام، وحج معه ذلك العام نحو من تسعين ألفًا، ورؤية إبراهيم عند أهل التأويل تؤذن بالحج؛ لأنه الداعي إليه، والرافع لقواعد الكعبة المحجوجة.
وقال ابن دحية: مناسبة لقيه لإبراهيم في السابعة: أنه ﷺ اعتمر عمرة القضاء في السنة السابعة من الهجرة، ودخل مكة وأصحابه، ملبين معتمرين محييًا لسنة إبراهيم، ومقيمًا لرسمه الذي كانت الجاهلية أماتت ذكره وبدلت أمره، ورؤيته لإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، إشارة إلى أنه يطوف بالكعبة في السابعة، وهي أول دخلة دخل مكة بعد الهجرة، والكعبة في الأرض قبالة البيت المعمور.
قال: وفي قوله: فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألفًا، لا يرجعون إليه، إلى آخر الدهر، إشارة إلى أنه إذا دخل البيت الحرام لا يرجع إليه؛ لأنه لم يدخله بعد الهجرة إلا عام الفتح، ثم لم يدخله في حجة الوداع، واعلم أن ما ذكره المصنف تبع فيه الحافظ، وقال في آخرها: هذه مناسبات لطيفة أبداها السهيلي، فأوردتها منقحة ملخصة.
وقد زاد ابن المنير في ذلك أشياء أضربت عنها، إذ أكثرها في المفاضلة بين الأنبياء، والإشارة في هذا المقام عندي أولى من تطويل العبارة. انتهى، وقال ابن دحية: لا بأس بما ذكه هذا الإمام، يعني شيخ السهيلي، لكن يحتاج إلى تنبيهات، منها إجراؤه لذلك، كالتعبير، فإنه يوهم أن الإسراء كان منامًا، والصحيح أنه يقظة، والذي يرفع الإشكال، أن الفأل في اليقظة: نظير الأحلام، فيكون تعبير الفألأ ببيان ما يدل عليه يقظة، كتعبير الأحلام بما تدل عليها منامًا، فعلى هذا يصح كلامه، وقد كان ﷺ يحب الفأل الحسن، ويستدل به على حسن العاقبة، وبالضد من ذلك.
ومنها أنه لم يذكر للمستوى ولا لما بعده نظيرًا، إما لتعذر استنباط المناسبة، أو لانقطاع الفكرة دون، ذلك انتهى، أو؛ لأن الأولى ترك ذلك، كما أفصح به السهيلي نفسه عقب ذكر المناسبات، إذ قال: وكان الحزم ترك التكلف لتأويل ما لم يرد فيه نص عن السف، ولكن عارض هذا ما يجب من التفكر في حكم الله وتدبر آياته، قال: ولولا مسارعة للناس إلى إنكار ما جهلوه، وغلظ الطباع عن فهم كثير من الحكمة، لأبدينا من سر هذا السؤال أكثر مما كشفنا.
"وأجاب العارف ابن أبي جمرة عن وجه اختصاص كل واحد منهم بسماء"، الذي هو ثاني أسئلة المصنف، وفيه جواب الثالث، وهو لم كان في الثانية بخصوصها اثنان: "بأنстр. 3773
وهو الأصل، ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة.
وأما عيسى فإنما كان في السماء الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء إلى النبي ﷺ ولا انمحت شريعة عيسى ﵇ إلا بشريعة سيدنا محمد ﷺ ؛ ولأنه ينزل في آخر الزمان لأمة محمد ﷺ على شريعته ويحكم بها، ولهذا قال ﵇: "أنا أولى الناس بعسيى"، فكان في الثانية لأجل هذا المعنى.
وإنما كان يحيى ﵇ معه هناك؛ لأنه ابن خالته، وهما كالشيء الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معًا.
الحواشي
(١) الحكمة في كون آدم في السماء الدنيا؛ لأنه أول الأنبياء وأول الآباء"، فناسب مقام الأولية، "وهو الأصل"، فكان الأول في الأولى، "ولأجل تأنيس النبوة بالأبوة" في مبدأ العالم العلوي.
"وأما عيسى، فإنما كان في السماء الثانية؛ لأنه أقرب الأنبياء" من حيث الزمن "إلى النبي ﷺ و"؛ لأنه "لا انمحت شريعة عيسى ﵇ إلا بشريعة سيدنا محمد؛ ولأنه ينزل في آخر الزمان، لأمة محمد ﷺ على شريعته، ويحكم بها"، ووجه جعل هذا حكمة كونه في الثانية، أن عيسى لما شابه المصطفى في ثاني أحواله، وهي حكمه بشريعته، وكونه واحدًا من أمته، ناسب أن يكون في السماء الثانية، وأول أحوال عيسى كونه رسولًا إلى بني إسرائيل، "ولهذا" المذكور من الحكم الثلاث.
"قال ﵇" في الصحيحين وغيرهما: "أنا أولى الناس"، أي: أخصهم "بعيسى" ابن مريم، وأقربهم إليه؛ لأنه بشر بأنه يأتي من بعده، فالأولوية هنا من جهة قرب العهد، كما أنه أولى الناس بإبراهيم؛ لأنه أبوه، ودعا به، وأشبه الناس به خلقًا وملة، وبين وجه الأولوية بقوله في بقية الحديث: ليس بيني وبينه نبي، كأنه قال: لأنه ليس ... إلخ، وضعف هذا الحديث ما ورد؛ أن جرجيس وخالد بن سنان كانا نبيين بعد عيسى؛ لأن في إسنادهما مقالًا، وهذا صحيح بلا شك، إلا أن يجاب بأنها بعثا بتقرير شريعة عيسى لا شريعة مستقلة، ذكره الحافظ وغيره.
"فكان في الثانية لأجل هذا المعنى"، وفي فتح الصفا؛ لأنه خلق ثان كخلق آدم، أن مثل عيسى عند الله كمثل آدم، "وإنما كان يحيى ﵇ معه هناك؛ لأنه ابن خالته، وهما كالشيء الواحد، فلأجل التزام أحدهما بالآخر كانا هناك معًا"، أدق من هذا قول ابن المنير: السر في ذلك أن عيسى لم يلقه بعد موته لرفعه حيًا صيانة له، وذخيرة إلى وقت عوده إلى الأرض قائمًا بشرع المصطفى، غير مجدد شرعًا، فهو في حكم الأحياء، ومقامه في السماء ليس على معنى السكنى الدائمة، بخلاف غيره من الأنبياء، ويحيى هو المقيم في السماء أسوة غيره من الأنبياء، واختص مقامه عند عيسى؛ لأنهما ابنا الخالة، وكانا لدتين، وكانت أم يحيى تقولстр. 3774
وإنما كان يوسف ﵇ في السماء الثالثة؛ لأن على حسنه تدخل أمة النبي ﷺ الجنة، فأري له هناك لكي يكون ذلك بشارة له ﵇ فيسر بذلك.
وإنما كان إدريس ﵇ في السماء الرابعة؛ لأنه هناك توفي ولم تكن له تربة في الأرض على ما ذكر.
وإنما كان هارون عليه الئلام في السماء الخامسة؛ لأنه ملازم لموسى عليه
الحواشي
(١) لأم عيسى وهما حاملتان: إني أجد ما في بطني يسجد لما في بطنك، أي: سجود تحية، فكان بينهما اتحاد منذ كانا، فلما عرض لعيس الصعود إلى السماء جعل عند يحيى.
"وإنما كان يوسف ﵇ في السماء الثالثة؛ لأن على حسنه تدخل أمة النبي ﷺ الجنة"، وهي ثالث دورها، الدنيا، فالبرزخ، فالجنة، فناسب كونه في الثالثة، "فأري له هناك لكي يكون ذلك بشارة له ﵇، فيسر بذلك"، وفي فتح الصفا: ويوسف في الثالثة، باعتبار أن جعله في خزائن الأرض كان مرتبة ثالثة له؛ لأنه بعد خروجه من السجن، وذلك بعد رفعه من الجب.
"وإنما كان إدريس ﵇ في السماء الرابعة؛ لأنه هناك توفي، ولم تكن له تربة في الأرض على ما ذكر" عن كعب الأحبار: أن الملك الموكل بالشمس، كان صديقًا لإدريس، فسأله أن يريه الجنة، فإذن الله له في ذلك، فرفعه فلما كان في السماء الرابعة رآه ملك الموت فعجب، وقال: أمرت أن أقبض روحه في السماء الرابعة، ققضبه.
قال السهيلي: ولكون رفعه حيًا إلى ذلك المقام خاصا به، قال تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧] ، فلا ينافي رؤيته إبراهيم وموسى في مكان أعلى منه، ومر عن الحافظ؛ أن هذا من الإسرائيليات، والله أعلم بصحته، وأن رفعه وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية.
وقال ابن المنير: اختلف في إدريس هل رفع إلى السماء بعد موته كغيره من الأنبياء، أو إنما رفع حيًا، وهو إلى الآن حي كعيسى، وجاء في القصص، أن إدريس أحبته الملائكة لكثرة عبادته، فسأل ملك الموت أن يذيقه الموت ليهون عليه، فأذاقه، ثم حيي، فسأل أن يورده الناء ليزداد رهبة، فأوردها، ثم أخرج، فسأل أن يدخل الجنة ليزيد رغبة، فأدخلها، فقيل له: اخرج، قال: لا يارب إني ذقت الموت ووردت النار ودخلت الجنة، وقد وعدت من دخلها على ذلك أن لا يخرج منها أبدًا، فأوحى الله إلى الخازن أن دعه، فبإذني فعل ما فعل، فبقي في الجنة في السماء الرابعة على هذا الوجه انتهى، فتأمله.
"وإنما كان هارون ﵇ في السماء الخامسة؛ لأنه ملازم لموسى ﵇،стр. 3775
السلام، لأجل أنه أخوه وخليفته في قومه، فكان هناك لأجل هذا المعنى، وإنما لم يكن مع موسى في السماء السادسة؛ لأن لموسى مزية وحمرة وهي كونه كليمًا واختص بأشياء لم تكن لهارون فلأجل هذا المعنى لم يكن معه.
وإنما كان موسى في السماء السادسة لأجل ما اختص به من الفضائل؛ ولأنه الكليم، وهو أكثر الأنبياء أتباعًا بعد نبينا ﷺ .
وإنما كان إبراهيم ﵊ في السماء السابعة؛ لأنه الخليل والأب الأخير فناسب أن يتجدد للنبي ﵇ بلقياه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وهو اختراق الحجب، وأيضًا؛ لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب، والحبيب ها هو قد علا ذلك المقام فكان الخليل فوق الكل لأجل خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل لأجل ما اختص مما زاد به عليهم، قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ
الحواشي
(١) لأجل أنه أخوه" ووزيره "وخليفته في قومه"، لما ذهب إلى المناجاة، "فكان هناك لأجل هذا المعنى، وإنما لم يكن مع موسى في السماء السادسة؛ لأن لموسى مزية وحرمة، وهي كونه كليمًا، واختص بأشياء لم تكن لهارون، فلأجل هذا المعنى لم يكن معه" تكرار لزيادة البيان.
"وإنما كان موسى في السادسة، لأجل ما اختص به من الفضائل؛ ولأنه الكليم، وهو أكثر الأنبياء اتباعًا بعد نبينا ﷺ "، فكان فهيا للإشعار بالقرب.
"وإنما كان إبراهيم ﵊ في السماء السابعة؛ لأنه الخليل والأب الأخير" للمصطفى، "فناسب أن يتجدد للنبي ﵇ بلقياه أنس لتوجهه بعده إلى عالم آخر، وهو اختراق الحجب"، كما أنس بأبيه آدم في أول عالم السماوات، ثم في وسطها بأبيه إدريس؛ لأن الرابعة من السبع وسط معتدل، "وأيضًا؛ لأنه الخليل، ولا أحد أفضل من الخليل إلا الحبيب، والحبيب ها هو قد علا ذلك المقام، فكان الخليل فوق الكل، لأجل خلته وفضله، وارتفع الحبيب فوق الكل، لأجل ما اختص مما زاد به عليهم"، وما أحسن اختصار الحافظ لهذا بقوله، وأيضًا، فمنزلة الخليل تقتضي أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته، فلذلك ارتفع عن منزلة إبراهيم إلى قاب قوسين، أو أدنى.
"قال الله تعالى: " ﴿تِلْك﴾ " مبتدأ " ﴿الرُّسُل﴾ " صفة، والخبر " ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ " بتخصيصه بمنقبة ليست لغيره، " ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّه﴾ " كموسى، " ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُم﴾ " أي: محمدًا " ﴿دَرَجَات﴾ " [البقرة: ٢٥٣] "، على غيره بعموم الدعوة، وختم النبوةстр. 3776
بَعْضَهُمْ دَرَجَات﴾ [البقرة: ٢٥٣] فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة وهي درجة الرسالة، والنبوة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى الحكمة ترفيعًا للمرفوع دون تنقيص بالمنزول، انتهى فليتأمل.
وقد اختلف في رؤية نبينا ﷺ لهؤلاء الأنبياء ﵈، فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم إلا عيسى، لما ثبت أنه رفع بجسده، وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك.
وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل: الأجساد بأرواحها.
الحواشي
(١) به، وتفضيل أمته على سائر الأمم، والمعجزات المتكاثرة، والخصائص العديدة، "فحصل لهم الكمال والدرجة الرفيعة، وهي درجة الرسالة والنبورة، ورفعوا بعضهم فوق بعض بمقتضى الحكمة" الإلهية، "ترفيعًا للمرفوع دون تنقيص بالمنزول"، وفي نسخة: للمنزول بلام بدل الموحدة، أي: النازل عن غيرة في الفضل "انتهى، فليتأمل".
"وقد اختلف في" صفة "رؤية نبينا ﷺ لهؤلاء الأنبياء ﵈" في السماوات ولهم ولغيرهم في بيت المقدس، مع أن أجسادهم مستقرة في قبورهم بالأرض، "فحمله بعضهم على رؤية أرواحهم" متشكلة بصور أجسادهم، "إلا عيسى لما ثبت أنه رفع بجسده"، سواء قلنا رفع حيا عند الأكثرين، أو بعد أن توفي على ظاهر: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيك﴾ ، للاتفاق على رفعه بجسده.
"وقد قيل في إدريس أيضًا ذلك"، أي: رفع بجسده حيًا، ثم مات أم لا على قولين تقدمًا، "وأما الذين صلوا معه في بيت المقدس، فيحتمل الأرواح خاصة"، دون الأجساد ويؤيده حديث أبي هريرة عند الحاكم والبيهقي، فلقي أرواح الأنبياء وفي دليل على تشكل الأرواح بصور أجسادها في عالم الله، "ويحتمل الأجساد بأرواحها"، بأن يكون أسرى بأجسادهم من قبورهم لملاقاة النبي ﷺ تلك الليلة تشريفًا وتكريمًا، ويؤيده حديث أنس عند البيهقي، وبعث له آدم، فمن دون من الأنبياء، فأمهم.
وعند البزار والطبراني: فنشر لي الأنبياء من سمى الله تعالى، ومن لم يسم، فصليت بهم.
قال الحافظ: واختاره بعض شيوخنا، واحتج بما في مسلم، مرفوعًا: "رأيت مسوى ليلة أسرى بي قائمًا يصلي في قبره". فدل على أنه أسري به لما مر به، وقلت، وليس ذلك بلازم، بل يجوز أن لروحه اتصالًا بجسده في الأرض، ولذلك تمكن من الصلاة فيها، وروحه مستقرة في السماء.стр. 3777
وقيل: يحتمل أن يكون ﵇ عاين كل واحد منهم في قبر في الأرض على الصورة التي أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه، فيكون الله قد أعطاه من القوة في البصرة، والبصيرة ما أدرك به ذلك، ويشهد له رؤيته ﵊ رآهما من ذلك الموضع، أو مثل له صورتهما في عرض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما.
وقيل: يحتمل أن يكون الله لما أراد بإسراء نبينا، رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكرامًا لنبيه ﵇ وتعظيمًا له حتى يحصل له من قبلهم ما أشرنا إليه من الأنس والبشارة وغير ذلك مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن.
الحواشي
(١) "وقيل": أي: قال ابن أبي جمرة رؤيته لهؤلاء الأنبياء "يحتمل" وجوها: أحدها: أنه يحتمل "أن يكون ﵇ عاين كل واحد منهم في قبر الأرض على الصورة التي أخبر بها من الموضع الذي ذكر أنه عاينه فيه، فيكون الله قد أعطاه من القوة في البصر والبصيرة ما أدراك به ذلك"، لكن قد يبعده، فإذا فيها آدم إلخ ... لا سيما قوله: "فإذا أنا بإبراهيم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور"، فإن الأصل الحقيقة، وكون المعنى، فإذا في وجودي في السماء عاينت آدم في قبره، ثم يقال مثله في البقية، مجاز بعيد جدًا بلا داعية، وكيف يقال: عاينت وأنا في السماء السابعة إبراهيم في قبره، وهو مسنده ظهره إلى البيت المعمور.
"ويشهد له رؤيته ﵊ الجنة والنار في عرض الحائط": "بضم العين وإسكان الراء" جانبه وناحيته، "وهو محتمل أن يكون ﵊ رآهما في ذلك الموضع" حقيقة، بأن كشف له عنهما، وأزيلت الحجب التي بينه وبينهما.
قال ابن أبي جمرة: كما يقال: رأيت الهلال من منزلي من الطاق، والمراد من موضع الطاق، "أو مثل له صورتهما في عرض الحائط، والقدرة صالحة لكليهما"، لكن هذان الاحتمالان ظاهران في ذا الحديث، وإجراء مثلهما في حديث المعراج لا يظهر لبعده.
"وقيل": أي: قاب ابن أبي جمرة أيضًا، "يحتمل" أن يكون ﷺ عاين أرواحهم هناك في صورهم، "وأن يكون الله لما أراد بإسراء نبينا رفعهم من قبورهم لتلك المواضع إكرامًا لنبيه ﵇، وتعظيمًا له حتى يحصل له من قبلهم" بكسر ففتح، جهتهم، "ما أشرنا إليه من الإنس والبشارة وغير ذلك، مما لم نشر إليه ولا نعلمه نحن"،стр. 3778
وكل هذه الوجوه محتملة، ولا ترجيح لأحدها على الآخر إذ القدرة صالحة لكل ذلك. انتهى.
وأما قوله في الحديث: "ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال
الحواشي
(١) وهذا الاحتمال هو عين قوله أولًا، ويحتمل الأجساد بأرواحها غايته أنه مبسوط عنه، فهو كالشرح له، وبقي احتمال رابع، وبه جزم أبو الوفاء بن عقيل، أن أرواحهم مستقرة في الأماكن التي رآها المصطفى فيها متشكلة بصور أجسادهم، لكنه إنما يظهر في الذين رآهم في السماوات، لا في بيت المقدس.
"وكل هذه الوجوه محتملة" "بضم الميم الأولى وفتح الثانية"، أي: قريبة، "وإما بكسر الثانية"، فالواقعة نفسها، كما صرح به بعضهم، "ولا ترجيح لأحدها على الآخر"، من حيث الاحتمال في حد ذاته، "إذ القدرة صالحة لكل ذلك"، أما بالنظر لما يشهد له من خارج، فيرجع. "انتهى"، يعني كلام ابن أبي جمرة، وإن لم يفصح به، وأوله ما قد علمته، وما قبله أتى به المصنف من فتح الباري، وفيه رد على ما أطال به ابن القيم في كتاب الروح من ترجيح أن رؤيته إنما هي لأرواحهم فقط، إذ الأجساد في الأرض قطعا إنما تبعث يوم القيامة، ولو بعثت قبل ذلك لكانت انشقت عنهم الأرض قبلها، وكانت تذوق الموت عند نفخ الصور، وهذه موتة ثالثة، وهذا باطل قطعًا، وبأنها لو بعثت الأجساد لم تعد إلى القبور، بل كانت في الجنة مع أنها محرمة على الأنبياء حتى يدخلها نبينا، وهو أول من يستفتح باب الجنة، ولا تنشق الأرض عن أحد قبله إلى آخر ما أطال به، مما لا حجة له فيه، وجوابه كما أملاني شيخنا أنه إنما يتم ما قاله، لو كانت أرواحهم مفارقة لأجسادهم في قبورهم، وليس كذلك، بل هم أحياء في قبورهم بحياة حقيقية يأكلون ويشربون ويتمتعون فيها، وخروجهم من قبورهم، ومجيئهم لها ليس الخروج المقتضي للبعث، بل هو كخروج الإنسان من منزله لحاجة يقضيها، ويعود إليه، فلا يعد بذلك مفارقًا له، والذي يعد به مفارقًا هو الذي بحيث لا يعود إليه، بل يقوم للقيامة، وبهذا سقط كلامه.
"وأما قوله في الحديث: ثم رفعت"، رواه الأكثر بضم الراء، وسكون العين وضم التاء، ضمير المتكلم بعده حرف الجر، وهو "إلى سدرة المنتهى"، وللكشميهني: رفعت، بفتح العين وسكون التاء، أي: السدرة لي، أي: من أجلي.
وكذا في بدء الخلق، ويجمع بين الروايتين بأنه رفع إليها، أي: ارتقى به، وظهرت له، والرفع إلى الشيء يطلق على التقريب منه، وقد قيل في قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَة﴾ [الواقعة: ٣٤] ، أي: تقرب لهم، "فإذا نبقها" بفتح النون وكسر الموحدة وبسكونها أيضًا.стр. 3779
هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان، ونهران ظاهران فقلت: وما هذا يا جبريل: قال: أما الباطنان فنهران في
الحواشي
(١) قال ابن دحية: والأول هو الذي ثبت في الرواية، أي: التحريك، وهو ثمر السدر، "مثل قلال"، قال الخطابي: بالكسر، جمع قلة بالضم، هي الجرار، يريد أن ثمرها في الكبر مثل القلال، وكانت معروفة عند المخاطبين "هجر": بفتح الهاء والجيم، بلدة لا تنصرف للتأنيث والعلمية، ويجوز الصرف، كما في الفتح، وقدمته.
قال النعماني: وأما ثمرها، فهل هو كالثمار المأكولة، وأنه يزول، ويعقبه غيره، وهل الزائل يؤكل أو يسقط، لم أر من ذكر هذا، ولا يمنته أن يكون كذلك، وأنه تأكله الطيور التي تسرح في الجنة، والروح على قول من يقول: إنهم صنف على صورة الإنسان، لهم أيد وأرجل ورؤوس، وأنهم يأكلون الطعامن وليسوا من الملائكة.
قال ابن عباس: ما ينزل من السماء ملك إلا ومعه واحد من الروح، وقال أبو صالح: وليسوا بناس، ولا بالملائكة، وعن بعضهم: أن الملائكة لا يرونهم، وليس بينه وبين قول ابن عباس هذا تناف، فإنه لا يلزم من نزولهم معهم رؤيتهم لهم انتهى.
"وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" بكسر الفاء وفتحها غلط زاعمه، وفتح التحتية: جمع فيل، وفي بدء الخلق الفيول: جمع فيل أيضًا، والتشبيه في الشكل فقط لا في الكبر ولا في الحسن، فلا تنافي رواية تكاد الورقة تغطي هذه الأمة.
"قال" جبريل: "هذه سدرة المنتهى"، ولعل سبب إخباره أنه ﷺ كان عالمًا بوجودها قبل الرؤية، فكأنه قال هذه سدرة المنتهى التي علمت بوجودها.
قال الرازي: وإضافته إلى المنتهى من إضافة الشيء إلى مكانه كقولك: أشجار بلدة كذا، فالمنتهى حينئذ موضع لا يتعداه ملك أو روح من الأرواح، أو من إضافة المحل إلى الحال فيه، ككتاب الفقه، فالتقدير سدرة عندها منتهى العلوم، أو من إضافة الملك إلى مالكه، كشجرة زيدن فالمنتهى إليه محذوف، تقديره سدرة المنتهى إليه.
قال تعالى: ﴿وَأَنَّ إِلَى رَبِّكَ الْمُنْتَهَى﴾ [النجم: ٤٢] ، فالمنتهى إليه هو الله تعالى، وإضافتها إليه كإضافة البيت للتشريف والتعظيم.
"وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران"، قال ابن أبي جمرة: يحتمل الحقيقة، فهذه الأنهار تنبع من أصل الشجرة نفسها، فتكون الشجرة طعمها نبق، وأصلها ينبع منه الماء، والقدرة لا تعجز عن هذا، ويحتمل أنه تسمية الشيء، بما قاربه، فتكون الأنهار تنبع قريبًا من أصل الشجرة. انتهى.стр. 3780
الجنة"، وأما الظاهران: فالنيل والفرات.
وفي رواية عند البخاري أيضًا: "فإذا في أصلها -أي سدرة المنتهى- أربعة أنهار".
وعند مسلم: "يخرج من أصلها".
وعنده أيضًا من حديث أبي هريرة: "أربعة أنهار من الجنة، النيل والفرات وسيحان وجيحان".
فيحتمل: أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من أصلها، فيصح أنها من الجنة.
ووقع في رواية شريك، كما عند البخاري في التوحيد: أنه رأى في سماء
الحواشي
(١) "فقلت: وما هذا يا جبريل؟، قال: أما الباطنان فنهران في الجنة"، قال ابن أبي جمرة فيه: إن الباطن أجل من الظاهر؛ لأن الباطن جعل في دار البقاء، والظاهر جعل في دار الفناء، ومن ثم كان الاعتماد على ما في الباطن، كما قال ﷺ : "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم".
"وأما الظاهران فالنيل" نهر مصر، "والفرات" بالفوقية في حال الوصل والوقف نهر الكوفة.
"وفي رواية عند البخاري أيضًا" في بدء الخلق: "فإذا في أصلها، أي: سدرة المنتهى، أربعة أنهار"، فيفسر قوله في المعراج: وإذا أربعة أنهار، أي: في أصلها، إذ الحديث واحد.
"وعند مسلم: "يخرج من أصلها" فقوله في أصلها، معناه يخرج منه، "وعنده"، أي: مسلم، "أيضًا من حديث أبي هريرة: "أربعة أنهار من الجنة: النيل والفرات وسيحان" من السيح، وهو جري الماء على وجه الأرض، وهو نهر العواصم بقرب مصيصة، وهو غير سيحون نهر بالهند، أو السند، "وجيحان" نهر أذنة وجيحون نهر بلخ، وينتهي إلى خوارزم، وزعم أنهما هما وهم.
فقد حكى النووي الاتفاق على أنهما غيرهما، لكن نازعه السيوطي في دعوى الاتفاق، "فيحتمل أن تكون سدرة المنتهى مغروسة في الجنة، والأنهار تخرج من أصلها، فيصح أنها من الجنة" بهذا الاعتبار، فلا يعارض حديث المعراج.
"ووقع في رواية شريك، كما عند البخاري في" كتاب "التوحيد" من صحيحه "أنه رأى في سماء الدنيا نهران يطردان": بالتشديد يجريان: "فقال له جبريل": جوابًا لقوله: "ماстр. 3781
الدنيا نهران يطردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما.
والجمع بينهما: أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في سماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بـ"العنصر" عنصر انتشارهما بسماء الدنيا كذا قال ابن دحية.
وروى ابن أبي حاتم عن أنس أنه ﷺ بعد أن رأى إبراهيم قال: "ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي
الحواشي
(١) هذان النهران يا جبريل؟، قال: "هما النيل والفرات، عنصرهما"": بضم العين والصاد المهملتين، أصلهما بدل من النيل والفرات، "والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة"، الباطنين، "ورآهما في سماء الدنيا دوزن نهري الجنة وأراد بالعنصر عنصر انتشارهما بسماء الدنيا"، لا أصلهما الحقيقي، فإنه من أصل السدرة، فلا تنافي بين الأحاديث، "كذا قال ابن دحية": كأنه تبرأ منه لعدم تعين ما قال: لجواز أن يراد أصل نبعهما من تحت السدرة، ومقرهما في سماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض، كما تقدم للمصنف، وهو في المعنى قريب من جمع ابن دحية، أو عينه.
وقال النعماني: يجوز أن عنصرهما مبتدأ يتعلق به خبر سابق لم يتقدم له ذكر من حيث اللفظ، لكن من حيث العهد، فيكون المعنى هذا النيل والفرات، فيتم الكلام، ثم يكون عنصرهما ما كنت رأيت عند سدرة المنتهى يا محمد، فاكتفى بهذا العهد السابق عن إعادة الكلام، انتهى وهو مع تعسفه لا يصح؛ لأن رؤيته ذلك في سماء الدنيا قبل رقيه للسدرة فلا عهد هنا.
"وروى ابن أبي حاتم عن أنس، أنه ﷺ بعد أن رأى إبراهيم، قال: "ثم انطلق" جبريل "بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت" بخاء معجمة، جمع خيم، كسهم وسهام، وهو مثل الخيمة.
وفي نسخة: جام بالجيم، بلا ياء، أي: إناء والمراد الجنس، فيصدق بالأواني الكثيرة "واللؤلؤ والزبرجد": بفتح الزاي ودال مهملة، جوهر معروف، ويقال: هو الزمرد، "وعليه طير خضر" هو "أنعم"، فهو خبر مبتدأ محذوف، "طير رأيت"، وهو اسم تفضيل من نعم بالضم نعومة؛ لأن ملمسه، يعني أن ملمس هذه الطيور ألين من ملمس سائر الطيور، وفي رواية: أنعم طير أنت راء.
"قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري علىстр. 3782
أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك".
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة، وسيأتي
الحواشي
(١) رضراض": بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة، آخره مثلها، حصى صغار، "من الياقوت والزمرد": بزاي، فميم، فراء ثقيلة مضمومات، آخره ذال معجمة ومهملة، كما في القاموس، وقال: إ نه الزبرجد معرب، "ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء، فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك"، فجمع الأوصاف الثلاثة الحسنة.
"وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها"، أي: السماء السابعة، "عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: نهر الرحمة".
قال الحافظ: فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان، المذكوران، في الحديث، وكذا روي عن مقاتل، قال: الباطنان السلسبيل والكوثر. انتهى، وفيه مسامحة؛ لأن ما روي عن مقاتل صريح في أن أحد النهرين السلسبيل، والآخر الكوثر.
وحديث أبي سعيد صريح في أن السلسبيل هو الأصل، ويخرج منه نهران، أحدهما الكوثر، فهو فرع منه لا قسيم له، فحق العبارة.
وروي عن مقاتل: بإسقاط لفظ كذا، ويكون مقابلًا لتفسيرهما بما في حديث أبي سعيد، ثم قال الحافظ عقب ما نقلته عنه: وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ: "سيحان وجيحان، والنيل والفرات، من أنهار الجنة"، فلا يغاير هذا؛ لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار، أصلها من الجنة، وحيئذ لم يثبت لسيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل صدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان، فهما غير سيحان وجيحان.
قال النووي في هذا الحديث: إن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل السدرة، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد، وقول عياض الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لقوله: "إن النيل والفرات يخرجان من أصلها"، وهما يخرجان من الأرض، فليزم منه أن أصل السدرة في الأرض متعقب؛ لأن خروجهما من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض، والحاصل أن أصلهما من الجنة، ويجران أولًا من أصلها، ثم يسيران إلى أنстр. 3783
المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره
مدخل
...
المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره
في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره، وشهادته له بصدق
الحواشي
(١) المقصد السادس:
"في" بيان "ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره" بيان لما، أي: بيان مقداره وشرف رتبته "ورفعة" أي: أعلاه، "ذكره" بين الناس بأمرهم بالثناء عليه فيه، وقرن اسمه باسمه محمد رسول الله، وجعل طاعته طاعته، من يطع الرسول فقد أطاع الله، وخطابه بألقاب يا أيها النبي، يا أيها الرسول، "وشهادته له" أي: إخباره، والشهادة خبر قاطع، كما في القاموس "بصدق نبوته"стр. 3784
نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته، واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلًا، ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل وغير ذلك.
الحواشي
(١) أي: بوجودها وتحققها في نفسها، لتحقق أنها وحي من الله، والمراد بصدقه ﵇ في دعواها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ، وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ، فجعله شاهدًا على أمته بإبلاغهم الرسالة، وهذا من خصائصه، ومبشرًا لأهل الطاعة، ونذيرًا لأهل المعصية، وداعيًا إلى توحيد الله، وسراجًا منيرًا يهتدى به للحق، "وثبوت بعثته" كالدليل على تحقق نبوته، "وقسمه تعالى على تحقيق رسالته" بنحو: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١] ، "وعلو منصبه" حسبه وشرفه "الجليل" العظيم، "ومكانته" عظمته، يقال: مكن فلان مكانة، بزنة ضخم ضخامة: عظم وارتفع، فهو مكين، أو استقامته، يقال: الناس على مكانتهم، أي: على استقامتهم، "ووجوب طاعته" بنحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ، "واتباع سنته" طريقته بنحو قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [آل عمران: ٣١] ، "وأخذه تعالى له الميثاق على سائر" أي: جميع "النبيين فضلًا" أي: إحسانًا "ومنة" أي: إنعامًا، "ليؤمنن به إن أدركوه، ولينصرنه" بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ، "والتنويه" أي: الرفع والتعظيم "به في الكتب السالفة" بذكر اسمه، ونعته فيها "كالتوراة والإنجيل" كما في الصحيح عن عبد الله بن عمر؛ أنه ﷺ موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ، الحديث في التنزيل عن الإنجيل، ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.
وفي نسخ: والتوراة والإنجيل من عطف الخاص على العام، تنبيهًا على عظم قدرهما حتى كأنهما نوع مغاير لما عطف عليه "بأنه صاحب الرسالة والتبجيل" متعلق بقوله، والتنويه به بعد تعلقه بالأول، والمعنى رفع ذكره؛ بأنه صاحب الرسالة، وهذا أظهر من كونه بدلًا منه "وغير ذلك".стр. 3785
تمهيد:
اعلم أطلعني الله وإياك على أسرار التنزيل، ومنحنا بلطفه تبصرة تهدينا إلى سواء السبيل، أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو محله الرفيع ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناؤه تعالى عليه وإظهاره عظيم شأنه لديه، وقسمه تعالى بحياته، ونداؤه بـ"الرسول" و"النبي" ولم يناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء، فناداهم بأسمائهم إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة قدره العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده، ومن تأمل القرآن العظيم وجنده طافحًا بتعظيم الله تعالى
الحواشي
(١) تمهيد:
"اعلم" أمر يصدر به ما يعتني به من الكلام، "أطلعني الله وإياك على أسرار التنزيل" بمعنى المنزل، وهو القرآن، والكتب المنزلة، فيشمل جميعها، "ومنحنا" وهبنا "بلطفه تبصرة" أي: تنويرًا في قلوبنا، وهي رؤية الأشياء بعين البصيرة، بحيث لا يقتصر منها على رؤية ظاهرها، بل تعير إلى ما يؤول إليه باطنها، كذا في لطائف الأعلام "تهدينا إلى سواء السبيل" الطريق، ومعمول اعلم؛ "أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة" أي: من حيث دلالتها على ذلك، فلا ينافي أن الآيات الدالة محصورة معدودة في أنفسها، بل حروف القرآن كلها محصورة مضبوطة، واحتمال أن المراد بالآيات معناها اللغوي، وهو العلامات الدالة على نبوته وغيرها، مما ثبت له من الكمالات، مدفوع بأن الترجمة فيما ورد في آي التنزيل لا في مطلق العلامات، "إلى علو محله الرفيع" أي: لشريف، "ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه" كقوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ، "وكذلك الآيات التي فينا ثناؤه تعالى عليه، وإظهاره عظيم شأنه لديه" عنده، "وقسمه تعالى بحياته" بقوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ، اتفق المفسرون على أنه قسم من الله بمدة حياته ﷺ ، حكاه عياض، ومراده مفسر، والسلف، فإنه كما قال ابن القيم: لا يعرف بينهم في ذلك نزاع، ولم يوفق الزمخشري في قوله: إنه خطاب من الملائكة للوط، ويأتي إن شاء الله تعالى بسطه عند حكاية المصنف ذلك، "ونداؤه بالرسول والنبي، ولم يناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء" "فناداهم بأسمائهم" يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا لوط، يا موسى، يا عيسى، "إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة" أي: زيادة، "قدره" من أنافت الدراهم على مائة، زادت عليها "العلي" الرفيع "عنده" تعالى، "وأنه لا مجد يساوي مجده" شرفه وكرمه في ذاته وأصوله، "ومن تأمل القرآن العظيم وجده طافحًا" ممتلئًا، أي:следующие страницы →