← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.

стр. 3781

الدنيا نهران يطردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما. والجمع بينهما: أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في سماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بـ"العنصر" عنصر انتشارهما بسماء الدنيا كذا قال ابن دحية. وروى ابن أبي حاتم عن أنس أنه ﷺ بعد أن رأى إبراهيم قال: "ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي

стр. 3782

أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك". وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة، وسيأتي

стр. 3783

المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره مدخل ... المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره، وشهادته له بصدق

стр. 3784

نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته، واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلًا، ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل وغير ذلك.

стр. 3785

تمهيد: اعلم أطلعني الله وإياك على أسرار التنزيل، ومنحنا بلطفه تبصرة تهدينا إلى سواء السبيل، أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو محله الرفيع ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناؤه تعالى عليه وإظهاره عظيم شأنه لديه، وقسمه تعالى بحياته، ونداؤه بـ"الرسول" و"النبي" ولم يناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء، فناداهم بأسمائهم إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة قدره العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده، ومن تأمل القرآن العظيم وجنده طافحًا بتعظيم الله تعالى

стр. 3786

لنبيه ﷺ ، ويرحم الله ابن الخطيب الأندلسي حيث قال: مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثني على علياك نظم مديحي وإذا كتاب الله أثنى مفصحًا ... كان القصور فصار كل فصيح وهذا المقصد -أكرمك الله- يشتمل على عشرة أنواع:

стр. 3787

النوع الأول: في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره وجليل مرتبته وعلو درجته على الأنبياء وشريف منزلته قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] . قال المفسرون: يعني موسى ﵊، كلمه بلا واسطة، وليس

стр. 3788

نصًا في اختصاص موسى بالكلام، وقد ثبت أنه تعالى كلم نبينا ﷺ أيضا كما مر. فإن قلت: إذا ثبت أنه ﵇ كلمه ربه بلا واسطة وقام به هذا الوصف، فلم لم يشتق له من الكلام اسم الكليم، كما اشتق منه لموسى؟ أجيب: بأن اعتبار المعنى قد يكون لتصحيح الاشتقاق كاسم الفاعل فيطرد، بمعنى أن كل من قام به ذلك الوصف يشتق له منه اسم وجوبًا لملاحظة أن صحة استعماله بالنظر لمبدأ الاشتقاق دون غيره، وقد يكون للترجيح فقط، كالكليم والقارورة فلا يطرد، وحينئذ فلا يلزم في كل من قام به ذلك الوصف أن يشتق له منه اسم، كما حققه القاضي عضد الدين، وهذا ملخصه وتحريره، كما قاله

стр. 3789

المولى سعد الدين التفتازاني. وقوله: رفع بعضهم درجات يعني محمدًا صلى الله عليه سولم رفعه الله تعالى من ثلاثة أوجه: بالذات في المعراج. وبالسيادة على جميع البشر. وبالمعجزات؛ لأنه ﵊ أوتي من المعجزات ما لم يؤت نبي قبله. قال الزمخشري: وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفي لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، انتهى.

стр. 3790

وقد بينت هذه الآية وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] أن مراتب الأنبياء والرسل متفاوتة، خلافًا للمعتزلة القائلين: بأنه لا فضل لبعضهم على بعض، وفي هاتين الآيتين رد عليهم: وقال قوم: آدم أفضل لحق الأبوة. وتوقف بعضهم فقال: السكوت أفضل. والمعتمد ما عليه جماهير السلف والخلف: أن الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين الآيتين وغيرهما.

стр. 3791

قال بعض أهل العلم -فيما حكاه القاضي عياض-: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال: أن تكون آياته ومعجزاته أظزهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله تعالى به من كرامته واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه، وتحف ولايته واختصاصه، انتهى. فلا مرية أن آيات نبينا ﷺ ومعجزاته أظهر وأبهر وأكثر وأبقى وأقوى، ومنصبه أعلى ودولته أعظم وأوفر وذاته أفضل وأظهر، وخصوصياته على جميع

стр. 3792

الأنبياء أشهر من أن تذكر، فدرجته أرفع من درجات المرسلين، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين، وتأمل حديث الشفاعة في المحشر، وانتهائها إليه، وانفراده هناك بالسؤدد، كما قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة"، رواه ابن ماجه، وفي حديث أنس عند الترمذي: "أنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر". لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته ﵇ على الأنبياء كلهم ضعيف.

стр. 3793

واستدل الشيخ سعد الدين التفتازاني لمطلق أفضليته ﵊ بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: لأنه لا شك أن خيرية الأمم بحسب كمالهم في الدين، وذلك تابع لكمال نبيهم الذي يتبعونه. واستدل له الفخر الرازي -في المعالم- بأنه تعالى وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة، ثم قال لمحمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، فأمره أن يقتدي بأثرهم، فيكون إتيانه به واجبًا، وإلا فيكون تاركًا للأمر، وإذا

стр. 3794

أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان متفرقًا فيهم، فيكون أفضل منهم، وبأن: دعوته ﵊ في التوحيد والعبادة وصلت إلى أكثر بلاد العالم بخلاف سائر الأنبياء، فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته ﷺ أكل من انتفاع سائر الأمم بدعوة سائر الأنبياء، فوجب أن يكون أفضل من سائر الأنبياء. انتهى. وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا

стр. 3795

تحت لوائي. وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا -عند البخاري-: "أنا سيد الناس يوم القيامة"، وهذا يدل على أنه أفضل من آدم ﵇ ومن كل أولاده بل أفضل من الأنبياء، بل أفضل الخلق كلهم. وروى البيهقي في فضائل الصحابة، أنه ظهر علي بن أبي طالب من البعد، فقال ﷺ : "هذا سيد العرب" فقالت عائشة: ألست يا رسول الله بسيد العرب؟ قال: "أنا سيد العالمين وهو سيد العرب"، وهذا يدل على أنه ﷺ أفضل الأنبياء.

стр. 3796

وقد روى هذا الحديث -أيضًا- الحاكم في صحيحه عن ابن عباس، لكن بلفظ: "أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب"، وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه. وله شاهد من حديث عروة عن عائشة، وساقه من طريق أحمد بن عبيد عن ناصح قال: حدثنا الحسين بن علوان -وهما ضعيفان- عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة بلفظ: "ادعوا لي سيد العرب"، قالت: فقلت: يا رسول الله ألست سيد العرب؟ فقال": وذكره. وكذا أورده من حديث عمر بن موسى الوجيهي -وهو ضعيف أيضًا- عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: "ادعوا لي سيد العرب" فقالت عائشة: ألست سيد العرب"؟ وذكره.

стр. 3797

قال شيخنا: وكلها ضعيفة، بل جنح الذهبي إلى الحكم على ذلك بالوضع. انتهى. ولم يقل ﷺ : "أنا سيد الناس" عجبًا وافتخارًا على من دونه، حاشاه الله من ذلك، وإنما قاله إظهارًا لنعمة الله عليه، وإعلامًا للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله، وعلو منزلته لديه، لتعرف نعمة الله عليهم وعليه، وكذلك العبد إذا لاحظ ما هو فيه من فيض المدد، وشهده من عين المنة ومحض الجود، وشهد مع ذلك فقره إلى ربه في كل لحظة، وعدم استغنائه عنه طرفة عين أنشأ له ذلك في قلبه سحائب النور، فإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه، وامتلأ أفقه بها أمطرت عليه وابل الطرب مما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل فطل، وحينئذ يجري على لسانه الافتخار من غير عجب ولا فخر، بل هو فرح بفضل الله

стр. 3798

وبرحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فالافتخار على ظاهره، والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر، وإلى هذا المعنى يشير قول العارف الرباني سيد علي الوفائي في قصيدته التي أولها: من أنت مولاه حاشًا ... علاه أن يتلاشى والله يا ر وح قلبي ... لا مات من بك عاشا قوم لهم أنت ساق ... لا يرجعون عطاشا لا قص دهر جناحًا ... له وفاؤك راشا بك النعيم مقيم ... لمن وهبت انتعاشا ومن بحولك يقوى ... لن يضعف الدهر جاشا عبد له بك عز ... فكيف لا يتحاشى حاشا وفاؤك يرمي ... من أنت مولاه حاشا

стр. 3799

فإن قلت: ما الجمع بين هاتين الآيتين، وبين قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .

стр. 3800

والحديث الثابت في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم اليهودي وقال: أي خبيث، وعلى محمد؟

стр. 3801

فجاء اليهود إلى رسول الله ﷺ واشتكى على المسلم، فقال ﷺ : "لا تفضلوني على الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء". وحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: "لا تخيروا بين الأنبياء". وحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم مرفوعًا ما ينبغي لعبد أن يقول: "أنا خير من يونس بن متى". وحديث أبي هريرة عند الشيخين، من قال: "أنا خير من يونس بن متى فقد

стр. 3802

كذب". أجاب العلماء: بأن قوله : ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: في

стр. 3803

الإيمان بما أنزل إليهم والتصديق بأنهم رسل الله وأنبياؤه، والتسوية بينهم في هذا لا تمنع أن يكون بعضهم أفضل من بعض. وأجابوا عن الأحاديث بأجوبة. فقال بعضهم: أن نعتقد أن الله تعالى فضل بعضهم على بعض في الجملة، ونكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا، قال ابن ظفر: فإن أراد هذا القائل: إنا نكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا فصحيح، وإن أراد أنا لا نذكر في ذلك ما فهمناه من كتاب الله وروي لنا من حديث رسول الله ﷺ فسقيم.

стр. 3804

وقال آخر: نفضل من رفع الله درجته بخصائص الحظوة والزلفى، ولا نخوض في تفضيل بعضهم على بعض في سياسة المنذرين والصبر على الدين، والنهضة في أداء الرسالة، والحرص على هدى الضلال، فإن كلا منهم قد بذل في ذلك وسعه الذي لا يكلفه الله تعالى أكثر منه. وقال الآخر -مما ذكره القاضي عياض-: إن نهيه ﵇ عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل إذ يحتاج إلى توقيف، وإن من فضل بلا علم فقد كذب. قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفي هذا نظر. انتهى.

стр. 3805

ولعل وجه النظر في جهة معرفة المتقدم تاريخًا من ذلك، ثم رأيت في تاريخ ابن كثير أن وجه النظر -من جهة- أن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة، وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر، فيبعد أنه لم يعلمه بهذا إلا بعد هذا. وقال آخر: إنما قاله ﷺ على طريق التواضع ونفي التكبر والعجب. قال القاضي عياض: وهذا لا يسلم من الاعتراض. وقيل: لا نفضل بعضهم تفضيلًا يؤدي إلى تنقيص بعضهم أو الغض منه.

стр. 3806

وقيل: منع التفضيل إنما هو في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها على حد واحد، لا تتفاضل، وإنما التفاضل فيزيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب، وأما النبوة نفسها فلا تتفاضل، وإنما التفاضل بأمور أخرى زائدة عليها، ولذلك كان منهم رسل وأولو عزم، انتهى، وهذا قريب من القول الثاني.

стр. 3807

وقال ابن أبي جمرة في حديث يونس: يريد بذلك نفي التكييف والتحديد على ما قاله ابن خطيب الري؛ لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس؛ لأن النبي صلى الله عليه سولم أسري به إلى فوق السبع الطباق، ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" وقال ﵇: "آدم ومن دونه تحت لوائي"، وقد اختص ﷺ بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله ﵊: "لا تفضلوني على يونس بن متى" إلا بالنسبة إلى القرب من الله

стр. 3808

سبحانه، والبعد، فمحمد ﷺ وإن أسري به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب، ويونس ﵊ وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله على حد واحد. انتهى. وهو مروي عن الإمام دار الهجرة مالك بن أنس وعزي نحوه لإمام الحرمين. وقال ابن المنير: إن قلت: إن لم يفضل على يونس باعتبار استواء الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، فقد فضله باعتبار تفاوت الجهتين في تفضيل الحق فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى على الحضيض الأدنى، فكيف لا نفضله عليه

стр. 3809

الصلاة والسلام على يونس، فإن لم يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة بلا إشكال. ثم قال: قلت لم ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل مقيد بالمكان يفهم منه القرب المكاني فعلى هذا يحمل جمعًا بين القواعد، انتهى. واختلف هل البشر أفضل من الملائكة؟ فقال جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بني آدم، وهو الأنبياء، أفضل من خواص الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، والمقربون.

стр. 3810

والكروبيون والروحانيون، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم -قال التفتازاني: بالإجماع بل بالضرورة- وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة. فالسجود له أفضل من الساجد، فإذا ثبت تفضيل الخواص على الخواص لآدم ثبت تفضيل العوام على العوام، فعوام الملائكة خدم عمال الخير، والمخدوم له.

стр. 3811

فضل على الخادم؛ ولأن المؤمنين ركب فيهم الهوى والعقل، مع تسليط الشيطان عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهوى ولا سبيل للشيطان عليهم. فالإنسان -كما قاله في شرح العقائد- يحصل الفوائد والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق، والموانع من الشهوة والغضب وسنوح الحاجات الضرورية الشاغلة عن اكتساب الكمالات، ولا شك أن العبادة وكسب الكمال مع

стр. 3812

الشواغل والصوارف أشق وأدخل في الإخلاص فيكون أفضل. والمراد بعوام بني آدم -هنا- الصلحاء لا الفلسفة، كما نبه عليه العلامة كال الدين بن أبي شريف المقدسي، قال: ونص عليه البيهقي في الشعب وعبارته: قد تكلم الناس قديمًا وحديثًا في المفاضلة بين الملائكة والبشر، فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من

стр. 3813

الأولياء من الملائكة. انتهى. وذهبت المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة إلى تفضيل الملائكة، وهو اختيار القاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي، وتمسكوا بوجوه: الأول: أن الملائكة أرواح مجردة كاملة بالعقل مبرأة عن مبادئ الشرور والآفات كالشهوة والغضب، وعن ظلمات الهيولي والصورة، قوية على الأفعال

стр. 3814

العجيبة عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط. والجواب: أن مبنى ذلك على الأصول الفلسفية دون الأصول الإسلامية. الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر يتعلمون ويستفيدون منهم بدليل قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم. والجواب: أن التعليم إنما هو من الله والملائكة إنما هم مبلغون.

стр. 3815

الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على ذكر الأنبياء، وما ذاك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة. والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوجود، أو؛ لأن وجودهم أخفى فالإيمان بهم أقوى وبالتقديم أولى. الرابع: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] ، فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية الملائكة من عيسى، إذ القياس في مثله الترقي من الأدنى إلى الأعلى، يقال: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولا يقال: السلطان، ولا الوزير، ثم لا

стр. 3816

قائل بالفرق بين عيسى وغيره من الأنبياء ﵈. والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع من أن يكون عبدًا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنا له؛ لأنه مجرد لا أب له، وكان يبرئ

стр. 3817

الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني آدم، فرد عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه، والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى فالترقي والعلو إنا هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة على الآية على أفضلية الملائكة البتة. انتهى.

стр. 3818

ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم الروح الأمين جبريل، المزكى من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] فوصفه بسبع صفات، وهو أفضل الملائكة الثلاثة -الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق- وهم: ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

стр. 3819

وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض، ومحمد صلى الله علي وسلم أفضل الأنبياء والرسل، كما تقدم. وأول الأنبياء آدم وآخرهم نبينا محمد ﷺ . فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهي، مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرًا.

стр. 3820

وقد اختلف في عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره، قال: قلت يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قال قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: "آدم"، قال ﷺ : "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيت ونوح وخنوخ -وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم-، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"،
следующие страницы →