Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3781–3820 · переход к 3786.
стр. 3781
الدنيا نهران يطردان، فقال له جبريل: هما النيل والفرات عنصرهما.
والجمع بينهما: أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة، ورآهما في سماء الدنيا دون نهري الجنة، وأراد بـ"العنصر" عنصر انتشارهما بسماء الدنيا كذا قال ابن دحية.
وروى ابن أبي حاتم عن أنس أنه ﷺ بعد أن رأى إبراهيم قال: "ثم انطلق بي على ظهر السماء السابعة، حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت واللؤلؤ والزبرجد، وعليه طير خضر، أنعم طير رأيت، قال جبريل: هذا الكوثر الذي
الحواشي
(١) هذان النهران يا جبريل؟، قال: "هما النيل والفرات، عنصرهما"": بضم العين والصاد المهملتين، أصلهما بدل من النيل والفرات، "والجمع بينهما أنه رأى هذين النهرين عند سدرة المنتهى مع نهري الجنة"، الباطنين، "ورآهما في سماء الدنيا دوزن نهري الجنة وأراد بالعنصر عنصر انتشارهما بسماء الدنيا"، لا أصلهما الحقيقي، فإنه من أصل السدرة، فلا تنافي بين الأحاديث، "كذا قال ابن دحية": كأنه تبرأ منه لعدم تعين ما قال: لجواز أن يراد أصل نبعهما من تحت السدرة، ومقرهما في سماء الدنيا، ومنها ينزلان إلى الأرض، كما تقدم للمصنف، وهو في المعنى قريب من جمع ابن دحية، أو عينه.
وقال النعماني: يجوز أن عنصرهما مبتدأ يتعلق به خبر سابق لم يتقدم له ذكر من حيث اللفظ، لكن من حيث العهد، فيكون المعنى هذا النيل والفرات، فيتم الكلام، ثم يكون عنصرهما ما كنت رأيت عند سدرة المنتهى يا محمد، فاكتفى بهذا العهد السابق عن إعادة الكلام، انتهى وهو مع تعسفه لا يصح؛ لأن رؤيته ذلك في سماء الدنيا قبل رقيه للسدرة فلا عهد هنا.
"وروى ابن أبي حاتم عن أنس، أنه ﷺ بعد أن رأى إبراهيم، قال: "ثم انطلق" جبريل "بي على ظهر السماء السابعة حتى انتهى إلى نهر عليه خيام الياقوت" بخاء معجمة، جمع خيم، كسهم وسهام، وهو مثل الخيمة.
وفي نسخة: جام بالجيم، بلا ياء، أي: إناء والمراد الجنس، فيصدق بالأواني الكثيرة "واللؤلؤ والزبرجد": بفتح الزاي ودال مهملة، جوهر معروف، ويقال: هو الزمرد، "وعليه طير خضر" هو "أنعم"، فهو خبر مبتدأ محذوف، "طير رأيت"، وهو اسم تفضيل من نعم بالضم نعومة؛ لأن ملمسه، يعني أن ملمس هذه الطيور ألين من ملمس سائر الطيور، وفي رواية: أنعم طير أنت راء.
"قال جبريل: هذا الكوثر الذي أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة، يجري علىстр. 3782
أعطاك الله، فإذا فيه آنية الذهب والفضة يجري على رضراض من الياقوت والزمرد، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته فاغترفت من ذلك الماء فشربت، فإذا هو أحلى من العسل وأشد رائحة من المسك".
وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له نهر الرحمة، وسيأتي
الحواشي
(١) رضراض": بفتح الراء، وسكون الضاد المعجمة، آخره مثلها، حصى صغار، "من الياقوت والزمرد": بزاي، فميم، فراء ثقيلة مضمومات، آخره ذال معجمة ومهملة، كما في القاموس، وقال: إ نه الزبرجد معرب، "ماؤه أشد بياضًا من اللبن، قال: فأخذت من آنيته، فاغترفت من ذلك الماء، فشربت، فإذا هو أحلى من العسل، وأشد رائحة من المسك"، فجمع الأوصاف الثلاثة الحسنة.
"وفي حديث أبي سعيد عند البيهقي: وإذا فيها"، أي: السماء السابعة، "عين تجري يقال لها: السلسبيل، فينشق منها نهران: أحدهما الكوثر، والآخر يقال له: نهر الرحمة".
قال الحافظ: فيمكن أن يفسر بهما النهران الباطنان، المذكوران، في الحديث، وكذا روي عن مقاتل، قال: الباطنان السلسبيل والكوثر. انتهى، وفيه مسامحة؛ لأن ما روي عن مقاتل صريح في أن أحد النهرين السلسبيل، والآخر الكوثر.
وحديث أبي سعيد صريح في أن السلسبيل هو الأصل، ويخرج منه نهران، أحدهما الكوثر، فهو فرع منه لا قسيم له، فحق العبارة.
وروي عن مقاتل: بإسقاط لفظ كذا، ويكون مقابلًا لتفسيرهما بما في حديث أبي سعيد، ثم قال الحافظ عقب ما نقلته عنه: وأما الحديث الذي أخرجه مسلم بلفظ: "سيحان وجيحان، والنيل والفرات، من أنهار الجنة"، فلا يغاير هذا؛ لأن المراد به أن في الأرض أربعة أنهار، أصلها من الجنة، وحيئذ لم يثبت لسيحان وجيحان أنهما ينبعان من أصل صدرة المنتهى، فيمتاز النيل والفرات عليهما بذلك، وأما الباطنان، فهما غير سيحان وجيحان.
قال النووي في هذا الحديث: إن أصل النيل والفرات من الجنة، وأنهما يخرجان من أصل السدرة، ثم يسيران حيث شاء الله، ثم ينزلان إلى الأرض، ثم يسيران فيها، ثم يخرجان منها، وهذا لا يمنعه العقل، وقد شهد به ظاهر الخبر فليعتمد، وقول عياض الحديث يدل على أن أصل سدرة المنتهى في الأرض، لقوله: "إن النيل والفرات يخرجان من أصلها"، وهما يخرجان من الأرض، فليزم منه أن أصل السدرة في الأرض متعقب؛ لأن خروجهما من أصلها غير خروجهما بالنبع من الأرض، والحاصل أن أصلهما من الجنة، ويجران أولًا من أصلها، ثم يسيران إلى أنстр. 3783
المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره
مدخل
...
المقصد السادس: في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره
في ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره ورفعة ذكره، وشهادته له بصدق
الحواشي
(١) المقصد السادس:
"في" بيان "ما ورد في آي التنزيل من عظيم قدره" بيان لما، أي: بيان مقداره وشرف رتبته "ورفعة" أي: أعلاه، "ذكره" بين الناس بأمرهم بالثناء عليه فيه، وقرن اسمه باسمه محمد رسول الله، وجعل طاعته طاعته، من يطع الرسول فقد أطاع الله، وخطابه بألقاب يا أيها النبي، يا أيها الرسول، "وشهادته له" أي: إخباره، والشهادة خبر قاطع، كما في القاموس "بصدق نبوته"стр. 3784
نبوته، وثبوت بعثته، وقسمه تعالى على تحقيق رسالته، وعلو منصبه الجليل ومكانته، ووجوب طاعته، واتباع سنته، وأخذه تعالى له الميثاق على سائر النبيين فضلًا، ومنة ليؤمنن به إن أدركوه ولينصرنه، والتنويه به في الكتب السالفة كالتوراة والإنجيل بأنه صاحب الرسالة والتبجيل وغير ذلك.
الحواشي
(١) أي: بوجودها وتحققها في نفسها، لتحقق أنها وحي من الله، والمراد بصدقه ﵇ في دعواها، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [البقرة: ١١٩] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧] ، وقوله: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: ٤٠] ، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا، وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤٥] ، فجعله شاهدًا على أمته بإبلاغهم الرسالة، وهذا من خصائصه، ومبشرًا لأهل الطاعة، ونذيرًا لأهل المعصية، وداعيًا إلى توحيد الله، وسراجًا منيرًا يهتدى به للحق، "وثبوت بعثته" كالدليل على تحقق نبوته، "وقسمه تعالى على تحقيق رسالته" بنحو: ﴿يس، وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ، إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ، عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يس: ١] ، "وعلو منصبه" حسبه وشرفه "الجليل" العظيم، "ومكانته" عظمته، يقال: مكن فلان مكانة، بزنة ضخم ضخامة: عظم وارتفع، فهو مكين، أو استقامته، يقال: الناس على مكانتهم، أي: على استقامتهم، "ووجوب طاعته" بنحو: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: ٥٩] ، "واتباع سنته" طريقته بنحو قوله: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] ، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [آل عمران: ٣١] ، "وأخذه تعالى له الميثاق على سائر" أي: جميع "النبيين فضلًا" أي: إحسانًا "ومنة" أي: إنعامًا، "ليؤمنن به إن أدركوه، ولينصرنه" بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ، "والتنويه" أي: الرفع والتعظيم "به في الكتب السالفة" بذكر اسمه، ونعته فيها "كالتوراة والإنجيل" كما في الصحيح عن عبد الله بن عمر؛ أنه ﷺ موصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ ، الحديث في التنزيل عن الإنجيل، ومبشرًا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد.
وفي نسخ: والتوراة والإنجيل من عطف الخاص على العام، تنبيهًا على عظم قدرهما حتى كأنهما نوع مغاير لما عطف عليه "بأنه صاحب الرسالة والتبجيل" متعلق بقوله، والتنويه به بعد تعلقه بالأول، والمعنى رفع ذكره؛ بأنه صاحب الرسالة، وهذا أظهر من كونه بدلًا منه "وغير ذلك".стр. 3785
تمهيد:
اعلم أطلعني الله وإياك على أسرار التنزيل، ومنحنا بلطفه تبصرة تهدينا إلى سواء السبيل، أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة إلى علو محله الرفيع ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه، وكذلك الآيات التي فيها ثناؤه تعالى عليه وإظهاره عظيم شأنه لديه، وقسمه تعالى بحياته، ونداؤه بـ"الرسول" و"النبي" ولم يناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء، فناداهم بأسمائهم إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة قدره العلي عنده، وأنه لا مجد يساوي مجده، ومن تأمل القرآن العظيم وجنده طافحًا بتعظيم الله تعالى
الحواشي
(١) تمهيد:
"اعلم" أمر يصدر به ما يعتني به من الكلام، "أطلعني الله وإياك على أسرار التنزيل" بمعنى المنزل، وهو القرآن، والكتب المنزلة، فيشمل جميعها، "ومنحنا" وهبنا "بلطفه تبصرة" أي: تنويرًا في قلوبنا، وهي رؤية الأشياء بعين البصيرة، بحيث لا يقتصر منها على رؤية ظاهرها، بل تعير إلى ما يؤول إليه باطنها، كذا في لطائف الأعلام "تهدينا إلى سواء السبيل" الطريق، ومعمول اعلم؛ "أنه لا سبيل لنا أن نستوعب الآيات الدالة على ذلك، وما فيها من التصريح والإشارة" أي: من حيث دلالتها على ذلك، فلا ينافي أن الآيات الدالة محصورة معدودة في أنفسها، بل حروف القرآن كلها محصورة مضبوطة، واحتمال أن المراد بالآيات معناها اللغوي، وهو العلامات الدالة على نبوته وغيرها، مما ثبت له من الكمالات، مدفوع بأن الترجمة فيما ورد في آي التنزيل لا في مطلق العلامات، "إلى علو محله الرفيع" أي: لشريف، "ومرتبته، ووجوب المبالغة في حفظ الأدب معه" كقوله: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: ١] ، "وكذلك الآيات التي فينا ثناؤه تعالى عليه، وإظهاره عظيم شأنه لديه" عنده، "وقسمه تعالى بحياته" بقوله: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ [الحجر: ٧٢] ، اتفق المفسرون على أنه قسم من الله بمدة حياته ﷺ ، حكاه عياض، ومراده مفسر، والسلف، فإنه كما قال ابن القيم: لا يعرف بينهم في ذلك نزاع، ولم يوفق الزمخشري في قوله: إنه خطاب من الملائكة للوط، ويأتي إن شاء الله تعالى بسطه عند حكاية المصنف ذلك، "ونداؤه بالرسول والنبي، ولم يناد باسمه بخلاف غيره من الأنبياء" "فناداهم بأسمائهم" يا آدم، يا نوح، يا إبراهيم، يا لوط، يا موسى، يا عيسى، "إلى غير ذلك مما يشير إلى أنافة" أي: زيادة، "قدره" من أنافت الدراهم على مائة، زادت عليها "العلي" الرفيع "عنده" تعالى، "وأنه لا مجد يساوي مجده" شرفه وكرمه في ذاته وأصوله، "ومن تأمل القرآن العظيم وجده طافحًا" ممتلئًا، أي:стр. 3786
لنبيه ﷺ ، ويرحم الله ابن الخطيب الأندلسي حيث قال:
مدحتك آيات الكتاب فما عسى ... يثني على علياك نظم مديحي
وإذا كتاب الله أثنى مفصحًا ... كان القصور فصار كل فصيح
وهذا المقصد -أكرمك الله- يشتمل على عشرة أنواع:
الحواشي
(١) دالًا دلالة ظاهرة بكثرة، بمعنى ناطقًا، فلذا عداه بالباء في قوله: "بتعظيم الله تعالى لنبيه ﷺ ويرحم الله ابن الخطيب" أبا عبد الله محمد بن جابر "الأندلسي، حيث قال: مدحتك آيات الكتاب" كلها صريحًا، أو استلزامًا بذمها لمخالفه، ودلالتها على إكرامه بنزولها عليه مع اشتمالها على ما فات به غيرها من الكتب السماوية، "فما عسى، يثني على علياك" أي: شرفك، "نظم مديحي" أي: فأي: شيء يترجى به أن يليق الثناء به على شرفك التام بالنسبة لما أثنى الله عليك، "وإذا كتاب الله أنثى مفصحًا" عليك، "كان القصور" أي: العجز، "فصار": "بضم القاف" أي: غاية "كل فصيح" أنه يعترف عن الإتيان ببعض وصافك، "وهذا المقصد أكرمك الله" جملة دعائية "يشتمل على عشرة أنواع".стр. 3787
النوع الأول: في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره
وجليل مرتبته وعلو درجته على الأنبياء وشريف منزلته
قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
قال المفسرون: يعني موسى ﵊، كلمه بلا واسطة، وليس
الحواشي
(١) النوع الأول
في ذكر آيات تتضمن عظم قدره ورفعة ذكره، وجليل مرتبته وعلو درجته على الأنبياء وشريف منزلته" هي والرتبة متقاربان بمعنى علو القدر، "قال الله تعالى: ﴿تِلْكَ﴾ مبتدأ ﴿الرُّسُلُ﴾ صفة والخبر ﴿فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ بتخصيصه بمنقبه ليس لغيره ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
"قال المفسرون" أي: جمهورهم: "يعني موسى ﵊ كلمه بلا واسطة" وقيل: المصطفى كلمه ليلة المعراج، "وليس نصًا في اختصاص موسى بالكلام".стр. 3788
نصًا في اختصاص موسى بالكلام، وقد ثبت أنه تعالى كلم نبينا ﷺ أيضا كما مر.
فإن قلت: إذا ثبت أنه ﵇ كلمه ربه بلا واسطة وقام به هذا الوصف، فلم لم يشتق له من الكلام اسم الكليم، كما اشتق منه لموسى؟
أجيب: بأن اعتبار المعنى قد يكون لتصحيح الاشتقاق كاسم الفاعل فيطرد، بمعنى أن كل من قام به ذلك الوصف يشتق له منه اسم وجوبًا لملاحظة أن صحة استعماله بالنظر لمبدأ الاشتقاق دون غيره، وقد يكون للترجيح فقط، كالكليم والقارورة فلا يطرد، وحينئذ فلا يلزم في كل من قام به ذلك الوصف أن يشتق له منه اسم، كما حققه القاضي عضد الدين، وهذا ملخصه وتحريره، كما قاله
الحواشي
(١) لأنه إنما قال منهم، فلا يفهم منه؛ أنه لم يكلم غيره، ""وقد ثبت أنه تعالى كلم نبينا أيضًا، كما مر" ليلة المعراج.
وقد قال السيوطي: من جملة من كلم من الأنبياء آدم، كما في الحديث، "فإن قلت إذا" بمعنى حيث "ثبت أنه ﵇ كلمه ربه بلا واسطة، وقام به هذا الوصف، فلم لم يشتق له من الكلام اسم الكليم" بمعنى المكالم، كالجليس بمعنى المجالس، والأنيس بمعنى المؤانس، والنديم بمعنى المنادم، وهو كثير، "كما اشتق منه لموسى، أجيب: بأن اعتبار المعنى قد يكون لتصحيح الاشتقاق، كاسم الفاعل" مثل القائم والضارب، فيطرد بمعنى: أن كل من قام به ذلك الوصف يشتق له منه اسم، "وجوبًا لملاحظة أن صحة استعماله بالنظر لمبدأ الاشتقاق دون غيره، وقد يكون للترجيح فقط، كالكليم والقارورة، فلا يطرد" وحاصله مع الإيضاح، كما قال شيخنا: إن المشتق، وهو ما دل على ذات مبهمة، باعتبار حدث معين قد يكون اشتقاقه لما فهم فيه من المصدر الذي اشتق منه ذلك اللفظ، فلاحظ أن صحة استعماله بالنظر لمبدأ الاشتقاق دون غيره، فإذا اشتق على هذا الوجه وجب إطلاقه على كل ما صدق عليه الضارب والقائم، فإن كلًا منهما يصدق على من اتصف بالضرب والقيام، وقد يكون إطلاقه على معنى، وتخصيصه به؛ باعتبار أثر قام به حمل المستعمل على ملاحظته في أصل وضع اللفظ لذلك المعنى، فوضعه، وهذا من الأسماء المشبهة للصفات، وليس منها، والكليم من هذا النوع، فلا يلزم من إطلاقه على موسى لكلام الله إطلاقه على غيره ممن كلمه الله تعالى.
"وحينئذ، فلا يلزم في كل من قام به ذلك الوصف أن يشتق له منه اسم، كما حققه القاضي عضد الدين" عبد الرحمن بن أحمد إلا يجيء المحقق التحرير، يروي تصانيفстр. 3789
المولى سعد الدين التفتازاني.
وقوله: رفع بعضهم درجات يعني محمدًا صلى الله عليه سولم رفعه الله تعالى من ثلاثة أوجه:
بالذات في المعراج.
وبالسيادة على جميع البشر.
وبالمعجزات؛ لأنه ﵊ أوتي من المعجزات ما لم يؤت نبي قبله.
قال الزمخشري: وفي هذا الإبهام من تفخيم فضله وإعلاء قدره ما لا يخفي لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس، انتهى.
الحواشي
(١) البيضاوي عن زين الدين الهنكي، عنه، وروى عنه محمد بن يوسف الكرماني، شارح البخاري، "وهذا ملخصه وتحريره، كما قاله" تلميذه "المولى سعد الدين التفتازاني" بفتح الفوقيتين والزاي وسكون الفاء، نسبة إلى تفتازان: قرية بنواحي نسا، ولعل حكمة عدم إطلاقه على المصطفى مع ظهور دلالته على كلامه؛ أن قومه أنكروا الإسراء أصلًا، فلم يسم كليمًا حذرًا من إنكارهم، إذ سمعوه، وتكلمهم بما لا يليق في حقه، ولا دليل قطعي يرد عليهم، فاقتصر على ما ظهر لهم كالإسراء، فإنه وصف لهم بيت المقدس وغيره، فتحققوا صدقه وإن أنكروه عنادًا.
"وقوله: ورفع بعضهم درجات، يعني محمدًا ﷺ ، رفعه الله تعالى من ثلاثة أوجه بالذات في المعراج" إلى مقام لم يصل إليه ملك مقرب، ولا نبي مرسل، "وبالسيادة على جميع البشر" لقوله: "أنا سيد الناس يوم القيامة"، "وبالمعجزات؛ لأنه ﵊ أوتي من المعجزات ما لم يؤت نبي قبله" قال عياض: ولأنه بعث إلى الأحمر والأسود، أي: لعموم بعثته.
"قال الزمخشري: وفي هذا الإبهام" بقوله بعضهم، "من تفخيم فضله وإعلاه قدره ما لا يخفى، لما فيه من الشهادة على أنه العلم الذي لا يشتبه، والمتميز الذي لا يلتبس" فهو وإن عبر عنه بالبعض المقتضى لإبهامه، معلوم متميز عن سائر من عداه، ومتعين فيه.
قال التفتازاني: في التعبير عنه باللفظ المبهم تنبيه على أنه من الشهرة بحيث لا يذهب الوهم إلى غيره في هذا المعنى، ألا ترى أن التنكير الذي يشعر بالإيهام كثيرًا ما يجعل علمًا على الإعظام والإفخام، فكيف اللفظ الموضوع لذلك، "انتهى" كلام الزمخشري، وقد أحسن فيه، لكنه أساء في قوله بعده، ويجوز أن يريد إبراهيم، أو غيره من أولي العزم من الرسل.стр. 3790
وقد بينت هذه الآية وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] أن مراتب الأنبياء والرسل متفاوتة، خلافًا للمعتزلة القائلين: بأنه لا فضل لبعضهم على بعض، وفي هاتين الآيتين رد عليهم: وقال قوم: آدم أفضل لحق الأبوة.
وتوقف بعضهم فقال: السكوت أفضل.
والمعتمد ما عليه جماهير السلف والخلف: أن الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين الآيتين وغيرهما.
الحواشي
(١) وقد قال بعض المحققين: لم يصب الزمخشري في تجويزه، أن المراد بالبعض غيره؛ لأن المستحق للتفضيل على الوجه المذكور هو أفضل الأنبياء بإجماع المسلمين، وتأييده بخبر ابن عباس تذاكرنا فضل الأنبياء، فذكرنا نوحًا، وإبراهيم، وموسى وعيسى، فقال ﷺ : "لا ينبغي لأحد أن يكون خيرًا من يحيى بن زكريا" مدفوع بأن المراد؛ أن في كل نبي نوع فضيلة تخصه، فلا وجه لتخصيص بعضهم بالامتياز من تلك الجهة، فالمنفي في قوله: "لا ينبغي" إلخ، الخيرية من جميع الوجوه.
"وقد بنيت هذه الآية، وكذا قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، بتخصيص كل منهم بفضيلة، كموسى بالكلام، وإبراهيم بالخلة، ومحمد بالإسراء، وسليمان بالملك، "أن مراتب الأنبياء والرسل" وفي نسخة: الرسل والأنبياء، أي: الذين ليسوا برسل أو هو عطف عام على خاص، "متفاوتة، خلافًا للمعتزلة القائلين؛ بأنه لا فضل لبعضهم على بعض، وفي هاتين الآيتين" ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] ، و ﴿لَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ ، "رد عليهم" على سبيل الصراحة، وقال قوم: آدم أفضل لحق الأبوة" وليس بشيء؛ لأنها بمجردها لا تقتضي فضله عليهم مطلقًا، وكم من فرع فضل أصله لخصوصيات شرف بها على الأصل، بل كثيرًا ما تشرف الأصول بفرعها:
وكم أب قد علا بابن ذوي شرف ... كما علا برسول الله عدنان
"وتوقف بعضهم" لتعارض الأدلة عليه، "فقال: السكوت أفضل" لعدم القاطع عند ذا البعض، "والمعتمد ما عليه جماهير السلف والخلئف، أن الرسل أفضل من الأنبياء"؛ لأن الرسالة تثمر هداية الأمة، والنبوة قاصرة على النبي، كالعلم والعبادة، خلافًا لمن قال: النبي أفضل؛ لأن النبوة الوحي بمعرفته تعالى وصفاته، فهي متعلقة به من طرفيها، والرسالة: الأمر بالتبليغ، فهي متعلقة به من أحد الطرفين، وأجيب بأنها تستلزم النبوة، فهي مشتملة عليها؛ لأنها كالرسول، وأخص من النبوة التي هي أعم، كالنبي.стр. 3791
قال بعض أهل العلم -فيما حكاه القاضي عياض-: والتفضيل المراد لهم هنا في الدنيا، وذلك بثلاثة أحوال: أن تكون آياته ومعجزاته أظزهر وأشهر، أو تكون أمته أزكى وأكثر، أو يكون في ذاته أفضل وأظهر، وفضله في ذاته راجع إلى ما خصه الله تعالى به من كرامته واختصاصه من كلام أو خلة أو رؤية أو ما شاء الله من ألطافه، وتحف ولايته واختصاصه، انتهى.
فلا مرية أن آيات نبينا ﷺ ومعجزاته أظهر وأبهر وأكثر وأبقى وأقوى، ومنصبه أعلى ودولته أعظم وأوفر وذاته أفضل وأظهر، وخصوصياته على جميع
الحواشي
(١) "وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض بشهادة هاتين الآيتين وغيرهما، قال بعض أهل العلم" بالكتاب والسنة، "فيما حكاه القاضي عياض" في الشفاء: "والتفضيل المراد لهم هنا" عطف على مقدار وعلى ما تقدم، وهنا إشارة لما ذكر قبله "في الدنيا" متعلق بالتفضيل، "وذلك بثلاثة أحوال" وفي نسخة أوجه، "أن تكون آياته ومعجزاته أظهر" وفي نسخة أبهر، أي: أقوى، وأغلب من بهر ضوء القمر الكواكب عليها، أو هو بمعنى أظهر "وأشهر" كانشقاق القمر، وانفلاق البحر، وانقلاب العصا حية، "أو تكون" بالنصب "أمته أزكى" أتقى وأطهر لبعدهم عن التلبس بما لا يليق، "وأكثر" من غيرهم، "أو يكون في ذاته أفضل" بزيادة علمه وخصاله المحمودة، "وأظهر" بمعجمة، أي: أشهر، وبمهملة أتقى وأنقى، "وفضله في ذاته" ونفسه "راجع إلى ما خصه الله تعالى به من كرامته" أي: إكرام الله له بما آثر، ومناقب عظيمة وهبها له، "واختصاصه" بالجر معطوف على مدخول إلى "من كلام" بلا واسطة لموسى والمصطفى، وهو بيان لاختصاصه بمعنى ما خصه به، "أو خلة" لإبراهيم والمصطفى، "أو رؤية" عيانًا لنبينا ﷺ ، "أو ما شاء الله" أراده لهم غير ما ذكر "من ألطافه" بفتح الهمزة، أي: عطاياه، "وتحف" بفاء، آخره "ولايته" أي: تحف أولاها لهم، هكذا في الشفاء، بالفاء فقط، وفسرها شارحها بما ذكر.
وقال شيخنا: كان المراد بها ما ميز به تعالى ولايته عن ولاية غيره من الخواص والمزايا التي لم تثبت لغيره.
وفي بعض نسخ المصنف: وتحقق ولايته بقافين، أي: ثبوتها بلا ريبة ولا تردد، لكثرة الأدلة المثبتة لها، "واختصاصه" بما اختصهم به من قرة أعين لا يعلمها إلا هو. "انتهى".
"فلا مرية" "بالكسر"، لا شك "أن آيات نبينا ومعجزاته أظهر وأبهر" بموحدة، أغلب، "وأكثر وأبقى" بالموحدة، "وأقوى" أشد، "ومنصبه" حسبه وشرفه "أعلى، ودولته أعظم وأوفر، وذاته أفضل وأظهر" بالمهملة، "وخصوصياته على جميع الأنبياء أشهر من أن تذكر".стр. 3792
الأنبياء أشهر من أن تذكر، فدرجته أرفع من درجات المرسلين، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين، وتأمل حديث الشفاعة في المحشر، وانتهائها إليه، وانفراده هناك بالسؤدد، كما قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة"، رواه ابن ماجه، وفي حديث أنس عند الترمذي: "أنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي ولا فخر".
لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته ﵇ على الأنبياء كلهم ضعيف.
الحواشي
(١) فقد جمعت فيه الأحوال الثلاثة وزيادة، "فدرجته أرفع من درجات المرسلين، وذاته أزكى وأفضل من سائر المخلوقين" إنسًا وملكًا، "وتأمل حديث الشفاعة" إضافة لأدنى ملابسة لذكرها فيه "في المحشر" "بفتح الشين وكسرها"، "وانتهائها إليه" بعد تنصل رؤساء الأنبياء منها " "وانفراده هناك بالسؤدد" أي: السيادة، "كما قال ﷺ : "أنا سيد ولد" يكون جمعًا، وواحدًا، والمراد الأول "آدم، وأول من تنشق الأرض عنه يوم القيامة" أي: أول من يعجل أحياؤه، مبالغة في إكرامه، وتخصيصًا بتعجيل جزيل إنعامه، "رواه ابن ماجه" محمد القزويني.
"وفي حديث أنس عند الترمذي" مرفوعًا: "أنا أول الناس خروجًا، إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا وفدوا، وأنا مبشرهم إذا أيسوا، لواء الحمد يومئذ بيدي" "وأنا أكرم ولد آدم يومئذ على ربي" إخبار بما منحه من السودد والإكرام، وتحدث بمزيد الفضل والإنعام "ولا فخر" حال مؤكدة، أي أقول ذلك غير مفتخر به فخر تكبر، أتى به دفعًا لتوهم إرادة الافتخار به.
قال القرطبي: إنما قال ذلك؛ لأنه مما أمر بتبليغه لما يترتب عليه من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه، وليرغب في الدخول في دينه، ويتمسك به من دخل فيه، ولتعظيم محبته في قلوب متبعيه، فتكثر أعمالهم وتطيب أحوالهم، ويحصل لهم شرف الدنيا والآخرة؛ لأن شرف المتبوع متعد لشرف التابع.
"لكن هذا لا يدل على كونه أفضل من آدم، بل من أولاده، فالاستدلال بذلك على مطلق أفضليته ﵇ على الأنبياء كلهم ضعيف" تبع التفتازاني في شرح العقائد، وقد تعقب بأن المراد سيد جنس الآدميين، فلا يخرج آدم؛ لأن المراد من ولد آدم كافة البشر، بدليل قوله في حديث أبي هريرة: "أنا سيد الناس"، وقوله في حديث أبي سعيد: آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي، وقد لوح المصنف بعد قليل بمعنى هذا التعقب بقوله، وهذا يدل على أنه أفضل من آدم، وبأن دخول آدم أولوي؛ لأن في ولده من هو أفضل منه، وبأن ذلك من الأسلوب العربي علىстр. 3793
واستدل الشيخ سعد الدين التفتازاني لمطلق أفضليته ﵊ بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] قال: لأنه لا شك أن خيرية الأمم بحسب كمالهم في الدين، وذلك تابع لكمال نبيهم الذي يتبعونه.
واستدل له الفخر الرازي -في المعالم- بأنه تعالى وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة، ثم قال لمحمد ﷺ : ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] ، فأمره أن يقتدي بأثرهم، فيكون إتيانه به واجبًا، وإلا فيكون تاركًا للأمر، وإذا
الحواشي
(١) حد ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ [سبأ: ١٣] ، لدخول داود لزومًا، أو قصدًا، وعبر عنه بذلك لإرادة التنصيص على دخول آله معه.
"واستدل الشيخ سعد الدين" مسعود بن عمر بن عبد الله "التفتازاني" الشافعي، قال الحافظ في الدرر الكامنة: ولد سنة ست عشرة وسبعمائة، وأخذ عن القطب والعضد، وتقدم في الفنون، واشتهر ذكره وطار صيته، وله تصانيف انتفع بها الناس، مات بسمرقند سنة إحدى وتسعين وسبعمائة، "لمطلق أفضليته ﵊" عى جميع الأنبياء، "بقوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] ، قال: لأنه لا شك أن خيرية الأمم بحسب كمالهم في الدين، وذلك تابع لكمال نبيهم الذي يتبعونه" وهذا إنما ذكره التفتازاني سندًا للإجماع على فضل المصطفى، وتعقب، بأنه لا يصح سندًا له؛ لأن خيريتهم في الدنيا بزيادة نفعهم، للغير لحديث: "خير الناس أنفعهم للناس"، وهذا هو الظاهر لحديث البخاري، عن أبي هريرة، قال في الناس: "ناس يأتون بهم والسلاسل في أعناقهم حتى يدخلون الإسلام"، وخيريتهم في الآخرة، بكثرة ثوابه لحديث البخاري: "لكم الأجر مرتين"، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقل عطاء"، والسر في ذلك؛ أنهم صدقوا الأنبياء كلهم بخلاف جميع الأمم، فإنما صدق كل منهم نبيه ومن قبله، كما نبه عليه ﷺ بقوله لهرقل: "أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرتين".
قال الكرماني وغيره: مرة للإيمان بنبيهم، ومرة للإيمان بمحمد ﷺ ، والخيرية بأحد هذين المعنيين للأمة لا تدل على أفضلية رسولهم. انتهى، وفيه تأمل.
"واستدل له الفخر الرازي في المعالم" أي: معالم التنزيل، اسم تفسيره، "بأنه تعالى وصف الأنبياء بالأوصاف الحميدة" في سورة الأنعام، "ثم قال لمحمد ﷺ :
﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى﴾ هم ﴿اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ﴾ طريقهم التوحيد والصبر، ﴿اقْتَدِهِ﴾ "بهاء السكت" وقفًا ووصلًا وفي قراءة بحذفها وصلًا، "فأمره أن يقتدي بأثرهم، فيكون إتيانه به واجبًا، وإلاстр. 3794
أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة فقد اجتمع فيه ما كان متفرقًا فيهم، فيكون أفضل منهم، وبأن: دعوته ﵊ في التوحيد والعبادة وصلت إلى أكثر بلاد العالم بخلاف سائر الأنبياء، فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته ﷺ أكل من انتفاع سائر الأمم بدعوة سائر الأنبياء، فوجب أن يكون أفضل من سائر الأنبياء. انتهى.
وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري قال قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا
الحواشي
(١) فيكون تاركًا للأمر" وهو محال، "وإذا أتى بجميع ما أتوا به من الخصال الحميدة، فقد اجتمع فيه ما كان متفرقًا فيهم، فيكون أفضل منهم"؛ لأن الواحد إذا فعل مثل فعل الجماعة كان أفضل منهم، قيل عليه: لا شك أنه أفضل من كل واحد منهم، ومن الجميع أيضًا، لكن في هذا الدليل خفاء؛ لأنه لا يلزم من إتيانه بكل ما أتى به كل واحد منهم إلا مساواته للمجموع، لا أفضليته عليهم، وكأنه الداعي للعز بن عبد السلام على قوله: "إنه أفضل من كل واحد منهم، لا من جميعهم، فتمالأ جماعة من علماء عصره على تكفيره، فعصمه الله، بل قد يتوقف في المساواة أيضًا؛ لأنك لو أنعمت على أربعة فأعطيت واحدًا دينارًا، وآخر دينارين، وآخر ثلاثة، وآخر أربعة، لزاد صاحب الأربعة على كل واحد دون جميع ما لغيره، ولو أعطيته ستة لساواهم، ولو أعطيته عشرة زاد عليهم، فينبغي أن يقال: إنه ﷺ ساواهم في العمل، وزاد عليهم، بأنه أعلم منهم بالله، وأكثر من جميعهم خصائص ومعجزات، وهذا التفضيل في القرب والمنزلة، وهو أكثر ثوابًا، وأمته أكثر من جميع الأمم، وأجرهم له إلى يوم القيامة، ولو كانت للناس مساكن بعضها فوق بعض، لكان الذي فوق الأخير أعلى من الجميع، وفي آية تلك الرسل إيماء لهذا، حيث أبهم وعبر برفع الدرجات دون أن يسميه، ويقول: إنه أعظم وأفضل. انتهى.
"وبأن دعوته ﵊ في التوحيد والعبادة، وصلت إلى أكثر بلاد العالم، بخلاف سائر الأنبياء، فظهر أن انتفاع أهل الدنيا بدعوته ﷺ أكمل من انتفاع سائر الأمم بدعوة سائر الأنبياء، فوجب أن يكون أفضل من سائر الأنبياء. انتهى" استدلال الرازي.
"وقد روى الترمذي" وقال: حسن صحيح، وأحمد وابن ماجه، وصححه الحاكم "عن أبي سعيد الخدري، قال: قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" خصه؛ لأنه يوم مجموع له الناس، فيظهر سودده لكل أحد عيانًا ووصف نفسه بالسودد، المطلئق المفيد، للعموم في المقام الخطابي، فيفيد سيادته على جميع أولاد آدم حتى أولي العزم واحتياجهم إليه، وتخصيص ولدстр. 3795
تحت لوائي.
وفي حديث أبي هريرة مرفوعًا -عند البخاري-: "أنا سيد الناس يوم القيامة"، وهذا يدل على أنه أفضل من آدم ﵇ ومن كل أولاده بل أفضل من الأنبياء، بل أفضل الخلق كلهم.
وروى البيهقي في فضائل الصحابة، أنه ظهر علي بن أبي طالب من البعد، فقال ﷺ : "هذا سيد العرب" فقالت عائشة: ألست يا رسول الله بسيد العرب؟ قال: "أنا سيد العالمين وهو سيد العرب"، وهذا يدل على أنه ﷺ أفضل الأنبياء.
الحواشي
(١) آدم ليس للاحتراز، فهو أفضل حتى من خواص الملائكة بإجماع من يعتد به، "ولا فخر" بل إنما قلته شكرًا، كقول سليمان: ﴿عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ، أي: لا أقوله تكبرًا وتعاظمًا على الناس في الدنيا، وإن كان فيه فخرًا الدارين، أولًا افتخر بذلك، بل فخري بمن أعطاني هذه الرتبة، "وبيدي لواء" بالكسر والمد، علم "الحمد" والعلم في العرصات مقامات لأهل الخير والشر، نصب في كل مقام لكل متبوع لواء، يعرف به قدره وأعلى تلك المقامات مقام الحمد، ولما كان ﷺ أعظم الخلائق أعطى أعظم الألوية، لواء الحمد ليأوي إليه الأولون والآخرون، فهو حقيقي ولا وجه لحمله على لواء المال والكمال، "ولا فخر" لي بذلك فخر تكبرًا، ولا فخر بالعطاء، بل بالمعطي، "وما من نبي" يومئذ "آدم، فمن سواه إلا تحت لوائي".
قال الطيبي: آدم فمن سواه اعتراض بين النفي والاستثناء، وآدم بالرفع يدل، أو بيان من محله، ومن موصولة، وسواه صلته، وصح؛ لأنه ظرف، وآثر الفاء التفصيلية في، فمن للتريب على منوال الأمثل فالأمثل، وبقية هذا الحديث: "وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، وأنا أو شافع ولا فخر".
"وفي حديث أبي هريرة، مرفوعًا عند البخاري" ومسلم والترمذي وأحمد": "أنا سيد الناس يوم القيامة" وهل تدرون مم ذلك؟، يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، فذكر حديث الشفاعة بطوله، "وهذا" المذكور من حديثي أبي سعيد وأبي هريرة، "يدل على أنه أفضل من آدم ﵇ ومن كل أولاده، بل أفضل من الأنبياء" إضراب انتقالي لدفع توهم، أن المراد بأولاده من عد الأنبياء، "بل أفضل الخلق كلهم"؛ لأنه من ناس، إذا تحرك، فشمل الملائكة حتى أمين الوحي بإجماع حتى من المعتزلة، وجهل الزمخشري مذهبه، كما حققه جماعة من المحققين.
"وروى البيهقي في فضائل الصحابة؛ أنه ظهر على ابن أبي طالب من البعد، فقال ﷺ : "هذا سيد العرب"، فقالت عائشة: ألست يا رسول الله بسيد العرب؟، قال: "أنا سيدстр. 3796
وقد روى هذا الحديث -أيضًا- الحاكم في صحيحه عن ابن عباس، لكن بلفظ: "أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب"، وقال: إنه صحيح ولم يخرجاه.
وله شاهد من حديث عروة عن عائشة، وساقه من طريق أحمد بن عبيد عن ناصح قال: حدثنا الحسين بن علوان -وهما ضعيفان- عن هشام بن عروة عن أبيه، عن عائشة بلفظ: "ادعوا لي سيد العرب"، قالت: فقلت: يا رسول الله ألست سيد العرب؟ فقال": وذكره.
وكذا أورده من حديث عمر بن موسى الوجيهي -وهو ضعيف أيضًا- عن أبي الزبير عن جابر مرفوعًا: "ادعوا لي سيد العرب" فقالت عائشة: ألست سيد العرب"؟ وذكره.
الحواشي
(١) العالمين، وهو سيد العرب، وهذا يدل على أنه ﷺ أفضل الأنبياء" والملائكة؛ لأن العالم ما سوى الله.
"وقد روى هذا الحديث أيضًا الحاكم في صحيحه" المستدرك من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، "عن ابن عباس" مرفوعًا، "لكن بلفظ: "أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب".
"وقال" الحاكم: "إنه صحيح ولم يخرجاه" أي: البخاري ومسلم، مع أن إسناده على شرطهما، "وله شاهد من حديث عروة" بن الزبير، "عن" خالته "عائشة، وساقه" أي: رواه الحاكم، "من طريق أحمند بن عبيد بن ناصح" أبي جعفر النحوي، يعرف بأبي عصيدة، قيل: إن أبا داود حكى عنه، مات بعد السبعين ومائتين.
"قال: حدثنا الحسين بن علوان، وهما ضعيفان" لكن اقتصر في التقريب على أن أحمد بن عبيد، لين الحديث، "عن هشام بن عروة، عن أبيه، عائشة" مرفوعًا "بلفظ: "ادعوا لي سيد العرب"، قالت" عائشة: "فقلت: يا رسول الله ألست سيد العرب؟، فقال: وذكره، وكذا أورده" الحاكم "من حديث عمر بن موسى الوجيهي" بفتح الواو وكسر الجيم، نسبة إلى وجيه، "وهو ضعيف أيضًا عن أبي الزبير" محمد بن مسلم المكي، "عن جابر، مرفوعًا: "ادعوا لي سيد العرب"، فقالت عائشة: ألست سيد العرب؟، وذكره" ورواه أبو نعيم في الحلية عن الحسن بن علي، رفعه: "ادع سيد العرب"، يعني عليًا، فقالت له عائشة: ألست سيد العرب؟، فقال: أنا سيد ولد آدم، وعلي سيد العرب".стр. 3797
قال شيخنا: وكلها ضعيفة، بل جنح الذهبي إلى الحكم على ذلك بالوضع. انتهى.
ولم يقل ﷺ : "أنا سيد الناس" عجبًا وافتخارًا على من دونه، حاشاه الله من ذلك، وإنما قاله إظهارًا لنعمة الله عليه، وإعلامًا للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله، وعلو منزلته لديه، لتعرف نعمة الله عليهم وعليه، وكذلك العبد إذا لاحظ ما هو فيه من فيض المدد، وشهده من عين المنة ومحض الجود، وشهد مع ذلك فقره إلى ربه في كل لحظة، وعدم استغنائه عنه طرفة عين أنشأ له ذلك في قلبه سحائب النور، فإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه، وامتلأ أفقه بها أمطرت عليه وابل الطرب مما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل فطل، وحينئذ يجري على لسانه الافتخار من غير عجب ولا فخر، بل هو فرح بفضل الله
الحواشي
(١) "قال شيخنا" السخاوي: "وكله ضعيفة، بل جنح": مال "الذهبي إلى الحكم على ذلك بالوضع" انتهى، ولم يتبين لي ذلك، إذ ليس فيها وضاع ولا كذاب ولا متهم، والحاكم إنما أورد حديث عائشة من الطريقين، وإن كان فيهما ضعف، شاهد الحديث ابن عباس الذي صححه؛ لأن زواته من رجال الصحيح.
"ولم يقل ﷺ : "أنا سيد الناس" عجبًا وافتخارًا على من دونه والفخر ادعاء العظم والمباهاة، "حاشاه من ذلك" إذ هو سيد المتواضعين، "وإنما قاله إظهارًا لنعمة الله عليه" لقوله: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّث﴾ [الضحى: ١١] ، "وإعلامًا للأمة بقدر إمامهم ومتبوعهم عند الله، وعلو منزلته لديه، لتعرف نعمة الله عليهم وعليه"، وليعتقدوا فضله على من سواه.
قال القرطبي: ولأنه مما أمر بتبليغه، لما يترتب عليه من وجوب اعتقاد ذلك، وأنه حق في نفسه، فإن قيل: هذا راجع للاعتقاد، فكيف يحصل القطع به من أخبار الآحاد، قلنا: من سمع شيئًا من هذه الأمور منه صلى الله عليه سولم مشافهة حصل له العلم به، كالصحابة، ومن لم يشافهه حصل له العلم به من طريق التوتر المعنوي، لكثرة أخبار الآحاد به.
"وكذلك العبد" أي: عبد من عباد الله الكاملين، "إذا لاحظ ما هو فيه من فيض المدد، وشهده من عين المنة ومحض الجود، وشهد مع ذلك فقره إلى ربه في كل لحظة، وعدم استغنائه عنه طرفة عين، أنشأ له ذلك في قلبه سحائب النور" وفي نسخة: السرور والنور أولى، "فإذا انبسطت هذه السحائب في سماء قلبه، وامتلأ أفقه بها أمطرت عليه وابل: الطرب مما هو فيه من لذيذ السرور، فإن لم يصبه وابل" مطر شديد "فطل" مطر خفيف، والمعنى أنه يزكو وينمو، كثر المطر، أو قل، "وحينئذ يجري على لسانه الافتخار من غيرстр. 3798
وبرحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ [يونس: ٥٨] فالافتخار على ظاهره، والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر، وإلى هذا المعنى يشير قول العارف الرباني سيد علي الوفائي في قصيدته التي أولها:
من أنت مولاه حاشًا ... علاه أن يتلاشى
والله يا ر وح قلبي ... لا مات من بك عاشا
قوم لهم أنت ساق ... لا يرجعون عطاشا
لا قص دهر جناحًا ... له وفاؤك راشا
بك النعيم مقيم ... لمن وهبت انتعاشا
ومن بحولك يقوى ... لن يضعف الدهر جاشا
عبد له بك عز ... فكيف لا يتحاشى
حاشا وفاؤك يرمي ... من أنت مولاه حاشا
الحواشي
(١) عجب ولا فخر، بل هو فحر بفضل الله وبرحمته، كما قال تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ ﴿فَبِذَلِكَ﴾ الفضل والرحمة، ﴿فَلْيَفْرَحُوا﴾ فالافتخار" كائن "على ظاهره" بحسب اللفظ "والافتقار والانكسار في باطنه، ولا ينافي أحدهما الآخر، وإلى هذا المعنى يشير قول العارف": هو من أشهده الحق نفسه، وظهرت عليه الأحوال والمعرفة حاله، هكذا ذكره الشيخ، فالعالم عنده أعلى مقامًا من العارف خلافًا للأكثرين، وقد قرر ذلك في الفتوحات ومواقع النجوم "الرباني سيد علي الوفائي في قصيدته التي أولها: من أنت مولاه" ناصره ومعينه "حاشا، علاه" رفعته "أن يتلاشى" يخس بعد رفعته، "والله يا روح" حياة "قلبي، لا مات من بك عاشا" بل يحيا حياة طيبة، "قوم لهم أنت ساق، لا يرجعون عطاشًا" بل غاية من الري "لا قص" بمهملة ثقيلة "دهر جناحًا، له وفاتك راشا" أصلح حاله ونفعه، "بك النعيم مقيم، لمن وهبت انتعاشًا" أي: رفعة وجبرًا وذكرًا حسنًا.
قال المجد: نعشه الله، كمنعه ورفعه، كأنعشه ونعشه، وفلانًا جبره بعد فقره، والميت ذكره ذكرًا حسنًا، "ومن بحولك" قوتك "يقوي، لن يضعف الدهر" بالنصب "جاشا" أي نفسًا.
قال المجد: الجأش نفس الإنسان، وقد لا يهمز "عبد له بك عز" قوة ومنعة، "فكيف لا يتحاشى" يكرم ويعظم "حاشا وفاؤك يرمي، من أنت مولاه حاشا" أي: تنزيها له أن يفعلстр. 3799
فإن قلت: ما الجمع بين هاتين الآيتين، وبين قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] .
الحواشي
(١) ذلك "فإن قلت: ما الجمع بين" كل من "هاتين الآيتين" ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْض﴾ [البقرة: ٢٥٣] الآية، ﴿لقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] الآية، فإن كلًا منهما صريح في التفضيل وعدم التفريق في قوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٣٦] الآية، دال على التسوية، كجملة أحاديث، كما قال: "وبين قوله تعالى" خطايا للمؤمنين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ من القرآن ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيم﴾ من الصحف العشر، ﴿وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ﴾ أولاد يعقوب، ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى﴾ من التوراة، ﴿وَعِيسَى﴾ من الإنجيل، ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ من الكتب والآيات، ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ فنؤمن ببعض، ونكفر ببعض، كاليهود والنصارى، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] وأورد أن بين إنما تقع على اثنين، كجلست بين زيد وعمرو، وأحد في الآية مفرد؛ لأنه بمعنى واحد لا بعينه، فكيف صح دخول بين عليه، وأجيب بأ، هـ باعتبار معطوف حذف لظهوره، أي: بين أحد منهم وبين غيره، وفيه دلالة صريحة على تحقيق عدم التفريق بين كل فرد منهم وبين من عداهم، كائنًا من كان، بخلاف ما لو قيل: لا نفرق بينهم، وأجاب الكشاف؛ بأن أحد في معنى الجماعة بحسب الوضع.
قال التفتازاني: لأنه اسم لمن يصلح أن يخاطب، يستوي فيه المفرد والمثنى والجمع، والمذكر والمؤنث، ويشترط أن يكون استعماله مع كلمة كل، أو في كلام غير موجب، وهذا غير الأحد اللذي هو أول العدد في مثل: ﴿قُلْ هُوَ اللَّه﴾ [الإخلاص: ١] ، قال: وليس كونه في معنى الجماعة من جهة كونه نكرة في سياق النفي على ما سبق إلى كثير من الأوهام، ألا ترى أنه لا يستقيم، لا نفرق بين رسول من الرسل، إلا بتقدير عطف، أي: رسول ورسول، وقال في: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِه﴾ ، من زعم أن معنى الجمع في أحد أنه نكرة في سياق النفي، فقد سها، وإنما معناه ما ذكر في كتب اللغة؛ أنه اسم لمن يصلح أن يخاطب، فحين أضيف بين إليه، أو أعيد ضمير جميع إليه، أو نحو ذلك، فالمراد به جمع من الجنس الذي يدل عليه الكلام، فمعنى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ﴾ ، بين جمع من الرسل، ومعنى، "فما منكم من جماعة"، ومعنى: ﴿لَسْتُنَّ كَأَحَد﴾ [الأحزاب: ٣٢] الآية، كجماعة من جماعات النساء، انتهى.стр. 3800
والحديث الثابت في الصحيحين، عن أبي هريرة قال: استب رجل من المسلمين ورجل من اليهود فقال اليهودي في قسمه: لا والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده فلطم اليهودي وقال: أي خبيث، وعلى محمد؟
الحواشي
(١) "والحديث الثابت في الصحيحين عن أبي هريرة، قال: استب" أي: سب "رجل من المسلمين" قال عمرو بن دينار: هو أبو بكر الصديق، أخرجه سفيان بن عيينة في جامعه، وابن أبي الدنيا في كتاب البعث، ويعكر عليه أن في رواية للشيخين من حديث أبي هريرة أيضًا، وأبي سعيد؛ أنه من الأنصار، إلا أن كان المراد، المعنى الأعم، فإن الصديق من أنصاره ﷺ ، بل هو رأس من نصره ومقدمهم وسابقهم، قاله الحافظ في الفتح، زاد في المقدمة: أو يحمل، على تعدد القصة، لكن لم يسم من اليهود غير واحد.
"ورجل من اليهود" أي: سب كل منهما الآخر بمعنى غيره، قال الحافظ: لم أقف على اسم هذا اليهودي، وزعم ابن بشكوال أنه فنحاص، وهو "بكسر الفاء وسكون النون ومهملتين" وعزاه لابن إسحاق، والذي ذكره ابن إسحاق لفنحاص مع أبي بكر في لطمه إياه قصة أخرى في نزوله قوله تعالى: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] ، "فقال اليهودي في قسمه" أي: حلفه.
وفي رواية للشيخين عن أبي هريرة، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين, وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم عند ذلك يده فلطم وجه اليهودي.
وفي رواية لهما أيضًا: بينما يهودي يعرض سلعته أعطى فيها شيئًا كرهه، فقال: "لا، والذي اصطفى موسى على العالمين" وفي رواية لهما على البش، فقال ذلك ردًا على المسلم فيما قاله، وأكده بالقسم، "فرفع المسلم يده" عند ذلك، أي: سماعه قوله، لما فهمه من عموم لفظ العالمين، أو البشر، فدخل فيه محمد ﷺ ، وقد تقرر عند المسلم أنه أفضل، وقد جاء ذلك مبينًا في حديث أبي سعيد أن الضارب قال له: أي خبيث أعلى محمد، نفدل على أن لطمه عقوبة له على كذبه عنده، قاله الحافظ. "فلطم اليهودي" وفي رواية لهما: فلطم وجه اليهودي وقال: أتقول هذا ورسول الله بين أظهرنا. وفي رواية للإمام أحمد: فلطم عين اليهودي، وقوله: "وقال: أي خبيث" "بفتح الهمزة وسكون الياء" حرف نداء، "وعلى محمد" هذه الجملة أدخلها المصنف في حديث أبي هريرة، وليست منه، فقد أخرجه مسلم في الفضائل، والبخاري في الخصومات، والرقاق، والتوحيد وأحاديث الأنبياء مختصرًا ومطولًا، وليس فيه هذه الجملة، إنما هي عنده في مواضع عن أبي سعيد، قال: بينما رسول الله ﷺ جالس جاء يهوديстр. 3801
فجاء اليهود إلى رسول الله ﷺ واشتكى على المسلم، فقال ﷺ : "لا تفضلوني على الأنبياء" وفي رواية: "لا تفضلوا بين الأنبياء".
وحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري ومسلم أنه ﷺ قال: "لا تخيروا بين الأنبياء".
وحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم مرفوعًا ما ينبغي لعبد أن يقول: "أنا خير من يونس بن متى".
وحديث أبي هريرة عند الشيخين، من قال: "أنا خير من يونس بن متى فقد
الحواشي
(١) فقال: ضرب وجهي رجل من الأنصار، فقال: ادعوه، فقال: أضربته؟ قال: سمعته بالسوق يحلف: والذي اصطفى موسى على البشر، قلت: أي خبيث أعلى محمد ﷺ ، فأخذتني غضبة ضربت وجهه، فقال: "لا تخيروا بين الأنبياء" الحديث، وأخرجه مسلم بنحوه.
وقد صرح الحافظ، كما رأيت؛ بأن هذه الجملة من حديث أبي سعيد، "فجاء اليهودي إلى رسول الله ﷺ واشتكى" ضمنه معنى اعترض، فعده بقوله: "على المسلم" وهذا نقل بالمعنى، وإلا فلم تقع هذه اللفظة في الصحيحين، لا في حديث أبي هريرة، ولا في حديث أبي سعيد.
ولفظ البخاري في الأشخاص في حديث أبي هريرة: فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ ، فأخبر بما كان من أمره وأمر المسلم، وكذلك في أولى روايته في أحاديث الأنبياء.
ولفظه في الثانية: يا أبا القاسم إن لي ذمة وعهدًا، فما بال فلان لطم وجهي؟، فقال: "لم لطمت وجهه"، فذكره، فغضب ﷺ حتى رؤي في وجهه، وكذا أخرجه مسلم في الفضائل باللفظين من طريق، "فقال ﷺ : "لا تفضلوني على الأنبياء".
"وفي رواية" لهما: "لا تفضلوا بين الأنبياء" وفي رواية: "لا تخبروني على موسى"، "وحديث أبي سعيد الخدري عند البخاري" في التفسير والتوحيد والخصومات، "ومسلم" في الفضائل: "أنه ﷺ قال: "لا تخيروا بين الأنبياء" بأن تقولوا" فلان خير من فلان"، "وحديث ابن عباس عند البخاري ومسلم" أيضًا في الفضائل، "مرفوعًا: "ما ينبغي" ما يصح، ولا يجوز "لعبد" من عباد الله، "أن يقول: أنا خير من يونس" يحتمل أن يكون رجوع أنا إلى القائل، وإلى النبي ﷺ .
قال الحافظ في التفسير: والأول أولى، لكنه قال في أحاديث الأنبياء: حديث عبد الله بن جعفر عند الطبراني: "لا ينبغي لنبي أن يقول: أنا".. إلخ، يؤيد رجوعها للنبي ﷺ ، وللطبراني فيстр. 3802
كذب".
أجاب العلماء: بأن قوله : ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ يعني: في
الحواشي
(١) حديث ابن عباس: "ما ينبغي لأحد"، وللطحاوي، أنه سبح الله في الظلمات، فأشار إلى جهة الخيرية، انتهى.
"ابن متى" بفتح الميم، والفوقية الثقيلة، وألف مقصورة، وقع في تفسير عبد الرزاق أنه اسم أمه، ورده الحافظ بقوله في بقية هذا الحديث، ونسبه إلى أبيه، ففيه رد على من زعم أنه اسم أمه، وهو محكي عن وهب بن منبه، وذكره الطبري، وتبعه ابن الأثير في الكامل، والذي في الصحيح أصح، وقيل: سبب قوله ونسبه إلى أبيه؛ أنه كان في الأصل يونس ابن فلان، فنسبه الراوي، وكنى عنه بفلان، وذلك سبب نسبته إلى أمه، فقال الذي نسي يونس بن متى، وهي أمه، ثم اعتذر، فقال: ونسبه، أي: شيخه إلى أبيه، أي: سماعًا، فنسيته، ولا يخفى بعد هذا التأويل، وتكلفه. انتهى، بل يرده ما في الثعلبي عن عطاء: سألت كعب الأحبار عن متى، فقال: هو أبو يونس، واسم أمه برورة، أي: صديقة بارة قانتة، وهي من ولد هارون. انتهى.
فقول السيوطي: التأويل عندي أقوى، وإن استبعده الحافظ، فيه نظر.
قال الحافظ: ولم أقف في شيء من الأخبار على اتصال نسبه، وقد قيل: إنه كان في زمن ملوك الطوائف من الفرس.
"وحديث أبي هريرة عند الشيخين: " من قال أنا خير من يونس بن متى، فقد كذب" هذا لفظ البخاري في التفسير مختصرًا بلا واو أوله، فزيادتها في نسخ خطأ، ولم يخرجه مسلم بهذا اللفظ.
وقد أحسن السيوطي: فعزاه في الزوائد للبخاري، والترمذي وابن ماجه.
نعم أخرجه مسلم والبخاري في آخر الحديث السابق، بلفظ: "ولا أقول: إن أحد أفضل من يونس بن متى"، ورواه البخاري أيضًا مختصرًا، بلفظ: "لا ينبغي للعبد أن يقول: أنا خير من يونس بن متى".
وفي رواية مسلم عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، أنه قال يعني الله: لا ينبغي لعبد لي، وقال ابن المثى: لعبدي أن يقول: أنا خير من يونس بن متى، ومسلم رواه عن شيوخه ابن أبي شيبة، وابن بشار ومحمد بن المثنى، فلذا بين اختلاف لفظهم، فالأولان بلام، والثالث بدونها، والإضافة لياء المتكلم.
"أجاب العلماء؛ بأن قوله : ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ، يعني في الإيمان، بماстр. 3803
الإيمان بما أنزل إليهم والتصديق بأنهم رسل الله وأنبياؤه، والتسوية بينهم في هذا لا تمنع أن يكون بعضهم أفضل من بعض.
وأجابوا عن الأحاديث بأجوبة.
فقال بعضهم: أن نعتقد أن الله تعالى فضل بعضهم على بعض في الجملة، ونكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا، قال ابن ظفر: فإن أراد هذا القائل: إنا نكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا فصحيح، وإن أراد أنا لا نذكر في ذلك ما فهمناه من كتاب الله وروي لنا من حديث رسول الله ﷺ فسقيم.
الحواشي
(١) أنزل إليهم، والتصديق بأنهم رسل الله وأنبياؤه" عطف عام على خاص، على أن الرسول أخص من النبي، ومرادف على تساويهما، وإن كلا منهما إنسان أوحى إليه بشرع، وأمر بتبليغه، أو المعنى التصديق بأن منهم رسلًا وأنبياء ليسوا برسل، "والتسوية بينهم في هذا" المذكور من الإيمان بما أنزل إلخ، "لا تمنع أن يكون بعضهم أفضل من بعض" كما هو نص الآيتين بسبب خواص ترجع من قامت به على غيره بالنظر، لتلك الخصوصية.
"وأجابوا عن الأحاديث بأجوبة" سبعة أو ثمانية، "فقال بعضهم: أن" مخففة من الثقيلة، "نعتقد" بالرفع، أي: إنا نعتقد "أن الله تعالى فضل بعضهم على بعض في الجملة" وجاز حذف اللام مما دخلت عليه لظهور المراد، كقوله: إن الحق لا يخفى على ذي بصيرة، ولكن عدم الفصل بينها وبين الفعل الغير الناسخ نادر، والمضارع أندر من الماضي، كما في: أن يزينك لنفسك وأن يشينك لهيه، ويحتمل قراءته بفتح الهمزة، "ونكف" نمتنع "عن الخوض في تفصيل" تبيين "التفصيل بآرائنا"؛ لأنه هجوم على عظيم.
"قال ابن ظفر: فإن أراد هذا القائل: إنا نكف عن الخوض في تفصيل التفضيل بآرائنا" المجردة عن فهم كتاب، أو سنة، "فصحيح"، وبهذا الإيراد إن هذا عين ما قاله ذلك البعض، فكيف يجعله احتمالًا فيه.
"وإن أراد أنا لا نذكر في ذلك ما فهمناه من كتاب الله، وروي لنا من حديث رسول الله ﷺ " وهو رأى أيضًا، لكن في فهم الدليل من غير أن تكون دلالته عليه قطعية، "فسقيم" أي: ضعيف؛ لأن الأخبار على غلبة الظن، وما أدى إليه الاجتهاد لا يمتنع، ومحصله أن التفضيل بالرأي: المحض مجمع على منعه، وبالدليل لا وجه لمنعه، وما أحسن اختصار الحافظ لهذا بقوله.стр. 3804
وقال آخر: نفضل من رفع الله درجته بخصائص الحظوة والزلفى، ولا نخوض في تفضيل بعضهم على بعض في سياسة المنذرين والصبر على الدين، والنهضة في أداء الرسالة، والحرص على هدى الضلال، فإن كلا منهم قد بذل في ذلك وسعه الذي لا يكلفه الله تعالى أكثر منه.
وقال الآخر -مما ذكره القاضي عياض-: إن نهيه ﵇ عن التفضيل كان قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل إذ يحتاج إلى توقيف، وإن من فضل بلا علم فقد كذب.
قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفي هذا نظر. انتهى.
الحواشي
(١) قال العلماء: إنما نهى عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل.
"وقال آخر: نفضل" أي: نعتقد فضل "من رفع الله درجته" منزلته "بخصائص الحظوة" بضم الحاء المهملة وكسرها ومعجمة، المحبة ورفع المنزلة، "والزلفى" القربى مصدر بمعنى التقريب، "ولا نخوض" لا نتكلم "في تفضيل بعضهم على بعض" عبر عن المتكلم بالخوض لما فيه من المشقة بلوم الدنيا، وعقوبة الأخرى.
وفي القاموس: خاض الماء دخله، والغمرات اقتحمها، "في سياسة" أمر ونهي "المنذرين" بفتح الذال، القوم الذين أرسلوا إليهم وبينوا لهم عواقب الفواحش، "والصبر على الدين" أي: القيام به، وهو هنا ما شرع من الأحكام التي من جملتها: وجوب تبليغ ما أمروا به، ومنع المخالفين لهم، الخارجين عن الطاعة، "والنهضة" أي: السرعة "في أداء الرسالة، والحرص على هدى الضلال" بضم الضاد وشد اللام، جمع ضال، ويجوز فتحها، والتخفيف بتقدير أهل الضلال، والأول أولى، "فإن كلًا منهم قد بذل في ذلك وسعه الذي لا يكلفه الله أكثر منه"؛ لأنه ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] .
وقال الآخر مما ذكره القاضي عياض" في الشفاء: "إن نهيه عليه الصلاة عن التفضيل كان قبل أن يعلم" بالبناء للفاعل، أو المفعول، أي: يعلمه الله، "أنه سيد ولد آدم، فنهى عن التفضيل، إذ يحتاج إلى توقيف" أي: إعلام به وأذن فيه، فلا يقدم عليه بالعقل، "وإن من فضل بلا علم" بل بالرأي: المجرد، "فقد كذب"؛ لأنه لا يطابق ما في نفس الأمر، والجملة حالية، أو استئنافية فيه، مقوية لما قبلها.
"قال الحافظ عماد الدين بن كثير: وفي هذا" الذي قاله الجماعة الآخرون "نظر.стр. 3805
ولعل وجه النظر في جهة معرفة المتقدم تاريخًا من ذلك، ثم رأيت في تاريخ ابن كثير أن وجه النظر -من جهة- أن هذا من رواية أبي سعيد وأبي هريرة، وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر، فيبعد أنه لم يعلمه بهذا إلا بعد هذا.
وقال آخر: إنما قاله ﷺ على طريق التواضع ونفي التكبر والعجب.
قال القاضي عياض: وهذا لا يسلم من الاعتراض.
وقيل: لا نفضل بعضهم تفضيلًا يؤدي إلى تنقيص بعضهم أو الغض منه.
الحواشي
(١) انتهى، ولعل وجه النظر من جهة معرفة المتقدم تاريخًا من ذلك" يعني أنه يتوقف على العلم بتقدم النهي على العلم بأنه سيد ولد آدم ولم يعلم التاريخ، أو فيه مضاف، أي: جهة جهل معرفة إلخ، "ثم رأيت في تاريخ ابن كثير: أن وجه النظر من جهة، إن هذا من رواية أبي سعيد" الخدري، "وأبي هريرة" الدوسي، "وما هاجر أبو هريرة إلا عام خيبر" بالمعجمة وراء آخره على الصواب في المحرم سنة سبع، ونسخة حنين تصحيف، "فيبعد أنه لم يعلمه" الله تعالى "بهذا إلا بعد هذا" بل أعلمه فضله قبل ذلك.
قال السبكي: وفي حديث الإسراء ما يدل عليه. انتهى، ومن جملته قول إبراهيم: بهذا فضلكم محمد، "وقال آخر: إنما قاله ﷺ على طريق التواضع" لين الجانب، وخفض الجناح، "ونفي التكبر" إظهارًا لعظمة، "والعجب" بضم فسكون، استحسان النفس والمدح لها.
"قال القاضي عياض: وهذا لا يسلم من الاعتراض"؛ لأنه عد الإخبار بخلاف الواقع الذي هو كذب مذموم تواضعًا، قيل: ولأن نفي التكبر والعجب يقتضي ثبوتهما له، وأنه مع من علم من حاله كيف يتوهم فيه ما لا يتوهم في صالحي أمته، ولا يخفى أنه اعتراض ساقط، فإن التواضع صفة محمودة، وهو من شأنه ﷺ ، كذا في شرح الشفاء.
وقال شيخنا: لأنه ﷺ كثيرًا ما يفتخر من باب التحدث بالنعمة، بل المطلوب منه أن يظهر فضله لأمته، ليقوي إيمانهم به، ولئلا يجهلوا مقام فيضلوا.
"وقيل": مما ذكر عياض أيضًا: "لا نفضل بعضهم تفضيلًا يؤدي" بضم التحتية وفتح الهمزة وشد الدال، يجر ويوصل "إلى تنقيص بعضهم" تفعيل من النقص، أي: يقتضي وصفهم بما فيه نقص، "أو الغض منه" بفتح الغين والضاد المعجمتين، أي: انتقاصه، كما في القاموس وغيره، فهو مساو لما قبله، ولا يصلح أنه عطف تفسير؛ لأنه إنما يكون بالواو إلا أن تكون، أو استعملت بمعنى الواو مجازًا، فعوملت معاملتها.
وقد ورد هذا الجواب؛ بأنه إن أريد مطلق النقص، فهذا لا يقوله مسلم، وإن أريد نقصстр. 3806
وقيل: منع التفضيل إنما هو في حق النبوة والرسالة، فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها على حد واحد، لا تتفاضل، وإنما التفاضل فيزيادة الأحوال والخصوص والكرامات والرتب، وأما النبوة نفسها فلا تتفاضل، وإنما التفاضل بأمور أخرى زائدة عليها، ولذلك كان منهم رسل وأولو عزم، انتهى، وهذا قريب من القول الثاني.
الحواشي
(١) بعضهم عن بعض في الفضل، فلا معنى لأفعل التفضيل إلا ذلك.
"وقيل" مما ذكره عياض أيضًا: "منع التفضيل" بين الأنبياء والرسل، "إنما هو في حق النبوة والرسالة" نفسها لا الأنبياء والرسل، "فإن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فيها"، أي: النبوة "على حد واحد" فرتبتها وقدرها متحد فيهم، إذ هي شيء واحد، "لا تتفاضل" أي: لا يزيد بعضها على بعض، "وإنما التفاضل في زيادة الأحوال" أي: العوارض الطارئة عليها، "والخصوص"، أي: ما خص به بعضهم دون بعض، "والكرامات" التي أكرم الله بها بعضهم، "والرتب" الدنيوية والأخروية، "وأما النبوة نفسها فلا تتفاضل".
قال السنوسي في شرح عقائده: ويدل عليه منع أن يقال لفلان النبي النصيب الأقل من النبوة، ولفلان النصيب الأوفر منها، ونحوه من العبارات التي تقتضي أن النبوة مقولة بالتشكيك، ولا شك أن امتناع ذلك معلوم من الدين بالضرورة بين السلف والخلف، فدل على أن حقيقة النبوة من المتواطئ المستوى إفراده، ولا يلتفت لمن خالف مقتضاه لوضوح فساده.
"وإنما التفاضل بأمور أخرى زائدة عليها" ليست من نفس حقيقتها، كما تبين، وفي ذكره ذلك في النبوة دون الرسالة إيماء إلى الفرق بينهما.
"ولذلك" المذكور من أن التفاضل لأمر زائد، "كان منهم رسل وأولو عزم" أي: شدة وقوة وتصميم على تنفيذ ما يراد به وبغيره. "انتهى، وهذا قريب من القول الثاني" وليس عينه لاختلاف ملحظهما.
وفي فتح الباري قال العلماء: إنما نهى ﷺ عن ذلك من يقوله برأيه، لا من يقوله بدليل، أو من يقوله بحيث يؤدي إلى تنقيص المفضول، أو يؤدي إلى الخصومة والتنازع، أو المراد لا تفضلوا بجميع أنواع الفضائل، بحيث لا يترك للمفضول فضيلة، فالإمام مثلًا إذا قلنا أنه أفضل من المؤذن لا يستلزم نقص فضيلة المؤذن بالنسبة إلى الأذان، وقيل: النهي إنما هو في حق النبوة نفسها لقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ، ولم ينه عن تفضيل الذوات لقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣] .
وقال الحليمي: الأخبار الواردة في النهي عن التخيير إنما هي في مجادلة أهل الكتاب،стр. 3807
وقال ابن أبي جمرة في حديث يونس: يريد بذلك نفي التكييف والتحديد على ما قاله ابن خطيب الري؛ لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس؛ لأن النبي صلى الله عليه سولم أسري به إلى فوق السبع الطباق، ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" وقال ﵇: "آدم ومن دونه تحت لوائي"، وقد اختص ﷺ بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله ﵊: "لا تفضلوني على يونس بن متى" إلا بالنسبة إلى القرب من الله
الحواشي
(١) وتفضيل بعض الأنبياء على بعض بالمخايرة؛ لأن المخايرة، إذا وقعت بين دينين لم يؤمن أن يخرج أحدهما إلى الأزراء بالآخر، فيفضي إلى الكفر، فأما إذا كان التخيير مستندًا إلى مقابلة الفضائل ليحصل الرجحان، فلا يدخل في النهي، ثم قال: أعني في الفتح، في قوله: "ما ينبغي لعبد أن يقول: أنا خير من يونس".
قال العلماء: إنما قاله ﷺ تواضعًا، إن كان قاله بعد أن علم أنه أفضل الخلق، وإن قاله قبل علمه، فلا إشكال.
وقيل: خص يونس بالذكر لما يخشى على من سمع قصته أن يقع في نفسه تنقيص له، فبالغ في ذكر فضله لسد هذه الذريعة. انتهى، وذكرته برمته لحسن تلخيصه، وإن تكرر بعضه مع ما ذكره المصنف.
"وقال ابن أبي جمرة" بجيم وراء، "في حديث يونس، يريد بذلك نفي التكييف والتحديد على ما قاله ابن خطي الري" الإمام فخر الدين محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التميمي، البكري، الطبرستاني، الرازي، بحر العلوم، ناصر السنة، الورع، الدين، صاحب التصانيف الكثيرة، تفقه على أبيه وغيره، ولد سنة ثلاث، وقيل: أربع وأربعين وخمسمائة، وتوفي بهراة يوم عيد الفطر يوم الاثنين سنة ست وستمائة، مر بعض ترجمته أيضًا، كان أبوه خطيبًا بالري: بفتح الراء وشد التحتية، مدينة مشهورة من أعلام البلاد، كانت أعظم من أصبهان والنسبة إليها بزيادة زاي؛ "لأنه قد وجدت الفضيلة بينهما في عالم الحس؛ لأن النبي ﷺ أسري به إلى فوق السبع الطباق" أي السماوات "ويونس نزل به إلى قعر البحر، وقد قال ﷺ : "أنا سيد ولد آدم يوم القيامة" خصه؛ لأنه يوم ظهور ذلك كل الظهور.
"وقال ﵇: آدم ومن دونه تحت لوائي" فالمراد بولد آدم جنس البشر، كما تقرر، فدخل آدم، "وقد اختص ﷺ بالشفاعة الكبرى التي لم تكن لغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهذه الفضيلة وجدت بالضرورة، فلم يبق أن يكون قوله عليه الصلاةстр. 3808
سبحانه، والبعد، فمحمد ﷺ وإن أسري به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب، ويونس ﵊ وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله على حد واحد. انتهى.
وهو مروي عن الإمام دار الهجرة مالك بن أنس وعزي نحوه لإمام الحرمين.
وقال ابن المنير: إن قلت: إن لم يفضل على يونس باعتبار استواء الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، فقد فضله باعتبار تفاوت الجهتين في تفضيل الحق فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى على الحضيض الأدنى، فكيف لا نفضله عليه
الحواشي
(١) والسلام: "لا تفضلوني على يونس بن متى"، إلا بالنسبة إلى القرب من الله سبحانه والبعد، فمحمد ﷺ وإن أسري به لفوق السبع الطباق واخترق الحجب، ويونس ﵊ وإن نزل به لقعر البحر فهما بالنسبة إلى القرب والبعد من الله على حد واحد. انتهى. وهو مروي عن إمام دار الهجرة مالك بن أنس" وهو حمل حسن لا يرد عليه شيء، "وعزي نحوه لإمام الحرمين" أبي المعالي عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني.
ذكر القرطبي في التذكرة: أن القاضي أبا بكر بن العربي، قال: أخبرني غير واحد أن إمام الحرمين سئل هل الباري في جهة؟، فقال: لا هو متعال عن ذلك، قيل: ما الدليل عليه؟، قال: قول النبي ﷺ : "لا تفضلوني على يونس بن متى"، قيل: ما وجه الدليل منه؟، قال: لا أقول حتى يأخذ ضيفي هذا ألف دينار يقضي بها دينًا، فقام رجلان، فقالا: هي علينا، فقال: لا يتبع بها اثنين؛ أنه يشق عليه، فقال واحد: هي علي، فقال: إن يونس رمى بنفسه في البحر، فالتقمه الحوت، وصار في قعر البحر في ظلمات ثلاث، ونادى: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، كما أخبر الله، ولم يكن محمد ﷺ حين جلس على الرفرف الأخضر، وارتقى به صعدًا حتى انتهى به إلى موضع يسمع فيه صريف الأقلام، وناجاه بما ناجاه، وأوحى إليه ما أوحى بأقرب إلى الله من يونس في ظلمة البحر، فالله سبحانه قريب من عباده، يسمع دعاءهم ولا يخفى عليه حالهم، كيفما تصرفت من غير مسافة بينه وبينهم. انتهى.
"وقال ابن المنير" في معراجه: "إن قلت: إن لم يفضل" نبينا صلى الله عليه سولم "على يونس باعتبار استواء الجهتين بالنسبة إلى وجود الحق تعالى، فقد فضله باعتبار تفاوت الجهتين في تفضيل الحق" سبحانه، "فإنه تعالى فضل الملأ الأعلى" أي: السماوات "على الحضيض الأنى" أي: الأرض عند الأكثرين؛ لأنه لم يعص فيها، ومعصية إبليس لم تكن فيها، أو وقعت نادرة، فلم يلتفت إليها، وقيل: الأرض أفضل؛ لأنها مستقر الأنبياء ومدفنهم، ونسب للأكثر أيضًا،стр. 3809
الصلاة والسلام على يونس، فإن لم يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة بلا إشكال.
ثم قال: قلت لم ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل مقيد بالمكان يفهم منه القرب المكاني فعلى هذا يحمل جمعًا بين القواعد، انتهى.
واختلف هل البشر أفضل من الملائكة؟
فقال جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بني آدم، وهو الأنبياء، أفضل من خواص الملائكة وهم جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل وحملة العرش، والمقربون.
الحواشي
(١) وصحح الأول، ومحل الخلاف، كما قال السراج البلقيني: فيما عدا قبور الأنبياء فهي أفضل اتفاقًا.
"فكيف لا نفضله ﵊ على يونس، فإن لم يكن التفضيل بالمكان فهو بالمكانة" الرفعة وعلو المنزلة، "بلا إشكال، ثم قال" تلو السؤال بلا فاصل "قلت: لم ينه عن مطلق التفضيل، وإنما نهى عن تفضيل مقيد بالمكان يفهم منه القرب المكاني" الذي يتعالى الله منه، "فعلى هذا يحمل جمعًا بين القواعد انتهى"، وهو في معنى ما قال إمام الحرمين ومالك وغيرهما.
"و" قد "اختلف" في جواب قول السائل: "هل البشر أفضل من الملائكة" أم الملائكة أفضل، ثالثها الوقف واختاره الكيا الهراسي، ومحل الخلاف في غير نبينا ﷺ أما هو فأفضل الخلق إجماعًا، لا يفضل عليه ملك مقرب ولا غيره، كما ذكره الرازي، وابن السبكي، والسراج البلقيني، والزركشي، وما في الكشاف من تفضيل جبريل.
قال بعض المغاربة: جهل الزمخشري مذهبه، فإن المعتزلة مجمعون على تفضيل المصطفى، نعم قيل: إن طائفة منهم خرقوا الإجماع، كالرماني، فتبعهم.
"فقال جمهور أهل السنة والجماعة: خواص بني آدم، وهم الأنبياء أفضل من خواص الملائكة" واختاره الإمام فخر الدين في الأربعين.
وفي المحصل قال ابن المنير: وفضلهم باعتبار الرسالة والنبوة لا باعتبار عموم الأوصاف البشرية بمجردها، وإلا لكان كل البشر أفضل من الملائكة، معاذ الله.
وذكر الإمام فخر الدين: أن الخلاف في التفضيل بمعنى أيهما أكثر ثوابًا على الطاعات، ورد بذلك احتجاج الفلاسفة على تفضيل الملائكة بأنها نورانية علوية، والجسمانية ظلمانية سفلية، وقال: هذا لم يلاق محل النزاع، وبهذا يزول الإشكال في المسألة، "وهم جبريلстр. 3810
والكروبيون والروحانيون، وخواص الملائكة أفضل من عوام بني آدم -قال التفتازاني: بالإجماع بل بالضرورة- وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة. فالسجود له أفضل من الساجد، فإذا ثبت تفضيل الخواص على الخواص لآدم ثبت تفضيل العوام على العوام، فعوام الملائكة خدم عمال الخير، والمخدوم له.
الحواشي
(١) وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل" ملك الموت، "وحملة العرش" وهم أربعة، أو ثمانية، تقدم تحريره في المعراج، "والمقربون والكروبيون" بفتح الكاف وخفة الراء، كما مر، "والروحانيون" بضم الراء وفتحها، أما الضم؛ فلأنهم أرواح ليس معها ماء ولا نار ولا تراب، ومن قال هذا قال: الروح جوهر، ويجوز أن يؤلف الله أرواحًا، فيجسمها ويخلق منها خلقًا ناطقًا عاقلًا، فيكون الروح مخترعًا، والتجسيم بضم النطق والعقل إليه حادثًا من بعد، ويجوز أن أجساد الملائكة على ما هي عليه اليوم مخترعة، كما اخترع عيسى وناقة صالح, وأما الفتح، فبمعنى أنهم ليسوا محصورين في الأبنية والظلل، ولكنهم في فسحة وبساط، وقيل: ملائكة الرحمة روحانيون بفتح الراء، وملائكة العذاب الكروبيون من الكرب، قاله الحليمي والبيهقي.
"وخواص الملائكة" وهم المذكورون "أفضل من عوام بني آدم" يعني أولياء البشر، وهم من عدا الأنبياء، كما في الحبائك، أي: الصلحاء، كما يأتي "قال التفتازاني: بالإجماع، بل بالضرورة" لعصمتهم جميعهم.
قال السيوطي: لكن رأيت لطائفة من الحنابلة؛ أنهم فضلوا أولياء البشر على خواص الملائكة، وخالفهم ابن عقيل من أئمتهم، وقال: إن ذلك شناعة عظيمة عليهم، "وعوام بني آدم أفضل من عوام الملائكة" وهم غير خواصهم في أحد القولين، وجزم به الصفار والنسفي كلاهما من الحنفية.
وذكر البلقيني: أنه المختار عند الحنفية، ومال إلى بعضه، وهو أنه قد يوجد ن أولياء البشر من هو أفضل من غير الخواص من الملائكة، وذهب الأكثرون إلى تفضيل جميع الملائكة على أولياء البشر، وجزم به ابن السبكي في جمع الجوامع، وفي منظومته، فذكر المصنف ثلاث صور استدل لها بقوله:
"فالمسجود له أفضل من الساجد" وهو الملائكة، أي: أن مجموع البشر أفضل من مجموع الملائكة، كما أشار له بقوله: "فإذا ثبت تفضيل الخواص" وهم الأنبياء، "على الخواص" من الملائكة بالسجود "لآدم، ثبت تفضيل العوام على العوام" وهذا صريح في تفضيل المجموع، وأورد الرازي في الأربعين: لم لا يقال: السجدة كانت لله وآدم، كالقبلة سلمنا أنها لآدم، لكن لم لا يكون من السجود التواضع والترحيب، سلمنا أنها وضع الجبهة علىстр. 3811
فضل على الخادم؛ ولأن المؤمنين ركب فيهم الهوى والعقل، مع تسليط الشيطان عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهوى ولا سبيل للشيطان عليهم.
فالإنسان -كما قاله في شرح العقائد- يحصل الفوائد والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق، والموانع من الشهوة والغضب وسنوح الحاجات الضرورية الشاغلة عن اكتساب الكمالات، ولا شك أن العبادة وكسب الكمال مع
الحواشي
(١) الأرض، لكنها قضية عرفية، يجوز أن تختلف باختلاف الأزمنة، فلعل عرف ذلك الوقت؛ أن من سلم على غيره وضع جبهته على الأرض، وتسليم الكامل على غيره أمر معتاد، قال: والجواب عن الأسئلة الثلاثة أن ذلك السجود، لو لم يدل على زيادة منصب السجود له على المساجد لما قال إبليس: أرأيتك هذا الذي كرمت علي، فإنه لم يوجند شيء آخر يصرف هذا الكلام إليه سوى هذاالسجود، فدل على اقتضائه ترجيح المسجود له على الساجد.
"فعوام الملائكة خدم عمال الخير" وهم صلحاء المؤمنين، "والمخدوم له فضل على الخادم"، وهذا استدلال للصورة الثالثة، وعطف على، فالسجود له أفضل من الساجد باعتبار المعنى، أي: فبنو آدم من حيث هم أفضل؛ لأن هذا النوع مسجود له في الجملة؛ "ولأن المؤمنين" من حيث هم "ركب فيهم الهوى" بالقصر، أي: الميل إلى الشيء، ثم استعمل في الميل المذموم نحو: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّك﴾ ، "والعقل" عبر به دون الشهوة، وإن كان أظهر في بيان المشقة الحاصلة للمؤمنين في العبادة، لبيان ما حصل به الاشتراك بين الآدمي والبشر، وقد أوضح ذلك الفخر في الأربعين، فقال: الملائكة لهم عقول بلا شهوة، والبهائم لهم شهوة بلا عقل، والآدمي له عقل وشهوة، فإن رجحت شهوته على عقله كان أخس من البهيمة، قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ، فقياسه لو رجح عقله على شهوته وجب أن يكون أفضل من الملك. انتهى.
وذكر نحوه البيهقي، وزاد: ألا ترى من ابتلى من الملائكة بالشهوة كيف وقع في المعصية، وذكر قصة هاروت وماروت، وساقها من ثلاثة طرق، فكان المصنف عبر عن الشهوة بالهوى لتسببه عنها، "مع تسليط الشيطان عليهم بوسوسته، والملائكة ركب فيهم العقل دون الهوى" لعدم الشهوة، "ولا سبيل للشيطان عليهم" لعصمتهم، فهذه الآفة غير حاصلة للملائكة، "فالإنسان، كما قاله" التفتازاني "في شرح العقائد" للنسفي، "يحصل الفوائد والكمالات العلمية والعملية مع وجود العوائق والموانع من الشهوة، والغضب، وسنوح الحاجات" أي: ظهورها وعروضها "الضرورية" التي لا بد منها، "الشاغلة عن اكتسابстр. 3812
الشواغل والصوارف أشق وأدخل في الإخلاص فيكون أفضل.
والمراد بعوام بني آدم -هنا- الصلحاء لا الفلسفة، كما نبه عليه العلامة كال الدين بن أبي شريف المقدسي، قال: ونص عليه البيهقي في الشعب وعبارته: قد تكلم الناس قديمًا وحديثًا في المفاضلة بين الملائكة والبشر، فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر أفضل من الرسل من الملائكة، والأولياء من البشر أفضل من
الحواشي
(١) الكمالات" من علم وعمل، ومع ذلك بحصلهما، "ولا شك أن العبادة وكسب الكمال مع الشواغل والصوارف" أي: الموانع، وهي لازمة للشواغل، وكأنه جمع صارف أو صارفة، أي: أمر صارف، أو خصلة صارفة؛ لأن فواعل يجمع قياسًا على فاعل وفاعلة، والمسموع صروف كفلس وفلوس على ما في المصباح.
"أشق وأدخل في الإخلاص، فيكون" الإنسان "أفضل" وفي الأربعين: لأن طاعة البشر أشق؛ لأن الشهوة والغضب والحرص والهوى من أعظم الموانع عن الطاعات، وهذه صفات موجودة في الشر، مفقودة في الملائكة، والفعل مع المانع أشق منه مع غير المانع؛ ولأن تكاليف الملائكة مبنية على النصوص، قال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْل﴾ [الأنبياء: ٢٧] ، وتكاليف البشر بعضها مبني على النصوص، وبعضها على الاستنباط، قال تعالى: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَار﴾ [الحشر: ٢] وقال تعالى: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣] ، والتمسك والاجتهاد والاسنباط في معرفة الشيء أشق من التمسك بالنص، والأشق أفضل نصًا وقياسًا، أما النص، فقوله ﷺ : "أجرك على قدر نصبك"، وحديث: "أفضل العبادات أحمزها" أي: أشقها، وأما القياس، فلو اشتركت الطاعات السهلة والشاقة في الثواب لخلا تحمل الشاقة عن الفائدة، وتحمل الضرر الخالي عن الفائدة محظور قطعًا، فكان يجب حرمة الشاقة فلما لم يكن كذلك علم أن الأشق أكثر ثوابًا.
"والمراد بعوام بني آدم هنا" في هذا المبحث "الصلحاء" لا ما اشتهر أنهم مقابل العلماء، وما في الأصول؛ أنهم خلاف المجتهدين "لا الفسقة" جعلهم في مقابلة الصلحاء، يقتضي أن كل من لم يرتكب كبيرة، ولم يصر على صغيرة من صلحاء المؤمنين، وإن لم يصل درجة الأولياء، وهو قد ينافي تعريف الولي بالقائم بحق الله والعباد، لكن من هذه صفته قليل.
"كما نبه عليه العلامة كمال الدين بن أبي شريف المقدسي، قال: ونص عليه البيهقي في الشعب، وعبارته: قد تكلم الناس قديمًا وحديثًا في المفاضلة بين الملائكة والبشر" الإنسان سمي به لظهور بشرته، يطلق على الإنسان واحده وجمعه، وقد يثني ويجمع على الإبشار، كما في القاموس، "فذهب ذاهبون إلى أن الرسل من البشر" الذي يدعون الناسстр. 3813
الأولياء من الملائكة. انتهى.
وذهبت المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة إلى تفضيل الملائكة، وهو اختيار القاضي أبي بكر بن الباقلاني، وأبي عبد الله الحليمي، وتمسكوا بوجوه:
الأول: أن الملائكة أرواح مجردة كاملة بالعقل مبرأة عن مبادئ الشرور والآفات كالشهوة والغضب، وعن ظلمات الهيولي والصورة، قوية على الأفعال
الحواشي
(١) إلى الحق، ويبلغونهم ما نزل إليهم، "أفضل من الرسل من الملائكة" وهم الذين يتوسطون بين الله وبين الأنبياء، فهم رسل بالمعنى اللغوي، كقوله: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١] ، أما الاصطلاحي، وهو إنسان حر ذكر، أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه، فلا يكونون رسلًا، إذ لا شيء من الملائكة بإنسان، "والأولياء من البشر".
قال السيوطي: وهم من عدا الأنبياء.
"أفضل من الأولياء من الملائكة" وهم من عد خواصهم، كما أفاده السيوطي. "انتهى" كلام البيهقي.
وإنما يوافق دعواه بتأويل أولياء البشر بالصلحاء الذين لا كبيرة لهم ولا إصرار على صغيرة، لا بما عرفه التفتازاني؛ أنه العارف بالله، وصفاته حسبما يمكنه المواظب على الطاعات، المجتنب عن المعاصي، المعرض عن الانهماك في اللذات والشهوات، "وذهبت المعتزلة والفلاسفة وبعض الأشاعرة" أي: أهل السنة، كأبي إسحاق الإسفراييني، والحاكم أبي عبد الله، "إلى تفضيل الملائكة، وهو اختيار القاضي أبي بكر" محمد بن الطيب "بن الباقلاني" بتخفيف الللام والنون، نسبة إلى بيع الباقلاء، "وأبي عبد الله الحليمي" واختاره أيضًا الإمام فخر الدين في المعالم، وأبو شامة.
قال البيهقي: وأكثر أصحابنا ذهبوا إلى القول الأول، والأمر فيه سهل، وليس فيه من الفائدة إلا معخرفة الشيء على ما هو به. انتهى.
"وتمسكوا بوجوه" نحو عشرين، اقتصر منها على أربعة: "الأول" وهو أضعفها، "أن الملائكة أرواح مجردة".
قال الآمدي: هذا غير مسلم، بل أجسام ذات أرواح، والتفاوت في هذا المفهوم ليس بمسلم، "كاملة بالعقل" بمعنى أنها "مبرأة عن مبادئ الشرور والآفات، كالشهوة والغضب" والخيال والوهم، "وعن ظلمات الهيولي".
قال المجد: القطن، وشبه الأوائل طينه العالم به، أو هو في اصطلاحهم موصوف بما يصف به أهل التوحيد الله تعالى، أنه موجود بلا كمية وكيفية، ولم يقترن به شيء من سماتстр. 3814
العجيبة عالمة بالكوائن ماضيها وآتيها من غير غلط.
والجواب: أن مبنى ذلك على الأصول الفلسفية دون الأصول الإسلامية.
الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر يتعلمون ويستفيدون منهم بدليل قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ [الشعراء: ١٩٣] ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم.
والجواب: أن التعليم إنما هو من الله والملائكة إنما هم مبلغون.
الحواشي
(١) الحديث، ثم حلت به الصفة، واعترضت به الأعراض، فحدث منه العالم، "والصورة" قالوا: وهذه الصفات هي الحجب القوية عن تجلي نور الله، ولا كمال إلا بحصول ذلك التجلي، ولا نقص إلا بحصول ذلك الحجاب، فلما كان هذا التجلي حاصلًا لهم أبدًا، والأرواح البشرية محجوبة عن ذلك التجلي في أكثر الأوقات، علم أنه لا نسبة لكمالهم إلى كمال البشر، والقول؛ بأن الخدمة مع كثرة العوائق أعلى منها بلا عوائق، كلام خيالي؛ لأن المقصود من جميع العبادات والطاعات حصول ذلك التجلي، فأي: موضع كان فيه التجلي أكثر، وعن المعاوق أبعد كان فيه الكمال والسعادة أتم، ولذا قال تعالى في الملائكة: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠] ، "قوية على الأفعال العجيبة" لا تستثقل حمل الأثقال، ولا تستصعب نقل الجبال، والرياح تهب بتحريكها، والسحاب تعرض وتزول بتصرفاتها، والزلازل تطوى بقوتها، "عالمة بالكوائن، ماضيها وآتيها من غير غلط"؛ لأنهم ناظرون إلى اللوح المحفوظ أبدًا، فيعملون ما وجد في الماضي، وما سيوجد في المستقبل، "والجواب أن مبنى ذلك" الذي احتجوا به "على الأصول الفلسفية" إذ هم القائلون؛ بأنهم أرواح مجردة، "دون الأصول الإسلامية" القائلين بأنهم أجسام ذات أرواح، والتفاوت في هذا غير مسلم عندنا.
وأما في باقي الصفات المذكورة، فغير مسلمة على ما عرف من أصولنا، قاله الآمدي.
"الثاني: أن الأنبياء مع كونهم أفضل البشر" باتفاق الفريقين، "يتعلمون ويستفيدون منهم بدليل قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ٥] أي: جبريل، "وقوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ، عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٣١] ، ولا شك أن المعلم أفضل من المتعلم، والجواب أن التعليم إنما هو من الله، والملائكة إنما هم مبلغون" فلا يلزم تفضيلهم على الأنبياء؛ لأن مجرد كونهم وسائط في التبليغ لا يقتضي التفضيل، ألا ترى أن السلطان لو أرسل إلى الوزير مثلًا رسالة مع بعض أتباع السلطان، لا يلزم منه أن الرسول أفضل من الوزير، ولا مساو له، ولا يلزم أيضًا كون المعلم أعلم، كما ادعوه.
قال الآمدي: آدم كان أعلم منهم، لقوله: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ ، الآيات، والمراد.стр. 3815
الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على ذكر الأنبياء، وما ذاك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة.
والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوجود، أو؛ لأن وجودهم أخفى فالإيمان بهم أقوى وبالتقديم أولى.
الرابع: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] ، فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية الملائكة من عيسى، إذ القياس في مثله الترقي من الأدنى إلى الأعلى، يقال: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير ولا السلطان، ولا يقال: السلطان، ولا الوزير، ثم لا
الحواشي
(١) أصحاب الأسماء، وهي المسميات لقوله: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُم﴾ ، ولو أراد الأسماء لقال: ثم عرضها، كما قاله ثعلب، ولو سلم أنهم أعلم، فإنما يدل على اختصاصهم بالأعلمية، ولا يلزم أن يكونوا أفضل عند الله، بمعنى أكثر ثوابًا وأرفع درجة.
"الثالث: أنه اطرد في الكتاب والسنة تقديم ذكرهم على الأنبياء" كقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥] ، "وما ذاك إلا لتقدمهم في الشرف والرتبة"؛ لأن العرف شاهد بفضيلة المتقدم في الذكر، والأصل تنزيل الشرع عليه، ويدل عليه قول عمر للقائل:
كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيًا ... لو قدمت الإسلام لأعطيتك
"والجواب: أن ذلك لتقدمهم في الوجود" لا للدلالة على الفضيلة، بدليل أنه تعالى قدم ذكرهم على كتبه، والكتب على الرسل، والكتب إن كانت هي الكلام القديم النفساني، فهي أفضل من الملائكة، وإن كانت العبارات والكتابات الدالة، فالرسل أفضل منها باتفاق وقد أخر الرسل عنها في الذكر، قاله الآمدي. "أو؛ لأن وجودهم أخفى" لعدم رؤيتنا لهم، ولذا استدلوا على وجودهم بالأدلة السمعية، كذكرهم في الكتب السماوية، وأخبار الأنبياء بهم، "فالإيمان بهم أقوى، وبالتقديم أولى"؛ لأن الله أثنى على الذين يؤمنون بالغيب، أي: بما غاب عنهم.
"الرابع: قوله تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِف﴾ يتكبر ويأنف ﴿الْمَسِيحُ﴾ الذي زعمتم أنه إله عن ﴿أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ [النساء: ١٧٢] ، عنده، أن يكونوا عبيد الله، "فإن أهل اللسان يفهمون من ذلك أفضلية الملائكة من" أي: على "عيسى، إذ القياس في مثله الترقي من الأدنى إلى الأعلى، يقال: لا يستنكف من هذا الأمر الوزير، ولا السلطان، ولا يقال: السلطان ولا الوزير" إذ لا يحسن ذلك لاقتضائه زيادته على السلطان، ولا كذلك، فدلстр. 3816
قائل بالفرق بين عيسى وغيره من الأنبياء ﵈.
والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع من أن يكون عبدًا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنا له؛ لأنه مجرد لا أب له، وكان يبرئ
الحواشي
(١) على فضل الملائكة على الأنبياء، ثم أجابوا عن قصور الدليل على فضلهم على عيسى، فلا يلزم ذلك على بقية الأنبياء بقولهم، "ثم لا قائل بالفرق" وفي نسخ: بالفصل، بصاد مهملة، أي: التمييز "بين عيسى وغيره من الأنبياء ﵈" فثبت الدليل بقياس المساواة، لكن قد اعترض الفخر هذا الاستدلال بوجوه، بأن محمدًا أفضل من المسيح، ولا يلزم من فضل الملائكة عليه فضلهم على محمد ﷺ ، وبأن قوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ﴾ ، صيغة جمع تتناول الكل، فتفيد أن مجموعهم أفضل من المسيح، لا أن كل واحد أفضل منه؛ ولأن الواو حرف عطف، فتفيد الجمع المطلق لا الترتيب، فأما المثال المذكور، فليس بحجة؛ لأن الحكم الكلي لا يثبت بالمثال الجزئي، ثم هو معارض بسائر الأمثلة، كقولك: ما أعانني على هذا الأمر لا عمرو ولا زيد، فلا يفيد فضل المتأخر في الذكر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ [المائدة: ٢] ، فلما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها، ثم تحقيق المسألة، إذا قيل: هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا السلطان، فنحن نعلم بعقولنا أن السلطان أعظم درجة من الوزير، فعرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة، وإنما عرفناها بالعقل، لا بمجرد الترتيب، فلا يمكننا أن نعرف أن المراد في: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَة﴾ ، بيان المبالغة، إلا إذا عرفنا قبل ذلك أن الملائكة أفضل من المسيح، وحينئذ تتوقف صحة الدليل على صحة المطلوب وهو دور.
"والجواب" على تقدير أن الآية دالة على أن منصب الملك أعلى من المسيح، لكنها لا تدل على أن تلك الزيادة في جميع المناصب، بل في بعضها، فقولك: لا يستنكف من خدمة هذا العالم الوزير، ولا السلطان، إنما يفيد أن السلطان أكمل منه في بعض الأشياء وهي القدرة والسلطة، ولا يفيد زيادته على الوزير في العلم والزهد، فإذا ثبت هذا، فنحن نقول بموجبه، وهو أن الملك أفضل من البشر في القدرة والقوة والبطش، فإن جبريل قلع مدائن قوم لوط، والبشر لا يقدر على ذلك، فلم قلتم بفضل الملك على البشر في كثرة الثواب الذي هو محل الخلاف في المسألة، وكثرته إنما تحصل بنهاية التواضع والخضوع، ووصف العبد بذلك لا يلائم صيرورته مستنكفًا عن العبودية لله، بل يناقضها، فامتنع كون المراد من الآية هذا المعنى، أما اتصافه بالقدرة الشديدة، والقوة الكاملة، فمناسب للتمرد وترك العبودية، وذلك "أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع" وفي نسخة: يرتفع، أي: يتعالى، "من أن يكون عبدًا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنًا له" كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٠] الآية،стр. 3817
الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني آدم، فرد عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه، والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى فالترقي والعلو إنا هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة على الآية على أفضلية الملائكة البتة. انتهى.
الحواشي
(١) "لأنه مجرد لا أب له؛ و" لأنه "كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني آدم، فرد" الله "عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك"، أي: عبودية الله، "المسيح، ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى، وهم الملائكة، الذين لا أب لهم، ولا أم، ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله تعالى"، الذي شاهدتموه من المسيح، "فالترقي والعلو إنما هو في أمر التجرد" من الأب والأم، "وإظهار الآثار القوية" كالشدة والقوة والبطش، "لا في مطلق الشرف والكمال" المؤدي إلى كثرة الثواب، ومزيد الرفعة عند الله، "فلا دلالة في الآية على أفضلية الملائكة البتة. انتهى" ما أورده من هذا المبحث، وليس المراد انتهى ما في الشعب؛ لأنه ليس فيها ذلك، وقدم قوله انتهى يعني ما في الشعب قبل قوله وذهبت.
والقول الثالث الوقف، حكاه الكلاباذي عن جمهور الصوفية، قال شارحه القونوي: وهو أسلم الأقوال، والسلامة لا يعدلها شيء، كيف وأدلة الجانبين متجاذبة، وليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرف الحكيم فيها، فالصواب تفويض علمها إلى الله، واعتقاد أن الفضل لمن فضله الله ليس بشرف الجوهر، ليقال الملائكة أفضل؛ لأن جوهرهم أشرف، فإنهم خلقوا من نور، وخلق البشر من طين، وأصل إبليس وجوهره، وهو النار أشرف وأصفى من جوهر البشر، وما أفاده ذلك فضلًا، ولا بالعمل، ليقال عمل الملائكة أكثر؛ لأن إبليس أكثر عملًا أيضًا.
وقال في منع الموانع عن والده: المسألة ليست مما يجب اعتقاده ويضر الجهل به، ولو لقي الله ساذجًا منها بالكلية، لم يأثم.
قال القاضي تاج الدين: فالناس ثلاثة: رجل عرف أن الأنبياء أفضل واعتقده بالدليل، وآخر جهل المسألة ولم يشتغل بها، وهذان لا ضرر عليهما، وثالث قضى بأن الملك أفضل، وهذا على خطر، وهل من فضل الأنبياء على خطر: فالساذج أسلم منه، أو؛ لأنه لإصابة الحق إن شاء الله ناج من الخطر، هذا موضع نظر، والذي كنت أفهمه عن الوالد أن السلامة في السكوت، وأن الدخول في التفضيل بين هذين الصنفين الكريمين على الله بلا دليل قاطع دخول في خطرстр. 3818
ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم الروح الأمين جبريل، المزكى من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] فوصفه بسبع صفات، وهو أفضل الملائكة الثلاثة -الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق- وهم: ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
الحواشي
(١) عظيم، وحكم في مكان أسنا أهلًا للحكم فيه، وجاءت أحاديث مشيرة إلى عدم الدخول في ذلك، كقوله ﷺ : "لا تفضلوني على يونس بن متى"، ونحوه، ولا خلاف أنه أفضل منه، فلعله إشارة إلى أنكم لا تدخلوا في أمر لا يعنيكم، وما للسوقة والدخول بين الملوك، أعني بالسوقة أمثالنا، وبالملوك الأنبياء والملائكة انتهى.
وقد بسط في الحبائك المسألة، "ثم إن الملائكة بعضهم أفضل من بعض" فأعلاهم درجة حملة العرش، الحافون حوله، فأكابرهم كالأربعة، فملائكة الجنة والنار، فالموكلون ببني آدم، فالموكلو بأطراف هذا العالم، كذا ذكر الرازي، "وأفضلهم الروح الأمين جبريل المزكى" صفة بمنزلة التعليل، كأنه قال: لأنه المزكى "من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة" سبحانه ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن، ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ على الله، أضيف إليه القرآن بنزوله به ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أي: شديد القوة، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: الله ﴿مَكِينٍ﴾ ذي مكانة ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: تطيعه الملائكة في السماوات، وثم إما متعلقة بمطاع، أو بقوله: ﴿أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ، على الوحي، "فوصفه بسبع صفات" على ما قاله الزمخشري، وهو ظاهر بجعل عند ذي العرش صفة مستقلة لا متعلقة بما قبلها ولا بما بعدها، وعدها الرازي سنة، فجعلها متعلقة بقوله: ﴿ذِي قُوَّة﴾ ، "وهو أفضل الملائكة الثلاثة الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق، وهم ميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل" كما قال كعب الأحبار: جبريل أفضل الملائكة، نقله النعماني، وكأن هذا لم يصح عند السيوطي، فقد قال في الحبائك: سئلت هل الأفضل جبريل، أو إسرافيل؟، والجواب: لم أقف على نقل في ذلك لأحد من العلماء والآثار متعارضة، فحديث الطبراني عن ابن عباس، مرفوعًا: ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل، وأثر وهب أن أدنى الملائكة من الله جبريل، ثم ميكائيل، يدل على تفضيل جبريل، وحديث ابن مسعود، مرفوعًا: "أن أقرب الخلق من الله إسرافيل، صاحب الصور، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره".
وحديث عائشة، مرفوعًا: "إسرافيل ملك الله، ليس دونه شيء"، وأثر كعب: أن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل، وأثر الهذلي ليس شيء من الخلق أقرب إلى الله من إسرافيل.
وحديث ابن أبي جبلة: "أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل"، وأثر ابن سابط: "يدبر أمر الدنياстр. 3819
وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض، ومحمد صلى الله علي وسلم أفضل الأنبياء والرسل، كما تقدم.
وأول الأنبياء آدم وآخرهم نبينا محمد ﷺ .
فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهي، مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرًا.
الحواشي
(١) أربعة: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، إلى أن قال: وأما إسرافيل، فأمين الله بينه وبينهم، أي: وبين الثلاثة، وأثر خالد بن أبي عمران وإسرافيل بمنزلة الحاجب، كل ذلك يدل على تفضيل إسرافيل انتهى.
"وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء" الذين ليسوا برسل لزيادتهم بالرسالة، والأنبياء بعضهم أفضل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] .
قال الإمام الرازي: أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وأن محمدًا أفضل الكل، "وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض" بنص الآية، "ومحمد ﷺ أفضل الأنبياء والرسل" نصًا وإجماعًا، "كما تقدم" قريبًا، ويليه إبراهيم، كما نقل بعضهم عليه الإجماع، وفي الصحيح: خير البرية إبراهيم، خص منه المصطفى، فبقي على عمومه، كذا في النقاية.
وقال التفتازاني في شرح المقاصد: اختلف في الأفضل بعد المصطفى، فقيل: آدم لكونه أبا البشر، وقيل: نوح لطول عبادته ومجاهدته، وقيل: إبراهيم لزيادة توكله واطمئنانه، وقيل: موسى لكونه كليم الله ونجيه، وقيل: عيسى لكونه روح الله وصفيه. انتهى.
وجزم ابن كثير في تاريخه؛ بأن إبراهيم أفضل بعد محمد ﷺ وعليهم.
"وأول الأنبياء آدم" أي: والرسل أيضًا، فالصحيح أنه مرسل إلى بنيه، كما دل عليه حديث أبي ذر، "وآخرهم نبينا ﷺ ، فأما نبوة آدم فالبكتاب الدال على أنه قد أمر" بنحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، "ونهى" بنحو: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة﴾ ، "مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة" دلت على نبوته، كحديث أبي ذر الآتي، "والإجماع" من الأمة عليها، "فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرًا" لمخالفة الإجماع والنص.стр. 3820
وقد اختلف في عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره، قال: قلت يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قال قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: "آدم"، قال ﷺ : "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيت ونوح وخنوخ -وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم-، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"،
الحواشي
(١) "وقد اختلف في عدد الأنبياء، والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره" وعبد بن حميد، والحاكم في المستدرك، وابن عساكر، والحكيم الترمذي في النوادر.
"قال" أبو ذر: "قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟، قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر" هم "جم" أي: جمع "غفير" أي: كثير، "قال: قل: يا رسول الله من كان أولهم"؟ أي: الرسل، "قال: "آدم"، قال ﷺ : "يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث" ابنه "ونوح وخنوخ" بفتح المعجمة، وضم النون، وسكون الواو، ثم معجمة، بوزن ثمود عند الأكثر، وقيل: بزيادة ألف في أوله، وسكون المعجمة الأولى، وقيل: كذلك، لكن بحذف الواو، وقيل: كذلك، لكن بدل الخاء الأولى هاء، وقيل: كالثاني، لكن يدل المعجمة مهملة، "وهو إدريس" سرياني، وقيل: عربي مشتق من الدراسة، لكثرة درسه الصحف، ولا يمنع الحديث كون لفظ إدريس عربيًا، إذا ثبت أن له اسمين، "وهو أول من خط بالقلم" وذكر ابن إسحاق؛ أن له أوليات كثيرة، منها أنه أول من خاط الثياب، ذكره كله الحافظ، "وأربعة من العرب: هود" بن عبد الله بن رباح بن حرث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وسماه في التنزيل أخا عاد، لكونه من قبيلتهم، لا من جهة أخوة الدين، هذا هو الراجح في نسبه، وأما ابن هشام، فقال اسمه عابر بن أرفخشد بن سام، "وصالح" بن عبيد بن أسف بن ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام، "وشعيب" بن سليل بن يشجن بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، وقيل: شعيب بن صفور بن عنقاء بن ثابت بن مدين، وقول ابن إسحاق: يشجن بن لاوى بن يعقوب لا يثبت، "ونبيك" محمد ﷺ "يا أبا ذر"، ففي هذا الحديث؛ أن شعيبًا من العرب العارية، وقيل: إنه من بني عنزة بن أسد، ففي حديث سلمة بن سعيد العنزي؛ أنه قدم على النبي ﷺ ، فانتسب إلى عنزة، فقال: نعم الحي عنزة، مبغي عليهم، منصورون، رهط شعيب، وأختان موسى، أخرجه الطبراني، وفي أسانيده مجاهيل.
"وأول نبي من بني إسرائيل موسى" قد يستشكل هذا، بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنследующие страницы →