← Сира

Сира · id 26568

شرح الزرقاني على المواهب اللدنية بالمنح المحمدية

الزرقاني، محمد بن عبد الباقي

Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.

стр. 3816

قائل بالفرق بين عيسى وغيره من الأنبياء ﵈. والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع من أن يكون عبدًا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنا له؛ لأنه مجرد لا أب له، وكان يبرئ

стр. 3817

الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني آدم، فرد عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه، والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى فالترقي والعلو إنا هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة على الآية على أفضلية الملائكة البتة. انتهى.

стр. 3818

ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم الروح الأمين جبريل، المزكى من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] فوصفه بسبع صفات، وهو أفضل الملائكة الثلاثة -الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق- وهم: ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.

стр. 3819

وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض، ومحمد صلى الله علي وسلم أفضل الأنبياء والرسل، كما تقدم. وأول الأنبياء آدم وآخرهم نبينا محمد ﷺ . فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهي، مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرًا.

стр. 3820

وقد اختلف في عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره، قال: قلت يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قال قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: "آدم"، قال ﷺ : "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيت ونوح وخنوخ -وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم-، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"،

стр. 3821

"وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك يا أبا ذر"، وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان في كتابه "الأنواع والتقاسيم" وقد وسعه بالصحيح. وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام. قال الحافظ بن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، والله أعلم. وروى أبو يعلى عن أنس مرفوعًا: "كان من خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا والذين نص الله تعالى على أسمائهم في القرآن: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم، ولوط وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب، وموسى وهارون ويونس، وداود وسليمان

стр. 3822

وإلياس واليسع، وزكريا ويحيى وعيسى. وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين والله أعلم. قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ . روى ابن جرير من حديث أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل

стр. 3823

"فقال: إن ربي وربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي". وذكره الطبراني، وصححه ابن حبان.

стр. 3824

وروينا عن الإمام الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح: معناه لا أذكر إلا ذكرت معي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال الإمام الشافعي يعني -والله أعلم- ذكره عند الإيمان بالله، والأذان، قال: ويحتمل أن يكون المراد ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية انتهى. وقيل: رفعه بالنبوة، قاله يحيى بن آدم الكوفي.

стр. 3825

وعن ابن عطاء: جعلتك ذكرًا من ذكري، فمن ذكرك ذكرني، وعنه أيضًا: جعلت تمام الإيمان بذكري معك. وعن جعفر بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية.

стр. 3826

قال البيضاوي: وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه في كلمتي الشهادة، وجعل طاعته طاعته، انتهى، يشير إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ [آل عمران: ١٣٢] . وقول قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله انتهى.

стр. 3827

فهو مذكور معه في الشهادة والتشهد، ومقرون ذكره بذكره في القرآن والخطب والآذان، ويؤذن باسمه في موقف القيامة. وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: "لما نزل آدم ﵇ بالهند استوحش فنزل له جبريل ﵇ فنادى بالأذان: الله أكبر، الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين"، الحديث.

стр. 3828

وكتب اسمه الشريف على العرش، وعلى كل سماء، وعلى الجنان، وما فيها. رواه ابن عساكر. وأخرج البزار عن ابن عمر مرفوعًا: "لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوبًا: محمد رسول الله". وفي الحلية عن ابن عباس رفعه: "ما في الجنة شجرة عليها ورقة إلا مكتوب عليها لا إله لا الله محمد رسول الله". وأخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعًا: "كان نقش خاتم سليمان بن داود ﵉ لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وعزاه الحافظ ابن رجب في كتاب

стр. 3829

أحكام الخواتيم لجزء أبي علي الخالدي، وقال: إنه باطل موضوع. وشق اسمه الكريم من اسمه تعالى، كما قال حسان: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد وسماه من أسمائه الحسنى بنحو سبعين اسمًا، كما بينت ذلك في أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وصلى عليه في ملائكته، وأمرالمؤمنين بالصلاة عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فأخبر عبادة بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر

стр. 3830

العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، فيجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا. وكتبه نبيًا وآدم بين الروح والجسد، وختم به النبوة والرسالة، وأعلن بذكره الكريم في الأولين والآخرين، ونوه بقدره الرفيع حين أخذ الميثاق على جميع النبيين، وجعل ذكره في فواتح الرسائل وخواتمها، وشرف به المصاقع على المنابر، وزين بذكره أرباب الأقلام والمحابر، ونشر ذكره في الآفاق شرقًا وغربًا، بحرًا.

стр. 3831

وبرًا، حتى في السماوات السبع وعند المستوى وصريف الأقلام، والعرش والكرسي، وسائر الملائكة المقربين من الكروبين والروحانيين والعلويين والسفليين، وجعله في قلوب المؤمنين بحيث يستطيبون ذكره فترتاح أرواحهم، وربما من طرب سماع اسمه أشباحهم. وإذا ذكرتم أميل كأنني ... من طيب ذكركم سقيت الراحا كأنه تعالى يقول: أملأ الوجود كله من أتباعك، كلهم يثنون عليك، ويصلون عليك، ويحفظون سنتك، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعها سنة، فهم يتمسكون في الفريضة بأمري، وفي السنة بأمرك، وجعلت طاعتي طاعتك، وبيعتي بيعتك، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك،

стр. 3832

والوعاظ يبلغون بليغ وعظك، والملوك والسلاطين يقفون في خدمتك ويسلمون عليك من وراء الباب، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك، فشرفك باق أبد الآبدين، والحمد لله رب العالمين. وقال تعالى: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١-٢] . اعلم أن للمفسرين في قولين، أحدهما: أنها من حروف التهجي، والثاني أنها كلمة مفيدة. وعلى القول الأول: قيل معناها، يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة، وقيل: "الطاء" في الحساب بتسعة والهاء بخمسة، فالجملة أربعة عشرة، ومعناها: يا أيها البدر، وهذه الأقوال لا يعتمد عليها إذ هي، كما قال المحققون،

стр. 3833

من بدع التفسير، ومثلها قول الواسطي، فيما حكاه القاضي عياض في "الشفاء"، أراد: يا طاهر يا هادي. وأما على قول من قال: إنها كلمة مفيدة، ففيه وجهان: أحدهما، أن معناه: يا رجل، وهو مروي عن ابن عباس الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة. قال سعيد بن جبير: بلسان النبطية، وقال قتادة: بلسان السريانية، وقال عكرمة: بلسان الحبشة. وقال البيضاوي: إن صح أن معناه: يا رجل فلعل أصله: يا هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار، انتهى. قال الكلبي: لو قلت في "عك" يا رجل، لم يجبك حتى تقول: طه.

стр. 3834

وقال السدي: معنى طه يا فلان. وقال الزمخشري: لعل "عكا" تصرفوا في "يا هذا" كأنهم في لغتهم قالبون "الياء" "طاء" فقالوا: في "يا طا" واختصروا هذا فاقتصروا على "ها" وأثر الصيغة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به: إن السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدس الله أخلاق الملاعين انتهى.

стр. 3835

قال في البحر: وكان قد قدم أن "طه" في لغة "عك" في معنى يا رجل، ثم تخوض وتجر على "عك" بما لا يقوله نحوي، وهو أنهم قلبوا "الياء" "طاء" وهذا لا يوجد في لسان العرب قلب "الياء" التي للنداء "طاء"، وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء وإقرار "ها" التي للتنبيه، انتهى. وقيل: معناه يا إنسان. وقرئ طه بإسكان الهاء، على أنه أمر له ﷺ بأن يطأ الأرض بقدميه. فقد روي أنه ﷺ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معًا، وأن الأصل "طاء" فقلبت همزته هاء، كما قالوا "هياك" في:

стр. 3836

إياك، و"هرقت" في: أرقت. ويجوز أن يكون الأصل من وطأ على ترك الهمزة، فيكون أصله "طا" يا رجل ثم أثبت الهاء فيه للوقف. وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل "طه": طاها، والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية عن الأرض. لكن برد ذلك: كتبها على صورة الحرف. وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، فذكروا في سبب نزولها أقوالًا: أحدها: أنا أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي قالوا لرسول الله ﷺ : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال ﷺ : "بل بعثت رحمة للعالمين"، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًا عليهم، وتعريفًا له ﷺ ، بأن دين الإسلام

стр. 3837

والقرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها. وثانيها: أنه ﷺ بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل: أبق على نفسك، فإن لها عليك حقًا. اي ما أنزلنا عليك القرآن لتنتهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة. ووي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام. وقال بعضهم: كان يسهر طول الليل. وتعقب: بأنه بعيد؛ لأنه ﷺ إن فعل شيئًا من ذلك فلا بد أن يكون فعله بأمر الله تعالى، فإذا فعله عن أمره فهو من باب السعادة لا من باب الشقاء. وثالثها: قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد، لا تشق نفسك، ولا تعذبها

стр. 3838

بالأسف على كفر هؤلاء، فإنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به من آمن، فمن آمن وأصلح فلنفسه، ومن كفر فلا يحزنك كفره، فما عليك إلا البلاغ وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ . ورابعها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك الوقت كان ﷺ مقهورًا مع أعدائه" الكفار" "فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة" بل يعلو أمرك ويظهر قدرك، فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي: لتبقى شقيًا، بل تصير معظمًا مكرمًا، زاده الله تعالى تعظيمًا وتكريمًا.

стр. 3839

وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: ١] السورة. قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: في هذه السورة كثير من الفوائد. منها: أنها كالمتممة لما قبلها من السور، وذلك؛ لأن الله تعالى جعل سورة والضحى في مدح نبينا ﷺ ، وتفصيل أحواله، فذكر في أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته وهي قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ

стр. 3840

...........................................

стр. 3841

فَتَرْضَى﴾ ثم ختمها كذلك بأحوال ثلاثة فيما يتعلق بالدنيا، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي عن علم الحكم والأحكام ﴿فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ . ثم ذكر في سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ أنه تعالى

стр. 3842

شرفه ﵊ بثلاثة أشياء وهي: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك﴾ أي: ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق، ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَك﴾ أي عناءك الثقيل ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وهكذا سورة سورة، حتى قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ أي أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة التي كل واحدة منها

стр. 3843

أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، وإذا أنعمنا عليك بهذه النعم فاشتغل بطاعتنا ولا تبال بقولهم. ثم إن الاشتغال بالعبادة إما أن يكون بالنفس وهو قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ، وإما بالمال وهو قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ . وتأمل قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ كيف ذكره بلفظ الماضي، ولم يقل: سنعطيك، ليدل على أن الإعضاء حصل في الزمان الماضي، قال ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد". ولا شك أن من كان في الزمان الماضي عزيزًا مرعي الجانب أشرف ممن سيصير كذلك، كأنه تعالى يقول: يا محمد قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا الوجود، فكيف أمرك بعد وجودك واشتغالك بعبوديتنا يا أيها العبد الكريم، إنا لم نعطك هذا الفضل العظيم لأجل طاعتك، وإنما اخترناك بمجرد فضلنا وإحساننا من غير موجب.

стр. 3844

واختلف المفسرون في تفسير الكوثر على وجوه. منها: أنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف، روى أنس أن رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك إذفر" رواه البخاري.

стр. 3845

وقيل: الكوثر أولاده، فإن هذه السورة إنما نزلت ردًا على من عابه ﵊ بعدم الأولاد، وعلى هذا فالمعنى: أنه يعطيه نسلًا يبقون على ممر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت. ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يتفق ذلك لنبي من الأنبياء غيره. وقيل: الكوثر خير الكثير. وقيل: النبوة، وهي من الخير الكثير.

стр. 3846

وقيل: علماء أمته، وقيل: الإسلام، ولا ريب أنهما من الخير الكثير، فالعلماء ورثة الأنبياء، كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وأما "علماء أمتي كأنبياء بني

стр. 3847

إسرائيل" فقال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الدميري والزركشي، أنه لا أصل له. نعم روى أبو نعيم في فضل العالم العفيف بسند ضعيف عن ابن عباس رفعه: أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد. وقيل: الكوثر كثرة الأتباع والأشياع. وعن بعضهم: المراد بالكوثر العلم، وحمله عليه أولى لوجوه: أحدها أن العلم هو الخير الكثير، والثاني: إما أن يحمل الكوثر على نعم الآخرة أو على نعم الدنيا، قال: والأول غير جائز؛ لأنه قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، والجنة سيعطيها لا

стр. 3848

أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة، فوجب حمل اللفظ على العلم، والثالث: أنه لما قال ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال عقبة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ والشيء الذي يتقدم على العبادة هو المعرفة؛ ولأن "الفاء" في قوله فصل للتعقيب، ومعلوم أن الموجب للعبادة ليس إلا العلم. وقيل: الكوثر الخلق الحسن، كما قال ﷺ في حديث: "ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة". رواه الطبراني. وعن ابن عباس: جميع نعم الله تعالى على نبيه ﷺ . وبالجملة: فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي، فوجب حملها على الكل، ولذا روي أن سعيد بن جبير لما روى هذا القول

стр. 3849

عن ابن عباس قال له بعضهم: إن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه. قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: قال بعض العلماء: ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه الله تعالى في الدنيا من النبوة والقرآن والذكر العظيم

стр. 3850

والنصر على الأعداء. وأما الحوض وسائر ما أعده الله له من الثواب فهو وإن جاز أن يقال: إنه داخل فيه؛ لأن ما ثبت بحكم وزعد الله فهو كالواقع، إلا أن الحقيقة ما قدمناه؛ لأن ذلك وإن أعد له فلا يصح أن يقال على الحقيقة إنه أعطاه الكوثر في حال نزول هذه السورة بمكة، ويحتمل أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير بشيء يصح أن يقال: أعطاه ذلك الشيء مع أن الصبي في ذلك الحال ليس أهلًا للتصرف. انتهى. وقد روينا في صحيح مسلم من حديث أنس بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا ما يضحكك أضحك الله

стр. 3851

سنك، يا رسول الله؟ قال: "نزلت علي سورة آنفًا فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ . ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك".

стр. 3852

وهذا تفسير صريح منه ﷺ بأن المراد بالكوثر -هنا- الحوض، فالمصير إليه أولى، وهذا هو المشهور كما تقدم. فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة وشرفه بهذه الخصال العميمة، وحباه بما أفاضه عليه من نعمه الجسيمة. وقد جرت عادة الله تعالى مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أن يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: ﴿يَا آدَمُ اسْكُن﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿يَا نُوحُ اهْبِط﴾ [هود: ٤٨] ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه﴾ [القصص: ٣٠] ، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ .

стр. 3853

[المائدة: ١١٠] ، وأما نبينا محمد ﷺ فناداه بالوصف الشريف من الإنباء والإرسال فقال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. ولله در القائل: ودعا جميع الرسل كلا باسمه ... ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا عبيده بأفضل ما أوجد لهم من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف، ولا بخلق من الأخلاق، أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه، وأقرب إليه ممن دعاه باسمه

стр. 3854

العلم، وهذا معلوم بالعرف: أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. انتهى. وانظر ما في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] من ذكر "الرب" تعالى وإضافته إليه ﷺ ، ومال في ذلك من التنبيه على شرفه واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب، له الحظ الأعظم، والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها إذا هو في الحقيقة أعظم خلفائه. ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه، وجعله أفضل أنبيائه، أم بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه وجزائه. وبالجملة، فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته، وتعظيم

стр. 3855

قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم، ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ، وتقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له، مع تأخره عنهم في الزمان في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وأخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ، وهذا بحر لا ينفد وقطر لا يعد.
следующие страницы →