Полный текст (5 943 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
قائل بالفرق بين عيسى وغيره من الأنبياء ﵈.
والجواب: أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع من أن يكون عبدًا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنا له؛ لأنه مجرد لا أب له، وكان يبرئ
الحواشي
(١) على فضل الملائكة على الأنبياء، ثم أجابوا عن قصور الدليل على فضلهم على عيسى، فلا يلزم ذلك على بقية الأنبياء بقولهم، "ثم لا قائل بالفرق" وفي نسخ: بالفصل، بصاد مهملة، أي: التمييز "بين عيسى وغيره من الأنبياء ﵈" فثبت الدليل بقياس المساواة، لكن قد اعترض الفخر هذا الاستدلال بوجوه، بأن محمدًا أفضل من المسيح، ولا يلزم من فضل الملائكة عليه فضلهم على محمد ﷺ ، وبأن قوله: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَة الْمُقَرَّبُونَ﴾ ، صيغة جمع تتناول الكل، فتفيد أن مجموعهم أفضل من المسيح، لا أن كل واحد أفضل منه؛ ولأن الواو حرف عطف، فتفيد الجمع المطلق لا الترتيب، فأما المثال المذكور، فليس بحجة؛ لأن الحكم الكلي لا يثبت بالمثال الجزئي، ثم هو معارض بسائر الأمثلة، كقولك: ما أعانني على هذا الأمر لا عمرو ولا زيد، فلا يفيد فضل المتأخر في الذكر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ﴾ [المائدة: ٢] ، فلما اختلفت الأمثلة امتنع التعويل عليها، ثم تحقيق المسألة، إذا قيل: هذا العالم لا يستنكف عن خدمته الوزير ولا السلطان، فنحن نعلم بعقولنا أن السلطان أعظم درجة من الوزير، فعرفنا أن الغرض من ذكر الثاني المبالغة، وإنما عرفناها بالعقل، لا بمجرد الترتيب، فلا يمكننا أن نعرف أن المراد في: ﴿وَلَا الْمَلَائِكَة﴾ ، بيان المبالغة، إلا إذا عرفنا قبل ذلك أن الملائكة أفضل من المسيح، وحينئذ تتوقف صحة الدليل على صحة المطلوب وهو دور.
"والجواب" على تقدير أن الآية دالة على أن منصب الملك أعلى من المسيح، لكنها لا تدل على أن تلك الزيادة في جميع المناصب، بل في بعضها، فقولك: لا يستنكف من خدمة هذا العالم الوزير، ولا السلطان، إنما يفيد أن السلطان أكمل منه في بعض الأشياء وهي القدرة والسلطة، ولا يفيد زيادته على الوزير في العلم والزهد، فإذا ثبت هذا، فنحن نقول بموجبه، وهو أن الملك أفضل من البشر في القدرة والقوة والبطش، فإن جبريل قلع مدائن قوم لوط، والبشر لا يقدر على ذلك، فلم قلتم بفضل الملك على البشر في كثرة الثواب الذي هو محل الخلاف في المسألة، وكثرته إنما تحصل بنهاية التواضع والخضوع، ووصف العبد بذلك لا يلائم صيرورته مستنكفًا عن العبودية لله، بل يناقضها، فامتنع كون المراد من الآية هذا المعنى، أما اتصافه بالقدرة الشديدة، والقوة الكاملة، فمناسب للتمرد وترك العبودية، وذلك "أن النصارى استعظموا المسيح بحيث يرتفع" وفي نسخة: يرتفع، أي: يتعالى، "من أن يكون عبدًا من عباد الله، بل ينبغي أن يكون ابنًا له" كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٠] الآية،стр. 3817
الأكمه والأبرص ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني آدم، فرد عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك المسيح ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى وهم الملائكة الذين لا أب لهم ولا أم، ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه، والأبرص وإحياء الموتى بإذن الله تعالى فالترقي والعلو إنا هو في أمر التجرد وإظهار الآثار القوية لا في مطلق الشرف والكمال، فلا دلالة على الآية على أفضلية الملائكة البتة. انتهى.
الحواشي
(١) "لأنه مجرد لا أب له؛ و" لأنه "كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى، بخلاف سائر العباد من بني آدم، فرد" الله "عليهم بأنه لا يستنكف من ذلك"، أي: عبودية الله، "المسيح، ولا من هو أعلى منه في هذا المعنى، وهم الملائكة، الذين لا أب لهم، ولا أم، ويقدرون بإذن الله تعالى على أفعال أقوى وأصعب وأعجب من إبراء الأكمه والأبرص، وإحياء الموتى بإذن الله تعالى"، الذي شاهدتموه من المسيح، "فالترقي والعلو إنما هو في أمر التجرد" من الأب والأم، "وإظهار الآثار القوية" كالشدة والقوة والبطش، "لا في مطلق الشرف والكمال" المؤدي إلى كثرة الثواب، ومزيد الرفعة عند الله، "فلا دلالة في الآية على أفضلية الملائكة البتة. انتهى" ما أورده من هذا المبحث، وليس المراد انتهى ما في الشعب؛ لأنه ليس فيها ذلك، وقدم قوله انتهى يعني ما في الشعب قبل قوله وذهبت.
والقول الثالث الوقف، حكاه الكلاباذي عن جمهور الصوفية، قال شارحه القونوي: وهو أسلم الأقوال، والسلامة لا يعدلها شيء، كيف وأدلة الجانبين متجاذبة، وليست المسألة مما كلفنا الله تعالى بمعرف الحكيم فيها، فالصواب تفويض علمها إلى الله، واعتقاد أن الفضل لمن فضله الله ليس بشرف الجوهر، ليقال الملائكة أفضل؛ لأن جوهرهم أشرف، فإنهم خلقوا من نور، وخلق البشر من طين، وأصل إبليس وجوهره، وهو النار أشرف وأصفى من جوهر البشر، وما أفاده ذلك فضلًا، ولا بالعمل، ليقال عمل الملائكة أكثر؛ لأن إبليس أكثر عملًا أيضًا.
وقال في منع الموانع عن والده: المسألة ليست مما يجب اعتقاده ويضر الجهل به، ولو لقي الله ساذجًا منها بالكلية، لم يأثم.
قال القاضي تاج الدين: فالناس ثلاثة: رجل عرف أن الأنبياء أفضل واعتقده بالدليل، وآخر جهل المسألة ولم يشتغل بها، وهذان لا ضرر عليهما، وثالث قضى بأن الملك أفضل، وهذا على خطر، وهل من فضل الأنبياء على خطر: فالساذج أسلم منه، أو؛ لأنه لإصابة الحق إن شاء الله ناج من الخطر، هذا موضع نظر، والذي كنت أفهمه عن الوالد أن السلامة في السكوت، وأن الدخول في التفضيل بين هذين الصنفين الكريمين على الله بلا دليل قاطع دخول في خطرстр. 3818
ثم الملائكة بعضهم أفضل من بعض، وأفضلهم الروح الأمين جبريل، المزكى من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ، ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ، مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] فوصفه بسبع صفات، وهو أفضل الملائكة الثلاثة -الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق- وهم: ميكائيل وإسرافيل وعزرائيل.
الحواشي
(١) عظيم، وحكم في مكان أسنا أهلًا للحكم فيه، وجاءت أحاديث مشيرة إلى عدم الدخول في ذلك، كقوله ﷺ : "لا تفضلوني على يونس بن متى"، ونحوه، ولا خلاف أنه أفضل منه، فلعله إشارة إلى أنكم لا تدخلوا في أمر لا يعنيكم، وما للسوقة والدخول بين الملوك، أعني بالسوقة أمثالنا، وبالملوك الأنبياء والملائكة انتهى.
وقد بسط في الحبائك المسألة، "ثم إن الملائكة بعضهم أفضل من بعض" فأعلاهم درجة حملة العرش، الحافون حوله، فأكابرهم كالأربعة، فملائكة الجنة والنار، فالموكلون ببني آدم، فالموكلو بأطراف هذا العالم، كذا ذكر الرازي، "وأفضلهم الروح الأمين جبريل المزكى" صفة بمنزلة التعليل، كأنه قال: لأنه المزكى "من رب العالمين، المقول فيه من ذي العزة" سبحانه ﴿إِنَّهُ﴾ أي: القرآن، ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ على الله، أضيف إليه القرآن بنزوله به ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾ أي: شديد القوة، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ﴾ أي: الله ﴿مَكِينٍ﴾ ذي مكانة ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ﴾ أي: تطيعه الملائكة في السماوات، وثم إما متعلقة بمطاع، أو بقوله: ﴿أَمِينٍ﴾ [التكوير: ٢٠] ، على الوحي، "فوصفه بسبع صفات" على ما قاله الزمخشري، وهو ظاهر بجعل عند ذي العرش صفة مستقلة لا متعلقة بما قبلها ولا بما بعدها، وعدها الرازي سنة، فجعلها متعلقة بقوله: ﴿ذِي قُوَّة﴾ ، "وهو أفضل الملائكة الثلاثة الذين هم أفضل الملائكة على الإطلاق، وهم ميكائيل، وإسرافيل، وعزرائيل" كما قال كعب الأحبار: جبريل أفضل الملائكة، نقله النعماني، وكأن هذا لم يصح عند السيوطي، فقد قال في الحبائك: سئلت هل الأفضل جبريل، أو إسرافيل؟، والجواب: لم أقف على نقل في ذلك لأحد من العلماء والآثار متعارضة، فحديث الطبراني عن ابن عباس، مرفوعًا: ألا أخبركم بأفضل الملائكة جبريل، وأثر وهب أن أدنى الملائكة من الله جبريل، ثم ميكائيل، يدل على تفضيل جبريل، وحديث ابن مسعود، مرفوعًا: "أن أقرب الخلق من الله إسرافيل، صاحب الصور، جبريل عن يمينه، وميكائيل عن يساره".
وحديث عائشة، مرفوعًا: "إسرافيل ملك الله، ليس دونه شيء"، وأثر كعب: أن أقرب الملائكة إلى الله إسرافيل، وأثر الهذلي ليس شيء من الخلق أقرب إلى الله من إسرافيل.
وحديث ابن أبي جبلة: "أول من يدعى يوم القيامة إسرافيل"، وأثر ابن سابط: "يدبر أمر الدنياстр. 3819
وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء، وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض، ومحمد صلى الله علي وسلم أفضل الأنبياء والرسل، كما تقدم.
وأول الأنبياء آدم وآخرهم نبينا محمد ﷺ .
فأما نبوة آدم فبالكتاب الدال على أنه قد أمر ونهي، مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة والإجماع، فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرًا.
الحواشي
(١) أربعة: جبريل، وميكائيل، وملك الموت، وإسرافيل، إلى أن قال: وأما إسرافيل، فأمين الله بينه وبينهم، أي: وبين الثلاثة، وأثر خالد بن أبي عمران وإسرافيل بمنزلة الحاجب، كل ذلك يدل على تفضيل إسرافيل انتهى.
"وكذلك الرسل أفضل من الأنبياء" الذين ليسوا برسل لزيادتهم بالرسالة، والأنبياء بعضهم أفضل، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥] .
قال الإمام الرازي: أجمعت الأمة على أن بعض الأنبياء أفضل من بعض، وأن محمدًا أفضل الكل، "وكذلك الرسل بعضهم أفضل من بعض" بنص الآية، "ومحمد ﷺ أفضل الأنبياء والرسل" نصًا وإجماعًا، "كما تقدم" قريبًا، ويليه إبراهيم، كما نقل بعضهم عليه الإجماع، وفي الصحيح: خير البرية إبراهيم، خص منه المصطفى، فبقي على عمومه، كذا في النقاية.
وقال التفتازاني في شرح المقاصد: اختلف في الأفضل بعد المصطفى، فقيل: آدم لكونه أبا البشر، وقيل: نوح لطول عبادته ومجاهدته، وقيل: إبراهيم لزيادة توكله واطمئنانه، وقيل: موسى لكونه كليم الله ونجيه، وقيل: عيسى لكونه روح الله وصفيه. انتهى.
وجزم ابن كثير في تاريخه؛ بأن إبراهيم أفضل بعد محمد ﷺ وعليهم.
"وأول الأنبياء آدم" أي: والرسل أيضًا، فالصحيح أنه مرسل إلى بنيه، كما دل عليه حديث أبي ذر، "وآخرهم نبينا ﷺ ، فأما نبوة آدم فالبكتاب الدال على أنه قد أمر" بنحو: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ [البقرة: ٣٥] ، "ونهى" بنحو: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَة﴾ ، "مع القطع بأنه لم يكن في زمنه نبي آخر، فهو بالوحي لا غير، وكذا السنة" دلت على نبوته، كحديث أبي ذر الآتي، "والإجماع" من الأمة عليها، "فإنكار نبوته على ما نقل عن البعض يكون كفرًا" لمخالفة الإجماع والنص.стр. 3820
وقد اختلف في عدد الأنبياء والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره، قال: قلت يا رسول الله، كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله، كم الرسل منهم؟ قال: "ثلثمائة وثلاثة عشر جم غفير"، قال قلت: يا رسول الله، من كان أولهم؟ قال: "آدم"، قال ﷺ : "يا أبا ذر، أربعة سريانيون: آدم وشيت ونوح وخنوخ -وهو إدريس وهو أول من خط بالقلم-، وأربعة من العرب: هود وصالح وشعيب ونبيك يا أبا ذر"،
الحواشي
(١) "وقد اختلف في عدد الأنبياء، والمرسلين، والمشهور في ذلك ما في حديث أبي ذر عند ابن مردويه في تفسيره" وعبد بن حميد، والحاكم في المستدرك، وابن عساكر، والحكيم الترمذي في النوادر.
"قال" أبو ذر: "قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفًا"، قال: قلت: يا رسول الله كم الرسل منهم؟، قال: "ثلاثمائة وثلاثة عشر" هم "جم" أي: جمع "غفير" أي: كثير، "قال: قل: يا رسول الله من كان أولهم"؟ أي: الرسل، "قال: "آدم"، قال ﷺ : "يا أبا ذر أربعة سريانيون آدم وشيث" ابنه "ونوح وخنوخ" بفتح المعجمة، وضم النون، وسكون الواو، ثم معجمة، بوزن ثمود عند الأكثر، وقيل: بزيادة ألف في أوله، وسكون المعجمة الأولى، وقيل: كذلك، لكن بحذف الواو، وقيل: كذلك، لكن بدل الخاء الأولى هاء، وقيل: كالثاني، لكن يدل المعجمة مهملة، "وهو إدريس" سرياني، وقيل: عربي مشتق من الدراسة، لكثرة درسه الصحف، ولا يمنع الحديث كون لفظ إدريس عربيًا، إذا ثبت أن له اسمين، "وهو أول من خط بالقلم" وذكر ابن إسحاق؛ أن له أوليات كثيرة، منها أنه أول من خاط الثياب، ذكره كله الحافظ، "وأربعة من العرب: هود" بن عبد الله بن رباح بن حرث بن عاد بن عوص بن إرم بن سام بن نوح، وسماه في التنزيل أخا عاد، لكونه من قبيلتهم، لا من جهة أخوة الدين، هذا هو الراجح في نسبه، وأما ابن هشام، فقال اسمه عابر بن أرفخشد بن سام، "وصالح" بن عبيد بن أسف بن ماشج بن عبيد بن جادر بن ثمود بن عابر بن إرم بن سام، "وشعيب" بن سليل بن يشجن بن عنقاء بن مدين بن إبراهيم، وقيل: شعيب بن صفور بن عنقاء بن ثابت بن مدين، وقول ابن إسحاق: يشجن بن لاوى بن يعقوب لا يثبت، "ونبيك" محمد ﷺ "يا أبا ذر"، ففي هذا الحديث؛ أن شعيبًا من العرب العارية، وقيل: إنه من بني عنزة بن أسد، ففي حديث سلمة بن سعيد العنزي؛ أنه قدم على النبي ﷺ ، فانتسب إلى عنزة، فقال: نعم الحي عنزة، مبغي عليهم، منصورون، رهط شعيب، وأختان موسى، أخرجه الطبراني، وفي أسانيده مجاهيل.
"وأول نبي من بني إسرائيل موسى" قد يستشكل هذا، بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنстр. 3821
"وأول نبي من بني إسرائيل موسى وآخرهم عيسى، وأول النبيين آدم وآخرهم نبيك يا أبا ذر"، وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم بن حبان في كتابه "الأنواع والتقاسيم" وقد وسعه بالصحيح.
وخالفه ابن الجوزي فذكره في الموضوعات واتهم به إبراهيم بن هشام.
قال الحافظ بن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث، والله أعلم.
وروى أبو يعلى عن أنس مرفوعًا: "كان من خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي، ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا والذين نص الله تعالى على أسمائهم في القرآن: آدم وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم، ولوط وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف وأيوب وشعيب، وموسى وهارون ويونس، وداود وسليمان
الحواشي
(١) قَبْلُ بِالْبَيِّنَات﴾ [غافر: ٣٤] ، سواء قلنا: إنه ابن يعقوب، أو ابن أفرايم بن يوسف بن يعقوب، وكلاهما قبل موسى، وهما من بني إسرائيل، الذي هو يعقوب، إلا أن يقال: المعنى أول نبي أمر جميع من يأتي من أنبيائهم بعده باتباع شرعه والدعاء إليه.
"وآخرهم عيسى، وأول النبيين" على الإطلاق "آدم، وآخرهم نبيك يا أبا ذر". "وقد روى هذا الحديث بطوله الحافظ أبو حاتم" محمد "بن حبان" بكسر المهملة وشد الموحدة، "في كتابه الأنواع والتقاسيم، وقد وسعه بالصحيح" وكذا صححه الحاكم، "وخالفه ابن الجوزي، فذكره في الموضوعات، واتهم به إبراهيم بن هشام" الغساني.
"قال الحافظ ابن كثير: ولا شك أنه قد تكلم فيه" أي: إبراهيم، "غير واحد من أئمة الجرح والتعديل من أجل هذا الحديث" فقال أبو حاتم: إنه غير ثقة، وكذبه أبو زرعة الرازي، "والله أعلم" بصحته في نفس الأمر وعدمها.
"وروى أبو يعلى" وأبو نعيم في الحلية بسند ضعيف، "عن أنس، مرفوعًا: "كان من خلا من إخواني من الأنبياء ثمانية آلاف نبي" لا يعارض ما قبله بفرض صحتهما؛ لأن الأخبار بالأقل لا ينافي الأكثر لدخوله فيه، ولعله أوحى إليه بهذا، فأخبر به، ثم بالأول، وما ينطق علن الهوى، "ثم كان عيسى ابن مريم، ثم كنت أنا والذين نص الله على أسمائهم في القرآن: وإدريس ونوح وهود وصالح وإبراهيم، ولوط وإسماعيل وإسحاق" ولذا إبراهيم،
"ويعقوب" بن إسحاق، "ويوسف" بن يعقوب، وكذا حفيده يوسف بن أفرايم بن يوسف في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّنَات﴾ ، في أحد القولين، والثاني: أنه ابن يعقوب، وحكى النقاش والماوردي؛стр. 3822
وإلياس واليسع، وزكريا ويحيى وعيسى. وكذا ذو الكفل عند كثير من المفسرين والله أعلم.
قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ .
روى ابن جرير من حديث أبي سعيد، أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل
الحواشي
(١) أنه رسول من الجن بعث إليهم، قال السيوطي: وهو غريب جدًا، "وأيوب".
قال ابن إسحاق: والصحيح أنه من بني إسرائيل، ولم يصح في نسبه شيء إلا أن اسم أبيه أبيض.
وقال ابن جرير: هو أيوب بن موص بن رازح بن عيص بن إسحاق.
وحكى ابن عساكر: أن أمه بنت لوط، وأن أباه آمن بإبراهيم، فعلى هذا كان قبل موسى، وقال ابن جرير: كان بعد شعيب.
وقال ابن أبي خيثمة: بعد سليمان ابتلى وهو ابن سبعين سنة سبع وسنين، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: ثلاث سنين.
وروى الطبراني: أن مدة عمره ثلاث وتسعون سنة.
"وشعيب، وموسى، وهارون" أخوه، شقيقه، وقيل: لأمه، وقيل: لأبيه، حكاهما الكرماني في عجائبه، "ويونس، وداود، وسليمان" ابنه، "وإلياس، واليسع، وزكريا، ويحيى" ولده، "وعيسى" ابن مريم، "وكذا ذو الكفل" نبي، "عند كثير من المفسرين" وقيل: هو ابن أيوب في المستدرك.
عن وهب: بعث الله بعد أيوب ابنه بشرًا نبيًا، وسماه ذا الكفل، وأمره بالدعاء إلى توحيده، وكان مقيمًا بالشام عمره حتى مات، وعمره خمس وستون سنة، وكفل مائة نبي، فروا إليه من القتل، وتكفل بصيام جميع النهار، وقيام جميع الليل، وأن يقضي بين الناس، ولا يغضب، فوفى بذلك، وقيل: هو إلياس، وقيل: يوشع، وقيل: زكريا، وقيل: اليسع، وإن له اسمين، وقيل: اسمه ذو الكفل، وقيل: لم يكن نبيًا، بل رجلًا صالحًا يتكفل بأمور فيوفي بها، "والله أعلم" بذلك.
ومن جملة المختلف في نبوته لقمان وذو القرنين، وكذا الخضر، لكن لم يفصح باسمه في القرآن.
"قال الله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَك﴾ [الإنشراح: ٤] ، واستأنف بيانيًا، فقال: "روى ابن جرير" محمد الطبري، الحافظ، أحد الأعلام في تفسيره، وأبو يعلى، والطبراني "من حديث أبي سعيد" الخدري "أن رسول الله ﷺ قال: "أتاني جبريل، فقال: إن ربي وربك" المحسن إليстр. 3823
"فقال: إن ربي وربك يقول: تدري كيف رفعت ذكرك؟ قلت: الله أعلم، قال: إذا ذكرت ذكرت معي". وذكره الطبراني، وصححه ابن حبان.
الحواشي
(١) وإليك، بجليل التربية، المزكي لي ولك بجميل التزكية، وإضافة رب للتشريف، فكما تفيده إضافة العبد إليه تعالى تشريفه، فكذا إضافته إليه تعالى تفيده، بل ذلك أقوى إفادة له، "يقول": زاد في رواية لك تنبيهًا على كمال العناية، ومزيدًا لوجاهة عنده والرعاية، "تدري" استفهام حذفت أداته تخفيفًا لكثرة وقوعها فيه، وفي رواية: أتدري بإثباتها، وهو غير حقيقي لاستحالته على علام الغيوب، بل تقريري ليقر بعدم علمه، فيعلمه من لدنه أي: أتدري جواب "كيف" أي: على أي: حال، ومعنى "رفعت ذكرك" وكيف في محل نصب حال من المفعول على القاعدة المشهورة، إن وقعت بعد كلام تام فحال، وإلا فخبر، وليست منصوبة بتدري؛ لأن لها الصدر، فتدري معلق عن الجملة بعده، كقوله:
وما أدري وسوف أخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء
وزعم أن كيف خرجت عن الاستفهام، أي: أتدري كيفية الرفع، وهذا من الانبساط مع المحبوب لأجل زيادة اتوجه والانتظار، نكتة أعجمية مع أن لفظ كيفية لم تسمع من العرب، كما صرح به أهل اللغة.
"قلت": وفي رواية: فقلت: "الله أعلم"، وكان هذا إخبار من جبريل عما وقع من المخاطبة بينه وبين الله قبل نزوله، والله عالم بأنه يجيب برد العلم إليه، فكأنه قال: إذا أجابك فقل، "قال: إذا ذكرت" "بضم التاء، والضمير لله" "ذكرت" "بفتحها" خطاب للمصطفى والفعل مجهول فيهما.
وفي رواية: لا أذكر إلا ذكرت "معي" بصيغة الحصر، وأي: رفع أعظم من ذلك، وأفادت هذه الرواية الثانية؛ أن الحصر هو المراد في الأولى، أي: إذا ذكرت، فاللائق أو المطلوب أن تذكر معي، فمن لم يذكرك ترك المطلوب، وفيه رد العلم إلى الله، ورد على من كرهه مطلقًا أو عقب ختم نحو الدرس، ولا إيهام فيه خلافًا لزاعمه، بل هو في غاية التفويض المطلوب، وقد قال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام: ١٢٤] ، وقال علي: ما أبردها على كبدي، إذا سئلت عما لا أعلم أن أقول الله أعلم، ولا يعارضه ما في البخاري؛ أن عمر سأل الصحب عن سورة النصر، فقالوا: الله أعلم، فغضب، وقال: قولوا: نعلم أو لا نعلم؛ لأنه فيمن جعل الجواب به ذريعة إلى عدم إخباره عما سئل عنه، وهو يعلم، وفي المعالم أنه ﷺ سأل جبريل عن الآية، فقال: قال الله، فكأنه بعد السؤال جاء وقال: ﴿إِنَّ رَبِّي﴾ إلخ، وقوله: قال الله، نقل بالمعنى، هكذا قال بعض المحققين، ثم قد وقع في بعض نسخ الشفاء: الله ورسوله أعلم،стр. 3824
وروينا عن الإمام الشافعي قال: أخبرنا ابن عيينة عن ابن أبي نجيح: معناه لا أذكر إلا ذكرت معي، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال الإمام الشافعي يعني -والله أعلم- ذكره عند الإيمان بالله، والأذان، قال: ويحتمل أن يكون المراد ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية انتهى.
وقيل: رفعه بالنبوة، قاله يحيى بن آدم الكوفي.
الحواشي
(١) فإن صحت رواية، فالمراد به جبريل؛ لأنه من رسل الملائكة، يرسل بالوحي للأنبياء والرسل، وتفضيله عليه في خصوص هذا العلم؛ لأنه علمه قبل أن يبلغه إليه.
"وذكره" أي: رواه أيضًا "الطبراني" سليمان بن أحمد، وإسناده حسن، وفي نسخة الطبري: ولا فائدة فيها، إذ هو ابن جرير الذي نسبه له أولًا، "وصححه ابن حبان" وكذا صححه الضياء المقدسي في الأحاديث المختارة.
"وروينا عن الإمام الشافعي، قال: أخبرنا ابن عيينة" سفيان، "عن" عبد الله "بن أبي نجيح" بفتح النون وكسر الجيم وحاء مهملة، يسار المكي، أبي يسار الثقفي، مولاهم، ثقة، من رجال الجميع، ورمي بالقدر، وربما دلس، مات سنة إحدى وثلاثين ومائة أو بعدها، "معناه" أي: ورفعنا لك ذكرك، "لا أذكر" مجهول المتكلم، "إلا ذكرت" مجهول المخاطب "معي" في قول "أشهد أن لا إله الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله" وفي التفسير بهذا إشارة إلى أن الحصر هو المراد بما قبله.
"قال الإمام الشافعي، يعني والله أعلم، ذكره عند الإيمان" بالله تعالى، "وفي الأذان" كما أشار له ابن أبي نجيح، فلا يرد على الحصر، أن الكافر كثيرًا ما يذكر الله وحده، بل والمؤمن كثيرًا ما يقول: لا إله إلا الله مقتصرًا عليها، وكثيرًا ما يذكر الله، ولا يطلب ذكره ﷺ كسمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، والتسمية في الوضوء والأكل والشرب.
"قال" الشافعي: "ويحتمل أن يكون المراد ذكره عند تلاوة القرآن، وعند العمل بالطاعة والوقوف عن المعصية" بأن يتذكر في نفسه؛ أن فعلها والكف عن ضده سببه تبليغ النبي ﷺ الثواب الحاصل للمطيع، والعقاب الحاصل للعاصي، فيصلي عليه جزاء لتبليغه، وتحمل أعباء الرسالة. "انتهى" قول الشافعي.
"وقيل" معناه: "رفعه بالنبوة" الخاصة، وهي رسالته إلى جميع الخلائق، وبقاء شرعه إلى يوم الدين، وكونها رحمة للعالمين، فلا يرد أن وصف النبوة شاركه فيه الأنبياء، فلا يكون مرفوعًا بها عليهم، أو المراد بها سبقه بالنبوة جميع الأنبياء، وكونه أول الأنبياء في الخلق، أو على منстр. 3825
وعن ابن عطاء: جعلتك ذكرًا من ذكري، فمن ذكرك ذكرني، وعنه أيضًا: جعلت تمام الإيمان بذكري معك.
وعن جعفر بن محمد الصادق: لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية.
الحواشي
(١) في عصره، والفضل للمتقدم، "قاله يحيى بن آدم" بن سليمان، "الكوفي" أبو زكريا، مولى بني أمية، ثقة، حافظ، فاضل، روى عنه أحمد وغيره، وروى له الستة، ومات سنة ثلاث ومائتين.
"وعن ابن عطاء" بلا إضافة، هو أبو العباس أحمد بن محمد بن سهل بن عطاء البغدادي، الزاهد، الآدمي: "بفتحتين" نسبة إلى بيع الأدم، له لسان في فهم القرآن، يختص به صحب الجنيذ وغيره، ومات سنة تسع أو إحدى عشرة وثلاثمائة.
"جعلتك" أي: ذكرك "ذكرًا من ذكري" أو جعلت ذاتك مبالغة حتى كان من رأى ذاته ذكر الله، أو المعنى كان ذكرك عين ذكري، لعدم انفكاكه عنه غالبًا، أو هو مثله في التقرب به والأجر، أو هو معدود من أفراده؛ لأن كل مطيع لله ذاكره، "فمن ذكرك ذكرني" الفاء تفسيرية، أو تفريعية، "وعنه أيضًا: جعلت تمام الإيمان بذكري معك" وفي نسخة من الشفاء: بذكرك معين وهذه واضحة، والأولى مخالفة لقاعدة أن مع تدخل على المتبوع غالبًا، وقد تجيء لمطلق المصحابة، كما هنا، أي: جعلته يحصل بذكر الله مصحوبًا بذكره ﵇، بأن يأتي بالشهادتين على الوجه المعروف، وجعله تمام الإيمانن إما؛ لأن الإيمان عنده تصديق القلب واللسان، كما هو قول لأهل السنة، وأما من يقول مجرد التصديق، فباعتبار أنه لا يعتد به بدونه، ولا تترتب عليه الأحكام، ما لم يأت به لسانًا.
"وعن جعفر بن محمد" الباقر بن علي زين لعابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب، "الصادق" صفة لجعفر لصدقه في مقاله أبي عبد الله الهاشمي، ففي، إمام، صدوق، روى له مسلم، وأصحاب السنن، ومات سنة ثمان وأربعين ومائة، "لا يذكرك أحد بالرسالة إلا ذكرني بالربوبية" صيغة مصدر من الرب، والياء للمصدرية، فلا بد معها من تاء التأنيث، يعني لا يعترف أحد برسالتك إلا بعد أن يعترف بربوبية الله ووحدانيته، لوجوب معرفة الله عقلًا قبل ذلك، لئلا يلزم الدور، كما ذهب إليه الماتريدية، أو سمعًا، كما ذهب إليه غيرهم، وقيل: المراد أو أراد ذلك، أو عبر بالماضي عن المضارع مبالغة في تحقق وقوعه، ولا يشكل الأول بعدم مقارنة الحال للعامل، لتقدم الإيمان بالله، أو إرادته على الإيمان بالرسول، وأما التلفظ بما يدل على ذلك، فذكره عقبه بلا فاصل بعده، مقارنًا عرفًا، ومثله يكفي عند النحاة، فلا حاجة لجعل الحال مقدرة، ودعوى عدم اختصاصه ﷺ بذلك مدفوعة، بأن هذه المقارنة في الأذان، والإقامة والخطب، والصلاة والإيمان، وهذا كله مختص بهذه الأمة، فتختص المقارنة على هذه الصفةстр. 3826
قال البيضاوي: وأي رفع مثل أن قرن اسمه باسمه في كلمتي الشهادة، وجعل طاعته طاعته، انتهى، يشير إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] ، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] ، ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ [آل عمران: ١٣٢] .
وقول قتادة: رفع الله ذكره في الدنيا والآخرة، فليس خطيب ولا متشهد ولا صاحب صلاة إلا يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله انتهى.
الحواشي
(١) بنبيها لاختصاصها به، دون من عداه من الأمم والرسل، وهذا في غاية الظهور.
"قال البيضاوي: وأي: رع مثل أن قرن اسمه باسمه في كلمتي الشهادة، وجعل طاعته طاعته"، وصلى عليه في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة، وخاطبه بالألقاب، وإنما زاد ذلك ليكون أيها ما قبل إيضاح، فيفيد المبالغة. "انتهى" كلام البيضاوي بما زدته، فاقتصر المصنف على حاجته منه هنا لأجل شرحه بقوله.
"يشير" البيضاوي "إلى قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] فجعل طاعته طاعته، ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ أحق بالإرضاء بالطاعة والوفاق وتوحيد الضمير لتلازم الرضاءين؛ ولأن الكلام في إيذاء الرسول وإرضائه، أو؛ لأن التقدير، والله أحق أن يرضوه والرسول، كذلك قاله في الأنوار.
﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧١] ، ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُول﴾ [آل عمران: ١٣٢] ؛ لأنه بمعنى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُول﴾ ، فجمع بينهما بواو العطف المشتركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه ﵊، قاله عياض، واعترض المشركة، ولا يجوز جمع هذا الكلام في غير حقه ﵊، قاله عياض، واعترض بأنه لا مانع أن يقال: أطع الله، والقاضي كقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: ٥٩] الآية، حتى قال بعض: إنه وهم، وما أظن أحدًا منعه، وأجيب بأنه أراد أنه منهي عنه تنزيهًا وأد بالورود الحديث، بما يدل على رعاية الأدب في اللفظ، وترك ما يوهم خلافه، وأطلق نفي الجواز اعتمادًا على تصريح الخطابي وغيره بالكراهة، ولا دلالة في آية: ﴿وَأُولِي الْأَمْر﴾ ، لاحتمال الجواز بالتبعية، ولذا لم يكرر أطيعوا مرة أخرى، كما لم تكرر اللام في عامتهم في حديث: "الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم".
"و" يشير إلى "قول قتادة" بن دعامة، عند ابن أبي حاتم، والبيهقي، "رفع الله ذكره" ﷺ "في الدنيا والآخرة، فليس خطيب" يخطب على جهة الكمال، وفي الحديث: "كل خطبة ليس فيها شهادة، فهي كاليد الجذماء"، "ولا متشهد" أي: آت بكلمة الشهادة في غير الخطبة والصلاة، "ولا صاحب صلاة" المراد بها الفرد الكامل المتبادر، فلا ترد صلاة الجنازة، "إلاстр. 3827
فهو مذكور معه في الشهادة والتشهد، ومقرون ذكره بذكره في القرآن والخطب والآذان، ويؤذن باسمه في موقف القيامة.
وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: "لما نزل آدم ﵇ بالهند استوحش فنزل له جبريل ﵇ فنادى بالأذان: الله أكبر، الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين"، الحديث.
الحواشي
(١) يقول" مستثنى من أعم الأحوال، أي: ليس في حال من الأحوال إلا قائلًا: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله. انتهى" قول قتادة.
وأورد أن أمر الآخرة لا يعلم بالمقايسة، فرفع ذكره في الدنيا لا يستلزم رفعه في الآخرة، وأجيب؛ بأهنه أخذه من إطلاق الآية، والحديث: "ورفع ذكره في الدنيا عنوان رفعه في الأخرى"، ووجه التفريع، أن من رفع ذكره في الدارين حقيق بأن يشهد له بذلك، فهو بيان لبعض الأحوال التي تفعل في الدنيا، وليس فيها شيء من أحوال الآخرة، وإن شمله قوله في الدنيا والآخرة لما ذكره ولغيره، فيندرج فيه ما يفعل في الآخرة، "فهو مذكور معه" تفريع على قول قتادة، "في الشهادة" دخولًا في الإيمان، وثناء عليه بعده، "والتشهد"؛ لأن الشهادة من جملة ألفاظه الواردة فيه، سواء كان بلفظ حديث ابن مسعود: "أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله"، أو بلفظ حديث غيره: "وأن محمدًا رسول الله"، "ومقرون ذكره بذكره في القرآن" أي: مصاحب له، فالمقارنة المصاحبة، كما قيل:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه ... فكل قرين بالمقارن يقتدي
"والخطب" الشرعية الكاملة، "والأذان، ويؤذن باسمه في موقف القيامة" إظهار الرفعة قدرة في ذلك الموطن.
روى ابن زنجويه عن كثير بن مرة الخضرمي، مرفوعًا: "يبعث بلال على ناقة من نوق الجنة، ينادي على ظهرها بالأذان، فإذا سمعت الأنبياء وأممها، أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، قالوا: ونحن نشهد على ذلك".
"وأخرج أبو نعيم في الحلية عن أبي هريرة رفعه: "لما نزل آدم ﵇ بالهند استوحش": حصل له وحشة لانفراده، "فنزل له جبريل ﵇ فنادى بالأذان: الله أكبر، الله أكبر مرتين، أشهد أن لا إله إلا الله مرتين، أشهد أن محمدًا رسول الله مرتين"، الحديث ورواه أيضًا الحاكم وابن عساكر، وحكمة ذلك التنويه باسمه في عهد آدم، ومصاحبته لاسم الله، وأن الأذان ينفع المستوحش الحزين.стр. 3828
وكتب اسمه الشريف على العرش، وعلى كل سماء، وعلى الجنان، وما فيها.
رواه ابن عساكر.
وأخرج البزار عن ابن عمر مرفوعًا: "لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوبًا: محمد رسول الله".
وفي الحلية عن ابن عباس رفعه: "ما في الجنة شجرة عليها ورقة إلا مكتوب عليها لا إله لا الله محمد رسول الله".
وأخرج الطبراني من حديث جابر مرفوعًا: "كان نقش خاتم سليمان بن داود ﵉ لا إله إلا الله محمد رسول الله"، وعزاه الحافظ ابن رجب في كتاب
الحواشي
(١) وقد روى الديلمي عن علي: رآني رسول الله ﷺ حزينًا، فقال: "يا ابن أبي طالب ما لي أراك حزينًا، فمر بعض أهلك يؤذن في أذنك، فإنه دواء للهم، فجربته فوجدته كذلك"، وقال كل من رواته: جربته، فوجدته كذلك.
"وكتب اسمه الشريف على العرش"، أي: على ساقه، كما قدمه في الأسماء، أي: قوائمه.
ولابن عدي: لما عرج بي، رأيت مكتوبًا على ساق العرش: لا إله إلا الله، محمد رسول الله أيدته بعلي.
"وعلى كل سماء" أي: السماوات السبع، "وعلى الجنان وما فيها" من قصور وغرف، وعلى نحور الحور العين، ورق شجرة طوبى، وسدرة المنتهى، وأطراف الحجب، وبين أعين الملائكة، "رواه ابن عساكر" عن كعب الأحبار، وهو من الإسرائيليات، وقيل: إنه موضوع، وقدمه في الأسماء والمعجزات، وأعاده هنا لبيان رفع الذكر.
"وأخرج البزار عن ابن عمر، مرفوعًا: "لما عرج بي إلى السماء، ما مررت بسماء إلا وجدت اسمي فيها مكتوبًا محمد رسول الله"، وكتب مع أنه مشهور في السماوات بأحمد أكثر ليحصل به الرد ممن علم ذلك على منكري رسالته، وإنما يعرف بينهم بمحمد دون أسمائه.
"وفي الحلية عن ابن عباس، رفعه: "ما في الجنة شجرة عليها ورقة إلا مكتوب عليها" أي: الورقة، "لا إله إلا الله، محمد رسول الله" وكل من هذين شاهد وبيان لقوله في حديث كعب: "على كل سماء وعلى الجنان".
"وأخرج الطبراني من حديث جابر، مرفوعًا: "كان نقش خاتم سليمان بن داود ﵉: لا إله إلا الله، محمد رسول الله".
ويروى عن عبادة بن الصامت، مرفوعًا عند الطبراني أيضًا: أن فص خاتم سليمان بن داودстр. 3829
أحكام الخواتيم لجزء أبي علي الخالدي، وقال: إنه باطل موضوع.
وشق اسمه الكريم من اسمه تعالى، كما قال حسان:
وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد
وسماه من أسمائه الحسنى بنحو سبعين اسمًا، كما بينت ذلك في أسمائه صلوات الله وسلامه عليه، وصلى عليه في ملائكته، وأمرالمؤمنين بالصلاة عليه، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] فأخبر عبادة بمنزلة نبيه عنده في الملأ الأعلى بأنه يثني عليه عند ملائكته المقربين، وأن الملائكة تصلي عليه، ثم أمر
الحواشي
(١) كان سماويًا، ألقى إليه، فوضعه في أصبعه، وكان نقشه: أنا الله لا إله إلا أنا، محمد عبدي ورسولي، "وعزاه" أي: نسبه "الحافظ ابن رجب" عبد الرحمن "في كتاب أحكام الخواتيم لجزء أبي علي الخالدي، وقال: إنه باطل موضوع" وتعقب بأنه شديد الضعف لا موضوع، "وشق اسمه الكريم من اسمه تعالى، كما قال حسان" بن ثابت، "وشق" بالبناء للفاعل، عطفًا على قوله قبل:
وضم الإله اسم النبي إلى اسمه
أي: أخذ "له" اسمًا، حروفه "من اسمه ليجله"، ليعظمه
"فذو العرش محمود، وهذا محمد، وسماه من أسمائه الحسنى بنحو سبعين اسمًا كما بينت ذلك في أسمائه صلوات الله وسلامه عليه" من المقصد الثاني، "وصلى عليه في ملائكته، وأمر المؤمنين بالصلاة" والتسليم "عليه" من جملة ما رفع به ذكره، "فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ ، اختلف المفسرون وغيرهم في أن الواو عائدة على الله تعالى وملائكته، أو على ملائكته فقط، وخبر الجلالة محذوف، أي: أن الله يصلي وملائكته يصلون، فأجازه بعضهم، ومنعه آخرون لعلة التشريك، حكاه عياض، أي: التسوية بين الله وملائكته في لفظ واحد، وهو ضمير الواو لما فيه من عدم رعاية التعظيم ﴿عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] خصه بالتأكيد وتنوين التعظيم، أي: تسليما، عظيما، تعريضا لمن لم يسلم، أو؛ لأن المراد تسليما لا كتسليم غيره من الأمة، والصلاة لا يشاركه فيها الأمة، فيفهم منها في نفسها التعظيم بلا تأكيد، أو؛ لأن التسليم لم يثبت لله والملائكة، فهو في معرض المساهلة في الجملة، "فأخبر عباده بمنزلة نبيه عنده في الملأ العلى؛ بأنه يثني عليه عند ملائكته المقربين، وأن الملائكة تصليстр. 3830
العالم السفلي بالصلاة والتسليم عليه، فيجتمع الثناء عليه من أهل العالمين العلوي والسفلي جميعًا.
وكتبه نبيًا وآدم بين الروح والجسد، وختم به النبوة والرسالة، وأعلن بذكره الكريم في الأولين والآخرين، ونوه بقدره الرفيع حين أخذ الميثاق على جميع النبيين، وجعل ذكره في فواتح الرسائل وخواتمها، وشرف به المصاقع على المنابر، وزين بذكره أرباب الأقلام والمحابر، ونشر ذكره في الآفاق شرقًا وغربًا، بحرًا.
الحواشي
(١) عليه، ثم أمر العالم السفلي" أي: المؤمنين، "بالصلاة والتسليم عليه" وكل ذلك إبانة لفضله، ورفعًا لذكره، "فيجتمع الثناء عليه من أهل العالمين": بفتح اللام والميم، تثنية العالم "العلوي، و" والعالم "السفلي جميعًا"، وقد أورد على هذا؛ أن المؤمنين شاركوه في ذلك، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ [الأحزاب: ٤٣] الآية، ومثله كثير في الأحاديث، كحديث: "إن الله وملائكته يصلون على ميامن الصفوف"، وأجيب؛ بأن الآية الأولى نزلت أولًا من غير مزاحم فيها، مع التأكيد بأن والاسمية، وتمييزه بمجموع ما ذكر، فبان بها فضله، ورفعه على غيره.
وقد أخرج عبد بن حميد عن مجاهد، قال: لما نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِي﴾ ، قال أبو بكر: يا رسول الله ما أنزل الله عليك خيرًا إلا أشركنا فيه، فنزلت: ﴿هوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ﴾ .
وقال الإمام الرازي: صلاة الملائكة على المؤمنين بطريق التبعية لصلاته تعالى عليهم، فتأخر ذكرها، وصلاتهم على النبي ﷺ بطريق الأصالة، ففيها تفضيله على غيره، كما إذ قيل يدخل فلان وفلان، فإنه يدل على تقديم الأول، بخلاف فلان وفلان يدخلان. انتهى، ولا يرد بأن الواو لمطلق الجمع بلا ترتيب؛ لأن ملحظه؛ أن التقديم الذكري يشعر بالاهتمام، والتقديم لا من حيث الواو.
"وكتبه نبيًا وآدم بين الروح والجسد" كما مر مبسوطًا في المقصد الأول، "وختم به النبوة والرسالة" فلا نبي بعده، ولا رسول، "وأعلن بذكره الكريم" أي: أظهره "في الأولين والآخرين، ونوه" رفع "بقدره الرفيع" العالي، "حين أخذ الميثاق على جميع النبيين" كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ﴾ [آل عمران: ٨١] ، "وجعل ذكره في فواتح الرسائل وخواتمها، وشرف به المصاقع" بالصاد المهملة والقاف، الخطباء الفصحاء البلغاء، جمع مصقع بكسر الميم، "على المنابر" جمع منبر من النبر، وهو الارتفاع، "وزين بذكره أرباب الأقلام والمحابر" جمع محبرة بفتح الميم والباء، أو فتحها وضم الباء، أو كسرها وفتح الباء؛ لأنه آلة،стр. 3831
وبرًا، حتى في السماوات السبع وعند المستوى وصريف الأقلام، والعرش والكرسي، وسائر الملائكة المقربين من الكروبين والروحانيين والعلويين والسفليين، وجعله في قلوب المؤمنين بحيث يستطيبون ذكره فترتاح أرواحهم، وربما من طرب سماع اسمه أشباحهم.
وإذا ذكرتم أميل كأنني ... من طيب ذكركم سقيت الراحا
كأنه تعالى يقول: أملأ الوجود كله من أتباعك، كلهم يثنون عليك، ويصلون عليك، ويحفظون سنتك، بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعها سنة، فهم يتمسكون في الفريضة بأمري، وفي السنة بأمرك، وجعلت طاعتي طاعتك، وبيعتي بيعتك، فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك، والمفسرون يفسرون معاني فرقانك،
الحواشي
(١) أجودها الأولى، "ونشر ذكره في الآفاق" النواحي "شرقًا وغربًا، بحرًا وبرًا، حتى في السموات السبع، وعند المستوى، وصريف الأقلام" تصويتها، "والعرش، والكرسي، وسائر": بمعنى جميع "الملائكة المقربين من الكروبين"، بالتخفيف، سادة الملائكة، "والروحانيين" "بفتح الراء وضمها"، "والعلويين"، أي: الملازمين للسماوات، "والسفليين" من عداهم كالموكلين بحفظ بني آدم ومصالحهم، "وجعله في قلوب المؤمنين بحيث يستطيبون ذكره" ويتلذذون به، "فترتاح أرواحهم، وربما تميل من طرب سماع اسمه أشباحهم" أجسادهم، وأنشد لغيره قوله:
وإذا ذكرتم أميل كأنني ... من طيب ذكركم سقيت الراحا
قال المجد: الراح: الخمر، كالرياح "بالفتح" والارتياح؛ "كأنه تعالى يقول: أملأ الوجود كله" علويه وسفليه، "من أتباعك، كلهم يثنون عليك، ويصلون عليك، ويحفظون سنتك" وقد قال: "إلا أني أوتيت الكتاب"، ومثله معه، الحديث رواه أحمد وأبو داود، "بل ما من فريضة من فرائض الصلاة إلا ومعها سنة" مما سنه، كتكبيرة الإحرام معها رفع اليدين، والفاتحة معها السورة، وهكذا "فهم يتمسكون في الفريضة بأمري، وفي السنة بأمرك"؛ لأنه من أمري، "وجعلت طاعتي طاعتك" في نحو قولي: "من يطع الرسول فقد أطاع الله"، "وبيعتي بيعتك" إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله، وأتى بهما على القلب للمبالغة، "فالقراء يحفظون ألفاظ منشورك" على اختلاف القراءات الواردة عنك متواترة وغيرها، ويوجهون ما قد يخفى من جهة اللسان بأوجه متعددة، أو وجه هؤلاء هم القراء.
"والمفسرون يفسرون معاني فرقانك" بما ورد عنك، وعن أصحابك، وتابعيهم، وماстр. 3832
والوعاظ يبلغون بليغ وعظك، والملوك والسلاطين يقفون في خدمتك ويسلمون عليك من وراء الباب، ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك، فشرفك باق أبد الآبدين، والحمد لله رب العالمين.
وقال تعالى: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١-٢] .
اعلم أن للمفسرين في قولين، أحدهما: أنها من حروف التهجي، والثاني أنها كلمة مفيدة.
وعلى القول الأول: قيل معناها، يا مطمع الشفاعة للأمة، ويا هادي الخلق إلى الملة، وقيل: "الطاء" في الحساب بتسعة والهاء بخمسة، فالجملة أربعة عشرة، ومعناها: يا أيها البدر، وهذه الأقوال لا يعتمد عليها إذ هي، كما قال المحققون،
الحواشي
(١) استنبطوه من اللغة، واستخرجوه من علوم البلاغة، "والوعاظ" المذكرون، "يبلغون بليغ وعظك" من إضافة الصفة للموصوف، أي: وعظك البليغ، "والملوك والسلاطين يقفون في خدمتك، ويسلمون عليك من وراء الباب" ادبًا واحتشامًا، "ويمسحون وجوههم بتراب روضتك، ويرجون شفاعتك، فشرفك باق أبد الآبدين، والحمد لله رب العالمين" على ذلك الفضل العظيم.
"وقال تعالى: ﴿طه، مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: ١-٢] من الشفاء والتعب، أو الشقاوة على ما يأتي.
"اعلم أن للمفسرين في قولين أحدهما: أنها" أي: هذه اللفظة، وإلا فهي حرفان، "من" أسماء "حروف التهجي والثاني: أنها كلمة مفيدة" أي: مركبة، لا مقطعة، من أسماء حروف التهجي.
"وعلى القول الأول: قيل معناها" الذي أريد بها، "يا مطمع"، بزنة مقعد "الشفاعة للأمة" أي: يا من هو محل تطمعها في الشفاعة لها، "ويا هادي الخلق إلى الملة"، يحتمل أن الاسم مركب من مجموع النداءين، وأن كل واحد منهما مسمى لمجموع الطاء والهاء، ومقتضى قول عياض، وقيل: هي حروف مقطعة لمعان الأول، فالطاء للأول، والهاء للثاني.
"وقيل: الطاء في الحساب بتسعة، والهاء بخمسة، فالجملة أربعة عشر، ومعناها: يا أيها البدر" ذكره معرفًا باللام، إشارة إلى أنه الكامل المنير، السالم من العوارض، "وهذه الأقوال" استعمل الجمع في اثنين؛ لأنه الذي قدمه بناء على أنهما أقله، فهو حقيقة، أو مجاز من استعمال الكل في البعض، بناء على أن أقله ثلاثة "لا يعتمد عليها، إذ هي، كما قالстр. 3833
من بدع التفسير، ومثلها قول الواسطي، فيما حكاه القاضي عياض في "الشفاء"، أراد: يا طاهر يا هادي.
وأما على قول من قال: إنها كلمة مفيدة، ففيه وجهان: أحدهما، أن معناه: يا رجل، وهو مروي عن ابن عباس الحسن ومجاهد وسعيد بن جبير وقتادة وعكرمة. قال سعيد بن جبير: بلسان النبطية، وقال قتادة: بلسان السريانية، وقال عكرمة: بلسان الحبشة. وقال البيضاوي: إن صح أن معناه: يا رجل فلعل أصله: يا هذا فتصرفوا فيه بالقلب والاختصار، انتهى.
قال الكلبي: لو قلت في "عك" يا رجل، لم يجبك حتى تقول: طه.
الحواشي
(١) المحققون من بدع" بكسر، فسكون، أي: غريب "التفسير" الذي لا سند له سوى هذا التوهم العقلي.
وفي نسخة المفسرين: والمعنى واحد، وتجوز قراءته بفتح الدال، جمع بدعة، اسم من الابتداع، وهو الاستخراج والأحداث بلا أصل.
"ومثلها قول الواسطي" أبي بكر محمد بن موسى، الإمام العارف، من كبار أتباع الجنيد، "فيما حكاه القاضي عياض في الشفاء: أراد يا طاهر، ويا هادي" فالطاء من طاهر، والهاء من هادي، وقيل: الطاء قول القراءة، والهاء هيئاتها، وقيل: طوبى والهاوية، وقيل: قسم بطوله وهدايته ﵇، وهي أيضًا من البدع، وقيل: طه اسم من أسمائه ﷺ ، وقيل: من أسماء الله، حكاهما عياض والمصنف في المقصد الثاني، قائلًا: المعتمد أنها من أسماء الحروف.
"وأما على قول من قال: إنها كلمة مفيدة، ففيه وجهان: "أحدهما: أن معناه يا رجل" أي: معناه رجل، وحرف النداء مقدر معه، "وهو مروي عن ابن عباس" عند البيهقي، "والحسن" البصري، "ومجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعكرمة" والكل من التابعين المفسرين.
"قال سعيد بن جبير بلسان النبطية" أي: المنسوبة إلى النبط، قوم كانوا ينزلون سواد العراق، "وقال قتادة: بلسان السريانية، وقال عكرمة: بلسان الحبشة" ولا يشكل عليهم قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ [يوسف: ٢] ؛ لأن المراد عربي الأسلوب، لا الكلمات، أو هو اسم للجملة، وهي كثيرة، فلا يخرجه لاشتماله وبينهما؛ لأنه لا يلزم من نزوله بها؛ أن جميعه بلغته الجواز اشتهار تلك اللغة في تلك الأماكن، "وقال البيضاوي: إن صح أن معناه يا رجل، فلعل أصله يا هذا، فتصرفوا فيه بالقلب" للياء طاء، والاختصار" أي: الاقتصار على الهاء من هذا. "انتهى".
"قال الكلبي: لو قلت في عك" بفتح العين وشد الكاف، قال الجوهري: هو عك بنстр. 3834
وقال السدي: معنى طه يا فلان.
وقال الزمخشري: لعل "عكا" تصرفوا في "يا هذا" كأنهم في لغتهم قالبون "الياء" "طاء" فقالوا: في "يا طا" واختصروا هذا فاقتصروا على "ها" وأثر الصيغة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به:
إن السفاهة طه في خلائقكم ... لا قدس الله أخلاق الملاعين
انتهى.
الحواشي
(١) عدنان، أخو معد، وهو اليوم باليمن، "يا رجل لم يجبك حتى تقول طه"؛ لأنها لغتهم، ولا يعلمون لفظ يا رجل.
"وقال السدي" بضم السين وشد الدال: "معنى طه، يا فلان" كناية عن اسم الإنسان دون قصد واحد بعينه، نحو: رأيت زيدًا، فقلت له يا فلان افعل كذا، بخلاف يا رجل، القصد به يا هذا، لذكره من بني آدم.
"وقال الزمخشري: لعل عكا تصرفوا في يا هذا، كأنهم في لغتهم قالبون الياء طاء" الأحسن أن يقول ياء بلا أل؛ لأن الكلمة المركبة من حرفين فصاعدًا، إنما ينطق بلفظها، لا بحروف هجائها، والياء إنما هي اسم لأحد حروف التهجي.
"فقالوا في يا طا" أي: ذكروا بدل لفظ يا لفظ طا، ففي للبدل، وكذا في الكشاف بني، ويقع في بعض نسخ المصنف بإسقاط في على حذف مضاف، أي: بدل يا طا.
"واختصروا" لفظ "هذا" بحذف الذال، "فاقتصروا على ها" مضمومة إلى طا، فصار طه بالقصر؛ لأن أسماء حروف التهجي ما لم تلها العوامل، موقوفة، خالية من الإعراب، لفقد موجبه، لكنها قابلة إياه، معرضة له، إذا لم تناسب مبني الأصل، ولذا قيل ق وص مجموعًا فيهما بين الساكنين، ولم يعامل معاملة أين وما ولا، قاله في الأنوار.
"وأثر الصيغة ظاهر لا يخفى في البيت المستشهد به" وهو: "إن السفاهة طه" أي: يا رجل "في خلائقكم" أي: طبائعكم، "لا قدس الله أخلاق الملاعين": جمع ملعون، أي: مطرود، كما في القاموس وغيره.
وقول بعض: سموا ملاعين؛ لأنهم يلعنون الناس كثيرًا، لا يناسب اللغة، ولم يذكر المجد أن أخلاق من جموع خليقة، فيحتمل أنه جمع خلق، كعنق وأعناق، فيكون هجاهم أولًا بأن طبيعتهم مجبولة على السفاهة، ثم دعا على خلقهم.
"انتهى" كلام الزمخشري.стр. 3835
قال في البحر: وكان قد قدم أن "طه" في لغة "عك" في معنى يا رجل، ثم تخوض وتجر على "عك" بما لا يقوله نحوي، وهو أنهم قلبوا "الياء" "طاء" وهذا لا يوجد في لسان العرب قلب "الياء" التي للنداء "طاء"، وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء وإقرار "ها" التي للتنبيه، انتهى.
وقيل: معناه يا إنسان.
وقرئ طه بإسكان الهاء، على أنه أمر له ﷺ بأن يطأ الأرض بقدميه.
فقد روي أنه ﷺ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه، فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معًا، وأن الأصل "طاء" فقلبت همزته هاء، كما قالوا "هياك" في:
الحواشي
(١) ورده البيضاوي، فقال: الاستشهاد بالبيت ضعيف، لجواز أن يكون قسمًا، كقولهم: "حم لا ينصرون"، انتهى، أي: أن السفاهة وحق طه، أو وقسمي طه، كقوله ﷺ ليلة الخندق: "إن لقيتم الليلة، فقولوا: حم لا ينصرون"، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي والحاكم، وصححه عن البراء بن عازب.
"قال" أبو حيان "في البحر" تفسيره الكبير: "وكان" الزمخشري، "قد قدم أن طه في لغة عك في معنى يا رجل، ثم تخوض" تكلف الخوض بمبالغته بما تكلفه، "وتجرأ" أسرع بالهجوم بلا توقف "على عك، بما لا يقوله نحوي، وهو أنهم قلبوا الياء طاء، وهذا لا يوجد في لسان"، أي: لغة "العرب قلب الياء التي للنداء طاء، وكذلك حذف اسم الإشارة في النداء وإقرار" أي: إبقاء" "ها التي للتنبيه" كذا في النسخ الصحيحة، وهو ما في النهر، فما في بعض النسخ، وأقرت تصحيف. "انتهى".
"وقيل: معناه يا إنسان" حكاه عياض وغيره، فإن صحبت هذه التفاسير، فهو مشترك، والوجه الثاني أنها كلمة دالة على الطلب، "و" يدل عليه؛ أنه "قرئ" شاذًا "طه" وبه قرأ الحسن البصري، "بإسكان الهاء، على أنه أمر له ﷺ ؛ بأن يطأ الأرض بقدميه، فقد روي أنه ﷺ كان يقوم في تهجده على إحدى رجليه" لاستراحة من طول القيام، "فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معًا" حتى لا يتعب، فيحتاج للاستراحة.
أخرج عبد بن حميد، عن الربيع بن أنس، قال: كان النبي ﷺ إذا صلى قام على رجل، ورفع الأخرى، فأنزل الله: ﴿طه﴾ .
وأخرج ابن مردويه عن علي، قال: لما نزل على النبي ﷺ : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١-٢] ، قام الليل كله، حتى تورمت قدماه، فجعل يرفع رجلًا ويضع أخرى، فهبطстр. 3836
إياك، و"هرقت" في: أرقت. ويجوز أن يكون الأصل من وطأ على ترك الهمزة، فيكون أصله "طا" يا رجل ثم أثبت الهاء فيه للوقف. وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل "طه": طاها، والألف مبدلة من الهمزة والهاء كناية عن الأرض. لكن برد ذلك: كتبها على صورة الحرف.
وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، فذكروا في سبب نزولها أقوالًا:
أحدها: أنا أبا جهل والوليد بن المغيرة ومطعم بن عدي قالوا لرسول الله ﷺ : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك، فقال ﷺ : "بل بعثت رحمة للعالمين"، فأنزل الله تعالى هذه الآية ردًا عليهم، وتعريفًا له ﷺ ، بأن دين الإسلام
الحواشي
(١) عليه جبريل، فقال: طه، طا الأرض بقدميك يا محمد، فأمر بأن يطأ الأرض بقدميه معًا، "وأن الأصل طاء، فقلبت همزته هاء، كما قالوا هياك" بكسر الهاء "في إياك، وهرقت في أرقت، ويجوز أن يكون الأصل من وطأ على ترك الهمزة".
قال الطيبي: بأن قلبت ألفًا، وبني الأمر عليه، وإذا بني عليه، "فيكون أصله طا يا رجل، ثم أثبت الهاء فيه للوقف" أي: السكت، فصار طه، "وعلى هذا يحتمل أن يكون أصل طه طاها، والألف مبدلة من الهمزة، والهاء كناية عن الأرض" أي: الضمير راجع إليها، لعلمها، من قرينة الحال، والضمير يسمى كناية عند النحاة، ويحتمل أنه أراد أن الهاء وحدها ضمير، كما عليه بعض النحاة، أو أن ها اسم لحرف مأخوذ من ها اسم للضمير، فهي كناية اصطلاحية عنه، لا أنه ضمير، "لكن يرد ذلك" كما قال البيضاوي: "كتبهما على صورة الحرف"، وتعقب بأن رسم المصحف غير قياسي، كما رسم المؤمنون بأن ألف في الإمام.
"وأما قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ لْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، فذكروا في سبب نزولها أقوالًا" منها ما تقدم.
وأخرج البزوار عن علي، قال: كان النبي ﷺ يراوح بين قدميه، يقوم على كل رجل، حتى نزلت: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ .
"أحدها" ما عند ابن مردويه، بمعناه عن ابن عباس؛ "أن أبا جهل" فرعون الأمة، "والوليد بن المغيرة، ومطعم بن عدي، قالوا لرسول الله ﷺ : إنك لتشقى حيث تركت دين آبائك" ومرادهم ضد السعادة، "فقال ﷺ : "بل بعثت رحمة للعالمين" فكيف أشقى أنا، "فأنزل الله تعالى هذه، ردًا عليهم وتعريفًا له ﷺ بأن دين الإسلام والقرآن هو" أي: المذكور "السلم".стр. 3837
والقرآن هو السلم إلى نيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها.
وثانيها: أنه ﷺ بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل: أبق على نفسك، فإن لها عليك حقًا. اي ما أنزلنا عليك القرآن لتنتهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة العظيمة، وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة.
ووي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام. وقال بعضهم: كان يسهر طول الليل.
وتعقب: بأنه بعيد؛ لأنه ﷺ إن فعل شيئًا من ذلك فلا بد أن يكون فعله بأمر الله تعالى، فإذا فعله عن أمره فهو من باب السعادة لا من باب الشقاء.
وثالثها: قال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد، لا تشق نفسك، ولا تعذبها
الحواشي
(١) فلا يرد أن القياس هما السلم "إلى نيل كل فوز، والسبب في إدراك كل سعادة، وما فيه الكفرة هو الشقاوة بعينها" وأي. شقاوة مثل الخلود في جهنم.
"وثانيها: أنه" كما رواه ابن مردويه عن علي، بمعناه أنه " ﷺ " لما نزل عليه: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ، قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ "صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فقال له جبريل": بأمر الله "ابق على نفسك، فإن لها عليك حقًا. أي: ما أنزلنا عليك القرآن لتنتهك" تتعب وتؤلم "نفسك بالعبادة" الزائدة، "وتذيقها المشقة العظيمة"، بالسهر وقيام الليل، "وما بعثت إلا بالحنيفية السمحة" السهلة التي لا تعب فيها، "وروي أنه كان إذا قام من الليل ربط صدره بحبل حتى لا ينام" مبالغة في امتثال الأمر.
"وقال بعضهم: كان يسهر طول الليل" في ابتداء أمره، حتى أمر بالتخفيف، "وتعقب بأنه بعيد؛ لأنه صلى الله عليه سولم إن فعل شيئًا من ذلك، فلا بد أن يكون فعله بأمر الله تعالى" وهذا ممنوع؛ لأنه فعل ذلك لتحقق مدلول ما أمر به من قيام الليل على الوجه الأتم، لا للأمر به بخصوصه، ويمنع تعقبه أيضًا بقوله؛ "فإذا فعله عن أمره، هو من باب السعادة لا من باب الشفاء" بل هو التباس، إذ الرد على أنه من باب الشقاء، بمعنى إتعاب النفس على هذا، لا ينافي أن الإتعاب المذكور للسعادة، وإنما يقال من باب السعادة لا الشقاء على الوجه الذي قبله في الرد على أبي جهل ومن معه، هكذا أملاني شيخنا.
"وثالثها: قال بعضهم" ظاهره أنه سبب لنزول الآية، لقوله أولًا: ذكروا في سبب نزلوها أقوالًا ولا كذلك، فإنما هذا فهم في الشقاء، إذ السبب لا يكون احتمالًا، بل نقل مجرد، وقدстр. 3838
بالأسف على كفر هؤلاء، فإنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر به من آمن، فمن آمن وأصلح فلنفسه، ومن كفر فلا يحزنك كفره، فما عليك إلا البلاغ وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ﴾ .
ورابعها: أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك الوقت كان ﷺ مقهورًا مع أعدائه" الكفار" "فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة" بل يعلو أمرك ويظهر قدرك، فإنا ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي: لتبقى شقيًا، بل تصير معظمًا مكرمًا، زاده الله تعالى تعظيمًا وتكريمًا.
الحواشي
(١) قال: "يحتمل أن يكون المراد لا تشق نفسك ولا تعذبها بالأسف" الحزن والحسرة "على كفر هؤلاء" فهو كقوله: لا تذهب نفسك عليهم حسرات، "فإنما أنزلنا عليك القرآن لتذكر": تعظ "به من آمن فمن آمن وأصلح" عمل الصالحات من الفرائض وغيرها، "فلنفسه"؛ لأن ثمرته عائدة عليه، وإن كان للنبي أجره أيضًا، "ومن كفر فلا يحزنك كفره"، لا تهتم لكفره، "فما عليك إلا البلاغ"، وليس عليك هداهم، ولكن الله يهدي من يشاء، "وهذا كقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِع﴾ قاتل ﴿نَفْسَكَ﴾ ولعل الإشفاق، أي: أشفق على نفسك أن تقتلها ﴿أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ لئلا يؤمنوا أو خيفة أن لا يؤمنوا، وكقوله: "ولا يحزنك كفرهم".
"ورابعها" وهو من نمط الثالث لا سبب النزول، كما يوهمه المصنف، "أن هذه السورة من أوائل ما نزل بمكة، وفي ذلك الوقت كان ﷺ مقهورًا مع أعدائه" الكفار، "فكأنه تعالى قال: لا تظن أنك تبقى على هذه الحالة" التي هي قهر الأعداء، "بل يعلو أمرك ويظهر قدرك، فإننا ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى، أي: لتبقى شقيًا" متعبًا مقهورًا، والشقاء شائع بمعنى التعب، ومنه أشقى من رائض المهر، أي: أن معالجة المهارة شقاوة لما فيها من التعب، "بل تصير معظمًا مكرمًا، زاده الله تعالى تعظيمًا وتكريمًا" كما إلى هذه الإشارة بقوله: ﴿إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: ٣] ، أي: لكن تذكيرًا لمن في قلبه خشية ورقة يتأثر بالأنوار، أو لمن علم الله أنه يخشى بالتخويف، فإنه المنتفع به، ومن خشي صار المصطفى لديه معظمًا مكرمًا كما وقع ذلك للصحابة حتى كانوا عنده، كأنما على رؤوسهم الطير، ولا يحدون النظر إليه، وكان أحب إليهم من أنفسهم.
قال البيضاوي: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ ، خبر طه إن جعلت مبتدأ على أنه مؤول بالسورة، والقرآن فيه واقع موقع العائد، وجواب إن جعلت مقسمًا به، ومنادى له إن جعلت نداء واستئناف إن كانت جملة فعلية او اسمية بإضمار مبتدأ، أو طائفة من الحروف محكية.стр. 3839
وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ [الكوثر: ١] السورة.
قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: في هذه السورة كثير من الفوائد. منها: أنها كالمتممة لما قبلها من السور، وذلك؛ لأن الله تعالى جعل سورة والضحى في مدح نبينا ﷺ ، وتفصيل أحواله، فذكر في أولها ثلاثة أشياء تتعلق بنبوته وهي قوله: ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى، وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى، وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ
الحواشي
(١) قال تبعًا للكشاف: وانتصاب إلا تذكرة على الاستثناء المنقطع، ولا يجوز أن يكون بدلًا من محل لتشقى لاختلاف الجنسين، يعني أن نصب تذكرة نصبة صحيحة ليست بعارضة، والنصبة التي في لتشقى بعد نزع الخافض عارضة كما قال أبو حيان، ولا يجوز أن يكون مفعولًا له لأنزلنا، فإن الفعل الواحد لا يتعدى إلى علتين، وقيل: هو مصدر في موضع الحال من الكاف، أو القرآن، أو مفعول له، على أن لتشقى متعلق بمحذوف هو صفة للقرآن، أي: ما أنزلنا عليك القرآن المنزل لتتعب بتبليغه.
"وقال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الَْوْثَر﴾ [الكوثر: ١] ، أكده مع ضمير العظمة، إيماء إلى عظمة المعطي والمعطى، وتشويقًا ونفيًا للشبهة فيه "السورة".
"قال الإمام فخر الدين" محمد بن عمر بن الحسن بن الحسين التيمي البكري، الطبرستاني، الرازي، "ابن الخطيب" بالري، مر بعض ترجمته غير مرة، "في هذه السورة كثير من الفوائد، منها: أنها كالمتممة لما قبلها من السور" المتعلقة به ﷺ ، وليس القصد بها بيان الأحكام، فلا يرد أن ما ذكره دليلًا على ذلك بعض السور لا جميعها، على أنه، كما قال شيخنا في التقرير: لم تظهر زيادة الكوثر على تفسيره، بما هو أعم من النهر على قوله: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] فإنه شامل لما شمله الكوثر، أو أشمل، "وذلك؛ لأن الله تعالى أنزل" وفي نسخة: جعل، "سورة والضحى في مدح نبينا صل الله عليه وسلم وتفصيل أحواله" أي: جنسها، فلا ينافي في أن ما ذكره في هذه السورة مشتمل على جميعها لزومًا، "فذكر في أولها" أي: أحواله "ثلاثة أشياء تتعلق بنوبته" أي: ترتبط بها، وتترتب عليها كالثمرة لهان وليس المراد التعلق النحوي، ولا المعنوي، المقتضي لكون هذه من معنى النبوة، إذ ليست من معناها، "وهو قوله: ﴿مَا وَدَّعَك﴾ أي: تركك ﴿رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ أبغضك، حذف مفعوله اختصارًا للعلم به، وللجري على نهج الفواصل، ولئلا يخاطبه بالبغض، وإن كان منفيًا، أو ليعم نفسه وأصحابه وأمته.
روى الشيخان وغيرهما عن جندب بن عبد الله، قال: اشتكى النبي ﷺ ، فلم يقم ليلة، أو ليلتين، فأتته امرأة، فقالت: يا محمد ما أرى شيطانك إلا قد تركك، فأنزل الله، ﴿وَالضُّحَى، وَاللَّيْلِстр. 3840
...........................................
الحواشي
(١) إِذَا سَجَى، مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١] .
وروى سعيد بن منصور والفريابي، عن جندب، قال: أبطأ جبريل على النبي ﷺ ، فقال المشركون: قد ودع محمد، فنزلت وهذه المرأة هي العوراء أم جميل أخت أبي سفيان بن حرب.
روى الحاكم برجال ثقات عن زيد بن أرقم، قال: مكث ﷺ أيامًا لا ينزل عليه، فقالت أم جميل امرأة أبي لهب: ما أرى صاحبك إلا قد ودعك وقلاك، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى............﴾ الآيات.
وفي الصحيح أيضًا، عن جندب: قالت امرأة: يا رسول الله ما أرى صاحبك إلا أبطأ عنك، فنزلتك ﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ .
قال الحافظ: هي زوجته خديجة، كما في المستدرك أيضًا، وأعلام النبوة لأبي داود وأحكام القرآن للقاضي إسماعيل، وتفسير ابن مردويه من حديث خديجة نفسها، فخاطبته كل واحدة منهما بما يليق بها.
وروى سنيد في تفسيره: أن قائل ذلك عائشة، وهو باطل؛ لأنها لم تكن إذ ذاك زوجة.
وأخرج ابن جرير عن عبد الله بن شداد أن خديجة قالت للنبي ﷺ : ما أرى ربك إلا قد قلاك، فنزلت.
وأخرج أيضًا عن عكرمة: أبطأ جبريل على النبي ﷺ ، فجزع جزعًا شديدًا، فقالت خديجة: إني أرى ربك قد قلاك مما ترى من جزعك، فنزلت وكلاهما مرسل، رجاله ثقات.
قال الحافظ: والذي يظهر أن كلًا من أم جميل وخديجة قالت ذلك، لكن أم جميل قالته شماتة، وخديجة قالته توجعًا.
وروى ابن أبي شيبة والطبراني بسند فيه من لا يعرف عن خولة خادم رسول الله صلى الله عليه سولم أن جروًا دخل بيته تحت السرير، فمات، فمكث صلى الله عله وسلم أربعة أيام لا ينزل عليه الوحي، فقال: "يا خولة، ما حدث في بيت رسول الله، جبريل لا يأتيني"، فقلت في نفسي: لو هيأت البيت وكنسته، فأوهيت بالمكنسة تحت السرير، فأخرجت الجرو، فجاء ﷺ ترعد لحيته، وكان إذا نزل عليه أخذته الرعدة، فأنزل الله: ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى قوله: ﴿فَتَرْضَى﴾ ".
قال الحافظ: قصة إبطاء جبريل بسبب الجرو مشهورة، لكن كونها سبب نزول الآية غريب، بل شاذ مردود بما في الصحيح.
﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾ ؛ لأنها باقية، خالصة من الشوائب، وهذه فانية، مشوبة بالمضار، واللام لابتداء مؤكدة، أو جواب قسم، ففيه تعظيم آخر، أي: كما أعطاك في الدنياстр. 3841
فَتَرْضَى﴾ ثم ختمها كذلك بأحوال ثلاثة فيما يتعلق بالدنيا، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى، وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ أي عن علم الحكم والأحكام ﴿فَهَدَى، وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى﴾ . ثم ذكر في سورة ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ أنه تعالى
الحواشي
(١) يعطيك في الآخرة ما هو أعلى وأكثر، فلا تبال بما قالوه، فهو وعد فيه تسلية بعد ما نفى عنه ما يكره، فهو تحلية بعد تخلية، وقيل: المعنى لنهاية أمرك خير من بدايته، فإنه لا يزال يتصاعد في الرفعة والكمال، ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥] ، وعد شامل لما أعطاه من كمال النفس وظهور الأمر، وإعلاء الدين، ولما ادخر له مما لا يعرف كنهه سواه واللام للتأكيد، وقول الزمخشري، وتبعه البيضاوي: اللام للابتداء، دخل على الخبر بعد حذف المبتدأ والتقدير، ولأنت سوف، رده ابن الحاجب وغيره، بأن فيه تكلفين، وهما تقدير محذوف، وخلع اللام عن معنى الحال، لئلا يجتمع دليلان حال، واستقبال قال: وليست للقسم؛ لأنها إنما تدخل على المضارع مؤكدًا بالنون.
قال ابن هشام: وهو ممنوع، بل تارة تجب اللام وتمتنع النون، وذلك مع الفعلين كالآية، ومع تقدم المعمول بين اللام والفعل نحو: ﴿وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لَإِلَى اللَّهِ تُحْشَرُونَ﴾ ، ومع كون الفعل للحال نحو: ﴿لَا أُقْسِم﴾ ، وتارة يمنعان، وذلك مع الفعل المنفي نحو تالله تفتؤ، وتارة يحبان نحو وتالة لأكيدن، "ثم ختمها" أي: الأحوال المتعلقة بنبوته، "كذلك بأحوال ثلاثة فيما يتعلق بالدنيا" من حيث النبوة، لكن تعلق الثلاثة الأول بالنبوة من حيث كونها حاصلة بها، والثلاثة الثانية بمعنى: أن سببها إكرامه بالنبوة وإن كان أولاها حصل قبل النبوة، والاثنان بعد النبوة، ولو أسقط كذلك، فإن التنبيه على تعلقها بالنبوة، "وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْك﴾ " منت الوجود بمعنى العلم، ﴿يَتِيمًا﴾ مفعوله الثاني، أو المصادفة ويتيمًا حال، أي: لا أب لك، وقيل: لا مثل لك، ﴿فَآوَى﴾ بأن ضمك إلى عمك أبي طالب، ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ ، أي: عن علم الحكم" "بكسر ففتح" جمع حكمة، أي: معرفة العلل والأسباب، فقوله: "والأحكام" عطف مسبب على سبب، وليس الحكم مفرد الأحكام؛ لأنه يصير ما بعده مرادفًا، ولا ينافي ذلك أن بعض الأحكام تعبدي؛ لأنه بالنسبة لنا، أما هو ﷺ ، فكان عارفًا بالعلة ﴿فَهَدَى﴾ أي: هداك إلى معرفتها، وهذا أحد تفاسير في الآية، كما يأتي للمصنف، ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا﴾ ذا عيال ﴿فَأَغْنَى﴾ [الانشراح: ٨] بما حصل لك من ربح التجارة، كذا قصره البيضاوي، ولم يجعله شاملًا لذلك، ولغيره من مبدئه إلى نهاية ما حصل له، أو يقصره على ما حصل له من الغنائم والفتوحات؛ لأن ربح التجارة حصل به أصل الغنى، وما بعده حصل به الزيادة بعد اطمئنان النفس بالأول، فكانت النعمة في الحقيقة هي الربح؛ لأنها التي حصل بها دفع الحاجة، هذا ولم يذكرстр. 3842
شرفه ﵊ بثلاثة أشياء وهي: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَك﴾ أي: ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق ودعوة الخلق، ﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَك﴾ أي عناءك الثقيل ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ، وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ وهكذا سورة سورة، حتى قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ أي أعطيناك هذه المناقب المتكاثرة التي كل واحدة منها
الحواشي
(١) المصنف من أحواله بقية السورة، مع أنها خطاب له لعدم دلالتها على مدحه صريحًا، إذ ليست أوصافًا قائمة به يمدحه بتعدادها، ولا صفات كمالية قائمة به، ولا على تعداد النعم التي أنعم بها عليه، وإنما هي أمر له ونهي، وكلاهما لا يعد من النعم الصريحة، وإن ترتب عليه الامتثال بفعل المأمور وترك المنهي، وهما من أعظم النعم، ولا يرد، قوله أولًا جعل سورة والضحى في مدح نبينا؛ لأن المراد معظمها، أو كلها، ولكن ما تركه هنا مستلزم للكمال؛ لأن كونه منهيًا مأمورًا مقتض لامتثاله، وهو كمال استلزامًا لا صراحة.
"ثم ذكر في سورة: ﴿أَلَمْ نَشْرَح﴾ ، أنه تعالى شرفه ﵊ بثلاثة أشياء، وهي: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ ، استفهم عن الشرح على وجه الإنكار مبالغة في إثبات الشرح، فكأنه قيل: شرحنا، ولذا عطف عليه، ووضعنا اعتبارًا للمعنى، قاله الكشاف.
قال الطيبي: أي: أنكر عدم الشرح، فإذا أنكره ثبت؛ لأن الهمزة للإنكار، ولم نفي إذا دخل عليه النفي عاد إثباتًا، ولا يجوز جعل الهمزة للتقرير. انتهى. أي: لأن التقرير سؤال مجرد، إذ هو حمل المخاطب على الاعتراف بأمر استقر عنده ثبوته، أو نفيه، فلا يحسن، عطف ووضعنا عليه، "أي: ألم نفسحه حتى وسع مناجاة الحق، ودعوة الخلق" فالمراد به ما يرجع إلى المعرفة والطاعة، فكأنه قيل: ألم نفتح ونوسع صدرك بالإيمان والنبوة، والعلم والحكمة، وبه جزم البغوي، وتقدم غير ذلك.
﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَك﴾ أي: عناءك" "بفتح المهملة والمد" أي: خضوعك "الثقيل" القوي الذي كنت فيه قبل ظهور أمرك، أو المشقة التي كنت فيها بمعاداة الكفار لك، فوضعنا ذلك بإظهارك عليهم بقتل من قتل، وهداية من اهتدى، فالعناء يكون بمعنى الخضوع، وبمعنى المشقة، ﴿الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ﴾ : أثقله، ويأتي للمصنف في النوع العاشر معنى الآية ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ مر الكلام عليه، "وهكذا سورة سورة حتى قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، أي: أعطيناك هذه المناقب" جمع منقبة "بفتح الميم" الفعل الكريم، كما في المصباح.
وفي المختار بوزن المتربة ضد المثلثة، انتهى، فالقاف مفتوحة، فقراءته بكسرها على هذا خطأ، "المتكاثرة، التي كل واحدة منها أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها" بأسرها، أوстр. 3843
أعظم من ملك الدنيا بحذافيرها، وإذا أنعمنا عليك بهذه النعم فاشتغل بطاعتنا ولا تبال بقولهم.
ثم إن الاشتغال بالعبادة إما أن يكون بالنفس وهو قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ ، وإما بالمال وهو قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ .
وتأمل قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ كيف ذكره بلفظ الماضي، ولم يقل: سنعطيك، ليدل على أن الإعضاء حصل في الزمان الماضي، قال ﷺ : "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد". ولا شك أن من كان في الزمان الماضي عزيزًا مرعي الجانب أشرف ممن سيصير كذلك، كأنه تعالى يقول: يا محمد قد هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا الوجود، فكيف أمرك بعد وجودك واشتغالك بعبوديتنا يا أيها العبد الكريم، إنا لم نعطك هذا الفضل العظيم لأجل طاعتك، وإنما اخترناك بمجرد فضلنا وإحساننا من غير موجب.
الحواشي
(١) بجوانبها: جمع حذفور، كعصفور، كما في القاموس، "وإذ" تعليلية "أنعمنا عليك بهذه النعم".
وفي نسخة: وإذا للظرفية المجردة، والفاء في "فاشتغل بطاعتنا" زائدة على النسختين، والتعليل أظهر، "ولا تبال بقولهم": ساحر، كاهن، مجنون، وغير ذلك، "ثم إن الاشتغال بالعبادة إما أن يكون بالنفس، وهو قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ أمر بالصلاة مطلقًا، أو التهجد، وكان الظاهر، فأشكر، فعدل عنه؛ لأن مثل هذه النعمة العظيمة ينبغي أن يكون شكرها كذلك، وأعظم ذلك العبادة، وأعظمها الصلاة، "وإما بالمال، وهو قوله: ﴿وَانْحَرْ﴾ أمر بتقريب البدن؛ لأن النحر يختص بها وفي غيرها، يقال: ذبح، "وتمل قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ﴾ كيف ذكره بلفظ الماضي، ولم يقل: سنعطيك" بلفظ المضارع، "ليدل" صلة ذكره، "على أن الإعطاء حصل في الزمان الماضي" كما "قال ﵊: "كنت نبيًا وآدم بين الروح والجسد"، رواه أحمد والبخاري في التاريخ وغيرهما، ومر الكلام عليه أول الكتاب.
"ولا شك أن من كان في الزمان الماضي عزيزًا، مرعي الجانب، أشرف ممن سيصير، كذلك كأنه تعالى يقول: يا محمد قد هيأنا": يسرنا وسهلنا "أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا الوجود، فكيف أمرك بعد وجودك واشتغالك بعبوديتنا"، استفهام تفخيم وتعظيم، أي: فاعتقد من الكمالات التي تحصل لك بعد وجودك ما شئت، فإنها لا نهاية لها.
"يا أيها العبد الكريم إنا لم نعطك هذا الفضل العظيم" المعبر عنه بالكوثر، "لأجل طاعتك، وإنما اخترناك بمجرد فضلنا وإحساننا من غير موجب"، مرتب على ما قبل الاستفهام،стр. 3844
واختلف المفسرون في تفسير الكوثر على وجوه.
منها: أنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور والمستفيض عند السلف والخلف، روى أنس أن رسول الله ﷺ قال: "بينما أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف، قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك، فإذا طينه مسك إذفر" رواه البخاري.
الحواشي
(١) أي: هيأنا أسباب سعادتك قبل دخولك في هذا الوجود، لا لأجل طاعتك المتأخرة، بل فضلًا، وليس مرتبًا على الاستفهام لئلا يكون فيه بعض تناف.
"واختلف المفسرون في تفسير الكوثر على وجوه" وصلت إلى نحو عشرين قولًا، "منها: أنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور المستفيض عند السلف والخلف" ودليله أنه "روى أنس" بن مالك؛ "أن رسول الله ﷺ قال: "بينما" "بالميم" "أنا أسير في الجنة إذا أنا بنهر" وللترمذي: إذ عرض لي نهر، أي: ظهر، وللبخاري في التفسير عن أنس، قال: لما عرج بالنبي ﷺ إلى السماء قال: "أتيت على نهر، "حافتاه" "بحاء مهملة وخفة الفاء" جانباه؛ لأنه ليس أخدودًا، أي: شقا مستطيلًا في الأرض، يجري فيه الماء حتى يكون له حافتان، ولكنه سائل على وجه أرض الجنة، ومعلوم أنه ليس عامًا في جميعها، فما جاوز ما انتهى سيلانه إليه هو جانبه.
روى أبو نعيم والضياء عن أنس، قال: قال ﷺ : "لعلكم تظنون أن أنهار الجنة أخدود في الأرض، لا والله إنها لسائحة على وج الأرض"، "قباب" "بكسر القاف وخفة الموحدة" جمع قبة، وللترمذي: حافتاه فيهما لؤلؤ مثل القباب، فالمراد في جانبيه مثل قباب "الدر المجوف": "بفتح الواو مشددة" صفة للدر، وهو كبار اللؤلؤ حقيقة، وتجويز أن مثله في الحسن والنضارة، خلاف الظاهر بلا داعية، "قلت: ما هذا يا جبريل؟، قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك"، وعطف على مقدر، أي: فنظرت له، "فإذا طينه مسك" إذ المفاجأة إنما تترتب على النظر لا على أعطاك ربك، ويدل له رواية الترمذي عن أنس، قال: أي: المصطفى: ثم ضرب، أي: جبريل، بيده إلى طينه فاستخرج مسكًا، أي: إظهار الشرف المنعم به، وسماه طينًا جريًا على العادة في كون مقر الماء طينًا، كما قال الدلجي وغيره، فلا بد من تقدير في قوله: طينه مسك، ليصح الحمل، وهو هنا في المبتدأ، أي: فإذا مادة ما تحت مائه مسك، ولا يقدر في الخبر، أي: مثل مسك؛ لأنه خلاف الظاهر من الأحاديث؛ أنه يجري على المسك، ولا يعارضه حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي، ومجراه على الدر والياقوت؛ لأنهما فوق طينه الذي هو مسك، كما أن الأنهار تجري على طين وحصى، فهذا حصاه جواهر وطينه مسك، "أذفر" "بمعجمةстр. 3845
وقيل: الكوثر أولاده، فإن هذه السورة إنما نزلت ردًا على من عابه ﵊ بعدم الأولاد، وعلى هذا فالمعنى: أنه يعطيه نسلًا يبقون على ممر الزمان. فانظر كم قتل من أهل البيت. ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يتفق ذلك لنبي من الأنبياء غيره.
وقيل: الكوثر خير الكثير. وقيل: النبوة، وهي من الخير الكثير.
الحواشي
(١) ساكنة"، أي: شديد الرائحة الطيبة، ويطلق أيضًا على الكريهة، وليس بمراد هنا، وأما بمهملة، فخاص بالمنثنة، "رواه البخاري" في الرقاق بهذا اللفظ، عن شيخيه أبي الوليد هشام بن عبد الملك، وهدبة بن خالد، كلاهما عن همام، عن قتادة، عن أنس، ثم قال في آخر طينه، أي: بالنون، أو طيبه، أي: بموحدة شك هدبة، أي: ولم يشك أبو الويد أنه بالنون.
قال الحافظ وغيره: وهو المعتمد، ففي البعث للبيهقي من طريق عبد الله بن مسلم عن أنس بلفظ: "ترابه مسك"، ورواه في التفسير إلى قوله: "هذا الكوثر"، وأخرجه مسلم أيضًا، كما قدم في المعراج والترمذي.
"وقيل: الكوثر: أولاده" من فاطمة؛ لأن عقبه إنما هو منها، ويؤيده قوله الآتي: "فانظر كم قتل من أهل البيت"، "فإن هذه السورة إنما نزلت ردًا على من عابه ﵊ بعدم" أي: بفقد "الأولاد" كالعاصي بن وائل، قال: لما مات القاسم، لقد أصبح محمد أبتر، فنزل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، عوضًا عن مصيبتك بالقاسم، رواه يونس في زيادات المغازي.
ولابن جرير عن شمر بن عطية: كان عقبة بن أبي معيط يقول: لا يبقى لمحمد ولد وهو أبتر، فأنزل الله فيه: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ .
وللطبراني بسند ضعيف عن أبي أيوب: لما مات إبراهيم مشى المشركون بعضهم إلى بعض، فقالوا: إن هذا الصابئ قد بتر الليلة، فأنزل الله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، إلى آخر السورة، فإن صح هذا كله، فقد تعدد السبب، والنزول بمكة والمدينة، إذ موت إبراهيم بها.
"وعلى هذا، فالمعنى أنه" تعالى "يعطيه" ﷺ "نسلًا يبقون على ممر الزمان" فهو من وضع الماضي موضع المستقبل، "فانظر كم قتل من أهل البيت" مع الحسين وبعده، "ثم العالم ممتلئ منهم، ولم يتفق ذلك لنبي من الأنبياء غيره" مثل هذا.
"وقيل: الكوثر: الخير الكثير" الذي أعطاه اليه إياه، قاله ابن عباس، رواه البخاري وغيره، فهو وصف مبالغة في المفرط الكثرة، فيشمل النبوة والقرآن والخلق الحسن العظيم، وكثرة الأتباع، والعلم، والشفاعة، والمقام المحمود وغيرها، مما أنعم به عليه، لكن أورد عليه أن أرادстр. 3846
وقيل: علماء أمته، وقيل: الإسلام، ولا ريب أنهما من الخير الكثير، فالعلماء ورثة الأنبياء، كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي، وأما "علماء أمتي كأنبياء بني
الحواشي
(١) ابن عباس بهذا بيان ما وضع له لغة، أو بيان معنى عام خص في الآية، فلا كلام فيه، وإن أراد تفسير الآية فالنص النبوي جاء بخلافه، كما مر ويأتي.
"وقيل: النبوة وهي من الخير الكثير" الذي أعطيه، "وقيل: علماء أمته" وجعل البيضاوي مجموع أولاده والاتباع العلماء لا واحد العلة، قول آخر لم يذكره المصنف.
"وقيل: الإسلام ولا ريب"، لا شك "أنهما" أي: الإسلام والعلماء "من الخير الكثير" الذي فسر به ابن عباس الكوثر، فلا يقصر عليهما ولا على النبوة ولا غيرها، بل يعم شرف الدارين، "فالعلماء ورثة الأنبياء"؛ لأن الميراث ينتقل للأقرب، وأقرب الذين فازوا بالحسنيين العلم والعمل، وحازوا الفضيلتين الكمال والتكميل، ولا رتبة فوق رتبة النبوة، فلا شرف فوق شرف وارث تلك الرتبة، ولذا اشتغلت الملائكة وغيرهم من المخلوقات بالاستغفار والدعاء لهم إلى يوم القيامة.
وروى ابن عدي وأبو نعيم والديلمي عن علي، رفعه: العلماء مصابيح الأرض، وخلفاء الأنبياء، وورثتي وروثة الأنبياء، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ [فاطر: ٣٢] .
قال الكشاف: ما سماهم ورثة الأنبياء، إلا لمداناتهم لهم في الشرف والمنزلة؛ لأنهم القوام بما بعثوا من أجله.
وقال الغزالي: لا يكون العالم وارثًا إلا إذا طلع على جميع معاني الشريعة، حتى لا يكون بينه وبينه إلا درجة النبوة، وهي الفارق بين الوارث والموروث، إذ هو الذي حصل له المال واشتغل بتحصيله، واقتدر عليه، والوارث هو الذي لم يحصله، لكن انتقل إليه وتلقاه عنه. انتهى.
"كما رواه أحمد وأبو داود والترمذي" وابن ماجه والبيهقي، كلهم عن ابي الدرداء، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له طريقًا إلى الجنة، وأن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضا بما يصنع، وأن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في الماء، وفضل العالم على العابد، كفضل القمر على سائر الكواكب، وأن العلماء ورثة الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، إنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر"، صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكناني، وضعفه الترمذي وغيره بالاضطراب في سنده.
قال السخاوي: لكن له شواهد يتقوى بها، ولذا قال شيخنا: له طرق يعرف بها أنстр. 3847
إسرائيل" فقال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الدميري والزركشي، أنه لا أصل له. نعم روى أبو نعيم في فضل العالم العفيف بسند ضعيف عن ابن عباس رفعه: أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد.
وقيل: الكوثر كثرة الأتباع والأشياع.
وعن بعضهم: المراد بالكوثر العلم، وحمله عليه أولى لوجوه: أحدها أن العلم هو الخير الكثير، والثاني: إما أن يحمل الكوثر على نعم الآخرة أو على نعم الدنيا، قال: والأول غير جائز؛ لأنه قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، والجنة سيعطيها لا
الحواشي
(١) للحديث أصلًا، وقد أخرجه الديلمي عن البراء بن عازب، رفعه: "العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء، وتستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا"، وأورده أيضًا بلا سند عن أنس، مرفوعًا: "العلماء ورثة الأنبياء، وإنما العالم من عمل بعلمه".
"وأما" خبر "علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل"، فإنهم كانوا يدعون إلى شريعة موسى من غير أن يأتوا بشرع مجدد، وكذا علماء هذه الأمة يدعون إلى الشريعة المحمدية.
"فقال الحافظ ابن حجر، ومن قبله الدميري والزركشي: أنه لا أصل له".
زاد بعضهم: ولا يعرف في كتابه معتبر.
وسئل عنه الحافظ العراقي: فقال: لا أصل له، ولا إسناد بهذا اللفظ، ويغني عنه: "العلماء ورثة الأنبياء"، وهو حديث صحيح.
وعن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: "أكرموا حملة القرآن، فمن أكرمهم فقد أكرمني، ومن أكرمني فقد أكرم الله، وألا فلا تنقصوا حملة القرآن حقوقهم، فإنهم من الله بمكان، كاد حملة القرآن أن يكونوا أنبياء إلا أنه لا يوحى إليهم"، رواه الديلمي، وقال: إنه غريب جدًا.
قال السخاوي: وفيه من لا يعرف، وأحسبه غير صحيح.
"نعم، روى ابو نعيم في" كتاب "فضل العالم العفيف بسند ضعيف، عن ابن عباس، رفعه: "أقرب الناس من درجة النبوة أهل العلم والجهاد"؛ لأنهم لما قاموا مقام الأنبياء في الأمرين استحقوا أن يكونوا أقرب الناس من درجتهم.
"وقيل: الكوثر: كثرة الأتباع والأشياع" "بمعجمة وتحتية عطف" مساو، "وعن بعضهم: المراد بالكوثر العلم، وحمله عليه أولى لوجوه"، أي: ثلاثة.
"أحدها: أن العلم هو الخير الكثير" الذي يتفرع عنه سعادة الدارين.
"و" الوجه "الثاني: إما أن يحمل الكوثر على نعم الآخرة، أو على نعم الدنيا، قال" ذلك البعض: "والأول غير جائز" إن حمل على حقيقة اللفظ؛ "لأنه قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَстр. 3848
أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا، وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا هو العلم والنبوة، فوجب حمل اللفظ على العلم، والثالث: أنه لما قال ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ قال عقبة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَر﴾ والشيء الذي يتقدم على العبادة هو المعرفة؛ ولأن "الفاء" في قوله فصل للتعقيب، ومعلوم أن الموجب للعبادة ليس إلا العلم.
وقيل: الكوثر الخلق الحسن، كما قال ﷺ في حديث: "ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة". رواه الطبراني. وعن ابن عباس: جميع نعم الله تعالى على نبيه ﷺ .
وبالجملة: فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي، فوجب حملها على الكل، ولذا روي أن سعيد بن جبير لما روى هذا القول
الحواشي
(١) الْكَوْثَرَ﴾ بصيغة الماضي، "والجنة سيعطيها لا أنه أعطاها، فوجب حمل الكوثر على ما وصل إليه في الدنيا" إبقاء للفظ أعطينا على حقيقته، "وأشرف الأمور الواصلة إليه في الدنيا، هو العلم والنبوة، فوجب حمل اللفظ على العلم" كأنه قصره عليه مع اشتراكه مع النبوة في أنهما أشرف ما وصل إليه؛ لأن العلم مترتب عليها، فكأنه المقصود بالوحي، وثمراته كثيرة بخلاف النبوة، فخاصة به ﵊.
"و" الوجه "الثالث: أنه لما قال: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، قال عقبة: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ ، والشيء الذي يتقدم على العبادة هو المعرفة" أي: العلم بالأحكام، فيفيد أنه المراد؛ "ولأن الفاء في قوله فصل، للتعقيب، ومعلوم، أن الموجب"، أي: السبب المقتضي "للعبادة ليس إلا العلم"، فيفيد أنه المراد، لكن هذا كله استنباط عقلي لا يلاقي تفسيره ﷺ بأنه نهر في الجنة.
"وقيل: الكوثر: الخلق الحسن"؛ لأن به سعادة الدارين، "كما قال ﷺ في حديث: "ذهب حسن الخلق بخير الدنيا والآخرة"، رواه الطبراني" والبزار، "وعن ابن عباس" أن الكوثر "جميع نعم الله تعالى على نبيه ﷺ "، فشمل النبوة والعلم، وجميع ما مر وغيره من النعم التي لم تذكر.
"وبالجملة، فليس حمل الآية على بعض هذه النعم أولى من حملها على الباقي، فوجب حملها على الكل، ولذا روي أن سعيد بن جبير لمغا روى هذا القول"، إن الكوثرстр. 3849
عن ابن عباس قال له بعضهم: إن ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه.
قال الإمام فخر الدين بن الخطيب: قال بعض العلماء: ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر فيجب أن يكون الأقرب حمله على ما آتاه الله تعالى في الدنيا من النبوة والقرآن والذكر العظيم
الحواشي
(١) جميع النعم، "عن ابن عباس" لكن الذي رواه البخاري من طريق أبي بشر وعطاء بن السائب، عن سعبد بن جبير، عن ابن عباس، قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إياه.
قال أبو بشر: فقلت لسعيد: إنا ناسًا يزعمون أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه، "قال له بعضهم"، هو أبو بشر جعفر بن أبي وحشية، واسمه إياس: "إنا ناسًا" وفي رواية: أناسًا "بضم الهمزة" وسمي منهم أبو إسحاق السبيعي وقتادة "يزعمون" يقولون، "أنه نهر في الجنة، فقال سعيد: النهر الذي في الجنة من الخير الذي أعطاه الله إياه"؛ لأن النهر فرد من أفراد الخير الكثير، فلا تنافي، لكن صرح ﷺ ؛ بأنه نهر في الجنة، كما في مسلم، ويأتي، وكما مر عن الصحيحين في حديث المعراج؛ أن جبريل قال له: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك.
وفي الصحيح عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود؛ أنه سأل عائشة عن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، قالت: نهر أعطيه نبيكم في الجنة، شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم، فأي معدل عن هذا على أنه قد ورد عن ابن عباس تفسيره بالنهر. فكأن بلغه عن المصطفى، فرجع عن الاستنباط.
أخرج ابن أبي الدنيا عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، قال: هو نهر في الجنة، عمقه سبعون ألف فرسخ، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، شاطئاه من اللؤلؤ والزبرجد والياقوت، خص الله به نبيه قبل الأنبياء، وما ذكر في عمقه لا يخالفه ما رواه ابن أبي الدنيا.
عنه أيضًا أنه سئل: ما أنهار الجنة، أفي أخدود؟، قال: لا، ولكنها تجري على أرضها، لا تفيض ههنا ولا ههنا؛ لأنه أجيب؛ بأن المراد أنها ليست في أخدود، كالجداول ومجاري الأنهار في الأرض، بل سائحة على وجه الأرض مع عظمها وارتفاع حافاتها، فلا ينافي ما ذكر في عمقها.
"قال الإمام فخر الدين بن الخطيب" الرازي: "قال بعض العلماء: ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر﴾ ، يقتضي أنه تعالى قد أعطاه ذلك الكوثر، فيجب أن يكون الأقربстр. 3850
والنصر على الأعداء. وأما الحوض وسائر ما أعده الله له من الثواب فهو وإن جاز أن يقال: إنه داخل فيه؛ لأن ما ثبت بحكم وزعد الله فهو كالواقع، إلا أن الحقيقة ما قدمناه؛ لأن ذلك وإن أعد له فلا يصح أن يقال على الحقيقة إنه أعطاه الكوثر في حال نزول هذه السورة بمكة، ويحتمل أن يجاب عنه بأن من أقر لولده الصغير بشيء يصح أن يقال: أعطاه ذلك الشيء مع أن الصبي في ذلك الحال ليس أهلًا للتصرف. انتهى.
وقد روينا في صحيح مسلم من حديث أنس بينما رسول الله ﷺ بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة، ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا ما يضحكك أضحك الله
الحواشي
(١) حمله على ما آتاه الله تعالى في الدنيا من النبوة، والقرآن، والذكر العظيم، والنصر على الأعداء" والآيات البينات.
"وأما الحوض" الذي له في القيامة، وهو أحد ما قيل في تفسير الكوثر، كما في الشفاء، "وسائر ما أعده الله له من الثواب" في الآخرة، "فهو وإن جاز أن يقال: إنه داخل فيه؛ لأن ما ثبت بحكم وعد الله، فهو كالواقع"؛ لأنه لا يخلف وعده، وجوازه لا يوجب الحمل عليه، ولا يرجحه؛ لأنه إذا حمل عليه بخصوصه، أو على ما يشمله كان مجازًا، وإذا حمل على ما أعطيه في الدنيا فقط كان حقيقة، وهي مقدمة على المجاز ما أمكنت، حيث لا مانع، وقد علم أن المانع تفسيره ﷺ ؛ بأنه نهر في الجنة، "إلا أ، الحقيقة ما قدمناه" في قوله: فيجب أن يكون الأقرب.. إلخ؛ لأن ما أعطاه في الدنيا ثبت إعطاؤه له بالعقل، فاستعمال الإعطاء حقيقة فيه، بخلاف أمور الآخرة؛ "لأن ذلك وإن أعد له، فلا يصح أن يقال على الحقيقة، أنه أعطاه الكوثر في حال نزول هذه السورة بمكة"، وإنما يصح أن يقال ذلك على المجاز، إما؛ لأنها ستعطي، أو؛ لأنه تعالى قدر في علمه أنها له، فعبر عنها بأعطينا.
"ويحتمل أن يجاب عنه؛ بأن من أقر لولده الصغير بشيء، يصح أن يقال: أعطاه ذلك الشيء، مع أالصبي في ذلك الحال ليس أهلًا للتصرف. انتهى.
وعليه يحمل أعطي على ما أعطاه من أمور الدنيا والآخرة، ولا يكون مجازًا؛ لأن من وهب شيئًا لولده الصغير، وقبله له صار ملكًا حقيقيًا للصغير، فما هنا كذلك.
"وقد روينا في صحيح مسلم" وسنن أبي داود والنسائي، "من حديث أنس: بينما" "بالميم" "رسول الله ﷺ بين أظهرنا"، أي: بيننا، وأظهر زائدة، "إذ أغفي إغفاءة"، أي: نام نومة خفيفة، "ثم رفع رأسه متبسمًا، فقلنا: ما يضحكك؟، أضحك الله سنك يا رسول الله" قالстр. 3851
سنك، يا رسول الله؟ قال: "نزلت علي سورة آنفًا فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ . ثم قال: أتدرون ما الكوثر؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: فإنه نهر وعدنيه ربي، عليه خير كثير، وهو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة، آنيته عدد النجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: رب إنه من أمتي، فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك".
الحواشي
(١) الأبي: عبروا بالضحك عن التبسم لوضوح البسم منه ﷺ ، فعبروا عنه بالضحك، "قال: نزلت علي سورة آنفًا" أي: قريبًا، "فقرأ: بسم الله الرحمن الرحيم ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ، فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ، إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ﴾ ، فهم منه فاهمون أن السورة نزلت في تلك الإغفاءة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.
قال في الإتقان: والأشبه أن القرآن كله نزل يقظة، وأجاب الرافعي؛ بأنه خطر له في النوم سورة الكوثر، المنزلة في اليقظة، أو عرض عليه الكوثر الذي نزلت فيه السورة، فقرأها عليهم، "فسره لهم، أو الإغفاء ليست نومًا، بل هي البرحاء التي كانت تعتريه عند الوحي".
قال في الإتقان: والأخير أصح من الأول؛ لأنه قوله: أنزل علي آنفًا، بدفع كونها نزلت قبل ذلك.
"ثم قال: "أتدرون ما الكوثر؟ "، قلنا: الله ورسوله أعلم، قال: "فإنه نهر" داخل الجنة، كما رآه المصطفى ليلة المعراج، كما مر في حديث أنس في الصحيح، "وعدنيه ربي" بقوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ ، "عليه خير كثير" منه قوله سابقًا: حافتاه قباب الدر، وطينه مسك أذفر، "وهو حوض"، أي: نهر في الجنة، يسيل في حوض، "ترد عليه أمتي يوم القيامة" وفي رواية لأحمد: ويفتح نهر الكوثر إلى الحوض.
وفي مسلم عن أبي ذر: أن الحوض يشخب فيه ميزابان من الجنة، قال المصنف: ويطلق على الحوض كوثر، لكونه يمد منه.
وقال الحافظ: وهذا النهر هو الذي يصب في الحوض، فهو مادة الحوض، كما جاء صريحًا في البخاري، "آنيته عدد النجوم" ولأحمد من رواية الحسنن عن أنس: أكثر من عدد نجوم السماء.
وفي الصحيحين من حديث ابن عمرو: "وكيزانه كنجوم السماء، من شرب منه فلا يظمأ أبدًا"، "فيختلج" "بضم التحتية، وسكون المعجمة، وفتح الفوقية"، واللام، وبالجيم مبني للمفعول" أي: يجتذب ويقتطع $"العبد منهم، فأقول: رب إنه من أمتي" فلم أخرج منهم، "فيقول: ما تدري ما أحدث بعدك" من الردة عن الإسلام والمعاصي، فيمنعون من الحوضстр. 3852
وهذا تفسير صريح منه ﷺ بأن المراد بالكوثر -هنا- الحوض، فالمصير إليه أولى، وهذا هو المشهور كما تقدم.
فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة وشرفه بهذه الخصال العميمة، وحباه بما أفاضه عليه من نعمه الجسيمة.
وقد جرت عادة الله تعالى مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام أن يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: ﴿يَا آدَمُ اسْكُن﴾ [البقرة: ٣٥] ﴿يَا نُوحُ اهْبِط﴾ [هود: ٤٨] ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه﴾ [القصص: ٣٠] ، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ .
الحواشي
(١) حتى يطهروا من ذنوبهم، وأحضر المرتدون" زيادة لتنكيلهم، وحسرتهم، "وهذا تفسير صريح منه ﷺ بأن المراد بالكوثر هنا الحوض" أي: النهر الذي يصب في الحوض بدليل قوله نهر، "فالمصير إليه أولى" أي: أحق وأوجب.
وقول الشارح: أي: من حيث الاعتبار، فلا ينافي ما قدمه من أنه واجب فيه، أنه لم يقدم ذلك، إنما قدم الوجوب في تفسيره بغير ذلك، "وهذا هو المشهور، كما تقدم" في قوله: إنه نهر في الجنة، وهذا هو المشهور المستفيض عند السلف والخلف، وهذا صريح في تأويل قوله الكوثر: الحوض بما قلناه؛ لأنه الذي قدمه.
وقد قيل: إن المراد به الحوض الذي في القيامة على ظاهر الحديث، فلا تأويل، وقيل: الشفاعة، وقيل: المعجزات الكثيرة، وقيل: المعرفة، أي: العلوم اللدنية التي أفاضها عليه بلا واسطة، فكأنها كوثر، وقيلك تخفيفات الشريعة، وقيل: كثرة الأمة، ومغايرته لكثرة الأتباع بحمله على أصحابه لكثرتهم على اتباع غيره عن المرسلين جدا، وقيل: رفعة الذكر، وقيل: الدعوات المجابات له، وقيل: كلمة التوحيد لا إله إلا الله، محمد رسول الله، وقيل: الخمس صلوات التي خصت بها أمته، فهذه عشرة، والمصنف حكى عشرة، فتلك عشرون أصحها الأول.
"فسبحان من أعطاه هذه الفضائل العظيمة، وشرفه بهذه الخصال العميمة، وحباه" بموحدة "بما أفاضه عليه من نعمه" جمع نعمة، "الجسيمة، وقد جرت عادة الله تعالى مع أنبيائه عليهم الصلاة والسلام، أن يناديهم بأسمائهم الأعلام نحو: ﴿يَا آدَمُ اسْكُن أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ ، وبدأ به؛ لأنه أبو البشر المقدم عليهم، ﴿يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾ ، وكذا يا إبراهيم، وقد صدقت الرؤيا، ﴿يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّه﴾ ، ﴿يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ﴾ ، ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ ، ﴿يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى﴾ ، ﴿خُذِ الْكِتَاب﴾ .стр. 3853
[المائدة: ١١٠] ، وأما نبينا محمد ﷺ فناداه بالوصف الشريف من الإنباء والإرسال فقال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول. ولله در القائل:
ودعا جميع الرسل كلا باسمه ... ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا عبيده بأفضل ما أوجد لهم من الأوصاف العلية والأخلاق السنية، ودعا الآخرين بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف، ولا بخلق من الأخلاق، أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه، وأقرب إليه ممن دعاه باسمه
الحواشي
(١) "وأما نبينا محمد ﷺ ، فناداه بالوصف الشريف من الإنباء والإرسال" الدال على التعظيم والملاطفة لمنزلته عنده، "فقال: يا أيها النبي، يا أيها الرسول" يا أيها المزمل، يا أيها المدثر، فلم يذكر باسمه في النداء تعظيمًا، وذكر في الخبر، كقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُول﴾ ، ﴿ُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّه﴾ ، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ ؛ لأنه ورد مورد التعيين والإعلام؛ بأن صاحب هذا الاسم هو الرسول، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١] الآية، لما لم يورد هذا المورد لم يذكر اسمه.
"ولله در القائل:
ودعا جميع الرسل كلا باسمه ... ودعاك وحدك بالرسول وبالنبي
دعا: نادى، ومراد المصنف خطاب الله تعالى له في القرآن باسمه، فلا يرد عليه، كما توهم خطابه بقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْت﴾ [القصص: ٥٦] الآية، وقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢] الآية، وقوله في المحشر: ارفع رأسك وقل تسمع يا محمد ولم يقل: يا أيها النبي، أو يا أيها الرسول، وإن قيل: حكمته أنه أخصر، ففيه سرعة إجابته، وتطويل الكلام لا يناسب مقام الإذن في الشفاعة، وقد سرى هذا التشريف ببركته إلى أمته.
ففي الخصائص: إن الله شرفهم بخطابهم في القرآن، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ، وخاطب الأمم السالفة بيا أيها المساكين.
"قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: ولا يخفى على أحد أن السيد إذا دعا"، نادى "عبيده بأفضل ما أوجد لهم" أعطاهم، "من الأوصاف العلية، والأخلاق السنية" بمعنى العلية فحسنه اختلاف اللفظ، "ودعا آخرين" وفي نسخة: غيرهم "بأسمائهم الأعلام التي لا تشعر بوصف من الأوصاف، ولا بخلق" "بضمتين" "من الأخلاق" دل دعاؤه لذلك البعض على "أن منزلة من دعاه بأفضل الأسماء والأوصاف أعز عليه وأقرب إليه ممن دعاه باسمه العلم"،стр. 3854
العلم، وهذا معلوم بالعرف: أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبالغة في تعظيمه واحترامه. انتهى.
وانظر ما في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] من ذكر "الرب" تعالى وإضافته إليه ﷺ ، ومال في ذلك من التنبيه على شرفه واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب، له الحظ الأعظم، والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها إذا هو في الحقيقة أعظم خلفائه.
ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه، وجعله أفضل أنبيائه، أم بهم ليلة إسرائه، وجعل آدم فمن دونه يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه وجزائه.
وبالجملة، فقد تضمن الكتاب العزيز من التصريح بجليل رتبته، وتعظيم
الحواشي
(١) فالمقدر جواب، إذ؛ لأن لفظ أن الفرد لا يقع جوابًا لإذا، وجملة، إذا من الشرط والجواب خبر أن السيد.. إلخ.
"وهذا معلوم بالعرف؛ أن من دعي بأفضل أوصافه وأخلاقه كان ذلك مبلاغة في تعظميه واحترامه. انتهى" إذا العدول عن الاسم العلم يقتضي ذلك عرفًا، ولذا قال الله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣] .
"وانظر" نظر تأمل وتدبر في المعاني المستنبطة من الألفاظ، "ما في نحو قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] الآية، من ذكر الرب تعالى" المشعر بمزيد الرأفة "وإضافته" أي: رب، "إليه ﷺ " بقوله: ربك، "وما في ذلك من التنبيه على شرفه" بإضافته إليه، "واختصاصه وخطابه، وما في ذلك من الإشارة اللطيفة، وهي أن المقبل عليه بالخطاب له الحظ الأعظم والقسم الأوفر من الجملة المخبر بها"، وهي هنا خلافة الله في الأرض، فلا ريب أن له النصيب الأوفى منها، "إذ هو في الحقيقة أعظم خلفائه، ألا ترى إلى عموم رسالته ودعائه" الخلق إلى ذلك: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] "وجعله أفضل أنبيائه"، بدليل أنه "أم بهم ليلة إسرائه" بتقديم جبريل له، والحق في الإمامة للأفضل، "وجعل آدم فمن دونه" أي: فمن بعده، "يوم القيامة تحت لوائه، فهو المقدم في أرضه وسمائه، وفي دار تكليفه" الدنيا "وجزائه" الاخرة" وبالجملة فقدстр. 3855
قدره، وعلو منصبه، ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم، ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] ، وتقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له، مع تأخره عنهم في الزمان في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ [الأحزاب: ٧] وأخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ، وهذا بحر لا ينفد وقطر لا يعد.
الحواشي
(١) تضمن الكتاب العزيز" القوي الغالب، "من التصريح بجليل رتبته وتعظيم قدره"، أي: رتبته وشرفه، "وعلو منصبه"، بزنة مسجد العلو والرفعة، كما في المصباح كغيره، "ورفعة ذكره ما يقضي بأنه استولى على أقصى درجات التكريم" أي: أعلاها، "ويكفي إخباره تعالى بالعفو عنه ملاطفة" معاملة وشفقة، والماعلة مجازية لتنزيل استحقاقه بمنزلة فعله، أو هي لأصل الفعل بلا مشاركة، "قبل ذكر العتاب في قوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٣] فقدم عفا الله عنك، دعامة تقصد بها الملاطفة، إذ هو خبر معناه: لا عهدة عليك، وليس المعنى أن الإذن ذنب يتعلق به العقوبة؛ لأن مسامحته لهم مع أذاهم إسقاط للحظوظ، فهو عتب بلطف، لا ملامة فيه، أي: قد بلغت في الامتثال والاحتمال الغاية، وزدت في طاعة الله ومحبته، والرفق بالبر والفاجر ما أجحف بك، فهو من عتب الحبيب من حيفة على نفسه، وتخفيف لا تعنيف، ومدح لا قدح، ويأتي بسط هذا إن شاء الله.
"و" يكفي في ذلك أيضًا "تقديم ذكره على الأنبياء تعظيمًا له" إذ التقديم يعطيه، "مع تأخره عنهم في الوجود في قوله تعالى": ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ قيل معناه: تبليغ الرسالة وتصديق بعضهم بعضًا، وقيل: أن يعلنوا بنبوة المصطفى، ويعلن هو بأنه لا بني بعده، ففيها تفضيل له من وجوه، منها: أنه ذكر النبيين جملة، ثم خص بالذكر بعضهم تشريفًا لهم، وقدمه ﷺ عليهم تشريفًا على تشريف، وهؤلاء الخمسة هم أولوا العزم في قول، وإخباره بتمني أهل النار طاعته في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا﴾ للتنبيه، ﴿لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: ٦٦] ، وهذا بحر لا ينفد" "بفتح الفاء: لا يفرغ "وقطر "بفتح القاف وسكون الطاء"، أي: مطر "لا يعد" لكثرته، أو "بضم القاف"، أي: إقليم لا يمكن عد نواحيه وبلاده لكثرتها، جوازهما شيخنا في التقرير، واقتصر في الحاشية، على الفتح؛ لأنه أظهر والله أعلم.следующие страницы →